مقالات

العدو الشرير (6)

هادي صلاحات


دل النجاح اللافت للجنة كريل –المذكورة في المقال السابق- على فاعلية استخدام “العدو” في توجيه الرأي العام وكسب تأييد الجمهور، ومن هنا نشأ ما سمي بـ”الذعر الأحمر”، حيث كانت الشيوعية هي العدو هذه المرة.

وشهد عام 1954 أحد أشهر استخدامات “الذعر الأحمر”، حيث كانت شركة “الفواكه المتحدة” أحد أبرز عملاء إدوارد بيرنيز، إذ كانت تمتلك مزارع موز شاسعة في غواتيمالا وأمريكا الوسطى.

إعلان لشركة الفواكه المتحدة يعود إلى عام 1916

وعلى مدى عقود، كانت الشركة تسيطر على غواتيمالا من خلال الدكتاتوريين الموالين لأمريكا، ولكن في عام 1950 تم انتخاب العقيد الشاب جاكوبو أربينز رئيسًا، والذي وعد بإزالة سيطرة شركة الفواكه عن البلاد، وفي عام 1953 أعلن أن الحكومة ستتولي أمر معظم أراضي الشركة. وكانت هذه كارثة للشركة، فلجأت إلى بيرنيز.

ومع أنّ الرئيس المنتخب وحكومته لم تربطهما أي علاقة بموسكو، إلا أن بيرنيز استغل اندلاع الحرب الباردة وقلق الشعب مما قد تفعله الشيوعية؛ وعمل على تغيير مظهر حكومة غواتيمالا -إعلاميًا- من حكومة منتخبة شعبيًا تعمل لصالح البلاد، إلى ذلك الكيان الشيوعي القريب جدًا من الشاطئ الأمريكي، والمهدِّد للقيم الأمريكية.

تضمنت خطة بيرنيز دعوة صحفيين أمريكيين مؤثرين للقيام بجولة في غواتيمالا، فقلة منهم فقط كانوا يعرفون شيئا عن البلاد وسياساتها، حيث رتب لهم بيرنيز لقاءات مع سياسيين غواتيماليين مختارين ليخبروهم أن أربنز كان شيوعيا تتحكم به موسكو. كما كانت هناك خلال الرحلة مظاهرات عنيفة ضد الولايات المتحدة في العاصمة، ويرجح موظفو شركة الفواكه المتحدة أن بيرنيز هو من عمل على تنظيم المظاهرات.

أربينز

أنشأ بيرنيز أيضا وكالة إخبارية وهمية في أمريكا تدعى “مكتب معلومات أمريكا الوسطى”، وأمطرت هذه الوكالة وسائل الإعلام الامريكية بوابل من نشرات صحفية تدعي أن موسكو تعتزم استخدام غواتيمالا كشاطئ لشن هجوم على الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، أقر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور بأنه يتعين على الولايات المتحدة الإطاحة -سرًا- بحكومة غواتيمالا. فصدرت التعليمات إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتنظيم انقلاب.

وبالتعاون مع شركة الفواكه المتحدة، قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدريب وتسليح مليشيات متمردة، وعثرت على زعيم جديد للبلاد هو العقيد كارلوس كاستيلو أرماس.

وفي الوقت الذي كان فيه الطيّارون التابعون لوكالة الاستخبارات المركزية يلقون القنابل على عاصمة غواتيمالا، قام بيرنيز بحملته الدعائية في الصحافة الأمريكية ليعيد تشكيل الواقع، ويعيد توجيه الرأي العام لرؤية ما يحدث على أنه ثورة يقودها “مقاتلو الحرية” لتحرير غواتيمالا.

من نتائج الحرب في غواتيمالا

وفي عام 1954 فرّ العقيد أربينز من البلاد ووصل الزعيم الجديد أرماس، وفي غضون أشهر زار ريتشارد نيكسون غواتيمالا، وكان حينها نائب رئيس الولايات المتحدة. وأُقيم هذا الحدث تحت إشراف دائرة العلاقات العامة لشركة الفواكه المتحدة، والتي ظهرت -بعد كل هذا- على أنّها مجرد شركة تجارية.

عُرضت على نيكسون أكوام من كتب الأدب الماركسي، وقيل إنهم عثروا عليها في القصر الرئاسي. ثم قدم أرماس ونيكسون خطابهما الجماهيري وخلفهما تلك الأكوام من الكتب؛ وقدما بذلك مثالًا صارخًا على الكلمات الجوفاء التي تملأ الخطاب السياسي لكسب تأييد الجمهور، والتي تم التطرق لها في المقال السابق.

مما قاله نيكسون في خطابه: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي تتم فيها الإطاحة بالحكومة الشيوعية من قبل الشعب. ولهذا نهنئكم وشعب غواتيمالا على الدعم الذي قدمتموه. ونحن على ثقة بأنّه تحت قيادتكم المدعومة من الشعب -الذي التقيت بالمئات منه في زيارتي- ستدخل غواتيمالا حقبة جديدة يكون فيها الرخاء للشعب والحرية للشعب”.

ما بعد “الذعر الأحمر”

ريغان

بعد أن تراجع التهديد الشيوعي تحتم إيجاد عدو جديد، حيث أوجد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في الثمانينات العدو المناسب، والذي كان “الإرهاب”، فبدأ ريغان “الحرب على الإرهاب” والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.

كانت الحرب على الإرهاب هي الحجة الإعلامية الأولى لجميع الفظائع والمجازر التي اقترفتها الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن، وتبعتها في ذلك كثير من الدول العربية والإسلامية.

وبحجة مواجهة هذا “العدو الشرير”، تم تبرير انتهاكات فظيعة كالتعذيب والاختفاء القسري وسفك الدماء وارتكاب المجازر؛ فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي والتعليمي والصحي، فعلى الشعب أن يضحي في سبيل القضاء على “العدو الشرير”.

وقد يأخذ “العدو الشرير” أشكالًا عدة؛ فالإرهاب هو عدو عالمي، لكن هذا لا يمنع وجود “الأعداء” على المستوى الإقليمي، كـ”العدو المجوسي” في الشرق الأوسط (إيران)، و”العدو المجنون صاحب السلاح النووي” في شرق آسيا (كوريا الشمالية).

وبذلك يتم ضمان السيطرة الدائمة على الجماهير، بما يحقق مصالح المنظومة السياسية والاقتصادية، ويبرر الإنفاق الهائل على التسلح، والذي بدوره يضاعف مبيعات الشركات المصنعة للأسلحة.

ختامًا … من هو العدو الشرير حقًا؟
إن هذه السلسلة هي محاولة لإزالة الغشاوة عن عيون اللاهثين وراء غرائزهم ومصالحهم ونزواتهم، من لا يحتكمون لوحيٍ أو دين، فباتوا كالقطيع الضال. هي محاولة لتوضيح من هو “العدو الشرير” حقًا، وهم أولئك الذين لا يُمانعون بأن يتسببوا باندلاع الحروب وإبادة الشعوب في سبيل تحقيق مصالحهم. والذين يملكون الآلة الإعلامية الديمقراطية، ويصنِّعون الأسلحة الدموية الاستبدادية.

هم أولئك الذين يعاملوننا على أننا “قطيع ضال” تجب السيطرة عليه، هم المتوارون في الظلال ويعيثون في الأرض فسادًا. هم شياطين الإنس التي تسعى لأن تُفقَد البوصلة، ويضيع السبيل.


أهم المصادر والمراجع
السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

وهم الديمقراطية (5)

هادي صلاحات

تحدثنا في المقال الأول من هذه السلسلة عن إدوارد بيرنيز الذي لعب دورا محوريا في السيطرة على الجماهير والتلاعب بهم لأسباب اقتصادية، إلا أنّ التجربة الأولى لبيرنيز مع الجماهير هي تجربة سياسية.

أعضاء لجنة كريل عند تأسيسها عام 1916

فقد كان بيرنيز أحد أعضاء لجنة “كريل” للدعاية السياسية، والتي أنشأتها إدارة الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” لإقناع المواطنين بضرورة دخول الحرب العالمية الأولى، فالمواطنون كانوا مسالمين للغاية، ولا يرون سببًا للتورط في حرب أوروبية طاحنة؛ وكان ذلك يتعارض مع مصالح الإدارة الأمريكية.

لذا وفي غضون ستة شهور نجح بيرنيز وزملاؤه في لجنة كريل بتحويل المواطنين المسالمين، إلى أشخاص متعطشين للحرب وتدمير كل ما هو ألماني، لإنقاذ العالم.

كانت تجربة بيرنيز مع لجنة كريل هي ما دعته لقراءة كتب خاله سيغموند فرويد، حتى يبدأ بالتلاعب بالجماهير بما يخدم مصالح الإمبراطوريات الاقتصادية والنُخب السياسية.

كان فرويد يرى الإنسان حيوانًا خطِرًا شرسًا يصعب ترويضه، خصوصًا بعد ما شهده من دموية الحرب العالمية الأولى. وقد أيقن بضرورة التحكم بالجماهير بعد رؤيته لتطبيق نظريات بيرنيز وكيف يمكن أن تؤثر النزعات الدفينة في اللاشعور على تصرفات الناس.

ولأن بيرنيز روج لكتابات خاله في المجتمع الأمريكي، فقد أصبح لآراء فرويد وقع خاص على المجتمع، ما دعا والتر ليبمان عميد الصحفيين الأمريكيين، وأكثر الكُتّاب السياسيين تأثيرًا آنذاك، إلى القول بضرورة إعادة التفكير بالديمقراطية.

ومن الأفكار التي جاء بها ليبمان ما عُرف بـ”تصنيع الإجماع”، بمعنى استخدام الأساليب الدعائية لحمل الجمهور على الموافقة على أشياء لم يكونوا يتقبلونها، والتحكم بنتائج التصويت وعدم تركها للميول التلقائية للجمهور. وذلك من خلال إبقاء الأكثرية مجرد جماهير متلقية للمادة الإعلامية دون المشاركة فيها.

في ثلاثينيات القرن الماضي، سارت “الديمقراطية” على غير ما هو مرسوم لها، وحققت الحركات العمالية أول وآخر انتصار تشريعي لها، فقد تم سن ما سمي بقانون واجنر، والذي سمح للعمال بتشكيل النقابات والمطالبة بحقوقهم. وجاء رد أقطاب الاقتصاد والإعلام عندما حاول بعض عمال الحديد القيام بإضراب عام، فتم تصويرهم إعلاميًا على أنهم مخربون يضرون بـ”المصلحة العامة” وبـ”تناغم المجتمع الأمريكي”، وينقضون “الهوية الأمريكية”.

وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فتكرر استخدامه فيما سمي “صيغة وادي موهوك”.وهذه العبارات الفارغة (كالهوية الأمريكية) تستخدم كثيرًا لأغراض سياسية، فتُستخدم في منطقتنا العربية العديد من العبارات الشبيهة، مثل “لأجل الوطن”، عدا عن أسطوانات مشروخة تخص كل دولة على حدة، وعادة ما يتم تعزيز هذه الكلمات بصورة تلك الخرقة التي تكرس الحدود التي رسمها المستعمر، مع بعض الموسيقا المؤثرة.

شبّه ليبمان الناس بالقطيع الجائر الذي يجب التحكم فيه من خلال النخبة التي بإمكانها فهم وإدراك ماهية المصالح العامة للمجتمع، ومن ثم تقرير الأمور التي من شأنها أن تهم المجتمع.

وبالتالي حسب تصور ليبمان، فإن المجتمع الديمقراطي يتكون من طبقتين: الأولى هي الطبقة المتخصصة، وهي التي تفكر وتخطط وتحدد المصالح العامة. والثانية هي القطيع الجائر، ووظيفته المشاهدة فحسب، كما ويمكن لهذا القطيع من وقت لآخر من أن يؤيد أحد أفراد الطبقة المتخصصة، وهذا ما يُطلق عليه “انتخابات” بشرط أن يعودوا بعد ذلك لوظيفتهم الأساسية، مشاهدون فقط.

بطبيعة الحال فإنّ هناك طبقة أخرى لا تظهر للعلن، هي التي تحدد الطبقة المتخصصة، وهذه الطبقة هي التي وصفها الفيلسوف والناقد والناشط السياسي الأمريكي نعوم تشومسكي بـ”الأفراد الذين يملكون القوة الحقيقية، ويملكون المجتمع”.

يتسم نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية بالتعقيد، فهي انتخابات غير مباشرة تقوم على ما يُسمى بـ”المندوبين” و”المجمع الانتخابي”، حيث يصوت الشعب لمندوبين يتعهدون بالتصويت لمرشح معين. وتُجرى أولًا الانتخابات الأولية لتحديد مرُشح كل حزب، ومن ثم تجري الانتخابات الرئاسية العامة بين مرشحي الأحزاب المتنافسة (بشكل أساسي الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي). وحيث أنه لا مجال للخوض في تفاصيل الانتخابات الأمريكية وقوانينها، يكفي لفت النظر لبعض النقاط:

– في بعض الولايات يمكن لمنتسبي حزب معين المشاركة بانتخابات تحديد المرشح للحزب المنافس فيما يُسمى بـ”الانتخابات الأولية المفتوحة” (open primary).

– في الانتخابات الأولية هناك مندوبون (Unbound Delegates/ superdelegates) غير مُلزَمين بإخبار الجمهور بهوية المرشح الذين سيصوتون له.

– في الانتخابات الرئاسية العامة، في كل الولايات باستثناء ولايتي “مين” و”نبراسكا”، من يفوز بولاية ما يأخذ أصوات جميع المندوبين فيها، والحصول على أصوات أكبر عدد المندوبين هو من يحدد هوية الرئيس الأمريكي الجديد. لذا يمكن بالمحصلة أن يكون الفائز بالانتخابات ليس هو من حصل على أكبر عدد من الأصوات، وقد حصل هذا خمس مرات على مدى التاريخ الأمريكي القصير، كان آخرها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بها “دونالد ترمب” رغم حصول منافسته “هيلاري كلنتون” على عدد أصوات أكبر.

أي أنه في النظام الديمقراطي السليم، يجب على “الجمهور الديمقراطي” أن يسير وراء ممثليه الذين يعرفون المصالح العامة للمجتمع، حيث ينتخب الجمهور ما أفرزته النخبة من أفراد يُعفون الجمهور من الاهتمام بالأمور السياسية التي يصعب عليه فهم مصطلحاتها. فعلى الجمهور أن يبقى مُنشغلًا بأحدث صرعات الموضة، وبالمباريات الرياضية، وأحدث الأجهزة الالكترونية. والانتخابات الأمريكية هي بالفعل خير مثالٍ لذلك.

وحيث بينّا في هذا المقال كيف يُنظر إلى الانتخابات وإلى “الديمقراطية”، وكيف يتم توجيه الرأي العام منذ قرن من الزمان؛ فسنبيّن في المقال القادم -والأخير في هذه السلسلة- كيف تُستخدم نفس الاستراتيجية التي اتُبعت في لجنة كريل حتى يومنا هذا، بغرض توجيه الرأي العام والتحكم بالجماهير في “المجتمع الديمقراطي”.

 


أهم المصادر والمراجع

السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، القاهرة، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

The Electoral College: How It Works in Contemporary Presidential Elections, Thomas H. Neale, Congressional Research Service, 2017.

The Presidential Nominating Process and the National Party Conventions, 201 6: Frequently Asked Questions, Kevin J. Coleman, Congressional Research Service, 2015.

Five presidential nominees who won popular vote but lost the election, Rachael Revesz, The Independent, 2016.

http://www.ncsl.org/research/elections-and-campaigns/primary-types.aspx

الدين والتدين

تركي المصطفى


يذهب علماء الأديان إلى أنه ثمة مستويان اثنان يتصلان بدراسة الدين؛ المستوى الأول يتجه إلى دراسة دين بعينه، من خلال نصوصه الرئيسة، وآثاره الاجتماعية والثقافية والسياسية، أو من خلال سياقه الحضاري، كأن ندرس اليهودية، أو المسيحية، أو الكونفوشيوسية مثلاً.

أما المستوى الثاني فيتجه إلى دراسة الدين من حيث كونه ظاهرة عامة حاضرة في التاريخ الإنساني كله، بعيداً عن تناول دين بعينه؛ فإذا تحدثنا عن الظاهرة الدينية من حيث هي أنماط يمكن تتبعها وتصنيفها من خلال نصوصها فنحن نتحدث عن الدين، وإن تحدثنا عنها من حيث هي تجارب تظهر في سلوك المتدينين وأحوالهم النفسية والعقلية، فنحن نتحدث عن التدين. فإذا تبين ذلك فما هو الدين بهذا المستوى الثاني، أي من حيث كونه ظاهرة؟

اقتُرحت تعاريف كثيرة لبيان معنى الدين، يؤخذ عليها في غالبها أنها متأثرة بموقفها السابق أو تفسيرها للظاهرة الدينية ذاتها، ولكن الذي تتفق عليه هذه التعاريف غالبا أنه لا بد في الدين ليكون ديناً من وجود ذات مفارقة متعالية يتوجه إليها المتدين. وقد يمكن تعريف الدين بأنه “الاعتقاد بوجود ذات أو ذوات غيبية علوية، لها شعور واختيار، ولها تصرف وتدبير للشؤون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث على مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة، وفي خضوغ، وتمجيد”. أو بأنه “إقرار الإنسان الواعي بأن حياته ومصيره متعلقان بكائن متعالٍ عنه وعن العالم، والتعبير عن هذا الإقرار الواعي في نطاق حياة الفرد والمجتمع”.

معابد بوذية في ميانمار

إذن أساس الدين هو الإيمان بوجود كائن متعالٍ، سواء اعتُبر هذا الكائن شخصاً أم مجرد قوة لا شخصية، والإيمان بأن هناك ارتباطاً بين هذا الكائن والعالم والبشر. فالدين هو الاعتراف بهذه العلاقة، لا اعترافاً عقلياً على مستوى الفكر وحسب، بل اعترافاً يشمل الوجود كله.

والإيمان ليس مجرد موقف داخلي فحسب، فالإنسان كائن اجتماعي، وهو أيضا كائن قائم في وحدة الروح والجسد، ولذلك فلا يمكن أن يبقى الموقف الباطن والاعتراف بأمر ما دون تعبير خارجي محسوس، وإلا تعرض الموقف الباطني للتلاشي دون تمكننا من اختباره.

إذا تبين هذا، فيمكننا من خلال التعريفين السابقين للدين أن نحدد أربعة عناصر للدين، وهي الاعتقادات، الشعائر والعبادات، الفرائض والالتزامات التي يفرضها الدين أو يقتضيها، وتنظيم حياة الجماعة.

وإلى قريب من هذا ذهب الفيسلوف المسلم أبو الحسن العامري، إذ رأى أن الدين إنما هو اعتقادات وعبادات ومعاملات ومحرمات، وكذلك “ملك وخطط”، ويعني به الأثر الثقافي والاجتماعي والسياسي، أي الدور الحضاري للدين. فليس الدين مقولات فقط وإنما هو حضارة كذلك، وهذه رؤية تستند فيما يبدو إلى آيات قرآنية كثيرة، تحض على العمل وتربط بينه وبين القول.

نظريات البحث في الدين
اهتم الاتجاه العلمي السائد لدى الغرب في عصر النهضة الحديث بالبحث في أصل الأشياء، فبعد أن كان ذلك محصوراً في الجوانب التجريبية اتسع ليشتمل على العلوم الإنسانية، حيث انتقل من السؤال عن أصل الإنسان البيولوجي وتطوره إلى السؤال عن أصل دينه وتطور معتقداته، وقد زاد من العناية بهذا السؤال الأخير نشأة علم الاجتماع وتَشكُّل مناهجه وتحديد قضاياه وموضوعاته.

في هذا السياق ظهرت نظريات عديدة تبحث في أخص قضايا الاجتماع الإنساني -وقد تكون أعقدها- التي هي الدين، وتحاول تفسيرها وبيان دورها وعلاقاتها داخل المجموعة الإنسانية. وفيما يأتي عرض لأهم هذه المحاولات أو النظريات التي تحاول تفسير الظاهرة الدينية:

أوغست كونت

1- النظرية الوضعية لصاحبها أوغست كونت: ترى أن الدين ناتج الذكاء الإنساني في طفولته، الذي يتخذه وسيلة ليفسر بها مظاهر الطبيعة الحيوية التي يراها من حوله، غير أن هذا الذكاء ينضج فينتقل من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الميتافيزيقية (الغيبية) الفلسفية، وصولاً إلى المرحلة الوضعية، وهنا يفقد الدين مسوغات وجوده وتسود النظرية الوضعية (العلمانية) للعالم، وأي عودة للدين هي ارتكاس بهذا الذكاء إلى طفولته.

وتقرر النظرية أن هذا الذكاء الإنساني في مرحلته الأولى يستعين بالتجريد والخيال ليفسر بهما العالم وما فيه، لكن ذلك يزول على نحو تدريجي في طريق المسير نحو الوضعية المطلقة التي لن تقبل بغير الواقع في تفسير العالم، وستنحي أي فرض ميتافزيقي أو ديني في هذا السبيل، لذلك فإنها لن تبحث في علة وجود العالم ولا الغاية منه، لأنهما سؤالان من بقايا المرحلتين السابقتين، ولا يمكن إخضاعهما لأدوات المنهج الوضعي.

ويلاحظ أن النظرية توجه الأمور عكس اتجاهها الطبيعي، فالطفل مثلاً يتصل اتصالاً وثيقاً بالأشياء المادية التي حوله، ولا يمكن له أن يدرك أو يتصور إلا ما تقع عليه حواسه، وعالمه محدود بحدود مطعمه ومشربه ونحوهما، فإذا تقدم في النمو اتسعت دائرة احتياجاته واتسع معها عالمه وتطلعاته، فإذا وصل إلى غاية نضجه، انبعثت لديه الأسئلة التي تتصل بمصدر العالم ومصيره والغاية من وجوده، وهي أسئلة تتصل بأرقى ملكات الإنسان، وهي الخيال والقدرة على التجريد، وهي أسئلة الروح الكبرى، ولذا فإن الترتيب الذي اقترحه كونت معكوس، والأدق أن يكون على هذا النحو: المرحلة الحسية ثم مرحلة العقل القانع ثم مرحلة العقل المتسامي، وذلك قياساً على أطوار نمو ذكاء الطفل. ومن الانتقادات المهمة لهذه النظرية أنها لا تدرس نشأة الدين بل تبحث في موقعه من نمو الذكاء الإنساني الذي تفترضه.

ماكس مولر

2- النظرية الطبيعية لصاحبها ماكس مولر: يرى مولر أن الإنسان الأول عندما نظر في الطبيعة المترامية المتسعة حوله هالته وأدهشته وراعته، فانفعل بذلك انفعالاً رأى معه استحقاقها للعبادة، وهو تفسير نفسي في حقيقته، غير أن مولر يستند كذلك إلى علم اللغة المقارن الذي أفاد منه نتيجة معرفته بالسنسكريتية (اللغة الهندية) على وجه الخصوص، حيث لاحظ أن أسماء الآلهة في اللغات الهندية الأوروبية تتشابه، وهذا يعني أنها كانت لغة واحدة تشعبت بعد ذلك نتيجة تشعب الشعوب ذاتها، ويعني كذلك أن هذا التقديس هو الصورة الأولى للدين قبل نشوء الحضارات المتشعبة. ويرى مولر أن ظواهر الطبيعة استحقت العبادة بعد أن خلع عليها الإنسان البدائي الروح أو الحياة، نتيجة الخديعة التي أوقعته اللغة بها، فنحن نقول “النهر يجري”، و”الشمس تطلع”، وهي تعابير مجازية في أصلها خاصة بالأحياء، غير أن هذه المجازية اكتست صورة الحقيقة مع مرور الزمن، فأضحت الطبيعة نفسها كائنات حية تتفاعل مع الإنسان وتطلعاته وآماله، يسألها فتجيب، ويدعوها فتعطي.

وقد وجهت اعتراضات إلى هذه النظرية، منها ما يأتي:

  • تكرار وقوع الأحداث الطبيعية يجعلها اعتيادية بدلا من افتراض أنها تدفع الإنسان إلى التأمل فيها وتعليلها، وقد يكون هذا التأمل خاصا بالفلاسفة والحكماء دون العوام الذين يمثلون السواد الأعظم من المتدينين.
  • إذا فرضنا صحة القول بأن الروعة أو الدهشة هما علة عبادة الإنسان الأول للقوى العليا في الطبيعة، فكيف نفهم عبادته لقوى تافهة كالأحجار والحشرات ونحوهما؟ ثم كيف نفسر الفصل التام لدى هذا الإنسان بين الأمور المقدسة والأمور العادية طالما أن دواعي الرهبة والدهشة مبثوثة في أرجاء الطبيعة؟ وكيف نفهم استمرار الأديان ورسوخها عبر التاريخ وصولاً إلى اليوم على الرغم من أن معرفة الإنسان بالطبيعة قد تعمقت، ويوماً بعد يوم يملك قدراً من القدرة على توجيهها والتحكم بها؟

كارل ماركس

3- النظرية الماركسية (صاحبها كارل ماركس): ترى النظرية أن الدين مجرد تخيل نفسي عقلي للقوى الحاكمة في الخارج، وأن هذه القوى استندت في قوتها إلى وسائل الإنتاج. فالاجتماع الإنساني يشكله قطباه الأساسيان؛ الطبقة العاملة والطبقة الحاكمة، وليس التاريخ الإنساني إلا تاريخ الصراع بينهما، وليس إلا تاريخ الظلم الذي توقعه الطبقة الثانية على الأولى، لأنها تتحكم بوسائل الإنتاج والاقتصاد، فكلام ماركس عن الدين هو كلام عن تاريخ هذا الصراع، والدين كما يشاهده؛ في اليهودية والمسيحية، ليس شيئا سيئا في ذاته وإنما يساعد في وقوع الاستغلال والظلم، من خلال التهويم على الحقائق الاقتصادية والسياسية بالدفء والراحة اللذين يعد بهما المستغَلين، ولولاه لانتبه المستضعفون للظلم، فالدين ليس إلا خديعة يراد بها ديمومة هذا الاستغلال، لأن سلطانه مستمد من خارج هذا العالم، وعندما يُتخذ الدين لهذه الغاية السياسية فإنه يسمى حينئذ “إيديولوجيا”.

بعيداً عن رومانسية هذا الكلام فإنه انتُقد بأنه لا يمكن الكلام على الظاهرة الدينية أو الأفكار التاريخية المعقدة بمثل هذه البساطة، وأن ماركس ينطلق في كلامه على تفسير الدين من أمثلة ثقافية محددة حاضرة في رأسه، في فترة تاريخية محددة، وفي جغرافيا محددة، وهي اليهودية والمسيحية في أوروبا، ولا يمكن تطبيق ما يقوله بالمثل على أديان أو ثقافات دينية أخرى في أنحاء أخرى من العالم. وإن حصل التسليم بما قد يقع من توظيف الدين توظيفاً سياسياً، فإنه لا يمكن أن يقوم ذلك دليلاً أو بياناً لظروف نشأته، التي تملك في ذات الإنسان وما يحسه مقومات وجودها.

ومن الطريف أن ماكس فيبر، في بحثه بشأن الدور الاقتصادي للدين، يناقض ماركس ويرى أن الدين قد ينتج نظاماً اقتصادياً، ففي كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”، يرى أن سيادة المسيحية البروتستانتية الإصلاحية وبخاصة الكالفينية، التي شجعت على الزهد مع الدأب بالعمل وطلب الخلاص الأخروي بالإنجازات المادية، كان من أهم أسباب ظهور النظام الرأسمالي الحديث والتقدم الصناعي، ولا شك إذن أن هذا يقلب مذهب ماركس رأساً على عقب.

إميل دوركايم

4- النظرية الاجتماعية (صاحبها إميل دوركايم): يرى دوركايم أن النموذج الأوفى في دراسة نشأة الدين هو ملاحظة المجتمعات البدائية التي تقوم على نظام القبائل، فهي تكتسب تماسكها من اجتماعها حول لقب واحد يؤخذ من اسم حيوان أو نبات أو جماد إلى غير ذلك، فيتسمون به وقد يتخذونه وشماً يتميزون به عن غيرهم، ويسمى هذا السلوك نظام الطوطم (أو التوتم)، وهو محط تقديس وتعظيم، وكما أنهم يعظمون الاسم فهم كذلك يعظمون المسمى، وهم مع تقديسهم هذه التواتم لا يصلون إلى درجة تأليهها، بل يتنبهون إلى ما ترمز إليه وهو مصدرها، الذي هو المجتمع نفسه، فتنمحي الشخصية الفردية لصالح الشخصية الجمعية، وبهذا يكون المجتمع منشأ الدين وغايته في الوقت ذاته، وليست الجماعة بذلك إلا عابدة لذاتها لا أكثر.

انتُقدت هذه النظرية بانتقادات كثيرة، منها أنه إذا كان للاجتماع البشري هذه القوة المسيطرة على الفرد، من خلال عاداته وأخلاقه، وإلى درجة لا يملك الفرد أمامها حرية الرفض، فكيف نفهم ظهور المصلحين والعباقرة والأنبياء الذين يؤذن ظهورهم هذا بأفول مرحلة من حياة هذا المجتمع وبدء أخرى؟ إذن فما هي القوة التي يملكها هؤلاء حتى غيروا وجه المجتمع والتاريخ؟ وأين تلك القداسة التي يراها المجتمع لذاته وعاداته وأخلاقه؟

إدوارد تايلور

5- النظرية الحيوية (لصاحبها إدوارد تايلور): تقرر النظرية أن الإنسان “البدائي” اعتقد من جراء تجربة الأحلام أن أرواح الموتى باقية، إذ ينتقل طيف الميت انتقالاً حقيقياً و يأتيه في حلمه يكلمه. وبما أن ذلك يحدث له مع أرواح الأحياء التي تأتيه في المنام كذلك، فقد اعتقد إذن بقاء أرواح الأموات بعد فناء أصحابها، وآمن بقدرتها على الاتصال بالأحياء وإحداث المنفعة أو المضرة؛ ولذا فإنه لا بد إذن من استجلاب المنفعة واستدفاع المضرة. ثم تجاوز الإنسان عبادة أرواح الموتى إلى عبادة أرواح الكواكب والعاصر الطبيعية، فكيف حصل ذلك؟

هناك تفسيران: الأول يرى أن هذا الاعتقاد سببه التباس عقلي، وذلك أن “البدائي” كالطفل لا يفرق بين الأحياء والجمادات، إذ يُلحق الجمادات بالأحياء ويضفي عليها الحياة. والثاني يرى أن هذا الاعتقاد منشؤه لغوي، فقد كان “البدائيون” يطلقون على أنفسهم أسماء العناصر الطبيعية؛ كأن يتسمى أحدهم “نجماً” أو “قمراً”، فإذا مات انتقل التقديس بمرور الزمن إلى ما تسمى به.

انتُقدت هذه النظرية بأن “البدائي” لم يكن مشغولا بالبحث عن تفسير أحلامه، فإذا افترضنا فعلا أنه كان شخصا محدود العقل فإن محاولة تفسير الأحلام مرحلة متقدمة من التفكير، ثم إن الاعتقاد ببقاء الأرواح لا يلزم منه اعتقاد ألوهية مصدرها، ولا سيما أن من الأحلام ما هو أضغاث (خيالات) وما هو بقايا ذكريات ماضية مما لا يمكن أن يؤسس أو يثير عقيدة التأليه.

سيغموند فرويد

6- نظرية سيغموند فرويد: يرى أن الدين ظاهرة نفسية أنتجها اللاوعي في فجر الإنسانية البعيد، حيث تخيل قصة أسطورية مفادها أن الأبناء قتلوا أباهم المستبد، الذي أعطى لنفسه حقوقاً استثنائية على المرأة، وسعى في سبيل الحفاظ على موقعه إلى إبعاد من يهدده من الأبناء، وافترض فرويد أن ذلك وقع قبل التاريخ، في مرحلة كانت فيها القبيلة البدائية هي الوحدة الاجتماعية، وقد كانت مؤلفة من الأب والأم والذرية.

افترض أيضا أن قتل الأبناء لأبيهم أنشأ لديهم حالة عارمة من الندم، ولما وجدوا أنهم لا يمكنهم الوصول جميعاً إلى موقعه ظهرت الحاجة إلى الكبت، فنشأت المحرَّمات ثم تطورت إلى حالة دينية. وينطلق فرويد في ذلك كله من تحليله للفرد، ومن الفكرة المركزية المتصلة بعقدة “أوديب” لدى الفرد، ومن افتراضه أن المجتمعات كالأفراد في هذا.

ومن الواضح أن نظريته هذه في بيان نشأة التأليه نظرية فلسفية تأملية تفتقد إلى السند العلمي، وتعد أقل مظاهر فكره ثباتاً. إذ لا تزيد على كونها تعميماً لتجربة نفسية شخصية على البشر، تحت ما يسمى “عقدة أوديب”، وهو يفترض وجود روح جماعية تتكامل فيها السياقات ذاتها التي تحكم النفسية الفردية، ثم إنها تفترض تحول مخزون عاطفي نفسي لجيل يرجع إلى ما قبل التاريخ، كان عرضة لاستبداد الأب إلى أجيال لاحقة متحررة من هذا الاستبداد، ومتحررة من أي كبت جنسي يحول دون الزواج؛ فكيف وتحت أي ظرف كان هذا التحول؟ كما أن هذا الشكل الذي افترضه فرويد للقبيلة البدائية مرفوض كلياً من علماء الأنثروبولوجيا، هذا إلى جانب أن المؤمنين بهذه النظرية لا يقدمون أدلة تاريخية على حدوث جريمة القتل تلك.

جيمس فريزر

7- نظرية جيمس فريزر: يرى فريزر أن الدين مظهر لرغبة “البدائي” في السيطرة على الطبيعة، التي رأى فيها ظاهرة الانتظام، فأراد أن يتبادل معها التأثير، فاتخذ السحر طريقاً إلى ذلك، وهو يفترض أن السحر هو أصل الدين ثم أصل العلم كذلك، فالمراحل ثلاثة؛ السحر ثم الدين ثم العلم. وليس السحر لدى فريز إلا “العلم الزائف” الذي تنتجه عقلية “البدائي” وفق قانونين اثنين؛ الأول قانون “التشابه” وهو أن الشبيه يدعو الشبيه، ويرى الساحر أن بإمكانه إيجاد ما يرغب به بمجرد المحاكاة، فبإمكانه مثلاً من خلال محاكاة حركات الحيوان الذي تتخذه القبيلة توتماً (طوطم) أن يضمن تكاثر فصيلته. والثاني قانون “الاقتران أو العدوى”، وهو أن قدرته على إلحاق أي أثر في شيء ما تتضمن سريان هذا الأثر إلى الشخص الذي كان على اتصال بهذا الشيء، فإذا سقطت إحدى أسنان رجل فابتلعها كلب اكتسبت بقية أسنانه صلابة أسنان الكلب.

تفتقد النظرية -كما يرى علماء الإناسة- الأدلة التي تشهد لها، فهي لا تعدو كونها فرضاً من الفروض، وهم لا يرون المراحل الثلاثة مراحل متمايزة ومتراتبة، وإنما يعدونها ثلاثة أنماط للنشاط العقلي لدى “البدائي”، أو وجهات نظر ثلاث إزاء الكون والطبيعة وأحداثهما، ومن ثم فإنها مراحل توجد جنباً إلى جنب في المجتمع الواحد في وقت واحد، وقد تتبادل التأثير فيما بينها،  وتؤثر بمجموعها في سلوك الإنسان، وقد يشهد لذلك ما يشاهد من حال الأديان اليوم.

8- نظرية جون لانغ: وهو يرى أن فكرة “العلية” بمعناها البسيط لدى “البدائي” قادرة على إنتاج فكرة دينية، فلديه فكرة عن صنع الأشياء، وهو يعلم أن ما يحيط به لا بد له من صانع، فيتصور هذا الصانع رجلاً عظيماً غير طبيعي يتجاوز الإنسان بقدرته، وهو يحنو على أطفاله الذين هم الناس ذاتهم، ويؤكد لانغ أنه يُلاحظ لدى كل الأقوام “المتوحشة” اعتقاد بوجود أب وسيد وخالق، بجانب عقائدهم وأساطيرهم الأخرى، غير أن هذا الاعتقاد الذي يكون في بدايته نقياً لا يلبث أن يختلط بالتصور الأسطوري لدى القوم، فتضيع معالمه، ويتخذ لانغ من المسيحية صورة لهذا الدين الذي يبدأ نقياً ثم يتغير باختلاطه بالتفكير الأسطوري، ويصف لانغ التفكير الأول بأنه عقلي سامٍ فهو نتاج التأمل والنظر ويدفع إلى الاستسلام العقلي، والثاني بأنه غير عقلي منحط فهو نتاج المخيلة ويدفع إلى النزوات المضطربة، وصورة ذلك في المسيحية أن الأول تمثله الصلوات والمزامير والكاتدرائيات والأناشيد والصلات الروحية بين الإنسان وخالقه، أما الثاني فتمثله خوارق المسيح والقديسين وغير ذلك من المعجزات الغريبة، وهما نمطان متجاوران في المسيحية وفي غيرها، بل هما موجودان دائما في حالة تنازع مطلق في التاريخ الديني البشري.

ويتفق مع هذا الرأي العالم الألماني ويلهلم شميت، من خلال المنهج التاريخي في علم الأجناس، فهو يقول بوجود إله أسمى كان يعتقد به الإنسان البدائي، كما يثبت أن فكرة الإله الواحد هي الأقدم لدى الإنسان، فالديانة الأولى للإنسان كانت التوحيد وليست التعدد. وقد وصل إلى أن الاعتقاد بإله أسمى يسد حاجة الإنسان للاعتقاد بوجود علة عقلية. وهذه النظرية هي الأقرب إلى تفسير الأديان نفسها لنشأتها، ولا سيما الأديان السماوية.

انتقد البعض لانغ بقولهم إن مبدأ العلية أو السببية أعقد من أن يفكر به عقل البدائي، هذا لو صح أصلا أن الإنسان كان بعقل بدائي فعلا، وقد رد لانغ بأن “العلية” فيها من البساطة البالغة ما يجعلها لا تغيب عن ذهن البدائي.

رسم تخيلي لقرية “بدائية” من العصر النحاسي فيما قبل التاريخ

ملاحظات عن نظريات نشأة الدين:
1- جميع النظريات السابقة مفترضة أو مقترحة لتفسير نشأة الدين، وهي متعارضة بل متناقضة، ولذلك فإنه لا يمكن الركون إلى واحدة منها والاطمئنان إلى أنها كفيلة بإرساء صيغة معقولة تفسر نشأة الدين، ولعل هذا التناقض هو الذي دفع العالم السويدي ناثان سود بريلوم إلى اقتراح إنشاء نظرية تركيبية تجمع هذه النظريات معا، وهذا يؤكد تعارضها ولا ينفيه.

2- من الملاحظات المنهجية التي توجه إلى هذه النظريات أن بعضها يعتمد في بنائه على المعلومات التي كان يدونها الرحالة والسائحون حول ما يشاهدونه، وهؤلاء ليسوا على درجة من المعرفة في علوم النفس والمنطق والدين والأخلاق، كما أنهم غالباً ليسوا مزودين بمنهج معين يتبعونه في رصدهم لهذه الملاحظات. وبعض هذه النظريات يعتمد على ما يسجله الباحث المتخصص من أفواه أقوام محرومين من العلوم أو الفنون المدونة، فليس لهم تراث مكتوب، ولم يحصلوا على المعرفة التي تتيح لهم تحليل مشاعرهم أو إحساساتهم الباطنة إزاء الأسئلة التي توجه إليهم، فقد يسارعون بالإجابة دون وعي بحقيقة ما هم عليه. كما أن اللغات البدائية التي يعبر بها البدائي عن المعاني العميقة لم تصل من النضج أو العمق إلى الحد الذي قد يعينه على تأدية المعاني الدقيقة المتصلة بتصوره عن نفسه وعما يحيط به وعن علاقته معه. ولعل مما يدل على وجاهة هذه الملاحظات المنهجية تناقض المعلومات التي جمعها الباحثون عن المجتمعات البدائية.

3- مصطلح “البدائي” نفسه هو محل اعتراض عدد من كبار الباحثين في علم الإناسة، فافتراض تخلف الإنسان البدائي هو فرض غير مثبت علميا، ولعل أبرز من يمثل هؤلاء البولندي برونيسلاف مالينوفسكي في كتابه “السحر والعلم والدين عند الشعوب البدائية”، الذي يؤكد أن جميع المجتمعات كان لديها سحر أو دين مهما كانت بدائية، بينما لا توجد مجتمعات بدائية دون علم أو نزعة علمية.

4- النظريات المقترحة لتفسير نشأة “الظاهرة الدينية” نظريات اختزالية بالمجمل، فهي تحاول أن تستخلص من الظواهر الدينية محددات عامة تفسر بها الدين على نحو عام، دون أن تلتفت إلى خصوصية دين بعينه؛ سواء في ذاته أو في ظروفه التاريخية والاجتماعية.

5- يغلب على هذه النظريات -وعلى البحث في الدين لدى الغربيين عموماً- الطابع الوضعي، فهي تُنحي جانباً ما تراه الأديان ذاتها في ظروف نشأتها، وما يراه كبار رجال الدين كذلك.

فالمؤمن بالوحي يعلم أن الدين ليس إلا تجلياً لفضل الله على خلقه بالهداية، وأن الإنسان لم يسر إليه وإنما هو من سار إليه، ولم يصعد إليه وإنما هو من نزل إليه. وقد تؤدي تأملاته وظروفه إلى اشتياقه للسماء، ولكن لا يمكنه أن يصطنع ديناً، فالوحي هو الذي عرّفه بالكون وخالقه وبصّره بمسؤوليته وغاية وجوده وإلى أين سيصير في نهاية مطافه.

إن هذه المعرفة التي أنزلت إلى الإنسان هي تراثه الخالد، الذي قد ينساه فيتوارد الإنبياء والرسل على إحيائه وتجديد العهد والذكرى به. وهي الحقيقة التي تشتمل عليها كتب الأديان المقدسة الكبرى.

ومع اختلاف هذه النظريات في تفسير الظاهرة، إلا أنها مجمعة كل الإجماع على وجودها منذ فجر الإنسانية البعيد وإلى ما قبل قدرتنا على التأريخ والسبر.

يقول الدكتور علي سامي النشار في كتابه “نشأة الدين: النظريات التطورية والمؤلهة”: “هذه الفكرة الرائعة الغلابة التي تكمن في الجوانح، وتشيع في الكائن الحيوي الإنساني. إنا نعلمها في أنفسنا جميعاً، ونستشفها من خلال الظواهر والجواهر، إنها جوهر الجواهر، الجوهر الخالد الذي عبر عنه العربي في بساطة وعمق، حين تأمل الكون في صحرائه الممتدة، فنطق: الصنعة تدل على الصانع. وكأن القوة الإلهية نفسها هي التي تنطق”.

أهم المراجع
مالوري ناي، الدين: الأسس، ترجمة هند عبد الستار، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2009.

جيمس فريزر، الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدين، ترجمة: أحمد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، 1971.

ميشال مسلان، علم الأديان: مساهمة في التأسيس، ترجمة عز الدين عناية، المركز الثّقافي العربي، الدار البيضاء، 2009.

علي سامي النشار، نشأة الدين: النظريات التطورية والمؤلهة، دار السلام للطباعة والنشر، 2009.

عادل تيودور خوري، مدخل إلى الأديان الخمسة الكبرى، المكتبة البولسية، بيروت، 2005.

محمد أحمد بيومي، علم الاجتماع الديني، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1981.

الماركسية والشيوعية

إبراهيم إسماعيل


تعد الفلسفة الماركسية الأصل الفكري الذي نتجت عنه الشيوعية كنظام سياسي واقتصادي، لذا سنعرض في القسم الأول من هذا المقال الماركسية من حيث كونها نظرية مُلهِمة، ثم نعرض في القسم الثاني الشيوعية كنموذج تطبيقي للماركسية.

القسم الأول: الماركسية

التعريف

الماركسية مذهب فلسفي مادي إلحادي، يرى أن كل ما في الكون من كائنات وموجودات حية وغير حية ناشئ عن المادة، فالمادة هي أصل الأشياء، وعن تطورها وجدت كل الأشياء، فلا يوجد وراءها شيء آخر، كما أن المادة أزلية قديمة لم يوجدها أحد.

وتفسر الماركسية التاريخ تفسيراً مادياً أيضاً، فترجع كل أحداثه إلى العوامل الاقتصادية وصراع الطبقات فيما بينها كما سنوضح لاحقا.

تتقاطع الماركسية مع عدة علوم، كعلم الاجتماع والاقتصاد السياسي والفلسفة، وسميت بالماركسية نسبة لمنظّرها الأول كارل ماركس (1818- 1883)، وهو فيلسوف واقتصادي ألماني يهودي، واشترك معه في تأسيس نظرية الشيوعية العلمية صديقه فريدريك إنغلز (1820- 1895).

المؤسسان:

كارل ماركس
ولد ماركس سنة 1818م في ألمانيا في عائلة يهودية، لكن والده اختار تغيير دين عائلته للمسيحية، فغيّر اسمه من هيرشل إلى هنريخ، كما غيّر اسم ابنه حاييم ذي الستة أعوام إلى كارل، ويرى بعض المؤرخين أن تبديل الأب لدينه كان حيلة اقتصادية ليندمج في المجتمع ويخلص نفسه وأولاده من الاضطهاد ضد اليهود، أما جد كارل فكان حاخاما ويدعى مردخاي ماركس.

وبالعودة إلى سلالة ماركس، نجد أن جده الرابع (من جهة أم والده هيرشل) هو الحاخام بيرنت كوهين (توفي عام 1808) الذي كان أحد كبار التجار في أمستردام بهولندا قبل أن ينتقل إلى لندن ليصبح من أعمدة التجارة فيها، والمثير أن هذه العائلة ارتبطت بعلاقات زواج عدة مع عائلة روتشيلد اليهودية المشهورة، وأهمها زواج ناثان ماير روتشيلد (رابع أبناء ماير روتشيلد مؤسس العائلة) من حنا بيرنت كوهين، التي كانت ابنة عم جدة هيرشل، ما دفع الكثير من المؤرخين إلى افتراض أن كارل نظّر للشيوعية تحقيقا لمصالح عائلة روتشيلد التي تُتهم بإشعال كبرى الحروب في أوروبا والسيطرة على كبرى مصارف العالم، ولا ننسى أن وعد بلفور الشهير بتأسيس إسرائيل كان موجها إلى اللورد ليونيل روتشيلد شخصيا.

درس كارل الفلسفة في جامعات بون وبرلين وفينا، وكان من المعجبين بفلسفة الألماني جورج هيغل، وهي تقول إن مسيرة الفكر والواقع تتطور بتفاعلات النفي المتتالي في صيرورة دائمة، لكنه رفض مثالية هيغل التي تجعل الأفكار أصل الأشياء، فكان ماركس مادي النزعة ويؤمن بأن المادة هي الأصل، ثم سافر إلى باريس وتعرف على الفلاسفة الاشتراكيين.

لم يكن ماركس في البداية ملحداً، ومن الشائع بين المؤرخين أنه عاش معظم حياته فقيرا حيث لم يجد كفنا لابنته عندما ماتت، وأنه طُرد مع عائلته من المنزل لعدم دفع أجرته، لا سيما وأنه كان يميل للقراءة والكتابة ويكره العمل حتى ماتت ابنتاه انتحارا، لكن المنزل الذي عاش فيه بلندن وما زال يحمل لافتة “كارل ماركس عاش هنا” يثبت أنه لم يكن فقيرا طيلة حياته.

أكد ماركس صداقته المتينة بالفيلسوف الصهيوني “موسى هس” صاحب كتاب “روما والقدس”، فقال ماركس “لقد اتخذت هذا العبقري لي مثالاً وقدوة، لما يتحلى به من دقة التفكير واتفاق آرائه مع عقيدتي وما أؤمن به، إنه رجل نضال وفكر وسلوك”، ومن المعروف أن مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل استقى مشروعه لتأسيس إسرائيل من مؤلفات هس.

وعبّر ماركس عن أفكاره أولاً في البيان الشيوعي الذي كتبه مع إنغلز عام 1848م، ثم في كتابه رأس المال 1867م، ومن أهم مؤلفاته أيضا “فقر الفلسفة”، “الاقتصاد السياسي والفلسفة”، و”الأيديولوجية الألمانية”.

فريدريك إنغلز
نشأ إنغلز في أسرة ثرية جداً، ولم يكمل دراسته الجامعية ليساعد والده في إدارة شركاته المختلفة. بدأ بالانسلاخ فكرياً عن طبقته عندما شاهد -حسب قوله- معاناة العمال من مساوئ الرأسمالية، فشرع في دراسة الاشتراكية وتأثر بالجدل الهيغلي وبالرافضين للمثالية الفلسفية المطلقة. ونظراً لنزعته المادية، تعاون مع ماركس على وضع أسس المذهب، ويقال إنه ظل ينفق على ماركس وعائلته حتى مات.

ومن أهم مؤلفاته: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، “حالة الطبقة العاملة الإنجليزية”، “الرد على دوهرينغ”، و”الثورة والثورة المضادة في ألمانيا”.

وايسهاوبت

عمل الباحث الكندي وليام غاي كار على تأليف كتابه “أحجار على رقعة الشطرنج” ما بين عام 1911 و1950، ووضع فيه تفاصيل “المؤامرة” التي قال إن عائلات يهودية كبرى وعلى رأسها روتشيلد صاغتها داخل المنظمات السرية، وذلك للسيطرة على مفاصل القوة في العالم، وكان من بين التفاصيل التي ذكرها أنه تم تكليف الألماني آدم وايسهاوبت بوضع عام 1776 خطة شاملة لإشعال الثورات والحروب وإعادة صياغة النظم السياسية والاقتصادية بما يحقق مصالح النخبة، وتأسست بذلك منظمة النورانيين (الإلوميناتي) التي سيطرت على المحافل الماسونية. وبعد نحو مئة سنة، تولى كلينتون روزفلت (جد الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت) مع آخرين تمويل مشروع كتابة أسس الشيوعية على يد ماركس وإنغلز، فوضعا كتابي “رأس المال” و”البيان الشيوعي” وفقا لخطة وايسهاوبت، وفي الوقت نفسه كان البروفيسور الألماني كارل ريتر يُعدّ النظرية المضادة للشيوعية تحت إشراف جماعة أخرى من “النورانيين”، بحيث يكون بمقدور النخبة توظيف النظريتين المتعاكستين في تقسيم العالم إلى قطبين متناحرين ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وحتى عسكريا، وهو ما حدث لاحقا بالفعل.

من المفارقات أن تيار اليسار القومي العربي يرفع شعارات الماركسية لمقاومة الصهيونية، ودون الالتفات إلى العلاقة الوطيدة بين ماركس ومؤسسي الصهيونية. فلو تتبعنا نشأة الحركات الشيوعية العربية لوجدنا أن الماركسية لم تدخل إلى العالم الإسلامي إلا على يد اليهود، فأول حزب شيوعي في المنطقة هو الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تأسس عام 1919 على يد المهاجرين اليهود من روسيا، ثم تأسس الحزب الشيوعي لسوريا ولبنان عام 1924، وكان لليهود دور بارز في وضع قواعده الفكرية والحزبية كما يقول الشيوعي السابق قدري قلعجي، أما العراق فدخلتها الشيوعية على يد يهودا صدّيق ويوسف زلّوف وموسى مراد كوهين ويوسف زلخة، وكلهم يهود. كما تأسس الحزب الشيوعي المصري عام 1922 على يد اليهودي الإيطالي جوزيف روزنتال، الذي أدخل إلى البلاد أيضا مشروع تشكيل اتحاد نقابي عمالي ليتولى إثارة موجة عارمة من الاضطرابات، ثم تشكلت بعدها في مصر منظمة شيوعية أخرى تدعى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، وذلك على يد المليونير اليهودي الإيطالي هنري كورييل.

ويجدر بالذكر أن معظم هذه الحركات لم تعادِ الصهيونية في بداية تأسيسها، بل صرح قادتها وكوادرها بالتعاطف مع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة على اعتبار أنه جزء من النضال ضد البرجوازية.

أصول الماركسية
بنى ماركس وإنغلز فلسفتهما من خلال نقد وإعادة قراءة كل من:

1- الفلسفة الألمانية: فقد اهتما بالفلسفة الكلاسيكية الألمانية وخاصة مذهب جورج هيغل الجدلي، ومذهب لودفيغ فيورباخ المادي الإلحادي، ثم أعادا إنتاجهما بمذهبهما الذي بات يسمى يسمى بالمادية الجدلية (الديالكتيكية).

تشارلز داروين

2- نظرية التطور: التي وضعها تشارلز داروين في كتابه “أصل الأنواع” [انظر مقال “وجود الله“]، حيث وجد فيها ماركس سندا علميا لنشأة الحياة بدون إله، كما استعار قانون التطور البيولوجي ليطبقه على المجتمعات، وعندما أصدر كتابه الشهير “رأس المال” أهداه إلى داروين، لذا يرى المنظر الشيوعي الروسي جورجي بليخانوف أن الماركسية هي التطبيق العملي للداروينية.

3- الاقتصاد السياسي الإنجليزي: اهتم ماركس وإنغلز بنقد أفكار الرأسمالية التي ظهرت على يد آدم سميث وديفيد ريكاردو، وحاولا إسقاط هذا النموذج على أساس المنطق الجدلي ليقدما بدلا منه الاقتصاد السياسي الماركسي.

4- الاشتراكية الفرنسية: استفاد ماركس من نظرياتها التي انتشرت في القرن التاسع عشر التي كانت تمثل أعلى درجات النضال ضد بقايا الإقطاعية، وأعاد تقديمها تحت اسم الاشتراكية العلمية زاعما أنها ستقوم بالتغيير الثوري والحتمي للمجتمع بفعل تناقضات الرأسمالية، فكان يقول إن الاشتراكية لم تعد حلماً طوباوياً (مثالياً) كما كانت لدى سابقيه بل أصبحت اشتراكية علمية وحتمية.

5- عقيدة المخلّص اليهودي (المسيّا): فقد نشأ ماركس على التعاليم التلمودية في كنف عائلته، وكان متأثرا كما يبدو بالحلم الذي انتظره أجداده اليهود بمجيء صاحب الفردوس الأرضي الذي سيسيطر على العالم وينشر العدل، فأعاد ماركس صياغة حلمه بالفردوس الأرضي بعد دمجه بنظريات الطوباويين الفرنسيين، وتصور إمكانية تحققه -بل حتميته- على أيدي العمال المقهورين، وقد تبنى إنغلز هذه الفكرة بعد أن رأى بنفسه معاناة العمال في المصانع التي تملكها عائلته.

الفلسفة الماركسية
كانت فلسفة هيغل فلسفة “مثالية عقلية” أي أنها تعتبر الفكر أصل الأشياء وليس المادة، كما وضع هيغل أسس الفلسفة “الجدلية” التي تفترض أن كل شيء في الوجود يخضع للصراع الجدلي، فالقضية تتصارع مع نقيضها، فينشأ عن الصراع نقيض النقيض وهو أرقى من القضية الأصلية، وهكذا تظل الأشياء تتوالد وتتصارع مع نقيضها لترتقي في صيرورة دائمة، واعتبر هيغل أن هذا الصراع هو الذي يحرك التاريخ والطبيعة والفلسفة.

وجد ماركس في هذه الفلسفة ما يبحث عنه، فاعتبر أنها تغني عن وجود الإله طالما كان كل شيء يتصارع مع نقيضه ويتطور تلقائيا ليرتقي، وكان يزعم أنه أنزل نظرية هيغل من السماء إلى الأرض فليس هناك وجود للجانب الروحي، ويقول “إن العقل موجود، ولكن المادة موجودة قبل العقل، والعقل مرآة تنعكس عليها صور المادة”، فما دامت المادة موجودة قبل العقل -حسب افتراضه غير المبرهن- فقد جعل من ذلك مبررا لافتراض عدم وجود الخالق، وهكذا جعل ماركس كل شيء في الوجود ناتج عن انعكاسات المادة على مرآة العقل، بما فيها الإله والدين والخلق والسياسة والفكر.

ثم حاول ماركس أن يطبق نظرية هيغل على التاريخ البشري الذي اعتبر أنه يعيش صراعا حتمياً لا بد منه، فوضع نظرية “صراع الطبقات” كما سنبين لاحقا عند الحديث عن الشيوعية.

وتنقسم الفلسفة الماركسية إلى محورين، أما المحور الأول فهو المادية الجدلية (الديالكتيكية)، وهي بدورها تقوم على عنصرين:

1ـ المادية: ترى أن كل شيء في العالم مادي، فالمادة موجودة بشكل موضوعي خارج الوعي، ووجودها مستقل عن الإنسان، وهي غير مخلوقة ولا تفنى، فهي سبب وأصل كل الموجودات، وهذا هو مبدأ الإلحاد.

2ـ الجدلية (الديالكتيك): تفترض الصراع المستمر بين الشيء ونقيضه، وعندما يرتبط هذا الجدل (الصراع) بالمادة فهو يؤلّهها ويجعلها أصلا لكل شيء، بما في ذلك الوعي والروح.

وأما المحور الثاني فهو المادية التاريخية، حيث تعتبر الماركسية أن الوجود الاجتماعي (العلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين الناس) هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي (الجانب الفكري والديني والأخلاقي)، إذن فالحياة المادية هي التي تحدد دين المجتمع وأفكاره وآراءه السياسية.

القسم الثاني: الشيوعية

النظام الشيوعي هو التطبيق العملي للفلسفة الماركسية، وكما أوضحنا فالماركسية تقيم الوجود كله على أساس مادي بحت، وتعتبر أن تطور الحياة البشرية يتم بآلية حتمية كتطور الحياة الطبيعية، وأن عقل الإنسان نفسه ليس سوى انعكاس للمادة، وهي تنكر أي بُعد روحي أو ميتافيزيقي (ماورائي أو غيبي) للحياة الإنسانية، لذا ترفض الماركسية الأديان جميعاً وترى أنها أداة لتخدير الناس، فكان ماركس يقول “الدين أفيون للشعوب”.

بناء على ما سبق، ترى الماركسية أن السبيل الوحيد لضمان السعادة وقيام مجتمع متآلف يكون بوضع العمال في مركز السيطرة، وبرر ماركس وإنغلز هذه القاعدة انطلاقا من معاناة العمال الشديدة في الأنظمة الرأسمالية بالدول الأوروبية الكبرى مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا، حيث كانت الثورة الصناعية في أوجها، وكان معظم عمال المصانع والمناجم يتقاضون أجوراً زهيدةً ويعملون ساعات طويلة في ظروف غير صحية، وهي ظروف تختلف تماماً عما آلت إليه الرأسمالية لاحقاً في القرن العشرين حيث أصبح العمال والموظفون ينعمون برفاهية أكثر بكثير مما يحلم به زملاؤهم في الدول الاشتراكية والشيوعية.

ولتبرير نظريته ومنحها صفة العلم، زعم ماركس أن التاريخ البشري يخضع لصيرورة حتمية لا فكاك منها، وأنه يسير وفقا للمراحل التالية:

1- مجتمع الملوك القديم: حيث تتصارع طبقة الملوك وحاشيتهم مع طبقة العبيد والفقراء، كما تتصارع القضية مع نقيض القضية (وفقا للنظرية الجدلية)، ومن خلال الصراع ينشأ مجتمع جديد هو المجتمع الاقطاعي.

2- المجتمع الإقطاعي: يتصارع الملاكون مع الفلاحين والعبيد، ومن خلال الصراع ينشأ مجتمع جديد هو المجتمع الرأسمالي.

3- المجتمع الرأسمالي: يتصارع البرجوازيون (مالكو المصانع والمزارع) مع البروليتاريا (العمال)، فينتقل المال من البرجوازيين إلى العمال ثم إلى الدولة التي هي (القضية ومقابل القضية)، وينشأ بذلك المجتمع الشيوعي.

وهنا يزعم ماركس أن الجدلية ستتوقف تلقائيا، وذلك لزوال الملكية -التي هي محور الصراع- وزوال الطبقات التي تتصارع عليها.

ويمكن تلخيص النظرية بالقول: إن كل مجتمع يحتوي على نقيضه الذي يسقطه ويقوم مقامه، والمجتمع الجديد يحتوي أيضاً على نقيضه الذي سيسقطه ويحل محله، وهكذا دواليك، إلى أن يقوم المجتمع الشيوعي الذي لا يحوي نقيضاً، ولذلك هو دائم وأبدي. وهذا تناقض غير مبرر، إذ ينبغي أن تؤدي نظريته إلى افتراض أن يكون المجتمع الشيوعي خاضعا للصيرورة نفسها وليس أن يكون هو نهاية التاريخ.

يفترض ماركس أن كل مجتمع جديد خير من سابقه لأنه متقدم عليه، فآلة الإنتاج الجديدة أفضل من سابقتها، ومجتمعها أفضل كذلك، ويضرب ماركس مثالاً على تغير الأخلاق بتغير آلة الانتاج فيقول إن الرجل في المجتمع القديم (مجتمع الصيد) كان هو الذي يحصل على المال، والمرأة لا تستطيع الصيد، فمكانتها كانت محتقرة اجتماعيا، ثم جاء المجتمع الإقطاعي الذي أصبحت المرأة تشارك فيه ولو مشاركة بسيطة في الأعمال الزراعية فارتفعت مكانتها، ولكن معظم الأعمال في هذا المجتمع تعتمد على عضلات الرجل، ما حرم المرأة من استمتاعها بحريتها الجنسية فنشأت حرمة الزنا ومنع تعدد الأزواج للمرأة الواحدة. أما عندما صار المجتمع رأسماليا وأصبحت المرأة مستقلة اقتصاديا لأنها تستطيع إدارة الآلة كالرجل تماما فقد مارست حريتها الجنسية، وأصبح الجنس مباحاً.

ويعتمد ماركس على مفهوم “فائض القيمة” الذي اقتبسه من مفكرين سابقين وبنى عليه فلسفته الاقتصادية، فهو يفترض أن العمال لا يتقاضون الأجر العادل عن أعمالهم، لأن الأرباح أصلا هي الفائض عن عمل العمال، فكل من يمتلك هذا الربح (الرأسمالي الذي يملك المزرعة أو المصنع) يكون ظالما وغاصبا لجزء من عملهم، لذا فإن العدل يقتضي -حسب ماركس- إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (المزارع والمصانع) حتى يصبح العمال (الشعب كله) هم المالكون والعاملون والمنتجون والرابحون في الوقت نفسه، وبطريقة شيوعية مشتركة يتساوى فيها الجميع بحيث لا تبقى هناك سوى طبقة واحدة وهي العمال.

ولا تقبل الشيوعية بالتعايش مع الرأسمالية، فالشيوعي لا يرى المجتمع إلا بوصفه ساحة للصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، وبما أن الشيوعي مادي بحت فهو لا يفهم تطور التاريخ البشري إلا من خلال دراسته لإنتاج السلع، فمالكو المصانع والمزارع والمناجم ووسائل الإنتاج الأخرى هم الطبقة الحاكمة بسبب نفوذهم الاقتصادي، والصراع الطبقي هو الوسيلة التي يمكن بوساطتها الانتقال بالتاريخ من مرحلة إلى أخرى، ولا اعتبار لدى الشيوعية لأي معيار إنساني آخر في التطور والحراك الاجتماعي والثورات والحروب مثل العوامل الدينية والأخلاقية، وهذه نتيجة طبيعية للإلحاد.

وبما أن النظرية تؤمن بأن حصول أي مالك مصنع أو مزرعة على ربح يعني الظلم، فلا بد من الثورة والعنف، وهذا لا يحدث حسب رأي ماركس بالتحريض فقط، بل هو نتيجة حتمية لا بد من وقوعها طالما أن العمال يزدادون شقاءً مع ازدياد الرأسماليين تضخماً.

البيان الشيوعي

كما لا تقبل الشيوعية بالتعايش مع الدين، ولا مع الأنظمة الاجتماعية التي كانت قائمة في أي مكان بالعالم قبل أن يبدأ ماركس بالتنظير، لذا لم يتردد مع صديقه إنغلز في المطالبة بإلغاء النظام الأسري في “البيان الشيوعي”، حيث اعتبرا أن الشيوعية “الحتمية” ستؤدي عند انتصارها إلى استغناء الإنسان عن الزواج التقليدي، وسيصبح إنجاب الأطفال مشاعا، لتتولى الدولة تربيتهم، وفيما يلي نص مقتبس من كتابهما الذي تغلب عليه النبرة الخطابية:

“وإلغاء العائلة! حتى أكثر الراديكاليين تطرفا تثور ثائرتهم على هذا القصد الدنيء للشيوعيين.

فعلامَ ترتكز العائلة الراهنة، العائلة البرجوازية؟ على رأس المال والتملك الخاص، وهي لا توجد بتمام تطورها إلا بالنسبة إلى البرجوازية، لكنها تجد تكملتها في الحرمان القسري من العائلة، بالنسبة للبروليتاري، وفي البغاء العلني.

والعائلة البرجوازية تضمحل طبعا باضمحلال تكملتها، فلكتاهما تزولان بزوال رأس المال.

أتأخذون علينا أننا نريد إلغاء استغلال الآباء والأمهات لأبنائهم؟ هذه الجريمة نعترف بها..”. [البيان الشيوعي، ص15].

كما شرح إنغلز رؤيته لتحرر المرأة وتفكيك النظام الأسري في مؤلفه “أصل العائلة والملكية الفردية والدولة”، فمن منطلق الشيوعية الإلحادي أسقط إنغلز المفاهيم الروحية الشائعة لدى كل الثقافات للحياة الأسرية وخصوصية المرأة، وأعاد صياغتها على أساس مادي يقصر الحياة على الإنتاج المادي للسلع، مع التسليم المسبق بالمساواة المطلقة بين الجنسين.

وبناء على هذه المفاهيم، رأى ماركس وإنغلز أنه لا بد أيضاً من تطبيق “دكتاتورية البروليتاريا” عند انتصار الثورة لتطهير المجتمع من البرجوازيين ورجال الدين، وبعدها سيستقر الأمر للبروليتاريا وتزول الدولة طبيعياً لعدم الحاجة إليها، ويدار المجتمع الشيوعي اللاطبقي بلجان عمالية بلا شرطة كالجماعات البدائية الأولى (قبل التاريخ)، وسيعيش كل فرد في سلام ورخاء وحرية، ولن تتوقف الثورة العمالية حتى تحطم الإمبريالية (الاحتلال الخارجي) والبرجوازية في العالم وتسود حكومة البروليتاريا العالم كله.

ولتحقيق ذلك، لا بد من تأجيج نار الحقد وإثارة روح الانتقام في قلوب العمال ضد الرأسماليين ورجال الدين في كل مكان، وعليه فإن الرحمة والبر لا تناسب الثوري والشيوعي، حيث يقول ماركس “إنه لا مفر من أن يكون المحرومون من الامتياز مستائين، ومن أن يكونوا أغلبية، وبذلك ينتشر عدم الاستقرار والثورات وحرب الطبقات، وليس الباعث على هذه العملية مبدأ من مبادئ العدالة، وإنما المبدأ السلبي المحض، مبدأ العداء”.

وأكد ماركس مرارا أن هذه التنبؤات تحمل صفة علمية تشبه مثيلاتها في العلوم الطبيعية، فهي حسب زعمه حتمية تاريخية وجبرية لا مفر منها وليست مجرد رأي فلسفي، وكأنه أراد بذلك أن يضع نهاية للفلسفة كما ظن أنه يضع نهاية للتاريخ البشري، ولم يكن يعلم أن علماء الفيزياء الذين جاؤوا بعده بنصف قرن أنكروا حتمية العلم التجريبي نفسه، حيث تؤمن فلسفة العلم الحديثة -والتي يعد الفيلسوف كارل بوبر من روادها- بأن العلم لا يمكنه أن يملك صفة الحتمية.

لم ينتبه ماركس وإنغلز إلى أن العمل البشري له طبيعة تختلف عن أي عمل آخر، فهو ينتج بذاته قيمة فائضة، أي أن الربح الذي ينتج عن العمل الزراعي أو الصناعي أو الحرفي أو الخدمي ليس جزءا من عمل العامل يغتصبه مالك وسيلة الإنتاج، بل هو نتيجة فائضة عن العمل ويمكن لمن يستأجر عمل العامل مقابل أجر أن يحصل عليها، فالربح نتيجة طبيعية عن العمل البشري لأن البشر ليسوا مجرد آلات كما كان يتوهم ماركس، بل هم كائنات مبدعة تضفي على المواد الأولية قيمة إضافية لها ثمن (ربح)، ومن الطبيعي جدا أن يحوّل الإنسان المبدع كتلة من الحديد والبلاستيك إلى سيارة مثلا، لأنه أضفى عليها خبرة ومهارة وعلماً وذكاءً، وهذه كلها من المواهب التي وهبها الله للإنسان وحده دون غيره.

الاشتراكية
الاشتراكية مذهب اقتصادي يشكل الأساس الفكري الذي أقام عليه ماركس نظامه الشيوعي، فالاشتراكية أقل تطرفا وعنفا، ولا تمتد إلى توجيه المجتمع ونظام الحكم بل تقتصر على توجيه السياسة الاقتصادية بتركيزها على تقليل الفروق بين الطبقات ومكافحة الرأسمالية.

مع أن الشيوعية كانت تلقى مقاومة رسمية وإعلامية عنيفة في الغرب إلا أن الاشتراكية تمكنت من إثبات وجودها وصولا إلى الحكم في بعض الدول الأوروبية، وفي الصورة نجد مظاهرة للاشتراكيين في نيويورك عام 1912

تتفق الاشتراكية مع الشيوعية على ضرورة توزيع السلع والخدمات على أفراد الشعب وعدم احتكارها، ولكن هناك اختلاف في الطريقة، فكان الاشتراكيون قبل ماركس يرون أن يتم التوزيع على أساس حجم مساهمة الفرد في الإنتاج، وفقا لقاعدة “من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب عمله”، وهذه معادلة عادلة من حيث مكافأة كل عامل بالقدر الذي يقدمه، لكن ماركس اشترط في نظامه الشيوعي أن يكون التوزيع على قدر حاجة الإنسان وليس بناء على مساهمته حتى لو كان ينتج أكثر من بقية العمال، وأصبحت القاعدة “من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب حاجته”.

ترى الاشتراكية أيضا أنه يمكن التعايش مع الرأسمالية تحت مظلة دولة اشتراكية طالما كان الرأسماليون خاضعين لنظام تخطيط مركزي يحول دون الاحتكار، أما الشيوعية فهي نظام ثوري (راديكالي) يشترط التخلص من سيطرة الرأسماليين على وسائل الإنتاج وقلب نظام الحكم، بل تشترط اشيوعية أيضا تقليص عدد أفراد العاملين في الحكومة والتخطيط إلى أقل عدد ممكن، وهو الأمر الذي مهد نظريا للاستبداد المطلق في كل الدول التي أخذت بهذا النظام.

اعتبر ماركس أنه نقل الاشتراكية من الخيال إلى الواقع، وأنه طوّر الاشتراكية الخيالية -التي نظّر لها مفكرون فرنسيون مثل سان سيمون- وجعل منها “اشتراكية علمية”، واعتبر أيضا أن اشتراكيته مرحلة حتمية قياسا على “حتمية” العلم التجريبي كما كان شائعا في القرن الثامن عشر. لكن الواقع كشف أن الشيوعية التي نادى بها لم تنجح في الاستمرار ولم تكن حتمية، وأن الدول التي طبقت الاشتراكية بدلا من الشيوعية كانت أطول عمرا.

نقد الفلسفة الماركسية
سنبين باختصار أهم ثلاث ثغرات فلسفية يعجز الماركسيون عن معالجتها:

1- فرضية أن المادة أساس الوجود والحياة، فهي بذلك أقدم الموجودات وأزلية (بلا بداية)، وهذه دعوى بلا دليل، فمع أن المادة وجدت قبل الإنسان، لكن ذلك لا يعني أن الروح الإنسانية طاقة مادية متطورة، وهذا لا ينفي وجود أرواح قديمة سبقت الإنسان والحيوان في الوجود.

كما ينشأ عن هذا الافتراض القول بأن المادة مستقلة في الوجود عن وعي الإنسان وإدراكاته، وهذا قول يبطل قواعد العلم، ويقود إلى الشك حتى في المسلّمات المجربة. ولا بد من التوضيح أن اليقين بوجود الأشياء خارج نطاق الذهن شيء، واليقين بكيفية الإحساس بها شيء آخر، فلا ينقض أحدهما الآخر، وهناك تفاعل مستمر بين الفكر والمادة، فالمادة مستقلة في وجودها عن الوعي، لكن إذا ظهر الوعي أخذ الكثير من المواد الخام حوله فأثر بها تطويراً وتحويراً، وكما يقول الماديون: “الكائن لا بد أن يكون مبتدأ، والفكر لا بد أن يكون خبراً، والفكر دائما أخص من الكائن، فحيثما وجد الفكر؛ وجد معه الكائن، ولا يشترط أنه حيثما وجد الكائن وجد معه الفكر”.

ومن نتائج هذه الفرضية أيضا القول بأن خصائص المادة غير متناهية وأنها تنتهي إلى طاقة، وذلك من خلال تفكيك أجزاء الذرة، وهذا الجدل كان قائما قبل عقود بين الفيزيائيين لمحاولة اكتشاف حقيقة مكونات الذرة الدقيقة، وهل هي جسيمات أم موجات، لكن نقل هذا الخلاف إلى الفلسفة يصبح خلافا لفظيا لا قيمة له، فمهما بحثنا في المادة لن نجد روحاً ولا حياةً ولا وعياً ولا إحساساً، لذلك لم يجرؤ أحد أن يقول: إن المادة هي الحياة!

2- التغاضي عن الجانب العاطفي من حياة الإنسان، وذلك بسبب إنكار الفلسفة الماركسية المسبق لوجود الروح وردّ كل جوانب الحياة إلى المادة، حيث اضطر منظرو الماركسية إلى تجنب البحث في الكثير من المعضلات التي تنشأ عن افتراض الأصل المادي لكل الجوانب الإبداعية في حياة الإنسان، فالمشاعر تغالب عنفوان الرغبات الاقتصادية من جوع وعطش حتى تغلبها، بل إن المرء قد يذكر صباه البائس فيحن إليه بالرغم من رغد العيش الذي تحصل عليه في كبره، كما تتنوع المشاعر كحب الطرب مثلاً لنسأل: ما علاقة هذا بالإنتاج ووسائله؟ فنحن نقرأ في كتب التاريخ عن مشاعر الناس وعلاقاتهم الروحية المتسامية أكثر مما نقرأه عن طعامهم وشرابهم، بل كثيرا ما يضحي المرء بأسباب عيشه وقوته في سبيل تلك الوجدانيات.

ونتساءل أيضا: لماذا صارع ماركس نفسه للزواج من جيني حفيدة الدوق دير برونشويك مع أنه كان بإمكانه إيجاد البديل الجنسي عند غيرها من الفتيات؟ ولماذا رأى الدنيا فراغاً أمام فتاته هذه؟ ألا يدل ذلك على مكانة الروح من الإنسانية واستقلالها عن المادة سواء رضي الماديون أم سخطوا؟

3- معضلة الأخلاق وعلاقتها بالمادة، حيث تشكل الأخلاق صمام الأمان أمام غرائز النفس والجسد، وبما أن الحياة عند الماركسيين هي صراع على العيش فما الذي دفع الإنسان القديم إلى إقامة شكل من أشكال التضامن مع أبناء جنسه، وإلى اقتسام الثروات بنوع من العدل بحسب توافقهم، وبأي دافع يقدم المعونة للآخرين؟

لقد وقعت شعوب كثيرة تحت الاحتلال وكانت تجد قوتها، لكن حافز الكرامة أبى عليها الخنوع، وكم من ملك ضحى بحياته في ساحات الجهاد، وكم من عالم أفنى عمره في محراب العلم، وكم من سخي بذل ما يملك للضيوف، لكن الماركسيين يصرون على تسخيف الأخلاق والقيم الإنسانية عندما تكون بعيدة عن تطوير الحياة الاقتصادية.

نماذج تطبيقية

مع أن ماركس تنبأ بظهور الشيوعية “حتماً” في الغرب الرأسمالي بعد وصول صراع الطبقات إلى ذروته، إلا أنها لم تُطبق إلا في الدول التي لم تكن قد جربت الرأسمالية بعد، والعجيب أنها فُرضت على الشعوب فرضا ولم تكن نتيجة لثورة العمال على البورجوازية، كما أن الأنظمة التي طبقتها اتخذتها وسيلة لتحقيق السلطة المطلقة وليس لمصلحة الشعوب، ثم انهارت تلك الأنظمة الشيوعية أو تم تعديلها جذريا لتتواءم مع النظام الرأسمالي الذي بات يسيطر على العالم، وعندما وقع النظام الرأسمالي في أزمته الأخيرة عام 2008 تفاءل الشيوعيون بقرب تحقق نبوءة ماركس، ولكن الثورة “الحتمية” المزعومة لم تحدث بعد. وسنستعرض فيما يلي أهم النماذج الشيوعية.

لينين

النموذج الروسي:
كانت روسيا محكومة بنظام ملكي وراثي على مدى قرون، وكان آخرهم القيصر نيقولا الثاني الذي حكم منذ 1894 وحتى الإطاحة به عام 1917. وكان الشيوعي فلاديمير لينين -الذي تذكر بعض المصادر أن أمه ماريا ألكسندر من أصول يهودية ألمانية- من زعماء المعارضة التي أثارت اضطرابات سياسية عديدة، ما أجبر القيصر على إجراء الكثيرة من الإصلاحات الاقتصادية، إلا أن الشيوعيين كانوا يسعون إلى الثورة وقلب نظام الحكم كله، مع أن النظام كان إقطاعيا وليس رأسماليا كما كان يُفترض وفقا لمراحل التطور الماركسي.

سافر لينين إلى سويسرا عام 1900 وتزعم حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في الخارج، وعاد بعد خمس سنوات إلى روسيا ليشارك في التمرد ضد القيصر، وفي عام 1908 توجه مجددا إلى سويسرا ثم إلى باريس، وأسس الحزب البلشفي الشيوعي، وكان “البلاشفة” يعتقدون أن الوصول للسلطة يحتاج إلى ثورة دموية وعبر تنظيمات سرية، ومع انفجار الحرب العالمية الأولى 1914 نالوا فرصتهم، حيث حلموا بتحويل الحرب العالمية إلى حروب أهلية ضد الحكومات الرأسمالية، وحصدت الحرب 10 ملايين إنسان، وفقدت روسية مليونين منهم في أول ثلاث سنوات.

وبالفعل قامت الثورة في روسيا سنة 1917، فتمرد الجيش على الحكومة، وترك القيصر جبهة القتال ليعود إلى العاصمة بتروغراد فأوقف الثوارُ القطارَ الذي كان يقله.

أعطى لينين من منفاه أمراً لأتباعه البلاشفة بالهجوم على المقرات المؤيدة للقيصر، وبدأت حرب داخلية استمرت ثلاث سنوات، وأنشأ البلاشفة الجيش الأحمر الذي بدأ عهده بإعدام القيصر وأفراد عائلته، ودمرت المدن التي لم تؤيد النظام البلشفي، وأمر لينين أنصاره بإعدام كل من يعارضهم، فأُعدم عشرات الألوف من البشر بحجة الخروج على القانون.

لوحة تمجد البلشفية

وصف الكاتب الروسي مكسيم غوركي وحشية البلاشفة بقوله “قام الشيوعيون في تامبوف بتثبيت الرِجْل اليسرى واليد اليسرى للمعتقلين بالمسامير على خشبة علوها متر، أو على مسامير سكة الحديد ثم تابعوا تعذيبهم بسرور بالغ فبقروا بطونهم وأخرجوا أمعاءهم الدقيقة بعد أن كانوا يثبون أطرافهم على الأشجار ويتابعون تفكيك هذه الأمعاء وسلخ جلود المواطنين المعتقلين مبتدئين بأكتافهم”.

كان معظم قادة الثورة البلشفية من اليهود، وعلى رأسهم لينين وتروتسكي، وعندما تولى الشيوعيون الحكم تبين أن جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاثني عشر يهودا، وقد أكد الباحث الراحل عبد الله التل أن 170 من بين رفاق لينين في الثورة كانوا يهودا من بين 224 رفيقا، وأن نسبة اليهود في مناصب الحزب والدولة بشكل عام في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وصلت إلى 95% مع أن نسبتهم إلى عدد السكان لا تتجاوز 2%.

كما جمع الباحث نهاد الغادري تفاصيل عن 88 شخصية يهودية في القيادات العليا للحركة الشيوعية وقال إن هؤلاء ليسوا سوى أمثلة على قائمة تضم ستة آلاف يهودي لعبوا الدور الرئيس في تمكين الشيوعية.

سياسة لينين
لما تسلم البلاشفةُ الحكم كان أغلب سكان روسيا في الأرياف، ولم يكن ما ينتجه الفلاح يكفي عائلته من الطعام، فشتاء روسية قاسٍ لا يساعد على الزراعة.

أصدر لينين قراراً بنزع الملكية الخاصة ووضع يد الدولة على المحاصيل، فأغارت شرطة “جيكا” العنيفة على المزارع وجمعت المحاصيل والحيوانات بقوة السلاح، حيث يصف أحد المفتشين تلك الإجراءات بقوله إن أعمال القوات الخاصة المغتصبة بلغت درجة لا يتخيلها العقل، فكان القرويون المعتقلون يُحشَدون في حظائر الحيوانات ويُضربون بالسياط، ومن يقصّر منهم في إعطاء ما لديه للبلاشفة تربط يداه وذراعاه، ويُؤمر بالركض عاريا في الطريق العام، ثم يُرمى به في حظيرة باردة، بعد أن يُضرب حتى الإغماء.

وفي عام 1921 قرر لينين أن يسلب من القرويين البذار أيضا، حتى ما عادوا قادرين على الإنتاج، فبدأ القحط بعد عام وتشرد 29 مليون إنسان، ومات خمسة ملايين جوعاً، وكان لينين يتابع ذلك بشغف، حيث يُنقل عنه قوله “إن الجوع سيقربنا إلى أهدافنا، بوصولنا إلى الاشتراكية التي هي عهد ما بعد الرأسمالية، فالجوع لا ينهي اعتقاد الناس بالقيصر فحسب بل سينهي الاعتقاد بالله أيضاً”.

وكتب لينين رسالة إلى أعضاء المكتب السياسي يقول فيها “إن الموقف لصالحنا في حال وجد مئات الآلاف من الجثث على الطرقات، سيمكننا الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة وأموال رجال الدين بقوة ودون شفقة أو رحمة، ولهذا ينبغي أن نضع أيدينا على أملاكها، فاليأس الناتج عن الجوع هو الأمل الذي سيجعل المجتمع يقابلنا بابتهاج، أو سيجعله على الأقل على الحياد”.

وأظهرت السجلات السوفييتية المنشورة فيما بعد أن لينين تعمَّد إزهاق حياة خمسة ملايين بالجوع، وأكد ذلك المؤرخ والأستاذ في جامعة هارفارد “ريتشارد بايبس” حيث قال في كتابه “لينين المجهول” إن لينين لم يكن يحمل أي شعور طيب للإنسانية بل يحمل إحساس الإذلال والتحقير، فليس للإنسانية عنده معنى، وأضاف أن سبب هذا الشر هو اعتقاد البلاشفة بالفلسفة المادية التي ترى أن الإنسان نوع من الحيوانات وينبغي معاملته بدون شفقة، وأن تطور النوع البشري مرهون بشدة الصراع بين الطبقات.

تجارب بافلوف على الكلاب تم تطبيقها على البشر

لذا اتبع لينين أساليب “حيوانية” في ترويضه لشعبه، ووجد ضالته لدى العالم الروسي إيفان بابلوف الحاصل على جائزة نوبل، وهو صاحب نظرية الفعل اللاإرادي الشرطي عند الحيوانات، حيث قال له لينين إنه يريد تطبيقها على المجتمع الروسي بحيث يصبح العقل مبرمجا وفقا للنظام الشيوعي، ما تسبب بصدمة لدى بابلوف.

استندت الشيوعية أيضا إلى نظرية التطور التي وضعها تشارلز داروين، فهي ترى أن جميع الكائنات الحية تطورت عبر ملايين السنين عن خلايا بدائية، وتُرجم كتاب أصل الأنواع لداروين أواخر القرن التاسع عشر إلى اللغة الروسية، وأصبح الشيوعيون من كبار منظري التطبيقات الداروينية في العلوم الاجتماعية، حيث استفادوا منها في تبرير المجازر والتطهير العرقي بحق الملايين على اعتبار أن البقاء للأقوى، فمن لا يقوى على الاستمرار في التنافس المحموم على الصناعة والزراعة -ولاسيما في ظل السباق مع الغرب- لا يستحق أن يعيش.

حاول الشيوعيون السوفييت أيضا تطبيق مبادئ ماركس وإنغلز في تدمير النظام الأسري وتطبيق المساواة التامة بين الجنسين، فأكرهوا النساء على العمل في المهن الشاقة والخطرة، لكنهم لم ينجحوا في القضاء على الأسرة، حيث لم يجدوا نظاما بديلا حتى على صعيد التنظير الفكري، فقال تروتسكي في كتابه “المرأة والأسرة”: «لا يمكنك أن تقضي على الأسرة؛ بل يجب عليك أن تعوضها. إن التحرر الحقيقي للنساء مستحيل التحقيق على قاعدة الفقر المدقع».

وكانت النظرية الشيوعية تقتضي إنشاء مطاعم ومغاسل وورشات إصلاح عمومية، ومؤسسات للرعاية الاجتماعية وتنشئة الأطفال، وغير ذلك من المؤسسات الحكومية التي تحرر المرأة مما اعتبروه عبودية للبيت والأسرة وتحولها إلى عضو حر من أعضاء الطبقة العاملة، وهو الأمر الذي اعترف الشيوعيون باستحالة تطبيقه.

تفاقمت إصابة لينين بالشلل عام 1922، فأمضى شهورا طويلة على كرسي متحرك، ثم فقد الاتزان في كلامه وأصبح منظره مفزعا، ومات في أوائل عام 1924، فقرر الحزب الشيوعي تحنيط جسده، وكان من حملة نعشه جوزف ستالين الذي حكم الاتحاد السوفييتي أكثر من ثلاثين سنة، وكادت دمويته أن تنسي الناس وحشية لينين.

المنزل الريفي الذي نشأ فيه ستالين ببلدة غوري في جورجيا (السبيل)

السيطرة على وسائل الإنتاج
عمل ستالين في سنواته الأولى على التخلص من منافسيه، فنفى ليون تروتسكي إلى خارج البلاد، واستكمل سياسة سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، بينما قدمه الإعلام على أنه صانع النهضة الزراعية والصناعية للبلاد.

أخفى بعض الفلاحين جزءا من محاصيلهم في مخازن سرية، لكن الجيش الأحمر كان يسارع إلى اكتشافها ومعاقبة الفلاحين، ومات حوالي ستة ملايين إنسان جوعاً، حتى انتشرت ظاهرة أكل لحوم البشر، ورويت قصص مرعبة عن أكل الجيف، بل وقتل الأطفال للتغذي على لحومهم.

بموازاة ذلك، طبق نظام ستالين سياسة رقابة شديدة على البشر، فكانت السلطات تقتل البعض بمجرد الاشتباه باستيائهم من الأوضاع المزرية فضلا عن كونهم معارضين للنظام، كما أُعدم كثير من رجال الدين والمتدينين، وكان يُرسَل الملايين إلى معسكرات العمل المنتشرة في أنحاء البلاد للعمل في ظروف غير إنسانية أودت بحياة الكثيرين، حتى أصبحت ظروف العمل القاسية في الدول الرأسمالية التي انتقدها ماركس بمنتصف القرن التاسع عشر أكثر رحمة بكثير من مثيلتها في العالم الشيوعي.

وثق الدكتور محمد علي البار في هذا الكتاب مأساة المسلمين في ظل الحكم الشيوعي

أما المسلمون فكان نصيبهم من الاضطهاد مضاعفا، حيث طرد ستالين أربعمئة ألف مسلم من القرم والقفقاز في يوم واحد، وهو 18 أيار 1944، وأرسلهم إلى مناطق بعيدة أو إلى معسكرات العمل، حتى مات أكثر من نصفهم في الطريق، كما ارتكبت الشرطة السرية مجازر كثيرة بحق المسلمين.

في عام 1934م، ألقى ستالين خطاباً أكد فيه أن سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج كانت ناجحة جداً، وصفق له الحاضرون بحرارة، وصعد المقربون منه إلى المنصة ليكيلوا له المديح على عبقريته. وبعد إجراء الاقتراع السري لم يوافق على سياسته سوى 1300 مندوب من أصل 1900، فأًصيب ستالين بالصدمة، وأُلغيت الانتخابات لتعاد ثانية ويُنتخب ستالين سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي بالإجماع.

قرر ستالين معاقبة المندوبين الذين لم يصوتوا له في البداية، فقتل حوالي ألفا منهم خلال عدة أشهر، وذلك عبر سلسلة اغتيالات نفذتها الشرطة السرية، كما دُبر اغتيال سيرغي كيروف لأنه نال أصواتاً أكثر من ستالين، وسار ستالين في جنازته حتى دفنه.

وخلال الثلاثينات قُتل كثير من رجال الدولة والمسؤولين، وقُدم بعضهم إلى محاكم صورية قبل إعدامهم، كما قُتل عدد من كبار الضباط في الجيش خشية انقلابهم على ستالين، ما دفع الحكومة النازية في ألمانيا إلى التجرؤ على غزو الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، لكن غرور ستالين دفعه إلى عدم تصديق التقارير التي رُفعت إليه للتحذير من للنازيين حتى تقدموا في عمق بلاده لمئات الكيلومترات، واضطرت روسيا جراء ذلك إلى الدخول في حرب طاحنة قُتل خلالها 25 مليون سوفييتي، ومع ذلك، يُعتقد أن الذين قتلهم ستالين من شعبه أكثر بكثير (40 مليونا).

الفن والعلم
وجّهت الشيوعية ضربة قضاية للإبداع، فبعد كل ما قدمه الروس قبل الثورة البلشفية من تراث فني وأدبي للعالم، جفت منابع الإبداع في البلاد بطولها وعرضها، وأجبر ستالين كل الموهوبين على اعتناق فلسفته المادية والترويج لها بالعلم والفن والأدب، وأصبحت البحوث العلمية تخضع للرقابة الأيديولوجية من قبل السلطات، فعلى سبيل المثال لم يكن من المسموح نشر أي نظرية لا توافق نظرية التطور الدارويني، ويُنسب إلى ستالين القول “حتى نمحو فكرة نشوء الخلق من ذهن الأجيال والشباب يجب أن نعلمهم نظرية داروين”.

لييسنكو في الحقل

ومن الأمثلة العجيبة لمحاولة الأيديولوجيا الشيوعية التحكم بالعلم، إعلان رئيس أكاديمية لينين للعلوم الزراعية تروفيم لييسنكو في مطلع الثلاثينات عن نظريته التطورية التي تقول إن الكائنات تتطور حسب بيئتها، زاعما أن الحبوب يمكن أن تتطور إذا ألقيت في الماء البارد، فتبنى الحزب الشيوعي خطة زراعية لعدة سنوات بناء على هذه النظرية التي لم تكن قد ثبتت صحتها بعد، وأجبر الفلاحين على إلقاء آلاف الأطنان في سهول سيبيريا بعد أن نقعت بالماء البارد، فتلفت كل الحبوب وتراجع القطاع الزراعي إلى الوراء عشرات السنين، ومع ذلك ظل ستالين يدافع عن صديقه لييسنكو حتى موته.

وبالمقابل، قتل ستالين العلماء الذين رفضوا نظرية التطور، ومنهم العالم الوراثي نيكولاي بافلوف الذي اعتقل بتهمة إفساد الزراعة السوفيتية، وأرسل إلى معسكرات العمل حتى مات.

مات ستالين عام 1953م، وبالرغم من إظهار خلفائه شيئاً من الليونة للشعب إلا أنهم نقلوا أسلوب الحكم الوحشي إلى البلاد الأخرى التي عانت من النفوذ الشيوعي، حيث أخمدت روسيا حركة الاستقلال في المجر عام 1956 بنزول الدبابات إلى أزقة العاصمة بودابست، كما تحول ربيع تشيكوسلوفاكيا عام 1962 إلى شتاء قاس عندما تدخل الجيش الأحمر لقمع الثوار.

أما أفغانستان فتعرضت لاحتلال مباشر استمر نحو تسع سنوات بدءا من عام عام 1979، حيث لم تتورع الطائرات السوفيتية عن قصف المدن الأفغانية وارتكاب الجماعية، ولجأ أكثر من خمسة ملايين من الأفغان إلى البلاد المجاورة وعاشوا في ظروف سيئة لسنين طويلة.

في متحف ستالين بمسقط رأسه مدينة غوري في جورجيا تُعطي مقتنياته فكرة عن حياة الترف التي كان يعيشها وبشكل يتعارض مع مبادئ الشيوعية

النموذج الصيني
حافظ الصينيون على عاداتهم وثقافتهم في بيئة منعزلة لآلاف السنين، ولم تبدأ الصين بالانفتاح على الخارج إلا في القرن التاسع عشر عندما اقتحمها الإنجليز، فكان من آثار الانفتاح تغلغل نظرية التطور، حيث ترجم كتاب أصل الأنواع لداروين عام 1895 إلى الصينية، أي بعد صدوره بستة وثلاثين عاماً فقط، وسرعان ما تركت الداروينية أثرا واضحا في ثقافة الصينيين، حيث وضع أستاذ التاريخ بجامعة هارفرد جيمس ريفي روس كتاباً بعنوان “تشارلز داروين والصين” وقال فيه إن المثقفين الصينيين اقتبسوا من الداروينية ما أسموه بالنظرية الثورية، والتي هيأت بدورها الأرضية لانتشار الشيوعية.

ماو

تأثر الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ بالداروينية منذ شبابه، وبدأ ثورته ضد الحكومة عام 1920 بشعارات تلخط الشيوعية بالدراوينية، وذهب ضحية الحرب الأهلية مئات الآلاف من الأبرياء، إلى أن تمكن ماو من احتلال العاصمة بكين عام 1949، وأصبحت الصين على درب الشيوعية بعد الاتحاد السوفييتي.

كان ستالين صديقاً شخصياً للرئيس ماو، وشكلا بقوتهما الضاربة قطبا شيوعيا عملاقا ينافس الغرب الرأسمالي، وكانت باكورة عملهما المشترك على نشر الشيوعية في العالم هي حث الشيوعيين في كوريا الشمالية على احتلال كوريا الجنوبية عام 1950، ما أدى لاندلاع حرب أهلية طوال ثلاث سنوات، ومقتل أكثر من ثلاثة ملايين إنسان.

بعد الفشل في ابتلاع كوريا الجنوبية، ركز ماو على الشؤون الداخلية للصين، وبدأ بتكرار تجارب صديقه ستالين أملا في إحداث النهضة الصناعية والزراعية الموعودة، فانتزع الحزب الشيوعي أملاك المزارعين والعمال، بينما كان الإعلام الحكومي يصوّر الطبقة الكادحة وهي تمارس عملها مع ابتسامة مصطنعة خشية البطش.

أطلق ماو سنة 1958م برنامجاً اقتصادياً أسماه الثورة الكبرى، وملأه بالشعارات التي تعد الشعب بمستقبل مشرق، فبدأت الحملات الحزبية الكبرى تحت شعار مضاعفة الإنتاج الصناعي والزراعي، وعُلِّقت ملصقات الدعاية في كل مكان وهي تتحدث عن منتجات الصين التي ستثير غيرة الدول الغربية.

منعت الحكومة الإنتاج الخاص، وجمعت الفلاحين في مزارع كبيرة للعمل بالإكراه، وكان الحزب يتدخل في كل شيء، وهدفه الوحيد هو رفع طاقة الإنتاج مهما كان الثمن وبأي طريقة، إلى درجة ملاحقة الحيوانات التي اعتقد أنها ضارة بالمحاصيل وفقا للعقلية الداروينية، وعندما قرر الحزب أن العصفور الدوري هو أخطر الحيوانات على المزروعات، نظم حملة في كل البلاد لصيد العصافير، فانطلق مئات الآلاف لقتلها، وكانت النتيجة انتشار الحشرات التي كانت العصافير تتغذى عليها إلى جانب الحبوب، فوقعت البلاد في أزمة.

وفي عام 1958م تنافست البلديات على إنتاج أكبر قدر من المحصول لتنال رضا الحكومة، فلجأ الكثيرون إلى الكذب وتزييف النتائج أمام مفتشي الحزب، الأمر الذي أدى إلى تقديم إحصائيات مبالغ فيها، حيث أعلن الحزب الشيوعي أن الصين تملك فائضاً هائلاً في الأرز والحبوب، وقرر بذلك سحب عشرات آلاف الفلاحين من مزارعهم للعمل في الصناعة ومشاريع البنية التحتية، مثل حفر القنوات العملاقة تحت ظروف قاسية، وتشغيل المصانع بشكل دائم وعلى مدار الساعة، إلى درجة هلاك الآلاف من العمال تحت الضغط وتعطل الآلات لحاجتها إلى الصيانة.

معمل للصلب كان يُجبر فيه العمال على العمل في مناوبات طوال اليوم

وطالما أعلنت الشيوعية الإلحاد، فقد وضع الحزب زعيمه ماو في موضع الإله كما فعل السوفييت بقادتهم، فكانت آراء الزعيم لا تقبل المناقشة وكأنها وحي مقدس، وبما أنه لم يكن متخصصا في الزراعة والصناعة والاقتصاد فإن الكثير من نظرياته كانت خاطئة وساذجة، ولكن الشعب كان مضطرا لتصديقها مهما خالفت الواقع، فعندما أعلن ماو عن هدف آخر من أهداف ثورته وهو مضاعفة إنتاج الفولاذ، انطلق عشرات الملايين من الصينيين للعمل على إنتاج الصلب (الفولاذ) بأساليب غير احترافية، حتى أذابوا كل ما وجدوه من معادن في أفران بدائية، وكان الواجب الوطني يقتضي أن يسخّر الجميع وقت فراغهم لهذه المهمة وكأنها عبادة، فكانت النتيجة إنتاج صلب رديء لا يصلح لشيء.

أما النتيجة الكارثية لهذه التجارب الجنونية فهي افتقار القطاع الزراعي لليد العاملة بعد سحبها للصناعة والحفر والإنشاء، فكان عام 1960م بداية لأكبر المجاعات في العصر الحديث، حيث يقدر البعض أنها حصدت خلال عامين فقط أرواح أربعين مليون إنسان.

وبما أن الزعيم ماو كان بمنزلة الإله الذي لا يخطئ، فقد تم تبرير المجاعة بأنها عقوبة لمن لم يلتزم بالشيوعية على وجهها الصحيح، على اعتبار أن المجاعة ظهرت بشكل أكبر في المناطق التي لم تظهر ولاءً كاملاً للشيوعية. لكن هذا الفشل كان كافيا لينسحب ماو جزئيا من الساحة السياسية ويقلل من ظهوره، تاركاً تفاصيل إدارة الدولة للبيروقراطيين الذين كانوا أكثر معرفة منه.

أحد ملصقات الثورة الثقافية ويظهر فيها الشعب حاملا الكتاب الأحمر

عاد ماو إلى الظهور عام 1966 وهو يحمل “الكتاب الأحمر” الذي يتضمن أقواله وخطاباته، وأطلق بذلك “ثورة البروليتاريا الثقافية الكبرى”، محذرا من أسماهم بممثلي البورجوازية من اختراق الحزب الشيوعي، الأمر الذي أدى إلى شق صف المجتمع الصيني، فسرعان ما استجاب لدعوته ألوف الشباب المتحمسين لشعارات التحرر والثورة، ممن عُرفوا لاحقا باسم الحرس الأحمر، وأصبحوا جواسيس على عقول الشعب بحجة اكتشاف كل من كان يحمل أفكارا لا تتناسب مع الشيوعية، فتم تعذيب الملايين وقتل مئات الألوف، ولم يكن الحرس الأحمر يكترث لثقافة المتهمين وقدرهم الاجتماعي حتى لو كانوا من كبار المبدعين وأساتذة الجامعات، فكان بالإمكان اتهام أي شخص بأنه غير شيوعي وإهانته أمام الناس، بل كان يحق للحرس الأحمر إهانة آبائهم وأمهاتهم أيضا، وأن يستوقفوا أي شخص في الطريق ويسألونه عن مقاطع من الكتاب الأحمر، ومن لا يعرف الجواب يتعرض للتعذيب على الفور.

وخلال سنتين من “الثورة الثقافية” تم تخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي، واصطبغت الفنون كلها بلون الشيوعية الأحمر الخالي من المشاعر، وانتهكت المتاحف وأحرقت الكثير من المكتبات والمدارس والمصانع والمنشآت، وتحول الحرس الأحمر إلى مليشيات يتم تشكيلها من قبل فئات من المجتمع لتحقيق مصالح أخرى، وتشكلت بذلك طبقة وسطى ثائرة ومتذمرة من سوء المعيشة وانعدام العدالة، حتى كاد السحر ينقلب على الساحر ويصبح الحرس الأحمر ضد الحكومة نفسها، واندلعت مظاهرات واعتصامات واشتباكات عنيفة حتى أصبحت البلاد على شفا حرب أهلية، وهنا تدخل الجيش ونفى 17 مليون شخص من الحرس الأحمر إلى الحقول وقلص سلطاتهم، وفي عام 1969 تم الإعلان رسميا عن إنهاء “الثورة الثقافية”.

لكن النزعة “الماوية” لم تتوقف بموته، فتم تحنيطه ليبقى جسده ماثلا كالأصنام، كما انتشر كتابه الأحمر في أنحاء العالم ليكون وقودا للثوار في وجه الرأسمالية، وكان انتشار الماوية قد بدأ من بداية الستينات إثر فساد العلاقة الصينية السوفيتية مما سمح لماو بالظهور كزعيم مستقل عن ماركس ولينين وستالين، فتأسست أنظمة تعتمد على مبادئ ماو في كمبوديا وكوريا الشمالية وألبانيا، وحتى أميركا (منظمة الفهود السود).

كمبوديا
ربما كانت دول أوروبا الشرقية من أهم النماذج الاشتراكية والشيوعية التي يسلط عليها الضوء قبل انهيارها مع انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن الدول الآسيوية التي طبقت الشيوعية قدمت نماذج أكثر وحشية في قمع حرية الإنسان واستعباده ومسخ فطرته، وتعد كمبوديا أكثر هذه النماذج بشاعة، فقد استورد الشيوعيون فيها نموذج ماو الصيني كما كان الأوروبيون الشرقيون يستوردون نموذج لينين وستالين الروسي، ومارسوا من خلاله جرائمهم العنصرية لتصفية الآخرين تحت غطاء الداروينية.

جماجم الضحايا توثق مأساة الحرب الأهلية في كمبوديا

فبعد أن عبرت القوات الفيتنامية الشيوعية الحدود إلى كمبوديا أثناء حربها مع الولايات المتحدة، دخلت كمبوديا في حرب أهلية عام 1970م، وكان الجنرال الشيوعي بول بوت يقود الخمير الحمر بشعارات ماو، وما إن احتلوا العاصمة “بنوم بنه” عام 1975 حتى أعدموا الآلاف من موظفي الدولة، وسحبوا سكان المدن إلى القرى للعمل في حقول الأرز بالقوة، فتحولت الأرياف إلى حقول موت جماعي، ودُمرت المعابد والمكتبات بحجة مكافحة الرجعية، واستُهدف أصحاب مهن معينة مثل الأطباء والمحامين والمعلمين، بل حتى الذين يرتدون النظارات كانوا معرضين للقتل على اعتبار أنها علامة للمثقفين، وفقا للباحث الأميركي روبرت كابلان في كتابه “نهايات الأرض”.

كان مسلمو كمبوديا من عرقية التشام من أكثر الأقليات تضررا كما هو الحال في كل الدول الشيوعية، حيث أبيد نصفهم، كما أعاد الشيوعيون بناء المجتمع على أساس تصوراتهم الخاصة، فحاولوا هدم نظام الأسرة وإلغاء مظاهر التدين وإنشاء الأطفال على ثقافة الشيوع في كل شيء.

وكانت ثمرة الشيوعية في هذا البلد الصغير هي قتل نحو ثلاثة ملايين إنسان من أصل ثمانية ملايين، ومازالت عظام وجماجم الضحايا تعرض إلى يومنا هذا في متحف العاصمة، وقد صور الشيوعيون الكثير من ضحاياهم لتوثيق ملامح الهلع في وجوههم قبل الموت.

من آثار المجاعة التي ضربت كوريا الشمالية في التسعينات

تعد شبه الجزيرة الكورية نموذجا مدهشا للمقارنة بين النظامين الشيوعي والرأسمالي، فمنذ حصول كوريا على الاستقلال من الاحتلال الياباني عام 1945 تم تقسيمها إلى شمالية وجنوبية، فكان الشمال من حصة الاتحاد السوفييتي والصين، بينما دعمت الولايات المتحدة الجنوب، واندلعت بينهما حرب أهلية بين عامي 1950 و1953، وما زال الشمال حتى اليوم متمسكا بالشيوعية وعبادة سلالة الزعماء المصابين بجنون العظمة بالرغم من انهيار الشيوعية السوفييتية وتراجع الصين عن شعاراتها.

بدأت النهضة في الجنوب ببداية ستينات القرن العشرين، فارتفع دخل الفرد إلى نحو 17 ضعفا عن مثيله في الشمال، وعقد الجنوب أول انتخابات رئاسية حرة في ظل دستور ديمقراطي عام 1987، وفي عام 2004 أصبحت كوريا الجنوبية في المرتبة الثانية عشرة على قائمة أكبر الدول الاقتصادية في العالم.

أما كوريا الشمالية فدخلت في دوامة التخبط الاقتصادي منذ بداية تأسيسها بالرغم مع كل الشعارات المرفوعة، ومع بداية تسعينات القرن العشرين أصبحت بحاجة ماسة للاعتماد على المساعدات الدولية كي تنقذ شعبها من المجاعة، وهي تحاول تطبيق إصلاحات اقتصادية تتنافى مع شعاراتها الشيوعية منذ عام 2002، كما اضطرت عام 2013 لتأسيس 14 منطقة استثمارية مفتوحة للمستثمرين الأجانب داخل أراضيها، وما زالت حتى اليوم تعتمد على مساعدات جارتها الجنوبية بالرغم من معاداتها.

كيف فشلت الشيوعية؟

غورباتشوف

في الاتحاد السوفييتي
تولى ميخائيل غورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفييتي عام 1988، أي بعد قرابة سبعين سنة فقط من نشأة الدولة التي كانت تنازع الولايات المتحدة على سيادة العالم، ومع ذلك فقد كانت تعيش أسوأ أيامها لفشل سياسات الشيوعية الاقتصادية، لذا تولى غورباتشوف من بداية ولايته مهمة الإنقاذ مطلقا برنامج إعادة البناء (البريسترويكا) بالتزامن مع سياسة الشفافية (غلاسنوست)، كما حاول الانفتاح على الغرب متراجعا عن سياسة العنجهية التي استخدمها أسلافه ضد الغرب، فسعى مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان إلى إنهاء الحرب الباردة وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1990، وسمح للأجانب بالاستثمار في الاتحاد السوفييتي على شكل مشاريع مشتركة مع الحكومة والتعاونيات، وتخلت الحكومة عن الشرط الأساسي للشيوعية وهو إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فسُمح بتأجير الأرض والحيوانات والآلات للفلاحين كي ينقذوا البلاد من مجاعة محدقة، بعد أن ثبت عمليا فشل السياسة الزراعية السوفييتية التي أطلقها ستالين عام 1930 بانتزاعه المزارع الخاصة بالقوة من أصحابها وتحويلها إلى مزارع جماعية.

يقول مؤرخو تلك المرحلة إن المزارع الخاصة الصغيرة سرعان ما بدأت بالإنتاج حتى أصبحت تغطي ربع حاجة البلاد من المنتجات النباتية وتملك ثلث عدد الأبقار، بينما كانت المزارع الحكومية غارقة في الفشل والفساد، كما امتلأت أرفف الأسواق الخاصة والتعاونيات بالسلع الأساسية رغم أسعارها باهظة في حين بدت أرفف الأسواق الحكومية فارغة.

شجع غورباتشوف الصحافة على انتقاد السياسة الزراعية أملا في الوصول إلى حل فانتشرت الفضائح، حيث أكدت الصحف مرارا أن عدة أطنان من الخضار والفواكه تفسد في مخازن الحكومة بينما يبحث الشعب عن ثمرة لشرائها، كما ذكرت صحيفة البرافدا أن كمية هائلة من اللحوم تُسرق عبر مراحل عدة قبل وصولها إلى السوق لأن توزيعها محصور بيد موظفين حكوميين.

الألمان يحتفلون عام 1989 بهدم جدار برلين الذي كان يقسم عاصمتهم بين الشيوعية والرأسمالية

كان الحل الوحيد الصعب هو تطبيق مبادئ السوق الحرة عبر رفع الدعم الحكومي والتخلي عن التسعير لتشجيع المنتجين على الإنتاج، وهو الأمر الذي أخضع الأسعار لمبدأ العرض والطلب والتضخم.

بحلول 1990 كانت الحكومة قد خسرت السيطرة على الاقتصاد، حيث ازدادت نفقات الدولة لخسارة صفقاتها وانخفضت عائدات الضرائب بسبب امتناع السلطات المحلية عن تقديمها للحكومة المركزية، وسقطت القوة العظمى بشكل سريع ومفاجئ ودون حرب أهلية، وانتقلت مباشرة إلى نظام السوق الحر تاركة الشعب المعدم لتدبر أموره.

وما زال غورباتشوف حتى اليوم يتهرب من الاعتراف بفشل سياسته فضلا عن فشل الشيوعية كلها، ويلقي باللائمة على الولايات المتحدة والغرب في انهيار نظامه. ومع أن الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية سقطت الواحدة تلو الأخرى وتحولت إلى النظام الرأسمالي؛ فما زال بعض الشيوعيين حول العالم مصرن على عدم الاعتراف بالفشل.

في الصين
بدأت الصين برنامجها الإصلاحي مبكرا، ربما لأن المجاعة ظهرت فيها قبل ظهور الأزمة في جارتها السوفييتة، فعند وفاة ماو عام 1976 كانت الصين أكثر الدول فقرا وانعزالا في العالم، لكن الحزب الشيوعي الصيني وضع على الفور خطة لتحديث نظامه الاقتصادي ضاربا بحتمية ماركس وإلحاده عرض الحائط، فاستعاد الحزب تقاليد الدين الكونفوشي وتصالح مع الدين، وفتح الباب أمام المبادرات الاقتصادية تدريجيا متنازلا عن احتكار الدولة لوسائل الإنتاج.

وهكذا شهد عقد الثمانينات في الصين نشوء قطاع خاص ضخم، حيث تخفف الاقتصاد من قيود الاستثمار الخارجي في بعض المناطق متيحا فرص العمل للملايين، كما تخلى الرئيس دينغ شياو بينغ عن شعارات الأيديولوجيا الشيوعية الفارغة وتعامل مع السوق بسياسة براغماتية، حتى أصبح شائعا القول إن النظام الاقتصادي في الصين هو نظام رأسمالي تقوده الدولة.

مدينة شنغهاي في الصين الشيوعية أصبحت تنافس المدن الغربية على اللحاق بالعولمة الرأسمالية

واليوم تعد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولكن هذه النهضة مازالت مشوبة بعوامل انهيار داخلية، فكل ما فعله الحزب الشيوعي هناك هو تأجيل الكارثة بفتح الباب أمام الاستثمار والتشغيل، إلا أن التوجه المبالغ فيه نحو الصناعة وغزو الأسواق العالمية جاء على حساب الزراعة التي تخسر كل يوم المزيد من الفلاحين بنزوحهم نحو المدن للعمل في المصانع، كما أن المنتوجات الصينية التي وصلت إلى كل أسواق العالم تفتقر إلى الإبداع والجودة ولا يمكنها المنافسة إلا برخص أسعارها، وما زالت المنافسة في السوق قاصرة على ما تحدده الدولة، فمن الصعب أن ينافس المستثمر في سوق يكون خصمه فيه هو الحكم.

أما على صعيد حقوق الإنسان والحريات فلا يخفى على أحد أن الأمر لم يتغير كثيرا، حيث لا يزال أكثر من 1.3 مليار صيني يرزحون تحت حكم حزب واحد يتحكم في كل شيء، فضلا عن الفساد المنتشر في أوساط الحكومة، ففي عام 2008 على سبيل المثال، تسبب زلزال سيشوان بمقتل مئات الآلاف من الأطفال عندما انهارت مدارسهم المبنية بطريقة رديئة، وانتشرت عندئذ قصص الفساد في بناء المدارس، لكن المحتجين من الآباء والمعلمين هم من الذين تعرضوا للسجن في النهاية وليس الفاسدون.

لقد أكد التطبيق العملي للشيوعية أن النظرية التي صاغها فيلسوف ألماني (ماركس) في منزله المرفه بحي سوهو اللندني وفي مقهى بالساحة العامة ببروكسل كانت مجرد غطاء نظري للاستبداد، وأن الشيوعية لم تكن نهاية حتمية للرأسمالية كما كان يزعم، بل نظاما طبقه العسكريون بالقوة، وأنه لا يمكن عمليا فصل الشيوعية عن الاستبداد حتى لو لم ترافقها الوحشية.


أهم المراجع
ماركس وإنغلز، البيان الشيوعي، ترجمة محمود شريح، منشورات الجمل، ألمانيا.

ريازانوف، محاضرات في تاريخ الماركسية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، 1979.

نهاد الغادري، التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية، دار الكاتب العربي، بيروت، 1969.

عمر حليق، موسكو وإسرائيل: دراسة مدعمة بالوثائق لجهود موسكو في خلق إسرائيل وإبقائها، الدار السعودية للنشر، الرياض، 1985.

عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، 2004.

محمد سعيد رمضان البوطي، نقض أوهام المادية الجدلية، دار الفكر، دمشق، 1985.

عبد الله التل، الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، المكتب الإسلامي، 1971.

علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، مؤسسة بافاريا للنشر، 1994.

عبد الله عزام، السرطان الأحمر، مكتبة الأقصى، عمان.

وليام غاي كار، أحجار على رقعة الشطرنج، ترجمة سعيد جزائرلي، دار الكتاب العربي، 2011.

حسن موسى العقبي، مالك بن نبي وموقفه من القضايا الفكرية المعاصرة، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية في غزة، 2005.

مجموعة مؤلفين لدى الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر.

الفيلم الوثائقي “التاريخ الدموي للشيوعية”، موقع المفكر هارون يحيى الرسمي.

The Jewish Encyclopedia, A descriptive record of the history, religion, literature and customs of the jewish people from the earliest times to the present day, Vol. 4, P152, Funk and Wagnells, New York and London, 1909.

http://henrymakow.com/2015/04/Karl-Marx-Was-Rothschilds-Third-Cousin%20.html