مقالات

منهج المعرفة عند ابن حزم

ربى الحسني


يعد الإمام الأندلسي ابن حزم الظاهري (المتوفى عام 1064م) من من أكبر علماء الأندلس وأكثرهم تأليفا، فكان بارعاً في علم الكلام والفلسفة والأدب والأنساب والفقه، كما كان وزيرا للدولة الأموية في الأندلس، واشتهر في التجديد الفقهي ومباحث مقارنة الأديان.

ويرى ابن حزم أن الوصول إلى معرفة الحق لا بد أن يتم من خلال أحد مصدرين:
1- أوائل العقول، أو البدهيات العقلية: وهي مما يعلمها جميع الناس حتى الصبي الصغير الذي إن أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر، وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء، وكذلك علمه بأنه لا يجتمع المتضادان فإنك إذا وقفته قسراً بكى ونزع إلى القعود علماً منه بأنه لا يكون قائماً قاعداً معاً.

2- أوائل الحس أو الكيفيات الحسية: كالعلم بأن الأحمر مخالف للأخضر، وكالفرق بين الخشن والأملس واللزج، والحار والبارد، وكالفرق بين الحلو والحامض والمر والمالح. وكالفرق بين الصوت الحاد والغليظ والرقيق والمطرب والمفزع.

فهذه الأوائل العقلية منها والحسية؛ يجدها المرء في نفسه حال التمييز، فهي بمنزلة الضرورة.

ويترتب على هذين القسمين ما يلي:
1- المقدمات التجريبية الراجعة إلى ما صححته المشاهد والتجارب، وهي ضرورية بموجبها، وباتساقها مع الأوائل.

2- المقدمات الإخبارية: وتضم القضايا التاريخية والدينية التي تم التحقق من صدقها ولها ضرورتها الخاصة وتتسق مع ما سبق.

3- النتائج اللازمة بالاستدلال المنطقي الصحيح عن مقدمات القسمين الأول والثاني، وهي ضرورية ضرورة منطقية.

فهذه المقدمات لاشك فيها ولا سبيل إلى أن يطلب عليها دليلاً إلا مجنون، وهذا أمر يستوي في الإقرار به كبار جميع بني آدم وصغارهم في أقطار الأرض إلا من غالط حسه وكابر عقله.

وعليه فقضايا قسمي الأوائل الحسية والعقلية، ومن ثم المقدمات المتسقة معها من تجريبية وإخبارية (شفوية ونصية)، والنتائج اللازمة عنها جميعاً تستغرق كل موضوعات المعرفة البشرية.

والشاهد من التمهيد الذي ذكرنا، أن ما رجع إلى مقدمة من المقدمات المذكورة فهو حق كما أن تلك المقدمة حق لا فرق بينهما في أنهما حق، والخبر الشفوي والنصي يمكن أن يرجع هذه المقدمات، وبالتالي فهو من مصادر المعرفة إن كان صادقاً.

وقبل النظر في صدق أخبار الأنبياء، نرجع مجدداً إلى ابن حزم الذي يحدثنا عن أن النبوة من الضرورات المعرفية للبشرية لتستقيم حياتها، فهو يرى أن العلوم والصناعات لا يمكن البتة أن يهتدي أحد إليها بطبعه دون تعليم، كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها على كثرة اختلافها ووجود العلاج لها بالعقاقير، وأن الإنسانية حتى تصل إلى معرفة ذلك تحتاج إلى تجارب تستغرق عشرات الآلاف من السنين، لأن ذلك يتطلب مشاهدة كل مريض في العالم وهذا يقطع دونه قواطع الموت والانشغال بشؤون الحياة والممات، ومثل ذلك الكثير من المعارف التي حصلت عليها البشرية، فلا سبيل إلى اختراع هذه المعارف بدون هداية، وهو بذلك لا يعني أن هذه المعارف غير مصنفة بالكتب، بل يقصد ابتداء معرفة هيئتها الأولى وتعلمها كابتداء الأمراض وأنواعها وقوى العقاقير والمعاناة بها وابتداء معرفة الصناعات، فهي لم تكن إلا بوحي من الله تعالى، ليخلص من ذلك إلى القول أنه “لا بد من إنسان واحد فأكثر، علّمهم الله تعالى ابتداءً كل هذا دون معلم، لكن بوحي حققه عنده، وهذه صفة النبوة، فإذن لابد من نبي أو أنبياء ضرورة فقد صح وجود النبوة والنبي في العالم بلا شك”.

وبعد هذه المقدمة، فإن النبي الذي يرسله الله تعالى إلى البشر، فلا بد له من آيات “معجزات”، يكون مدعاة للتصديق به، وحتى تتميز هذه الآيات عن غيرها من مظاهر السحر وفعل العجائب، لا بد أن تكون معجزات الرسل خاصة بهم، ولا يقدر عليها أحد غيرهم وهي كالتالي:

1- اختراع الجوهر من العدم: كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

2- قلب الأعيان وإحالة الطبائع: كقلب العصا حية، وإحياء الموتى.

3- إحالة الأعراض التي لا تزول إلا بفساد حاملها: كسواد الزنجي فهذا لا يقدر عليه أحد دون الله.

4- إحالة الذاتيات: كمن سقى مريضاً شيئا يضره فيبرأ (أي يشفى).

يمكننا الآن القول: إن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو نبي مرسل من الله، وقد أتى بآيات معجزات مؤيدات لرسالته من الله سبحانه وتعالى، وأنه جاء بأخبار صادقة متمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وأن ذلك تم من خلال الوحي، وأن الله سبحانه وتعالى عصمه كما عصم غيره من الأنبياء في جانب التبليغ مطلقاً فلا يقع منهم خطأ ولا سهو.