مقالات

الحجاب والعبودية

آلاء بهجت الحاجي


في خضم كل الحملات التي تدعو لتغطية الثمرة المكشوفة وحفظ الجوهرة المكنونة من مرضى القلوب وعبيد الشهوات، وتختزل الكثير من معاني تدين المرأة في تغطيتها لجسدها أو كشفه؛ تتجلى ضرورة النظر للباس المرأة في الإسلام ضمن كليات الشرائع المفروضة التي تحقق معنى العبودية لكل من أسلم نفسه لله ودان بهذا الدين.

فحديثنا عن لباس المرأة قبل أن يكون حجبا للأنوثة وإظهارا للإنسانية التي تستطيع المرأة من خلاله ممارسة نشاطها المجتمعي، إنما هو تحقيق لعلاقة العبودية بينها وبين الله وعهد منها بالتزام هذا الدين القيم، في عالم جل ما يحارب من أجله هو إسقاط نظرة الإنسان لنفسه على أنه عبد مستخلَف، ويغرس فيه أنه المركز والسيد الآمر الناهي.

والخطاب الذي يشجع المرأة على اللباس الساتر لأجل حفظ المجتمع من الفساد والانحراف، وحفظ جسد المرأة، قد يغفل علاقة العبودية لله التي تكرم المرأة، وتدفعها للالتزام باللباس الساتر ضمن جملة الفرائض التي تقوم بها لتحقيق أسمى درجات الحرية وهي عبادة الله فوق ما سواه.

فلا يكون سيماء المرأة في الإسلام -كما أسماه الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله- له معنى إن كان تابعا للمخلوق ومصلحة المخلوق قبل أن يكون تابعا لله، وبهذا تسمو العلاقة روحيا بهذا اللباس الذي هو منظومة قيم قبل أن يكون قطعة قماش [سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، د.فريد الأنصاري، منشورات ألوان مغربية،الرباط، 2003م].

إعلانات السجائر حاولت استقطاب المرأة عبر التركيز على تحررها

وما تحرير المرأة من تلك العبودية ومن منظومة القيم إلا فرض قيم أخرى عليها وتسويق عبودية جديدة لغير مستحقيها، فصيحات الأزياء وممولوها يستغلون بشكل خفي أو بآخر عبر الدعاية والتسويق دعاوى تحرير المرأة من ذكورية الأديان التي تفرض عليها الستر والتغطية، مفسرين ذلك بضرورة اختيار المرأة للباسها بعيدا عما يفرضه الدين الذي جاء لحجب الأنثى وإضفاء السيطرة الذكورية عليه.

لكن هذه الدعوات تواجَه بازدواجيتها المكشوفة؛ فكيف تدّعي أن على المرأة اختيار ما تلبسه وهي لا تختار ما تلبسه بل يفرضه عليها السوق؟ وكيف تبتعد عن ذكورية الأديان واختيارهم لما تلبسه إذا كان مصممو الأزياء العالميون ذكورا أيضا؟ هل تُعطى المرأة في عالمنا رفاهية اختيار صيحات الأزياء المسوقة؟ هل تساءلنا يوما عن القيم الأخلاقية التي يتبناها أصحاب شركات الأزياء العملاقة ديور وسان لوران وجافنشي وغيرها؟

إسلام السوق
والحجاب غير بعيد عن كل ذلك، فمؤخرا بات صيحة ووجها آخر لسيطرة قيم السوق الاستهلاكية كما يقول صاحب كتاب (إسلام السوق) “فالحجاب نقل إلى سياق استهلاكي سرعان ما سيدمغه بقيمه ومعاييره الخاصة وسيدخل في صراع مع الأصل الإسلاموي الذي يرفض فكرة موضة الأزياء ويعده تعبيرا عن حالة الاغتراب الثقافي وتبذيرا ومصدرا للإغراء” [إسلام السوق، باتريك هايني، ترجمة عومرية سلطاني، الطبعة الأولى، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015م، ص72].

وانتشار “الفاشينيستا” المحجبة أيضا التي هي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يعبر عن حالة “الاستلاب الحضاري” التي نراها ويجر أسئلة حول مقياس العبودية المطروح أعلاه وما إذا كان هو معيار التزامنا بالفرائض أم أن تديننا أصبح أيضا حسب السوق، فخضوع المرأة المحجبة بزيها الذي يفترض فيه الاحتشام لمخيالات أصحاب دور الأزياء ما هو إلا وجه آخر من اتباع قيم المخلوقين التي فرضوها عن طريق ادعاء التحرر وفك القيود، والتحكم بالعبودية بدل أن تتوجه لمستحق العبودية وصاحب الخلق والأمر. [فلسفة الزي الإسلامي، أحمد الأبيض، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ص26].

أصبح التبارز العالمي الآن مكشوفا في تسليعه للجسد عموما وجسد المرأة خصوصا وتبذله في التكشف والتغيير والتجمل والتجديد والنضارة والتخليد، مما يعيدنا للحديث عن فلسفة الجسد وفهمنا لهذا الكيان المخلوق وتكريم الله له بنفح الروح الآدمية فيه ارتقاء به عن مستوى الحيوان، ويجرنا لفهم العلاقة بينه وبين الستر والكشف على مدى التاريخ الإنساني، وكيف نظر الدين إلى هذا الجسد باعتباره أمانة ومسؤولية ووسيلة للعمران وعنصرا من عناصر الاستخلاف، لا ميدانًا للتفاضل العقيم.

إن الحجاب كقيمة إسلامية مرتبط بتعاملنا معه وقبولنا أو رفضنا لتطويعه وسيولته وفقا للحداثة التي أذابت العالم، ولو أن الحجاب لا يعني القبح وإهمال المظهر لكنه أيضًا لا يجعل المرأة أجمل كما تروّج بعض الخطابات، ولم يُفرض ليجعلها أجمل أصلًا إن كان معيار الجمال هو ما تنشره الحداثة وتجر الناس كالقطعان إليه، وطرح هذا الخطاب للفتيات -الصغيرات منهن خصوصا- عدا عن كونه مغايرًا للحقيقة، لكنه أيضا يصادم ما يغزوهن الإعلام  به من تصوير مغاير للجمال والقبح، وهنا يكون البقاء للأقوى خطابيا والأكثر تأثيرًا وتكرارًا. وربما لا يسع المقام الآن الحديث عن القيم الجمالية بعد أن مَسختها الحداثة وصار كل ما يُسوّق ويشيع جمالًا بغض النظر عن أي ذوق أو خلق.

أخيرًا أقول إن نظرتنا للحجاب وأهميته في تنمية الفضيلة في المجتمع وارتقاء التعامل الإنساني بين الرجل والمرأة، لا يجب أن تقل أهمية عن نظرتنا له على أنه شريعة إسلامية تحقق أسمى درجات الانقياد والإيمان، وربما كان على الخطاب الإسلامي توجيه دعوته والموازنة بين مستويات الخطاب، وألا تكون دعوتنا مجرد ردة فعل عن بعض الظواهر التي نراها والتي ربما ولدت تأثيرًا سلبيا لم يُقصد.

هل نحن عاجزون بيولوجياً أمام شهواتنا؟

إيهاب حنفي وأحمد دعدوش


صار من المتداول اليوم بين الشباب كثيرا أن ميولنا وشهواتنا ورغباتنا تنشأ أصلا من دوافع بيولوجية ووراثية، وكأن الإنسان يُخلق مجرما أو سويّا أو عفيفا أو متهتكا، لكن الأبحاث التي يستندون إليها ليست نهائية، بل هناك ما ينقضها بقوة.

البعض يستشهد بقصة تم توثيقها عام 2003 لشخص اكتشف أن لديه ميولا جنسية نحو الأطفال، وهي الحالة المسماة في علم النفس “بيدوفيليا”، وتم تشخيصه لاحقا بأنه مصاب بورم في المخ. وبناء عليه، حاول الكثير من علماء الأعصاب الربط بين ميول كهذه وبين إصابات في بعض مناطق الدماغ، لكن هناك أبحاثا أخرى أثبتت أن ليس كل من يصاب في نفس تلك المناطق يجد ميولا مماثلة[1].

على سبيل المثال، قدم الأستاذ في جامعة نيويورك سبرامونيام مادهوسودانان ورقة علمية في عام 2014 أوضح فيها أنه لا توجد علاقة بين مكان الورم في الدماغ و بين الآثار النفسية[2].

وعليه فإن الطب لا يقدم دليلا على أن إصابة منطقة معينة من الدماغ بورم ستؤدي إلى ظهور ميول البيدوفيليا أو الشذوذ الجنسي أو أي سلوك آخر؛ لكن الورم قد يغير المزاج العام ويؤدي إلى الاكتئاب والأرق وفقدان شهية وأعراض أخرى.

وقاحات جديدة
في مقال نشره بمجلة “ريدرز دايجست” بعنوان “وقاحات جديدة”[3]، يقول ويليام لي ويلبانكس إن الإرادة وحدها قادرة على تخليصنا من أعتى العادات السيئة.

ويستشهد بمحاكمة شهيرة جرت في الولايات المتحدة للنظر في قضية رجل اعتدى جنسيا على فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، حيث حكم القاضي بإخضاع المتهم لدورة تأهيلية لتصحيح إفراز الهرمون الذكري “تستستيرون” لديه بحجة أن فرط إفراز الهرمون هو الذي يمنعه من مقاومة المغريات، ويعلق الكاتب “ولكن معظم الذين يعانون من هذه المشكلة لا يعتدون على الآخرين، وما قام به القاضي ليس إلا واحدا من أوهام الوقاحة الجديدة، والتي نرددها باستمرار لنصيب بها صميم إنسانيتنا عبر تلفظنا بعبارات من قبيل: لا يمكنني أن أتمالك نفسي”.

ويضيف أن وصفنا للمدخنين بأنهم مدمنون يوحي بعجزهم عن الإقلاع عن التدخين، مع أن الكثير منهم تمكنوا من ترك هذه العادة دون علاج.

ثم يذكر مثالا آخر عن الغضب، فيقتبس من كتاب “الغضب: عاطفة يساء فهمها” للأخصائية كارول تافريس قولها إننا نحن من يقرر أن نغضب عندما نعتقد بأننا تلقينا معاملة غير عادلة، فالعدوانية ليست طبعا بيولوجيا قسريا في داخلنا، بل هي طريقة مكتسبة نلجأ إليها للتعامل مع من يدفعنا للغضب، مع أنه بمقدورنا أن نختار طرقا أخرى مكتسبة أيضا مثل كظم الغيظ والترويح عن النفس بالبوح بما يغيظنا أو حتى الصراخ، والدليل على قدرتنا على التحكم بأعصابنا عند الغضب هو أننا نادرا ما نثور على مدرائنا في العمل، في الوقت الذي نفقد فيه السيطرة عند التعامل مع أصدقائنا أو أفراد عائلاتنا.

ونحن نوافق على هذا، فلو كان الغضب أمرا خارجا عن السيطرة لما أمر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من جاء يطلب منه الوصية بقوله “لا تغضب”، ومكررا وصيته ثلاث مرات.

وفي سيرة عمر بن الخطاب مواقف كثيرة تشير إلى أنه كان شديدا قوي البأس، ومع ذلك كان وقافا عند حدود الله ومسيطرا على أعصابه، فعندما أساء إليه أحد العامة -وهو الخليفة- همّ به ليوقفه عند حده لولا أن بادر أحد جلسائه بتذكيره بقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، فأقلع على الفور وعفا عنه.

وفي قصة مشابهة، أخطأ أحد غلمان الخليفة العباسي هارون الرشيد وآذاه، فلما نظر الخليفة إلى الغلام غاضبا سبقه الفتى بقوله: “والكاظمين الغيظ” فهدأ الخليفة وقال: قد كظمت غيظي، فتابع: “والعافين عن الناس” فقال: قد عفوت عنك، فأكمل الغلام: “والله يحب المحسنين” فقال: أنت حر لوجه الله.

الإرادة تكفي
ويتحدث الكاتب ويلبانكس عن تجربة شخصية مر بها عندما كان طالبا في المدرسة الثانوية، إذ كان مقتنعا بأن طباعه غير سوية، إلى أن طلب منه مدرب كرة السلة في المدرسة أن يواجه أحد زملائه في التدريب، فكان كلما فوّت فرصة في التسديد ضرب الأرض بقدمه متذمرا، فحذره المدرب من الطرد إن عاد إلى هذا التصرف مرة أخرى. وبما أن المدرب كان حازما فإن الفتى لم يجرؤ على القول “ولكني لا أستطيع أن أتمالك نفسي يا أستاذ”، بل أقلع عن تلك العادة على الفور لعلمه المسبق بأن عقابا صارما سيواجهه.

ويعلق بالقول إن الإرادة الحازمة قادرة على الإمساك بزمام الأمور، مشيرا إلى أن الكثير من مدمني المخدرات تمكنوا من الخلاص منها دون علاج، ولا ينسى التذكير بأن العلاج ضروري شريطة أن يسبقه التذكير -وليس التعليم- بأن الإرادة هي السلاح الأول، فالإدمان مشكلة أخلاقية بالدرجة الأولى وليست طبية، وفق رأيه.

ويضيف أن المعالجين أخذوا يطلقون صفة الإدمان على كل العادات السيئة حتى على المراهنين ولاعبي القمار، حتى باتوا يعتبرون من يتخطى الحدود في المقامرة شخصا مريضا فاقدا للسيطرة على نفسه، مما يفتح الباب واسعا أمام الانحراف السلوكي، ويجعل من الجناة أشخاصا يستحقون الشفقة بدلا من العقاب.

وإذا كان هذا المقال قد كُتب في أواخر الثمانينات للتنديد بما أسماه “وقاحات جديدة” فماذا يقول إذن عما انتهى إليه الحال اليوم بعد نحو ثلاثين سنة؟ فمع أن العديد من الأبحاث تنفي ارتباط السلوك المنحرف بالهرمونات وأضرار الدماغ كما ذكرنا في بداية المقال إلا أنه أصبح من الشائع كثيرا الركون إلى المقولات المضادة، لا سيما في الأوساط الإلحادية المادية التي تميل إلى الفلسفة الجبرية واعتبار الإنسان مجرد آلة مسيَّرة محدودة الإرادة، وما نراه من انحلال أخلاقي في الغرب اليوم هو إحدى نتائج هذه الفلسفة.

هوس التبرير
ومن الأمثلة المتزايدة على الهوس الطبي في البحث عن دوافع بيولوجية لكل سلوك منحرف، تصنيف أطباء النفس لظاهرة التسوق المبالغ فيها ضمن الأمراض النفسية القابلة للعلاج، وربطها بانخفاض مادة سيروتونين في المخ، والذي يسبب أعراضا أخرى مثل إدمان لعب القمار أو اللهو بإشعال النار والتسبب في الحرائق.

ومن الأمثلة أيضا اعتبار مشاهدة التلفاز المبالغ فيها حالة من حالات الإدمان، حيث ربطت دراسة نشرت في مجلة “أميركان سيانتيست” بين الانبعاث المتواصل الذي يطلقه الدماغ لموجات “ألفا” ومشاعر الارتياح النفسي لدى مشاهدة التلفاز، لكن هذا الارتياح الذي يشعر به معظم الناس الطبيعيين لا يعني بالضرورة أنهم سيعانون من الإدمان وفقدان الإرادة!

أما التدخين فحاول فريق علمي من جامعة أكسفورد أن ينسب الاعتياد عليه إلى جين وراثي قال إنه مسؤول عن الإدمان على النيكوتين، مؤكدا أن الأشخاص الذين لا يحملون الجين يمكنهم الإقلاع عن التدخين دون استعمال الوسائل التي تستخدم النيكوتين (مثل لبان النيكوتين ولصقة النيكوتين على الجلد)، لكن وجود هذا الجين لا يعني حتمية التدخين، فهو لا يعدو كونه استعدادا أوليا يمنح الشخص قابلية إضافية للتدخين، كما هو الحال مع اشتهاء الإنسان لنوع ما من الطعام أكثر من غيره، لكن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى فقد الإرادة.

وكل ما في الأمر هو أن مجاهدة النفس لمنعها عما تشتهيه تكون أصعب أمام إغراء الإعلانات وتشجيع المجتمع، لذا تمتلئ كتب التزكية والزهد في تراثنا الغني بقصص مجاهدة النفس لدى كبار الزهاد عن أبسط الأمور، لمنع النفس من التمادي حتى في اشتهاء الحلال فضلا عن المنكرات. لكن التساهل في التعاطي مع المكاره والمحرمات قد يتحول مع مرور الزمن عادة مستعصية، فتبررها النفس الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان بالعجز والإدمان.

وقد يصل الأمر فعلا لدى البعض إلى وسواس قهري يسلب الشخص إرادته، وهذه تحديدا حالية مرَضية مرتبطة بعوامل بيولوجية، لكن العلاج في معظم الحالات يكون بالإيحاء النفسي السيكولوجي دون تدخل الأدوية والعقاقير.


[1] https://jamanetwork.com/journals/jamaneurology/fullarticle/783830

[2] https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1586/14737175.7.4.343

[3] Reader’s Digest, Mars 1989.

لماذا فُرض الحجاب؟

أحمد دعدوش


منذ بزوغ شمس الإسلام وحتى انحسار الاحتلال الأوربي عن بلاد المسلمين في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، لم ينقل لنا التاريخ أي حادثة تدل على أن حجاب المرأة قد تسبب لها في يوم من الأيام بأي مشكلة. وإذا كان التراجع الحضاري الذي استكان إليه المسلمون في القرون الثلاثة الأخيرة قد منح أعداءهم فرصة التعرض لقيمهم ومقدساتهم، فإن قضية “تحرير” المرأة ما زالت إحدى أهم مداخل الغزو الثقافي التي يراد من خلالها خلخلة التماسك الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، ونسف قيمه الأثيرة التي تغوص في وجدان المسلم العادي.

من أجل ذلك، كان جسد المرأة المسلمة -قبل عقلها- هدفا مركزيا لسهام الغزو، وإذا كان الحجاب هو العائق الأول في طريق الوصول إليها، كان لا بد من اصطناع ثقافة متكاملة تحمل على عاتقها نسف الحجاب من اللاوعي الإسلامي، بدءا بإشاعة الشكوك حول حكمه الشرعي وعلته وغايته، ثم ربطه الدائم بكل الصور المنفرة، في سعي دؤوب لتنميط صورته على أنه الوجه السافر لكل ما هو مقيت ومنفر.

وما إن اكتملت فصول هذه الحملة التي تتخذ من حقوق الإنسان والديمقراطية غطاء لها، حتى اجتمعت بين أيدينا مجموعة من الدعاوى التي يحاول بها أصحابها التشكيك في علة فرض الحجاب على المرأة. ويمكن للمطلع أن يلاحظ أن بعضها يناقض البعض الآخر، إذ يصعب الجمع بينها في منظومة واحدة، إلا أن الهدف من إثارتها وتكرارها قد يكون هو مجرد الاكتفاء بنسف حرمة الجسد وثقافة العفة والشرف، وهو أمر كفيل بزعزعة بنيان المجتمع.

وفي هذه العجالة، سنعرض لأهم ما يتداوله أعداء الحجاب من شبهات حول علة هذا الفرض الذي أجمع عليه المسلمون، مع مناقشة كل منها بما يسمح به المقام.

أوهام العلمانيين حول علة الحجاب
1- “أن الحجاب فُرض لتمييز الحرائر عن الإماء”، ويستدلون بقوله تعالى: “ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ” (الأحزاب: 59)، فقد ذهب الكثير من الفقهاء والمفسرين إلى أن الحجاب (أي الخمار والجلباب) كان خاصا بالحرائر دون الإماء، فاستغل البعض هذا الحكم ليزعموا أن الحجاب لم يعد حكما واجبا اليوم، إذ انتهى عهد الرق ولم تعد هناك حاجة للتمييز.

والحقيقة أن هذه العلة ليست الوحيدة في فرض الحجاب أصلا، وأنها ليست محل إجماع أيضا، فبعض الفقهاء رأى عدم التمييز بين الحرة والأمَة، مثل ابن حزم والنووي، وأجمعوا جميعا على أن الأمة تتحجب إذا كانت شابة أو جميلة، فالإعفاء من الخمار والجلباب كان تخفيفا عمن تضطر للعمل والخدمة ممن لا يكترث لها الرجال.

2- “أن الحجاب فُرض لتربية المرأة والحفاظ على أخلاقها من الانحراف”، ويتشدق أصحاب هذا الرأي دائما بأمثلة لا تحصى عن فتيات محجبات غير أخلاقيات، في مقابل فتيات يتمتعن بالأخلاق العالية دون أن يضعن الحجاب على رؤوسهن.

وقد يكون الحجاب من لوازم الحشمة التي ينبغي أن تنشأ عليها الفتاة في سن المراهقة، لكن نصوص الوحي لم تعلل فرض الخمار والجلباب بالتربية نفسها، بل نستنتج من الآيات -كما سيأتي لاحقا- أن العلة الأبرز هي حماية المرأة من الأذى، وبغض النظر عن أخلاقها، فالحجاب إجراء احترازي لحماية الرجل من الفتنة، ولحماية المرأة من مضاعفات هذه الفتنة.

3- “أن الحجاب أداة سياسية، ابتكرها الإسلاميون للتلويح بها في وجه خصومهم”، ويتبع ذلك إطلاق مصطلحات من قبيل “ثقافة الحجاب” و”مؤسسة الحجاب”!

ويبدو أن أصحاب هذه الحجة لا يمضون في عرضها إلى أبعد من ذلك، بل لا يملكون من الأدلة عليها إلا دعوة الناشطين الإسلاميين في عالم السياسة إلى الحجاب، دون أن يلحظوا أن هؤلاء الحركيين يهتمون أيضا بالدعوة إلى الصلاة والصوم وغيرها من أحكام الإسلام، فضلا عن الدفاع عن الأوطان، ولكن العجيب هو أن أيا من هذه الدعوات لم يحظ بذلك الاهتمام العلماني الذي حظي به الحجاب.

علاوة على ذلك، لا ينتبه أصحاب هذه النظرية إلى أن الحجاب يستند إلى نص قرآني يتداوله المسلمون منذ أربعة عشر قرنا، فما المبرر إذن لتحميله بعدًا سياسيًا لا يمتد إلى ما هو أبعد من بضعة عقود، حين بدأت الحركات الإسلامية بالتشكل؟ بل ما هي العلة التي يرون أنها السبب في التزام ملايين المسلمات في مجتمعات لا تصل إليها أنشطة تلك الحركات الإسلامية؟

4- “أنه فُرض على المرأة لاضطهادها من قبل الرجال”، والدليل الذي يتمسك به أصحاب هذه النظرية هو اقتصار الحجاب على المرأة دون الرجل، إذ يدفعهم ذلك لافتراض استغلال “طبقة” الفقهاء من الرجال لبعض النصوص وتفسيرها على نحو يرسخ نظرتهم الظالمة للمرأة.

والعجيب في الأمر هو تجاهل هؤلاء للحال الذي كانت عليه النساء في عصر نزول هذه النصوص، إذ نزلت آية الحجاب قبل وجود “طبقة الفقهاء”، والتزمت بها النساء فور سماعهن بها.

أخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: “إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح متعجرات كأن على رؤوسهن الغربان”. وورد الحديث بأكثر من رواية بعضها في صحيح البخاري.

وليس في الحديث أي دليل على اضطهاد أو إكراه من جنس لآخر، بل لم يكن للفقهاء هنا أي دور في تفسير هذه الآية التي تنص بوضوح على وجوب الخمار، إذ بادرت النساء على الفور بتنفيذ أمر الله فور علمهن به، لكونه أمرا من الله تعالى لا من الرجال.

أما عن كون هذا الحكم خاصا بالمرأة دون الرجل، فهذا مما لا يحتاج إلى كبير جهد لبيان علته، فلا يختلف اثنان على أن الرجل يفتتن بكل ما يظهر من جمال المرأة، في الوقت الذي تضع فيه المرأة وسامة الرجل في درجات ثانوية، تأتي بعد اهتمامها بشخصيته وعلمه وماله وغير ذلك، ومن المألوف أن يقترن الرجل بمن تصغره سنا، وأن تصرف المرأة جل وقتها لإخفاء معالم الشيخوخة حفاظا على مكانتها في قلب الرجل، دون أن يكلف الرجل نفسه عناء ذلك.

5- “أنه وسيلة لعزل المرأة المسلمة في الغرب عن مجتمعها العلماني ولتمييزها عن غيرها من النساء”. ولا يمضي أصحاب هذه النظرية أيضا إلى ما هو أبعد من ذلك، بل يكتفون بضرورة انصهار النساء جميعا في بوتقة واحدة، إذ يرون أن الرجل المسلم لا يختلف في مظهره عن غيره من الرجال، مما يعني ضرورة إجبار المرأة المسلمة أيضا على عدم ظهورها بما يميزها عن غيرها من النساء.

ويتابع هؤلاء بافتراض كون الحجاب رمزا دينيا، ثم يلحقونه بافتراض آخر يماثله عند الرجل المسلم وهو إطلاق لحيته، ومن ثمّ فإن كلا الرمزين يُعدان إشارة إلى كون من يلتزم بهما من “طبقة رجال الدين”، ولا يمكن للطبقات الأخرى من المجتمع أن تشترك مع هؤلاء في المظهر.

لكن هذا التصور نابع من موقف الغرب من الدين أولا، ومن مفهومه الخاص لدور الدين ورجاله ثانيا. فالموقف الغربي من الدين قائم على تاريخ طويل من الصراع والنضال ضد اضطهاد الكنيسة، وهذا مما لم يعهد له المسلمون مثيلا في تاريخهم.

أما مفهوم طبقة رجال الدين فقائم أيضا على خصوصية الدين المسيحي في المجتمع الأوربي، إذ لا يوجد الدين هناك إلا مع وجود مؤسسة كنسية يديرها رجال ونساء منتدبون لهذه المهمة، وهم طبقة من الرهبان والراهبات الذين نذروا حياتهم للدين دون غيره، فلا يمكن الجمع بين هذه المهمة وبين غيرها، بل لا يسمح لأفراد هذه الطبقة بممارسة مهماتهم خارج نطاق المؤسسة. وهذا تصور لا نجد مثيله أيضا في الإسلام، فليست هناك مؤسسة دينية ولا تنظيم ديني للعاملين فيها، بل هناك مساجد للعبادة والعلم، وعلماء لا يختلفون عن غيرهم سوى بقدراتهم العقلية والنفسية وبهمتهم لطلب العلم، وعلمهم متاح للجميع طلباً وبذلاً. أما الالتزام بالدين في مظاهره وسلوكه وعقيدته فهو أمر مطلوب من كل المسلمين دون تمييز، فإعفاء اللحى واجب على كل الرجال، كوجوب الحجاب على كل النساء. [انظر مقال هل هناك مؤسسة دينية في الإسلام؟].

6- “أن الحجاب في ذاته ليس بالأمر المهم، بل هو مجرد أداة ضغط يتلاعب بها الإسلاميون لإبرازها عند الحاجة، مستهدفين بذلك إثارة القلاقل وصرف الأنظار عما هو أهم”. وقد يلاحظ كل من قُدر له الاطلاع على كتابات هذا النوع من الكتاب أن الأمور المهمة لديهم هي التي تتعلق بالوضع الاقتصادي للمجتمع، أما إذا ارتفع مستوى الاهتمام قليلا عن المادة فإن الأهمية لا تتعدى حقوق المرأة الأخرى من ضرورة رفع الظلم عنها، وتعليمها، ومساواتها التامة بالرجل.

وإذا كان الإسلام هو أولى بالدعوة لإحقاق الحق ورفع الظلم ونشر العلم، فإن الخلط هنا ليس قاصرا على مفهوم هؤلاء للمساواة الذي لا يراد منه تحويل المرأة إلى رجل كما يُخيل إلى البعض، ولا حتى العبث بأنوثتها، بل إن ترتيب الأمور على هذا النحو من الأهمية لا يقوم لديهم على أكثر من تصورهم العلماني للحياة، فالحوار هنا لا يصح أن يظل حبيس وجهات النظر حول المهم والأهم، ما لم نتفق أولاً على تصور واضح لوجود حياة أخرى بعد هذه الدنيا أو لا، فالحديث عن البطالة والفقر يبدو أنه مجرد شغب وصرف للأنظار عن هذه القضية.

ولو أن المفاضلة كانت بين موت المرأة جوعاً وبين حجابها، فلا خلاف في أن الشريعة تضع حفظ النفس أولاً، لكن الاهتمام بالحجاب والعفة وتماسك المجتمع لا يكون أصلاً على حساب محاربة الفقر، بل قد يكون مكملا له وصارفا للفقراء وغيرهم عن الانشغال بالشهوات.

 

لماذا فُرض الحجاب إذن؟
وردت آيات وجوب الحجاب في القرآن الكريم بوضوح لا يرقى إليه شك، ويمكن جمعها على النحو الآتي:

(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31).

(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60).

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) (الأحزاب: 53).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).

ولفهم هذه الآيات، نقف عند معاني بعض ما جاء فيها من مفردات:

-الجلباب: أصل مادة جلبب يفيد الجمع والإحاطة، والجلباب هو ما يتغطى به، وقد يطلق على القميص والخمار والرداء والإزار، وهو ثوب واسع للمرأة أوسع من الخمار ودون الرداء تغطي به رأسها وصدرها وظهرها، أو ما تضعه فوق ثيابها.

-الخمار: أصل الخمر ستر الشيء، والخمار ما يستر به، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.

-الجيب: هو ما قُطع وسطه، وجيب القميص ما ينفتح على النحر (الياقة).

-الضرب: وضع الشيء على الشيء.

-الإدناء: يقال أدنيت أحد الأمرين من الآخر أي قاربت بينهما، وإدناء المرأة ثوبها عليها أي أرخته وتسترت به.

ويبدو أن مصطلح الحجاب المتداول اليوم لم يرد في القرآن، فالوارد هو الخمار والجلباب، أما الحجاب فكان يُقصد به حجب المرأة بشخصها عن الرجال، أي عدم احتكاكها بهم، وعدم إبراز ما يدل على شخصها إذا اضطرت للخروج، وهذا أمر خاص بنساء النبي تحديداً لكونهن أمهات للمسلمين جميعا.

وبالعودة إلى الآيات الكريمة التي وردت في شأن لباس المرأة، نرى أنها جاءت في سياق غض البصر وحفظ الفرج، ويؤكد ذلك أيضا ما جاء بعدها من آيات تفصل آداب الاستئذان قبل الدخول، والحث على الزواج والإعفاف.

وعليه، فإن العلة الأولى للحجاب (الخمار والجلباب)، هي إحصان المرأة وحفظ كرامتها بتغطية ما يثير شهوة الرجال من زينتها، وذلك بستر سائر بدنها خلا الوجه والكفين (استنادا إلى أحاديث نبوية)، مع التأكيد على أن العفة تناط أولا بالتربية وتزكية النفوس لكلا الجنسين كما قال تعالى: “ولباس التقوى ذلك خير”، فيما تأخذ تغطية الزينة حكم الإجراء الاحترازي لدرء الفتنة، والتي لا تُقصر على ضعاف النفوس فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره، فالغريزة الجنسية يستوي فيها العقلاء مع العامة، والتاريخ حافل بقصص الخيانة الزوجية على جميع المستويات.

الغاية إذن هي مساواة المرأة بالرجل لا تمييزها عنه، فلما اختصت الزينة والفتنة بأحدهما أكثر من الآخر، كان لا بد من مواءمة الأحكام للفروق القائمة بينهما، ليلتقي كل منهما في إطار الضرورة بما يضمن التقاء إنسان بإنسان، دون أن يشوب العلاقة ما يهبط بها إلى دركات الشهوانية المقيتة.

بناء على ما سبق، فمن الذي ينظر إلى المرأة على أنها جسد؟ ومن الذي يقصر فكره ونشاطه على ما يجب كشفه أو ستره من جسدها؟ أتراه ذاك الذي يعترف بحقيقة غريزته ويبني عليها حكما يلزم به نفسه ليحترم إنسانية المرأة، وينصرف من خلاله عن التدني إلى مستوى التطلع إلى غاية شهوانية، أم هو الذي يصر على نفي وجود تلك الغريزة وهو يعلم مكانها في نفسه، ثم يحكم على الرجال بضرورة التنزه عنها، مصرا على إخراج النساء اللاتي بقين مئات السنين في خدورهن، وطرح غطائهن الذي لم يُثِر أي مشكلة طوال تلك القرون، فيأمر الرجال بالنظر دون شهوة، والنساء بالاختلاط دون اعتراف بوجود أي نزوة؟

لقد رافقت الحشمة صورة المرأة منذ خُلقت وعاء للجمال والفتنة، فإذا كان هذا الغطاء الذي لا يمنع المرأة عن مزاولة أعمالها والتمتع بحقوقها قد وقف حائلاً في وجه بعض من الرجال عن التمتع بزينتها، فلنبدأ إذن بإعادة صياغة أسئلتنا من جديد، ولنتحلّ بالجرأة في تحديد الطرف الذي لا يرى من المرأة إلا جسدها ثم يتظاهر بالدفاع عن حريتها عبر كشف ما استتر منه.