مقالات

نبوة محمد

أحمد دعدوش وربى الحسني


تبين لنا في بداية مسيرنا أن وجود الله حقيقة حتمية، وأن الإيمان به ليس سوى بداية الطريق نحو فهمنا للحقائق الوجودية الكبرى، وتعرضنا في مقال “مصادر المعرفة” للانتقادات الموجهة إلى كل مصدر على حدة، ما يجعل أياً منها قاصراً عن الإحاطة بكل جوانب المعرفة وبلوغ اليقين في كل التفاصيل والحقائق، بينما يبقى مصدر الوحي الأكثر يقينا وإحاطة، لكونه صادرا عن الله نفسه.

وبعد مرورنا بشتى الطرق والسبل من الأديان والمذاهب والفلسفات التي نشأت وتراكمت على مدى قرون، وبعد أن تحققنا من جوانب النقص والخلل والتحريف والانحراف في كل منها، ومن عجزها عن تقديم الأجوبة أو تعمد واضعيها تضليل الناس عن بلوغ الحقيقة، نحط رحالنا الآن عند آخر المحطات لاكتشاف سبيل الحق اليقيني الذي لا يشوبه شك، ونبتدئ بالبحث في ضرورة النبوة وحاجة الإنسان إليها كمصدر وحيد لبلوغ الحقيقة في الغيبيات.

الحاجة للنبوة
سنحاول في هذه الفقرة الإجابة على سؤال: هل وجود الأنبياء ضروري؟ وللإجابة سنطرح سؤالا معاكسا: ماذا كان سيحدث لو لم يوجد الأنبياء؟

تبين لنا في مقال “مصادر المعرفة” أن افتقار الإغريق للوحي أدى إلى تخبط واضح في المسائل الميتافيزيقية، وذكرنا بعض الأمثلة على نتائج غياب الوحي، وهي أمثلة تتكرر في كل المجتمعات التي طُمست فيها آثار رسالات الأنبياء، حيث حارت عقول الفلاسفة أمام المعضلات الوجودية الكبرى، فضلا عن الاتفاق في المشكلات الأخلاقية والتشريعات القانونية، ولم يكن من سبيل إلى الحق ودرء الخلاف سوى بالرجوع إلى وحي إلهي يعلو على الجميع ويوافق عقولهم.

حتى كبار الفلاسفة مثل سقراط لم يتمكنوا من وضع فلسفة أخلاقية متكاملة اعتمادا على العقل وحده

والمشكلة هنا لا تقتصر على محدودية العقل البشري، فالإنسان أصلاً ليس كائناً عقلانياً مجرداً، فحتى لو وصل عقله إلى قناعة مجردة فقد تقوده نفسه وهواه إلى مخالفته، ولو كان من كبار الفلاسفة.

وإذا كان العقل البشري لا يكفي وحده، فقد يتساءل أحدنا: لماذا لا ينزل الوحي إلى البشر بطرق أخرى غير الأنبياء، كأن يوحي الله إلى كل شخص على حدة بما يحتاج إليه من حقائق؟ والجواب أننا ذكرنا في المقال المشار إليه أعلاه أن الحدس (الكشف) لا يصلح للاعتماد عليه كمصدر موثوق، فليس هناك أي ضمان يثبت للمرء أن ما يقع في نفسه من مكاشفات هي صادرة عن الله نفسه، ولو أن الله تركنا بالفعل بدون أنبياء وتواصل معنا عبر هذه الوسيلة لتساءلنا عما إذا كانت تلك “الرسائل” واردة من كائنات فضائية تتواصل معنا بالتخاطر أو من حقيقة كونية ما (كما يقول الباطنيون) أو حتى من الشياطين؟

والحدس الشخصي لا يُستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان (اليقين) بعد اقتناع العقل وانكشاف الحقائق، لكنه لا يصلح أن يكون مصدرا يتفق عليه الناس لأنه خاص بكل منهم على حدة، ولا يمكن طبعا أن يُعتمد مصدرا للتشريع والقوانين، فلا يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من زعم أحد بأنه تلقى قانوناً إلهياً بحدسه الخاص، وإن فعلنا ذلك فسنعود إذن إلى مشروعية وضرورة وجود نبي يتلقى هذا الوحي، بحيث يمكن لنا التحقق من صدقه باعتباره المرجع الشامل والوحيد للأمة كلها وحلقة الوصل بينها وبين الله.

وقد يعود السائل ليقول: فلماذا لا تكون حلقة الوصل هذه من كائنات أخرى غير البشر؟ وهذا الإشكال قد طرحته قريش على النبي محمد الذي كان واحداً منهم، حيث استبعد المنكرون أن يكون نبياً من بينهم، لا سيما وأن بعضهم أقر بأن رفضهم لنبوته كان بدافع الحسد (كما فعل أبو جهل عمرو بن هشام)، وقد ردّ عليهم القرآن نفسه بقوله {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 95]، أي أن الله يبعث على الناس رسولا من جنسهم لكي يتمكنوا من رؤيته ومخالطته والتواصل معه والتعلم من سلوكه وأفعاله وأقواله، وليضعوه أيضا موضع الاختبار والتمحيص، وإذا كان البعض يتصور أن الملائكة أحق بالحصول على هذه المرتبة فقد رأينا في سيرة النبي محمد أن مهمته تضمنت من المشقة ما لا يحتمله معظم الناس، وكأن عبء الرسالة أعظم بكثير مما فيها من التشريف، ولو أن الله منح الناس القدرة على رؤية الملاك المُرسَل (في حال إرساله بدلا من رسول بشري) فربما كان الجاحدون سيطرحون اعتراضا آخر من قبيل: وما الذي يضمن لنا أن هذا الملاك مرسل من الله أيضا وليس مجرد كائن فضائي أو شيطان متجسد… إلخ؟

إذن فلا بد للإنسانية من العودة إلى الوحي بصفته الرسالة الواردة إليها من الإله، كي تكتشف من خلالها غاية وجودها وطبيعة المهمة الموكلة إليها في هذه الحياة، ولتجد أيضا في ثناياها المنهج والطريقة (الشريعة) التي يجب عليها الاحتكام إليها للتمييز بين الصواب والخطأ، وللتعرف على وسائل مكافحة الشر وتقليص مساحته ونفوذه.

وتبدأ مهمة الإنسان في البحث عن الوحي الصحيح والتحقق من صدق نسبته إلى الله وسلامته من التبديل والتحريف، وذلك بالتحقق أولا من صدق الأشخاص الذين زعموا أنهم أنبياء مرسلون من الله، بدراسة سيرتهم ومعجزاتهم وما نُقل عنهم من أقوال وأفعال، ثم بالتحقق من صدق الوحي الذي جاؤوا به، وذلك بعرضه على العقل (المنطق) ودلائل الحس (العلم التجريبي)، ومقارنة قصصه ونبوءاته بحقائق التاريخ، وتمحيص لغته وبيانه ودعاواه وكل ما يتضمنه من حيث كونها صادرة بالفعل عن مصدر إلهي أو غير ذلك.

وسنحاول إيجاز بحثنا في هذا المقال للتحقق من صدق نبوة محمد، على اعتبار أنه قد ادعى كونه آخر الأنبياء والمرسلين في التاريخ، وأنه مُرسل إلى البشرية كلها، ثم نبحث في تراثه وما نُقل إلينا من سنته في مقال لاحق، وأخيراً نتحقق من صدق الوحي الذي جاء به في المقال الذي يليه.

“كل خيرٍ في الوجود فمنشؤه من جهة الرسول، وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وسعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة، والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاحٍ للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟”.
ابن تيمية

ذكر النبي محمد في الكتب السابقة على بعثته
تعرضنا في مقالات الوثنية واليهودية والمسيحية إلى الوحي الذي أنزله الله إلى رسل سابقين، وذكرنا في مقال “الهندوسية والبوذية” أن هناك مؤشرات عديدة على أن الأصول البعيدة للبراهمية الأولى تعود إلى مصدر سماوي، واستعرضنا أيضا بعض الأدلة التي تثبت تعرض تلك الكتب المنزَلة للتحريف، فضلا عن إخفاء أجزاء منها عمداً وضياع أجزاء أخرى. ومع ذلك؛ فما زال المتاح من تلك الكتب يتضمن بعض الإشارات التي توحي بأنها تتحدث عن النبي محمد، بينما تصرح أجزاء أخرى منها في الحديث عنه، إما باسمه الصريح أو بصفاته.

فعلى سبيل المثال، نقرأ في سفر أخنوخ (الكتاب المنسوب إلى النبي إدريس عليه السلام وهو من أوائل المرسلين إلى البشرية) وصفاً للقيامة يتضمن حديثا عن الشخص المختار أو المصطفى، فيقول “سيقوم المصطفى ويختار الصالحين والقديسين من بين الموتى، فقد جاء اليوم الذي فيه يُنقذون. سيجلس المصطفى في تلك الأيام على عرشي، وستنطلق من فمه أسرار الحكمة والموعظة التي منحها له رب الأرواح ومجده” [R.H. Charles ,The Book of Enoch, 1917, p. 69]، ويبدو أن الحديث هنا عن شخص مُختار ومميز عن كل البشرية، ينال مرتبة رفيعة يوم القيامة، وهو ما يتطابق مع الوصف الذي ذكره النبي محمد لأحداث القيامة ومقام الشفاعة الذي سيُمنح له.

وسنسرد فيما يلي أهم النصوص التي تنبأت بنبوة محمد قبل قرون من ولادته، وذلك فيما هو متاح بين أيدينا اليوم من كتب الهندوس واليهود والمسيحيين:

أولا: في الكتب الهندوسية
سنسرد فيما يلي أهم النصوص التي وردت في الكتب الهندوسية المقدسة وجاء فيها ذكر محمد وأتباعه، تصريحا أو تلميحا:

1- كتاب بهافيشيا بورانا:
النص الأول: بارف 3، خاند 1، أدهاي 3، شلوكا 21 إلى 23:
“المليخا (شعب أجنبي في بلد أجنبي) سيظهر بينهم معلم روحي مع صحابته. سيكون اسمه مهامادا (محمد). راجا (بوج) -وهو لقب يوصف به ملوك الهند- بعد أن يعطي هذا العربي ماها ديف (تعني ذو الطبيعة الملائكية) غسلا في ماء بانشجافيا فى نهر الكانج (كناية عن التطهير من الذنوب) وبعد أن يعلن دعمه له ورضاه عنه سيقول له: سأضع لك عصا الطاعة. لك أنت يا فخر البشرية يا ساكن الصحراء العربية. يا من تملك قوة عظيمة لقتل الشيطان، وأنت ستكون محفوظا من كل أعدائك”.
وفي هذا النص يظهر اسم النبي محمد صلى الله عليه و سلم بوضوح، ويحدد أيضا موقع ظهور رسالته. ومع أن النبي لم يغتسل في نهر الكانج المقدس لدى الهندوس، فالمقصود بالنص كما يبدو أنه سيكون شخصا مطهرا من الذنوب ومعصوما، وربما يكون النص قد تعرض لهذه الإضافة من قبل كاتبها كي يفهمها الهندوسي بما يوافق طقوسه.

النص الثاني: براتيساراج 3، خاند 3، أدهاي 3، شولكا 10 إلى 27، يتنبأ مهاريشى فياس بالقول:
“المليخا أفسدوا أرض العرب الشهيرة. أريا دارما (طريقة العبادة السليمة) لم تعد موجودة فى البلد. كذلك كنت من قبل قد قتلت الشرير المضلل ولكنه عاد مرة أخرى للظهور مصحوبا بأعداء أقوياء. من أجل إظهار طريق الحق لأولئك الأعداء ومنحهم الهداية، فإن محمدا المعروف جيدا سينشغل بتوجيه هؤلاء البيشاتشا إلى طريق الحق. يا أيها الملك راجا لن تحتاج للذهاب إلى أرض أولئك البيشاتشا الحمقى لأن رحمتي ستطهرك حيثما أنت. وفي الليل، سيقول ذاك الرجل الحكيم ذو الطبيعة الملائكية، وهو في هيئة البيشاتشا، مناديا راجا بوج (يقصد به هنا الرب) “أيها الراجا، طريقك القويم و دينك وُجد ليظهر على كل الأديان الأخرى. ولكن طبقا لتعاليم إيشوار بارماتما سأعزز إيمان آكلي اللحوم (لأن الهندوس لا يأكلون اللحوم). أتباعي سيكونون رجالا مختونين ولا ذيول لهم فى رؤوسهم (لأن الهندوس يطيلون شعرهم ويربطونه) ويطيلون لحاهم، وسيصنعون ثورة ويجهرون بالأذان (مكتوبة بنفس هذا النطق العربي)، ويأكلون كل الطعام المباح. وهو سيأكل كل لحوم الحيوانات باستثناء الخنزير، وأتباعه لن يسعوا وراء التطهر من خلال الشجيرات المقدسة بل في ساحات القتال (الجهاد). وبسبب قتالهم للأمم التي لا دين لها، فإنهم سيعرفون باسم المسلمين (MUSALMAANS)، وسأكون أنا (الرب) منبع دين الأمم التي تأكل اللحوم”.

النص الثالث: بارف 3 خاند 1 أدهاي 3 شلوكا 21 إلى 23:
“انتشر الفساد والشر في سبع مدن مقدسة فى كاشي… الهند أصبحت مسكونة بالراكشاس والشابور والبهيل والكثير من الأقوام الآخرين الحمقى. في أرض المليخا (الشعب الأجنبي) أتباع الماليخا دارما (أتباع الإسلام) يتصفون بالحكمة والشجاعة. كل الصفات الطيبة اجتمعت فى المسلمين (MUSALMAANS) وكل الزعامات اجتمعت على أرض الأرياس (الجزيرة العربية). الإسلام سوف يحكم في الهند وجزرها”.

2- كتاب أتهَرفافيدا:
الكتاب 20، الإنشاد 127، الآيات 1 إلى 13:

مانترا 1:
“إنه ناراشاناش أو طيب الذكر (المحمود). إنه كوراما: المهاجر أو أمير السلام، الآمن حتى وهو فى وسط 60090 عدواً”.
وقد قدّر الشيخ المباركفوري عدد أعداء النبي من قبائل العرب قبل فتح مكة بنحو 60 ألفا، بينما يعتقد الدكتور ذاكر نايك أن هذا العدد هو عدد أتباع قريش في مكة، لكن الصحيح هو الرأي الأول، والله أعلم.

مانترا 2:
“إنه ريشي قائد الجمل، الذي تمس عربته السماء”.
ومصطلح الريشي يعني رجل الدين المقدس. ومع أن تعاليمهم تحرّم على الريشي ركوب الجمل إلا أن النص تنبأ بقدوم هذا الرجل المقدس الذي يركب جملا، والنص يوضح جلال هذا الرجل الذي يعيش حياة بسيطة على الأرض ويصل مع ذلك إلى عالم الملكوت عندما يُعرج به إلى السماء.

مانترا 3:
“إنه الريشي ماماه (أي محمد) الذي يعطى مئة عملة ذهبية…”

الكتاب 20، الإنشاد 21، الآية 6:
“يا مولى كل من آمن بالحق, هؤلاء الفاتحون يتغذون بالشجاعة وبالأناشيد التي ترضيك فى ساحة المعركة. حينما تدفع  العشرة آلاف عدو للحامد (أو الأحمد) المحبوب مهزومين بدون قتال”.
وهذه كما يبدو إشارة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معركة الأحزاب.

وفي نفس الكتاب والإنشاد، الآية 9:
“لقد استطعت يا إندرا (إله الحرب) أن تهزم عشرين ملكا وستين ألفا وتسعة وتسعين رجلا مسلحين بعربات ذات عجلات قل نظيرها، الذين جاؤوا لقتال طيب الذكر (المحمود) أو ذائع الصيت اليتيم”.
يقول ذاكر نايك إن المقصود هو عدد سكان مكة قبل الفتح البالغ 60 ألفا، وزعماء مكة البالغ أيضا عشرين زعيما.

3- كتاب سامافيدا:
الكتاب الثاني، الإنشاد 6، الآية 8:
“أحمد أخذ من ربه القانون الأبدي. لقد حصلتُ منه على النور كأنه الشمس”.
يقول نايك إن النص جاء باسم أحمد صريحا، وإن العديد من المترجمين أساؤوا فهم الكمة وترجموها بالخطأ، ويضيف أن المقصود بالقانون الموحى به من الله هو الشريعة الإسلامية.

ثانيا: في الكتب اليهودية
سنستعرض طائفة من البشارات المتعلقة ببعثة النبي محمد في كتاب العهد القديم، والذي يتضمن المزامير التي يعتقد أنها الزبور الذي أنزل على النبي داوود، وسفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان، وما بقي من التوراة التي أنزلت على النبي موسى، والصحف الأخرى التي أنزلت على أنبياء بني إسرائيل بعد موسى، ومن أهمها نذكر ما يلي:

سفر إشعيا

1- جاء في سفر إشعيا (29: 12): “ثم يناول الكتاب لمن لا يعرف الكتاب ويُقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” ولعل مجرد قراءة هذه الكلمات تستدعي إلى ذهن القارئ مباشرة قصة بدء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له جبريل “اقرأ” فقال “ما أنا بقارئ”، ولكن لا بدَّ من توضيح أن هذه الترجمة العربية الكاثوليكية لهذا النص- مع وضوح دلالتها-  قد حرَّفت فيه ما بينته الترجمات الإنجليزية والفرنسية والتي جاء النص فيها كما يلي (حسب The New International Version): “or if you give the scroll to someone who cannot read, and say: read this, please) he will answer: I don’t know how to read”.

ونلاحظ الاختلاف البسيط في ترجمتها : “أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، مع الرجاء: اقرأ هذا، فيجيب: لا أعرف القراءة”، لكنه على بساطته يكشف تحريفاً متعمداً للنص لإبعاده عن الشخص الذي يشير إليه وهو محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي كانت أهم صفاته أنه أميّ لا يعرف القراءة.

2- جاء في سفر التثنية (32 :21) أن الرب قال في بني إسرائيل غاضباً: “هم أغاروني بمن ليس إلهاً وأغضبوني بأباطيلهم وأنا أغيرهم بمن ليسوا شعباً بقومٍ أغبياء أغضبهم”. (ترجمة المطبعة الكاثوليكية ببيروت). وفي الترجمة العربية المشتركة جاء: “… وأنا أثيرهم بشعبٍ لا شعبٌ هو وأكدِّرهم بقوم جهلاء”. والشعب “الغبي” أو “الجاهل” الذي يخبر الرب أنه سيحل محل بني إسرائيل بعد انحرافهم هو “الأميون” من العرب الذين اشتهروا بهذا الوصف وذكرهم القرآن الكريم به.

3- ورد في سفر التثنية (18: 18) أن الرب قال لموسى: “سأقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلكَ وألقي كلامي في فمه فينقل إليهم جميع ما أكلمه به وكلُّ من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه”، ويدل هذا على أن النبي المقصود في البشارة من غير بني إسرائيل لقوله: “من بين إخوتهم” فالخطاب لبني إسرائيل ولا يكونون إخوة لأنفسهم، أما إخوتهم فهم أبناء أخي أبيهم إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب. ولو كان المراد به نبياً من بني اسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم.

وقد نبه السموأل بن يحيى -الذي كان من أحبار اليهود في الأندلس واعتنق الإسلام- في كتابه “غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود” أن هذا النصَّ كان يتضمن وصفاً للنبي المبشر به وهو أنه “أمّيٌّ” قبل أن يحذفها اليهود وأنها كانت السبب في إسلامه.

4- في سفر التثنية (33 :2): “جاء نور الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلألأ من جبال فاران وجاء معه عشرة آلاف قديس”. وقد حاول الأحبار إبهام دلالة فاران وقالوا إنها لا تقع في بلاد العرب بل قريبة من سيناء وساعير، لكن مكة عُرفت بهذا الاسم بضعة قرون سالفة، كما أن إسماعيل -وفقاً لهم- سكن برية فاران وتزوج من امرأة مصرية، ومن ولده قادار انحدر أحفاده العرب الذين سكنوا قفار فاران (التكوين 25: 13- 15)، وكان منهم محمد الذي دخل مكة مع عشرة آلاف قديس (وهو عدد الصحابة عند فتح مكة) كما جاء في التثنية (33: 2). وتذكر موسوعة الكتاب المقدس أن اسم (قيدار) مرادف للبلاد العربية وعرّف بعضهم بني قيدار بأنهم قريش.

5- في سفر إشعياء (21: 13- 17): “نبوءة بشأن العرب: بيتوا في غاب العرب يا قبائل الدّدانيين، وافوا بالماء للقاء العطشان يا سكان أرض تيماء استقبلوا الهاربين بالخبز لأنهم قد فروا من السيف المسلول.. لأنه هكذا قال لي الرب بعد سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار وتكون بقية الرماة الأبطال من أبناء قيدار قِلَّة لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم”.

وذكر معجم العهد القديم أن قيدار -كما سبق- هو ابن إسماعيل وأبناؤه العرب من قريش خاصة وأن أحبار اليهود ينادون كل العرب في كل مكان بهذا الاسم، أما الدّدانيون فهم قبيلة عربية مرتبطة بأدوم وتيماء وتقيم شرق البحر الميت، وتيماء: اسم عبري بمعنى “الجنوبي” وهي قبيلة إسماعيلية تسلسلت من تيما وكانت تقطن بلاد العرب وتسمى الجهة التي تسكنها تيماء أيضاً، وهي في بلاد العرب في منتصف الطريق بين دمشق ومكة (حسب قاموس الكتاب المقدس ضمن المجموعة الإلكترونية “البشارة”)، وذكر قاموس الكتاب المقدس أن تيماء واحة شمال المدينة. وهي المدينة التي دعا الرب أهلها لاستقبال “الهارب” بدعوته من بطش بني قيدار في مكة، وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون، وهو الذي عاد بعد عام من هجرته كما نصت البشارة ليهزم أبناء قيدار “قريش” في موقعة بدر.

6- يقول سفر حجَّاي (2: 7،8) مبشراً المستضعفين والمحزونين: “فإنه هكذا قال رب الجنود.. وأزلزل جميع الأمم ويأتي مُتمنَّى جميع الأمم فأملأ هذا البيت مجداً.. وسيكون مجد هذا البيت الأخير أعظم من الأول قال رب الجنود وفي هذا الموضع أعطي السلام يقول رب الجنود”. وقد اضطربت تراجم الكتاب المقدس في عبارة: “ويأتي مُتمنَّى (أو مُشتهى) جميع الأمم”، حيث أكد القس الكلداني الذي اعتنق الإسلام عبد الأحد داود في كتابه “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس، ص 36” أن هذه النبوءة تتحدث عن مقدم نبي الإسلام “أحمد”، فقد ذكر النص العبري كلمة مُتمنَّى أو مشتهى بلفظ “حِمده”: “في يا فو حِمده كول هاجوييم) ما يعني حرفياً: “وسوف يأتي حِمده لكل الأمم”، وهي كلمة عبرية قديمة تعني “الأمنية الكبيرة” أو “المشتهى”، أما في العربية  فمن جذر (ح م د) التي تعني الإطراء والمديح، والشخص الذي يتاق إليه ويُرغب فيه هو أولى الناس بالمديح، وأكد عبد الأحد داود أن كلمة أحمدهي الصيغة العربية لكلمة حِمده. أما أصل كلمة شالوم بالعبرية و”سلام” و”إسلام” بالعربية فهما مشتقتان من أصل واحد، ورأى المؤلف أن تفسير النبوءة بمعنى الأمنية والسلام يجردها من أي معنى، بينما هي في الحقيقة بشارة صريحة باسم نبي الإسلام.

7- في سفر المزامير (84: 6- 8) : “هنيئاً للذين عزتهم بك وبقلوبهم يتوجهون إليك يعبرون في وادي الجفاف فيجعلونه عيون ماء بل بركاً يغمرها المطر، ينطلقون من جبل إلى جبل”، وفي ترجمة المطبعة الكاثوليكية تأتي العبارة: “يجتازون في وادي البكاء”، أما في النص العبري ومعظم تراجم الكتاب المقدس بالإنكليزية والفرنسية نجد أن الوادي يحمل اسم (Bacah) حيث يبدأ بحرف كبير مما يدل على أنه اسم علم، وبكة هو أحد أسماء مكة المكرمة كما جاء في القرآن الكريم: {إنَّ أوَّل بيتٍ وُضِعَ للناس للذي بِبَكَّة مباركاً وهُدىً للعالمين} [آل عمران: 96].

8- أكثر البشارات وضوحاً هي التي وردت في سفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان (5: 16) حيث يرد فيه تغزلٌّ بشخص ما: “حلقه من الحلويات وكلُّه مشتهيات، هذا ودودي وهذا صاحبي يا بنات أورشليم”. فعبارة (كله مشتهيات) هي ترجمة محرفة لما ورد في النص العبري والذي ما زال محفوظاً كما هو على الشكل التالي: “حِكو ممتكيم فِكلّو محمديم زيه دودي فزيه ريعي”. ولاحقة “يم” العبرية تستخدم للتفخيم، ويبدو أن هناك من تعمد تحريف الترجمة مع أنها تشير إلى اسم علمٍ مع أنه لا يجوز ترجمة أسماء الأعلام.

ثالثا: في الكتب المسيحية
مع أن العهد الجديد من الكتاب المقدس -الذي توجد منه حالياً أربع نسخ مختلفة- لا يمثل الإنجيل الحقيقي الذي أنزل على النبي عيسى عليه السلام حسب المعتقد الإسلامي، بسبب ما تعرض له من تحريف وتبديل وضياع [انظر مقال المسيحية]، إلا أن المتداوَل منه اليوم يتضمن بعض الإشارات إلى نبوة محمد، وفيما يلي مثالان لهذه الإشارات:

1- يقول القرآن الكريم {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6].

وفي سفر يوحنا [14/16] يقول المسيح: “ولسوف أطلب من الأب وسوف يعطيكم معزياً (برقليطوس) آخر يبقى معكم إلى الأبد”، بينما يؤكد البروفسور عبد الأحد داود أن هذا النصٌ تعرض للتشويه، فكلمة “برقليطوس” لا تعني “المعزي”، حيث حرصت الكنيسة على تفسيرها بالروح القدس (الأقنوم الثالث للإله) الذي جاء ليعزي المؤمنين بصلب المسيح ويكون واسطة بينهم وبين الأب، بل تعني الأمجد والمستحق للمديح، وهي مطابقة تماماً لمعنى اسم “أحمد” في اللغة العربية، وبهذا يصبح المقصود بها النبي محمد الذي بشّر المسيح عيسى، وبشكل موافق لنص الآية القرآنية.

2- يذكر العهد الجديد قصة رعاة يرعون أغنامهم قرب بيت لحم في الليلة التي ولد فيها المسيح، إذ ظهر لهم ملاك ليعلن مولد “السيد المخلِّص” ثم ظهر حشدٌ من الملائكة ينشدون: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة” [لوقا 2/14]، وما زالت هذه الترنيمة ترتل في الكنائس حتى اليوم، بينما يشكك باحثون في ترجمتها إلى اللغة اليونانية التي كُتب بها هذا الإنجيل، إذ يُفترض أن تكون الملائكة قد رتلت أنشودتها بلغة الرعاة وهي العبرية أو الآرامية وليس اليونانية.

ويقول عبد الأحد داود إن الأصل الآرامي للنص كان يتضمن ثلاث كلمات مهمة حوّرت الترجمة معناها إلى معنى آخر، فاسم الله تُرجم إلى “Theos” باليونانية، وكلمة شلاما (السلام) ترجمت إلى “Eiriny”، وكلمة المسرَّة SobhraTabha تُرجمت إلى “Eudokia”، حيث تتوافق هذه المعاني مع العقيدة المسيحية المعتمدة بعد بولس.

ويضيف داود أن كلمة Eiriny اليونانية مرادفة لكلمتي “شالوم” في العبرية، و”شلاما” في الآرامية، لكنها تعني أيضا “إسلام” في العربية. أما كلمة Eudokia فهي مركبة من مقطعين: “Eu” تعني الأكثر والأحسن، و”dokia” تعني المجد والشرف أو اللطيف المحبوب، وتتفق هذه الكلمة في معناها الصحيح والحرفي مع الكلمات العبرية “مَحْمَد، مَحَمُد، حِمْدَه، حِمِدْ” التي استخدمت بصورة متكررة في العهد القديم [إرميا 1/7،10- 2/4]. وبهذا يمكن أن تتحول الترنيمة إلى “المجد والحمد لله في الأعالي، أوشك أن يجيء الإسلام للأرض، يقدمه للناس أحمد”.

الكعبة في عام 1910م

مقدمات بعثة النبي محمد
قال أبو محمد بن قتيبة “ومن أعلام (علامات) نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يسم أحد باسمه قبله صيانةً من الله تعالى لهذا الاسم، كما فعل بيحيى بن زكريا إذ لم يجعل له من قبل سمياً، وذلك أنه سماه في الكتب المتقدمة وبشّرت به الأنبياء، فلو جعل الاسم مشتركا فيه ساغت الدعاوى ووقعت الشبهة، إلا أنه لما قرُب زمانه وبشّر أهل الكتاب بقُربه حضر أربعة أنفس عند راهب وأخبرهم باسمه وقرب زمنه فسموا أولادهم بذلك”.

وذكر عدة مؤرخين أولئك الأشخاص الذين أطلقوا اسم محمد على أطفالهم قبل بعثة محمد الحقيقي بسنوات قليلة، والبعض ذكر أنهم ستة، وكانوا قد التقوا براهب نصراني في أحد أديرة الشام أثناء رحلة لهم للقاء ملك الغساسنة “ابن جفنة”، فقال لهم الراهب عندما عرف أنهم من قبيلة مُضر العربية “إنه يُبعث فيكم وشيكاً نبي خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا”، فقالوا: ما اسمه؟ فقال: اسمه محمد، فلما وُلد لكل منهم ولد سمى ابنه محمداً أملاً بأن يكون هو النبي [ذكره ابن حجر والبغوي وابن سعد وابن شاهين وابن ظفر المكي].

والظاهر أنه لم يدّع أي من الذين حملوا اسم محمد النبوة، والعجيب أن عائلة محمد الحقيقي لم تكن قد سمعت بهذه القصة من أي راهب وأنها أطلقت على مولودها هذا الاسم الجديد -الذي لم تعرفه العرب من قبل- بالصدفة. ففي روايات نقلت من طرق عدة عن عبد المطلب، جدّ النبي محمد لوالده، فإنه رأى في منامه أن سلسلة فضة خرجت من ظهره وامتدت إلى ما بين السماء والأرض، وما بين المشرق والمغرب، ففسرت له كاهنة قريش الرؤيا بأنه سيولد له مولود يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلما ولدت آمنة (زوجة ابنه عبد الله) قال لها سميه محمداً [ذكره أبو نعيم والصالحي والخفاجي والسيوطي]، كما ذكر مؤرخون آخرون أن آمنة أُمرت أثناء حملها (في المنام) بأن تسمي مولودها محمداً [ابن حبان والطبري وابن سعد وغيرهم].

اختار الله أن يبعث خاتم أنبيائه في أرض العرب التي لم تعرف الحضارة، وتحديدا في مكة التي بُني فيها البيت الحرام على يد آدم أبي البشر، والذي جدده إبراهيم عليه السلام بعد أن ضاعت معالمه، وكأن الحكمة من خروجه في هذا المكان أن يجمع بين النشأة في بيئة لا تعرف القراءة والكتابة ولم تقرأ شيئا من الكتب المنزلة على بني إسرائيل وغيرهم، وبين الانطلاق بدعوته من مركز التوحيد وقبلة المؤمنين على مر العصور.

وُلد محمد يتيمًا على الأرجح، حيث توفي والده عبد الله قبل ولادته، كما توفيت والدته آمنة وهو في سن السادسة، ثم كفله جده عبد المطلب (سيد قريش) سنتين قبل أن يرحل أيضا عن الدنيا، لينشأ في كنف عمه أبي طالب، وكأن قدَر النبي أن ينشأ يتيما ليكون أكثر استقلالية منذ الصغر، واللافت أن عمه الذي ظل حياً إلى ما بعد بعثة محمد لم يؤمن به، وهذا يعني أن كل الذين نشأ محمد في كنفهم لم يكن لهم دور في رسالته.

عاش محمد طفولة طبيعية في مكة، وبدأها بمرحلة الرضاعة في مضارب البدو كما هي عادة العرب آنذاك، فحملته حليمة السعدية إلى دارها في مضارب بني سعد لتبدأ أمارات تميز هذا الطفل بحلول البركة في دارها ورزقها، ثم وقعت معجزة شق صدره عندما أخذه الملَك جبريل وهو يلعب مع بقية الأطفال، فشقّ صدره وأخرج قلبه وغسله مادياً في وعاء من ذهب ثم أعاده إلى مكانه، وقد رويت هذه القصة ببعض الاختلافات في التفاصيل في صحيح مسلم وغيره، وأخرج أحمد والدارمي أن حليمة أعادته إلى أمه فوراً بعد هذه الحادثة فلم تُفاجأ بما حدث له، وقالت أمه آمنة “إن رأيت (في المنام أثناء حملها به) خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام”، وليس في هذا المعجزة ما يناقض العقل ولا المنطق السليم.

رعى محمد الغنم لكسب رزقه، وقال لأصحابه بعد أن صار نبياً “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم”، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال “نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة” [البخاري: 2262]، ولدى الجمع مع روايات أخرى يتبين أنه كان يرعى الغنم أيضا أثناء إقامته صغيراً عند مرضعته حليمة، ويقول أبو الوفاء ابن عقيل “لما كان الرعي يحتاج إلى سعة خلق وانشراع صدر، وكان الأنبياء مُعدّين لإصلاح الأمم، حَسُن هذا في حقهم”.

وفي سن الشباب بدأ يعمل بالتجارة، ففي سن الخامسة والعشرين خرج بقافلة تجارية لصالح خديجة بنت خويلد، وهي إحدى سيدات قريش، وعندما عاد من رحلته إلى بُصرى (في جنوب سورية حالياً)، أو من سوق في تهامة (غرب السعودية) حسب رواية أخرى، أُعجبت بما ذكره لها غلامها ميسرة من أخلاقه، فتزوجا وهي تكبره بنحو خمسة عشرة سنة.

مدخل غار حراء

يقول ابن خلدون في كتابه “المقدمة” إن من علامات نبوة محمد أنه كان قبل الوحي معروفا في قومه بخلق الخير والزكاة ومجانبة المذمومات والرجس، وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات، فقد دعي وهو شاب صغير إلى وليمة عرس فيها رقص ولهو، فغلبه النوم أثناء الحفل حتى طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من اللعب، وكأن الله كان ينزّهه عن كل المنكرات حتى لو حدثت بالصدفة ودون قصد منه.

وفي سن الأربعين اكتمل نضجه، وبدأت أمارات النبوة بالظهور، فتقول عائشة “كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء (أي الخلوة واعتزال الناس) فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد” [صحيح مسلم: 160].

ووقعت الحادثة المعروفة في الغار باللقاء الأول بين محمد وجبريل، وبدأت بذلك بعثته ونبوته. ومع أنه كان قد واجه العديد من المواقف والعجائب التي أكدت له مسبقاً أنه سيكون نبياً، إلا أن الصدمة كانت بالغة الأثر على نفسه في بدايتها، حتى عاد إلى زوجته خائفاً مرتجفاً وهو يقول زملوني (غطوني)، وعندما هدأت نفسه قال لها “لقد خشيت على نفسي”، لكن خديجة أيقنت على الفور أنه سيكون بخير، مستدلة على ذلك بأخلاقه الحميدة بالرغم من عدم وجود دين ولا شرع في القوم آنذاك، فقالت له “أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلّ (أي تعين الضعيف) وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق” [صحيح مسلم: 160].

ويستنتج ابن خلدون من إسلام أوائل الصحابة أن نبوة محمد لم تكن تحتاج إلى “دليل خارج عن حاله وخلقه”، ومنهم أبو بكر الذي يروى عن النبي أنه قال فيه “ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا أبا بكر ما تردّد فيه”.

يقول ابن تيمية في كتابه “شرح العقيدة الأصفهانية” إن أي شخصين ادَّعيا أمرًا من الأمور، أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب، فلابد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، ويقول أيضا إن مُدعي النبوة إما أن يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين.

وعندما أرسل النبي إلى الملك البيزنطي هرقل رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، كان وفد من قريش في الوقت نفسه يقوم بزيارة لبلاده، فاستدعاهم الملك وسأل قائدهم أبا سفيان عدة أسئلة عن محمد، ومنها: بمَ يأمركم؟ فقال أبو سفيان: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، فأجابه هرقل: إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي، وسيملك ما تحت قدميّ هاتين”. وقد صدقت نبوءة الملك فعلا عندما فتح المسلمون في خلافة عمر بلاد الروم البيزنطيين.

الفرق بين النبي والسحرة
كان الوليد بن المغيرة من قادة قريش في مكة، وكان ممن تصدوا لدعوة النبي عندما جهر بها، وعندما اقترب موسم الحج ووصول وفود العرب إلى مكة اجتمع الوليد بوجهاء المدينة وطلب منهم أن يتفقوا على رأي واحد بشأن محمد، تحسبا للسؤال الذي قد يُطرح عليهم من الوفود القادمة عندما تعلم بنبأ خروج نبي من بينهم، وبدأ الحاضرون بطرح الاقتراحات.

فقالوا نقول كاهن، قال الوليد: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته، ولا سجعه. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا وسوسته (أي لا تأتيه نوبات صرع). قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده (لأن الساحر يعقد عقدا في الحبل وينفخ فيه بعد تلاوة الطلاسم). قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا، إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول أنه ساحر، فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته.

وفي النص دلالة واضحة على الفارق الكبير بين النبي والساحر في سلوكه وطرحه، إلا أنهم وجدوا هذا التشبيه أقرب اتهام ممكن إليه من حيث كونه قادرا على التأثير في الناس، مع أن تأثيره لم يكن إلا بإقناعهم بصدقه ودون استخدام أي قوى خفية.

ولو قارنا بين سلوك النبي (الذي وصفه الصحابة بأدق التفاصيل) وسلوك السحرة والكهنة والشامانات فلن نجد أي تقاطع، فعلى سبيل المثال يدعي الشامانات اتصالهم بالآلهة أو أرواح الموتى عندما يطلبونها لتلقي الإلهام منها بأمور غيبية، مثل الأحداث المستقبلية التي يزعمونها أو كشف مكان بعض الأشياء المخفية، ويمارسون لذلك طقوسا معروفة لدى كل الشعوب، وهي الطقوس التي يتم فيها استحضار الشياطين ليس إلا، أما النبي فلم يكن يفعل شيئا من ذلك، ولم يستحضر الوحي بنفسه يوماً، بل كان ينتظر أحياناً أياماً أو شهوراً حتى يأتيه الجواب على مسألة ما، وقد يتسبب له ذلك بالحرج، كما في قصة الإفك عندما طعن البعض في عِرض زوجته عائشة وهو ينتظر تبرئتها من الوحي، ولو كان دجالا لافتعل بنفسه نزول الوحي وزعم أن زوجته بريئة على الفور وقطع لسان أعدائه.

والشامان يتحدث بصيغة الناطق باسم الإله أو الروح أو الحقيقة المطلقة، فيزعم أنه اتحد به واستمد منه القداسة مباشرة، أما النبي فمع أن القرآن أكد أنه لا يأتي بالخبر الكاذب: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]؛ إلا أن القرآن أوضح للناس أيضا أن النبي لا ينطق بالحق إلا من الله، وأنه إذا لم يستعن بالله فقد ينسى كما ينسى البشر -دون وقوع في الخطأ الفادح بالوقت نفسه- فيقول {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} [الكهف: 23-24].

ومن المعروف أن النبي لم ينطق يوما بطلاسم أو تعويذات سحرية بأي لغة كانت، وعندما كان يرقي المرضى فلم يكن ينطق بشيء سوى القرآن والدعاء الواضح الصريح، بل كان يتعوذ بالله من السحر والشياطين صباح ومساء كل يوم.

الفرق بين النبي والفلاسفة
يقول الفيلسوف يعقوب الكِندي إن الذين اصطفاهم الله للنبوة لا يشبه العلم الذي يتلقونه بالوحي العلوم الأخرى (الكسبية) التي يكتسبها الإنسان بالتعلم، فعلم الوحي يأتي “بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بجبلةٍ بالرياضيات والمنطق ولا بزمان”، فمن يتدبر أجوبة الرسل على الأسئلة التي كان يطرحها عليهم المشككون بشأن الأمور الخفية فسيجد فيها أجوبة تختلف عما كان سيقدمه الفلاسفة في تلك العصور، وذلك من حيث الوجازة والبيان وقرب السبيل والإحاطة بالمطلوب.

ويضرب الكِندي على ذلك بأمثلة، ومنها أن المشركين سألوا محمدا {من يحيي العظام وهي رميم؟}، فجاءه الجواب من الوحي: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)} [يس: 79-82]. ويحلل الكندي هذا الجواب بلاغيا وفلسفيا من وجه عدة، ومنها أنه إذا كانت العظام قد وجدت بالفعل بعد أن لم تكن، فإنه من الممكن -إذا بطلت وصارت رميماً- أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، والسائل المنكر لقدرة الله على البعث مقر بخلقه من عدم.

ويضيف أن كون الشيء من نقيضه موجود، كإخراج النار من الشجر الغض، ثم يستشهد النبي في جوابه الموحى به بخلق الله للكون، ما يدل بالبداهة على قدرته على البعث، إلى آخر ما قاله من دلائل فلسفية يختتمها بقوله “فأي بشر يقدر بفلسفة البشر أن يجمع في قول بقدر حروف هذه الآيات ما جمع الله جل وتعالى إلى رسوله فيها من إيضاح”، ليستنتج من هذا النمط من العلم أن مصدره ليس حسا ولا عقلا بل وحيا مفارقا من الله. [رسائل الكندي الفلسفية، 1/372]. وسنبحث في مقال “الوحي القرآني” المزيد من الأدلة على صحة الوحي القرآني ونسبته إلى الخالق مباشرة.

ومن أوضح الاختلافات بين النبي محمد والفلاسفة، أنه ظل أمياً حتى آخر حياته، ولم يعرف عنه خصومه من قريش أنه تعلم القراءة والكتابة فضلا عن تلقي العلم على أي معلم، بل كان قبل البعثة (التي فاجأته وهو في سن الأربعين) مشغولا بتربية أولاده والعمل في التجارة ورعي الغنم، حتى ذكر الوحي في مرحلة لاحقة أن النبي لم يكن قد خطر بباله أصلاً أنه سيصبح نبياً فقال: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} [القصص: 86]، ومع ذلك فقد تمكن بعد بعثته من وضع تشريع متكامل قائم بذاته، ومازال جهابذة الفقهاء حتى اليوم يقضون أعمارهم في تعلم الشريعة التي أتى بها واستنباط قواعدها وأصولها والاجتهاد في ضوئها، بينما لم يبذل النبي أي جهد في “وضع” تلك الشريعة التي أوحيت إليه، بل كان مشغولا بالدعوة والجهاد وتأسيس الأمة، وكان وقت فراغه ينصرف إلى العبادة وليس إلى طلب العلم والقراءة، فعِلمه كان يأتيه دون طلب.

وقد تم الاعتراف بالشريعة التي جاء بها النبي كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدة مؤتمرات دولية في القرن العشرين، وكان أولها مؤتمر القانون المقارن الدولي في لاهاي الهولندية عام 1932، حيث أقرت تلك المؤتمرات بأن الشريعة الإسلامية أصيلة وليست مستمدة من القانون الروماني كما حاول بعض المستشرقين أن يثبتوا.

عبد البهاء

ووُضعت عشرات الكتب في كشف معجزات العدالة والإتقان في التشريع المحمدي، وهو أمر لا يتسع هذا المقال للاستشهاد به، إلا أننا نكتفي بالتوقف عند التناسق بين كافة جوانب هذا التشريع، وهو من أدل البراهين على إعجازه وصدوره عن مصدر غير بشري، فكل الشرائع الوضعية التي عرفتها البشرية تطلب وضعها جهودا جماعية متأنية، ثم نضجت عبر تراكمات لأجيال متعاقبة، أما النبي فكان يفتي أحيانا عند وقوع الواقعة، وقد يصمت عندما يُسأل عن أمر لم يأته فيه الوحي فينزل عليه في لحظتها أو بعد برهة قصيرة، فيستدعي صاحب السؤال ويخبره بما جاءه من تشريع، وقد يُنسخ حكم بحكم آخر لتطور الأحداث ونضج المجتمع حديث التشكل، إلا أننا لا نجد أي وجه من وجوه التعارض والتناقض بين كافة الأحكام على ضخامتها، ولا نجد فيها أيضا ما يتعارض مع مقومات العدالة، وهو تحدٍّ لم ينجح فيه كل من ادعى النبوة [انظر مقال شريعة الإسلام].

فعلى سبيل المثال، ينص كتاب “الأقدس” الذي يقدسه البهائيون على أنه “إذا كان المتوفّى أباً وله دار كان يسكنها، يختصّ الابن الأرشد بهذا المسكن”، فالأفضلية للابن الذكر والأكبر سناً فقط، ويزعم مؤسس هذه الديانة عبد البهاء أن هذا التفضيل منصوص عليه في الكتب السماوية السابقة، فيقول “كانت للابن البكر في جميع الشرائع الإلهية امتيازات فوق العادة، حتى النبوة كانت ميراثا له”، وهو ادعاء غير صحيح.

يقول الفيلسوف والحقوقي الفرنسي مونتسكيو “إنه ليس هناك مقنِّن (واضع للقوانين) إلا وله رأي خاص في القانون، فكل مقنن لديه عواطف وأفكار خاصة، وهو يسعى عند وضع القانون إلى أن يجعل مكاناً لنظرياته”، ويستنتج من ذلك حصول التغير الدائم في القوانين الوضعية، فلا يكاد رئيس أو ملك يصل إلى السلطة إلا ويجري تعديلات دستورية وقانونية تتواءم مع رؤيته ورؤية حكومته، ولا يمكن للمقنن البشري أن يحقق العدالة المطلقة إلا بمدد معرفي مفارق للحاجات البشرية ومؤثرات البيئة، وهو ما لا يتوفر إلا للأنبياء الذين يستمدون الشرائع من الوحي.

الفرق بين النبي وأساتذة الجمعيات السرية
أوضحنا في مقال “الجمعيات السرية” أن الكثير منها نشأ داخل الأديان الكبرى لأسباب عدة، وأن نظامها يقوم أساساً على التدرج والترقي في مراتب سرية، وصولا إلى درجة الأستاذية التي يحتلها شخص خفي لا يعرفه إلا أصحاب الدرجة التي تحته مباشرة فقط، كما تحفل عقائد وشعائر هذه الجمعيات بالرمزية التي تحتمل التأويلات المختلفة بكل تفاصيلها، وإلى درجة يمكن فيها أن يجتمع النقيضان في أمر واحد، كأن يشيع مثلا أن جمعية ما تعبد الإله بينما هي تعبد الشيطان نفسه في الحقيقة، ولا يعرف ذلك إلا من يترقى إلى الدرجات العليا فقط.

لقطة من مشهد تمثيلي جاء في الفيلم الوثائقي “سري للغاية-الماسونية” وهي توضح إقرار العضو الجديد في الماسونية بأنه سيعرض نفسه في القتل إذا أفشى أسرار جماعته

وذكرنا أيضا أن أنظمة هذه الجمعيات تشترط على أعضائها الولاء المطلق والطاعة العمياء وكتمان الأسرار التي لا تُكشف إلا بعد تمحيص واختبار شديدين، مع التهديد بالقتل في حال كشف أي سر، ما يعطي “الأستاذ الأعظم” سلطة هائلة على عقول ونفوس وأجساد كل من يوافق على الانضمام إلى جماعته.

في المقابل، لم يقدم النبي محمد نفسه على أنه صاحب رسالة سرية أو تعاليم خفية، ومع أنه اضطر إلى تقليص نطاق دعوته بين المقربين منه في السنوات الثلاثة الأولى من الدعوة فهذا لا يعني أنها كانت خفية، بل أمره الوحي بإعلان نبوته منذ اليوم الأول، فجمع قريشًا عند جبل الصفا وأخبرهم بأنه رسول الله إليهم، إلا أنه لم يوسع الدعوة بعد ذلك حتى لا يتضرر أتباعه القلائل من بطش الرافضين لدعوته وطغيانهم، وكان النبي طوال تلك الفترة يجاهر بدينه وعقيدته دون إظهار التحدي، ويتلقى بالمقابل الكثير من الأذى والاضطهاد، كما كان يفعل ذلك الأقوياء من صحابته الأوائل مثل عمه حمزة وعمر بن الخطاب.

وطوال مدة النبوة التي امتدت ثلاثة وعشرين عاما، لم ينشئ النبي أي كيان سري، ولم يُخفِ عن الناس أي شعائر أو عقائد، بل نصّ القرآن على أن الدين مكشوف وعلني وواضح ومكتمل، فقال في حجة الوداع وقبل وفاة النبي ببضعة أشهر {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام} [المائدة: 3]، وفي حديث صحيح رواه مسروق عن عائشة أنها قالت “من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته” [رواه البخاري].

وبما أن النبي كان سيد قومه ومؤسسا لدولة ناشئة ويحيط بها الأعداء المتربصون، فقد اضطر من حيث موقعه السياسي إلى إطلاع بعض صحابته الذين يشكلون “الكيان الأمني” للدولة على بعض الأسرار التي لا تتعلق بالدين نفسه، فأخرج البخاري عن أبي الدرداء أنه قال لعلقمة: “أو ليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أحد غيره؟”، وجاء في روايات أخرى أن صاحب السر هو حذيفة بن اليمان، وهو يشبه ما يسمى اليوم بأمين السر (السكرتير)، وقد أوضح الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن المراد بالسر ما أعلمه به النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين، ولهذا المعنى شواهد كثيرة في كتب الحديث.

كما أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه قال “حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم”، وبيّن ابن حجر أيضا في الفتح أن وعاء العلم الأول الذي كشفه لنا أبو هريرة هو الدين نفسه، أما الوعاء الذي أخفاه فيتضمن أسماء أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم في عهد بني أمية، والديل أن أبا هريرة كان يكني عن بعضهم ولا يصرح خوفا على نفسه من بطشهم، كقوله “أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان”، في إشارة إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. وقد أكد هذا المعنى بشواهد كثيرة الذهبي والقرطبي وغيرهما، مما يؤكد أن العلم المخفي هو نبوءات كشفها النبي لأمناء السر عن أسماء المنافقين وما سيحدث من الفتن والظلم بعد موته، وهي أمور لا علاقة لها بالدين نفسه.

“كانت صورة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وهيئته وسمته وشمائله، تدل العقلاء على صدقه، ولهذا قال عبد اللَّه بن سلام (كان من أحبار اليهود وأسلم): فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، ولذا كان من سمع كلامه، ورأى آدابه، لم يدخله شك” [التقي المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، 4/179].

وعلاوة على ما سبق، يوجه الوحي النبي مراراً ليوضح للناس أنه ليس وصيّا عليهم، ولا سلطانا على نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، فيقول في إحدى الآيات {قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار} [ص: 65]، وهذه الصورة أبعد ما تكون عن الدور الذي يلعبه أساتذة الجمعيات السرية الذين يعشقون السلطة ويشترطون الطاعة العمياء على أتباعهم، بينما لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه البيعة إلا من حيث كونه مؤسسا لكيان سياسي، وبما يحقق حلم العدل للناس في مجتمع لا يُعبد فيه بشر ولا حجر.

الفرق بين النبي والملوك

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

يميل القادة في العادة عبر التاريخ إلى التمتع بقدر ما من الشهوات، فالأحمق منهم ينغمس فيها حتى الثمالة، والقائد الذكي يوجه طاقته نحو بسط سلطته وتقوية نفوذه ومقاومة أعدائه، لكن كلاهما يهتم بمظاهر العظمة، فأكثر القادة زهدا في الملذات نجده منغمسا في المقابل بشهوة السلطة.

والنبي هو الاستثناء الوحيد من هذه المعادلة الصعبة، فقد كان صاحب سلطة دنيوية معنوية، ومع ذلك لم يؤسس لنفسه ملكا، ولم يتخذ شيئا من مظاهر السلطة والنفوذ فضلا عن الملذات الدنيوية، بل كانت سلطته مستمدة أصلا من انقياد الصحابة له بموجب البيعة على الطاعة دون النص على تأسيس دولة، لذلك حار المفكرون والمنظرون في تصنيف سلطة النبي الاستثنائية، والتي خلفه فيها حكّام حقيقيون (الخلفاء الراشدون) يستمدون شرعيتهم من البيعة بصفتهم خلفاء للنبي، فيقول الماوردي في “الأحكام السلطانية” إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ويعرفها ابن خلدون بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

ومن ينظر في سيرة الخلفاء الراشدين يتعجب من زهدهم في ملذات الدنيا بالرغم مما حققوه من فتوحات غير مسبوقة في التاريخ، لكن هذا الزهد لم يكن سوى اقتباس من التطبيق النبوي للزهد، فالنبي ابتدأ دعوته برفض العرض السخي الذي قدمته له قريش عن طريق عمه أبي طالب، حيث عرضوا عليه الأموال والنساء والمُلك مقابل أن يكف عن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الوثنية، فرفض بشدة، وتابع مسيرته مطارَدا منبوذا من قبل قومه ومعظم القبائل التي قصدها للدعوة، إلى أن بايعه الأنصار في يثرب (المدينة المنورة) على الطاعة فهاجر إليهم، وأسس بذلك واحدة من أقوى دول التاريخ، دون أن يتغير شيء في طبعه وسلوكه وحياته اليومية.

قال أبو ذر كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة فاستقبلنا (جبل) أُحُد، فقال يا أبا ذر، قلت لبيك يا رسول الله، قال ما يسرني أن عندي مثل أحُد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم [البخاري: 6079]، أي لو أن النبي كان يملك ذهبا بحجم جبل ضخم فما كانت ستمضي ثلاث ليال إلا ويكون قد أنفقه كله على الناس إلا شيئا قليلا يحتفظ به لوفاء الديون.

كان النبي يستخدم هذا الوعاء الخشبي البسيط، وهو اليوم محفوظ داخل إطار معدني (http://topkapisarayi.gov.tr)

وأما طعامه، فقد كان يمر عليه شهران وما توقد في بيوت زوجاته نار للطبخ، فلا يأكل سوى التمر والماء وما يهدى إليه من أصحابه، وربما ظل يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدَّقل (التمر الرخيص) ما يملأ به بطنه، وما شبع النبي ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ حتى مات، وكان أكثر خبزه من الشعير، بل لم يؤثر عنه أنه أكل خبزاً مرقّقا أبداً، وهو الخبز الذي يتاح لنا في هذا العصر يوميا بأرخص الأثمان، وقد قال خادمه أنس بن مالك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا حين يأتيه الضيوف [رواه الترمذي].

ورويت أحاديث كثيرة عن زهد النبي في المسكن والملبس والمظهر أيضا، فكانت حجرات زوجاته أكثر زهدا وبساطة من بيوت الكثير من سكان المدينة، وعندما طالبنه بمزيد من النفقة والرفاه نزل الوحي على الفور بتخييرهن بين أخذ حقوقهن والطلاق بالمعروف وبين الصبر على الحياة مع النبي وبالقدر الأدنى من مقومات الحياة، فأخبرهن النبي بما نزل عليه من القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29]، فاخترن جميعا الصبر، وكأن حياة النبي لا تقبل التوسع في ملذات الدنيا ليكون أبعد الناس عن التهم.

وعندما رأى عمر بن الخطاب النبي مضطجعا على فراش من الخصف وتحت رأسه وسادة محشوة بالليف، قال يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي وقال: “أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا” [صحيح البخاري: 2336].

وكان النبي يجلس مع أصحابه في مسجده الملاصق لحجرات زوجاته، فلم يكن يملك قصورا ولا ديوان ملك، وعندما يدخل عليه أعرابي لا يعرفه فإنه يسأل أيّكم محمد؟ والنبي متكئ بين ظهرانيهم لا يختلف عنهم في شيء. [صحيح البخاري: 1/23].

وخلافا للمشاهير في كل الأزمنة والحضارات والمجالات، لم يكن النبي يخشى الاختلاط بالناس، بل كان يقضي معظم وقته بينهم وبدون حواجز مادية ولا معنوية. فالمشاهير يتجنبون في العادة الاحتكاك بالناس كي لا تسقط هيبتهم وتظهر عيوبهم البشرية، ولا سيما الملوك الذين يحرصون على عدم الظهور إلا في المناسبات، أما النبي فكان يسافر مع أصحابه وكأنه واحد منهم، ويتعرض للمواقف شديدة القسوة فلا يظهر منه ما يطعن في كمال شخصيته، ومن بين آلاف الأحاديث التي نقلت إلينا أدق تفاصيل حياته اليومية لا نجد تصرفا واحدا غير لائق، فضلا عن أي تصرف عادي كالغضب والزلل وفلتات اللسان، بل نقل لنا الصحابة قصصا عجيبة عن حلمه وسعة صدره في التعامل مع أعدائه أو مع السفهاء من قومه.

قال ابن عباس “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة (يحلبها)، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير” [رواه الطبراني وصححها الألباني].

ومن المعروف في سيرة الملوك أنهم إذا خرجوا إلى أرض المعركة فإنهم كانوا يتحصنون في مقصوراتهم الملكية وراء الصفوف بعيدًا عن الخطر، أما النبي محمد فكان يحمل السيف ويقاتل بنفسه في الصفوف الأولى، حتى قال علي بن أبي طالب -وهو من أشد الفرسان شجاعة- “كنا إذا حمي الوطيس واشتدت المعركة اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه البخاري و مسلم]، أي أن النبي نفسه كان هو الذي يحمي أصحابه في الميدان بسلاحه، وليس هذا لشجاعة النبي وإقدامه فقط بل لأنه كان يعلم أنه لن يُقتل حتى يتم الرسالة التي بعثه الله بها، وهو أمر لا يمكن لأي شخص يدعي النبوة أو يطمح إلى المُلك أن يزعمه لنفسه ثم يخاطر بحياته في سبيله.

وعندما توفي بعد 23 سنة من الجهاد المتواصل لنشر دعوته، لم يترك النبي درهما ولا دينارا ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة، وقالت زوجته عائشة “توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي”.

سيف النبي محفوظ في متحف توب كابي بإسطنبول، علما بأن الجواهر والمقبض قد أضيفت إليه في العصر العثماني

معجزات النبي
يرى الإمام أبو حامد الغزالي أن المعجزة وحدها قد لا تكون كافية لإقناع البعض، فمن يكتفي بالنظر في خوارق العادات مثل قلب العصا ثعبانا وشق القمر فقد يظن أنه سحر وتخييل وتضليل، ومن يستند إلى دعوى النبوة بالكلام المنظوم فقط فربما يقع أيضا في التضليل كما يفعل الشعر المتقن في نفس الإنسان.

لذلك فالخوارق تأتي على يد النبي من باب الإعجاز لمن يتحداه وليست كافية وحدها، لكن التحقق من نبوة من يدعي النبوة يتطلب النظر في معرفة أحواله، فمن يدرس أحوال “جالينوس” (طبيب إغريقي) مثلا ويقرأ كتبه يصل إلى علم يقيني بأنه كان طبيبا، وكذلك إذا فهمنا معنى النبوة وأكثرنا النظر في القرآن والأخبار نصل إلى “علم ضروري” بكونه نبيا.

ويضيف الغزالي أنه يمكن لمن يريد بلوغ اليقين أن يخوض تجربة العبادات التي جاء بها محمد، وأن يعيش بنفسه أثر تلك الشعائر على نفسه، وأن يطبق أيضا وصايا النبي في العلم والعمل. أما المعجزات الحسية الخارقة للعادة فهي من قبيل الرد على تحدي الخصوم، ولا يحتاج إليها الباحث عن الحقيقة بعقله المجرد.

ويقول ابن القيم في “إغاثة اللهفان” (2/691) إن معجزات النبي تتجاوز الألف، منها ما حصل وانتهى، ومنها ما هو باق، وهو القرآن الكريم الذي يعد المعجزة العظمى، وذلك من جهة لفظه التي تحدى الله بها فصحاء العرب، ومن جهة إخباره بأحداث مستقبلة وقعت لاحقا، ومن حيث احتوائه على تشريعات محكمة وأخبار قصص الأمم السابقة وبعض أسرار الكون.

سنفصل الحديث عن القرآن (المعجزة الكبرى) في مقال مستقل، وسنكتفي هنا بسرد بعض الأمثلة للمعجزات التي حدثت في عصر النبوة، ثم نورد أمثلة أخرى لبعض نبوءاته المستقبلية.

قبة الصخرة في المسجد الأقصى التي عرج منها بالنبي إلى السماء

أما المعجزات التي حصلت وانتهت فمن أشهرها ما يلي:
1- الإسراء والمعراج: حيث انتقل النبي في ليلة واحدة من مكة إلى القدس، ثم عُرج به من هناك إلى السماء, ووصل إلى سدرة المنتهى حيث لم يقترب أحد من العرش مثله، والتقى بالأنبياء الذين سبقوه، ورأى شواهد كثيرة من عالم الملكوت ونعيم الجنة وعذاب النار، ثم عاد في الليلة نفسها إلى مكة، وعندما أخبر أبا جهل بما رأه جمع له الناس كي يستمعوا إليه ويكذبوه، فكان النبي يقص القصة على قريش وهم يسخرون، بل ارتد كثير ممن كان قد أسلم عن الإسلام، وطار بعضهم بالخبر إلى أبي بكر ليختبروه فقال لهم “إنه ليخبرني أن الخبر (الوحي) ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه”، أي أن نزول جبريل إليه ليس مستحيلا في العقل وقد صدّقته فلماذا أستبعد انتقالا عكسيا للنبي من الأرض إلى السماء، حتى لو كان ذلك خارقا للعادة ولا يقدر عليه البشر العاديون.

ثم حاول البعض أن يمتحن النبي فسألوه عن صفات المسجد الأقصى، فوصفه لهم وهم كانوا قد سافروا إليه في رحلات التجارة ويعرفونه، ثم أخبرهم عن تفاصيل القوافل (العير) التي رأها في طريق عودته وهي توشك على الوصول إلى مكة، فوصلت عند مغيب الشمس وعلى النحو الذي وصفه بدقة، ومع ذلك قال المشركون “هذا سحر مبين”. [البداية والنهاية: 4/282].

وأنزل الله آية في حق الذين أنكروا القصة فقال {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} [الإسراء: 60].

2- انشقاق القمر: جاء وصف هذه المعجزة العجيبة في القرآن والسنة بالتواتر، فسُميت سورة كاملة من القرآن باسم القمر، وكان مطلعها: {اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آية (معجزة)، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وللواقعة روايات كثيرة من قبل الصحابة، بما فيهم صغار السن مثل عبد الله بن عمر، وجبير بن مطعم بن عدي الذي لم يكن قد أسلم حينئذ. ويدور في العصر الحديث جدل بشأن إمكانية العثور على دليل يؤكد وقوع الانشقاق عبر دراسة ما تطرحه وكالة ناسا للفضاء من صور قمرية، لكن عدم العثور على صور لشقوق أو أخاديد كافية لا يعني عدم وقوع الحدث، فالانشقاق المعجز قد تبعه التحام معجز أيضا، ومن الطبيعي ألا يترك الالتحام أثرا، لأن التحدي كان لمن شهد الواقعة فقط.

وبما أن الانشقاق قد حدث لبرهة قصيرة، ولم يكن نتيجة ظاهرة مرصودة يترقبها الناس، فالأرجح أنه لم يرها من سكان الأرض سوى من صادف أنه كان ينظر إلى القمر في تلك اللحظة، وممن كان أيضا في منطقة يطل عليها القمر في الوقت نفسه، ولعل هذا يفسر عدم انتشار الخبر في تاريخ الشعوب الأخرى، أو عدم وصوله مدونا إلينا بكثرة، مع أن بعض الباحثين رصدوا توثيقا في مخطوطات فارسية وإسبانية تعود إلى عصر النبي نفسه.

المقال التالي بعنوان “القمر المنشق في وثيقة مدريد والمخطوطات الفارسية”، وقد نشر للمرة الأولى في موقع www.mayalords.org عام 2000، ثم تم تعديله عشرات المرات قبل أن يحذف نهائيا، وما زال موقع “أرشيف الإنترنت” يحتفظ بالنسخة الأولى وكل تعديلاتها، ويمكنك الاطلاع على ذلك بالضغط هنا.

3- تكثير القليل من الطعام بين يدي النبي أو بدعائه لطعام ما بالبركة، وقد تكرر ذلك في مرات كثيرة جدا وشاهدها عشرات الصحابة، ورويت تلك الروايات في صحيحي البخاري ومسلم، وأشهرها حديث جابر بن عبد الله في غزوة الخندق.

4- نبع الماء من بين أصابع النبي، وتكثيره الماء القليل حتى يشرب ويتوضأ منه جميع جنود الجيش، وهو حديث أثبته البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وشهده حوالي ثلاثمئة صحابي، وفي حديث آخر شرب نحو 1400 صحابي من بئر جاف لا ماء فيه في غزوة ذات الرقاع.

كسرى الثاني جالسا على عرشه في لوحة جدارية

5- قصة إسلام أهل اليمن، حيث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسالةً إلى كسرى ملك الفرس (كسرى الثاني أو خسرو الثاني) يدعوه فيها للإسلام، فمزق كسرى الرسالة وأرسل إلى باذان بن ساسان عامله على اليمن يأمره فيها بإرسال رجلين قويين إلى الحجاز واعتقال النبي واقتياده إليه (وفي رواية أخرى أن يأمراه فقط بالتوقف عن الدعوة)، فنفذ باذان الأوامر، ودخل الرجلان على النبي وقالا له إن شاهنشاه (ملك الملوك) كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وهدداه، فلم يرد النبي وأمرهما أن يلاقياه غدًا. وفي اليوم التالي قال لهما النبي أخبِرا الذي أرسلكما -أي باذان- أن ربي قتل ربه الليلة -أي أهلك الله كسرى- وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملّكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى النبي إلى رسولَي باذان “منطقة” فيها ذهب وفضة، كان بعض الملوك أهداها له.

عاد الرجلان إلى باذان يخبرانه بالأمر، وبعد شهر وصل الرسل من فارس (إيران) إلى اليمن فسألهم باذان على الفور: هل قُتل كسرى؟ فتعجبوا وسألوه من أخبرك بذلك؟ وأخبروه أن شيرويه بن كسرى ثار على أبيه فقتله ونصب نفسه ملكا في نفس الليلة التي ذكرها النبي، فآمن باذان بأن محمدا نبي يأتيه الوحي من السماء، وأسلم معه أهل اليمن. [أخرجه الطبري وابن كثير وابن سعد عن ابن مسعود بسند صحيح، وأخرجه ابن بشران عن أبي هريرة وحسنه الألباني].

ملحمة الشاهنامه الفارسية تحكي قصة مقتل كسرى الثاني على يد ابنه قباز شيرويه في 28 فبراير 628م

النبوءات المستقبلية
تنبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدد كبير من الأحداث التي وقع الكثير منها ومازال بعضها ينتظر التحقق، فكل ما وعد بحدوثه في حياته أو في حياة بعض أصحابه وقع بدقة، وكأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين الحاضر، وفيما يلي بعض الأمثلة:

1- قبل بدء معركة بدر بيوم واحد، وهي أول المعارك التي خاضها المسلمون بعد تأسيس نواة دولتهم في المدينة المنورة، تفقد الرسول أرض المعركة وأخذ يشير إلى موابع مقتل المشركين فيها ويقول “هذا مصرع فلان”، فيسميهم بالاسم وكأنه كان يرى بعينه نتائج المعركة، ويقول أنس بن مالك “فما ماط (ابتعد) أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه مسلم].

2- كان الصحابة الأوائل يلقون الأذى الشديد من قريش، فاشتكوا إلى النبي وقالوا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون” [رواه البخاري]، وقد تحقق هذا الوعد الذي كان يبدو خياليا في حينه.

وعندما كان النبي وصحابته يحفرون الخندق حول المدينة تحسبا لهجوم قريش وحلفائها، شكا الصحابة صخرة لم يستطيعوا كسرها، فأخذ الفأس وقال بسم الله، وضرب ضربة كسر منها ثلث الحجر، وقال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا”، وفي الضربة الثانية قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا”، وفي الثالثة قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا” [رواه أحمد]، وقد سخر المنافقون فيما بينهم من هذه النبوءات الطموحة جدا، فالنبي الذي كان على وشك التعرض لحصار خانق يتنبأ بإسقاط أقوى الدول على وجه الأرض، وقد تحقق وعده فعلا في حياته وقبل نهاية خلافة عمر بن الخطاب.

كما وعد النبي أيضا الصحابي سُراقة بن مالك بأنه سيلبس سِوارَي كسرى، وعندما فتح عمر بلاد فارس أعطى سواري أعظم ملوك الأرض لسراقة تحقيقا لوعد النبي.

الفيديو التالي يوضح أن الإسلام كان أسرع أديان التاريخ انتشارا في العالم.

3- بالرغم من وعده لأصحابه بالنصر والفتوحات، فقد أخبرهم أيضا أن الضعف سينال من جسد أمتهم وأنهم سيتقاتلون فيما بينهم، فقال “يوشك الأمم أن تدّاعى عليكم كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها”، فقال قائل “ومن قلةٍ نحن يومئذ؟”، قال “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت” [صححه الألباني] .

وهناك أحاديث كثيرة نُقلت عن النبي وهو يحدث أصحابه عن الفتن التي سيتعرضون لها، وهذه من أعجب المعجزات، فقد كان الصحابة يعلمون بحدوث تلك الفتن ولم يستطيعوا منعها، كما تحدث النبي بالتفصيل عن فتنة الخوارج ووصف أشكالهم وأفعالهم، مع أنهم لم يبدأوا فتنتهم إلا في عهد علي بن أبي طالب ولم يكن خروجهم وارداً في ذهن أحد، وكان يجدر بهم أن ينتبهوا إلى ما قاله النبي قبل سنوات قليلة عنهم وأن يحذروا من سوء عاقبتهم.

ومن أدل روايات الفتن على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم أنه عندما خرج كل من علي والزبير في جيشين وكانا على وشك الاقتتال بينهما، وهما من كبار الصحابة والمبشرين بالجنة، نادى عليّ الزبير فأقبل عليه، فقال علي: يا زبير أنشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ونحن في مكان كذا وكذا؟ فقال النبي يا زبير تحب عليًا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: يا رسول الله، ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني، فقال النبي: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم. فتذكر الزبير الحادثة على الفور وقال: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، وتراجع عن المعركة قبل أن تبدأ.

4- أخبر النبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب بأنهم سيموتون شهداء، وقد قتُل عمر وعثمان فعلا في الفتن التي أخبر بها النبي، وعندما مرض علي مرضا شديدا قال له بعض أصحابه وهم يعودونه لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال بكل ثقة: لكني والله ما تخوفت على نفسي منه، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصادق المصدوق يقول “إنك ستُضرب ضربة ها هنا وضربة ها هنا -وأشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتى تختضب لحيتك..”، وكأن النبي كان يرى بعينه كيف سيُقتل علي، وقد حدث هذا فعلا.

وفي السياق نفسه، قال النبي عن عمّار بن ياسر “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” [رواه البخاري]، وقد قُتل بسهم أطلقه معسكر معاوية على معسكر علي، وكان النبي يقول عند زيارته أم ورقة بن نوفل “انطلقوا بنا نزور الشهيدة” [رواه أحمد وابن خزيمة]، وقد قتلها غلام وجارية لها في عهد عمر فصلبهما، كما أخبر النبي ثابت بن قيس باستشهاده في قوله “يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، قال بلى يا رسول الله” [رواه الحاكم]، وقد عاش حميدا واستشهد في المعركة ضد مسيلمة الكذاب، وأخبر النبي أم حرام بنت ملحان أنه رأى في منامه ناس من أمته يغزون في البحر، مع أنه لم يكن من الوارد لدى العرب ركوب السفن وشن الغزوات فيها، فقالت أم حرام: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأولين، وقد ركبت أم حرام أول أسطول إسلامي بالفعل في زمن عثمان، وما إن نزلت أرض جزيرة قبرص حتى سقطت عن دابتها وكانت أول الشهداء هناك، وما زال قبرها معروفا [أخرجه البخاري ومسلم].

ويجدر بالذكر أنه من غير المنطقي أن يستغل المشككون في عصرنا الحالي الفتن التي وقعت بين الصحابة للطعن في الإسلام نفسه، وذلك من باب الطعن في الصحابة والتقليل من شأنهم، بل هي من أقوى الأدلة على صحة الإسلام الذي جاء به النبي، فقد وقعت كما أخبرهم عنها تماما، ولم يقوَ أحد على منعها. أما وقوع الأخطاء من الصحابة فليس سوى دليل على بشريتهم وعدم بلوغهم الكمال الذي بلغه النبي وحده، فالوحي لم يقل إن الصحابة معصومون أصلا بل أكد العكس.

وإذا حاولنا التشكيك في تلك النبوءات كلها، وزعمنا أن أتباع النبي قد اخترعوها بعد حدوثها ونسبوها إليه، فمن غير المنطقي أن يتواطأ جميع الرواة على الكذب، فالكثير من تلك الروايات وردت من أكثر من طريق وثبتت لدى المحدثين صحتها، وسنبين في مقال “السنة النبوية” المنهج العلمي الدقيق الذي جُمعت به الأحاديث والسنن ودُققت واعتُمدت، وهو منهج لا يقبل المحاباة والمجاملة والعبث، ولا يدانيه أي منهج في دراسات التاريخ المقارَن لدى كل حضارات العالم.

ميرزا غلام أحمد

في المقابل، لم يستطع مدّعو النبوة المعروفون في التاريخ المعاصر أن يثبتوا صحة نبوتهم عبر التنبؤ بالمستقبل، ولعل أشهرهم مؤسس طائفة القاديانية الميرزا غلام أحمد (توفي عام 1908م) الذي حاول أن يثبت نبوته بوضع العديد من التنبؤات المستقبلية فكان الفشل حليفه، ونذكر منها المثال التالي:

فقد تنبأ غلام أحمد بأن الطاعون الذي ضرب الهند في زمانه لن يدخل بلدته قاديان أبداً، وقال: “هو الإله الحق الذي أرسل رسوله في قاديان وهو يحفظ القاديان ويحرسها من الطاعون ولو يستمر الطاعون إلى سبعين سنة، لأن القاديان مسكن رسوله وفي هذا آية للأمم” [دافع البلاء للقادياني10، 11]، لكن الطاعون دخل البلدة وفتك بأهلها حتى وصل إلى بيته، فقال: “إن بيتي كسفينة نوح من دخله حُفظ من كل الآفات والمصائب”، ثم اعترف بأنه خاف على نفسه: “ودخل الطاعون بيتنا فابتليت غوثان الكبيرة فأخرجناها من البيت.. ومرضتُ أيضاً حتى ظننتُ أنه ليس بيني وبين الموت إلا دقائق قليلة” [إحسان ظهير، القاديانية، 1984، ص 180].

الخاتمة
حاولنا في هذا المقال الموجز تركيز الإجابة على التساؤلات الكبرى بشأن النبوة نفسها، ثم بشأن مصداقية نبوة محمد نفسه. وقد يتطلب البحث عن السبيل مزيدا من التوسع، وأن يواصل الباحث التحقق من الأدلة والغوص في تفاصيل سيرة النبي العامرة بآلاف التفاصيل والأحداث والتصريحات والوقائع، والتي تتفرع باستفاضة عن الأصول التي حاولنا الإلمام بها.

وفي المحطات التالية، سنتوقف عند حقيقة الوحي الذي جاء به النبي، ونبحث في القرآن لنتأكد من كونه الكتاب الموحى به فعلا من الله تعالى، وأنه المعجزة التي تحدى بها الإله مخلوقاته، وأنه ما زال محفوظا على هيئته الإعجازية الأولى دون تحريف ولا نقصان. ثم سنتعرف على التراث الذي أورثه النبي المُرسل إلى البشرية من بعده، من الأحاديث والسنن، وما يستفاد منها من تشريعات وعقائد وعلوم أخرى.

أهم المراجع
القاضي عياض السبتي، كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، دار الفكر، 2002.

أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، تحقيق محمد رواس قلعة جي وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، 1986.

ابن ناصر الدين الدمشقي، جامع الآثار في السير ومولد المختار، تحقيق نشأت كمال، وزارة الأوقاف القطرية، 2010.

صفي الرحمن المباركفوري، وإنك لعلى خلق عظيم: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، شركة كندة للإعلام والنشر، 2006.

أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق سميح دغيم، دار الفكر، بيروت.

إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، دار عالم الكتب، بيروت، 2003.

عبد الأحد داود، محمد كما ورد في كتاب اليهود والنصارى، ترجمة محمد فاروق الزين، مكتبة العبيكان، الرياض 1417هـ.

سامي العامري، محمد رسول الله في الكتب المقدسة، مركز التنوير الإسلامي، القاهرة، 2006م، ط1.

العهد القديم العبري، ترجمة بين السطور عبري-عربي، الأبوان بولس الفغالي وأنطوان عوكر، الجامعة الأنطونية، لبنان 2007.

الكتاب المقدس، المطبعة الكاثوليكية في بيروت.

http://www.irf.net/Hinduism_Muhammad.html

فرسان الهيكل

بهاء الأمير وأحمد دعدوش


فرسان الهيكل هو اختصار لاسم أول منظمة عسكرية وأشهرها في تاريخ أوروبا، وهي المنظمة الأم التي كانت كل المنظمات العسكرية في تاريخ أوربا فرعاً منها أو تقليداً لها، واسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان” The Poor Fellow Soldiers of Christ and of Temple of Solomon، ولا توجد معلومات موثقة عن نشأة المنظمة ولا بداية تكوينها، وكل الذين أرخوا لفرسان الهيكل لجأوا إلى مصدر وحيد كُتب بعد سبعين سنة من إنشائها على يد وليَم الصوري. وقبل أن نستعرض نشأة المنظمة وتطورها وصولا إلى أفولها وتفتتها إلى عشرات المنظمات السرية القائمة حتى اليوم، يجدر بنا الحديث عن الجذور التاريخية التي تعود إلى بني إسرائيل.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

الجذور الإسرائيلية
يقول مؤرخون إن هيكل سليمان في بيت المقدس كان يضم مدرستين إحداهما للصبيان والأخرى للفتيات، وكانت الأولى تخرج كهنة الهيكل والربانيين والأحبار ليكونوا صفوة المجتمع اليهودي، وكانوا يُختارون من العائلات الثابت انحدارها من سبط لاوي المتحدر من هارون، بينما يختص سبط يهوذا المتحدر من داوود بالمُلك.

وعندما هدم الإمبراطور الروماني فسباسيان الهيكل سنة ٧٠ تفرق رؤساء السبطين وأسرهم ومن تبعهم في أرجاء الأرض، واستقر عدد كبير منهم في أوربا الغربية. وكانت تقاليدهم تقتضي الاندماج في المجتمعات الأخرى والتظاهر باتباع الدين السائد وإخفاء أنسابهم الحقيقية، بخلاف عوام اليهود ممن يعلنون أنسابهم ويمارسون شعائرهم.

وطوال قرون حرص سبط المُلك وسبط الكهانة على التوغل في المجتمعات والصعود إلى قمتها، فأحد فروع أسر الملك الإلهي صار هو صلب الأسرة السكسونية الحاكمة في إنجلترا، كما امتزج فرع آخر مع الأسرة الميروفنجية التي حكمت فرنسا مابين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، بينما وصل فرع آل سيتوارت إلى عرش اسكتلندا.

ومن هذه الأسر أيضا آل سان كلير التي حكمت نورماندي شمال غرب فرنسا، وتزاوج أبناؤها مع أسر الملك الإلهي الأخرى في فرنسا وهي شومو وجيزور وكونت وكونت شامبان وبلْوا وبولون.

ووفقا لكتاب “المُلك الإلهي” Rex Deus الصادر عام 2000 للمؤلفين الثلاثة غراهام سيمانز وتيم والاس ميرفي وماريلين هوبكنز، فإن مجموعة أسر الملك الإلهي كانت قد سيطرت على معظم أوربا الغربية مع مطلع القرن العاشر الميلادي بتغلغلها في الأسر الحاكمة، وهو أمر لم يلاحظه معظم المؤرخين التقليديين.

ونتيجة لهذا النفوذ نجحت الأسرة الميروفنجية في التغلغل إلى داخل الكنيسة الكاثوليكية وصولا إلى تعيين ستة بابوات من أصول ميروفنجية، كان أولهم البابا سلفستر الثاني سنة ٩٩٩، وآخرهم هو أوربان الثاني الذي أعلن بدء الحروب الصليبية عام 1096 باسم الكاثوليكية، وذلك بعد استكمال خطة حشد أوربا المسيحية وراء أسر الملك الإلهي التي تجري فيها الدماء الإسرائيلية.

هوج دي بايان

تشكيل المنظمة
مع وصول الصليبيين إلى الأراضي المقدسة وسيطرتهم على بيت المقدس، انتقلت خطة أسر الملك الإلهي إلى المرحلة التالية، ففي سنة ١١١٨ سافر إلى القدس تسعة فرسان من السلالة الإسرائيلية وعلى رأسهم هوج دي بايان وأندريه دي مونتبارد، والتقوا بالملك بلدوين الثاني الأخ الأصغر لأول ملوك مملكة أورشليم اللاتينية الصليبية جودفروا دي بويون وخلفه عليها، وأسفر اللقاء عن تكوين منظمة فرسان الهيكل تحت مسمى “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.

وكان الهدف المعلن للمنظمة هو حراسة طرق الحج المسيحية من سواحل يافا إلى أورشليم وحماية الحجاج المسيحيين القادمين من أوربا من قطّاع الطرق.

وذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الهدف لم يكن سوى غطاء لأهدافهم الحقيقية، وذلك لسببين، الأول هو أن تأمين طرق الحج الطويلة من يافا إلى أورشليم مهمة يستحيل أن يقوم بها تسعة فرسان في الأربعينيات من العمر، والثاني أنهم جعلوا مقر قيادتهم في المسجد الأقصى وليس على طريق الحج كما يُفترض.

فبعد استيلاء الصليبيين على القدس وتحويلها إلى مملكة أورشليم اللاتينية، حوّلوا المسجد الأقصى إلى “هيكل الرب”، وفي السنوات العشر الأولى من عمر المنظمة لم تفعل شيئا له علاقة بالمهمة التي ادعتها بل كانت مشغولة فقط بالحفر والتنقيب تحت المسجد الأقصى، حيث اكتشف الكابتن البريطاني وارين في سنة ١٨٦٧ الأنفاق التي حفرها فرسان الهيكل وفيها بعض آثارهم من تروس وصلبان.

دي كليرفو

في مجمع طروادة سنة ١١٢٩ م تمكن برنارد دي كليرفو -كبير مستشاري البابا وابن أخ مونتبارد- من الحصول على اعتراف الكنيسة بفرسان الهيكل. وبما أن الكنيسة لم تكن تقبل فكرة أن يكون الرهبان مقاتلين، فقد كتب دي كليرفو عدة رسائل ومقالات، كان أشهرها رسالة كتبها سنة ١١٣٥ بعنوان “في مدح فرسان الهيكل” ووصف فيها فارس الهيكل بأنه “فارس لا يعرف الخوف الطريق إلى قلبه، وما يحرسه ويقوم على حمايته آمن ومصون، قوة الإيمان تحرس روحه، كما أن الحديد يحمي جسده، ولأن سلاحه في جسده وفي روحه معاً، فلا خوف يعتريه ولا يتمكن منه إنسان”.

وفي سنة ١١٣٩ تمكن دي كليرفو من استصدار مرسوم بابوي من البابا الجديد إنوسنت الثاني يمنح فرسان الهيكل حق المرور عبر حدود الممالك والإمارات الأوربية كافة بحرية تامة ودون دفع ضرائب عبور، كما استثناهم من الالتزام بالقوانين المحلية في كل أوربا، بحيث لا يخضع فرسان الهيكل إلا لأستاذهم الأعظم، بينما لا يخضع هو سوى للبابا نفسه. وهي امتيازات لم يحصل عليها أحد في كل أوربا.

وهكذا انهالت على المنظمة العطايا والهبات من النبلاء والملوك، فبعد انتهاء الفرسان التسعة من حفرياتهم تحت المسجد الأقصى وحصولهم على الشرعية عادوا إلى فرنسا سنة ١١٢٩، ثم رحل الأستاذ الأعظم دي بايان ومعه دي مونتبارد إلى إنجلترا ثم اسكتلندا، فحصلوا من آل سنكلير على أرض واسعة تحولت لاحقا إلى مقر قيادة.

ارتبط تكوين فرسان الهيكل ثم صعودهم بالحروب الصليبية، فهي التي جلبت لهم الشرعية وأجبرت الكنيسة الكاثوليكية على غض الطرف عن الجمع بين الرهبنة والقتال. ونظرا لكفاءتهم في القتال فقد أصبحت المنظمة القوة الأولى في مملكة أورشليم الصليبية، ففارس الهيكل الذي يجمع بين الرهبنة والفروسية يتصف بصفات لا يناظره فيها أي جندي آخر، كقوة البنية والتدريب العالي والتسليح الجيد.

ويُقسِم الفارس ألا يفر من القتال أو يخرج من الميدان إلا بإذن قائده أو إذا واجهه ثلاثة مقاتلين معاً على الأقل، والموت في الميدان هو أسمى صور الموت عنده. كما كانت خيول فرسان الهيكل مدربة على أجواء القتال، وكانت كتائبهم أشبه بقوات الصاعقة في الجيوش الحديثة، حيث تساند الجيوش الكبيرة بأعداد قليلة تنقض على العدو في سرعة خاطفة لخلخلة الصفوف.

القوة الاقتصادية

كنيسة تابعة لفرسان الهيكل في لندن وتبدو كالقلعة

مع الوقت طور فرسان الهيكل مهاراتهم ليصبح استثمار الأموال وإدارة المزارع وتربية الخيول وإقراض الأموال والتجارة من أبرز أنشطتهم، بل تقدمت على القتال الذي صار واجهة الفرسان لجلب الشرعية فقط .

كان النبلاء المتجهون إلى الأرض المقدسة للمشاركة في الحروب يتغيبون سنوات طويلة، فيضعون ثروتهم كلها تحت سيطرة فرسان الهيكل لحمايتها، فإذا مات أو لم يعد نقلوها إلى ورثته أو إلى المنظمة إن رغب في ذلك، ويقال إن ملك فرنسا فيليب أوجست أودع ثروة التاج الفرنسي بمقر فرسان الهيكل في باريس وفوضه في إدارة الأملاك الملكية، وطوال فترة غيابه كانت عوائد إدارة هذه الثروة تذهب إليهم.

وأقام فرسان الهيكل شبكة بنكية داخل أوربا، وبينها وبين الأرض المقدسة وعبر الطرق الممتدة بينهما، فإذا أراد أوربي الحج ذهب إلى أقرب مقر لهم ليودع أموالا تغطي تكاليف الرحلة ويأخذ ما يشبه الصك ليقدمه عند كل مرحلة في رحلته إلى مقر لفرسان الهيكل فيمنحوه ما يشاء من مال، وقد أكسبت هذه التقنية فرسان الهيكل قوة سياسية ونفوذاً اقتصادياً حتى انخرطوا في تمويل التجارة ونقل البضائع، فأنشأوا أسطولاً حربياً تجارياً يتكون من ثماني عشر سفينة، ولم تكن أي دولة أوربية في حينه تملك أسطولاً بمثل سرعته وكفاءته.

صار الفرسان بمثابة شركات متعددة القوميات وعابرة للبحار تستثمر أموال الأمراء والنبلاء وتدير أراضي الإقطاعيين وتؤجر ما تمتلكه من أراض للمزارعين، وبعد خمسين عاماً من تكوينها صارت قوتها الاقتصادية تفوق قوة دول غرب أوربا مجتمعة.

وكان من أبرز أنشطة فرسان الهيكل الإقراض بالربا، حيث التفّوا على حكم الكنيسة بتحريم الربا عبر تسميته بالأجرة بدلا من الفائدة، واضطرت الكنيسة للتغاضي عن الأمر لحاجتها إلى تمويل الجيوش، فمنذ النصف الثاني للقرن الثاني عشر أصبحت المنظمة هي الممول الأبرز للحملات الصليبية.

وفي عام 1200 زاد البابا إنوسنت الثالث من قوتهم بإصدار مرسوم ينص على عدم خضوع الأفراد والأموال والبضائع داخل مقرات فرسان الهيكل ومنازلهم للقوانين المحلية الأوروبية.

إحدى قلاع فرسان الهيكل بالبرتغال
(DanielFeliciano)

وبالإضافة إلى قوتهم الاقتصادية، كان فرسان الهيكل أعظم البنائين في القرون الوسطى، فشيدوا لمنظمتهم خمسة عشر ألف مقر خلال قرنين، وكانت مقراتهم تتضمن مزارع وطواحين وحظائر خيول وكنائس وأديرة وحصونا، ومن أشهر آثارهم قلعة صفد في فلسطين.

وكان إنوسنت الثاني قد سمح لهم سنة 1139 ببناء كنائس خاصة بهم لا تخضع لسيطرة الأبرشيات والأسقفيات المحلية، فكثفوا عملية البناء، واختاروا لمقراتهم مواقع مرتفعة للإطلال على طرق الحج والتجارة، وابتدعوا تصميما جديدا للكنائس هو الطراز الدائري القوطي، والذي تعمدوا فيه محاكاة تصميم هيكل سليمان.

وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر تمايز البناؤون في أوربا إلى ثلاث طوائف، الأولى هي أبناء الأب سوبيس التي تتولى بناء الكنائس على الطراز الروماني، والثانية أبناء ميتر جاك المختصة بتشييد القناطر والجسور، أما الثالثة وهي المرتبطة بفرسان الهيكل فاسمها أبناء سليمان، وكانت تهتم ببناء الكنائس والأديرة الضخمة على نمط العمارة القوطية، وهي تنسب نفسها للنبي سليمان بن داوود باني الهيكل، وقد وضع فرسان الهيكل في عام 1145 لائحة قواعد تنظم شؤون الحياة اليومية لأبناء سليمان، بما فيها طريقة الأكل والنوم والثياب، فهي تجعل من بناء الكنائس رسالة خالدة ولها طقوس وشروط ونمط حياة خاص، وكانت هذه الطائفة هي بذرة الماسونية كما سنرى لاحقا.

العلاقة بالباطنيين
يقول ول ديورانت في موسوعة “قصة الحضارة” إن الإسماعيليين استخدموا أعضاء جماعاتهم السرية في التجسس والدسائس السياسية، ثم انتقلت طقوسهم إلى بيت المقدس وأوربا، وكان لها أكبر الأثر في أنظمة فرسان الهيكل ومنظمة النور البافارية (إلوميناتي)، وغيرها من الجماعات السرية التي قامت في العالم الغربي، كما كان لها أكبر الأثر أيضًا في طقوسها وملابسها.

أما مؤلف كتاب “تاريخ الماسونية” كلافل –وهو من أقطاب الماسونية- فيؤكد أن منظمة فرسان الهيكل كانت على علاقة وثيقة بالإسماعيلية [ويقصد جماعة الحشاشين تحديداً]، فكلاهما اختارتا اللونين الأحمر والأبيض شعارًا لهما، واتبعتا النظام نفسه والمراتب نفسها، فكانت مراتب الفدائيين والرفاق والدعاة تقابل المراتب نفسها لدى فرسان الهيكل وهي المبتدئ والمنتهي والفارس، كما تآمرت المنظمتان على “هدم الدين” الذي تظاهرت باعتناقه، وشيدتا الحصون العديدة للاحتماء بها.

ويتفق معه الباحثان الماسونيان كرستوفر نايت وروبرت لوماس في كتابهما الشهير “مفتاح حيرام” بتأكيدهما على أن أصل الماسونية يرجع إلى فرسان الهيكل.

وتحدث مؤرخون عدة في الشرق والغرب عن زيارة قام بها دي مونتبارد إلى قلعة شيخ الجبل سنان بن سلمان ليتلقى على يديه أصول العمل السري والاغتيالات، ما دفعهم إلى القول إن الحشاشين الإسماعيليين لعبوا دورا جوهريا في تطوير أنظمة الجمعيات السرية لتصل إلى وضعها الحالي في العصر الحديث.


الأفول
كانت موقعة حطين سنة 1187 التي كسرت الممالك الصليبية هي بداية أفول الفرسان، حيث ارتكب الأستاذ الأعظم للمنظمة جيرار دي ريدفورد أخطاء فادحة، إذ خرج بثمانين من نخبة فرسانه لمباغتة صلاح الدين الأيوبي قائد جيوش المسلمين، لكن هذا الأخير أحاط بهم وقضى عليهم، فأخطأ دي ريدفورد مجددا واستسلم ليقع أسيرا مخالفا دستور الفرسان، ثم أطلق سراحه بعد حطين بفدية باهظة.

يؤكد مؤرخون أوروبيون أن صلاح الدين أطلق سراح معظم الأسرى بعد حطين باستثناء فرسان الهيكل وفرسان مالطة، ويرى الأستاذ بجامعة نونتنغهام ديفيد نيكول في كتابه “حطين 1187” أن إعدامهم لم يكن عملاً قاسياً إذا ما أخذ بعين الإعتبار أن صلاح الدين يعلم استعداد هؤلاء الفرسان للموت بشكل دائم، فكان القضاء عليهم وعدم القبول بالفدية وسيلة ناجعة للقضاء على القوة الضاربة للصليبيين.

حاول فرسان الهيكل دفع أوروبا إلى معركة أخرى مع صلاح الدين لاستعادة القدس، لا سيما بعد سقوط إمارة صفد التي كانت تضم أمنع قلاع فرسان الهيكل، وانضم الفرسان إلى الحملة الصليبية الثالثة التي يقودها ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد وملك فرنسا فيليب الثاني، لكن الصليبيين عجزوا عن استعادة القدس بالرغم من محاولاتهم المتكررة، فركزوا جهودهم على المدن الثلاث المتبقية لديهم وهي أنطاكية وطرابلس وصور، ونجحوا أخيرا في السيطرة على ميناء عكا عام 1191.

وبعد قرن كامل من احتلال الصليبيين لعكا، فتحها المسلمون المماليك عام 1292، وسقطت بذلك آخر قلاع فرسان الهيكل في الشرق الإسلامي، فنقل أستاذهم الأعظم جاك دي مولاي مقر قيادتهم إلى جزيرة قبرص، وقام بجولات واسعة في أوربا لتحريض البابا والملوك على شن حملة صليبية جديدة ففشل، لكنه تمكن من الحفاظ على امتيازات منظمته.

حاول فرسان الهيكل عام 1300 استعادة طرطوس على الساحل السوري، فنقلوا أسطولهم إلى جزيرة أرواد، لكن المماليك طردوهم منها بعد سنتين. ومن حينها صارت فرسان الهيكل منظمة عسكرية بلا هدف وجيشاً بلا معركة، ولم يعد في حوزتها سوى السيطرة المالية والنفوذ الاقتصادي.

وفي سنة 1305 صعد البابا كليمنت الخامس إلى الفاتيكان، وبناء على رغبة ملك فرنسا فيليب الرابع طلب من جاك دي مولاي وفولك دي فيلاريه الأستاذ الأعظم لفرسان مالطة الحضور إلى فرنسا لمناقشة دمج المنظمتين، وعندما وصل دي مولاي بدأ التحقيق معه باتهامات فيليب الرابع له بالهرطقة وممارسة السحر والخروج عن المسيحية، حيث أكد الملك أنه تمكن من اختراق منظمته باثني عشر جاسوساً تحققوا من تلك الاتهامات.

أمر فيليب الرابع باعتقال دي مولاي مع سبعين من قياداته، فاعترفوا تحت التعذيب بالاتهامات، وخلال السنوات الخمس التالية اعتقل مئة وخمسة وثلاثون آخرون واعترفوا جميعاً.

إحراق بعض فرسان الهيكل بالنار

أصدر البابا مرسوماً باعتقال فرسان الهيكل في كل أوربا ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم والتحفظ عليها، وفي عام 1310 أمر فيليب الرابع بإحراق أربعة وأربعين فارساً منهم أحياء وعلناً في باريس، وقرر البابا حل المنظمة وتحويل ممتلكاتها إلى منظمة فرسان مالطة.

وفي السنة نفسها انتهت اللجنة التي كونها البابا لمتابعة قضية فرسان الهيكل وتقديم تقرير عن المنظمة وممارساتها، وكانت النتيجة هي الحكم على دي مولاي بالإعدام على الخازوق عام 1314.

وانتهت بذلك (ظاهريا) قصة الصعود الاستثنائي لأحد أكثر التنظيمات العسكرية نفوذاً، والتي نجحت خلال قرنين فقط من السيطرة على أكثر من 900 مستوطنة، وامتلاك عشرات القلاع والحصون، فضلا عن ابتكارها لأحدث أساليب التسليح والتخطيط العسكري والأعمال المصرفية والنقل والزراعة والتجارة، والتي كان لها فضل في تطور المجتمع الغربي لاحقاً.

منظمة فرسان مالطة
ما زالت هذه المنظمة قائمة حتى اليوم، بل تحولت إلى دولة ذات سيادة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها وجود جغرافي على الأرض ولا حدود، بل هي منظمة تتخذ من قصر مالطة بمدينة روما مقرا لها، وأعضاؤها الذين يعيشون في شتى أنحاء العالم هم مواطنوها.

الأسد (يسار) يُمنح الوشاح الأحمر لإعلان قبوله عضوا ومواطنا في منظمة ودولة فرسان مالطة عام 2008

وكما هو حال الجمعيات السرية القائمة اليوم، فإنها تزعم أن نشاطها يقتصر على الأعمال الخيرية والطبية، حيث تدير مئات المستشفيات وتساعد في عمليات الإنقاذ والإسعاف في أكثر من 120 دولة حول العالم، إلا أنها تعلن أيضا أن هدفها الأساسي هو حماية الحق المسيحي في الحج إلى القدس، وهو الهدف الظاهري الذي أنشئت من أجله إبان الحروب الصليبية.

وتضم قوائم أعضاء المنظمة عددا من كبار السياسيين والمتنفذين في العالم، مثل رونالد ريغان وتوني بلير والملكة إليزابيث، إضافة إلى عدد من المسؤولين العرب، مثل رئيس النظام السوري بشار الأسد.

وقد أنتجت قناة الجزيرة في عام 2008 فيلما وثائقيا يبحث في علاقة دولة فرسان مالطة بعمليات عسكرية قذرة في العالم الإسلامي، وأهمها المشاركة في غزو العراق عبر شركة “بلاك ووتر” الأمنية.

اتهامات خطيرة
هناك ثلاثة أنواع من التهم التي وجهت لفرسان الهيكل وهي:

1- الهرطقة: إهانة المسيح وإنكار ألوهيته، البصق على الصليب والتبول فوقه، احتقار القداس ورجال الكنيسة، وإنكار المقدسات.

2- الجرائم الأخلاقية: الشذوذ الجنسي الجماعي والمنظم، وابتكار طقوس للترقي داخل المنظمة تتضمن ممارسة الشذوذ وتقبيل أعضاء التناسل.

3- الوثنية: عبادة رأس حجري لكبش ذي قرون اسمه بافوميت، عبادة وثن العذراء السوداء، وعبادة وثن لساحرة على شكل قطة سوداء.

بافوميت بريشة إليفاس ليفاي

وهذه الأفعال كانت تمارس في سرية تامة، فلم يكن للمنظمة سجلات علنية بل تحفظ كل أوراقها داخل كنائسها وقلاعها بسرية بالغة.

انقسم المؤرخون بشأن هذه الاتهامات إلى قسمين، الأول يرى أنه تم تلفيقها لفرسان الهيكل بعد أن حقد عليهم الملوك لتزايد قوتهم، وأن اعترافهم جاء تحت التعذيب.

أما الفريق الثاني فيرى أنها منظمة مهرطقة غايتها القضاء على المسيحية، حيث اعترف الفرسان بالتهم كلها في دول أخرى غير فرنسا دون تعذيب، بل كان بعضهم في حماية ملوك إنجلترا وإسبانيا والبرتغال ومع ذلك اعترفوا بالهرطقة والشذوذ الجنسي وهي جرائم تستحق الإعدام في أوربا البابوية.

كما أن عبادة أوثان محددة هي ليست من ذلك النوع من التهم الذى يختلقه أحد ويقر به تحت وطأة تعذيب، فهذه تهم لم يقر بها أحد غيرهم، وكان يمكنهم أن ينكروها بعد اعترافهم بما هو أخطر من الهرطقة والشذوذ.

ما هو معبودهم؟
تعددت النظريات لتفسير رمزية بافوميت، فرأى البعض أن هذه الرأس الحجرية ترمز لرأس يوحنا المعمدان (النبي يحيى) التي قطعها هيرود، فكان فرسان الهيكل يرون أن يوحنا المعمدان هو المسيّا الحقيقي وأن عيسى المسيح نبي كذاب. وقال آخرون إن الفرسان عثروا حقا على رأس يوحنا المعمدان في الحملة الصليبية الرابعة، بينما ذهب رأي ثالث إلى أن رأس بافوميت ترمز إلى رأس دي بايان مؤسس فرسان الهيكل، كما فسره آخرون بأنه يرمز إلى أزموديوس الجني الحارس الذي ساعد سليمان في بناء الهيكل.

رسم لطقس عبادة بافوميت التي اقتبسها الماسون من فرسان الهيكل أورده الماسوني الفرنسي ليو تاكسيل في كتاب نشره عام 1884 لفضحهم

أما هوج شونفيلد فقام بتحليل كلمة بافوميت Baphomet وفقا لشفرة أتباش اليهودية القديمة واستنبط أنها تعني كلمة صوفيا Sophia، أي ربة الحكمة الإغريقية وكل ربات الحكمة الأخريات ومنهن إيزيس المصرية، ويدل على ذلك أن فرسان الهيكل قدسوا رموزا وأفكارا مصرية قديمة تختلط بالتقاليد اليهودية.

وتشير الرسوم والتماثيل إلى تشابه رأس بافوميت مع “كبش مِندِس” الذي كان يُعبد في مصر وبابل على أنه تمثيل للشيطان إبليس، حيث قالوا إن إبليس دخل الجنة في جلد أفعى ليشجع الإنسان (آدم وحواء) على اكتساب المعرفة بالأكل من الشجرة، وإن إبليس عندما يهبط إلى الأرض فإنه يتجسد في هيئة كبش له قرون.

وكانت الأساطير المصرية تقول إن إيزيس تعلمت السحر من والدها “سِب”، فجسدها الكهنة في صورة امرأة لها تاج على هيئة قرنين تتوسطهما الشمس. وإذا أعدنا قراءة هذه الرمزية في ظل الوحي الإسلامي فسنجد تطابقا عجيبا مع الأحاديث النبوية التي تحظر على المسلمين الصلاة في وقتي الشروق والغروب لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني الشيطان، مما يقوي اعتقادنا بأن إيزيس هي إحدى تجسدات الشيطان نفسه.

وتقول أساطير الفراعنة إن “حورس” الذي يُصور على هيئة صقر قد نتج عن تزاوج إيزيس مع أخيها أوزيريس، وإنه سعى للانتقام من جده “سب” الذي قتل أباه، فأصيبت إحدى عينيه ليبقى أعوراً بعين واحدة تمثل الشمس [انظر مقال الوثنية].

ولا نجد لهذه الأساطير في مناهج البحث الغربية تأويلات أبعد من الربط فيما بينها وفي ضوء ما قاله كتبة الأساطير نفسها، كما لا نجد لدى المؤرخين والفقهاء المسلمين في القرون الماضية سوى محاولات لفهم ما رواه لهم أهل الكتاب بعد إخفاء وتحريف الكثير، وذلك قبل أن تُكتشف في العصر الحديث الكثير من الأساطير إبان الفتوحات الكبيرة في استخراج الآثار واكتشاف أسرار اللغة الهيروغليفية.

كما نجد تشابها كبيرا بين حورس ذي العين الواحدة وبين الأعور الدجال الذي ورد ذكره فيه الحديث النبوي لدى المسلمين: {لم يُبعث نبي قبلي إلا حذر قومه من الدجال الكذاب} [رواه أحمد].

ويمكن القول إن إيزيس المصرية تحل أيضا سر العذراء السوداء، فهي تُجسد بتمثال لسيدة سوداء تحمل بين يديها رضيعًا أسود، لكن الكاثوليك في أوروبا كانوا يظنون أن فرسان الهيكل أرادوا بذلك تحقير العذراء والمسيح، وظل هذا الاعتقاد سائداً حتى القرن الثامن عشر عندما اكتشف باحثون في الآثار المصرية أن العذراء السوداء ليست سوى أم الحكمة والمعرفة ومصدر الخصوبة (إيزيس) وهي تحمل وليدها حورس، وهو الرأي الذي دافع عنه المؤرخ إيان بيغ والبروفيسور ستيفان بينكو، كما أثبته بالوثائق والصور المؤلفان لين بيكنيت وكلايف برنس في كتابهما المنشور عام 1994 “كفن تورينو: صورة من؟ كشف الحقيقة الصادمة”.

واحد من بين نحو 180 تمثالا للعذراء السوداء المتبقية حتى اليوم في فرنسا

ورجح باحثون -ومنهم إيان بيغ في كتابه “وثن العذراء السوداء”- أن دي كليرفو هو الذي ابتكر هذه العبادة عندما نظم مئتين وثمانين أنشودة، يتضمن كثير منها مقولة مأخوة من نشيد الأنشاد التوراتي تقول “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم” [1: 5-6]، وهي عبارة تم نقشها على كثير من تماثيل العذراء السوداء، وما زال نحو خمسمئة تمثال منها قائما وتؤدى عندها طقوس العبادة المسيحية في كنائس أوروبا.

بناء على ما سبق، يمكن القول إن العقيدة التي كان يخفيها فرسان الهيكل وكل من تبعهم لاحقا في الجمعيات السرية المتعددة هي قريبة جدا من الديانة المانوية الفارسية القديمة، والتي تدور حول ثنائية الآلهة، بحيث يكون الشيطان نداً للإله وأجدر منه بالعبادة والتعظيم، لذا نرى في بعض طقوسهم رموزا تبدو على النقيض من الطقوس الدينية للكاثوليكية، كالقداس الأسود والعذراء السوداء. ونظرا لممارسة الجمعيات السرية في درجاتها العليا طقوس السحر والاتصال بالشياطين فلا يُستبعد أن تتلقى “مكافأتها” من الشياطين بمزيد من النفوذ والملذات.

ولادة الجمعيات السرية
لم يكن عدد المعتقلين والمحاكَمين سوى بضع مئات، بينما يقدر باحثون أن عدد الفرسان كان يتراوح ما بين 20 و50 ألفا، وقد اختفوا فور إعلان حل المنظمة، كما اختفت جميع وثائقهم وبياناتهم المالية وحتى ثرواتهم سفن أسطولهم.

قرر باحثون أن فرسان الهيكل انضموا إلى فرسان مالطة، بينما رأى آخرون أنهم اختفوا في جبال الألب السويسرية كما اندمج بعضهم في الحياة المدنية بدول أخرى وخصوصا اسكتلندا التي كانت خارج سلطة البابا، أما في البرتغال فاحتفظوا بكيانهم بعد تغيير اسمه إلى فرسان المسيح وظل قائما حتى أواخر القرن السادس عشر، وقد ساهمت هذه المنظمة في حركة الكشوف الجغرافية التي انطلقت من إسبانيا والبرتغال، فكان منهم هنري الملاح وفاسكو دي غاما، كما أبحر كريستوفر كولمبوس على متن سفن تحمل شعارهم لاكتشاف أميركا، وهو يحمل أحلاما توراتية لاستعادة أورشليم وبناء الهيكل بعد اكتشاف العالم الجديد ونهب ثرواته.

“أصول الماسونية تعود إلى عهد الحملة الصليبية الأولى، والذي أسسها في فلسطين هو أول ملوك أورشليم جودفروا دى بويون”. [كتاب الجمعيات السرية والحركات الخفية للمؤرخة نستا وبستر، نقلا عن نشرة أصدرها لمؤرخ الماسوني شيفالييه دي باراج عام 1747].

أما مؤرخو الماسونية والجمعيات السرية فيقولون إن محافل الماسون -التي كانت في الأصل أماكن لتجمع البنائين- أصبحت ملاذاً مثالياً لفرسان الهيكل، فهي الفرع الوحيد من المنظمة الذي نجا من الحل والتدمير والملاحقة، وهكذا بدأت نشأة الماسونية على يد فرسان الهيكل.

ويقول الأستاذ الأعظم للماسونية في القرن التاسع عشر الجنرال الأمريكي ألبرت بايك في كتابه “عقيدة الطقس الأسكتلندي القديم وآدابه” المنشور عام 1872: “إن هدف فرسان الهيكل الظاهر الذي أسبغ عليهم الشرعية ومنحهم الهبات وأكسبهم السلطة كان حماية الحجاج الكاثوليك، لكن الهدف الحقيقي الذي انخرطوا من أجله في الحملات الصليبية هو العمل على إعادة بناء هيكل سليمان كما وصفه النبي حزقيال وصفاً مفصلاً في السفر المسمى باسمه، فالهيكل حين يعاد بناؤه باسم الكاثوليكية وتحت راياتها سيكون قبلة العالم ومركز ومصدر أمنه وسلامه، وسيحكم بنو إسرائيل من خلاله كل الشعوب”.

ألبرت بايك

أما الهدف الثاني كما يقول بايك فهو إزالة الكاثوليكية وتأسيس عالم جديد له ديانة جديدة تستمد عقائدها من “التقاليد المسيحية الأولى والنقية” التي يمثلها يوحنا المعمدان. فالقديس يوحنا هو الأب الروحي لكل الحركات الغنوصية التي تؤمن بأن خلاص البشر في المعرفة والأفكار وليس في مطلق الإيمان، وهي الحركات التي يمتزج فيها نموذج يوحنا المعمدان بالتراث الشفوي اليهودي الباطني وما يحويه من معارف وأسرار القبّالاه، وفقا لكتاب بايك.

ويضيف بايك أنه كانت توجد في الشرق إبان الحملة الصليبية الأولى طائفة من المسيحيين من أتباع يوحنا وكانت تعرف التاريخ الحقيقي للمسيح والتقاليد اليهودية وروايات التلمود والقبالاه، وهي طائفة تعارض كنيسة القديس بطرس ومسيحها (عيسى) المتمثلة في الفاتيكان.

وتعد هذه الكنيسة سرية للغاية، ويقودها أحبار عظام يتسلسلون إلى يوحنا المعمدان، وفي زمن الحروب الصليبية كان الحبر الأعظم لها يدعى ثيوكليتس، وقد تعرف على دي بايان وأطلعه على أسرار كنيسته ونصّبه خلفاً له على رئاسة الطائفة، وهذا اعتراف من بايك بأن منظمة فرسان الهيكل لم تكن سوى واجهة مسيحية لكنيسة تعادي الكاثوليكية نفسها وتنتسب إلى يوحنا وتؤمن بعقيدة غنوصية قبالية يهودية.

ويقول بايك إنه حين كان دي مولاي ينتظر حكم الإعدام في السجن أمر بتكوين أربعة محافل مركزية، الأول في نابولي لقيادة فرسان الهيكل في شرق أوروبا، والثاني في إدنبره من أجل قيادتهم في غربها، والثالث في ستوكهولم لفرسان الشمال، والرابع في باريس لفرسان الجنوب .كما انشطرت المنظمة إلى عشرات الجمعيات السرية والمنظمات الخفية وجماعات السحر والشعوذة، وتحولت مقاطعة لانجدوك جنوب فرنسا -وهي معقل فرسان الهيكل- إلى مأوى للملحدين والمهرطقين واليهود والوثنيين. ويؤكد بايك أن الماسونية الاسكتلندية هي الوريث الأقدم لفرسان الهيكل والامتداد الشرعي لها.

وكان من أبرز الجماعات الإلحادية والشيطانية التي نشطت في مناطق نفوذ فرسان الهيكل جماعة “الألبيين”، والتي حكمت عليها الفاتيكان عام 1139 بالهرطقة وبدأت بمطاردتها، ثم انضمت إلى الجمعيات السرية المشابهة التي انبثقت عن فرسان الهيكل بعد حلّها.

بيل كلينتون كان عضوا في تنظيم دي مولاي الدولي أثناء شبابه (demolay.org)

وتوجد في أوربا والقارة الأمريكية اليوم عشرات المنظمات السرية التي تقول إنها وريثة فرسان الهيكل، وكثير منها تضع في اسمها الهيكل أو فرسانه أو اسم أحد أساتذة فرسان الهيكل العظام، كما تحاكي في تنظيمها ودرجاتها ورموزها وطقوسها فرسان الهيكل.

ومن أهم هذه المنظمات تنظيم دي مولاي الدولي المخصص للشباب في الولايات المتحدة، الذي كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون من أعضائه [حسب موقع المنظمة]، ومنظمة فرسان الهيكل الاسكتلندية، وعصبة فرسان الهيكل الاسكتلندية، ومنظمة هيكل الشمس، ومنظمة دير صهيون التي سيأتي ذكرها بالتفصيل لاحقاً.

ومن أكثر المنظمات انتشارا اليوم “التنظيم العسكري السامي لهيكل أورشليم” OSMTH، وهي تؤكد أنها امتداد لفرسان الهيكل وأن دي مولاي عهد بالأستاذية إلى يوهانس لارمينيوس ثم توالى الأساتذة العظام دون انقطاع، إلى أن أخرجها الماسوني الفرنسي برنارد ريموند فابري بالابرا إلى النور سنة ١٨٠٤، وأن نابليون بونابرت كان أباً روحياً لها. وفي سنة 2001 اعترفت الأمم المتحدة بهذا التنظيم كمنظمة عاملة من أجل السلام ووضعتها في قائمة الجمعيات المدنية التي تحظى باستشارة منظمات الأمم المتحدة لها في الأزمات وتفويضها في فض النزاعات. بينما تعلن المنظمة أنها تهدف إلى الحفاظ على الأراضي المقدسة في أورشليم وحولها، وإجراء البحوث الأثرية، ودعم السلام. وكثيرا ما يتم إرسال وفودها تحت غطاء الشرعية الدولية من الأمم المتحدة إلى أماكن النزاعات في العالم الإسلامي.

كتاب أصدره “التنظيم العسكري السامي لهيكل أورشليم” عام 2017 بمناسبة “مرور خمسمئة عام على التأسيس”.

منظمة دير صهيون
طبقاً للوثائق السرية التي نشرها الفرنسي بيير بلانتار في ستينيات القرن العشرين فإن جذور دير صهيون تعود إلى جمعية سرية غنوصية لا يعرف تاريخها، حيث أسسها رجل اسمه أورمس ومزج فيها المسيحية مع الوثنية، ثم أعيد بناؤها -حسب بلانتار- سنة 1070 عندما اجتمع عدة رهبان في إيطاليا لتأسيس منظمة سرية اسمها دير أورفال، وشاركوا بأنفسهم في الحملة الصليبية الأولى. وبعد سقوط بيت المقدس في يد الصليبين ساهموا في انتخاب دي بويون ليكون أول ملوك مملكة أورشليم الصليبية، لأنه سليل الأسرة الميروفنجية المتحدرة من الملك داوود.

وفي السنة نفسها أسس هؤلاء الرهبان ديرًا في جبل صهيون حسب رواية بلانتار، وكانت مهمتهم الأولى هي البحث عن كنز هيكل سليمان الذي نهبه الرومان أثناء اجتياحهم أورشليم إبان ثورة اليهود عليهم سنة 70م، ثم إعادة تكوين الأسرة الميروفنجية وإعادتها إلى حكم فرنسا وصولا إلى حكم أوروبا كلها، وكانت منظمة فرسان الهيكل جناحاً عسكرياً لدير صهيون طوال مائة عام تقريباً.

اصطدم ملك فرنسا فيليب الثاني مع ملك إنجلترا هنري الثاني عام 1188 في معركة عند قلعة جيزور بفرنسا في صراع على شرعية الحكم، حيث تنافس كلاهما على أحقية تمثيل السلالة الميروفنجية، وكان النصر من نصيب فيليب الثاني، لكن المعركة تسببت بانشقاق فرسان الهيكل المؤيدة للإنجليز عن دير صهيون المنحازة للفرنسيين، وهكذا اندثرت آثار الجمعية السرية وظلت خفية ثمانية قرون كاملة، وفقا لمزاعم بلانتار.

وفي عام 1989 نشر بلانتار قائمة بأسماء أساتذة دير صهيون العظام، زاعما أنه كان هو نفسه أستاذها الأعظم ما بين عامي 1981 و1984، كما ادعى أن كلا من إسحق نيوتن وروبرت بويل وكيجان كوكتو وليوناردو دافنشي وفيكتور هوغو كانوا في القائمة، واشتهرت هذا الجمعية باسم أخوية صهيون (أخوية سيون)، ولا سيما بعد ظهورها مؤخرا في الرواية الشهيرة “شفرة دافنشي” للبريطاني دان براون، والتي تحولت إلى فيلم هوليودي.

وبعكس المنظمات التي انحدرت من فرسان الهيكل أو زعمت أنها هي فرسان الهيكل أو أحد فروعها، فقد قدمت دير صهيون نفسها على أنها هي الأصل وأن فرسان الهيكل فرع منها. ويعد بلانتار هو المصدر الوحيد لهذه الوثائق والمعلومات، ما دفع الكثيرين للتشكيك فيها، حيث يقول المؤرخ أحمد دراج في كتابه “وثائق دير صهيون بالقدس الشريف” إن المراجع الأوروبية تجمع على أن بناء دير صهيون في القدس لم يتم إلا بعد أن اشترى ملك صقلية روبرت أنجو المنطقة من السلطان محمد بن قلاوون عام 1335، كما أن وجود الدير هناك لا يعني بالضرورة ارتباطه بجمعية سرية.


أهم المراجع
بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2012.

ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة وتحقيق سهيل محمد ديب، مؤسسة الرسالة، 2002.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار الهلال، 1925.

أحمد دراج، وثائق دير صهيون بالقدس الشريف، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1968.

Charles G. Addison, The History of the Knights Templar, Longman, Brown Green, London, 1842.

Nesta Webster, Secret societies and submersive movements, Boswell Publishing Co. Lltd, London, 1924.

Christopher Knight and Robert Lomas, The Hiram Key, The Century Books, 1996.

Albert Pike, Morals and dogma of the Ancient and Accepted Scottish Rite of Freemasonry, published by the authority of The Supreme Council of the thirty third degree, Charleston, 1871.

M.p. Hall, The secret teachings of all ages, H.S. Crocker Company, San Francisco, 1928.

David Nicolle, Hattin 1187: Saladin’s Greatest Victory, Osprey Publishing, 1993.

القاديانية والأحمدية

ربـى الحسـني


ميرزا غلام أحمد

القاديانية فرقة ظهرت على يد ميرزا غلام أحمد القادياني في إقليم البنجاب الهندي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ومع أنها نشأت تحت مظلة الإسلام إلا أن العلماء المسلمين يرون أنها مارقة عنه، بينما تجادل طائفة الأحمدية -التي تطورت عنها- بأنها جزء من أمة الإسلام.

ولد المؤسس غلام أحمد بن مرتضى بن محمد عام 1839م أو 1840م في قرية قاديان من إقليم البنجاب في الهند لأسرة يقال إنها تعود إلى سلالة مغولية، ثم قيل فارسية. وعُرف عن أسرته الولاء للمستعمر الإنجليزي.

تلقى غلام أحمد مبادئ المنطق والعلوم الدينية، كما تعلم الطب القديم من والده الذي كان طبيباً ماهراً، ثم عمل في محكمة حاكم المديرية في سيالكوت ما بين عامي 1864 و1868. وقد ألَّف العديد من الكتب المعتمدة لدى أتباعه لنشر دعوتهم، من أهمها: براهين أحمدية، نور الحق، حقيقة الوحي، تحفة الندوة، الأربعين، تبليغ رسالت، توضيح مرام، الدر الثمين، فتح إسلام، إزالة أوهام، مكتوبات أحمدية وغيرها.

المباهلة هي الدعاء بنزول اللعنة أو العذاب على الكاذب من بين المتباهلين المتلاعنين، وهي من أساليب التحدي.

توفي غلام أحمد سنة 1908م بداء الهيضة الوبائية (الكوليرا) ودُفن في قاديان بالمقبرة التي سماها مقبرة الجنة، ويُروى في قصة وفاته أنه قد باهلَ عام 1907م عالم الحديث الهندي ثناء الله الأمرتسري في مناظرة بينهما، ودعوا الله أن يقبض الكاذب من الرجلَين في حياة صاحبه بعد أن يسلط عليه داءً يكون فيه حتفه، فأصيب غلام أحمد بالكوليرا ومات بها، وعاش بعده الأمرتسري أربعين عاماً [القادياني والقاديانية للندوي، ص23].

عوامل ظهور القاديانية
عرفت الهند الإسلام مبكراً، حيث بدأت محاولات فتحها إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم أكمل السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي الفتح في بدايات القرن الحادي عشر، فأسس حكماً إسلامياً في الهند ظل يزدهر نحو ثمانية قرون ونصف قرن، حتى انطوت صفحته على يد الإنجليز سنة 1857.

انتشر الإسلام سريعا في الهند بالرغم من وجود أديان وفلسفات ضاربة في القدم، لكن بعض المؤرخين يحملون ملوك الهند وعلماء المسلمين مسؤولية التقصير في تدعيم العقيدة بين الناس، مما أدى إلى دمج الكثير من بقايا العقائد الوثنية السابقة بالإسلام، وإلى بقاء نحو نصف السكان على عقائدهم، لذا وجد الإنجليز في الهند بيئة خصبة للاحتلال لكثرة التنوع والتوتر بين أتباع العقائد المختلفة والمتضاربة.

هيمن الإنجليز سياسياً واقتصادياً على البلاد عن طريق شركة الهند الشرقية الإنجليزية، كما حرصوا على غزوها فكرياً ودينياً فاستقدموا أعدادا كبيرة من المنصرين، مما أثار غضب المسلمين الذين شنوا ثورة ضخمة عام 1857، إلا أن الجيش الإنجليزي نجح في قمعها.

إعدام الثوار الهنود بالمدافع البريطانية لمشاركتهم في ثورة عام 1857

نجح الإنجليز أيضا في القضاء على الإمبراطورية المغولية الإسلامية بالاستيلاء على العاصمة دلهي، لكنهم سرعان ما أدركوا صعوبة ابتلاع هذه الإمبراطورية لوجود المقاومة، فطُرحت فكرة خلق زعامة روحية دينية تتوافق مع مخططاتهم.

كُلِّف موظف مدني إنجليزي يدعى “هنتر” بدراسة الأسباب التي أدت إلى الثورة وسبل مقاومتها، فقدم تقريراً قال فيه إن عقيدة الجهاد التي يعتنقها المسلمون هي التي أدت إلى الثورة، وإن لهذه العقيدة مفعولاً سحرياً، ورأى أن بقاء الإنجليز في الهند لن يحدث ما لم يتمكنوا من نزع هذه الفكرة من رؤوس المسلمين، ولما كان عامة المسلمين يعتقدون برجوع المسيح والمهدي، فقد اقترح أن يوجد في الهند من يدَّعي هذه الدعوى ليسهل من خلاله تمرير الأفكار المناسبة [موقف الأمة الإسلامية من القاديانية، ص112].

بيرسي كوكس

وفي عام 1869، عقد رجال الحكومة الإنجليزية اجتماعاً بحضور علماء وسياسيين وبرلمانيين ومنصرين، وأقروا مقترح “هنتر” بإحداث اضطراب في العقيدة الإسلامية لإلهاء المسلمين، وجاء في تقريرهم المحفوظ بمكتبة الدائرة الهندية في لندن “إن الأكثرية من أهل البلاد الهندية يتبعون اتباعاً أعمى شيوخ الطريقة الصوفية، الذين هم زعماؤهم الروحيون، فإذا استطعنا أن نوجد لهم شخصاً مستعداً أن يدعي أنه نبي ظلِّي (أي تابع لنبي سابق)، فإن أعداداً كبيرة من الشعب سوف تجتمع حوله؛ لكن من الصعب جداً إقناع شخص من عامة المسلمين بهذه المهمة، فإذا حلَّت هذه القضية فإن نبوءة مثل هذا الشخص يمكن أن تزدهر في ظل رعاية الحكومة”.

ويشير كثير من مؤرخي الهند إلى أن الإنجليز وجدوا ضالتهم في غلام أحمد بعد أن راقبوه جيداً خلال مدة وجوده في مدينة سيالكوت واختلاطه بهم، ويتحدث الباحثون عن الدور الخفي الذي قام به السير البريطاني (اليهودي) بيرسي زخاريا كوكس في توجيه دعوة غلام أحمد والإشراف عليها، حيث كان يشغل منصب مدير المكتب الهندي أي جهاز المخابرات البريطانية في الهند، كما كان له دور بارز في سقوط الخلافة العثمانية فيما بعد.

النشأة والتطور
يمكن تتبع نشأة العقيدة الجديدة وتطورها عبر أربع مراحل مهمة، وهي كما يلي:

المرحلة الأولى: الدعوة إلى الإسلام (من 1880 إلى 1888): أدى فشل الثورة الكبرى عام 1857 إلى اضطراب عقائدي بين المسلمين، فنشطت حركة التنصير وانتشرت موجة إلحادية موازية، وفي المقابل تصدى علماء المسلمين لهذه الحملات بالمناظرات والمجادلات، لكن الغزو الثقافي ساعد كثيراً على ظهور أدعياء الدين ونشاطهم في بث الفتن وادعاء التنبؤات والإلهامات، كما تعاون الهندوس مع المنصرين في جبهة واحدة ضد المسلمين.

وفي وسط هذه البلبلة الفكرية، بدأ غلام أحمد بشق طريقه نحو الشهرة عبر الدفاع عن الإسلام، فوضع كتاب “براهين أحمدية”، وأثار به إعجاب العامة بالرغم مما تضمنه من شبهات وشطحات رفضها بعض العلماء، حيث زعم فيه أنه ملهم من الله، وأنه أفضل أولياء الأمة، لكن الحكومة الإنجليزية بذلت جهوداً كبيرة لترويج الكتاب في طول البلاد وعرضها.

المسجد الأقصى والمنارة البيضاء في قاديان
(Mastermaak/wikipedia)

المرحلة الثانية: دعوى المسيح الموعود (من 1888 إلى 1900): يذكر المؤرخون دوراً بارزاً لشخص يدعى نور الدين في دعم غلام أحمد، حيث كان من أكثر أصدقائه حماساً لنشر أفكاره، كما قام بدور بارز في إقناعه بالظهور في مظهر المسيح بتحريض من الإنجليز، وذلك بعد انتشار الحديث عن إلهاماته ورؤاه الصادقة، فبدأ غلام –الذي أصبح يدعى الميرزا- بنشر فكرة أن المسيح لم يُصلب، وأنه دبرت عملية لتخليصه من القتل ثم سافر ومنع أنصاره من كشف خبره، فوصل إلى كشمير في شمال الهند ليعلم الناس الإنجيل، ثم توفي بعد أن بلغ من العمر 120 سنة، فهو لم يُرفع إلى السماء بجسده بل بروحه. وأضاف الميرزا أن جسد المسيح مدفون في سرنجار قرب كشمير، مع أن القبر الذي ادعى أنه للمسيح كان يُعرف أنه لوليّ يدعى يوسف أساف [دائرة المعارف الإسلامية، 1/ 504- 505].

وأعلن الميرزا أنه أول من اكتشف قبر المسيح، فحلَّت فيه روحه وقوته، وأنه هو بذاته المهدي المنتظر، ثم بنى على ذلك الزعم بأن من حقه التجديد في الدين. وعندما اعترض عليه العلماء بالحديث النبوي الذي يتنبأ بنزول عيسى بن مريم شرقي دمشق؛ قال الميرزا إن دمشق الواردة في الحديث هي بلدة قاديان، ثم بنى منارة بيضاء ليحل إشكالية ذكر المنارة التي ينزل عندها المسيح كما ورد في الحديث، مما أثار ضده موجة من النقد والغضب الإسلامي العارم [القادياني والقاديانية، ص 73- 74].

المرحلة الثالثة: من المسيحية إلى ادعاء النبوة (1901): تابع الميرزا دعوته بنشاط كبير مدعوماً من السلطات الإنجليزية، وبدأ الخواص من أتباعه يلقبونه بالنبي صراحة وينزلونه المنزلة السامية التي خصها القرآن بالأنبياء؛ أما هو فكان يؤول نبوته بكلمات مثل النبي الناقص والجزئي والمحدَّث والظلي؛ تمهيداً للإعلان عن النبوة الكاملة التي أطلقها عام 1901.

وجاء في كتابيه “حقيقة الوحي” و”الأربعين” ما يدل على أنه كان ينوي إعلان نفسه نبياً مستقلاً صاحب شريعة أمر ونهي، بل ادعى أنه أفضل الأنبياء بما فيهم النبي محمد.

المرحلة الرابعة: ادعاء الألوهية (1904): قبل موته بسنوات قليلة، ازداد الميرزا تطرفاً وأعلن أن الله برز فيه وتجلى، وأنه ألهمه بقوله “أنت مني بمنزلة ولدي” [حقيقة الوحي للميرزا، ص 76].

ومن أشهر أقواله في هذه الدعوى قوله “رأيت في المنام أني رب العالمين وأيقنت بألوهيتي، فقلت حينئذ نريد خلق السماء والأرض الجديدتين، فخلقتهما في صورة إجمالية، ثم قلت :إنّا زينا السماء الدنيا بمصابيح”، وشرح الميرزا هذه الرؤيا المزعومة في مؤلفاته وجعلها ذريعة لدعوى الألوهية. 

غلام أحمد مع أحد أبنائه

الأفكار والمعتقدات
1- الألوهية: تجرأ الغلام على الذات الإلهية العلية ونسب إليها صفات بشرية كالخطأ والنوم والتجسيم، ثم رفع نفسه إلى مقام الألوهية مدعيا أنه بروز لله تعالى.

2- النبوة: ادعى القادياني النبوة المستقلة، وهو بذلك يرى أن النبوة لم تختم بالنبي محمد بل هي جارية حسب الضرورة، وعندما واجهه العلماء بالآية {مَا كَانَ مُحَمًّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبيينَ} فسرها على أنها تعني أن النبي محمد هو سيد المرسلين وليس آخرهم، وقال إن كل رسول يأتي من بعده رسول آخر يكون بخاتمه وإقراره، فيحيي شرعه ويجدده.

وادعى أيضا أنه من ذرية الرسول محمد؛ وذهب إلى أنه ينتمي إليه بالنسب الروحي الذي لا يجعله من أبنائه فحسب بل من ذاته أيضاً.

ومع أنه فسر الآية كما رأينا بأن النبي محمد هو سيد المرسلين، إلا أنه ورد في كلامه ما يصرح بتفوقه على النبي، فإذا كانت روحانية النبي قد تجلت في ذلك “العهد القاصر” بصفات إجمالية إلا أنها تجلت في القرن العشرين في شخصه هو بأبهى حللها وأرقى مظاهرها، وطلب من أتباعه أن ينشروا بين الناس قوله: “إن محمداً قد نزل فينا ثانية وهو أعلى شأناً من الأول” [موقف الأمة الإسلامية من القاديانية، ص36].

وبما أن أتباعه يعتبرونه أفضل من جميع الأنبياء، فنجده يتطاول على بعضهم، كما فعل مع المسيح مع أنه بدأ دعواه بأنه حلَّت فيه روحه وقوته، ويبرر غلام أحمد سبب تطاوله عليه، مع أن الإنجليز -وهم الرعاة الحقيقيين لدعوته -يدينون بالنصرانية، قائلاً: “لقد غلا بعض القسوس والمبشرين في كتاباتهم، وجاوزوا حد الاعتدال، وخفت على المسلمين الذين يُعرفون بحماستهم الدينية أن يكون لهم ردُّ فعلٍ عنيف، وأن تثور ثائرتهم على الحكومة الإنجليزية، ورأيت من المصلحة أن أقابل هذا الاعتداء بالاعتداء حتى تهدأ ثورة المسلمين، وكان ذلك”.

غلام أحمد متوسطا أنصاره في قاديان

3- عقيدة التناسخ والحلول: ادعى الميرزا أن الأنبياء كانت تتناسخ أرواحهم، وأن أرواح بعضهم تتقمص أجساد بعضهم الآخر، ومن عباراته التي تدل على ذلك قوله “إن مراتب الوجود دائرة، وقد ولد إبراهيم بعادته وفطرته ومشابهته القلبية، بعد وفاته بنحو ألفي سنة وخمسين في بيت عبد الله بن عبد المطلب، وسمي بمحمد”، وقد مهدت هذه العقيدة لادعائه حلول روح المسيح والنبي محمد في جسده هو [القادياني والقاديانية، ص72].

4- القرآن الكريم: يدَّعي القاديانيون الإيمان بالقرآن الكريم؛ إلا أنهم يعتقدون أن جبريل كان ينزل على غلام أحمد، وأنه كان يوحى إليه، وأن إلهاماته مساوية للقرآن الكريم. ويعتقدون أن لهم كتاباً منزلاً اسمه “الكتاب المبين”.

وقد استغل الميرزا القرآن لاستخراج بعض المعاني التي زعم أنها تنبأت بنبوته، فقال إنه هو المقصود في الآية {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحْمَد}.

5- الحج: قدس الميرزا بلدة قاديان وجعل أرضها حرماً، ثم بالغ في تعظيمها حتى طالب الناس بالحج إليها. ويؤمن أتباعه بأن الحج إلى مكة دون إتمامه بالحج إلى قاديان هو “حجُّ جافٌ خشيب”، ويرون أيضا أن زيارة قبة المسيح الموعود البيضاء في قاديان تعادل في بركتها ما تختص به قبة النبي محمد الخضراء في المدينة المنورة.

6- منزلة أتباع القادياني: رفع الميرزا من مقام أصحابه ليجعلهم بمنزلة صحابة النبي محمد، معتبرا أن الصحابة هم رجال البعثة الأولى وأتباعه رجال البعثة الثانية، ويُنقل عنه أنه أساء في مؤلفاته لبعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب وأبي هريرة [أنوار الخلافة لمحمود بن الغلام، ص96].

7- الموقف من المسلمين: ينظر غلام أحمد إلى المسلمين الذين لا يقبلون دعوته على أنهم كفار، فلا يجوز لقادياني أن يصلي خلف مسلم، كما لا يصلي على الموتى من غير ملته، ولا تتزوج المرأة القاديانية من مسلم. ومن أقواله الميرزا المأثورة في هذا المجال “إن الإنجليز خير ألف مرة من المسلمين الذين هم أعداؤكم”.

8- العلاقة مع الإنجليز: تعد هذه العلاقة جزءاً أصيلاً من عقيدتهم؛ ويدَّعون أن القرآن الكريم أمر بذلك في قوله {وَأَطيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُم}.

ومن أقوال غلام أحمد “إن عقيدتي التي أكررها أن الإسلام جزءان: الجزء الأول إطاعة الله، والجزء الثاني إطاعة الحكومة التي بسطت الأمن وآوتنا في ظلها، وهي الحكومة البريطانية”، وقال أيضا “لما جعلني الله مثيل عيسى بن مريم، جعل لي السلطة البريطانية ربوة أمنٍ وراحةً ومستقراً حسناً، فالحمد لله مأوى المظلومين” [الأعلام بما في الهند من الأعلام، عبد الحي الحسني، 3/ 1317].

حاولت بريطانيا الاستفادة من القاديانيين في العديد من المناطق التي أرادت السيطرة عليها. وعندما سقطت بغداد في يدها عام 1917، عينت أول حاكم على العراق من القاديانيين وهو حبيب الله شاه.

9- إلغاء فريضة الجهاد: بعد ادعائه النبوة، أصدر الميرزا تشريعه الخاص بإلغاء الجهاد، وعلى الأخص جهاد المسلمين ضد الإنجليز، فقال في إحدى مأثوراته “اليوم نُسخ الجهاد بالسيف، فمن حمل السيف على كافر بعد اليوم وسمى نفسه غازياً فقد عصى رسول الله”، وكان تحريم الميرزا للجهاد نهائياً وليس مختصاً بحالات معينة فقط. ويقول المؤرخون المسلمون في الهند إن من أغرب ما فعله القاديانيون أنهم حرموا الجهاد ضد المستعمرين الإنجليز، ثم أباحوه بالاشتراك معهم ضد الثوار المسلمين [موقف الأمة الإسلامية من القاديانية، ص28].

 

أبرز الشخصيات القاديانية
يتهم خصوم القاديانية مؤسسيها بأنهم ما كانوا لينجحوا في دعوتهم لولا الدعم العلني من الحكومة البريطانية والدعم الخفي من المنظمات الصهيونية، حيث رصد عدة باحثين وجود شخصيات يهودية إلى جانب الميرزا وأعوانه في مراحل عدة منهم بيرسي كوكس الذي سبق الإشارة إليه. ومن أهم الشخصيات التي حملت على عاتقها مسؤولية نشر دعوته:

الحكيم نور الدين

الحكيم نور الدين البهيروي: هو الشخصية التي تلي الميرزا في الأهمية، وهو المؤلف الحقيقي -كما يقول باحثون- لكل ما نُسب إلى غلام أحمد من الكتب والرسائل، وصاحب الفكرة الأساسية في الحركة القاديانية. وتدل قصة حياته على أنه كان ثائر الفكر عقلي النزعة، ويتمتع بطموح عال وثقة بالنفس، لذا يرى كثير من الباحثين أنه استغل غلام أحمد لتحقيق طموحه للشهرة والنفوذ، فما إن وضع غلام كتابه “براهين أحمدية” حتى ألف الحكيم كتاباً أسماه “تصديق براهين أحمدية”، ثم سارع إلى مبايعة الميرزا والدعوة لمبايعته.

وبعد موت غلام أحمد ادعى الحكيم أنه نائب المسيح الموعود، وتبنته الحكومة البريطانية فوضعت تاج الخلافة على رأسه، ثم سمّى نفسه مثيل أبي بكر الصديق وحظي بمبايعة القاديانيين.

محمد علي: هو أمير القاديانية اللاهورية، درس دراسة عصرية عالية ويقال إن الإنجليز حرضوه على خدمة الميرزا بعد إعلان نبوته، فكان دوره مكرساً لنشر دعوته بين المتعلمين، حيث أشرف على مجلة شهرية تحمل اسم “نشرة الأديان”، كما أوكلت إليه مهمة ترجمة معاني القرآن وفق الرؤية القاديانية إلى اللغة الإنجليزية.

بشير الدين محمود أحمد

بشير الدين محمود أحمد: بعد موت نور الدين عام 1914، ظهر ابن الغلام وسمَّى نفسه خليفة على العالم أجمع، وليس على أتباع القاديانية فحسب. وادعى أن الغلام هو لقمان الحكيم المذكور في القرآن وأنه هو ابنه الذي سيسير على خطاه، وقد احتفظ بسنة والده من حيث الولاء للإنجليز.

اتهمه خصومه بارتكاب جرائم عدة، ومنها قتل العديد من مخالفيه. وبعد تقسيم الهند وظهور دولة الباكستان استقر في الأخيرة؛ وأسس هناك مركزاً جديداً سمّاه “ربوة”، ثم أمر أتباعه بالهجرة إليه لتصبح موطناً خاصاً بهم، زاعما أنها هجرة {إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ ومَعِينٍ} [المؤمنون: 50].

زار بشير الدين فلسطين سنة 1924 بعد صدور وعد بلفور، وأقام فيها تحت رعاية الحكومة البريطانية التي أسست له معبداً لطائفته في قرية الكبابير على جبل الكرمل بمنطقة حيفا سنة 1934، فسمى المعبد بمسجد “سيدنا محمود”، وأطلق من هناك مجلة “البشارة” التي لا زالت تصدر إلى الآن باللغة العربية تحت اسم “البشرى”.

خوجه كمال الدين: كان من أهم أعوان محمد علي، كما ادعى بعد موت الميرزا أنه مجدد مثله. جمع مبالغ مالية ضخمة من المؤسسات القاديانية في أوربا، واشترى لنفسه قصراً فخماً في بريطانيا. ويقال إنه كان يحاول استقطاب المسلمين الجدد في أوربا وادعاء أنه سبب إسلامهم، لكن الكثير منهم رفضوا الانتساب إليه وإلى مذهبه، وأعلنوا عدم وجود أي علاقة لهم به.

ظفر الله خان: وزير خارجية باكستان عند تأسيس الدولة عام 1947، ويقول خصومه إن الإنجليز والهندوس أصروا على تعيينه في هذا المنصب، وإنه حرص على تعيين 50% من موظفي وزارته من القاديانيين، كما أصبحت السفارات الباكستانية في عهده مراكز دعاية للقاديانية، فكانت المطبوعات القاديانية تطبع على حساب الوزارة وتُعرض في السفارات على أنها وثائق علمية أو أثرية.

اقترن اسمه بالدفاع عن القضية الفلسطينية، حيث ألقى كلمة في هيئة الأمم مثلت وجهة نظر حكومته المتعاطفة مع الفلسطينيين؛ لكن خصومه رأوا في هذه الكلمة مجرد وسيلة لكسب قلوب العرب تمهيداً لنشر القاديانية في بلادهم.

انتفض آلاف المسلمين في باكستان ضده وخرجوا عام 1953 بمظاهرات تطالب بعزله وبإخراج القاديانيين من وزارة الخارجية.

الميرزا مسرور أحمد

الميرزا مسرور أحمد: هو الزعيم الحالي للطائفة والخليفة الخامس لغلام أحمد، أعلن عام 2003 توليه للمنصب بناء على تأويل فقهاء الطائفة لإحدى إلهامات غلام أحمد التي تقول إن الله أوحى له بعبارة “إني معك يا مسرور”، ويقولون إن غلام لم يفهم وقتها محتوى الإلهام -مع أنه نبي مرسل حسب زعمهم- وإنهم أدركوا أخيراً أن حفيده الخامس هو المقصود.

يتخذ الميرزا مسرور من بريطانيا مركزاً له ولحركته، وهو يخطب الجمعة في مسجد بيت الفتوح بلندن الذي يعد من أكبر المساجد في أوربا.

مسجد بيت الفتوح في لندن يتسع لحوالي 10 آلاف مصل

القاديانية اللاهورية (الأحمدية)
بعد موت الخليفة الأول (البهيروي) عام 1914 بدأ الشقاق بين الأتباع، فأسس بشير الدين محمود “شعبة ربوة” معتبرا نفسه الخليفة الثاني، بينما انشق محمد علي وانتقل إلى لاهور (في باكستان الآن) مؤسسا جماعة جديدة سميت “شعبة لاهور”، وأعلن أن دعوة غلام أحمد لم تكن دعوة نبوة؛ بل هو مجدد هذه الملة والمسيح الموعود.

واختلف الباحثون في شأن الطائفة اللاهورية على رأيين، الأول -وأصحابه قلة- رأى أنها تعتقد أن الميرزا لم يدَّعِ النبوة وأنها أوّلت كل أقواله التي تُصرح بذلك وعدّتها على سبيل المجاز.

أما الرأي الثاني فيرى أن اللاهورية لم تخالف القاديانية في العقيدة والفكر، بل الفرقتان متطابقتان في الباطن، وأنها لم تظهر إلا بعد إيعاز الإنجليز لمحمد علي المعروف بولائه لهم؛  لتجنب المواجهة مع المسلمين وعلمائهم الناشطين في مواجهة القاديانية فاقتضت المصلحة إنكار محمد علي وفرقته لنبوة الغلام والاكتفاء بأنه مجدد ومصلح لاستدراج الرافضين للقاديانية إليها، والدليل ما نشرته جريدة “بيغام صلح” التابعة للجماعة في العدد الصادر بتاريخ 7 سبتمبر 1913، حيث قالت: “نحن الخُدَّام الأولون لحضرة المسيح الموعود، ونحن نؤمن أن حضرته رسول الله الصادق، وأرسل لإرشاد أهل هذا الزمان وهدايتهم، كما نؤمن أنه لا نجاة إلا في متابعته”.

وإذا صدَّقوا دعواه بالتجديد والإصلاح لزمهم تصديقه في كل ما ادعاه، وقد ادعى المهدية ثم كونه المسيح الموعود ثم النبوة وصولاً إلى دعوى الألوهية، وتأويل أقواله وجعلها من قبيل المجازات ليس سوى مناورة، وقد جاء في عدد آخر من جريدة “بيغام صلح” بتاريخ 17 أبريل 1934 ما يكشف وجه التطابق بين اللاهورية والأصل الذي نشأت عنه، حيث يقول أحد الكتّاب: “يا ليت القاديانية كانت تُظهر غلام أحمد بصورة غير النبي… ولو فعلوا هذا لكانت القاديانية دخلت في أنحاء العالم كله”.

وأتيح لهذه الفرقة التغلغل في كثير من البلدان في آسيا وأفريقيا بفضل مسلكها في الدعوة لعقيدتها، كما قام محمد علي بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية وتفسيره تفسيراً مخالفاً لما تعارف عليه أئمة هذا العلم من قواعد، فقد فسره بمعانٍ باطنية تركز على إنكار  الإيمان بالغيب والقدرة الإلهية ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: {أني أخلقُ لكم من الطين كهيئةِ الطير فأنفخُ فيه فيكونُ طيراً بإذن الله} فقال: إن المراد بالطير هنا استعارة، والمقصود رجالٌ يستطيعون أن يرتفعوا عن الأرض ويطيروا إلى الله ويحلقوا في عالم الروح.

الجامعة الأحمدية في مدينة ربوة الباكستانية

الانتشار ومواقع النفوذ

حي الكبابير في حيفا حيث تتمركز الطائفة الأحمدية ومسجدها

تكثر القاديانية في إقليم البنجاب الذي يمتد على مساحات واسعة في الهند وباكستان، وتنتشر في أماكن عدة من العالم، وبشكل أساسي في بريطانيا التي تعتبر الراعي الرئيسي لهذه الفرقة، وفي إسبانيا والسويد وكندا، كما أن لهم وجوداً قوياً يتمثل في دعاة ومراكز في شتى أقطار الأرض، لاسيما بعض البلدان الأفريقية التي تشهد نشاطاً ملحوظاً من دعاة القاديانية التي تستغل ظروف شعوبها، إضافة إلى أمريكا وتركيا، والبلدان التي كانت تحت السيطرة البريطانية.

ولعل مركزهم في فلسطين هو الأهم في المنطقة العربية، حيث تحتضنهم الحكومة الإسرائيلية في مدينة حيفا خاصة، فأقامت لهم معبداً وداراً للدعوة، ومكتبة عامة ومدرسة، وتصدر لهم هناك مجلة شهرية باللغة العربية اسمها “البشرى” أو “البشارة”، يحاولون توزيعها في البلاد العربية، ولا سيما في كمصر وسورية والأردن.

ويوجدون أيضاً في أفغانستان وإيران، وقد ساعدتهم الظروف التي تمر بها تلك البلدان على الدعوة لفرقتهم والظهور والترويج له بشكل غير مسبوق.

مسجد الفضل هو أول مساجد القاديانية في أوروبا والذي افتتحه الخليفة بشير الدين عام 1924

ويقول الأحمديون إن عددهم في باكستان وحدها يتراوح بين مليونين وخمسة ملايين شخص، وهم في ازدياد بفضل الدعم المادي والمعنوي الذي توفره لها بريطانيا وإسرائيل بشكل خاص، ولسان حالهم مجلة شهرية تصدر في قاديان باللغة الإنجليزية بانتظام منذ عام 1902، وهي “Review of Religions”.

ومن أنشطتهم الإعلامية أيضاً إصدار مجلة شهرية بعنوان “التقوى”، ومركزها في بريطانيا، كما يمتلكون شبكة قنوات فضائية تلفزيونية بلغات عدة، وشبكة مواقع على شبكة الإنترنت.

ويحرص القاديانيون أشد الحرص على التأكيد على كونهم جماعة من المسلمين، والظهور في مظهر المتصدي للرد على القساوسة والمبشرين والترويج لـبطولاتهم مع خصومهم للدفاع عن الإسلام، ولا ننسى أن هذه السياسية ليست جديدة على القاديانية، فقد سنها لهم غلام أحمد مع نشأة دعوته، وما كان جذبه لأتباعه في البداية إلا لظهوره في مظهر البطل المدافع عن الإسلام في وجه غارات المنصرين في الهند، وقد حرص القاديانيون على نسبة أحد أشهر الشخصيات الإسلامية في هذا المجال إليهم، وهو الشيخ أحمد ديدات الذي أعلن في إحدى محاضراته التي كان يلقيها على جمهور كبير من الحضور رأيه فيهم وتبرؤه منهم.

ومن أبرز الداعمين للقاديانية والمدافعين عنها جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الراحل، فالقاديانية أعطت للهند –كما نُقل عنه- مكانة واستقلالية وساهمت في قطع صلتها بالعالم الإسلامي.

 شاهد الفيديو: الشيخ أحمد ديدات يجيب على سؤال حول القاديانية

 

موقف علماء الإسلام من القاديانية والأحمدية
اتخذ علماء الهند المسلمون موقفاً واضحاً من القاديانية منذ ظهورها، فأعلنوا خروج مؤسسها عن الإسلام، إلا أن الاحتلال البريطاني لم يكترث لتصريحاتهم وأصر على اعتبار القاديانية طائفة من الطوائف الإسلامية، مما أدى للكثير من الخلافات والصراع بين المسلمين وشتت صفهم في مواجهة الاحتلال.

وهناك الكثير من العلماء الذين ساهموا في مناهضة القاديانية والتوعية من خطورتها، لاسيما بالنسبة للعرب الذين لم يطلعوا على حقيقتها تماماً، لكون معظم مؤلفات القاديانية مدونة باللغة الأوردية والفارسية، كما أن ما كتبه الغلام بالعربية اتصف بالحذر الشديد، وحاول فيه إخفاء الكثير من دعاويه وتجاوزاته ليسهل ترويج دعوته بين العرب.

ومن هؤلاء الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، والشيخ أبو الأعلى المودودي  والشيخ إحسان إلهي ظهير، الذين اعتمد كثيرٌ من الباحثين على مؤلفاتهم، وقد حرصوا على كتابتها أصلاً لتوعية المسلمين العرب من القاديانية لكونهم من أهل البلاد التي انطلقت منها.

ويقرر علماء الإسلام المعاصرون أن القاديانية خارجة عن الإسلام، وأن اللاهورية (الأحمدية) لا تختلف عن الأصل الذي تفرعت عنه، ومن أهم الفتاوى التي صدرت في هذا الشأن:

1- فتوى علماء جميع الفرق الإسلامية في شبه القارة الهندية في رجب من عام 1336هـ، والقاضية بخروج القاديانية عن الإسلام.

2- قرار رابطة العالم الإسلامي، الصادر عن مؤتمر عقد بمكة المكرمة في ربيع الأول 1394هـ الموافق لشهر إبريل 1974م، والذي حضره ممثلون لمنظمات إسلامية من أنحاء العالم، وجاء فيه: “القاديانية نحلة هدامة تتخذ من اسم الإسلام شعاراً لستر أغراضها الخبيثة، وأبرز مخالفاتها للإسلام: ادعاء زعيمها النبوة، وتحريف النصوص القرآنية، وإبطالهم للجهاد. إن القاديانية ربيبة بريطانيا، ولا تظهر إلا في ظل حمايتها وتخون قضايا الأمة الإسلامية، وتقف موالية للاستعمار والصهيونية، وتتعاون مع القوى المناهضة للإسلام، وتتخذ هذه القوى واجهة لتحطيم العقيدة الإسلامية وتحريفها”.

3- قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وجاء فيه: “أما اللاهورية، فإنهم كالقاديانية في الحكم عليهم بالردة، بالرغم من وصفهم ميرزا غلام أحمد بأنه ظلٌّ وبروز لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم”.


أهم المراجع
أبو الحسن علي الحسني الندوي وإحسان إلهي ظهير، القادياني والقاديانية، دار ابن كثير، دمشق، 2000.

مصباح الدين زاهدي، القاديانية وخطرها على الإسلام، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1991.

مفتي محمود، المتنبئ القادياني، ركن مجلس تحفظ ختم نبوت، باكستان، 1973.

محمد الخضر حسين، القاديانية والبهائية، المطبعة التعاونية، 1975.

أبو الأعلى المودودي، ما هي القاديانية، دار القلم، الكويت، 1982.

طائفة من علماء الباكستان، موقف الأمة الإسلامية من القاديانية، دار قتيبة، بيروت، 1991.

ميرزا بشير الدين محمود أحمد، دعوة الأحمدية وغرضها، لجنة الإشاعة والنشر الأحمدية، دمشق.

منير الإدلبي، النبأ العظيم، دمشق، 2000.

المسيحية (النصرانية)

ربى الحسني


يقال إن النصرانية صفة لأتباع عيسى بن مريم عليه السلام الذين آمنوا به من بني إسرائيل، لمناصرتهم له وتناصرهم فيما بينهم، حيث ذكرهم القرآن الكريم بقوله: {قال الحواريون نحن أنصار الله} [الصف: 14]، أو هي صفة مقتبسة من بلدة الناصرة في فلسطين التي ولد فيها عيسى. وفي مرحلة لاحقة أُطلق على هذه الديانة اسم المسيحية نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم، وقد اختُلف في سبب تسميته بالمسيح، فقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ وشُفي، أو لأنه مسح الأرض بالسياحة والسفر، أو هي كناية عن تعظيمه في العُرف الإسرائيلي الذي يقتضي مسح رأس الملك بالزيت المقدس وتسميته “ماشيَّح” أي الممسوح بالزيت، فيكون عيسى بذلك ممسوحا بالزيت من قبل الرب.

ويعتقد المسيحيون أو النصارى اليوم أن ديانتهم هي التي جاء بها المسيح (يسوع) بصفته أحد أقانيم الإله الثلاثة، بينما يكذبها اليهود، في حين يؤمن المسلمون بأن الأصل الذي جاء به عيسى هو الرسالة الإلهية المكملة لرسالة موسى عليهما السلام، والمُتمِّمة لما جاء في التوراة من تعاليم، وأنها موجهة إلى بني إسرائيل لدعوتهم إلى التهذيب الوجداني والنفسي وإلى أصول العقائد التي جاء بها الأنبياء والرسل جميعاً، لكنها خضعت لسلسة من التغيرات والتطورات التي حرفتها عن مسارها الأصلي وجعلتها ديناً مستقلاً ومختلفاً.

 

تاريخ بني إسرائيل قبل المسيح
فصّلنا في مقال “اليهودية” تاريخ بني إسرائيل الذي بدأ بخروج والدهم الأول يعقوب عليه السلام إلى مصر، وما تلا ذلك من أحداث تاريخية وتبعات عقائدية مروراً بعودتهم مع النبي موسى إلى فلسطين، ثم انقسام إرث داوود وسليمان إلى مملكتين متناحرتين، وظهور سلسلة من الأنبياء والقضاة والمصلحين والمحرّفين.

ولعل أكثر الأحداث تأثيرا في عقيدة بني إسرائيل خلال تاريخهم هو الهجوم الذي شنه الملك البابلي نبوخذ نصّر (بختنصر) على بيت المقدس (أورشليم) عام 586 ق.م، حيث دمرها وأخذ من بقي فيها من اليهود عبيداً إلى بابل، فخلال هذا السبي تبلورت لدى اليهود المفاهيم الاستعلائية والنظرة العنصرية تجاه شعوب الأرض، وبدأ خلالها ظهور الكتب اليهودية المقدسة على النحو المعروف اليوم.

رسم تخيلي لتدمير القدس على يد البابليين

خضعت أرض فلسطين لاحقا لحكم الفرس الذين أنهوا السبي البابلي وسمحوا لليهود بالعودة إليها سنة 538 ق.م، ثم انتهت سيطرتهم عليها سنة 332 ق.م عندما استولى عليها الإسكندر المقدوني، وبعد وفاته حكمها البطالسة ثم السلوقيون حتى سنة 63 ق.م عندما تدخلت روما نتيجة نزاعات داخلية وخارجية فيها فسيطرت عليها وأصبحت ولاية رومانية.

اختلفت حال اليهود السياسية باختلاف الحاكم، ففي بداية حكم السلوقيين حازوا الكثير من الامتيازات والحرية الدينية لممارسة شعائرهم وتحملت السلطة الحاكمة جميع نفقات معابدهم وألغت الضرائب، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فعندما تولى أنتيوخس الرابع الحكم اتخذ ضدهم نهجاً قاسياً وألغى الامتيازات وباع الرئاسة الدينية لمن يدفع منهم أكثر، وعمد إلى نشر الثقافة اليونانية وإحلال قوانينها محل التشريعات اليهودية، فقامت ضده “ثورة المكابيين” بقيادةعائلة متاتيا اليهودية، التي حمل أفرادها المطارق أثناء ثورتهم، فكلمة مكابي تعني المطرقة. وقد انتصروا في البداية وفرضوا سيطرتهم واستعادوا المعبد وأعادوا افتتاحه، وسموا ذلك اليوم عيد حَنوكا.

وسرعان ما دخل الإسرائيليون في حروب خارجية مع جيرانهم، وفي نزاعات داخلية مع خصومهم الفريسيين الذين اعتبروا أحد أفراد العائلة غير صالح للحكم لكون أمه غير يهودية، واستمرت القلائل إلى أن تدخلت روما وفرضت سيطرتها، وتركت حكم فلسطين لعائلة المكابيين اسمياً، بينما كان الحكم الفعلي لمن تنصبه نائباً عليهم من طرفها. ومن أشهر هؤلاء النواب: هيرودس الكبير، وابنه هيرودس أنتيباس، وقد قضى الاثنان على ما بقي من أسرة المكابيين. وفي أواخر عهد هيرودس الكبير ولد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

رسم تخيلي للمسيح وهو يجادل الفريسيين بريشة غوستاف دوريه

تنوعت الفرق اليهودية التي عاصرت مولد المسيح، وأبرزها: السامريون والأسينيون والحسيديم، إلا أن الأثر الأبرز في المجتمع اليهودي كان للفريسيين والصدوقيين، فقد ظهرت طائفة الفريسيين في أواخر عهد المكابيين ووصلت أوج قوتها في زمن المسيح، وعانى منها المسيح ووصفها بأقبح الأوصاف، وكان سبب ظهورها في بداية الأمر هو المحافظة على العقائد اليهودية من التأثير اليوناني الجارف، واشتهر أفرادها بالتمسك بحرفية النصوص والاهتمام بالمظهر الديني على حساب فساد باطنهم الشديد، فاشتهروا بوضع الحيل للتملص من قوانين الشريعة التي كانوا يتظاهرون بالتقيد بها، وكانوا يقدمون أيضاً فتاوى التخلص من قوانينها لمن يرشيهم، كما كانوا على عداء شديد مع الصدوقيين الذين ظهروا أوائل القرن الثاني قبل الميلاد وشكلوا طبقة أرستقراطية واسعة الثراء وشديدة التأثر بالثقافة اليونانية، وكانوا ينكرون البعث والجزاء والملائكة والجن ويرون أن جزاء الإنسان يتمُّ في الدنيا، ويسعون إلى استمالة السلطات الحاكمة مهما كانت ويقيمون معها علاقات ودية، وقد تأثروا بفلسفة أبيقور صاحب مذهب اللذة الذي يقول: إن اللذة هي أسمى أهداف الحياة، لكنهم لم يقصروا اللذة على الجانب الحسي منها بل هي تشمل عندهم الحياة الاجتماعية والعقلية، وأدى ذلك إلى شن الحملات عليهم من الفريسيين، وعندما جاء المسيح كان الصدوقيون طائفة محدودة ولم يهاجمهم المسيح كما هاجم الفريسيين لشدة فسادهم، ومع ذلك اتفقت الفرقتان على كرهه وعداوته والتآمر لقتله.

وسنعرض فيما يلي طائفة من أشكال الفساد والتحايل على الشريعة التي انتشرت بين اليهود -لاسيما الفريسيين منهم- قبيل عصر المسيح وزمن بعثته:

1- كانت الشريعة تحرم على اليهود حمل أي شيء خارج البيت يوم السبت، فكانوا يحتالون على ذلك بوضع أبواب ونوافذ في شوارع المدينة فتصير المدينة بزعمهم بيتاً واحداً، وكان يحرم عليهم السير في ذلك اليوم أكثر من ألف ياردة، فكان اليهودي يمشي إلى شجرة معينة ويصل إليها ثم يبدأ من هذه الشجرة المسير إلى شجرة أخرى وفي كل مرة يقول سأبدأ رحلتي من هذه الشجرة وبذلك قد تصل رحلته إلى آلاف الياردات أو أكثر.

2- كانت الشريعة تفرض على الابن أن يعول والديه في حالة الشيخوخة أو الفقر فكان الابن يتحايل على ذلك بأن يقدم ممتلكاته إلى إدارة المعبد لمدة ما شريطة أن يستردها عند طلبه مقابل جزء من المال يذهب إلى جيوب الكهنة، ويصبح الابن حينئذ فقيراً لا يمكنه إعطاء والديه شيئاً، فإذا أقام الوالدان دعوى أمام القاضي يثبت الابن أنه قدّم أمواله قرباناً للمعبد وتسقط القضية ثم يسترد أمواله من الكهنة.

3- مع أن الزنا محرم في الشريعة اليهودية ضمن الوصايا العشر إلا أن اليهود أحلّوه إذا حدث في الخفاء ولم يعلم به أحد، وبذلك انتشر بينهم انتشاراً كبيراً، فمن السهل ارتكاب هذا الفعل بعيداً عن الأعين.

4- فرض الأحبار على اليهود تقديم القرابين والنذور رجاء الحصول على الغفران، ومنها أمرهم للناس بذبح الحمام يوميا وتقديمه للمعبد، فتحول المعبد إلى سوق لبيع الحمام نفسه كي تذهب الأرباح إلى جيوبهم واللحوم إلى بيوتهم، كما ربط الأحبار والكهنة حصول الناس على الغفران برضاهم ودعائهم لهم.

5- ساءت الأحوال الاقتصادية بشكل كبير بسبب الضرائب الكثيرة التي كان الأحبار يفرضونها على الناس، كما أدى تعاملهم بالرِّبا إلى إرهاق الناس وزيادة معاناتهم وضيقهم.

وهكذا فسدت العقيدة والأخلاق، وفسدت معهما الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث غلبت على بني إسرائيل في تلك الفترة النزعة المادية على حساب الروح، وذلك بالرغم من ادعائهم أنهم شعب الله المختار وأحباؤه وأنهم وحدهم يمثلون الصلة بينه وبين الناس، أما غيرهم من البشر فهم دونهم في المنزلة حتى إن اعتنقوا اليهودية. ولذلك ركزت دعوة المسيح على محاربة المادية والعنصرية عند اليهود، ولقي في سبيل ذلك العنت والمشقة إلى درجة التحريض على قتله والشروع بذلك.

 

أصل المسيح ومولده
كان عمران جد المسيح أحد عظماء بني إسرائيل، وكانت زوجته عاقراً لا تلد فنذرت لله تعالى إن حملت لتجعلن ولدها محرراً، أي خالصاً لخدمة بيت الله والقيام بشؤونه، وكان نذرها على فرض الذكورة، فلما وضعتها أنثى جددت العزم على الوفاء بنذرها ولو كانت أنثى، وأودعتها مسجد الأنبياء في القدس (المسجد الأقصى) وسمتها مريم أي خادمة الرب، وكان أبوها عمران قد توفي وهي في بطن أمها فكفلها زكريا عليه السلام نبي ذلك الزمان، وكان زوج خالتها وقيل زوج أختها. فنشأت تحت رعايته مطهَّرة بعيدة عن المعاصي والآثام، وكان الله يدرُّ عليها الرزق من غير جهد ولا عنت، حتى أثار ذلك تعجب كافلها، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الأمر بقوله: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37].

وعندما علم زكريا بحالها رغب في الولد الصالح بالرغم من تقدم سنّه وكون امرأته عاقراً أيضاً، فاستجاب الله دعاءه ووهبه يحيى عليه السلام.

وكان لنشأة مريم الصالحة حكمة بالغة، فاصطفاها الله وجعلها أماً لمن يولد من غير نطفةٍ آدمية، ليكون آية على قدرة الله وتعاليه عن الالتزام بالأسباب، فهو خالقها والقادر على خرقها متى يشاء. وقد خصص القرآن الكريم سورة باسمها (سورة مريم) وسورة باسم عائلتها (سورة آل عمران) كرامةً لهم ورفعاً لشأنهم، وذبَّ فيهما عما يمكن أن يتقوَّله البشر عليها في شأن حملها بعيسى عليه السلام من غير زواج.

وقد فوجئت السيدة مريم بأمر الحمل عندما جاءها جبريل عليه السلام في معتكفها بعيدة عن أهلها بهيئة البشر، وبشرها بمولودها ونفخ فيها من روح الله فشعرت بالحمل، ولم يرد نص صحيح يبين مدة الحمل لكن كثيرا من علماء المسلمين رجحوا أنها المدة الشائعة بين الناس (تسعة أشهر). ولما ولدته خرجت به على قومها ففوجئوا به، حتى اتهمها البعض بالزنا، لكن الله جعل دليل براءتها من دليل الاتهام نفسه، فأنطق الغلام في المهد معلناً براءة أمه وأنه عبد لله ولد من غير أب.

رسم تخيلي لولادة المسيح بريشة جيرارد فان هونتورست عام 1622

سمي الغلام عيسى، وهو معرب من الاسم العبري يشوع المركب من كلمتين “يهوه شوع” أي “الله يخلص” أو اختصارا “المخلص”، وأما صفة المسيح (بالعبرية ماشيَّح أو مسيّا) فتطلق في العهد القديم على كل من الكاهن والملك والنبي لأنهم كانوا يُمسحون بالزيت المخلوط بالعطر كدلالة على تكريسهم لخدمة الرب وشعبه.

وقصة ولادته في الأناجيل المتداولة اليوم تأتي مختصرة، فمريم ولدت الغلام بعد أن زارها ملاك الرب ونفخ فيها، وكانت آنذاك مخطوبة ليوسف النجار، ثم تزوجها دون أن يمسها إلى أن تلد، ولذلك لم يتهمها أحد بالزنا لأنها متزوجة ظاهرياً، ولم تدوّن الأناجيل معجزة كلام عيسى في المهد.

ولم يذكر في المصادر الإسلامية شيء يتعلق بنشأة عيسى عليه السلام وما يتعلق بإرهاصات نبوته، وأغلب الظن أنه قد ظهر منه ما يدل على روحانيته وسط قومٍ سيطرت عليهم النزعة المادية، وتربى على ما كان يتربى عليه أمثاله الذين ينشؤون على التقى والمعرفة في بني إسرائيل، لا سيما وأنه من أسرة جمعت بين الصلاح والنبوة.

وقد ركزت الآيات القرآنية على الحكمة في ولادته المعجزة من غير أب، فجاء فيها: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 21]، حيث دلت هذه الآية على أمرين مهمين، الأول أن ولادته من غير أب تعلن عدم تقيد قدرة الله بقانون الأسباب والمسببات، وذلك في وسط قوم غلبت عليهم النزعة المادية. والثاني: أن ولادته إعلاء لعالم الروح بين قوم أنكروها، حيث جعل كتبة التوراة الإنسان جسماً عضوياً لا روح فيه، وفسروا النفس بأنها الدم عندما قالوا “لا تأكلوا دم جسمٍ ما لأن نفس كل جسد هي دمه”.

حاول مفكرون ومؤرخون علمانيون في القرن الثامن عشر الخروج بأدلة تنفي وجود المسيح وتعتبره مجرد أسطورة، وذلك في ذروة الثورة الثقافية ضد الكنيسة في أوروبا [انظر مقال العلمانية]، وربما كانت أولى هذه المحاولات قد ظهرت على يد فليني عام 1791 في كتابه “خرائب الإمبراطورية”، ثم سار على نهجه عشرات المفكرين ولا سيما في هولندا وألمانيا. وخلال الحكم الشيوعي لروسيا وشرق أوروبا كانت المدارس تزرع في عقول الأطفال فكرة أسطورية المسيح، استنادًا إلى اعتقاد كارل ماركس بأن المسيح لم يكن سوى تجسيد لحلم البشر بتقديس أنفسهم في هيئة إنسان يُعبد. لكن هذه الأفكار لم تصمد أمام عشرات المكتشفات الأثرية والمخطوطات التي تعود إلى عصر المسيحيين الأوائل، ولا يكاد يشكك في وجود المسيح أحد من الباحثين الجادين اليوم.

لوحة تخيلية لتعميد المسيح على يد يوحنا (النبي يحيى) بريشة أندريا مانتغنا

دعوة المسيح وموقف اليهود منها
يرجح المؤرخون أن بعثة عيسى عليه السلام بدأت في سن الثلاثين، وهو السن المذكور في الأناجيل، وتقول المصادر المسيحية إن البداية كانت بالتعميد على يد يوحنا المعمدان (النبي يحيى بن زكريا لدى المسلمين)، حيث خرج يسوع من الجليل إلى يوحنا عند نهر الأردن، فعمّده بالغطس في ماء النهر، وعندئذ حلّ عليه الروح القدس على هيئة طائر الحمام، وسمع صوت من السماء يعلن “هذا ابني الحبيب الذي به سُررت تأييدًا لرسالته”.

يتطلب التعميد الغطس في المياه الجارية بعد التوبة، وهو يرمز لولادة ثانية يكون فيها الإنسان أقرب إلى الله، وقد كانت هذه العادة منتشرة في بعض المجتمعات اليهودية مثل الأسينيين.

ووفقا للمصادر المسيحية، انتقل يسوع بعد تعميده إلى البريّة للاعتكاف والصوم أربعين يومًا وليلة كما فعل موسى، وفي ختام تلك الأيام جاءه إبليس ليختبره ثلاث مرات ويثنيه عن دعوته، لكن المسيح كان يبكّته ويرد عليه بثلاث آيات من سفر التثنية. وبذلك انتصر الإنسان (المتمثل بالمسيح) على الشيطان بعد أن انتصر الشيطان على الإنسان المتمثل بآدم وحواء، وانطلق بذلك المسيح ليعلن الدعوة ويجمع الأتباع من حوله.

وأنزل الله على عيسى كتاباً اسمه الإنجيل مصدقاً للتوراة التي جاء بها موسى، فدعا إلى إصلاح العقيدة التي انحرفت وهجر الملاذ الدنيوية التي استغرقت نفوسهم في ذلك الزمان، وبشَّر بعالم الآخرة والثواب والعقاب التي أنكرها فريق منهم.

وأيده الله بمعجزات عدة، وقد ذكرت الأناجيل المعتمدة اليوم الكثير منها دون أن تحصيها لكثرتها، ومنها إحياء الموتى وشفاء المرضى والمشي على الماء والتنبؤ بالأحداث المستقبلية وتكثير الطعام القليل بحيث يكفي الألوف من الناس (إنجيل متّى)، ويرى الأساقفة أن المسيح فعل ذلك بقدرته من حيث كونه إلهاً، أما غيره من الأنبياء والرسل فيفعلونها بقدرة الله لا بقدرتهم.

وفي القرآن الكريم جاء ذكر تلك المعجزات مع معجزات أخرى، وهي تصويره من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وإحياؤه الموتى بإذن الله، وإبراؤه الأكمه (الذي ولد فاقداً للبصر) والأبرص، وإنباؤه بأمور غائبة عن حسِّه لم يعاينها، كما أنزل الله عليه مائدة من السماء بطلب من الحواريين (تلاميذه المقربين) لتطمئن قلوبهم. وذلك فضلا عن معجزة مولده وتكلمه في المهد، بينما لم يرد في الأناجيل المعتمدة معجزة الكلام في المهد ولا المائدة ولا خلق الطير من الطين ولا إنباء التلاميذ.

ويرى باحثون أن إتيانه بهذا النوع من المعجزات ينطوي على حكمة مفادها أنه أرسل في زمن الفلاسفة الطبيعيين وشيوع المادية، حيث ذكر الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي رينان أن اليهود آنذاك لم يكونوا على علم بالطب الطبيعي، فالتعليل الأنسب لكون معجزات المسيح على هذا النحو هو مناسبتها لأهل زمانه، لا لكونهم أطباء بل لنزعتهم الطبيعية المادية.

مقام النبي يحيى في الجامع الأموي بدمشق (James Gordon)

وقبيل بدء المسيح بدعوته تجرأ اليهود على قتل النبي يحيى الذي تصدى لفسادهم دون خوف من سطوة الحاكم، فنُقل إليه أن الملك هيرودس وقع في حب هيروديا ابنة أخيه وأنه ينوي الزواج بها وهي متزوجة، وفي رواية أنه تزوجها فعلاً وزوجها حي، فأعلن يحيى أن هذا مخالف للتوراة وأنه زواج باطل، وعندما وجدوا أنه سيكون عقبةً في سبيل هذا الزواج تآمرت أم الفتاة مع ابنتها على إغواء الملك حتى يسهل عليها أن تطلب منه رأس يحيى، فما كان منه إلا أن حقق لها ما أرادت وأحضر رأس النبي يحيى عليه السلام أمامها، ويقال إنهم قتلوا النبي زكريا أيضاً، فندد بهم المسيح وبجرأتهم على أنبياء الله وتماديهم في غيهم وبدأ دعوته.

تلقى اليهود دعوة المسيح بالرفض الشديد وكانوا أول المحاربين له ولم يؤمن به إلا القليل منهم، وهم الفقراء والمستضعفون، خاصة وأن أحبار اليهود كانوا قد جعلوا من المسيح الذي بشّر به موسى مسيحاً سياسياً يبسط سلطان بني إسرائيل على العالم أجمع، إلا أن دعوة عيسى لم تكن تتعرض للسياسة بل كانت إصلاحاً دينياً وخُلقياً، ومواجهةً لقلوب قاسية شاردة، فضلا عن مساواته بينهم وبين الناس جميعاً، فحاولوا منع الناس عن قبول دعوته واتهموه ووالدته مريم بأقذع الصفات، فلما أعيتهم الحيلة حرضوا الرومان عليه، لكن الرومان لم يلتفتوا بدايةً لتحريضهم لعدم اكتراثهم للخلافات الدينية بين اليهود، فزعم أعداؤه من اليهود أنه يحرض على الحاكم الروماني لحمله على إصدار الأمر بالقبض عليه والحكم بإعدامه صلباً.

ويوضح القرآن الكريم أن الله لم يمكّنهم من القبض عليه وقتله، بل رفعه إلى السماء وألقى شبهه على غيره فصلبوا ذلك الشبيه ظناً منهم أنه المسيح، دون أن يحدد القرآن شخصية الشبيه، فتقول الآية: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ، مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157-158].

بينما يعتقد المسيحيون أن المسيح صُلب وأن الواشي به هو يهوذا الأسخريوطي أحد تلاميذه (الحواريين) الاثني عشر، وأنه دُفن بعد صلبه في قبر وبعد ثلاثة أيام قام في يوم الفصح ومكث أربعين يوماً ثم ارتفع بعدها إلى السماء أمام تلاميذه الذين عيّنهم لنشر ديانته، وقال لهم: “اذهبوا إلى العالم واكرِزوا بالإنجيل للخليقة كلها” [إنجيل مرقس 16: 15]، وعمّدهم باسم الآب والابن والروح القدس، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.

المسيحية بعد المسيح
عندما رحل المسيح اجتمع التلاميذ الأحد عشر (بعد مفارقتهم ليهوذا الذي وشى بالمسيح والذي تختلف الروايات بين كونه هو من وقع عليه شبهه وبين من يقول إنه انتحر)، وأكملوا العمل على نشر الدعوة، وكان معهم تلاميذهم السبعون الذين اختاروهم، وكانوا يعيشون حياة بسيطة ملؤها الحب والتآخي والتعبد.

سميت هذه المجموعة بكنيسة القدس (أورشليم)، والكنيسة يقصد بها التجمع أو جماعة المدعوين، فلم تكن مبنى للعبادة كما يفهم من المصطلح اليوم بل هي تعبير مجازي عن اجتماع مجموعة من المؤمنين برئاسة يعقوب وبطرس حواريَي المسيح عليه السلام. وقد آمن بدعوتهم آلاف الناس وظهروا على أعدائهم من اليهود وغيرهم.

رسم تخيلي لبولس

وسرعان ما ظهرت شخصية كان لها الأثر الأبرز في ما وصلت إليه العقيدة المسيحية من بعده إلى يومنا هذا، وهي شخصية “بولس الرسول”، فقد اعتُمدت مقولاته في تصوير العقيدة على النحو الذي تشكلت به في المجامع المسكونية فيما بعد، ومن أجل ذلك يمتدحه المسيحيون الذين يعدونه رسولاً، وينتقده القادحون فيرونه المسؤول الأول عن تبديل دين عيسى عليه السلام وتحريفه وحشوه بالوثنية الخرافية.

والمصادر التي تُستقى منها معلومات عن بولس هي “سفر أعمال الرسل” الذي كتبه لوقا تلميذ بولس، ورسائل بولس نفسه ضمن العهد الجديد، وما كتبه الأبيونيون (الفقراء إلى الله)، وهم يهود متنصرون، وأيضاً ما كتبه بعض المؤرخين الذين جاؤوا في القرن الثاني الميلادي.

وُلد بولس في مدينة طَرَسوس جنوب تركيا، في عائلة يهودية وكان اسمه قبل أن يعتنق المسيحية شاؤول. وتاريخ ولادته غير متفق عليه وهو يتفاوت بين السنة الميلادية الخامسة والسنة الخامسة عشرة، غير أنه من المؤكد أنه وُلد بعد ولادة المسيح بوقت قصير، ولم يره على الإطلاق.

أمضى شاؤول طفولته وبداية شبابه في طَرَسوس التي انتشرت فيها المعابد والمدارس اليونانية وظهر فيها أتباع المدرسة الرواقية، كما أنها كانت تموج بالثقافات والأديان المختلفة، وكانت عبادة الآلهة أتيس وأدونيس وميثرا منتشرة فيها، والمشترك بينها أن أتباعها كانوا يعتقدون أن هذه الآلهة تموت في موعد معين من السنة ثم تبعث في موسم آخر، وهي تشبه البشر في سلوكها، فلا بد للإله أن يتعذب أولاً قبل أن يموت كما يموت الإنسان لكنه يتغلب على الموت ويُبعث من جديد ليظهر مجده وقوته، ويصوّر أتباعه قصة موته ويأكلون لحم الضحية التي تقدم ويشربون معها الخمر، فيتحول بذلك إلى لحم الإله ودمه ليتحدوا به ويطهرهم من الخطيئة، وستظهر أهمية هذه العبادة عند دراسة العقيدة المسيحية التي وضعها بولس واستفاد منها في فهمه لقصة المسيح.

تعلم بولس (شاؤول) العبرية واليونانية، وادعى أنه ذهب إلى أورشليم لدراسة اليهودية على يد أهم أحبار الفريسيين جمالئيل. لكن المتابع لسيرته يلحظ فيها تناقضات كثيرة، فقد زعم أنه فريسي وابن فريسي وفي الوقت نفسه كان أثيراً لدى الكاهن الأكبر الصدوقي وعمل في خدمته في ملاحقة المسيحيين وتعذيبهم، مع أن الصدوقيين والفريسيين كانوا على عداء شديد ومن المستبعد أن يجتمعا. ولعل أهم ما يميز شخصيته هو المراوغة والتلون حسب الحاجة، فيقول عن نفسه بعد البدء بدعوته: “فصرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود وللذين تحت الناموس (يقصد الفريسيين)، وللذين بلا ناموس (أي الصدوقيين والسامريين) كأنني بلا ناموس.. وصرت للكل كل شيء لأخلّص على كل حال قوماً” [الرسالة الأولى 9/20- 22]، فمفتاح شخصيته يتجلى في قوله: “صرت للكل كلَّ شيء”، حيث كان على سبيل المثال يستخدم تبعيته للسلطة الرومانية في مواجهة اليهود للتخلص من العقوبات والسجن وليكسب الهلنستيين والرومان إلى صالح عقيدته الجديدة.

لوحة تخيلية من القرن التاسع عشر لما حدث مع بولس على طريق دمشق بريشة دومينيكو روميلي

ويذكر سفر أعمال الرسل قصة تحوله إلى المسيحية حوالي سنة 37م بتفاصيل متناقضة، وخلاصة ذلك أنه انطلق من أورشليم إلى دمشق من أجل اضطهاد المسيحيين وسوقهم إلى التعذيب، وفي الطريق “أبرق حوله ثقبة نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً يقول له: شاؤول شاؤول لمَ تضطهدني؟ فقال من أنت يا رب؟ قال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده.. الآن قُم وادخل المدينة وهناك يقال لك ماذا ينبغي أن تصنع” [أعمال 9/3- 7].

وتتفاوت تفسيرات الباحثين الغربيين لتحول بولس المفاجئ إلى المسيحية بعد أن كان من ألد أعدائها، حيث يسجل الباحث هيم ماكبي في كتابه “بولس وتحريف المسيحية” ثلاثة مواقف، إذ يرى المؤمنون بالمسيحية أنها معجزة إلهية، بينما يرى آخرون أن بولس كان يعاني من أمراض نفسية وعضوية أدت به إلى هذا التحول المفاجئ، ويرجح البعض أن بولس عجز عن محاربة المسيحية من خارجها بالعنف والاضطهاد فلجأ إلى محاربتها من الداخل واخترع هذه القصة لكي ينتسب إلى المسيحية من غير أن يثير الشكوك حوله.

ورغم أن بولس لم ير المسيح في حياته إلا أن المسيحيين عدوه في مصافِّ الرسل الإثني عشر، ويصر هو على رتبته الرسولية مؤكداً أنه لم يتلقاها من تلاميذ المسيح بل عن طريق المسيح نفسه، ما يجعله رسولا ملهما وكل ما يصدر عنه من أقوال هو إلهام ووحي. ولم يقدم بولس أي دليل على ادعائه هذا، كما تتضح في رسائله العديد من التناقضات وملامح التطور الفكري عبر مراحل دعوته (كما سيأتي لاحقاً)، ما دفع الكثير من الباحثين الغربيين إلى التشكيك في صدقه، ومنهم البروفيسور جون هيك في كتابه “أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح”، وشارل جينيبر في كتابه “المسيحية نشأتها وتطورها”، وموريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة”، وهيم ماكبي المذكور أعلاه.

أما أهم الأفكار العقدية التي أدخلها بولس في المسيحية فنوجزها فيما يلي:

1- تعميم الدعوة المسيحية وإخراجها من إطارها الذي يخص بني إسرائيل في عصر المسيح إلى العالمية، بدءاً من الإمبراطورية الرومانية، وهذا يناقض تعاليم المسيح الواردة في الإنجيل التي تفيد حصر رسالته في بني إسرائيل [متّى 10/ 5- 6].

2- إلغاء الشريعة الموسوية: فلكي يسهل على بولس التبشير بالمسيحية بين الوثنيين ألغى الكثير من تعاليم المسيح الذي يقول “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (الشريعة) والأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل” [متى 5/17]. إلا أن بولس ألغى بعض تشريعات موسى عليه السلام كالختان مع أن الإنجيل يروي أن المسيح نفسه خُتن في اليوم الثامن من ولادته، وأحلَّ لحم الخنزير، كما ألغى تقديس السبت وجعل عوضاً عنه الأحد وهو يوم الشمس عند الوثنيين، واعتبر أن الخلاص يتم عن طريق الإيمان لا الأعمال، وظل موقفه من الشريعة من أكثر المواضيع التي توقع المؤمنين برسوليته في حرج.

3- عقيدة الخطيئة الموروثة وتجسد الابن وصلبه فداءً للبشرية: وهي أفكار تتشابه كثيرا مع العقائد الدينية الوثنية السائدة آنذاك، حيث أسس بولس لاهوتاً خاصاً قائماً على فكرة أن كل إنسان يرث خطيئة آدم الأصلية (عندما أكل من الشجرة) ولا شيء ينجيه من العذاب الأبدي إلا موت ابن الإله ليكفّر بموته عن خطيئته. وهو أول من فسر عملية الصلب على أنها للفداء وتكفير الخطايا مع أنها لم تكن واردة عند كتبة الأناجيل الأربعة المعتمدة، ونسب إلى المسيح ألقاباً جديدة من بينها: ابن الله وصورة الله والمخلص والفادي. كما أطلق عليه لقب “الله” مرتين [رومية 9/5، أعمال 20/28]. وكل ما كان يُستخدم من ألقاب للمسيح بالمعنى المجازي أطلقها بولس بالمعنى الحقيقي، كلقب الرب الذي أطلقه أتباع المسيح عليه بمعنى السيد والمعلم فأصبح له معنىً حقيقياً عند بولس.

4- التثليث وألوهية الروح القدس: بالرغم من اعتراف المسيحيين بأن بولس لم يعط تعليماً واضحاً عن التثليث إلا أنه تعرض لذكر الآب وذكر الابن تارة على أنه إله وتارة في منزلة دون ذلك، أما الروح القدس فلم يوضح ما يتعلق به سوى أنه روح، أي أنه تيار قوي غير طبيعي يؤثر في الناس، ولم يذكر ألوهيته وانبثاقه من الآب، لكن عقيدة التثليث وتفاصيلها نضجت لاحقاً كما سيأتي.

5- الأسرار الكنسية: جعل بولس من التقاليد الشائعة لدى الحواريين كالتعميد وتناول الخبز الجماعي شعائر مقدسة، مقتبسا تفاصيلها من بيئته الوثنية المليئة بأساطير الشفاعة والخلاص، حتى وصف المؤرخ ول ديورانت ما آلت إليه المسيحية على يد بولس بالقول “إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها” [قصة الحضارة: مجلد 11 باب 27 ف 2].

وقد أكد بولس على استقلاله التام عن تلاميذ المسيح مع أنه عدّ نفسه رسولاً مكملاً لهم، وبدأ التبشير بدعوته دون أن يلتقي بأحد منهم لمدة ثلاث سنوات، ليسافر بعدها إلى أورشليم ويلتقي أفراداً منهم في تفاصيل يرويها في رسائله التي تتعارض مع ما ورد في سفر أعمال الرسل. ويلحظ الباحث تناقضات أيضاً في تفاصيل علاقته بهم وموافقتهم له، فبعض الروايات تشير إلى إقرارهم له، والبعض يؤكد على وقوع الخلاف بينه وبينهم ومفارقتهم له، حتى إن بولس كان يستخف بهم في رسائله [غلاطية 2/2- 14].

ويرى العالم الفرنسي موريس بوكاي أن التلاميذ اعتبروا بولس خائناً لفكر المسيح، حيث كوّن المسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح لنشر تعاليمه [دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 101]، وبذلك أصبحت هناك مسيحيتان: المسيحية اليهودية وهي ما عليه تلاميذ المسيح، والمسيحية البولسية التي انتصرت في النهاية بسبب تبني الإمبراطورية الرومانية لها.

المسيحية والإمبراطور قسطنطين

كان المسيحيون الأوائل يتعرضون للاضطهاد من قبل الرومان مما دفعهم لنحت كنائسهم في الكهوف كما يظهر في الصورة الملتقطة في كابادوكيا وسط تركيا

اتفقت معظم المصادر الإسلامية والمسيحية على أن المسيحيين نزل بهم بعد رفع أو صلب المسيح بلايا وكوارث جعلتهم يستخْفون بدينهم ويُقتل منهم الكثيرون، وكان أشد الناس إلحاقاً للأذى بهم اليهود ثم القياصرة الرومان الذين نكلوا بهم في المدة ما بين سنتي 64م و313م تنكيلاً شديداً، ووسط هذه الاضطهادات دونت أناجيلهم الأربعة المعتمدة ودونت رسائلهم.

كانت حدة الاضطهادات تتفاوت حسب أحوال الأباطرة الرومان الذين يتناوبون على الحكم، وأولى مراحل الاضطهاد كانت في عهد نيرون (54- 68م) الذي أمر بألا يسمح لأحد بالانتساب إلى المسيحية، فاستشهد في عهده الكثيرون بمن فيهم بعض الحواريين، واحتمل المسيحيون ألواناً من العذاب كالصلب وتهييج الكلاب عليهم لتنهشهم حتى الموت، وصُبَّت على بعضهم المواد الملتهبة ثم أشعلت أجسادهم في الليالي بدلاً من المشاعل لإنارة حدائق نيرون. وتتابعت الاضطهادات وأدت إلى ارتداد الكثير منهم عن دينهم واعتناق العقائد الوثنية.

قسطنطين ووالدته هيلانة تحولا إلى قديسين في نظر المسيحيين (Brosen)

وفي القرن الرابع الميلادي تغيرت الأحوال باعتلاء الإمبراطور قسطنطين الكبير العرش، فسمح لهم بحرية المعتقد سنة 313م ليكسب ودهم في معركته السياسية ضد منافسيه على العرش. وكان قسطنطين وثنياً يعبد الشمس حتى سمّى مملكته إمبراطورية الشمس، وعندما احتاج لدعم النصارى في حروبه أعلن أنه رأى في المنام صليباً كبيراً من نور فتحقق له النصر بذلك، وبالفعل اتخذ الصليب شعاراً له، فاندفع النصارى للمقاتلة في صفه وتصفية أعدائه ومناوئيه.

لذا يرى الكثير من المؤرخين أن إيمانه كان سياسيا، فبينما كان يحمل الصليب ويبني الكنائس في بعض المواضع كان يبني أوثانا في مواضعٍ أخرى. وفي المقابل رفع كهنة الكنائس من مقام قسطنطين وزعموا أنه المسيح المنتظر والمخلص في آخر الزمان، بل زعم أسقف روما أيسوبيوس أن الخالق قد تجسد في الإمبراطور، وقد ردَّ قسطنطين له الجميل بمنحه سلطات واسعة وأقطعه أراضٍ شاسعة، فنشأ بذلك النظام البابوي الذي منح للبابا نفوذاً على كل المسيحيين في أرجاء الدولة.

وإرضاءً للإمبراطور، اتخذت الكنيسة من يوم ولادة الشمس أو ما يعرف بالانقلاب الشمسي الذي يوافق (25 كانون الأول/ديسمبر) عيداً للاحتفال بمولد المسيح رغم أنه لم يولد في ذلك اليوم. واستمر الإمبراطور في حضور احتفالات عيد الشمس حتى وفاته مع أنه أشاع اعتناقه للمسيحية، ولم يتعمَّد إلا عند احتضاره سنة 337م، أي بعد 12 عاماً على مجمع نيقية 325م الذي قرر العقيدة النصرانية لكل الأجيال القادمة.

المجامع الكنسية
كل ما نراه اليوم من عقائد التثليث وألوهية المسيح لم يكن ظاهراً في عصر المسيحية الأول، فبعد أن وضع بولس بذور هذه العقائد أخذت تنمو تدريجيا حتى حُدّدت برعاية قسطنطين من خلال المجامع المسكونية التي بدأ عقدها في القرن الرابع، وثبت ذلك برسائل واعترافات إيمانية صدرت عن بعض الأساقفة إفرادياً.

والمجمع في الاصطلاح الكنسي هو مجلس يعقده الرسل (تلاميذ المسيح) أو خلفاؤهم الأساقفة للمداولة في قضايا دينية وتقريرها، وتعتبر قراراته أحكاماً صادرةً من الله وملهَمة عبر الروح القدس، فلا يحق للمؤمنين رفضها لأنها معصومة، ومن يخالفها يُحرم من الإيمان ويفصل من الكنيسة.

والمجامع نوعان: الأول مجامع عامة (مسكونية): أي تشمل كل الأرض المسكونة وتجمع رؤساء الكنائس من جميع أنحاء المعمورة، ولم يحدث أن تمكنت من جمعهم بأكملهم فعلياً، والثاني مجامع محلية (إقليمية): وهي تخصُّ إقليماً أو طائفة بعينها.

وفيما يلي إيجاز لأهم تلك المجامع:

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

1- مجمع نيقية (325م): هو أهمها وأكثرها تأثيراً في تطور العقيدة النصرانية، فبعد ارتفاع الاضطهاد عن المسيحيين بدأت الخلافات الحادة بينهم تظهر على السطح، حيث كان الاضطهاد يمنع ظهورها، ومن أهمها ذلك الخلاف بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي رفعت مقام يسوع إلى “ابن الله القديم” وتبنت عقيدة التثليث تأثراً بعقائد المصريين القدماء وفلسفة أفلوطين الإسكندراني، وبين دعوة الموحدين من أتباع الأسقف الليبي- الإسكندري آريوس القائل بأن يسوع بشر مخلوق اصطفاه الله وليس له من الألوهية شيء، كما ظهرت أقوال متدرجة في النظرة إلى المسيح بين هذين القولين، وانتشرت أفكار آريوس ولم تفلح محاولات إقصائها رغم الحكم عليه بالطرد والحرمان من الكنيسة، فخشي قسطنطين على مملكته من الانقسام ودعا إلى عقد مؤتمر يجمع الأساقفة ليخرجوا برأي واحد يسد باب الخلاف، وعُقد بذلك مجمع نيقية في مدينة إغريقية تحمل نفس الاسم، وانحاز الإمبراطور إلى رأي كنيسة الإسكندرية وناصر عقيدة ألوهية الأب والابن لأنها الأقرب إلى نفسه وإلى الأمم الوثنية التي كان يحكمها، ومع أنه رأي الأقلية من الأساقفة إلا أنه اعتُمد بدعم الإمبراطور الذي لجأ إلى سياسة الترهيب والترغيب، وحُكم على آريوس بالهرطقة والنفي وإحراق كتبه، لكن أفكاره استمرت وانتشرت في مدن كبرى كالقسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية. أما فكرة ألوهية الروح القدس فلم يتعرض هذا المجمع لها، فكان لا بد من عقد مجمع آخر لإقرارها.

2- مجمع القسطنطينية (381م): عقد هذا المؤتمر لحل الخلاف بين أسقف القسطنطينية وأتباعه القائلين بأن الروح القدس مخلوق وليس إلهاً وبين أسقف الإسكندرية القائل بألوهيته، فحسم الخلاف بدعم من الإمبراطور ثيودسيوس لصالح القائلين بألوهيته، واكتمل بذلك القانون النيقاوي، وطُرد المخالفون ولُعنوا.

ولم يُنهِ هذا المجمع الخلافات بل أدى إلى ظهور خلافات جديدة، فقال أسقف القسطنطينية نسطور إن للرب يسوع أقنوماً وطبيعة فأقنوم الألوهية من الآب، أما الطبيعة فهي الإنسان الذي ولدته مريم، لذا فمريم أم الإنسان وليست أم الإله، وبهذا يكون المسيح مباركاً بما وهبه الله وليس إلهاً، بل هو “ابن الله” بالمعنى الرمزي لا الحقيقي، وقد استدعى ظهور هذا الرأي عقد مجمع آخر.

3- مجمع أفسس (431م): عقد هذا المجمع بطلب من بطاركة الإسكندرية وأنطاكية وروما ولم يحضر نسطور وأنصاره، فأصدر المجتمعون قرارهم بلعنه وطرده، وقرروا أن مريم هي “والدة الرب”، وأن المسيح إله حق وإنسان ذو طبيعتين متوحد في الأقنوم.

رسم تخيلي لمجمع خلقيدونية

4- مجمع خلقيدونية (451م): عقد هذا المجمع ليقرر أن للمسيح طبيعتان لا طبيعة واحدة رداً على مجمع أفسس الثاني، وأدى ذلك إلى انفصال مصر والكنائس الأرثوذكسية الشرقية لأنهم يقولون بالطبيعة الواحدة بينما يقول الغربيون بالطبيعتين.

وخلاصة القول إن كل مجمع أدى إلى انشقاق جديد بدلا من الاتفاق والتوحد، فتتالت المجامع والانشقاقات حتى أصبح من الصعب حصرها، وكل المجامع التي عقدت بعد خلقيدونية لم تحضرها الكنائس الشرقية الأرثوذكسية ولا المصرية، فلا يمكن اعتبارها مجامع مسكونية عامة.

ويجدر بالذكر أن مجمع القسطنطينية الرابع (754م) قد عُقد لتحريم الصور والتماثيل نتيجة تأثر النصارى بالإسلام في هذا الأمر، حيث قرر المجتمعون تحريم اتخاذ الصور والتماثيل وحرموا طلب الشفاعة من مريم، ونتيجة غياب الكثير من الأساقفة لم يعد هذا المجمع مسكونياً.

وقد أثارت قرارات هذا المجمع امتعاض كثير من الكنائس فدعوا لعقد مجمع نيقية الثاني (787م)، وقرروا فيه إباحة الصور والتماثيل، على اعتبار أن النظر إلى صور الرب وأمه والرسل وسائر القديسين أدعى إلى التأثر الشديد وإدامة التفكير بهم، وأدى ذلك إلى إحياء الفن المسيحي ودفع هذه الديانة إلى تبني المزيد من الصور الوثنية في عقائدها وشعائرها وتنظيمها.

كان يوحنا الدمشقي (توفي عام ٧٤٩م) من أشد المناصرين لاستخدام الأيقونات، ويُنقل عنه أنه قال لخصومه الرافضين للأيقونات: “إنكم لن تجدوا التثليث أو وحدة جوهر الأب والابن.. لن تجدوا أياً من ذلك في الكتب المقدسة، ولكننا نعلم أن هذه المعتقدات صحيحة… وهي كلها بدع مستحدثة جاء بها الآباء، وإذا ضاعت هذه التقاليد يصبح الإنجيل كله مهدداً”.

أسس العقيدة في المسيحية
استعرضنا فيما سبق التطور التاريخي لظهور أهم الأفكار العقائدية المسيحية، وفيما يلي نناقش الأسس الأربعة الأساسية لهذه العقائد، والتي بدأ ظهورها على يد بولس، واكتملت في عهد الإمبراطور قسطنطين:

لوحة من القرن السابع عشر للثالوث المسيحي، يظهر فيها الأب على هيئة شيخ كبير، والابن في صورة شاب، والروح القدس بينهما في صورة طير، وتحفهم الملائكة على هيئة أطفال، وهي صور مقتبسة من الميثولوجيات الوثنية

أولاً: التوحيد مع الإيمان بثلاثة أقانيم
محور هذه العقيدة أن الله واحد في ثلاثة، فهو واحد من جهة الجوهر أي الألوهية، ثلاثة من جهة الأقانيم وهي: الآب والابن والروح القدس. فالمسيحيون يحرصون على التأكيد على أنها عقيدة توحيدية نافين عن أنفسهم تهمة الشرك، اعتقادا بأن التثليث مختلف عن عقيدة تعدد الآلهة.

استعار المسيحيون مصطلحي الجوهر والأقنوم من الفلسفة اليونانية، فالجوهر فيها هو ما قام بنفسه وبه تقوم الأعراض والكيفيات، وهناك جوهر كلي، وهو الكليات التي يُحمل عليها غيرها، كالنوع والجنس، مثل: إنسان وحيوان، وهناك جوهر جزئي، وهو الكائن الفرد المتعين من الجواهر الكلية، كهذا الإنسان: أحمد، سعيد، زيد.

أما الأقنوم في الفلسفة اليونانية فهو مصطلح مرادف للجوهر لا يختلف عنه، ويمكن أن يحلَّ أحدهما محل الآخر دون تمييز بينهما، وعلى هذا سار آباء الكنيسة الأوائل. إلا أنه بعد انعقاد مجمع نيقية حدث تحول في استخدام المصطلحين، فعقيدة التوحيد والتثليث لم تكن قد ترسخت في أذهان المسيحيين آنذاك، ما دفع الأساقفة إلى التمييز بينهما جاعلين معنى الجوهر يشير إلى النوع المشترك في الأقانيم المتساوية في النوعية، وهي الألوهية الواحدة، وجعلوا للأقنوم دلالة على الأفراد المتعددين في الجوهر الواحد وهم الآب والابن والروح القدس. وبذلك بات الفرق بين الجوهر والأقنوم كالفرق بين الجوهر الكلي والجوهر الجزئي. لكن الرافضين لهذا التفسير قالوا إنه يؤدي إلى تعدد الجواهر بتعدد الأقانيم، كما هو الحال في الجواهر والأقانيم البشرية، فيصبح لدينا ثلاثة آلهة لا إله واحد.

 يطلق فلاسفة اللاهوت على ظاهرة الإيمان المجرد من الاستدلال مصطلح الفيدية fideism، حيث يُطلب من الإنسان أن يؤمن بما يطلبه منه رجل الدين مباشرة دون سؤال عن الدليل.

وللخروج من هذا الإشكال، اضطر الأساقفة للاعتراف بعدم إمكانية شرح الجوهر والأقنوم حسب المعنى البشري المتعارف عليه، وقالوا إن اللغة عاجزة عن التعبير عن سر الثالوث، وخرجوا بنتيجة أن على الإنسان أن يُسلِّم بأن الله (جوهر واحد وثلاثة أقانيم) دون أن يُعمل عقله في فهم الفرق بينهما، وظهرت بذلك المقولة الشهيرة: “سرٌّ لا يسعه إلا الإيمان”. [لينة الحمصي نقلا عن عدد من الكهنة، الإسلام والمسيحية].

ووفقا لما ذكرناه في مقال “مصادر المعرفة” فإن هذا القول يعد مغالطة وتضليلاً، فلا ينبغي لأي عقيدة أن تعجز عن التوافق مع العقل بحجة كونها “سراً إلهياً”، لأن العقل قادر من حيث الأصل على فهم حقائق العقيدة الأصلية التي ينبني عليها أي دين، لكنه يعجز عندما يخوض في محاولة تعقل الكيفيات التي تكون عليها الحقائق الغيبية لأنها غائبة عنه وعن الحواس، ومنها صفات الإله المنزه عن تبعات الزمان والمكان، أما ما يسمى بسر الثالوث والأقانيم فهو ليس من الصفات اللازمة للإله الذي يعقله العقل، بل هي إضافة فلسفية غير ضرورية عقلياً -فضلا عن كونها غير معقولة أصلاً- لذا فلا يحق لأصحابها أن يحتجوا بمحدودية العقل إزاءها.

أما إذا احتج أصحاب مقولة الثالوث بأنها من الوحي الإلهي الذي ينبغي للعقل أن يسلّم به، فالجواب أن الكهنة أنفسهم لا يملكون دليلاً على أن العهد الجديد من الكتاب المقدس قد نُقل إلينا بالتواتر عن مصدر إلهي، بل إن الإيمان بصحة هذا الكتاب هو أيضا إضافة فلسفية قائمة على التسليم دون حجة (كما سيأتي لاحقاً)، وما بني على باطل فهو باطل.

أما العلاقة بين الأقانيم الثلاثة وصفاتها فقد كثرت الخلافات حولها، فالآب هو مصدر الألوهية الوحيد غير مولود ولا منبثق عن أحد، وهو علّة وجود الابن والروح القدس ومصدرهما. والابن صادر عن الآب بالولادة، مع اختلاف في صفته ما بين كونها حكمة أم كلمة. أما روح القدس فصدر عن الآب بالانبثاق عند الأرثوذكس، وعن الآب والابن عند الكاثوليك، وهو يمثل صفة الحياة.

ومن الإشكالات المطروحة هنا: كيف يكون الآب علة وجود الابن والروح القدس وهما صادران عنه مع أنهما مساويان له؟ وهل كان هناك زمن لم يكن فيه الابن والروح القدس موجودين فيه؟ وما الفرق بين الولادة والانبثاق؟

ويجيب الأساقفة بالقول: إن صدور الابن والروح القدس عن الآب هو سر من أسرار اللاهوت التي لا يستطيع العقل إدراك كنهها ولا يسعه إلا الإيمان به. وقد اضطر بعض الآباء (القديسين) مثل يوحنا الدمشقي ويوسبتين إلى الإقرار بعظمة الأب وتفوقه على الابن والروح القدس لأنه علة لهما.

وجاء في إنجيل يوحنا على لسان المسيح (20/7): “إني صاعدٌ إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم”، ما يعني أن المسيح -الذي يفترض أن يكون أقنوم الابن الإله- أقر لتلامذته أنهم جميعا أبناء الله، وذلك بالمعنى المجازي للبنوة التي تخصص من نسبت إليهم بفيوضات من الرعاية والمحبة والعناية ما يميزهم عن غيرهم، وقد استخدم مصطلح “أبناء الله” في العهد القديم الذي يؤمن به المسيحيون كجزء من كتابهم المقدس، فأُطلق على بني إسرائيل (المزامير 3/6)، وعلى أبناء شيث (التكوين 6/2)، ما يدل على أن المسيح لم تكن له خاصية البنوة المجازية دوناً عن باقي المؤمنين.

 يقول الأب بيار نجم رئيس جامعة سيدة اللويزة في إحدى عظاته: “مهما حاولنا لن نستطيع أن ندرك سرّ الثالوث الأقدس بواسطة قوانا العقلية وحدها أو بواسطة المنطق، فالإنسان الذي يحاول معرفة الله على ضوء العقل وحده سوف يصطدم بصعوبات جمّة. إذ لا يمكنه أن يدخل في حميمية السر الإلهي”. [المصدر: http://www.lexamoris.com/pages/sermon_view/117]

وبما أن التوراة تصرح بالتوحيد وتنهى عن الشرك، فالعهد القديم يعد من أهم مصادر العقيدة لدى الأساقفة الذين يحرصون على اعتبار دينهم ديناً توحيدياً، لكنهم مع ذلك يستنبطون من نصوصها ما يُحملو على الإشارة إلى التثليث كعبارات “كلمة الله” أو “روح القدس”، لكن هذا التأويل التجاوزي لا يخفي دور الوثنية الشرقية واليونانية في المسيحية، فعقيدة التثليث لدى المصريين والفرس والإغريق أوضح أثراً، فضلا عن آثار فلسفة أفلوطين (270م) الهلنستية التي مزجت بين الفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية وتعاليم بوذا والهندوكية، وخرجت بمقولة أن العالم لا يمكن أن يصدر عن الله إلا بوسيط أزلي هو العقل الكلي الذي فاض عن الذات الإلهية، ومن هذا العقل تولدت الروح الخلاّقة التي بواسطتها خُلقت كل الأشياء [انظر مقال الباطنية].

عقيدة المسلمين في عيسى
تؤكد المصادر الإسلامية على أن عيسى بن مريم عليه السلام كان نبياً من بني إسرائيل، وينصُّ القرآن الكريم على أنه ما دعا إلا إلى التوحيد الكامل، ويوضح أنه سيكون هناك حوار بين عيسى وبين الله تعالى يوم القيامة ليقيم الحجة على من اتخذوه إلهاً، فيقول: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. [المائدة: 116- 117].

ويؤكد القرآن أيضا نزول الإنجيل على عيسى مصدقاً لما جاء في التوراة، ومحيياً لشريعتها ومؤيداً للصحيح من أحكامها ومبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فيقول {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 46]، ويقول أيضا: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

ثانياً: عقيدة تجسد الابن الإله
تقوم العقيدة المسيحية على فكرة أن الابن الإله نزل من السماء وحلَّ في جسد بشري اتحد معه مؤلفاً شخصاً واحداً هو خلاصة اتحاد الإله بالبشر، وبمعنى آخر اتحاد اللاهوت بالناسوت. ويصرّ الأساقفة على أن نزول الابن وحلوله هو سرٌّ إلهي لا يسع العقل استيعابه، فما على الإنسان إلا أن يؤمن بهذه العقيدة بقلبه دون أن يعمل فيها عقله.

يقول الأب بيار نجم: “هذا هو سرّ الإيمان: كيف يمكن أن نفهم حقيقة أن الله هو إله واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة أقانيم؟ كيف نفهم حقيقة الاتحاد الجوهري واختلاف الأشخاص؟ كيف نفهم أن الآب قد ولد الابن دون أن يكون سابقاً له في الزمن أو أكبر منه من ناحية الألوهة؟ هو سر يتخطى قدرة عقلنا على احتوائه، نؤمن به، ونسعى الى فهمه بالقدر الذي أُعطي لعقلنا أن يفهمه”. [المصدر سبق ذكره].

ويبدو أن الثقافة الإغريقية تركت أثرها في الاعتقاد بتحول يسوع إلى اللوغوس (Logos) أي “كلمة الله” في اليونانية، فهو يشارك الله في خلوده، وجاء في إنجيل يوحنا [1/1-5]: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”، وكأن يوحنا قد سار على خطا فيلون الإسكندري فحوّل اللوغوس إلى يسوع حيث تجسدت الكلمة الأبدية الخالدة في بشر يهبط إلى الأرض ليخلص الناس من خطيئة آدم.

لكن هذه الفكرة واجهت إشكالات منطقية، فكيف يحل الله الذي لا يحدّه مكان في جسد بشري متحيز في مكان وزمان؟ وكيف يكون منحصراً في جسد بشري وجالساً في حضن العذراء وهو في الوقت ذاته جالس على عرشه في السماء؟ وكيف يتم التوفيق بين غنى الرب وتنزهه وبين حاجته إلى جسد يحلّ فيه، وكذلك بين قدمه وأزليته وبين حدوث الجسد؟ فالتجسد يؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير في اللاهوت والناسوت عما كانا عليه قبل الاتحاد لينشأ عنه جوهر ثالث ليس إنساناً محضاً ولا إلهاً محضاً، بل كائن اجتمعت فيه الإنسانية والألوهية معاً، وهذا محال.

ومن اللافت أن الأناجيل الثلاثة الأولى متّى ومرقص ولوقا كانت خالية من أي إشارة للتجسد والحلول، بل تؤكد على بشرية المسيح وما تستلزمه من ضعف وعجز، بينما ينفرد الإنجيل المنسوب إلى يوحنا بهذه العقيدة، علماً بأن أغلب المحققين ينفون صحة نسبته إلى يوحنا (أحد التلاميذ الاثني عشر) ويرجعون تأريخ تأليفه إلى وقت متأخر (حوالي 100م). وحتى هذا الإنجيل لم يفصل في مسألة الحلول بشكل واضح، ولم يبينها إلا بولس في رسائله، ما يؤكد أن هذه الفكرة الجوهرية في العقيدة المسيحية قد أدخلها بولس بنفسه في صلب الدين المسيحي.

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

ثالثاً: عقيدة الصلب والفداء
يؤمن المسيحيون بقصة الخلق بتفاصيلها التي جاءت في العهد القديم، وقد ذكرت قصة خلق آدم ومعصيته مع زوجه بأكلهما من الشجرة وما ترتب على ذلك بطريقة مغايرة تماماً لما جاء في القرآن الكريم. وترتب على معصية آدم عندهم إثم عظيم ونتائج وخيمة، منها الطرد من الجنة، وتشوه الصورة الإلهية التي خلق عليها هذا الإنسان.

والمسألة الأهم في هذه المعصية اعتقاد المسيحية بأنها لم تقتصر على آدم بل انتقلت إلى ذريته كلها بحكم الوراثة، فأصبحت كلها مخطئة، وانتقلت إليها جميع العقوبات بدءاً بالطرد من الجنة، وانتهاء بضرورة نزولها جميعاً إلى مملكة الشيطان (الجحيم).

علاوة على ذلك، لا يمكن لتوبة آدم أن تنقذه من تبعات الخطيئة والنزول إلى الجحيم لأنها لا تفي بمطلب الله العادل الذي هدد به آدم: “يوم تأكل منها (أي الشجرة) تموت موتاً”، ولا يمكن أيضاً للإله التراجع عن مطلبه وإلا كان غير صادق، وكأن الإنسان والإله أصبحا معاً أمام مأزق معقد، فبات من الضروري البحث عن حل لقبول التوبة بحيث يخلّص الإنسان دون المس بالعدالة والصدق الإلهيين ويتفق في الوقت نفسه مع رحمة الله، وجاء الحل بتجسد الابن الإلهي وصلبه ليدفع بذلك ثمن خطايا البشر جميعاً عبر فدائهم بنفسه، ثم نزوله إلى الجحيم بجسده البشري في الوقت الذي كان فيه مدفوناً تحت التراب (بعد الصلب) ليخلص أبرار العهد القديم من مملكة الشيطان، وأخيراً قيامته من القبر في اليوم الثالث وصعوده بعد أربعين يوماً من صلبه إلى السماء ليجلس على يمين الآب، وبذلك استحق لدى المسيحيين أن يسمى المخلِّص والفادي لأنه خلّص البشرية من الشيطان وعبوديته، كما خلصها من خطيئة آدم ونتائجها ومن الموت الأبدي وسلطانه.

وبحسب هذه العقيدة، فكل من يموت بعد مجيء المسيح (الأول) يموت على أمل الرجاء والقيامة اللذين سيحصلان يوم القيامة، وذلك حين يأتي المسيح في مجيئه الثاني فيقوم الناس جميعاً من القبور، ويتولى المسيح محاسبتهم على أعمالهم، وينتهي الأمر بتوجه المؤمنين إلى السماوات ونعيمها، والأشرار إلى جهنم. ولذلك يحتفل المسيحيون كل عام في عيد الفصح (13- 15 نيسان) بصلب المسيح وقيامته.

وتثير هذه العقيدة عدة إشكالات منطقية، ومنها: ما الذي يمنع الله من قبول توبة آدم وإزالة آثارها طالما كان هو الذي خلق كل شيء بكلمة واحدة وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون؟ فالإله الكامل ومطلق الإرادة لا يحتاج للتضحية بـ”ابنه الوحيد” كي يخلص عباده. كما أن العدالة الإلهية تقتضي أن يكون حكمه على آدم بالطرد من الرحمة جارياً في حال إصرار الأخير على الذنب وعدم التوبة، لكن آدم قد تاب، ومن المفترض أن رحمة الله قادرة على أن تشمله مهما كان ذنبه.

علاوة على ذلك، فإن العدالة الإلهية تقتضي ألا يُجرم إنسان بذنب لم يرتكبه، فلا يُعقل أن ترث ذرية آدم جميعها خطيئة أبيها، وقد جاء في العهد القديم: “لا تقتل الآباء بالبنين ولا تقتل البنون بالآباء، بل كل امرئ بذنبه يُقتل” [التثنية 24/ 16]، كما جاء في القرآن الكريم أن هذه القاعدة المنطقية وردت في صحف موسى وإبراهيم أيضا، فقال {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: 36- 39].

كما أن القول بضرورة التجسد والفداء يستلزم عجز الله (تعالى) طالما أنه لم يستطع إنقاذ عباده من الخطيئة وسلطان الشيطان إلا بالتضحية بابنه بهذه الطريقة المهينة، إذ يمكن للإله القادر على كل شيء أن يبيد الخطيئة ومملكة الشيطان دون أن يميت ابنه ويتركه لتحمل الآلام الشديدة والمهانة ودخول الجحيم.

أما الاعتقاد بأن للشيطان مملكةً تناصب الله العداء وتعمل جاهدة للتغلب عليه، بل وتستطيع ذلك حين تضم آدم وذريته إليها؟ فهذا يمنح الشيطان سلطة كبرى تعارض سلطة الإله وتتجاوزها.

ولعل من أهم الإشكالات التي طرحها مفكرو عصر النهضة أمام الكنيسة أن عقيدة الفداء لا تشرح لماذا عاشت البشرية قروناً طويلة في ظل الخطيئة قبل نزول الابن إلى الأرض؟ ولا تبيّن أيضا على أي أساس تم تحديد موعد نزوله في تلك المرحلة من عمر البشرية الطويل. وإذا كان إغواء الشيطان لبني آدم نتيجة لتلك الخطيئة التي كفّر عنها المسيح، فلماذا يستمر هذا الإغواء إلى اليوم بين المسيحيين وغيرهم؟

يعد فيلم آلام المسيح (الذي أنتجه ميل غيبسون عام 2004) تجسيدا هوليوديا ممتازا للتصور المسيحي لقصة الصلب، فمع أن الفيلم أُنتج بدوافع تبشيرية للتعاطف مع ابن الإله الذي فدى البشرية بنفسه، إلا أنه قد يطرح في الوقت نفسه على المشاهد لاشعورياً الإشكالات الفلسفية التي تنقض هذه العقيدة، فما يلقاه المسيح من التعذيب والإهانة الشديدين لا يُقبل بسهولة في حق نبي فضلا عن إله تجسد في هيئة إنسان ضعيف.

رابعاً: دور الروح القدس في عملية الخلاص والفداء
يعتقد المسيحيون أن للأقنوم الثالث (الروح القدس) في الثالوث الإلهي دوراً أساسياً في عملية الفداء، فهو مكمِّل لعمل المسيح ويمثل صفة الحياة لله، فإذا كان الابن قد صلب فداء للبشرية ككل فإن الروح القدس هو الذي يورّث المؤمنين هذا الخلاص، ويجعله حقاً لهم عن طريق حلوله بمواهبه ونعمه في كل إنسان على حده. ويكون حلوله في المؤمنين بالمسيح عن طريق الأسرار الكنسية السبعة، وهي طقوس تمارس على يد كاهن وبها تسقط الخطيئة وعن طريقها يتحدّ المؤمنون بطبيعة الله، وسترد تفصيلاً.

وإطلاق كلمة “روح” على الله بمعنى صفة الحياة غير صحيح، لأن حياة الله ليست بروح كما هي حياة البشر، فإذا كان للإله روح فهذا يعني أنه مركب من هذه الروح ومن غيرها (الجسد مثلاً)، كما يدل على أن الروح جوهر غريب عن الله واتحد به، وهذا يتنافى مع كمال الألوهية.

الروح القدس على هيئة حمامة في كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان (Dnalor 01)

وقد ورد ذكر الروح في العهد القديم عند الحديث عن الملائكة فهم “روح الله” [التكوين 1/2، المزمور 51/11، أشعياء 63/10]، كما ورد بمعنى مصدر الشر، وهي كلمة لا تذكر على إطلاقها بل تكون مضافةً أو موصوفة (أرواح الشياطين)، كما أن نعم الله يطلق عليها اسم الروح أيضاً [الخروج 28/3]. مما يدل على أن اسم الروح والروح القدس لم يطلقا في العهد القديم إلا على مخلوقات من قبل الله تعالى، وهي ليست آلهة أبداً.

وكذلك الحال في العهد الجديد، حيث ورد ذكر الروح القدس مرات عديدة دون أن تشير إلى أنه إله وأقنوم في الثالوث الإلهي ومتحدٌّ مع الآب والابن، وقد اعترف بهذا القس سليم بسترس قائلاً: “أما انبثاق الروح القدس منذ الأزل ضمن الثالوث الأقدس فلا نجد له أي توضيح في نصوص العهد الجديد”. [لينة الحمصي، نقلا عن كتاب اللاهوت المسيحي لسليم بسترس، ص144].

ويؤكد بعض رجال الكنيسة أن كل ما ذكر عن الروح القدس في العهد الجديد إنما يرجع إلى عمله، أما كيان الروح الذاتي فلا يُعرف عنه شيء، ولم يرد له ذكر في الكتاب المقدس. وإذا كان الحال كذلك فكيف أمكن لهم إذاً أن يثبتوا وجود أقنوم ثالث في الجوهر الإلهي له صفة الانبثاق، وغير منفصل عن الآب والابن ما داموا لا يعرفون شيئاً عن كيان الروح الذاتي؟

وعليه، فيمكن القول إن حلوله على المؤمنين بمواهبه (نعمه) لا يدل على ألوهيته أبداً، فمن الممكن تفسير الروح القدس على أنه نعم الله (هباته) المخلوقة من قبله والتي يهبها للمؤمنين به وتحلّ فيهم، أو أنه الملاك جبريل الذي يدعمهم بالتأييد ويهبهم نعم الله بأمر منه.

من جهة أخرى، يقول الأساقفة إن الروح القدس حلَّ على مريم ليطهرها من الخطيئة الأصلية لتكون مستعدةً للحمل بالمسيح، وذلك قبل صلب المسيح وافتدائه للبشرية، لكن هذا القول يضع عقيدة الفداء في حرج، فإذا كان قادراً على تطهير مريم فيمكنه أيضاً تطهير بقية البشر دون الحاجة إلى تجسد الابن وصلبه وفدائه.

وحتى بالنسبة للمعتقدين بأن الروح القدس يحلُّ على المؤمنين بأقنومه الشخصي، فهذا يثير إشكالاً ويطرح تساؤلاً منطقياً: فما هو الفرق بين ناسوت المسيح وناسوت جميع البشر؟ ولماذا لم يصبح جميع البشر آلهة ومؤلَّفين من لاهوت وناسوت كما هو الحال في المسيح الذي حلَّ فيه الابن بجوهره مادام كل من الابن والروح القدس إلهاً كاملاً؟

مصادر العقيدة المسيحية
 يعتمد المسيحيون الأرثوذكس والكاثوليك في إثبات عقائدهم على مصدرين، هما التقليد الرسولي والكتاب المقدس، بينما يعتبر البروتستانت والطوائف التي تفرعت عنها أن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للعقيدة، وفيما يلي موجز عن كل منهما:

أولاً- التقليد الرسولي: هو التعليم الذي سُلّم من المسيح والرسل شفوياً، وتلقاه آباء الكنيسة الأوائل بإرشاد من الروح القدس، ويُحفظ في الكنيسة ولا يمارس إلا من خلالها. وبما أنه بإرشاد الروح القدس فهو بمنزلة كلام الله، وبذلك تصبح أقوال الآباء القديسين الأوائل والكنيسة معصومة مما يعطي الكنيسة صبغةً إلهامية دون أي مستند شرعي، فيكفي أن تدَّعي الكنيسة أن ما تقوله هو التعليم الرسولي ليتم إثبات ذلك دون مطالبتها بالدليل، مما يمنحها الحق في إبداع عقائد جديدة بحجة الإلهام. ولو كانت الكنيسة معصومة من الخطأ فعلاً لوجب انعدام الاختلاف بين الكنائس، بينما نجد أنها في الواقع شديدة الاختلاف والتفرق إلى طوائف عدة، حيث تنتقد كل منها الأخرى مع ادعاء الجميع بأنهم يستندون إلى إرشاد الروح القدس.

ومن حيث التحقيق، لا يمكن عدّ التقليد الرسولي مصدراً صحيحاً إلا إذا ثبت أن المسيح قد قاله وأن رسله تسلموه منه ثبوتاً صحيحاً متواتراً، إلا أن هذه الدقة في النقل لم يشترطها الأساقفة، بل يعتمدون على التقليد اعتماداً تاماً في أمورهم العقدية ويضيفون إليها ما يشاؤون، ولا يشترطون في إثبات العقائد أن توجد في الكتاب المقدس بل يكفي أن يقال إنها من التقليد الرسولي لتثبت، وهكذا تسنى لهم تاريخياً إضافة عقيدة التثليث والأقانيم وما يتعلق بها من عقائد مستحدثة. وقد صرح موريس تاوضروس في كتابه علم اللاهوت العقيدي في معرض حديثه عن التقليد قائلاً: “على أن الكنيسة الكاثوليكية قد أضافت بعض العقائد التي لا تردُّ إلى التقليد الرسولي أو إلى تعاليم المسيح مثل القول بعصمة البابا”. [لينة الحمصي، ص259].

أما الكنيسة البروتستانتية فترفض الاعتراف بعصمة آباء الكنيسة وصحة التقليد الرسولي، إلا أنها مع ذلك لم تلتزم بما يترتب عليه هذا الرفض من رفض العقائد التي تستند إلى التقليد دون وجود مستند كتابي من الإنجيل، كعقيدة التثليث وألوهية الروح القدس.

الفاتيكان

ثانياً- الكتاب المقدس: يشمل أسفار العهد القديم التي يؤمن بها اليهود (باستثناء بعضها) [انظر مقال اليهودية]، وأسفار العهد الجديد التي لا يعترف بها اليهود، ويعتقد المسيحيون أن هذه الأسفار جميعاً دُونت بإلهام من الروح القدس. والإلهام عندهم هو نفحة حيوية من روح الله (الروح القدس) تدفع أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد (ومنهم بولس) إلى الكلام والتدوين، فهي إذاً حسب رأيهم أسفار كتبها الله بواسطة مؤلفين من البشر الذين عبَّروا عن هذه الرسالة الإلهية بطرقهم الخاصة وأسلوبهم الشخصي.

ويقرّ المسيحيون بأن أسفار العهد الجديد لم يُملها المسيح ولكنها كُتبت بعده، إذ تم تناقلها لفترة طويلة من الزمن استناداً إلى التقليد الرسولي الشفوي. وتحوي أسفار العهد الجديد أخبار المسيح وعظاته ومعجزاته، وكان عدد هذه الأناجيل كبيراً جداً لكنهم اتفقوا على الاعتراف بأربعة منها هي: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ثم أضافوا لها سفر أعمال الرسل، وأربعة عشر رسالة لبولس، وثلاث رسائل من كتابة يوحنا، ورسالتان لبطرس، ورسالة ليعقوب، ورسالة ليهوذا، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي، فأصبح العهد الجديد يضم (27) سفراً.

وتعتبر الأناجيل الأربعة من أطول أسفار العهد الجديد، ولفظ الإنجيل مختصٌ بها إلا أنه يطلق مجازاً على بقية الأسفار أيضاً، وهي وحدها التي تعترف بها الكنائس وتقرها الفرق المسيحية، مع أنه من الثابت تاريخياً وجود أناجيل أخرى راجت رواجاً عظيماً وأخذت بها فرق مسيحية قديمة ولم تعتنق غيرها كإنجيل السبعين والتذكرة وغيرهما، لكن الكنيسة الحالية اختارت منذ القرن الرابع الميلادي الأناجيل الأربعة وألغت كل ما عداها، وأجبرت أتباعها على الأخذ بها فقط، مع أن بعض المؤرخين أشاروا إلى أن هذه الأناجيل المعتمدة لم يُعثر على أي ذكر لها قبل القرن الثالث الميلادي، وفيما يلي موجز عن كل منها وفقا لترتيب ظهورها الزمني:

1- إنجيل متَّى: ينسب إلى متَّى أحد الرسل الاثني عشر، الذي كان يهودياً من الجليل وجابياً للضرائب (عشاراً) للدولة الرومانية، نشر الدعوة في فلسطين ثم خارجها، ويقال إنه بشّر في بلاد فارس، وفي رواية أخرى الحبشة، ومات فيها شهيداً. ونسبة هذا الإنجيل إليه غير مستيقنة لدى المحققين، حيث يقرون بأن كاتبه لم يكن معروفاً قبل القرن الثاني الميلادي، وأن التقليد الكنسي هو الذي ربط اسم متَّى به، ما دفع طائفة من المحققين -مثل موريس بوكاي والأب أسطفان شربتييه- إلى نفي نسبة هذا الإنجيل إليه، ويدل على ذلك أن كاتب هذا الإنجيل يتحدث عن أحداث المسيح بصفة الغائب وكأنه لم يكن حاضراً، كما أن أسلوبه التعبيري يدل على كونه متبحراً في التراث اليهودي والكتب المقدسة وفن الإفهام والتدريس، وهي صفات لا تناسب أسلوب جابي الضرائب. وقد كتب باللغة العبرية أو الآرامية، لكن أقدم نسخة عرفت منه كانت باليونانية، أما الأصل فمفقود ومختلَف في تاريخ تدوينه، كما أن مترجمه إلى اليونانية وتاريخ الترجمة مجهولين.

2- إنجيل مُرقس: ينسب إلى يوحنا الملقب بمرقس اليهودي، وهو لم يكن من الرسل الاثني عشر بل اهتدى إلى الإيمان بواسطة بطرس الرسول وتتلمذ على يديه، وقيل إنه أحد الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح للتبشير، كما قيل إنه هو رجل روماني الأصل آمن بالمسيح ولم يره ومات في مصر سنة 62 أو 68م. ويقرُّ المسيحيون بأن أخبار مرقس غير ثابتة، لكن التقليد الرسولي ربط اسمه بهذا الإنجيل في القرن الثاني الميلادي مع أنه لا توجد إشارة فيه إلى اسم كاتبه، وبحسب التقليد فقد كتب مرقس إنجيله بإرشاد من بطرس. والمشككون يقولون إن كاتبه هو أكثر المبشرين ابتذالاً وأقلهم خبرة في حبك الحكايات وأبعدهم عن المعقولية، وقد اختُلف أيضاً في تاريخ تدوينه ما بين سنة 40 إلى 75م، ويُعتقد أنه كتب باللغة اليونانية.

3- إنجيل لوقا: ينسب إلى لوقا الذي ترجح المصادر أنه كان طبيباً وثنياً من أنطاكية، اعتنق اليهودية ثم المسيحية وتتلمذ على يد بولس وصحبه في أسفاره. ولم يرتبط اسم لوقا بهذا الإنجيل إلا في القرن الثاني، وليس فيه ما يدل على أن كاتبه هو لوقا، كما تظهر مقدمته أن لوقا لم يكن معايناً للحوادث التي كتبها بل ألفه بناءً على شهادة من عرفوا المسيح أو لازموه، وهو يتضمن أشياء لم تذكر في الأناجيل الأخرى وتتعلق بالحوادث التي جرت قبل ولادة المسيح وما بعدها. ومع زعم الأساقفة بصحة نسبته له إلا أننا نجد مشككين من علمائهم في ذلك بسبب وجود تناقضات كثيرة بينه وبين سفر أعمال الرسل الذي ينسب إلى لوقا أيضاً، كما أن أفكار بولس لا تجد لها مكاناً في سفر لوقا الذي يفترض أنه تلميذه، أما تاريخ تدوينه باللغة اليونانية فيقال إنه يعود إلى ما بين سنتي 80 و90م.

4- إنجيل يوحنا: ينسب إلى يوحنا أحد التلاميذ الاثني عشر، والذي كان صياداً يهودياً من تلاميذ النبي يحيى (يوحنا المعمدان)، كما كان أثيراً لدى المسيح، وقد نفي في أيام الاضطهاد الأولى، ثم عاد إلى أفسس وبقي فيها حتى وفاته. ويعد إنجيله أكثر الأناجيل تشكيكاً في صحة نسبته إلى كاتبه، وذلك باعتراف علماء الكهنوت أنفسهم، فاسم يوحنا لا يظهر أبداً فيه بل ألصق به بعد فترة من الزمن، كما أن الكاتب يتحدث بصيغة الغائب وكأنه لم يشهد الأحداث التي يرويها، وجاء في نهاية الكتاب ما يشير إلى وجود تلميذ يحبه يسوع وكان حاضراً في العشاء الأخير، ثم يقول: “هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا..” [يوحنا 21/24]. وهذه الخاتمة تشير إلى أن المؤلف هو التلميذ الحبيب لكنها لم تذكر اسمه، لذا ربط بعضهم هذا الإنجيل بيوحنا على أنه التلميذ المحبوب، بينما ذهب بعضهم إلى أنه لعازر، وقال آخرون إنه الشاب النبيل الثري الذي جاء إلى المسيح فنظر إليه يسوع وأحبه [مرقس 10/21]. ويشكل تاريخ تدوينه مثار اختلاف أيضا بحيث يتفاوت تقديره ما بين سنتي 80 و115م، والمتفق عليه أنه كتب من أجل إثبات ألوهية المسيح التي أغفلتها الأناجيل الثلاثة السابقة ولم تتحدث عن المسيح إلا بصفته البشرية فقط. وقد قال القس يوسف الدبسي الخوري في مقدمة تفسيره المعروف باسم تحفة الجيل: “إن يوحنا صنَّف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة آسيا وغيرها، والسبب أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح، فطلبوا منه إثباته وذكر ما أهمله متَّى ومرقس ولوقا” [أبو زهرة، ص 64]، وهذا الإقرار يطرح تساؤلاً عن سبب إغفال الأناجيل الثلاثة -التي يُفترض أنها كُتبت بإلهام من الروح القدس- تلك المسألة الخطيرة التي تقوم عليها المسيحية وترك الأتباع غافلين عنها نحو قرن من الزمن قبل تدوين هذا الإنجيل، وقد يُستنتج من ذلك أيضا أن الأساقفة اعتنقوا ألوهية المسيح وحاولوا نشرها قبل وجود مستند كتابي لها، فلما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم طلبوا من يوحنا أن يكتب لهم إنجيلاً يدعم دعواهم.

 “أول من تحدث عن الأناجيل الأربعة في التاريخ المسيحي المعروف هو أرينيوس سنة 209م، ثم كليمنس أسكندريانوس سنة 216م”. [محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، ص 49].

ولعل أهم الانتقادات الموجهة إلى الأناجيل الأربعة أن نسخها الأصلية ما زالت مفقودة، فهناك فاصل زمني لا يقل عن مئتين أو ثلاثمائة سنة بين أحداث العهد الجديد وتاريخ كتابة مخطوطاته، وهي مدة كافية للتشكيك بمدى موثوقيتها، إضافة إلى الاختلافات الكثيرة بين هذه المخطوطات، فهي مليئة بالتناقضات فيما بينها من جهة، وبالتناقضات في أحداث وروايات الإنجيل الواحد من جهة أخرى، ونجد ذلك في المسألة الواحدة التي لا تحتمل إلا حقيقة واحدة.

موريس بوكاي

ومن أمثلة هذا الاختلاف نذكر اختلاف إنجيل متى عن لوقا في نسَب المسيح، واختلاف إنجيل يوحنا عن باقي الأناجيل في من حمل صليب المسيح لدى اقتياده من قبل الرومان، فبينما يذكر يوحنا أن المسيح هو الذي حمل صليبه، تؤكد الأناجيل الأخرى أن الذي حمله هو سمعان القيرواني. كما يختلف متى عن يوحنا في ذكر حادثة القبض على المسيح لمحاكمته، ويتناقض إنجيل لوقا في روايته لسرِّ القربان المقدس مع ما يرويه متى ومرقس.

وقد بين الشيخ رحمة الله الكيرانوي الهندي في كتابه “إظهار الحق” أوجهاً كثيرة للاختلافات والأخطاء التي حفلت بها هذه الأناجيل، كما أجرى الفرنسي موريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة” مقارنات واسعة بين الأناجيل الأربعة ودوّن عشرات الاختلافات والتناقضات، ولا سيما تلك التي تقع في داخل الإنجيل الواحد، بينما أوضح الأستاذ بجامعة زيورِخ روبرت كيل تسلر في مقدمة كتابيه “المخدوع الأكبر على مر الزمان” و”حقيقة الكتاب المقدس” أنه يتقبل مبدئياً كون بولس حسن النية ولم يسعَ لتدمير المسيحية من الداخل، إلا أنه مع ذلك أحصى في الكتابين مئات الأمثلة على الاختلافات والتناقضات العلمية والعقلية في الأناجيل الأربعة.

يقول القس السويسري جان شورر إن مخطوطات الأناجيل الأربعة تحتوي على أكثر من خمسين ألف اختلاف. [Das Christentum in der Welt und für die Welt، ص 104].
ويقول الألماني فيلهلم شميث إنه لا توجد صفحة واحدة من صفحات الأناجيل المختلفة لا يحتوي نصها الأصلي على العديد من الإختلافات [Bibel im Kreuzverhör، ص 39].

أمثلة أخرى على اختلافات الأناجيل:
ذكر متى [1: 20] أن ملاك الرب نزل إلى يوسف النجار في الحلم وكان نائماً ليخبره بولادة الطفل عيسى، بينما ذكر لوقا أنه نزل إلى مريم العذراء ولم تكن نائمة وأقرأها السلام [1: 28].

ذكر لوقا أن يوسف ومريم رحلا من الناصرة إلى بيت لحم قبل ولادة عيسى [2: 22]، بينما قال متى [2: 13] إن الرحيل كان بعد الولادة.

جاء في متى [1: 13] أن شلتائيل هو ابن يكنيا، بينما ذكر لوقا [3: 27] أن اسمه هو شلتائيل بن نيري.

صاح الديك عند محاكمة يسـوع مرة واحدة عند كل من متى [26: 75] ولوقا [22: 61] ويوحنا [18: 27]، بينما صاح مرتين عند مرقس [14: 72].

جاء في متى [15: 22]: “وإذ إمرأة كنعانية. . . صرخت إليه قائلة ارحمني يا سيد يا ابن داود”، أما مرقس فيقول إنها امرأة فينيقية [7: 26].

وإزاء هذه الاختلافات التي تطعن في مصداقية الأناجيل، وإذا كانت تلك الأناجيل قد كُتبت على أيدي أشخاص يُختلف في هوياتهم، يبرز سؤال عن مصير الإنجيل الأصلي الذي بشر به المسيح، والذي صرَّح بولس بوجوده وأشارت إليه الأناجيل الأخرى، لا سيما وأن هناك أناجيل عدة قد رُفضت من قبل مجمع نيقية كما أسلفنا، وهناك أناجيل أخرى رُفضت في قرارات كنسية لاحقة.

ومن أهم هذه الأناجيل المرفوضة من قبل الكنيسة، إنجيل برنابا الذي يشبه الأناجيل الأربعة المعتمدة من حيث سرده لقصة المسيح منذ ولادته وحتى اتهامه، ويذكر خطبه وحواراته، وقد جاء ذكره في رسالة أعمال الرسل، وقد كان برنابا إسرائيليا من سبط لاوي وأحد الرسل المعتمدين، ويقول في كتابه إنه شهد لبولس بالإيمان ورافقه في سفره ثم اختلف معه وافترق عنه، وكان برنابا يسافر للوعظ والهداية بتكليف من الكنيسة، ويُقر الأساقفة اليوم بكونه من الرسل الحواريين وبأنه من المُلهمين حسب اعتقادهم، إلا أنهم يصرون على عدم نسبة الإنجيل إليه.

عُثر على أقدم نسخة لهذا الإنجيل سنة 1709م باللغة الإيطالية، واحتفظ بها في البلاط الملكي بفيينا، ثم رجحت المصادر أن راهباً لاتينياً يدعى فريمو عثر على نسخة منه في مكتبة البابا سكتس الخامس، فقرأه وترجمه إلى الإسبانية واعتنق الإسلام، ويُذكر أن البابا غلاسيوس الأول (492م) أصدر قائمة بأسماء الكتب المنهي عن مطالعتها ومنها إنجيل برنابا، وصدور أوامر كهذه تكرر كثيراً خلال التاريخ المسيحي.

يمتاز هذا الإنجيل بقوة التصوير والعبارة المحكمة والمعاني المترابطة والحكمة الواسعة، ويدل على اطلاع كاتبه الواسع، ومع ذلك فقد أنكرته الكنيسة وعدته غير قانوني لأنه خالف الأناجيل الأربعة في مسائل جوهرية، هي:

1- عدم القول بألوهية المسيح وبنوته لله تعالى، والتصريح بنبوته وذم من يرفعونه عن ذلك المقام، والتنديد ببولس الذي أضل الناس بما ادعاه من مسائل تخالف ما جاء به المسيح، وقد قال مؤلفه في بدايته إنه سطر كلماته للرد على بولس.

2- التصريح بأن الذبيح الذي تقدَّم به إبراهيم عليه السلام هو إسماعيل وليس إسحاق كما هو مذكور في التوراة.

3- ذكر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم صريحاً، وبيان أنه هو المسيح المنتظر وأنه رسول الله، والنقل عن المسيح كلاماً وافياً في التبشير به لأن الحواريين طلبوا منه أن يصرِّح لهم بما يعلن حقيقته ففعل.

4- بيان أن المسيح لم يُصلب ولكن شبِّه لهم، وأن شبهه ألقي على يهوذا الأسخريوطي، وأنه طلب من الله أن ينزله إلى الأرض بعد رفعه ليرى أمه وتلاميذه فنزل ثلاثة أيام ووبَّخ كثيرين ممن اعتقدوا أنه مات.

وبهذا يكون إنجيل برنابا قد خالف بقية الأناجيل في أهم المسائل العقدية التي بنيت عليها العقيدة المسيحية، لذا تقرر رفضه والحكم عليه بأنه مختلق من قبل كاتب مسلم، مع أنه لم يُعثر عليه إلا في المكتبات الكنسية.

شعائر المسيحية
لا تسمو الشعائر المسيحية إلى منزلة العقائد، وإن كانت لازمة لكن عدم ممارستها لا يخرج المسيحي من دائرة الإيمان، ونذكر من أهم هذه الشعائر ما يلي:

1- التعميد: هو شعيرة متفق عليها بين كل الفرق المسيحية وكانت شائعة لدى اليهود قبل المسيحية، فكان النبي يحيى يعمّد الناس في نهر الأردن -كما يروون- ومن هنا سمي “يوحنا المعمدان” كما قام بتعميد المسيح نفسه كما أسلفنا. ويختلف علماء الكهنوت في تحديد وقت التعميد، فبعضهم يرى صحة التعميد في أي وقت من حياة الفرد، وبعضهم يقول إنه يجب أن يتم على فراش الموت على اعتبار أنه تكفير للسيئات فيفضل أن يتم في نهاية العمر، والغالب أن يتم التعميد في الطفولة حتى ينشأ الإنسان-كما يعتقدون- طاهراً من الذنوب. وهي في اعتقادهم تمحو الخطيئة الأصلية في النفس وتلدها ثانية. وقد يحدث التعميد برش الماء على الجبهة أو بغمس الجسم كله أو جزء منه في الماء، ولا بد أن يقوم بذلك الكاهن إلا في حال الضرورة، ويكون الرش أو الغمس ثلاث مرات، الأولى باسم الأب والثانية باسم الابن والثالثة باسم الروح القدس.

2- العشاء الرباني: يطلق عليه أيضاً اسم “التناول”، ويقصد به عشاء المسيح الأخير مع تلاميذه عندما اقتسم معهم -حسب الرواية- الخبز والنبيذ، حيث يرمز الخبز إلى جسده الذي كُسر لنجاة البشرية، ويرمز الخمر إلى دمه الذي سفك للغرض نفسه. لذا يُستعمل الخبز والنبيذ في هذا الطقس لاستدعاء ذكرى المسيح ليلة صلبه، ويعتقد المسيحيون أن الخبز والنبيذ يتحولان إعجازياً إلى لحم المسيح ودمه فيحصل الامتزاج بين المسيح وتعاليمه أثناء الأكل.

3- تقديس الصليب: يستند هذا التقديس إلى ما نُسب للمسيح في إنجيل لوقا (9/23) بقوله: “إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”، والمقصود بحمل الصليب هو الاستهانة بالحياة والاستعداد للموت والسير خلف المسيح المخلص واقتفاء أثره. ويعد الصليب أداةً للتذكير بالتضحية الضخمة التي قام بها المسيح من أجل البشرية، فكان القانون الروماني يجعل من حمله والطواف به بين الناس إشارة على صدور الحكم بالإعدام صلباً في حق من يحمله.

وفيما يتعلق بالتشريعات، تتصف المسيحية عموماً بفقرها التشريعي وتركيزها على الجانب الروحي وعدم الاهتمام بشؤون الدنيا، مع أن وصايا المحبة التي ركز عليها الآباء الأوائل لم تمنع وقوع الكثير من المجازر والحملات الدموية باسم المسيحية بدءاً بالحروب الصليبية ومروراً بمرحلة الكشوفات الجغرافية في عصر النهضة، ووصولاً إلى العصر الحديث وما شهده من حملات التبشير المرافقة للاستعمار.

وبما أن المسيحية تعتبر التوراة وأسفار الأنبياء السابقين كتباً مقدسة فقد اتبع أتباعها بدايةً الشريعة اليهودية والوصايا العشر، ويروى عن المسيح قوله: “إني لم أجئ لأغير الناموس ولكن لأقرر” [متى 5: 18]، ثم قرر الكهنة أن المسيح نقل التشريع إلى مرحلة متقدمة من خلال عظاته فاتفقوا على حصر المحرم في أربعة أمور فقط، وهي الزنا وأكل المخنوق والدم وما ذبح للأوثان، وخالفوا كثيراً مما جاء في التوراة فأحلوا مثلاً الخمر ولحم الخنزير، ومنعوا الختان المقرر في التوراة لأنه يشقُّ على بعض من يدعونهم إلى النصرانية فيفرُّون منها بسببه.

والعبادتان الرئيستان عندهم هما الصلاة والصوم، ومع ذلك يرى كثير منهم أن الالتزام بهما اختياري لا إجباري، ويقتضي الصوم عندهم الامتناع عن الطعام من الصباح حتى منتصف النهار ثم تناول طعامٍ خالٍ من الدسم. ويصومون في العام مرتان، الأولى صوم الميلاد وهو 43 يوماً تنتهي بعيد الميلاد، والثاني هو الصوم المقدس وعدد أيامه 55 يوماً وينتهي بأحد القيامة، ويمتنع في تلك الأيام أكل لحم الحيوان أو ما يتولد عنه ويستخرج من أصله. ويقتصر الصائمون على أكل البقول، ولا يُعقد في أثنائه سر الزواج. وهناك أيام أخرى للصوم يزيد عدد أيامها وينقص بحسب الطوائف.

أما الصلاة عندهم فيشترط لصحتها أن تقدم باسم المسيح، فالإنسان -بزعمهم- أبعد عن رضا الله بسبب خطاياه ولا يزول هذا البعد إلا بدم المسيح. وليس للصلاة هيئة محددة أو عبارات خاصة معلومة، بل يترك للمصلين أن يقولوا ما يشاؤون شرط أن تكون على نسق الصلاة الربانية التي قدمها لهم المسيح كما جاء في إنجيل يوحنا، وفيها: “أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، واغفر لنا خطايانا، لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا، ولا تُدخلنا في تجربة ولكن نجّنا من الشر”.

وأشهر الأسفار المشتملة على نماذج للأدعية والصلوات لديهم هو سفر المزامير من العهد القديم. ولا يجب عليهم عدد معين من الصلوات كل يوم كما أنه ليس لها أوقات محددة، فالأمر متعلق بنشاط المصلي ورغبته، ويرون أنه من الأفضل الإكثار من الصلاة على النقيض من اليهود الذين يرون أن الإكثار من الصلاة يدفع الإله إلى الملل.

وفيما يتعلق بشؤون الأسرة، تنص تشريعات المسيحية على أن الأصل في الإنسان هو الرهبنة، ولما كان ذلك مستحيلاً فقد أجيز الزواج، وكان تعدد الزوجات معمولاً به في البداية تبعاً للتعدد الذي قالت به اليهودية، ثم قيّد بزوجة واحدة على ألا يفترق الزوجان إلا بالموت، وبذلك لا يجوز الطلاق إلا في حال ثبوت الزنا على أحد الزوجين، أو إذا كان أحدهما غير مسيحي، إلا أن بعض الطوائف أجازت الطلاق في حال التنافر وانعدام الألفة. كما تهتم الكنائس المسيحية عموماً بتكثير النسل وتحارب تحديده وتحرم الإجهاض.

على سبيل المثال، تحرّم الكنيسة القبطية المصرية على أتباعها تحريماً باتاً تحديد النسل أو تنظيمه وتعد كل من يفعل ذلك مطروداً من رحمة الرب وقاتلاً لشعب الكنيسة، وكانت الكنيسة القبطية في بداية السبعينيات من القرن العشرين قد وضعت نصب عينيها هدف إكثار نسل المسيحيين حتى يبلغ عددهم نصف تعداد الشعب المصري خلال 15 عاماً.

طقوس الكنيسة وأسرارها
الطقوس في اصطلاح الكنيسة هي الصلوات والابتهالات التي تتم في الاحتفالات الكنسية، ويقوم بها الكاهن مع مجموعة من الأعوان، وتتضمن السجود أمام الهيكل فور دخول الكنيسة، وإطلاق البخور وذبح القرابين وتلاوة نصوص من الكتاب المقدس.

أما السر الكنسي فهو عمل مقدس تنال به نفس المؤمن نعمة الله غير المنظورة من خلال ممارسة طقس على يد كاهن شرعي، ويتضمن سبعة أسرار، وهي: سر المعمودية (أي التعميد بالماء)، وسر مسحة الميرون (أي الطيب باليونانية) وتطلق على السائل المركب من نحو 30 صنفاً من العطور والطيوب وهو متحدٌّ بسر المعمودية ويأتي بعده مباشرة، حيث يتناول الكاهن الميرون ويمسح به أماكن مختلفة من جسم المعمَّد 36 مسحةً، وبذلك يحل عليه الروح القدس بنعمه. وسر الشكر (الأفخارستيا) المتعلق بالعشاء الرباني والاتحاد مع المسيح، وسر التوبة والاعتراف ويلزم أن يكون أمام كاهن وأن يكون الاعتراف كاملاً وواضحاً، وثمرته الحصول على الغفران الذي يمنحه الكاهن نيابة عن الرب، وسر الكهنوت الذي يُختار به رجال الدين، وسر المسح على المريض ليُشفى روحياً وجسدياً، وسر الزواج للربط بين الزوجين برباطٍ مقدس دائم. وتسمى هذه الطقوس أسراراً لتسدل هالةً من التقديس على القسس الذين يمارسونها.

يُحظر على الراهبات الزواج مدى الحياة

ومن أهم الطقوس التي ظهرت في الكنائس المسيحية ظاهرة الرهبنة، فقد نشأت كمظهر من مظاهر الهروب من الناس والبعد عن الأدناس وهجر المدن والالتجاء إلى البراري والصحراء بغية محاربة شهوات الجسد والإكثار من العبادة والتأمل مع المحافظة على الانعزال والتفرد، ثم كثر الراغبون في الترهُّب فبنوا لهم صوامع متجاورة ثم أحاطوها بأسوار عالية فنشأت بذلك الأديرة (الكاتدرائيات).

وينسب المسيحيون أسس الرهبنة إلى المسيح الذي احتقر الدنيا وملذاتها، ويبررونها بالالتحاق بركب التضحية الذي عانى منه المسيحيون الأوائل زمن الاضطهادات الشديدة.

ومن أسس الرهبنة التبتُّل وعدم الزواج، فينسبون ذلك إلى المسيح بقوله: “يوجد خِصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات فمن استطاع أن يحتمل فليحتمل” [متى 19/13]، أما التقشف وتعذيب الأبدان بالجوع وخشن الثياب فمردُّه عندهم إلى ما جاء في أعمال الرسل [14: 22]: “وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن تدخل ملكوت الله”، وينبغي أن يترافق ذلك مع طاعة تامة يدين بها الرهبان لرؤسائهم.

غير أن تجربة التبتل في الأديرة والصوامع لم تحقق نجاحاً تاريخياً يعتد به، فتطرق لها الفساد بشكل يشكك بقدرة الإنسان على حرمان نفسه من إحدى حاجاته الأساسية دون إخلال بواجباته، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية (الإصلاحية) إلى التخلي عن الرهبنة والسماح للكهنة بالزواج قبل خمسة قرون، بينما تتمسك الكنائس الكاثوليكية بتقاليد الرهبنة لتصبح فضائح الكهنة الجنسية في كنائسها وأديرتها من أهم المواد الصحفية في الغرب خلال السنوات الماضية.

“الأديرة تحتوي على فساد عميق وهيهات أن يوجد فيها من يصلح للبقاء، إذ أنها تضم بين جدرانها أفّاقين أولى بهم غياهب السجون” [مجلة “رسالة الحياة” المسيحية، السنة الأولى، العدد 6، ص74].


أهم المراجع
مجموعة من اللاهوتيين برئاسة فرنس دافدس، تفسير الكتاب المقدس، منشورات النفير: بيروت، 1989م، ط2.

موريس بوكاي، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، دار الأفكار: بيروت، 1991م، ط1.

هيم ماكبي، بولس وتحريف المسيحية، ترجمة سميرة عزمي الزين، المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، 1986.

جون هيك، أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح، ترجمة نبيل صبحي.

محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، الرئاسة العامة للإدارات البحوث العلمية والإفتاء: الرياض 1404هـ، ط4.

محمد علي البار، دراسات معاصرة في العهد الجديد والعقائد النصرانية، دار القلم: دمشق 2006م، ط1.

أحمد شلبي، المسيحية، مكتبة النهضة المصرية: القاهرة 1993، ط10.

لينة الحمصي، المسيحية والإسلام، دار العصماء: دمشق 2010، ط1.

محمد الغزالي، قذائف الحق، دار القلم: دمشق 2002م، ط3.

سيد عاشور، اليهود في عصر المسيح عليه السلام، دار القلم: دمشق 1992م.

Jean Schorer, Das Christentum in der Welt und für die Welt, Wien 1949.

Jean Schorer, Pourquoi je suis devenu un chrétien libéral, 2. A., Genf 1971.

Willhelm Schmidt, Bibel im Kreuzverhör, Gütersloh 1963.

المسيحية الصهيونية

ربى الحسني


دونان مؤسس الصليب الأحمر هو أول من أطلق عليه اسم مسيحي متصهين

إن ما يعرف بالمسيحية المتصهينة ليس بالفكر الجديد، أو الطارئ على الثقافة والمعتقد المسيحي عامة والغربي منه خاصة؛ بل له جذور ربما تعود إلى البدايات المسيحية الأولى التي كان لشاؤول اليهودي الذي أصبح يعرف بالقديس بولس دور بارز فيها، وقد تطورت حتى وصلت إلى عقيدة متكاملة تتبناها الفرقة التي تمسك بزمام السلطة في الغرب والولايات المتحدة وتحاول انطلاقاً منها السيطرة على العالم وتسييره لخدمة رؤاها العقدية.

وتٌعرف المسيحية المتصهينة بأنها المسيحية التي تدعم الصهيونية، ثم أخذ هذا المصطلح بعداً دينياً وهو أن المسيحي الصهيوني إنسان مهتم بتحقيق نبوءات الكتاب المقدس من خلال الوجود العضوي والسياسي لإسرائيل، بدلاً من تحقيق البرنامج الإنجيلي من خلال المسيح والكنيسة. وأول من استخدم تعبير المسيحية الصهيونية هو تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية عندما أطلقه على السويسري هنري دونان مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو من الأثرياء الذين مدّوا يد العون إلى الحركة الصهيونية اليهودية.

تيار الألفية

رسم تخيلي لبولس

جاءت المسيحية بعد اليهودية كحركة إصلاحية مكمِّلة لها لكنها لم تنج من التبديل كحال سابقتها، فبعد رفع النبي عيسى عليه السلام إلى السماء بدأ التغيير في المسيحية، والذي كان لشاؤل (بولس) دورٌ بارزٌ فيه، وقد ركز على فكرتين قامت عليهما المسيحية، وهما ألوهية المسيح، وأممية المسيحية بعد أن كانت مقتصرةً على بني اسرائيل.

والملاحظ ظهور عدة فرق وحركات في وقت مبكر من تاريخ المسيحية تؤمن بعودة المسيح إلى الأرض، ومنها حركة المونتانية (Montanism) التي ظهرت بعد منتصف القرن الثاني الميلادي في آسيا الصغرى، وترجع إلى راهب اسمه مونتانس الذي أعلن أنه يتلقى الوحي من الروح القدس، وكان من أوائل من قالوا برجوع عيسى المسيح إلى الأرض؛ ليحكم مدة ألف عام سعيدة.

وكان سفر الرؤيا -وهو آخر أسفار العهد الجديد وأكثرها تنبؤاً بالمستقبل- هو المفضل لدى أتباع هذه الحركة، كما أعلن مؤسسها نهاية العالم ورجوع المسيح السريع إلى الارض، دون أن يحدد القدس مكاناً لذلك. وكان أتباعه يستعدون لهذا المجيء الثاني بالامتناع عن الزواج والإكثار من الصيام، واستمرت الحركة ولم تمت -كما كان متوقعاً- عندما لم تأت نهاية العالم التي تنبأت بها؛ بل ازدهرت وانتشرت حتى بعد موت مؤسسها.

وفي عام 200م امتدت الحركة إلى الغرب واحترم الكثيرون أتباعها لما يتمتعون به من التقشف، لكن الكنيسة حاربتهم وطردتهم من المدن، فانتشرت الحركة في القرى حتى القرن الخامس الميلادي.

ظهرت كتابات نبوئية كثيرة -يهودية ومسيحية- في تلك المرحلة، وكانت تركز على النبوءات التي تتعلق بنهاية الزمان وعلاماتها، وتتميز بامتلائها بالرموز والأعداد والكتابات السرية، وكان جل اعتمادها على نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

وهكذا ميّز الاهتمام بالمجيء الثاني للمسيح الكنيسة المسيحية منذ سنواتها الأولى، وقد ركزت كل التفسيرات اللاهوتية على انتظار العصر الألفي الذي سيحكم فيه المسيح الأرض لمدة ألف عام.

مرحلة العصور الوسطى

الغيتو اليهودي في فرانكفورت في منتصف القرن التاسع عشر

تميزت العصور الوسطى باضطهاد اليهود في أوربا، حيث فرض عليهم العيش في جيوب منعزلة (غيتو) بالمدن، واعتبر المسيحيون أن كل ما يصيب اليهود من ويلات هو عقاب من الله لهم بسبب “صلبهم” للمسيح، وأنهم بسبب خيانتهم يحملون ذنباً جماعياً يجعلهم دائماً موضع لعنة. ومع ذلك كان لهم تأثير خفي مع تسرب تراثهم تدريجيا إلى الفكر المسيحي، إلى أن نجحوا في السيطرة على الفاتيكان خلال الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، إذ كانت دوافع تلك الحملات في الظاهر مسيحية خالصة، وكان هدفها المعلن الاستيلاء على القدس كموطن للمسيح، لكن بعض الباحثين رجَّحوا أن اليهود هم الذين دفعوا الصليبيين إلى شن حملاتهم، فقد نجحت كثير من العائلات الميروفنجية ذات الأصول اليهودية في غرب أوروبا بالتغلغل داخل الطبقة الحاكمة حتى سيطرت عليها، وأقامت هذه السلالة مملكة من الأديرة والرهبان لا سلطان للفاتيكان عليها، بل هي تملك زمام الفاتيكان بالخفاء، وقد نجحت في تهيئة الظروف لشن الحملات الصليبية والوصول إلى الأرض المقدسة، حيث كانت جماهير المسيحيين مهيأة لقبول القراءة الحرفية لنبوءات النصوص المقدسة.

اللباس التقليدي لفرسان المعبد

وهنا يبرز دور فرسان الهيكل في دعم الحرب وتقديم العون المالي والعسكري لأمرائها، وهم أعضاء جماعة عسكرية دينية أحاطت نفسها وتاريخها بكثير من الغموض، تأسست في القدس عام 1119م، وأطلقوا على أنفسهم بدايةً اسم “الإخوة الفقراء جنود المسيح وهيكل سليمان”، وهو اسم يشير إلى جذورهم اليهودية المتغلغلة في النسيج الفكري المسيحي، وتقول الروايات التاريخية إنهم اتخذوا مقراً في القدس بعد احتلالها قرب الموقع الذي يعتقد أن الهيكل كان فيه، فللهيكل أهمية جوهرية في الفكر اليهودي وإعادة تشييده هي أسمى أهدافهم، أما المسيحية فلا يعنيها من الأرض المقدسة إلا قبر المسيح وكنيسة القيامة، بل يشكل خرابه وبقاؤه خرباً دليلا على صدق نبوءة المسيح كما جاء في سفر متى.

ويمكن النظر إلى الحروب الصليبية على أنها تعبيرٌ مبكر عن الإرهاصات الصهيونية الأولى بصبغتها المسيحية، فقد ساهمت بعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والمسلمين.

بُذلت لاحقا جهود ضخمة لتحويل يهود أوربا إلى المسيحية، لاسيما في إسبانيا والبرتغال بعد سقوط الأندلس، فاعتنق كثيرون المسيحية ظاهريا، بينما قام البعض بعملية توفيق بين المسيحية ومعتقداته اليهودية. وكان لهؤلاء دور فاعل في إنضاج اليهودية المسيحية أو المسيحية اليهودية خلال المدة ما بين 1491 و1497م في إسبانيا والبرتغال، ويقدر عدد هؤلاء بالآلاف وقد سُموا بالمسيحيين الجدد.

لعب المسيحيون الجدد دوراً تاريخياً بنشر الاعتقاد بأن العناية الإلهية متضمنة في حضور الرب خلال التاريخ الإنساني، وقالوا إن التاريخ الإلهي سيبدأ بمجيء المسيح مع بداية الألف عام السعيدة (الألفية)، فظهرت بين اللاهوتيين والمفكرين الدينيين تفسيرات جديدة للكتاب المقدس، تتصور تحول اليهود إلى المسيحية وظهور القبائل الإسرائيلية المفقودة باعتبارها الخطوات الأخيرة التي تسبق نهاية العالم، فأصبحت الأحداث العظمى المرتقبة هي عودة اليهود إلى أرض صهيون وإعادة بناء هيكل سليمان، وإعادة تأسيس الحكم الإلهي للأرض من القدس.

ومن هنا رأى المسيحيون أن اليهود شركاء لا غنى عنهم في الأحداث العظمى قبل مجيء المسيح، بعد أن كانوا أعداء يستحقون اللعنة.

كريستوفر كولومبس

اكتشاف أمريكا
من الشائع عن كريستوفر كولومبس أنه كان مغامراً وباحثا عن الشهرة والثروة والسلطة، ما دفعه لاكتشاف القارة الجديدة التي سميت (أمريكا)، إلا أن كولومبس كان يفكر بهدف أسمى –في نظره- حتى كرّس له كل وحياته، وهو اكتشاف ممالك جديدة يَهدي شعوبها إلى الدين المسيحي، ثم يجندها في ما أسماه “حرب الحياة أو الموت ضد إمبراطورية محمد”.

أما هدف النهائي لكولومبس فكان استعادة الأراضي المقدسة، تمهيداً لنزول مملكة الله على جبل صهيون في موقع الهيكل.

وكان يعتقد أن العناية الإلهية اختارته لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس، كما ترسخت لديه أسس الإيمان بخطة كونية لها بداية ونهاية، وكان يرى أن الكتاب المقدس بنصوصه التي يؤمن بحرفيتها هو دليل هذه الخطة، كما تصوّر نفسه رسول الوحي المستقبلي الكتابي الذي ينبئ باستعادة القدس وهداية اليهود، فكان يوقّع اسمه بصيغة مميزة، وهي “كريستوفرنز”، التي تعني باللاتينية “حامل المسيح”.

وهكذا كان الهدف من رحلاته إلى الشرق “هداية” الأمم الأخرى، وجمع الثروات لتوظيفها في تمويل حرب صليبية أخيرة، يقودها العرش الإسباني لاستعادة الأرض المقدسة من المسلمين.

وترافق اكتشافه لأمريكا مع سقوط الأندلس وخروج المسلمين منها، وإجبار من بقي منهم على اعتناق المسيحية، فشكل هذا الحدث حافزاً على حماس تبشيري جديد، وكان كولومبس يذكّر ملوك أوربا بتداخل هذه المصادفات التاريخية وتوافقها، ويدلل بذلك على تدخل العناية الإلهية ضمن خطة الله للكون، وهكذا استطاع إقناع ملك إسبانيا وملكتها بتمويل مشروعه.

ويجدر بالذكر أن كل هذه الأنشطة التبشيرية جاءت قبل حركة الإصلاح الديني، أي قبل نشوء البروتستانتية التي تعد تطوراً نوعياً في مسيرة المسيحية المتصهينة، حيث اشتهرت بنشاطها التبشيري الذي سيكون له عظيم الأثر في تغلغل الفكر الديني اليهودي بالمسيحية.

يؤكد باحثون مختصون في حركة الكشوف الجغرافية التي نشطت في القرن الخامس عشر أن فرسان الهيكل كانوا من رواد هذه الحركة، التي أسمت نفسها حينئذ “فرسان المسيح”، حيث انطلقت سفنها وهي ترفع على الصواري صليب فرسان الهيكل الأحمر الشهير، كما تبنى “المسيحيون الجدد” مشروع كولومبس ودعموه بالخرائط والتمويل، وكانوا من أوائل المستوطنين في أمريكا.

مارتن لوثر

حركة الإصلاح الديني
ترجع الانطلاقة الكبرى للمسيحية المتصهينة إلى حركة الإصلاح الديني التي أطلقها القس الألماني مارتن لوثر (1483- 1546)، فقد كان من بنود احتجاجه على الكنيسة البابوية احتكار الكنيسة لقراءة الكتاب المقدس بلغات لا يعرفها العوام.

كما احتج على احتكار الكنيسة تفسير النصوص الدينية ولعب دور الوسيط بين الناس والإله، ومنحهم صكوك الغفران التي ادعت الكنيسة أن حاملها يتحرر من العقاب الدنيوي ويحوز مكاناً في الجنة مقابل المال.

وهكذا تُرجم الكتاب المقدس إلى اللغات المتداولة وأصبح متوفرا للقراءة من قبل الجميع، وبعد التغلغل اليهودي الذي تحدثنا عنه في العقل المسيحي جاءت حركة الإصلاح لتشكل بعثاً عبرياً تولدت عنه وجهة نظر جديدة عن الماضي والحاضر والمستقبل اليهودي.

لم يكن لليهود في الفكر المسيحي مكانة متميزة قبل حركة الإصلاح كما أصبح لهم بعدها، فكان القساوسة يرفضون التفسير الحرفي للتوراة ويعطون قصصه وأحداثه معاني مجازية لحالات روحية وأخلاقية. وكانوا يرون أن اليهود ملعونين فطردهم الله من فلسطين إلى المنفى، وأنه نفاهم مجددا عندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر، وبذلك انتهى وجود الأمة اليهودية إلى الأبد ولن يجد شتاتهم الخلاص إلا بارتدادهم إلى المسيحية.

وكانوا يؤولون النبوءات المتعلقة بعودة اليهود على أنها العودة من المنفى في بابل بالعراق، والتي تحققت في القرن السادس قبل الميلاد، أما الفقرات التي تتنبأ بمستقبل مشرق لإسرائيل فكانت تُحمل على الكنيسة المسيحية، فالكنيسة هي مملكة المسيح وهي التجسيد التام للعصر الألفي.

لكن الانقلاب الفكري للبروتستانتية جعل اليهود هم شعب الله المختار والأمة المفضلة على كل الأمم، وبدأ الاعتقاد بأن ثمة ميثاقاً إلهياً يربط اليهود بفلسطين، وأن العودة الثانية للمسيح ترتبط بقيام دولة صهيون الإسرائيلية في فلسطين، قبل أن يعود ويقيم مملكته مدة ألف عام، ثم تقوم الساعة بعد ذلك.

في عام 1523م كتب لوثر كتابه “المسيح ولد يهودياً”، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية، وأدان اضطهاد الكنيسة لليهود محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد.

وقال فيه “إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات أسيادها”.

ثم ألف كتاباً آخر اسمه “ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم” عام 1544م، وطالب فيه بنقل اليهود من ألمانيا قائلاً “من الذي يحول دون اليهود وعودتهم إلى أرضهم في فلسطين، لا أحد، إننا سنزودهم بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم، لا لشيء إلا لنتخلص منهم”.

ويرى بعض الباحثين أن لوثر تراجع عن مواقفه المؤيدة لليهود في كتابه الأخير؛ إلا أن المتابع لحياة لوثر وأفكاره ربما يلاحظ أن رغبة لوثر في التخلص من اليهود ليست نابعة عن كراهية؛ بل هي تجسد عقيدته بشأن ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين، كما كان يمارس نوعاً من التقية لامتصاص غضب بعض المسيحيين الذين أثارتهم أفكاره الصهيونية، والدليل على ذلك ما أنتجته حركته من انقلاب نظرة المسيحيين لليهود من أعداء إلى شركاء، وربما سادة.

لقد ساهمت حركة الإصلاح الديني في اعتبار العهد القديم المرجع الأعلى للاعتقاد البروتستانتي ومصدر المسيحية النقية، وجعلته جزءاً من عبادات الكنائس، ومرجعا لتاريخ الأراضي المقدسة والأنبياء، ومصدرا لنبوءات آخر الزمان. وهكذا ظهر شعار “العودة إلى الكتاب المقدس”، كما ساد الاعتقاد بإقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون فرض قيود على التفسيرات التوراتية، مما فتح الباب أمام تسرب المزيد من الأفكار اليهودية إلى المسيحية.

زيادة على ما سبق، أعطى الإصلاح الديني للغة العبرية -باعتبارها لغة الكتاب المقدس- أهمية كبرى، حتى أصبحت جزءاً من الثقافة العامة ومن المنهج الدراسي اللاهوتي، فكانت وسيلة لفهم “كلمة الله” بشكل صحيح.

وبالنتيجة، تخلص البروتستانت من فكرة كراهية اليهود واعتبروهم شركاء محبوبين، ليس حبا في دينهم فقط بل لاعتقادهم بأن لهم دوراً في خلاص المسيحيين. وقد انتشرت البروتستانتية من ألمانيا وسويسرا إلى معظم دول أوربا الوسطى والغربية بعد جولات من الصراع مع الكاثوليكية.

الحركة البيوريتانية (الطهورية)

جون كالفن

بلغت النهضة العبرية بأفكارها الصهيونية ذروتها في عهد الثورة البيورتانية (الطهورية) في إنجلترا، وهي حركة دينية متشددة نشأت في القرن السادس عشر من رحم البروتستانتية، وكانت تتبع تعاليم القس الفرنسي جون كالفن (1509- 1564).

جاء وصف التطهر من عمل أتباعها على استئصال ما تبقى من الكاثوليكية في بريطانيا، وكانوا مغالين في إجلال الكتاب المقدس، كما خصوا العهد القديم بمكانة تفوق العهد الجديد، حتى استعملوا لغته والأسماء الواردة فيه باعتبارها أنسب أداة لنقل أفكارهم العنيفة، كما طالبوا الحكومة بأن تعلن التوراة دستوراً للقانون الإنجليزي، وساهموا في نشر فكرة الشعب المختار داخل الفكر الإنجليزي، وهي فكرة لعبت دورا جوهريا في الهجرة إلى العالم الجديد (أمريكا) باعتبارها أرض الميعاد.

جاء التطور الأهم في تاريخ المسيحية المتصهينة بانتقالها في أوائل القرن السابع عشر مع المهاجرين البروتستانت والطهوريين إلى أمريكا، حيث كان رواد الفكر الطهوري أهم مؤسسي الأمة الأمريكية وواضعي أسسها الدينية واتجاهاتها السياسية والاجتماعية القائمة حتى اليوم.

ويقوم هذا الفكر على ثلاثة اعتقادات رئيسة:
1- وجود خطة إلهية شاملة للعالم، يلعب فيها الطهوريون بهجرتهم إلى أمريكا دوراً هاماً، والإيمان بأن أمريكا كانت موجودة في “عقل الإله” لأهداف محددة منذ بداية الخلق.

2- اختيار العناية الإلهية للطهوريين المهاجرين إلى العالم الجديد، فهم شعب الله الذي اختارهم للهرب من فساد العالم القديم وإنشاء مملكة الله على الأرض، وهم في ذلك يشبّهون أنفسهم بقبائل إسرائيل في هروبها من مصر إلى أرض فلسطين.

3- الطهوريون على علاقة تعاهدية مع الله، وهم شركاء في تنفيذ مهمة حددها لهم في هذا العالم، تتلخص في تنوير بقية الأمم وإنقاذها من الجهالة والظلام.

ونرى أثر هذه المعتقدات في سلوك الأمريكيين العملي، سواء كانوا أفراداً عاديين أم شخصيات قيادية حاكمة، فقد حمل المهاجرون الأوائل معهم التقاليد اليهودية، وكانوا يُنزلون قصص التوراة على حياتهم اليومية، وأطلقوا على أمريكا اسم أرض الميعاد وإسرائيل الله الجديدة وصهيون، كما أطلقوا على مدنهم أسماء توراتية من قبيل كنعان وسيناء والقدس والناصرة، ويوجد في أمريكا على الأقل 12 مدينة وبلدة اسمها الخليل، و6 مدن اسمها بيت لحم.

أما مطاردتهم للهنود الحمر (السكان الأصليين) فكانت مقتبسة من مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين، وبما أنهم الشعب المختار فقد أباحوا لأنفسهم التضحية بالآخرين، واستعملوا أبشع وسائل القتل لإبادة ملايين السكان الأصليين، حتى بات اصطياد الهنود رياضة شعبية مسلية في بعض الولايات، بحيث يمزق جسد الضحية التي تصاب منهم، أو تلقى طعاماً للكلاب.

وانبثق عن هؤلاء مذاهب وحركات دينية تتمتع بحماس ديني بالغ، سيصل في مداه إلى تحول الرؤية الصهيونية من الموقع الرمزي لإسرائيل الأمريكية في العالم الجديد إلى الأراضي المقدسة (فلسطين) في العالم القديم، وهي من أهم أفكار اليمين المتطرف في أمريكا اليوم.

في عام 1776 اقترح ثلاثة من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وهم جيفرسون وآدمز وفرانكلين أن يتضمن شعار البلاد صورة لفرعون وهو يطارد بني إسرائيل بينما يضيء عمود من النار طريقهم، في إشارة إلى أن أمريكا هي أرض إسرائيل الثانية

العقيدة والأفكار
تؤمن المسيحية المتصهينة بما تؤمن به المذاهب المسيحية الأخرى فيما يتعلق بألوهية المسيح وبنوّته لله، كما تشاركها الاعتقاد بعقيدة التثليث والصلب والفداء. أما أهم ما يميزها فهو العقائد ذات الصبغة الصهيونية، والاعتقاد بأن لديها خطة إلهية للدهر تتضمن أحداثاً لا بد من وقوعها، فهي نبوءات آخر الزمان التي تشكل جوهر الفكر المسيحي الصهيوني، وفيما يلي أهم هذه العقائد:

1- عودة المسيح المخلص: تؤمن المسيحية عامة بدور المسيح في خلاص البشرية من آثامها عبر صلبه ظلماً ليكفر عن خطايا البشر، وأضيف إلى هذا الاعتقاد لدى المسيحية المتصهينة الإيمان بأن المسيح سيعود في نهاية الزمان، وأن تاريخ نزوله يوافق رقماً ألفياً، ثم يؤسس مملكته التي تدوم ألف عام ومقرها القدس، كما أنه سيبطش بأعداء اليهود ويضع الأمم تحت أقدامهم، فيحكمون العالم معه.

كانت هذه في البداية رؤية اليهود للمسيّا أو الماشيَّح المنتظر عندهم، وهو شخص آخر غير عيسى بن مريم الذي ينكرون نبوته ويعتبرونه كاذبًا؛ لكن فكرة انتظار الماشيح سرعان ما تسربت إلى الأدبيات المسيحية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من البروتستانتية، فأصبحوا ينتظرون المسيح كما ينتظر اليهود الماشيح. وهذه العقيدة تجعل الخلاص مرهوناً بالانتماء إلى اليهود (لدى اليهودية)، وبمساعدة اليهود (لدى المسيحية المتصهينة)، وتبرر أفعال القتل والإبادة في سبيل هذه الغاية.

2- ظهور شروط العودة المنتظرة، وهي:

  • تجمُّع اليهود في دولة لهم هي إسرائيل، وذلك يوجب مساعدتهم والتقرب منهم.
  • احتلال القدس وانتزاعها من المسلمين، فهي المدينة التي سيحكم منها المسيح العالم.
  • “إعادة” بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.
  • دعم دولة إسرائيل والدفاع عنها ومباركة سياستها، واعتبارها إشارة إلهية لرحمة الله واستجابةً لإرادته.

الدجال يتلقى تعليماته من الشيطان كما تخيله الرسام لوقا سيغنوريلي عام 1501

3- ظهور عدو المسيح Antichrist (يماثل المسيح الدجال لدى المسلمين) وجيوش الشر، وبحسب المسيحية المتصهينة فهو شخصية كافرة وطاغية وابن الشيطان، وهو المقصود بالوحش الذي ورد ذكره في العهد الجديد “فرأيت وحشاً طالعاً من البحر.. وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً” (الرؤيا 13: 1- 2)، ويقولون إنه سيظهر في منطقة العرب بآخر الزمان، وسيحكم الأرض مع الشيطان ويدنس الهيكل ببناء تمثال له فيه فينتشر الظلم والبؤس في العالم، كما سيعاد بناء مدينة بابل مما يؤدي إلى نزول المسيح لإنقاذ البقية الصالحة، فتدور معركة رهيبة يفنى فيها الكثيرون ويُقتل الدجال.

والمعركة المقصودة هي معركة “هرمجّدون”، وهي كلمة عبرية مكونة من مقطعين، هما (هَرْ) ومعناه تل أو جبل، و(مجدو)، وهو اسم سهل صغير شمال فلسطين، ويقولون إنها ستكون معركة ضخمة تحشد جيوشاً جرارة قوامها 400 مليون جندي، حيث تحتشد أمم الأرض ضد إسرائيل.

وينظر المسيحيون المتصهينون إلى المسلمين على أنهم أتباع الدجال، وأن المسيح سيغرقهم في بحيرة الكبريت والنار، وقد فسر بعضهم هذه النبوءة بالقنابل النووية، ثم يرفع المسيح أتباعه إلى السحاب وينقذهم من المعاناة.

تل مجيدو يضم أطلالا أثرية (AVRAM GRAICER)

ويؤمن بهذه النبوءة شخصيات عسكرية وسياسية وأكاديمية أمريكية كبيرة، وعلى رأسهم الكثير من رؤساء الولايات المتحدة.

4- عقيدة الألفية: يطلق اسم الألفية على مدة الألف عام التي يحكم المسيح فيها مملكته الألفية بعد الانتصار في هرمجدون والقضاء على جيوش الشر، ثم ينتهي العالم بعد ألف عام يحكم فيها المسيح كل الأرض من عاصمته في القدس. وقد درجت بعض الفئات المسيحية المتطرفة على ربط بداية هذه المملكة الألفية ببداية كل ألفية تقويمية، ما أدى إلى حماس ديني شديد يوصف بحمى الألفية، وقد ظهر في نهاية الألف الأول والألف الثاني من التقويم الميلادي.

5- تقديم العهد القديم على العهد الجديد، فمع أن بقية الطوائف المسيحية لا ترفض العهد القديم وتعتبره متكاملاً مع العهد الجديد؛ إلا أن العهد القديم أخذ موقعاً أساسياً لدى حركة الإصلاح الديني، لاسيما في إنجلترا البيوريتانية وفي العالم الجديد بالقارة الأمريكية، حيث بدأت قراءته بطريقة مختلفة عن السابق تعتمد النص الحرفي والتسليم بكل ما جاء فيه، لاسيما ما يتعلق منه بالنبوءات خاصة.

 

أبرز الشخصيات
هنالك العديد من قيادات المسيحية المتصهينة المعاصرة ممن أمضوا عقوداً كثيرة في الترويج للنبوءات المقدسة، منهم زعماء دينيون وشخصيات سياسية يجمعهم هدف واحد، هو ضمان الدعم التام لإسرائيل. وهم يشنون باستمرار حملات عنيفة على الإسلام والمسلمين، ويشتركون في مهارة استخدام وسائل الإعلام، كما يترأسون منظمات دينية وثقافية وسياسية واجتماعية، ويتصرفون بثروات وموارد مالية هائلة، ومن أبرز هؤلاء نذكر ما يلي:

جيري فالويل (Liberty University)

1- جيري فالويل: قس بروتستانتي أمريكي، يترأس إمبراطورية أصولية تعد من أكبر الإمبراطوريات الفردية قوة في العالم، ويتمتع بدور بارز في صناعة القرار السياسي الأمريكي.

يمتلك محطة إذاعية وتلفازية يستمع لها الملايين، ويركز من خلال برامجه على إعلان دعمه التام لإسرائيل وعلى مهاجمة الإسلام، وكان قد تأثر باحتلال القدس عام 1967م وأعطاه معنىً توراتياً.

2- بيلي غراهام: يعد من أكثر القادة المسيحيين تأثيراً في العالم، عمل مستشارا غير رسمي للبيت الأبيض، وكان مقربا من الرئيس السابق جورج بوش الإبن.

بات روبرتسون (Paparazzo Presents)

3- بات روبرتسون: زعيم ديني يتمتع بشهرة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الخارج، أنشأ مؤسسات إعلامية، ومن أهمها الشبكة التلفازية- الإذاعية المسيحية (CBN) التي أسسها عام 1960، ويقول إنه ينتظر اللحظة التي ستتولى فيها محطته نقل وقائع نزول المسيح فوق جبل الزيتون في القدس، كما صرح بأن ولاءه لإسرائيل جاء قبل ولائه لأمريكا نفسها.

4- هال ليندزي: يعد من أكثر العاملين في مجال تجارة النبوءات إثارة وشهرة، ألف العديد من الكتب، وبلغ من شهرته وقوة تأثيره أنه يُدعى للخطابة أمام المخططين العسكريين الأمريكيين في كلية الحرب الجوية ووزارة الدفاع (البنتاغون)، إضافة إلى علاقته الوثيقة بإسرائيل.

تضاف إلى القائمة السابقة أسماء عدد من رؤساء الولايات المتحدة، مثل هاري ترومان (1945- 1952) الذي يعد بإجماع التواريخ الصهيونية تجسيداً للمسيحية الصهيونية الأمريكية على المستوى السياسي، فكان أول رئيس في العالم يعترف بقيام دولة إسرائيل عام 1948.

ونذكر أيضا ليندون جونسون (1963-1969 )، وجيمي كارتر (1977- 1981) الذي اعترف بأن مشاعره المؤيدة للصهيونية كانت الحافز الذي صاغ سياسته في الشرق الأوسط، لكن رونالد ريغان (1981- 1989) قطع شوطا أبعد، فكان يعلن إيمانه بنبوءة “هرمجدون” ويتمنى أن تقع خلال حكمه، وتعتبر مدة رئاسته العصر الذهبي للحركة في أمريكا، وكان يدعو قساوسة الحركة إلى البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي لإبداء رأيهم في القضايا الاستراتيجية في ضوء النبوءات التوراتية.

أما جورج بوش الابن فيعد من “المسيحيين المولودين في المسيح من جديد”، وهو تعبير يستخدم للتعبير عن حدوث تحول جذري في عقيدة شخص ما، فقد ظل بوش الابن حتى سن الأربعين غير ملتزم دينياً إلى أن التقى بالقس غراهام، فقرأ الكتاب المقدس قراءة دقيقة، وتبين له أن المسيحية شهدت بداياتها في أرض إسرائيل التي تعد تحقيقاً للنبوءات المقدسة، وأن اليهود هم شعب الله المختار، ثم تطور لديه الاعتقاد بأنه شخص اختاره الله ليعيد الأرض إلى سيطرة الله، لذا لم يتردد عام 2001 في إطلاق وصف “الحملة الصليبية” على حروبه التي شنها في أفغانستان والعراق.

 

أهم المنظمات والفرق
تتمتع المسيحية الصهيونية بحضور قوي في الأوساط البروتستانتية، وتشكل الولايات المتحدة مركز الثقل لنشاطها وتوسعها، إذ يعمل في ميدان التبشير 80 ألف قسيس، وفي الثمانينات وحدها تم إنشاء 250 مؤسسة وجمعية دينية أمريكية مؤيدة لإسرائيل.

وتملك المسيحية الصهيونية مئات المحطات الإذاعية والمتلفزة، ويدعي قادتها أن عدد أتباعهم يزيد عن 100 مليون.

ومن أبرز مؤسساتها وأكثرها نشاطاً نذكر ما يلي:

1-المصرف الأمريكي المسيحي من أجل إسرائيل: مهمته الأساسية تمويل استملاك الأراضي العربية، وبناء المستوطنات وتهجير اليهود.

2-منظمة جبل المعبد: مهمتها إعادة بناء هيكل سليمان في القدس، ويقع مركزها بمدينة القدس، وهي تمول عمليات الحفر تحت المسجد الأقصى بحثاً عن الهيكل، وتجمع الأموال لامتلاك العقارات المجاورة له.

3-السفارة المسيحية الدولية في القدس: تعد من أبرز المنظمات وأكثرها أهمية، تكونت عام 1980م رداً على قرار 13 دولة نقل سفاراتها من القدس إلى تل أبيب.

تشارلز راسل

ويجدر بالذكر أن من أهم الفرق المسيحية المتصهينة وأخطرها جماعة شهود يهوه، وهي جماعة نشأت في الولايات المتحدة عام 1872 على يد تشارلز راسل (1852- 1961)، وتدور أفكارها حول أطروحة عودة المسيح وضرورة الخلاص ونهاية العالم، وقد حددت عام 1914 لعودة اليهود، وفيما بعد أعلنت أن المقصود هو عام 1917 في إشارة إلى وعد بلفور.

ويؤمن أتباعها بأن اليهود يلعبون دوراً حاسماً في صراع “الرب” ضد الشيطان، ولها اتصالات بالقيادات الصهيونية وتلعب دورا في الدعوة للهجرة إلى فلسطين، كما تتمتع بنشاط ملحوظ في نحو 200 بلد، ويزيد عدد أتباعها عن مليوني شخص.

بين الدين والسياسة
تمتزج هذه العقيدة بالسياسة، بل تشكل الأرضية التي تنطلق منها كثير من القرارات السياسية في الولايات المتحدة وأجزاء كثيرة من أوربا، وقد كانت فلسطين ولا تزال راسخة في أذهان المسيحيين على أنها أرضهم المقدسة منذ الحملات الصليبية،  كما أن فكرة “إعادتها” للعبريين كانت شائعة، لأنها المقدمة الحتمية لعودة المسيح، وهي عقيدة كثيراً ما أطلت برأسها طوال التاريخ المسيحي.

ولم يمض وقت طويل حتى شهدت أوربا حركة منظمة تنادي بعودة اليهود إلى فلسطين، لا سيما في إنجلترا البيوريتانية، حيث أرسل الاسترحام التالي للحكومة الإنجليزية عام 1649م: “ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لتكون إرثهم الأبدي”.

وكان نابليون بونابرت أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين، وذلك قبل وعد بلفور بنحو 118 عاماً. فخلال وجوده في بلاد الشام إبان حملته على الشرق، أصدر بياناً دعا فيه اليهود إلى أن يقاتلوا تحت لوائه لإعادة إنشاء مملكة القدس القديمة، وعندما رأى نابليون سهل مجيدو قال “إن هذا المكان سيكون مسرحاً لأعظم معركة في العالم”.

وفي تلك المرحلة، استُغل الأدب -الذي غدت أفكار العهد القديم من أهم مصادر إلهامه- لتحقيق هذا الهدف، فظهرت أعمال شعرية مثل “الفردوس المستعاد” التي تتحدث عن عودة إسرائيل، وكذلك رواية “ناثان الحكيم” التي تصور صلاح الدين على أنه الحاكم المسلم “القاسي والتافه” الذي احتل القدس، وأنه المسيح الدجال في نفس الوقت.

شافتسبري نشر في صحيفة تايمز المخصصة للمستعمرات عام 1841 “مذكرة إلى الملوك البروتستانت في أوروبا لإعادة اليهود إلى فلسطين”

وفي بريطانيا برز اللورد أيرل شافتسبري (1801- 1885) الذي وصف فلسطين بأنها “بلاد بدون أمة، لأمة بلا بلاد”، وهو الشعار الذي حولته الحركة الصهيونية فيما بعد إلى “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”، ثم بدأ التمهيد لتوطينهم من خلال بعثات استكشافية إلى فلسطين ابتداءً من عام 1865.

وفي العالم الجديد (أمريكا)، أصبح الوضع هناك أشد خطورةً وتأثيراً، وتمثل ذلك في تحول أنظار المستوطنين في العالم الجديد من أمريكا -بصفتها أرض الميعاد الرمزية- إلى الأراضي المقدسة الحقيقية (فلسطين). وغادرت جماعات أمريكية في القرن التاسع عشر إلى فلسطين لإنشاء مستوطنات هناك انتظاراً للحدث الكبير.

واستجاب كثير من الرحالة الأمريكيين في الشرق العربي لدعوة دينية لا تقاوم لتقفي أثر الإسرائيليين في رحلتهم إلى أرض الميعاد. فكانت رحلة الحج الأكثر أهمية في اعتقادهم تلك التي تسلك الطريق الذي سلكه الإسرائيليون، وتنطلق من القاهرة لتقطع صحراء سيناء على ظهور الدواب والجمال، رغم ما تتضمنه الرحلة من أخطار، وصولاً إلى فلسطين على خطى بني إسرائيل.

وقد دونوا في مذكراتهم تعبيرهم عن الألم -عند رؤية المسجد الأقصى- لاحتلال المسلمين موقع هيكل سليمان، ودعوا إلى ضرورة القضاء على الخلافة العثمانية، وإعادة اليهود إلى “دولتهم”.

وبدأ التخطيط لتحقيق هذه العودة، مرورا بمراحل متعددة بدأت بمحاولة السفير البريطاني في الأستانة (إسطنبول) “بونسو بني” عام 1840 بإقناع السلطان العثماني بقبول هجرة اليهود إلى فلسطين، كما اختير المسيحي الصهيوني وليم يونج ليكون أول نائب لقنصل بريطانيا في القدس كي يعمل على تهيئة الأوضاع لهجرة اليهود.

ومع انهيار الدولة العثمانية وسقوط الخلافة أعطت المسيحية الصهيونية وعدها الشهير على لسان أبرز دعاتها، وهو رئيس الوزراء البريطاني آرثر جيمس بلفور عام 1917. ثم عينت بريطانيا عند احتلالها لفلسطين يهودياً في منصب المندوب السامي هو هربرت صموئيل.

وكان الرأي العام الأمريكي يؤيد بشدة وعد بلفور، كما وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على الوعد وأيده عام 1918 قائلاً “كما خلّص موسى الإسرائيليين من العبودية، فإن الحلفاء الآن يخلصون يهوذا من أيدي الأتراك القبيحين، إن يهوذا يجب أن تقوم لتشكل أمة مستقلة، ويجب على حكومة الولايات المتحدة أن تمارس سلطاتها الملائمة لرؤية هذه الدولة اليهودية تقام، لتنبثق منها تعاليم ومبادئ يهوذا القديمة”.

وعد بلفور المقدم إلى روتشيلد

وتحقق الحلم عام 1948 بإعلان قيام دولة “إسرائيل”، وسارعت الدول الأوربية والولايات المتحدة إلى الاعتراف بها، لكن المرحلة الأهم بدأت عام 1967 مع احتلال القدس، ما أنعش آمالهم بتحقق الخطة الإلهية واسترداد القدس بالكامل من أيدي “مغتصبيها”.

إحراق المسجد الأقصى عام 1969

ومن المعروف أن حريق المسجد الأقصى ، الذي شب في 11/8/1969، افتعله الأسترالي مايكل روهان الذي ينتمي إلى إحدى الكنائس المسيحية المتصهينة، وكان قد دخل الأراضي المحتلة بصفة سائح، ثم انضم إلى عدد من أعضاء كنيسته في مستوطنة بالضفة الغربية، وأقدم على جريمته بحماية قوات الاحتلال تمهيدا لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى.

ومنذ ذلك الوقت تتسابق الحكومات الغربية، والأمريكية خاصة، على تقديم الدعم بكافة أشكاله لإسرائيل، وتبرير كل ما تقوم به من أفعال إجرامية.

أما في العراق فقد تنوعت التحليلات السياسية لأسباب الغزو الأمريكي، وتعرضت إلى جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاستعمارية؛ إلا أن معظمها أغفل الجانب الأهم لكل ما جرى وما يجري على أرض العراق، إذ كان لهذا الغزو بُعد ديني توراتي يعود إلى حقد دفين منذ أيام السبي البابلي عام 586 ق.م، على يد نبوخذ نصّر، فأمجاد العهد القديم وأحداث سبي اليهود هي بمثابة تاريخ حي لليهود والمسيحيين المتصهينين، ومن الخطأ محاولة فهم ما يجري من أحداث في المنطقة بمعزل عن التاريخ القديم.

وتختلف النظرة للعراق عن مثيلتها بالنسبة لفلسطين، فالثانية أرض مقدسة يطمحون للسيطرة عليها كي يحكم منها المسيح مملكته الألفية، أما العراق فهي رمز الظلم ومكان الشر الأول الذي يجب القضاء عليه.

ونجد في العهد القديم روايات تصور بابل في هيئة مركز للخطيئة والفساد، ومنذ بدء الحديث عن غزو العراق نُشرت في أمريكا آلاف المقالات التي تقول إن كل الأنظمة الكاذبة بدأت في أرض بابل، وإنها ستشهد اكتمالها بإعادة بناء بابل في آخر الأيام، فهي دولة معادية لله.

وقد صرح بوش بأن الحرب على العراق مهمة إلهية و”حملة صليبية”، وقال القس دافيد بريكيز إن تدمير بابل الذي ورد في سفر إشعيا (الإصحاح 13) يعني تدمير العراق، كما فسر النبوءات الواردة في الإصحاح  على أنها تشير إلى قيام صدام حسين الذي اعتبره خليفة نبوخذ نصر.

ويعتمد هؤلاء كثيراً على المزمور 137 من العهد القديم في ترسيخ عقيدة “بابل الشر” التي يجب أن تُدَمَّر، إذ يقول “على أنهار بابل هناك جلسنا بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون… إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني… يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة”.

الحركات المسيحية المتصهينة تنتظر تدمير دمشق

وبالفعل، حاصر الغرب المتصهين العراق سنوات عديدة ، ومنع عن أهله الدواء والغذاء مما أدى إلى وفاة مئات الآلاف من أطفاله، الذين “ضُربوا بالصخرة” تنفيذاً لما ورد في النص.

وبعد سقوط العراق وتدميره، تروج الحركات المسيحية المتصهينة والمنظمات التابعة لها نبوءة أخرى تتعلق بدمشق، والتي تقول”وحي من جهة دمشق، هو ذا دمشق تُزال من بين المدن وتكون رجمة ردم” أشعيا (17:1)، وتمتلئ شبكة الإنترنت بمئات المواقع التي ترصد إرهاصات هذه النبوءة. ففي شهر أيار من عام 2002، نشر موقع apocalypsesoon.org على سبيل المثال بصفحته الرئيسية عنواناً كبيراً باللون الأحمر يقول “دمشق لن تبقى مدينة بعد الآن”.


أهم المراجع
فؤاد شعبان، من أجل صهيون، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003م.

ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية: جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1985م.

جون ك. كولي، تواطؤ ضد بابل، ترجمة أنطوان باسيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2006م.

غريس هالسل، يد الله: لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل، ترجمة محمد السماك، دار الشروق، القاهرة، 2000م.

منير العكش، أمريكا والإبادة الجماعية: حق التضحية بالآخر، بيروت، دار رياض الريس.

محمد السماك، الدين في القرار الأمريكي، دار النفائس، بيروت، 2003م.

محمد السماك، الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطة، 1991م.

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2013.

رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم، مكتبة الشروق، القاهرة، 2001م.