مقالات

الإلحاد في سن المراهقة .. أنماط وأشكال

أقتبس في مستهلّ هذا المقال المقولة الآتية: “ما كان من عبارة أبلغ من توصيف مآلات التنوير في الغرب بأنها حداثة ضد الله”[1]، فقد هدفت العلمنة الغربية لنزع السحر عن العالم، إلا أن جموحها في الانفصال عن الوحي وتطرفها في إبعاد شعائر الدين عن السياسة أوصلهم إلى صدّ الناس عن الإيمان، ومن هنا فإن الحديث عن الإلحاد ظاهرةً لا يعقَل أن يُتناوَل إلا مع عصر التمرّد وفرض نزع الإيمان عن دنيا الإنسان.

وها نحن في أيامنا هذه، نرى الإلحاد يتفشّى لا لدواعٍ موضوعيّة وإنما لأسباب عارضة، ومشاكل بشرية خاصة، وعواطف جياشة، ومع انتشار الشبهات وسهولة ترويجها، بات الميل إلى هذا الطريق أيسر مما عداه، زعمًا بأن الإنسان يجد فيه راحته، إلا أنه في الحقيقة المنحدَرُ الذي يؤدي بالمرء إلى تعاسة الحياة الدنيا وسوء المنقلب في الآخرة.

إلحاد التمرّد عند الشباب

يمتزج الصراع الداخلي في دواخل الشباب خلال ما يعرف بفترة المراهقة التي تعدّ في زمننا هذا من أحرج الفترات في حياة الإنسان، ففيها يبدأ الشاب بالشعور بذاته والثقة بنفسه وعقله، فيعتبر آراءه وأحكامه العقلية هي المرجعية التي قرر في ضوئها صواب وخطأ الآخرين، بل ويجعل من نفسه ندًّا للكبار فيتمرد عليهم ويرفض ما لا يروق له من آرائهم وأفكارهم، كما تسيطر عليه الرغبة في الظهور، وقد أفرزت هذه الصفات عدداً من الأنماط الإلحادية، مثل (إلحاد التمرد) حيث يعتبر المراهق نفسه أنه وصل إلى السن الذى يستغني بفهمه للواقع عن كل الناس فكأنه العالم واسع الاطلاع، رغم أنه لم يقرأ سوى بضع صفحات من كتاب، فيرى نفسه مثقفًا يستطيع مجادلة أي شخص وأن يقارن نفسه بالعلماء، بل يمتد هذا التكبر ليصل لمواجهة الذات الإلهية نفسها فيبدأ بنقد بعض الأوامر الإلهية وحكمة الله في الأرض.

إن التمرد من الصفات التي قد تصيب مرحلة المراهقة ولها أسباب متعددة، ومع تطورها يتمرد الشاب على كل شيء حتى الأبوين، ومن أسباب ذلك، عيش المراهق في حالة صراع مستمرة بين مرحلة اللعب وبين التطلع إلى مرحلة الشباب التي تكثر فيها المسؤوليات، وكثرة القيود الاجتماعية التي تحد من حركته، وضعف الاهتمام الأسري بمواهبه وعدم توجيهها الوجهة الصحيحة، وتأنيب الوالدين له أمام إخوته أو أقربائه أو أصدقائه، ومتابعته للأفلام والبرامج الرافضة للدين، وتأثره بالأصدقاء –الحقيقيين والافتراضيين- الذين يدعونه إلى التمرد على القيم الدينية والاجتماعية والعنف.

كما أن كثيرًا من هؤلاء المتمردين على آبائهم يرون في الابتعاد والاستغناء عن الموروثات نمطًا لحياتهم، وهنا يشعر الشاب المتمرد أن حياته سعيدة مستقرة مع الإلحاد، فلماذا يشغل نفسه بقضية الألوهية والدين في الوقت الذى لا يشعر بحاجه إلى الإيمان بها.(1)

وربما كان إلحاد بعض الشباب عائدًا إلى حب الشهرة والظهور، وهنا أستشهد بما كتبه د. عمرو شريف عن قصة لأب أخبره أن ابنه فشل في تحقيق ما حققه أخوته من تفوق في مجال الدراسة، وأخيراً مال إلى الحديث مع الأخرين في قضايا الألوهية، ثم تبنى الإلحاد بشكل كامل، وأنه عندما حاوره وجده فخوراً بأن ذلك جعله حديث المدرسة، طلبتها ومدرسيها، بل وجعله يجلس ويحاور عدداً من العلماء والمفكرين استجابة لوساطة والده أملاً على أن يردوه عن إلحاده.

إن مخالفة أعراف المجتمع ومفاهيمه وقيمه المستقرة هي أيسر الطرق لتحقيق ذيوع الصيت والشهرة بين الأقران والآخرين، ويجسد هذا المعنى موقف ” زكي مبارك” فقد هاجم الإمام الغزالي في رسالته للماجستير التي كان عنوانها “الأخلاق عند الغزالي” وبعد أن صحح مبارك مساره وأدرك قيمة المنهج الإسلامي كتب في مقدمة رسالته للدكتوراه وعنوانها “التصوف الإسلامي” إليك أعتذر أيها الغزالي قصدت مهاجمتك حتى أشتهر، فالشهرة قد تأتى على أكتاف العظماء.

إلحاد التقلبات المزاجية

تمرّ فترة المراهقة بكثير من التقلبات المزاجية، وهذا يؤثر في مدى تمسك المراهق والمراهقة بالقيم الدينية والعقائد الدينية، فلعلّ المراهقَ يتحمس للدين يومًا، وفي يوم آخر تراه فاتر الهمة وقد ذبل حماسه الديني.

إن وقع المراهق أو المراهقة في وقت فتورهما في أيدي بعض الملحدين، فقد يستطيع الملحدون التأثير في عقيدته الدينية بكل سهولة، نظرًا لتقلّباته المزاجية التي يمرّ بها باستمرار. فإذا ما كانت الأسرة واعية لمثل هذه المواقف، فإنها بتديّنها ووعيها تستطيع حماية أبنائها وبناتها من هذه الاحتمالات والمخاطر. وحتى إذا اكتشفت بوادر ميول إلحادية قد بدأت في البزوغ في عقل الابن أو البنت المراهقة، فإنها تستطيع السيطرة عليه بتقديم البراهين المضادة التي تعمل على تثبيت الإيمان وإزالة الإلحاد من ذهنهما.

تعود التقلبات المزاجية لأسباب مختلفة، فقد تكون مشكلة نفسية أو سلوكية خطيرة يعاني منها المراهق مثل الاكتئاب، أو لتعاطيه للمواد المخدرة، أو إصابته بالاضطراب ثنائي القطب، فالمراهقون هم أكثر عرضة للأمراض النفسية ممن سواهم.

إن المراهقة مرحلة لا تخلو من الأزمات النفسية الناجمة عن التغيرات الفيزيولوجية ويرافق التقلبات المزاجية تغييرات فكرية، ويشعر طوال الوقت بالحزن الشديد، ويميل إلى العزلة ويفقد الرغبة أو الحماس لأي نوع من الأنشطة، وهذه التقلبات قد تؤدّي به للتفكير في أفكار انتحارية، وأفكار سيئة أخرى كثيرة مثل الإلحاد، ولذلك يجب على الوالدين معرفة أعراضها وأسبابها وطرق علاجها جيدًا قبل أن تتفاقم.

الإلحاد والحرية المطلقة

يحب المراهق في مرحلة التمرد كل ما يقربه من التحرر والاستقلالية سواء كان من الأوامر أو النواهي، وقد تصل الحرية معه إلى حد مسألة الدين نفسه حتى يصبح إله نفسه، وهنا أقتبس من الدكتور جيفرى لانج أحد الملحدين السابقين ما دوّنه عن تلك المرحلة من حياته في كتابه “الصراع من أجل الإيمان”: “… وهكذا فقد أصبحتُ ملحدًا في سن الثامنة عشرة من عمري، في البدء شعرت بالحرية؛ لقد كنتُ حرًّا لأعيش حياتي الخاصة بي وحدي، ولم يكن لدي ما يدعو للقلق من أجل إرضاء قوة فوق بشرية، وكنتُ فخورًا إلى حد ما بأنني كنتُ أمتلك الجرأة لتحمل مسؤولية وجودي، وأملك زمام نفسي، وكانت رغباتي طوع إرادتي بعيدة عن سيطرة أو مشاركة الكائن الأسمى أو أي شخص آخر، وأنا الذي كنت أقرر لنفسي ما كان خيرًا أو شرًّا أو صوابًا أو خطأ، لقد أصبحت إله نفسي.”(2)

ولكن سرعان ما يرجع المراهق الملحد من هذا التحرر ليجد نفسه أمام الرعب الإلحادي ووحدته القاتلة، يقول جيفرى لانغ: “سرعان ما تعلمت أن لا أحد يعرف الوحدة كالملحد، فعندما يشعر الشخص العادي بالعزلة فإنه يستطيع أن يناجي من خلال أعماق روحه الواحد الأحد الذي يعرفه ويكون بمقدوره أن يشعر بالاستجابة، ولكن الملحد لا يستطيع أن يسمح لنفسه بتلك النعمة؛ لأن عليه أن يسحق هذا الدافع، ويذكر نفسه بسخفها؛ لأن الملحد يكون إله عالمه الخاص به، ولكنه عالم صغير جدًّا؛ فعالمه قد حددته إدراكاته، وهذه الحدود تكون دومًا في تناقص مستمر.. إن المؤمن يمتلك إيمانًا بأشياء تفوق إحساسه وإدراكه، في حين أن الملحد لا يستطيع حتى الثقة بتلك الأشياء، وعنده ليس هناك من شيء حقيقي تقريبًا، ولا حتى الحقيقة ذاتها.. إن هدف الملحد الأسمى ليس الذهاب للجنة، بل أن يذكره الناس.. لا شيء يشبع حاجات الملحد؛ لأن عقيدته تخبره أنه ليس هناك شيء كامل أو شيء مطلق.. وأدركت بجدية قاسية أن عالمي أصبح سجنًا أو مكانًا لأختبئ فيه، ولكنني لم أكن لأعلم ممَ كنت أحاول الهرب، حقًّا إنه ليس من السهل أبدًا أن تصبحَ إلهًا”(3)

بكل تأكيد فإن هذه الأنماط ليست الوحيدة، فثمة أنماط أخرى، كأن يتجه الشخص للإلحاد بسبب ما يعرف بمعضلة الشر –أخي هادي نضع هنا مقال معضلة الشر التي في موقع السبيل– أو رغبة منه في تجربة شيء جديد، وهذا النمط من الشباب تراه علمانيًّا في يومٍ ومعتنقًا لعلوم الطاقة وروافدها في يومٍ آخر، أو يكون متزمّتًا في يوم، متساهلاً في أيام أخرى، وهكذا دواليك.

في الختام، فإنه يجب التنويه إلى أن الضعف المعرفي بالدين من أخطر الأسباب التي تقود المراهقين إلى الإلحاد، فقد أكدت دراسة تم تطبيقها على عينة من المراهقين لمعرفة أسباب الأفكار الهدامة للدين كالإلحاد واللا دينية واللا أدرية وكانت النتيجة أن قلة المعرفة الدينية لدى المراهقين في الترتيب الأول وبلغ (84.79%)، وجاء في المرتبة الثانية قلة الكتب التي تواجه هذه الأفكار –بحسب أقوالهم- وبلغت نسبة (71.41%) وحصلت على الترتيب الثاني من جملة الأسباب[2].

يجب على الأهالي أن يهتموا لصحة أبنائهم النفسية وأن يتابعوا أحوالهم الإيمانية بالتأسيس بدايةً من خلال الحرص على تعليمهم مبادئ الدين وعلومه الشرعية بشكل متزنٍ وراسخ، إضافة إلى تهيئتهم نفسيًّا لمواجهة شبه الإلحاد ومنحهم الآلية التي تكشف عن تهافت تلك الشبه، سواء من خلال المناقشات البنّاءة أو إرسال الإشارات الواضحة في نقدها من خلال تبادل الأحاديث أو من خلال دفعهم للقراءة المنهجية التي تراعي حالتهم النفسية.


[1] محمود حيدر، تقديم للعدد السابع من مجلة الاستغراب.

(1)  عمرو شريف. وهم الإلحاد، مرجع سابق، ص ص 136-140

(2) “الصراع من أجل الإيمان ص 24-25”

(3) الصراع من أجل الإيمان ص25-27″

[2] سوسن محمد الشاملى سليم، دور البرامج الدينية العلمية في مواجهة الأفكار الهدامة للدين لدى المراهقين، كلية الدراسات العليا للطفولة، قسم الإعلام وثقافة الأطفال، جامعة عين شمس.