مقالات

السحر الأعظم

السحر في اللغة هو كل أمر يخفى سببه ويُتخيَّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومنه إخراج الباطل في صورة الحق، وهو أيضاً كل ما لطف مأخَذُه ودَقّ، والسحر مذموم كله في الشريعة ‏لقلبه الحقائق، وإخفائه الحق بالباطل، ولما فيه من خداع للناس. أما في الفكر الغربي المنتشر اليوم، فالسحر محمود ومطلوب، ويُنَشَّأُ الأطفال على حُبِّه والحاجة إليه لتحقيق الرغبات والمستحيلات.

السحر بين الاستعراض والإضلال

يقول الله تعالى في كتابه: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم} [الأعراف: ١١٦]، وهنا ‏نرى من الآية الكريمة أن ما فعله السحرة زمن موسى عليه السلام ‏هو الاستعراض أمام أعين الناس، فأروهم الأمر على غير حقيقته حتى يؤثروا في آرائهم وعقولهم، كما أنهم أرادوا به ترهيب الناس وتخويفهم، وكل ذلك في سبيل تحقيق مآربهم من تطويع الناس لهم أو لسُلطة الباطل، فيقوم الناس بما يريده هؤلاء لا ما يريده صاحب الخلق والأمر، أي الله رب العالمين، أو ما يريده الناس أنفسهم.

‏فالسحر أداة يستخدمها الطغاة وأهل الباطل في الماضي والحاضر من أجل التحكم بالناس وآرائهم وعقولهم بالإضافة إلى تخويفهم.

‏‏والسحر أنواع، فمنه ما يُستعان له بالجن والشياطين والشعوذة، ومنه ما لا يستعان له بالجنّ أو غيرهم مباشرةً، إلا أن بينهما شبهاً كبيراً في الأعراض من تهيئة الخيالات وتفريق الأزواج، كما أنه يؤدي إلى المقصود والمراد منه من قوة التأثير ودقة في الأسلوب وقلب للحقائق، كما قال صلى الله عليه و سلم (إن من البيان لسحراً) [أخرجه البخاري في الصحيح برقم: 5767].‏ ولذلك فإن الناس إذا ما رأوا تأثيرًا أو تغيراً كبيراً وقد جهِلوا سببه، أعادوه في كثير من الأحيان الى السحر، ‏وهذا ما اتهم كفارُ قريشٍ القرآنَ الكريم به من أنه سحرٌ، وذلك لقوة تأثيره وجهلهم بكيفية هذا التأثير وأسلوبه، إلا أن القرآن ليس فيه خداع أو باطل، بل هو حق من الله وإعجاز لعباده ليقروا بعظمته وعظمة مصدره.

إن أعظم سحر في الزمن المعاصر -ولربما على مرّ العصور- هو سحر الشاشات من التلفاز والحواسيب والهواتف وما يعرض عليها من أعمال فنية وأفلام وإنتاجات سينمائية ومسلسلات ومحاكاة وتطبيقات، فقد عظم بلاؤه وانتشرت فتنته حتى لا يكاد يكون هناك أحد من الناس إلا وقد أصابه نصيب من هذا السحر، حيث يجلس أمامه الـمُشاهِد فيقضي الأيام من العمر ويُسلَب الوقت منه من غير أن يشعر.

يصبح الـمُشاهِد أسيراً له فيتقلب أمام الشاشة من الحزن إلى الفرح إلى الخوف إلى القلق إلى الحسرة ثم النشوة، فيعيش الأحداث والشخصيات ‏وكأنها حقيقة، ثم إذا ما انتهى العرض وجد نفسه في عالم آخر ‏وحقيقة أخرى أقل شأناً لا ترضيه، فيفضل الحياة التي كان يعيشها في الشاشة، فإما أن يكتئب أو أن يتمرّد على حياته وواقعه.

‏فيصبح المعروض في الشاشات هو الأساس وهو المرغوب وهو المطلوب للمشاهد. وإنما أُريد بهذا الـمُشاهِد سلبُ رأيه ووعيه وكسر إرادته وعزيمته ليكون أقرب للرجل الآلي منه للإنسان، وكل هذا يحصل من دون أن يشعر الـمُشاهِد.

تلبيس الحق بالباطل

‏هذا السحر ‏يجعل الـمُشاهِد يعيش في الماضي السحيق كما يعيش في المستقبل البعيد، كما أنه يعيش في عوالم أخرى خيالية لا وجود لها، ‏ومن هذا السحر ما يعيد صورة الموتى إلى الحياة، ‏ويقرب البعيد ويبعد القريب. ‏ومنه ما يجعل صاحب الحق ظالمًا إذا طالب بحقه، ويجعل الظالم مسكيناً تحزن لحاله وتأسى عليه، و‏يجعل الضحية مذنباً والجاني محقاً مبرراً فعله. ويجعل الآمر بالمعروف متدخلاً في شؤون الآخرين، والناهي عن المنكر متعدياً. ويجعل القبيح جميلاً والجميل قبيحاً.

هذا السحر يستطيع أن يجعل الحرام مرغوباً والحلال ممقوتاً، ‏فيظهر للمُشاهِد أن الحرام منتشر وشائع في المجتمع ‏فلِما لا يفعله هو أيضاً، فيفعل الحرام ظناً منه أنه منتشر أصلاً، فيكون جميع المشاهدين هم أول من قام به وساهموا جميعاً في نشره.

لقد التبس الحق بالباطل والعلم بالجهل والحقيقة بالخيال حتى أصبح من الصعب الفصل والتمييز بينهما، حيث تُستخدَم أعقد تقنيات الإنتاج السينمائي لإثبات نظريات وتحقيق فرضيات معيّنة، فيظنها الـمُشاهِد بأنها حقائق ومسَلَّمات علمية.

كما أن هذه المنظومة تظهر الخمور والمخدرات على أنها ترويح عن النفس وراحة للقلوب، ولا يظهر لأحد الآثار السلبية على نفس الفرد وأهله ومجتمعه لتناول هذه المواد وتعاطيها، وتظهر الزنا والبغاء والفحش على أنها مغامرات حب وتسلية اعتادها الشباب لدفع الملل أو لإيجاد الشريك المناسب، وتظهر الإباحية على أنها متعة ونشوة وسمو، ويبالغ في عرض جوانب الإحساس والمشاعر بشكل أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع، وربما أُلحِق بذلك ممارسات شاذة لتهييج المشاعر والشهوات ودفع المشاهد البريء إلى فعل الحرام ظناً منه بأنه يحصّل ما عُرِض في الشاشات، وأنّى له ذلك، إلا أنه لا ريب يضيع بعد ذلك، فيبقى في دوامة البحث عن تحصيل المزيد من المتعة، ولا يظهر لأحد الآلام النفسية والجسدية والمجتمعية لفعل هذه المحرمات، إضافةً إلى استحقار الذات والغير وتدمير إنسانية الانسان.

ظلال السحر المعاصر

إن كان الغرض من المشاهدة التسليةَ وتمضية الأوقات، فعلينا أن نوقن بأن الغرض من الإنتاج الربح المادي وتشكيل المجتمع والأفكار والاعتقاد وهندسة الآراء ووعي الجماهير، فقد خفي عن أذهان كثير من الناس أن السحرة المعاصرين –أي منتجو الأفلام وأعوانهم- قد درسوا بشكل دقيق كل ما يجذب النفس البشرية ويثيرها ويستهويها، وتعمقوا في فهم ما يحزنها ويخيفها و يهزها، ومن هنا فإننا لا نرى أي عمل سينمائي أو إعلان لمنتج أو غيره إلا و قد تم تمحيصه ومعالجته حتى يدفع بالـمُشاهد إلى شرائه وبذل ما لديه من مال وربما دفع ما ليس لديه من أجل اقتنائه أو امتلاكه.

ينصبّ جهد هؤلاء على اصطياد الـمُشاهِد وجعله طامحًا طامعًا بتحصيل المرغوب من المنتجات أو الخوف من تفويته أو الخوف من حصول المكروه بعدم الحصول عليه. فإعلانات الأطعمة مثلاً، تظهر بشكل شهي للغاية في الصور المعروضة، إلا أنك حين تحصل عليها تراها رديئة في كثير من الأحيان. وقل مثل ذلك عن الألبسة التي تظهر جميلة على العارض أو العارضة فإذا ما ارتديتها ظهرت بمنظر غير جذاب.

يريد صيّادو المستهلكين تثوير الإغراء باستمرار، فالسمة العامة هي التعاسة وعدم الرضا عن الذات أو الغير أو الحياة ككل، وإن السبيل إلى السعادة –كما يروجون- هو بأخذ المزيد من الشهوات والمنتجات، وغاب عن الكثير بأن ذلك مستنقع ووحل كلما أوغلت فيه أكثر ، غصت فيه أكثر و صعبت النجاة، إلا لمن رحم الله.

إن أمر الله غالب، إذ قال سبحانه }إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى{ ]طه: ٦٩[ وقال }ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين{ ]يونس: ٨١[، ولذلك علينا اتباع أمر الله لموسى عليه السلام لنبطل مفعول هذا السحر }قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى{ ]طه: ٦٨[، ويتحقق ذلك أولاً بإدراك هذا السحر و تأثيره في حياتنا، ثم العمل على إحقاق الحق في وجه، فاليقين بأن الحق فقط هو ما يدمغ الباطل، وليس لنا من بد إلا باتباع الحق اتباعا تاماً وعزله عن هذا الباطل حتى يبطل مفعوله.

ختاماً، فإن هذه المقالة هي دعوة استنهاض لأصحاب الهمم العالية التي قد خملت، هي دعوة للتيقظ والنظر من حولنا إلى الحياة التي نعيشها في بيوتنا ومجتمعاتنا، هي دعوة لرؤية الحق حقاً والباطل باطلاً، هي دعوة لأن نكون مآذن من نور ونجوماً في السماء تضيء لهداية الناس إلى رب العالمين.