مقالات

هديُ الإسلام في التخلّص من الحسد

لو أراد أحدنا استقصاء جميع جرائم القتل والسرقة عبر التاريخ ثم نظر في أسبابها لأدرك أن المحرّك الرئيسيّ لمعظمها كان “الحسد”، ولو أننا راقبنا المعاصي الأولى التي ارتُكِبَت بعد خلق آدم لعرفنا أن محرّكها كان الحسَد من مقامِه لدى الله والتكبّر المتجذّرِ في النفس، فمعصية الشيطان بعدم السجود لآدم جاءت من هنا، وكذلك جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل تحرّكت بفعل الحسد، ثم إذا وضعنا التاريخ أمام أعيننا لنبحث في صفحاته عن رسالة الأنبياء إلى أقوامهم، وعن سبب كفرهم بها ونكرانهم لها رغم كل المعجزات الحسية والمعنوية التي رافقتها لعلمنا أن الحسد كان في مقدمتها، وآخر تلك الرسائل كانت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي نزلت على رجل قد عاش أربعين سنة في قومه، ولم يرَ أحدٌ منه سوى الصدق والأمانة والإخلاص، ثم لما جاءهم بدعوة النبوّة ورسالة الإسلام وكتاب الله البليغ متحديًا إياهُم بالإتيان بمثله، وهو الذي لم يعرِف طريق الدراسة والعلم بل لم يعرف طريق القراءة والكتابة وإنما العمل والتجارة، فما كان منهم إلا أن كذبوه.

لقد أعلنها طلحة النميري صراحة حين قال لمسيلمة الكذّاب: “أشهد أنك كذاب وأن محمداً صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر” أي أنه يفضّل أن يقوده كذاب منافق من قومه على أن يترأّسهم نبي صادق في الوحي إليه من غير قومهم.

لقد عرض القرآن الكريم اعتراضات الحاسدين وكلماتهم، وفنّدها بأنه لا وجه منطقي فيها وأن حججهم ومنبع اعتراضاتهم تدور على الحسد فلا هو فاسدٌ أو كاذب أو ساحر، وإنما يقولون: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 3] وهذا الموقف يشبه موقف اليهود عندما أعطى الله الملك لطالوت فخرجوا معترضين قائلين أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه!

علاج الحسد

أنواع الحسد ودرجاته
وإذا جئنا إلى الحسد الذي هو مراتبٌ أعلاها الإضرار باليد ثم العين فاللسان، فإن منبع الحسد الأساسي هو ألّا يكون لهذا الحاسد عملاً في هذه الحياة إلا النظر في ِنعَم غيره وإحصائها وتعظيمها وتجميلها ثم إدخالها إلى قلبه، والشعور بحبّه لها والخوف من فقدانها وحرمانه منها، إذ يجري مقارنات بين ما يملك غيره وما يملك هو متحسّراً على ما فاته مغتمّاً بما معه، والأسوأ من ذلك أنه لا ينظر إلى ما آتاه الله من فضله وما حرم به غيره، فذلك ليس من منهجه في الحياة.

إذن فالنظر في نعم الآخرين هو منطلَق الحسد، وقد تشعّب وتفرّع في وقتنا هذا مثله مثل جميع الطباع والأخلاق السيئة التي وجدت تربةً خصبةً لها فنبتت، ثم ماءً متدفّقاً فنمت، ثم سماداً كثيراً فقويت، وهنا فإني أقصد به وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديوهات التي لا يترك روادها نعمةً آتاهم الله إياها إلا أعلنوها، بل ويدّعون وجود نعمٍ لم يحصلوا عليها للتكبّر على غيرهم وإغاظتهم، وفي الإطار ذاته انتشرت بكثرة حسابات لأشخاص هدفهم الأساسي هو تصوير أنفسهم وهم يسافرون حول بلدان العالم ويأكلون ألذ الطعام ويزورون أجمل الأمكنة والعجيب أن متابعيهم يقدّرون بعشرات الملايين ولا تجدهم إلا متحسّرين على أنفسهم أن قد كتب الله لهؤلاء السعادة والسفر والتجوال ولم يكتبها لنا!

أين الخلل، وما العلاج؟
المشكلة الحقيقية أن المحصي لنعم غيره تجده معمياً عن مصائب أو نقائص غيره كما هو معمي عن النعم التي أسدلها الله عليه، جاهلاً أن الحياة لم تكمل لأحد وأنها ما زادت لأحد في جانب إلا نقصت له في جانبٍ آخر، وأنها طبعت على الأكدار والهموم فهي توزع منها بالتساوي على بني البشر، ولا يكون الاختلاف إلا بالأشكال التي تأتي بها، فذلك تأتيه على شكل فقر، وذاك على شكل مرض، وهذا على شكل جهل، وتلك على شكل عقم، إذ كما قال مصطفى محمود: “لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه ولَرَأَى عدل الموازين الباطنيّة برغم اختلال الموازين الظاهريّة ولما شعر بحسد ولا بحقد ولا بزهو ولا بغرور”.

مظاهر الفروقات الطبقية والمؤدية أحيانًا إلى الحسد

مرض اليوم الذي يبحث معظم الناس عن علاجه هو الشعور بالنقص والدونيّة وعدم الرضى عن النفس والذي يولَد بدوره اضطراباً وحزناً وغماً، ولا يتطلّب علاجه أكثر من أن يكون الإنسان راضياً بما آتاه الله من فضله شاكراً لهذه النعم مقدّراً لها عالماً بأنّ الكثير من خلق الله قد حرم منها، واضعاً كلام نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام نصب عينيه الذي كان بمثابة علاج لهذه الاضطرابات ألا وهو الحديث الشريف:

“انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم” [رواه مسلم]، كلمات قلائل أعلمنا بها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام تمثل علاجاً لواحد من أعظم أمراض هذا العصر الذي أدى إلى الانتحار في بعض الحالات وإلى نوبات من الاكتئاب في حالات أخرى.

وفي الوقت الذي وضع لنا ديننا علاجاً لهذا المرض، حثنا في الوقت نفسه على أن نتخذ من الرضى والقناعة والصبر منهجاً لنا في حياتنا، إذ لا بد للإنسان من منغصاتٍ تعترضه بين حين وآخر فإن لم يقابلها العبد بالرضى أو الصبر فقد شق طريقه نحو الضيق والضجر، والرضى هو أن ينظر العبد في المصيبة فلا يبحث إلا عن جوانب الخير فيها، أما الصبر فهو النظر بالمصيبة مع عدم الانتباه إلى ما تشتمل عليه من خير فيصبر الإنسان عليها منتظراً فرجاً من الله، وقد وضعها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه دستوراً لنا، فقال موصياً أبي موسى الأشعري: “أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر”