مقالات

الحبة الحمراء .. ردٌّ للحقوق أم هَدٌّ للرجولة؟

إن وقفت في المنتصف على مسافة متساوية من جميع التيارات والتحزُّبات، المتطرفة منها والمعتدلة، ستجد أنك محارَب من جميع الجهات. فإن كنتَ –مثلا- وسطيًّا عدولًا وانتقدت متحزبًا يمينيًّا، فسيقول عنك: تقدمي متحرر. وإن انتقدت متحزبًا يساريًّا، سيقول عنك: رجعي محافظ.

والأمر ذاته إن كنت إنسانا واقعيا وجالست إنسانا سلبيا، قال عنك متفائل ساذج. في نفس الوقت إن جالست إنسانا إيجابيا قال عنك إنك متشائم ناقم. فالوسطية توازن عقلاني في الحكم على الحالة الراهنة وما يلزمها من اعتدال. وهذا هو قدر الوسطيين مَن يمشون على الصراط المستقيم ويدعون له بعيدا عن الشطط. يروْن انحراف الآخرين عن سيرهم في حين لا يرى المنحرفون حيادهم عن سبيل الحق وهم تُبَّعٌ لأهواء دنياهم، والله أعلم بمن ضل السبيل. يقول الله تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام : 116].

ولقد انتقدنا التطرف في حركة النسوية الحقوقية، فاتهمونا بالذكورية وكره النساء. وفي هذا المقال ننتقد التطرف في حركات الرجال الحقوقية والتي بدأت بالانتشار في عالمنا العربي بشكل سلبي ربما أكثر من الغربي. ولا يهم إن اتُّهمنا بالتعاطف مع النساء، فالدعوة إلى سبيل الله أجلّ وأعلى من مكاسب الدنيا.

ما هي حركة الرجال الحقوقية؟

سنقدّم في البداية مقدمة سريعة عن نشأة حركة الرجال الحقوقية (MRM) والتي يقال إنها ظهرت بشكل متواضع في أواخر القرن التاسع عشر على هيئة دعوات في أعمدة المجلات ثم بدأت تأخذ شكل حركات ضعيفة غير مترابطة تركز على قضية بعينها في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. مع ازدياد الحراك النسوي الحقوقي وتأثيره على القوانين الوضعية في منتصف القرن العشرين ظهرت أصوات تطالب بتسليط الضوء على مشاكل الرجال بعد دراسة التأثير السوسيولوجي للنسوية.

شكّلت هذه الأصوات حركة تحرير الرجال التي كانت تؤكد على معاناة كلا الجنسين. إلا أنه لاحقا انفصلت هذه الحركة إلى مؤيدي حقوق النسوية ومناهضيها بسبب الخلاف على كون الرجال مضطهدين من النساء أم لا. ومع انتشار الانترنت مع بداية الألفية، وتوجه مناهضي النسوية للمنتديات والدردشات الإلكترونية، أصبح هناك تجمعات للرجال يتشاركون مشاكلهم الخاصة ويسخطون على استمرار الإعلام الليبرالي بتسليط الضوء على مشاكل المرأة الصحية والنفسية، ووضع مشاكلهم في الظل. وهنا ظهرت حركة (الحبة الحمراء) التي تتبنى قضايا متعددة للرجل من مثل حق الأبوة، والعنف المنزلي، ونفقة الأمهات المطلقات، وسرطان البروستات، وتعاظم عقوبة السجن على الذكور دون الإناث وغيرها من القضايا التي لم تأخذ حقها في إيجاد حلول.

استُلْهِم اسم الحركة من مشهد (مورفيوس) في فيلم (ماتركس) عندما يخيّر (نيو) بين حبة زرقاء يعود بها جاهلا لعالمه الوهمي أو حبة حمراء تكشف الغمامة عن عينيه وتريه حقيقة هذا العالم.

حتى الآن كل شيء يبدو كنتيجة طبيعية لردِّ فعلٍ على التحزب الحكومي والإعلامي لطرف على حساب طرف آخر. لكن كما هو الحال في كل الحركات التي تشكل بيئة خصبة جاذبة للأفراد الجاهلة أو ذات النزعة المتطرفة، احتضنت (الحبة الحمراء) من عانى من الظلم وملأ قلبه كراهية النساء، أو لام نفسه على ضعفه وسارع للاستقواء بمن هو أخبر؛ لأن عدد الأصوات يحتسب كيفما كان سواءً كان صاحبها متطرفا أو معتدلا، جاهلا أو متعلما.

تطورات على درب الحركة

خرجت حركة الحبة الحمراء بأفكار تنادي بإعادة الهيبة للرجل كاستراتيجية مقاومة لاستغلال المرأة حقوقها المتمددة على حساب الرجل كما تنظّر لها الحركة. فهم يرون أن هناك مشكلة في وجود فطرة عند المرأة (أو غريزة تطورت) تدفعها للارتباط بمن هو أعلى منها شأنا على عدة أصعدة، خاصة إن كان المجتمع متحررا في المواعدة بين الجنسين وترك الشريك لأجل شريك آخر. مما يعني تكرار هذا التصرف للحصول على ما هو أفضل، وهو ما يطلق عليه علميا الارتباط الفوقي(Hypergamy).

ونتيجة لتلك الممارسة فقد آلاف الآباء حضانة أبنائهم ونصف ثراوتهم، أو توالت الصدمات على فتيان في مواعدة الفتيات. لهذا السبب، تشرح الحركة لمتَّبِعيها كيف يتحول الرجل من (بيتا – تابع) إلى (ألفا – قائد). أي أن الرجل يجب أن يتحلّى بصفات القائد لجذب المرأة والسيطرة عليها وإخضاعها. لكن ليس ذلك من أجل الزواج أولا، بل من أجل التركيز على تحقيق الأهداف الأهم فلا يقع ضحية في طريق نجاحه للنساء اللواتي يردن جذبه لقفصهن ومن ثم الاستحواذ على ما يملك بالقانون إن وجدن من هو أفضل منه.

بمعنى آخر إن تحقيق الذات من خلال الثروة والمكانة الاجتماعية وغيره (حتى لو تقدم الرجل بالعمر) هو كفيل بأن يفتح كل خيارات الزواج له لاحقا من فتيات في مقتبل العمر ولا يطمحن بعدها لغيره. ودعما لهذه الاستراتيجية، توجهت الحركة لإلصاق الصفات السلبية في المرأة المنتفعة بحقوق النسوية ونددت بها، وذهب البعض لتصنيفهن في مرتبة أقل من الرجل.

في المقابل، تنعت هذه الحركة الرجال النسويين (المكتفين بالحبة الزرقاء) أو كل من ينادي بشيء من حقوق المرأة بأوصاف تنافي المروءة وتنال من أخلاقهم وتطعن في أهدافهم.

على أن حركة الحبة الحمراء ما تزال حركة حقوقية تضع قيمة للزواج في نهاية المطاف وتدعي أنها لا تكره النساء، بل فقط تتفادى ألاعيبهن.

مبادئ المراحل الأربع

لكن في ظل التطرف الشديد داخلها ومعاداة حقوق النساء ككل، ظهر مجتمع (الرجال يمضون في حال سبيلهم) أو كما يطلق عليهم اختصارًا (المغتاو -MGTOW ) والذي ينادي بالانفصال عن المجتمعات النسوية والاستقلال بذات الرجل في تدرّج على أربعة مراحل بحسب مواقعهم الإلكترونية. المرحلة الأول لا يرى الرجل قيمة في الزواج ويعتقد أن النسوية هي سبب فساد المجتمعات لكن لا بأس في أن يخوض علاقات مع النساء.

 المرحلة الثانية لا يعترف بالعلاقة طويلة الأمد مع النساء لكن يدخل في علاقات قصيرة الأمد، وهو المستوى الأخطر الذي يرفض الرجل فيه فكرة قطع النساء علاقاتهن من أجل شركاء أفضل ويعتبر ذلك عهرا. وهي الذريعة التي يُحِلُّ مجتمع (المغتاو) لنفسه بها الوصول للنساء من أجل الجنس فقط ويتفننون في إغوائهن والتقاطهن فيتحول الرجل منهم إلى ما يطلق عليه (Pick up artist). وعلى ما يبدو، يمكث أغلبية رجال (المغتاو) في هذه المرحلة.

المرحلة الثالثة، يحدد الرجل علاقته بالنساء إلى الحد الأدنى كالرهبان. المرحلة الرابعة والأخيرة وهي الأعلى مرتبة، ينفصل الرجال عن المجتمع النسوي تماما كأشباح. حينها يفترض أن تنهدم الحكومة وقوانينها بأيدي النسويات وتصبح هناك فرصة أفضل لإعادة هيكلة المجتمع. وفي سبيل تحقيق هذه الغايات، يوجّه هذا المجتمع رجاله لرفض وضع النساء قيمة لهم وتحسين شؤونهم بالتعامل مع نسائهن كطفيليات يراد الخلاص منها بأي شكل من الأشكال، كما يقدم نصائح وضيعة لطلاق رخيص أو التخلص من حمل مفاجئ يربطهم بأنثى.

الحبة الحمراء إذ تتسلّل إلى عالمنا العربي

وبينما يحارب العالم الغربي التطرف في حركات الرجال الحقوقية ويغلق صفحاتهم ومنتدياتهم المتداخلة مع نظريات المؤامرة العجيبة، تتسلل هذه الأصوات بنفس المفاهيم الغربية للعالم العربي من خلال أكثر مجتمعاته انفتاحا على العلاقات بين الجنسين. ستجد صفحات عربية على الفيسبوك وقنوات على اليوتيوب وغيرها تترجم أصوات هذه الحركات وتعرّف بها في إطار مقاومة النسوية المتغوّلة في العالم بدعم من اتفاقية سيداو ومقاومة أجندة المثليين والمتحولين. ولأن العالم العربي ما زال يعاني من قطبية الآراء والبعد عموما عن الموضوعية في الطرح والانتقاد، مال بعض مناهضو النسوية ومعارضو الجندر للالتفاف حول هذه الأصوات المسمومة والتي تزرع الشوفينية دون وعي في الذكور تجاه الإناث.

إليك هذه الاقتباسات من نصائح مريضة لإحدى الصفحات العربية المشهورة بثقافة الحبة الحمراء ويقدمها أحد المشرفين عليها لمتابعيه الشباب:

  1. (تذكر أن نسبة طلاق الموظفة هو ستُّ أضعاف ربة البيت. أنت تستحق حياة مستقرة. اختر لأطفالك أمّا متفرغة لهم لا امرأة تخدم مديرها وأبناء غيرها أكثر) – لاحظ استخدام كلمة التخديم إشارة إلى كون المرأة خادمة في العمل والمنزل.
  2. (وجهة نظر النساء المركزية السائدة اليوم تعلم الرجال فقط كيف يكونون عبيدا جيدين، وليس قادة لأسرهم ومجتمعاتهم) – لاحظ استخدام كلمة العبد نقيضا للقائد، وتمرير جواز عبودية المرأة للرجل القائد عوضا عن استخدام كلمة مثل تابع.
  3. (المتدثرة هي امرأة تعرف أن التدين يعني وجود مساءلة أقل حول ماضيها وأخلاقها، ويعطيها ميزة استخدام الدين لتضليلك والعبث بمفاهيمك) – لاحظ الخوض في شرف المرأة وإلحاق الخبث بها ونفي مسألة التوبة بأكملها.
  4. (لا تستعجل بالزواج بل ركز على طموحاتك. الزواج المبكر يناسب النساء، لكن الرجل مسؤول عن الأسرة. الزواج مكلف وليس لعبة. اطمئن، لن تفوتك الفرصة فأنت رجل ولست امرأة وعمرك مجرد رقم. قيمتك ستكون أعلى لما تبني نفسك وتؤمن بيتك ومستقبلك ومكانتك بالمجتمع) – لاحظ الإشارة بشكل غير مباشر لتدني قيمة المرأة بازدياد عمرها.
  5. (ستحتفظ المرأة بمعتقدات غير صحيحة وغير عقلانية لأن الشيء غير العقلاني المذكور يبدو جيدًا للاعتقاد. بشكل عام، لن تقوم المرأة حتى بمحاولة فهم شيء ما إذا كانت تعتقد أن الصدق المتعلق به سيزعجها عاطفيًا) – لاحظ كيف يتم تسطيح عمل عقل المرأة بشكل لا يصدق.
  6. (أصبحت القوانين تؤطر بشكل واضح لشيطنة الرجل أكثر فأكثر، لذا عليك أن تتوقف عن محاولتك بأن تكون “سوبرمان” وتقوم بإنقاذ النساء ومساعدتهن في الأماكن العامة وبيئة العمل. لقد حان الوقت يا سادة للإقلاع عن عقلية “إنقاذ امرأة في محنة”. ابدأ بوضع احتياجاتك ورغباتك أولاً. لا ينبغي أن تشعر أي امرأة بأنك مدين لها بأي نوع من المساعدة) – لاحظ كيف تطمس الرجولة والشهامة بدعوى تجنب مشاكل المرأة وتحقيق الذات.

هذا هجوم كاسح على دور المرأة وليس مجرد مجانبة للصوابية السياسية (Politically Incorrect). الكارثة الأكبر هي محاولة دمج توجيهات هذه الحركة الحقوقية للرجال وتعاليم الإسلام في القضايا الأسرية ومعاملة المرأة، شأنهم شأن النسويات المتأسلمات، ولو على حساب كافة التصادمات التي ذكرناها على سبيل المثال هنا وهي أكثر بكثير من ذلك.

مرة أخرى اقتباس من الصفحة ذاتها ونصيحة من أحد المدرِّبين: “تأمل قوله تعالى لأبينا آدم: {فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقىٰ} . فالشقاء كان لآدم وحده، لأنه الرجل، بينما حواء يأتيها رزقها وهي في بيتها) – انظر كيف يُجتزَأ الخطاب لآدم عليه السلام في الآية كما ذكر الإمام الطبري ويفسّر بقية الكلام وفقا لتوجه الحركة. حتى لو استدل بعض أهل العلم بها على تكليف الرجل، لا يعني ذلك إنكار مساعدة المرأة للرجل في تأمين الرزق وحماية العائلة. ولو قرأنا الآية التي بعدها {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} [طه: 118] وفقا لتفسير هذا المدرّب، فهل يعني ذلك أن حواء استثنيت من ذلك أيضا وكانت تجوع في الجنة أم أن العقوبة لا تقع عليها بل الجزاء فقط؟!

يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] من المؤسف أننا فوق استقبالنا لمشاكل مجتمعات الحداثة، نرتضي الحلول القادمة معها بحذافيرها ونجعل منها الأساس، ومن ثم نفصّل من الدين ما يلائم هذا الأساس دون مراعاة لشمولية الدين الإسلامي وكماله. والنتيجة هي بالطبع جماعة متعصبة بصبغة دينية، ولا نقول حركة حقوقية مثل الغرب لأن الديموقراطية الغربية غائبة عن المجتمعات العربية وحكوماتها بالمجمل. هذا أولا، وثانيا عقلية الرجل الشرق أوسطية تمنعه من الشكوى من ضرر المرأة النفسي. إذاً ينحصر تأثير تبني هذا التوجه لحركات الرجال الحقوقية الغربية في تغيير مفاهيم الدين لدينا فقط وتدمير وحدة بناء المجتمع الأسرية.

آفة التطرّف النسوي والذكوري!

العلة في كل هذا التطرف والندية هو تمحور كِلا الجنسين حول فكرة مركزيته أمام الآخر. ولا يتوقف الأمر عند انصياع أحدهما لحقوق الآخر، بل تهميش حقوقه أيضا وكأن القضية برمتها عبارة عن انتقام شخصي. نعم لكلا الطرفين قضايا مهمة يجب النظر بها والبت فيها لكن دون تغليبٍ لشأن أحد على الأخر وازدرائه عبر التنميط والقولبة.

كلما زاد تركيزنا على الخلافات بين الرجل والمرأة في معرض الحقوق المتاحة، زادت الهوة اتساعا وصعب مد الجسور فوقها. يقول تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] إنما الراحة والألفة في تقارب الأزواج من الجنسين وليس تباعدهما.

 لدينا الكثير من نقاط الالتقاء في مصالح الزوجين المشتركة والحياة السعيدة في ود وتفاهم، وتربية جيل جديد دون المشاحنات وخيالات تحقيق الذات والاستقلال. بل إن هناك الكثير من الأزواج ممن يعيشون هذه السعادة بعيدا كل البعد عن كل هذه الفوضى المجتمعية. ولا يعني ذلك أن تفرق الزوجين غير وارد، لكن المطلوب خلق بيئة تسهل ارتباطهما بأزواج آخرين مع فرصة جديدة دون التشتت في محاولة تحطيم الشريك السابق وجنسه لأي أسباب كانت. الأسرة الهانئة والفاعلة في المجتمع لا تنجح لأن بها رجل أو امرأة، بل لأن بها رجل وامرأة. وإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع. وإذا صلح المجتمع، نال كل فرد فيه حقه.

الحبة الحمراء.. حقوق الرجال بعيونٍ غربية

عنوانٌ مضلّل يوهمنا أن الرجال المتربعين على عروش السيطرة والقوة لم يصلوا بعد إلى كل ما أُتوا من حقوق، ويصرف أنظارنا عن المرأة التي هي الحلقة الأضعف في هذا العالم والمناضلة الأكبر في عالم ذكوري والضحية التي لا نملّ من سماع أسطوانة حقوقها المسلوبة ومساواتها بالرجل التي ما زالت مطلوبة.

لكن هل الأمر حقّاً كذلك؟

هذا السؤال هو ما دفع كاسي جاي Cassie Jaye صانعة الأفلام الوثائقية والنسوية إلى الذهاب لشمال أمريكا ومقابلة قادة وأتباع الحركات المطالبة بحقوق الرجل، لتنتج بعد رحلة عام و١٠٠ ساعة من التصوير ومقابلة ما يزيد عن ٤٠ شخص، الوثائقي الشهير الحبّة الحمراء The red pill

كايسي جاي

الحبّة الحمراء، قصة الشعار
الحبة الحمراء هو شعار الرجال في محاولاتهم لفت الأنظار لمشاكلهم ومعاناتهم حسب قول بول إيلام Paul Elam مؤسس منظّمة صوت الرجال، وفكرة الشعار مستوحاة من فيلم الماتريكس الشهير ١٩٩٩ حين يُعرض على البطل نيو حبتان إحداهما حمراء والأخرى زرقاء، ويُطلب منه أن يختار بينهما، فالحمراء تخرِجه خارج المنظومة المتحكّمة، وتريه الأمور من بعد آخر وزوايا ثانية، أما الزرقاء فتُبقيه في سُبات ليُكمل الحياة بنفس الوتيرة والأفكار المسبقة التي نشأ عليها!

تكميم الأفواه في بلاد الحريّات
يوضّح بعض المنتسبين للحركة أن نظرة المجتمع لهم سطحية وكأنهم فقط ردة الفعل العنيفة على وجود فكر نسوي، ويتم شتمهم بأوصافٍ عدة: مثل (كارهي النساء، والرجعيين، والفاشلين، والنوّاحين، والبشعين، وغير المرغوبين والكسالى، والعنصريّين والنازيّين..إلخ) ويتم إسكات مطالبهم حتى من قبل أن يتكلّموا، كما حدث مع وارن فيرل Warren Farrell مؤلف كتاب (خرافة قوة الرجل) في عام ٢٠١٢ عندما كان سيلقي محاضرةً في جامعة تورونتو في كندا ممثلاً فيها الرجال، الأمر الذي دفع النسويين والنسويات إلى التجمهر أمام أبواب القاعة، متنمّرين بذلك على رجال الأمن وكل من تسوّل له نفسه حضور الندوة، ما أنتج عن اعتداءات لفظية وجسدية من طرف النسوية.

وارن فيرل مؤلف كتاب خرافة قوة الرجل

الأمر ذاته واجه البروفيسورة جانيس فايمينغو في جامعة أوتاوا عندما كانت على وشك إلقاء محاضرة تشكك فيها بادّعاءات النسوية، فلم يقصّر حينها النسويّون من شبابٍ وشابّات في التشويش والقرع على الطناجر داخل المحاضرة والتجمّع خارجها محدثين المزيد من الضجيج، إلى أن انتهى بهم الأمر إلى تشغيل جرس إنذار الحريق، وإلغاء المحاضرة.

وفي مؤتمر آخر عُقد في ميتشيغان عن مشاكل الرجال، سارعت قبله حركات النسويات بما فيهم مجلة ميس Ms magazine بالدعوة للتجمهر والمطالبة بإلغاء المؤتمر.

وهنا يسعنا أن نتساءل إن كانت مقاليد القوة بيد الرجال فعلاً، فمن الذي لا يسمح لأصواتهم بالوصول، ولا لمشاكلهم بالظهور على العلن واجتياح الإعلام الذي يعزف نغمة مظلومية النساء ليل نهار!

أسباب القمع، ما الذي ترفض النسويات سماعه؟
يرى بول إيلام أنّ مشاكل الرجال بتنوعها وخصوصيتها وحتى تعقيدها أشبَهُ بنُدَف الثلج التي تتفرد كل قطعة بشكلها، والأمر أصعب على الفهم من تلخيصه بعدة جمل أو شعارات، ويسرد ههنا أرقامًا صادمة، فالرجال يشكّلون ٩٣% من حالات الوفاة أثناء العمل، ونسبة حالات الانتحار فيهم تصل إلى ٤ من ٥، أما نسبة وصول الشباب لتعليم أفضل فإنها تنخفض منذ عدة سنوات بشكل كبير وقد وصل روّاد الجامعة الذكور إلى نسبة ٣٨%، إضافة إلى لبطالة والعنف المنزلي والتشرّد.

ويوضح الوثائقي نسبة ضحايا الرجال إلى النساء في الحروب الخمسة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية على النحو الآتي:

  • الحرب الكورية: ٣٦٥٧٢ من الرجال لـ امرأتان بنسبة ٩٩.٩% من الرجال
  • حرب الفيتنام: ٥٨٢١٧ من الرجال لـ ٨ نساء لتكون النسبة أيضاً ٩٩.٩% من الرجال
  • حرب الخليج: ٢٨٠ رجل لـ ١٣ امرأة بنسبة ٩٥% من الرجال
  • حرب أفغانستان: ٩٨% من الجنود الرجال
  • حرب العراق: ٤٣٠٢ رجل لـ ١١٠ امرأة بنسبة ٩٨% من الرجال

ويوضح وارن فيرل بأن اختيار الأدوار ليس خياراً، وكل جنس كان يقوم بدوره الوظيفي، فالنساء تلدن وترضعن وتنشِئن الأجيال، في الوقت الذي يخرج الرجال لكسب الرزق والصيد والتعرض للأخطار سواء في الغابات أو حتى في ساحات وول ستريت، وهذا ما حتّمه الواقع على الجميع.

ويضيف فريد هايوورد Fred Hayward مؤسس جمعية حقوق الرجال، بأن ما نراه الآن اكتساحاً للرجال في الأعمال والشركات وحتى الحكومات سببه أنّ هذا ما كانت عليه الحال منذ بضعة قرون وهذا ما وجد رجال اليوم أنفسهم مجبرون على تتمّته!

ويشير أحد أعضاء منظمة حقوق الرجال في الوثائقي إلى أن المظهر البطريركي السائد (سيادة الرجال) يفرض على الرجل أولاً الكثير من الأعمال الشاقة والخطيرة التي قد تكلفه حياته في بعض الأحيان كما في الحروب.

ومن “امتيازات” هذه البطريركية أن الرجال يشكلون ٩٩% من ضحايا النزاعات، و٩٣% من ضحايا العمل، و ٧٦% من ضحايا القتل، و٧٥% من ضحايا الانتحار، وإن كانت المساواة هي ما يقض مضجع النسويّات، فهل وجدن صيغة مناسبة لقياسها؟

يزيد راتب الرجل بنسبة ٣٠% عن راتب المرأة، وتسجل النساء ٥ سنوات وسطيًّا أكثر في الأعمار من الرجال، وتمضي النساء عقوبة في السجن أقل بـ ٦ مرات من الرجل على نفس التهمة، وفي الوقت الذي تُرفَض فيه امرأةٌ في مقابلة عمل ما، يخسَر أبٌ حضانة ابنه للأبد، فكيف يمكن لنا أن نقيس المساواة؟

مظلومات أم ظالمات
تقول كاثرين سبيلر المديرة التنفيذية لمؤسسة الغالبية النسوية: “حقوق الرجال ليست مهضومة، والقانون يحفظها له.”

وهنا ندخل في ملف الأبوة حيث خسارة حضانة الأطفال هي التحدي الأكبر الذي يواجهه الآباء، وتسجل المحاكم الأمريكية نسبة ٨١.٦% من حالات الحضانة لصالح الأمهات مقابل فقط ١٨.٣% لصالح الآباء، وحتى الحضانة المشتركة تتحول بالنسبة للآباء إلى حق يتوجب عليهم دخول معارك طويلة لتحصيله في الوقت الذي تكون فيه حقاً محفوظاً للأم. ويؤكد وارن فيرل أن هذا الملف هو أكثر ما يثير حفيظة الرجال ويدفعهم للمطالبة بشيء من العدالة.

ولابدّ من الاشارة إلى أنّ تقبّل الأدوار على أساس الجنس هو ما تطالب به النسوية، ومع ذلك يُتَقَبَّل انتصار الأم في محاكم الوصاية على الأطفال دون أي إثارة لملف التمييز الجنسي أو اعتبار ذلك إهانة لمبادئ النسوية!

ويروي الوثائقي قصصًا مؤلمة عن آباء خسروا حضانة أبنائهم لصالح الأم، فقط ليعرفوا بعدها أن الطفل تم إرساله للتبنّي في حياة والده! وآخرين خسروا حضانة أبنائهم ودخلوا معارك لسنوات طويلة فقط لتحصيل زيارة يوم واحد، ويعمد البعض الآخر إلى إنهاء حياته إثر قرارات المحكمة بمنعه رؤية أطفاله.

وقامت كايسي صانعة هذا الوثائقي برسم بياني توضح فيه الاحتمالات المتاحة أمام الأب والأم في حالة الحمل غير المخطط له، مشيرة باللون الأخضر بجانب الاحتمال الإيجابي والمرغوب، والأحمر عند الاحتمال غير المرغوب، وتزيد بأن ما يلفت النظر هو وقوع الأب تحت رحمة قرارات الأم، وهذا ما يأخذنا إلى ملف الخداع بالحمل للحصول على النفقة!

المخطط الذي رسمته كايسي للاحتمالات المتاحة أمام الأبوين في حالة الحمل الغير مخطط له

المخطط الذي رسمته كايسي للاحتمالات المتاحة أمام الأبوين في حالة الحمل الغير مخطط له المصدر: https://bit.ly/3sA6Bmu

تقول كاثرين سبيلر إن على الرجل المقدم على علاقة جنسية دون رغبة منه بإنجاب أطفال أن يتخذ كل الاحتياطات الواجبة وأهمها مشاركة الشريكة برفضه فكرة الأطفال، لأنه هنا ما زال ممسكاً بزمام الأمور -تقصد القيام بالعملية الجنسية أو الامتناع عنها- ولكن ما إن يحصل الحمل وبالرغم من الاحتياطات فالقرار لم يعد ملكاً للرجل، والآن الكلمة الأخيرة للمرأة لأن جسدها هو ملكها.

وهذا ما يمتعض منه الكثير من أعضاء الحركة، كيل الجسد بمكيالين، فجسد المرأة هو حقها وحدها، أما جسد الرجل ونسله فلا يتطرق أحد لمن تعود أحقيته؟!

وهذا ما يسمّونه احتيال الأبوة paternity fraudK، ويلخصون نتائجه بأنه:

  • حين تقرر المرأة أن تحمل وأن يشاركها الاب مسؤولية قرارها رغماً عنه (حتى إن رحل عنها، فالنفقة تلحق به قانونياً)
  • أو أن تمارس المرأة الجنس مع شخص عابر، ثم تقوم بنسبة الطفل لشخص آخر.
  • أو المرأة المتزوجة التي مارست خلال زواجها الجنس مع رجل آخر وأنجبت طفلاً ونسبته للزوج

وهذا ما تستخدم فيه النساء ورقة “جسدي ملكي” للضغط على الأب وإجباره على دفع نفقة طفل قد يكون لهم أو قد لا يكون، بإرادتهم أو لا.

أين الإعلام من هذا؟
ينتقي الإعلام من الأخبار المحلية والعالمية ما من شأنه أن يسلّط الضوء على مظالم المرأة والفتيات، متغافلين عن آلاف القصص التي يُقتل فيها الأولاد أو الرجال، ومكتفين بذكر أعداد يتبعها كلمة “شخص”، فعلى سبيل المثال فإن معدلات الإصابة بسرطان الثدي تقارب كثيراً معدلات إصابة الرجل بسرطان البروستات، ورغم ذلك لا نرى في الأخير نفس الزخم الإعلامي الذي يحظى به سرطان الثدي في جميع أنحاء العالم.

ومن بين كل ثلاث نساء واحدة معرضة للعنف المنزلي، ومن بين كل ٤ رجال واحد معرض للعنف المنزلي، ومع ذلك تنتشر في أنحاء الولايات المتحدة أكثر من ٢٠٠٠ بيت لإيواء ضحيّات العنف المنزلي، بينما يوجد بيت واحد فقط للرجال، أو أن مصيره سيكون الشارع غالبًا!

ويذكر الوثائقي قصة الفتيات اللاتي اختطفن في ٢٠١٤ في نيجيريا على يد بوكو حرام، وكيف ضجت الدنيا بالأمر ورفع شعار “أعيدوا الفتيات” والتي رفعته ميشيل أوباما وغيرها من المشاهير والسياسيين، متجاهلين تماماً أنه فقط قبل بضعة أيام من هذا الحدث المؤسف تم قتل واختطاف عشرات الصبيان.

أين نحن مما يحدث؟
قد يتساءل القارئ بعد أن سافر معنا في هذه الرحلة المزعِجة إلى الطرف الآخر من العالم، ورأى ما آلت إليه الأمور، ما شأننا نحن؟ نحن مجتمعات إسلامية شرقية نختلف بعاداتنا وأُسسنا التي بُنينا عليها عن تلك التي في الغرب؟ ولماذا علينا أن نهتم بحبةٍ حمراء أو زرقاء أو ما يعانيه الرجل في مجتمعات أقل ما يمكن القول عنها: إنها انحلت أخلاقيّاً منذ زمن بعيد؟

الحبة الحمراء والحبة الزرقاء

نعم نحن مسلمون وشرقيّون؛ ولكن أُسُسنا تزداد هشاشة يوماً بعد يوم، سواء بازدياد ابتعاد ولاة الأمر عن دين الله الحق الذي كان لنا المنارة والضياء في الحياة، أو مع تخلفنا وجهلنا وانسحاقنا كشعوب غدت سوقاً استهلاكياً لكل ما يهلّ علينا من مشارق الأرض ومغاربها من السلع أو حتى الأفكار والأيديولوجيات، فما كان بالأمس عندنا موضوعاً لا يكاد يُطرح بين اثنين صار اليوم “ترنداً” له روّاده ومنظروه.

وربما لا أجد أبسط من جواب “درهم وقاية خير من قنطار علاج” على السؤال أعلاه، فكل ما عايناه في هذا المقال من حقوق مسلوبة للرجال ما كان إلا بسبب استناده لحلولٍ بشرية مرجعيتها الهوى والارتكاز على عقل الإنسان، حاولت أن تحل معاناة النساء في الماضي دون أي ضوابط، ورأت في التحرر المطلق الطريق الأمثل، مما جعل الحاضر الآن في أزمة جديدة يواجهها الجنسان معاً!

تعاني المرأة في مجتمعنا من صعوبات كبيرة جرّاء الظلم الذي يطالها ويطال أبناءها وزوجها وأبوها وإخوتها بسبب ظلم السلطات من فوقهم، وهكذا إلى مالا نهاية حيث لا تتسع المقالات لسرد ما تعانيه بلادنا.

إن تحزّب جنسٍ ضد الآخر والانقسام فيما بيننا بين نسوية وذكوريّة لم ولن يأتي بنتيجة، فالأولى هو العمل سويةً على تحديد الحرب الحقيقة، وتضافر جهودنا لتصحيح الانحراف الذي ما ينفكّ يُزيغنا ويميل بأبنائنا وبناتنا عن سبيل الحق، باتباعهم الهوى الذي يضع الأنا في المقدمة، ويستميت في إرضائها متناسياً كلمة الحق سبحانه: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] 

أما تغيّر مركزية العبادة فلا نتيجة له إلا المظالم والظلمات المركبة بعضها فوق بعض لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:39- 40]

ختامًا فإن من كانت تؤمن بالله ورسوله وتعبد الله وحده لا شريك له فسترضى بشرعه وستأتمر بأمره وإن لم يوافق هواها، وستعرف حقّ اليقين أن وجودها في حقبة زمنية تحتوي النقيضين من النساء، مظلومات في طرف الكوكب ومستقلات مستقويات في الطرف الآخر، لن يغيّر من حقيقة أنّه لن يصحّ إلا الصحيح، وأن الشرع البشري المحتكم لحاجات الناس وأهواءهم آيلٌ إلى أن يظلم بشكلٍ أو بآخر، فلا كمال إلا من وحيه عزّ وجل ولا هناء وفوز إلا برضاه، أما مشكلات مجتمعنا فنحن أولى بحلها واحدة واحدة، دون تعميم أحكام أو استيراد فلسفاتٍ خارجية ونصائح لم تنفع أصحابها في المقام الأول.