مقالات

الشيعة الإمامية الاثناعشرية

أنس ناجي وأحمد دعدوش

نشوء التشيع
يقول كبار منظّري التشيع إن مذهبهم يعود في جذوره إلى آدم نفسه، وإنه ما من نبي إلا وعرض عليه الإيمان بولاية علي، حيث ينقل الكليني في كتابه “الكافي” عن أبي الحسن قوله “ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، ووصية عليّ عليه السلام” [1/437]، وليس هناك أي نص قرآني يدعم هذه الدعوى.

ويقول بعضهم إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع بذرة التشيع، وذلك قبل وفاته وبدء الصراع بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، فيقول القمي إن الشيعة كانوا معروفين في زمان النبي ويقولون بإمامته، ومنهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر. وهم أول من سمو باسم التشيع من هذه الأمة [المقالات والفرق، ص15].

وقد وافق عدد من كبار أئمة الشيعة على هذا الرأي، ومنهم النوبختي في كتابه “فرق الشيعة”، لكن هذا الرأي لا يؤيده أي نص قرآني أو حديث نبوي، كما أنكر بعض من مشايخ الشيعة هذا الاعتقاد، فقال محمد حسين آل كاشف الغطاء إنه لم يكن للشيعة والتشيع وجود في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما قال ابن المرتضى إن عمار بن ياسر كان عاملا لعمر بن الخطاب في الكوفة وإن سلمان الفارسي كان عاملا له أيضا في المدائن، فكيف يُعقل أن يكونا متمردين على خلافته؟

والأرجح أن إرهاصات التشيع بدأت في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك على يد عبد الله بن سبأ وجماعته، وهو يهودي من اليمن أظهر إسلامه بالمدينة المنورة في عهد عثمان، ثم خرج على الفور إلى العراق لينشر فكرة الغلو بعلي بن أبي طالب ويزعم أن ابن عم رسول الله يستطيع أن يعرف الغيب، فطرده عبد الله بن عامر، فتوجه إلى الشام وحرّض بعض الصحابة فيها على الثورة ضد الأغنياء، فأخرجه معاوية الذي كان واليا على الشام، ليتوجه إلى مصر ويبدأ بتوسيع خطته من هناك.

وكما حرّف اليهودي شاؤول (بولس) دين التوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام [انظر مقال المسيحية] عن طريق نشر أسطورة رفع عيسى إلى السماء وحلول الإله فيه، وذلك لتضليل أتباع المسيح بدلا من ملاحقتهم، فقد حاول اليهودي ابن سبأ أن يفعل الشيء نفسه بالإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ يقول في عهد عثمان إنه يعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ولا يصدق أن محمدا يرجع، واستدل بالآية الكريمة {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}، كما بدأ بنشر فكرة أن يكون لكل نبي وصيّ، داعيا إلى جعل علي بن أبي طالب ابن عم النبي وصيا له.

وكان نشاط ابن سبأ على الأرجح جزءا من مشروع لجمعية منظمة [انظر مقال الجمعيات السرية]، فكان معاونوه يُظهرون الإسلام في البصرة والكوفة وينشرون فكرتي الوصية والرجعة، حتى صدّقهم الكثير من العوام والأعراب والعبيد والموالي.

ويقول العديد من المؤرخين السنة إن علياً تصدى لابن سبأ وأنصاره الذين تكاثروا بسرعة، حتى أقنع الكثيرين منهم بالتراجع، فقرر السبئيون (كما يسميهم المؤرخون) أن يختصروا طريق الفتنة بقتل رأس الأمة، وبدأوا بإثارة الشبهات للطعن في عثمان وعدالته بحجج واهية، كما تفعل وسائل الإعلام الرسمية اليوم في الدول الدكتاتورية.

تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتنة، وتسلق بعض المتمردين سور دار عثمان وقتلوه وهو يقرأ القرآن، لتبدأ بذلك سلسلة من الفتن التي ما زالت آثارها قائمة في يومنا هذا، حيث يُنسب إلى السبئيين أيضا دور في إشعال فتن أخرى مثل معركة الجمل وإفشال المفاوضات بين علي وطلحة والزبير ونشر فكرة تأليه علي.

ومع أن الصحابة والتابعين كانوا خير القرون في التاريخ، فقد نجح الشيطان وحزبه جزئيا في تفريقهم ودفعهم للاقتتال فيما بينهم، بينما ظل ابن سبأ حياً يرزق إلى ما بعد مقتل علي رضي الله عنه، ليمارس فتنة أكبر بادعائه أن علياً إله لا يموت بل رُفع وسيرجع لينصر أتباعه، وهي فكرة “الرجعة” نفسها التي كان يتحدث ابن سبأ عنها في حق النبي قبل ذلك. وهذا النجاح الجزئي ليس مؤشرا على فشل الإسلام نفسه، فالصحابة والتابعون بشر عاديون لم يتكفل الوحي بعصمتهم ولا بحفظهم، وكما تفرق أتباع الأنبياء السابقين ووقعوا في الشرَك الذي نصبه أعداؤهم فقد وقع كثير من الصحابة فيه أيضا، بينما تنبه آخرون وبذلوا كل جهدهم لرأب الصدع وقطع رؤوس الفتنة.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قومه بأنهم سيتفرقون ويُفتنون كما حدث لتلك الأمم فقال: لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه، فقال الصحابة: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! [البخاري: 3269، ومسلم: 2669].

سلمان المرشد

نجح ابن سبأ نجاحا باهرا في زرع أسطورة الغيبة والرجعة في عقول الكثيرين، حتى أصبحت من أهم عقائد المذاهب الباطنية التي خرجت من تحت عباءة التشيع، فكان من السهل على الكهنوت استغلال هذه الأسطورة كلما توفي أحد الأئمة الكبار لإقناع العوام بأنه لم يمت، وأنه سيرجع ليملأ الأرض عدلاً في آخر الزمان.

فبعد موت علي رضي الله عنه، طُبقت الأسطورة نفسها في حق محمد بن الحنفية ومحمد بن الحسن العسكري وإسماعيل المبارك وابنه محمد والحاكم بأمر الله والطيب أبو القاسم، وفي العصر الحديث طبقها النصيريون (العلويون) في حق سلمان المرشد الذي ادعى الألوهية ثم قُتل شنقا، ويقال إن كثيرا من النصيريين اعتقدوا بها أيضا في حق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

ويجدر بالذكر أن التشيع لعلي في البداية لم يكن أكثر من وجهة نظر في مسألة سياسية بشأن الخلافة، فغالبية الصحابة والتابعين رأوا أن علياً أحق بالخلاقة من معاوية لاجتماع كلمة الناس على بيعته، لكن السبئية كانوا قد استبقوا بيعة علي ببث الأفكار الباطنية بشأن الغيبة والرجعة لتمهيد الطريق أمام ربطها بفكرة الوصية، وعندما وقع الخلاف بين علي ومعاوية ألصق السبئيون أفكارهم العقائدية هذه بالخلاف السياسي، فتبعهم بذلك فئة من المتشيعين لعلي، وكان هؤلاء هم أوائل الشيعة الذين ابتدأ على أيديهم مذهب ديني له أصوله ومعتقداته وتأويلاته الخاصة للنصوص.

حقيقة أم خيال؟
لم يكن هناك شك لدى القدماء بشأن وجود ابن سبأ وجماعته واستغلالهم للخلافات السياسية لبث أفكارهم العقائدية، فمع أن المؤرخ الطبري (توفي عام 310هـ) هو أشهر من تحدث عن سيرة ابن سبأ، إلا أن اسم ابن سبأ وجماعته قد ورد في عشرات المراجع والأشعار التي ظهرت قبل الطبري، حيث تحدث عنه الفرزدق والشعبي وابن سعد والجوزجاني وابن قتيبة والبلاذري وغيرهم.

علاوة على ذلك، تكاد تجمع كتب منظري الشيعة الأوائل على وجود ابن سبأ، مثل مؤلفات القمي والنوبختي والكشي، حتى “أجمع القدماء على وجوده بلا استثناء” كما يقول الدكتور علي الصلابي.

وفي العصر الحديث، شكك غالبية المستشرقين في وجود ابن سبأ واعتبروه شخصية وهمية، فتبعهم في ذلك الدكتور طه حسين والعديد من العلمانيين، ثم دعم هذا الطرح غالبية الشيعة المحدثين، لينفوا علاقة التشيع باليهودية، وزعموا أن سيف بن عمر التميمي اخترع تلك الشخصية، وأن المؤرخ الطبري نقلها عن مصادر غير موثوقة في القرن الثالث الهجري.

كما أيد باحثون من السّنة هذا الرأي انطلاقا من فكرة مفادها أنه لا يليق بالصحابة أن يُخدعوا من قبل شخص واحد يوقع بينهم كل تلك الفتنة. لكن الروايات التاريخية تدل على أن ابن سبأ كان قائدا لشبكة تخريبية متوزعة على أقطار عدة، كما أن نفي أثره ليس ضروريا لتنزيه الصحابة عن الخطأ، بل سؤدي هذا النفي بالمقابل إلى إثبات تورط الصحابة في اقتتال داخلي وفتن كبرى دون أثر خارجي من العدو، وهذا هروب من قبيح إلى أقبح.

يقول الدكتور علي الصلابي “إذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المغالين في تضخيم دوره في الفتنة، فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة كعامل من عواملها, على أنه أبرزها وأخطرها؛ إذ أن هناك أجواء للفتنة مهدت له، وعوامل أخرى ساعدته”. [انظر كتاب سيرة عثمان بن عفان].

وقد أكد باحثون معاصرون من السنة والشيعة أن ابن سبأ شخصية حقيقية، ومنهم محمد أمحزون وسليمان بن فهد العودة وعلي آل محسن.

أهم الأصول التي انفرد بها الشيعة
1- الإمامة أو الخلافة: تعد أعظم الأركان بعد الشهادتين، وهي تنص على أن الإمامة لعلي بن أبي طالب، وللأئمة الاثني عشر من ذريته، ولا يجوز للنبي أن يفارق الأمة دون تعيين الإمام من بعده لأنها لا تخضع للرأي والمشورة، وتعدّ الإمامة كالنبوّة من حيث العصمة من جميع الذّنوب منذ الولادة، ويجب أن ينص الإمام السابق على اللاحق بالعين لا بالوصف ولا الانتخاب.

2- العصمة: يرى الشيعة أن الله أعطى العصمة للأنبياء ثم للأئمة الاثني عشر من أهل البيت ليكونوا دليلا للمسلمين، بحيث لا يقع منهم خطأ ولا سهو، بل بالغ بعضهم وجعل مرتبة الإمام فوق الأنبياء والملائكة، وحاول إثبات ذلك بأدلة فلسفية “لأن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضا بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولاياتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون” [الحكومة الإسلامية الخميني، ص 52].

3- القرآن الكريم: لا يعتقد كثير من الشيعة بحفظ القرآن الكريم من التحريف والزيادة والنقصان، وقد جمع المحدث النوري الطبرسي في إثبات تحريف القرآن كتاباً ضخماً الحجم سمّاه: (فصْل الخِطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) وجمع فيه أكثر من ألفي رواية تنص على التحريف، كما جمع فيه أقوال الكثير من فقهاء الشيعة المتقدمين والمتأخرين الذين أقروا بذلك.

4- انتظار المهدي: وهو لدى الاثني عشرية محمد بن الحسن العسكري، ومن أسمائه الحجة والقائم، ويقولون إنه ولد سنة 255هـ واختفى في سرداب سُرَّ منْ رأى (سامراء) سنة 265هـ، وسيخرج في آخر الزمان وينتقم من أعدائهم، كما سيُخرج الصحابة من قبورهم ويعذبهم ويحرقهم، وأولهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

ويترقب الشيعة الفرس أن ينتقم المهدي لهم من العرب أيضا، فيقولون “عن أبي عبد الله أنه قال: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف” [بحار الأنوار للمجلسي، 52/355].

5- تكفير معظم الصحابة: مع أن هناك خلافا بين طوائف الشيعة بشأن موقفهم من الصحابة، إلا أن الكثير منهم يكفّرون معظم الصحابة ويصفونهم بالردة، وخصوصاً أبا بكر وعمر وعثمان، ويستثنون عددا قليلا من الصحابة “المنتجبين”، وقد لا يزيد عددهم عن ثلاثة فقط –عند بعضهم- وهم المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

6- الطعن في زوجات النبي: يرى الشيعة أن السيدة عائشة زوجة النبي صلى اله عليه وسلم خالفت الشرع وخرجت على الإمام علي ولم تحقن دماء المسلمين، وبما أنها كانت ابنه أبي بكر أيضا فقد وضع بعضهم قصصا تتهمها بالتآمر على النبي وإيذائه، بل وممارسة الفاحشة، مع أن القرآن الكريم برّأها في سورة النور.

يقول محمد بن حسين الشيرازي القميّ “مما يدل على إمامة أئمتنا الاثني عشر أن عائشة كافرة مستحقة للنار” [الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين للقمي، ص 615].

7- التقية: تعد من أصول الدين ومن لوازم الاعتقاد، بل لا دين ولا إيمان لمن لا تقية له عند الكثير منهم، حيث يروون عن جعفر الصادق قوله “إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له”، وهذا الاعتقاد يجعل من مذهب الشيعة عقيدة سرية، فهو من المعتقدات النادرة التي تدعو أتباعها إلى إخفاء معتقداتهم وإظهار نقيضها دون ضرورة.

8- زواج المتعة: يخالف الشيعة عامة المسلمين بإباحتهم لزواج المتعة بل وينسبون إلى أئمتهم روايات عن فضله وثوابه، وكأنه نوع من العبادة، ومنها: “روى صالح بن عقبة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام، قال قلت له: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافاً على من أنكرها، لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله تعالى له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مرّ من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟ قال: نعم بعدد الشعر” [من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 3/302].

أهم الأصول التي يخالف فيها الشيعة السنة

1- الإمامة منزلة يؤتيها الله لرجل من آل بيت النبي وتنتقل بالتعيين.
2- الإمام معصوم وقد يكون أعلى منزلة من النبي.
3- القرآن ليس محفوظا.
4- الإمام الثاني عشر هو المهدي وسيعود ليحكم العالم.
5- معظم الصحابة مرتدون.
6- بعض زوجات النبي معرضات للطعن.
7- التقية مستحبة أو واجبة.
8- زواج المتعة مباح.

الإمامة والمهدوية
تعد الإمامة بمثابة العمود الفقري للتشيع، ففي حين يعتبر المسلمون السنة مسألة الخلافة أمرا فقهيا يخضع للاجتهاد وظروف السياسة الشرعية، فإن الشيعة يجعلون من الإمامة ركنا أساسيا من العقيدة نفسها، وبذلك ربط الفقهاء المؤسسون عقيدة عوام الشيعة بمدى ولائهم للأئمة، كما كان يربط الكهنوت الوثنيون إيمان كل فرد من الشعب وخلاصه بمدى ولائه للملك الذي يقدم نفسه في صورة إله أو نصف إله.

وإذا كانت الخلافة لدى المسلمين السنة تخضع للمشورة، فإن الإمامة الشيعية لا رأي فيها للناس، بل هي حسب اعتقادهم حق منصوص عليه لسلالة آل البيت، ولا يتم إيمان الفرد إلا بالاعتقاد بحق كل إمام فيها، ما يقطع الطريق على محاولات التمرد قبل ظهورها.

والإمام طبقا للمفهوم الشيعي معصوم واجب الطاعة، وحقه بالإمامة منصوص عليه من الله على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله، لذا تجب طاعته على جميع المسلمين في شؤون الدين والدنيا، وهو الوحيد الذي يحق له أن يفسر القرآن الكريم ويؤوّله، وقد جعله البعض في مرتبة أعلى من الأنبياء كما ذكرنا أعلاه نقلا عن الخميني.

مقام الإمام الرضا بمدينة مشهد الإيرانية

ويرى الشيعة الاثنا عشرية أن الأئمة هم على الترتيب التالي: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، محمد المهدي.

وقد وقع الشقاق بعد موت العديد من الأئمة، فكانت تنشأ بعض الفرق التي تنكر موت الإمام وتظن أنه رُفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام، فزعم بعضهم على سبيل المثال أن الإمام السادس جعفر الصادق قال لهم “إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرّضني وغسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم، صاحب السيف”، فاعتقدوا أنه هو المهدي وأنه لم يمت، وسميت هذه الفرقة بالناووسية، نسبة لقائدهم الناووس.

لكن فريقا آخر رأى أن جعفر مات حقا وأوصى بالإمامة لابنه الأكبر إسماعيل المبارك، بينما رأى فريق ثالث أن الإمام هو موسى الكاظم الابن الثاني لجعفر، وذلك لثبوت موت إسماعيل في حياة أبيه، فتمسك الفريق الأول برأيه منكرا موت إسماعيل ونشأ عنه مذهب الإسماعيلية الذي تغلغلت فيه العقائد الباطنية وانتهى به الحال خارج الإسلام، حيث ما زال جزء من الإسماعيلية يؤمنون بأن إسماعيل حي لم يمت، بينما يؤمن جزء آخر بأن محمد بن إسماعيل هو الإمام والمهدي المنتظر. أما الفريق الذي يضم معظم شيعة اليوم فهو الذي آمن باستمرار الإمامة في سلالة موسى الكاظم، وسمي بالشيعة الاثني عشرية لأن الإمامة في عقيدتهم توقفت عند الإمام الثاني عشر.

وفي عام 260هـ توفي الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (نسبة إلى مدينة عسكر قرب بغداد) دون أن يترك ولدا خلفه كما يذكر المؤرخون السنة، فوجد الشيعة مخرجا للمأزق بالقول إن العسكري كان له ولد اسمه محمد، إلا أنه أخفى وجوده عن الناس خوفا عليه من العباسيين، وقالوا إن الطفل محمد دخل سردابا في سامرّاء، ولسبب غير مفهوم قالوا إنه ظل متخفيا هناك فيما يسمى بالغيبة الصغرى التي امتدت 72 عاما، ثم وجدوا حلا لغيبته بابتكار مفهوم السفراء الذين يقومون بمهمات الإمام الغائب ويقودون الشيعة، وقيل إن المهدي يتواصل مع سفرائه مباشرة ويوجه أوامره من خلالهم، فظهر أربعة سفراء هم عثمان بن سعيد العمري ومحمد بن عثمان العمري والحسين النوبختي وعلي السَّمَري.

وبوفاة السمري بدأت الغيبة الكبرى عام 329هـ، حيث قيل إن الإمام المهدي أرسل رسالة للناس يقول فيها إنه لن يكون هناك نائب عنه، وإنه سيغيب فترة غير محددة بانتظار الظروف المواتية لخروجه، وأوصى الناس بالعودة للفقهاء الحافظين والعلماء العارفين حتى يخرج إليهم في آخر الزمان.

وبحسب هذه الأسطورة فإن المهدي تسلم الإمامة وعمره خمس سنوات فقط، وهو ما زال حيا ويتصل بكبار الفقهاء، وقد تجاوز عمره الآن 1170 سنة.

وتزخر كتب أئمة الشيعة بقصص ونبوءات وصفات المهدي، وهي تشبه في الكثير من ملامحها وتفاصيلها الآثار الفارسية الزرادشتية التي تنبأت بقدوم المخلّص “سوشيانت المنتصر” في آخر الزمان، كما يشير بعضها إلى أنه يجمع في دمه أقدس سلالات الأنبياء والملوك، فهو ينحدر من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه، أما أمه فهي بنت يشوعا بن قيصر ملك روما، وأمها من بنات حواريي المسيح وتُنسب إلى وصيه شمعون [بحار الأنوار للمجلسي، ج 51].

مسجد جمكران قرب قم الذي يعتقد الشيعة أنه بني بأمر المهدي

يطلق على الشيعة الإمامية أيضا مسمى الرافضة، حيث يقول العالم السنّي ابن تيمية إن الشيعة افترقوا إلى رافضة وزيدية في زمن خروج زيد بن علي زين العابدين، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر ترحم عليهما، فرفضه بعضهم فسُمّوا بالرافضة، بينما سُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه، وهؤلاء ما زالوا على مذهبهم القريب من السنة في اليمن. أما الشيعة فيرفضون تلك القصة، ويعتبرون أن مصطلح الرافضة أطلق عليهم لأنهم رفضوا الباطل وتمسكوا بالحق.

مصادر المذهب
بما أن التشيع نشأ في ظل الإسلام فإن فقهاءه يلتزمون بالعودة إلى القرآن والسنة بصفتهما مصدر الوحي والتشريع، لكن نقطة الافتراق عن بقية المسلمين تبدأ من حيث الاعتقاد بعصمة الأئمة واعتبارهم مصدرا إضافيا للتشريع، حيث لا تقتصر السنة لدى الشيعة على أقوال وأفعال الرسول بل تشمل أيضا كل ما يُنسب إلى الأئمة.

ويترتب على الاعتقاد بالعصمة أيضا فتح الباب أمام احتمالات شتى لفهم القرآن الكريم تحت مسمى التأويل الباطني الذي لا يعرف سره إلا الإمام “المعصوم”، لا سيما وأن المدونين الأوائل لأقوال الأئمة ليسوا موضع ثقة لدى علماء الجرح والتعديل المعتمدين لدى المسلمين من غير الشيعة، بل لم يكونوا كذلك حتى لدى بعض الفقهاء الشيعة الكبار، الأمر الذي يضع معظم أصول المذهب في موضع التشكيك عندما تُنقد الروايات بضوابط النقل والتثبت.

علاوة على ذلك، أدت عقيدة تكفير الصحابة -أو تكذيبهم على الأقل- إلى نبذ مؤسسي التشيع للمصادر المعتمدة للأحاديث النبوية (السنة) [انظر مقال السنة النبوية]، ومن ثم فإن المصادر الحديثية المحققة كصحيحي البخاري ومسلم لا يُعتد بها لديهم، ليس لأنها موضع شك من حيث ثبوت النقل، بل لأنها روايات منقولة عن الصحابة الذين تم تكفيرهم أصلا، فضوابط قبول الروايات أو رفضها لدى الشيعة تقوم أساسا على الجانب الاعتقادي (التسليم) وليس على البحث العلمي.

ونظرا لتشتت الشيعة إلى فرق شتى بناء على ولاء كل فرقة لإمام معين، فقد كانت كل فرقة تدون رواياتها المنسوبة لإمامها بعد موته، علما بأن الانقسام لم يقتصر على الخلاف بشأن خليفة جعفر الصادق، بل انقسم أتباع الحسن العسكري بدوره إلى ما يقرب من عشرين فرقة بعد موته، وكل فرقة منها كانت تضع من الأخبار والروايات ما يؤيد عقيدتها الجديدة، لكن فرقة الإمامية الاثني عشرية هي الوحيدة التي آمنت بإمامة محمد بن الحسن المهدي، ولم تضع الروايات المتعلقة بالاثني عشر إماما إلا بعد موت العسكري، أي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، بالرغم من دعوى بدء التدوين قبل ذلك.

يقول فقهاء الشيعة إن تدوين الأحاديث والأخبار يعود إلى “الأصول الأربعمئة”، وهي أربعمئة كتاب يقولون إنها دونت في القرن الثاني الهجري على يد أصحاب الإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم، ومع أن هذه الكتب غير موجودة حاليا، فإنهم يقولون إن الشيخ محمد بن يعقوب الكُليني رحل إلى العديد من البلدان الإسلامية لجمع أكبر قدر ممكن مما جاء في هذه الأصول ووضعها في كتابه “الكافي”، ثم جاء من بعده عالمان آخران ووضعا كتبا مشابهة، وهما الطوسي مؤلف “التهذيب” و”الاستبصار”، والصدوق مؤلف “من لا يحضره الفقيه”، وتعد هذه الكتب الحديثية الأربعة المصدر الأساسي المعتمد لدى الشيعة اليوم، مع أنها كانت جميعا كتبا فقهية وليست متخصصة في الحديث.

يؤمن الشيعة بأن الكليني عرض كتابه الكافي على المهدي الغائب في السرداب وأنه أقره عليه، ويعتقدون أن جميع ما ورد في الكتب الأربعة صحيح ولا شك فيه، حيث يقول عنها الشيخ الحر العاملي “قد عرفت أن أكثرها متواتر لا نزاع فيه، وأقلها -على تقدير عدم ثبوت تواتره- فهو خبر محفوف بالقرينة القطعية” [وسائل الشيعة، 20/107].

مع ذلك، انتُقدت تلك الكتب الأربعة كثيرا، فشيخ الطائفة الطوسي قال في كتابه “عدَّة الأصول” إن أحاديث “التهذيب” تزيد على خمسة آلاف، بينما تبلغ أحاديثه في النسخة المتوفرة 13950 حديثا، ما يعني أن معظم ما فيه قد تمت إضافته بأيد مجهولة، ولا يمكن لأحد في عصرنا أن يُميز ما وثقه الطوسي عن غيره.

أما موسوعة الكافي فقد ذكر الطوسي في “الفهرست” أنها كانت مكونة من ثلاثين كتابًا (جزءا)، ومع ذلك فقد وصل إلينا مجزءا في خمسين كتابا، ولا يُعرف من أين جاءت الزيادة، كما شكك بعض فقهاء الشيعة بأحد أهم هذه الأجزاء، وهو كتاب “الروضة”، الذي يختص بالقضايا العقائدية التي تقوم عليها أهم عقائد الشيعة ومنها الإمامة، حيث يُعتقد أن مؤلفه ليس الكليني نفسه.

ويقر الباحث اللبناني الشيعي المعاصر هاشم الحسني بأن وثوق الكليني بالروايات التي جمعها “لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة؛ بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها… بالإضافة إلى عنصر الاجتهاد الذي يرافق هذه البحوث في الغالب” [دراسات في الحديث والمحدثين، ص 134]، ويضيف الحسني أن الكليني أقر بنفسه بأن كتابه لم يجمع الروايات الصحيحة ذات السند المتصل بالإمام، بل قال الكليني إنه بذل جهده في الجمع والتحقق دون أن يكون متأكدا، ومع ذلك فإن الفقهاء الذين جاؤوا بعد الكليني وحتى اليوم يُجمعون على أن الكافي صحيح بكل ما فيه، وإلا فإن أركان مذهبهم كلها معرضة للانهيار.

علاوة على ذلك، لم يجد مؤلفو الكتب الأربعة مانعا من الرواية عمن يُطعن في دينهم بالرغم من إقرارهم بضرورة التمحيص، فقال الطوسي “فإذا ذكرتُ كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول، فلا بد من أن أُشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يُعوَّل على روايته أو لا؟ وأبين عن اعتقاده، وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له؟ لأن كثيرًا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة” [الفهرست للطوسي، ص 32]، والإقرار بضرورة الجرح والتعديل أمر جيد، لكن المحير أن الطوسي يعترف بعد ذلك فورا بأن انتحال بعضهم لمذاهب فاسدة لا يطعن في كون كتبهم معتمدة.

ومن الملفت أيضا أن العلماء الذين تلقوا كل ما نُسب للأصول ليس لديهم دليل على صحة انتساب كل واحد من أولئك الأربعمئة للفرقة التي يعتبرون أنها على صواب، فقد بينّا سابقا أن الشيعة كانوا ينقسمون إلى فرق عدة بعد موت عدة أئمة، حتى إنهم تفرقوا إلى ست فرق بعد موت جعفر الصادق الذي نُسبت الأصول إلى أصحابه، كما أن العديد من الأخبار الواردة في تلك الأصول يتحدث عن الأئمة الذين جاؤوا بعد الصادق، فلا يُعرف متى كُتبت تلك الأخبار والأحاديث.

يقول الوحيد البهبهاني إن “معاصري الأئمة وقريبي العهد منهم كان عملهم على أخبار الثِّقات مطلقًا، وغيرهم بالقرائن، وكانوا يردون بعض الأخبار أيضًا؛ لما ثبت بالتواتر من أن الكَذَبَة كانوا يكذبون عليهم، لكن خَفِيَ علينا الأقسام الثلاثة، ولا يمكننا العلم بها كما مرَّ في الفوائد، كما أن نفس أحكامهم أيضًا خفيت علينا كذلك، وانسدَّ طريق العلم، فالبناء على الظن في تمييز الأقسام” [الفوائد الحائرية، ص 490].

رسم لمدينة قم الإيرانية من مجموعة الرحالة الفرنسي جان شاردان في القرن الثامن عشر

ولاية الفقيه والدولة الصفوية
وقع التشيع في أزمة منذ بدء الغيبة الكبرى للمهدي، فلم يعد هناك مبرر للعمل السياسي طالما كان الحكم محصورا في سلالة الأئمة، وفي القرن الرابع عشر الميلادي حاول الفقيه الشيعي محمد بن جمال الدين الجزيني العاملي (من جبل عامل بلبنان) وضع حل لهذه المعضلة بابتكار نظرية ولاية الفقيه العامة، التي تعني قيام أحد الفقهاء المجتهدين الكبار بمهمة النيابة عن الإمام الغائب (المهدي) في قيادة الأمة وإقامة حكم اللّه على الأرض.

صفي الدين أردبيلي

تزامن مع طرح العاملي لنظرية ولاية الفقيه في لبنان صعود عائلة تركمانية صوفية تدعي الانتساب لآل البيت في شمال إيران، حيث يقال إن الشيخ صفي الدين أردبيلي (توفي عام 1334م)  كان يخفي تشيعه تقيّةً ويظهر للناس أنه سني شافعي حتى تمكن من استقطاب الإيرانيين حوله، حيث كانت الغالبية الساحقة من الإيرانيين تتبع المذهب الشافعي السني آنذاك.

وفي عام 1501م، سيطر إسماعيل حفيد صفي الدين على الحكم وأسس الدولة الصفوية، معلنا بصراحة قيام الدعوة الشيعية. وينقل عبد العزيز بن صالح المحمود الشافعي في كتابه “عودة الصفويين” عن مصادر شيعية أن إسماعيل كان مع أتباعه الصوفية في الصيد بمنطقة “تبريز”، فعبر نهرا لوحده ودخل كهفاً ثم خرج متقلداً بسيف وأخبر رفاقه أنه التقى داخل بالمهدي الغائب، وأن المهدي قال له “لقد حان وقت الخروج”، وأنه أمسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض، ثم شدّ حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: “اذهب فقد رخصتك”.

وبهذه الأسطورة طبق إسماعيل نظرية ولاية الفقيه عمليا، كما أنه لم يكتف بادعاء نسبته إلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وبحصوله على إذن الإمام المهدي الغائب، بل ابتكر أسطورة جديدة تضفي عليه شرعية أخرى للحكم من خلال استحضار “حق الملك الإلهي” لسلالة الأكاسرة الفرس، حيث تقول الأسطورة إن عمر بن الخطاب -عند فتحه لبلاد فارس- سبى نساء الشاه يزدجرد، آخر ملوك الفرس، وجاء بهن إلى المدينة، فثار ضده علي بن أبي طالب وقام بتزويج شهربانو ابنة يزدجرد من ابنه الحسين، فجاء الأئمة من سلالة آل البيت ويزدجرد، ما يمنحهم بذلك “حق الملك الإلهي”، وذلك على شاكلة سبط يهوذا من بني إسرائيل الذي يدعي لنفسه هذا الحق حتى يومنا هذا. وقد دحض هذه الرواية عدد من علماء الشيعة أنفسهم، وعلى رأسهم مرتضى مطهري وعلي شريعتي.

يقول المفكر الإيراني الشيعي المعاصر علي شريعتي إن الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية والمذهب الشيعي، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب، وإشاعة اليأس من الإسلام، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامية المندفع، وتمجيد الأكاسرة. [التشيع العلوي والتشيع الصفوي لشريعتي، ص 119].

الشاه إسماعيل

وبما أن الأساطير وحدها لا تكفي بدون قوة، فقد حشد الشاه إسماعيل من حوله كتائب عسكرية تدعى “قزلباش” لتكون بمثابة الحرس الشخصي والقوة الضاربة، وجعلها تظن في نفسها أنها الجيش الممهد لظهور المهدي، حتى زعم كبار فقهاء الدولة، وعلى رأسهم العلامة المجلسي، أن الدولة الصفوية ستكون بالفعل مقدمة لخروج المهدي الوشيك.

وبهذه العقيدة انطلق جنود الشاه لمحاولة ابتلاع الأمة الإسلامية كلها، فبدأوا بتصفية قادة السنة في إيران والعراق، وارتكبوا مجازر في غاية البشاعة، حتى قيل إنهم قتلوا مليون مسلم، وكان إسماعيل يأمر بنبش قبور العلماء وحرق عظامهم وحرق كتب المسلمين السنة، وإذا قتل أميراً أباح زوجته وأمواله لأحد أتباعه، وكان الكثير من أتباعه يعتقدون أنه بلغ درجة الألوهية. [عنوان المجد للبغدادي، ص 120].

ولاستكمال مخططه الإمبراطوري، وضع الشاه إسماعيل تدمير الدولة العثمانية نصب عينيه، مع أن العثمانيين كانوا في أوج قوتهم وفي أخطر مراحل تصديهم للأوروبيين الذين كانوا يستأنفون غزواتهم الصليبية في مرحلة ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية، بينما كان العثمانيون يشنون هجمات مضادة ويتوغلون في شرق أوروبا.

احتل إسماعيل العراق وعقد تحالفات مع الدول الأوروبية ضد العثمانيين، ومع أنه كان يحاول إظهار الود للسلطان العثماني سليم ياوز الأول إلا أن الأخير لم يثق به، وسرعان ما بدأت المناوشات التي كشفت عن نواياه.

راسل إسماعيل البرتغاليين ووعدهم بالاعتراف بسلطتهم على جزيرة هرمز التي احتلوها عام 1507م، وهي منطقة استراتيجية لإشرافها على مضيق هرمز الفاصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، وطلب إسماعيل منهم في المقابل مساعدته على غزو البحرين والقطيف وتعهدهم بمساندته ضد القوات العثمانية، كما تضمن مشروع التحالف البرتغالي الصفوي تقسيم المشرق العربي بينهما لاحقا، بحيث يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين، وما زالت المراسلات المتبادلة بين الشاه إسماعيل وأفونسو دلبوكيرك نائب الملك البرتغالي على الهند محفوظة حتى اليوم.

وجد البرتغاليون في العرض الصفوي كنزا لا يقدر بثمن، فقد كانوا يخشون الجبهة الإسلامية القوية التي يمثلها العثمانيون والمماليك في البحر الأبيض المتتوسط، ويحاولون أن يجدوا موطئ قدم لهم في المنطقة، فأتاح لهم الصفويون فرصة البقاء في الخليج العربي، ثم أخذ إسماعيل يهدد باجتياح حلب ودمشق بينما كان دلبوكيرك يتسلل بأسطوله إلى البحر الأحمر لتخويف المماليك في مصر.

راسل إسماعيل أيضا بابا الفاتيكان ليو العاشر ليحظى بتأييد أوروبا المسيحية كلها، ونصح دلبوكيرك الملوك الأوروبيين بالتحالف مع إسماعيل وإرسال خبراء صناعة المدافع إليه لضرب المسلمين من الخلف، وهنا أدرك السلطان سليم أنه لا بد من مواجهة الصفويين، فاشتبك الجيشان في معركة  “جالديران” سنة 1514م التي انتصر فيها العثمانيون انتصاراً كبيراً، فبدأ دلبوكيرك بالتخلي عن إسماعيل الذي خسر معظم قوته.

ازداد حقد إسماعيل فقرر أن يبحث عن قوة أخرى تنتقم له من العثمانيين، وأغرى السلطان المملوكي الغوري بالخروج من مصر إلى حلب ليشهد صلحا بين إسماعيل والسلطان سليم، لكن المماليك فوجئوا هناك بأن الخطة كانت تهدف إلى توريطهم في الحرب، فاصطدموا مع العثمانيين بمعركة مرج دابق عام 1516، والتي انتصر فيها العثمانيون أيضا. ومع أن الدولة العثمانية تجاوزت كل هذه المحاولات إلا أن مؤامرات إسماعيل شغلت العثمانيين وأوقفت تقدمهم الذي كان قد بلغ وسط أوروبا.

انتهت دولة الصفويين سنة 1724م على يد نادر خان الذي عينه الشاه طهماسب الثاني قائداً لجيشه، فبعد تحقيقه عدة انتصارات ضد منافسي الدولة نصّب نادر خان نفسه ملكاً على إيران، وأعلن سقوط الدولة الصفوية وقيام الدولة الأفشارية الشيعية محلها، التي استمرت حتى القضاء عليها من قبل الزنديين سنة 1795م. وقد حاول نادر شاه إحداث تقارب بين السنة والشيعة، الأمر الذي أدى إلى قتله من قبل الشيعة المتعصبين.

من أهم النتائج التي خلَّفتها الدولة الصفوية انقسام العالم الإسلامي إلى معسكري السنة والشيعة، وتحويل إيران من دولة سنية إلى شيعية متعصبة، وإحياء النزعة القومية الفارسية، مع ربط التشيع الديني بالأهداف السياسية للحكومات الإيرانية المتعاقبة التي ما زالت قائمة حتى اليوم.

الخميني يعود من فرنسا إلى إيران في فبراير 1979 بعد 14 سنة من النفي والطيار الفرنسي يساعده على النزول

الثورة الإيرانية
في القرن العشرين، تولى الفقيه روح الله الخميني مهمة إحياء فكرة ولاية الفقيه، داعيا إلى إنشاء دولة شيعية جديدة تمهد لخروج المهدي وقيادة العالم. ومع أن الملك الإيراني الشاه محمد رضا بهلوي كان من أقوى حلفاء الغرب وإسرائيل، إلا أن الخميني المنفي في فرنسا كان قد عقد تحالفاته السرية هناك لينشئ نظاما دينيا يرفع شعارات معاداة الغرب، كما يقول العديد من المؤلفين ومنهم مؤلف كتاب “رهينة بقبضة الخميني” روبرت درايفوس.

يقول درايفوس في كتابه إن مشروع زعزعة استقرار حكم الشاه تمتد جذوره لقرن من الزمان قبل قيام الثورة الإسلامية الخمينية عام 1979م، حيث عملت المخابرات البريطانية على زرع بذورها عبر رجال الدين الشيعة والجمعيات السرية لتهيئة الأجواء وشحن الشعب بالتمرد، ثم جاء تقرير لمنظمة العفو الدولية في نوفمبر ١٩٧٦ ليكون “الطلقة الأولى” التي أشعلت نيران الثورة بعد ثلاث سنوات، فبدأ من ذلك الحين تسليط الضوء داخليا وخارجيا على انتهاكات حقوق الإنسان في نظام الشاه [ص 34، 39].

ويسرد المؤلف تفاصيل الاستنفار الذي قامت به منظمات المجتمع المدني الغربية لحشد الرأي العام ضد الشاه ونظامه، إلى جانب دعم منظمة فدائيي الإسلام (فدائيان إسلام) التي كانت قد انتقلت إلى العمل السري تحت قيادة آية الله خلخالي وآية الله الخميني، والتي كانت تدير نحو 200 ألف من الملالي المنتشرين في أنحاء إيران لتنفيذ خطة الانقلاب عبر التهييج الشعبي الديني [ص 40].

في يناير عام 1978، كان الرئيس الأميركي جيمي كارتر يحتضن الشاه ويمتدح إيران بأنها “جزيرة الاستقرار” في الشرق الأوسط المضطرب، بينما كان معاونوه قد بدؤوا بتدبير مؤامرة إسقاطه [رهينة بقبضة الخميني، ص 24]، ويقول مؤرخون إن الرجل الثاني في جهاز السافاك “منظمة المخابرات والأمن القومي” حسين فردوست كان هو المسؤول عن تدبير الانقلاب لصالح الخميني والملالي بإشارة من الغرب، وإن الخميني كافأ فردوست لاحقا بعد إسقاط الشاه بحل جهاز السافاك وتأسيس جهاز “السافاما” بدلا منه بقيادة فردوست نفسه.

ويرى درايفوس أن استحداث الحكم الإسلامي الشيعي في إيران من قبل الغرب كان بحجة التصدي للتمدد الشيوعي بالمنطقة، مستشهدا بتصريح رئيس مجلس الأمن القومي زبيغنو بريجينسكي (الذي كان القوة المحركة في إدارة كارتر) عندما قال لصحيفة نيويورك تايمز إنه يجب على واشنطن أن ترحب بانبعاث قوى الإسلام في الشرق الأوسط لأنها تعارض كعقيدة تلك القوى الكامنة في المنطقة الموالية للاتحاد السوفيتي [رهينة بقبضة الخميني، ص 25]، لكن باحثين آخرين يرون أن هذا الدعم كان بالأحرى لزرع بذور الفتنة الطائفية في المنطقة وإشعال فتيل الحرب التي سرعان ما اندلعت بين السنة والشيعة ومازالت تتوسع حتى اليوم.

أنصار الخميني في وسط طهران أثناء الثورة

تصدير الثورة
في كتاب تصدير الثورة الذي نشرته “مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني”، نجد مئات المقتطفات من خطب ورسائل الخميني التي يعتبر فيها أن تصدير الثورة سيكون بمثابة رسالة لدحر الطغيان وإسقاط عروش الجبابرة والانتصار للمظلومين، مع التركيز على أن رسالة الثورة هي رسالة الإسلام العالمية وتجنب الإشارة للبعد المذهبي الشيعي.

ففي إحدى رسائل الخميني الموقعة بتاريخ ٢٨/٤/١٩٨٦ يقول إن رسالته الأخيرة هي أن يعملوا على “إعداد الأرضية لظهور منقذ البشرية وخاتم الأوصياء ومفخرة الأولياء” [تصدير الثورة، ص 20].

وكما فعل الشاه إسماعيل، وضع الخميني -عقب سيطرته على إيران- عينه مباشرة على المملكة العربية السعودية بصفتها أرض الحرمين ومن أهم الدول السنّية، فحاول التمدد عبر بوابة الشرق حيث يتركز الوجود الشيعي في السعودية، وبدأ بدعم حركات الاحتجاج في مدينة القطيف عام 1981 ضد الحكومة السعودية.

ويقول مؤرخوه إن النظام الإيراني أنشأ منظمة شيعية سرية داخل إيران لنشر فكر الثورة في دول الخليج، وعهد إلى الشيخ حسن الصفّار بزعامتها الروحية، وأُطلق عليها اسم “منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية”، لتصبح لاحقا “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية”، وفي عام 1987 تشكل جناح عسكري للمنظمة تحت اسم “حزب الله الحجاز”، ويشير باحثون إلى انفصال الجناح العسكري عن المنظمة ليصبح تابعا مباشرة للحرس الثوري الإيراني. [مقال “حزب الله” الخليج، لخالد المشوح]

ويقول مؤرخو تلك المرحلة إن غالبية السعوديين الشيعة الذين كانوا في قم آنذاك كانوا يؤيدون المدرسة الشيرازية التي ترى أن الحكومة الإسلامية الشيعية تدار من قبل تجمع من الفقهاء وليس الولي الفقيه الواحد، لكن الحرس الثوري أجبر العديد منهم على الالتحاق بالفكر الخميني، بينما اضطر آخرون للجوء إلى دمشق ودول أخرى. [دراسة حزب الله الحجاز “السعودي”، بوابة الحركات الإسلامية].

صورة من الإعلام السعودي لمظاهرات الإيرانيين بمكة عام 1987

وفي موسم الحج بأواخر يوليو 1987، بدأ الصدام الفعلي عندما قادت مجموعة من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الحجاز المئات من الحجاج الإيرانيين والشيعة السعوديين للتظاهر في مكة المكرمة ودعوة المسلمين لمؤازرة ثورة الخميني، ما أسفر عن صدام دموي مع السلطات السعودية، ذهب ضحيته 402 قتيلا و649 جريحا، أكثر من نصفهم من الإيرانيين، كما تجددت المظاهرات في موسم الحج التالي وأسفرت عن سقوط ضحايا.

اتهمت السلطات السعودية “حزب الله الحجاز” بالمسؤولية عن أعمال “إرهابية” عدة، من أهمها تفجير شركة صدف البتروكيماوية في مدينة الجبيل عام 1988، وتفجير مبنى للحرس الوطني في الرياض عام 1995، وتفجير أبراج الخبر عام 1996 الذي أسفر عن مقتل 19 أميركيا بمدينة الخبر.

ويرى الباحث السعودي خالد المشوح أن “انكشاف مخططات إيران” دفع العديد من الناشطين الشيعة في الخليج للتراجع عن موالاتهم لنظام ولاية الفقيه، كما اضطروا للوقوف إلى جانب سلطات بلادهم أثناء حرب الخليج الثانية جراء اختلاط الكثير من الأوراق في المنطقة. وفي عام 1993 تم الاتفاق بين الحركة الإصلاحية الشيعية والحكومة السعودية على إنهاء النشاط السياسي في الخارج وقطع العلاقات مع طهران.

لكن هذه المصالحة لم تنه الأزمة، فما زال الشيعة في السعودية والخليج متهمون بإثارة القلاقل إبان اندلاع احتجاجات البحرين عام 2011، كما ظهر جليا الطموح الإيراني في تصدير “الثورة” عبر السيطرة غير المباشرة على العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003.

ويرى باحثون أن التقارب الإيراني الأميركي لم يكن وليد الصدفة، إذ صرح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني السابق في عام 2004م بقوله “لولا إيران لما سقطت كابل وبغداد”، [نبيل البكيري، في عمق التقارب الأميركي الإيراني، الجزيرة نت، 19/10/2013].

وبعد تورط إيران في قمع الثورة السورية منذ عام 2011، أصبح من الشائع الاعتقاد بأن النظام الذي أقامه الخميني يمزج بين العقيدة الشيعية والقومية الفارسية، حيث يقول الباحث المتخصص في التشيع السياسي الدكتور عبدالله النفيسي -وهو الرئيس السابق لقسم العلوم السياسية بجامعة الكويت- إن إيران الآن دولة صفوية، وإن ساسة إيران “فرس أساسا وليسوا مسلمين، وليسوا حريصين على الإسلام، بل على هدم الإسلام بصيغته التي نفهمها”.

ويضيف أنه التقى كل القيادات التي تحكم إيران ورموز النظام فوجد أن خيطا واحدا يجمعهم هو احتقار العرب، وأن لديهم الآن فرصة تاريخية للثأر من العرب على اعتبار أن الفتح الإسلامي لبلاد فارس كان “غزوا” حطم إمبراطوريتهم.

وينقل النفيسي عن حسن روحاني -قبل أن يصبح رئيسا لإيران- أنه قال لأعضاء البرلمان الكويتي خلال زيارة رسمية لإيران “كل الساحل الغربي من الخليج سيعود إلى رحم بلاد فارس، وأنتم لا حق لكم كعرب فيه، وسنستولي عليه عندما تحين الفرصة”. [موقع بوابة الأهرام الرقمي، 19 يناير 2013].

ويؤكد هذا تصريح لقائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري خلال خطاب جماهيري بتاريخ 7 مايو 2015 قال فيه إن “تشكيل الهلال الشيعي من خلال التعاطف بين الدول الإسلامية في المنطقة والمقاومة ضد الظلم يدل على تحقيق أهداف الثورة الإسلامية في إيران عام 1979” [موقع قناة برس الإيرانية].


أهم المراجع
أبو جعفر القمّي الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1986.

محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، إحياء الكتب الإسلامية، طهران.

محمد بن حسين الشيرازي القمي، الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين، مطبعة الأمير، طهران.

مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني، www.arabic.irib.ir، بدون تاريخ.

الخميني، الحكومة الإسلامية، بدون ناشر.

الوحيد البهبهاني، الفوائد الحائرية،مجمع الفكر الإسلامي، قم، 1995.

أبو جعفر الطوسي، الفهرست، مؤسسة نشر الفقاهة، قم، 1997.

عبد الرسول الغفاري، الكليني والكافي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1996.

محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى أصول الشريعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1983.

هاشم معروف الحسني، دراسات في الحديث والمحدثين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1978.

سليمان بن حمد العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، دار طيبة، الرياض.

محمد أمحزون، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، دار السلام، 2007.

علي محمد الصلابي، سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه: شخصيته وعصره، 2006.

روبرت درايفوس، رهينة بقبضة الخميني، ﺩﺍﺭ ﻧﻴﻮﺑﻨﺠﺎﻣين ﻓﺮﺍﻧكلين للنشر، 1980.

نبيل البكيري، في عمق التقارب الأميركي الإيراني، الجزيرة نت، 19/10/2013.

خالد المشوح، “حزب الله” الخليج.. تاريخ من المؤامرات باسم المقدّس والطائفة، مجلة المجلة، 15 نوفمبر 2011.

أحمد محمد سرحان، كتب الحديث والرواية عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، موقع الألوكة، 2009.

حزب الله الحجاز “السعودي”، بوابة الحركات الإسلامية www.islamist-movements.com/2571، 12/مايو/2014.

Emmanuel Sivan and Menachem Friedman, Religious Radicalism and Politics in the Middle East, SUNY Press, 1990, p. 190

http://www.dorar.net/enc/firq

http://www.presstv.ir/Detail/2015/05/07/409890/Iran-IRGC-commander-Jafari-military-option

الغنوصية والباطنية

أحمد دعدوش


سنتعرض في هذا المقال لتيار فكري قديم للغاية، حيث لا يُعرف بالضبط تاريخ نشأته، وهو أشبه بإطار فكري عام تنبثق من داخله عشرات الأديان والمذاهب والفلسفات والتقليعات التي ما زالت تتوالد حتى اليوم، فهو ليس دينا أو فلسفة واحدة بل تيار يؤثر على أتباع أديان ومذاهب متنوعة فيعاد من خلاله تأويل تلك الأديان لتظهر في إطار جديد.

تيار عام
مصطلح الغنوصية (Gnosticism) مشتق من كلمة يونانية تعني المعرفة أو العرفان، ويُقصد بها المعرفة الكشفية الإشراقية (الحدسية) التي يكتشف صاحبها المعارف العليا مباشرة بالحدس دون استدلال وتفكير عقلي، ودون حاجة إلى الوحي [انظر مقال مصادر المعرفة]. لذا فهي فلسفة تضع نفسها موضع الدين من حيث اهتمامها بالإجابة على الأسئلة الثلاثة الأساسية للأديان، وهي: المبدأ (من أين جاء العالم؟)، الغاية (لماذا يوجد العالم؟)، والمصير (إلى أين نحن ذاهبون؟)، حيث يزعم أصحابها أنهم يتوصلون عبرها إلى معرفة الحقيقة واكتشاف غاية الحياة وطريق الخلاص، وذلك عبر الطرق السرية الباطنية.

يزعم الغنوصيون أن عقيدتهم هي أقدم العقائد البشرية، وأنها وصلت إليهم مباشرة من كائن خفي يسمونه “المطلق”، وهو ليس بالضرورة إلهاً خالقاً منزهاً كما يعتقد أتباع الديانات التوحيدية، بل هو كائن غامض قد تختلف تفسيراتهم وتسمياتهم له، فقد يسمونه “الكلي” أو “الطاو” أو “الطاقة الكونية” أو “القوة العظمى”.

أما مصطلح “الباطنية” فيعود لغويا إلى الباطن، أي إلى ما يخفى من الشيء، فهو الجانب المقابل للظاهر، ويقال في اللغة “بطنت الأمر” أي عرفت باطنه، أما كلمة “الباطني” فقد تطلق على ثلاثة أشخاص، الأول هو الشخص الذي يكتم اعتقاده ولا يظهره، والثاني هو المختص بمعرفة أسرار الأشياء، أما الثالث فهو الذي يعتقد أن لكل شيء ظاهر وباطن، أي أن لكل نص تأويل خفي، ولكل كلمة معنى سري.

يعد كتاب الزوهار من أبرز الكتب الباطنية المعتمدة لدى القبالاه اليهودية

وعندما نتحدث عن العقائد والفلسفة، فالباطنية هي تيار فكري يعتقد أصحابه أن هناك علوماً خفية تختص بها النخبة من علمائهم الذين يتلقون علمهم بالكشف والإشراق، أي بالحدس وليس الوحي، ونجد لهذا التيار انتشارا داخل معظم الأديان، فهو موجود منذ القدم لدى أتباع الأديان الشرقية كالهندوسية والبوذية والطاوية حيث نجد أثره واضحا في كتاب “الفيدا” المقدس، ويظهر أيضا في اليهودية تحت اسم القبالاه التي تزعم أن للتوراة معنى خفيا يُستخرج من أسرار الحروف والأرقام، حيث يعد كتاب “الزوهار” من أبرز الكتب الباطنية، كما تغلغلت الغنوصية في المسيحية المبكرة على يد مارقيون في أواخر القرن الميلادي الأول، أما في الإسلام فنشأت طوائف باطنية كثيرة داخل المذهب الشيعي على يد الإسماعيليين والدروز، وما زال الأثر الباطني واضحا لدى الشيعة في علم الجفر، بينما نجد بين ظهراني المسلمين السنة مذاهب متعددة من التصوف الفلسفي المتطرف التي تؤمن بأفكار مشابهة، ولا سيما لدى محيي الدين بن عربي وعبد الحق بن سبعين. [أصول الفلسفة الإشراقية، ص119]

يقول الإمام أبو حامد الغزالي (توفي عام 505هـ) في كتابه فضائح الباطنية “إن الباطنية إنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة” [فضائح الباطنية، ص11].

إذن فالباطنية والغنوصية يدلان على معتقد واحد، فالباطنيون يتشابهون في المعتقد الأساسي مهما كان دينهم الذي ينتمون إليه، ويؤمنون بأن المعرفة الباطنية “الغنوص” هي الغاية وأن الوصول إليها يتم بالإشراق (الحدس)، وذلك عبر التحرر من الماديات حتى تتجلى على العقل الحقيقة المطلقة. ويزعمون أن ذلك يحصل لكل من يسلك طريق العرفان، وأنه ليس بحاجة إلى الوحي الذي يأتي به الأنبياء، ويتم ذلك بالمجاهدات والرياضات الروحية، وبتعلم علوم خاصة لكشف أسرار الحروف والأرقام التي يتم بها كشف التأويل الباطني لنصوص الكتب المقدسة واكتشاف الحكمة السرية المخفية فيها، كما يتم ذلك بتوارث التعاليم والتقاليد التي توصل إليها الحكماء العارفين القدماء ممن توصلوا إلى بعض جوانب الحقيقة باجتهادهم وكشفهم وإشراقهم، فهم يقدسون ما يتركه هؤلاء الحكماء من تأويلات، ويعتبرون أنها تحتوي أيضا بذاتها أسرارا تحتاج إلى الكشف، وأن مؤلفيها لم يكشفوا ما فيها من أسرار لتبقى خفية عن عامة الناس.

تزعم المذاهب الغنوصية أن الوجود الإنساني هو نوع من الموت الروحي، فالشخص الذي يحقق الكشف والاستنارة ينتقل إلى عالم جديد. والأرواح تتناسخ من جسد إلى آخر بحثا عن رحلة خلاصها، فالموت بوابة قد تؤدي إلى القبر أو إلى دورة تناسخ جديدة، وليس هناك بعث للأجساد في القيامة كما تبشّر الأديان السماوية، بل تُبعث الأرواح فقط وتتخلص من الأجساد، فالبقاء في عالم المادة هو أكبر الخطايا، أما التوبة والخلاص والفلاح فلا تتحقق إلا بخلاص الروح من الجسد. [الغنوصية في الإسلام، ص7-11].

كما ترى الغنوصية أن مبدأ الأمر والنهي في القضايا الأخلاقية لدى الأديان السماوية لا يؤدي إلى نشوء أخلاق حقيقية، فالسارق يتوقف عن السرقة كي لا يتعرض بنفسه للسرقة من سارق آخر أو يتعرض للعقوبة، لذا يقترحون ربط الأخلاق بالخير الكامن في النفس الإنسانية بدلا من الخوف. وقد تأثر بهذا المفهوم بعض أتباع الأديان السماوية، ومنهم بعض المتصوفة في الإسلام الذين طرحوا مفهوم الحب الإلهي، بمعنى أن يعبد المسلم الله ويلتزم بأوامره لأنه يحب الله ويتعلق قلبه به، وليس طمعا في جنته أو خوفا من عذابه، لكن علماء مسلمين آخرين يرون أن هذه الدرجة المثالية من الحب ليست ممكنة عمليا.

عصا هرمس كانت رمزا للهرمسية في روما ثم أصبحت رمزا للطب في العصر الحديث

الهرمسية
تعرضنا في مقال “الوثنية” بالتفصيل إلى التداخل الذي حصل بين قصة النبي إدريس وشخصيات عدة تحمل اسم هرمس، حيث يبدو أن الكتب السماوية التي أنزلت على النبي قد تعرضت لتحريف وتحوير وإضافات كبيرة، ولعل أهم المؤلفات التي تُنسب إليه هي “متون هرمس” المؤلفة من 18 فصلا، وقد تُرجمت هذه المتون إلى الإنجليزية في العصر الحديث نقلا عن اليونانية، والتي ربما تكون قد تُرجمت بدورها عن المصرية القديمة، أو كُتبت على يد اليونان ما بين القرنين الثاني والثالث الميلادية.

صيغت المتون على هيئة حوار يجريه الحكيم المصري تحوت أو اليوناني هرمس مع تلاميذه. ومع أنها تتضمن عقيدة التوحيد وعبادة الإله الواحد ففيها أيضا أصول الفكر الغنوصي الذي انتقل من الهرمسية إلى عدد لا يحصى من الفلسفات والأديان لاحقا.

نجد في متون هرمس شرحا واضحا لعقيدة الهرمسية في حقيقة الإله والشيطان، حيث تزعم أن هناك إلها خالقا يتجسد في الشمس، وأن الشياطين مخلوقات شريرة إلا أنها هي التي تحكم البشر وكأنها واسطة بين الإله والبشر، لأنها تستوطن الأفلاك والكواكب. وفي أحد النصوص يسمي هرمس الشياطين بالملائكة الشريرة، فهي بالأصل ملائكة غضب عليها الإله وسقطت من السماء، وهي أشبه ما تكون بأنصاف آلهة، تتحكم بالقدر ولا تخضع له، ومع أن الإله (الشمس) هو الذي أوجدها إلا أنه غير قادر على دفع ضررها أو التحكم بالبشر دون المرور بالشياطين.

وفيما يلي نص مترجم من متون هرمس يوضح ذلك:
إن العالم المعقول برتبط بالله، والعالم المحسوس بالعالم المعقول، وتقود الشمس عبر هذين العالمين نفحة الله، أي الخلق. حولها الأفلاك الثمانية التي ترتبط بها، فلك النجوم الثابتة. والأفلاك الستة للكواكب والفلك الذي يحيط بالأرض. الشياطين مرتبطة بهذه الأفلاك والبشر بالشياطين، وهكذا كل الكائنات ترتبط بالله، الذي هو الأب الشمولي.

الخالق هو الشمس، والعالم هو أداة الخلق. الجوهر المعقول يوجه السماء، والسماء توجه الآلهة، وتحتها صنفت الشياطين التي تحكم البشر.

تلك هي تراتبية الآلهة والشياطين، وذلك هو العمل الذي يكمله الله بواسطتها ومن أجله ذاته.

[هرمس المثلث العظمة، ص254]

نسخة من اللوح الزمردي تعود للقرن السابع عشر

ومع توسع حجم الأساطير وتراكمها، يبدو أن الكثير من الكتب السحرية والغنوصية والعلمية صارت تُنسب إلى هرمس، حتى قال الفيلسوف الأفلاطوني إيامبليكوس إن هرمس ألّف عشرين ألف كتاب، أما المؤرخ المصري مانيثو الذي عاش في عصر البطالمة فقال إن هذا العدد وصل إلى أكثر من ستة وثلاثين ألف كتاب. وقد نسبوا إليه كتبا في الموسيقى والكيمياء والطب والفلسفة والجغرافيا والهندسة والسحر وفي مختلف مجالات المعرفة التي كانت متداولة.

أما كليمندس الإسكندري فينسب إلى هرمس 42 كتابا فقط، ويُعتقد أن معظمها فُقدت أثناء حريق مكتبة الإسكندرية الكبرى عام 30 قبل الميلاد وخلال حملة المسيحيين الأوائل على بقايا الوثنية، لكن هناك اعتقادا واسعا بأن ما بقي من كُتبه قد تم حفظه لدى الجمعيات السرية، وهي التي حافظت على وجودها عبر فرسان الهيكل وجمعية الصليب الوردي ثم الماسونية وجمعية الحكمة الإلهية و”المتنورون”.

لوحة تخيلية للوحة الزمردية رسمها هينرش خونراث عام 1606

ومن الكتب التي مازالت تُنسب إلى هرمس نص موجز يدعى اللوحة الزمردية، لكن المؤلف الماسوني مانلي هول يقول إنه ظهر للمرة الأولى باللغة العربية ما بين القرنين السادس والثامن الميلاديين وإن كاتبه نسبه إلى هرمس “إدريس”. وعندما بدأ الأوروبيون بالاهتمام بالخيمياء اعتبروا هذا النص مرجعهم الأساسي، ومن أهم المبادئ الواردة فيه “الذي في الأرض يساوي ذاك الذي في السماء”، ما يعني تأليه الإنسان وحلول الإله فيه، وهو معتقد تقوم عليه فلسفة القبالاه اليهودية والجمعيات السرية.  [THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, 114]

في القرن التاسع عشر رسم الساحر الفرنسي إليفاس ليفي الشيطان بافوميت معبود الحركات السرية وهو يشير للأعلى والأسفل

في عام 2014 أنتجت هوليود فيلم رعب بعنوان “كما هو فوق كذلك هو تحت” وتجاوزت إيراداته 40 مليون دولار

“كما هو فوق، كذلك هو تحت”

هذه الجملة ترجمة حرفية للجملة المتداولة بكثافة في الغرب As Above, So Below، وقد أصبحت متداولة أيضا في مقررات التنمية البشرية وتطوير الذات بالدول العربية، حيث يتم من خلالها إقناع المتدرب بأن الإنسان مسؤول عن قدره، فكما تكون تصرفاته في الأرض يُكتب قدَره في السماء، وهذا منطق يتعارض مع الإسلام والأديان السماوية، فالقدَر ليس تابعا دائما لتصرفات الإنسان وقد يكون خارجا عن إرادته.

يسمى المتن الثاني من متون هرمس باسم بويماندريس Poimandres، ويطلق عليه أيضا اسم “سفر الرؤيا”، وقد تعرضنا له في مقال “الوثنية“، لكن ما يهمنا منه هنا هو أنه يعد من أوائل المراجع التي وضعت أصول الرؤية الغنوصية في خلق العالم، فالخالق عقل يفيض عنه النور، وعندما اندمجت الأرض مع السماء خرج منهما سبعة إنسيين تجتمع فيهم الذكورة والأنوثة، وبطريقة ما تم توالد البشر عن هؤلاء بعد فصل الجنسين، ويمكن للباحث أن يكتشف أصول القبالاه أيضا في هذه النظرية لخلق العالم والإنسان، كما نجد فيها فكرة التقمص وتناسخ الأرواح التي تبنتها البراهمية والهندوسية.

هناك تداخل كبير بين الوثنية والهرمسية والجمعيات السرية، إلى درجة يصعب فيها التمييز بين هذه المشارب الثلاث، فالديانات الوثنية الأولى كانت تتضمن في قلب كهنوتها منظومات سرية وتفسيرات باطنية غامضة، وكانت تنشأ من داخلها باستمرار أديان جديدة تعمل على إعادة تأويل الأساطير الكبرى في روايات باطنية أخرى، ولا يشذ عن هذا التقليد أي دين وثني قديم سواء في بلاد الرافدين أو مصر أو اليونان أو الهند أو الصين، وحتى الأديان الأفريقية والأمريكية.

وما بقي اليوم من آثار الهرمسية لم تعد له صلة بالوحي والنبوة، حيث يرى مؤرخون أن “الحكمة الهرمسية” تتضمن ثلاثة فروع، أولها الخيمياء التي تخلط بين الجانب الروحي-الخرافي وبين الكيمياء التجريبية، فتهتم مثلا بتجارب مزعومة لتحويل المواد الرخيصة إلى الذهب، والفرع الثاني هو التنجيم الذي يخلط بدوره بين الشعوذة والسحر وبين علم الفلك، ويؤمن أصحابه بأن الكواكب كائنات مقدسة وأن حركتها تؤثر على الأرض والإنسان، أما الفرع الثالث فهو السيمياء الذي يعد ضربا من ضروب السحر للتواصل مع الشياطين، مع أن أصحابه يزعمون التواصل مع الآلهة. [THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, 144]

ويُعتقد أن الهرمسية تقدس شكل المثلث بسبب هذا التقسيم الثلاثي، وهو الأمر الذي انتقل لاحقا إلى الجمعيات السرية المتأثرة بالهرمسية وصولا إلى الماسونية وجمعية المتنورين التي تتخذ المثلث شعارا لها.

نظرية الفيض
هناك تياران فلسفيان كبيران لمحاولة تفسير الصلة بين الإله والعالم (الكون)، أي بين الخالق والمخلوقات، ونتج عن كل منهما نظريات ومذاهب فرعية. وباختصار شديد يرى أصحاب التيار الأول أن هناك صلة سببية بين الإله والعالم مثل ارتباط المسبب بسببه والمعلول بعلته، أي أن العالم حادث (مخلوق) والإله هو الذي أحدثه (خلقه) من عدم، وهذا ما يعتقد به معظم المؤمنين بالأديان السماوية، مع بعض الاختلافات الصغيرة.

الفيلسوف اليوناني أفلوطين

أما فلاسفة التيار الثاني فيعتقدون أن هناك مشكلة في الارتباط السببي بين الإله والعالم، لذا يفترضون أن الكون قديم (أزلي بلا بداية) مع أنه مخلوق، ويضعون لتبرير هذا التناقض افتراضات مختلفة، وقد تبنّى هذه النظرية بعض فلاسفة اليونان، وتبعهم في ذلك فلاسفة منتسبون للإسلام مثل الفارابي وابن سينا.

وضمن هذا التيار ظهرت نظرية الفيض على يد الفيلسوف اليوناني أفلوطين الذي عاش في الإسكندرية بالقرن الثالث الميلادي ويُنسب إليه مذهب “الأفلاطونية الجديدة”، وقد استقى آراءه من خليط يوناني وبوذي ويهودي ومسيحي، ثم تأثر به الكثير من الباطنيين في أديان مختلفة. [من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، ص102]

اضطر أتباع هذا المذهب إلى القول بآراء غير منطقية وغير ضرورية لأنهم سلموا من البداية بأنه لا ينبغي أن يكون هناك ارتباط سببي بين الخالق والكون، فابتكروا أيضا مبادئ فلسفية يرى معظم الفلاسفة أنها باطلة، مثل اعتقادهم بأن الكثرة لا يمكن أن تصدر عن الواحد من جهة واحدة وإلا صار الواحد كثيراً، أي أنه لا يمكن للخالق الواحد أن يخلق مخلوقات متعددة، وأن الشيء لا يوجد من غير جنسه، وأن الشيء المتغير (الكون) لا يصدر مباشرة عن غير المتغير (الإله) بل لا بد من واسطة. وبالنتيجة اضطر هؤلاء إلى القول إن الإله الواحد يصدر عنه مباشرة شيء واحد سموه “العقل الأول”، ثم صدر عن العقل الأول عقل ثان، وصدر عن الثاني عقل ثالث، وهكذا إلى العقل العاشر (واهب الصور) والذي قالوا إنه صدر عنه العالم السفلي وهو الكون المادي الذي نعيش فيه. وبمقارنة بسيطة يمكن أن نرى أثر الهرمسية -التي تعبد الشمس وتقدس الكواكب- في هذه الفلسفة.

انتقلت نظرية الفيض كما هي من أفلوطين إلى الفارابي وابن سينا بالرغم من كونهما مسلمين، حيث افترضا أنهما تمكنا بهذه النظرية من نفي النقص عن الله، وأنهما جعلا بين الإله والكون مسافة تتخللها عشرة “عقول” خيالية وهمية. وللمزيد من التنزيه -الذي تخيلاه دون ضرورة- قالوا إن الإله علِم بذاته وعلم أنه مبدأ الخير في الوجود ففاض عنه العقل الأول، وكأن أصحاب هذه النظرية يتخيلون أنه من النقص أن يقصد الله تعالى خلق العالم وأن يقول له كن فيكون، وهذا الافتراض لا داعي ولا مبرر له. وقد رد الإمام الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” على هذه الافتراضات الخيالية فلسفيا وأثبت أن المبادئ التي استندت إليها لم تكن ضرورية أصلا.

علاوة على ما سبق، تأثر أصحاب هذه النظرية بالغنوصية، وقالوا إنه لا يمكن الوصول إلى الألوهية بالعقل، لأنه قاصر عن ذلك، وإن معرفة الإله تتم عن طريق العرفان، وذلك بعد القضاء على الغرائز والأحاسيس المادية، ثم الوصول إلى ما أسموه حالة الفناء في الواحد (فقدان الإحساس بالذات)، وهي حالة من الوجد والنشوة والذهول، وتكاد تتطابق تماما مع حالتي “النيرفانا” لدى البوذية و”الموكشا” لدى الهندوسية.


أهم المراجع

أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة المصرية، 1964.

أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة.

لويس مينار، هرمس المثلث العظمة أو النبي إدريس: ترجمة كاملة للكتب الهرمسية مع دراسة عن أصل هذه الكتب، ترجمة عبد الهادي عباس، دار الحصاد، دمشق، 1998.

عبد الرحمن مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات، بيروت، باريس، 1981.

محمد أبو ريان، أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي، مكتبة الأنجلو المصرية، 1959.

هاينس هالم، الغنوصية في الإسلام، ترجمة رائد الباش، دار الجمل، ألمانيا، 2003.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، المركز الثقافي العربي، 2014.

عبد الله مصطفى نومسوك، البوذية.. تاريخها وعقائدها وعلاقة الصوفية بها، مكتبة أضواء السلف، الرياض.

Manly P. Hall, THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, H.S. CROCKER COMPANY INCORPORATED, SAN FRANCISCO, 1928.

الهندوسية والبوذية

أحمد دعدوش


بداية غامضة
بدأت التجمعات البشرية بالظهور في شبه القارة الهندية بمنطقة دلتا نهر السند الواقعة في البنجاب بباكستان اليوم، وتطورت إلى نشوء حضارة بمدينة “هرابا” تزامنا مع وجود الدولة الأكادية في بلاد الرافدين (العراق)، وكانت الشعوب الأولى تتحدث بلغتي الموندا والدرافيدية، ثم غزت قبائل الآريين الهند قادمة من وسط آسيا وبلاد فارس (إيران) في وقت غير محدد بالضبط ويعتقد أنه ما بين عامي 1800ق.م و1200ق.م.

ابتكر الآريون نظام العبودية الطبقي ليبقى سكان البلاد الأصليين في الطبقة السفلى (شودرا) كي لا يتمردوا، أما الآريون فقسموا أنفسهم إلى كهنة (براهما) ومحاربين وطبقة عاملة، وتم ربط هذه العبودية بالأساطير الدينية. ويجدر بالذكر أن بعض المؤرخين يقولون إن التقسيم الطبقي كان موجودا قبل الغزو الآري.

كانت الكتابة نادرة في الهند حتى بين الكهنة، لذا لا نملك معلومات واضحة عن عبادات الهنود قبل الغزو الآري، وهناك من يعتقد أنه كان لدى الهنود الأوائل كهنة وتقديم قرابين دون وجود لمعابد وأصنام، ثم أصبحت الأساطير الوثنية أساسا للمؤسسة الدينية والسياسية على يد الآريين.

مخطوط ريغ فيدا

تُنسب إلى الكهنة الآريين مجموعة من الترانيم والأساطير باللغة السنسكريتية (أي الكاملة المقدسة) التي لم يكن يتقنها إلا هم، وكان أولها وثيقة تدعى “ريغ فيدا”، وهي تتضمن أكثر من ألف ترنيمة لآلهة الفيدا، كما تُنسب إليهم ثلاثة كتب أخرى هي سامافيدا (أغاني تتلى خلال الصلوات) وياجورفيدا (عبارات نثرية تتلى عند تقديم القرابين) وأتهَرفافيدا (طلاسم سحرية)، وتشكل هذه الكتب الأربعة الضخمة ما يسمى بالفيدات، ويُعتقد أنها إلهامات تلقاها الكهنة الأوائل عبر اتصالهم بمصدر المعرفة المتعالية، وهي حسب زعمهم أزلية وأبدية. وهناك من يضيف كتابا خامسا يدعى البورانات ويعتبره الفيدا الخامسة، كما يضيف البعض إلى الفيدات كتاب مهابْهارات الذي يتضمن أناشيد تدعى بْهاغافاد غيتا، وكذلك كتابي بنْشراترا ورامايان. وسنورد في مقال “نبوة محمد” نصوصا مقتبسة من بعض هذه الكتب وهي تُبشر بنبوته، وبعضها يذكر اسمه الصريح، ما يرجح أن أصولها تعود إلى الوحي السماوي.

مخطوطات من البهاغافاد غيتا

يعد كتاب بْهاغافاد غيتا من أكثر الفيدات تداولا، لأنه مختصر ويجمع خلاصة الدين الهندوسي، ويمكن للعوام قراءته، كما يعد محل إجماع جميع الطوائف والمذاهب الهندوسية.

ووفقا لكتاب “مدخل إلى الأسفار الفيدية” فإنه يمكن اعتبار أي كتاب على أنه من الفيدات طالما أنه يحفظ فحوى النصوص الأصلية للفيدات “حتى إذا لم يكن من جملة النصوص الأصلية الفيدية” [ص 1]، وهذا يكفي للاعتراف بأنها ليست كتبا موحى بها من الإله، حيث يقر باحثو الهندوس أيضا بأن كاتبي تلك النصوص غير معروفين على وجه التحديد. ويختتم كتاب “مدخل إلى الأسفار الڤِدية” بسرد بعض ما يقال على لسان الباحثين والقارئين للفيدات من نقد، لا سيما بشأن تناقضاتها وإغراقها في الأساطير الخرافية عن العوالم الغيبية، حيث تتناقض أساطير البورانات مع أساطير الفيدات نفسها، لكن المؤلف يكتفي بالقول إن هذا الموقف لا يعكس سوى تحيز القراء غير المختصين لتراث الهند مطالبا الباحثين بأن يقرؤوا الفيدات بأنفسهم دون فكر مسبق.

في عام ٨٠٠ ق.م تقريبا ظهرت سلسلة كتب أخرى تسمى “البراهمانا”، وهي مجموعة شروح للترانيم والأساطير والتأملات الباطنية (الغنوصية)، وتلاها ظهور كتب “أرانياكا” و”أوبانيشاد” التي استمرت كتابتها حتى عام 300ق.م. وفي هذه الكتابات الأخيرة بدأ ظهور الأثر اليوناني والروماني في الأساطير الهندية، وهو بالأحرى أثر القبالاه اليهودية المحرفة للوحي كما سنرى لاحقا، مثل تأليه السماء المشرقة في آلهة تدعى “ديفاز” المشتقة من مصطلح “ديوس” اليوناني، وعبادة “هوديوس بيتر” الذي يقابل زيوس اليوناني وجوبيتر الروماني [راجع مقال الوثنية].

ويعد كتاب الفيداس Vedas المرجع الرئيس للهندوسية اليوم، فهو يضم مجموعة النصوص التي وضعها الكهنة والفلاسفة والشعراء خلال ثلاثة آلاف سنة، ويقع في نحو ثمانمئة مجلد تقريبا، حيث يضم الفيدات الأساسية والبراهمانات إلى جانب الأوبانيشادات التي تعد بمثابة تلخيصات وإضافات وتنويعات على الأصل.

وواقع الهندوسية اليوم يضع الباحث في حيرة من أمره، فهي طيف من الديانات والعقائد وليست دينا واحدا، حيث نجد تحت مظلتها من يؤمن بالتوحيد والتثليث وتعدد الآلهة والإلحاد في آن واحد. ومن الملفت أنه لا يُعرف على وجه التحديد من الذي وضع تلك الأساطير والنصوص، فمئات الملايين من الهنود مازالوا حتى اليوم يدينون بدين لا يُعرف من الذي أسسه. ويقول المؤرخ جان إيم كولر في كتاب “الفلسفات الشرقية” إنه من الصعب تتبع تاريخ الهندوسية لأنه يتسم بالغموض فيما يتعلق بالأسماء والتواريخ والأماكن، فالهندوسية تركز على العقائد والمبادئ أكثر من أي شيء آخر.

تنص الكتب البراهمية المقدسة على أن أسرارها لا يمكن أن يفهمها سوى المنخرطون في سلك الرهبنة، فالسرية لا تقتصر على كونها مكتوبة باللغة السنسكريتية التي لا يعرفها عامة الناس، بل لا تُكشف المعاني الباطنية للنص إلا لمن يفني حياته في خدمة الدين، وهذه هي بالضبط فلسفة الجمعيات السرية والحركات الباطنية الغنوصية.
ينسب واضعو كتاب البهاغافاد غيتا إلى الإله كريشنا قوله “لا داعي لشرح هذا العلم الخفي لغير المرتاضين في الحياة أو غير المتتيمين، أو غير المنشغلين بالخدمة التتيمية، ولا لمن يحسدني”، [الإنشاد 18، الآية 67]، وهذا كفيل باتهام كل من ينتقد أساطير الهندوسية بأنه لم يفهمها، بل والزعم مسبقا بأنه من المستحيل أن يفهمها طالما كان لا يؤمن بها، ما يقطع الطريق على كل النقاد من خارج المؤسسة الكهنوتية.

ولحسم الجدل بشأن تعريف الهندوسية، فقد قررت المحكمة العليا الهندية أن الهندوسي هو الذي تتحقق فيه الصفات الست التالية:

1- يؤمن بالفيدات (نصوص كتاب الفيداس) ويحترمها.

2- يحترم عقائد الآخرين، على اعتبار أن للحق أوجها مختلفة (وهذا يدل على أن الهندوسية مجرد محاولة فلسفية لفهم العالم وليست حقيقة مطلقة في نظر أصحابها).

3- يعترف بأن الكون يمر بدورات خلق وانحلال متكررة إلى الأبد.

4- يؤمن يقينا بفكرة تناسخ الأرواح (وهي أكثر العقائد رسوخا لديهم، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الهندوسية وتجتمع عليه كل مدارسها المتناقضة).

5- يؤمن بوجود عدد كبير من الآلهة وأزواجهم دون عبادة الأصنام نفسها.

6- عدم الإيمان بمبادئ فلسفية خاصة دون الهندوسية.

الألوهية والخلق
تدل الفيدات والأوبانيشادات على أن البراهمية القديمة آمنت بإله واحد مجرد عن التجسد والمادة وكامل الصفات، وهو يشبه في صفاته الإله الواحد الذي ينص عليه الوحي الإسلامي.

ففي الفيدات نجد هذه النصوص التي تتحدث عن الإله:
“لا صورة له” [ياجورفيدا، الإنشاد 32، الآية 3].
“هو غير متجسد وطاهر” [ياجورفيدا، الإنشاد 40، الآية 8].
“اهدنا الصراط القويم واغفر الذنوب التي تجعلنا نضل ونضيع” [ياجورفيدا، الإنشاد 40، الآية 16].
“أيها الأصدقاء لا تعبدوا سواه, القدوس, ادعوه هو وحده” [ريغفيدا، الكتاب 8، الإنشاد 1، الآية 1].

أما في الأوبانيشادات فنجد العديد من النصوص المماثلة، وهذه بعضها:
“واحد أحد لا ثاني له” [شاندوغيا، الكتاب 6، الإنشاد 2، الآية 1].
“لا والدين له ولا سيد فوقه” [سفيتاسفتارا، الإنشاد 6، الآية 9].
“لا يمكن رؤيته ولا تجسيده”. [سفيتاسفتارا، الإنشاد 4، الآية 19].

ويبدو أن تراكم النصوص والتأويلات والتحريفات على يد الكهنة الآريين قد حولت هذا المفهوم الواحدي المجرد للإله إلى مفهوم تعددي متجسد (وثني) حلولي باطني، ففي الكتب نفسها التي تجرد الإله وتوحده وتقدسه نجد نصوصا تتحدث عن مصدر أولي للكون يدعى براهمان، وهو كائن غامض انبثق عنه الكون بطريقة الفيض [انظر مقال الباطنية].

وكما هو حال الأساطير الوثنية الأخرى، تخيل مبتكر الميثولوجيا الهندوسية (غير المعروف) وجود عائلة إلهية ثلاثية، ثم توسعت الأساطير وتوسع معها مجمع آلهة الفيدا حتى أصبح يضم طبقات متعددة من الآلهة، وهي كثيرة ويصعب حصرها، وفي الطبقات الدنيا نجد عددا هائلا من الآلهة إلى درجة أن بعض المصادر تتحدث عن وجود 330 مليون إله، أي أن الآلهة باتت بمثابة السلالات التي تتوالد كالبشر، فهي تملأ السماء والأرض. وكأن الكهنة اقتبسوا هذه الفكرة من أصل موحى به، فالأديان السماوية المعروفة اليوم تتحدث عن عدد كبير من الملائكة والجن في عوالم غيبية.

يقول المؤرخ البريطاني ويل ديورانت في كتاب قصة الحضارة عن آلهة الهندوس “تزدحم بهم مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء تلك الآلهة لتطلب ذلك منا مئة مجلد، وبعضها أقرب في طبيعته للملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، والبعض الآخر أجرام سماوية”.

ومن بين هذه الحشود من الآلهة، يركز الهندوس اهتمامهم على ثلاثة آلهة فقط، يشكلون ثلاثة أقانيم في واحد بحيث لا يتقدم أي منهم على الآخر، وكأنهم إله واحد يتجلى في ثلاث صور، وهم:

1- براهما: الخالق ومانح الحياة وزعيم الآلهة.

2- فيشنو: إله الحياة والرحمة والحب، ويتم تجسيده على هيئة إنسان.

3- شيفا: إله الفناء والموت والدمار، وهو في صراع مع فيشنو.

ثالوث الآلهة الهندوسية، من اليمين إلى اليسار: براهما، شيفا، فيشنو

وتقول الأسطورة إن الإله الواحد “براهمان” هو الذي أوجد هذا الثالوث المقدس، وهو الذي يتجلى في صورهم، فهو حقيقة سرمدية أبدية لا تحدها زمان ولا مكان، ولا يعرف كنهه أحد، ويسمونه أيضا “أوم” Aum أي الكائن الأسمى.

وكانت البداية عندما رغب براهمان بأن تخرج الموجودات التي كانت في داخله، أي أن العالم كله كان متضمنا فيه وكان هو يحملها كالسفينة بحسب وصف الفيدا، فتأمل براهمان تأملا عميقا حتى انبثق عنه الماء، ثم صدرت عنه بذرة تحولت إلى بيضة صفراء (أو زهرة لوتس)، فانفجرت البيضة وخرج منه الإله الأول براهما الذي تابع مهمة التأمل حتى انبثقت عنه بطريقة الفيض الكواكب وتضاريس الأرض والإنسان وكافة المخلوقات، لكن هذا الفيض لم يكن ليتم سوى بمعونة عشرة آلهة وسيطة انبثقت بدورها عن براهما، كما انبثق عن براهما أيضا الإلهان الآخران فيشنو وشيفا.

وحسب الأسطورة أيضا فإن للآلهة الثلاثة الرئيسة طبيعتان، أنثوية وذكرية، حيث تجسد الطبيعة الأنثوية في صورة كائن يسمى “شاكتي”.

لوسيفر (إبليس) يظهر في الثقافة الأوروبية على هيئة ملاك سقط من الجنة كما في هذه اللوحة لغوستاف دوريه

وعندما نقارن هذه العقيدة بما انكشف لاحقا من خفايا العقائد الباطنية السرية، ولا سيما القبالاه اليهودية، نجد تطابقا ملفتا، فالإله براهما يقابل أدوناي في سفر التكوين، والإله شيفا يحمل صفات أدوناي الذي حرّم المعرفة على الإنسان، كما يحمل صفات الإله يهوه الذي يميل إلى معاقبة بني إسرائيل وتعذيبهم كما ورد في سفر الخروج، أما الإله فيشنو فليس سوى لوسيفر (إبليس) الذي تزعم القبالاه وكافة الجمعيات السرية الشيطانية أنه الإله الذي أحب الإنسان (آدم وحواء) وأراد أن يعرّفه على شجرة المعرفة التي حرمها عليه أدوناي.

وكما زعمت اليهودية المحرفة أن إبليس تجسد في هيئة ثعبان ليدخل إلى الجنة ويغوي حواء بالأكل من الجنة ويكشف للإنسان سر المعرفة، فقد قدست الهندوسية أيضا الثعابين وجعلتها رمزا للفحولة الجنسية، وأقامت لها معابد وطقوسا لعبادتها.

ويجدر بالذكر أن القبالاه تزعم أيضا أن الألوهية لها طبيعتان، وأن الإله (الذي تسميه عين صوف) يتضمن في ذاته الذكورة والأنوثة (شخيناه)، وأن الكون والوجود كله كان متضمنا في داخله قبل أن تنبثق عنه “البيضة الكونية”، وقد تجلى عين صوف في شجرة الحياة (سيفروت) لتكون وسيلته للخلق بتجلياتها العشرة كما هو حال الآلهة العشرة التي كانت وسيطة لبراهما، حيث تجسد القبالاه هذه التجليات العشرة ببلورات كروية نورانية.

ومع تراكم الأساطير والتعديلات والتفسيرات، يمكن القول إن الهندوسية الآن تتفرع إلى عدة مذاهب يقدس كل منها أحد تجليات شيفنو أو شيفا، بينما لم يعد براهما يحظى بالكثير من الاهتمام، كما لا يلتفت الكثيرون إلى الأصل براهمان الذي انبثق عنه كل شيء، أما الآلهة الأخرى التي تأخذ صفات الملائكة والشياطين فقد تحظى باهتمام عوام الهندوس في بعض الصلوات والأدعية طلبا لمساعدتها أو اتقاءً لشرها، لكن ما يوحد جميع هذه الطوائف بكهنتها وعوامها أنهم يهتمون بعقيدة التناسخ والاتحاد بالحقيقة المطلقة (أياً كان اسمها وصفتها) أكثر من اهتمامهم بطبيعة الإله.

الطبقات
يتكون المجتمع الهندوسي من أربع بناء على أسطورة الخلق، حيث أقنع واضعو الأساطير شعوبهم بأن براهما خلق كل فئة من الشعب على هيئة مسبقة فلا يمكن تجاوزها ولا التمرد عليها، وهي كما يلي:

1- الطبقة البيضاء (البراهمة): ينتمي إليها رجال الدين والعلماء، حيث خلقهم براهما من وجهه.

2- الطبقة الحمراء (الكاشاتريا): الأمراء والفرسان، وهم الذين خلقهم براهما من ذراعيه.

3- الطبقة الصفراء (الفيشيا): المزارعون والتجار، الذين خلقهم براهما من فخذيه.

4- الطبقة السوداء (الشودرا): الحرفيون والصناعيون، الذين خلقهم براهما من قدميه.

وهناك أيضا طبقة الأنجاس (باريان) التي تم إلغاؤها بقرار حكومي عام 1950، وهي تجبر أصحابها على الانخراط في مهن يأنف منها الآخرون مثل أعمال التنظيف وحفر القبور، وهي ما زالت موجودة بالرغم من حظر السلطات.

التأمل والارتقاء
بما أن الإنسان قد انبثق عن الإله في الأسطورة الهندوسية، فهو إذن ليس مخلوقا طارئا بل كان موجودا أزليا كامنا داخل الإله، ما يعني أن الإله والكون والإنسان جوهر واحد، وأن هناك قنوات للاتصال فيما بينهم يمكن تنشيطها عبر شحذ الطاقة الروحية للإنسان، فمن خلال التأمل وممارسة طقوس اليوغا يصبح بمقدور الروح (آتمان) أن ترتقي وتتصل بالكون بكل ما فيه من كائنات حية وبحار وجبال، وأن تتحد أيضا بالإله وتعود إلى الحالة الأولى، وهي حالة الموكشا الهندوسية أو النرفانا البوذية، وهي أيضا تقابل حالة الدفيقوت لدى القبالاه اليهودية.

وإلى جانب الموكشا، تحدد الهندوسية ثلاث غايات أخرى لحياة الإنسان، أولها تسمى دراهما وتعني أداء الواجبات اليومية للفرد العادي، والثانية هي أرثا وتعني السعي لتحقيق النجاح في العمل وجمع الثروة، أما الثالثة فهي كاما والتي تختص بالإشباع الجنسي.

وبما أن الثالوث الإلهي كان يتضمن الأنوثة في جوهره، ما يعني أنه كان ينكح نفسه بطريقة ما، فالجنس إذن جزء من العبادة ووسائل التطهر التي ترتقي بالإنسان ليصل إلى حالة الموكشا، لذا نجد أن خُلق الحياء الذي اعتاد عليها معظم البشر في مختلف الشعوب يكاد يكون غائبا في بعض مناطق الهند، فالإباحية هناك ليست مرتبطة بالثورة الجنسية المعاصرة التي انطلقت من الغرب الرأسمالي في القرن العشرين، بل هي جزء من معتقدات بعض الطوائف الهندوسية القديمة، حيث تمارس معابدها طقوس التطهر عبر ممارسة الجنس الجماعي العلني، وتجسد نقوشها هذه الطقوس بوضوح، مثل معبد الشمس فى كونارك الذي يرجع إلى القرن الثالث عشر، و85 معبدا آخر في قرية خاجوراهو تعود إلى القرن العاشر الميلادي.

وتسعى الحكومة الهندية في العصر الحالي إلى مكافحة الإباحية عبر شبكة الإنترنت، لكن البلاد تشهد مطالب من قبل بعض الكهنة الأصوليين بإعادة إحياء الطقوس الجنسية ونشرها بين المجتمع.

تانترا
فلسفة التانترا الهندوسية تعد أوضح مثال على تغلغل الشيطانية في الأديان الوثنية، فهي تقوم على فكرة اقتباس الطاقة (برانا) من الكون عبر التجارب الصوفية التأملية (اليوغا)، للوصول إلى اتحاد جنسي مع التجسد الأنثوي للإله (شاكتي)، ويتم ذلك باتخاذ وضعيات محددة للجسم (مودراس) وترتيل تعاويذ معينة (قد تكون طلاسم شيطانية) واستخدام مخططات ورسوم رمزية (ماندالا)، وذلك لاستنزال تلك الطاقة السحرية.

لكن الأمر قد لا يقتصر على هذه الطقوس التي لا تختلف كثيرا عما يمارسه عبدة الشيطان، فبعض الرهبان يستعينون بشريكات عاريات للوصول إلى تلك “الاستنارة”، فيحصل الاتصال الجنسي بذريعة كونه عبادة وليس زنا، ولا تكون تلك الطاقة التي يستشعرون حلولها في الجسد إلهية المصدر بل حلولا للشياطين في أجسادهم، فالمعابد الشيطانية الحديثة التي يعترف أصحابها بأنهم يعبدون فيها الشيطان تقوم بنفس هذه الطقوس (التي تسمى هيروس غاموس) للاتحاد بالشياطين دون تدليس، لأنهم يعتبرون الشياطين هي آلهة هذا العالم.

ومن الملفت أن طقوس الجنس المقدس موجودة لدى القبالاه أيضا، ويبدو أن الثورة الجنسية التي حملتها الحداثة إلى العالم ليست سوى إحدى نتائج هذه العقيدة.

التشابه بين الهندوسية والقبالاه لا يعني بالضرورة أن الأولى هي أصل الثانية، حتى لو كانت مدونات القبالاه وعلى رأسها الزوهار لم تظهر سوى في الألف الثاني بعد الميلاد، فمن المعروف أن القبالاه أقدم من ذلك، حيث تقول القبّالية هيلينا بلافاتسكي في كتابها العقيدة السرية “الحقيقة أن القبالاه قديمة قدم الشعب اليهودي نفسه، وظلت تنتقل تعاليمها شفاهة عبر الأجيال والعصور إلى أن تم تدوينها”.

العبادات
يحتل التأمل رأس قائمة العبادات الهندوسية، كما يمارس الهندوس نوعا من الصلاة في المعابد أمام الأصنام والأيقونات التي تمثل بعضا من الآلهة، فيقدمون لها قرابين ونذورا ويرتلون أمامها نصوصا من الأناشيد المقدسة.

كما يمارس الهندوسي نوعا من الذكر عبر ترديد صيغ مقدسة تدعى “مانترا”، وهي عبارة عن مقاطع صوتية تتضمن في الغالب أسماء الآلهة، ومن أشهر المانترات كلمة “أوم” التي يرددها الهندوسي بطريقة ملحّنة ومتتالية، حيث يعتقد أن هذه الكلمة هي الصوت البدائي الذي تم به خلق الكون بالفيض عن براهمان، ويساعد ترتيل المانترا على التركيز أثناء التأمل.

لا تُفرض على الهندوس تأدية زكاة على أموالهم، إلا أنهم يستحسنون تقديم الصدقات للفقراء، كما يشجعهم الكهنة على التبرع للمعابد لتغطية نفقاتها وكي لا يضطر الكهنة المتفرغون للمسألة.

يصوم الكهنة في بداية كل فصل من الفصول الأربعة، كما يصومون اليومين الأول والرابع عشر من كل شهر قمري، ويصومون مدة كسوف الشمس، ويتضمن الصوم الإمساك عن الطعام والشراب والكلام والجماع، أما عامة الناس فلا يُفرض عليهم الصوم بل يتطوع بعضهم لممارسته بهدف الارتقاء الروحي.

كما لا يُفرض الحج على الناس، لكن الملايين منهم يتطوعون للحج إلى نهر الكانج المقدس كل عام، وبعضهم يحج إلى المعابد الكبرى والمعالم المقدسة، ويتبرع ببعض ماله طمعا في الارتقاء وتحقيق الأمنيات.

ومن الواضح أن هناك تشابها بين هذه الطقوس والعبادات التي أمر بها الوحي (الإسلام)، إلا أن الهندوس تخففوا من عبء الفريضة وجعلوها نافلة لمن يشاء.

التناسخ والمعاد
تقوم عقيدة الهندوسية أساسا على مبدأ تناسخ الأرواح (سمسارا)، والذي يزعم انتقال الروح بعد موت الجسد إلى جسد آخر، سواء كان جسد إنسان أم آلهة أم حيوان.

ويستند هذا الاعتقاد إلى مبدأ آخر يسمى “الكارما”، وهو ينص على أن لكل فعل يقوم بها الكائن الحي عواقب أخلاقية تتناسب مع الفعل، وذلك وفق نظام شامل للعدالة التي لا تستثني أحدا، وهو مبدأ تلقائي قائم بذاته ولا يخضع للسلطة الإلهية، مع أن الكهنة لا يملكون أي حجة عقلية تبرر عمل هذا القانون من تلقاء نفسه ودون جهة واعية تشرف عليه.

وبما أن العدالة لا تتحقق في هذه الحياة الدنيا دائما، فقد قرر الكهنة أن الأمر يتطلب الانتظار للتناسخ والعودة في حياة ثانية لينال كل فرد حقه سواء بالثواب أو العقاب، ويبرر الكهنة بهذا المبدأ تفاوت الناس في ما ينالونه من جمال وذكاء وصحة وثراء ومركز اجتماعي، ويطالبون الناس بأن يجتهدوا في العمل وحسن الخلق كي يعودوا إلى الحياة بشخصيات أفضل، بل يزعمون أن المرء قد يعود إلى الحياة على هيئة آلهة إذا حقق درجة الكمال والاستنارة، ويحذرون من إمكانية العودة بعد الموت إلى الدنيا في جسد حيوان عقابا له، لذا يحرّمون ذبح الحيوانات وأكلها خشية أن تكون حاملة لأرواح البشر.

تؤمن الهندوسية بنهاية العالم، ولكنها تعتقد بأن كونا آخر سيُخلق من جديد بعد نهاية الحالي حيث يتناسخ الكون في دورات متتالية مثل البشر، وتقول الأسطورة إن فترة “كالي” التي ستحل قبل نهاية العالم تحمل عددا من العلامات، مثل كثرة القتل وتقارب الزمان وانشغال الناس بالملذات وفساد الأخلاق.

كالكي مع حصانه

تنتظر الهندوسية شخصية تدعى “كالكي” في آخر الزمان، وتقول إنه سيكون التجسد العاشر والأخير للإله فيشنو، حيث سيظهر أخيرا لإنهاء عصر الظلام والدمار، وتعتقد الهندوسية أن للإله تجسدات متعددة تسمى “أفاتار”، وهناك من يرى أن بوذا كان أحد هذه التجسدات، كما يرى أتباع بعض القادة الهندوس والبوذيين الكبار أنهم قادتهم يمثلون إحدى تلك التجسدات أيضا، مثل سري راما كريشنا الذي سيأتي ذكره لاحقا.

نجد في نصوص الهندوسية ما يدل على أن النيران ستشتعل لتحرق كل شيء في اليوم الذي ينتهي فيه العالم، لكن هذه النار ليست للعقاب، كما أنه لا يوجد هناك حشر ولا حساب، بل يعاد خلق الكون بعد فترة من فنائه، ويكون الثواب والعقاب بإعادة تجسد البشر وفقا لأعمالهم في الكون الجديد.

ويبدو أن الهندوسية لم تنف وجود الجنة نهائيا، بل جعلتها مكانا مؤقتا لا يخلد فيه الصالحون، فهي مكان جميل يحتوي على قصور وحدائق وأنهار، وتعيش فيه الآلهة، ويمكن لمن يعيش حياة صالحة أن يدخل هذه الجنة لفترة محدودة بعد موته، لكن دورة التناسخ ستعود لانتزاعه من هناك وإعادته إلى الأرض، فالخلود لدى الهندوس يقتضي الاتحاد مع الحقيقة العظمى وليس دخول الجنة.

الهندوسية والجمعيات السرية
سنستعرض الجانب السري للهندوسية في مرحلتين تاريخيتين، الأولى تعود إلى عصر الملك أشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد، والثانية هي العصر الحديث.

أسرة الموريا والملك أشوكا
تعد الهندوسية من أقدم الوثنيات الباطنية التي ما زالت حية حتى اليوم، وبالرغم من نشأتها الغامضة كما أسلفنا فقد دخلت عليها طوال قرون العديد من المؤثرات حتى أصبحت خليطا من العقائد، كما انبثقت عنها أيضا عقائد أخرى في نيبال والصين ومناطق أخرى بآسيا، لكن تغلغل القبالاه في الهند لعب دورا إضافيا في جعلها أرضا خصبا للجمعيات السرية الباطنية.

في عام 269 قبل الميلاد، ورث الملك “أشوكا العظيم” الحكم عن والده بندوسارا، وبعد سبع سنوات تقريبا خاض في كالينغا بشرق الهند معركة طاحنة راح ضحيتها نحو مئة ألف إنسان كي يؤسس إمبراطوريته الضخمة، والشائع في التاريخ المتداول عالميا اليوم أن الملك أشوكا شعر بالندم على الدماء التي أزهقها، فتحول من ملك محارب إلى رسول للتسامح والأخوة الإنسانية، واعتنق الديانة البوذية (المشتقة من الهندوسية) دون أن يتخلى عن الأصل الهندوسي، وقرر أن يجعل من البوذية ديانة تبشيرية عالمية بإرسال الدعاة إلى أنحاء إمبراطوريته، ودوّن مبادئه في التسامح على أعمدة أشوكا الباقية حتى اليوم، والتي تعلوها منحوتة لأربعة أسود، ما زالت تمثل شعار الهند الرسمي حتى اليوم.

لكن ثمة رواية أخرى لقصة أشوكا، فعلى سبيل المثال يرصد الباحثان لويس بولز وجاك بيرييه في كتابهما “صباح السحرة” The morning of the magicians الجانب المخفي من تاريخ البلاد الذي لا نكاد نجد له أثرا في المراجع التاريخية الكبرى، فيقولان إن أشوكا أدرك بعد ضمه السواحل الشرقية للهند إلى دولته أنه لن يتمكن من الإمساك بزمام دولة مترامية الأطراف إلا بامتلاك قلوب الشعب قبل رقابهم، فسعى إلى نشر الهندوسية والبوذية لأنهما تقدمان للشعوب مبررا للسعي وراء الثروة والانحلال الأخلاقي دون أعباء. ولكي يضمن نجاح المشروع أسس جمعية سرية من تسعة قادة -وهو أحدهم- تحمل اسم “جمعية الرجال التسعة” [كتاب شفرة سورة الإسراء، ص 341].

وكما هو حال معظم الجمعيات السرية الأخرى التي تتوالد من رحم واحد منذ آلاف السنين، فإن هدف أشوكا من تأسيس جمعيته السرية كان بحسب زعم بولز وبيرييه هو “حفظ المعرفة وتطويرها كي لا تقع في أيدي الرجال الأذكياء ممن قد يوظفون علمهم وذكاءهم في سبيل الشر”، وقد أوضحنا في مقال الجمعيات السرية أن هذه المعرفة التي يحرصون على احتكارها ليست سوى مزيج من الفلسفة الباطنية الهرمسية والخيمياء والرياضيات والهندسة مع أكثر علوم السحر والتعامل مع الشياطين خطورة.

وتنتشر اليوم الكثير من المؤلفات والمواقع الإلكترونية التي تتحدث عن تفاصيل (يصعب التحقق منها رغم احتمال صحتها) بشأن استمرار وجود هذه الجمعية السرية، والتي يتم استبدال رجالها التسعة جيلا بعد جيل حتى اليوم، حيث يُعتقد أنهم ما زالوا يحتفظون بمعارفهم السرية المتطورة، ويؤمن الكثير من أصحاب هذه الروايات فعلا بأن هدف الجمعية هو حماية تلك المعرفة من الوقوع بيد الأشرار بدلا من العكس.

تقر المراجع التاريخية الكبرى بأن أسرة موريا التي حكمت الهند، والتي أسهها شاندرا غوبتا جد أشوكا عام 321ق.م غير معروفة الأصل، فلم يذكر لنا التاريخ سوى أن شاندرا غوبتا ظهر على المسرح الهندي لتأسيس مملكة تتصدى للغزو المقدوني (اليوناني) الذي قاده الإسكندر الأكبر، كما لم يحفظ التاريخ الكثير من آثار وقصص شاندرا وابنه بندوسارا، بينما احتفظ أشوكا بتاريخه المنحوت على أعمدة تحمل اسمه وصار تاريخ البلاد العظيم يبدأ من عنده، حيث أخبر عن نفسه بأنه ارتكب مذابح كبرى لتحويل مملكته الناشئة إلى إمبراطورية عظمى، ثم تحول بعدها إلى رمز للتسامح.

لكن الباحث بهاء الأمير -في كتابه شفرة سورة الإسراء- يرى سرًا آخر وراء هذه الأسرة مجهولة الأصل، ويتساءل لماذا ظل تشكيل جمعية الرجال التسعة طي الكتمان؟ ومن أين جاءت تلك الأسرة التي أعادت كتابة تاريخ شعب يقدر تعداده اليوم بأكثر من مليار نسمة؟

ينقل الباحث عن هيلينا بلافاتسكي أن نصوص البورانا الهندوسية المقدسة تنبأت بأن الموريا ستحكم الهند حكما روحيا خالصا وستكون مملكة التجلي القادم للإله، لكنه يفسر مقولتها هذه بأن هذا التجلي ليس سوى تحريف لتجلي الإله في الماشيّح أو الهامشيحاه (المسيح المخلص بالعبرية) الذي ينتظره القباليون اليهود في آخر الزمان، وأن الأسود الأربعة التي اتخذتها الأسرة شعارات ليست سوى نسخة عن أسد سبط يهوذا الذي لا يكون حُكمُ بني إسرائيل إلا منهم وفقا لمقولة “حق الحكم الإلهي”. أما اسم موريا فليس سوى اسم جبل الهيكل الوارد في النص التالي من التوراة: “وشرع سليمان في بناء بيت الرب في أورشليم، في جبل الموريا حيث تراءى لداود أبيه”، ما يرجح أن تلك الأسرة الغامضة التي أسست جمعية سرية لحماية الهندوسية والبوذية ونشرها وتسييسها ليست سوى إحدى سلالات سبط يهوذا من بني إسرائيل الطامحين إلى حكم البشرية عبر ما يرونه وعدا إلهيا.

العصر الحديث
كما هو حال القبالاه التي تزعم احتكارها للحقيقة الباطنية لليهودية، فإن فلسفة “فيدانتا” الهندوسية تتناول تفسيرات باطنية لكتب الفيدا والأوبانيشاد المقدسة، وتزعم أنها تعلم التأويلات السرية للنصوص وأنه يمكن من خلالها فهم الطبيعة المطلقة للحقيقة (الإله براهمان).

راما كريشنا

وهناك جزء من الفيدانتا تتمحور تعاليمه حول الإله فيشنو تحديدا، الذي سبق أن أوضحنا أنه يقابل إبليس نفسه بصفته الإله الحامل للمعرفة والمحب للإنسان، وقد بدأت هذه العقيدة الشيطانية بتشكيل جمعيات سرية منذ القرن الثامن عشر.

ومن أهم هذه الجمعيات جمعية “راما كريشنا” التي أسسها عام 1894م الراهب الهندي سْري راما كريشنا (المولود باسم غاداذار تشاتوبادياي) وتلميذه سوامي فيفيكاناندا، حيث انتقل فيفيكاناندا إلى نيويورك وأسس هناك جمعية فيدانتا وأصبح الأستاذ الأعظم لها، وما زالت الجمعيتان تنشئان فروعا ومدارس لنشر طقوسهما في الهند وأوربا وأمريكا الشمالية، وإليهما ينسب أيضا انتشار حركة العصر الجديد وثقافة اليوغا في كل الدول الغربية.

وبما أن الجمعيات السرية الشيطانية تنهل من نبع واحد، فقد التقى الأستاذ الأعظم للماسونية في الولايات المتحدة ألبرت بايك بالأستاذ الأعظم للفيدانتا، وأخذ بايك منه تعاليم الباطنية الهندوسية وجعلها أصلا لطقوس الدرجة الثانية والثلاثين الماسونية، وهي الدرجة قبل الأخيرة في الطقس الأسكتلندي.

كان سوامي فيفيكاناندا عضوا بارزا في محفل الأمل والمرساة الماسوني، وقد حصل على درجة الأستاذية فيه عام 1884.
ومن الملفت أن مدينة مدراس الهندية احتضنت أول محفل ماسوني أقيم خارج أوروبا وأمريكا، حيث تأسس عام 1724، أي بعد سبع سنوات فقط من تأسيس الماسونية في لندن. وما زالت الماسونية ناشطة بقوة في الهند، وقد أجرت صحيفة “تايمز أوف إنديا” لقاء مع أستاذ الماسونية الأعظم في الهند فاسوديفا ماسوريكار بتاريخ 10 فبراير/شباط 2013، وزعم فيه أن الماسونية ليست جمعية سرية بل مجرد “أخوية” تضم 22 ألف عضو.

وبطبيعة الحال، كان فيفيكاناندا يقدم نفسه إلى الغرب على أنه قديس يحمل رسالة السلام إلى العالم كما كان يفعل الملك أشوكا قبل أكثر من ألفي سنة، حيث يوثق أتباعه اليوم من محاضراته وكتاباته ما يدل على انفتاحه على كافة الأديان ودعوته للتعايش مع الجميع، وهو ما نجده في مؤلفات الروائي الإنجليزي كريستوفر إيشروود الذي كرس الكثير من حياته وأدبه للترويج للفيدانتا وتوثيق أقوال فيفيكاناندا، لكن هذا الخطاب “المتسامح” يصب في مجرى الجمعيات السرية الحديثة التي تسعى جاهدة لإعادة صهر الأديان كلها في بوتقة دين عالمي واحد، وهو دين عبادة لوسيفر أو فيشنو (إبليس) حامل الضياء الذي يسعى لكشف غشاوة الجهل عن الإنسان كما يزعمون.

في عام 1893، أطلق سوامي فيفيكاناندا مع القاضي الأمريكي تشارلز بوني مبادرة لإنشاء “البرلمان العالمي للأديان” في مدينة شيكاغو الأمريكية، والذي استمر بمزاولة أنشطته حتى أصبح مجلسا عالميا يحظى بشهرة كبيرة، ومنذ عام 2014 أصبح ينعقد سنويا.
ويعتبر هذا البرلمان منصة عالمية لنشر فكرة “وحدة الأديان”، حيث يسعى رجال دين من كافة الأديان لتقديم أطروحات تفسيرية لأديانهم بأقل قدر من الفوارق والحدود، ما يسمح لاحقا بدمج هذه الأديان كلها في ملة واحدة، وذلك بذريعة نبذ عوامل التفرقة بين البشر.

تتجلى هذه الرسالة بوضوح في كتابات هيلينا بلافاتسكي، فقد بدأت بتلقي تعاليم الجمعيات السرية عبر الهندوسية أولا عندما التقت بمعلمها كوت هومي في لندن، وهو أحد مؤسسي أخوية النور العظمى التي تدمج تعاليم جمعية المتنورين (إلوميناتي) بتعاليم الفيدانتا، وقد رحلت بلافاتسكي معه إلى الهند في منتصف القرن التاسع عشر وبقيت هناك عدة سنوات، ثم أسست في الولايات المتحدة عام 1875 جمعية الحكمة الإلهية (ثيوصوفيا)، التي تعد الآن من أهم الجمعيات الباطنية التي تلهم الكثير من صناع الرأي والقرار في الغرب، وقد افتتحت بلافاتسكي في مدينة مدراس الهندية فرعا لها أيضا قبل افتتاح المزيد من الفروع في أمريكا وأوروبا.

بلافاتسكي

وتعلن بلافاتسكي في كتابيها “إيزيس بلا حجاب” و”العقيدة السرية” ما تسعى إليه بكل وضوح، فهي تصرح بأن لوسيفر (إبليس) هو حامل النور والحياة والمعرفة والحضارة والحرية، وهو إله هذا الكون الذي يستحق أن يعبد بدلا من الإله الخالق الذي طرد الإنسان من الجنة، وبما أن الأرواح تتناسخ وفقا للعقيدة الهندوسية (والتي يؤمن بها الباطنيون) فإن الإنسان المخلّص (المايتريا) سيحل للمرة الخامسة والأخيرة في أحد الأجساد قريبا، ويتجلى فيه الإله براهمان، فيقود البشرية نحو الاندماج في أمة واحدة ودين واحد وهو دين عبادة لوسيفر.

وقد آمنت بهذه العقيدة أيضا سيدة أميركية يهودية تدعى أليس بيلي، وأسست منظمة عالمية تدعى “لوسيفر ترست” عام 1922، ثم تم تعديل الاسم إلى “لوسيس ترست” لدفع الشبهات عنها، وتلعب هذه المنظمة اليوم دورا مهما في دعم أنشطة منظمة الأمم المتحدة، وفقا للموقع الرسمي للمنظمة.

كانت بيلي أكثر وضوحا من أستاذتها، ففي كتابها “ظهور المسيح” تقول إن المسيح المنتظر سيكون من سلالة اليهود، وهو الماشيّح الذي ينتظرون ظهوره في آخر الزمان، وسيوحد الشرق والغرب ويحل به السلام في العالم كله. كما خصصت العديد من كتبها لشرح تعاليم “العصر الجديد” الذي تبشر به، [انظر مقال حركة العصر الجديد]، وجميع هذه الكتب متاحة للبيع على موقع “لوسيفر ترست” وليست سرية.

وهكذا تتقاطع الباطنية اليهودية مع الباطنية الهندوسية، فالماشيّح هو نفسه المايتريا، ولوسيفر هو فيشنو، والخلاص النهائي سيحدث عندما يخرج المخلّص إلى العلن ليوحد الناس جميعا في عقيدة واحدة بإخلاص العبادة لذلك الإله، وذلك مصداقا للنبوءات التي ينتظر المسلمون تحققها في آخر الزمان عندما يخرج الأعور الدجال.

أليس بيلي مع شعار منظمتها وغلاف كتابها

أما التلميذة الثانية لبلافاتسكي الكاتبة البريطانية آني بيزنت فكانت من أهم ملهمي المهاتما غاندي، مؤسس الدولة الهندية الحديثة، حيث التقى غاندي شخصيا بالسيدتين عام 1889، وكان يعلق صورة بيزنت في مكتبه بجوهانسبرغ في جنوب أفريقيا قبل أن يصبح قائدا للثورة ضد بريطانيا، ويقال إن بيزنت هي التي أطلقت عليه لقب مهاتما (الروح العظيمة)، وهو اللقب السنسكريتي المقابل للقب الأستاذ في جمعية الثيوصوفيا.

آني بيزنت مع غاندي

اشتهر غاندي عالميا بأنه كان منفتحا على كل الأديان ورافعا لراية السلم ومناهضا للعنف، وينقل عنه قوله “إن للأديان روحا واحدة، إلا أنها تتجلى في أشكال متعددة، والجوهر سيبقى حتى النهاية، والرجال الحكماء سيتجاهلون القشور ويهتمون بالروح الحية التي تحتها… أما الحقيقة فليست ملكا حصريا لأي كتاب مقدس على حدة”، وهذا ما كان يقوله المعلم راما كريشنا الذي اعتبر أن كل الأديان بما فيها الإسلام والمسيحية تؤدي إلى نتيجة واحدة.

والحقيقة أن هذه الدعوات للانفتاح لا تعدو كونها شعارات لتمييع الحقيقة حتى تتماهى مع الباطل، وليصبح الوحي السليم مكافئا للدين الأسطوري المحرف، فالأديان الباطنية وحركاتها التي مازالت تتوالد باستمرار لا تخوض في الأسئلة الوجودية الكبرى، وتكتفي بالدوران حول المسلّمات التي تتفق عليها كافة الأديان مثل وجود الإله ومحبته وضرورة التعايش في وئام وسلام، بينما تدعو بشكل غير مباشر إلى نبذ الأصول الأخرى التي لا يكتمل أي دين إلا بها ولا يصح جمعها مع أصول الأديان الأخرى.

وهذا التمييع يقع في قلب أهداف الجمعيات السرية كلها، وهو ما تعلنه جمعية بلافاتسكي وتلميذاتها بوضوح، وهذا يفسر تبجيل الغرب -بما فيه بريطانيا التي كانت تحتل الهند- لغاندي، حتى أصبح أيقونة عالمية يراد تعميمها واستنساخها، فهناك جانب غير معلن من قصة المهاتما واستقلال الهند وتقسيمها على حساب المسلمين.

منظمة أشوكا العالمية
تأسست هذه المنظمة في الهند عام 1981 لدعم أصحاب المشاريع الاجتماعية الرائدة في العالم ممن يسعون للتغيير الاجتماعي، وذلك على يد المدير المساعد للوكالة الأمريكية لحماية البيئة بيل درايتون. وتمنح المنظمة أعضاءها لقب زمالة أشوكا للدلالة على التميز والريادة، وتعلن في موقعها الرسمي أنها استمدت اسمها من “الإمبراطور أشوكا الذي تخلى عن العنف وأصبح واحدا من أكثر القادة تسامحا وانفتاحا وإبداعا في التاريخ”.

وإلى جانب المشاريع الخيرية والتنموية التي تدعمها، وهي مشاريع رائدة وتستحق التقدير، تولي المنظمة اهتماما كبيرا بالمشاريع التي تحث على التسامح والاندماج، وفقا للمفاهيم التي يتبناها دعاة اللاعنف مثل فيفيكاناندا وغاندي.


هاري كريشنا

أحد مهرجانات هاري كريشنا في موسكو

في عام 1965 قطع الهندوسي “أيه سي بهاكتي فيدانتا سوامي برابهوبادا” شوطا طويلا في دمج الهندوسية بالثقافة الغربية عندما أسس في نيويورك “الجمعية الدولية لوعي كريشنا”، والتي باتت تعرف باسم حركة هاري كريشنا، وهي تستمد أصولها من الكتب الفيدية التقليدية وتعتمد على تعاليم حركة “غوديا فاشينافا” التي سبق أن ظهرت في الهند عام 1486، وتركز جل اهتمامها على عبادة فيشنو وكريشنا.

استقطبت حركة هاري كريشنا اهتمام آلاف الشباب الأمريكيين تزامنا مع صعود حركات العصر الجديد، فكانت أشبه بموضة فكرية تضفي بعدا روحيا على حياة الهيبيين المليئة بالعبث والجنس والمخدرات، دون أن تحمّلهم أعباء أخلاقية أو تحرمهم من التمتع بالملذات الحسية، وذلك بالرغم من إصرار أدبيات الحركة على أنها تدعو للتقشف ومقاومة الشهوات، إلا أن فلسفتها الغامضة ظلت كما يبدو حبيسة الكتب، كما أن محاولتها إضفاء البعد الروحي على الممارسات الجنسية تكفي لجذب الشباب حتى لو اكتفوا بالبحث عن المتعة دون التفات إلى وصايا التقشف.

سرعان ما توسعت الحركة، وأصبحت اتحادا عالميا يضم مجتمعات مصغرة تكتفي بذاتها في الغابات، وذلك بعيدا عن ضجيج الحياة العصرية. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي وسقط النظام الشيوعي الإلحادي؛ وجدت هذه الحركة أرضا خصبة في أوروبا الشرقية، لملء الفراغ الروحي لدى الشباب الباحث عن أي بوصلة.


ميهير بابا      
في عام 1925، بدأ شاب هندي من والدين إيرانيين زرادشتيين اسمه ميروان شيريار رحلته الروحية التأملية، وكان عمره آنذاك تسعة عشر عاما، وعندما أصبح جاهزا أسس جماعته الخاصة في بومباي مدعيا أنه “أفاتار” جديد يتجسد فيه الإله.

وكما هو حال الكثير من الزعماء الهندوس، لحق به الآلاف فأسس لهم قرية أسماها ميهيرأباد، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة التي باتت أرضا خصبة لحركات العصر الجديد، وأصبح من نجوم المجتمع إلى أن توفي عام 1969، وتحول مقره في مايرتل بتيش بولاية كارولاينا الجنوبية إلى متحف يستقطب المعجبين حتى اليوم، وهو شاهد على حياة الترف التي كان يعيشها.


مهاريشي ماهيش عام 2007 قبل شهور من وفاته
(Global Good News)

التأمل التجاوزي
بعد نجاح راما كريشنا و فيفيكاناندا في عولمة الهندوسية وربطها بالجماعات السرية الغربية، جاء دور مهاريشي ماهيش يوغي (المولود عام 1918 باسم ماهيش براساد فارما)، حيث انعزل في جبالا الهيمالايا ثلاثة عشر عاما حتى يصل إلى “الاستنارة”، ثم بدأ بتأسيس مشروعه عام 1959 محاولا تقديم الأساطير الغنوصية في ثوب علمي، فقدّم أبحاثا في مجال الوعي وعلاقته بهالات الطاقة المحيطة بالجسم، وأسس “جمعية التأمل التجاوزي الدولية” في لندن لتكون مظلة لأفكاره.

ذاع صيته في الستينات عندما بدأت فرقة البيتلز الغنائية الشهيرة بالتعلم على يديه، حتى أصبح من نجوم حركات العصر الجديد، مما منحه فرصة أكبر لترويج نظرياته التي كان يحاول من خلالها تقديم حلول لمشاكل العالم الاقتصادية والسياسية والتربوية والأخلاقية والصحية والإدارية، ثم أسس جامعات في الولايات المتحدة واليابان وهولندا وروسيا لتخريج أجيال من المعلمين الحاملين لأفكاره، والتي أصبحت جزءا من إمبراطوريته القائمة حتى اليوم.

في عام 1975 بدأ بالتبشير بما سماه “فجر عصر الإشراق”، وقام بجولة عالمية للترويج لبدء عصر جديد للإنسانية، وكان رئيس وزراء كندا بيير ترودو أحد الشخصيات المهمة التي استقبلته بحفاوة. وتتقاطع هذه الفكرة مع نظرية بلافاتسكي المذكورة أعلاه عن عصر جديد ونهائي يتجلى فيه لوسيفر “إبليس” حاملا الخلاص والنور والسلام إلى البشرية.


أوشو
ولد تشاندرا موهان جين عام 1931، وبدأ بشق طريقه نحو الشهرة في الستينات من خلال انتقاداته للأديان والسياسة وحتى بعض الرموز لدى الشعب الهندي مثل المهاتما غاندي، وفي أواخر الثمانينات اتخذ اسم “أوشو” وأصبح من أكثر رجال الدين الهندوسي إثارة للجدل.

على عكس المعلمين السابقين الذين حرصوا على الظهور في صورة المتقشفين، لم يتردد أوشو في الانفتاح على كل الملذات ومظاهر الخلاعة. فبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1981 أنشأ في ولاية أوريغون قرية خاصة بأتباعه تحت اسم “راغنشبورام”، والتي أصبحت محجّا للباحثين عن أساليب جديدة تدمج التأمل بالجنس، وتصل بالممارسين إلى حد الهلوسة، وهي لا تختلف في شيء عن طقوس الجماعات الشيطانية.

لم يكن أوشو يخفي عن أتباعه وعن الصحفيين الجانب المترف من حياته الخاصة، فكان يمتلك عددا كبيرا من سيارات رولز رويس ويعيش في قصر فخم، فضلا عن ممارساته الجنسية المتعددة. وقد دخل في صراعات مع جهات إعلامية وسياسية واجتماعية كثيرة في أميركا مما أدى إلى طرده، حيث منعته أكثر من عشرين دولة من اللجوء إلى أراضيها، فاضطر للعودة إلى بلدته بيونيه في الهند ليموت فيها عام 1990.

أتباع أوشو كانوا يصطفون يوميا في قريته الخاصة بأميركا لتحيته عند مغادرته بسيارته الفارهة

والملفت أن أفكاره لاقت رواجا بعد موته أكثر مما كانت عليه في حياته، وهي من أكثر أنماط العيش ملاءمة لحركات العصر الجديد المنفلتة عن قيود الأديان والأخلاق، حيث يجتذب منتجع أوشو الدولي في بيونيه نحو مئتي ألف زائر سنويا، وتعد مريم نور من أهم مروجي فلسفته في العالم العربي.

في هذا الفيديو يتبرّك أتباع أوشو بقدميه في عيد ميلاده عام 1972:

البوذية
تقول الحكاية إن أميرا هنديا اسمه سدهارتا غوتاما ولد عام 560ق.م لملك كان يحكم مملكة صغيرة على الحدود الفاصلة بين الهند ونيبال، وعندما بلغ الأمير سن التاسعة والعشرين شعر بالملل من حياة الترف وانطلق في الغابات والجبال للتقشف والتأمل على طريقة اليوغا حتى بلغ حالة الاستنارة، وأصبح لقبه بوذا، أي المستنير.

انطلق بوذا للدعوة إلى مذهبه الذي يعد طريقة للخلاص تحت مظلة الهندوسية، فآمن به الناس وذاع صيته، ولم يترك بوذا لأتباعه كتابا يوثق تعاليمه، كما لم يرشح أحدا منهم ليخلفه، ويقال إن ثلاثة من كبار الرهبان الذين آمنوا به قرروا بعد وفاته تدوين فلسفته، وبعد نحو ثلاثة قرون وجد الملك آشوكا العظيم في هذه الفلسفة نسخة أكثر قابلية للتطبيق والتبشير، لا سيما وأنها تلغي الطبقية التي كانت موجودة في الهندوسية القديمة، فجعل منها دينا عالميا.

هناك من يشكك في وجود شخصية حقيقية اسمها بوذا ويرجح أنها مجرد أسطورة، وهناك من يرى في المقابل أن بوذا كان نبيا مرسلا من الله وداعيا إلى التوحيد الذي دعا إليه خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنه من الصعب التحقق من صحة هاتين المقولتين فسنتعامل مع شخصيته وآثاره وفقا لما يقوله أتباعه.

تمثال لبوذا في حالة تأمل

من الملفت أن بوذا لم يتحدث عن وجود إله على الإطلاق، مع أن الهندوسية الأصلية تعبد ملايين الآلهة وتجعل على رأسها إلها خالقا، لكن بوذا ركز اهتمامه كله على الاستنارة والتوحد بالحقيقة المطلقة ونبذ الطبقية ورفع الظلم عن المضطهدين، وعندما يُسأل الرهبان البوذيون اليوم عن مفهومهم لبدء الخلق وأصله ومصيره وما بعد الموت فإنهم لا يقدمون إجابات شافية، فالبوذي يقصر اهتمامه على الجانب الأخلاقي والسلوكي ويتهرب من التفكير في الأسئلة الوجودية، ما يدفع بعض الباحثين للتردد في تصنيف البوذية ضمن الأديان واعتبارها مجرد فلسفة باطنية.

ونظرا لغياب مفهوم الألوهية لديهم، رفع الكهنة بوذا إلى مرتبة الإله مع الإقرار بأنه مجرد معلم وليس خالقا، إلا أنهم يقصدونه بالعبادة والتقديس. وتقام اليوم في المعابد البوذية صلوات وتتلى أناشيد ملحنة أمام أصنام بوذا، كما يؤدي الكثير من أتباعه صلاتهم في منازلهم أمام أيقونات على هيئة بوذا.

تُفرض الزكاة على أموال عامة الناس، وقدرها تُسع المال، أما الصيام فيتطلب الامتناع عن الأكل والشرب باستثناء الحليب، وبعضهم يصوم ثلاثة أيام محددة في السنة، بينما يصوم آخرون اليوم الرابع عشر من كل شهر قمري، أما الحج فيتطلب السفر إلى أربعة أماكن مقدسة في الهند ونيبال، ويقر الكهنة أن هذه العبادات لم يأمر بها بوذا بل وُضعت بعد موته.

وكما هو الحال لدى الهندوسية، يؤمن البوذيون بمبدأ “الكارما” والتناسخ، ويزعمون أن المرء قد يعود إلى الحياة على هيئة آلهة إذا حقق درجة الكمال والاستنارة، ويحذرون من إمكانية العودة بعد الموت إلى الدنيا في جسد حيوان، لذا يعتقد البوذيون أن بعض الديدان والحشرات ليست سوى كائنات بشرية ممسوخة، فيمتنعون عن قتلها.

تعد البوذية أكثر مادية من الهندوسية، فهي ترى أن الخلاص حالة لا تخضع للتغير، وهو الخلود والمجد والمعرفة المتعالية، حيث يشعر الإنسان بالطمأنينة والسعادة عندما ينال هذه الدرجة. كما لا تقر البوذية بوجود الروح (الأتمان عند الهندوس)، بل تزعم أن الإنسان مركب من أجزاء مادية متغيرة، وآلية الكارما تؤدي إلى تمتع الإنسان بالملذات المادية بعد التناسخ، فلا وجود للآخرة بنهاية المطاف. وهذه الرؤية المادية تعطي البوذية ميزة القبول في الغرب، لا سيما ضمن إطار حركة العصر الجديد.

بعد نحو ألف سنة من خروج البوذية من رحم الهندوسية، قدّم بوذيدارما -الذي يعتقد أنه الخليفة الثامن والعشرون لبوذا- مذهبا جديدا تحت مسمى بوذية التشان، والتي تعد النسخة الصينية من البوذية، ثم انتقل هذا المذهب إلى اليابان تحت مسمى بوذية الزن. ولا يختلف هذا المذهب كثيرا عن الأصل، إلا أنه يحاول أن يجعل تعاليم البوذية أكثر التصاقا بالحياة اليومية، ما يعطيه أيضا ميزة الانتشار في الغرب.


التقاطع مع الإسلام

الهندوسية والإسلام
تتقاطع الهندوسية مع الإسلام في الإقرار بالألوهية، لكن الإسلام يقوم على التوحيد والإيمان بأن للإله وجودا حقيقيا مطلقا، وبأن للمخلوقات وجودا حقيقيا نسبيا، ويتنافى هذا التوحيد مع وحدة الوجود واتحاد الخالق بالمخلوقات أو حلوله فيها.

أما الهندوسية فتقوم على تعدد الآلهة (الشرك)، وتقر بخلود الروح وتناسخها، وتعطي الأولوية للروح على الجسد، ما يؤدي إلى الزهد المتطرف، بينما يقول الإسلام بوحدة الروح والجسد وتحقيق التوازن بينهما مع الدعوة إلى الزهد المعتدل.

يرى كثير من المؤرخين أن الهندوسية لعبت دورا جوهريا في نشوء بعض الفرق الإسلامية أو التأثير عليها جزئيا، مثل الإسماعيلية وبعض الطرق الصوفية، غير أنه يجب التمييز بين نمطي التصوف الإسلامي لتحديد مدى تأثيرها عليه، ففي التصوف السني التعبدي ظل تأثيرها ثانويا ومحدودا، حيث أخذ عنها الزهاد بعض المظاهر كالسُّبحة والمخلاة، والقول بأولوية النفس على الجسد بصورة مخففة، أما التصوف الفلسفي فتأثر بها بقوة حتى كانت من مصادره الأساسية، ونرى ذلك واضحا في مقولة الحلول التي تُنسب للحلاج، وفي نظرية وحدة الوجود لدى ابن سبعين. [انظر: الباطنية والتصوف الفلسفي].

البوذية والإسلام
تلتقي البوذية مع الإسلام في العديد من القيم الأخلاقية والاجتماعية، مثل الدعوة للمساواة التي نص عليها الحديث النبوي “ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” [رواه البيهقي وصححه الألباني]، وكذلك في التوسط بين الإباحة المطلقة والزهد المطلق، والذي نجده في الآية {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص: 77].

لكن الاختلاف يظهر في عقائد جوهرية، وأهمها تأليه بوذا الذي يتناقض مع التوحيد، وإنكار البوذية لخلود الروح رغم قولها بالتقمص، وهو تناقض واضح.


أهم المراجع:

أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، 1958.

أمَة الرفيع محمد بشير، المعاد في الهندوسية (أطروحة دكتوراه)، الجامعة الإسلامية العالمية، إسلام أباد، بدون تاريخ.

عبد الرزاق الموحي، العبادات في الأديان السماوية، دار الأوائل، دمشق، 2001.

جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ترجمة كامل حسين، سلسلة عالم المعرفة، 1995.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

بدون مؤلف، مدخل إلى الأسفار الڤِدية، موقع رافاناري التابع لحركة هاري كريشنا http://www.ravanari.com/mad/madkhal.pdf

Klaus K. Klostermaier ,Hinduism, Oneworld Publications, Oxford, 2007.

David Livingstone, The Untold Story of Gandhi and Theosophy, 12/15/2013, conspiracyschool.com

https://parliamentofreligions.org

http://www.ravanari.com

http://www.krishna.com

الإسماعيلية

أحمد دعدوش


فيلون اليهودي الذي عاش في الإسكندرية معاصرا ولادة المسيح عليه السلام كان يعيد تأويل النصوص اليهودية رمزيا

بالعودة إلى اليهودي عبد الله بن سبأ الذي جاء ذكره في باب “الإمامية الاثناعشرية“، فقد أقر المستشرق جولد تسيهر بأن ابن سبأ وتلاميذه استطاعوا أن “يورثوا الإسلام تركة فيلون اليهودي” بتفسيرهم القرآن الكريم تفسيرا رمزيا لتحريف معانيه وتأويلها بما يناسب هواهم [العقيدة والشريعة، ص156]، وقد فصّل الكثير من باحثي العقائد في المقارنة بين ما فعله فيلون اليهودي من تحريف وتأويل للتوراة وبين جهود ابن سبأ لتكرار التجربة نفسها مع القرآن، وخصوصا أن الأدوات المعرفية والفلسفية التي استخدمها العرفانيون من اليهود والمسيحيين هي نفسها التي لجأ إليها السبئيون بعد استيرادها من فلسفة فيثاغورس وأفلوطين والغنوصية الهندية والفارسية.

وكان ابن سبأ قد بدأ بوضع بذور الباطنية خلال حياة علي بن أبي طالب، فأخذ يتحدث عن تقديس علي وأحقيته بالخلافة ثم نشر الاعتقاد بغيبته ورجعته بعد موته. وجاء بعد ابن سبأ المختار بن أبي عبيد ليدعي أن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد أبيه علي، ونشأت بذلك فرقة الكيسانية التي اعتقدت بتناسخ الأرواح بعد موت الأجساد. ومع أن ابن الحنفية تبرأ منهم فقد تبنى ابنه عبد الله -كما يقال- أفكار الغلاة، ووضع رموزا سرية للأرقام كي يفسر بها النصوص الدينية بما يوافق هواه، فجاء بعده من يعطي الرقم 7 أسرارا خفية.

واستمرت السلسلة مع ظهور أبو الخطاب الأسدي الذي يُنسب إليه القول بألوهية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبأن الإله –تعالى- حلّ في سلالته من الأئمة بدءاً من علي، حتى أسقط أبو الخطاب الشرائع والفرائض ودعا للإباحية وتعلم السحر، كما حاول إقناع جعفر الصادق بخرافاته فطرده.

ويقال إنه كان له دور في إقناع المفضّل الجعفي بأفكاره الباطنية، فأثّر بدوره على محمد بن نصير مؤسس النصيرية (العلوية)، وكذلك على محمد بن إسماعيل وابنه، وعلى ميمون القدَّاح وابنه، وهما أبرز مؤسسي الإسماعيلية.

وبعد وفاة الإمام السادس جعفر الصادق سنة 148هـ، رأى بعض الشيعة أن الصادق أوصى بالإمامة لابنه الأكبر إسماعيل المبارك، فانشقوا بذلك عن بقية الشيعة وسُمّوا بالسبعية أو الإسماعيلية، بينما قرر الآخرون أن موسى الكاظم هو الإمام الذي يخلف أخاه الصادق، واستمرت سلسلة الأئمة لديهم حتى الإمام الثاني عشر فسمّوا بالاثني عشرية.

اختلف الإسماعيلية أيضا في مصير إسماعيل، فقرر البعض أن والده أقام له جنازة وهمية مدعيا وفاته لحمايته من بطش العباسيين، وأنه بقي حيا يمارس الإمامة، بينما وافق آخرون على أنه مات كما قال الاثناعشرية لكنهم فضلوا أن تكون الإمامة في ابنه محمد بن إسماعيل المكتوم بدلا من الكاظم. وقد تفرقت الإسماعيلية أيضا إلى فرق عدة لاحقا لتنوع التأويلات والخلاف على الأئمة والدعاة اللاحقين، ولتداخل الدين بالسياسة أيضا.

يختلف الإسماعيلية أيضا عن الشيعة بالميل نحو التأويلات العرفانية والإشراقية الصوفية، وقد كتب الكثير من الباحثين عن الأصول الفكرية المستوردة التي أثرت في عقائدها، بدءا ببعض الأفكار اليهودية والمسيحية، والعقائد الغنوصية المجوسية (الفارسية)، كما يظهر جليا تأثرها بمدرسة الأفلاطونية المحدثة، حيث كان رواد هذه الفلسفة في المشرق الإسلامي من الإسماعيليين.

العقيدة
تأثر الإسماعيليون في اعتقادهم بالله تعالى وفي خلقه وصفاته بالفلسفة الإشراقية المسماة بالفيض، وهي من نتائج المدرسة الأفلاطونية المحدثة، فيرون أن الله لم يخلق العالم مباشرة بل يفيض عنه العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية ويسمونه الحجاب، ثم يحل العقل الكلي في النبي وفي آل بيته من الأئمة الذين يخلفونه، فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر الأسرار الباطنية للوحي. كما يُعد الإسماعيليون من “المعطلة” عند بقية المسلمين، أي أنهم ينفون الأسماء والصفات عن الله للمبالغة في تقديسه ولأنه في نظرهم فوق متناول العقل مما يوقعهم في تعطيل صفاته، فلا ينسبون إليه صفات العلم والقدرة والخلق وغير ذلك، كما لا ينفونها عنه، بل يضيفون هذه الصفات للعقل الكلي الذي يفيض عنه.

وتنطلق عقيدتهم من فكرة جوهرية -ذات أصول عرفانية صوفية- تقول إن لكل شيء ظاهرا وباطنا، ومع أنهم يعتمدون القرآن الكريم مصدرا للتشريع والعقائد فلا يأخذون بظاهره، بل يرون أن الحقيقة في باطنه الذي لا يعرفه إلا الأئمة المعصومين والعلماء، ومن هنا جاءت تسميتهم بالباطنية التي تشمل كل من انشق عن الجماعة الإسماعيلية من طوائف أخرى.

يرفع الإسماعيليون درجة الأئمة أكثر مما يفعل الاثناعشرية، ويضفون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه صفات توحي بتأليهه، ففي كتاب كنز الولد لمؤلفه إبراهيم بن الحسين الحامدي نجد نصا منسوبا لعلي يقول فيه “أنا الأول وأنا الآخر، وأنا الظاهر وأنا الباطن، أنا بكل شي عليم، أنا الذي سمكت سماءها وسطحت أرضها وأجريت أنهارها وأنبت أشجارها”، والإمام الذي يخلف علي هو محور الدعوة الإسماعيلية ومحور العقيدة، وله حجة وداعية يدعو إلى البيعة له والإيمان به ويمرر المعلومات السرية من الإمام لأتباعه.

يحتل العقل عندهم منزلة رفيعة، فإذا تضارب النص مع فهمهم له أوكلوا الأمر للأئمة ولمن يخلفهم لإعادة تأويله بما يناسب العصر والمصلحة. ونظرا لاعتقادهم بجوهرية الباطن الخفي فإنهم يحتفون بالمعاني التي يمكن استنباطها من الأرقام.

الدعوة السياسية
تابع الإسماعيليون مهمة تطوير الأفكار الباطنية التي ترددت على لسان ابن سبأ ومن بعده ليجعلوا منها فلسفة متكاملة في الدين والحياة والسياسة، وأقاموا تصورا لمجتمع مثالي وصفه خمسة من فلاسفتهم في كتاب “رسائل إخوان الصفا”، وأسسوا مدارس دينية سرية لاستقطاب الكفاءات الفكرية كي تنطلق بالدعوة بين الناس لهذا الدين.

واعتمدت الإسماعيلية على الدعوة السرية لنشر التشيع وتنصيب الإمام خليفة على المسلمين، وظلت تبرر مبدأ التقية بالخوف على حياة الإمام وسلالة آل البيت من بطش العباسيين طوال قرون حتى أصبح العمل السري والتخفي والكذب والتشفير أمورا معتادة بدلا من أن تكون مجرد وسائل لمرحلة انتقالية، والأصل أن الأنبياء الذين اضطر بعضهم إلى التكتم في مراحل الدعوة الأولى سرعان ما جهروا بدعوتهم لاحقا، وتحملوا في سبيل ذلك كل أصناف العذاب، ولم يلجأوا إلى التقية والكذب حتى أثناء مرحلة التكتم.

وبالعودة إلى البدايات، يؤكد بعض المؤرخين السنة أن نشأة الفكر الباطني المقترن بالدعوة الإسماعيلية قد حيكت خيوط مؤامرته في سجن العراق، حيث اجتمع عبيد الله (أو عبد الله) بن ميمون القداح -الذي كان والده ميمون بن ديصان مولى لجعفر الصادق- مع حمدان بن قرمط وأحمد بن الحسين ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، واتفقوا على تحريف دين المسلمين بنشر الأفكار الباطنية ذات الأصول اليهودية والمجوسية.

ويقول عبد القاهر البغدادي إن ميمون نفسه وليس ابنه عبيد الله هو الذي كان في السجن وخطط للمؤامرة، وإنه خرج من السجن الذي حبسه فيه الخليفة المهدي ليرحل إلى المغرب ويعلن من هناك انتسابه لآل بيت النبي وأنه من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، حيث كان ميمون وصياً على محمد بن إسماعيل من قبل جده جعفر الصادق فانتسب إليه، ويضيف البغدادي أن هؤلاء كانوا “دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها”، والدهرية هم الملحدون الذين لا يؤمنون بالله حسب التعريف القديم، وقد اختلف المؤرخون على رأيين في أصل ميمون فبعضهم جعله يهوديا بينما رأى آخرون أنه مجوسي.

ويؤكد مؤرخو السنة أن سلالة الأئمة الإسماعيليين -الذين أصبحوا خلفاء فاطميين لاحقا- ليسوا سوى أبناء القداح اليهودي، وأنهم لا يمتون إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم بصلة. ومن أهم من وثّق الطعن في نسبهم ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان، والباقلاني في سير أعلام النبلاء، وأبو شامة في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين، وابن تغري بردي الأتابكي في كتابه النجوم الزاهرة، كما وافقهم في ذلك بعض المستشرقين مثل دوزي، وماسنيون.

وبالرغم من خطورة هذه المؤامرة فقد كانت الأجواء مهيئة لنجاح خدعة القداح مسبقا، إذ ساعد الاضطهاد الأموي والعباسي لآل البيت على تعلق كثير من العوام بالدعوة للتشيع، وتعمد أصحاب هذه الدعوة نشرها في اليمن والمغرب لانقطاعهما عن مركز الدولة في بغداد، كما ظل الأئمة المزعومين متخفين عن عيون أتباعهم فيما سمي بمرحلة الستر تذرعا بالخوف من بطش العباسيين مما ساعد على إخفاء حقيقتهم التي لا يعرفها إلا أقرب المقربين إليهم.

يكشف لنا التاريخ عن دورة حياة واحدة لمعظم الأديان والجماعات، حيث يتفانى المؤسسون بإخلاص لنشر دعوتهم وترسيخ أركانها ومؤسساتها، وقد يدفعون في سبيل ذلك أموالهم وأرواحهم، ثم تأتي الأجيال اللاحقة وتطمع في المناصب والمكاسب ليبدأ الشقاق والخلاف والتفرق إلى مذاهب عدة، ويبدو أن الباطنية الإسماعيلية لم تكن استنثاء.

وبعد كل ما بذله الدعاة الأوائل من جهد لنشر دعوة الإمام محمد بن إسماعيل بالسر وتأليف قلوب أتباعهم بما أسموه نظام الإلفة والإخاء، ومع كل ما عانوه من صعوبات بسبب ملاحقة العباسيين لهم، فقد بدأ الشقاق وفقا لرواية مؤرخي الإسماعيلية في عهد الإمام الحسين بن أحمد بن عبيد الله بن ميمون القداح (والذي كان يُعتقد أنه حفيد عبيد الله بن محمد بن إسماعيل) وسرعان ما تطور الخلاف إلى حروب طاحنة، حيث تشكك الداعي عبدان بأن الإمام كان مزيفا عندما زاره في بلدة سلَمية قرب حماة (مقر الدعوة الإسماعيلية الأول) ووجده شابا صغيرا مختلفا عما سمعه من أوصافه، وبدأ يشيع بأن الإمام قُتل وأن أولاد ميمون القداح استولوا على الإمامة.

في الوقت نفسه، كان زكرويه الفارسي (الذي يعتقد أنه مجوسي) قد بدأ بتنفيذ مخطط مماثل لمخطط أبناء القداح، فادعى ابنه يحيى أيضا أنه هو نفسه محمد بن عبيد الله بن محمد بن إسماعيل وخرج لاكتساب الأنصار في العراق والشام، أما أخوه الحسين بن زكرويه فادعى أنه أحمد بن عبيد الله وخرج لقتل عبدان الذي كان يشكك في نسب ابن القداح، ثم أخذ يتقرب من سلالة القداح ليستغلها وهو يطمع بما لديها من السلطة، مع أنه هو وعائلته ينافسهم على الانتساب المزعوم لآل البيت.

وبمقتل عبدان بدأ الصراع بين أولاد زكرويه والجنابي من جهة وبين حمدان بن الأشعث صديق عبدان من جهة ثانية، وأخذ الفريق الأول يقود معارك في البحرين والعراق لإجبار الناس على التشيع والخضوع لسلطتهم، بينما كان حمدان يحذر الناس من الطموح الدنيوي لآل زكرويه وآل القداح تحت شعارات نصرة آل البيت، إلى أن تمكن يحيى بن زكرويه من قتل حمدان خنقا في منزله، فرضخ الإسماعيليون لحكم الأقوى.

صار ليحيى بن زكرويه أتباع في العراق فحشد جيوشه من المرتزقة وحاصر دمشق، فهزمته جيوش ابن طولون وقتلته، فحمل الراية من بعده أخوه الحسين وانطلق في بلاد الشام ينشر مذهب التشيع الإسماعيلي ويجبر المدن على الولاء للإمام (من سلالة القداح) بدلا من الخليفة العباسي، وعندما وصل إلى الرقة (في وسط سورية حاليا) أرسل رسالة إلى الإمام بأن يدعمه عسكريا ليغزو حلب ثم المعرة وحماة وحمص، ومع أن الدعوة الباطنية كانت تصر في بدايتها على نبذ العنف ونشر التشيع بالمحبة، فقد وافق الإمام على ذلك وبارك له أسلوب “الفتح” العسكري لنشر المذهب، كما تقول مصادرهم.

عبيد الله المهدي سمى نفسه خليفة وأميرا للمؤمنين وأسس دولة شيعية موازية للدولة العباسية السنية

بعد موت الإمام الحسين بن أحمد وتولي ابنه عبيد الله المهدي (القداح) الإمامة، كانت الإسماعيلية قد تحولت إلى مشروع سياسي وعسكري لا يمت بصلة إلى مبادئ الإلفة والإخاء التي تأسس عليها المذهب، حيث كان الداعي أبو عبيد الله العسكري ينشر المذهب بقوة السلاح في تونس والجزائر، بينما يسابق آل زكرويه الزمن للسيطرة على العراق والشام وشرق الجزيرة العربية بقوة السلاح أيضا، مما أجبر الإمام للإعلان عن تنحية آل زكرويه عن كل المناصب وفقا لمؤرخي الإسماعيلية، مع أنه لم تكن له أي سلطة عليهم.

ومع أن عبيد الله المهدي (القداح) كان إمام زمانه “المعصوم”، ولكن يبدو أن قوة السلاح كانت أنفذ من صوت الإمامة، حيث لم يجرؤ الإمام على الرد على رسائل آل زكرويه الغاضبة التي تستنكر عزلهم، وعندما قرر أولاد زكرويه الانتقام منه هاجموا البصرة وقتلوا أهلها بما فيهم من نساء وأطفال، ثم انتقلوا إلى الفرات لحشد القبائل والبدو معهم في طريقهم لغزو الشام. وبدلا من أن يواجههم الإمام فقد قرر الفرار من مقره في السلَمية إلى المغرب، وما إن وصل إلى الرملة حتى جاء إليه الحسين بن زكرويه وحدثه عن خدمات عائلته للمذهب مستنكرا ما فعله الإمام بعزلهم.

ويبدو أن حجة الحسين كانت أقوى من الإمام “المعصوم” كما نقرأ في كتبهم، إذ كان الإمام ينصح الحسين بأن يعود إلى مبادئ الإخاء والمحبة والدعوة السلْمية، بينما يصر الحسين على أن جنوده البدو ليسوا سوى وسيلة لنشر الدعوة، فرضخ الإمام له وبارك له حملاته العسكرية، ووعده بأن يعود إلى السلَمية بدلا من الذهاب إلى المغرب، فخرج الحسين سعيدا بهذه المصالحة، وتابع حملاته فحاصر دمشق وأخضعها ثم توجه إلى حمص.

أما الإمام الذي يفترض أن يكون معصوما ومُلهما، فلم يفِ بوعده للحسين ولم يعد إلى السلَمية لشعوره بأن آل زكرويه سيخونوه مجددا وظل ينتظر في الرملة. وعندما خضعت حمص للحسين بعد خمسة أشهر، أرسل للإمام يسأله عن سبب تأخره في العودة إلى مقره بالسلَمية، فوعده الإمام الخائف مرة أخرى بالعودة إلى مقره ثم كذب، وتوجه إلى مصر.

يقول مؤرخو الإسماعيلية -ومنهم مصطفى غالب- إن الإمام “المعصوم” عبيد الله المهدي -الذي خرج هاربا من سلَمية خوفا من غدر الحسين بن زكرويه- اضطر إلى الكذب (تحت مسمى التقية) لإخفاء هويته طوال رحلته إلى تونس، فكان يدعي أنه تاجر، بينما يقول كل من رآه من أهل البصيرة -حسب غالب- والله ما هذا تاجر وإنما ملك من الملوك، لشدة هيبته.

الدولة الفاطمية
يتجاهل مؤرخو الإسماعيلية دور أبي عبد الله العسكري في تأسيس دولتهم الفاطمية بتونس في مطلع القرن الرابع الهجري، حيث حشد جيوشا من قبيلة كتامة البربرية للقضاء على الأدارسة والأغالبة قبل أن يصل الإمام المعصوم الهارب من مدينة سلَمية.

خريطة لمدينة المهدية تعود إلى القرن السادس عشر
(Braun and Hogenberg)

وعندما وصل الإمام عبيد الله المهدي (القداح) إلى تونس وأعلن عن تأسيس أول دولة للباطنيين في الإسلام، اجتمع رجال الدعوة الإسماعيلية في مؤتمر كبير وقرروا انتهاء دور الستر والتخفي الذي بدأ بالإمام السابع محمد بن إسماعيل، وبدء مرحلة جديدة يتولى فيها الإمام المعصوم السلطتين الزمانية والروحية، ثم أسس المهدي عاصمة دولته وهي مدينة المهدية التي ما زالت تحمل نفس الاسم بتونس. وقد أسهب المؤرخون السنة في وصف الجرائم التي ارتكبها المهدي لإكراه الناس على اتباع مذهبه، حيث أعدم نحو أربعة آلاف عالم، وأباح الخمور والفواحش وعطّل الشريعة.

بذل أبو عبيد الله العسكري جهودا جبارة للقضاء على الأغالبة عسكريا وتأسيس دولة الفاطميين، لكن الإمام المعصوم تخلص فور انتهاء مهمته، إذ يقول مؤرخو الإسماعيلية أنفسهم إن الإمام المهدي -الذي أصبح خليفة- بدأ يلاحظ تغيرا في سلوك أبي عبيد الله وميله إلى التمرد وسعيه إلى قتل الخليفة بتحريض جنوده من قبائل الكتامة البربرية عليه، فلاطفهم الخليفة وفرّقهم في البلاد، وطالب قادته بملاحقة أبي عبيد الله واثنين من زملائه حتى قتلوهم.

ويقولون إن الإمام كان رحيما بعد ذلك، فصلى على أبي عبيد الله ودفنه بجنازة كريمة، وقال “رحمك الله يا أبا عبيد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك”.

وبالرغم من أن الدولة العُبيدية الفاطمية أصبحت قوية ولها أساطيل وجيوش، لكن التقية ظلت قائمة في الدين الإسماعيلي وفي الأديان التي تفرعت عنه، وما زالت حتى الآن.

القرامطة
وفقا لمؤرخي الإسماعيلية، شعر الحسين بن زكرويه بأن دمشق لن تنفعه في دعوته الباطنية وأن حمص ستكون أكثر ولاء له، فذهب بجيوشه البدوية إلى حمص واحتلها وأجبر خطباء الجمعة على الدعاء للإمام عبيد الله المهدي.

ثم شعر بأن الإمام لن يفي له بوعده بالعودة من الرملة إلى سلَمية لأنه لا يثق به، وكان الإمام بالفعل قد هرب إلى مصر ثم تونس لتأسيس الدولة الفاطمية، فذهب الحسين إلى سلَمية ودخل قصر الإمام وجمع من كان فيه من الخدم وأقارب الإمام الهارب وطلب منهم تسليمه كل أموال الإمام فلم يجيبوه، فقتلهم جميعا، ولم يخرج من المدينة التي كانت مركز الدعوة المقدسة وفيها عين تطرف.

وعاد الحسين إلى حمص ودعا الناس لتقديسه بوصفه الإمام المهدي المنتظر بدلا من الإمام الذي هرب لتونس، ولما سمع أهل دمشق بإرهاب الحسين بن زكرويه لقبوه بالقرمطي، وصار أتباعه هم القرامطة.

بعد مقتل الأخوين يحيى والحسين بن زكرويه على يد الخليفة العباسي المكتفي، لم يبق إلا أخاهم أبا الفضل بن زكرويه الذي اجتمع معه أتباع أخويه وصار زعيم القرامطة، فكان يغزو قرى الشام وينهبها جميعا ويقتل كل من فيها، حتى لقي حتفه.

وبعد مقتل أولاده الثلاث، قرر زكرويه بن مهرويه أن يقود بنفسه جيوش القرامطة، وأن يغزو الكوفة صباح العيد، فأمر رجاله بفتح السجون وإخراج المجرمين قبل اقتحامها، ثم دخل مع جيوشه وهو يصرخ “يا لثارات الحسين” أملا بأن ينتفض الكوفيون معه ضد العباسيين، لكنهم حملوا السلاح ضده وطردوه.

بقايا مبنى الكعيبة (شرق الجزيرة العربية) التي يعتقد أن الجنابي حاول أن يجعلها كعبة بديلة للمسلمين بعد اقتحامه للكعبة المشرفة في مكة المكرمة وسرقة الحجر الأسود وبقية كنوز الكعبة

عندما فشل زكرويه في احتلال الكوفة وإسقاط الدولة العباسية، حاول أن ينال دعم آل الجنابي الإسماعيليين في البحرين لكنهم لم يجيبوه، فاستقر مع جيوشه ومرتزقته القرامطة في صحراء الجزيرة العربية وبدؤوا بوضع الكمائن لقوافل الحجاج، وارتكبوا من المجازر ما يعترف به مؤرخو الإسماعيلية، حتى تمكن منه العباسيون وقتلوه وطافوا بجثته في البلاد.

بعد مقتل زكرويه تفرق الكثير من القرامطة وضعفت قوتهم، لكن العديد من القادة حاولوا إحياء هذه الجيوش واستثمارها مستغلين ضعف العباسيين وثورة الزنج وسيطرة الأتراك على سدة الخلافة ببغداد.

وبالرغم من تبرؤ مؤرخي الإسماعيلية من آل زكرويه لانحرافهم عن مسار الدعوة وتمردهم على الإمام، فإنهم يمتدحون آل الجنابي الذين أقاموا في البحرين دولة إسماعيلية “مثالية” تقوم على نظام الإلفة والإخاء، ثم يعترفون بأن أبا طاهر الجنابي الذي استولى على السلطة وعمره 17 سنة قد أصبح نفسه متوحشا، حيث جمع حوله القرامطة وأخلف وعده مع الخليفة العباسي بألا يتعرض لجيوشه فهاجم البصرة ونهبها، ثم خرج لمهاجمة الحجاج وفعل بهم ما لم يفعله آل زكرويه.

 

رسم تخيلي لحسن الصباح

الانقسام وظهور الحشاشين
بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر عام 487هـ/1094م قرر الوزير بدر الجمالي صرف نص تولية الإمامة من الابن نزار إلى أخيه المستعلي الذي كان ابن أخت الوزير، فانقسمت الطائفة إلى مستعلية ونزارية، ومع أن وزير المستعلي الأفضل بن بدر الجمالي تمكن من قتل نزار في الإسكندرية فقد قرر الحسن بن الصباح أحد دعاة الإسماعيلية الدعوة لنزار، وبهذا حُفظ هذا التيار من الاندثار وأصبح يطلق عليه اسم الدعوة الجديدة أو الإسماعيلية الشرقية، كما يسميها بعض الكتاب المعاصرين بإسماعيلية إيران.

يؤكد بعض المؤرخين أن نزار لقي حتفه قبل أن يُرزق بولد يخلفه، لكن أتباعه ادعوا أن له نسلا للحفاظ على الطائفة، وكان الحسن بن الصباح قد وجد في نزار فرصة ليحقق به طموحه لتأسيس دولة قوية تتجاوز العباسيين والفاطميين معا، فأيد أحقية نزار بالإمامة واستولى على قلعة ألموت (قرب طهران حاليا) واتخذها عاصمة له، فاكتسب ابن الصباح بذلك شرعية تأسيس دولته الخاصة التي كان قوامها فرقة سُميت بالحشاشين، وهي تسمية يتبرأ منها أصحابها، لكن بعض المراجع (وخاصة الاستشراقية الغربية) نسبتها إليهم بناء على رواية الرحالة الإيطالي ماركو بولو الذي قال إنه زار قلعة ألموت عام 1237م، وأكد أن ابن الصباح كان يستخدم الحشيش في تخدير أتباعه الجدد، ثم يضعهم في حديقة غناء ملأى بأشجار الفاكهة والقصور والأنهار الصناعية والجواري الجميلات، فيغترفون من الملذات وهم تحت تأثير المخدر، وبعد استيقاظهم يوهمهم بأنهم كانوا في الجنة، مؤكدا أنهم لن يعودوا إليها حتى ينفذوا أوامره، فيتحولون إلى فدائيين مهرة، ويتم استغلالهم لتنفيذ العمليات الانتحارية واغتيال كبار السياسيين في الدول المجاورة، ويقول مؤرخون إن قوائم الاغتيال التي احتفظ بها الحشاشون في ألموت كشفت عن خمسمئة شخصية نجحوا في قتلها.

حاول برنارد لويس وسيلفستر دي ساسي ومستشرقون آخرون التشكيك برواية ماركو بولو زاعمين أن كلمة الحشاشين لم تكن سوى شتيمة اخترعها السنة السوريون لتحقيرهم، غير أن باحثين آخرين قالوا إن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله أرسل سنة 1123م رسالة إلى الإسماعيليين في سورية مستخدما مصطلح الحشيشية مرتين، وليس لدى مؤرخي الشيعة اليوم ما يدعم رأيهم بأن السنة هم من حقروهم بهذه التسمية طالما استخدم هذا الوصف أحد الأئمة الفاطميين.

اتخذ ابن الصباح لنفسه لقب شيخ الجبل، وكانت قلعته حصينة ومنيعة على الجيوش لوقوعها على رأس جبل صخري وعر، وتمكن أتباعه من السيطرة على قلاع عدة في شمال إيران وجنوب بحر قزوين وصولا إلى نهر جيحون. وبعد محاولات عديدة تمكنوا من انتهاز فرصة انشغال المسلمين بالحروب الصليبية وحققوا حلمهم بإيجاد موطئ قدم في سورية باحتلال قلعة أفامية.

ومع أن الصليبيين انتزعوا منهم القلعة وأسروا قائدهم أبو الطاهر الصائغ فإن الحشاشين لم يناصبوا الصليبيين العداء، بل ظل تركيزهم على معاداة المسلمين السنة دون غيرهم كما تقول الباحثة الشيعية أميرة الشيخ رضا فرحات في كتابها “الحشاشون.. بين الثورة والإرهاب”، وكان الحشاشون مهتمين بالتحالف مع بعض الأمراء السنة في سورية مقدمين لهم خدماتهم كفرق اغتيال محترفة لقتل خصومهم من أمراء السنة ومن الصليبيين أحيانا، وتمكنوا بذلك من اكتساب قلاع أخرى مقابل خدماتهم.

وقد أشرنا في مقال فرسان الهيكل إلى العلاقة التي نشأت بين هذه الجماعة السرية -ذات الأصل اليهودي الخفي- وبين الحشاشين أثناء الحروب الصليبية، حتى إن بعض المؤرخين المحققين يرون أن فرسان الهيكل اقتبسوا من الحشاشين بعض أسس العمل السري قبل أن يعود الفرسان إلى أوروبا ويشكلوا نواة الماسونية. وما زال مصطلح الحشاشين Assassin يطلق اليوم في اللغات الأوروبية على القتلة المأجورين الذين يقومون بمهمات الاغتيال.

قلعة مصياف

شن السلاجقة بقيادة ألب أرسلان وابنه بوري حملة لتصفية الحشاشين في سورية، وعندما حاول الفاطميون التقرب من ألموت لتوحيد الصف الإسماعيلي اكتشفوا وجود مؤامرة لاغتيال الخليفة الفاطمي الآمر ووزيره المأمون على يد الحشاشين، فنشر الفاطميون جواسيسهم لملاحقة الحشاشين وقتلهم أينما وُجدوا. لكن الحشاشين واصلوا جهودهم للبقاء والتحالف مع أي قوة تحقق مصالحهم إلى أن استولوا على قلعة مصياف العملاقة بعد تسع سنوات وجعلوها عاصمة لهم، كما سيطروا على قلاع أخرى في بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية، وظهر سنان راشد الدين الذي استحق لقب “شيخ الجبل”، وهو لقب لم يُطلق من قبل إلا على أحمد بن عطاش والحسن بن الصباح.

في الفترة نفسها اضطر الخليفة الفاطمي الرابع عشر العاضد لتعيين عدوه السلجوقي شيركوه وزيراً له ليحمي عرشه من الانهيار، فغضب الوزير السابق “شاور” وحاول الاستنجاد بالقائد الصليبي “أملرك الأول” دون أن يفلح، وصعد صلاح الدين الأيوبي ليخلف عمه شيركوه، وخلال سنتين نجح في القضاء التام على الدولة الفاطمية وتحويل جامعتها الأزهرية إلى منبر للإسلام السني، منهيا بذلك أول “خلافة” شيعية في العالم الإسلامي، وهو تغيير لم يلقَ مقاومة تذكر كما يقول ابن الأثير.

وقد وصف ابن كثير انهيار الدولة في كتابه البداية والنهاية بقوله “وقد كانت مدة ملك العبيديين مائتين وثمانين سنة وكسرا، فصاروا كأمس الذاهب كأن لم يغنوا فيها، وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات وكثر أهل الفساد وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكامله”.

 

مخطوط يصور حصار المغول لقلعة ألموت
(متحف فرجينيا للفنون)

نهاية دولهم
ومع أن الحشاشين النزاريين كانوا أعداء أقحاح للإسماعيلية المستعلية الفاطمية، لكن انتصار صلاح الدين السني عليها أثار حنق شيخ الجبل سنان الذي يتزعم كل قلاع الحشاشين في سوريا، وتقول روايات الإسماعيلية إن سنان أرسل أحد فدائييه إلى قصر صلاح الدين في القاهرة، فدخل مخدعه وهو نائم ووضع بجانب رأسه خنجرا مغموسا بالدم ومعه رسالة تهديد، لكن هذه الواقعة لم تُذكر إلا في كتب الإسماعيليين والشيعة وقد شكك فيها مؤرخون آخرون مثل قدري قلعجي.

وسواء كانت الواقعة حقيقية أم لا، فقد شن صلاح الدين حملة كبيرة على الإسماعيليين في سوريا خلال حربه ضد الصليبيين، ويقال إن اثنين من الفدائيين حاولوا طعنه بين جنوده فنجا منهما وتم قتلهما على الفور، ثم حاصر قلعة مصياف التي يتحصن فيها سنان وبدأت بينهما المراسلات والتهديدات.

وأثناء الحصار، تقول روايات الإسماعيليين إن صلاح الدين استيقظ ذات صباح في خيمته فوجد خنجرا مسموما قرب رأسه وبجانبه رسالة تهديد أخرى من سنان، وتضيف الرواية أن صلاح الدين أدرك عندئذ أن سنان رجل شريف نبيل لأنه لم يقتله بالرغم من قدرته عليه، واقترح عليه خاله شهاب الدين الحارمي وهو والي حماة أن يكون وسيطا بينهما لعقد الصلح. لكن المؤرخ السني ابن الأثير يروي القصة بطريقة مختلفة، فيقول إن صلاح الدين حاصر قلعة مصياف حتى أرسل سنان إلى شهاب الدين يطلب منه أن يشفع فيهم عند صلاح الدين، بل قرن طلبه بتهديد الحارمي بالقتل إن لم يسارع لإنقاذه، فحضر شهاب الدين عند صلاح الدين وشفع فيهم فأجابه إلى ذلك ورحل عنهم‏.‏

كونراد دي مونتفرات

ويذكر المؤرخون أن الحشاشين تحولوا من أصحاب دعوة إلى مرتزقة، فكانوا ينفذون عمليات الاغتيال التي اشتهروا بها لمن يدفع لهم أكثر، ففي سنه 546هـ اغتالوا ريموند الثاني أمير طرابلس بتحريض من زوجته، ثم اغتالوا كونراد دي مونتفرات ملك مملكة بيت المقدس عام 588هـ بطلب من الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد.

ولم تمض مئة سنة على وفاة الحسن بن الصباح حتى بدأت جحافل المغول باقتحام بلاد فارس، وعندما وصل هولاكو إلى قلاع الحشاشين أدرك الحاكم الثامن لقلعة ألموت ركن الدين أنه لا جدوى من المقاومة، فعرض على المغول الاستسلام، فطلب هولاكو أن يأتي إليه ركن الدين بنفسه فذهب إليه وطلب من جميع أتباعه النزول من القلاع، فأحرق المغول قلعة ألموت في أواخر عام 1256م، ويقول الإسماعيليون إنهم دمروا مكتبتها الضخمة، لكن مؤرخين آخرين يؤكدون أن المؤرخ السني الجويني تمكن من الدخول للمكتبة قبل حرقها بساعات وإنقاذ حمولة عربة واحدة من الكتب التي ساعدته على التأريخ لهذه الطائفة ونقد عقيدتها.

أما ركن الدين فطلب مقابلة الإمبراطور المغولي في بكين، وفي الطريق طلبوا منه أن يأمر أتباعه في قلعة كوهستان بالاستسلام مقابل وعد من هولاكو بالأمان ففعل واستسلموا، ولكن المغول فتكوا بهم على الفور، ثم قتلوا ركن الدين وأسرته.

ويقول برنارد لويس إن المغول لم يكتفوا بهذا، إذ جمعوا من تبقى من الإسماعيليين بحجة إحصاء عددهم وقتلوهم جميعاً، ولم ينجُ منهم إلا من اعتصم بجبال فارس، وكأن الله تعالى سلّط عليهم من يفوقهم مكرا وغدرا ليجتثهم ويدمر قلاعهم التي أرهبت الناس، حتى لم يبق من ألموت اليوم إلا أطلال يزورها السياح.

أطلال قلعة ألموت في إيران (wikipedia/Payampak)

أطلال قلعة ألموت في إيران (wikipedia/Payampak)

أما الحشاشون في سوريا فلم يطل بقاؤهم كثيرا، حيث انتزع الظاهر بيبرس قلاع الحشاشين في كل من مصياف والقدموس والكهف والخوابي، فرضخوا لسلطان المماليك وأصبح عدد كبير منهم رهن أوامره، حتى يقال إن الظاهر بيبرس كان يهدد كونت طرابلس بالاغتيال بعد أن أصبحوا جزءا من جنده، وإنه استخدمهم لاغتيال إدوارد الإنجليزي.

ومع أن بيبرس لم ينتقم من الحشاشين بالقتل والطرد كما فعل بعض السلاجقة من قبله، فقد قبض على اثنين منهم قيل إنهما حاولا اغتياله مما دفعه لاعتقال شمس الدين الذي قيل أيضا إنه كان يخطط لمؤامرة مع الصليبيين، لكن والده العجوز نجم الدين شفع له عند السلطان فعفا عنه. وتتحدث بعض الروايات عن استمرار خيانة شمس الدين بعد أن تركه السلطان ليحكم قلعة الكهف، إذ حاول تدبير عملية اغتيال لبعض قادة المماليك، ومع ذلك لم يقتله بيبرس بل نفاه إلى مصر واستولى على آخر قلاع الحشاشين في سورية عام 672هـ/1270م.

الإسماعيلية في العصر الحديث
يمكننا القول إن الأيوبيين والمماليك أجهزوا بالفعل على مفاصل القوة لدى الدعوة الإسماعيلية بكل طوائفها بحيث لم تتمكن من العودة إلى سابق عهدها حتى الآن، ولعل أهم محاولات استعادة تلك القوة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر، عندما ظهر في إيران رجل شيعي يدعى حسن علي شاه وقام مع أتباعه بأعمال هدد بها حكم الأسرة القاجارية الحاكمة، فاستغل الإنجليز نفوذه وشعبيته وشجعوه على إعلان الثورة عام 1840، إلا أنه فشل وقبض عليه، فتدخل الإنجليز للإفراج عنه ونُفي إلى أفغانستان، ويقال إنه طُرد منها إلى الهند، فشجعه الإنجليز هناك على إعلان نفسه إماما للطائفة الإسماعيلية النزارية وخلعوا عليه لقب آغاخان.

ويشكك كثيرون بصحة انتساب الآغاخان للإمام نزار كما يزعم، فهناك روايات قديمة تؤكد أن نزارا قد قُتل دون أن يخلفه أحد، لكن الإسماعيليين وجدوا في زعيمهم الجديد استمرارية للطائفة، ومازالوا حتى الآن يقدمون الهبات والعطايا لسلالته.

ويتزعم الطائفة النزارية اليوم الآغاخان الرابع شاه كريم الحسيني المقيم في فرنسا، وينتقده الإعلام الغربي لنمط معيشته المغرق في الترف والذي لا يختلف عن حياة نبلاء أوروبا، حيث يعتاد أفراد أسرته على إقامة الحفلات الباذخة والزواج من نجوم الفن، بينما يصر أنصاره على ضرورة انفتاح زعيمهم على متطلبات العصر، مشيرين إلى حصوله على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة هارفارد، وإتقانه للغات العربية والإنجليزية والفرنسية، فضلا عن إدارته لمنظمات تنموية عالمية.

وفي سورية، يتركز الوجود الإسماعيلي (النزاري) بمدينتي سلَمية ومصياف، لكن بعض الكتّاب الإسماعيليين يؤكدون أنه لم يبق من الإسماعيلية في سورية إلا القليل جراء الاختلاط والاندماج، ويقولون إن أهالي مصياف والقدموس تخلوا عن الإسماعيلية والتحقوا بالشيعة الجعفرية خلال الحكم العثماني، كما يؤكدون أن العائلات الإسماعيلية في سلمية والقدموس باتت مختلطة مع السنة بطريقة تجعل الفرز مستحيلا، حتى أصبح ثلث سلمية أو نصفها سنياً ومتشبثا بدينه، حيث تجد في البيت الواحد من هو إسماعيلي ومن هو سني.

انضوى الكثير من الشباب الإسماعيليين تطوعيا في حرب 1948 عندما أعلن عن قيام إسرائيل، وازداد انخراطهم أكثر في المحيط العربي مع انضمامهم للحركات القومية العروبية. ونظرا للعداء التاريخي بين الإسماعيليين والنصيريين (العلويين)، فلم يكن من الصعب على الشباب الإسماعيليين الانخراط في الثورة السورية عام 2011.

أما الطائفة المستعلية فلعل أبرز من يمثلها اليوم هم البهرة، وهم بقايا الفاطميين الذين رحلوا من مصر واليمن إلى الهند، وينقسمون إلى بهرة داوودية ومقرها في بومباي الهندية، وبهرة سليمانية يتبعون قائدهم المقيم في اليمن. ويصر الإسماعيليون البهرة اليوم على أنهم مسلمون، ومع أن لهم مساجدهم الخاصة فإنهم يشاركون عامة المسلمين في الحج إلى مكة، كما يؤكدون على مسالمة المسلمين السنة والابتعاد عن السياسة أينما وجدوا، ويندر اختلاطهم بالآخرين في الزواج والمعاملة خارج حدود التجارة التي يشتهرون بها، كما يعتقدون بضرورة خروج إمامهم الأخير المستتر “الطيب” وهو حفيد المستعلي، بينما يختلف علماء السنة المعاصرون في الحكم على أتباع هذه الطائفة من حيث انتسابهم للإسلام أو خروجهم منه.

يتمتع شيوخ البهرة بالكثير من السطوة والتعظيم بين أتباعهم، وفي الصورة يظهر الداعي المطلق للبهرة الداوودية بين أتباعه في مدينة فادودارا الهند عام 1968

أهم المراجع
تاريخ الدعوة الإسماعيلية، مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت, 1965.

القرامطة بين المد والجزر، مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت, 1979.

تاريخ الإسماعيلية، عارف تامر، دار رياض الريس، لندن، 1991.

الحشاشون بين الثورة والإرهاب، أميرة رضا فرحات، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2012.

أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، برنارد لويس، دار الحداثة، 1980.

التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة السادسة، 2000.

دراسة عن الفِرق في تاريخ المسلمين.. الخوارج والشيعة، أحمد جلي، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، 1986.

الكامل في التاريخ، ابن الأثير الجزري، تحقيق أبو الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، 1987.

فضائح الباطنية، أبو حامد محمد الغزالي، تحقيق عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة المصرية، 1964.

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، طاهر بن محمد الإسفراييني، تحقيق كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، 1983.

الفرق بين الفِرق وبيان الفرقة الناجية، عبد القاهر البغدادي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1977.

التصوف

د. ثائر الحلاق وأحمد دعدوش


يعد التَّصوف تجربة خاصة وفريدة في تاريخ الفكر الإسلامي، وقد تلونت بكثير من المجاهدات والشطحات والرموز والأسرار. لذا يتطلب فهمنا له إلى تذوق ومعاناة وتجربة، فللصوفية نظرتهم الخاصة لطبيعة الإنسان والمعرفة والعلم والعالم والروح والنفس والأخلاق والآداب، وهو أمر يستدعي الكثير من الحذر والدقة أثناء الدراسة لتوخي الموضوعية.

تعريف التصوف
نشأ خلاف كبير حول اشتقاق كلمة التصوف، وأرجح تلك الآراء هي التي ترجع نسبة الكلمة إلى الصوف الذي كان فيما يبدو زياً خاصًا فضَّله أوائل الصوفية ليناسب حياة التقشف، ثم أصبح اسم التصوف يُطلق على من يسلك منهجهم.

المسجد النبوي

وهناك من يرى أنه مشتق من “أهل الصفَّة” الذين انقطعوا للعبادة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن الاشتقاق اللغوي لا يسمح بذلك، كما رأى البعض أنه مشتق من الصَّفاء، أو من الصَّف الأول بين يدي الله تعالى.

وقيل هو نسبة إلى قبيلة “صوفة” التي كانت تجير الحاج وتخدم الكعبة، أو إلى كلمة “صوفيا” اليونانية التي تعني الحكمة، أو إلى “الصوفة” (الخرقة) للدلالة على التذلل بين يدي الله.

والرأي الأول هو الأرجح، وهو اختيار أعلامهم، لأنه حكم على الظاهر وهو أولى.

يصعب تقديم تعريف جامع مانع للتصوف، فالصوفية يختلفون في تعريفه أكثر من اختلافهم في أصله واشتقاقه، نظرًا لطبيعته ذاتها، ولاختلاف التجربة الوجدانية الخاصة بكل صوفي، حتى قال السهروردي في كتاب “عوارف المعارف” إن تعريفات مشايخ التصوف زادت عن ألف قول.

نشأة التصوف
لم يكن التصوف موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى القشيري وابن الجوزي أن هذا الاسم اشتُهر قبل مرور قرنين على الهجرة، بينما حدد ابن تيمية نشأته بدقة أكبر عندما قال إنه ظهر في زمن التابعي الحسن البصري، وإن أول من سمي بالصوفي هو أبو هاشم الكوفي (توفي عام 150هـ).

وفي عهد النبي وأصحابه كانت النسبة إلى الإيمان والإسلام، ثم ظهر اسم زاهد وعابد، ثم ظهر اسم صوفي. وهكذا فالتصوف يزيد على الزهد، بل هو اسم للزهد المتطور بعد القرون التي شهد لها النبي بالخير.

ويمكن القول إن الزهد بحالته الفطرية هو جزء أصيل من كل الرسالات التي جاء بها الأنبياء، وقد كان واضحا بطبيعة الحال في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي سلوكه وسلوك أصحابه وأجيال السلف الأولى، لكن التصوف لم يبدأ بالتشكل إلا في القرن الهجري الثاني، ثم تبعه التصوف الفلسفي في القرن الرابع ليكتمل نضوجه في القرنين السادس والسابع.

موكب صوفي يتجول في القاهرة عام 1870م

يقول كثير من المؤرخين المسلمين، مثل الطبري وابن سعد والجوزجاني والبلاذري، إن هناك محاولات كثيرة قام بها المنافقون والزنادقة واليهود من أجل دس عقائد وثنية وباطنية في صلب الإسلام منذ بداية الرسالة المحمدية، إلا أنها لم تظهر على السطح بوضوح إلا بعد انتهاء أجيال السلف الثلاثة الأولى (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين)، بينما كان مجال “الروحانيات” أرضا خصبة للتأثر بالأفكار الباطنية القادمة من شرق ووسط آسيا كما هو حال المجال العقلاني-الكلامي الذي تأثر بفلسفة اليونان.

في منتصف القرن الثاني بدأت مفاهيم الزهد بالتحول إلى سلوك صوفي على شاكلة الرهبنة المسيحية، وظهر ما يسمى بالخانقاه الذي يشبه الصومعة المسيحية التي ينقطع الناس فيه للعبادة، وساعد على تقبل الأمر انتشار ظاهرة الاستبداد والظلم وإقبال الناس على الدنيا -بحسب ابن خلدون- قياسا إلى ما كان عليه السلف، مما دفع الزهاد إلى العزلة، بينما يرى آخرون أن التصوف جاء رد فعل على انتشار البدع، أو بسبب تغلغل المؤثرات الأجنبية.

ورأى معظم المستشرقين أن التصوف الإسلامي مستمد من مصدر واحد، فذهب فون كريمر ودُوزي إلى أن أصله هو فلسفة الفيدانتا الهندوسية، بينما رأى مركس أن أصله الفلسفة الأفلاطونية الجديدة [انظر مقال الباطنية]، وقال الأستاذ برون إنه فارسي مجوسي وهو نتيجة لرد فعل أحدثه “ثوران العقل” ضد الدين الإسلامي الفاتح.

أما بروكلمان فرأى أن الصراع الحربي بين الحكام وكذا الصراع المذهبي بين الفرق، دفعا بأصحاب النفوس الأكثر صفاء إلى الفرار بأنفسهم من الجدل متأثرين بالرهبنة النصرانية، وفسَّر المستشرق الفرنسي ماسنيون منشأ النزوع إلى التصوف بأنه ثورة الضمير على ما يصيب الإنسان من مظالم الآخرين ومن ظلم الإنسان نفسه، في حين كان الأستاذ رينولد نيكولسون أكثر اعتدالا واعترف بأن التصوف الإسلامي ظاهرة معقدة، ورأى أنه كان وليد الإسلام ذاته ونتيجة لازمة لفكرة الإسلام عن الله.

ويعقب الأستاذ أبو العلا عفيفي على هذا التضارب بقوله إن الذي دعا المستشرقين إليه هو قصرهم النظر على ناحية خاصة من التصوف دون النواحي الأخرى وملاحظتهم لبعض جهات الشبه بين التصوف والأحوال التي قالوا إنه مستمد منها، ناسين أو متناسين أن العقلية الإسلامية هضمت كل ما وصل إليها من عناصر الفلسفة والتصوف واستخلصت لنفسها فلسفة وتصوفا خاصين [كتاب التصوف الفلسفي في الإسلام].

وعلى أي حال، لا ينبغي أن نطبق قاعدة الأثر والتأثير على نحو مطلق، فقد أوضحنا في مقال “المغالطات المنطقية” أن وقوع حدث ما بعد حدث آخر لا يعني بالضرورة أن الأول لا بد أن يكون سببا للتالي، فهذه تسمى بالمغالطة البَعدية، وهي تُرتكب كثيرا عندما يحاول أحدهم إثبات أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم تلقى شعائر الإسلام وقصص الأمم السابقة عن أهل الكتاب وكهنة الأديان الأخرى لمجرد التشابه، فهذه مغالطة من حيث عدم ثبوت الارتباط والتلقي، ولأن النبي نفسه أكد أن المصدر واحد وهو الوحي، وأن كهنة الأديان السابقة هم الذين حرفوا الأصل الواحد وتركوه مشوّها.

حضرة الذكر الصوفي

لكن هذه المعادلة لا تطبق على ما أحدثه التصوف الفلسفي في الإسلام، فالتشابه هنا ظاهر بين ما ابتُدع في الدين بعد وفاة خاتم الأنبياء وبين الأساطير التي طرأت على رسالة الأنبياء السابقين وما جاءت به الفلسفات الباطنية والشيطانية، وهذا التشابه لا يمكن أن يكون ناشئا عن مصدر واحد هو الوحي، فقد أوضح النبي كل تعاليم الوحي واختتمه قبل موته كما أكدت الآية القرآنية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3].

وهذا يضعنا أمام خيارين إزاء التشابه، فإما أن يكون ناتجا عن تجربة روحية واحدة، وهذا لا نستبعد حدوثه في بعض طقوس التصوف، وإما أن تكون البدع التي ظهرت أخيرا مقتبسة عن السابقة عليها، ولا سيما عندما تتكاثر نقاط التشابه في المصطلحات والمقدمات والنتائج حتى تكاد تتطابق كما سنرى لاحقا، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحذو ناس من أمته حذو الأمم السابقة، وتحديدا اليهود والنصارى، وهم أقرب الأمم إلى أمته وأوضحهم تحريفا، فقال “لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!” [صحيح البخاري: 3269].

مراحل التصوف
1ـ مرحلة النشأة: تميز فيها التصوف بالبساطة وغلبت عليه نزعة عملية، حيث مال الصوفية آنذاك إلى الزهد والنسك، وشملت هذه المرحلة القرنين الأول والثاني ومنتصف القرن الثالث الهجري، وأشهر أعلامها الحسن البصري وإبراهيم بن أدهم ورابعة العدوية.

2ـ مرحلة النضج والتربية: امتدت من القرن الثالث حتى الخامس، وتوجه أصحابها إلى بناء فلسفة روحية، فعرضوا للكشف عن أحوال النفس وعوَّلوا على الذوق والعرفان، ومن أشهرهم المحاسبي وذو النون المصري والبسطامي والجنيد وأخيرا الغزالي.

3ـ مرحلة الازدهار الفكري: امتدت خلال القرنين السادس والسابع، وفيها اتضحت سمات التصوف الفلسفية، ومن أبرز رموزه السهروردي المقتول ومحيي الدين بن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود، وابن سبعين القائل بالوحدة المطلقة.

4ـ مرحلة التصوف السني العملي: حاول أنصار هذه المرحلة العودة لتعاليم القرآن والسنة ورفض النظريات الفلسفية، وبدأت هذه المرحلة بفترة فتور وتقليد ما بين القرنين التاسع والحادي عشر، ثم أعقبتها نهضة امتدت إلى يومنا الحالي.

يمكننا التمييز بين المجالات الروحية التالية:

1- الزهد: هو الجانب التطبيقي العملي الذي يعيشه المسلم التقي، متمثلا في إعراضه عن الملذات وإقباله على خالقه.

2- التصوف الطُّرقي: هو منهج سلوكي لمجاهدة النفس ورياضتها (ترويضها) وفق خطوات تنتقل بالنفس بين الأحوال والمقامات، وصولا إلى ما يسمى مقام الشهود أو الفناء، ليدرك بذلك المريد عن طريق الوجد والكشف ما لا يدركه عقله من المعرفة.

3- التصوف الفلسفي: هو الجانب النظري (الفكري) الذي يحاول تبرير وتفسير المقامات والأحوال والأسرار الصوفية.

الطرق الصوفية
وضع أئمة الصوفية في القرن الثالث الهجري أسس الطريق الذي يجب على “السالك” أو “المريد” أن يقطعه ببطء وجهد حتى يصل إلى حالة الشهود والفناء وتنكشف له الحقائق الإلهية، وسنوضح خطوات هذا الطريق لاحقا، حيث تحول الزهد إلى علم مستقل له مصطلحاته الخاصة مثل الأحوال والمنازل والمقامات، والصحو والسكْر، والتفريد والتجريد، والفناء والبقاء، والوجد والكشف.

واتفق كبار الصوفية على أن المريد لن يصل إلى الفناء ويحقق تمام المعرفة إلا بتحقيق إنكاره لذاته، وأصبحوا يسمون الصوفي الذي يصل إلى هذه الدرجة بالعارف، ويميزونه عن الزاهد نفسه، فضلا عن بقية الناس.

بوذا في حالة النرفانا
(wikimedia/Jean-PierreDalbéra)

كان أبو يزيد البسطامي من كبار مؤسسي هذه المرحلة، وهو فارسي من بلدة بسطام في خراسان، وكان جده سروشان مجوسيا (زرادشتيا) فأسلم [الأعلام للزركلي، 3/235]، فكان فيما يبدو متأثرا بما انتشر في بلاد فارس من أفكار الهندوس، حتى قيل إنه نقل عن الهنود رياضة مراقبة الأنفاس، والتي تشبه بعض ما يردده مدربو التنمية البشرية اليوم من تدريبات التنفس. ويعتقد المستشرق نيكولسون أن البسطامي هو أول من أدخل فكرة الفناء في الإسلام، وهي تعني الاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق، وبمعنى آخر هي الاتحاد بالله تعالى، وكأنها النسخة الإسلامية المعدلة عن “الموكشا” الهندوسية أو “النرفانا” البوذية [انظر أيضا مقال اليوغا]، وكذلك عن “الدفيقوت” لدى القبالاه اليهودية، ومما يرجح وصول هذه الفكرة الباطنية إلى الصوفية من الهند -سواء عن طريق البسطامي أو ذي النون المصري أو غيرهما- أنها ظهرت لدى المتصوفة في الشرق قبل أن يعرفها متصوفة مصر والمغرب [عفيفي، التصوف الفلسفي في الإسلام].

في بدايات القرن الخامس الهجري كان التصوف قد أصبح رائجا وله جماعات وأتباع، فوضع الشيخ الصوفي أبو عبد الرحمن السلمي كتاب طبقات الصوفية وقال في مقدمته “أحببت أن أجمع في سير متأخري الأولياء كتاباً أسميه طبقات الصوفية، أجعله على خمس طبقات من أئمة القوم ومشايخهم وعلمائهم، فأذكُر في كل طبقة عشرين شيخا”، وقد انتقد ابن تيمية مؤلفات السلمي وقال إن فيها “من الآثار السقيمة والكلام المردود ما يضر من لا خيرة له، وبعض الناس توقف في روايته” [ مجموع الفتاوى 1/ 578 ].

في الوقت نفسه انتقل التصوف إلى مرحلة المأسسة على يد المتصوف الفارسي محمد أحمد الميهمي الذي كان تلميذا للسلمي، حيث وضع أول هيكل تنظيمي للطرق الصوفية بجعله متسلسلاً عن طريق الوراثة، وبنى خاناً بجوار منزله للمتصوفة، ففتح بذلك الباب أمام كبار مشايخ الصوفية ليؤسس كل منهم طريقة خاصة به، بحيث تحمل اسمه وتستمر قيادتها في سلالته آلاف السنين.

بدأ انتشار الفكرة في إيران نفسها، ثم امتدت باتجاه الغرب إلى أبعد نقطة في العالم الإسلامي مرورا بالعراق والشام، ومن أشهر الطرق التي نُسبت لمؤسسيها وما زالت قائمة حتى اليوم الشاذلية والنقشبندية والرفاعية والدسوقية والتجانية والجيلانية، وهناك فرق فرعية أنشأها شيوخ من داخل فرق أخرى.

يقول الجرجاني في كتاب التعريفات إن المتصوفة يعرّفون الطريقة بأنها السيرة المختصة بالسالكين إلى الله من قطع المنازل والترقي في المقامات، فهم يرون أن لكل شيخ عارف طريقته الخاصة في التزكية والتربية التي ألزم نفسه بها حتى وصل إلى معرفة الله بالكشف والإشراق، ويصرّ المتصوفة على أن هذه الطرق مقتبسة دائما من الكتاب والسنة وفقا لاجتهاد صاحبها الذي حملت اسمه.

وبحسب موسوعة ويكيبيديا والعديد من المواقع الصوفية الإلكترونية، يُرجع بعض المتصوفة فكرة إنشاء الطرق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بقولهم إنه كان يخصّ كل صحابي بوِرْد يتفق مع درجته وأحواله، فأعطى علي بن أبي طالب الذكر بالنفي والإثبات وهو “لا إله إلا الله”، بينما أعطى أبا بكر الصديق الذكر بالاسم المفرد (الله)، ثم أخذ عنهما التابعون هاتين الطريقتين “البكرية والعلوية”، حتى تطورت لاحقا إلى عشرات الفرق، وهذه الرواية لا أصل لها.

لوحة تعود إلى القرن السابع عشر الميلادي تمثل حالة الاتحاد والانجذاب الصوفي

الاتحاد هو صعود الإنسان بروحه عبر المجاهدة إلى مقام الله حتى تتحد روحه معه، فيصير الاثنان في كيان واحد، ومع أن المتصوفة يستخدمون فقط كلمة الفناء في الله إلا أنها تعني الاتحاد به.

أما الحلول فهو نزول الإله وحلوله في مخلوقاته، لتكون مظهرا من مظاهره وامتدادا لوجوده. وقد يحل بشخص ما (مثل المسيح أو إمام الشيعة أو ولي الصوفية) أو يحل بمخلوقاته كلها.

فالاتحاد هو صعود الإنسان من عالم المادة إلى عالم الملكوت، بينما الحلول هو نزول الإله إلى عالم المخلوقات. وكلاهما يتناقضان مع الإسلام والتوحيد وصريح الوحي، وهما مقتبسان من عقائد الباطنية التي أوضحناها سابقا.

قال ابن خلدون: “إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والاتحاد كما أشرنا إليه، وملأوا الصحف منه، مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف، وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم” [المقدمة، ص 473].

واللافت أنه لم يسلم معتدلو الصوفية وكبار علمائهم المتأخرين من القول بالفناء، حتى لو لم يقصدوا به الاتحاد صراحة، حيث قال أبو حامد الغزالي أثناء شرحه لعقيدة التوحيد “موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير، بل من حيث أنه واحد، وهذه الغاية القصوى في التوحيد” [إحياء علوم الدين، 4/230].

كان الشيخ أبو حامد الغزالي الطوسي (توفي عام 505هـ) من المتبحرين في الفقه وأصوله وفي علوم الفلسفة والكلام، ولُقب بحجة الإسلام بعد مبارزته لكبار الفلاسفة في عصره عبر كتابَي “مقاصد الفلاسفة” و”تهافت الفلاسفة”، كما يعد من أبرز علماء السنة الذين تصدوا لمواجهة موجة المد الباطني الغنوصي التي تسربت للثقافة الإسلامية على يد الفرس والترجمات اليونانية، فوضع كتابَي “فضائح الباطنية” و”القسطاس المستقيم”.

لكن اللافت في حياة هذا العالم العبقري أنه بعد بلوغه أعلى درجات الإبداع الفكري انتهى إلى مرحلة من الشك، فاعتزل التدريس والمناظرة، كما اعتزل مناهج علم الكلام (التي تستخدم المنطق والعقل في الدفاع عن العقيدة)، واكتشف أن الكشف الصوفي هو المنهج الأسلم للحقيقة، وشرح تجربته الشخصية هذه في كتابه “المنقذ من الضلال”، ثم صار محسوبا على الصوفية في كتابه المشهور “إحياء علوم الدين”، بل يتهمه البعض بأنه صار ضحية للغنوصية نفسها التي كان قد ردّ عليها، لا سيما عندما اتُهم بوضع كتب باطنية مثل “مشكاة الأنوار” و”معارج القدس” و”المضنون به على غير أهله”.

يرى الدكتور علي سامي النشار أن الغزالي بريء من هذه التهمة، وأن ابن الجوزي كان مخطئا عندما اتهمه بأنه “باع الفقه بالتصوف”، فالغزالي كان يخوض في كل المدارس الفكرية وهو متمسك بالسنة، كما يرى الكثيرون أنه حتى في حال ثبوت ميل الغزالي إلى التصوف في مرحلة العزلة التي مر بها فقد انتهى به الأمر بالعودة إلى السنة والتبحر في علوم الحديث، حتى مات رحمه الله وكتاب صحيح البخاري على صدره. [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 211].

وفي عام 1960م أصدر الفيلسوف المصري عبد الرحمن البدوي كتابا أسماه “مؤلفات الغزالي”، تناول فيه 457 مصنفا يُنسب إلى الغزالي، ووجد فيه أن هناك 48 مصنفا قد نُسب للغزالي زورا، فضلا عن عشرات الكتب مجهولة الهوية أو التي تم التشكيك بنسبتها للغزالي، ومنها تلك الكتب الباطنية.

كما وضع الدكتور مشهد العلاف عام 2002 كتابا اسمه “كتُب الإمام الغزالي: الثابت منها والمنحول”، وقال فيه إن الكتب الباطنية ليست للغزالي.

والخلاصة أن الغزالي عندما مال إلى التصوف كان يرى أنه منهج آخر مخالف لمنهج الباطنية، وفقا لما ذكره في كتابه “المنقذ من الضلال”، وأنه بالرغم من مخالفته الجزئية لمنهج السنة خلال مرحلة العزلة التي مرّ بها فقد عاد إليه رحمه الله في آخر حياته.

مؤسسات التصوف
يتميز الصوفية عن غيرهم في مجال إعداد المريد (المتعلم) وتربيته، ولهم الفضل في إنشاء مؤسسات تعبدية وتربوية كبرى، ومن أهمها:

خانقاه في أصفهان الإيرانية
(wikimedia/Zereshk)

1ـ الخوانق: كلمة فارسية يراد بها الدور التي يسكنها الصوفية، وتجري عليها الأرزاق ويشرف عليها الشيوخ، ويتم فيها التفرغ للعبادة والذكر، لكن اسمها تغير لاحقا إلى “التكايا” التي خصصت لإقامة الدراويش.

2- الربط: هي بيوت الجهاد والعلم، أخذت اسمها من المرابطة في سبيل الله، كما تعني خدمة الغير تطوعاً بغير أجر؛ ليروض المريد نفسه على حب الخير والتواضع.

3ـ الخلاوي: ما تزال حتى يومنا هذا تلعب دورا تربويا في عدد من الدول الإسلامية، وخاصة السودان ودول جنوب الصحراء الكبرى.

ويلزم الصوفي نفسه في هذه المؤسسات بمنهج متكامل من العبادات (كالأدعية والأوراد)، والسلوكيات (كخشونة الأكل والملبس)، والرياضات النفسية (كالتواضع والخشية).

غاية التصوف
أوضحنا في مقال “الباطنية” أن الباطنية تيار فكري موغل في القدم، وأنه تسلل إلى معظم -وربما كل- الأديان وأنشأ في داخلها مذاهب وأديانا مستقلة، وكما هو حال الطوائف الإسماعيلية التي تطورت في قلب المذهب الشيعي، الذي نشأ بدوره داخل الإسلام، فإن التصوف تشكل أيضا بفعل التأثير الباطني، ولكن داخل المذهب السني.

يشترك الباطنيون في المعتقد الأساسي مهما كان دينهم الذي ينتمون إليه، ويؤمنون بأن المعرفة الباطنية “الغنوص” هي غاية الإنسان، وأن الوصول إليها يتم بالإشراق (الحدس).

وربما تكون نسخة التوراة التي كتبت أثناء السبي البابلي لبني إسرائيل هي أقدم النصوص المتوفرة اليوم لتحريف قصة الخلق على النحو الذي يجعل المعرفة هي السر الذي أخفاه الإله الخالق (أدوناي) عن الإنسان (آدم وحواء)، حيث سارع إبليس إلى مساعدة الإنسان وأخبره أن الإله حرّم عليه الأكل من “شجرة المعرفة” في الجنة كي لا يصل إلى الحقائق السرية التي ترتقي به إلى مراتب الآلهة، وهو ما دفع الباطنية اليهودية (القبالاه) إلى تأليه إبليس (لوسيفر).

تعد هذه القصة المحرفة -والتي تتناقض مع قصة الخلق الحقيقية الموضحة في القرآن- الأساس الذي انبثقت منه المذاهب والفلسفات الباطنية، فعقائد الاتحاد والفناء والحلول ووحدة الوجود ونظرية الفيض تعد من نتائج هذا التحريف، وقد لا يؤمن المعتقدون بهذه العقائد بالأصل المحرف لقصة الخلق بعد أن أصبحت الأفكار الوليدة منفصلة عن العقيدة الأم وقادرة على التغلغل بشكل منفرد في الأديان الأخرى وتوليد المذاهب الباطنية المتعددة، وهذا ما اتضح لنا في دراستنا للهندوسية والبوذية والمسيحية والإسماعيلية.

وعندما ندرس التصوف الإسلامي، سواء الفلسفي منه أو المعتدل، نجد أثرا واضحا -وأحيانا يكون طفيفا- للأصل الباطني المحرف، وذلك في مجالين رئيسين هما:

1- نظرية المعرفة (طريقة الحصول على المعرفة والحقائق)، حيث يرى كبار المتصوفة أن للمعرفة نوعين، فهناك معرفة استدلالية عن العقل النظري، فيُعرف بها وجود الله وصفاته، سواء من خلال التأمل في الحقائق أو بتدبر الوحي ويطلق على هذا النوع “العلم”.

وهناك معرفة خاصة، يعرف فيها الصوفي العارف حقائق الصفات والتدبير والأسرار، ولا تكون عن طريق العقل بل بالإلهام، وتسمى “العلم اللدني”.

وقد يطلق المتصوفة على الأول اسم “العلم”، وعلى الثاني “المعرفة”، فالعلم يؤتى بالكسب والتعلم، وهو ما جاء في الحديث الضعيف: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، أما المعرفة فتتحقق لمن يسلك طريق المجاهدة والتصوف، ويستدلون على ذلك بحديث روي فيه أن الرسول قال لحارثة كيف أصبحت؟ فقال أصبحت مؤمنا حقا، قال بم ذلك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا وسهرت الليل وظمئت النهار وكأني أرى عرش ربي وأرى الجنة والنار، فقال النبي يا حارثة “عرفت فالزم”. وهذا الحديث يتفاوت تخريج العلماء له بين الباطل والضعيف جدا.

وبالرغم من عدم ثبوت المعرفة بهذا المعنى الكشفي في نصوص القرآن والسنة، فقد جعلها المتصوفة أعلى من العلم نفسه، ورأوا أنها لا تتحقق إلا لمن يسلك طريقهم، بل جعلوا منها غاية الإنسان وهدفه الأسمى.

قال أبو على الدقاق “المعرفة توجب السكينة في القلب، كما أن العلم يوجب السكون ، فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته ” [الرسالة القشيرية، ص312].

2- الغاية من الوجود: ينص القرآن الكريم على أن غاية خلق الإنسان هي عبادة الله، فيقول تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، لكن المتصوفة جعلوا المعرفة نفسها هي الغاية، وهي مفهوم يشمل محبة الله وإشراق نوره على القلب، كما يشمل أيضا الاتحاد بالله (الفناء) عند غلاة المتصوفة.

وينتشر في كتب الصوفية حديث قدسي ينسب إلى الله تعالى القول: “كنت كنزاً لا أُعرف، فأحببت أن أُعرف فخلقت خلقاً فعرّفتهم بي فعرفوني”، وكأن غاية الخلق كله هي أن يُعرف الله من قبل خلقه، لكن هذا الحديث موضوع مكذوب كما يقول العجلوني، وينقل ذلك عن ابن تيمية والزركشي وابن حجر والسيوطي وغيرهم [كشف الخفاء: رقم 2016].

يقول ابن خلدون عن المتصوفة “ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام، إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة” [المقدمة، ص585].

وحتى معتدلو الصوفية الذين لم يقولوا بالاتحاد والحلول جعلوا المعرفة هي الغاية، ومنهم الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي قال “الزهد عمل ساعة، والورع عمل ساعتين، والمعرفة عمل الأبد” [فتوح الغيب، ص171].

ومن المعاصرين الشيخ محمد سعيد البوطي الذي قال في سياق إجابته على إحدى الفتاوى “القصد من السلوك إنما هو المحافظة على القلب السليم, وإحاطتُه بذلك المنهج النبوي القويم للوصول إلى المأمول الأسمى وهو المعرفة، على ميزان قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)” [موقع نسيم الشام، الفتوى رقم 46686].

الكشف والعقل
قلل معظم الصوفية من شأن الدليل العقلي والنقلي في مقابل الكشف والوجد والذوق، فالإلهام في عرفهم هو مصدر المعرفة الحقيقية التي يستبعد معها إمكان الخطأ، حتى وصل الأمر بالغلاة منهم إلى التخلي عن العلم الشرعي نفسه، ونصحوا مريديهم بالاجتهاد في كشف الحجب لا جمع الكتب، فشاعت بينهم مقولة “دع علم الورق وعليك بعلم الخِرق”.

والإلهام كما يرونه هو حصول المعرفة بغير أسباب ولا اكتساب، إذ يهجم على القلب كأنه ألقي فيه، فلا يدري العبد كيف حصل له ومن أين حصل، وبالغ بعضهم عندما عدَّ الكشف أصلاً زائداً على الكتاب والسنة، يمكن أن تثبت به عقائد غيبية لم ترد فيهما، وهو الذي قاد إلى اعتقاد العصمة في المشايخ (الأولياء).

ومن أخطر الأمور التي تسربت إلى التصوف من الأديان الباطنية ما ذهب إليه بعضهم من التحلل من التكاليف الشرعية، بدعوى أن الأوامر والنواهي رسوم العوام، وأن هدف التكاليف حصول المعرفة في القلب، فإذا حصلت فلا ضرورة لها، واحتجوا بقوله تعالى {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99] ففسروا اليقين بالعلم وقالوا إذا حصل العلم سقطت العبادة، لكن عقلاء الصوفية ردوا بشدة على هذا الغلو فقال الجنيد إن من يسرق ويزني أحسن حالاً من هؤلاء.

وعموماً فإن هذه المعرفة الوجدانية لا يمكن إقامة دليل عليها، لأنها نتاج تجربة فردية وربما تكون في كثير من مراحلها خارج حدود الزمان والمكان، ومن ثم لو ثبتت العلوم بالإلهام لا يبقى للتفكير العقلي والعلم التجريبي أي معنى، وحتى لو كان صحيحا فهو حجة باطنة تخص صاحبها ولا يمكن إلزام الآخرين بها، فلا توجد ضوابط تحكم المعرفة الإلهامية بحيث يعرف صحتها من بطلانها، ولا يمكن أن يعرف صاحبها نفسه ما إذا كانت إلهاما من الله أو وسوسة من الشيطان، ولو صدّق كل امرئ بما ادعى لما ثبت حق ولا بطل باطل.

التأويل الباطني
يرى المتصوفة أن للنص ظاهرا وباطنا، سواء كان نصا قرآنيا أو حديثا شريفا أو من أقوال شيوخهم التي يسمونها بالفتوحات، ومن هذا المنطلق ظهر ما يسمى بالتفسير الإشاري، وهو أحد أشكال التأويلات الباطنية للقرآن الكريم، حيث يرى أصحابه أن للقرآن معنى باطنا خفيا لا يظهر لعامة الناس، ولا حتى لعلماء الشريعة، وإنما يظهر لخاصتهم ممن فتح الله قلوبهم بعد المجاهدة وفقا لطرقهم المعروفة، ويعتبرون هذا العلم من العلم “الوهبي” و”اللدنّي”، أي أنه هبة من الله ومن لدنه مباشرة (بالكشف والإلهام)، فهو ليس علما كسبيا كالذي يكتسبه علماء الشريعة بالدراسة والتعلم.

وقد شرح الشيخ الصوفي سهل التستري هذا التفسير بقوله “ما من آية في القرآن إلا ولها أربعة معان، ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد حلالها وحرامها، والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقهاً من الله عز وجل، فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه والمراد به خاص”.

وربما بالغ بعض المتصوفة في هذا التفسير حتى أصبح لكل كلمة في القرآن معنى آخر خفي، وهم غالبا يبحثون في ذلك عن معاني تتعلق بالجانب الروحي وتزكية النفس. وأتاحوا بذلك -ربما عن غير قصد من قبل البعض- الفرصة لتمييع النص القرآني وإعادة تأويله بما يوافق هوى أصحاب البدع والخرافات والأفكار المستوردة.

ويعد الشيخ العراقي محمود الألوسي من أعظم العلماء الذين كتبوا في التفسير الإشاري، وذلك في كتابه الضخم “روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسَّبع المثاني” الذي وضعه في القرن الثالث عشر الهجري (العصر العثماني)، فكان يورد فيه تفسير الآيات حسب الظاهر، ثم يشير إلى بعض المعاني الخفية التي تستنبط بطريق الرمز والإشارة.

ويؤكد بعض العلماء أن أصحاب هذا النوع من التفسير لم يكونوا يدّعون أن كلامهم في ذلك تفسير للقرآن، بل يعنون أن الآية تصلح للتمثل بها في الغرض المتكلم فيه، فسمّوها إشارات ولم يسموها معاني. لذا قال ابن تيمية إن كانت الإشارة اعتبارية من جنس القياس الصحيح فهي مقبولة، وإن كانت تحريفا للكلام عن مواضعه وتأويلا له على غير تأويله فهي من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية [انظر مقال الإسماعيلية]. أما تلميذه ابن القيم فقال إن كان المراد بتلك الإشارات أنها هي مراد الله فهي غلط، وإن أراد أصحابها أنهم يقولون بها عن طريق الإشارة والقياس فكلامهم مقبول بشرط ألا تناقض الإشارة المعنى الظاهر للآية، وأن يكون معناها صحيحا في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعار به، وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.

الولاية
للولاية معان عديدة، لكن المقصود بها هنا صفة أطلقها القرآن الكريم على فئة من الناس، فقال {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62-63]، أي أن أولياء الله هم الذي يجمعون صفتي الإيمان والتقوى، فيحققون الإيمان قولا وعملا، ويجمعون معه أنواع القربات والطاعات ويتجنبون المعاصي والذنوب.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه” [رواه البخاري]، وصفة الولي في هذا الحديث الصحيح تنطبق على من يتقرب إلى الله بالفرائض ويكثر من النوافل، حتى يصل إلى مرتبة الإحسان التي وصفها حديث آخر يقول “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وعند هذه الدرجة من القرب إلى الله تصبح جوارح الولي كلها مسخرة لإرضاء الله، ويصبح دعاؤه مجابا.

ويمكننا أن نقول إن كبار الصحابة كانوا يجسدون بسلوكهم هذا المعنى العملي لأولياء الله، حيث يقول عنهم الشوكاني في تفسيره: “فإذا لم يكونوا رأس الأولياء، وصفوة الأتقياء، فليس لله أولياء ولا أتقياء ولا بررة ولا أصفياء” [تفسير الشوكاني: 5/288].

ومن المعروف أن كبار الصحابة كانوا يساهمون في بناء المجتمع والدولة ويلتمسون رزقهم بالتجارة والزراعة والحرف اليدوية كأي عضو آخر في المجتمع، ولم يتميز أحدهم بأي سمة من سمات الكهنوتية والرهبنة المعروفة في الأديان الأخرى.

لذا يرى ابن تيمية في رسالة “الصوفية والفقراء” أن الأولياء هم المؤمنين المتقين، “سواء سُمِّي أحدهم فقيهًا أو عالمًا أو تاجرًا أو جنديًّا أو صانعًا أو أميرًا أو حاكمًا أو غير ذلك”، ويؤكد في كتابه “الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان” أنه “ليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور والمباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفر إذا كان مباحًا… فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزرَّاع”.

لكن واضعي نظريات التصوف الفلسفي كان لهم رأي آخر، فمع أن الآيات والأحاديث التي ذكرت الولاية لم تعطها أي بعد آخر يفوق ما ذكرناه، إلا أن الاعتقاد بالمعنى الباطني الخفي للنص منحهم فرصة لتمرير عقيدة الحلول من باب التأويل، فجعلوا الولاية مرتبة تفوق مراتب البشر –بما فيهم الأنبياء عند بعض الغلاة- والأصل في ذلك هو عقيدة وحدة الوجود (اتحاد الإله بالكون والإنسان في أصل واحد) وعقيدة الحلول، حيث يقول القطب الصوفي محمود أبو الفيض المنوفي في كتابه جمهرة الأولياء وأعلام أهل التصوف إن “الولاية عبارة عن تولي الحق سبحانه وتعالى عبده بظهور أسمائه وصفاته عليه علماً وعيناً وحالاً وأثر لذة وتصرفاً”، ويضيف أن الولي الذي يصل إلى أعلى مراتب الفناء “لا يرى في نظره غير فعل الفاعل الحقيقي وهو الله”.

ومع أن حديث “فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به…” لا يؤدي إلى معنى الحلول الذي يتعارض جذريا مع عقيدة الإسلام، بل يستخدم الحديث ألفاظا مجازية لتوضيح فكرة موالاة الله لعباده الصالحين، إلا أن التصوف الفلسفي استغل هذا اللفظ الظاهري لتأويله باطنيا بما يؤدي إلى حلول الإله في الإنسان واتحادهما معا، حتى يتمتع الولي بجزء من صفات الإله ويصبح من أنصاف الآلهة، وعلى النحو الذي نجده في الهندوسية والقبالاه وغيرهما من الوثنيات الباطنية، مع أننا لا نجد نصا صحيحا واحدا يؤكد أن أحدا من الصحابة أو التابعين قد فهم المعنى المجازي للحديث السابق بهذه الطريقة.

وكما فعل الشيعة في توظيف نظرية الإمامة عبر منح الأئمة (من سلالة النبي) صفات تكاد تشبه صفات الأنبياء، وربما تزيد عنها عند بعض الغلاة، فقد جعل بعض الصوفية من الانتساب إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ميزة كبيرة تسهّل على الإنسان اكتساب صفة الولاية، حتى ادعى الكثيرون عبر التاريخ الانتساب إلى النبي لهذه الغاية، ومن الملاحظ أن معظم أقطاب الصوفية ومشايخها -وربما كلهم- يفخرون بنسبهم الممتد إلى النبي.

يعد المتصوف محمد بن علي بن الحسن الترمذي (يلقب بالحكيم وهو ليس عالم الحديث محمد بن عيسى الترمذي مؤلف سنن الترمذي) أول من وضع أصول الولاية في الفكر الصوفي، وذلك عبر سلسلة من الكتب كان أولها “خاتم الأولياء” في أواخر القرن الثالث الهجري، فقال فيه إن هناك طريقين للولاية، الأول هو طريق الصدق والجهد والعبادة عبر أداء الواجبات والنوافل، والثاني هو طريق المنَّة والوَهْب والعبودية، ومع أن الأحاديث والآيات المذكورة أعلاه لا تصف إلا الطريق الأول فقط؛ فقد جعل بعض المتصوفة الطريق الثاني (الذي لا أصل له) هو الأساس، ما فتح الباب أمام العوام والجهلة، وحتى الفسّاق، لادعاء الولاية واجتذاب الأتباع، بل أصبح المصابون بأمراض عقلية من أهل الولاية باعتبارهم “مجاذيب”، أي أن الله جذبهم إليه وأسقط عنهم التكاليف، حيث نرى اليوم في الزوايا الصوفية عددا من هؤلاء المرضى الفقراء الذين وجدوا لهم مأوى هناك بينما يعتقد كثير من العوام أنهم ليسوا سوى أولياء صالحين يُتبرك بهم.

ابتدع المتصوف الترمذي أيضا نظرية جديدة في مفهوم الولاية، فقال إن نبوَّة الأنبياء ورسالة الرسل لهما نهاية وحدّ في هذه الدنيا؛ وتتوافق نهايتهما مع نهاية العالم ورجوع مخلوقاته إلى خالقها، أما صفة الولاية فهي أبدية، مستخدما التأويل الباطني لكلمة “الولي” التي أطلقها الله أيضا على نفسه بقوله {الله ولي الذين آمنوا} حيث لم يصف الله نفسه بالنبوة في المقابل، وهذه مغالطة واضحة فالولاية مصطلح لغوي يعني المحبة والنصرة، وإذا كانت تُطلق على الخالق والعبد بمعنيين مختلفين فهذا لا يعطي المصطلح نفسه أي ميزة عن مصطلحات أخرى، وإلا وجب التأمل أيضا في استخدام القرآن لكلمة الولاية في معنى الشر عندما تحدث عن “أولياء الشيطان”. ومع ذلك فلم يزعم الترمذي أن الولي أفضل من النبي؛ بل جعل صفة الولاية في شخص النبي صفة أبدية بينما تنتهي صفة نبوته بانتهاء العالم، لكن هذا التمييز والتأويل الباطني فتح الباب لمن جاء بعد الترمذي كي يصل به الحال إلى تقديم الولي على النبي، كما فعل غلاة الشيعة ممن قدموا الأئمة على الأنبياء.

تطورت نظرية الولاية في القرن الرابع الهجري على يد أبي بكر الكتاني الذي ابتكر فكرة مراتب الأولياء، فجعلهم على درجات هي: النقباء والنجباء والبدلاء والأخيار والعمد والغوث والسياحون، وفي أواخر القرن جعل أبو طالب المكي الولاية في ثلاث مراتب هي الأقطاب والأوتاد والأبدال، ثم وضع علي بن عثمان الهجويري مرتبة الغوث فوق القطب في كتابه “كشف المحجوب”.

في القرن الخامس الهجري، حاول الشيخ القشيري في كتابه “الرسالة” أن يجنب التصوف الكثير من الخرافات والبدع، وكان حريصا على أن يُظهر الولي في صفة العابد الزاهد دون مبالغة، ونقل عن السُّلمي قوله “نهايات الأولياء بدايات الأنبياء”، إلا أنه رأى أن من شرط الولاية أن يكون الولي محفوظًا، كما أنه من شرط النبي أن يكون معصومًا، وهذا الادعاء لا دليل عليه.

وفي القرن التالي، وضع محيي الدين بن عربي -الملقب بالشيخ الأكبر والمتوفى عام 638هـ الموافق 1240م- نظاما متكاملا لمفهوم التصوف الفلسفي للولاية، مبتدئا بالحديث عما أسماه “الحقيقة المحمدية”، وهي حسب رأيه النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء، وهي أول مرحلة من مراحل التنزل الإلهي في صور الوجود، وهي الصورة الكاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه حقائق الوجود، والمشكاة التي يستقي منها الأنبياء والأولياء العلم الباطن.

 فكرة “الحقيقة المحمدية” تكاد تتطابق مع مفهوم وضعه الشيعة قبل ابن عربي هو “النور المحمدي”، وهي تشبه أيضا فكرة مركزية المسيح في العالم وأزليته حسب عقيدة المسيحيين، وتبدو مقتبسة من فلسفة القبالاه التي تحدثت عن “الإنسان الكامل” المتجسد في آدم عليه السلام “آدم قدمون”، حيث كان جسمه يعكس التجليات النورانية العشرة (سفيروت).

وفي كتابه المعروف “ختم الولاية”، حدد ابن عربي نظاما هيكليا لمراتب الأولياء، وبشكل يذكّرنا بدرجات الترقي في الجمعيات السرية، مستندا في ذلك بالدرجة الأولى إلى مشاهداته الكشفية الوجدانية حسب قوله، كما وضع ابن عربي أجوبة على الأسئلة المائة والسبعة والخمسين التي وضعها الترمذي لتحديد مفهوم الولاية وصفاتها في كتابه “الفتوحات المكية”، وأهم هذه الأسئلة: كم عدد منازل الأولياء؟ أين منازل أهل القُربة؟ من الذي يستحق خاتم الأولياء كما يستحق النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة؟ ما سبب الخاتم وما معناه؟ أين مقام الأنبياء من الأولياء؟

حدد ابن عربي في كتاب “الفتوحات المكية” نحو ثمانين مرتبة من مراتب الأولياء والمتصوفة، ثلاثون منها محفوظة برجال يتقيدون في كل زمان بعدد مخصوص، وعلى رأس الأولياء هناك قطب غوث واحد يتسيد أولياء العالم في زمانه، ولم يكتف ابن عربي بهذا بل عدد خمسة وعشرين قطبا من آدم وحتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تحدث ابن عربي أيضا عن “الأوتاد الأربعة” يتولى كل منهم ربع العالم بحيث يحفظ الله بهم سكان الأرض، ثم يأتي في المرتبة التالية سبعة أبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، وكل بدل منهم “على قدم” نبي من الأنبياء، مع افتراض أن كل نبي من أولئك الأنبياء يسكن في إحدى السموات السبع. ثم يليهم اثنا عشر نقيبًا على عدد بروج الفلك، فيتمتع كل واحد منهم بخاصية برج ما (وفقا للعقائد الهرمسية التي تعطي الكواكب وظائف تشبه الملائكة). وبعد النقباء يأتي ثمانية نجباء، ثم الحواريون، ثم الرجبيون، وهم أربعون شخصًا في كل زمان.

وبعد نحو قرنين من ابتكار الترمذي فكرة “ختم الولاية” دون أن يوضح من هو خاتم الأولياء، جاء محيي الدين ابن عربي ليطرح نظرية أوسع ويحاول الإجابة على السؤال، فقال إن هناك ختما يختم الله به الولاية على الإطلاق على يد عيسى عليه السلام، لأنه سينزل في آخر الزمان وارثًا خاتمًا، وأضاف أن هناك ختما آخر يختم الله به الولاية المحمدية، ثم قال إنه التقى بشخص في فاس هو خاتم الولاية المحمدية، غير أن ابن عربي أعلن لاحقا أنه هو نفسه خاتم الولاية المحمدية متحدثا عن رؤى بشرته بذلك في المنام، بحسب ما ينقل عنه المستشرق ميشيل شودكيفِتش في كتابه “خاتم الأولياء: النبوة والولاية في مذهب ابن عربي”.

وبعد أن استعرض شودكيفِتش مؤلَّفات الصوفية ممن جاء بعد ابن عربي، وجد أن كل جماعة كانت تزعم أن شيخها هو خاتم الولاية المحمدية، بينما ما زال تلامذة ابن عربي يؤكدون أن شيخهم هو الخاتم.

ولا ينكر المتصوفة أن كل هذه الألقاب والدرجات لا أصل لها في القرآن والسنة، فهي تُنسب إلى الشيوخ الذين ادعوا تلقي هذه النظريات عن طريق الكشف، ويستثنى فقط لفظ “الأبدال” الذي جاء في حديث منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو “إن فيهم -يعني أهل الشام- الأبدال أربعين رجلا، كلما مات رجل أبدله الله مكانه رجلا”، ويرجح ابن تيمية في الجزء الحادي عشر من مجموع الفتاوى أن هذا ليس من كلام النبي، فالإيمان كان بالحجاز وباليمن قبل فتوح الشام، ومع إقراره بالأحاديث التي ذكرت فضائل الشام وأهلها إلا أنه يتساءل: كيف يعتقد أن الأبدال جميعهم الذين هم أفضل الخلق كانوا في أهل الشام‏ فقط؟‏

ولا نستبعد أن يكون أصل نظرية الولاية مقتبسا من “الأفلاطونية الجديدة” التي طورت نظرية الفيض، وهي النظرية التي نجدها بوضوح لدى القبالاه، وهي تفترض انبثاق الإنسان عن الإله وإمكانية ارتقاء الإنسان للاتحاد به، وهو ما نجده أيضا في الهندوسية والبوذية، فالصفات التي يكتسبها الولي بعد بلوغه درجات الأبدال والأقطاب تشبه كثيرا صفات الإنسان “المستنير” لدى تلك الوثنيات الباطنية، وهي تشبه أيضا صفات آلهة الأولمب في الميثولوجيا اليونانية التي تتخيل وجود آلهة على هيئة البشر ولديهم شهوات ونزوات وصراعات، إلا أنهم خارقون وخالدون ويسيّرون شؤون العالم [انظر مقال الوثنية].

الديوان الصوفي العالمي
تعد القرون الثلاثة الأخيرة من أكثر المراحل التي شهد فيها العالم الإسلامي تراجعا حضاريا وفكريا، وذلك بالتوازي مع صعود المنظومات الأسطورية لكافة الطوائف المنتسبة للإسلام، ومنها التصوف، لذا وجد البعض في هذه البيئة مجالا أوسع لطرح نظريات باطنية لا تكاد تستند إلى أي أصل قرآني، ومنهم أحمد بن مبارك السلجماسي المغربي (المتوفى عام 1743) الذي تتلمذ على يد شيخ يدعى عبد العزيز الدباغ، وهو رجل أمي قيل إنه تلقى الكشف والعلم اللدني دون تعلم ولا طلب فصار من كبار الأولياء، وقد وضع السلجماسي كتاب “الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز” قائلا إنه جمع فيه أهم مأثورات شيخه.

ومن أهم ما ورد فيه أن هناك ديواناً (مجلس أو مؤتمر) للأقطاب والأوتاد وسائر صنوف الأولياء ينعقد كل ليلة في غار حراء، حيث يتصدره القطب الغوث (وهو الدباغ نفسه)، ويجلس عن يمينه أربعة أقطاب على مذهب مالك بن أنس (لأن الدباغ كان مالكيا)، وثلاثة أقطاب عن يساره واحد من كل مذهب، وقد يحضر الجلسة بعض الأموات الذين لا يُعرف أنهم مجرد أرواح بلا أجساد إلا بالنظر إلى انعدام ظلهم، ويقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قد يحضر جلسات هذا الديوان أحيانا، وقد “يحضر معه أزواجه الطاهرات وأكابر صحابته الأكرمين”، كما يحضر الجلسة في ليلة القدر عدد من الأنبياء والملأ الأعلى من الملائكة.

ويضيف أن لغة أهل الديوان هي السريانية لأنها لغة الملائكة، وأنهم “لا يتكلمون العربية إلا إذا حضر النبي صلى الله عليه وسلم أدباً معه”، ويقول أيضا إن الغوث قد يغيب أحيانا عن بعض الاجتماعات فيقع الخلاف بين الحاضرين إلى درجة أن يقتل بعضهم بعضاً.

أما هدف الاجتماع فهو أن يتفق الأولياء على “ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله من الغد… ولهم التصرف في العوالم كلها السفلية والعلوية وحتى في الحجب السبعين وحتى في عالم الرقَّا وهو ما فوق الحجب السبعين.. إلخ”، وكأن الأولياء بذلك هم نسخة عن آلهة الميثولوجيات القديمة.

تقديم الولي على النبي
كما هو حال غلاة الشيعة الذين قدموا الأئمة على الأنبياء في بعض الصفات، فقد بلغ الغلو ببعض المتصوفة إلى رفع مقام الأولياء بالطريقة نفسها، واعتقدوا أن الأنبياء يكتفون بعلم الظاهر (الوحي والشريعة) بينما يختص الأولياء بعلم الباطن الذي يقتبسونه بالكشف والإلهام، وقد رفض المتصوفة المعتدلة هذا الغلو.

ومن أهم المبررات التي يقدمونها لهذا الاعتقاد قصة النبي موسى عليه السلام مع الخضر الذي يعتبرونه من الأولياء، حيث وصفته الآية بأنه من عباد الله {فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدنا علماً} [الكهف: 65]، ويقولون إن النبي موسى عليه السلام لم يستطع إدراك الحقيقة الباطنية وراء الأحداث التي مرت بهما، بينما أدركها الخضر بعلمه اللدني.

لكن الفخر الرازي يقول في تفسيره إن غالبية المفسرين من أهل السنة يرجحون أن الخضر كان نبيا وليس مجرد ولي، وهذا ظاهر في قول الخضر عندما برر أفعاله {وما فعلته عن أمري}، فقد فعلها بأمر الله الذي يتحقق بطريق الوحي، إذ لا تُعرف أوامر الله ونواهيه إلا بالوحي، ولا سيما قتل الأنفس وتعييب سفن الناس بخرقها، فهذا العدوان على الأنفس والأموال لا يجوز إلا بالوحي من الله، حيث حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي بقوله {قل إنما أنذركم بالوحي} [الأنبياء: 45].

ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي إن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها، والاستدلال بالأعم على الأخص في أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف، وهو أيضا ما يدل عليه تواضع موسى عليه الصلاة والسلام له في قوله {هل أتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رشدا} [الكهف: 66]، فالأصل أن يتبع الولي النبي وليس العكس، لكن موسى والخضر عليهما السلام كانا نبيين ولديهما علم من الغيب، وقد كشف الله للخضر بعض الحقائق التي حجبها عن موسى ليبين له وللناس من بعده أن العلم لا يكون كله عند نبي واحد حتى لو كان هو أعظم الأنبياء على الأرض في عصره. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 4/172، 173].

وإذا كانت نبوة الأنبياء تثبت بنزول الوحي المُعجز عليهم وبتحقق المعجزات على أيديهم؛ فإن ولاية الولي أمر محتمل لا يثبت مهما كان صاحبها صالحا، فإذا زعم أحد أنه وليّ ولديه علم لدنّي يأمره بأعمال تخالف الشريعة (مثل قتل النفس وإغراق السفينة) فلا يعقل أن نصدقه، وإلا أصبح الشرع عرضة للعبث على يد كل دجال طالما كان قادرا على التمثل الظاهري بصفات الأولياء من الصلاح والزهد.

نظرا لأهمية الخضر عليه السلام لدى المتصوفة، فقد زعموا أن الله مدّ في عمره إلى آخر الزمان، ما فتح الباب أمام ظهور حكايات اجتماع المشايخ بالخضر وتلقيهم الأسرار عنه، ثم أضاف البعض فكرة امتداد حياة النبيين إدريس وإلياس عليهما السلام، وهذه من أساطير بني إسرائيل والقبالاه التي تزعم أنهما هرمس وإيليا [انظر مقال الباطنية].
ومع أن بعض علماء المسلمين ذهبوا إلى التصديق بالمرويات التي تحدثت عن استمرار حياة الخضر، إلا أن ابن الجوزي أثبت في كتابه “عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر” أن كل تلك النصوص المرفوعة لم تكن سوى أكاذيب موضوعة، وهو ما أثبته أيضا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الجزء الثاني من كتابه أضواء البيان.

لذا قال ابن القيم إن العلم اللدني لا يعدو كونه فهما للكتاب والسنة بما لا يخالفهما، وهو ثمرة العبودية ومتابعة النبي، كما قال على بن أبي طالب رضي الله عنه (وهو من أولى الناس بالولاية) عندما سئل هل عندكم شيء مما ليس في القرآن أو ما ليس عند الناس؟ فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يُعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة، قيل وما في الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر” [صحيح البخاري: 6517].

كما قال عمر بن الخطاب في كتاب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: والفهم الفهم فيما أدلي إليك، فالفهم نعمة من الله على عبده، ونور يقذفه الله في قلبه، يعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره، مع استوائهما في حفظه، وفهم أصل معناه. [مدارج السالكين 3/382].

ملازمة الشيخ
يرى المتصوفة أن سبيل الدين غامضة وأن سبل الشيطان كثيرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة، والشيخ عندهم ليس مجرد معلم بل هو أيضا معنى مجرد (صورة مثالية) يجب على المريد أن يتمثله ويطبع نفسه عليه، وبدون ذلك لا يكون المريد صادقاً في سلوكه، فلا يظفر بالوصول مهما بذل جهده في الطاعات.

ومن المبالغات الواردة على ألسنة بعض المشايخ أن أهمية الشيخ للمريد كأهمية الوضوء للصلاة، وهم كعادتهم يستخدمون نصوصا وقواعد فقهية بمعان أخرى باطنية لتبرير قناعاتهم، فبرروا ضرورة التعلم على يد الشيخ بالقاعدة الفقهية المشهورة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.

ويشترط الصوفية أن يتخذ المريد شيخاً واحداً لا يحيد عنه، حتى قال ابن عربي “فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين ولا المكلف بين رسولين، ولا امرأة بين زوجين، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين” [الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية: 1/ 65].

وبالغ بعض الصوفية كثيراً في الشروط التي أوجبوها على المريد نحو شيخه، حتى أصبحت قيوداً على حريته وعقله، ويبدو أن الإفراط في طاعة المريد للشيخ والتسليم له باطناً وظاهراً ينبع من حرص شيوخهم على تأصيل مفهوم “عصمة الشيخ”، حتى زعموا أن “النبي معصوم والولي محفوظ”، ولم يقدموا فرقا بين العصمة والحفظ إلا في اللفظ، مع أن القشيري -وهو كبار الصوفية- حذر من الاعتقاد بعصمة المشايخ.

يظهر التأثير الهندوسي-البوذي في التصوف من خلال مراقبة مظاهر تبرك المتصوفة بشيوخهم واستحضارهم لهم في أذهانهم أثناء الذكر، حيث يستحضر البوذيون معلمهم بوذا أثناء ترتيل صلواتهم ويقولون في بدايتها “نستحضرك أيها القديس المستنير”.

ويظهر التأثير أيضا في لبس المريد الخرقة والمرقعة على يد الشيخ حتى يتميز بها عن بقية الناس، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يلبس المسلم لباسا يشتهر به، فجاء في الحديث الذي حسنه السيوطي والألباني “من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة، ثم يلهب فيه النار” [أخرجه أبو داود وابن ماجه].

ولتثبيت طاعة المريد للشيخ وضمان سيطرة المشايخ على أتباعهم، وضعوا شروطا لا أصل لها في الإسلام، ومنها:

أ- عدم مخالفة الشيخ  بالقلب والجوارح مطلقاً، فشعار بعضهم “كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي مغسله”، ومع أن القشيري أنكر عصمة المشايخ فقد طالب المريدين بالطاعة العمياء، فيقول “وأن لا يخالف شيخه في كل ما يشير عليه، لأن خلاف المريد في ابتداء حاله دليل على جميع عمره”، ويقول أيضاً “ومن شرطه أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه” [رسالة القشيري، ص182]، بل يقول السهروردي “أدب المريد مع الشيخ أن يكون مسلوب الاختيار لا يتصرف في نفسه وماله إلا بمراجعة الشيخ وأمره” [العوارف، ص403]. ومن لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به، وعليه أن يحذر “من سؤال لمَ، وعلام، ولأي شيء؟ [جواهر المعاني للتيجاني، 2/ 185] بل يطيع المريد شيخه ويتلقى منه كل شيء دون سؤال ولا فهم، حتى وصل الأمر بهم إلى اعتبار أن الشيخ “كعبة” المريد ولا يحصل له مدد وفيض إلا بواسطته [الأنوار القدسية 2/ 82، 84، 103]، وهذه الشروط لا تناسب دينا ربى أتباعه على الاستيثاق وعدم اتباع الظن والرجم بالغيب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا معصوم إلا الأنبياء.

ب ـ لا يجوز للمريد أن ينكر شيئاً على شيخه أبدا ولو ملك الدليل، بل لا يجوز أن يظن فيه خلاف الخير والحق، وبرروا ذلك بأنه قد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن، فيجب التسليم والصمت مهما فعل، وتنبع هذه المغالطة من عقيدتهم الباطنية التي تجعل لكل ظاهر باطنا قد يكون نقيضه، وهو أمر يفتح أبوابا لارتكاب الجرائم والفواحش، فقد يكون الشيخ دجالا أصلا وهو يفعل ما يحلو له دون أن يجرؤ المريدون على الاستنكار بذريعة عدم فهمهم لحقيقة أفعاله.

ج ـ أن يحفظ شيخه في غيبته كحفظه في حضوره، وأن يلاحظه بقلبه في جميع أموره سفرا وحضرا ليحوز بركته، وأن يرى كل بركة حصلت له في الدنيا والآخرة هي ببركة الشيخ، وألا يكتم على شيخه شيئاً من الأحوال والخواطر والكشوفات والكرامات، كما لا يشير على شيخه برأي حتى إذا استشاره، بل يردّ الأمر إلى شيخه اعتقادا منه أنه أعلم منه بالأمور وغني عن استشارته، وإنما استشاره تحببا ما لم تقم القرائن الواضحة على خلاف ذلك، وألا يجالس من كان يكره شيخه، وعليه أن يحب من يحبه، وأن يصبر على جفوة شيخه وإعراضه عنه، وألا يتصرف تصرفا من سفر أو زواج أو أي أمر مهم إلا بإذنه، ولم يقتصر الأمر على حال الشيخ في حياته، بل تعدى ذلك إلى ما بعد الموت، فمن زار شيخاً في قبره عليه ألا يعتقد أنه ميت لا يسمعه، بل يعتقد بحياته البرزخية لينال بركته [الأنوار القدسية 1/161].

ووصل الحال بالبعض إلى الاعتقاد بأن الشيوخ الكبار قد يُظهرون بعض المنكرات والفواحش -التي هي حسب زعمهم تصورات خيالية يراها غيرهم حقيقة- لكي يُخفوا عن الناس كونهم من الأولياء تواضعًا، وهذا ليس إلا من تلبيس إبليس عليهم، فهو أيضا من أبواب الخداع التي يمكن أن يمارس بها الدجالون الفواحش ويبررونها للجهلة، ويردّ عليهم ابن تيمية بقوله إن الأنبياء فقط يجب لهم الإيمان والطاعة فيما يخبرون به ويأمرون، أما غيرهم ولو كانوا أولياء فيُعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة، فما خالف رُد [الفرقان، ص31].

الكرامات
ذكرنا في مقال “نبوة محمد” أنه ليس هناك مانع عقلي من وقوع الخوارق التي تخالف العادة، فإذا منح الله هذه القدرة لأنبيائه كي يثبتوا نبوتهم فلا مانع شرعي وعقائدي أيضا من أن يمنحها تعالى لبعض عباده الصالحين، وهذه الخوارق تسمى معجزات في حال وقوعها على يد الأنبياء، بينما تسمى كرامات إذا حصلت لشخص مؤمن، وقد ثبت في الأحاديث وقوع الكرامات لعدد من الصحابة، وكانت إما لحاجة أو حُجّة في الدين، مثل دعوة مستجابة أو تكثير طعام أو عدم احتراق بالنار، ولم يُذكر أنها حدثت بتكلف أو طلب أو حرص من أحدهم، بل حدثت إكراماً لهم من الله أو استجابة لدعاء يرون فيه مصلحة ما، ويقول الإمام الشاطبي إن “طلب الكرامات ليس عليه دليل، بل الدليل خلاف ذلك فإن ما غيّب عن الإنسان ولا هو من التكاليف لا يطالب به” [الموافقات: 2/283]، وكان ابن تيمية يقول إن الوليّ يستحي من الكرامة كما تستحي العذراء من دم حيضها، أي أن الأولى به أن يخفي ما يكرمه الله به من كرامات حياءً من الله بدلاً من التباهي بها.

كما كان الصوفي الكبير السريّ السقطي يقول “لو أن واحداً دخل بستاناً فيه أشجار كثيرة، وعلى كل شجرة طير يقول له بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله، ولم يخف أنه مكر، لكان ممكوراً به” [بستان العارفين للنووي: 1/ 66]، أي أن الولي الحقيقي إذا تعرض لكرامة فإنه يشك في نفسه ويعتبر أنها امتحان من الله له، فلا يتباهى بالكرامة فضلا عن أن يصدّق في قرارة نفسه أنه يستحقها.

لكن التصوف الفلسفي جعل الكرامة عنصرا أساسيا في نظريته للولاية، فلا يصل المرء لدرجة الولاية إلا بعد ظهور الكرامات على يديه. وأصبحت الكرامات في عصور الانحطاط والجهل تُطلب بالرياضات النفسية والمجاهدات كما يطلبها ممارسو اليوغا وطقوس القبالاه الشاقة. وافترض منظرو التصوف الفلسفي أيضا أن الله يسخر للولي أجزاء معينة من العوالم الأرضية والسماوية والغيبية، فالكرامة لم تعد بذلك حدثا عارضا كما كانت تحدث المعجزات للأنبياء أنفسهم، بل أصبح الولي كائنا خارقا يتصرف في الكون تلقائيا بأسلوبه الخاص والمفارق للعادات وقوانين الفيزياء، وهو يفعل ذلك بثقة تامة وبيقين دائم بأن قوانين العالم المادية ستُخرق على يديه في كل مرة، وهذا ما تعِدُ به القبالاه من ينتسب إليها.

ومع امتداد الزمن وقلة العلم في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، ولا سيما في الدول التي يحكمها الاستبداد وفي الأرياف النائية، أصبحت الكرامات جزءا أصيلا من الأساطير الشعبية (الفولكلور) التي تروى عن الأبطال الخارقين، وما زالت هذه الحكايات تروى إلى اليوم عن أفعال تتناقض مع الدين والعقل والأخلاق، بينما يمارس آخرون السحر والشعوذة والدجل تحت مسمى الكرامات للسيطرة على العوام والتكسب من أرزاقهم.

في القرن السابع الهجري، وضع عبد الرحمن بن عمر الجوبري كتابا تحت عنوان “المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار” وذكر فيه تفاصيل مئات الحيل والخدع التي كان المنتسبون للصوفية في عصره يخدعون بها الناس للظهور في مظهر الأولياء الصالحين، وهي تشبه تماماً ألعاب الخفة التي يقدمها محترفو العروض الترفيهية، ومنها مثلا دهن اليد بمسحوق يؤخذ من دهون الضفادع فتشكل طبقة عازلة يمكن بها إشعال اليد بالنار دون أن تتأذى.

تهذيب النفس
يسعى المتصوف إلى تهذيب نفسه وتطهير قلبه من الرذائل والخطرات الشيطانية، حتى يرى نفسه “كأنه محل للأرجاس ومقامه دائما تحت أقدام الناس”، حسب وصف عبد الوهاب الشعراني في كتاب الأنوار القدسية، وللوصول إلى ذلك يتبع المريد عدة وسائل، وسنذكر فيما يلي موجزا لأهم خمسة منها، وهي الخلوة والمجاهدة والرهبنة والذكر والتوكل:

الخلوة والانقطاع عن الخلق، حتى تظاهر بعضهم بالخرس والجنون كي ينفر الناس عنه فلا ينشغل عن ربه، فحُمل مرارا إلى المارستان (مشفى الأمراض العقلية)، كما أقام بعضهم مدة طويلة وحيدًا في الصحراء وخرائب العمران كي لا يختلط بالناس.

فالعزلة عندهم طريق للأنس بالله؛ وهي ضرورية أيضاً لتحقق الكشف، ولتحقيق بعض الصفات الحميدة، والعزلة جسدية لا معنوية؛ وعلى السالك (أي المريد) أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره وليس العكس، بل يستصغر نفسه ويتواضع.

ويرى بعضهم أن هناك قدرا من العزلة مفروض وواجب، ويستشهدون بالحديث النبوي “من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه” [رواه أحمد]، مع أن الحديث لا يتضمن أي أمر شرعي.

وفي ميزان الشرع، قد تؤدي العزلة إلى ترك الواجبات الشرعية والسنن مثل حضور الجنائز وصلاة الجماعة، ويقول ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر “كم فوتت العزلة عِلما يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بليَّة هلك بها الدين، إنما عزلة العالم عن الشر فحسب”.

والعزلة المشروعة التي استحسنها بعض السلف هي ترك فضول الصحبة (أي مبالغة الاختلاط بالناس) وليس مفارقتهم مطلقاً، فالعزلة بالمعنى الصوفي لا يجوز أن تكون قاعدة عامة، وإنما هي تدريب تربوي يلجأ إليه الفرد بين الحين والآخر دون أن يقاطع المجتمع ويتخلى عن واجباته ويقصر في حقوق الآخرين.

ويقول الحديث النبوي “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم” [أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن].

أما اعتزال الفتن والبيئة السيئة فهو أمر آخر، حيث نصح بها النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال الفتنة عندما يصعب اتقاء شرها، فقال “يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن” [البخاري: 19]، وعلق ابن حجر العسقلاني بقوله إن الحديث يدل على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، ونقل عن جمهور السلف أن الاختلاط أولى من العزلة، وهو ما أكد عليه النووي أيضا بقوله إن المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى.

وفي كتابه “تلبيس إبليس”، تساءل ابن الجوزي كيف يتأكد الصوفي الذي يعزل نفسه عن الناس فترة طويلة ويحرم نفسه من الطعام أنه لن يصاب بالماليخوليا (مرض عقلي)؟ وأن ما يسمعه من كلام باطني -والذي يعتقد الصوفي أنه هاتف إلهي خاص به- ليس سوى هواجس نفسية أو وساوس شيطانية؟ خصوصا وأن الصوفي الذي يمارس هذه الخلوة لا يسلك سنة النبي في ترويض النفس، وقد قال صلى الله عليه وسلم “من رغب عن سنتي فليس مني” [رواه البخاري ومسلم].

مجاهدة النفس للحد من شهواتها، وهذا مسلك جيد في التربية غير أنه بلغ تجاوز إزالة المرض حتى كاد أن يزيل النفس ويمحو أثرها ويعطل طاقاتها، فنجد في كتب بعض أئمة الصوفية قصصا عجيبة من هذا المبالغات، ومنها ما أورده الغزالي في “إحياء علوم الدين” عن رجل كلَّم امرأة فضعفت نفسه ووضع يده عليها، وعندما ندم وأراد أن يعاقب نفسه وضع يده في النار حتى يبست، ورجل آخر نظر إلى محاسن امرأة، فعاقب نفسه بضرب عينه بيده حتى عميت.

وشدد ابن الجوزي على أنه لا يجوز للإنسان أن يفعل بنفسه ذلك، فالمعاقبة تكون بالامتناع عن المباح حتى تتأدب النفس وليس بفعل الحرام وهو إيذاء الجسد، فمن يشدد على نفسه من غير ضرورة لا بد أن يصل إلى الابتداع؛ لأن الشرع لم يصل بتكاليفه الواجبة إلى درجة تعذيب النفس.

لذا انتقد ابن عطاء الله السكندري هذا الغلو عند الصوفية وقال “لم تأت الشرائع بمنع الملاذ للعباد، وكيف وهي مخلوقة من أجلهم؟” [التنوير في إسقاط التدبير، ص41].

ومن مجاهداتهم أيضاً التحقق بالفقر، وهو من مقامات الزهد التي لا تكتفي بالجانب الروحي المتمثل بالافتقار إلى الله وإنما تشمل الجانب المادي؛ فيرون أن الصوفي الحق كلما ازداد فقراً ازداد قرباً من الله؛ بل جعله أبو محمد رويم والسُهروردي أساس التصوف نفسه.

وقد وُجد هذا الترغيب في الفقر لدى أديان أخرى مثل المسيحية، إلا أنه بعيد عن منهج الإسلام ولا يمثل حقيقة الزهد المشروع؛ حيث أودع الله في النفس غريزة حب المال لكي يتحقق صلاح الدنيا وإعمار الأرض، ولو كبت الناس كلهم هذا الدافع تعطلت مصالح الفرد والجماعة، وقد أرشد الله الإنسان إلى ما فيه خيره، فقال: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

والإسلام لا يحارب الغنى وإنما يأمر بتسخير المال لمرضاة الله، والتمتع به مادام مباحاً لا يشغل عن الطاعة، فقال تعالى {قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٢].

لذا قال ابن تيمية إن الزهد المشروع هو”ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله، وترك ما لا يستعان به على طاعة الله من مال ومطعم”، وعندما سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدا؟ قال: نعم بشرط ألا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت.

3- الرهبنة: نظر بعض الصوفية إلى الزواج على أنه شأن دنيوي يشغل عن التقرب إلى الله، فقال أبو سليمان الداراني “من تزوج فقد ركن إلى الدنيا”، وبعضهم استند في ذلك إلى الحديث الموضوع “خيركم بعد المئتين رجل خفيف الحاذ، قيل يارسول الله: وما الخفيف الحاذ؟ قال: الذي لا أهل له ولا ولد”.

وقد خفف بعض الصوفية من هذا الغلو، فالغزالي لم يدع إلى ترك الزواج مطلقاً وإنما إلى تأخيره في حق المريد المبتدئ، أما الذي لا يقدر على التعفف فالنكاح في حقه أولى لتسكين الشهوة كما يقول في كتاب الإحياء.

لكن النبي أنكر على من ترك الزواج بدافع الانقطاع للعبادة بقوله: “من رغب عن سنتي فليس مني” [صحيح البخاري: 5063]، فالزواج ليس علاجا لتطهير النفس من الرذائل بل هو عامل مهم في تزكية النفس وإصلاح المجتمع، والتزكية لا تتحقق بتضييق مسالك الفطرة وإماتة الغرائز نهائيا، فليس مقصود الشرع قمع الشهوات وإنما تهذيبها، فحذر النبي من تشدَّد في الدين وأرهق نفسه بقوله “هلك المتنطعون” [صحيح مسلم: 2670].

لوحة تعود إلى القرن التاسع عشر لصوفي من شمال أفريقيا يحمل سبحة

4- الذكر: إذا كانت العبادة قاسما مشتركا بين المسلمين فالمتصوفة تميزوا بالذكر، فهو عمدة الطريق إلى الله عندهم، وهو أول خطوة على طريق المحبة، فمن أحب غيره تذكره وردد اسمه.

والذكر عندهم باللسان والقلب، والدراويش يمارسونه جماعيا وعلنيا، ويتعلمونه عن طريق شيخ حي أو على يد الخضر (وهو نبي يزعمون أنه ما زال حيا ويتصل بكبار شيوخهم)، ويعتقدون أن الوِرْد نصيب يومي من الذكر يقرؤه المريد ويتعاهد نفسه عليه كأنه فرض، ولكل طريقة صوفية تقريبا ورد خاص أو مجموعة أوراد، وربما يؤمن بعضهم أن النبي نفسه قد أعطى الورد لشيخهم، كما يردد البعض أورادا يعتقدون أنها تعود للنبي بسند متصل أو إلى الخليفة الأول أبي بكر حيث علمه النبي الذكر بالقلب عندما كانا في الغار.

وقد يستخدمون السبحة لعد مرات الذكر، غير أن الصوفي الصادق لا يستخدمها كي لا تشغله عن ربه، وهو لا يبتدئ بالذكر إلا بعد أفعال تمهيدية، فيجلس على هيئة مخصوصة، ويستدعي صورة شيخه أمام عينيه، وغايته أن يصل إلى نقطة يتحد فيها الذكر والذاكر والمذكور، فيحقق بذلك “المشاهدة” وتصبح حقيقة الذكر هي نسيان الذكر نفسه والوصول إلى صمت تام، فيصير كل عضو من أعضائه قلبا يذكر الله.

وهناك أسلوب آخر يرتبط بالذكر، وهو تأمل كلمة “الله” المكتوبة في قلب الصوفي، إلى أن يصبح محوطا بالحقيقة النورانية لحرف الهاء، الذي هو على شكل حلقة (ه)، ومنهم من يكرر عبارة “لا إله إلا الله” بإيقاع وحركات معينة يمكن أن تستدعي حالة من السكْر (الغياب عن الوعي) ثم يستمر اختصار كلمة الله؛ فلا يبقى منها إلا حرفها الأخير “الهاء”، وتشكل بالفتح “هَـ” مع الالتفات إلى الكتف الأيسر، ثم بالضم “هُـ” مع الالتفات للأيمن، ثم بالكسر “هِـ” مع انحناء القامة، وفي الغالب يشكّلون حلقة ذكر جماعي حول الشيخ (القطب) واضعا كل واحد منهم يده اليمنى على اليد اليسرى لمجاوره، ويرددون معا الشهادة بعيون مغلقة حتى تختزل في حرف الهاء.

ولم يؤْثَر عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة شيء من هذه الشعائر، فالنبي كان يذكر الله “على كل أحيانه” [صحيح مسلم: 373]، وإذا قارنا هذه الشعائر بما ذكرناه من عبادات وطقوس في مقالَي الهندوسية واليوغا فسنجد الكثير من وجوه التشابه.

تتشابه طقوس بعض جلسات الذكر الصوفية “الحضرة” بطقوس الوثنيات الشرقية، حيث يمارس البوذيون جلسات صلاة (أو ذكر) جماعية تبدأ بترديد الراهب للأناشيد المقدسة (مانترات) بصوت ملحن، ثم يرددها الجالسون في حلقات محيطة به أو في صفوف أمامه بشكل جماعي مع التمايل.

كما تتشابه نظرية التصوف في التأمل بكلمة “الله” مع نظرية القبالاه اليهودية في ذكر كلمة “عين صوف”، وهي التي اقتبستها أيضا الهندوسية في تأمل كهنتها لكلمة “أوم”.

5- التوكل: مع أنه من المبادئ المعروفة في الإسلام إلا أن للصوفية تفسيرهم الخاص له، فهو عندهم ترك تدبير النفس وانخلاع من الحول والقوة، والاستسلام لجريان القضاء في الأحكام، ولا يصح إلا بإسقاط التدبير مع الله والاختيار، حتى لا يعتمد الصوفي على مطر في خروج زرع، ولا على غيم في نزول مطر.

وهذا الفهم يؤدي إلى ترك الأسباب، حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى التعطل وانتظار الرزق بلا عمل، وترك المريض بلا طبيب ولا دواء، مع أن الحديث النبوي يقول “تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع معه شفاء إلا الهرم” [مسند ابن أبي شيبة: 23883].

ويُعتقد أن مبدأ السياحة في الصحراء بدون حمل الزاد والمتاع، مع التبذل في المظهر (الدروشة)، قد اقتبسه المتصوفة من رهبان الهندوسية والبوذية، فبعضهم يعتبرونه نوعا من التوكل المطلق على الإله ويعرّضون أنفسهم للهلاك جوعا وعطشا في البراري تعذيبا للنفس، ويظنون أنهم يحققون بذلك كمال التوكل على الرازق، مع أنهم لا يمتنعون عن أخذ الرزق من الناس بدون طلب، وهذا يتعارض مع مفهوم التوكل والعمل الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله “اعقلها وتوكل”، بل يعتقد بعض الصوفية أن الادخار والاكتساب أيضا أمور لا تتناسب مع كمال التوكل.

ووصل الحال بهم إلى الإعراض عن التعلم معتقدين أن العلم يأتي عن طريق الكشف، مع أن كل الصحابة كانوا يطلبون العلم على يد النبي، ثم جاء التابعون ليتعلموا منهم، ولم يتلق أحد منهم العلم بقلبه وهو يعتزل الناس.

علاقة التصوف الفلسفي بالسحر
أوضحنا في مقال “الهندوسية والبوذية” أن القبالاه والهرمسية كانتا من أهم المؤثرات الباطنية الشيطانية التي تسللت إلى الهندوسية وأدت إلى ظهور مذاهب أكثر باطنية من الأصل الهندوسي الباطني، مثل مذهب الفيدانتا الذي يتوجه بالعبادة إلى الشيطان نفسه. وهذه الجرثومة تسللت أيضا إلى الجسد الإسلامي عن طريق العديد من المذاهب والفرق، ومنها التصوف الفلسفي، فمن خلال ما سمي بعلوم الحروف والأسماء والدوائر نجح أساتذة السحر بإقحام طلاسمهم في التصوف تحت غطاء ديني بحت، وبطريقة مازالت متداولة حتى اليوم في الكثير من المناطق التي يسودها الجهل، حيث يلبس الساحر زي المتصوف العارف بالله وبأسرار التأويل، فيختلط على العوام الدينُ مع نقيضه كما اختلط لدى الأمم السابقة الوحي بالسحر، مع الفارق المتمثل بأن أصل القرآن محفوظ من الضياع بوعد إلهي متحقق.

يصعب تتبع بداية هذا التغلغل الشيطاني في التصوف، حيث نجد لدى الكثير من كبرى الطرق الصوفية نصوصا سحرية مدسوسة على كبار شيوخها، وهي في معظمها توسلات بأسماء الشياطين باللغة السريانية. ويقول محمود المراكبي في كتابه “العقائد الصوفية في ضوء الكتاب والسنة” إنك إذا سألت أي صوفي عن الأسماء السريانية المنتشرة في ورده الذي تلقاه عن شيخه فسيقول لك إنها لغة الملائكة، وهو يعتقد أنه يتوسل بها إلى الله بأسماء سريانية أو يستغيث بأحد الملائكة دون أن يعلم أنها أسماء شياطين.

ويرصد المراكبي نصوصا سحرية كثيرة في أوراد كبرى الطرق المعروفة، ونذكر منها هذه الأمثلة:

1- وِرد منسوب للشيخ عبد القادر الجيلاني: “وأسألك الوصول بالسر الذي تدهش منه العقول، فهو من قربه ذاهل، أيتنوخ، يا ملوخ، باي، وامن أي وامن، مهباش الذي له ملك السموات والأرض”.

2- ورد “الحزب الكبير” المنسوب للشيخ الدسوقي: “اللهم آمني من كل خوف، وهم وغم، وكرب كدكد كردد كردد كردد كرده كرده كرده ده ده ده ده ده الله رب العزة”.

3- أوراد عديدة ذكرها محمد عثمان عبده البرهاني في كتابه “تبرئة الذمة في نصح الأمة”, ومنها: “أحمى حميثاً أطمى طميثاً، (وكان الله قوياً عزيزاً) “، وأيضا” “بها بها بهيا بهيا بهيا بهيات بهيات بهيات القديم الأزلي، يخضع لي كل من يراني…”.

4- ينقل المراكبي عن أحمد بن عياد في كتابه “المفاخر العلية في المآثر الشاذلية” أشهر الألفاظ السريانية التي تُكتب في دائرة وتوضع على رأس المريد كالتميمة لتحفظه، وهذه الألفاظ هي: طهور وبدعق ومحببه وصوره وسقفاطيس وسقاطيم، ويزعم أن هذه أسماء الله التي لا يعرفها إلا العارفون. ومن الأدعية التي ينصح المريدين بترديدها سبعين مرة: “أسألك اللهم يا من هو أحُونُ أَدُمَّ حَمَّ هَاءُ آمين افعل لي كذا وكذا”.

5- أما أكثر هذه الطرق تطرفا فهي الطريقة الخلوتية العونية، حيث قطعت شوطا أبعد وصرّحت بأنها تتصل بالشياطين، ولكن دون التصريح بأنها ضرب من السحر والشرك بل على اعتبار أن أسرارها هي جزء من “الحكمة” المنسوبة كذبا إلى النبي سليمان عليه السلام، والتي يقولون إنه تمكن عبرها من التحكم بالمردة والشياطين. وتتضمن هذه الطريقة برنامجا للخلوة يبذل فيه المريد الكثير من الجهد عبر سبع مراحل، وفي أوراد كل منها تظهر الأسماء السريانية بوضوح، ويتضمن ورد المرحلة السابعة وحده ثمانين اسما سريانيا للشياطين ويسمى “البرهتية”.

يعد القطب أحمد بن علي البوني -الذي عاش في الجزائر خلال القرن الهجري السابع- أحد زعماء هذه المرحلة، حيث بث في كتابيه “شمس المعارف الكبرى” و”منبع أصول الحكمة” الكثير من الطلاسم والأسرار التي كانت حكرا على السحرة، فصاغها في صورة أدعية وأحجبة تتداخل فيها أسماء الله الحسنى والآيات القرآنية بالتعاويذ الشيطانية السريانية، وكان ينسب هذه الأسرار تارة إلى علوم الحكماء والفلاسفة، وتارة أخرى إلى سليمان عليه الصلاة والسلام (كما فعل سحرة القبالاه)، كما أطلق على الشياطين أحيانا وصف خدم الحروف والكواكب لإقناع القارئ بأنهم ملائكة، بينما تجرأ في أحيان أخرى على التصريح بأن الخدم من الجن، ولكن مع الزعم بأن الاتصال بهم لا يعدو كونه طقوسا روحانية مارسها النبي سليمان نفسه.

تطور أسلوب البوني في القرن الثامن الهجري على يد الفارسي فضل الله نعيمي الأسترآبادي، الذي سمي بمؤسس “الصوفية الحروفية”، ويعد كتاب الأزل (جويدان نما) من أهم مؤلفاته التي تحاول البحث في “الطاقة” المفترضة للحروف، وبشكل يتقاطع تقريبا مع فلسفة القبالاه، وتأثر به الشاعر عماد الدين نسيمي الذي كان يقرض الشعر بالفارسية والتركية، حيث وضع كتاب “مقدمة الحقائق” شارحا فيه العقيدة الحروفية القائمة على وحدة الوجود وتأليه الإنسان، ودعا فيه إلى معرفة الإنسان من حيث كونه محلا لتجليات أسرار الكون.

مازال الخلط بين التصوف والسحر قائما حتى اليوم دون أن ينتبه له ملايين العوام من المسلمين، حيث نرى الأسماء السريانية للشياطين وهي تتسلل إلى كتب كبار الصوفية المشهود لهم بالتقوى والعلم, ومنهم على سبيل المثال الشيخ الطبيب مفتي سورية الأسبق محمد أبو اليسر عابدين (توفي عام 1981)، فقد أورد في كتابه “الأوراد الدائمة” الوِرد التالي: “يا تمخيثا يا تماخيثا يا مشطبا يا بطرشيثا يا شليخوثا يا مثلخوثا يا صمد كافيا آهيا شراهيا أدوناي أصباؤت آل شدّاي، يا مجلي عظيم الأمور لا إله إلا هو الحي القيوم…” [ص 122-123].

وهذا الخلط هو نفسه الذي أدى بأتباع الأديان السابقة إلى الانحراف، فالسحرة اليهود (القباليون) زعموا أيضا أن السحر الذي بين أيديهم ليس سوى التراث السرّي للنبي سليمان الذي انكشف لهم بعد موته كما تقول الآية: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: 102]، والآية نفسها توضح أن سليمان لا يمكن أن يكفر ويتوسل للشياطين.

وحتى اليوم تباع كتب البوني وغيرها من كتب السحر على الأرصفة في الدول العربية، كما أصبحت الطلاسم وطقوس السحر مشاعًا على الإنترنت لمن يريد أن يجرب، وقد يندفع الكثير من الشباب إلى التجريب بدافع الفضول، أو لاكتساب قدرات خارقة، أو للانتقام من أشخاص يكرهونهم وللتأثير في قلوب أشخاص يسعون إلى محبتهم، دون أن يعلموا أنهم يمارسون السحر ويتصلون بالشياطين ويخرجون من دائرة الإسلام.

نتائج الانحراف
كما هو الحال في أي تحريف أو تحوير لتعليمات الوحي، فإن البداية تكون ببدعة صغيرة لها مبرراتها، ثم ما تلبث زاوية الافتراق عن خط الوحي أن تتسع مع مرور الزمن ليصبح المسار بعيدا للغاية عن الطريق المستقيم، وهذا ما كان يحدث في الأمم السابقة التي انحرفت عن رسالات الأنبياء، وكانت البداية عندما أقنع إبليس البشر الأوائل بصناعة التماثيل تكريما لأمواتهم، ثم جاء إلى أبنائهم وأحفادهم ليقنعهم بأن يعبدوها.

وكما استعرضنا في هذا المقال، فإن بعض الطرق الصوفية التي بدأت بالاقتباس من الأديان الوثنية والباطنية رياضات الزهد والتقشف لتزكية النفس، انتهى بها الحال على يد بعض أقطاب التصوف الفلسفي إلى دين آخر، حتى أصبح التصوف مدخلا لعبادة الشيطان بدلا من العكس.

بكتاش ولي

التقى الشاعر نسيمي في الأناضول بالحاج بكتاش ولي، فأخذ عنه بكتاش فلسفته الحروفية وأسس الطريقة البكتاشية (البكداشية) التي تمزج بين التشيع العلوي والتصوف الفلسفي، وهي مستمرة إلى اليوم ويتبعها أكثر من عشرة ملايين كردي في جنوب تركيا، ويعترف قادتها بأنها طائفة خارجة عن الإسلام ويسعون إلى اعتراف حكومة تركيا بطائفتهم على أنها دين مستقل، كما يتبعها عدد غير معروف في ألبانيا، وهي كبقية الأديان الباطنية تكتم أسرارها عن أتباعها ولا تكشفها إلا لمن ينخرط في سلك الكهنوت أكثر من ألف يوم.

واليوم توجد في بعض الدول الغربية زوايا صوفية تقدم عروضا موسيقية وحفلات للرقص على الطريقة المولوية، وقد يرتادها أشخاص غربيون يسمون أنفسهم “صوفيين” على اعتبار أن الصوفية حسب فهمهم دينا مستقلا، أو هي على الأقل إحدى تقليعات “حركة العصر الجديد” التي تتيح للمرء أن يمارس طقوسا روحية دون التزام بدين محدد. ومع أن بعض الغربيين يعتنقون الإسلام بالفعل من باب الصوفية، ويحسُن إسلامهم، إلا أن البعض الآخر لا يرى في الأمر سوى رياضة روحية يتذوق فيها الموسيقى والشعر ويستمتع بالرقص والتأمل، قياسا على ممارسة آخرين لتمارين اليوغا والتاي تشي.

علاوة على ذلك، أصبح بعض شيوخ الطرق الصوفية من كبار الأثرياء والمتنفذين، كما هو حال زعماء الطوائف الدينية المتجاوزة للحدود والعابرة للقارات، فيطوفون العالم بطائرات خاصة ويقطنون مزارع وقصورا فخمة ويديرون شبكات مالية وإعلامية كبيرة، ويتهافت عليهم الأتباع للتبرك وهم يجلسون على العروش ويتصرفون كالملوك، ويتدخلون في تفاصيل حياة أتباعهم بعد إقناعهم بأن كل ما يقوله الشيوخ صحيحا لصلته المباشرة بالله، بل يتدخلون أحيانا في السياسة لترجيح كفة حزب ما أو إسقاطه، وهذا كله يتناقض مع جوهر التصوف القائم على الزهد والتواضع.

كان ضريح الشيخ الجيلاني في بغداد يتلقى من تبرعات الزائرين كل سنة ما يفوق نفقة الدولة العثمانية على الحرمين الشريفين، وذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي أن سدنة الأضرحة في مصر كانوا من أغنى الناس في المجتمع. [زكريا بيومي، الطرق الصوفية بين الساسة والسياسة في مصر المعاصرة، ص 129].

هذا النمط من التصوف لعب أيضا دورا سيئا للغاية في تثبيط همم الناس عن الجهاد والمقاومة عبر التاريخ، بالرغم من وجود نماذج مشرفة لجهاد المتصوف كما سنذكر لاحقا، ومن الأمثلة على ذلك ما يُذكر من انتقادات في حق الإمام أبي حامد الغزالي الذي عاصر احتلال الصليبيين للقدس دون أن ينتفض أو يحرض الناس على الجهاد أو يترك أثرا لذلك في كتبه ومؤلفاته، لذلك قال ابن تيمية عن المتصوفة في كتاب الاستقامة: “وأما الجهاد فالغالب عليهم أنهم أبعد عنه من غيرهم” [1/268].

وبالفكر نفسه تم توطيد الاحتلال الأوروبي للعالم الإسلامي بعد قضائه على الدولة العثمانية، فالتصوف الطرقي كان قد بلغ آنذاك أكثر مراحله انحطاطا، حيث شاعت عقيدة التواكل ومهادنة الظلمة، ما سمح للمحتلين باستغلال بعض شيوخ الطرق لتثبيط همم الناس عن المقاومة، مثل بعض شيوخ الطريقة الأحمدية الكتانية في المغرب، والطرق التجانية والعليوية والشاذلية والقادرية في الجزائر، والطريقة البريلوية في الهند، والطريقتان السعيدية والبدرية في سورية، بل تصدى بعض الشيوخ لمن أراد مقاومة المحتلين، وقدموا الولاء والطاعة للمحتل الأوروبي بصفته الحاكم المتغلب الذي يجب الانصياع لسلطته.

عبد القادر الجزائري أصبح من أقطاب الماسونية بعد نفيه إلى الشام

أما الشيخ عبد القادر الجزائري فتولى في بداية الأمر قيادة شعبه إلى الجهاد ضد الفرنسيين طيلة سبعة عشر عاماً؛ ثم استسلم وسلم نفسه إلى الفرنسيين الذين نفوه إلى دمشق وخصصوا له راتبا ومنزلا فخما حتى مات.

وفي العصر الحالي، يحظى العديد من كبار شيوخ الطرق الصوفية بحفاوة الاستقبال في جولاتهم بالدول الغربية، بل يقيم بعضهم هناك ويتمتع بتسهيلات كبيرة في تأسيس المراكز والمدارس والزوايا، مثل الشيخ هشام قباني الذي أسس عام 1997 “المجلس الأعلى الإسلامي في أمريكا”، وهو تلميذ شيخ الطريقة النقشبندية ناظم الحقاني المقيم بقبرص.

وقد عقد مركز “نيكسون” بالولايات المتحدة في عام 2003 مؤتمرا عن “فهم الصوفية والدور الذي ستلعبه في رسم السياسة الأمريكية”، وشارك فيه كبار المنظرين لليمين المتطرف مثل برنارد لويس، كما أوصى تقرير مؤسسة “راند” للأبحاث الاستراتيجية في الولايات المتحدة عام 2007 بدعم الحركات الصوفية في العالم الإسلامي، وذلك بعد أن “فشلت” الاستراتيجية العسكرية في السيطرة على العراق وأفغانستان.

يقول المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري إن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي وأشعار جلال الدين الرومي.

ويضيف “وقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية. فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي” [مقال الإسلام والغرب، موقع الجزيرة نت، 26/12/2004].

ومن الواضح أن الصوفية التي يدعمها الغرب ليست هي الصوفية السنية المعتدلة التي خرّجت خيرة المجاهدين على مر القرون، بل هي الصوفية الفلسفية الطُّرقية التي تنصح أتباعها بتجنب السياسة، وتنشر في نفوسهم عقلية التواكل والضعف والولاء للحاكم المتغلب حتى لو كان ظالما.

لذا يقول المستشرق الفرنسي المسلم يونس إريك جوفروا إن الأنظمة العربية (المتحالفة مع الغرب) عملت على إدماج الصوفية في الحكم بهدف محاربة “الظاهرة الإسلامية”. ويقول المستشرق اليهودي البريطاني برنارد لويس إن الغرب يسعى إلى المصالحة مع “التصوف الإسلامي” ودعمه لكي يملأ الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة، وإقصاء الدين عن قضايا السياسة والاقتصاد [نوفل بن إبراهيم، موقع الصوفية].

بين الغلو والاعتدال
بالعودة إلى ما أوضحناه بشأن نشأة التصوف، فقد كان الزهد منضبطا بالكتاب والسنة وقيود الشرع في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي بأنها خير القرون (الصحابة والتابعون وتابعو التابعين)، ومع أن الانحراف بدأ بالظهور على الأرجح في عصر البسطامي (القرن الثالث الهجري) إلا أن التصوف المعتدل ظل قائما لدى الكثيرين ممن جاؤوا بعده، فحتى ابن تيمية الذي شدد على نقد البدع أقر بأن الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبا سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي والجنيد بن محمد كانوا من المتمسكين بالسنة، بل رأى أيضا أن عددا من المتأخرين كانوا كذلك مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ حماد والشيخ أبي البيان [مجموع الفتاوى: 10/517].

جامع الجيلاني في بغداد

لكن الجدل يظل مع ذلك دائرا بين المتخصصين بشأن بعض الأعلام الكبار، فالجنيد مثلا كان عالما بالحديث والفقه ولم يجعل الأولوية للكشف والإلهام، وينسب إليه قوله “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا”، وقال أيضا “الطريق إِلَى الله عز وجل مسدودة على خلق الله تعالى، إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لسنته”.

ومع ذلك، يرى آخرون أن للجنيد رحمه الله آراءً وأحوالا مثيرة للريبة، فقد قال الشعراني في كتاب اليواقيت والجواهر إن الجنيد “كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس منهم وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلم في مذهب القوم أغلق باب داره وجعل مفتاحه تحت وركه” [اليواقيت والجواهر: 2/93]، كما يقال إن الجنيد عاتب الشبلي بقوله “نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرا ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ” [التعرف لمذهب التصوف للكلاباذي، ص165]، وكأن التصوف كان علما سريا يستره المتصوفة كما يفعل أقطاب الجمعيات السرية.

وبما أن التحقق من صحة هذه الاتهامات ليس مهمة سهلة فالأسلم عدم التسليم بها، وهو ما ينبغي أن نفعله بحق كل شيوخ المتصوفة الذين لم تثبت صحة نسبة الآراء الشاذة لهم، مثل محيي الدين بن عربي الذي يصعب حتى الآن التحقق من مسؤوليته عن كل ما جاء في كتبه من أقوال كفرية تتعلق بوحدة الوجود، إلا أن هذا قد لا يبرئه من قضايا إشكالية أخرى مثل رفع مقام الأولياء إلى درجات لا تتوافق مع صريح القرآن والسنة، وغير ذلك من الأفكار المقتبسة عن الباطنيات الشرقية. لذا نجد أن تقييم الإسلاميين له يتفاوت بين اعتباره القطب الغوث والشيخ الأكبر وبين تكفيره، ولعل الأسلم أن نترك أمره لله مع التحذير مما جاء في كتبه (سواء صحت نسبتها له أم لا) من شذوذ وكفر.

يضاف إلى ما سبق، أن الصوفية المعتدلة تنأى بنفسها عن نظريات التصوف الفلسفي التي أودت بأصحابها في هوة الشرك ووحدة الوجود والحلول، لكن هذا الاعتدال لا يخلو أحيانا من التأويل، فهو يتمسك بالسنة في السلوك إلا أنه يفارقها في الغايات، وكثيرا ما يأخذ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة لتتوافق مع تأويله الخاص، فقد لا يعتقد المتصوف المعتدل بالاتحاد بالإله وبنظرية الفيض غير أنه يعتقد -كما أسلفنا- أن غاية العبادة هي المعرفة، أي إشراق النور الإلهي على روحه، وهذا الفناء ليس سوى شكل ملطف للحلول والاتحاد، وهو تأويل متعسف للآيات التي تصف الله بالنور وتصف الهداية بالاستنارة.

يحاجج كثير من المتصوفة بأن شطحات شيوخهم التي تتضمن تصريحا بالحلول والاتحاد وما يخرج عن ملة الإسلام هي مجرد فلتات لسان نطقوا بها في حالة سكْر (الفناء)، ومنها مثلا المقولة المنسوبة إلى البسطامي: “رفعني الله فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زينّي بوحدانيتك وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك” [اللمع، ص 382]. وما زال الخلاف حول هذه الشطحات وتأويلاتها يحتل مساحة كبيرة من النقاشات المذهبية الإسلامية، ونرى أنه ينبغي الاتفاق على المبادئ العامة التالية:

1- الحلول والاتحاد عقيدتان كفريتان.
2- الصحابة والتابعون كانوا من أكثر الناس زهدا، ومع ذلك لم يقعوا في حالة السكْر وفقدان الوعي، وهم ليسوا معصومين، فالسكْر إذن ليس ضروريا لبلوغ أعلى درجات القرب من الله.
3- حتى إذا افترضنا أن السكْر حالة وجدانية خارجة عن إرادة المريد والعارف، فإن فكرة الفناء التي أدت إليها هي فكرة قائمة على عقيدة غنوصية باطنية، وإنكار المتصوفة إيمانهم بأصل الفكرة قد يبرئهم من الكفر إلا أنه لا يمنع توصلهم إلى نفس النتيجة التي يصل إليها المعتقدون بالحلول والاتحاد.

يتذرع المتصوفة أيضا بأن علومهم وفلسفتهم ليست موجهة لغير المتخصصين، ومن ثم فلا يحق لأحد من خارج دائرتهم الخوض فيها وانتقادها، وهذا حق من حيث المبدأ فلا ينبغي لغير المختص في أي علم أن ينقده قبل أن يفهم أدواته ويتمكن منها، لكن التمكن من النقد لا يتعلق لدى المتصوفة بسعة الاطلاع والفهم، بل بالكشف والاستعداد النفسي، فمهما تبحر الباحث في العلم فلن يكون أهلا للنقد في رأيهم ما لم ينخرط في سلك التصوف نفسه، أي أنه لا يمكن للباحث أن يتحقق من صحة ومطابقة أسرارهم للوحي إلا بعد أن يعتنقها.

وهذا يجعل من التصوف عقيدة مغلقة على نفسها، بحيث يصبح نقدها مستحيلا، لأن الحجة قائمة على مغالطة منطقية (المغالطة الدائرية أو الدور)، فلا يحق للباحث أن ينتقد إلا من الداخل، ولن يدخل هذا المجال حتى يؤمن به ويسلّم لأهله وينبذ النقد!

وهذه المغالطة يرتكبها أتباع الوثنيات الباطنية التي جاء الإسلام ليحاربها أصلا، فرجال الدين والكهنة في الهندوسية والبوذية والمجوسية والقبالاه وقادة الجمعيات السرية يردّون على منتقديهم بأن فهم دينهم وعقائدهم مستحيل من الخارج.

وعلى سبيل المثال، ينسب واضعو كتاب “البهاغافاد غيتا” الهندوسي إلى الإله كريشنا قوله “لا داعي لشرح هذا العلم الخفي لغير المرتاضين في الحياة أو غير المتتيمين، أو غير المنشغلين بالخدمة التتيمية، ولا لمن يحسدني”، [الإنشاد 18، الآية 67]، أي أن الباحث لن يفهم عقائدهم الباطنية طالما كان لا يؤمن بها، ما يقطع الطريق على كل النقاد من خارج المؤسسة الكهنوتية.

وإذا كانت هناك مآخذ على بعض المتصوفة بشأن سوء فهمهم للتوكل وموقفهم السلبي من المحتلين والطغاة، فقد انبرى شيوخ آخرون للجهاد ضد الاحتلال الأوروبي وحرضوا عليه، ومنهم شيوخ الطريقة التجانية في السودان والسنغال، وشيوخ الطريقة السنوسية الذين جاهدوا الاحتلال الإيطالي في ليبيا وعلى رأسهم عمر المختار، وكذلك العديد من رموز المقاومة مثل الشيخ عبد الكريم الخطابي في المغرب والشيخ عز الدين القسام في فلسطين، وفي السنوات الأخيرة انبرى أتباع الطريقة النقشبندية لمقاومة الروس في داغستان والشيشان، كما فعل زملاؤهم في العراق ضد الغزو الأميركي.

وبالرغم من الانتقادات التي أشرنا إليها بشأن عدم اتخاذ الغزالي موقفا من الاحتلال الصليبي، إلا أن مؤسس الطريقة القادرية الشيخ عبد القادر الجيلاني استفاد لاحقا من تراث الغزالي وحوّله إلى منهج مبسط لإعداد جيل كامل من المريدين علمياً وروحياً واجتماعياً في رباط المدرسة القادرية ببغداد، والذين تحولوا لاحقا إلى القوة الضاربة في جيوش نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي التي حررت البلاد من الاحتلال الصليبي. وما كانت هذه الجهود لتثمر لولا الاتصالات التي فتحها الجيلاني مع كبار شيوخ الصوفية في المغرب والشام ومصر، الذين أحيوا روح الجهاد في الأمة بعد أن تمكن الوهن والإحباط من نفوس الناس.

التعصب عدو الحقيقة
من الملفت أن ابن تيمية كان من المتأثرين بالمنهج التربوي الذي تركه الشيخ الجيلاني، فكانت لابن تيمية كتابات كثيرة وغزيرة في إنصاف الصالحين من المتصوفة وفي نقد الغلاة منهم بآن واحد. وكذلك كان تلميذه ابن القيم في إنكاره على البدع المستوردة تحت مسمى التصوف بالرغم من ثنائه على من التزم من المتصوفة بمنهج السنة. وقد كتب الشيخان مؤلفات ورسائل مفيدة في التزكية و”الروحانيات” مما يجعلهما من الأئمة في هذا الباب.

أما ما نراه اليوم من صراع سلفي-صوفي ففيه الكثير من مظاهر المذهبية والتحزب والتعصب، وقد كان علماء القرون السابقة أكثر حرصا على التزام الأدب في نقدهم لما سقط فيه بعض المتصوفة من هفوات، والتمسوا لبعضهم العذر بعدم تبحرهم في علم الحديث ليميزوا الحق من الباطل، وبأن فقدهم للثقة بالفلسفة العقلية دفعهم إلى المبالغة في تقدير دور الإشراق والكشف.

وكما ذكرنا في مقال “مصادر المعرفة“، فهناك خلاف كبير بين منهجين أساسيين لنظرية المعرفة، وهذا الخلاف ما زال يفرق البشر منذ آلاف السنين إلى أديان وتيارات ومذاهب فرعية داخل الدين الواحد، فأتباع المنهج العقلاني (الفلاسفة وعلماء الكلام) يضعون العقل والمنطق أولا، وأتباع المنهج الحدسي (المتصوفة والباطنية) يقدمون الجانب العاطفي النفسي ويرون أن الكشف والإشراق هو الأصح.

وأوضحنا أن سلوك الطريق الأسلم يقتضي الجمع بين مصادر المعرفة من قلب وحس وعقل للتوصل إلى حقائق لا تتضارب ولا يُستغنى فيها عن أي من تلك المصادر، لذا فإن استغناء المعرفة الصوفية في بعض حقائقها عن العقل أو الحس -وربما النقل أحيانا- هو أمر محفوف بالمخاطر أصلا، ولن تنشأ عنه سوى معرفة قاصرة ومنهج أعوج.

وإذا كانت غاية المتصوف هي القرب من الله، وليس الاتحاد والفناء والمعرفة، فإن الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون كان ولا يزال كافيا لتحقيق الغاية، ودون وقوع في الشطحات التي يتبرأ منها معتدلو الصوفية، فما الداعي إذن للبحث عن طرق أخرى في فلسفات باطنية محفوفة بالمخاطر؟

وإذا كان المريد يخشى مغبة الانغلاق العقلي في حال الاكتفاء بما جاء في السنة من طرق التربية والمجاهدة والتزكية، فما هي الفضيلة التي يرجوها من الانفتاح المحض؟ فالعاقل هو الذي لا يجعل من الانفتاح هدفا بذاته بل وسيلةً لتحقيق الغاية، وهي القرب من الله كما أسلفنا، وإذا كان الاكتفاء بالسنة انغلاقا يضر بالعقل فهذا لا يعني سوى أن الانفتاح على تجارب أخرى، وضعها العقل البشري أو وسوست بها الشياطين، هو أكثر كمالا، أو على الأقل هو إكمال للسنة التي ستغدو بذلك ناقصة، وهذا يتناقض مع جوهر الإيمان.

 قال النبي صلى الله عليه وسلم “لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم” [صحيح البخاري: 6889].
فالنبي أخبر بما وقع فعلا في أمته من انقسام إلى فرق وتيارات ومذاهب، كما حدث في الأمم السابقة التي أرسل الله لها أنبياءه بالوحي الموافق للفطرة والعقل، فتغلغلت فيها الفلسفات الباطنية والوثنية والشيطانية، حتى ضاع الأصل وتبدّل على يد الكهنة، فاختلطت على عوامّهم الفلسفة بالوحي، بينما لا يزال الوحي في أمة خاتم الأنبياء محفوظا لا يضيع، وهم أولى الناس باتباعه ونبذ ما سواه.

ونختتم بما قاله ابن تيمية في الجزء الحادي عشر من مجموع الفتاوى حيث قال “طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام. وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم, والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطىء، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إليهم من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم”.


أهم المراجع
شهاب الدين السهروردي، عوارف المعارف، دار المعارف، مصر، 1993.

محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، دار الكتب العربية الكبرى، 1329هـ.

أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دارالمعرفة، بيروت، بدون تاريخ.

عبد الوهاب الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، دار المعارف، بيروت.

عبد الوهاب الشعراني، اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1378هـ.

أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.

أبو الوفا التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، دار الثقافة، مصر، الطبعة الثالثة.

ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، مكتبة المعارف، الرياض، 1982.

ابن الجوزي، تلبيس إبليس، مكتبة النور الإسلامي، الإسماعيلية، بدون تاريخ.

ابن الجوزي، صيد الخاطر، دار القلم، دمشق، 2004.

هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة حسن مروة وحسن قبيسي، دار عويدات، بيروت، بدون تاريخ.

آنا ماري شميل، الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف، ترجمة محمد السيد وزميله، منشورات الجمل، 2006.

محمد مصطفى حلمي، الحياة الروحية في الإسلام، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

محمد كمال جعفر وحسن الشافعي، في الفلسفة مدخل وتاريخ، مكتبة دار العروبة، 1981.

علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف, 1995.

محمود المراكبي، العقائد الصوفية في ضوء الكتاب والسنة، 1996.

علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العلمية والعقدية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، دار الرسالة، مكة المكرمة.

رينولد نيكولسون، في التصوف الإسلامي وتاريخه، ترجمة وتحقيق: أبو العلا عفيفي، 1969.

كريم المحروس، بحث “التصوف الفلسفي.. الوافد الجديد على مناهج الحوزات الدينية”، مجلة البصائر، العدد 41، السنة 18، 1428هـ/ 2007م.

أكرم علي حمدان، بحث “الجانب الصوفي في تفسير روح المعاني”، مجلة الجامعة الإسلامية، المجلد 14، يونيو 2006.

أبو العلا عفيفي، مقال “التصوف الفلسفي في الإسلام”، مجلة الرسالة، العدد 196، 1937.

نوفل بن إبراهيم، مقال “التصوف الفرنكوأمريكي الجديد في المغرب”، موقع الصوفية، 13-9-2008، http://www.alsoufia.com/main/articles.aspx?article_no=2633

سعاد الحكيم، مقال “خاتم الأولياء: النبوة والولاية في مذهب ابن عربي”، موقع معابر، http://maaber.50megs.com/ibn_arabi/ibnarabi_5.htm

Michel Chodkiewicz, Le Sceau des saints : Prophétie et sainteté dans la doctrine d’Ibn ‘Arabī, Bibliothèque des sciences humaines, Éditions Gallimard, Paris, 1986.