مقالات

القيم التربوية الإسلامية مصدر الإشعاع والتألق المعرفي

لا شكّ أنّ التصور الذي يحمله الإنسان ونظام القيم الذي يرتبط به، يترك أثره في سلوكه سلباً أو إيجاباً، وينعكس ذلك الأثر –بطبيعة الحال– على سير المجتمع وبناء الحضارة برمتها، وإن أثر القيم الإسلامية –لضمان تفوق المجتمع ونقائه- ينبغي أن يهيمن على حياتنا الإنسانية؛ حيث إن تلك القيم الشاملة لا تجعل المسلم صادقاً في معاملاته وممارساته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية، متعاوناً فيها على البرّ والتقوى، عفيفاً معتدلاً في تعامله معها وحسب، ولكنها لتنفذ إلى أعماق نفسه فتغرس فيها رهافة في الحس وشفافية في الذوق والضمير.

أثر القيم الإسلامية في الإنسان

إن أول آثار القيم الإسلامية في الإنسان هي أنها تصوغ الشخصية الإنسانية صياغة ربانية تمس كلّ موطن من مواطنها، وتهز كل وتر من أوتارها، لينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه، على هدى من الله.

وإذا كانت القيم التربوية الإسلامية وعلى رأسها القيمة الإيمانية، تترك أثرها في النفس والجسم، طمأنينة وسكينة، فإنّها في ترابط عضوي مع تلك الآثار، تخلف أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم بفضل ذلك النسيج المحكم من الحقائق التشريعات وأنماط السلوك التي يتصل بها كيان المسلم، فنسيج القرآن نفسه، ومعطياته المعجزة، من بدئها حتى منتهاها، في مجال العقيدة والتشريع والسلوك والحقائق العلمية، تمثل نسقاً من المعطيات المعرفية كانت كفيلة، بمجرد التعامل المخلص الذكي المتبصر معها، أن تهز عقل الإنسان وأن تفجر ينابيعه وطاقاته.

إنّ القيم التربوية الإسلامية قد صنعت من الصحابة الذين تشبعوا بها كائنات فذة، تحمل من عناصر القوة والحيوية ما استطاعوا بفضله أن يواجهوا تبعات الحياة ومشاق السير في دروبها الوعرة، فإذا كان المجتمع المسلم نسخة عنهم أو في حقيقته ليس سوى مجموعة الأفراد الذين يسيرون على تعاليم دينهم، فمعنى ذلك أننا بإزاء مجتمع متماسك البنيان، راسخ الأركان، سائر إلى الأمام، مضطرد النمو، لأنّ الإسلام يعتمد في بنائه للمجتمع على أفراد أقوياء النفوس ممتلئين بالعزم والقدرة على الثبات.

ومن هنا نخلص إلى الحقيقة التي يقررها القرآن في قضية التغيير الحضاري، وهي أنّ الإنسان هو الأساس في ذلك التغيير، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم} [الرعد: 11] فسنة البناء والتغيير تمر من خلال جهد البشر وتفاعلاتهم.

تحقيق أهداف القيم الإسلامية

من المؤكد أن تحقيق الأهداف التربوية في المجتمعات  للوصول إلى الإنسان الأخلاقي الذي يحقق الغاية السامية للبناء والنهضة، فلا بد لأجل ذلك أن ترتكز تلك الأهداف التربوية على نسق متين من القيم يتوخى فيها الشمول والتكامل، تتكامل فيه النواحي العقدية، مع النواحي المنهجية، وهذه مع النواحي الأخلاقية كفيلة بإعداد الإنسان الأخلاقي على وعي وبصيرة، وفق الينابيع الدينية الصافية، ولا شك أن طبيعة البناء الثقافي، والنسق القيمي هي التي تحدد استجابة الإنسان لهذه المنظومة، فإن كانت تركز على أبعاد بعينها من الكيان البشري، فإن النقص لا محالة لاحق بتلك النفس، وإن كان الإطار الثقافي متكاملاً وغنيًا بالقيم التربوية التي تمس الكيان الإنساني بأكمله سوف ينعكس ذلك على الإنسان كمالاً وتوازنًا يدفعه للقيام بوظيفته الحضارية.

ومن المؤكد أن القيم الإسلامية هي الأجدر والأكمل والأمثل القادرة على الإشباع لكل حاجات وأشواق الإنسان، لأنها صادرة عن خالق الإنسان الذي يعلم من خلق، وأن العطاء الذي قدمته الحضارة الإسلامية للإنسانية خير دليل على ذلك، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جبل الإنسان بفطرة تؤهله للتشكل وفق الأهداف الخيرة، وقابلية السير في خطها المستقيم، فإن القيم التربوية الإسلامية تكون على أساس المفاهيم والمعاني التي يولد الإنسان بموجبها ولادة ربانية، ويعيش في ظلال طاعة الله، وحمل النفس على تنفيذ مراده في هذا الكون وحقق الغاية السامية.

ومن المؤكد حتما أن الهدف الذي تسعي إليه القيم التربوية الإسلامية هو إحداث وإنشاء هيئة راسخة في نفس الإنسان، بحيث تتجه به نحو العمل الصالح، الذي يشمل كل مكارم الأخلاق، وربما يظهر في بعض الأحيان أن بعض النظم التربوية تضم قيمًا شبيهة بقيم الإسلام، إلا أنها تفتقد الشمول والتكامل والثبات، والقابلية للتطبيق على أرض الواقع ويغلب عليها الجانب النظري لأنها من صنع الإنسان، ولا أجد أجمل بلاغة في نقل المعنى الشمولي للمراد من قول الإمام الشاطبي بأن كليات الشريعة من العدل، والرفق، وسلامة النفوس والأعراض والأموال، وحفظ الدين، والعقل، فإنها لا تتغير، إذ هي الأصول التي بني عليها الدين، وبنيت عليها مصالح الدنيا، ومن ثمة فإنها باقية ما بقي الناس على هذه الأرض، وعليه فحفظ تلك المقاصد لا يتم إلا من خلال تشبع الأفراد بمنظومة من القيم يتصف بالكمال، ويتجلى ذلك بأبهى وأتم صوره في النظام القيمي الإسلامي الذي هو قوام النظام التربوي في الإسلام، وهذا النظام القيمي هو الذي يتشكل منه النظام الاجتماعي الذي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بطبيعة التصور الاعتقادي.

التربية وجيل القرآن

ومن المؤكد علميا أن دراسة فاحصة معمقة إلى الإنسان في ظل عصر النبوة، والعصور الزاهية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، وجدنا أن الجيل القرآني الذي تربي في رحاب مدرسة النبوة قد أعطي البرهان الكامل على الثبات أمام مطامع الدنيا، فكانوا قمم في العطاء والتضحية، وفي الإخلاص، ونكران الذات، والتعاون، وغيرها من المثل العليا وهذا التجسيد للقيم ظل مستمرًا عبر عصور التاريخ الإسلامي على تفاوت فيما بينها في الإشعاع والتألق، وذلك بمقدار ما كانت تتفاوت في الاقتراب من النبع الصافي لمدرسة النبوة والاغتراف من خيراته وكنوزه.

ومن المؤكد قطعا أن من أعظم ثمار القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان أنها تترك أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم، لأن القرآن الكريم ومعطياته في مجال العقيدة، والتشريع والسلوك تمثل نسقًا من المعطيات المعرفية كفيلة بأن تهز عقل الإنسان، وتتمي طاقاته حتى يولد لديه التشوق المعرفي لكل ما يحيط به من مظاهر الكون، وتحديد دوره ووظيفته في هذا الكون، فالإنسان في العقيدة الإسلامي طاقة حيوية مؤثرة، وهذا ما يفسر لنا ذلك الانطلاق الهائل الذي حققه المسلم في كل ميدان من ميادين الحياة العلمية، وهكذا يتضح لنا أثر البناء الذي تتركه القيم التربوية الإسلامية في الشخصية، بحيث تصوغها صياغة متينة، وتمس كل موطن من مواطنها، حتى ينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في تحقيق النهضة البشرية، وخلاصة القول أن القيم التربوية المرتبطة بالدين هي التي تؤدي إلى تحقيق غاية الإنسان وإسعاده في هذه الحياة، وخلاف ذلك، فإنها لا تحقق الغاية المنشودة، بل تؤدي إلى انهيار متسارع في المنظومة المجتمعية والحضارية.

ولا تفرقوا

لو تأمل المرء حال المسلمون اليوم وتاريخهم بإنصاف، لوجد أن الأمة قد تكون خاضعة لنفس السلطات السياسية إلى حد بعيد، ولكن الكلمة لم تكن موحدة على مستوى الفكر والاعتقاد منذ القرن الأول في عمر الأمة! كما أن الهمم التي انصرفت إلى الجدال والتفرقة والتعصب المذهبي كانت أضعاف الهمم المنصرفة إلى توحيد الصف والتذكير بالهدف المشترك! فلماذا حدث هذا الانقسام في أمة مرجعيتها كتاب واحد ونبيها واحد، وكيف بدأت القصة؟ وما الحل؟!

اليونان وفلسفة الألوهية

في عصر ما قبل الميلاد ببضع قرون، اشتهرت أثينا في بلاد الإغريق بكونها معقل النهضة الفلسفية في العالم، إلا أن غالبية الفلاسفة كانوا لا دينيين أو أقرب للاعتقاد بالربوبية. وعلى الرغم من تأثر معتقداتهم بشوائب الأديان الوثنية إلا أنهم كانوا متمردين على تلك الوثنيات في بناء معتقداتهم، خاصة بعدما نادى سقراط بضرورة فصل الإيمان بالإله عن الأديان المعاصرة له.

ومن هنا بدأت هذه الفكرة بالرواج والانتشار، فقد تبع سقراط تلميذه أفلاطون، ثم تبع أفلاطون تلميذه أرسطو. إلا أن منهج أرسطو كان الأوفر والأكثر ابتكارا في إنتاجه الفكري المُعرِض عن الدين.

يرى بعض الباحثين في الفلسفة أن النظريات اللاهوتية لدى فلاسفة اليونان تتشابه مع بعض أفكار المدارس الفلسفية الإسلامية بشكل عجيب، حتى إن بعض مقولاتهم تعتبر صياغة أخرى لنفس المعاني التي تشير إليها بعض آيات القران! وكان لاهوت اليونان –أرسطو بالتحديد- يتشابه مع الإسلام في ثلاث مسائل رئيسية، أولها الاستدلال على مسألة الوجود الإلهي عن الدليل العقلي، الإقرار بأن الإله واحد والاعتقاد ببطلان تعدد الآلهة، والإقرار بأن للإله صفات أزلية كالعلم والقدرة.

عصر الترجمة الإسلامية

بعد تلك الحقبة الزمنية بمئات السنين نصل إلى بداية القرن السابع الميلادي حيث بدأ الإسلام بالانتشار وتغيير الأوجه الحضارية للعالم، وتزايدت الفتوحات في عصر الخلفاء الراشدين، وبعد تلك الحقبة كان العصر الأموي الذي امتاز بشيء من الهدوء والاستقرار السياسي مقارنة بنهاية عهد الخلافة الراشدة وبداية عهد الدولة الأموية الصاخب بالفتن والصراعات.

تلا ذلك العصر ظهور الدولة العباسية التي سيطرت على مساحات واسعة وقضت على الدولة الأموية، ومع استقرار الحكم لبني العباس اهتم الخلفاء في هذا العصر بالعلم اهتمامًا بالغًا، حتى إنه تم إنشاء مؤسسة في بغداد لترجمة الكتب اليونانية في الفلك والهندسة والطب إلى اللغة العربية، واستمرت حركة الترجمة تلك حتى نضوج العلوم الإسلامية والاستغناء عن الحاجة للترجمة

في عهد الخليفة المأمون تحول الاهتمام من ترجمة كتب العلوم إلى التركيز على ترجمة كتب الفلسفة على وجه الخصوص، وقد تُرجمت كتب اليونان –بالأخص كتب أرسطو– إلى اللغة العربية، إلا أن بعض نصوص أرسطو لم تترجَم بحيادية، حيث استخدمت بعض العبارات الإسلامية لتحل محل العبارات الفلسفية المحضة، فكانت الترجمة أشبه بالشرح والتفسير في نفس الوقت، وبناء عليه عُدِّلَت بعض الكلمات اليونانية مثل (العقل المطلق) واستُبدلَت بـ (الله) لتكون أقرب لأفهام العرب وهكذا..

وبسبب إتاحة الفلسفة اليونانية بهذا الشكل القريب للأفهام وبنفس لغة المسلمين، اعتنى المسلمون بتلك الكتب لدرجة أنهم كانوا يكتبون كتبًا في تفسير الفلسفة اليونانية من منظور إسلامي، مثل كتاب (الكلم الروحانية للحكم اليونانية) لأبي الفرج بن هندو (ت: 410ه)

علم الكلام ومواجهة الفلسفة

بسبب تشابه نظريات الألوهية لدى بعض المتفلسفة اليونان مع عقيدة الإسلام في بعض النقاط، وبسبب دعم الخليفة للنشاط العلمي والفكري وقتها، بدأت الفلسفة الإسلامية تتشكّل في جو من النقاش المتأثر بالفلسفة اليونانية، فقد انشغل المسلمون بالقضايا التي أثارها فلاسفة اليونان ولكن من منظور إسلامي، وبدأ العقل المسلم يبحث في الإجابة عن أسئلة لم تطرح في تاريخ الأمة من قبل!

فبدأت الأفكار والآراء تتعدد حتى بتنا بين اتجاهات متعاكسة، فنشأ المذهب والمذهب الآخر، والرأي والرأي المناقض، وترك المسلمون المهام الكبرى وانشغلوا بالجدال والخصومة والتخندق خلف المذاهب الناشئة، وكان كل من يكتب ليرد على الآخر يقول إن الكلام في المسألة كذا وكذا، ومختصر الكلام كذا وكذا، ومن هنا صار منهج التفلسف الإسلامي يطلق عليه (علم الكلام) بحسب إحدى الأقوال التي بحثت هذه المسألة.

ومن هذا النقاش الذي أنتج علم الكلام نشأت فرق عديدة مختلفة في آرائها الفلسفية، ونتج عن التعصب لهذه الآراء مواجهات عقدية بين الفرق على مدار العقود والقرون ومن ثم انقسم المسلمون إلى طرائق قددًا..

وهذا الانقسام –بحد ذاته- لم يكن بسبب تعرض المسلمون إلى أفكار أجنبية بقدر ما هو بسبب تعظيم العامة للفلسفة إلى درجة التقديس، حتى أن بعضهم بدأ يغالي في العقل والافتتان به فقالوا: العقل فوق النقل.

لقد تحول العقل المسلم من صفاء أحادية التلقي عن الوحي الرباني، إلى شتات ثنائية التلقي بين الوحي الرباني والفلسفات البشرية، وهكذا بدأ الطريق للخلاف والتفرق والتمزق.

طريق القرآن

لو تأملت خلط المسلمين بين علم الكلام وكتب العقيدة منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، لوجدت أن لسان حال المكتبة الإسلامية يقول بأننا بحاجة إلى الفلسفة كي نبرهن على صحة الدين، ولولا الفلسفة لما تمكّنّا من البرهنة على صحة الإسلام، ولما ناظرنا المخالفين، ولما ارتقينا من التقليد إلى اليقين!

وفي حقيقة الأمر، فإن الاقتناع بهذه الفكرة في حد ذاتها فيه تهوين كبير من شأن القرآن الذي ينص في مواضع عديدة على أن القرآن ومنهجه كافٍ في الإقناع واليقين، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]

إن انتشار التمسّك بالفلسفة بهذا الشكل كان محرضًا لأولي الألباب لهجر الجدال والعودة إلى القرآن والاكتفاء به، ومن هنا فإن المطالبة بالرجوع إلى القرآن لا تتأتّى بالتزام ترتيل حروفه في معزل عن إعمال العقل فيه، وإنما المقصود هنا هو الرجوع إلى طريقة القرآن في إبطال الباطل وإحقاق الحق فهو أكمل من كل الطرق الكلامية أو المناهج الفلسفية!

ولإيضاح القصد أنتقل إلى ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) وهو يقارن بين القرآن وعلم الكلام، فيقول:

“لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي عليلا ولا تشفي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن”، والمقصود أن القرآن يوصل القارئ إلى ما هو أفضل من نتيجة الفلسفة بالفعل، كما أن القرآن يمتاز بكونه الطريق المختصر في إبطال الباطل وإحقاق الحق وتصويب المفاهيم الخاطئة، عكس الفلسفة التي تعقد البسيط وتطوّل القصير ولا تضمن لك الوصول إلى الحق.

وما ذلك إلا لأن القرآن يمتاز بالبساطة والوضوح مع محافظته على قوة الحجة وعمق المعنى، وزيادة على ذلك فإن القرآن يخاطب العقل والقلب على حد سواء، عكس الفلسفة التي تخاطب العقول فقط، ومن المحال أن يحدث اليقين بالفلسفة التي لا ترى القلب في حين أن الإيمان أو الشك أو اليقين لا يكون إلا في القلب!

يكمل ابن القيم قوله: “وليس تحت السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات مثل القرآن، فإنه كفيل بذلك كله, متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا، فهو الشفاء على الحقيقة من أمراض الشبه والشكوك. وأحسن ما عند المتكلمين فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا”

وشتان بين فلسفة تأخذ بالعقل لتتوه به في المتاهات، وبين القرآن الذي يأخذ بالعقل ليقنعه بالجدال الحسن، والحجة البالغة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة!

ولا تفرقوا

من المؤسف أن تتفرق الأمة التي ينص قرآنها على الأمر الساطع الناصع: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] والآية تنص على الأمر بالتمسّك بحبل الله –القرآن- والاستغناء به عن غيره في أمور الدين. ولكي تتوحد الأمة الواحدة بالرجوع إلى المرجعية الواحدة..

والقرآن به من المميزات التي يتفوّق بها على علم الكلام حقًّا، أهمّها ما أشار إليه د. محمد عبد الله درّاز في كتابه (النبأ العظيم) في أن القرآن يخاطبُ كل العقول مع إشباع فضول الكل. فلا العالم الذكي يجد سطحية لا تروي ظمأه، ولا الجاهل البليد يجد تعقيدًا يخفي عليه مراداته! بل إن القرآن يخاطب الكل بمستواه بنفس النص القرآني. ويقف العالم والجاهل أمام النص الواحد وفهم هذا أعمق من فهم ذاك، ويفتح الله على الخلق في الفهم مع أن النص هو النص، وها هو القرآن لا تنقضي عجائبه، ويقول هل من مزيد!

إن قدَر الإسلام أن يكون رسالة عالمية لكل البشر بمختلف مستوياتهم العقلية، فكان القرآن دعامته الروحية والفكرية التي تراعي كل هذا التفاوت في ملكات البشر، وذلك على العكس من الفلسفات التي لا تخاطب إلا الأذكياء وأصحاب مَلَكات التجريد والجدل، فيهبط بذلك الدين من اتساع العالمية إلى ضيق المذهبية.

ولو أننا اكتفينا بالقرآن حقًّا، لصنفنا كتب الفلسفة على أنها كتب فلسفة، وتركنا كتب الدين كتبا في الدين. ولما عزم أحد على لصق الفلسفة بالدين، ولما توهم أحد أن الدين ناقص ويفتقر إلى الفلسفة لتكمله!

وعندما قدم المسلمون كتب الفلسفة على كتاب الله استبدلوا بالذي هو أدنى بالذي هو خير، ولما هجرنا القرآن وانشغلنا بالفلسفة، بدأ الجدال، ونشب الانقسام، وعلا الصخب، فلم نعد نسمع النداء القرآني: {واعتصموا بحبل الله جميعا}، فيا أيها المؤمنون بعظمة الله وقرآنه الزموا صراطه {ولا تفرّقوا}


مصادر للاستزادة:

  • كتاب (الله) عباس العقاد
  • (الترجمة في العصر العباسي) مريم سلامة
  • (الموسوعة المسيرة في التاريخ الإسلامي) راغب السرجاني
  • (إغاثة اللهفان) ابن القيم
  • (النبأ العظيم) محمد عبد الله دراز
  • (الله في العقيدة الإسلامية) أحمد بهجت