مقالات

عقيدة الإسلام

تحققنا في بداية مسيرنا بهذه الموسوعة من ضرورة وجود الله تعالى، ثم تبين لنا في مقال نبوة محمد أن النبوات هي الطريق الأمثل لتواصل الله مع خلقه وتبليغهم رسالته إليهم، بما تشتمل عليه من غاية وجودهم والمهمة الموكلة إليهم في هذه الحياة، والمعتقد الذي يجب عليهم أن يؤمنوا به، وطريقة العبادة والمعاملات التي ينبغي عليهم أن يلتزموا بها.

وأوضحنا أيضا في مقال “الدين والتدين” أن الدين -سواء كان وحياً إلهياً أو فلسفة وضعية- يتكون من أربعة عناصر، وهي الاعتقادات والشعائر والالتزامات وتنظيم حياة الجماعة، ومن البدهي أن العنصر الأول هو الذي تستمد منه بقية العناصر روحها وجوهرها، ومن هذا المنطلق سنستعرض في مقالنا موجزا لأصول العقيدة التي يقوم عليها الدين الإسلامي، وذلك استكمالا لما عرضناه في المقالات السابقة من تحقق النبوة ومصداقية الوحي الذي جاءت به، وتمهيدا في الوقت نفسه للتعرف على الجانب العملي في مقال “الشريعة الإسلامية“.

ومع أن العقيدة هي الأصل والمنبع، فإن عناصر الدين الأربعة يغذي بعضها بعضاً. فكما يتذبذب السلوك العملي بين الزيادة والنقصان، يتدرج الاعتقاد العقلي أيضاً من الشك إلى اليقين، وكذلك يتدرج الإيمان القلبي لبلوغ الطمأنينة.

وقد يتوصل الإنسان في دراسته وبحثه العقلي إلى الأدلة اليقينية التي تنفي الشك قطعاً، إلا أن العوامل النفسية والمؤثرات الحسية والجسدية والبيئية قد تقف حائلاً دون وصوله إلى درجة الإيمان، فيجد صراعاً داخلياً بين قناعته العقلية وشكوكه النفسية، وينشأ عن ذلك غالباً أثر سلوكي أيضاً. وعلاج هذه الحالة -التي قد يمر بها معظم الناس في مرحلة ما- يتطلب بذل الجهد والصبر والمزيد من التأمل والتفكر في الأدلة العقلية، والتجرد من المؤثرات النفسية، والإقلاع عن العادات السلوكية السيئة، وعندما يصل القلب (النفس) إلى الطمأنينة فإنه يتوافق مع العقل دون أن يكون بحاجة إلى مزيد من الأدلة والبراهين واكتساب العلم، ويتحقق بذلك كمال الإيمان.

وهذا يعني أن الإيمان المطلوب ليس مجرد ميل نفسي عاطفي واستسلام للكهنة الذين يلقنون العوام معتقدات غيبية فلسفية لا برهان عليها، كما أنه ليس بحثاً عن معرفة باطنية “إشراقية” لا يمكن التحقق من صحة مصدرها، بل هو تجرد نفسي وسلوكي واعٍ بعد استكمال العلم والمعرفة والفهم عن طريق العقل.

ذكرنا في مقال “المسيحية” أن الكهنة يطلبون من أتباعهم الإيمان ببعض الأسس العقائدية الجوهرية دون طلب للدليل العقلي، وهو ما سمي لاحقا بالفيدية fideism، حيث يعجز المنظرون عن إيجاد مبررات منطقية لبعض الأساطير المتناقضة فيقدمونها في صورة وعظية، وهو أمر يتعارض جذريا مع رسالة الإسلام، حيث ورد فعل العقل (التعقل) في تسعة وأربعين موضعا بالقرآن الكريم، فضلا عن آيات أخرى تشير إلى الألباب والنهى والقلب (بمعنى العقل) والتفكر، وهي جميعها تأتي في سياق بناء الإيمان وهدم الوثنية والشرك والكفر.

وهذا هو طريق الأنبياء في هداية الناس، فالقرآن الكريم يتضمن الكثير من الأدلة العقلية على وحدانية الله وتنزهه عن مشابهة الخلق وقدرته على البعث وغير ذلك من المبادئ العقائدية، كما ينص أيضاً على وعد بالهداية إلى الإيمان (أي بعد جلاء الأدلة العقلية) لمن يبذل جهده في طلبها، فيقول {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، ويصف حالة الهداية هذه بقوله {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

وهذه الحالة هي التي طلبها النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الله تعالى، فكونه نبياً وعلى صلة مباشرة بالله يعني بالضرورة أنه ليس بحاجة إلى أدلة عقلية تزيده علماً بقدرات الله وصفاته، إلا أنه طلب من الله تعالى مشاهدة حسية لحالة إحياء الموتى كي يزداد قلبه اطمئناناً، أي ليشعر بالمزيد من الإيمان النفسي، فقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن، قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260].

دين الإسلام
يُطلق اسم الإسلام اليوم على أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء الذي جاء مصدِّقاً برسالات كل الأنبياء الذين سبقوه، حيث يقول القرآن الذي بُعث به {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285]، فالإسلام إذن ليس ديناً جديداً بل هو الدين الذي أعاد التذكير به كل الأنبياء، مع اختلافات طفيفة في تفاصيل الشرائع دون العقائد.

أما صفة الإسلام فكان النبي إبراهيم عليه السلام قد أطلقها على المؤمنين بالدين الإلهي من قبل، فيقول القرآن {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: 78]، كما أطلق هذه الصفة أنبياء آخرون بُعثوا بعده، فقال موسى {يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وأرسل سليمان رسالة إلى ملكة سبأ فجمعت حاشيتها وقالت لهم {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 29-30]، كما قال يوسف في دعائه {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، وقال تعالى عن حواريي عيسى {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52].

والإسلام يعني في اللغة الاستسلام والإذعان، فيكون في الاصطلاح اسماً للديانة التي يستسلم صاحبها لله وينقاد له بقلبه ولسانه وجوارحه. والإيمان هو الجانب الاعتقادي من هذا الدين، والذي يتبعه الجانب العملي السلوكي في العناصر الثلاث المذكورة سابقا وهي الشعائر (العبادات) والالتزامات والمعاملات.

ويلخص أركان الإسلام والإيمان حديث واحد، وهو صحيح رُوي من طرق عدة في صحيح مسلم وكتب أخرى، وسنكتفي بذكر أحدها وهو طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة (أي يوم القيامة). قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها (أي علاماتها). قال: أن تلد الأمَة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان”. قال: ثم انطلق فلبثت مليًا ثم قال لي: “يا عمر، أتدري من السائل؟”، قلت الله ورسوله أعلم. قال: “فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

هل يفترق الإيمان عن الإسلام؟
اختلف علماء الإسلام في هذه المسألة إلى الفريقين التاليين:

1- فريق يرى أنه يمكن للشخص أن يكون مسلما دون أن يكتمل إيمانه، فليس كل مسلم مؤمناً، وقد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب به تحقيقاً تاماً، مع عمل جوارحه (أعضائه) أعمال الإسلام. ويرى هذا الفريق أنه إذا اجتمع الإسلام والإيمان في نص واحد من نصوص القرآن والسنة فلكل واحد منهما معنى يختص به، فيكون الإيمان جامعا للأعمال الباطنة من الاعتقادات (في العقل والقلب)، ويكون الإسلام بمثابة الانقياد العملي بالعبادة والتسليم، أما إذا افترق المصطلحان وورد أحدهما لوحده في النص فيكونان بمعنى واحد.

2- فريق يرى أن الإيمان والإسلام متلازمان، فالإسلام لا يصح بدون اعتقاد لأن أول أركانه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ويرى هذا الفريق أن نصوص القرآن والسنة التي تحدثت عن نفي الإيمان وبقاء الإسلام في بعض الأشخاص تعني أن الإسلام هو التطبيق الظاهري للعبادات مع النفاق، فيكون أولئك الأشخاص منافقين أصلا.

ومن الأمثلة على اجتماع الإيمان والإسلام في نص واحد، نذكر قوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، فيقول الفريق الأول –ومنهم ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة وابن جرير الطبري وابن كثير- إن الأعراب الذين نزلت فيهم كانوا مسلمين ولم يستحكم الإيمان في قلوبهم (إيمان ناقص)، وإنهم ادعوا لأنفسهم كمال الإيمان فنزلت الآية لتخبرهم بأنهم لم يحققوه بعد. ويقول الفريق الآخر إن الآية نزلت في جماعة من البدو أظهرت الإسلام نفاقاً، فيروى أنهم من أعراب بني أسد الذين قدموا إلى المدينة المنورة وأخذوا يمنّون على الرسول بأنهم لم يحاربوه ويطلبون الصدقة، كما روي أنهم أعراب جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وكانوا يظهرون الإيمان ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استُنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فكشفت الآية نفاقهم، وبينت أنهم أسلموا في الظاهر من حيث الانقياد للنبي سياسيا واجتماعيا، غير أنهم لم يعتنقوا الإسلام في الباطن.

وفي مثال آخر من السنة، نذكر حديثا صحيحا رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، حيث قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا (مالاً) فترك رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ فقال أو مسلما؟ فسكتّ قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ فقال أو مسلما؟ ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار.

ويفسر الفريق الأول هذا الحديث بنفس تفسير الآية السابقة، فالشخص المعني كان مسلما لكن إيمانه لم يكتمل، لكن الفريق الثاني يقول إن المرء قد يُسمى مسلما من حيث الانقياد والطاعة في الظاهر، لكنه لم يؤمن بعد، فتجري عليه أحكام المسلمين إلا أنه عند الله لا يكون مسلماً ولا مؤمناً، والنبي اطلع من الوحي على حال هذا الرجل الذي لم يؤمن قلبه فسماه مسلما فقط، أما بقية الناس فلا يملكون سوى الحكم بالظاهر، ومن ثم فلا يحق لهم سوى الحكم على من لم يثبت كفره بأنه مسلم ومؤمن في آن واحد ودون فصل بينهما.

مصادر العقيدة
اطلعنا في مقال “الوحي القرآني” على الأدلة اليقينية التي تؤكد حفظ القرآن الكريم من التحريف على مر العصور، وأنه ما زال يُرتل كل يوم على ألسنة الناس كما كان في عصر النبوة. كما اطلعنا في مقال “السنة النبوية” على الجهود الاستثنائية التي بذلها علماء الحديث المسلمون لتوثيق سنة النبي وأقواله وأفعاله، وكذلك أقوال وأفعال صحابته، كي تبقى محفوظة في الكتب والصدور للأجيال اللاحقة، وتبين لنا أن ما وضعه هؤلاء العلماء من ضوابط النقل والتوثق والتحقق لم يسبقهم إليه أحد في تاريخ البشرية، فكانت النتيجة نشوء علوم الحديث بفروعه المتعددة، والتي قد يستهلك التبحر في كل منها عمُر طالب العلم المجتهد كله.

لذا وضع علماء العقيدة الأسس العقلية التي يمكن للجميع الاتفاق عليها في سبيل تجريد مصادر الاعتقاد، لا سيما وأن الأمر يتعلق هنا بالمعرفة الغيبية التي تقتصر مصادرها الموثوقة على الوحي الإلهي [انظر مقال مصادر المعرفة]، فالتعويل في هذه المعرفة على نص الوحي الصادق والمجرد عن الآراء والأساطير البشرية والشيطانية.

وأول هذه الأسس أن الاعتقاد بصدق القرآن ونسبته إلى الله تعالى، وبما دل عليه دلالة قطعية من معتقدات وأحكام، هو واجب عقلا وشرعا، وينطبق ذلك أيضا على الأحاديث النبوية المتواترة، سواء كان التواتر باللفط أو بالمعنى.

أما أحاديث الآحاد الصحيحة التي تلقتها الأمة الإسلامية في القرون الأولى (السلف) بالقبول ودون إنكار أو مخالفة، فحكمها أيضا حكم الأحاديث المتواترة السابق، لأن قبول السلف لها يعني أنها متوافقة مع ما علموه من الوحي المباشر.

وأما إنكار عقيدة ثبتت بدلالة ظنية في نص قطعي الثبوت (قرآن أو حديث متواتر)، أو ثبتت بدلالة قطعية ولكن في نص ظني الثبوت (حديث آحاد)، أو بدلالة ظنية في نص ظني الثبوت، فهذا كله لا يؤدي إلى الخروج من الإسلام، إلا أنه قد يؤدي إلى الفسق والإثم إذا كان الظن غالباً وحجة الثبوت قوية [للتعرف على درجات الحديث النبوي يرجى مراجعة مقال “السنة النبوية“].

وإذا أجمع علماء الصحابة على أصل من أصول العقائد، وأخذه عنهم التابعون وتابعو التابعين حتى صار مقررا ومشهورا، فهذا أيضا يكتسب صفة اليقين، إذ يستحيل على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتفقوا على عقيدة ما دون أن يكونوا قد اقتبسوها من النبي نفسه، حتى لو لم يكن لدينا حديث مرفوع إلى النبي ينص على ذلك الأصل العقائدي، فالعقيدة كما أسلفنا لا تُعرف إلا بالوحي وليست رأياً.

يقول إسماعيل التيمي الأصبهاني في كتابه “الحجة في بيان المحجة”: “ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق؛ أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنَّفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم… وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة… بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم؛ وجدته كأنه جاء من قلب واحد”.

قصة الخلق
يوضح الوحي أن الله كان موجوداً وحده قبل بدء الخلق، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم عن بدء الكون: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض”. [أخرجه البخاري]، وسنذكر بإيجاز آراء علماء المسلمين في أول ما بدء به الخلق:

الرأي الأول: أول المخلوقات هو عرش الرحمن، وذلك استنادا إلى الحديث السابق.

الرأي الثاني: الماء خُلق قبل العرش، استنادا إلى عدة أحاديث لا تتعارض مع الحديث السابق، ومنها حديث رواه أحمد والترمذي بأسانيد صحيحة يقول: “إن الماء خلق قبل العرش”، وكذلك حديث أبي هريرة الذي قال: يا رسول الله ممّ خُلق الخلق؟ قال “من الماء” [رواه الترمذي وصححه].

الرأي الثالث: أول المخلوقات هو القلم الذي كُتب فيه القدَر، وذلك استنادا إلى حديث رواه أحمد والترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة”. ويرد الآخرون على أصحاب هذا الرأي بأن هناك أحاديث صحيحة تؤكد أن الله تعالى حين خلق القلم وأمره بكتابة مقادير كل شيء كان عرشه على الماء، ما يعني أن العرش كان موجودا قبل القلم، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء” [صحيح مسلم: 2653]. ويرى المعارضون لهذا الرأي أن أولية القلم في قوله “أول ما خلق الله القلم” هي أولية بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى المخلوقات التي ستوجد بعد أن يكتب عنها، وقيل أيضا إن كلمة “أول” منصوبة وليست مرفوعة فيكون معنى الجملة هو “حين خلق الله القلم”.

وأياً كان الرأي الصائب، فجميع أهل السنة متفقون على أن هناك مرحلة كان الله تعالى فيها وحده، ثم خلق العرش والماء والقلم، ثم خلق السماوات والأرض.

وقد أخبرنا الوحي أن خلق السماوات والأرض استغرق ستة أيام، كما في الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38]، واليوم آنذاك ليس هو اليوم الذي نعرفه، فلم تكن هناك شمس ولا تعاقب لليل والنهار، فقد يكون كل يوم من تلك الأيام الستة حقبة تمتد لمليارات السنين بحسب معاييرنا الحالية للزمن، والزمن نسبي كما تؤكد نظرية النسبية لأينشتاين.

ويقول تعالى عن خلق السماوات: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3]، ولا ندري على وجه الدقة ما المقصود بالسماوات السبع، فهناك من يرى أنها طبقات الغلاف الجوي للأرض، وهناك من يرى أنها تشكل طبقات الكون كله، الذي يرجح الفيزيائيون أن شكله مثل الكمثرى وليس كروياً تماماً، ويميل رأي ثالث إلى أن السماء الدنيا وحدها هي الكون الذي نعرفه، وأن هناك ست سماوات أخرى تحيط بها أو تتدرج فوقها، بينما حاول آخرون تطبيق نظرية الكون المتعدد على ما جاء في القرآن والاعتقاد بأن هناك سبعة أكوان. وليس هناك نص متواتر من الوحي يبين المقصود، كما أن النظريات العلمية (وهي لا ترقى إلى درجة الحقائق) لا تتناقض مع تلك التأويلات المحتملة للنص.

ولا نجد أيضا في قصة خلق الكون الموجزة في القرآن أي شبه بالأساطير الملحمية، فالقرآن يوجز الأمر بربطه بإرادة الله وقدرته، وهو الفاعل الوحيد في خلقه، بينما سبق أن اطلعنا في مقال “الوثنية” على أساطير متعددة تنسب تشكل الكون المادي إلى قصص زواج أو صراع بين الآلهة، كما اطلعنا أيضا في مقال “وجود الله” على النزعة الأسطورية لدى العلماء الماديين المعاصرين في وضع افتراضات لامنطقية طمعا في الهروب من ضرورة الخلق الإلهي.

وفي مرحلة لا نعرفها خلق الله الملائكة والجن، وسيأتي تفصيل الحديث عن هذه المخلوقات، ثم قال تعالى للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

واختلف المفسرون في سبب رد الملائكة بهذا السؤال، فقيل لعلهم علموا أن سلالة المخلوق الجديد سترتكب الذنوب والجرائم والإفساد استنتاجاً من كونها مخلوقة من تراب، وقيل ربما كانوا يقيسون على ما سبق لأن بعض القصص غير المؤكدة (لعلها من الإسرائيليات) تحدثت عن وجود سلالات من الجن على الأرض قبل خلق آدم، وعن اندلاع حروب بينها. وعلى أي حال فإن سؤال الملائكة لم يكن على وجه الاعتراض ولا الحسد، فقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي لا يسألونه شيئا لم يؤذن لهم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في خلق الخليفة على الأرض.

وخلق الله آدم من تراب الأرض، ونفخ فيه الروح، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31- 33]، وتعني هذه الآيات أن الله ألهم آدم اللغة ومسميات الأشياء مباشرة بعد خلقه، فكان عاقلا وناطقا منذ بداية الخلق، ولم يكن بحاجة للتطور والتعلم للانتقال من حالة بهيمية كما تفترض نظرية التطور الدارويني.

وأمر الله الملائكة وإبليس (الجني) بأن يسجدوا لآدم إكراماً له وليس عبادة، وقد وردت هذه القصة في سور قرآنية عدة نذكر منها: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، فالآية توضح أن إبليس كان من الجن وليس ملَكاً. وفي آية أخرى قال تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34]، فالآية تؤكد أن السبب الذي منع إبليس من تنفيذ الأمر الإلهي هو الكبر، وفي ذلك دليل أيضا على أن الجن لديهم إرادة واختيار كالإنسان، بينما لا يملك الملائكة سوى أن يطيعوا الله دون تردد.

وبدأت بذلك قصة الصراع بين آدم وإبليس، حيث أمر الله آدم وزوجته حواء -التي خُلقت لاحقا- بالعيش في الجنة والتمتع بنعيمها دون الاقتراب من شجرة واحدة، ولم يذكر القرآن ولا السنة نوع الشجرة ولا سبب تحريمها، فأغوى إبليس آدم وزوجته معاً بالأكل منها كما يقول القرآن الكريم: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 20-21]، ونستنتج من الآيتين ما يرجح أن وسوسته لهما لم تكن بمجرد الإلقاء في الصدر لاشعورياً، بل كان هناك حوار، حيث اختتم إبليس زعمه بالقسَم والحلف، ففعلا وأكلا من الشجرة.

وعندما عاتبهما ربهما ندما و{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وفي سورة أخرى يقول تعالى {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، وفي تتمة القصة يقبل الله توبة آدم ويقول {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]، ومع ذلك يُحكَم على آدم وزوجته بالخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض للحياة فيها إلى حين، مع تذكيرهما بأن الشيطان سيظل عدواً لهما ولسلالتهما، وأنه سيحاول أن يفتنهم هو وجماعته، فتقول الآيات: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا، وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ، ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 24- 27].

وفي سورة الأعراف نقرأ هذا الحوار بين إبليس والله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَإنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الأعراف: 62 -65].

وفي سورة الحجر نقرأ أيضا هذا الحوار: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 40].

ونستنتج من هذه الآيات ما يلي:
1- لقد قضى الله على آدم بأن ينزل إلى الأرض قبل أن يخلقه ويدخله الجنة فقال “إني جاعل في الأرض خليفة”، فحتى لو قلنا إن خطيئة آدم هي السبب في نزوله إلى الأرض فإن الأمر كان مقدراً قبل خلقه. لذا عندما عاتب النبي موسى عليه السلام النبي آدم -كما جاء في حديث صحيح- على نسيانه وأكله من الشجرة قال له آدم مستنكراً: تلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فعلّق النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله “فحجّ آدم موسى” [رواه البخاري]، أي أقام عليه الحجة، واختُلف متى وقع الحوار بين آدم وموسى، فقيل ربما في ليلة المعراج عندما التقى النبي بالأنبياء السابقين، وربما كان ذلك في رؤيا، فأرواح الأنبياء حية عند الله.

2- تمرُّد إبليس على أمر الله لم يكن تصرفا خارجا عن مشيئة الله، فإبليس كان يخاطب الله تعالى بصيغة الربوبية معترفا بأن الله ربه، وقد أمهله الله ليبتلي به بني آدم، ووعده هو ومن يتبعه بأن يكون مصيرهم النار جميعا، ووافق إبليس على ذلك لفرط حماقته وغروره. وهذا يناقض تماماً أسطورة تأليه إبليس لدى المجوس والهندوس وغيرهم من أصحاب الأديان المحرفة الذين رفعوا إبليس إلى درجة الإله الند للإله الخالق، وجعلوا العالم ساحة لصراع بين إلهين أو فريقين من الآلهة.

3- آدم لم يكن سوى مخلوق من طين نُفخت فيه الروح، ولم يتّحدْ به الإله كما تزعم أسطورة القبالاه.

4- إغواء إبليس كان لآدم وحواء معاً، أما القصة الواردة في التوارة المحرفة فتزعم أنه أغوى حواء فأغوت بدورها آدم، ثم صبّ آدم غضبه على زوجته وحمّلها مسؤولية الخروج من الجنة، ومازالت هذه الأسطورة منتشرة في الثقافة العامة لملايين الناس بما فيهم الكثير من عوام المسلمين، وآثارها واضحة في الأدب والدراما بشتى الثقافات واللغات، ومن أهمها تقريع النساء واتهامهن بلعب دور الشيطان نفسه.

5- الخطأ الذي ارتكبه آدم وحواء كان نتيجة النسيان، وليس خطيئة مقصودة.

6- تاب الله على آدم بعد توبته، ولم يتطلب الأمر توريث تبعات الخطيئة لسلالته، ولم يكن هناك أي مبرر لنزول الله تعالى على هيئة المسيح (كما تقول الأسطورة المسيحية) ليقدم نفسه فداءً للبشر كي يمحو عنهم أثر هذه الخطيئة، فما زال أبناء آدم يرتكبون من الجرائم والأخطاء ما هو أكبر بكثير من خطيئة أبيهم التي ارتكبها ناسياً، ومع ذلك فالله يغفرها لهم إذا تابوا -كما وعد في آيات كثيرة- ودون الحاجة إلى الفداء.

7- الغاية من هذه القصة هي أن يدرك الإنسان أن حياته قائمة كلها على الابتلاء والصراع مع إبليس، فالابتلاء بدأ بتكبّر إبليس، وسيستمر في الصراع معه ومع جنده حتى يوم القيامة، فقد مد الله في عمره حتى قيام الساعة، كما تعهد إبليس بين يدي الله بأن يبذل كل جهده لإغواء آدم وسلالته، ومنحه الله تعالى القدرة على المحاولة، إلا أنه أخبره أيضا بأنه لن يكون له سلطان إلا على من قبلوا باتباعه.

8- قصة الخلق التي نزل بها الوحي بسيطة ومفهومة ولا تتناقض مع العقل، وإذا كانت الأساطير التي حُرفت عنها على مدى آلاف السنين تناقض العقل فهذا لا يعني أنه يحق لنا أن نضع كل ما يشبه تلك الأساطير في خانة المستحيل والخرافة، وأن نجعل العلم المادي هو المصدر الوحيد لفهم الوجود وتفسيره. وإلا فسنضطر إذن إلى نبذ العلم المادي نفسه كلما ثبت لنا خطأ إحدى النظريات العلمية، وهو ما يحدث باستمرار بحكم التطور العلمي، فتكذيب نظرية ما لا يعني نسف العلم كله، كما أن تكذيب أسطورة محرفة لا يعني نسف عالم الغيب واستبعاده بالكلية.

أركان الإيمان
بما أن مقالنا هذا يتحدث عن الجانب الاعتقادي، فسنخصص بحثنا للحديث عن أركان الإيمان الستة التي ورد ذكرها في الحديث الصحيح السابق ذكره، حيث عددها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وسنفصل المقصود بكل منها فيما يلي.

1- الإيمان بالله:
ابتدأنا رحلتنا المعرفية في هذه الموسوعة بالتحقق من وجود الله تعالى، وسنتابع هنا الحديث عن أهم صفاته وفقاً للوحي الذين أنزله على رسوله.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح “إن لله تسعا وتسعين اسما، مئة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة”، وفي حديث آخر رواه الترمذي والبيهقي، نقل أبو هريرة عن النبي الأسماء التسعة والتسعين كاملة، وقد وردت في القرآن أسماء أخرى لم ترد في حديث أبي هريرة، ومنها القاهر والقريب والناصر والأعلى والأكرم وغيرها، كما وردت أسماء إضافية في أحاديث نبوية أخرى مثل الحنان والمنان والسيد والديان.

وفي المصنفات العقائدية المشهورة، يلخص العلماء أهم صفات الإله في الوجود والوحدانية والقدرة والإرادة والعلم والحياة ومخالفة المخلوقات، ويُدرجون تحت كل منها بضعة أسماء من الأسماء التسعة والتسعين، وبما أننا فرغنا من الحديث عن الصفة الأولى (الوجود) في مقال سابق، فسنوجز الحديث في الصفات الأخرى كما يلي:

الوحدانية: يتميز مفهوم الإله في الإسلام عن الكثير من الوثنيات بوحدانية الإله، بل يعد التوحيد من أبرز معالم الإيمان، فيما يُعد الشرك -أي الاعتقاد بتعدد الآلهة- أعظم الذنوب، ففي حديث صحيح رواه البخاري سئل النبي عن الكبائر، فقال “الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين”، وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: آية 48].

وقد مرّ بنا في مقال “الوثنية” أن الأديان الأسطورية الكهنوتية أقامت بناءها الميثولوجي على مفهوم “مجمع الآلهة” الذي يرأسه إله خيالي ويضم مجموعة من الآلهة الأقل شأناً، وقد يتصارعون فيما بينهم على النفوذ كما يتصارع الملوك من البشر، وهذا بالضبط ما انتقده القرآن ليثبت استحالة وجود إلهين اثنين فضلا عن آلهة متعددة، فيقول {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]، أي لو كان هناك إله آخر لاستأثر كل واحد منهما بمخلوقاته وتنافسا في العلو والعظمة وتحول الكون إلى ساحة حرب بينهما، ويقول أيضا {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 21]، أي أن وجود إلهين أو أكثر في السماوات والأرض سيؤدي حتماً إلى فساد الكون لاحتمال تعارض الإلهين، فلو كان كل إله متفردا برأيه وكامل الإرادة والمشيئة فلا ينبغي أن تحدّه إرادة إله آخر، لكن تعدد الآلهة يعني حتماً نقص القدرة والمشيئة لدى كل منهما كي لا يحصل التعارض، وهذا ما اضطر إلى الإقرار به كل واضعي الأساطير كما رأينا في مقال “الوثنية“.

أما مفهوم التثليث المسيحي الذي حاول منظّروه أن يجدوا له حلا فلسفيا دون سقوط في معضلة التعدد، فقد أوضحنا في مقال المسيحية استحالته منطقيا وعمليا، وأنه أقرب إلى السفسطة.

القدرة: تكرر ذكر هذه الصفة في عدة آيات من القرآن، ومنها قوله تعالى {وهو على كل شيء قدير} [الحديد: 2]، فقدرة الله مطلقة، وهي تتعلق بكل الممكنات، ولا يصح عقلاً أن نعالج سؤالا سفسطائيا من قبيل: هل يقدر الإله على أن يكون ميتاً؟ لأنه لا يمكن أن يكون الإله إلا حياً، ونفي الموت عنه ليس نفياً للقدرة بل تنزيه له عن النقص. وقد يجد الباحث أسئلة سفسطائية أخرى مطروحة بين المشككين، مثل سؤالهم: هل يستطيع الإله أن يخلق شيئا ضخما يعجز عن حمله؟ وهو سؤال طفولي يليق بالعقول التي تتصور الإله مشابهاً لآلهة اليونان التي لم تكن سوى كائنات خارقة تعيش على قمة جبل الأولمب، لكن المشكلة ليست في التصور فقط، بل في جمع نقيضين بسؤال سفسطائي بحت، فالصيغة المنطقية للسؤال هي: هل يستطيع الإله أن يعجز؟ وهي صيغة عبثية.

الإرادة: إرادة الله أيضا مطلقة لا تحدها حدود، فقال عن نفسه العلية: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]. وفي المقابل نجد أن آلهة الأساطير محدودة الإرادة والقدرة، فتضطر إلى تقديم التنازلات أو التراجع عن بعض القرارات أو اتخاذ مسارات اضطرارية في تدبير شؤون الكون.

العلم: فالله يعلم كل شيء ولا يغيب عنه شيء، فيقول في كتابه {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3]. وفي المقابل نجد صوراً منقوصة للإله في الأديان الأسطورية والمحرفة، ففي التوراة المحرفة نقرأ هذا النص: “وسمعا (آدم وحواء) صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت؛ لأني عريان فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت” [سفر التكوين: 3/8]، وهذا يعني أن الإله حسب الأسطورة لم يعلم أن آدم أكل من الشجرة، كما لم يعلم بمكانه عندما اختبأ منه في الجنة.

الحياة: يقول تعالى عن نفسه {اللَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، فمن المنطقي أن يتصف الإله الواهب للحياة بأنه حي بذاته، مستقل ومستغن عما سواه، كما أنه قيوم على خلقه، أي قائم بشؤون الخلق ومدبر لها، فبينما كان أرسطو يعتقد أن دور الإله (واجب الوجود) يقتصر على إيجاد الكون وخلقه، فإن الإسلام يؤكد أن الله لا يتخلى عن الكون بعد أن يخلقه، بل يظل وجود الكون قائما في كل لحظة على تدبير الله له، ولو تنحى جل وعلا عن إدارة شؤون الوجود لاختفى وعاد إلى العدم كما كان.

مخالفة المخلوقات: يقول تعالى عن نفسه في قاعدة موجزة شاملة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ويفسرها العلماء بقولهم “كل ماخطر ببالك فالله بخلاف ذلك”، أي لا يمكن أن يُشبَّه الإله في صفاته أو ذاته بشيء من صفات أو ذوات المخلوقات، فهو منزه عن كل تشبيه يمكن أن يخطر ببالنا عنه، وهذا يعني أنه ليس مجسداً ولا موجوداً في حيز مكاني، وليس حالّا أيضا في الكون ولا في الطبيعة ولا في أي مخلوق (الحلول هو الاتحاد والاندماج مثل الروح في الجسد)، كما أنه ليس منفصلاً عن الكون في المقابل، ولا تجري عليه مجريات النفوس من الشهوات والرغبات، وليس بحاجة إلى زوجة ولا ولد ولا انقسام ولا تعدد ولا طعام ولا شراب ولا راحة.

لذا فإن كل الصور المنقوصة التي وضعتها الأساطير للآلهة لا تليق بالله تعالى، وقد لخصت سورة الإخلاص هذا التنزيه في أربع آيات جامعة، وهي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وصفة الصمد تعني أن الله هو الذي يُصمد إليه، أي يُرجع إليه في كل أمر، وتعني أيضا أنه غني عن كل شيء.

إذن فالإله المتصف بهذا الكمال ليس بحاجة إلى القرابين البشرية والحيوانية التي درج الكهنة على تقديمها في الأديان الأسطورية، زعماً منهم بأنها تُقدم على المذابح لامتصاص غضب معبودهم وإرضاء غروره ونزعاته الدموية. أما الدين الذي جاء به الأنبياء قبل أن يحرف فكان ينص على التقرب إلى الله بذبح الحيوانات التي يؤكل لحمها لتوزيعها على الفقراء، ولتربية النفس على البذل وتحقيق التكافل في المجتمع.

الإغريق تخيلوا إلههم زيوس على هيئة إنسان

والإله الصمد ليس بحاجة أيضاً إلى شركاء يتقرب الناس بواسطتهم إليه، فالمشركون من عرب الجاهلية كانوا يقرون بوجود إله أعلى لكنهم يُشركون معه آلهة أقل شأنا، ويبررون ذلك بقولهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} [الزمر: 3]، وهذا ما كان يقوله أتباع وثنيات أخرى قبلهم، لكن الآية تردّ عليهم بالقول {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، في إشارة إلى أن هذا الزعم ليس إلا افتراءً وكذباً.

كما نستنبط من مفهوم الصمدية أن الله ليس بحاجة إلى مفهوم الفداء الذي زعمه محرّفو دين عيسى بن مريم عندما جعلوه شريكا لله في الألوهية، فلو وافقنا جدلاً على مفهوم الخطيئة المزعوم (تحميل بني آدم وزر خطيئة آدم عندما أكل من الشجرة)، فإن الله قادر على أن يغفر هذا الذنب دون حاجة لانتظار آلاف السنين التي تفصل آدم عن عيسى، ودون أن يحلّ تعالى بنفسه في جسد عيسى ثم يرضى بصلب جسده ليفدي الناس به [انظر مقال “المسيحية“].

وقبل أن نختم حديثنا عن صفات الإله، ينبغي التوقف عند ما يسمى بالنصوص المتشابهات في صفاته، وهي الآيات والأحاديث التي تتضمن صفات قد يوهم ظاهرها بتشبيه الله بالمخلوقات، مثل إثبات الوجه واليد والعين والقدم لله، واستوائه على العرش ووجوده في السماء، ولفهم معاني هذه الصفات لدينا أربعة احتمالات، وهي:

1- أنها حقيقة وفق ظاهر مدلولها اللغوي، وهذا مستحيل، فلا يمكن أن يكون الإله مُجسَّما بدليل الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

2- أنها حقيقة وفق دلالة لغوية صحيحة، فيكون لها معنى أعلى يليق بجلال الله، ويراد بها معنى أدنى يناسب فهمنا، فلله يد وعين وغير ذلك من الصفات لكن دون تجسيد ولا تشبيه.

3- أنها حقيقة في الاصطلاح الشرعي لمعانٍ لا نعلم حقيقتها على وجه التحديد، فتكون لله مثلا صفة اسمها “اليد” كما جاءت في النص، فنؤمن بها كما وردت دون تأويل، ولكن مع نفي المعنى الذي يتبادر لأذهاننا مما لا يليق أن يكون صفة لله.

4- أنها مجاز يمكن تأويله بمعنى آخر بما يتوافق مع دلالات اللغة وما يليق بجلال الله، فيمكن مثلا تأويل اليد في قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم} [سورة الفتح: 48] بأنها تعني القدرة، وليست يداً مجسدة.

وقد كان أغلب علماء السلف (القرون الثلاثة الأولى) يأخذون بالاحتمال الثالث، كما أخذ كثير منهم بالاحتمال الثاني، أما الاحتمال الأخير فظهر في مرحلة لاحقة. وجميع أهل السنة متفقون على أن الإيمان بصفات الله ينبغي أن يكون منضبطا بضوابط اللغة وألا يؤدي إلى التشبيه والتعطيل.

وبناء على كل ما ذكرناه في باب الألوهية، يتبين لنا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقدم مفهوما متكاملا للألوهية بشكل يجمع بين العمق والبساطة في آن واحد. فما كتبه علماء اللغة والعقيدة والمفسرون المسلمون في أسماء الله وصفاته طوال قرون يملأ مئات المجلدات، ومع ذلك يمكن للعامي الأمي البسيط أن يفهم حقيقة الإله بالفطرة ودون فلسفة، فليست هناك ملاحم أسطورية للصراع بين آلهة متعددة، ولا حلول ولا اتحاد ولا انقسام، بل يكفي المؤمن أن ينسب كل ما يراه في هذا الوجود من مظاهر الخلق والإبداع إلى إله عظيم ليس كمثله شيء، وأن ينسب إليه كل صفات الكمال، وأن ينزّهه عن نزعات الغضب التي تسلتزم تقديم القرابين في شعائر دموية، ودون أن يحتاج إلى التقرب إليه بواسطة آلهة أو كهنة، ودون الحاجة أيضا للانضمام إلى جماعات دينية سرية والترقي في درجاتها.

2- الإيمان بالملائكة:
ذكرنا سابقا الحديث الصحيح الذي رواه عمر بن الخطاب وقال فيه إن رجلا دخل المسجد النبوي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأخبر النبي عمر بأن ذاك الرجل هو الملاك جبريل بعد أن تجسد في هيئة إنسان. وهناك أحاديث أخرى صحيحة تؤكد وجود الملائكة وصفاتهم.

ومن صفاتهم أنهم مخلوقون من نور، فيقول الحديث “خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار” [رواه مسلم]. كما أنهم مخلوقات خفية في حالتها الطبيعية عن عيون البشر، فكان جبريل ينزل على النبي بالوحي في حالات عدة دون أن يراه أحد سوى النبي. ويمكنهم أيضا أن يتشكلوا في أشكال مادية، كما فعل جبريل في الحديث السابق، حيث كان يتمثل أحيانا على هيئة شخص مجهول أو معلوم، حيث روي أنه كثيرا ما كان يأتي مجلس النبي على صورة صحابي وسيم يدعى دِحية الكلبي.

وذكر القرآن الكريم عدة قصص لتمثُّل الملائكة في هيئة بشر، ومنها دخول مجموعة منهم على النبي إبراهيم عليه السلام دون أن يعرف أنهم ملائكة: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات: 24-25]، وكذلك دخولهم على هيئة شباب حسان على النبي لوط عليه السلام كما ورد في سورة هود.

لوسيفر (إبليس) يظهر في الثقافة الأوروبية على هيئة ملاك سقط من الجنة كما في هذه اللوحة لغوستاف دوريه

ومن أهم صفاتهم أنهم مقربون إلى الله ولا يعصونه كما تؤكد الآية {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، فالقرآن ينفي قطعاً الأساطير التي وضعها محرفو الوحي عن “سقوط ملائكة” بعد تمردهم وتحولهم إلى كائنات شريرة تشبه الآلهة التي تنافس الله تعالى وتبارزه، وقد مرت بنا هذه الأساطير في مقالي “الباطنية” و”القبالاه“. وهي مجرد تحويرات لقصة تمرد إبليس -وهو من الجن وليس ملَكاً- ومحاولة لتأليهه ووضعه في مرتبة تقابل الإله نفسه جل وعلا.

كما أكد القرآن أنهم ليسوا سوى عباد لله ينفذون أوامره، فقال {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا، سُبْحَانَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 25-27]، وذلك رداً على فئة من عرب الجاهلية الذين قالوا إن الملائكة بنات الله، وهي أسطورة تسربت إليهم من أديان وثنية أخرى رفعت مرتبة الملائكة -الذين ورد ذكرهم في رسالات أنبياء سابقين- إلى مرتبة الآلهة، فجعلوا للإله زوجة وأولادا وبناتٍ ضمن مجمعات الآلهة (البانثيون) [انظر مقال الوثنية]، كما جاء الرد في آية أخرى أكثر وضوحا ومباشرة: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].

وللملائكة درجات وأصناف ووظائف، وقد ذُكر بعضها في القرآن والسنة، ويبدو أن هناك حقائق أخرى كثيرة عنهم ولا سبيل إلى معرفتها في هذه الحياة الدنيا دون وحي، إذ يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “أُذن لي أن أحدِّث عن ملَك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة” [رواه أبو داود والطبراني بإسناد صحيح]، فظاهر الحديث يدل على أن هناك صفات أخرى عجيبة للملائكة ولم يؤذن للنبي بأن ينقلها للبشر، غير أن ما وصلنا عن عظمة خلقهم يكفي لتصور جلال عالم الملكوت الذي يليق بجلال الله تعالى، ويكفي أن يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أعدادهم الهائلة تملأ السماء، فيقول “إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملَك واضع جبهته ساجدا لله” [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه].

وقد أسند الله تعالى إلى الملائكة وظائف عدة وردت في القرآن والأحاديث الصحيحة، ومن هذه الوظائف حمل العرش على عظمته الهائلة، والنفخ في الصور عندما تحين الساعة، وإنزال العذاب على بعض الأقوام التي استحقت غضب الله وانتقامه في الدنيا قبل الآخرة، وقبض أرواح الموتى، وتسجيل أعمال العباد من الحسنات والسيئات في صحائف أعمالهم التي ستوزن في ميزان الحساب الأخروي، وحفظ الناس من المصائب كما تقول الآية {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]، فالملائكة يحفظون كل إنسان من أمر الله، أي بأمر الله تعالى بما لا يخالف مشيئته، فكلمة “من” تعني الباء لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.

والخلاصة أن هذه المخلوقات وُجدت لتنفيذ أوامر الله دون أن تكون لها إرادة المخالفة كما هو حال البشر، فالملائكة ليسوا مُكلفين لأنهم لا يملكون العصيان أصلاً كما وصفتهم الآية {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وبما أنهم في عالم الغيب فلا نملك حق الاجتهاد في تصور حقائق أخرى عن عالمهم دون أن يذكرها الوحي، كما لا نملك الحق في ادعاء المعرفة بحكمة الله في خلقهم، فهو قادر على أن يسيّر كل شؤون الكون دون وجودهم، ولعل وجودهم الخفي ابتلاء واختبار لإيماننا، فكل ما ورد عنهم في النصوص الصحيحة لا يخالف العقل، ولن يجد صعوبة في تصديقها إلا من كان قد حصر عقله مسبقاً بحدود الفلسفة المادية.

وبالطريقة نفسها يمكن للعقل التصديق بوجود كائنات خفية أخرى هي الجن، ومع أن الإيمان بوجودهم ليس معدوداَ ضمن أركان الإيمان الواردة في جواب النبي على سؤال جبريل، إلا أن الإيمان لا يكتمل إلا به، فقد ورد ذكرهم في نحو أربعين آية من القرآن الكريم، فضلا عن الأحاديث الصحيحة، بل خصص الله تعالى سورة كاملة لذكر قصة جماعة منهم استمعوا إلى تلاوة النبي للقرآن وحملت اسم “سورة الجن”.

وقد آمنت معظم الأقوام السابقة بوجود هذه المخلوقات، ولكن على تباين في الفهم والتأويل، فكثيراً ما تم الخلط بينهم وبين الملائكة كما فعل الغنوصيون والقبّاليون، كما رفعهم البعض إلى مراتب الآلهة حتى وجدنا أثراً لهم في مجامع الآلهة لدى الهندوس وغيرهم [انظر مقال الهندوسية والبوذية]، واتصل بهم السحرة على مر العصور للاستعانة بهم واكتساب بعض قدراتهم من أجل استعباد الآخرين.

ومن أهم الحقائق والصفات التي وردت في نصوص الوحي عن الجن ما يلي:

1- أنهم مخلوقون من نار، وقبل وجود الإنسان، يقول تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26- 27].

2- أنهم مُكلفون مثل البشر، وليسوا كالملائكة، لذا عصى إبليس ربه عندما أمره بالسجود لآدم، وما زال كثير من الجن يعصون الله ويتحولون إلى شياطين بإرادتهم لإغواء الناس وتضليلهم، يقول تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، كما ينقل القرآن عن جماعة الجن الذين استمعوا إلى النبي فآمنوا به قولهم {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجن: 14] أي فيهم المؤمنون وفيهم الكافرون.

3- لديهم قدرات كبيرة تفوق قدرات البشر العاديين، فسخّر الله الجن لنبيه سليمان ليقوموا بأعمال البناء والغوص في المياه وصناعة الجفان والقدور الراسية والتماثيل، كما عرض أحد الجن على سليمان أن يحمل عرش ملكة سبأ بسرعة هائلة من اليمن إلى فلسطين، حيث تقول الآية {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39].

4- يستطيعون الصعود إلى مسافات بعيدة في السماء واستراق السمع من الملائكة لمعرفة ما يخفى على الإنسان من مصاريف القدر، وهو ما أكده القرآن الكريم دون تفصيل لآلية الاستراق والمسافات التي يقطعونها، فيقول على لسانهم {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} [الجن: 8- 9]، أي أنه بعد بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد يُسمح للجن بالصعود والاقتراب من السماء كي لا يختلط الوحي بأكاذيب الشياطين، فكان كلما صعد أحدهم وجد ملائكة وشهُباً تتصدى له.

5- لا يمكن للعين البشرية المجردة أن تراهم في حالتهم الطبيعية، فتقول الآية عن الشيطان وبقية الجن {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27].

6- لديهم القدرة على التشكل في أجساد مادية تراها العين البشرية، مثل أجساد الحيوانات والبشر، ومن الأدلة على ذلك حديث رواه مسلم عن صحابي قتل حية (ثعبانا) بطعنة رمح، فمات الشاب على الفور، فقال النبي “إن بالمدينة جنًا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان”.

7- لدى الشياطين -وهم كفرة الجن- قدرة على الوسوسة في صدور الناس، كما جاء في آخر سورة بالمصحف، وهي تنص على التعوذ بالله من تلك الوسوسة: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 4-6]، ومن الواضح أن السورة ساوت بين وسوسة شياطين الإنس والجن معاً، فكلاهما يؤثر في القلب، إلا أن الشيطان الجني لا يُرى بالعين ولا يُسمع بالأذن بل تصل وسوسته إلى القلب لاشعورياً.

3– الإيمان بالكتب المنزلة:
تعرضنا في مقال “نبوة محمد” إلى حقيقة الوحي الذي كان يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، كما فرغنا من إثبات صحة الوحي القرآني في نزوله وجمعه وتدوينه ونقله إلينا بالتواتر، وبالطريقة نفسها التي أنزل فيها القرآن على خاتم الأنبياء نزلت صحف وكتب أخرى على أنبياء سابقين كما أخبر بذلك القرآن والنبي نفسه.

ولا يكتمل إيمان المسلم دون إقرار جازم بنزول تلك الكتب، غير أنه لا يؤمن بصحة النسخ المتوفر منها حاليا لعدم سلامتها من التحريف والتبديل والضياع والنسيان. علماً بأننا لا نملك نصاً متواتراً من القرآن أو السنة بعدد كل الكتب المنزلة ولا بأسمائها وأسماء الأنبياء الذين تلقوها، لذا فالمطلوب من المسلم أن يؤمن بها إيماناً مجملاً، وأن يؤمن بما جاء ذكره في النص المتواتر.

أما الكتب التي وردت في القرآن الكريم فهي صحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على موسى، والزبور المنزل على داوود، والإنجيل الذي أنزل على عيسى.

لكن هناك نصوصاً غير مؤكدة ذكرت كتباً أخرى، ومنها الحديث الذي روي عن أبي ذر عندما قال يا رسول الله كم كتابا أنزل الله؟ قال: “مئة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ (إدريس) ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان…” [أخرجه ابن حبان وصححه لكن الجمهور على تضعيفه].

وبما أن هذا الحديث غير مؤكد الثبوت، فقد يكون من الروايات الإسرائيلية المنسوبة إلى النبي، وهذا يعني أنه لا يمكن الجزم بما جاء فيه ولا نفيه، والمسلم ليس مُطالبا بالإيمان بنزول تلك الكتب، ويكفيه الإيمان بنزول ما ثبت نزوله بالنص المتواتر.

{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37:].

4- الإيمان بالرسل:
أوضحنا في مقال “نبوة محمد” حاجة الإنسان للنبوة، وبما أننا أثبتنا فيه أيضا صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن من مقتضيات إيماننا بصدقه التصديق بوجود ونبوة كل من سبقه من الأنبياء. وهناك خلاف بشأن عدد الأنبياء والرسل لأننا لا نملك نصاً متواتراً يعددهم، فكل ما نجده في هذا الباب أحاديث غير مؤكدة وهي تشير إلى أن عدد الرسل بلغ 315 رسولاً، وأن عدد الأنبياء كان 124 ألفاً، وقد يكون العدد الصحيح أكثر أو أقل.

أما الذين يجب على المسلم الإيمان بهم فهم الذين ذُكروا في القرآن الكريم، وعددهم 25 فقط، وهم آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وأيوب وذو الكفل وموسى وهارون وداود وسليمان وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم.

وللتمييز بين النبي والرسول هناك رأيان:
الأول: النبي هو الإنسان الذي اصطفاه الله من عباده بالوحي إليه، فهو يُخبِر بالغيبيات التي ينبئه بها الوحي، أما الرسول فهو النبي الذي يكلفه الله بتبليغ رسالته وشريعته للناس، وكلاهما يحملان نفس الصفات إلا أن الرسول يتميز عن النبي بكونه مُكلفا بالتبليغ.

الثاني: الرسول هو الذي يبعث إلى الأمة مستقلاً، والنبي هو الذي يبعث تابعاً لغيره، مثل أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا تابعين للرسول موسى عليه السلام فكانت مهمتهم هي التذكير بما جاء به موسى دون الإتيان بشريعة جديدة.

ويتفق الرأيان على أن كل رسول نبيا، ولكن ليس كل نبي رسولا.

وفيما يلي موجز لأهم صفات الرسل:
1- الحكمة والنباهة والفطنة، فهم يتمتعون بقدرات عقلية ونفسية كبيرة للقيام بمهمة التبليغ والإقناع والمجادلة، فمع أن الذي يميزهم عن الحكماء والفلاسفة هو أنهم يتلقون معرفتهم من الوحي الإلهي إلا أنهم يملكون أيضا الملكات العقلية التي يملكها كبار العقلاء ويتفوقون بها عليهم.

2- كمال الأخلاق والعصمة عن الذنوب، وقد تتبع علماء العقيدة سيَر حياة الأنبياء والرسل ووجدوا أنهم معصومون قبل البعثة عن الذنوب الكبيرة والصغيرة دون الهفوات الناجمة غالبا عن نسيان (مثل نسيان آدم وأكله من الشجرة) أو خطأ (مثل دفاع موسى عن أحد الإسرائيليين المستضعَفين من قبل جندي مصري فضربه موسى فقتله بالخطأ)، لا سيما وأن الأنبياء غالبا ما يُبعثون في بيئة لا يكون فيها الشرع محفوظا حتى يُحتكم إليه أصلاً، فلا يكون الذنب محدداً قبل البعثة، أما بعد البعثة فهم معصومون عن كل الذنوب، مع احتمال وقوع خطأ في التقدير كما يخطئ المجتهد، وذلك عندما لا ينزل الوحي ليرشدهم إلى التصرف المطلوب في نازلة بعينها، مثل اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسماحه للمنافقين بعدم الخروج معه للقتال لأن الوحي لم يخبره بما ينبغي فعله، فنزل الوحي لاحقا ليقول له {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، ولعل الحكمة من تأخر الوحي هي إثبات بشرية النبي أمام أتباعه، فهو ليس إلهاً يشرّع بنفسه دون وحي كما ظن بعض أتباع عيسى عليه السلام، كما أنه لا يخفي شيئا مما ينزل به الوحي حتى لو كان متضمنا عتاباً له، وهذا من تمام أمانته وعصمته عن الكذب. والعصمة هبة من الله للرسل كي يمثلوا بسلوكهم القدوة الحسنة للناس.

3- الحفظ من العيوب المنفرة، فمع أن الله تعالى لم يحفظ رسله من الفقر والمرض وإيذاء الظلمة، إلا أنه لم يعرضهم للإهانة والإذلال الشديد والأمراض المنفرة والخلقة المشوهة.

كان السفهاء يتعجبون من كون الرسل بشراً مثلهم فيقولون {إن أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا}، فيكون الرد {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 10 و11]، فبشرية الرسل ليست نقيصة في حقهم، بل هي حجة على خصومهم بعد أن بيّن الله للناس عبر رسله النموذج العملي لما ينبغي أن تكون عليه أعمالهم وسلوكهم وطريقة عيشهم.

5- الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان بالبعث والحساب هو من مقتضيات الفطرة التي تقر بوجود غاية وراء قصة وجودنا، فالإنسان في كل مكان وزمان يجعل لحياته هدفا وغاية، حتى لو كانت دنيوية، أما من يتأمل في الغايات الأبعد ولا يسمح لمجريات الحياة اليومية بأن تشغله عن الهدف الأسمى فلا بد أن يجد إلحاحاً شديداً في نفسه لوجود نهاية عادلة لحياة البشر بأسرها. فمهما اجتهد الإنسان في تحقيق العدل لأجله ولأجل الآخرين، فستظل هذه الحياة الدنيا ناقصة، بل غالبا ما يكون الظلم هو السائد في حياة البشر باستثناء فترات عدل قصيرة للغاية دوّنها التاريخ، فضلا عن النقص في الرزق والصحة وما يطمح إليه الإنسان من رخاء وراحة.

يقول تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم} [المؤمنون: 115- 116]، فالآية الأولى تنفي العبث وتؤكد البعث، والآية التالية تربط بين إثبات البعث وبين علو الله تعالى، فلا يليق بإله ملك حقٍّ عظيم أن يخلق هذه الحياة بكل ما فيها من تعقيد دون أن يجعل لها نهاية عادلة. وفي القرآن آيات عديدة تثبت هذا المعنى في صيغة سؤال استنكاري، فهي تؤكد مراراً وتكراراً أن من يتأمل قليلاً في هذه الحياة وبعيداً عن مشاغلها لا بد أن يدرك أن العدل لا يتحقق إلا بالبعث والحساب.

وقد جعل الله للساعة (الساعة الأخيرة) أمارات (علامات) تدل على قربها، ومنها علامات صغرى وأخرى كبرى، أما الأولى فنذكر منها بعض ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وأهمها: “أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد” [رواه البخاري ومسلم]، وحديث: “لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا” [رواه مسلم].

أما الأمارات الكبرى التي ستحدُث في المرحلة الأخيرة من هذه الدنيا، فقد رُويت بشأنها الكثير من الأحاديث غير المؤكدة والقصص المنقولة عن أتباع أديان سابقة (الإسرائيليات)، إلا أننا سنوجز ما جاء عنها في النصوص الصحيحة فقط، وهي:

1- الدخان، وهو أمر مثبت في حديث صحيح دون توضيح، أما تفاصيله فوردت على ألسنة عدد من كبار الصحابة، والراجح أنه دخان يخرج في مرحلة قريبة جداً من الساعة، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وأما الكافر فيهيجه.

2- خروج الدابة، وهي المذكورة في قوله تعالى {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82]، وهناك روايات كثيرة وغير مؤكدة تتحدث عن صفاتها، ولا نعلم بالضبط ترتيب خروجها من بين أمارات الساعة.

3- خروج الدجال الذي يدّعي الربوبية، ويكون متمتعاً ببعض الصفات الخارقة، ويتبعه أناس كثيرون افتتانا بقدراته.

4- نزول عيسى عليه السلام من السماء، وهلاك الدجال على يده، وإعادة العمل بسنة النبي محمد وشريعته، وبيان أن عيسى لم يكن كذاباً (كما زعم اليهود) ولا إلهاً (كما زعم النصارى).

5– خروج قبائل يأجوج ومأجوج وإفسادهم في الأرض، ثم هلاكهم في حياة عيسى عليه السلام.

6- طلوع الشمس من مغربها.

7- ثلاثة خسوف في الأرض، في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، دون تحديد دقيق لموقع كل منها.

8- خروج نار من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، والمقصود هو مطاردة من بقي حياً في شبه الجزيرة العربية إلى أرض الشام ليموتوا هناك قبل البعث، ولا ندري إن كان هؤلاء هم الأحياء الوحيدون على الأرض أم أن هناك شعوباً أخرى تعيش في بقية العالم وستُحشر إلى الشام أيضا أو ستموت في بلادها.

وفي النهاية، سيموت الجن والملائكة أيضا تصديقا للآية: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، ولا يبقى إلا الحي الديان قبل البعث والحساب، وسيكون البعث جسدياً ومادياً وليس للأرواح فقط، حيث قال ابن عباس “قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده (الآية)، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم” [رواه البخاري]، ثم يكون المصير إما إلى الجنة وإما إلى النار.

والجنة والنار مكانان حسّيان عظيمان، لا نعرف أين موقعهما اليوم وهل هما خارجان عن الكون أم داخله، فهما في عالم الغيب الذي لا يمكن للعقل ولا لأدوات العلم التوصل إلى تفاصيل بشأنهما، وقد اكتفى الوحي بإخبارنا ببعض صفاتهما، فللجنة درجات يرتقي فيها أصحابها حسب مقاماتهم عند الله، وأعلاها الفردوس، وفيها من النعيم “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر” [رواه البخاري ومسلم]، وللنار أيضا دركات ينحط فيها أصحابها حسب معاصيهم وتمردهم، وقد وصفت بعض الآيات والأحاديث شيئا من عذابها الأليم لتحذير الخلائق، ونرجح أن بعض المؤمنين العصاة قد يدخلونها مؤقتا ثم يخرجون ويدخلون الجنة، تصديقا لظاهر قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 106-107]، حيث فسّر الاستثاءَ كثيرٌ من العلماء بأنه للعصاة الذين يخرجون من النار بشفاعة الأنبياء، وسنناقش بالتفصيل في مقال “الأسئلة الوجودية الكبرى” أهم التساؤلات التي تُطرح حول مسائل الخلود في النار وشدة عذابها.

6- الإيمان بالقدر خيره وشره:
لا يكتمل إيمان المسلم ما لم يؤمن بالقضاء والقدر، وفيما يلي تعريف لكل منهما:

القول الأول: القضاء هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء، والقدر هو إيجاد الله للأشياء بما يتوافق مع القضاء. فمثلا: قضى الله تعالى في الأزل أن يخلق الأرض، ثم قدّر أن يخلقها في زمن ما.

القول الثاني: هو عكس الأول، فالقضاء هو خلق الأشياء، والقدر هو إرادة خلق الأشياء على مقدار محدد قبل أن تُخلق.

والإيمان بهذا الركن الأخير من أركان الإيمان يقتضي أن يقر الإنسان بحكمة الله وصفاته على النحو التام المطلق، فلا يداخل قلبه شك في أن يكون عِلمُ الله محيطا بكل شيء من الأزل، وأن تكون إرادته محررة من القيود التي تقيد إرادتنا، وأنه قادر على فعل ما يشاء، وأن له حكمه وغاية في كل شيء سواء علمنا ذلك أم لا، وسواء كان ذلك يوافق رغباتنا أم لا، وأنه عادل لا يظلم أحداً حتى لو كان في قضائه وقدره ما يؤلمنا، ففي الإطار العام للخلق والأحداث تتحقق الحكمة والعدل، حتى لو تأجل استكمال العدل إلى الحساب الأخروي.

وسنعالج في مقالنا الأخير “الأسئلة الوجودية الكبرى” بإذن الله تفاصيل التساؤلات التي قد تطرأ على الذهن فيما يتعلق بالحكمة والغاية والعدل، وما يتعلق أيضا بالجانب العملي للإيمان بالقضاء والقدر.

نواقض الإسلام
تتضمن كل الأديان محددات وشروطا لا بد منها ليتحقق الإيمان، ومن ثم فإن الإخلال بأي منها يُعد نقضا للإيمان بطبيعة الحال، وقد ذكرنا حديث عمر بن الخطاب الذي سأل فيه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الإيمان والإسلام، ومن المنطقي أن نقر بأن عدم التصديق بأي من هذه الأركان يعد كفرا وخروجا من الدين.

وقد خاطب القرآن اليهود في إحدى المناقشات حول تحريفهم للتوراة بقوله {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85]، فمن ينكر جزءا أصيلا مما جاء به الوحي ومما هو معلوم من الدين بالضرورة لا يمكن أن يكون مؤمناً، لأن هذا يقتضي تكذيب الوحي أصلاً، إذ لا يمكن منطقياً الاعتقاد بأن الوحي الإلهي يجمع بين الصدق والكذب، فإما أن يكون إلهياً ومن ثم صادقاً في كل أجزائه وتفاصيله، وإلا فهو ليس منزهاً ولا إلهي المصدر.

ينبغي الانتباه إلى أن لفظ الكفر ليس شتيمة كما هو شائع في عصرنا، حيث يحاجج البعض من غير المسلمين بأنهم ليسوا كفاراً حتى بالنسبة للمسلمين، مع أن المسلمين بالنسبة لهم كفار أصلاً، فالكفر علاقة نسبية، وهي تعني عدم الإقرار بعقيدة معينة. لذا وصف القرآن الكريم كل مؤمن بالله بأنه كافر بالطاغوت، وليست هذه شتيمة للمؤمن طبعا، فقال تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

ونواقض الإيمان والإسلام في الأصل أمور اعتقادية، وبما أن الاعتقاد يتعلق بالقلب الذي لا يمكن الكشف للآخرين عنه إلا بإرادة صاحبه، فإن هناك مظاهر خارجية يمكنها أن تعكس الاعتقاد الباطني، فإذا ثبتت في الظاهر جرت على صاحبها أحكام الخروج من الدين، وإلا فيُعامل معاملة المسلم طالما كان يزعم انتسابه للإسلام، ويكون عند الله منافقاً لو لم يكن صادقاً، ويبقى أمر حسابه على الله.

وبناء على ما سبق، نقسم نواقض الإسلام إلى ثلاثة أقسام نوجزها كما يلي:
1- النواقض الاعتقادية: وتتضمن إنكار الإيمان بأيٍّ من أركان الإيمان الستة، أو إنكار أي من أركان الإسلام الخمسة، أو إنكار أي حكم شرعي معلوم من الدين بالضرورة، مثل إنكار تحريم الربا والزنا وعقوق الوالدين وغير ذلك من المحرمات التي ثبت بالنصوص المتواترة أنها محرمة قطعاً. وكذلك الاعتقاد بتحريم ما أحله الله، مثل تحريم أكل الذبائح المذكاة. فمن أنكر المحرمات القطعية أو أحل المباحات القطعية فقد خرج من الإسلام حتى لو لم يمارس ما يعتقده، لأن اعتقاده هذا يخالف نصوص الوحي قطعية الدلالة التي لا تقبل التأويل والاحتمال.

2- النواقض القولية: وهي من علامات الكفر الظاهرية، وتشمل كل قول يقر فيه صاحبه بعقيدة تناقض الإسلام أو تجحد بعقيدة معلومة من الدين بالضرورة أو تستهزئ بالدين أو بعقائده وأحكامه، وكذلك من سبّ أحد الرسل أو الكتب المنزلة، أو اعترض على عدل الله. ولا يعد مجرد النطق بذلك كفراً ما لم يكن صادراً عن وعي، فقد يفقد المسلم وعيه تحت وطأة الغضب الشديد أو يتعرض للإكراه فلا يكون مسؤولا على كل ما ينطق به، حيث تقول الآية {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

3- النواقض الفعلية: وهي أيضا من علامات الكفر الظاهرية، ومن أمثلتها السجود لصنم أو لإنسان، وتمزيق المصحف مع قرينة الإهانة، وتعليق صليب على الصدر مع قرينة التقديس، وكذلك تعليق أيقونات عبدة الشيطان مع قرينة تؤكد اتخاذها عن عقيدة وليس لمجرد التقليد الأعمى أو الجهل.

ويجدر بالذكر أن الكفر درجات كما هو حال الإيمان أيضاً، حيث تقول الآية عن بعض المرتدين عن الإسلام {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90]، فهناك من يزداد كفراً بعد كفره، والمقصود بعدم قبول توبته هو أن توبته من الذنوب لن تغنيه طالما ظل على الكفر، فمن كان على علم بالإسلام وممارساً لشعائره ثم ارتد وصار معاديا له فهو أشد كفرا ممن لم يعتنق الإسلام بعد، لأن الحجة قامت عليه أصلا وتبين له صدق الإيمان والوحي.

أما من لم تصلهم رسالة الوحي، أو بَلَغتهم مشوهة ومحرفة، كما هو حال ملايين البشر الذين لا يسمعون عن الإسلام إلا أنه دين إرهاب وظلم، فتجري عليهم أحكام غير المسلمين في الدنيا بطبيعة الحال لكن أمرهم يوكل إلى الله في الآخرة، وقد وعد سبحانه بأنه لن يظلم أحداً مثقال ذرة، ومن تمام عدله ألا يحاسب هؤلاء كما سيحاسب من بلغته الرسالة وقامت عليه الحجة فرفضها، وأن يكون لكل شخص حساب خاص بحسب عقله وبيئته وظروفه وعوامل أخرى لا نعلمها، فلا يحق لنا أن نجزم بمصير أحد، بل نكتفي بالإقرار بعدل الله ورحمته.


أهم المراجع
عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، العقيدة الإسلامية وأسسها، دار القلم، دمشق، 1979.

أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1959.

إسماعيل التيمي الأصبهاني، الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، تحقيق محمد بن ربيع المدخلي، دار الراية، الرياض، 1999.

أبو جعفر الطحاوي، العقيدة الطحاوية شرح وتعليق، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، 1974.

يحيى هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية، دار ناصيف، دمشق، 1985.

ناصر عبد الكريم العقل، مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، دار الوطن للنشر، الرياض، 1992.

الماركسية والشيوعية

تعد الفلسفة الماركسية الأصل الفكري الذي نتجت عنه الشيوعية كنظام سياسي واقتصادي، لذا سنعرض في القسم الأول من هذا المقال الماركسية من حيث كونها نظرية مُلهِمة، ثم نعرض في القسم الثاني الشيوعية كنموذج تطبيقي للماركسية.

القسم الأول: الماركسية

التعريف

الماركسية مذهب فلسفي مادي إلحادي، يرى أن كل ما في الكون من كائنات وموجودات حية وغير حية ناشئ عن المادة، فالمادة هي أصل الأشياء، وعن تطورها وجدت كل الأشياء، فلا يوجد وراءها شيء آخر، كما أن المادة أزلية قديمة لم يوجدها أحد.

وتفسر الماركسية التاريخ تفسيراً مادياً أيضاً، فترجع كل أحداثه إلى العوامل الاقتصادية وصراع الطبقات فيما بينها كما سنوضح لاحقا.

تتقاطع الماركسية مع عدة علوم، كعلم الاجتماع والاقتصاد السياسي والفلسفة، وسميت بالماركسية نسبة لمنظّرها الأول كارل ماركس (1818- 1883)، وهو فيلسوف واقتصادي ألماني يهودي، واشترك معه في تأسيس نظرية الشيوعية العلمية صديقه فريدريك إنغلز (1820- 1895).

المؤسسان:

كارل ماركس
ولد ماركس سنة 1818م في ألمانيا في عائلة يهودية، لكن والده اختار تغيير دين عائلته للمسيحية، فغيّر اسمه من هيرشل إلى هنريخ، كما غيّر اسم ابنه حاييم ذي الستة أعوام إلى كارل، ويرى بعض المؤرخين أن تبديل الأب لدينه كان حيلة اقتصادية ليندمج في المجتمع ويخلص نفسه وأولاده من الاضطهاد ضد اليهود، أما جد كارل فكان حاخاما ويدعى مردخاي ماركس.

وبالعودة إلى سلالة ماركس، نجد أن جده الرابع (من جهة أم والده هيرشل) هو الحاخام بيرنت كوهين (توفي عام 1808) الذي كان أحد كبار التجار في أمستردام بهولندا قبل أن ينتقل إلى لندن ليصبح من أعمدة التجارة فيها، والمثير أن هذه العائلة ارتبطت بعلاقات زواج عدة مع عائلة روتشيلد اليهودية المشهورة، وأهمها زواج ناثان ماير روتشيلد (رابع أبناء ماير روتشيلد مؤسس العائلة) من حنا بيرنت كوهين، التي كانت ابنة عم جدة هيرشل، ما دفع الكثير من المؤرخين إلى افتراض أن كارل نظّر للشيوعية تحقيقا لمصالح عائلة روتشيلد التي تُتهم بإشعال كبرى الحروب في أوروبا والسيطرة على كبرى مصارف العالم، ولا ننسى أن وعد بلفور الشهير بتأسيس إسرائيل كان موجها إلى اللورد ليونيل روتشيلد شخصيا.

درس كارل الفلسفة في جامعات بون وبرلين وفينا، وكان من المعجبين بفلسفة الألماني جورج هيغل، وهي تقول إن مسيرة الفكر والواقع تتطور بتفاعلات النفي المتتالي في صيرورة دائمة، لكنه رفض مثالية هيغل التي تجعل الأفكار أصل الأشياء، فكان ماركس مادي النزعة ويؤمن بأن المادة هي الأصل، ثم سافر إلى باريس وتعرف على الفلاسفة الاشتراكيين.

لم يكن ماركس في البداية ملحداً، ومن الشائع بين المؤرخين أنه عاش معظم حياته فقيرا حيث لم يجد كفنا لابنته عندما ماتت، وأنه طُرد مع عائلته من المنزل لعدم دفع أجرته، لا سيما وأنه كان يميل للقراءة والكتابة ويكره العمل حتى ماتت ابنتاه انتحارا، لكن المنزل الذي عاش فيه بلندن وما زال يحمل لافتة “كارل ماركس عاش هنا” يثبت أنه لم يكن فقيرا طيلة حياته.

أكد ماركس صداقته المتينة بالفيلسوف الصهيوني “موسى هس” صاحب كتاب “روما والقدس”، فقال ماركس “لقد اتخذت هذا العبقري لي مثالاً وقدوة، لما يتحلى به من دقة التفكير واتفاق آرائه مع عقيدتي وما أؤمن به، إنه رجل نضال وفكر وسلوك”، ومن المعروف أن مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل استقى مشروعه لتأسيس إسرائيل من مؤلفات هس.

وعبّر ماركس عن أفكاره أولاً في البيان الشيوعي الذي كتبه مع إنغلز عام 1848م، ثم في كتابه رأس المال 1867م، ومن أهم مؤلفاته أيضا “فقر الفلسفة”، “الاقتصاد السياسي والفلسفة”، و”الأيديولوجية الألمانية”.

فريدريك إنغلز
نشأ إنغلز في أسرة ثرية جداً، ولم يكمل دراسته الجامعية ليساعد والده في إدارة شركاته المختلفة. بدأ بالانسلاخ فكرياً عن طبقته عندما شاهد -حسب قوله- معاناة العمال من مساوئ الرأسمالية، فشرع في دراسة الاشتراكية وتأثر بالجدل الهيغلي وبالرافضين للمثالية الفلسفية المطلقة. ونظراً لنزعته المادية، تعاون مع ماركس على وضع أسس المذهب، ويقال إنه ظل ينفق على ماركس وعائلته حتى مات.

ومن أهم مؤلفاته: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، “حالة الطبقة العاملة الإنجليزية”، “الرد على دوهرينغ”، و”الثورة والثورة المضادة في ألمانيا”.

وايسهاوبت

عمل الباحث الكندي وليام غاي كار على تأليف كتابه “أحجار على رقعة الشطرنج” ما بين عام 1911 و1950، ووضع فيه تفاصيل “المؤامرة” التي قال إن عائلات يهودية كبرى وعلى رأسها روتشيلد صاغتها داخل المنظمات السرية، وذلك للسيطرة على مفاصل القوة في العالم، وكان من بين التفاصيل التي ذكرها أنه تم تكليف الألماني آدم وايسهاوبت بوضع عام 1776 خطة شاملة لإشعال الثورات والحروب وإعادة صياغة النظم السياسية والاقتصادية بما يحقق مصالح النخبة، وتأسست بذلك منظمة النورانيين (الإلوميناتي) التي سيطرت على المحافل الماسونية. وبعد نحو مئة سنة، تولى كلينتون روزفلت (جد الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت) مع آخرين تمويل مشروع كتابة أسس الشيوعية على يد ماركس وإنغلز، فوضعا كتابي “رأس المال” و”البيان الشيوعي” وفقا لخطة وايسهاوبت، وفي الوقت نفسه كان البروفيسور الألماني كارل ريتر يُعدّ النظرية المضادة للشيوعية تحت إشراف جماعة أخرى من “النورانيين”، بحيث يكون بمقدور النخبة توظيف النظريتين المتعاكستين في تقسيم العالم إلى قطبين متناحرين ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وحتى عسكريا، وهو ما حدث لاحقا بالفعل.

من المفارقات أن تيار اليسار القومي العربي يرفع شعارات الماركسية لمقاومة الصهيونية، ودون الالتفات إلى العلاقة الوطيدة بين ماركس ومؤسسي الصهيونية. فلو تتبعنا نشأة الحركات الشيوعية العربية لوجدنا أن الماركسية لم تدخل إلى العالم الإسلامي إلا على يد اليهود، فأول حزب شيوعي في المنطقة هو الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تأسس عام 1919 على يد المهاجرين اليهود من روسيا، ثم تأسس الحزب الشيوعي لسوريا ولبنان عام 1924، وكان لليهود دور بارز في وضع قواعده الفكرية والحزبية كما يقول الشيوعي السابق قدري قلعجي، أما العراق فدخلتها الشيوعية على يد يهودا صدّيق ويوسف زلّوف وموسى مراد كوهين ويوسف زلخة، وكلهم يهود. كما تأسس الحزب الشيوعي المصري عام 1922 على يد اليهودي الإيطالي جوزيف روزنتال، الذي أدخل إلى البلاد أيضا مشروع تشكيل اتحاد نقابي عمالي ليتولى إثارة موجة عارمة من الاضطرابات، ثم تشكلت بعدها في مصر منظمة شيوعية أخرى تدعى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، وذلك على يد المليونير اليهودي الإيطالي هنري كورييل.

ويجدر بالذكر أن معظم هذه الحركات لم تعادِ الصهيونية في بداية تأسيسها، بل صرح قادتها وكوادرها بالتعاطف مع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة على اعتبار أنه جزء من النضال ضد البرجوازية.

أصول الماركسية
بنى ماركس وإنغلز فلسفتهما من خلال نقد وإعادة قراءة كل من:

1- الفلسفة الألمانية: فقد اهتما بالفلسفة الكلاسيكية الألمانية وخاصة مذهب جورج هيغل الجدلي، ومذهب لودفيغ فيورباخ المادي الإلحادي، ثم أعادا إنتاجهما بمذهبهما الذي بات يسمى يسمى بالمادية الجدلية (الديالكتيكية).

تشارلز داروين

2- نظرية التطور: التي وضعها تشارلز داروين في كتابه “أصل الأنواع” [انظر مقال “وجود الله“]، حيث وجد فيها ماركس سندا علميا لنشأة الحياة بدون إله، كما استعار قانون التطور البيولوجي ليطبقه على المجتمعات، وعندما أصدر كتابه الشهير “رأس المال” أهداه إلى داروين، لذا يرى المنظر الشيوعي الروسي جورجي بليخانوف أن الماركسية هي التطبيق العملي للداروينية.

3- الاقتصاد السياسي الإنجليزي: اهتم ماركس وإنغلز بنقد أفكار الرأسمالية التي ظهرت على يد آدم سميث وديفيد ريكاردو، وحاولا إسقاط هذا النموذج على أساس المنطق الجدلي ليقدما بدلا منه الاقتصاد السياسي الماركسي.

4- الاشتراكية الفرنسية: استفاد ماركس من نظرياتها التي انتشرت في القرن التاسع عشر التي كانت تمثل أعلى درجات النضال ضد بقايا الإقطاعية، وأعاد تقديمها تحت اسم الاشتراكية العلمية زاعما أنها ستقوم بالتغيير الثوري والحتمي للمجتمع بفعل تناقضات الرأسمالية، فكان يقول إن الاشتراكية لم تعد حلماً طوباوياً (مثالياً) كما كانت لدى سابقيه بل أصبحت اشتراكية علمية وحتمية.

5- عقيدة المخلّص اليهودي (المسيّا): فقد نشأ ماركس على التعاليم التلمودية في كنف عائلته، وكان متأثرا كما يبدو بالحلم الذي انتظره أجداده اليهود بمجيء صاحب الفردوس الأرضي الذي سيسيطر على العالم وينشر العدل، فأعاد ماركس صياغة حلمه بالفردوس الأرضي بعد دمجه بنظريات الطوباويين الفرنسيين، وتصور إمكانية تحققه -بل حتميته- على أيدي العمال المقهورين، وقد تبنى إنغلز هذه الفكرة بعد أن رأى بنفسه معاناة العمال في المصانع التي تملكها عائلته.

الفلسفة الماركسية
كانت فلسفة هيغل فلسفة “مثالية عقلية” أي أنها تعتبر الفكر أصل الأشياء وليس المادة، كما وضع هيغل أسس الفلسفة “الجدلية” التي تفترض أن كل شيء في الوجود يخضع للصراع الجدلي، فالقضية تتصارع مع نقيضها، فينشأ عن الصراع نقيض النقيض وهو أرقى من القضية الأصلية، وهكذا تظل الأشياء تتوالد وتتصارع مع نقيضها لترتقي في صيرورة دائمة، واعتبر هيغل أن هذا الصراع هو الذي يحرك التاريخ والطبيعة والفلسفة.

وجد ماركس في هذه الفلسفة ما يبحث عنه، فاعتبر أنها تغني عن وجود الإله طالما كان كل شيء يتصارع مع نقيضه ويتطور تلقائيا ليرتقي، وكان يزعم أنه أنزل نظرية هيغل من السماء إلى الأرض فليس هناك وجود للجانب الروحي، ويقول “إن العقل موجود، ولكن المادة موجودة قبل العقل، والعقل مرآة تنعكس عليها صور المادة”، فما دامت المادة موجودة قبل العقل -حسب افتراضه غير المبرهن- فقد جعل من ذلك مبررا لافتراض عدم وجود الخالق، وهكذا جعل ماركس كل شيء في الوجود ناتج عن انعكاسات المادة على مرآة العقل، بما فيها الإله والدين والخلق والسياسة والفكر.

ثم حاول ماركس أن يطبق نظرية هيغل على التاريخ البشري الذي اعتبر أنه يعيش صراعا حتمياً لا بد منه، فوضع نظرية “صراع الطبقات” كما سنبين لاحقا عند الحديث عن الشيوعية.

وتنقسم الفلسفة الماركسية إلى محورين، أما المحور الأول فهو المادية الجدلية (الديالكتيكية)، وهي بدورها تقوم على عنصرين:

1ـ المادية: ترى أن كل شيء في العالم مادي، فالمادة موجودة بشكل موضوعي خارج الوعي، ووجودها مستقل عن الإنسان، وهي غير مخلوقة ولا تفنى، فهي سبب وأصل كل الموجودات، وهذا هو مبدأ الإلحاد.

2ـ الجدلية (الديالكتيك): تفترض الصراع المستمر بين الشيء ونقيضه، وعندما يرتبط هذا الجدل (الصراع) بالمادة فهو يؤلّهها ويجعلها أصلا لكل شيء، بما في ذلك الوعي والروح.

وأما المحور الثاني فهو المادية التاريخية، حيث تعتبر الماركسية أن الوجود الاجتماعي (العلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين الناس) هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي (الجانب الفكري والديني والأخلاقي)، إذن فالحياة المادية هي التي تحدد دين المجتمع وأفكاره وآراءه السياسية.

القسم الثاني: الشيوعية

النظام الشيوعي هو التطبيق العملي للفلسفة الماركسية، وكما أوضحنا فالماركسية تقيم الوجود كله على أساس مادي بحت، وتعتبر أن تطور الحياة البشرية يتم بآلية حتمية كتطور الحياة الطبيعية، وأن عقل الإنسان نفسه ليس سوى انعكاس للمادة، وهي تنكر أي بُعد روحي أو ميتافيزيقي (ماورائي أو غيبي) للحياة الإنسانية، لذا ترفض الماركسية الأديان جميعاً وترى أنها أداة لتخدير الناس، فكان ماركس يقول “الدين أفيون للشعوب”.

بناء على ما سبق، ترى الماركسية أن السبيل الوحيد لضمان السعادة وقيام مجتمع متآلف يكون بوضع العمال في مركز السيطرة، وبرر ماركس وإنغلز هذه القاعدة انطلاقا من معاناة العمال الشديدة في الأنظمة الرأسمالية بالدول الأوروبية الكبرى مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا، حيث كانت الثورة الصناعية في أوجها، وكان معظم عمال المصانع والمناجم يتقاضون أجوراً زهيدةً ويعملون ساعات طويلة في ظروف غير صحية، وهي ظروف تختلف تماماً عما آلت إليه الرأسمالية لاحقاً في القرن العشرين حيث أصبح العمال والموظفون ينعمون برفاهية أكثر بكثير مما يحلم به زملاؤهم في الدول الاشتراكية والشيوعية.

ولتبرير نظريته ومنحها صفة العلم، زعم ماركس أن التاريخ البشري يخضع لصيرورة حتمية لا فكاك منها، وأنه يسير وفقا للمراحل التالية:

1- مجتمع الملوك القديم: حيث تتصارع طبقة الملوك وحاشيتهم مع طبقة العبيد والفقراء، كما تتصارع القضية مع نقيض القضية (وفقا للنظرية الجدلية)، ومن خلال الصراع ينشأ مجتمع جديد هو المجتمع الاقطاعي.

2- المجتمع الإقطاعي: يتصارع الملاكون مع الفلاحين والعبيد، ومن خلال الصراع ينشأ مجتمع جديد هو المجتمع الرأسمالي.

3- المجتمع الرأسمالي: يتصارع البرجوازيون (مالكو المصانع والمزارع) مع البروليتاريا (العمال)، فينتقل المال من البرجوازيين إلى العمال ثم إلى الدولة التي هي (القضية ومقابل القضية)، وينشأ بذلك المجتمع الشيوعي.

وهنا يزعم ماركس أن الجدلية ستتوقف تلقائيا، وذلك لزوال الملكية -التي هي محور الصراع- وزوال الطبقات التي تتصارع عليها.

ويمكن تلخيص النظرية بالقول: إن كل مجتمع يحتوي على نقيضه الذي يسقطه ويقوم مقامه، والمجتمع الجديد يحتوي أيضاً على نقيضه الذي سيسقطه ويحل محله، وهكذا دواليك، إلى أن يقوم المجتمع الشيوعي الذي لا يحوي نقيضاً، ولذلك هو دائم وأبدي. وهذا تناقض غير مبرر، إذ ينبغي أن تؤدي نظريته إلى افتراض أن يكون المجتمع الشيوعي خاضعا للصيرورة نفسها وليس أن يكون هو نهاية التاريخ.

يفترض ماركس أن كل مجتمع جديد خير من سابقه لأنه متقدم عليه، فآلة الإنتاج الجديدة أفضل من سابقتها، ومجتمعها أفضل كذلك، ويضرب ماركس مثالاً على تغير الأخلاق بتغير آلة الانتاج فيقول إن الرجل في المجتمع القديم (مجتمع الصيد) كان هو الذي يحصل على المال، والمرأة لا تستطيع الصيد، فمكانتها كانت محتقرة اجتماعيا، ثم جاء المجتمع الإقطاعي الذي أصبحت المرأة تشارك فيه ولو مشاركة بسيطة في الأعمال الزراعية فارتفعت مكانتها، ولكن معظم الأعمال في هذا المجتمع تعتمد على عضلات الرجل، ما حرم المرأة من استمتاعها بحريتها الجنسية فنشأت حرمة الزنا ومنع تعدد الأزواج للمرأة الواحدة. أما عندما صار المجتمع رأسماليا وأصبحت المرأة مستقلة اقتصاديا لأنها تستطيع إدارة الآلة كالرجل تماما فقد مارست حريتها الجنسية، وأصبح الجنس مباحاً.

ويعتمد ماركس على مفهوم “فائض القيمة” الذي اقتبسه من مفكرين سابقين وبنى عليه فلسفته الاقتصادية، فهو يفترض أن العمال لا يتقاضون الأجر العادل عن أعمالهم، لأن الأرباح أصلا هي الفائض عن عمل العمال، فكل من يمتلك هذا الربح (الرأسمالي الذي يملك المزرعة أو المصنع) يكون ظالما وغاصبا لجزء من عملهم، لذا فإن العدل يقتضي -حسب ماركس- إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (المزارع والمصانع) حتى يصبح العمال (الشعب كله) هم المالكون والعاملون والمنتجون والرابحون في الوقت نفسه، وبطريقة شيوعية مشتركة يتساوى فيها الجميع بحيث لا تبقى هناك سوى طبقة واحدة وهي العمال.

ولا تقبل الشيوعية بالتعايش مع الرأسمالية، فالشيوعي لا يرى المجتمع إلا بوصفه ساحة للصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، وبما أن الشيوعي مادي بحت فهو لا يفهم تطور التاريخ البشري إلا من خلال دراسته لإنتاج السلع، فمالكو المصانع والمزارع والمناجم ووسائل الإنتاج الأخرى هم الطبقة الحاكمة بسبب نفوذهم الاقتصادي، والصراع الطبقي هو الوسيلة التي يمكن بوساطتها الانتقال بالتاريخ من مرحلة إلى أخرى، ولا اعتبار لدى الشيوعية لأي معيار إنساني آخر في التطور والحراك الاجتماعي والثورات والحروب مثل العوامل الدينية والأخلاقية، وهذه نتيجة طبيعية للإلحاد.

وبما أن النظرية تؤمن بأن حصول أي مالك مصنع أو مزرعة على ربح يعني الظلم، فلا بد من الثورة والعنف، وهذا لا يحدث حسب رأي ماركس بالتحريض فقط، بل هو نتيجة حتمية لا بد من وقوعها طالما أن العمال يزدادون شقاءً مع ازدياد الرأسماليين تضخماً.

البيان الشيوعي

كما لا تقبل الشيوعية بالتعايش مع الدين، ولا مع الأنظمة الاجتماعية التي كانت قائمة في أي مكان بالعالم قبل أن يبدأ ماركس بالتنظير، لذا لم يتردد مع صديقه إنغلز في المطالبة بإلغاء النظام الأسري في “البيان الشيوعي”، حيث اعتبرا أن الشيوعية “الحتمية” ستؤدي عند انتصارها إلى استغناء الإنسان عن الزواج التقليدي، وسيصبح إنجاب الأطفال مشاعا، لتتولى الدولة تربيتهم، وفيما يلي نص مقتبس من كتابهما الذي تغلب عليه النبرة الخطابية:

“وإلغاء العائلة! حتى أكثر الراديكاليين تطرفا تثور ثائرتهم على هذا القصد الدنيء للشيوعيين.

فعلامَ ترتكز العائلة الراهنة، العائلة البرجوازية؟ على رأس المال والتملك الخاص، وهي لا توجد بتمام تطورها إلا بالنسبة إلى البرجوازية، لكنها تجد تكملتها في الحرمان القسري من العائلة، بالنسبة للبروليتاري، وفي البغاء العلني.

والعائلة البرجوازية تضمحل طبعا باضمحلال تكملتها، فلكتاهما تزولان بزوال رأس المال.

أتأخذون علينا أننا نريد إلغاء استغلال الآباء والأمهات لأبنائهم؟ هذه الجريمة نعترف بها..”. [البيان الشيوعي، ص15].

كما شرح إنغلز رؤيته لتحرر المرأة وتفكيك النظام الأسري في مؤلفه “أصل العائلة والملكية الفردية والدولة”، فمن منطلق الشيوعية الإلحادي أسقط إنغلز المفاهيم الروحية الشائعة لدى كل الثقافات للحياة الأسرية وخصوصية المرأة، وأعاد صياغتها على أساس مادي يقصر الحياة على الإنتاج المادي للسلع، مع التسليم المسبق بالمساواة المطلقة بين الجنسين.

وبناء على هذه المفاهيم، رأى ماركس وإنغلز أنه لا بد أيضاً من تطبيق “دكتاتورية البروليتاريا” عند انتصار الثورة لتطهير المجتمع من البرجوازيين ورجال الدين، وبعدها سيستقر الأمر للبروليتاريا وتزول الدولة طبيعياً لعدم الحاجة إليها، ويدار المجتمع الشيوعي اللاطبقي بلجان عمالية بلا شرطة كالجماعات البدائية الأولى (قبل التاريخ)، وسيعيش كل فرد في سلام ورخاء وحرية، ولن تتوقف الثورة العمالية حتى تحطم الإمبريالية (الاحتلال الخارجي) والبرجوازية في العالم وتسود حكومة البروليتاريا العالم كله.

ولتحقيق ذلك، لا بد من تأجيج نار الحقد وإثارة روح الانتقام في قلوب العمال ضد الرأسماليين ورجال الدين في كل مكان، وعليه فإن الرحمة والبر لا تناسب الثوري والشيوعي، حيث يقول ماركس “إنه لا مفر من أن يكون المحرومون من الامتياز مستائين، ومن أن يكونوا أغلبية، وبذلك ينتشر عدم الاستقرار والثورات وحرب الطبقات، وليس الباعث على هذه العملية مبدأ من مبادئ العدالة، وإنما المبدأ السلبي المحض، مبدأ العداء”.

وأكد ماركس مرارا أن هذه التنبؤات تحمل صفة علمية تشبه مثيلاتها في العلوم الطبيعية، فهي حسب زعمه حتمية تاريخية وجبرية لا مفر منها وليست مجرد رأي فلسفي، وكأنه أراد بذلك أن يضع نهاية للفلسفة كما ظن أنه يضع نهاية للتاريخ البشري، ولم يكن يعلم أن علماء الفيزياء الذين جاؤوا بعده بنصف قرن أنكروا حتمية العلم التجريبي نفسه، حيث تؤمن فلسفة العلم الحديثة -والتي يعد الفيلسوف كارل بوبر من روادها- بأن العلم لا يمكنه أن يملك صفة الحتمية.

لم ينتبه ماركس وإنغلز إلى أن العمل البشري له طبيعة تختلف عن أي عمل آخر، فهو ينتج بذاته قيمة فائضة، أي أن الربح الذي ينتج عن العمل الزراعي أو الصناعي أو الحرفي أو الخدمي ليس جزءا من عمل العامل يغتصبه مالك وسيلة الإنتاج، بل هو نتيجة فائضة عن العمل ويمكن لمن يستأجر عمل العامل مقابل أجر أن يحصل عليها، فالربح نتيجة طبيعية عن العمل البشري لأن البشر ليسوا مجرد آلات كما كان يتوهم ماركس، بل هم كائنات مبدعة تضفي على المواد الأولية قيمة إضافية لها ثمن (ربح)، ومن الطبيعي جدا أن يحوّل الإنسان المبدع كتلة من الحديد والبلاستيك إلى سيارة مثلا، لأنه أضفى عليها خبرة ومهارة وعلماً وذكاءً، وهذه كلها من المواهب التي وهبها الله للإنسان وحده دون غيره.

الاشتراكية
الاشتراكية مذهب اقتصادي يشكل الأساس الفكري الذي أقام عليه ماركس نظامه الشيوعي، فالاشتراكية أقل تطرفا وعنفا، ولا تمتد إلى توجيه المجتمع ونظام الحكم بل تقتصر على توجيه السياسة الاقتصادية بتركيزها على تقليل الفروق بين الطبقات ومكافحة الرأسمالية.

مع أن الشيوعية كانت تلقى مقاومة رسمية وإعلامية عنيفة في الغرب إلا أن الاشتراكية تمكنت من إثبات وجودها وصولا إلى الحكم في بعض الدول الأوروبية، وفي الصورة نجد مظاهرة للاشتراكيين في نيويورك عام 1912

تتفق الاشتراكية مع الشيوعية على ضرورة توزيع السلع والخدمات على أفراد الشعب وعدم احتكارها، ولكن هناك اختلاف في الطريقة، فكان الاشتراكيون قبل ماركس يرون أن يتم التوزيع على أساس حجم مساهمة الفرد في الإنتاج، وفقا لقاعدة “من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب عمله”، وهذه معادلة عادلة من حيث مكافأة كل عامل بالقدر الذي يقدمه، لكن ماركس اشترط في نظامه الشيوعي أن يكون التوزيع على قدر حاجة الإنسان وليس بناء على مساهمته حتى لو كان ينتج أكثر من بقية العمال، وأصبحت القاعدة “من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب حاجته”.

ترى الاشتراكية أيضا أنه يمكن التعايش مع الرأسمالية تحت مظلة دولة اشتراكية طالما كان الرأسماليون خاضعين لنظام تخطيط مركزي يحول دون الاحتكار، أما الشيوعية فهي نظام ثوري (راديكالي) يشترط التخلص من سيطرة الرأسماليين على وسائل الإنتاج وقلب نظام الحكم، بل تشترط اشيوعية أيضا تقليص عدد أفراد العاملين في الحكومة والتخطيط إلى أقل عدد ممكن، وهو الأمر الذي مهد نظريا للاستبداد المطلق في كل الدول التي أخذت بهذا النظام.

اعتبر ماركس أنه نقل الاشتراكية من الخيال إلى الواقع، وأنه طوّر الاشتراكية الخيالية -التي نظّر لها مفكرون فرنسيون مثل سان سيمون- وجعل منها “اشتراكية علمية”، واعتبر أيضا أن اشتراكيته مرحلة حتمية قياسا على “حتمية” العلم التجريبي كما كان شائعا في القرن الثامن عشر. لكن الواقع كشف أن الشيوعية التي نادى بها لم تنجح في الاستمرار ولم تكن حتمية، وأن الدول التي طبقت الاشتراكية بدلا من الشيوعية كانت أطول عمرا.

نقد الفلسفة الماركسية
سنبين باختصار أهم ثلاث ثغرات فلسفية يعجز الماركسيون عن معالجتها:

1- فرضية أن المادة أساس الوجود والحياة، فهي بذلك أقدم الموجودات وأزلية (بلا بداية)، وهذه دعوى بلا دليل، فمع أن المادة وجدت قبل الإنسان، لكن ذلك لا يعني أن الروح الإنسانية طاقة مادية متطورة، وهذا لا ينفي وجود أرواح قديمة سبقت الإنسان والحيوان في الوجود.

كما ينشأ عن هذا الافتراض القول بأن المادة مستقلة في الوجود عن وعي الإنسان وإدراكاته، وهذا قول يبطل قواعد العلم، ويقود إلى الشك حتى في المسلّمات المجربة. ولا بد من التوضيح أن اليقين بوجود الأشياء خارج نطاق الذهن شيء، واليقين بكيفية الإحساس بها شيء آخر، فلا ينقض أحدهما الآخر، وهناك تفاعل مستمر بين الفكر والمادة، فالمادة مستقلة في وجودها عن الوعي، لكن إذا ظهر الوعي أخذ الكثير من المواد الخام حوله فأثر بها تطويراً وتحويراً، وكما يقول الماديون: “الكائن لا بد أن يكون مبتدأ، والفكر لا بد أن يكون خبراً، والفكر دائما أخص من الكائن، فحيثما وجد الفكر؛ وجد معه الكائن، ولا يشترط أنه حيثما وجد الكائن وجد معه الفكر”.

ومن نتائج هذه الفرضية أيضا القول بأن خصائص المادة غير متناهية وأنها تنتهي إلى طاقة، وذلك من خلال تفكيك أجزاء الذرة، وهذا الجدل كان قائما قبل عقود بين الفيزيائيين لمحاولة اكتشاف حقيقة مكونات الذرة الدقيقة، وهل هي جسيمات أم موجات، لكن نقل هذا الخلاف إلى الفلسفة يصبح خلافا لفظيا لا قيمة له، فمهما بحثنا في المادة لن نجد روحاً ولا حياةً ولا وعياً ولا إحساساً، لذلك لم يجرؤ أحد أن يقول: إن المادة هي الحياة!

2- التغاضي عن الجانب العاطفي من حياة الإنسان، وذلك بسبب إنكار الفلسفة الماركسية المسبق لوجود الروح وردّ كل جوانب الحياة إلى المادة، حيث اضطر منظرو الماركسية إلى تجنب البحث في الكثير من المعضلات التي تنشأ عن افتراض الأصل المادي لكل الجوانب الإبداعية في حياة الإنسان، فالمشاعر تغالب عنفوان الرغبات الاقتصادية من جوع وعطش حتى تغلبها، بل إن المرء قد يذكر صباه البائس فيحن إليه بالرغم من رغد العيش الذي تحصل عليه في كبره، كما تتنوع المشاعر كحب الطرب مثلاً لنسأل: ما علاقة هذا بالإنتاج ووسائله؟ فنحن نقرأ في كتب التاريخ عن مشاعر الناس وعلاقاتهم الروحية المتسامية أكثر مما نقرأه عن طعامهم وشرابهم، بل كثيرا ما يضحي المرء بأسباب عيشه وقوته في سبيل تلك الوجدانيات.

ونتساءل أيضا: لماذا صارع ماركس نفسه للزواج من جيني حفيدة الدوق دير برونشويك مع أنه كان بإمكانه إيجاد البديل الجنسي عند غيرها من الفتيات؟ ولماذا رأى الدنيا فراغاً أمام فتاته هذه؟ ألا يدل ذلك على مكانة الروح من الإنسانية واستقلالها عن المادة سواء رضي الماديون أم سخطوا؟

3- معضلة الأخلاق وعلاقتها بالمادة، حيث تشكل الأخلاق صمام الأمان أمام غرائز النفس والجسد، وبما أن الحياة عند الماركسيين هي صراع على العيش فما الذي دفع الإنسان القديم إلى إقامة شكل من أشكال التضامن مع أبناء جنسه، وإلى اقتسام الثروات بنوع من العدل بحسب توافقهم، وبأي دافع يقدم المعونة للآخرين؟

لقد وقعت شعوب كثيرة تحت الاحتلال وكانت تجد قوتها، لكن حافز الكرامة أبى عليها الخنوع، وكم من ملك ضحى بحياته في ساحات الجهاد، وكم من عالم أفنى عمره في محراب العلم، وكم من سخي بذل ما يملك للضيوف، لكن الماركسيين يصرون على تسخيف الأخلاق والقيم الإنسانية عندما تكون بعيدة عن تطوير الحياة الاقتصادية.

نماذج تطبيقية

مع أن ماركس تنبأ بظهور الشيوعية “حتماً” في الغرب الرأسمالي بعد وصول صراع الطبقات إلى ذروته، إلا أنها لم تُطبق إلا في الدول التي لم تكن قد جربت الرأسمالية بعد، والعجيب أنها فُرضت على الشعوب فرضا ولم تكن نتيجة لثورة العمال على البورجوازية، كما أن الأنظمة التي طبقتها اتخذتها وسيلة لتحقيق السلطة المطلقة وليس لمصلحة الشعوب، ثم انهارت تلك الأنظمة الشيوعية أو تم تعديلها جذريا لتتواءم مع النظام الرأسمالي الذي بات يسيطر على العالم، وعندما وقع النظام الرأسمالي في أزمته الأخيرة عام 2008 تفاءل الشيوعيون بقرب تحقق نبوءة ماركس، ولكن الثورة “الحتمية” المزعومة لم تحدث بعد. وسنستعرض فيما يلي أهم النماذج الشيوعية.

لينين

النموذج الروسي:
كانت روسيا محكومة بنظام ملكي وراثي على مدى قرون، وكان آخرهم القيصر نيقولا الثاني الذي حكم منذ 1894 وحتى الإطاحة به عام 1917. وكان الشيوعي فلاديمير لينين -الذي تذكر بعض المصادر أن أمه ماريا ألكسندر من أصول يهودية ألمانية- من زعماء المعارضة التي أثارت اضطرابات سياسية عديدة، ما أجبر القيصر على إجراء الكثيرة من الإصلاحات الاقتصادية، إلا أن الشيوعيين كانوا يسعون إلى الثورة وقلب نظام الحكم كله، مع أن النظام كان إقطاعيا وليس رأسماليا كما كان يُفترض وفقا لمراحل التطور الماركسي.

سافر لينين إلى سويسرا عام 1900 وتزعم حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في الخارج، وعاد بعد خمس سنوات إلى روسيا ليشارك في التمرد ضد القيصر، وفي عام 1908 توجه مجددا إلى سويسرا ثم إلى باريس، وأسس الحزب البلشفي الشيوعي، وكان “البلاشفة” يعتقدون أن الوصول للسلطة يحتاج إلى ثورة دموية وعبر تنظيمات سرية، ومع انفجار الحرب العالمية الأولى 1914 نالوا فرصتهم، حيث حلموا بتحويل الحرب العالمية إلى حروب أهلية ضد الحكومات الرأسمالية، وحصدت الحرب 10 ملايين إنسان، وفقدت روسية مليونين منهم في أول ثلاث سنوات.

وبالفعل قامت الثورة في روسيا سنة 1917، فتمرد الجيش على الحكومة، وترك القيصر جبهة القتال ليعود إلى العاصمة بتروغراد فأوقف الثوارُ القطارَ الذي كان يقله.

أعطى لينين من منفاه أمراً لأتباعه البلاشفة بالهجوم على المقرات المؤيدة للقيصر، وبدأت حرب داخلية استمرت ثلاث سنوات، وأنشأ البلاشفة الجيش الأحمر الذي بدأ عهده بإعدام القيصر وأفراد عائلته، ودمرت المدن التي لم تؤيد النظام البلشفي، وأمر لينين أنصاره بإعدام كل من يعارضهم، فأُعدم عشرات الألوف من البشر بحجة الخروج على القانون.

لوحة تمجد البلشفية

وصف الكاتب الروسي مكسيم غوركي وحشية البلاشفة بقوله “قام الشيوعيون في تامبوف بتثبيت الرِجْل اليسرى واليد اليسرى للمعتقلين بالمسامير على خشبة علوها متر، أو على مسامير سكة الحديد ثم تابعوا تعذيبهم بسرور بالغ فبقروا بطونهم وأخرجوا أمعاءهم الدقيقة بعد أن كانوا يثبون أطرافهم على الأشجار ويتابعون تفكيك هذه الأمعاء وسلخ جلود المواطنين المعتقلين مبتدئين بأكتافهم”.

كان معظم قادة الثورة البلشفية من اليهود، وعلى رأسهم لينين وتروتسكي، وعندما تولى الشيوعيون الحكم تبين أن جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاثني عشر يهودا، وقد أكد الباحث الراحل عبد الله التل أن 170 من بين رفاق لينين في الثورة كانوا يهودا من بين 224 رفيقا، وأن نسبة اليهود في مناصب الحزب والدولة بشكل عام في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وصلت إلى 95% مع أن نسبتهم إلى عدد السكان لا تتجاوز 2%.

كما جمع الباحث نهاد الغادري تفاصيل عن 88 شخصية يهودية في القيادات العليا للحركة الشيوعية وقال إن هؤلاء ليسوا سوى أمثلة على قائمة تضم ستة آلاف يهودي لعبوا الدور الرئيس في تمكين الشيوعية.

سياسة لينين
لما تسلم البلاشفةُ الحكم كان أغلب سكان روسيا في الأرياف، ولم يكن ما ينتجه الفلاح يكفي عائلته من الطعام، فشتاء روسية قاسٍ لا يساعد على الزراعة.

أصدر لينين قراراً بنزع الملكية الخاصة ووضع يد الدولة على المحاصيل، فأغارت شرطة “جيكا” العنيفة على المزارع وجمعت المحاصيل والحيوانات بقوة السلاح، حيث يصف أحد المفتشين تلك الإجراءات بقوله إن أعمال القوات الخاصة المغتصبة بلغت درجة لا يتخيلها العقل، فكان القرويون المعتقلون يُحشَدون في حظائر الحيوانات ويُضربون بالسياط، ومن يقصّر منهم في إعطاء ما لديه للبلاشفة تربط يداه وذراعاه، ويُؤمر بالركض عاريا في الطريق العام، ثم يُرمى به في حظيرة باردة، بعد أن يُضرب حتى الإغماء.

وفي عام 1921 قرر لينين أن يسلب من القرويين البذار أيضا، حتى ما عادوا قادرين على الإنتاج، فبدأ القحط بعد عام وتشرد 29 مليون إنسان، ومات خمسة ملايين جوعاً، وكان لينين يتابع ذلك بشغف، حيث يُنقل عنه قوله “إن الجوع سيقربنا إلى أهدافنا، بوصولنا إلى الاشتراكية التي هي عهد ما بعد الرأسمالية، فالجوع لا ينهي اعتقاد الناس بالقيصر فحسب بل سينهي الاعتقاد بالله أيضاً”.

وكتب لينين رسالة إلى أعضاء المكتب السياسي يقول فيها “إن الموقف لصالحنا في حال وجد مئات الآلاف من الجثث على الطرقات، سيمكننا الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة وأموال رجال الدين بقوة ودون شفقة أو رحمة، ولهذا ينبغي أن نضع أيدينا على أملاكها، فاليأس الناتج عن الجوع هو الأمل الذي سيجعل المجتمع يقابلنا بابتهاج، أو سيجعله على الأقل على الحياد”.

وأظهرت السجلات السوفييتية المنشورة فيما بعد أن لينين تعمَّد إزهاق حياة خمسة ملايين بالجوع، وأكد ذلك المؤرخ والأستاذ في جامعة هارفارد “ريتشارد بايبس” حيث قال في كتابه “لينين المجهول” إن لينين لم يكن يحمل أي شعور طيب للإنسانية بل يحمل إحساس الإذلال والتحقير، فليس للإنسانية عنده معنى، وأضاف أن سبب هذا الشر هو اعتقاد البلاشفة بالفلسفة المادية التي ترى أن الإنسان نوع من الحيوانات وينبغي معاملته بدون شفقة، وأن تطور النوع البشري مرهون بشدة الصراع بين الطبقات.

تجارب بافلوف على الكلاب تم تطبيقها على البشر

لذا اتبع لينين أساليب “حيوانية” في ترويضه لشعبه، ووجد ضالته لدى العالم الروسي إيفان بابلوف الحاصل على جائزة نوبل، وهو صاحب نظرية الفعل اللاإرادي الشرطي عند الحيوانات، حيث قال له لينين إنه يريد تطبيقها على المجتمع الروسي بحيث يصبح العقل مبرمجا وفقا للنظام الشيوعي، ما تسبب بصدمة لدى بابلوف.

استندت الشيوعية أيضا إلى نظرية التطور التي وضعها تشارلز داروين، فهي ترى أن جميع الكائنات الحية تطورت عبر ملايين السنين عن خلايا بدائية، وتُرجم كتاب أصل الأنواع لداروين أواخر القرن التاسع عشر إلى اللغة الروسية، وأصبح الشيوعيون من كبار منظري التطبيقات الداروينية في العلوم الاجتماعية، حيث استفادوا منها في تبرير المجازر والتطهير العرقي بحق الملايين على اعتبار أن البقاء للأقوى، فمن لا يقوى على الاستمرار في التنافس المحموم على الصناعة والزراعة -ولاسيما في ظل السباق مع الغرب- لا يستحق أن يعيش.

حاول الشيوعيون السوفييت أيضا تطبيق مبادئ ماركس وإنغلز في تدمير النظام الأسري وتطبيق المساواة التامة بين الجنسين، فأكرهوا النساء على العمل في المهن الشاقة والخطرة، لكنهم لم ينجحوا في القضاء على الأسرة، حيث لم يجدوا نظاما بديلا حتى على صعيد التنظير الفكري، فقال تروتسكي في كتابه “المرأة والأسرة”: «لا يمكنك أن تقضي على الأسرة؛ بل يجب عليك أن تعوضها. إن التحرر الحقيقي للنساء مستحيل التحقيق على قاعدة الفقر المدقع».

وكانت النظرية الشيوعية تقتضي إنشاء مطاعم ومغاسل وورشات إصلاح عمومية، ومؤسسات للرعاية الاجتماعية وتنشئة الأطفال، وغير ذلك من المؤسسات الحكومية التي تحرر المرأة مما اعتبروه عبودية للبيت والأسرة وتحولها إلى عضو حر من أعضاء الطبقة العاملة، وهو الأمر الذي اعترف الشيوعيون باستحالة تطبيقه.

تفاقمت إصابة لينين بالشلل عام 1922، فأمضى شهورا طويلة على كرسي متحرك، ثم فقد الاتزان في كلامه وأصبح منظره مفزعا، ومات في أوائل عام 1924، فقرر الحزب الشيوعي تحنيط جسده، وكان من حملة نعشه جوزف ستالين الذي حكم الاتحاد السوفييتي أكثر من ثلاثين سنة، وكادت دمويته أن تنسي الناس وحشية لينين.

المنزل الريفي الذي نشأ فيه ستالين ببلدة غوري في جورجيا (السبيل)

السيطرة على وسائل الإنتاج
عمل ستالين في سنواته الأولى على التخلص من منافسيه، فنفى ليون تروتسكي إلى خارج البلاد، واستكمل سياسة سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، بينما قدمه الإعلام على أنه صانع النهضة الزراعية والصناعية للبلاد.

أخفى بعض الفلاحين جزءا من محاصيلهم في مخازن سرية، لكن الجيش الأحمر كان يسارع إلى اكتشافها ومعاقبة الفلاحين، ومات حوالي ستة ملايين إنسان جوعاً، حتى انتشرت ظاهرة أكل لحوم البشر، ورويت قصص مرعبة عن أكل الجيف، بل وقتل الأطفال للتغذي على لحومهم.

بموازاة ذلك، طبق نظام ستالين سياسة رقابة شديدة على البشر، فكانت السلطات تقتل البعض بمجرد الاشتباه باستيائهم من الأوضاع المزرية فضلا عن كونهم معارضين للنظام، كما أُعدم كثير من رجال الدين والمتدينين، وكان يُرسَل الملايين إلى معسكرات العمل المنتشرة في أنحاء البلاد للعمل في ظروف غير إنسانية أودت بحياة الكثيرين، حتى أصبحت ظروف العمل القاسية في الدول الرأسمالية التي انتقدها ماركس بمنتصف القرن التاسع عشر أكثر رحمة بكثير من مثيلتها في العالم الشيوعي.

وثق الدكتور محمد علي البار في هذا الكتاب مأساة المسلمين في ظل الحكم الشيوعي

أما المسلمون فكان نصيبهم من الاضطهاد مضاعفا، حيث طرد ستالين أربعمئة ألف مسلم من القرم والقفقاز في يوم واحد، وهو 18 أيار 1944، وأرسلهم إلى مناطق بعيدة أو إلى معسكرات العمل، حتى مات أكثر من نصفهم في الطريق، كما ارتكبت الشرطة السرية مجازر كثيرة بحق المسلمين.

في عام 1934م، ألقى ستالين خطاباً أكد فيه أن سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج كانت ناجحة جداً، وصفق له الحاضرون بحرارة، وصعد المقربون منه إلى المنصة ليكيلوا له المديح على عبقريته. وبعد إجراء الاقتراع السري لم يوافق على سياسته سوى 1300 مندوب من أصل 1900، فأًصيب ستالين بالصدمة، وأُلغيت الانتخابات لتعاد ثانية ويُنتخب ستالين سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي بالإجماع.

قرر ستالين معاقبة المندوبين الذين لم يصوتوا له في البداية، فقتل حوالي ألفا منهم خلال عدة أشهر، وذلك عبر سلسلة اغتيالات نفذتها الشرطة السرية، كما دُبر اغتيال سيرغي كيروف لأنه نال أصواتاً أكثر من ستالين، وسار ستالين في جنازته حتى دفنه.

وخلال الثلاثينات قُتل كثير من رجال الدولة والمسؤولين، وقُدم بعضهم إلى محاكم صورية قبل إعدامهم، كما قُتل عدد من كبار الضباط في الجيش خشية انقلابهم على ستالين، ما دفع الحكومة النازية في ألمانيا إلى التجرؤ على غزو الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، لكن غرور ستالين دفعه إلى عدم تصديق التقارير التي رُفعت إليه للتحذير من للنازيين حتى تقدموا في عمق بلاده لمئات الكيلومترات، واضطرت روسيا جراء ذلك إلى الدخول في حرب طاحنة قُتل خلالها 25 مليون سوفييتي، ومع ذلك، يُعتقد أن الذين قتلهم ستالين من شعبه أكثر بكثير (40 مليونا).

الفن والعلم
وجّهت الشيوعية ضربة قضاية للإبداع، فبعد كل ما قدمه الروس قبل الثورة البلشفية من تراث فني وأدبي للعالم، جفت منابع الإبداع في البلاد بطولها وعرضها، وأجبر ستالين كل الموهوبين على اعتناق فلسفته المادية والترويج لها بالعلم والفن والأدب، وأصبحت البحوث العلمية تخضع للرقابة الأيديولوجية من قبل السلطات، فعلى سبيل المثال لم يكن من المسموح نشر أي نظرية لا توافق نظرية التطور الدارويني، ويُنسب إلى ستالين القول “حتى نمحو فكرة نشوء الخلق من ذهن الأجيال والشباب يجب أن نعلمهم نظرية داروين”.

لييسنكو في الحقل

ومن الأمثلة العجيبة لمحاولة الأيديولوجيا الشيوعية التحكم بالعلم، إعلان رئيس أكاديمية لينين للعلوم الزراعية تروفيم لييسنكو في مطلع الثلاثينات عن نظريته التطورية التي تقول إن الكائنات تتطور حسب بيئتها، زاعما أن الحبوب يمكن أن تتطور إذا ألقيت في الماء البارد، فتبنى الحزب الشيوعي خطة زراعية لعدة سنوات بناء على هذه النظرية التي لم تكن قد ثبتت صحتها بعد، وأجبر الفلاحين على إلقاء آلاف الأطنان في سهول سيبيريا بعد أن نقعت بالماء البارد، فتلفت كل الحبوب وتراجع القطاع الزراعي إلى الوراء عشرات السنين، ومع ذلك ظل ستالين يدافع عن صديقه لييسنكو حتى موته.

وبالمقابل، قتل ستالين العلماء الذين رفضوا نظرية التطور، ومنهم العالم الوراثي نيكولاي بافلوف الذي اعتقل بتهمة إفساد الزراعة السوفيتية، وأرسل إلى معسكرات العمل حتى مات.

مات ستالين عام 1953م، وبالرغم من إظهار خلفائه شيئاً من الليونة للشعب إلا أنهم نقلوا أسلوب الحكم الوحشي إلى البلاد الأخرى التي عانت من النفوذ الشيوعي، حيث أخمدت روسيا حركة الاستقلال في المجر عام 1956 بنزول الدبابات إلى أزقة العاصمة بودابست، كما تحول ربيع تشيكوسلوفاكيا عام 1962 إلى شتاء قاس عندما تدخل الجيش الأحمر لقمع الثوار.

أما أفغانستان فتعرضت لاحتلال مباشر استمر نحو تسع سنوات بدءا من عام عام 1979، حيث لم تتورع الطائرات السوفيتية عن قصف المدن الأفغانية وارتكاب الجماعية، ولجأ أكثر من خمسة ملايين من الأفغان إلى البلاد المجاورة وعاشوا في ظروف سيئة لسنين طويلة.

في متحف ستالين بمسقط رأسه مدينة غوري في جورجيا تُعطي مقتنياته فكرة عن حياة الترف التي كان يعيشها وبشكل يتعارض مع مبادئ الشيوعية

النموذج الصيني
حافظ الصينيون على عاداتهم وثقافتهم في بيئة منعزلة لآلاف السنين، ولم تبدأ الصين بالانفتاح على الخارج إلا في القرن التاسع عشر عندما اقتحمها الإنجليز، فكان من آثار الانفتاح تغلغل نظرية التطور، حيث ترجم كتاب أصل الأنواع لداروين عام 1895 إلى الصينية، أي بعد صدوره بستة وثلاثين عاماً فقط، وسرعان ما تركت الداروينية أثرا واضحا في ثقافة الصينيين، حيث وضع أستاذ التاريخ بجامعة هارفرد جيمس ريفي روس كتاباً بعنوان “تشارلز داروين والصين” وقال فيه إن المثقفين الصينيين اقتبسوا من الداروينية ما أسموه بالنظرية الثورية، والتي هيأت بدورها الأرضية لانتشار الشيوعية.

ماو

تأثر الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ بالداروينية منذ شبابه، وبدأ ثورته ضد الحكومة عام 1920 بشعارات تلخط الشيوعية بالدراوينية، وذهب ضحية الحرب الأهلية مئات الآلاف من الأبرياء، إلى أن تمكن ماو من احتلال العاصمة بكين عام 1949، وأصبحت الصين على درب الشيوعية بعد الاتحاد السوفييتي.

كان ستالين صديقاً شخصياً للرئيس ماو، وشكلا بقوتهما الضاربة قطبا شيوعيا عملاقا ينافس الغرب الرأسمالي، وكانت باكورة عملهما المشترك على نشر الشيوعية في العالم هي حث الشيوعيين في كوريا الشمالية على احتلال كوريا الجنوبية عام 1950، ما أدى لاندلاع حرب أهلية طوال ثلاث سنوات، ومقتل أكثر من ثلاثة ملايين إنسان.

بعد الفشل في ابتلاع كوريا الجنوبية، ركز ماو على الشؤون الداخلية للصين، وبدأ بتكرار تجارب صديقه ستالين أملا في إحداث النهضة الصناعية والزراعية الموعودة، فانتزع الحزب الشيوعي أملاك المزارعين والعمال، بينما كان الإعلام الحكومي يصوّر الطبقة الكادحة وهي تمارس عملها مع ابتسامة مصطنعة خشية البطش.

أطلق ماو سنة 1958م برنامجاً اقتصادياً أسماه الثورة الكبرى، وملأه بالشعارات التي تعد الشعب بمستقبل مشرق، فبدأت الحملات الحزبية الكبرى تحت شعار مضاعفة الإنتاج الصناعي والزراعي، وعُلِّقت ملصقات الدعاية في كل مكان وهي تتحدث عن منتجات الصين التي ستثير غيرة الدول الغربية.

منعت الحكومة الإنتاج الخاص، وجمعت الفلاحين في مزارع كبيرة للعمل بالإكراه، وكان الحزب يتدخل في كل شيء، وهدفه الوحيد هو رفع طاقة الإنتاج مهما كان الثمن وبأي طريقة، إلى درجة ملاحقة الحيوانات التي اعتقد أنها ضارة بالمحاصيل وفقا للعقلية الداروينية، وعندما قرر الحزب أن العصفور الدوري هو أخطر الحيوانات على المزروعات، نظم حملة في كل البلاد لصيد العصافير، فانطلق مئات الآلاف لقتلها، وكانت النتيجة انتشار الحشرات التي كانت العصافير تتغذى عليها إلى جانب الحبوب، فوقعت البلاد في أزمة.

وفي عام 1958م تنافست البلديات على إنتاج أكبر قدر من المحصول لتنال رضا الحكومة، فلجأ الكثيرون إلى الكذب وتزييف النتائج أمام مفتشي الحزب، الأمر الذي أدى إلى تقديم إحصائيات مبالغ فيها، حيث أعلن الحزب الشيوعي أن الصين تملك فائضاً هائلاً في الأرز والحبوب، وقرر بذلك سحب عشرات آلاف الفلاحين من مزارعهم للعمل في الصناعة ومشاريع البنية التحتية، مثل حفر القنوات العملاقة تحت ظروف قاسية، وتشغيل المصانع بشكل دائم وعلى مدار الساعة، إلى درجة هلاك الآلاف من العمال تحت الضغط وتعطل الآلات لحاجتها إلى الصيانة.

معمل للصلب كان يُجبر فيه العمال على العمل في مناوبات طوال اليوم

وطالما أعلنت الشيوعية الإلحاد، فقد وضع الحزب زعيمه ماو في موضع الإله كما فعل السوفييت بقادتهم، فكانت آراء الزعيم لا تقبل المناقشة وكأنها وحي مقدس، وبما أنه لم يكن متخصصا في الزراعة والصناعة والاقتصاد فإن الكثير من نظرياته كانت خاطئة وساذجة، ولكن الشعب كان مضطرا لتصديقها مهما خالفت الواقع، فعندما أعلن ماو عن هدف آخر من أهداف ثورته وهو مضاعفة إنتاج الفولاذ، انطلق عشرات الملايين من الصينيين للعمل على إنتاج الصلب (الفولاذ) بأساليب غير احترافية، حتى أذابوا كل ما وجدوه من معادن في أفران بدائية، وكان الواجب الوطني يقتضي أن يسخّر الجميع وقت فراغهم لهذه المهمة وكأنها عبادة، فكانت النتيجة إنتاج صلب رديء لا يصلح لشيء.

أما النتيجة الكارثية لهذه التجارب الجنونية فهي افتقار القطاع الزراعي لليد العاملة بعد سحبها للصناعة والحفر والإنشاء، فكان عام 1960م بداية لأكبر المجاعات في العصر الحديث، حيث يقدر البعض أنها حصدت خلال عامين فقط أرواح أربعين مليون إنسان.

وبما أن الزعيم ماو كان بمنزلة الإله الذي لا يخطئ، فقد تم تبرير المجاعة بأنها عقوبة لمن لم يلتزم بالشيوعية على وجهها الصحيح، على اعتبار أن المجاعة ظهرت بشكل أكبر في المناطق التي لم تظهر ولاءً كاملاً للشيوعية. لكن هذا الفشل كان كافيا لينسحب ماو جزئيا من الساحة السياسية ويقلل من ظهوره، تاركاً تفاصيل إدارة الدولة للبيروقراطيين الذين كانوا أكثر معرفة منه.

أحد ملصقات الثورة الثقافية ويظهر فيها الشعب حاملا الكتاب الأحمر

عاد ماو إلى الظهور عام 1966 وهو يحمل “الكتاب الأحمر” الذي يتضمن أقواله وخطاباته، وأطلق بذلك “ثورة البروليتاريا الثقافية الكبرى”، محذرا من أسماهم بممثلي البورجوازية من اختراق الحزب الشيوعي، الأمر الذي أدى إلى شق صف المجتمع الصيني، فسرعان ما استجاب لدعوته ألوف الشباب المتحمسين لشعارات التحرر والثورة، ممن عُرفوا لاحقا باسم الحرس الأحمر، وأصبحوا جواسيس على عقول الشعب بحجة اكتشاف كل من كان يحمل أفكارا لا تتناسب مع الشيوعية، فتم تعذيب الملايين وقتل مئات الألوف، ولم يكن الحرس الأحمر يكترث لثقافة المتهمين وقدرهم الاجتماعي حتى لو كانوا من كبار المبدعين وأساتذة الجامعات، فكان بالإمكان اتهام أي شخص بأنه غير شيوعي وإهانته أمام الناس، بل كان يحق للحرس الأحمر إهانة آبائهم وأمهاتهم أيضا، وأن يستوقفوا أي شخص في الطريق ويسألونه عن مقاطع من الكتاب الأحمر، ومن لا يعرف الجواب يتعرض للتعذيب على الفور.

وخلال سنتين من “الثورة الثقافية” تم تخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي، واصطبغت الفنون كلها بلون الشيوعية الأحمر الخالي من المشاعر، وانتهكت المتاحف وأحرقت الكثير من المكتبات والمدارس والمصانع والمنشآت، وتحول الحرس الأحمر إلى مليشيات يتم تشكيلها من قبل فئات من المجتمع لتحقيق مصالح أخرى، وتشكلت بذلك طبقة وسطى ثائرة ومتذمرة من سوء المعيشة وانعدام العدالة، حتى كاد السحر ينقلب على الساحر ويصبح الحرس الأحمر ضد الحكومة نفسها، واندلعت مظاهرات واعتصامات واشتباكات عنيفة حتى أصبحت البلاد على شفا حرب أهلية، وهنا تدخل الجيش ونفى 17 مليون شخص من الحرس الأحمر إلى الحقول وقلص سلطاتهم، وفي عام 1969 تم الإعلان رسميا عن إنهاء “الثورة الثقافية”.

لكن النزعة “الماوية” لم تتوقف بموته، فتم تحنيطه ليبقى جسده ماثلا كالأصنام، كما انتشر كتابه الأحمر في أنحاء العالم ليكون وقودا للثوار في وجه الرأسمالية، وكان انتشار الماوية قد بدأ من بداية الستينات إثر فساد العلاقة الصينية السوفيتية مما سمح لماو بالظهور كزعيم مستقل عن ماركس ولينين وستالين، فتأسست أنظمة تعتمد على مبادئ ماو في كمبوديا وكوريا الشمالية وألبانيا، وحتى أميركا (منظمة الفهود السود).

كمبوديا
ربما كانت دول أوروبا الشرقية من أهم النماذج الاشتراكية والشيوعية التي يسلط عليها الضوء قبل انهيارها مع انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن الدول الآسيوية التي طبقت الشيوعية قدمت نماذج أكثر وحشية في قمع حرية الإنسان واستعباده ومسخ فطرته، وتعد كمبوديا أكثر هذه النماذج بشاعة، فقد استورد الشيوعيون فيها نموذج ماو الصيني كما كان الأوروبيون الشرقيون يستوردون نموذج لينين وستالين الروسي، ومارسوا من خلاله جرائمهم العنصرية لتصفية الآخرين تحت غطاء الداروينية.

جماجم الضحايا توثق مأساة الحرب الأهلية في كمبوديا

فبعد أن عبرت القوات الفيتنامية الشيوعية الحدود إلى كمبوديا أثناء حربها مع الولايات المتحدة، دخلت كمبوديا في حرب أهلية عام 1970م، وكان الجنرال الشيوعي بول بوت يقود الخمير الحمر بشعارات ماو، وما إن احتلوا العاصمة “بنوم بنه” عام 1975 حتى أعدموا الآلاف من موظفي الدولة، وسحبوا سكان المدن إلى القرى للعمل في حقول الأرز بالقوة، فتحولت الأرياف إلى حقول موت جماعي، ودُمرت المعابد والمكتبات بحجة مكافحة الرجعية، واستُهدف أصحاب مهن معينة مثل الأطباء والمحامين والمعلمين، بل حتى الذين يرتدون النظارات كانوا معرضين للقتل على اعتبار أنها علامة للمثقفين، وفقا للباحث الأميركي روبرت كابلان في كتابه “نهايات الأرض”.

كان مسلمو كمبوديا من عرقية التشام من أكثر الأقليات تضررا كما هو الحال في كل الدول الشيوعية، حيث أبيد نصفهم، كما أعاد الشيوعيون بناء المجتمع على أساس تصوراتهم الخاصة، فحاولوا هدم نظام الأسرة وإلغاء مظاهر التدين وإنشاء الأطفال على ثقافة الشيوع في كل شيء.

وكانت ثمرة الشيوعية في هذا البلد الصغير هي قتل نحو ثلاثة ملايين إنسان من أصل ثمانية ملايين، ومازالت عظام وجماجم الضحايا تعرض إلى يومنا هذا في متحف العاصمة، وقد صور الشيوعيون الكثير من ضحاياهم لتوثيق ملامح الهلع في وجوههم قبل الموت.

من آثار المجاعة التي ضربت كوريا الشمالية في التسعينات

تعد شبه الجزيرة الكورية نموذجا مدهشا للمقارنة بين النظامين الشيوعي والرأسمالي، فمنذ حصول كوريا على الاستقلال من الاحتلال الياباني عام 1945 تم تقسيمها إلى شمالية وجنوبية، فكان الشمال من حصة الاتحاد السوفييتي والصين، بينما دعمت الولايات المتحدة الجنوب، واندلعت بينهما حرب أهلية بين عامي 1950 و1953، وما زال الشمال حتى اليوم متمسكا بالشيوعية وعبادة سلالة الزعماء المصابين بجنون العظمة بالرغم من انهيار الشيوعية السوفييتية وتراجع الصين عن شعاراتها.

بدأت النهضة في الجنوب ببداية ستينات القرن العشرين، فارتفع دخل الفرد إلى نحو 17 ضعفا عن مثيله في الشمال، وعقد الجنوب أول انتخابات رئاسية حرة في ظل دستور ديمقراطي عام 1987، وفي عام 2004 أصبحت كوريا الجنوبية في المرتبة الثانية عشرة على قائمة أكبر الدول الاقتصادية في العالم.

أما كوريا الشمالية فدخلت في دوامة التخبط الاقتصادي منذ بداية تأسيسها بالرغم مع كل الشعارات المرفوعة، ومع بداية تسعينات القرن العشرين أصبحت بحاجة ماسة للاعتماد على المساعدات الدولية كي تنقذ شعبها من المجاعة، وهي تحاول تطبيق إصلاحات اقتصادية تتنافى مع شعاراتها الشيوعية منذ عام 2002، كما اضطرت عام 2013 لتأسيس 14 منطقة استثمارية مفتوحة للمستثمرين الأجانب داخل أراضيها، وما زالت حتى اليوم تعتمد على مساعدات جارتها الجنوبية بالرغم من معاداتها.

كيف فشلت الشيوعية؟

غورباتشوف

في الاتحاد السوفييتي
تولى ميخائيل غورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفييتي عام 1988، أي بعد قرابة سبعين سنة فقط من نشأة الدولة التي كانت تنازع الولايات المتحدة على سيادة العالم، ومع ذلك فقد كانت تعيش أسوأ أيامها لفشل سياسات الشيوعية الاقتصادية، لذا تولى غورباتشوف من بداية ولايته مهمة الإنقاذ مطلقا برنامج إعادة البناء (البريسترويكا) بالتزامن مع سياسة الشفافية (غلاسنوست)، كما حاول الانفتاح على الغرب متراجعا عن سياسة العنجهية التي استخدمها أسلافه ضد الغرب، فسعى مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان إلى إنهاء الحرب الباردة وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1990، وسمح للأجانب بالاستثمار في الاتحاد السوفييتي على شكل مشاريع مشتركة مع الحكومة والتعاونيات، وتخلت الحكومة عن الشرط الأساسي للشيوعية وهو إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فسُمح بتأجير الأرض والحيوانات والآلات للفلاحين كي ينقذوا البلاد من مجاعة محدقة، بعد أن ثبت عمليا فشل السياسة الزراعية السوفييتية التي أطلقها ستالين عام 1930 بانتزاعه المزارع الخاصة بالقوة من أصحابها وتحويلها إلى مزارع جماعية.

يقول مؤرخو تلك المرحلة إن المزارع الخاصة الصغيرة سرعان ما بدأت بالإنتاج حتى أصبحت تغطي ربع حاجة البلاد من المنتجات النباتية وتملك ثلث عدد الأبقار، بينما كانت المزارع الحكومية غارقة في الفشل والفساد، كما امتلأت أرفف الأسواق الخاصة والتعاونيات بالسلع الأساسية رغم أسعارها باهظة في حين بدت أرفف الأسواق الحكومية فارغة.

شجع غورباتشوف الصحافة على انتقاد السياسة الزراعية أملا في الوصول إلى حل فانتشرت الفضائح، حيث أكدت الصحف مرارا أن عدة أطنان من الخضار والفواكه تفسد في مخازن الحكومة بينما يبحث الشعب عن ثمرة لشرائها، كما ذكرت صحيفة البرافدا أن كمية هائلة من اللحوم تُسرق عبر مراحل عدة قبل وصولها إلى السوق لأن توزيعها محصور بيد موظفين حكوميين.

الألمان يحتفلون عام 1989 بهدم جدار برلين الذي كان يقسم عاصمتهم بين الشيوعية والرأسمالية

كان الحل الوحيد الصعب هو تطبيق مبادئ السوق الحرة عبر رفع الدعم الحكومي والتخلي عن التسعير لتشجيع المنتجين على الإنتاج، وهو الأمر الذي أخضع الأسعار لمبدأ العرض والطلب والتضخم.

بحلول 1990 كانت الحكومة قد خسرت السيطرة على الاقتصاد، حيث ازدادت نفقات الدولة لخسارة صفقاتها وانخفضت عائدات الضرائب بسبب امتناع السلطات المحلية عن تقديمها للحكومة المركزية، وسقطت القوة العظمى بشكل سريع ومفاجئ ودون حرب أهلية، وانتقلت مباشرة إلى نظام السوق الحر تاركة الشعب المعدم لتدبر أموره.

وما زال غورباتشوف حتى اليوم يتهرب من الاعتراف بفشل سياسته فضلا عن فشل الشيوعية كلها، ويلقي باللائمة على الولايات المتحدة والغرب في انهيار نظامه. ومع أن الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية سقطت الواحدة تلو الأخرى وتحولت إلى النظام الرأسمالي؛ فما زال بعض الشيوعيين حول العالم مُصرًا على عدم الاعتراف بالفشل.

في الصين
بدأت الصين برنامجها الإصلاحي مبكرا، ربما لأن المجاعة ظهرت فيها قبل ظهور الأزمة في جارتها السوفييتة، فعند وفاة ماو عام 1976 كانت الصين أكثر الدول فقرا وانعزالا في العالم، لكن الحزب الشيوعي الصيني وضع على الفور خطة لتحديث نظامه الاقتصادي ضاربا بحتمية ماركس وإلحاده عرض الحائط، فاستعاد الحزب تقاليد الدين الكونفوشي وتصالح مع الدين، وفتح الباب أمام المبادرات الاقتصادية تدريجيا متنازلا عن احتكار الدولة لوسائل الإنتاج.

وهكذا شهد عقد الثمانينات في الصين نشوء قطاع خاص ضخم، حيث تخفف الاقتصاد من قيود الاستثمار الخارجي في بعض المناطق متيحا فرص العمل للملايين، كما تخلى الرئيس دينغ شياو بينغ عن شعارات الأيديولوجيا الشيوعية الفارغة وتعامل مع السوق بسياسة براغماتية، حتى أصبح شائعا القول إن النظام الاقتصادي في الصين هو نظام رأسمالي تقوده الدولة.

مدينة شنغهاي في الصين الشيوعية أصبحت تنافس المدن الغربية على اللحاق بالعولمة الرأسمالية

واليوم تعد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولكن هذه النهضة مازالت مشوبة بعوامل انهيار داخلية، فكل ما فعله الحزب الشيوعي هناك هو تأجيل الكارثة بفتح الباب أمام الاستثمار والتشغيل، إلا أن التوجه المبالغ فيه نحو الصناعة وغزو الأسواق العالمية جاء على حساب الزراعة التي تخسر كل يوم المزيد من الفلاحين بنزوحهم نحو المدن للعمل في المصانع، كما أن المنتوجات الصينية التي وصلت إلى كل أسواق العالم تفتقر إلى الإبداع والجودة ولا يمكنها المنافسة إلا برخص أسعارها، وما زالت المنافسة في السوق قاصرة على ما تحدده الدولة، فمن الصعب أن ينافس المستثمر في سوق يكون خصمه فيه هو الحكم.

أما على صعيد حقوق الإنسان والحريات فلا يخفى على أحد أن الأمر لم يتغير كثيرا، حيث لا يزال أكثر من 1.3 مليار صيني يرزحون تحت حكم حزب واحد يتحكم في كل شيء، فضلا عن الفساد المنتشر في أوساط الحكومة، ففي عام 2008 على سبيل المثال، تسبب زلزال سيشوان بمقتل مئات الآلاف من الأطفال عندما انهارت مدارسهم المبنية بطريقة رديئة، وانتشرت عندئذ قصص الفساد في بناء المدارس، لكن المحتجين من الآباء والمعلمين هم من الذين تعرضوا للسجن في النهاية وليس الفاسدون.

لقد أكد التطبيق العملي للشيوعية أن النظرية التي صاغها فيلسوف ألماني (ماركس) في منزله المرفه بحي سوهو اللندني وفي مقهى بالساحة العامة ببروكسل كانت مجرد غطاء نظري للاستبداد، وأن الشيوعية لم تكن نهاية حتمية للرأسمالية كما كان يزعم، بل نظاما طبقه العسكريون بالقوة، وأنه لا يمكن عمليا فصل الشيوعية عن الاستبداد حتى لو لم ترافقها الوحشية.


أهم المراجع
ماركس وإنغلز، البيان الشيوعي، ترجمة محمود شريح، منشورات الجمل، ألمانيا.

ريازانوف، محاضرات في تاريخ الماركسية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، 1979.

نهاد الغادري، التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية، دار الكاتب العربي، بيروت، 1969.

عمر حليق، موسكو وإسرائيل: دراسة مدعمة بالوثائق لجهود موسكو في خلق إسرائيل وإبقائها، الدار السعودية للنشر، الرياض، 1985.

عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، 2004.

محمد سعيد رمضان البوطي، نقض أوهام المادية الجدلية، دار الفكر، دمشق، 1985.

عبد الله التل، الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، المكتب الإسلامي، 1971.

علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، مؤسسة بافاريا للنشر، 1994.

عبد الله عزام، السرطان الأحمر، مكتبة الأقصى، عمان.

وليام غاي كار، أحجار على رقعة الشطرنج، ترجمة سعيد جزائرلي، دار الكتاب العربي، 2011.

حسن موسى العقبي، مالك بن نبي وموقفه من القضايا الفكرية المعاصرة، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية في غزة، 2005.

مجموعة مؤلفين لدى الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر.

الفيلم الوثائقي “التاريخ الدموي للشيوعية”، موقع المفكر هارون يحيى الرسمي.

The Jewish Encyclopedia, A descriptive record of the history, religion, literature and customs of the jewish people from the earliest times to the present day, Vol. 4, P152, Funk and Wagnells, New York and London, 1909.

http://henrymakow.com/2015/04/Karl-Marx-Was-Rothschilds-Third-Cousin%20.html

الأسئلة الوجودية الكبرى

بعد أن نؤمن بوجود الله تعالى، وبصفاته وكماله المطلق، وبوجود الوحي المعصوم المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ قد تبقى هناك بعض الأسئلة التي يقلبها العقل ويضيق بها الصدر، وهي أسئلة يشترك في بحثها كبار الفلاسفة مع صغار المراهقين، لكونها نابعة من أعماق النفس البشرية التي لا يختلف على فطرتها اثنان مهما تنوعت الثقافات والمشارب.

سنحاول في هذا المقال طرح أهم تلك الأسئلة، ثم نواصل السير في سبيل البحث عن أجوبة لها بأدوات المعرفة التي تزودنا بها في مطلع الرحلة، وسيكون طرحها متسلسلا ومتدرجا وفقا للترتيب الذي تخطر به على العقل في العادة.

لماذا خلقنا الله؟

ينبغي أن نحدد من البداية مصدر المعرفة الذي سنلجأ إليه للبحث في هذا السؤال، وبما أن السؤال يتعلق بأفعال الله تعالى، فإن الوحي الصادر عنه هو الوحيد الذي يمكن الاطمئنان إليه، لأن العقل سيعجز عن الخوض فيما يتجاوز حدوده، ولأن الكشف (الإلهام والحدس) ليس مصدرا مأمون الجانب في هذه المسائل الغيبية [انظر مقال مصادر المعرفة].

والسؤال بصيغة “لماذا” في قضية وجودية كبرى قد يتضمن مستويين من البحث، وهما العلة أو السبب (الظاهر) والحكمة (العميقة)، وسنستعير من علم أصول الفقه هذا التمييز على اعتبار أن علة الحُكم هي الوصف الظاهر المعرِّف له، أما الحكمة فهي الغاية النهائية للحكم والتي يترتب عليها تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة. فمثلا علة قصر صلاة المسافر هي السفر، أما ما يسمى بالعلة الغائية (الحكمة) فهي التيسير ودفع المشقة عن الناس، وقد يتسبب الخلط بين العلة والحكمة بالكثير من اللبس.

وقد وجد الفقهاء في أحكام الشريعة أن هناك أموراً لم يوضح الشرع علتها، فتظل الحكمة منها أيضاً خفية، مثل عدد ركعات الصلاة، فالمؤمن يعلم من منطلق يقينه بحكمة الله أن لهذا التشريع المحدد غاية وحكمة، ولا يصعب على عقله التصديق بأن خفاء الحكمة عنه لا يعني عدم وجودها.

وعندما نطبق هذا الفهم على خلقنا نفسه من حيث خروجنا من العدم إلى الوجود، فسنعود إلى الوحي لنكتشف أنه أوضح لنا الغاية في أمر محدد بوضوح، وهو عبادة الله، حيث قال القرآن الكريم: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، وقال: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7]. ويضيف بعض المفسرين غاية أخرى هي إعمار الأرض، أي إقامة العدل وتحكيم شرع الله وتحقيق مصالح الناس، مستندين إلى قوله تعالى {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود: 61]، ويمكن القول إن الإعمار مشمول بالعبادة نفسها، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كما يقول ابن تيمية [انظر مقال شريعة الإسلام].

لحظة الولادة

كما نص الوحي على أن خلق الإنسان والكون لم يكن عبثاً، فقال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، وقال: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27]، فالآية توضح أن الكافرين يسيؤون الظن في الحكمة من خلق الكون، وهي تؤكد أن لله حكمة وإن خفيت عنا، وتجيب أيضاً على أسئلة يطرحها البعض من قبيل: لماذا خلق الله كونًا بكل هذا الاتساع المهول ونحن لا نشغل منه سوى مساحة صغيرة جداً؟ والجواب أننا لا نعلم إن كنا وحدنا المخلوقين فيه، وحتى إذا لم يكن هناك غيرنا فليست هناك علاقة ضرورية (عقلية أو تجريبية) بين صغر حجم كوكبنا في الكون وبين كونه مسخراً لنا من عدمه، فيكفينا من اكتشاف عظمة الكون أن نزداد إيماناً بعظمة الله، وهو تعالى قد نفى العبث عن هذا الخلق الهائل المعجز، فغياب جانب من الحكمة في خلقه عنا لا يعني العبث بل يثبت نقصنا وعجزنا، لكن العجيب أن الإنسان يزداد كفراً بالخالق العظيم كلما ازداد اكتشافه لضآلة حجم البشرية وسعة خلق الله بدلاً من العكس، وهذا ما يحدث في العالم المعاصر منذ ما يسمى بعصر النهضة.

والقرآن الكريم لم ينفِ العبث في خلق الكون فحسب، بل نفى اللهو واللعب أيضاً، فقال {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنّا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 16-17]، أي أن الخالق جل وعلا لو أراد أن يتخذ زوجة (كما يتوهم أصحاب الأساطير عن الآلهة التي تتزوج وتنجب) لاتخذ زوجة من عنده لكن ذلك لا ينبغي لمقام الألوهية. وقال الإمام المفسر مجاهد بن جبر في الآية: {لاتخذناه من لدنا} أي “من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا”.

إذن فالوحي يوضح لنا أن خلقنا كان بغاية عبادة الله، وأن خلقنا وخلق الكون لم يكن عبثا ولا لهوا. إلا أنه لم يوضح لنا ما هو أبعد من ذلك، فلم يخبرنا مثلاً عن الحكمة من تكليفنا بالعبادة أصلا، أو من وضع شروط العبادة وتفاصيلها على النحو الذي أمرنا به، أو من خلقنا وخلق الكون على النحو الذي نعرفه.

والعقل لا يستطيع الوصول إلى الغايات الأولى للوجود حيث لم يكن موجودا آنذاك، كما لا يستطيع التفكير بمنطق خارج عن التجربة والحدس والبديهيات المغروزة فيه. والعلم التجريبي يبحث في الكيفية وليس في الحكمة، أي أنه يجيب عن “كيف” وليس عن “لماذا”، وطالما أن الوحي لم يخبرنا عن الحكمة من الوجود على هذا النحو فلا ينبغي لفيلسوف ولا عالم أن يضيعا الوقت في البحث عنها.

وهذا لا يعني أن نُجبر عقولنا على عدم طرح الأسئلة، فالعقل لا يمكنه التوقف عن التفكير، ولكن عندما نجرده عن الهوى يمكننا أن نضبط أسئلته لتصبح محدودة بحدود قدراته، ومن ثم تكون أسئلته قابلة للبحث كي يتمكن في النهاية من الإجابة عنها، والعقل يعرف مسبقاً أن أجوبة الأسئلة الماورائية الغيبية (ميتافيزيقية) التي يولّدها ليست دائماً في متناوله، بينما يعرف أن من الأسئلة القابلة للبحث سؤالنا: هل الخلق نفسه على هذا الشكل كان عبثا؟ والعقل يقر ما أقره الوحي من نفي العبث، فعبثية الخلق ليست ضرورية أصلاً من جهة المنطق، والتجربة والعادة تنفيان بدورهما العبثية عن الكون المعجِز بدقته، ما يؤكد بالمجمل أن لهذا الكون خالقاً مدبراً حكيماً، وأن لكل جزء من هذا الكون غاية وسبباً حتى لو لم نفهم الحكمة من وجوده على هذا النحو أو ذاك.

والسؤال التالي القابل للبحث هو: هل تحقيق غاية خلقنا نحن يتعارض مع العقل أو الضمير؟ والجواب هو: لا، فمن المفهوم بكل بساطة أننا خُلقنا لنعبد الخالق ونعمر أرضه، كما أن إنجاز المطلوب ليس فيه ما يتعارض مع المبادئ الأخلاقية، بل إن العقل والضمير يجدان صعوبة في تقبل افتراض عبثية خلقنا، فإذا كانت نفسُ الإنسان المتشكك تستبعد وجود الحكمة الخفية بسبب حيرتها أمام مظاهر الخلل والشر والنقص في العالم، فيجدر بعقله أن يتساءل كيف يمكن لهذا الكون المُعجز بأدق تفاصيله المدهشة أن ينشأ عن صدفة؟ أو حتى أن يكون مخلوقا من قبل إله “غير حكيم”؟ إذ يبدو أن الشكوك تتعلق بزاوية النظر إلى الأمور وليست ناتجة عن إلحاح عقلي مجرد.

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض” [صحيح البخاري: 3020]، وهذا يعني أن الله كان موجودا وحده ولم يكن هناك أي مخلوق في الوجود، ثم خلق الله تعالى عرشه وجعله على ماء، ثم خلق الكون بسماواته وكواكبه. والعلم التجريبي لا يستطيع الخوض في ما قبل لحظة “الانفجار العظيم” التي يُعتقد أنها بداية الكون، ولا يستطيع أيضا أن يعرف من أين جاءت الكتلة الهائلة في الكثافة وفي الصغر التي انفجر منها الكون (على افتراض صحة نظرية الانفجار العظيم)، كما لا يمكن للعقل أن يبحث في تلك البداية وما قبلها لعدم وجود أي دليل تجريبي أو شاهد يقيس عليه، فلا مفر من التسليم بما يخبرنا به الوحي عن وجود الله الأولي وعن خلقه للكون، وذلك بعد أن آمنا اضطرارا بأنه لا بد من موجد للكون [انظر مقال وجود الله].

وإذا سلمنا بوجود الله وبخلقه للكون، فلا بد أن يسلّم العقل بما أخبرنا به من غاية هذا الخلق، أما الحكمة مما وراء ذلك ومن التفاصيل الدقيقة للخلق فلم يُطلعنا الوحي عليها ولم يكلفنا بالبحث عنها، ومن يدفع بعقله لمحاولة تجاوز حدوده فلن يصل إلى أي معرفة يقينية، وحتى إذا بلغها بضربة حظ جدلاً فلن يكون بمقدوره أن يبرهن عليها، لذا لجأت الفلسفات الغنوصية والباطنية التي خاضت في الغيبيات إلى مزاعم الكشف والإلهام، لعجزها عن تقديم براهين على نظرياتها.

بناء على ذلك، لا ينبغي للعاقل أن يضيع وقته وجهده في محاولة الخوض في الغيب دون أن يملك الأدوات المناسبة، كما لا يرمي المغامر بنفسه في كهف مظلم دون أن يحمل خريطة ومصباحا وبوصلة وسلاحا وطعاما وغير ذلك مما يحتاجه في الحالات الطارئة، أما إذا علم مسبقا بأن آلاف المغامرين الأبطال قد دخلوا هذا الكهف وضاعوا فيه ولم يخرجوا فمن الجنون أن يرمي بنفسه فيه، كما أن من العبث الخوض فيما حاول فيه كبار الفلاسفة دون جدوى.

ومن المهم أن معرفتنا للحكمة الإلهية من كل شيء خلقه -في حال حدوثها- لن تؤثر في طبيعة حياتنا ومسؤولياتنا تجاه خالقنا، فنحن جميعا وجدنا أنفسنا داخل “متاهة” هذه الحياة بكل ما فيها من كبد، واهتدينا بالوحي والعقل إلى غاية هذا الوجود، فالعاقل منا هو الذي يبحث عن الخطة الإرشادية (الوحي) التي وضعها خالق هذه “المتاهة” كي يصل إلى بر الأمان، ثم يبذل كل جهده ووقته في اتباع سبيل الحق لينجو قبل فوات الأوان وانقضاء العمر، ولا يهدر وقته المحدود في البحث عن حكمة أخرى وراء وجوده في تلك المتاهة أو وراء خلق المتاهة على هذا النحو الذي وجده.

وعندما يرفض أحد ما اتباع الخطة الإرشادية بعد اتضاح صحتها فهو مجرد رافض سلبي، لأنه لم يجد لنفسه طريقا آخر للخلاص، بل اكتفى بالبقاء داخل المتاهة للتمتع بما فيها من بعض المتع والمُلهيات الزائلة، وهو يعلم يقينا أن بقاءه هناك مؤقت، بل يعلم أيضا أن لحظة زواله (الموت) ستأتي فجأة وبدون سابق إنذار. أما من يزعم أن الخطة الإرشادية لا تكفيه لأنها لا تجيب على كل أسئلته (مع أنها توصله إلى بر الأمان)، فهو لا يقل حماقة عن الأول، لأن طريق الخلاص كان متاحاً بين يديه لكن اغتراره بنفسه شغله بأمر آخر فأضاع من يده فرصة الخلاص الوحيدة.

وربما يلاحظ القارئ الكريم أن الكثير من الملحدين واللادينيين لا يخاطرون بحياتهم كما يخاطرون بآخرتهم، فيصرون على رفض الإيمان بالله والوحي طالما أنهم لم يدركوا الحكمة من إرادة الله في خلقه، وفي المقابل ينخرطون في متاهات الحياة المادية ويثابرون للوصول إلى أعلى درجات النجاح الاجتماعي والعلمي والمهني مع أنهم لا يعرفون الحكمة من وجودهم في هذا العالم، وقد يكون أحدهم مستعدا للخوض في تحديات صعبة دون أن يبادر بالبحث عن الحكمة من وجودها مكتفيا بأنه يعلم غايتها فقط، وهي تحقيق بعض مصالحه.

والبحث عن الحكمة ليس هو المطلوب أصلا في الكثير من معاملاتنا اليومية، فإذا كان أحد الطلاب داخل قاعة الامتحان بمادة الرياضيات، ووجد سؤالا يتطلب بعض التفكير والتأمل، ثم اهتدى إلى الجواب من خلال ما يحفظه من نظريات رياضية، فهل يجب عليه أن يتجاهل هذه النظريات التي اختبرها خبراء قبله وجربها هو بنفسه أثناء دراسته؟ أم عليه أن يتباهى بقدراته العقلية ويبدأ بالبحث أثناء الامتحان عن برهان رياضي للنظرية نفسها قبل أن يستخدمها في الحل؟

وماذا نقول أيضا لو قرر هذا الطالب أن يترك النظرية التي يحفظها وبدأ بالتفكير في إبداع نظرية جديدة توصله إلى الحل بحجة أن براهين النظرية الأولى لا تجيب على كل أسئلته، بالرغم من اعترافه بأن النظرية صحيحة وكافية لحل المعادلة؟

وفي مثال آخر، لنتخيل أيضا أن شخصا ما يعاني من مرض عضال، وأن الطبيب أخبره بأن الدواء الذي وصفه له هو الوحيد المتاح في العالم لإنقاذه من موت محتم، وأن جميع النظريات العلمية المتاحة تؤكد أنه لا يمكن إيجاد دواء ناجع آخر (جدلا)، فهل يهمل المريض -إذا كان عاقلا- خبرات الأطباء ويبدأ بالبحث عن علاج أفضل مخاطرا بحياته مع أن الوقت ينفد منه بسرعة؟

والأمر لا يتعلق هنا فقط بضيق الوقت وقلة خبرة الطالب أو المريض، فحتى لو لم يكن هناك امتحان محدد بوقت ضيق أو مرض ينهش جسد المريض، وحتى لو كان الطالب عالما فذا وكان المريض صيدلانيا بارعا، فهناك بعض النظريات الرياضية التي لا يمكن البرهنة عليها مع أنها صحيحة عمليا، كما أن هناك بعض الأدوية التي لا يُعرف سبب فعاليتها مع أنها مفيدة، فمن حق العالم الرياضي أن يبحث عن برهنة كما يحق للصيدلاني أن يقضي عمره في محاولة فهم سبب فعالية الدواء، لكن كلا منهما سيظل يستخدم تلك النظرية وذاك الدواء طالما أنهما يحققان الفائدة حتى لو لم يجدا الأجوبة الكاملة على كل الأسئلة.

فإذا قلنا إن هذه الأمثلة تتعلق بجوانب عقلية وعلمية قابلة للبحث، فإن الحكمة من إرادة الله واختياره وبعض تفاصيل خلقه هي خارج التأمل العقلي والبحث التجريبي أصلا، فلماذا يهدر أحدنا عمره في انتظار اكتشافها؟ ولماذا يخاطر بحياته ومصيره طالما ثبت له أنها خارج قدرات العقل البشري نفسه؟ بينما يمكنه أن يختبر صحة الوحي الذي بين يديه، وأن يصل إلى علم يقيني بصحة نسبة الوحي إلى الخالق، وأن يجد فيه دليلا يرشده إلى الطريق الآمن في هذه الحياة، بل ويجد في هذا الوحي أيضا تحذيرا شديدا من أن عدم التزامه به سيؤدي به إلى مصير مؤلم.

لماذا وضعنا الله في اختبار صعب كهذا دون أن يكون لنا الخيار فيه؟


هذا سؤال مهم جدا، وقد كان يتردد في ذهني منذ طفولتي، فنحن وعينا على وجودنا في هذه الحياة فجأة، وعلمنا من والدينا أنهم خرجوا إلى الحياة بالطريقة نفسها، وأننا جميعا سنموت لنقف بين يدي الله كي نُحاسب على كل صغيرة وكبيرة، مع أنه لم يؤخذ رأينا -كما يبدو- فيما إذا كنا أصلا نريد خوض هذا الاختبار الصعب، لا سيما وأن فيه مجازفة كبيرة جدا، فالفاشل فيه لن يخسر صحته أو ماله أو شيئا من حياته العابرة، بل سيدخل نار جهنم بكل ما فيها من عذاب دائم.

وبما أن هذا السؤال يخوض في عمق الغيبيات التي لا يبلغها الحس والعقل، فلا سبيل لتحصيل إجابته سوى بالبحث في نصوص الوحي الذي أثبتنا سابقا صحة صدوره عن الله تعالى [انظر مقال الوحي القرآني]، حيث يخبرنا القرآن الكريم أن الإنسان قد خُير بالفعل.

يقول الله تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72]، وفي عدة روايات عن ابن عباس نجد أن الأمانة هي الطاعة والفرائض، حيث يقول إن الله عرض هذه المسؤولية على تلك المخلوقات فاعتذرت عن تحملها، ثم عرضها على آدم وقال له: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ فقال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جُزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمّلها.

وفي آية أخرى يقول تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172]، وأجمع المفسرون على أن هذه الآية تعني أن الله أخرج جميع بني آدم (وعددهم بالمليارات كما نعلم) من ظهره على هيئة الذر (أي مثل النمل الصغير)، ثم سألهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، ويقول المفسر مجاهد بن بكر “فقالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”، أي أن الملائكة شهدت علينا أيضا باعترافنا بوجود الله وعبوديتنا له. وقد نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من حديث يؤول هذه الآية بهذا المعنى.

ويستنتج بعض العلماء أن التخيير كان لكل واحد منا، وليس لآدم وحده فقط. وقد يقول قائل: ولكن لا أذكر أني تعرضت لهذا التخيير ولا أذكر أني شهدتُ أمام الملائكة بأن الله هو ربي. والجواب هو أن الله أعاد بني آدم جميعا إلى ظهره ليخرج كل منهم في وقته إلى الدنيا ويدخل هذا الاختبار بعد أن مُسحت تلك الحادثة من ذاكرته، إلا أنه وضع لنا علامات في الطريق، وترك فينا فطرة الشعور بألوهيته وعبوديتنا له، وأرسل لكل أمة رسولا كما يقول {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24]، ثم ذكر الله هذه الحادثة في الوحي المرسل وأخبرنا أن الملائكة شهدت علينا، وسمح لنا بالتحقق من صحة الوحي [انظر مقال الوحي القرآني] ومن صدق المرسلين [انظر مقال نبوة محمد]، وزوّدنا بأدوات البحث الكافية للتحقق والاختبار والفهم والاقتناع [انظر مقال مصادر المعرفة]، ومنحنا الوقت الكافي لذلك، كما أعطى كلا منا حرية الاختيار بين التصديق والإنكار، وعليه فإنه يمكننا أن نفهم مبدئيا أن وضْعنا في هذا الامتحان لم يكن ظلما.

وينبغي ألا ننسى أننا نتعامل في هذه الحياة وفق مبدأ التسخير، حيث لا نجد معضلة أخلاقية في تفاوت درجات الناس بالمجتمع طالما لم يظلم الأعلى منهم الأدنى، فلماذا إذن يتمرد البعض على خالقهم دون أن يعترضوا في المقابل على انصياعهم لسلطة بشر يماثلونهم في الخلقة؟

والظاهر أن ورود الاعتراض على ذهن أي منا -بشأن خلقه دون اختيار منه- هو خاطر نفسي ينشأ عن حالة تذمر من مصائب الحياة ومشاقها، وهذا الخاطر لا يطرأ إلا نادراً، وليس ملازماً لذهن أكثر الناس تساؤلاً وتذمراً إلا أن يكون مصاباً بالاكتئاب وبحاجة للعلاج، فلا نكاد نسمع مثل هذا الاعتراض من شخص يتقلب في النعم الحسّية وهو يستمتع بحياته، ما يؤكد أن المشكلة نفسية لا عقلية. فإذا افترضنا إذن أن المُعترض قد خرج من هذه الحياة الشاقة وفتح عينيه على عالم الآخرة، ووجد نفسه فجأة بين أهل الجنة وهم يدخلونها ليخلدوا في نعيم مقيم، فهل سيخطر بباله حينئذ الاعتراض السابق على خلقه؟ أم أنه سيحمد الله على خلقه وابتلائه في حياة قصيرة عابرة لينقله إلى جنة فيها من مقومات السعادة ما يتجاوز أحلامه، بل وما ينسيه كل ما كان من أسباب التذمر في الدنيا؟

لماذا خلق الله الشر؟


سنناقش هذا السؤال من خلال إثباتنا للمغالطات المنطقية في ما يسمى بمعضلة أبيقور، التي أخذت اسمها من الفيلسوف اليوناني المتوفى في القرن الثالث قبل الميلاد.

الفيلسوف أبيقور

يقول أبيقور: إن الشر موجود أصلا في الدنيا، وهذا يعني أنه أمام ثلاثة احتمالات تفسر وجوده، وهي:

1- أنه ليس هناك إله أصلا ليمنع وجود الشر.

2- هناك إله، وهو يريد منع الشر، إلا أنه عاجز عن ذلك.

3- هناك إله، وهو يستطيع منع الشر، إلا أنه لا يريد ذلك.

ويزعم أبيقور أنه أمام خيارات ثلاث فقط، وهي عدم وجود الإله، وجود إله عاجز، ووجود إله شرير.

والمغالطة الأولى في هذه النظرية أن أبيقور لم يبحث في أصل الشر نفسه، وافترض أن الشر حقيقة موضوعية، وكأنها موجودة بذاتها وليست قيمة أخلاقية نسبية، فوجودها بهذا الشكل المزعوم يتنافى أصلا مع وجود الإله.

ويحق لنا أن نسأله: من أين اكتسب الشر حقيقته الموضوعية هذه؟ فالعالم المادي المجرد لا يملك أي مقياس للخير والشر ولا يمكنه منح أي شيء صفة خيرية أو شرية.

إذن فالشر يكتسب قيمته من عالم مفارق، من مصدر آخر خارج المادة، وهو الإله نفسه الذي خلق ثنائية الخير والشر وجعلهما متقابلين ليتميز أحدهما عن الآخر، وليفهم العقل وجودهما، وهذا يعني أن الاحتمال الأول باطل منطقيا.

أما الاحتمالان الثاني والثالث فهما ناشئان عن مغالطة “قياس الغائب على الشاهد”، حيث يقيس أبيقور صفات الإله الذي يتخيله على صفات البشر، ويجعل الشر والعجز قيمتان موضوعيتان مستقلتان ليحكم بهما على الإله نفسه.

فوجود الشر (سواء كان موضوعيا أو نسبيا) لا يستلزم أن “يضطر” الإله لمنعه كما يقول أبيقور، فالإله ليس في موضع اختبار أمام خلقه ليكشف لهم عن مدى قدرته، إلا إذا كان أبيقور يتحدث أصلا عن إله أسطوري على هيئة زيوس أو أبنائه الذين يتصارعون ويخسرون ويغضبون ويمارسون الرذيلة، فالميثولوجيا اليونانية تفترض وجود آلهة تشبه البشر في كل شيء، إلا أنها أكثر قوة نسبيا (وليست مطلقة القوة) وخالدة لا تموت. [انظر مقال الوثنية].

لكن الإله الذي نتحدث عنه هو إله مطلق القدرة، ومطلق الإرادة أيضا، فإن شاء أن يخلق الشر فله ذلك، وليست هناك أي ضرورة عقلية تربط بين وجود الإله القادر وبين وجود الشر كقيمة أخلاقية نسبية بين خلقه، أي أن وجود أي قيمة أخلاقية بين قائمة المخلوقات التي خلقها الإله لا يعني أن الإله نفسه يتصف بها.

ولو كان وجود الشر بين المخلوقات يستلزم أن يكون الإله الخالق نفسه شريرا، فإن وجود الخير أيضا بين تلك المخلوقات سيستلزم أن يكون الإله خيّرا كذلك، فكيف يجمع هذا الإله (المفترض) بين المتناقضات؟

وما يقال عن الشر يقال عن كل الصفات السيئة والمخلوقات الكريهة لدى البشر، فإن الله لم يخلقها ليتصف بها، لأن الصفات الحسنة والأشياء المحبوبة لدينا لم تكن لتظهر وتُعرف لو لم توجد تلك الشرور والمكروهات في مقابلها، وكما يقال “بضدّها تُعرف الأشياء”.

كما أن سماحه تعالى لبعض الخلق بأن يتصفوا بتلك الصفات وأن يمارسوا الشر والظلم ليس دليلا على عجز الله أمام خلقه الأشرار، فقد أخبرهم مسبقا أنه سيمنحهم حرية التصرف في هذه الحياة قبل أن يحاسبهم، ولو منعهم من الشر فلن تكون هناك قيمة للاختبار الدنيوي كله، لذا فإن إذنه بوجود الشر ليس عن رضا منه، إلا أنه ليس مخالفا لإرادته أيضا، واللبس في عقول البعض ينشأ من الخلط بين الرضا والإرادة، لأنهم يقيسون الإله على أنفسهم، فالإنسان عندما لا يرضى بوجود شيء فإنه لا يسمح به، أما الإله فليس مضطرا لإلغاء وجود ما لا يرضيه، لأنه لا يتأذى منه أصلا.

وإذا كان الملحد يجد مشكلة نفسية في تقبل وجود الإله مع وجود الشر في هذا العالم، فيجدر به أن يجد مشكلة أكبر في القبول بفكرة فناء هذا العالم المليء بالشر دون وجود مرحلة أخيرة للحساب، ليقتص فيها المظلوم من الظالم، وينال كل مخلوق حقه كاملا، ويعود كل شيء إلى نصابه.

لماذا يبتلينا الله بالمصائب؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “احتج آدم وموسى، فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة” [صحيح مسلم، 2652]، إذن فقد كان مقدرا على بني آدم قبل أن يخلق الله آدم وحواء أن يخرجا من الجنة ويعيشا في هذه الأرض، وأن يكابد أبناؤهم مشقة الحياة، كما تقول الآية {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد، 4].

لكن كبد الحياة ومشقتها وكل ما فيها من مصائب لا تشكل بمجموعها الصورة الكاملة، فالخالق أعطى آدم وبنيه قبل أن يُخرجهم من الجنة الأدوات الكافية لمقاومة المشقة وتوظيفها والتعايش معها، بل اعتبر المؤرخ أرنولد توينبي أن التحديات هي التي تدفع الإنسان لبناء الحضارات وإعمار الأرض، حيث رأى من خلال دراسته لتاريخ البشرية أن الظروف الطبيعية القاسية والضغوط البشرية الخارجية توجد استجابة ناجحة لدى رواد المجتمعات من المبدعين والقادة، ولو لم توجد تلك التحديات لركن المجتمع إلى الراحة والدعة وكان مصيره الفناء.

وربما يتذكر كل من يقرأ هذه الكلمات عشرات المواقف الصعبة التي ألمت به حتى كادت تدفعه إلى اليأس، وحتى الرغبة بالموت أو التفكير بالانتحار، إلا أنه تمكن لاحقا من تجاوزها وحتى نسيانها، ولعله يتعجب اليوم من شعوره السابق باليأس ويرى أنه كان مبالغا فيه. فحتى الإنسان السفيه لديه من القدرة على الصبر والتحمل ما يساعده على متابعة الحياة، لكن الذي يتسلح بالإيمان يكون أكثر قدرة بكثير على التجاوز، بل قد يصل إلى مرحلة التلذذ بالابتلاء، وهي درجة يعرفها الزهاد في كل العصور.

 

المسجد الأموي في حلب
(وكالة تسنيم)

لقد كشفت لنا الحروب والثورات والمحن التي مرت بها شعوب عربية عديدة أن لدى الإنسان قدرة هائلة على التكيف والصبر، فمن دون سابق إنذار وجد الملايين أنفسهم فجأة معرضين للقصف والتهجير وخسارة كل مدخراتهم، وربما خسارة أحب الناس إليهم، فضلا عن خسارة أحلامهم ومستقبلهم. ومع ذلك يفاجأ المراسلون الذين يجرون تغطياتهم الصحفية عن تلك المآسي بقدرة الناس على التعايش مع كل هذا الألم، بل وابتكار أساليب جديدة للعيش ومقاومة الصعاب، فضلا عن الإبقاء على جذوة الأمل حية في قلوبهم، حتى يقال إن بعضهم يجد في وسط تلك المصاعب من الرضا ما يغنيه عما كان فيه من مقومات السعادة.

وحتى في ظروف الحياة الخالية من المآسي، قد يكون أحد الجاحدين مستعدا لبذل جهود جبارة في سبيل النجاح الدراسي والمهني، وقد يفعل المستحيل ليكتسب شهرة أو ينال سلطة أو يُحرز دخلا جيدا أو ترضى عنه امرأة حسناء، بل قد يخاطر بحياته لأجل لذة عاجلة تافهة، أو يتسبب بهلاك أشخاص آخرين من أجل إشباع غروره بالمزيد من جنون العظمة، وهو لا يجد في ذلك معضلة منطقية ولا أخلاقية، بينما تدور الشكوك في رأسه عندما يبدأ التفكير بهذا المنطق نفسه بشأن مشقة عابرة في مقابل نعيم هائل ودائم.

علاوة على ذلك، يمكن لكل منا أن يكتشف بقليل من التأمل أن هناك انسجاما بين الغاية من الخلق وبين الهيئة التي خُلقنا عليها، فالحديث يطول ويتشعب إذا بحثنا في قدرات الجسد البشري وإمكانات تحمله، وكذلك الحال في النفس البشرية وقدرتها على التأقلم والتكيف. وكلما تجردنا عن ذواتنا وأنعمنا النظر في طبائعنا وعجائب خلقنا وجدنا في كَبد الحياة ذاته متعة، بل يكاد الناس جميعا يتفقون على أن الحياة ستكون مملة لو خلَت من مشقتها.

وربما تستوقفنا مئات الكتب التي تحصد أعلى المبيعات كل عام بعناوينها التي تدور حول دروس الحياة ومتعة الإنجاز وعظمة التحدي، فالبشر على اختلاف ثقافاتهم يتفقون على أن الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش، غير أنهم سرعان ما يتفرقون مذاهب شتى عندما يتعلق الأمر بالغاية الكامنة وراء هذه الحياة، وكأنهم مستعدون لتحمل مشقتها من أجل لذاتها العاجلة، بينما يتعنت الكثير منهم في الإيمان بما وراءها.

هناك الكثير من الآيات والأحاديث والأقوال والقصص التي تفصّل الحديث في فضل الصبر وثواب الصابرين، وقد تكفي قراءتها لإقناع معظمنا بحكمة الابتلاء وما يتركه من أثر طيب في نفوسنا بالرغم من صعوبته، وهذا أمر يدركه حتى أولئك الذين بلغوا قدرا من الحكمة دون أن يؤمنوا بالله والقدر والثواب، فكثيرا ما نجد لدى ممارسي رياضات التأمل ومدربي التنمية البشرية قدرات فلسفية وعملية على الاستفادة من المصاعب وتحويلها إلى محفزات للتقدم.

لكن ما نهتم به هنا هو الشق الفلسفي من السؤال، فقد يقصد السائل أن يقول: لماذا يبتلينا الله أصلا بالمصائب إن كان قادرا على أن يمنحنا ثواب الصبر ومزايا الحكماء الصابرين دون أن نعاني؟

وهنا نعود أيضا إلى العلة الغائية من الخلق، فنحن نعلم أن خلقنا لم يكن عبثا لكن الوحي لم يخبرنا بما وراء ذلك، وليس للعقل أن يخوض فيما لا يملك أي أداة للبحث فيه. وبالمثل فنحن نعلم أن الله وضعنا في هذه الحياة ليختبرنا -بالسراء والضراء معا- كما قال {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، ومعرفتنا بهذه الغاية تكفي لمتابعة الحياة ودخول الاختبار حتى لو لم يخبرنا الله تعالى لماذا اختار أن تكون الحياة أصلا محل اختبار، فالمهم أننا نعلم يقينا أن النجاح في الاختبار ممكن، وأن لدينا من الأدوات ما يساعدنا على اجتيازه.

ومن المهم أيضا أننا على يقين بأن الله عادل، وليس ذلك لأنه إله فحسب، بل هو اختار بكرمه أن يكون عادلا كما قال في الحديث القدسي “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” [صحيح مسلم، 2577]، وهو أيضا لم يتركنا دون فطرة ولا عقل ولا وحي، فهذه الأدوات الثلاث تؤهل الشخص العادي للبحث عن الحق والتعرف عليه والعمل بمقتضاه، ولو اختلفت الوسائل ودرجات الاستجابة والالتزام، لكن الحد الأدنى من الإيمان متوفر لدى جميع الناس الأسوياء.

لماذا يسمح الله بوجود الظلم؟


إذا آمنا بكل ما سبق، وأدركنا أن هذه الحياة قائمة على الابتلاء، فسيسهُل علينا أن نتفهم وجود مخلوقات (من البشر والجن والحيوانات) قد تؤذينا دون مبرر، وهذا لا ينفي عدالة الله طالما أنه وعد بالقصاص، لا سيما وأنه تعالى شدد على تحريم الظلم وتوعد الظالمين بأشد العذاب، بل وأنزل على الكثير منهم جزءا من عذابه في الدنيا ليردعهم.

يقول تعالى في سورة محمد، بعد أن يطالب الصحابة بالقتال ضد المشركين: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} [محمد: 4]، أي أن الله قادر على الانتقام من أعداء المؤمنين وأن يدفع أذاهم، إلا أنه اختار أن يجعل أذاهم ابتلاء واختبار للمؤمنين أنفسهم كي ينكشف المؤمن من المنافق.

يتكرر هذا السؤال الوجودي كثيرا في الفترات التي يشتد فيها البلاء على الناس، لذا تسمى هذه الفترات بالفتن، لأن ضعاف الإيمان يُفتنون فيها وقد يخسرون فيها إيمانهم كله، ومن العجيب أن نجد من المثقفين والفلاسفة من يحاجج بهذه المغالطة (مثل أبيقور المذكور أعلاه) معتبرا أن وجود الشر في العالم دليل على عدم وجود الإله، وهذا خلل كبير في فهم الألوهية، فليس من مقتضياتها أن يمنع الإله وجود أي خلل (شر أو مصيبة) في العالم الذي خلقه ويرعاه، وليس من المنطقي أن يكون العالم المخلوق كاملا كالإله الخالق نفسه.

وإذا كان من الضروري عقلا وجود إله خالق لهذا الكون ومسيّر لأموره [انظر مقال وجود الله]، فإنه ليس من الضروري أن يكون هذا الإله عادلا أصلا، إلا أنه مع ذلك أوجب على نفسه العدل بكرم منه، كما قال في الحديث القدسي “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” [صحيح مسلم، 2577]، وقال أيضا {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} [يونس: 44]، لكن السماح بوجود الظلم ليس ظلما بحد ذاته، فالله تعالى وضع جميع المخلوقات في عالم تحكمه طبائع نفسية وسنن اجتماعية وقوانين فيزيائية، وأنزل فيه شرائع لضبط وتوجيه تلك الطبائع والسنن والقوانين بما يحقق العدل، ثم ترك البشر أحرارا في الاختيار والتحكم، مع حثهم جميعا على العدل ووعدهم بالثواب العظيم لمن يحققه، وبالعذاب الشديد لمن يخل به.

ولا يشك أحد من البشر في أن هذه الدنيا فانية حتى لو كان ملحدا لا يؤمن بالبعث، فالظلم إذن مؤقت لا يدوم. كما أن الحث على العدل لم يقتصر على الشرائع التي أنزلها الله، بل وضع الله أيضا فطرة الميل إليه في كل خلقه، فنرى أن الكثير من الأمم التي لم تلتزم بالشرع كاملا تتمسك بالعدل وتسن قوانين صارمة لتحقيقه.

لوحة تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر تبين طريقة وسم العبيد بالكيّ في إنجلترا

ومع أن الله وعد بالحساب والقصاص من الظالمين في الآخرة، فإنه لم يترك المعاملات تسير بما يوافق هوى الناس دون تدخل منه في هذه الحياة، بل وضع بين أيدينا وسائل دفاعية تقينا شر الظلم والأذى، فجعل من حول كل فرد ملائكة تحفظه {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]، وربما لو رُفعت هذه الملائكة لوقع الإنسان في عدد لا يحصى من المصائب والحوادث والظلم كل يوم، كما حث الله عباده على الدعاء وشرع لهم أذكارا في الصباح والمساء لتحفظهم من المكاره. ثم توعد الله الظالمين بالعذاب في الدنيا نفسها، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث “اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” [صحيح البخاري: 2316، صحيح مسلم: 19]، وفي حديث آخر: “ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده” [المعجم الأوسط للطبراني: 24 وسنده صحيح].

لكن القصاص الدنيوي قد لا يحدث عاجلا فيُمهل الله الظالم لحكمة لا نعلمها ثم يقتص منه بعد سنوات، وقد يُمهله حتى الآخرة، وقد يربط على قلب المظلوم فيرزقه الصبر ويفتح عليه من أبواب الهداية والثبات ما يُشعره بأنه في نعمة.

ولولا وجود الظلم في هذا العالم لما عرفنا قيمة العدل، وقد لا يستشعر الكثير من الناس قيمة عبوديتهم لله وحاجتهم إليه إلا بعد نزول المصائب والظلم، فيطمئن قلبه بعد ذلك إلى أن البلاء الذي حل به كان دافعا لنيل رضا الله ولتطهير نفسه من الكبر وسوء الخلق.

وعلاوة على كل ما سبق، قد تكون المصيبة التي يتعرض لها الإنسان كفارة لذنوبه قبل أن يُحاسب عنها حسابا أشد في الآخرة، فيقول الله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30]، أي أن كل مصيبة تحل بنا هي نتيجة للذنوب التي لا يخلو منها أحد، بل تشير الآية إلى أن الله يعفو عن كثير من تلك الذنوب والعيوب ولا يعاقبنا إلا على القليل منها. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم “ما يصيب المسلم من نصب ولا وَصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه” [صحيح البخاري: 5318].

وجاء في الحديث أنه “يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض” [الترمذي: 2402]، فالذي يجزع من المصيبة والظلم في هذه الدنيا قد يجد لاحقا أن كل عذابه كان مؤقتا وزائلا ومقدورا عليه، وعندما يتلقى النعيم المقيم في الآخرة يتمنى أنه كان قد ابتُلي بما هو أشد. ومع ذلك فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعذب الإنسان نفسه أو حتى أن يتمنى لنفسه البلاء، حيث يروى أن أحد الصحابة دعا الله: “اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا”، فمرض مرضا حتى أضنى على فراشه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال له “إنه لا طاقة لأحد بعقوبة الله، ولكن قل {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}، فقالها الرجل فما لبث إلا أياما أو يسيرا حتى برئ.

ومن العجيب أن يرى البعض في وجود الظلم والمصائب والآلام ما يتناقض مع وجود الله تعالى فيميل إلى إنكار وجوده أصلا، وهو ما نراه في الفلسفات الباطنية التي انبثقت عن الهندوسية وفلسفة اليوغا، حيث تقوم أساسا على فكرة مفادها أن علَّة الألم كامنة في الوجود نفسه، وأن الألم ظاهرة متأصلة في الطبيعة البشرية بسبب انغلاق الوعي في المادة، فلا يتحرر الإنسان من هذا الألم سوى بالتخلص من الألم الكامن في الوجود وبالتوحد مع الحقيقة الكونية. لكن هذا الحل يؤدي إلى مشكلة أكبر، فليس هناك تناقض عقلي بين وجود الإله ووجود الألم، بينما لا يمكن للعالم أن يوجد أصلا بدون إله [انظر مقال وجود الله].

لماذا تنزل المصائب أحيانا بشكل جماعي على الناس؟

إجابة هذا السؤال هي جزء من الإجابات السابقة، فنحن لا ندرك على وجه اليقين الحكمة من نزول أي مصيبة، ولن يختلف هذا الأمر من حيث كون المصيبة فردية أو جماعية، فقد تكون المصيبة واحدة في نزولها على مجموعة كبيرة من الناس إلا أن الحكمة في إصابتها لكل فرد منهم تختلف من شخص لآخر، وهذه الحكمة ليست موضع بحثنا لأنها أمر غيبي في علم الله، لكن الذي يقع في دائرة علمنا وتكليفنا أن نزول المصيبة لا يتنافى مع العدل الإلهي، وأن لكل صابر نصيب من الثواب ومن تكفير الذنوب ومن تزكية النفس وتحسين الخُلق.

ونزول العذاب الجماعي لا يكون إلا بعد قيام الحجة على الناس وظهور الحق. ومع ذلك، قد يتساءل البعض: ما ذنب الأفراد الصالحين الذين يكونون وسط تلك الجماعة الفاسدة؟ وسنجيب على السؤال بعد التفريق بين حالتين:

الحالة الأولى: الاستئصال الجماعي بإهلاك أمة أو شعب ما نتيجة إصرار عامة الناس على العناد والكفر والظلم. ولكي تتضح لنا الصورة بكل أبعادها، سنناقش ثلاث نقاط أساسية:

أولا: قد تكون هناك فئة من المجتمع لا تمارس الظلم والكفر، إلا أنها راضية بالمنكر أو لا تقوم بواجبها في محاولة تغييره، فلو حاول الصالحون أن يغيروا لنجى القوم كلهم، كما تقول الآية {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} [هود:117]، لكن تقصير الصالحين قد يؤدي إلى العذاب الجماعي كما يحذرنا القرآن الكريم بقوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25]، فالفتنة تعم الجميع عندما يعم المنكر.

ثانيا: عندما قضى الله على بعض الأمم السابقة بالاستئصال، وذلك بعد أن أقام الأنبياء عليهم الحجة وأصروا سنوات طويلة على الكفر والظلم والعناد، فقد أوحى الله لأنبيائه بأن يخرجوا مع أتباعهم الصالحين من قراهم قبل حلول ساعة الهلاك، مثل النبيين نوح ولوط عليهما السلام، ليحل الهلاك بالجاحدين المعاندين فقط، كما تقول الآية {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} [الأعراف: 165].

ثالثا: بالرغم من نجاة الصالحين في القصص التي ذكرها القرآن الكريم، فإن نزول الهلاك على أمة ما بوجود الصالحين فيها لا ينفي عدل الله تعالى، فالهلاك نفسه قد لا يكون هو الإجراء العقابي الذي استحقوه، بل هو بالأحرى استئصال للشر الذي عمّ بسبب فسادهم، فيموتون جميعا بما فيهم الفئة الصالحة، أما العقوبة فتكون في الآخرة وليست في لحظة نزول الكارثة التي لا يدوم عذابها إلا ساعة من نهار.

وفي حديث يروى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه، أرسل الله بأسه على أهل الأرض، فقالت: يا رسول الله، وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصابهم، ثم يقبضهم الله إلى مغفرته، ورضوانه [رواه أحمد]. كما تروى عدة أحاديث بذات المعنى، ومنها “إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم” [رواه البخاري].

ويمكننا أن نفهم من هذين الحديثين أن الموت نفسه ليس مصيبة، فنزول القضاء بهلاكهم الجماعي يكون لتخليص الأرض من السوء الذي فشا على يد أهلها، ثم يحاسب الله كل فرد منهم بالعدل يوم القيامة، فمن كان صالحا وقام بما يقدر عليه من الإصلاح نجا من العذاب إلى رضوان الله، وهذا أدوم وأبقى من نعيم الدنيا أو عذابها.

وحتى لو قلنا إن ساعة نزول الكارثة الجماعية تتضمن من الفزع ما يكفي لاعتبارها عذابا، فإنا لا ندري ما يحل بقلوب الصالحين حينئذ، فطالما كنا مؤمنين بعدل الله وقررنا أن هذا الفزع بمثابة العذاب للعصاة فمن البديهي أن نفترض أن الله تعالى سيربط على قلوب الصالحين، فيقبض أرواحهم في تلك الساعة دون خوف، أو يجعل تلك الساعة من العذاب بمثابة كفارة لذنوبهم كما هو حال المؤمن الصابر على أي مصيبة أخرى، والله أعلم.

مدينة بومبي الرومانية في إيطاليا كانت عاصمة للإباحية قبل أن يلقى أهلها حتفهم ببركان مباغت عام 79م وما زالت جثثهم محفوظة تحت الرماد المتحجر
(Lancevortex)

الحالة الثانية: نزول المصائب الجماعية على أمة أو شعب أو فئة من المجتمع دون هلاك، وما قلناه في مناقشة نزول المصائب الفردية على الناس يمكن أن يقال هنا، فالحكمة الإلهية في المصيبة الفردية قد تكون هي ذاتها الحكمة من وراء ابتلاء كل شخص على حدة عندما ينزل البلاء على الجميع.

ولو قلنا إن مدينة يسكنها الملايين تعرضت لزلزال مدمر، فإن كل فرد من أهلها سينال ثوابه وتُكفر ذنوبه على قدر صبره واحتسابه، كما سيتحقق له من فوائد المكابدة واللجوء إلى الله ما يتحقق أيضا في حال نزول مصيبة أخرى عليه وحده.

ولو أدت الكارثة إلى مقتل بعضهم، فقد يكون في ذلك عقوبة معجلة لبعضهم، وراحة من كبد العيش وتكفيرا للذنوب للبعض الآخر. فلا أحد يعلم استحقاقات كل فرد إلا الله، كما لا يعلم أحد ما يحل بكل فرد من راحة ونعيم وصبر وعذاب وجزع إلا الله وحده.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” [رواه الترمذي وقال حديث حسن]، وقال أيضا “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل” [رواه أحمد].

ولا يعني ذلك أن هناك سنة كونية تقتضي أن يبتلي الله الأمة المؤمنة بالمصائب، فقد كان النبي نوح عليه السلام يعِد قومه بالرخاء إن آمنوا، كما نقلت عنه الآيات التالية: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} [نوح: 10-12]، فالابتلاء يمحّص إيمان الناس ليتبين صدقهم من عدمه، والفرد المؤمن الذي يزداد تلذذا بقربه من الله تهون عليه المصائب إلى درجة الاعتياد عليها، حتى تصبح لذة استشعار تذكير الله له بالمصائب أحب إليه من لذة الرخاء الذي يترافق مع الغفلة والتراخي، وهذه درجة عالية من الصفاء الروحي لا تُعمم على الناس.

إذن فنظرة الإنسان للمصيبة وأثرها النفسي تغير مفهومه جذريا إزاء ما يكمن في المصيبة من خير وشر، فما يراه البعض شرا يراه آخرون خيرا، وهذه النسبية تكفي لاعتبار المحاججة نفسها غير كافية للاستدلال بها على وجود إله مطلق ومنزه عن خيارات الإنسان وقناعاته وأهوائه.

كيف تكون المصائب من السنن الكونية والاجتماعية (الخاضعة للبحث والتجربة) وهي في نفس الوقت عقاب إلهي أو كفارة للذنوب (شؤون غيبية)؟

كثيرا ما يقع اللبس في عقول بعض الشباب، وهو ناشئ عن الافتراض المسبق بأنهم أمام سببين متناقضين لا يجتمعان.

من البديهي لمن يقر بوجود خالق للكون أن ينسب إلى هذا الإله أيضا القدرة على التصرف التام والمطلق في خلقه، وذلك على النحو الذي لا يرفض فيه العقل نسبة إرادة ما يحدث في الكون إلى الله، سواء من استمرار الحركات والتفاعلات المنظمة مثل دوران الأرض، أو ما يطرأ من كوارث غير منظمة وغير دورية مع أن لها أسبابا يمكن قياسها تجريبيا كالزلازل.

فالوحي يخبرنا بوضوح أن الله تعالى لم يتخلّ عن الكون بعد أن خلقه، حيث وصف اللهُ نفسَه في القرآن بأنه القيوم، أي القائم على شؤون الكون والمتصرف فيه، وهذا يعني بطبيعة الحال أن الله لم يضع القوانين في الكون كي يسير من تلقاء نفسه، فاستمرارية وجود الكون وسيره مرتبطتان بالقيومية الإلهية.

وطالما كان للإله مطلق التصرف في خلقه، فله أن يخرق السنن التي وضعها متى شاء ولأي سبب شاء، وله أن يجعل بعض الكوارث عقابا لبعض الشعوب التي ساد فيها الظلم والكفر والعناد، كما حدث مع قوم فرعون الذين رأوا بأعينهم تحقق المعجزة على يد موسى عندما تحدى السحرة، حتى آمن به السحرة أنفسهم، فسلط الله على الحكومة والشعب معا عدة كوارث للردع والزجر والتنبيه، كما تقول الآيات: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: 133-135]، حيث نرى أن الناس الذين ابتلوا بهذه المصائب ارتدعوا فعلا وطالبوا نبيهم بأن يدعو ربه برفع العذاب، مع أنهم كانوا يعبدون فرعون نفسه ويعتقدون حلول الإله فيه.

وعندما نقول إن العوامل الطبيعية قد تكون جندا من جنود الله التي يرسلها للعقاب أو التذكير، فلا يعني هذا أن تكون الكوارث الطبيعية غير قابلة للدراسة العلمية، بل لا يتعارض ذلك حتى مع إمكانية التنبؤ بحدوثها مسبقاً، فالأمر لا يعدو أن يكون شدة وقعت بعد رخاء، مما يدعو الإنسان إلى التأمل في حاله مع الناس ومع الله تعالى، فمعظم البشر -حتى المشككين بوجود الله- يلجؤون إلى الله لاشعوريا عندما يشعرون بالحاجة إليه، وقد تكون هذه من الحكمة الإلهية في الابتلاء.

زلزال مسينا حصد أرواح حوالي مئتي ألف إنسان في عام 1908 بجنوب إيطاليا

ولنفهم طبيعة العلاقة بين إرادة الله ووقوع الكارثة الطبيعية، علينا أن نميز بين كيفية حدوث للكارثة وبين المسبب لها، فالعلم مثلا يمكنه أن يكتشف كيفية حدوث إعصار ما، وكل الأحداث التمهيدية التي أدت لحدوثه، إلا أنه ليس بمقدور أي عالم أن يعرف لماذا حدث الإعصار، فالتغيرات المناخية التمهيدية ليست هي السبب الذي أدى إلى الكارثة بالمعنى الفلسفي، ولا يمكن للعالم أيضا أن يجزم بأنها هي السبب المباشر للإعصار، لأنها قد تتغير في أي لحظة، وقد لا تحدث في الزمان والمكان المتوقعين.

والأمر نفسه ينطبق على إصابة شخص ما بالمرض، فنحن نعلم أن انتقال جرثومة ما تسبب بالمرض، لكن البحث الفلسفي الأعمق لأسئلة من قبيل لماذا أصيب به الآن ولماذا هو تحديدا من دون بقية العائلة؟ ولماذا لم يستطع جهاز المناعة مقاومة الجرثومة؟ فقد يتمكن العلم من الإجابة على بعض هذه الأسئلة أو كلها إلا أنه لا يجزم بها، فهو يترك هامشا احتماليا للخطأ مهما كانت قياساته وحساباته دقيقة، وهذا الهامش يكفي لنقول إننا لا نستطيع أن نجزم بأن الأسباب المادية تمثل وحدها الصورة الكاملة.

وقد فرغ علماء الكلام المسلمون منذ مئات السنين من الجمع بين الإيمان والعقل، دون الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه العلماء التجريبيون في الغرب مع بزوغ “عصر التنوير”، وهو الخطأ الذي تم تصحيحه تجريبياً في القرن العشرين مع انتفاء العلية والسببية في عالم فيزياء الكم، فليست هناك حتمية في قوانين الكون كما كان يظن العلماء في عصر نيوتن مما دفعهم إلى الإلحاد.

هايزنبرغ

في عام 1927 وضع العالم الألماني فيرنر كارل هايزنبرغ مبدأ الريبة أو مبدأ اللايقين الذي يعد اليوم من أهم مبادئ فيزياء الكم، حيث استنتج أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا بالتخلي عن اليقين في التعرف على إحدى الخاصيتين. وهذا يعني عمليا أن القوانين الأساسية للكون لا تسمح لأي عالِم بالحصول على معلومات كاملة ويقينية تماما بشأن أي موضوع يخضعه للتجربة، ومن ثم فلا يمكن للعالِم أن يتنبأ بحركة الأشياء مستقبلا بدقة يقينية مهما كانت أدوات البحث دقيقة ومتطورة، وهو ما يعبر عنه هايزنبرغ بقوله إن عدم استطاعتنا معرفة المستقبل لا تنبع من عدم معرفتنا بالحاضر، وإنما بسبب عدم استطاعتنا معرفة الحاضر.

إذن فإرادة الله عز وجل المطلقة غير محكومة بمنطق السببية، ولو صدقت تنبؤاتنا مئات المرات بحدوث الأعاصير والبراكين والفيضانات فهذا لا يعني أننا سنصيب في المرة التالية، بل لا يجرؤ العلماء على الجزم بصحة تنبؤاتهم يقينا، وليس ذلك تواضعا بل لأن العلم نفسه يتبرأ من هذه الحتمية. وهذا يعني بالضرورة أن الكوارث تخضع لإرادة الله التي لا نعلمها، مهما صدقت توقعاتنا.

وقد نص القرآن الكريم بوضوح على أن الله تعالى قد يبتلي أمة ما بالمصائب والكوارث الطبيعية ليدفعهم إلى الإيمان والخشوع، بل نص على أن هذا الابتلاء وقع لكل الأمم التي أرسل إليها أحدا من رسله، والابتلاء لا يعني بالضرورة الإبادة كما حدث لأقوام عاد وثمود، بل قد يكون نوعا من الشدة التي تحدث لنا نحن في هذا العصر، حيث قال تعالى {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرعون، ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون}، [الأعراف: 94- 95]، فهاتان الآيتان تقطعان بأن الله تعالى يبتلي الأمم على مر التاريخ، وأنه في كل عصر وبعد كل ابتلاء يبدل بالشدة رخاءً، فيأتي الجيل التالي ويقول “لقد مر آباؤنا بالرخاء حيناً وبالشدة حيناً آخر، وهذه من عادة الطبيعة ولا علاقة لها بعقاب الله”، وهكذا إلى أن يأتيهم العذاب كما أتى الذين من قبلهم، ثم يأتي الجيل التالي ليغفل عن الحقيقة دون أن يتعظ.

لكن هذا كله لا ينبغي أن يبرر للمؤمن التحجج بالإرادة الإلهية لنفي المسؤولية عن نفسه، فالإنسان محاسَب عما يفعله، ولو أنه شخصا طعن شخصا آخر بخنجر مثلا فليس له أن يقول إن إرادة الله هي التي أدت إلى مقتل الآخر بعد طعنه، فالقاتل هنا يُسأل ويُحاسب ويعاقب بناء على فعله الإرادي، أما إرادة الله بشأن مقتل المطعون أو إنقاذه من الموت بالرغم من الطعن فهذا أمر آخر لا يؤخذ به في معاملات الناس.

لماذا يعاقب الله بعض المجتمعات المسلمة بالكوارث والمصائب الجماعية بينما يترك مجتمعات منحلة دينيا وأخلاقيا في أمن ورغد من العيش؟

هذا السؤال قائم على عدة مغالطات، فمن قال إن المسلمين اليوم يطبقون فعلا ما أمر الله به من إقامة مجتمع العدل والعبودية لله؟ ومن قال إن النعم التي يرفل فيها الظالم والجاحد والمنحل أخلاقيا تعني أن الله راض عنه؟ وهل الدنيا دار ابتلاء أم دار حساب؟ لذا سنجيب على السؤال في عدة فقرات كما يلي:

1- عندما نقول إن كارثة ما هي رسالة إلهية إلى البشر لتذكيرهم بحقيقة الدنيا وتحذيرهم من مغبة الإسراف في المعاصي، فهذا لا يعني أن الله تعالى قد ألزم نفسه بإرسال هذه الرسائل إلى كل العصاة، فللّه الأمر من قبل ومن بعد، إن شاء عفى وإن شاء أمهل، وإن شاء عاقب بما يشاء ولمن يشاء.

2- نزول كارثة جماعية على مجموعة من البشر لا ينبغي أن يُفسر جماعيا بحكمة واحدة كما أسلفنا. ومع ذلك، فنحن لا نحكم على أي مجموعة بشرية بأنها معصومة عن الخطأ، كما لا نستطيع أن نقول إن أحدا من أفرادها لا يحمل عيبا واحدا على الأقل.

3- ما يتعرض له أي مجتمع مسلم من كوارث لا يستلزم منا أن نطعن في دين أفراد هذا المجتمع، فقد تكون المصيبة دافعا لإصلاح أنفسهم وتغيير مجتمعهم، وقد تكون أيضا عبرة لمجتمعات أخرى ممن حولهم من المسلمين، وهذا هو معنى قوله تعالى {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 42-43]، فالآية تحث على التضرع عند نزول المصيبة، ما يعني أن الحكمة في البأس والضرر هي تليين قلوب الناس وتذكيرهم بعبوديتهم لله.

وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسندٍ حسن عن صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر أنها قالت {زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فخطب عمر الناس، فقال: أحدثتم، لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم}، أي أن الهزة الأرضية لم تقع في المدينة المنورة التي كان يعيش فيها خير القرون على مر التاريخ إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وفقا لفهم عمر بن الخطاب.

كما وقعت هزة أرضية في عهد عمر بن عبد العزيز، فكتب على إثرها إلى أهل البلدان “إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به عباده، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل؛ فإن الله يقول {قد أفلح من تزكى}”.

الدمار الذي أصاب قرية آتشيه الإندونيسية عام 2004 بسبب موجة المد العاتية (تسونامي)

4ـ من الخطأ الاعتقاد بأن اعتناق غالبية مجتمع ما للإسلام يعني حصول هذا المجتمع على وعد إلهي بالنصر والتمكين والتقدم والحماية من الكوارث، فالقرآن الكريم عندما كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء تأسيسه للمجتمع المسلم كان ينبههم باستمرار إلى ضرورة تطبيق الإسلام عمليا وتحقيق كل شروطه ومكابدة ما يتطلبه ذلك من مشقة، وذلك قبل أن يعدهم بالحصول على مزايا النصر والحماية، فقد حذّر القرأن الصحابة من الاستئصال بالرغم من إسلامهم فقال: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38]، وقال أيضا: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 39].

5- من الخطأ أيضا الاعتقاد بأن كل مجتمع لا يلتزم بالإسلام ويستجيب للوحي ويطبق العدل فإن مصيره التعرض للكوارث أو الفناء، فكما يبتلي الله المؤمنين بالكوارث ليردعهم ويعيدهم إلى الصواب فإنه قد يبتلي بعض المعاندين في المقابل بالرخاء استدراجا لهم وفتنة، كما قال تعالى {فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44]، وكقوله {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات؟ بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55-56].

6- قد لا يقتصر الأمر على أن يبتلي الله المؤمنين بالشدة ويبتلي الكافرين بالرخاء، بل قد يسلط الكافرين أنفسهم على المؤمنين، وذلك عقابا للمؤمنين على تقصيرهم وتخاذلهم وعدم قيامهم بواجبهم في حمل مشعل الوحي إلى الأمم الأخرى وإعمار الأرض بشرع الله. وهذا ما حدث مع بني إسرائيل عندما تخلوا عن شريعة نبيهم موسى عليه السلام فسلّط الله عليهم أقواما وثنية لا تؤمن بالوحي، وهو ما يحدث الآن أيضا بحق المسلمين الذين تخلوا عن شريعة نبيهم فسلط الله عليهم اليهود وغيرهم من الأمم التي لا تؤمن بالوحي وتحاربه.

إذا كانت هناك حكمة في المصائب الفردية والجماعية، فماذا عن الأطفال والمجانين وما يتعرضون له من كوارث مع أنهم ليسوا مكلَّفين؟

لقد أعطى الله جميع خلقه قدرات هائلة على التحمل والصبر والتعلم، لكن معظمها يبقى معطلا عندما لا يستخدمها أصحابها ممن يعتادون على الرخاء، ولا شك في أن الأطفال والمجانين يتمتعون أيضا بتلك القدرات، بل هم أكثر تأقلما مع الشدائد من الكبار، ولديهم من المرونة ما يؤهلهم للصبر والاعتياد دون تذمر.

أطفال قتلهم النظام السوري بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

من الملاحظ أن الأسئلة الفلسفية والشكوك التي نناقشها هنا لا تخطر غالبا على أذهان عامة الناس ممن يعانون من الشدائد، فهي تُطرح عادة من قبل المعتادين أكثر على التمتع بنمط حياة مريح، وهذا لا يعود بالدرجة الأولى إلى التفرغ وازدياد فرص الاطلاع والقراءة، بل هو ناشئ أولا عن الرفاهية نفسها التي تدفع الإنسان لاشعوريا إلى التمرد والتذمر معا.

في المقابل، يكاد يكون من المجمع عليه أن يميل الأشخاص الذين اعتادوا على المكابدة إلى الإيمان بالله وبالقدر، لأن المشقة التي اعتادوا عليها في حياتهم منذ الصغر أبرزت طاقاتهم الكامنة، حتى أصبح الصبر والمكابدة وتحمل الصعاب والشدائد من العادات التي لا تلفت نظرهم ولا تستلزم الكثير من جهدهم، ومن ثمّ فإن الطفل الذي ينشأ في هذا النمط الطبيعي من العيش -وهو الذي اعتادت عليه الأغلبية الساحقة من البشر منذ آلاف السنين- يتمتع بقدر كبير من القدرة على الصبر والتحمل كالكبار، كما لا تتولد في ذهنه عادةً تلك التساؤلات الدالة على السخط.

ومع أن الطفل غير مُكلف ولا مسؤول أمام الله على ذنوبه، إلا أن عدل الله يقتضي أن يكافئه على حسناته وصبره وتحمله. وقد قلنا إن المصائب لا تكون كلها عقابا على ذنب اقترفه الإنسان، بل تكون أيضا تربية وتزكية وبابا من أبواب الثواب في الآخرة، وهي مزايا قد يحصل عليها الأطفال أيضا.

ومن العجيب أن الأشخاص المتنعمين أنفسهم، ممن لا يملكون الكثير من الصبر، قد يكتشفون فجأة أنهم قادرين على مكابدة ما يحل بهم من مصائب ثم تجاوزها ونسيانها، بل كثيرا ما تتحول ذكرياتهم المؤلمة ذاتها إلى تجربة ممتعة ومدعاة للفخر لما يكتسبونه بسببها من خبرة وقوة، ومع ذلك فإن بعضهم يرى في نزول المصائب على الأطفال شرا مطلقا “لا ينبغي” أن يسمح به الله.

لماذا التفاوت في الرزق من حيث المال والجمال والصحة وغير ذلك؟ أليس هذا التفاوت يتعارض مع العدل الإلهي؟

ذكرنا سابقا أننا لا نعرف على وجه الدقة الحكمة النهائية من خلقنا وابتلائنا، إلا أننا نعلم يقينا أننا مكلفون. ومن بديهيات التكليف أن يكون هناك ابتلاء، سواء بالنعم التي قد تُطغي الإنسان وتلهيه عما خُلق له، أو بالشدائد التي قد تلهيه أيضا وتسقطه في اليأس والقنوط. لكن المؤمن الواعي والمجاهد لنزعات النفس يتخذ موقفا وسطا في كلا الظرفين، وهو ما تلخصه القاعدة النبوية في الحديث الصحيح: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له” [رواه مسلم]، فالحديث يقف عند نقطة مهمة، وهي أن التعامل الإيجابي مع الظرفين المتناقضين لا يقدر عليه إلا المؤمن، لأنه نتيجة طبيعية للإيمان الواعي بحكمة الله والتسليم له والرضا بقضائه.

وإذا استوعبنا جيدا ما سبق ذكره من حكمة الابتلاء، فإن ما قد يبدو لنا من “اختلال في التوزيع” يمكن فهمه أيضا على أنه نوع من الابتلاء، كما يمكننا التعامل معه بنفس الآلية.

لكن مفهوم الاختلال نفسه ليس صحيحا، فإذا كانت عين الإنسان القاصرة تقف عند خلل ما في إحدى النعم فقد تغيب عنها نعم أخرى لا تحصى، ومع أن أدواتنا البشرية قاصرة عن تعداد كل نعم الله على كل فرد منا، والتي تشمل أدق تفاصيل مقادير الأمور مما يغيب عنا أصلا، فإن ما نعرفه من النعم وحده يكفي لنجزم بأن الله إذا سلب من أحد عباده نعمة ما فإنه يعوضه بنعم أخرى كثيرة.

بالرغم من الرفاهية التي يتمتع بها الشعب الياباني فإن بعض الإحصاءات تؤكد أنه في المرتبة الثانية عالميا من حيث نسبة الانتحار
(Jmho/wikimedia)

فعلى سبيل المثال، قد يتذمر أحدنا من مرض عضال يصيبه ويعكر صفو حياته، ويقارن نفسه بملايين الأصحاء، إلا أنه لا ينتبه إلى أن كل واحد من الأصحاء لديه نقص في نعم كثيرة يتمتع بها هو، ولا يوجد على وجه الأرض شخص واحد اجتمعت لديه كل النعم بكمالها دون نقص، كما لا يوجد شخص آخر اختلت لديه موازين النعم كلها، بل يتمتع كل منا غالبا بقدر ما من كل نعمة ولا تُسلب منه بالكلية، وإن سُلبت منه إحداها تماما فإنه يُرزق نعما أخرى تعوضه، ويكفي لكل سائل متشكك أن ينظر في حال من هو أشد منه ابتلاء في نفس المجال الذي يجد نقصا فيه، ثم ينظر في نعم أخرى يتمتع بها ولم تكن تخطر على باله مما قد حُرم منه آخرون.

وعندما اعترض جبابرة قريش، حسدا وتكبرا، على تخصيص النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وحده دونهم، نزلت الآية {أهم يقسمون رحمت ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32]، فالآية توضح أن هذا التفاوت في المعيشة هو من لوازم الحياة التي لا يمكن لها أن تستمر لو كان البشر كلهم متساوون في كل شيء، بل كان من الضروري أن يُسخَّر بعضهم لبعض، فيكون فيهم الرئيس والمرؤوس، والذكي ومتوسط الذكاء، والغني والفقير، كي يكون بعضهم محتاجا إلى بعض ومسخرا له. وعلاوة على ذلك، لم يكن الرسول يرفل في النعم الدنيوية، فإذا كان أعداؤه من قريش قد حسدوه على نعمة الرسالة والنبوة فقد رأوا بأعينهم كيف سُلب نعماً كثيرة من نعم الدنيا التي لا يتخلون عنها، فكان صلى الله عليه وسلم من أشد الناس ابتلاء وتعرضا للشدائد.

ولو تأملنا في تعقيد شؤون المجتمع لرأينا أن كل فرد مهما علا شأنه بحاجة إلى الآخرين مهما قل شأنهم، فالغني والعالِم وصاحب السلطة محتاجون جميعا إلى من يعملون في أقل المهن شأنا كي تستمر حياتهم.

أما ما ينتج عن هذا التفاوت والتسخير من طبقية وعنصرية واستعلاء وتجبر، فهي كلها من صنع الإنسان نفسه الذي حذره الله على لسان كل الأنبياء من الغطرسة والظلم. ونجد في آخر الشرائع التي جاء بها خاتم الأنبياء نصوصا كثيرة تنهى عن هذه الأخلاق السيئة وتأمر بالتواضع ولين الجانب لكل الناس، ولا سيما لمن كانوا في الخدمة، وحتى الأرقاء المملوكين.

إذا كان الله غنيًا عنا فلماذا يعذبنا؟

سبق أن قلنا إن الله خيّر آدم قبل أن يحمّله الأمانة والمسؤولية، كما أشهدنا على عبوديتنا له فأقررنا بذلك وشهدت علينا الملائكة، وقلنا أيضا إن العدل ليس صفة لازمة من صفات الألوهية، إلا أن الله تعالى تفضل على خلقه بأن أوجب على نفسه العدل ووعدهم بأنه لن يظلمهم.

ولكن ما الذي كان سيحدث لو أنه جل وعلا لم يلزم نفسه بالعدل؟ وما الذي كان بمقدورنا أن نفعله لو أننا وجدنا أنفسنا مخلوقين في هذه الدنيا دون تخيير وأننا مطالبون بمكابدة مشاق الحياة وتحمل الأذى والظلم والمصائب، ثم وجدنا أن الإله لن يعاملنا بالعدل ولا بالرحمة بل سيعذبنا إلى الأبد؟

من المفهوم والبديهي أننا سنعترض ونتذمر، طالما كنا نملك القدرة على ذلك على الأقل، إلا أن هذا الاعتراض لم يكن سيغير شيئا طالما كان الإله القادر على كل شيء قد حكم علينا بعذاب مقيم.

أليس إلزام نفسه بالعدل إذن هو كرم عظيم منه؟ لا سيما وأنه ليس مضطرا لإكرامنا أصلا، ولن يحاسبه أحد على ما سيفعله بنا. وإذا كان العدل بحد ذاته كرما بالغا، فماذا نسمي النعيم المقيم في الجنة التي وعد الإله الصالحين بأن يخلّدهم فيها؟

نحن البشر نميل ميلا طبيعيا للانتقام ممن يكون خاضعا لسلطتنا ويخرج عليها، ومع أن إنزال العذاب في أعدائنا قد لا يؤدي إلى أي نتيجة عملية إلا أننا نطالب به من قبيل النكاية، ونقر بأن هذا هو العدل، فلماذا نستنكر إذن أن يستحق الإنسان المتمرد (بحجمه التافه) العذاب من قبل الإله العظيم؟

قد يبدو الأمر محيرا عندما يكون التساؤل من منظور شخص يرى أن الإله بعظمته في غنى عن تعذيب هذا الفرد الصغير، لكن الصورة الكاملة تقتضي أن نرى أيضا أن هذا الفرد لديه من الجرأة ما يجيز له التمرد على الإله المسيطر على الكون كله، وأي جريمة أكبر من هذه؟

وعندما نكون أمام حالة متطرفة من العناد، مع الإصرار على الشر، فربما نندفع لمحاولة إصلاح هذا الشخص بكل الطرق الممكنة، فإذا لم نجد منه سوى السخرية والتهتك، فإننا نميل بالطبع لإخضاعه بالقوة، ونعتبر أن كسر كبريائه هو الجزاء العادل الذي يستحقه.

وقد تأخذ بقلبنا الشفقة أحيانا على المجرم المعاند المكابر، فنتوسل إليه أن يتجرد عن جحوده وكبر نفسه وجهالته ليتخلص من العذاب، وكأننا أكثر رأفة به من نفسه، فإذا وافق مرغما على التوبة والاعتذار نفاجأ به وهو يعود إلى أسوأ مما كان عليه، مع علمه المسبق بأنه سيُعذب مجددا، إلا أن الشر أصبح جزءا من كيانه، والكبْر استبد بعقله حتى أسكره.

ولو تأملنا في آيات القرآن الكريم التي كانت تقرّع الجاحدين المعاندين سنجد أنها كانت تصفهم بهذا النوع من الكبر، بل يخبرنا أنهم عندما يذوقون عذاب الآخرة سيطالبون الله بعد دخولهم جهنم بأن يخرجهم ويعيدهم إلى الدنيا ليبدأوا الاختبار من جديد إلا أنهم مع ذلك سيعودون إلى الجحود نفسه دون تغيير، لأن الكفر صفة أصيلة في نفوسهم.

يقول الله تعالى عن هذا الصنف من أهل النار: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، أولم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير، فذوقوا فما للظالمين من نصير، إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور} [فاطر: 37-38]، فالآية تخبرنا أن الرد سيأتيهم بأنهم نالوا فرصتهم في الدنيا وجاءهم الوحي لينذرهم ويحذرهم من المصير، ثم تخبرنا الآية الثانية أن الله يعلم ما في صدورهم وأنهم يكذبون وسيعودون إلى الكفر لو عادوا إلى الدنيا مرة أخرى. وهذا ما تؤكده آيات عدة مثل قوله تعالى {ولو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28].

وفي سورة المُلك، يخبرنا الله تعالى أن أهل النار سيعترفون بأنهم كانوا على علم بهذا المصير، فيقول {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك: 8-9]، حيث تسأل الملائكة التي تشرف على النار (الخزَنة) كل فوج من أهل النار عما إذا كان الأنبياء قد أنذروهم فعلا بهذا العذاب، فيقرّون بذلك وبأنهم كذّبوا الوحي عنادا واستكبارا.

وقد يصح أن نستنتج من هذا أن الذين سيخلّدون في النار هم أولئك المعاندين الجاحدين الذين لا أمل فيه صلاحهم وقيامهم بواجب العبودية الذي خُلقوا له، أما العصاة الذين لم يبلغوا هذا الحد من الجحود فسيذوقون قسطا من العذاب ثم يدخلون الجنة، وقد يكون هذا العذاب في الدنيا فقط، وقد يكون في القبر أو في أهوال يوم القيامة دون دخول النار.

وإذا كنا نستعظم العذاب أمام ذنوب الإنسان، فلماذا لا نستعظم أيضا نعيم الجنة الذي لا يبدو أن أعمال أفضل الناس تفي بحقه. ومع ذلك فقد وعد الله تعالى بألا يُدخل النار إلا من يستحقها بالعدل، بينما وعد بأن يُدخل الجنة الكثير من خلقه برحمته وليس بالاستحقاق، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته يوما: “لن ينجي أحدا منكم عملُه، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة” [صحيح البخاري: 6098].

هل نحن مسيّرون أم مخيّرون؟ وإذا كان الله قد كتب علي أن أكون كافرا فما فائدة البحث عن الإيمان؟

كي نكشف الخلل في هذا السؤال، سنفترض أن الله تعالى عندما خلقنا لم يكن يعلم ما الذي سنفعله في حياتنا وما إذا كنا سنؤمن أم نكفر، فهل كنا سنقتنع إذن بأنه إله كامل الصفات ويستحق أن يُعبد؟

إذن فكمال صفات الله يستلزم أن يكون عالما بما كان وسيكون، لأن الزمان منبسط في حضرته فليس هناك فرق عنده بين ماض وحاضر ومستقبل، وهذا يعني أن الله يعلم تماما من الذي سيؤمن منا ومن الذي سيكفر، وعلمه هذا لا يعني أنه قد أمر بأن يحدث ذلك طالما أنه منحنا القدرة والاختيار والإرادة.

ويأتي الإشكال واللبس من حيث قياس علم الله وإرادته على صفاتنا البشرية، فنحن نتوهم أنه بمجرد أن علِم ما سيحدث فقد أمر بحدوثه، وهذا ليس لازما ولا ضروريا، أما الضروري فهو أن يكون عالما فعلا بما سيحدث لأن الجهل لا يليق به.

وبعبارة أخرى، إن علمه بمستقبلنا وبأفعالنا ومصيرنا هو من صفات كمال الله، فلا يمكن إلا أن يكون عالما به، أما إكراهنا أو تركنا أحرارا فهو أمر آخر.

وكما ذكرنا سابقا، علينا أن نفرق بين مشيئة الله تعالى وبين ما يرضاه من أفعال عباده، فكل ما يحدث في الكون هو داخل في مشيئته وإلا فلن يكون إلها، ولكن سماحه بحدوث شيء ما لا يعني أنه يرضى به.

يقول تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 29]، ومن مشيئته أنه جعل لنا مشيئة مستقلة، فهي غير تابعة لمشيئته إلا أنها ليست ضدها في الوقت نفسه.

وهذه العلاقة بين المشيئتين قد نجربها في حياتنا اليومية مع أشخاص آخرين، فالأب مثلا قد يمنح طفله الصغير قدرا من الحرية في الاختيار بين أمرين، ويخبره بأنه سيتسامح معه في ذلك، وسواء اختار الطفل ما يتوافق مع رضا الأب أم العكس فإن حرية الاختيار التي يمارسها الطفل هي التي أرادها الأب، فقدرة الطفل على الاختيار جاءت نتيجة للفرصة التي منحها له الأب، لكن النتيجة جاءت نتيجة اختيار الطفل وحده.

وبنفس المعنى، يختار كل منا ما يشاء وفقا لحرية الإرادة التي منحها الله لنا، وقد نختار ما لا يرضي الله ولكن ليس ما يخرج عن مشيئته.

أجرى جوناثان سكولر الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا دراسة لفهم النتائج العملية للإيمان بكون الإنسان مسيّرا أو مخيّرا، فوضع أمام كل متطوع شاشة كبيرة، ثم عرض على نصف المتطوعين عبارات تجزم بأن الإنسان لا يملك حرية الإرادة، وعرض على النصف الآخر عبارات معاكسة.

ثم طلب من كل متطوع إجراء اختبار وهمي على حدة، ووضع على الطاولة علبة مليئة بالنقود المعدنية وأخبره أنه سيحصل على دولار مقابل كل إجابة صحيحة، وقبل نهاية الاختبار كان يقول له إنه مضطر لترك الغرفة بسبب انشغاله المفاجئ، ويعطيه نموذج الأجوبة طالبا منه أن يقوم بالتصحيح بنفسه وأن يأخذ الدولارات التي يستحقها.

اكتشف سكولر أن الذين تم إقناع عقلهم الباطن مسبقا بأنهم مسيّرون قرروا أن يسرقوا بضعة دولارات إضافية، وكأنهم اقتنعوا لاشعوريا بأن السرقة أمر خارج عن إرادتهم، بينما كان الآخرون أكثر أمانة والتزاما بالمسؤولية.

والكافر يدرك في قرارة نفسه أنه لم يكفر إلا بمحض إرادته، ويعلم تماما أنه قادر على تغيير قراره والالتزام بالوحي، إلا أنه لا يفعل عنادا، أما التعذر بأنها مشيئة الله فهو مجرد محاولة للتهرب من المسؤولية، كما فعل المشركون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الآية: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} [الزخرف: 20]، حيث يرد عليهم الوحي في الآية نفسها بأنهم يتوهمون.

ويوضح القرآن في مواضع عدة أن الهداية نتيجة لمشيئة الإنسان نفسه، فيقول {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [المزمل: 19]، ويقول أيضا {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها” [الكهف: 29]، ويبدو أن هذه الآية لم تكتفِ بتوضيح حرية الاختيار بل قرنته بالتحذير من مغبة سوء الاختيار.

ويذكر القرآن الكريم أنه لو أراد الله أن يتدخل في مشيئة الناس لفعل، إلا أنه تركهم لحريتهم الشخصية بعد أن دلهم على الطريق، فيقول {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149]، ويقول أيضا {ولو شاء الله ما أشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل} [الأنعام: 107]، أي أن الله لم يتدخل في رغبتهم كما لم يجعل للنبي سلطة على اختيارهم، ويقول في آية أخرى مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]، إذن فقد تركهم لمشيئتهم فكفروا، ولم يكرههم على الإيمان، كما أنه لم يكرههم على الكفر في الوقت نفسه.

وقد يشكل على البعض معنى قوله تعالى {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272]، فقد يُفهم من الآية أن الله يختار من يشاء للهداية ويترك الآخرين للضلال، لكن الآية جاءت في سياق الرد على الصحابة الذين كانوا يعطون أقاربهم المشركين بعض الأموال من باب صلة الرحم ثم امتنعوا عن العطاء، فنزلت الآية لتخبرهم عن طريق مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بأن هداية الناس ليست من شأن أي أحد بل هي بيد الله، فالجملة الأخيرة ليست مطلقة بل هي في سياق نفي قدرة الناس على هداية الآخرين، أما الحديث عن هداية الله للناس بالمطلق فيأتي في مواضع أخرى من القرآن سنذكرها لاحقا.

وعلينا أن ننتبه أولًا إلى أن لفظ الهداية قد يأتي بمعنى الإرشاد إلى الطريق وليس حمل الناس على اتباعه، فالله تعالى يقول {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]، فلو كانت كلمة “هديناهم” تعني إجبارهم على الإيمان فكيف يفضلون بعد ذلك العمى على الهدى؟

وفي مثال آخر، نجد أن الله يخاطب الرسول في آيتين مختلفتين بقوله {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] وبقوله أيضًا {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52]، فلو كان مصطلح الهداية يحمل معنى واحدا لكان هذا تناقضا، لكن الهداية في الأولى تعني الحمل على الإيمان بالإكراه (وهي منفية)، وفي الثانية تعني الدلالة والإرشاد.

إذن فالله تعالى لا يجبر أحدًا على الإيمان، كما لم يعط أنبياءه القدرة على ذلك، إلا أنه وعد من يبذل جهده لبلوغ الحق بأن يهديه عندما قال {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وكلمة “فينا” تستلزم الإخلاص أيضا وليس الاجتهاد فقط.

وعندما يعرف المؤمن الطريق فإنه ينسب الفضل في ذلك إلى الله تأدبا كما تقول الآية {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: 50]، وبعد أن يختار هذا الطريق بمحض إرادته ويلتزم به يضاعف الله هدايته كما وعد قائلا {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76].

وفي المقابل، عندما يختار المرء طريق الضلال، فقد يزيده الله ضلالا ويطمس على قلبه، ولكن الله لا يكرهه على ذلك الخيار من البداية، فيقول تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26]، فالآية تتحدث عن قضية واحدة، وهي ضرب المثل بالبعوضة، حيث كانت  بمثابة اختبار واحد يختبر الله به الطرفين، فالمؤمن يهتدي به ويزداد إيمانه، بينما يضل به الفاسق الذي اختار طريق الفسق بنفسه أولا.

وبنفس هذا المعنى يمكننا فهم العديد من الآيات التي نفى الله فيها الهداية عمن يختارون طريق الضلال، فيقول {والله لا يهدي القوم الكافرين}، كما يصفهم في آيات أخرى بالظالمين والفاسقين، وهذا يؤكد المعنى السابق بأن الله لا يُضل ولا يهدي إلا بعد أن يختار المرء طريقه.

في هذا الفيلم الوثائقي، يتحدث الشيخ البرازيلي إسرائيل دوسنتوس عن قصة إسلامه وهو في سن متأخرة، بعد أن كان راعي كنيسة بروتستانتية وهو يحمل شهادة الدكتوراه في علوم اللاهوت، حيث قرر تغيير دينه وحياته والدخول في صدام مع زوجته وأولاده وأتباع كنيسته فجأة، وذلك بعد يومين فقط من قراءة كتاب الطبيب الفرنسي موريس بوكاي “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم”، فالهداية قد لا تتطلب سوى وقفة صادقة مع النفس.

بناء على ما سبق، لا يصح الافتراض الشائع بأن الإنسان يكتسب دينه بالوراثة دون اختيار، فالدين ليس من المورثات الجينية التي تجري في دمائنا، ولدى كل منا مشاهدات كثيرة عن تمرد المراهقين على آبائهم في الكثير من التفاصيل التي لا تروق لهم، لأن الإنسان عندما يبلغ سن التكليف وينضج إحساسه بذاته يبدأ بتكوينها بالطريقة التي تناسبه، وقد يتطلب الأمر نوعا من الصدام والمشقة، لا سيما وأنه سيجد في وسائل الإعلام والثقافة المحيطة ما يحرضه على التمرد والتغيير نحو الأسوأ، بينما لا يكاد يجد ما يشجعه على تغيير دينه نحو الإيمان بالله وبالوحي أو نحو المزيد من التقيد بتعاليم الوحي إلا القليل، وهذه من عيوب المجتمعات نفسها وليست عيبا في تركيب الإنسان الذي خلقه الله حرا وقادرا على التمييز واتخاذ القرار وتطبيقه.

والملاحَظ أن غالبية الناس يتلذذون بالكفاح الذي يبذلونه في سبيل التمرد على المجتمع، ولا يجدون في اضطرارهم إلى ذلك أي غضاضة، بينما يتذمر الكثيرون عندما يُطلب منهم الشيء ذاته في سبيل التمرد على شياطين الجنس والإنس وبلوغ سبيل الحق من أجل خلاصهم، وكأن الدنيا تستحق النضال بلا جدال بينما ينبغي أن يكون خلاص الآخرة سهلا وميسرا.

وبالقياس نفسه نجد أن الكثير من الناس يعاتبون آباءهم على أي تقصير في مجال التربية الدنيوية، أي بما يمس نجاحهم الدراسي وصحة أبدانهم، بينما لا نكاد نسمع اعتراضا على حمل الآباء أبناءهم على عبادة غير الله، بل تتوارث الأجيال أديانها المحرفة والوثنية على أنها جزء من ثقافتها التي يجب التمسك بها دون أي تمحيص عقلي، في حين يعلن الجميع أن من أهم سمات التربية الناجحة أن يُمنح الابن والابنة القدرة على التفكير المستقل والنضج النفسي، وهذا التناقض ليس من سمات الإنسان التي خلقها الله فيه وفطره عليها، بل هو من نتائج اتباع الهوى وتقديم المصلحة الدنيوية العاجلة على الآخرة.

لذا أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة بشكل قاطع في قوله: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء”، ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [رواه البخاري ومسلم]، فالنبي ضرب مثلا بالحيوان الذي يولد كامل الخلقة خاليا من العيوب، فإذا كبر قطع الناس أذنيه وأنفه وغيروا خلقته، وهذا هو حال الإنسان الذي يولد على فطرة الإيمان فتنحرف فطرته ويُملأ عقله بالأساطير حتى ينشأ على أديان لا أصل لها.

وبالرغم من وضوح حرية الإرادة، قد يبقى في النفس شيء من الشك عندما نرى أن مجتمعات كاملة لا تؤمن بالله في مقابل مجتمعات أخرى يُعطى أطفالها الإيمان دون عناء، والجواب على هذه الإشكالية يتطلب إعادة التذكير بعدالة الله، فطالما كان الله تعالى قد وعد بألا يظلم الناس وأن يؤتي كل مخلوق حقه يوم القيامة فمن البديهي إذن ألا يعذب أحدا إلا عن استحقاق، فالمسلم الذي يولد في أكثر المجتمعات تمسكا بالإسلام قد يقرر الجنوح نحو الكفر والإلحاد يوما ما، كما يحدث فعلا في عصرنا الحاضر، وقد يكفر بقلبه ولا يعلن ذلك، أو ربما ينشأ متشككا وعاصيا وظالما فلا يكاد يتميز عن أي شخص سيئ نشأ في مجتمع لا يعرف الوحي، فيُعاقَب يوم القيامة على عدم إيمانه أو عدم التزامه، ولا يكون الحساب فقط بناءً على كونه مسلما بالاسم.

أما الذي قُدر له أن ينشأ في مجتمع آخر، ولم يُكتب له الاطلاع على الوحي، ولم تكن الظروف مواتية لذلك، فحسابه على قدر صلاحه وبذله الجهد والتزامه بفعل الخير، والله أعلم بمعايير محاسبة كل فرد على حدة.

إذا كان الإيمان علاجا ناجحا للقلق والأمراض النفسية فلماذا يعاني نفسيا الكثير من المؤمنين؟ ولماذا نرى أن كثيرا من الملحدين في المقابل أكثر سعادة؟

ربما ينشأ هذا السؤال المتشكك من المبالغة والسطحية التي نجدها في بعض أطروحات الدعاة إلى الإيمان، فمن المؤكد أن جزءا كبيرا من الأمراض النفسية لا يتعلق بالجانب الروحي لدى الإنسان، مثل الفصام والرهاب والتوحد والوسواس القهري والهلوسة التي قد تصيب أشخاصا في قمة إيمانهم، تماما كما يصابون بالأمراض الجسدية أيضا، وقد تكون هذه الأمراض النفسية من الابتلاءات التي تصيب الناس جميعا بما فيهم المؤمن والجاحد.

ولا يصح أيضا وضع الأديان كلها في خانة واحدة، فالأمر لا يتعلق بما يتركه الإيمان الروحي على النفس من طمأنينة فقط، بل يتأثر أساساً بالعقيدة وبما تتركه في العقل من قناعات فكرية، فالمؤمن بالعقيدة المسيحية وما تتضمنه من أفكار الخلاص والفداء والخطيئة الأولى والرهبانية لا يصح أن نقارنه بالمؤمن بعقيدة الإسلام.

والمؤمنون بالعقيدة الصحيحة ليسوا سواسية أيضاً، فهناك تفاوت كبير بين الأفراد من حيث تعمق كل منهم في العقيدة ومدى فهمه لها وممارسته لشعائرها، وقد يؤدي تركيزه على جانب واحد من العقيدة إلى اختلال التوازن النفسي وسقوطه في الأمراض أكثر من الملحد، والمشكلة هنا لا تتعلق بالدين نفسه بل بفهمه وتطبيقه غير المتوازن.

والنفس البشرية أكثر تعقيدا مما قد يتخيل بعض الدعاة البسطاء وغير المتخصصين في علم النفس، فالمصاب بالاكتئاب قد يعاني من خلل سلوكي لا معرفي، وهذا يعني أن علاجه يتطلب تحريضاً للانفعالات الإيجابية في نفسه وعلاجاً للعقد النفسية المتراكمة في لاوعيه، وليس بالخوض معه في نقاش فلسفي حول حكمة الابتلاء، بل إن هذا النقاش قد يزيد من سوء حالته من خلال تعميق شعوره بالذنب، فيقع حبيساً لهواجس الردة والكفر مع أنه مقتنع عقلياً بحجج الإيمان لكن نفسه البشرية المنهكة هي التي تطلب العلاج.

وليام جيمس

كان الفيلسوف البراغماتي الأميركي وليام جيمس -الذي يعد من رواد علم النفس الحديث- يؤكد في كتاباته على ضرورة الإيمان بوجود الله لمواجهة شعور الإنسان بالعجز والضعف أمام صعوبات الحياة، وكان يرى أن الإيمان يعطي الحياة قيمة ودافعا لتحقيق الأمنيات ومعالجة القلق.

ويجدر بالذكر أن جيمس كان ينظر إلى الإيمان من هذه الناحية العملية فقط، فالبراغماتية تقوم أصلا على إضفاء المعنى للأشياء من حيث منفعتها العملية دون الالتفات إلى وجودها الموضوعي، وهي فلسفة متطرفة لا يسلم بها العقل، فوجود الله وضرورة الإيمان به والانقياد لعبوديته أمران مستقلان عن مصلحة الإنسان.

وإذا تعامل الإنسان مع ربه بهذه العلاقة المصلحية، فقد لا ينال مراده أصلا، ما يعرّض إيمانه كله للتزعزع وفقا للظروف، وهذا يتعارض مع مقتضى العبودية.

ومع أن الكثير من علماء النفس والمتخصصين في مجالات التحفيز وتطوير الذات يؤكدون على أهمية الإيمان لمعالجة القلق، مثل كارل يونغ ودايل كارنيغي وهنري لينك، إلا أن الربط المطلق بين الإيمان والراحة النفسية قد يعرض المؤمن إيمانا سطحيا للشك في إيمانه كله، لا سيما عندما يكون إيمانه قائما على المصلحة أصلا.

ولا ننسى أن الإيمان لا ينفي القلق الوجودي بالكلية، فالمؤمن يتحمل مسؤولية كبرى كما أسلفنا، وهي أمانة لم تحملها السماوات والأرض، ومن يراقب طبيعة حياة الأنبياء وكبار الصحابة يجد أنهم كانوا يجمعون بين الخوف والرجاء في محاولة دائمة للموازنة بينهما.

وفي الحديث القدسي يروى عن الله جل وعلا أنه قال “وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة” [أخرجه ابن حبان والبزار والبيهقي وابن المبارك وأبو نعيم وصححه ابن حجر والألباني السلسلة]، وهذا يعني أن المؤمن الذي يعلم حقا حجم المسؤولية الكبرى التي يحملها، وأنه مقبل على موت محتم دون أن يعلم في أي لحظة وعلى أي حال، وأنه ليس بعد الموت توبة ولا رجعة، وأنه قد يُحاسب على كل صغيرة وكبيرة دون أن يضمن رحمة الله، فعليه أن يخاف الله بالقدر الذي يمنعه عن المعاصي ويجعل ثقته كلها بالله وليس بنفسه، أملا في نيل الأمن الدائم يوم القيامة.

لذا حث القرآن الكريم في آيات كثيرة على فضيلة الخوف، ومنها {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175]، {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57]، {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46].

وكلما ازداد قرب الإنسان من ربه استشعر المزيد من عظمته فتضاعف خوفه منه إجلالا وإكبارا، لذا تقول الآية {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، وهذا ما نراه فعلا في المجتمعات كلها، فالغافل عن الله يرتكب الفواحش دون اكتراث، بينما يرتجف قلب المؤمن خوفا من ربه لأصغر هفوة يرتكبها.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس خشية، ويروى عنه في الحديث أنه قال “لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله” [رواه الترمذي]، ومع ذلك فإنه لم يأمر الناس بهذا الخوف، فعندما جاءه حنظلة الأسيدي يشكو إليه شعوره بالنفاق، قال الرسول صلى الله عليه وسلم “وما ذاك؟” فقال: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال “والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” [صحيح مسلم: 2750].

وعندما سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] هل هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال “لا يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقبل منهم” [رواه الترمذي]. وعلّق التابعي الحسن البصري بقوله “عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا”.

وإذا كانت هذه النصوص تؤدي بالبعض إلى الاعتقاد بأن الملحد أكثر راحة نفسية، لأنه لا يحمل على عاتقه تلك المسؤولية (الأمانة) ولا يخشى حسابا ولا عقابا، فهل هذا يبرر الإلحاد حتى لو كان صحيحا؟ أم أنه لا يدل سوى على الغفلة؟

وهذه الغفلة هي التي كان يقصدها المتنبي في بيته المشهور:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله      وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

فمن يرتضي لنفسه بالغفلة بضع سنين في حياة عابرة، دون أن يشغل نفسه بهمّ التفكير فيما سيحل به بعد ذلك، فهو حتما أحمق.

وإذا كان الملحد أكثر راحة من المؤمن من حيث القلق بشأن الآخرة، فإن المؤمن أكثر راحة بالمقابل من حيث القلق بشأن الدنيا التي يشترك فيها مع الملحد، وهذا النوع من القلق هو الذي اعتنى به علماء النفس الذين أكدوا على ضرورة الإيمان لتوفير الراحة النفسية كما أسلفنا.

فالمؤمن الذي يفهم أن لله حكمة في كل ما يقضيه ويقدّره لا يجد مبررا للحزن والأسى، وكلما ازداد زهدا في الدنيا تضاءل حجم القلق والحرص في قلبه، حتى لا يكاد يشعر بألم المصائب التي قد تحل به.

وهذا هو جوهر العديد من نصوص الوحي، ولعل أوضحها هو هذه الآيات الواردة في سورة الحديد، حيث يقول تعالى {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، ففي هذه الآية نجد أبلغ وصف لحال الدنيا التي لا تزيد عن كونها فقاعة جميلة يغتر بها السطحيون والحمقى، فهي مثل أرض خصبة تشربت بعض الماء بعد هطول المطر فأنبتت زرعا جميلا، وما إن فرح به المزارعون (وصفهم بالكفار لأن المزارع يكفر البذر أي يغطيه بالتراب) حتى انتهى عمره سريعا واصفر لونه وصار يابسا تذروه الرياح، حتى إن الوقت لم يسعفهم ليستفيدوا منه، كما هو حال الموت الذي يخطف الناس قبل أن يحققوا أحلامهم.

ثم تأتي الآية الأخرى لتوضح الهدف الذي يستحق الاهتمام فتقول {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.

وبعدها مباشرة يذكرنا الوحي بأن قلة شأن الدنيا لا تنبع فقط من قصر عمرها، بل من كون المصائب أصلا قدرا مكتوبا من قبل أن يخلق الله الإنسان نفسه، فالله تعالى يقول {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}.

ويختتم الوحي ببيان المعادلة التي تحقق التوازن النفسي، بعد أن يفهم المؤمن حقيقة الدنيا وغاية وجوده العابر فيها، فتقول الآية {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 23]، وكأن الوحي يقول إذا كانت الدنيا مجرد “متاع الغرور”، وكانت الآخرة هي التي تحقق للمرء كل ما يحلم به في جنة بعرض السماء والأرض، فلا شيء من زخارف الدنيا إذن يستحق الأسى على فواته أو الفرح باكتسابه، وهذه القناعة هي الكنز الذي يحاول الفلاسفة أن ينالوه بشتى السبل، وهي الترياق الذي يحاول علماء النفس ومدربو التحفيز أن يعالجوا مرضاهم به، لكن الملحد لن يناله مهما اقترب منه، لأن زهده في الدنيا إذا لم يقترن بالتطلع إلى حياة أفضل في الآخرة سيؤدي به إلى كارثة أكبر، وسيغرقه في قلق وجودي أشد صعوبة من القلق على الدنيا الزائلة، ففكرة الفناء بعد الموت وانتهاء كل شيء هي فكرة مرعبة للغاية، وهي أصعب على النفس بكثير من القلق الذي يتولد لدى المؤمن من خشية العذاب في الآخرة، فلا يجد الملحد إزاء ذلك مفرا من الاستمتاع بملذات الدنيا بدلا من الزهد فيها، حتى لو كان هذا سيؤدي إلى قلق آخر وهو قلق التعلق بشيء زائل ومجهول المصير.

علاوة على ذلك، يعاني الملحد من قلق غياب العدالة واستحالة تحققها أبدا، فالمؤمن يصبر على الظلم انتظارا لحساب أخروي عادل، ويعلم أنه سيقتص بنفسه من كل من ظلمه، حتى لو كان خصمه هو أكثر الطغاة تجبرا ممن لا يحلم بأن يتمكن حتى من الاقتراب من قصورهم في هذه الدنيا. بينما يدرك الملحد أنه لن يقتص لنفسه ولا لغيره في الدنيا، ولا أمل له أيضا في شيء بعد الموت، وهذا الخلل يكفي لنفي مزاعمه بالراحة والطمأنينة.

بالرغم من هذا، يحاجج البعض بأن الدول التي ينتشر فيها الإلحاد هي التي تتمتع شعوبها بأعلى قدر من السعادة، مثل الدول الإسكندنافية، وذلك بحسب العديد من استطلاعات الرأي التي تجريها بعض الجهات الإعلامية وفقا لمؤشرات عديدة، مثل الشعور بالأمن وتوفر الخدمات الأساسية، وسيادة القانون والديمقراطية وحرية التعبير. لكن هذه المؤشرات لا تتعلق غالبا بمدى الرضا النفسي لدى الأفراد، بل تهتم بمؤشرات الرفاه المتعلقة بالحاجات الأساسية لدى الإنسان ومدى إشباعها، وهي حاجات مادية واجتماعية فقط.

والأهم من ذلك أن استطلاعات الرأي المتعلقة بالسعادة الشخصية (الرضا) تقدم نتائج متباينة جدا بسبب اختلاف معاييرها، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية في 9 يناير/كانون الثاني 2016 استطلاعا للرأي أجراه معهد “غالوب” الأميركي عن الدول الأكثر سعادة في العالم، فجاءت الدول العشرة الأولى بالترتيب التالي من الأسعد إلى الأقل سعادة: كولومبيا، فيجي، السعودية، أذربيجان، فيتنام، الأرجنتين، بنما، المكسيك، الإكوادور، وأخيرا الصين وأيسلندا معا في المركز العاشر.

وقد أبدت الصحيفة اندهاشها الكبير من هذه النتائج، فمعظم هذه الدول تعاني من أزمات تنموية ومشاكل في مجال حقوق الإنسان، بل تفتقر المدن الكبرى في الدولة الأولى (كولومبيا) لأبسط مقومات الأمن والسلامة نظرا لانتشار العصابات والفساد الحكومي، بينما جاءت الدولة الأوروبية الوحيدة (أيسلندا) في آخر قائمة الدول العشر.

أما المرتبة الأخيرة في هذه القائمة التي شملت ثمانية وستين دولة، فكانت من نصيب فرنسا وإيطاليا معا، وجاءت اليونان قبلهما.

وقد يزداد القارئ دهشة إذا علم أن الصحيفة نشرت قائمة أخرى بعنوان “الدول الأكثر تفاؤلا”، حيث تصدّرتها دولة إفريقية حافلة بالمشاكل هي نيجيريا.

ولكي تتضح الصورة من كل جوانبها، جاءت نيجيريا نفسها في المرتبة الثامنة والسبعين على قائمة الدول الأكثر سعادة بحسب “تقرير السعادة العالمي” عام 2015، وهو التقرير السنوي الأكثر شهرة. وبما أنه يعتمد على معايير مادية بحتة وليس على استطلاع لرأي الناس أنفسهم حول مشاعرهم ومدى رضاهم عن الحياة؛ فإن الدول الغربية هي التي تتصدر قائمته كل سنة.

ومع أن الإحصاءات السابقة لم تستطلع علاقة الدين بالسعادة، فربما نجد في استطلاع آخر أجرته منظمة “بارم” Barem التركية ومؤسسة غالوب مؤشرًا على أن الشعوب الأكثر سعادة هي التي تقل فيها نسبة الإلحاد، حيث سُئل أكثر من 66 ألف شخص في 67 دولة (لا توجد بينها دولة عربية) عن مدى تدينهم أو عدم التدين أو الإلحاد، وتبين أن الشعوب التي تقل فيها نسبة الإلحاد هي من الشعوب العشرة الأكثر سعادة بحسب استطلاع صحيفة “الإندبندنت” السابق.

ومع ذلك، إذا افترضنا جدلا أن الدول التي تشهد أعلى نسب الإلحاد بين شعوبها هي التي تتصدر فعلا قوائم السعادة بكل المعايير، فلا ننسى أن هذه الدول لم تحقق نجاحها الاقتصادي والتنموي بسبب الإلحاد واللادينية، بل أقامت نهضتها على جملة من العوامل والمتغيرات التاريخية المعقدة، والتي لا نجد الإلحاد من بينها، فالثروة التي بنت عليها أوروبا اقتصادها الحالي هي في معظمها خيرات القارات الأخرى المنهوبة منذ بدء ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية في القرن السادس عشر، ومرورا بالاستعمار والاحتلال المباشر في القرنين الأخيرين، وصولا إلى رأسمالية الشركات العابرة للحدود القائمة اليوم. وعندما اعتمدت أوروبا النظام الرأسمالي إبان الثورة الصناعية كان الدين من أهم المحفزات على العمل والنجاح الاقتصادي، وهذا ما يؤكده ماكس فيبر في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” الصادر عام 1905.

أما الإلحاد الشائع اليوم في الغرب فلم يتحول إلى ظاهرة جماعية إلا بعد أن استقر النظام العالمي على ما هو عليه، وبعد أن تحولت معظم ثروات العالم إلى تلك البقعة الصغيرة التي لا يسكنها أكثر من عُشر سكان الكوكب، وبعد إبادة عشرات الملايين من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا تزامنا مع استعباد عشرات الملايين من العمال والمزارعين بعد شحنهم كالحيوانات من أفريقيا.

فالإلحاد إذن ليس هو سبب سعادة الإنسان الذي يعيش على أنقاض تلك الوحشية المنسية، بل هو أحد أعراض الخواء الروحي الذي جاء كنتيجة حتمية للعلمانية المادية الشاملة، وهو حالة مرَضية شاذة في تاريخ الأمم، وانتكاسة للجنس البشري بعد إغراقه في شرعنة النهب والإبادة والاستعباد.

خلال إحدى جولاته للترويج لأفلامه، قال المخرج والممثل الهوليودي وودي آلان للصحفيين إن صناعة الأفلام هي وسيلته لإلهاء عقله عن التفكير في القضايا الوجودية الكبرى، وإنه يهدف أيضا لإلهاء الناس بالأفلام التي يقدمها لهم كي لا ينشغلوا بالتفكير والقلق، لأنه يرى أن الدنيا إلى زوال وأنه لن يبقى هناك شيء بعد الموت.

وهذه نتيجة حتمية لمن لا يؤمن بالبعث والحساب ولا يطمح إلى الخلود في الجنة، فليس هناك حل للقلق الذي يعصف بالإنسان الملحد أو اللاديني سوى بإلهاء عقله، مع علمه بأنه مجرد إلهاء مؤقت.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الاعتقاد ليس محصورا بالملحدين واللادينيين فقط، بل يشاركهم فيه كثير من اليهود والمسيحيين البروتستانت الذين لا يؤمنون بالبعث، فسعادتهم لن تتجاوز ما يتمكنون من تحصيله في هذه الدنيا الفانية.

الأخلاق سابقة على الدين، فقد وجدت قبل الأديان الإبراهيمية، والملحدون يتمتعون بنظام أخلاقي كامل، ولديهم الوازع الذاتي والمثل العليا دون حاجة للإيمان بإله يحاسبهم، فلماذا يقول المؤمنون إن الدين ضروري للأخلاق؟

المقولة الشائعة التي ابتدأ بها السؤال هي مغالطة تاريخية وليست حقيقة، فقد بيّنا في مقال الوثنية أن الأصل هو الدين وليس الوثنية، فالدين ابتدأ مع الإنسان الأول آدم وليس مع إبراهيم عليهما السلام، وشرائع ورسالات الأنبياء كلها كانت تجدد العهد الأول من الله تعالى لآدم، فالأخلاق ليست اختراعا ولا اكتشافا، بل نظام محدد ومنضبط نزل به الوحي مع نزول الإنسان نفسه إلى الأرض.

وما قلناه في الجواب على السؤال السابق بشأن نشوء ظاهرة الإلحاد الحديثة والشاذة يقال هنا أيضا، فالملحدون الذين يتباهون بنظامهم الأخلاقي لا يدركون أنهم يتحدثون عن ميراث أخلاقي أخذوه بالكامل عن آبائهم المؤمنين، فالمجتمعات الغربية التي يقال إن نسبة الإلحاد في بعضها تتجاوز نصف السكان ما زال الدين فيها قائماً مهما تراجع، وما زال ظهور الإلحاد فيها -كظاهرة عامة- حديثاً للغاية ولا يقارن أثره التراكمي على العقول والنفوس بأثر المسيحية واليهودية اللتين تعدان حتى اليوم عاملا جوهريا في تشكيل الثقافة الأوروبية، وفي الخلفية الأخلاقية بطبيعة الحال.

وإذا أردنا تقييم دور الإلحاد كنظام شامل للحياة في الأخلاق فعلينا أن نجد أولا مجتمعا ملحدا بالكامل ولم يتشرب الثقافة الدينية عبر أجيال طويلة، ثم نُخضع أخلاق هذا المجتمع للبحث العلمي لنتحقق من مزاعم نشوء الأخلاق من العقل المجرد دون حاجة للوحي.

والعثور على مجتمع كهذا مستحيل عمليا، فحتى القبائل المعزولة في الغابات النائية تمتلك عقائد وأساطير دينية وسحرية، ولا يمكن لأي باحث أن يجزم بأن هذه الأديان “البدائية” قد تولدت عن عقول أجدادهم لأنه لا يوجد تاريخ مكتوب أو شفوي لأصول هذه الأديان، لذا يؤمن بعض الباحثين الملحدين باحتمال ورود الأديان نفسها من كائنات فضائية، لعدم إيمانهم بوجود إله ولا ملائكة ولا شياطين، وهذا الاحتمال -الممكن عقليا وعلميا- يعني أنه لا يحق لأي باحث أن يجزم بأن الأديان، وبما فيها الأخلاق، قد نشأت حتما عن العقل البشري وحده دون مصدر خارجي.

وبالعودة إلى الوحي المحفوظ من التحريف، نجد ما يؤكد أن الأمم كلها تلقت نصيبها من الوحي الإلهي، حيث يقول القرآن الكريم {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} [النحل: 36]، ما يعني أن الأخلاق المتبقية في ثقافة الشعوب المعزولة هي ميراثها المتبقي من الدين قبل تحريفه.

وعبر كل قرون التاريخ المكتوب، لا نجد مجتمعا إلحاديا واحدا أقام عقيدته ونظامه الأخلاقي بالكامل على المادية المطلقة، فحتى الأساطير التي استبعدت فكرة الإله الخالق لم تجنح نحو المادية بل آمنت بوجود “حقيقة مطلقة” مفارقة للعالم المادي، وتخيلت وجود عوالم روحية أكثر رقيا، وزعمت استمداد الأخلاق والمثل من تلك العوالم المثالية.

وعندما حاول أبيقور اليوناني إقامة فلسفة مادية إلحادية تتخلى عن الآلهة والغيبيات، لم يستطع وضع نظام أخلاقي سليم يهذّب الإنسان المفعم بالشهوة، فحاول جاهدا أن يفلسف اللذات الحسية ويضفي عليها بعدا أخلاقيا، معتبرا أن السعادة تكمن في اللذة، إلا أنه اضطر إلى إيجاد مفهوم أخلاقي يضبط هذه اللذة كي لا يتحول الإنسان إلى عبد لها، فنصح أتباعه بالاستمتاع بسكينة العقل التي سماها “أتاراكسيا”، وانتهى به الأمر إلى مطالبتهم بتقديم اللذات الروحية على الحسية. لذا سارع تلاميذه بعد موته إلى إزالة هذا التناقض وحذف اللذات الروحية من المعادلة، لأن الإلحاد لا يتناسب أصلا إلا مع المتع الحسية، وتحولت هذه الفلسفة تلقائيا إلى مجرد تقليعة للخلاعة والمجون وليست فلسفة ولا بديلا للدين، ولا يمكن لأي حضارة أن تعتمد عليها لبناء مجتمع متماسك.

وعندما عاد الإلحاد للانتشار في الغرب، كادت الحضارة الحديثة أن تقع في هذا التناقض المفزع، وقدّم عدة فلاسفة ملحدين أطروحات متناقضة بحثا عن أصل فلسفي للأخلاق تتسق مع افتراضهم المسبق بعدم وجود إله، ووصل الأمر بالبعض إلى العدمية التي كان من الممكن أن توقع الغرب كله في مأزق لو قُدر لها الانتشار، إلى أن طرح الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في القرن التاسع عشر فلسفته الأخلاقية التي تفترض وجود مبدأ اسمه الواجب، معتبرا أن الإنسان يلتزم بالأخلاق النبيلة بدافع ذاتي عقلاني، وهو لم يحلّ بذلك معضلة الأصل المثالي المتعالي لهذا الوازع الذي لا يمكن أن ينشأ لوحده في عالم المادة، فكل ما فعله كانط هو أنه أعاد الاعتبار للأخلاق المسيحية ولكن في إطار علماني، لا سيما وأن كانط نفسه نشأ في عائلة شديدة التدين واستمد خلفيته الثقافية من تربيته الدينية، وما زالت فلسفته الأخلاقية هي السائدة في الغرب اليوم لأنها الحامل الفكري الوحيد المتبقي للأخلاق في العالم المادي، مع أنها ليست سوى محاولة لإعادة صياغة الأخلاق الدينية بعبارات جديدة.

والأمر نفسه ينطبق على الدول الشيوعية التي جربت تطبيق الإلحاد المتطرف وفرضته على الشعوب في القرن العشرين، فالأنظمة الدكتاتورية هناك فرضت نظاما أخلاقيا صارما للحفاظ على تماسك المجتمع، ولم تترك الناس ليستمدوا أي وازع من عالم المادة، فالإلحاد لا يمكنه أن يصمد أمام إلحاح الشهوات عندما يقتنع الإنسان بأن حياته القصيرة هي كل شيء، وإذا كان بضعة فلاسفة ملحدين قد نجحوا فعلا في ضبط نزواتهم الجسدية والنفسية فإن تجربتهم لا يمكن أن تعمم على عوام الناس، لا سيما إذا اقتنعوا بأنه ليس هناك إله مطلع على كل أعمالهم، بل حتى على قلوبهم ونواياهم.

في عام 1963 أجرى عالم النفس الاجتماعي الأميركي ستانلي ملغرام تجربة مشهورة حملت اسمه، الهدف منها قياس مدى استعداد الناس للطاعة حتى عندما تتناقض أوامر السلطة مع ضمائرهم، فطلب ملغرام من أربعين مشاركا طرح أسلئة على شخص موجود في غرفة أخرى عبر جهاز اتصال، وأخبرهم أن هذا الشخص يجلس على كرسي كهربائي، وأن كل إجابة خاطئة يقدمها ذاك الشخص ستؤدي إلى صعقه بصدمة كهربائية، وستزداد قوة الصدمة تلقائيا مع توالي الإجابات الخاطئة، ولم يعرف المشاركون في التجربة أن الشخص الآخر كان ممثلا وأن صرخاته وتوسلاته مع كل صدمة لم تكن حقيقية.

كان المشرف على التجربة يوجه تنبيهات جادة للمشاركين كلما أبدوا رغبتهم في التوقف، ويطالبهم بصيغة تتضمن نوعا من الأوامر أن يواصلوا، مع أنه ترك لهم حرية الإصرار على التوقف إذا أرادوا، كما أخبرهم ملغرام أن التجربة ستنتهي تلقائيا عندما تصل قوة الصدمة إلى 450 فولت.

المفاجأة أن 65% من المشاركين استمروا بصعق الرجل وصولا إلى الصدمة القصوى، ولم يقم أي منهم بمغادرة الغرفة للتحقق من سلامة الشخص الآخر في الغرفة المجاورة مع أنه كان يصرخ بشدة، بل لم يصل الأمر بالذين رفضوا المتابعة أن يطالبوا المشرف بإلغاء التجربة نهائياً. والسبب لا يقتصر فقط على أنهم كانوا ينصاعون للأوامر، بل لأن المشرف كان يؤكد باستمرار أنه هو الوحيد الذي يتحمل المسؤولية، وعندما كان بعضهم يسألونه مجددا عما إذا كانوا مسؤولين عن أي أضرار تصيب الرجل المسكين أو حتى موته كان يجيب بكل صرامة أنه هو المسؤول الوحيد بموجب عقد تم توقيعه مسبقا مع المشاركين.

فيديو توضيحي لتجربة ملغرام

أجريت تجارب أخرى عديدة مماثلة، وتم الاستنتاج أن الإنسان العادي يكاد يفقد وازعه الأخلاقي عندما يعلم أنه لن يحاسبه أحد، وأثبتت التجربة أيضا -بشكل غير معلن- أن الإنسان الغربي الذي نشأ على العلمانية الشاملة لم يعد يفكر بوجود إله يراقبه ويحاسبه على إيذاء شخص آخر، فلم يعد يخشى سوى سلطة الدولة.

بعد نحو خمسين سنة على إجراء التجربة، ازداد الانهيار الأخلاقي في الغرب بسرعة مرعبة، حيث تنتشر في السنوات الأخيرة عبر موقع يوتيوب عشرات المشاهد المصورة بكاميرات خفية لتجارب يجريها هواة، فضلا عن برامج تلفزيونية احترافية، رُصدت فيها ردود فعل مئات الناس في مجتمعات غربية إزاء بعض القضايا الأخلاقية، مثل طفل يدعي أنه فقير وهو يرتجف بقميص صفيق في شتاء نيويورك فلا يجد أحدا يساعده، وشخص يتظاهر بأنه مصاب بنوبة قلبية وهو ملقى على الرصيف لعدة ساعات دون أن يتوقف أحد المارة لينقذ حياته، وشخص يتظاهر بالعمى ويطلب مساعدة المارة بتحويل ورقة من فئة المئة دولار إلى “فكّة” فيتعرض لعدة محاولات سرقة.

تجربة اجتماعية لاكتشاف ردود أفعال المارة إزاء طفل يعاني من البرد

كما أثبتت تجارب أخرى مصورة بكاميرات خفية انتشار ظواهر خطيرة في شوارع عدة مدن غربية، مثل التحرش بالجنسين، والتعصب ضد الأقليات، وعقوق الوالدين، بل أظهرت أن غالبية الناس لا تجرؤ على تغيير المنكر عندما ترى شخصا يتعرض للضرب أو الاحتيال مثلا.

في المقابل، أظهرت تجارب مماثلة أجريت في مدن عربية عدة وبثتها عدة قنوات فضائية، وانتشر بعضها على الإنترنت من قبل هواة، أن الوازع الأخلاقي في المجتمع المسلم أقوى بكثير من مثيله في الغرب، وذلك بالرغم من التراجع الشديد لأثر الدين في حياة الناس اليوم.

ولكي تكون المقارنة أكثر مصداقية بين الشرق والغرب، فيجب على الباحث أن ينتبه إلى أن كثيرا من المجتمعات العربية والمسلمة تعاني من أزمات اقتصادية وأمنية خانقة، بينما يسود الرخاء والأمن في المجتمع الغربي غالبا. وفي كل الاضطرابات التي شهدتها بعض الدول الغربية خلال السنوات الأخيرة نرى انهيارا سريعا للأخلاق، وانتشارا لأعمال النهب والشغب، كما جسدت السينما الغربية في أفلام كثيرة هذه الصورة المرعبة لانحدار المجتمعات المتحضرة نحو الوحشية فور وقوع أي كارثة.

ولو عدنا بالزمن قليلا لدراسة أخلاق المجتمعات الغربية إبان الثورات والحربين العالميتين وأزمات الكساد الكبرى في القرن العشرين فقط، لتغيرت نظرتنا جذريا تجاه كل ما يقال عن تحضر تلك المجتمعات، فعندما نحذف من ثقافة مجتمع ما عقيدة البعث والحساب الأخروي، ونستبعد تماما فكرة مراقبة الله للإنسان، فهذا يعني أننا نضعه أمام سلطة واحدة فقط هي سلطة الدولة، وبما أن الدولة (مهما تغوّلت) لن تستطيع أن تراقب كل فرد وفي كل مكان وزمان، فما هو الوازع البديل إذن؟ وما الذي يبقى من الأخلاق في مجتمع كهذا؟