image_print

اللغة العربية حتمية

الأستاذ أحمد القاري، باحث ورحالة مغربي، يقوم بجولات متعددة كل عام بين قارات العالم لرصد تفاعل الشعوب مع ثقافاتها ولغاتها الوطنية، ويقدم لنا في هذا المقال خلاصة تجربته بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية المعتمد من قبل الأمم المتحدة.

شهد اليوم العالمي للغة العربية، الموافق للثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر، تفاعلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، ونقاشا قويا حول وضع اللغة العربية والموقف منها وحالها تجاه اللغات الأخرى.

حتى الخارجية الفرنسية ساهمت في النقاش وأخبرتنا بمعلومة جديدة، وهي أن أكثر من 500 كلمة فرنسية أصلها عربي!

تغريدة الخارجية الفرنسية في الموضوع على حسابها العربي على تويتر تمت إعادة تغريدها مئات المرات. وحصلت على مئات الإعجابات ومئات الردود.

اليوم تدرك المؤسسات الغربية أهمية التواصل مع المتلقي العربي بلغته، ولذلك أصبحت تستثمر في هذا المجال، ويتنامى باستمرار حجم المحتوى العربي على الإنترنت، ويصل “مثقفون” عرب إلى إدراك متأخر بأن أفضل وسيلة للمساهمة في النقاش العام في العالم العربي تمر عبر استخدام العربية، وأن استخدام الإنجليزية أو الفرنسية لا يعطي أي ميزة أو أفضلية للكاتب العربي حين يوجه خطابه لمواطنيه وأبناء العالم العربي.

يحصل هذا لأن التواصل الاجتماعي مجال يسيطر عليه المجتمع والناس ولم تتمكن السلطات من ضبطه وتوجيهه حتى الآن. إنه مجال تظهر فيه قوة اللغة الأم، خاصة العربية التي تفتح فرصة لحوار يتجاوز الحدود الترابية لأكثر من عشرين بلدا، ويجعل النقاش العام عابرا للأقطار.

الدواعي العملية ستؤدي لمزيد من اعتماد العربية وسيلة تواصل أساسية في كل المحيط العربي، ووسيلة تفاهم مشترك في غرب أفريقيا، وبالنسبة لعشرات الملايين من المسلمين ممن يحسنون العربية ويحبونها.

تجارب ناجحة
مرة أخرى سيحقق المجتمع العربي إنجازا لا تساهم فيه المؤسسات الرسمية ودوائر الدول المساهمة المطلوبة، وإذا أرادت الحكومات العربية أن تعرف كيف تخدم اللغة فلتطلع على تجربة “الفرنسة” في إقليم كيبيك الكندي حيث سخرت كل الأدوات القانونية والموارد المالية والإدارية لتكون الفرنسية لغة التعليم والإدارة والتواصل في الإقليم، ولتصمد في وجه بحر الإنجليزية الذي يحيط بكيبيك، فهناك لا يحثون الشعب على تعلم الإنجليزية، بل يشجعونه على إهمال تعلمها!

في سائر بلدان الشرق والغرب تعد اللغة مسألة لا تقبل الحياد ولا الحسابات الاقتصادية، إنها مسألة هوية. هل يمكن المساومة على الهوية؟

في اليابان والصين وتايوان وهونغ كونغ يصرون على استخدام أنظمة كتاباتهم المعقدة ويترجمون كل كلمة علمية أو مصطلح جديد إلى مصطلح محلي.

حتى الماركات تأخذ أسماء محلية إذا أرادت أن تنجح، ولا أحد يعتبر استخدام اليابانيين لنسخة ويكيبيديا اليابانية بنسبة 94 في المائة من إجمالي استخدامهم لهذه الموسوعة العالمية حالة من الإنغلاق اللغوي!

وفي أيسلندا يدرسون الطب والهندسة والاقتصاد باللغة الأيسلندية، وهي لغة لا يتكلمها أكثر من 300 ألف شخص في العالم، ولا يشتكون أبدا من عبء الترجمة اليومي المطلوب لتظل لغتهم “مواكبة” لـ”التطور العلمي”. حين سألتهم من يقوم بهذا الجهد؟ أجابوا “إنها مهمة الجميع!”.

وفي سلوفاكيا تجد رفوف قسم التدبير في مكتبة تجارية كلها باللغة السلوفاكية، فكيف يمكن النهوض بالاقتصاد دون أن يتم ذلك باللغة المحلية؟

هذا شيء فهمته معظم دول العالم فخصصت له ميزانيات ضخمة للترجمة، وشرعت قوانين تحمي اللغة الوطنية من الإهمال والإقصاء وتحول دون شعور من لا يحسن لغة أجنبية بالغربة في وطنه، مثلما يحصل في بعض الأحياء “الراقية” من بلدان المشرق والمغرب العربيين.

اللغة الوطنية ضرورة
المعادلة بسيطة، لا اقتصاد ولا علوم ولا نهضة دون استخدام العربية في كل المجالات، طالب الاقتصاد في المغرب يحتار هل يبذل الجهد لضبط لغة التدريس الأجنبية أو لإتقان معادلات الإحصاء وقواعد المحاسبة، وكثيرا ما يتخرج باستخدام حيل تمكنه من اجتياز الامتحانات وهو ضعيف فيها جميعا، ولذلك تندر المؤلفات الاقتصادية المحلية، لكن التأليف بلغة أجنبية أمر لن يحسنه إلا آحاد من الناس.

وطالب الطب في القاهرة يتلقى الدرس بالإنجليزية، ويحاور المريض بالعربية، فيضيع في ثنايا ذلك كثير من المعاني وينخفض مستوى الخدمة.

سألت طلبة في أيسلندا: كيف تدرسون الطب بالأيسلندية؟ فأجاب أحدهم: أليست الخدمات الصحية ستقدم بالأيسلندية؟

ستعود بلداننا وشركاتنا وجامعاتنا للعربية مرغمة ولأسباب عملية، فطريق التفوق والجودة مرهون باستخدام اللغة أو اللغات الوطنية، فلم لا تفعل ذلك فورا وتوفر علينا سنوات ضائعة إضافية؟!

الأصالة في الفكر الإسلامي

تعرفت على الدكتور محمد كمال جعفر رحمه الله أثناء اشتغالي على بحث الماجستير، وأسفت لأني لم أسمع قبلاً باسمه. وبالرغم من أنه قامة علمية وفكرية إسلامية وله العديد من المؤلفات الرصينة، إلا أنه غير معروف حتى لدى بعض أساتذتي مع أنهم في نفس تخصصه العلمي.

حاولت حينها التعرف أكثر على الرجل، فلم أجد سيرة ذاتية له، وكان مما علمته أنه حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج العريقة، وأنه عمل أستاذاً في كلية دار العلوم بمصر، وعمل كذلك رئيساً لقسم العقائد والأديان في جامعة قطر في ثمانينيات القرن الماضي، ووجدت أن العلامة القرضاوي ذكره بخير وأثنى عليه في سيرته “ابن القرية والكتاب”، وللرجل كتابات جادة بأسلوب سلس قلما يبرع به مؤلف، غير أنه كما لاحظ الأستاذ محمد يوسف عدس رحمه الله –مترجم كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش- يكاد لا يذكره أحد اليوم، وهو الذي كانت تفيض حياته بالحيوية والنشاط الفكري، ولطالما أشار إليه الباحثون في رسائلهم الجامعية، وهو نفسه أشرف على ما يقرب من ثلاثين رسالة جامعية، وناقش رسالة الدكتور محمد عمارة وأجازه، ومقال الأستاذ عدس عنه يستحق التأمل في تقصيرنا بحق هذه القامة العلمية التي غيبها الموت، لكن نتاجها باق يمكن الإفادة منه في كل وقت[1].

ومن خلال مطالعاتي لبعض كتبه أحببت المساهمة بنشر بعض معالجاته لبعض المواضيع، واخترت القضية التي صدَّر بها كتابه “في الفلسفة الإسلامية: دراسة ونصوص“، حيث بدأ في التحقق من أصالة الفكر الإسلامي الذي تعرض لهجوم من بعض المستشرقين، حيث استخفوا به ورأوا أنه جامد لا يتطور، أو أنه عرضة للتغيرات المستمرة، لكن بعض هؤلاء الدارسين أنصف فلاحظ أن أسلوب العرب في البحث أكبر ما يكون في إطار الرواية والوصف، لذلك احتل التاريخ والجغرافيا المقام الأول في أدبهم، وبصفتهم أصحاب ملاحظة دقيقة ومفكرين مبدعين فقد أتوا بأعمال رائعة في حقلي الرياضيات والفلك، ونجحوا في وضع قواعد اللغة من صرف ونحو بشكل محكم.

عقيدة القدر
على أن بعض تصورات الغربيين عن واقع الفكر الإسلامي لم يكن دقيقاً وربما شابه التناقض، ومثال ذلك ما ذهب إليه أ. ميلر الذي ادعى أن جمود الحياة الفكرية عند المسلمين ناتج عن موقف سلبي نتيجة لعقيدة القدر، هذه العقيدة التي قيدت الحياة الفكرية بقيود حديدية ثقيلة يصعب التخلص منها، وبذلك يتجاهل الكاتب الجانب الحق لعقيدة القدر التي تمنع تعثر طاقات الإنسان التي يمكن أن تتحطم على صخرة العناد والحقد على طبقات المجتمع، أو تشوش الذهن ليتصور خلو النظام والأحكام من الغاية والهدف. نعم هناك من أساء فهم هذه العقيدة وبرر عبرها مظالمه وخموله.

لكن ذلك لا يعود لجوهر العقيدة، وليت ميلر وأمثاله تأملوا فترة النشاط الفكري الإسلامي في قرون عديدة في ظل عقيدة القدر، فهي لم تحد من نشاطهم أو تقلل من جهودهم، بل إن الاحتجاج بهذه العقيدة لم يكن إلا في عصور الانحطاط والجمود حيث وفرت للهمم المتقاعسة والعقول الجامدة خير ملاذ، وأما في العصور الزاهية فكانت عوناً على اعتدال الإنسان، ومشجعاً على احتمال النوائب لاستئناف الكفاح.

العنصرية
والحقيقة التي ينبه لها الدكتور جعفر أن أصول هذه النزعة عند بعض الباحثين الغربيين، مردها عنصرية عبر عنها أرنست رينان بزعمه أن العقلية العربية عقلية جزئيات، لا تعي سوى المنثورات المتباعدة، ولا يمكنها استنباط قضايا عامة أو قوانين كلية أو نظم شاملة، فهذا وقف على العقل الآري الذي ينزع بفطرته إلى التأليف والتركيب، وبالتالي الإحاطة والشمول وإدراك الكليات بكل دقة وإمعان، حسب زعمه.

ويتوقف الدكتور جعفر مع رأي ابن خلدون الذي قد يشكل مبرراً لآراء بعض المستشرقين عن العرب، فقد أشار ابن خلدون إلى أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم، إلا في القليل النادر، وبعض هذا القليل عربي في قبسته، لكنه عجمي في مرباه ومشيخته، ويضيف ابن خلدون: “إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الفساد”، ويفهم من كلام ابن خلدون أن من كان هذا شانه فلا ينتظر منه إبداع في الفكر أو العلم.

وسبق أن دافع بعض الباحثين عن كلام ابن خلدون وأنه لم يقصد ما ذهب إليه المستشرقون، فالعلوم تكثر في الحضر لأنها صناعة، والعرب حينها أبعد عن الصناعات لأنهم أقرب إلى البدو، وأكثر الحضر في ذلك الوقت من العجم؛ ولهذا كان أكثر حملة العلم منهم، وأن ابن خلدون كان يقصد بالعرب البدو الرحل منهم، والحقيقة أن هذا التعليل كما يرى الدكتور جعفر لا يعفي ابن خلدون من الشطط في الحكم الجائر المعمم بحق العرب، وكان عليه أن يحدد ألفاظه بدقة ويشرح غرضه بصراحة، وإذا سلمنا بأن ابن خلدون قصد البدو لا كل العرب، فكيف نسلم له في حكمه أن العرب إذا تغلبوا على أوطان اسرع إليها الفساد؟! هذا بالرغم من أن التاريخ يشهد ببطلانه وتهافته، فكثير من الحواضر التي فتحها العرب ازدهرت ونمت فيها الحضارة، ولنا أن نقارن قرطبة في عهد العرب ثم في العهد الذي بسط الأوربيون سلطانهم عليها، فمن الجامعات والمكتبات والمعامل إلى محاكم التفتيش التي يشيب لها الولدان.

ويتابع الدكتور جعفر أن الحضارة العربية الإسلامية نفسها كانت ضحية لهجمات غشوم من أجناس متعددة كالتتار وغيرهم، ويكفي أن نتصور ما حل ببغداد في أزهى عصورها على يد المغول، حيث أحرقت مكتباتها وتلون ماء النهر من مداد هذه الكتب.

بدو من الجزيرة العربية

لذلك فالعرب بالإسلام كانوا دعاة عمران وحضارة لا حرباً عليها، والحقيقة أن ما بينه الدكتور جعفر يمكن أن يعارض بالقول إن ابن خلدون كذلك قصد بعض القبائل العربية البدوية التي هاجرت في الفترة التي عاش بها من المشرق للمغرب وعاثت فساداً في بعض المناطق التي حلت بها، وهي ذات الفترة التي عاش بها ابن خلدون وشهد على انحطاط الواقع حينها، ونحن نتفق مع الدكتور جعفر في إشارته لعدم تحديد ابن خلدون وضبطه لعباراته في هذا المجال.

العرب والفكر
وبالعودة لموضوع الفكر الإسلامي في رأي يعض الغربيين، فقد ادعوا أنه مجدب لأنه لم ينتج فلسفة أو نظاماً فكرياً شاملاً كما فعل اليونان، والفكر عند العرب لم يعرف إلا بعد ترجمة الفكر اليوناني، ويفسرون ذلك بأن طبيعة الدين الإسلامي لم تكن مشجعة على التفكير، لأن الأحكام والأفكار في الإسلام حاسمة، يتلقاها المعتقدون بها دون مناقشة، ويسلمون بها دون التعليق عليها، ويستشهدون بالحديث “تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا” وفهموا أن هذا الحديث ينهى عن التفكير في الإلهيات التي تشكل جزءاً هاماً من الفلسفة.

ويوضح الدكتور جعفر أن هذا الحديث يأمر بالتفكير في الجزء الأول، وينهى عنه في الجزء الثاني، فالأول تفكير في الخلق والكون والظواهر الكونية، والثاني في الذات الإلهية، فالحديث لا ينهى عن التفكير لكنه يوجهه ويرشده ولا يحجر عليه، فالحديث دعوة لعدم تبديد الطاقات في محاولة استكناه الذات الإلهية واستيعاب طبيعتها المقدسة لأن ذلك ليس في متناول العقول، ولن يخرج الإنسان منه بنتيجة، ولم يكتف الحديث بذلك، بل وجه للوجهة الصحيحة التي ينبغي التركيز عليها، ولعلنا إن تأملنا الحشد الفلسفي الضخم الذي تناول جانب الذات لم يخرج بنتائج حاسمة أو يقينية، بينما تطورت العلوم حين توجهت إلى ظواهر الكون.

وقبل ذلك فلا يمكن لأحد أن يتهم القرآن الكريم –أوثق المصادر الإسلامية- بمعاداة الفكر أو تقييده وتحريمه، بل إنه لم يعف أحداً من مزاولته، ويعرض الدكتور جعفر أمثلة متعددة لذلك، منها سوق حجج المخالفين بكل دقة وأمانة، والرد عليها بالمنطق السليم وقوانين الفطرة السليمة، ويبين أن القرآن مليء بما يثير الانتباه وينشط العقل ويدعو إلى التحليل والتفكير والنقد، وينهى عن التقليد والانصياع الأبله.

وبالعودة لكلام بعض الغربيين حول غياب النظام الفلسفي عند العرب قبل الإسلام، وبعده حتى ترجمت كتب اليونان، يبين الدكتور جعفر أن ذلك لا يعود لطبيعة العقلية العربية لأنها أثبتت لاحقاً قدرتها على الإبداع وإثراء الفكر البشري بما قدمت من إنتاج، لكن الظروف العربية لم تكن تتطلب نظاماً فلسفياً كاملاً فحياة التنقل والرحلة لم تشكل مجتمعاً متكاملاً تتبلور في الرؤى الفلسفية العامة، فالحِكَم والخبرات العملية التي اكتسبوها في حياتهم أدت دورها بنجاح عندهم، وأرضت مطالبهم، وسدت حاجاتهم القريبة، وحين ظهر الإسلام تطلبت المرحلة نمطاً يظهر فيه السلوك والعمل أكثر من ظهور النظر، فالدعوة بمراحلها الأولى كانت بحاجة إلى نخبة من القادة العمليين الذين يطبقون الدين ومثله أكثر من مزاولة التأمل المجرد.

وكلام الدكتور جعفر هذا ذكرني بالتفريق الذي ساقه العلامة دراز في كتابه “الدين” بين الدين والفلسفة، وخلاصته أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما، وغايتها المعرفة، ومطلبها فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به، وغايته الإيمان، ومطلبه روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

ثم يشير الدكتور جعفر لتبدل الحال العربي نتيجة لدخول أقوام إلى الإسلام من أديان أخرى ولا يتصور أن ينسوا معتقداتهم في يوم وليلة، ومع إثارة الشبهات من أعداء الإسلام، حمل ذلك علماء الإسلام على اللجوء للأدلة العقلية لتفنيد الشبهات بالأدلة العقلية، وهنا تفتقت الطاقة العقلية في المحيط الإسلامي بإنتاج علم الكلام الذي يمكن أن يتلمس فيه أصالة الفكر الإسلامي، فعلم الكلام في صورته الأولى نتج عن الظروف الطبيعية للمجتمع حينذاك، قبل ترجمة الفكر اليوناني أساساً.

إن أحد أبرز أسباب النظرة الغربية المشوهة عن الحضارة الإسلامية كما يقرر الدكتور جعفر؛ سببها شعورهم بالعلو والتفوق والتعالي، وهو ما حدا بالمستشرق ج. ل. سترنج بأن يعلق على رفض ياقوت الحموي –صاحب معجم البلدان- تصديقه لقصة الفارس الساحر البغدادي بقوله: يندر جداً أن يبدو ياقوت بهذا التعقل وهذه الرصانة!

وبالعودة للفكر في السياق الإسلام يلاحظ أن المؤلفين المسلمين حملت كتبهم طابعاً فيه أسلوبان، تخصصي تفصيلي استقصائي في موضوع محدد، وموسوعي يستعرض ألواناً عديدة لكنها مترابطة، مما يعني أن الفكر الإسلامي قادر على التحليل والتركيب ويثبت كفاءته في تناول الجزئيات ثم يربط بين المتفرقات ويصوغ النظم والقوانين والمفاهيم والمناهج العامة.

ومثل ذلك حال الفلسفة الإسلامية أي النمط الفكري الذي انطلق في البيئة الإسلامية ابتداء من الكندي في المشرق إلى ابن رشد بالمغرب، وإسلاميتها هنا محط نقاش بلا شك، وإن كنا نتساهل في ذلك باعتبارها جزءاً من الحصيلة الفكرية لأفراد عاشوا في أرض الإسلام، وتنسموا أريج الحرية التي أتاحها، وكتبوا باللغة التي نزل بها كتابه، لذلك فلا حرج من وصفها بالإسلامية بهذا المعنى، وإن لم يعن أن هذه الفلسفة تمثل بالضرورة وجهة نظر الإسلام الخالصة، أو أنها ثمرة المسلمين وحدهم.

وقد اجتمع لهذه الفلسفة ما اجتمع لغيرها من النظر العام والكلي الشامل، والموضوعات والمشاكل التي يتصدى لها، كقضايا الألوهية والخلق، وأهم ما سعت له التوفيق بين النقل والعقل، بين سبيل الحكمة وسبيل الشريعة، كما تناولت قضايا فلسفية كبرى وخرجت بنظريات عامة عن الوجود والمكان والمادة والزمان والحركة والحياة والمعرفة والسعادة وغيرها.

وهذا الاستيعاب ناتج عن كون الفلسفة في ذلك الزمن أم العلوم، ولم تنفصل عنها الكثير من العلوم كما هو حال عصرنا، لذلك كانت موسوعية.

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

وأما ميادين الفكر الإسلامي فيمكن تلمسه في أربعة ميادين متميزة:

أولها: علم الكلام، فهو الميدان الذي شهد باكورة عقلية من بواكير الفكر الإسلامي، وفيه نظرات لا يعوزها العمق الفلسفي.

وثانيها: أصول الفقه، الذي حوى القواعد المنهجية والتحاليل المنطقية مما يجعلها ذات طابع فلسفي، مما يبين مقدار العقل على التنظيم والتقسيم والتحليل والتركيب في مجالي الاستنباط والاستقراء، فهو علم يحمل الخصائص المعيارية التي تجعله بالنسبة للتشريع بمثابة المنطق للفلسفة، لذلك سبق المسلمون الغرب باكتشاف المنهج الاستقرائي.

وثالثها: التصوف، الذي له ثلاثة جوانب أحدها عملي والثاني وجداني والثالث نظري فكري من خلال مقولات تحوي نظرات للقضايا الغيبية والنفسية والأخلاقية.

ورابعها: في مجال الفلسفة، وهنا نلتقي مع من عكف على الفلسفة اليونانية بالرغم مما صاحبه من أخطاء فكرية.

لذلك من يختزل الفكر الإسلامي بهذا الأخير (مجال التفاعل مع الفلسفة اليونانية) فلن يصل إلى تقييم سليم ولا بد له من النظر لهذه الميادين الأربعة.

والفلسفة في السياق الإسلامي، نقدت الفلسفة اليونانية، كنقد منطق أرسطو مثلا، حيث اتبع الفلاسفة المنهج الاستقرائي بديلاً للقياس، وإن سموه بنفس الاسم أي القياس، وقد يكون من الممكن اعتبار قضية قِدم العالم كما عالجتها الفلسفة الإسلامية نقطة التميز عنها في الحالة الغربية التي تتردد بين من يقول بالحدوث ومن يقول بالدهرية، ولعل ابن سينا أول من طرح قضية التفريق بين واجب الوجود، وممكن الوجود، وبين ما عليه الوجود في الواقع بالنسبة لما سوى “واجب الوجود”، حيث يمكننا على رأي ابن سينا أن نلاحظ أن ما سوى “واجب الوجود” إذا نظر إليه في نفسه كان “ممكن الوجود”، وإذا نظرنا إلى حقيقة وجوده بالفعل، وتعلق هذا الوجود بـ”واجب الوجود” كان واجب الوجود بغيره، تمييزاً له عن واجب الوجود بنفسه، فوجوده هنا لا بد أن يكون أثراً لغيره وهو “واجب الوجود” وهذا تصور لم يعرف في السياق الغربي.

ولا شك أن الفلسفة الإسلامية كما اشتغل أعلامها كانت مادة للاستفادة من طرف الفلسفة المدرسية المسيحية، وقد درس عدد من الباحثين نماذج من ذلك كالمقارنة بين توما الأكويني وابن رشد، وبين ابن عربي واسبينوزا، على أن إثبات هذا التأثير ليست غايته إرضاء مشاعرنا، بل لنكشف عن حقائق مطمورة في ثنايا الفكر الأوربي صريحة النسب للمسلمين، فانتقال الأفكار إذن دليل على أن الفكر لا يعرف السدود ولا الحدود، والحديث هنا عن التأثير والتأثر في إطاره المعقول وليس كما حوله البعض لحمى تسمى التأثير والتأثر، حيث انقلب هذا المفهوم إلى مرض لا يتخلصون منه، ويحكمون به بمجرد التشابه، ونحن لا نقبل بإثباته إلا مع ثبوت صلات تاريخية فعلية توثقها المستندات.


[1] انظر كلام الأستاذ عدس كاملاً من خلال هذا الرابط
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=528970333806821&id=172634092773782

شبهات القرآنيين

يستمد المسلم أحكامه الشرعية وأوامره ونواهيه من المصادر التشريعية ومن أهمها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما جناحا التشريع الإسلامي، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما، ذلك أن السنة جاءت بشروح لِما جاء مجملاً في القرآن الكريم، وربما جاءت بعض الأحكام مؤكدة لما جاء به، وقد تأتي السنة بأحكام منفصلة عما جاء فيه القرآن.

وللأهمية الكبيرة التي تتولاها السنة النبوية في التراث الإسلامي الفقهي والعقدي، اهتم علماء الحديث بتنقيحها وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومن طالع كتب الحديث ومتونه سيدرك الجهد الكبير الذي بذل للحفاظ على السنة.

واستمر الفقهاء على مر العصور بالاعتماد على القرآن والسنة، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة “القرآنيين” التي أخذت تدعو إلى نبذ السنة والاعتماد على القرآن لوحده في استنباط الاحكام.

النشأة
ظهرت هذه الدعوة الباطلة في الهند والباكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية بتشجيع من المستعمر الإنكليزي، حيث سبب المسلمون قلقاً للإنكليز بسبب عدم إذعانهم لهم، فاستمال الإنكليز بعض رجالات الدين الإسلامي وشجعوهم على أفكار تخالف بديهيات السنة النبوية، ومنها نبذ السنة وحصر الدين بالقرآن، وهذا ما أدى بدوره إلى تأويل أحكام الإسلام بما يتناسب مع السياسة البريطانية في الهند، وكان من أهم رجالات الطائفة القرآنية:

أحمد خان

ـ أحمد خان: كان له قصب السبق في الدعوة لهذه الأفكار، وقد ألف كتباً عدة، منها تفسيره للقرآن الذي أول فيه تعاليم الإسلام بتأويلات باطنية لا تنسجم مع اللغة العربية التي نزل بها الدين، وادعى أن السنة النبوية لم تدون لأمد طويل، بل ظلت ذلك الأمد حبيسة الصدور، مما هيأ الأمر للزيادة عليها والنقص منها وتغيير محتواها ووضع الكثير منها ونسبة الكل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفقد الثقة في مجملها، وجعل الشك يشملها كلها.

ـ عبدالله جكرالوي: نسبة إلى بلدة “جكرالة” التابعة لإقليم البنجاب، وهو من رواد الطائفة، وله عبارة شهيرة تقول “هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم أما ما عداه من السنة فليس بوحي”، وكان مشهوراً بتبعيته للإنكليز وإخلاصه لهم، وقد تجسدت أفكاره بعد وفاته بظهور فرقة سمت نفسها “الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن”.

ـ أحمد الدين الأمرتسري: اعتمد إنكار السنة، وكانت له صلات بالقاديانيين، وقد أنشأ مجلة تتكلم باسم الجماعة.

ـ غلام أحمد برويز: أعلن موقفه المنكر للسنة في خطبة ألقاها بمسجده، وأنشأ مجلة “طلوع الإسلام” ونادي “طلوع الإسلام” وانتقل بدعوته إلى كراتشي، فتبعه خلق فيها.

ـ عبد الخالق مالوادة: كان رجل أعمال، وقد دعم الطائفة بالمال، وأنشأ حركة التثقيف الإنسانية.

شبهات القرآنيين
الشبهة الأولى: يزعم القرآنيون أن القرآن يكفي في بيان الأحكام الشرعية كلها، بجملتها وتفصيلاتها، وبذلك لا حاجة إلى السنة، ويستدلون بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38].

ولاشك أن هذه الحجة ضعيفة، ذلك أن الأمة اجتمعت على أن القرآن اشتمل على الدين مجملاً لا مفصلاً، ثم شرحته وفصلته السنة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب مثال على ذلك الصلاة، فقد وردت مُجمَلة في القرآن مفصَّلة في السنة.

الشبهة الثانية: يزعم القرآنيون أن السنة ليست وحياً، وإنما هي اجتهاد بشري للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو يصيب ويخطئ فيها، فلا تصلح للاعتماد عليها، وعادة ما يستدلون بحادثة تأبير النخل الشهيرة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يتركوا النخل فلا يؤبِّروه ويلقحوه فأطاعوا أمره ففسد النخل، وخسر الناس ثمار نخيلهم.

والجواب عن هذه الشبهة يتبين من خلال ضرورة التفريق بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التشريعية وأفعاله بموجب بشريته، فحادثة تأبير النخل تتجلى فيها بشريته بشكل واضح، يدل على ذلك قوله بعد حادثة التأبير: “أنتم اعلم بأمور دنياكم”، وليس فيها تشريع، ولذلك أكد العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في أمور التشريع كما قال تعالى: {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3ـ 4].

الشبهة الثالثة: زعموا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال ليست لها صفة العموم الزماني والمكاني، إذ هي أحكام أصدرها الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وفقاً لظروف أصحابه الذين كانوا معه، وقد انقضى ذلك الزمان بأشخاصه وظروفهم وأحوالهم، وتغير الزمان وتغيرت الظروف، ومن ثم لم تعد تلك الأقوال والأفعال الخاصة بذلك الزمان صالحة لزماننا ولا لظروفنا، واستدلوا على شبهتهم بأسباب النزول وقالوا إنها كانت خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الشبهة ضعيفة جداً، إذ لم يسبق أن فهم أحد من الأمة أن السنة خاصة بأيام النبي وأحواله، وأما أسباب النزول فيلزمهم بناء على كلامهم أن يرفضوا القرآن كذلك، لأن لآياته أسباب نزول، فقبول القرآن ورفض السنة تحكّمٌ لا دليل عليه، وعلماء الأمة لم يفرقوا بين الكتاب والسنة في قبول الأحكام الشرعية الواردة فيهما، فالقرآن وحي والسنة الصحيحة وحي كذلك.

الشبهة الرابعة: زعموا أن القرآن تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يُحرَّف ولم يبدل، فيجب الأخذ به، أما السنة فلم يتكفل الله بحفظها فضاعت ودخلتها شوائب وموضوعات، فوجب تركها.

والرد على شبهتهم هذه يكون ببيان أن القرآن هو وحي من الله لفظاً ومعنى، أما السنة فهي وحي من الله بالمعنى، وأما اللفظ فهو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاز روايتها بالمعنى، ولم يجز ذلك بالقرآن، وقد حفظ الله السنة النبوية وسخّر لها علماء بذلوا أوقاتهم من أجل تدوينها وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومتون الحديث كصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه ومئات الكتب غيرها تشهد لذلك.

 


أهم المراجع
القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، خادم حسين إلهي بخش، مكتبة الصديق، الطائف، ط: 2، 1421هـ، 2000م.

القرآنيون: مصلحون أم هادمون، عمرو الشاعر، مكتبة النافذة، 2009م.

القرآنيون: نشأتهم عقائدهم أبرز أعلامهم أدلة القرآنيين وتفنيدها، علي محمد زينو، دار القبس، دمشق، ط: 1، 1432هـ، 2011م.

إجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني، تحقيق القاضي حسين بن أحمد السياغي والدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1986.

قواطع الأدلة في الأصول، السمعاني، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1418هـ/1999م.

تناقضات مؤسس القاديانية

يقول مؤسس القاديانية ميرزا غلام أحمد (المتوفى عام 1908م) إنه: “لا يمكن أن يكون في حديث العاقل وصافي القلب أيّ تناقض أو اختلاف. ولكن المجنون والمنافق يكون في حديثه اختلاف وتناقض”. وقال أيضاً: “لا بد أن يكون في كلام الكاذب اختلاف وتضاد” (الخزائن الروحانية 10/142، 21/275).

وهكذا فمن حوى كلامه -حسب القادياني- تناقضاً أو اختلافاً فهو إما أن يكون منافقاً وكاذباً أو مجنوناً، وهي قاعدة صحيحة يصحُّ أن يُرجع إليها لتقييم أقوال القادياني نفسه ودعاويه والحكم عليها، ولعل من المفيد استعراض طائفة من أقواله المدونة في كتبه ليتبيَّن القارئ حقيقته وحقيقة ما ادعاه:

1- بدأ القادياني [انظر مقال القاديانية في الموسوعة] دعوته بالدفاع عن الإسلام وأكد على أنه مجدد للإسلام ونفى مجيء نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر ادعاء النبوة فقال: “أنا لا أدعي النبوة .. بل أنا القائل بكل الأمور الداخلة في العقائد الإسلامية.. وأُكفِّر وأُكذب كل من يدعي النبوة والرسالة بعد خاتم المرسلين واعتقادي أن وحي الرسالة بدأ بآدم صفي الله وانتهى برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم” (مجموعة اشتهارات 1/230، 231). وقال أيضاً: “فلا تظن يا أخي أني قلت كلمة فيها رائحة ادعاء النبوة كما فهم المتهورون في إيماني وعرضي.. ومعاذ الله أن أدعَّي النبوة بعدما جعل الله نبينا وسيدنا محمد خاتم النبيين” (حمامة البشرى 172)، “إن من يدعي النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم هو أخو مسيلمة الكذاب” (أنجام آثم للغلام 28). ولكنه بدءاً من سنة 1900 أخذ يدعي أن باب النبوة لا يزال مفتوحاً فقال: “ولا تحسبنَّ أن باب الوحي كان فيما مضى ولم يعد له وجود في هذه الأيام وأن روح القدس كان ينزل فيما مضى وليس له أن ينزل الآن، الحق والحق أقول: إن كل باب يمكن أن يُسد لكن باب روح القدس سيظل مفتوحاً إلى الأبد”.

2- عندما ادعى النبوة أنكر القادياني أنّه نبيّ صاحب شريعة بل هو نبي تابع لشريعة محمد ، فيقول: “فما دمت رسولاً من الله ولكن دون شريعة جديدة، ودون ادعاء جديد وبغير اسم جديد، بل جئت حاملاً اسم النبيّ الأكرم خاتم الأنبياء” (نزول المسيح للقادياني 2)، لكنّه ناقض نفسه وقال أنّه صاحب شريعة وأمر ونهي فيقول: “فلتفهم ما هي الشريعة، كل من بيَّن الأوامر والنواهي بناء على وحيه، وأسس قانوناً لأمته صار صاحب الشريعة، فبناء على هذا التعريف يلزم المخالفين أن يقرّوا بأني صاحب شريعة، لأن وحيي يشمل الأمر والنهي” (الخزائن الروحانية للغلام 17/ 435).

3- يقول القادياني: “إن السبَّ والشتم ليس من أعمال الصدِّيقين، وأن مؤمناً لا يكون لعاناً” (إزالة الأوهام للغلام 66)، ثم نجده لا يترك وصفاً قبيحاً إلا استعمله مع مخالفيه وكتبه غصت بسبابه المقذع ومن ذلك أمثلة كثيرة منها: “لا يوجد شيء في الدنيا أنجس من الخنازير ولكن العلماء الذين يخالفونني هم أنجس من الخنزير، يا آكلي الجيفة وأيتها الأرواح النجسة” (القاديانية لظهير  140نقلاً عن أنجام آثم للقادياني)، وكثيراً ما وصف مخالفيه بأوصاف توصله إلى حد القذف، وقد أوصلته بذاءته مع المخالفين إلى المحكمة الجنائية التي أدانته بأنه سيء الخلق وفاحش اللسان وأخذت منه العهد ألا يستعمل مثل هذه الألفاظ مرة أخرى، كما اعترف الغلام نفسه بهذا العهد فقال: “أنا عاهدت أمام نائب الحاكم بأني لا أستعمل بعد ذلك ألفاظاً سيئة” (القاديانية لظهير 144 نقلاً عن مقدمة كتاب البرية للغلام 13).

4- جاء في كتاب (التذكرة) لغلام أحمد (478) أنه دعا ذات مرة أن يشفيه الله من مرضين، وهما الدّوار في أعلى  البدن، وكثرة التبوّل في أسفله، لكن الله لم يستجب دعائه لأن هذين المرضين ــكما يزعمــ من علامات المسيح الموعود فيقول: “دعوت ذات مرّة للشفاء من هذين المرضين تماما، فجاء الجواب: هذا لن يكون. فألقي في روعي من عند الله تعالى أن هذا أيضا من علامات المسيح الموعود. إذ ورد أنّه سينزل بين مهرودتين، فهذان المرضان هما الرداءان الأصفران، أحدهما في أعلى البدن، والآخر في أسفله”.

لكنه ناقض نفسه فقال إن الله شفاه من كثرة التبوّل، فيقول: “لقد جرّبت ورأيت أن بعض الأمراض أن الله قد تفضّل عليّ بمجرد الدعاء وزال المرض. فقبل بضعة أيام ساءت حالتي بسبب كثرة البول والإسهال فقمت بالدعاء فتلقيت الإلهام: “دعاؤك مستجاب” فوجدت أني قد تماثلت للشفاء بعدها فوراً. إن الله أفضل الوصفات كلّها وهي جديرة بالإخفاء، ولكني أفكّر أن هذا بخل، فأضطر لكشفه للناس”. (التذكرة 483). والملاحظ أن كلا النصّين نقلا عنه في عام واحد هو 1903م.

5- يقول القادياني: “إنه من غير المعقول أبدا ومن السفاهة حقاً أن يتلقى الإنسان وحياً، وهو ليس بلغته أو لا يفهمه، لأن فيه تكليف مالا يطاق، وما فائدة الوحي الذي هو فوق فهم الإنسان”. لكنّه ناقض نفسه فقال: “بعض الوحي الذي أتلقّاه يكون بلغات لا أعرفها إطلاقاً مثل الإنجليزي والسنسكرتي والعربي وغيرها” (الخزائن الروحانية 18/435، 23/218).

ميرزا غلام متوسطا أنصاره في قاديان

6- نرى القادياني في موضع ينكر أن يأتي بعده مسيح آخر فيقول: “وإنّا إذا ودّعنا الدنيا فلا مسيح بعدنا إلى يوم القيامة”. ولكنّه عاد فقال إنه من الممكن عنده أن يأتي بعده في المستقبل عشرة آلاف مسيح فقال: “وكذلك ما ادّعيت أن فكرة المماثلة قد انقطعت من بعدي، بل من الممكن عندي أن يأتي في المستقبل حتى عشرة آلاف من أمثال المسيح مثلي” (إعجاز المسيح للقادياني 38).

7- كفَّر القادياني من لا يؤمن به باعتباره المسيح الموعود فيقول: “والنوع الثاني من الكفر هو أن لا يؤمن بالمسيح الموعود مثلاً، أو يكذب -رغم إتمام الحجة- الذي أكّد الله ورسوله على تصديقه، مع ورود التأكيد نفسه في كتب الأنبياء السابقين أيضاً، فإنّه كافر بسبب إنكاره أمر الله وأمر الرسول” (حقيقة الوحي للقادياني 164). ولكنه ناقض نفسه في موضع آخر فيقول ما ترجمته: “مذهبي من البداية بأنّ من ينكر دعوتي ليس بكافر أو دجال” (ترياق القلوب، الخزائن للقادياني 15/432).

8- اعتبر القادياني أن المحدَّث مطلع على أمور غيبيّة فقال: “فإنّني دون أدنى شك جئت من الله تعالى محدَّثاً في هذه الأمة، والمحدَّث أيضا يكون نبياً من وجه، ومع أن نبوّته ليست تامة، لكن فيه جزء من النبوّة، لأنه يحظى بشرف مكالمة الله تعالى، وتُكشف عليه أمور غيبية” (توضيح المرام للقادياني 68)،  لكنه أنكر في نص آخر أن يكون المحدَّث مطلعاً على الغيب فقال: “فلو قلتم يجب أن يسمى محدَّثاً لقلت: لم يرد في أيّ قاموس أن التحديث يعني الإظهار على الغيب” (النبوة والخلافة للقادياني 76).

9- نرى القاديانيّ يقول إنه ليس فاطميّا: “وما كنت من جرثومة العلماء الأجلّة ولا من قبيلة بني الفاطمة” (مواهب الرحمن للقادياني 72). ونراه مرّة يزعم أنّه فاطمي فيقول:”ومع أنّ الله شرّفني بأنّي إسرائيليّ وفاطميّ أيضا وإنّ لي نصيباً من كلا العرقين” (إزالة خطأ للقادياني 16).

10- سئل القادياني عن رجل يقول إن بريطانيا هي الدجال المعهود وإنها من الباغين فأنكر وشدَّد في ذلك وقال في مدحها وحكمة ملكتها التي سمَّاها (ملكتنا المكرمة المرجوة) الكثير كما جاء في كتابه (نور الحق 34)، لكنه في كتاب (التبليغ 56) أجاب عمن سأله عن يأجوج ومأجوج فأجاب: “إن هذين اسمان لقومٍ تفرَّق شعبهم في زماننا هذا آخر الزمان وهم في وصفٍ متشاركون، وهم قوم الروس والبراطنة (البريطانيون) وإخوانهم”.

11- فيما يتعلق ببعض الأحكام، عدَّ القاديانيّ أكل لحوم الحمُر (الحمير) حراماً فقال: “ما تقول يا سيدي في لحوم الحمر الإنسية؟ حرام وإن طُبخ فاكسروا قِدرها وأهرِقوها” (عربي بول جال للقادياني 4). لكنّه في موضع آخر اعتبر الحمُر من الحيوانات الطيّبة، فقال: “أفلا توجد في الدنيا دوابّ طيّبة مثل الغزلان والحمُر الأهليّة والأرانب” (إزالة الأوهام للقادياني 137).

12- في مجال النبوءات، حفلت كتبه بنبوءات كثيرة بصفته نبياً ومسيحاً موعوداً يتلقى الوحي من الله كما ادعى وهو القائل: “لا يوجد شيء لاختبار صدقي وكذبي أحسن من تنبؤاتي” (مرآة الكمالات للقادياني 288) فهل تحققت هذه النبوءات؟ وهذه طائفة منها وبيان ما آلت إليه:

  • تنبأ القادياني بأن الطاعون الذي ضرب الهند ومواضع كثيرة منها في زمانه لن يدخل قاديان أبداً فقال: “هو الإله الحق الذي أرسل رسوله في قاديان وهو يحفظ القاديان ويحرسها من الطاعون ولو يستمر الطاعون إلى سبعين سنة لأن القاديان مسكن رسوله وفي هذا آية للأمم” (القاديانية لإحسان إلهي ظهير 179نقلاً عن دافع البلاء للقادياني10، 11)، لكن الطاعون دخل إلى قاديان وفتك بأهلها خلافاً لنبوءة الدجال واعترف بذلك في إحدى رسائله إلى أتباعه: “إن الطاعون هنا يبتلى به الإنسان ويموت بعد ساعات”، لا بل إن الطاعون دخل بيته نفسه الذي يقول عنه: “إن بيتي كسفينة نوح من دخله حُفظ من كل الآفات والمصائب”، فاعترف القادياني بذلك حتى أنه خاف على نفسه: “ودخل الطاعون بيتنا فابتليت غوثان الكبيرة فأخرجناها من البيت.. ومرضتُ أيضاً حتى ظننتُ أنه ليس بيني وبين الموت إلا دقائق قليلة” (القاديانية لظهير 180).

    غلام أحمد مع أحد أبنائه

  • رغب القادياني بالزواج من ابنة أحد أقاربه وهي شابة تدعى محمدي بيجوم وعندما رفض والدها بدأ بتهديده ووعيده وبلغ به الولع بها حتى أعلن متنبئاً أن “الله أظهر علي بصورة النبوءة بأن الابنة الكبيرة لأحمد بك تزوج لي مع أن أهلها يخالفون ويمانعون ولكن الله يزوجها معي ويرفع كل الحواجز ولا يستطيع أحد أن يحول دون تحقق هذا” (القاديانية لظهير 168 نقلاً عن إزالة الأوهام للقادياني 396). بل وصل به الأمر لأن يقول عن هذه النبوءة: “فليعلم المخالفون أنه لا يوجد معيار أحسن وأصلح لاختبار صدقنا وكذبنا من هذه النبوءة” (القاديانية لظهير 174 نقلاً عن مرآة كمالات الإسلام للقادياني 288). ومع الرفض المستمر الذي قوبل به تذلل لأهلها ورغبهم واسترحمهم ليوافقوا حتى لا يشمتوا به المخالفين الذين ينتظرون مصير نبوءته فلم يلق القبول بل زوجوا الفتاة من جندي في الجيش، فأصر غلام على أنها ستزوج له لأنها زوجت له في السماء وأن زوجها سوف يموت خلال ثلاث سنوات ثم ترجع إليه، وجعل هذه النبوءة أيضاً معياراً لصدقه وكذبه، وطال الأمد ولم يمت زوج المرأة بل امتد به العمر حتى شهد موت غلام وعاش بعده أكثر من أربعين سنة. (القاديانية لظهير 173).
  • ومن تنبؤاته أنه ولد له ولد سمَّاه “مبارك أحمد” فأعلن أنه: “نور من الله ومصلح موعود.. ومشفي الأمراض.. وهذا يشتهر في أنحاء العالم وأطرافها ويفك الأسارى ويتبرك به الأقوام”، فمرض الولد وهو ابن ثمان سنوات واضطرب غلام لذلك أيما اضطراب وعالجه بكل علاج ممكن وحينما خفَّ مرضه أعلن متنبئاً “ألهمني الله بأنه قد قبل الدعاء وذهب المرض ومعنى هذا أن الله قبل الدعاء ويشفي مبارك أحمد”، وما إن أعلن هذا حتى عاد المرض من جديد وتوفي الولد بعدها بأيام ليكذب نبوءات أبيه من جديد. (القاديانية لظهير نقلاً عن جريدة الفضل القاديانية 30 أكتوبر 1940م).

المراجع

  • القاديانية، إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة: باكستان 1984، ط16.
  • الفاضح المتنبئ القادياني، أبو عبيدة العجاوي وهاني أمين عمرية.
  • موقع شبكة ضد الأحمدية.
  • كتب غلام أحمد من الموقع العربي الرسمي للجماعة الأحمدية.

هيكل سليمان المزعوم

يعتبر الهيكل عند الشّعب اليهودي بمثابة الكعبة عند المسلمين، ولذا فهم يعملون ليلاً نهاراً لإقناع العالم بحقِّهم في التنقيب عن الهيكل والذي يعتقدون أنه يقع تحت المسجد الأقصى المبارك، وعمليات تهويد مدينة القدس عامة والتَنقيب تحت الأقصى  خاصَّة ما زالت مستمرَّة وتزداد كل يوم.

وما زال الصهاينة بهذه الحجَّة يزيلون الأحياء السَّكنية المنتشرة حول المسجد الأقصى، ومازالت الجرَّافات الإسرائيليَّة منذ عام 1967 وهي تمارس أشدَّ أنواع التَّخريب والإرهاب في حقِّ المقدَّسات الإسلاميَّة.

في التراث الإسلامي؛ بنى سليمان المحاريب لعبادة الله وحده لا شريك له ـوليس هيكلاً ليسكن فيه الرَّب كما زعم اليهودـ منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة ، والدليل قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} [ص:21] وقوله تعالى: {يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب} [سبأ:13].

وجاء في سفر الملوك الأوَّل أنَّ العمل انتهى في البيت في عام 763 ق.م، أي بعد 480 سنة من الخروج من مصر، فالخروج تمَّ في حدود سنة 1237ق.م، وذلك يعني أن الهيكل بدأ بناؤه سنة 757ق.م تقريباً، ووفاة سليمان كانت في حدود عام 910ق.م على اختلاف بين المصادر في ذلك، ولكن كل المصادر ذكرت سنة الوفاة بحدود هذا العام، أي أن البيت على فرض وجوده بني بعد وفاة سليمان بأكثر من 150 سنة.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

وهيكل اليهود كما جاء في التَّاريخ -إذا سلمنا جدلاً بوجوده- لم تدل على أنَّه ما زال موجوداً أي أدلَّة، بل بالعكس جاءت أدلَّة على تدميره، فضلاً عن أنَّ مكانه -على فرض وجوده- غير محدد، والآثار والجغرافيا تثبت ذلك كما سنرى. والذي جاء في المصادر التَّاريخيَّة أنَّه عندما انتهى سليمان من بناء البيت (وليس الهيكل) تضرَّع إلى الله ليحفظ البيت ويديم ملك إسرائيل، فأخبره الله بأنَّه لن يفعل ذلك إلَّا إذا حفظ اليهود عهدهم مع الله والتزموا بشرعه ووصاياه، وإلا فإنَّه سوف يدمِّر البيت ويشتِّت بني إسرائيل.

ولمَّا عاد اليهود إلى كفرهم وعنادهم وقتلهم لأنبياء الله وعبادة الأوثان في الهيكل أرسل الله إليهم من ينذرهم ويحذِّرهم من الأنبياء وأخبروهم بأنَّ الله سيدمِّر الهيكل ويسلِّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، وأخبروهم كذلك بالسَّبي البابلي لهم وأنَّهم إذا تابوا بعد السَّبي سوف يعيدهم الله إلى فلسطين مرَّة أخرى، وقد وقع كلُّ هذا فدمَّر الملك البابلي نبوخذ نصَّر (بختنصر) الهيكل وأحرقه وسبى اليهود إلى بابل، ثمَّ عادوا إلى القدس وبنوا الهيكل مرَّة أخرى في عهد قورش ملك فارس، ثمَّ تمَّ تجديده من قبل هيرودس في عام 20ق.م وبقي اليهود هكذا حتَّى أرسل الله المسيح عيسى بن مريم عليه الصَّلاة والسّلام، فوجدهم قد اتَّخذوا الهيكل سوقاً للصِّرافة والتَّعامل بالرِّبا وملهى لسباق الحمام ومعبداً للأوثان فطرد اليهود منه وأخبرهم بأنَّ الله سوف يدمِّر لهم الهيكل.

جاء في العهد الجديد أيضاً: “يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها و لم تريدوا هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا” [إنجيل متى: 23/ 37ـ 38].

وجاء أيضاً: “ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع أما تنظرون جميع هذه الحق أقول لكم إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض” [إنجيل متى: 24/ 1ـ 2].

والملاحظ أن عيسى عليه السلام لم يخبرهم بأنَهم سوف يعيدون بناء الهيكل وإنما أخبرهم بأنه سوف يتهدَّم فقط، وهذا وإن دلَّ على وجود الهيكل فإنه ينفي إمكانيَّة العثور عليه أو على مكانه.

وتحقَّق كلام عيسى عليه السلام، ففي عام 70م هجم تيطس الرُّوماني على القدس ودمَّر الهيكل كما جاء تاريخيَّاً ولم يُبق حجراً على حجر، وقتل أعداداً كبيرة وتشرَّد اليهود بعدها في البلاد وتشتَّتوا في أنحاء العالم، ثم فتح عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه القدس وحرَّرها من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، وظلَّت القدس تتبع للمسلمين حتّى عام 1967م عندما احتلَّ اليهود المدينة، وكان ذلك بتدبير ومساعدة من الإنكليز النصارى ضمن وعد بلفور الذي منح لليهود قبيل الحرب العالمية الأولى عام 1917م، حيث تعهدت خلاله بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود، وقد اقترحت بريطانيا على اليهود في البداية أن تعطيهم أوغندا بدلاً من فلسطين ولكنهم رفضوا لاعتقادهم بأن فلسطين هي أرض المعاد لا أوغندا، وبعد أن تمكن اليهود من إعلان الدولة اليهودية برعاية أمريكية أخذوا يطالبون بحدودها ما بين الفرات والنيل.

وزعموا بعدها أن أنبياء بني إسرائيل أخبروهم بأنَّهم سوف يبنون الهيكل للمرَّة الثَّالثة -على حدِّ زعمهم- التي ستكون بعد العودة من الشَّتات، وهذا برأيهم تحقَّق بعد إعلان قيام الدَّولة اليهوديَّة سنة 1948، وهذا الزَّعم لم يأتِ في توراتهم أبداً وإنَّما الذي جاء أنَّهم يبنونه بعد السَّبي البابلي فقط.

ومنذ 1967م تتواصل الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى المبارك، وهي مستمرة حتى الآن ولكن كل ما وجدوه هو آثار أموية، وقد تبنت الجامعة العبرية التنقيبات برئاسة البروفيسور بنيامين مزار، وتمت على مراحل عدة متسببة بإحداث تشققات في جدران المسجد.

ومن وقتها مازالوا يسعون بأيديهم وأرجلهم لإقناع العالم بحقِّهم في البحث والتَّنقيب عن الهيكل وبالتَّالي هدم المسجد الأقصى المبارك، لا سيما عن طريق الأمم المتَّحدة التي سيطرعليها اليهود فلم تعد قادرةعلى فعل شيء إلَّا ضمن مصالح اليهود الذين صوَّروا للعالم بأنَّهم مظلومون،  وخاصَّة بعد المحرقة التي قام بها هتلر لليهود في ألمانيا النَّازيَّة إبان الحرب العالميَّة الثَّانية، والتي يشكك كثير من الباحثين بأرقام ضحايا المبالغ فيها.

يهود أرثوذكس يتجمعون للصلاة عند حائط البراق (المبكى) وهو جزء من الجدران الخارجية للمسجد الأقصى

حائط المبكى
هو الحائط الغربي من الحرم القدسي، ويسمِّيه المسلمون حائط البراق، ومنه عرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى السَّماء في حادثة الإسراء والمعراج.

يزعم الصهاينة اليوم أنه جزء من السُّور الخارجي للهيكل حتى جعلوه من أقدس مواقعهم اليهودية في الوقت الحاضر، ولم تكن له تلك الأهميَّة قبل وعد بلفور وإنما كان يحظى ببعض الزيارات المتقطِّعة، ثم عظمت الصهيونيَّة هذا المكان في أعين اليهود.

اختلفت الرِّوايات في سبب تسميته بهذا الاسم، فقيل لأن الصَّلوات عنده تأخذ شكل عويل ونواح، وقيل في إحدى الأساطير اليهوديَّة أنَّه سمِّي بذلك الاسم لأنه كان يذرف دمعاً يوم هُدم على يد تيطس.

يبلغ طوله 49 متراً وارتفاعه 12 متراً، وبالرَّغم من ترسُّخ صورة حائط المبكى في الوجدان اليهودي والصهيوني فإنَّ الحاخام هيرش الذي يعيش في القدس على بعد أمتار من الحائط يرفض زيارته ويؤكِّد أنَّ تقديس الحائط ما هو إلَّا حيلة من الحيل السِّياسيَّة للصهيونيَّة.

الجغرافيا والآثار
رأينا سابقاً الطَّريقة التي بنى بها سليمان الهيكل المزعوم كما جاءت في العهد القديم، ورأينا أيضاً الأرقام الدقيقة التي نقلت عن الهيكل.

ترى التَّوراة بنسختها المتوفرة اليوم أن الهيكل بني على بقعة سهليَّة في بيت المقدِس، فإذا قارنا بين المساحة الجغرافيَّة الحقيقيَّة في البيت المقدس وبين المساحة التي بني عليها الهيكل نجد أنَّه لا توجد بقعة سهليَّة في بيت المقدس تسع لبناء هذا البيت المزعوم، وذلك للطَّبيعة الجبليَّة التي تتميَّز بها القدس، فالمساحة المزعومة في التَّوراة لا تتطابق مع المساحة الجغرافيَّة لبيت المقدس، ويكفي أن ترجع إلى الإصحاح السَّادس من سفر الملوك الأوَّل لتلاحظ ذلك، ولك أن تجمع عدد الأذرع التي جاءت في ذلك الإصحاح لترى حجم المساحة الكبيرة التي بني عليها الهيكل ورواقه، هذا عدا مرابط الخيول التي بنيت خارج هذا الهيكل وبيت سليمان الذي بناه ليسكن فيه ورواقه، فمن غير المنطقي اندثار بناء بهذا الحجم تحت التُّراب فلا يبقى من آثاره شيء، بالرَّغم من الزعم بأنه أُعيد بناءه أكثر من مرَّة، مع العلم بأنَّ مدينة القدس لم تُهجر ولم تخل من السُّكان لفترات طويلة حتى يقال بإمكانيَّة اندثاره إذا قلنا بوجوده.

وترى التَّوراة المحرَّفة أن الهيكل بني من الحجارة الصحيحة وخشب الأرز المستورد، وأنَّ الذين شاركوا في بنائه بلغوا 30 ألف مسخَّر من العبيد، وهذا يعني أن الحجارة كانت موجودة وجاهزة عند بناء الهيكل، وكأنهم نزعوها من بيوت مهجورة، وتدل على ذلك كلمة مقتلعة.

جاء في العهد القديم: “والبيت في بنائه بني بحجارة صحيحة مقتلعة ولم يسمع في البيت عند بنائه منحت ولا معول ولا أداة من حديد” [سفر الملوك الأول: 6/7]. في حين أننا نجد في نصوص أخرى أن الحجارة كان ينحتها بناؤو سليمان وكان له سبعون ألفاً ممن يحملون الأحمال وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل، حيث جاء في العهد القديم: “فنحتها بناؤو سليمان وبناؤو حيرام والجبليون وهياؤو الأخشاب والحجارة لبناء البيت” [سفر الملوك الأول: 5/18].

وجاء في مكان آخر: “وكان لسليمان سبعون ألفاً يحملون أحمالاً وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل” [سفر الملوك الأول: 5/15]. وهذا كله تناقض في العهد القديم.


أهم المراجع

الكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد.

خطر التوراة على الكتّاب العرب المحدثين، فضل بن عمار العماري، مكتبة التوبة، الرياض، ط: الأولى، 1419 هـ، 1998م.

القرآن والتوراة، حسن الباش، دار قتيبة، د/ط.

المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، محمد علي البار،الدار الشامية، بيروت، ط:الأولى، 1410هـ، 1990م.

التاريخ اليهودي العام، صابر طعيمة، دار الجيل، بيروت، ط: الثالثة، 1411هـ، 1991م.

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، ط: التاسعة، 2009م.

خدعة هرمجدون، محمد إسماعيل المقدّم، دار بلنسية، ط: الأولى، 2003م.

أورشليم قاتلة الأنبياء، محمود الشرقاوي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د/ط.

المجتمع اليهودي، زكي شنودة، مكتبة الخانجي،القاهرة، د/ط.

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية، ط:الرابعة، 1420هـ.

بيان لإخواننا المسلمين البراق قطعة من المسجد الأقصى، من دون ذكر اسم المؤلف، دار الأيتام بالقدس.

العقل بين الاستخدام والعمى

أسرَّت إليّ بحالة الحيرة التي تعيشها منذ شهور ليست بالقليلة، تكتمها عمن حولها، لكن حيرتها تكاد تنال من روحها. كانت تحب الحيرة التي تقود إلى السؤال، الذي تقود إجاباته لمعرفة الله أكثر، لكنها اليوم وأمام الإجابات الجاهزة والمُعدّة سلفاً باتت تخاف أن تقودها الحيرة إلى الضياع التام.

هذا العقل الذي وهبنا الله إياه كيف نستخدمه، وكيف لا نسمح له بأن يجرفنا في تيارات الإبهار ومحاولات حرفه عن وظيفته.

في بيئة تجسد حالة العالم كله ولكن بشكل مصغّر، ينقسم الناس فيها ما بين ملحد لا يؤمن بالله، له مجموعة من القيم يؤمن بها، وبين مسلم بالهوية لا يكاد يعرف عن الإسلام إلا مسمّاه، وقد بات يتخبط بين جهل وتشويه وضلالات. كانت تفكّر بجديّة في موقعها من ذلك كله، بهويتها وانتمائها، نصفها يميل لشقّ العلم الذي زعم الملحدون أنهم ملّاكه، وأقنعوا الناس بذلك، ونصف يميل لشقّ الدين الذي تبارى المسلمون المنسلخون عن هويتهم في تشويه صورته، ولكن الخيط الرفيع الذي يشعرها بالانتماء إليه هو إيمانها الفطري، وإدراكها أن هؤلاء لا يمثلون الدين الحق، كانت تحتاج إلى قوة أو ركن شديد تأوي إليه لترى المشهد بوضوح، وهي مع كل خطوة تخشى السقوط.

كنت أفهمها تماماً، ففكرة الضياع المطلق مرعبة، ونحن في خطوات التساؤل كنا نسير وكأننا على خيط رفيع بين هاويتين، نخشى زلة القدم المُهلكة، ولذلك كان إيماننا الفطري هو حبل نجاتنا الذي نتمسك به ليعيدنا، وكي لا يسمح لنا أن ننجرف، وليهبنا القوة من أجل استعادة النفس، والقدرة لاحقاً على المواجهة، وبالتالي فنحن بحاجة لتحصين نفس مستمر، وتمسكٍ بما لا تزل معه الأقدام أبداً. كنت أذكرها بمعنى التمسك في الحديث: “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم”.

وبماذا يمكن أن نصنف أنفسنا؟ أنكون من المتمسكين بحبل نجاتهم أم الغارقين؟ وهل فهمنا التمسك بشكل صحيح، أم أن منا من قطع الحبال وهو يشدها فكان من المتنطعين؟

وبالنظر إلى موقعنا الحقيقي على هذه الأرض فلن نختلف على أن الله تعالى قد اختارنا نحن البشر دوناً عن الخلائق كلها لنخوض هذا الامتحان الصّعب، ورزقنا العقل الذي فتح لنا أبواب العلم، وسخّر لخدمتنا الكون بأسره، وأوكل إلينا عمارته والقيام على شؤونه، قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون” ]البقرة:30[.

لقد وهبنا الله العقل وميزنا به عن سائر خلقه لنستخدمه في عمارة الأرض فهو ركيزة قوة، لكن الإنسان استعمل سلاح العقل وسلاح العلم ليزيد سلطته ومكانته، ويسيطر على هذه الأرض فيفسد فيها ويسفك الدماء، فيحول القوة إلى وسيلة للظلم والاستعباد، وليجعل من وسائل قوته البناءة وسائل لشقائه وضياعه، وفي هذه الجزئية ميّز القرآن بين أصحاب العقول الذين سماهم “أولو الألباب” وبين الفئة الأخرى التي لا تستخدم العقل في الوجهة الصحيحة ولا تستخدمه، قال تعالى: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” [الأعراف: 179].

ووصف الله تعالى هذه الحالة بعمى القلوب، قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” ]الحج: 46[.
وهنا تحديداً يكمن الفرق بين صاحب العقل المؤمن الذي يستخدم عقله في سبيل الحق وصلاح البشرية، وبين من لا يستخدم عقله إلا ليكون عبداً لأهوائه، فيفسد في الأرض بدلاً من إصلاحها وهو لا يرتدع حتى يرى عذابه الذي يصور لنا القرآن الكريم في آياته حالة الندم على ضياع العقل وفساده، قال تعالى:  “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ” ]الملك: 10[.

صاحب العقل الذي يوجه أدواته ووسائله وقدراته ليواجه المفسدين والمتكبرين والمتجبرين، ولينصر المستضعفين ويرتفع بهم من قاع المذلة والمهانة إلى ما وهبه الإسلام من كرامة، وهو إن فعل وأخذ بسنن الله والتزم طريق هدايته وحدود العمل ضمن تشريعه كان من الوارثين المستحقين لإرث هذه الأرض.

ولنا في قصة فرعون نموذجاً واضحاً للاستخدام السيئ للعقل والوسائل والأدوات، ولنا في قصص القرآن عبرة ندرك من خلالها كيف تسقط دولة الظلم مهما علا شأنها بالعلم والقوة، مادامت لا ترتكز على ركيزة الإيمان، قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ على الذين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” [سورة القصص: 4-5].

لقد ورث المستضعفون الأرض في النهاية، وكانوا أئمة فيها، وذلك لأنهم تمسكوا بحبل الله، وطوعوا ما سخره لهم من أجل الحق لا من أجل أهوائهم.

وليس بالضرورة أن يستخدم التائه عن الله أدواته المسخّرة له في الأرض ليبطش ويظلم ويسفك الدماء، فقد يكون من أصحاب العلم والأخلاق، لكنه في النهاية يحيا في عالم علمه وأخلاقه، لا يستند فيها على إيمان يبصره الطريق، وهذا اختياره الذي لا يجبره أحد على أن يغيره، ولأنهم لم يُفتنوا بعقولهم إلى حد الزيغ عن الطريق، ولأنهم أيقنوا بأن العقل سيظل تائهاً بلا وجهة ما لم يضئ مصباح الإيمان فيه كان لهم إرث الأرض فضل من الله عليهم ومنة.

الديانات الوضعية وآثار الوحي: قراءة في كتاب “الإنسان والأديان”

يرى محمد كمال جعفر في كتابه «الإنسان والأديان: دراسة مقارنة» أن الأديان قد تصنف بناء على مصدرها إلى صنفين أساسيين، هما: الأديان السماوية، والأديان الوضعية التي وضعها البشر سواء كانوا أفراداً أو جماعات، غير أنه يرى أنه بالإمكان العثور في نهاية الأمر على عناصر في هذه الديانات تدل على ما يساعد بإرجاعها إلى مصادر سماوية قديمة[1]، فالوضعية في هذه الأديان ليست نقطة الانطلاق، ويستدل على ذلك بما كان يعتقده المصريون القدماء وأحاديثهم عن الصراط والميزان والحساب والجزاء وكل أمور الآخرة، فهذه ليست من اختراعاتهم وإنما هي من بقايا ما خلفته تعاليم الأنبياء عبر العصور، لكن أضيفت لها كسوة من الآراء والأساطير والأفكار السحرية، الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان تحديد مصادرها الأولى.

وبرأي محمد كمال جعفر، فكل استدلال عن ضرورة البعث بعد الموت أو الحساب أو الثواب في الجنة، والعقاب في النار، ومهما اصطنع من حجج عقلية، فإن أصله لا بد أن يكون قد انبثق من مقولة دينية، أداها نبي، أو نقلها من قد سمعها من نبي، لأن العقل لا يستقل بإدراك غيبيات الآخرة[2].

ويلاحَظ أن المؤلف يسهب في تأكيد هذه البقايا النبوية والآثار التي لا يمكن أن يقال بها إلا بعد سماعها من وحي، فهو بهذا يرى أن في الأديان الوضعية بلا شك عناصر سماوية، لكن ما حجب إمكانية العودة إليها وتنقيتها هو الكم الهائل من الإضافات والتعبيرات والخيالات والأساطير المتراكمة عبر قرون.

وما لاحظه محمد كمال جعفر في ديانات المصريين القدامى، يتكرر أيضا في ديانات أخرى كالبوذية والكونفوشيوسية والمانوية والمزديكة، فبالرغم من تصنيفه لها ضمن الديانات الوضعية، فإنه يرى أنها استفادت واستمدت من الأصول السماوية في أزمنة ضاربة في القدم، ومن العسير تحديد القدر الذي وضعه الواضع، سواء أكان فرداً أم جماعة أم أمة من الأمم[3]، لكن المؤلف يشير إلى إمكانية تحديد العناصر الوثنية في الأديان، كما فُعِلَ في دراسة النصرانية مثلاً.

ويتفق على هذه النتيجة مع محمد كمال جعفر، عبد الله علي سمك في كتابه «مدخل لدراسة الأديان»، فيقول «ولا نستبعد -بناء على النصوص القرآنية- أن تكون الأديان الوضعية عرفت الوحي الصحيح، لكنها مع تقادم الزمن وطول العهد، لم تستطع المحافظة عليه، وغلبت الصناعة البشرية والتدخل العقلي على الوحي الإلهي، ومن المستحيل عقلاً ونقلاً عدم إرسال رسل مثلاً إلى بلاد الهند، وهي أمة قديمة ذات تاريخ عريق وحضارة عظيمة[4]».


الهوامش

[1] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان دراسة مقارنة. الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985م، ص 103

[2] المصدر السابق نفسه ص 110

[3] المصدر السابق نفسه ص 110-111

[4] عبد الله علي سمك، مدخل لدراسة الأديان. مكة: دار الدراسات العلمية للنشر والتوزيع 2013م. ص73

حملة مكافحة الإلحاد

بتاريخ 27-10-2017 أطلق موقع السبيل أولى حملاته بعنوان “حملة مكافحة الإلحاد”، وتم خلالها نشر المواد الآتية تحت وسم “#حملة_مكافحة_الإلحاد”:

1- مقال كوميديا الإلحاد.. داوكنز نموذجا

2- مقال هوكينغ وثقب الإلحاد الأسود

3- برنامج لماذا آمنت بالله؟ المكون من ست حلقات تم بثها على يوتيوب.

4- عشرات التصاميم والإنفوغرافات التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد جمعناها في هذا الألبوم.

القراءة ليست غاية بذاتها

تمر المنطقة العربية بسبع سنوات عجاف منذ انطلاق ما عُرف بـ”ثورات الربيع العربي”. والناظر إلى مآلاتها يدرك أن لا فائدة تُرجى من إسقاط رأس الهرم إن لم تكن قاعدة الهرم سليمة. فما يُبنى على مجرد العواطف الجياشة والخطب الرنانة لا يُحدث تغييرًا.

يكون التغيير حتميًا حين يوجد الوعي، فتتحدد الأهداف وتتضح السُبل، بدلًا مما يستشري بين الشباب من فقدان للبوصلة ونظرة دونية للذات تصل إلى عدم محاولة التغيير أو التفكير فيه حتى، على اعتبار أن انحطاطنا هو الأمر الطبيعي والمفروغ منه، فينصرف الشباب إلى عبادة أوثان القرن الحادي والعشرين من موضة وأزياء ومشاهير وغيره من ماديات جوفاء، تزيد من حالة الانحطاط القائم، وتوجه جهودهم -إن وجدت- نحو أهداف ذاتية شخصية مادية بحتة للنجاة من دوامة التخلف هنا، إلى الغرب المتطور حيث شاطئ الأمان، في تناسٍ لمسؤولية الفرد تجاه دينه وأمته، و{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].

ومما سبق تظهر ضرورة بذل كل الجهود اللازمة لزيادة وعي الشباب وتوسيع أفق تفكيرهم وزيادة مداركهم، لمواجهة التجهيل الممنهج الساعي إلى صرف نظرهم عن القضايا الأساسية وشغلهم بسفاسف الأمور، وكذلك ما يتم من بث لبذور الفتن وتعزيز لكل عوامل التفرقة من خلال انتماءات تشتت لا توحد، وبالتالي تَسهُل السيطرة على الشباب واستغلالهم.

وهنا تبزغ القراءة شمسًا تبدد ظلمات الجهل، فبها تُنال علوم الشعوب وفكرها الذي احتضنته الكتب بين ثنايا صفحاتها منذ القدم، فتكون القراءة مفتاحا لليقظة وسبيلا للنهضة، حيث ترقى بوعي الشباب وفكرهم وتوجه تركيزهم نحو قضايا الأمة بدل الانشغال بصغائر الأمور وتوافهها، وتعزز انتماءهم لهويتهم ودينهم وأمتهم.

أضف لذلك دور القراءة المحوري في إخراج الشباب من سجن التلقين، لميدان البحث والتقييم، وما في ذلك من نبذ للتعصب الأعمى وتمكين للمنهج العلمي والاحتجاج المنطقي، وما يؤديه ذلك من احتواء للخلافات وتقبل للاختلافات وخلق لنقاشات بنّاءة توحّد لا تفرق.

لكن ليست كل القراءة هكذا، فكما توجد قراءة تنمي الفكر وتقومه، فهناك قراءة تفعل العكس. وحيث أننا منذ الصغر نكتب المواضيع الإنشائية عن القراءة وأهميتها، فقد أحدث هذا لُبسًا، فأصبحت القراءة بذاتها هدفًا، حتى أنَّ من يقرأ بضعة روايات رومنسية سطحية صار يرى نفسه، ليس فقط قارئًا، بل من “النخبة المثقفة” في المجتمع.

وأما من تكون منشوراته على مواقع التواصل عاميّة اللغة ركيكة المعنى، فيأتي ويضعها بين دفتي “كتاب”، تراه يترفع عن مجالسة “العوام”، فهو أيضًا بات من “النخبة المثقفة”.

القراءة المعاصرة
وحيث أن هذا العصر يشهد ثورة تكنولوجية لم يسبق لها مثيل، فإنّ محركات البحث وشبكات التواصل ألقت بظلالها على كافة جوانب حياتنا، بما في ذلك القراءة.

فمع محركات البحث انتفت الحاجة للقراءة بمفهومها النهضوي، وبدلًا من الغوص في بحار الكتب بحثًا عن المعلومات والتعمق بها، بات يمكن الوصول إلى المعلومة بدقائق بل ثوانٍ، وبالتالي صارت العقول تعمل بتقنية “التخزين السحابي”، وهي تقنية تُستخدم لحفظ البيانات في خوادم خارجية، وتكون الأجهزة مجرد أدوات للوصول للبيانات، ورغم أنّ هذا يبدو -للوهلة الأولى- ذا نفع، إلّا أنّه يجعل ذاكرة الأجهزة –وكذا ذاكرتنا- خالية كصحراء قاحلة.

وأما موقع فيسبوك فله بالغ الأثر وشديد الضرر على القراءة ومفهومها والغاية منها. فبالإضافة لما يشيعه من منشورات لا يتعدى الواحد منها –في أحسن الأحوال- بضعة أسطر، جاعلًا قراءة بضع صفحات من كتاب أمرًا مفزعًا. وعدا عما يحويه من مشتتات تجعل القراءة المتعمقة أمرًا مستعصيًا. فإنّه ساهم في خلق “الواقع الافتراضي” الذي غيّر الغاية من القراءة واقتناء الكتب.

وهكذا أصبحت غاية الكثيرين من اقتناء الكتب هي نشر صورة جميلة لفنجان القهوة وقطع الحلوى بجانب كتاب، وبعضهم يقتني الكتب بحثًا عن الاقتباسات لنشرها، حيث تعددت الطرق التي تسمح لأحدهم بأن يغدو من “النخبة المثقفة”.

لذا فلا عجب من أن الكثير من “المجموعات” المتعلقة بالقراءة والكتب أضحت ذات محتوى ضحل، وأقصى ما قد تقدمه هو إخبارك بمدى قسوة من يطوي صفحات الكتاب عوضًا عن استخدام فواصل الكتب.

وفي بيئة كهذه يكون الإقبال الكبير على نشر الكتب والروايات الملآى بالسخافات نتيجة حتمية، فالقراءة أمست وسيلة لتكريس السذاجة وتغييب الوعي، مما أنشأ حلقة مفرغة من القرّاء السطحيين يقرؤون لكُتّاب أشد سطحية.

وفي النهاية نتج ما يسمى بـ”وهم المعرفة”، فلكثرة ما “يلمحه” الشباب من معلومات، يظنون أنفسهم من الحكماء، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك.

ختامًا، فإنّ ما تم التعرض له من بعض نماذج “النخبة المثقفة” مغزاه أن استخدام الروايات والكتب ذات المحتوى البسيط لترغيب الشباب بالقراءة وتقريبها إلى نفوسهم، ليس نهاية المطاف، بل مجرد البداية لمساعدة الشباب للغوص في بحار الفكر والمعرفة.

وما يغفله الكثيرون أنّ القراءة بمفهومها الصحيح هي أيضًا ليست غاية بذاتها، فهي تغدو بلا طائل إن لم تفترن بمحاولة تغيير المجتمع ونشر الوعي فيه. فالقراءة لم تكن يومًا إلا وسيلة تُساهم في نشر وعي مجتمعي يكون بدايةً لنهضة أمة.

وفي الخلاصة، على من لا يقرأ أن يقرأ، وعلى من يقرأ أن يعرف ماذا يقرأ، وعلى من يعرف ماذا يقرأ أن يحاول التغيير وينشر الوعي.

هوكينغ وثقب الإلحاد الأسود

إن الاستدلال بإيمان هذا العالم أو إلحاد ذاك على صحة عقيدة ما هو استدلالٌ خاطئ تماماً. فالأمر لا يعني أنه بإيمان فلان أو إلحاد فلان أن ديناً ما خاطئ والإلحاد صحيح ولا العكس أيضاً، وكثيراً ما يستدل البعض بهذا الأمر، ما يدل على ضعف التفكير ورهن العقل بالأشخاص وليس بالمنطق.

فالأساس أن يفكر الإنسان وأن يعُمل عقله في الأسئلة الكبرى المتعلقة بوجوده وليس أن يرهن عقله لما يتقدم به الآخرون من أفكار مقولبة أو عقائد جاهزة، حتى ولو كانوا أهله وعشيرته الأقربين قال تعالى في سورة الزخرف: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}، فهذا منطق لا يقبله القرآن لأن الأصل في الإيمان العلم وليس التقليد الأعمى.

قال تعالى في سورة محمد {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}، فالأمر جاء بالعلم والتدبر في الكون حتى الوصول إلى النتيجة النهائية أنه “لا إله إلا الله”، وليس بالتقليد.

نيوتن

كان لا بد من هذه المقدمة البسيطة قبل الحديث عن أحد أشهر علماء الفيزياء النظرية في عصرنا الحالي وهو ستيفن هوكينغ الذي اشتهر في مجال الثقوب السوداء، ووضع معادلة شهيرة في هذا المجال وسمي إشعاع خاص باسمه “Hawking–Zel’dovich radiation”، ويُفترض أن هذا الإشعاع هو المتسبب بتقلص الثقوب السوداء، ولكن لم يجري التثبت منه تجريبياً حتى الآن بسبب الصعوبات الكبيرة المتعلقة بدراسة الثقوب السوداء وخاصة البعد الكبير الذي يفصلنا عنها. لكن لا شك في أن هوكينغ يمتلك من العزيمة الكثير، فبالرغم من إعاقته إلا أنه شغل الكرسي اللوكاسي في جامعة كامبريدج الذي شغله في السابق إسحاق نيوتن، وشغله كذلك أحد مؤسسي ميكانيكا الكم الفيزيائي الكبير بول ديراك.

تدرج هوكينغ في مراحل عدة قبل أن يظهر إلحاده التام للعلن، ففي البداية ختم كتابه الشهير تاريخ موجز للزمن (A brief history of time) بالقول: “وعلى كل حال لو اكتشفنا فعلاً نظرية كاملة، فإنه ينبغي بمرور الوقت أن تكون قابلة لأن يفهمها كل فرد بالمعنى الواسع وليس فقط مجرد علماء معدودين. وعندها فإننا كلنا فلاسفة وعلماء وأناساً عاديين سنتمكن من المساهمة في مناقشة السؤال عن السبب في وجودنا، نحن والكون. لو وجدنا الإجابة عن ذلك، فسيكون في ذلك الانتصار النهائي للعقل البشري لأننا وقتها سنعرف عقل الله”.[1]

أكد هوكينغ بعد ذلك أن العبارة التي وضعها في ختام الكتاب عن “عقل الإله” كانت لزيادة أرباح الكتاب وأنه لو حذفها لانخفضت أرباح الكتاب إلى النصف.[2]

ولاحقاً في مقابلة مع قناة CNN قال هوكينغ إنه يمكن أن يوجد إله ولكن ليس له دور في الكون، ثم قال في كتابه “التصميم العظيم” إن قوة الجاذبية كافية لإنشاء الكون، ووصل في النهاية إلى التصريح بالإلحاد التام في مقابلة مع صحيفة ألموندو الإسبانية.

وعندما أعلن إلحاده استبشر الملحدون حول العالم ومن بينهم ريتشارد دوكينز أحد كبار رؤوس الإلحاد في عصرنا والذي قال: “إذا كان داروين قد ألقى بالإله بعيداً عن علم البيولوجيا، فقد ظل له موضع في الفيزياء حتى أخرجه منها ستيفن هوكينغ”.[3]

سأحاول هنا مناقشة بعض أفكار هوكينغ التي لا علاقة لها بالعلم التجريبي، وإنما هي محض ميتافيزيقيا وفلسفة، كما سأوضح ردود علماء آخرين عليه.

ستيفن هوكينغ

الخلق من عدم
يقول هوكينغ في كتاب التصميم العظيم “كيف يتم خلق مجمل الكون من لا شيء؟… لذا يجب أن يكون قانون كقانون الجاذبية ولأن الجاذبية قوة جاذبة فإن طاقة الجاذبية سالبة… وبمقياس مجمل الكون فإن الطاقة الموجبة للمادة يمكنها أن تتوازن مع الطاقة الجذبوية السالبة وبالتالي لا يوجد قيود على خلق مجمل الكون”.ويتابع فيقول : “لأن هناك قانوناً مثل الجاذبية فإن الكون يمكنه أن يخلق نفسه من لا شيء”.[4]

لا بد من توضيح هام أن العدم عند الفيزيائيين ليس اللاشيء كما قد يعتقد البعض، بل هو ما يسمى الفراغ الكمي (quantum vacuum) في ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) فالعدم عند الفيزيائيين ليس كما نتصوره أنه عدم محض بل هو يتعلق بالأشياء التي لا يمكن قياسها فيزيائياً فقط.[5]

أما من الناحية المنطقية فالعبارات السابقة لوحدها تدل على التناقض الصارخ عند هوكينغ، إذ كيف يُوجد ويخلق القانون –أي الشيء- اللاشيء؟ وكيف للعدم أن يُوجد موجوداً أصلاً؟ وكيف يكون الشيء عدماً وموجوداً في نفس الوقت؟ وهنا نقطة أن الموجود يأتي من العدم صحيح هذا، ولكن يستحيل أن يكون العدم هو من أوجد هذا الموجود.

ثم إذا فرضنا جدلاً وجود قانون الجاذبية قبل وجود الكون –وهذا مستحيل لأن القانون الطبيعي يعتمد بوجوده على وجود مسبق للطبيعة- فهل هذا القانون قادر على إيجاد الكون من عدم كما يدعي هوكينغ؟ وهل القوانين الطبيعية هي الخالقة والمنشأة للكون من عدم؟

يقول جون لينوكس -وهو عالم في الرياضيات وفلسفة العلوم- رداً على هوكينغ: ” بالتأكيد يمكننا التوقع أننا قادرين على صياغة نظريات تتضمن قوانين رياضية لوصف الظواهر الطبيعية ،ويمكننا فعل ذلك بدرجات بالغة الدقة ولكن القوانين من تلقاء نفسها لا يمكن أن تسبب شيئاً… فقوانين نيوتن للحركة لن تدفع كرة البلياردو على الطاولة بدون لاعب يضربها، فضلا عن خلقها ..القول إن القوانين الرياضية الذكية هي التي خلقت الوجود والحياة هذا خيال محض ،لأن تسميته خيال علمي هو تشويه لسمعة العلم فالنظريات والقوانين ببساطة لا تحضر شيئاً إلى الوجود”.[6]

والعجيب أن مكتشف قانون الجاذبية نفسه إسحاق نيوتن لم يقل مثل هذا الكلام، بل كان نيوتن مؤمناً بالله الواحد، وقال بعد وضع نظريته حول الجاذبية: “إني لا أزعم أني أعرف علة الجاذبية [7]، وقال أيضاً: “إني لا أعتقد أن حال الأجرام السماوية قابل للتفسير فقط بعلل طبيعية فأنا مرغم على أن أعزو تلك الحال إلى قوة واضحة القصد وذات إرادة قادرة على الاختيار”[8]، ولا شك أن نيوتن كان يقصد قوة الله سبحانه، وهذا ما يتبين لنا من كتاباته الأخرى واضحة الإشارة إلى وجود الله وقدرته.

ثم إذا سلمنا جدلاً بمقولة هوكينغ بأن القانون قادر على إيجاد الكون من العدم فنصل إلى سؤال بسيط يطرحه أي إنسان وهو: من وضع القانون نفسه؟ وهنا تأتي تفسيرات الملحدين –ومنهم هوكينغ- والتي تخبط خبط عشواء فيقولون تارة بالصدفة أو أنه من بين آلاف الأكوان الأخرى فإن كوننا تحققت فيه هذه الشروط التي جعلت قانون الجاذبية يُنشئ الكون من العدم!

وهذا يقودني في المقالات القادمة إن شاء الله للحديث عن نظرية الأكوان المتعددة التي يطرحها هوكينغ نفسه، وسأتحدث عن النظرية إم M أو التي تسمى أحياناً نظرية كل شيء، وأبحث في زعمه بأن الفلسفة ماتت، كما سأتطرق لمواضيع أخرى من كتاباته.


الهوامش

[1] ستيفن هوكينغ، تاريخ موجز للزمن، ترجمة: مصطفى فهمي، الناشر: دار التنوير،2016 ص299.

[2] ستيفن هوكينغ، الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ترجمة: حاتم النجدي، الناشر: دار طلاس،1998 ص38.

[3] عمرو شريف، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية،2014 ص361.

[4] ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص216.

[5] أحمد حسن، أقوى براهين د.جون لينكس، مركز دلائل،2016،  ص98.

[6] Jhon C.Lennox ,God’s undertaker has science buried god?,lion Hudson plc,2009 p.65

[7] رونالد سترومبرج ، تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ترجمة: أحمد الشيباني، دار القارئ العربي،1994 ص90 وما بعدها.

[8] نفس المصدر السابق، ص 90.