image_print

أمام النظم القرآني.. شبهات في وجه الإعجاز!

يتركز النظر في النظم القرآني على دقة ترتيب الآيات بينها وتناسبها بين بعضها البعض على مستوى وحدة المعنى، أي أن ترتَّب الآيات في السورة الواحدة أو في السور المتتالية بناء على وحدة موضوع الآيات حتى لا يصاب القارئ بالتشتت بين معاني كثيرة لا صلة بينها.

وعلى الرغم من أن المسألة هي محل بحث وتأليف من علماء التفسير على مدار الزمان، إلا أنها أصبحت مثار شبهة عند غير المتخصّصين أو المبطلين من غير المسلمين، ويعود جذر هذه الشبهة -برأيي- إلى مقارنة الأسلوب القرآني في سرد المواضيع بالطرق التقليدية المتعارف عليها بين الناس في الكتابة والسرد، حيث إن تنقّل القرآن بين المواضيع والمعاني مغاير للأساليب البشرية من استخدام علامات الترقيم وفصل الفقرات في المقالة الواحدة وكثرة استخدام العناوين بين الفصول المختلفة، ومن هنا فقد اعتقد البعض أن التأليف البشري أدق نظامًا من الوحي الإلهي!

زيادة على ذلك، فإن الشبهة تنبع من عدم الإلمام بمقاصد السورة الواحدة، وتمام الغفلة يتجلى في عدم معرفة أن لكل سورة شخصية مستقلة تهدف إلى ترسيخ معنى بعينه مهما تغايرت المواضيع والمعاني. وبسبب ذلك تعمى الأعين عن ملاحظة الوحدة القرآنية بسبب الحكم المسبق بأنه كتاب لا وحدة موضوعية فيه.

جهود المفسرين بين الماضي والعصر الحديث

على الرغم من أن الوحدة القرآنية كانت محل بحث بدءاً من عصور السلف إلا أن أغلب المفسرين أسهبوا في التأليف حول علاقة خواتيم السورة بما بعدها، وعلاقة أسامي السور ببعض، ونذكر على سبيل المثال عمل السيوطي في كتابه (أسرار ترتيب القرآن) في أن سورة الفرقان جاءت في الترتيب التوقيفي للمصحف بعد سورة النور، لأن الفرقان بين الحق والباطل لا يكون إلا بعد نورٍ يكشف ما في الظلمة.

صحيح أنّ ما اهتم به السلف لم يخرج عن محاولة استكشاف ما للقرآن من وحدة موضوعية، ولكن أغلب جهودهم كانت حول وحدة مواضيع وأسامي السور بعضها ببعض، ولم يتطرق أحد إلى الوحدة في السورة الواحدة بين الآيات، أما في العصر الحديث – بدءا من القرن الماضي- بدأ بعض العلماء في التأليف في المسألة. ولعل أول من كتب فيها كان الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) حيث أسهب في كتابه لإثبات أن سورة البقرة على كبر حجمها وكثرة مواضيعها بها نظام موضوعي بين الآيات بشكل واضح جدًّا لمن يتفكر ويتدبر.

سعيد حوى (على اليمين)،عبد السلام المجيدي (في الوسط)، محمد عبد الله دراز (على اليسار)

بعد مدة من الزمن ألف الشيخ سعيد حوى كتابه (الرسول) وذكر في فصل “المعجزة القرآنية” وجود الوحدة الموضوعية في القرآن بشكل مختصر، ثم ألّف بحثاً طويلاً -بعد ذلك- في المسألة من ستة مجلدات باسم (الأساس في التفسير) أثبت فيه أن كل سورة مقسمة إلى عدة مقاطع وفقرات تخدم المعنى الرئيس والمقصد الأعلى للسورة، وأن لكل سورة وحدة في موضوعها مهما تفرعت في مواضيع جانبية، وأنه ما ذُكِر موضوع إلا لخدمة المعنى الأساسي المراد ترسيخه. وأثبت في بحثه أن القرآن كله عبارة عن جسد واحد من الوحدة الموضوعية وأنه كله ما هو إلا مزيد تفصيل وبيان لما جاء في سورة البقرة. أي أن سورة البقرة تلخّص المركزيات الكبرى للدين من تقرير العقائد الكبرى وتفصيل التشريعات وتبيان مواقف الناس المغايرة من الدين. أما في العصر الراهن فهناك عدة مشاريع بحثية في المسألة مثل مشروع الشيخ الدكتور عبد السلام المجيدي الذي انطلق في مشروع فكري وتفسيري للقرآن من حوالي ثلاث سنوات فأنهى بمنهجه المتميز تدبره لبعض السور وهي الفاتحة والبقرة وآل عمران والنساء.

 في ظلال من أمثلة القرآن

على الرغم من أن نظم القرآن أوسع من أن يُلخَّص أو يختَصَر في بحث واحد، وأعظم من أن يحيط بكل ما فيه أحد ما، إلا أن جهود العلماء تركت لنا مئات الأمثلة من وجود الوحدة الموضوعية في القرآن، وقد كثر مؤخرًا التأليف تحت هذا المصطلح، ونمثل لذلك ما كتبه المفكر محمد الغزالي للتفريق بين تفسير النص بشكل حرفي وتفسير السورة ككل بشكل إيجازي في كتابه (التفسير الموضعي والموضوعي للقرآن الكريم). ولو كانت الشبهة تثار أكثر في السور الطويلة لكثرة تنوع المواضيع، فإن تبيان أمثلة من تلك السور يثبت وجود الإعجاز ويقوي موقف القرآن أكثر أمام معارضيه.

لقد أفرد عبد القاهر الجرجاني كتابه العظيم “دلائل الإعجاز” للبرهنة على ما في النظم القرآني من وجوه الإعجاز. ولنأخذ مثالاً واحدًا من الآيات القرآنية التي أوردها عبد القاهر الجرجاني مبينًا بعض جوانب الإعجاز فيها، وذلك قول الله تعالى في شأن اليهود: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96]. يقول عبد القاهر:

“إذا أنت راجعت نفسك، وأذكيت حسَّك، وجدت لهذا التنكير، وأنه قيل: {عَلَى حَيَاةٍ} ولم يقل: “على الحياة” حسنًا وروعة ولطف موقع لا يُقْدَرُ قَدْرُه، وتجدك تَعْدَم ذلك مع التعريف وتخرج من الأريحية والأنس إلى خلافهما. والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة، لا الحياة من أصلها.. فكأنما قيل: ولتجدنهم أحرص الناس ـ ولو عاشوا ما عاشوا ـ على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه حياة في الذي يستقبل”.

وإليك مثالًا من سورة البقرة، أقتبسه من كتاب (النبأ العظيم):

“يقول تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِين} [البقرة: 237- 238] فقد يحسبها الناظر اقتضاباً، وما هي باقتضاب إلا في النظر السطحي العابر، أما من يتابع معنا سير قافلة المعاني منذ بدايتها ويقطع معنا ثلثي الطريق الذي رسمته آية البر من الوفاء بالعهود والصبر في البأساء والضراء وحين البأس فإنه لا ريب سوف يستشرف معنا إلى ثلثه الباقي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبذل المال على حبه في سبيل الله وسوف يرى أن هذه الحلقة الثالثة قد جاءت هنا في رتبتها وفي موضعها المقدر لها وفق ترتيبها في الآية الجامعة.

سيقول قائل: نعم لقد جاءت في موضعها ورُتْبتها، ولكن الانتقال إليها قد تم دون إعداد نفسي ولا تمهيد بياني. نقول: بل كان هذا الإعداد والتمهيد في الآية الكريمة التي ختمت بها الحلقة السابقة {وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير} فهذه لو تدبرت معبرة ذهبية وضعت في وقت الحاجة إليها بعد أن استطال الحديث في تفصيل الحقوق والواجبات المنزلية، معبرة جيء بها لتنقلنا من ضوضاء المحاسبة والمخاصمة إلى سكون المسامحة والمكارمة فكانت معراجا وسطا صعد بنا إلى أفق أعلى تمهيدا للعروج بنا فيما يلي إلى الأفق الأعلى. ألا تسمع إلى هذه الكلمات {ولا تنسوا الفضل بينكم} فإن كل حرف في هذه الكلمات ينادي بأنها كلمات حبيب مودع كان قد أقام بيننا فترة ما ليفصل في شؤوننا ثم أخذ الآن يطوي صحيفة أحكامه ليتحول بنا عنها إلى ما هو أهم منها، فقال لنا -وهو يطويها-: دعوا المشادّة في هذه الشؤون الجزئية الصغرى، سوّوها فيما بينكم بقانون البر والفضل الذي هو أسمى من قانون الحق والعدل، وحوّلوا أبصاركم معي إلى الشؤون الكلية الكبرى التي هي أحق بأن يتوفر عليها العزم والقصد، وأحرى أن يشتغل بها العقل والقلب، نعم نعم لقد كفاكم هذا حديثًا عن حقوق الزوج والولد، فاستمعوا الآن إلى الحديث عن حقوق الله والوطن حافظوا على الصلاة، وأنفقوا في سبيل الله، وجاهدوا في سبيل الله”

خلاصة القول

لقد استقرّ عند علماء التفسير وعلوم القُرآن أن النظْم القرآني وجه من وجوه إعجاز القُرآن، وهو طريقة الكلام وأسلوبه، وارتباط آي القُرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، متسقة المباني؛ فإن السورة مهما تعددت قضاياها، فهي كلامٌ واحد، يتعلق آخره بأوله وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، وارتباط الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة، بل والسور القُرْآنية أيضًا كذلك، فهو مقابل للشعر، والسجع عند العرب، والقُرْآن معجز بنظمه؛ أي: بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم، فهو خارج عن عادتهم، ومعجِز بهذه الخصوصية التي ترجع إلى جملة القُرْآن، وتحصل في جميعه.

إشارات أولية لإصلاح العملية التعليمية

بعدما تعرفنا في مقالٍ سابق على أبرز الأطروحات الإصلاحية للتعليم ومدى جدواها، سأحاول في هذا المقال بعون الله وضع إشارات يمكن أن تكون علامات للطريق القويم في إصلاح العملية التعليمية

واقع التعليم من المآل إلى الحال

بعد دخول النموذج الغربي للمدارس الإلزامية في عالمنا الإسلامي، بدأت تبعاتها الفكرية والاجتماعية والنفسية تتسرب وتتراكم في المجتمع كمآل لهذا الواقع الجديد، وبعد ما تطبَّع الناس على هذا الواقع وألِفوه وأصبح حالًا لهم؛ بدأت تظهر مآلات جديدة نابعة من هذا الحال الذي صار واقعًا، كمشكلات في منظومة الأسرة والزواج، وشخصية الأفراد وطبائعها، ومستوى الوعي عند عموم الناس وغير ذلك، فعمد الكثير من المصلحين إلى حل هذه الإشكالات دون البحث عن بواعثها الحقيقية، وبالتالي فإنه مهما كفكفوا هذه المآلات الجديدة، فإن جذر الإشكال يبقى حيًا ناميًا.

ومن هنا كان لا بد من السؤال عن: كيف يمكن إصلاح التعليم لعموم الناس؟

عند النظر إلى ما وصل إليه المجتمع كنتيجة تراكمية لروافد عديدة تشمل بشكل أساسي هذا النظام التعليمي، سنجد أنّ محاولات الإصلاح لا يمكن أن توجَّه إليهم بشكلٍ مباشر، إذ إنّه ليس في مُكنَتِهم تنفيذ هذه الأطروحات، بل بعضهم يظن أنّ في هذا الأمر إهلاكٌ وتضييع لمستقبل أبنائه.

الحل إذًا مع هذه الفئة يكون حولهم وليس لهم، وهو يعتمد على عنصريين أساسيين يجب أن يسعى فيهما المصلحون.

الوعي الجمعي أولاً

إنّ بث الوعي في المجتمع بالطرق كافة هو الوسيلة الوحيدة التي يمكنها إعادة تشكيل الحاضنة المجتمعية التي ينتمي إليها عامة الأفراد، وتشكيل بيئة عامة من الوعي تسمح لشرائح جديدة الانخراط فيها، والوثوق في أطروحتها، وإدراك إشكالات الواقع.

ورغم أنّ هذه الطريقة تُصَنَّف ضمن الطرق التكوينية الطويلة التي تحتاج طولَ نَفَسٍ وصبر، إلا أنها شِقٌّ أساسي لشَقِّ طريق الإصلاح، وعاملٌ مركزيٌ لبث نفحات البعث التي تُحقق روح النهضة، وتُهَيكل مرحلة الصعود.

في هذا الإطار نجد قول مالك بن نبي: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات بن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب لا زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم، فتحولت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل، وهكذا استيقظ المعنى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب” [شروط النهضة]، فكلمات بن باديس رحمه الله التي حملت في طياتها البعث استطاعت تحقيق هذا الوعي الجمعي.

عبد الحميد بن باديس (ويكيبيديا)

ويمكن تحقيق الوعي المؤثِر في إشكالية التعلُّم عن طريق:

١- تعميق معاني العبودية وبثّ مبدأ التسليم لله عز وجل التي يجب أن يكون عليها المسلم، ويدرك بها دوره الاستخلافي الذي يدفعه إلى حفظ ذريته وتنشئتهم على مراد الله سبحانه وتعالى.

٢- نشر وتوضيح مآلات المدارس الإلزامية سواء الفكرية أو الاجتماعية والنفسية أو غير ذلك على الناس.

٣- تعظيم شعور المسئولية المنوطة بالأهل في رعيتهم -أبنائهم- ليتهيّأوا نفسيًا لتقبل حلول جديدة بدافع الحرص والخوف على أبنائهم.

٤- نشر ما يجب أن يتعلمه المسلم ويتربّى عليه، وكذلك التوعية بمقاصد التعلم في الإسلام.

٥- الوعي التاريخي بهذه القضية، سواء على مستوى التسلسل الفكري التاريخي الذي آل إلى الوضع الحالي، أو نماذج ناجحة للتعلُّم في التاريخ الإسلامي.

٦- حثّ الاختصاصيّيّن في مجال التربية والعاملين في هذا المجال ليوطّدوا أنفسهم على التغيير، ويفهموا الواقع بصورة تدفعهم لوضع تصورات لمنهجيات رصينة يمكن أن تكون البديل.

هذا النمط التوعوي يجب أن يُبَث بشتى الطرق العصرية المسموعة والمرئية، واستغلال كافة المحافل والوسائل لإنضاج هذا الوعي في المجتمع، وعلينا ألّا نتصور أن هذا التحرك التوعوي يمكن أن ينفذ إلى كافة شرائح المجتمع مهما كان قويًا ومثمرًا وفعالًا، إذ ثمة شرائح تُمثِّل سوادًا كبيرًا من العسير جدًا إخراجها من الدوامة الحياتية، ولكن الهدف هو ضم شرائح جديدة من حافة الوعي إلى مركزه، والتي ستتوسع وقتيًا لتُحدِث حالة مجتمعية يمكنها احتضان أفراد الشرائح الأخرى البعيدة تمامًا عن نسائم الوعي.

التمويل ثانيًا

إنّ وجود مصدر تمويلي يمكنه تبنّي المشاريع الإصلاحية أمرٌ في غاية الأهمية، بل إنّ انتشار المدارس الإلزامية كان من أسبابه الرئيسية دعم رجال الأعمال، فنجد أنّ جون روكفلر مثلًا دفع لأجل تعميم هذه المدارس مبلغًا يربو على ما قدّمته الحكومة الفيدرالية، مما أدى إلى تعميمها على أربعٍ وثلاثين ولاية، لذا يجب وضع مساحة مخصوصة لتوعية وتحفيز رجال الأعمال المسلمين على استثمار أموالهم في هذه المشاريع، ويجب على المصلحين وضع دراسة جدوى مُحكمة، ورؤية رصينة واضحة، لتشجيعهم على بذل أموالهم لإنهاض هذه المشاريع التي يمكنها أن تتمثل على أرض الواقع عند الوصول إلى نقطة الوعي التي تمتد لهيكلة الحاضنة المجتمعية على نحوٍ صحيحٍ ناضج، مما يؤدي إلى نشوء مسالك حقيقية تسمح بنفوذ أطروحات إصلاحية من خلالها.

هذا ما يخص عموم الناس، مما يعني أنّ حصول إصلاح حقيقي للتعلُّم في عموم المجتمعات يحتاج وقت طويل يصحبه جهد إصلاحي بنائي مكثف.

جون روكفلر

ويجب أن نستحضر خلال هذا المسير أنَّ إصلاحَ التعليم وتأطيره ضمن المقاصد العقدية المنشودة أمرٌ لم يغفل عنه أي مجتمع أراد تغيير وجه الحياة فيه، فنجد أنّ الخطوة الأولى التي اتخذها العلمانيّون لعلمنة فرنسا -مثلًا- كانت مع المدارس، حيث “خاضت الدولة هنا صراعها الأكبر في مجال التعليم، مُضْفِيَة قَدَاسَة على الفَصْلِ التَّام بين التعليم ومقولات الدين وقيمه، وذلك للحفاظ على ذاتيّةِ البناء اللاديني للمجتمع وأفكاره الكلية” [العالمانية طاعون العصر- د. سامي عامري]، حيث اعتبروا أنّ “استرجاع الأملاك العامة من الكنيسة إلى الدولة بداية لفك ارتباط الكنيسة بأهم مُؤسَّسةٍ مُؤثرة في المجتمع وهي المدرسة، وهي المعركة الكبرى التي خاضها العالمانيون في أوروبا بكل شراسة”[العالمانية طاعون العصر- د. سامي عامري]، لذا لا يجب التهاون أبدًا في الخطوات المتوجهة نحو إصلاح التعليم.

رسائل لأهل الوعي

قبل اقتراح بعض الإشارات التي قد تُمثِّل ومضات مضيئة في مسيرة تعلم الإنسان التي تبدأ مع الولادة، وتنتهي عندما تبلغ الروح الحلقوم، يجب أن نستحضر أمرين مهمين، أولهما: تفاوت قدرات الناس؛ إذ إنه من الطبيعي جدًا أن تختلف قدرات الناس وتتمايز نقاط القوة والضعف لدى كل إنسان، وأنّ الغالبية في أي مجتمع ليست نخبة، وأنّ هناك صالحين وطالحين، وبالتالي فإن الهدف الأول من المسيرة الوالديّة التربوية والتعليمية هي تكوين مسلمين يدورون في فلك العبودية محققين مقاصد الإسلام مع الحفاظ على السوية النفسية لهم، هذه هي القاعدة العريضة التي يجب أن يُربى عليها كل مسلم، ومنها يتم الانطلاق نحو صناعة النخب، وهذا يأخذنا للنقطة التالية.

أما ثانيهما فهو (إياكم والمقارنة!) حيث إنّ تعاظُم المقارنة في أي مجتمع نذيرٌ للفتك به وإهلاكه، ويفضي إلى تقليل مستويات الرضا وقتل مساحة السعي في المتاح، ولو نظرنا إلى غالبية الأفراد في مجتمعاتنا سنجد أنهم يريدون أطروحة موحدَة نسقًا ومنهجًا، ويمارسون المقارنة، ولا يتقبّل المجتمع بمجموعه فكرة تفاوت القدرات، وهذا ينعكس سلبًا على الطفل حسب المجتمع الواقع فيه، فلو كان الطفل ذا قدرات فائقة، فغالبًا لا يتاح له المزيد بدعوى توقُف من حوله عند هذا المستوى، والعكس صحيح، حيث يتم الضغط على بعض الأطفال وتعنيفهم لأجل اللحاق بمن حولهم دون مراعاة لقدراته.

لكن الصحيح هو عدم تحجيم الطفل عند مستوى معين أو ضغطه، كلٌ حسب وسعه، من رأى فيه الأهل النهم للعلم؛ فليشبعوه، ويطوِّعوا له ما يمكن أن يستشكله، ومن رأوا فيه ضعف؛ فليقوموه ويعطونه ما يضمن استيعاب القاعدة العامة التي تخرِج مسلمًا صحيح الإيمان، سَوي النفس، تقيًا، يصلُح للعرض على الله.

إنّ هذين الأمرين يعتبران ضمن السياق التربوي، الذي هو بالطبع مركزيٌ في عملية التعلّم، ولكنهما ضروريين في سياق التعلم، لذا وجب الإشارة إليهما هنا.

الاحتمالات الممكنة لهذه الشريحة:

١- وجود الأبناء بالفعل في المدارس، وفي هذه الحالة يصعب جدًا إخراجهم منها وبدأ نسق جديد مغاير تمامًا معهم خصوصًا لو تعدّوا المراحل الأولى، ولكن ما يجب فعله بشكل أساسي هو:

أ. تحجيم مساحة المدرسة في حياتهم بإبعادها عن المركز المحوري للحياة، وتعزيز إدراكهم أنّ المدرسة مجرد أداة مساعدة لاكتساب بعض العلوم والمعارف.

ب. ترسيخ معاني العبودية لله عز وجل في نفوسهم، وإعلامهم مقاصد التعلُّم في الإسلام. وشحن حياتهم بمعاني الإيمان، وتعليمهم استحضار النية والاحتساب في كل عمل.

ت. الحرص على تعليمهم القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية الفصحى وأصول الشريعة، ويكون الوالدان متمثلين لهذه المعاني في ذاتهما ويمرران اللغة العربية لهما بالسليقة من خلال التحدث معهما بها، وإسماعهم فصيح القول بدءًا من القرآن الكريم ومرورًا بالشعر وغيره.

ث. إلى جانب ذلك فإنه يجب تضمين الأسس الفكرية الصحيحة في النسق التربوي، وتحفيز التفكير الناقد لديهم مع تعريفهم بإشكالية هذه المناهج والمدارس وتاريخها بالطريقة المناسبة.

ج. توعيتهم تجاه ما تتضمنه من كوارث فكرية، ومن هنا فإنه لا بد من إنشاء محاضن اجتماعية مناسبة تمكّنُّهم من إنضاج القيم الاجتماعية وتبلوُّر شخصياتهم، وتفويض مهام لهم يتحملون فيها المسئولية في جوانب متعددة، وإتاحة فرص متنوعة للتجربة والتعلُّم وتنمية المهارات.

ح. الحرص على زيارة أماكن ثقافية مثل معارض الكتب والمكتبات، وتوفير بيئة ثقافية متوازنة ومتنوعة في المنزل كركيزة أساسية من ركائزه.

خ. التأكيد على أنّ الروح التنافسية يجب أن تكون مع الذات، لا مع زملاء المدرسة أو الأقران، وأنّ الفهم العميق للمادة العلمية هو الهدف الحقيقي وليس تحصيل الدرجات.

د. توفير الإثراء المعرفي لهم بشكل دائم ومطرد ومتخلِل لكل المناسبات والمواطن.

ذ. تكوين عادة القراءة الذاتية وتحفيزهم عليها، ومناقشتهم مناقشة جادة حول ما قرأوا، مع تنويع الواجبات العملية بين تلخيص للكتب، وشرح للفكرة وإعادة صياغة لها، وإلقاء الفكرة وتبسيطها للأقران، ونقد بعض الأفكار.

ر. ملاحظة المواهب التي تبرز لديهم وتعزيزها، وعدم إملاء تخصص معين عليهم تلميحًا أو تصريحًا، وجعل إعلاء كلمة الإسلام وخدمة رسالته ونفع الأمة هي الغاية التي يبذلون لها ويطلبون العلم لأجلها.

وهذه النقاط العشر يجب أن تحقَق في بيئة تربوية إسلامية صحية، ويجب الاهتمام بالأنشطة الترفيهية وغيرها مما يضمن تحقيق التوازن.

٢- لمن لم يدخل أبناؤهم المدارس بعد:

هنا فإن فرصة التعليم المنزلي (غير النظامي) لا زالت متاحة، ولكن قبل أخذ هذا القرار، يجب التحرير الصادق لبعض الجوانب:

١- يتأكد الأبوان من امتلاكهما الجَلَد، وقدرتهما على تحمُّل الطرق الطويلة، وتمكُّنهم من القيام بدراسة جدوى حقيقية، فلا يجب أن يتحمّسا دون اختبار أنفسهما، أو معرفة حالهما على إثر تجارب سابقة، لأنهما إذا لم يكونا من أهل الجَلَد وطول النَفَس؛ فإنهما بهذا يغامرون بأبنائهم.

٢- اختبار درجة المرونة لديهما، إذ إنّ العلوم التي سيدرسها الأبناء لا يجب أن تتشابه بين الإخوة سوى في الأصول التي هي الإيمان والقرآن واللغة العربية وأصول الشريعة والحساب، بعد ذلك يُسقى كل طفل حسب قُدراته وميوله، فإذا لم يمتلكا المرونة الكافية والقدرة البحثية؛ فإنهما سيقعان في فخ القولبة من جديد.

٣- إمكانية الاستعانة بمربٍّ أو مؤدِب، وتفويض بعض المهام له.

٤- مركزية وجود أنشطة وفعاليات اجتماعية ثابتة ودورية أسبوعيًا، حتى لا يُعزَلوا اجتماعيًا، والتأكد من إمكانية الحفاظ على ذلك الأمر وتضمينه في نسق الحياة ونظام البيت، ووضع آلية واحتياطات لازمة قابلة للتنفيذ حسب كل أسرة للتعامل مع الطوارئ والظروف الاستثنائية، وإفهام الأبناء ذلك ضمن نُسُق تربوية ليس هذا موضع تفصيلها.

٥- القدرة على وضع تصوُّر للمستقبل المهني، سواء بالالتحاق بقسم التعليم المنزلي في المدارس لضمان الصعود المدرسي الذي يتيح لهم الدراسة التخصصية الجامعية، أو التأكد من إيجاد وسائل على الشبكة تضمن لهم هذا المسار.

إذا تم التأكد من إمكانية تحقيق هذه البنود الخمسة، فلهم اتخاذ هذا القرار، وبالطبع مع تحقيق بيئة تربوية إسلامية صحيحة، وإلا إلحاقهم بالمدارس مع تحقيق الاحتياطات العشرة المذكورة آنفًا.

فيتبعون ما تشابه منه

على الرغم من أن الدين كله بُنية واحدة من حيث وحدة المصدر ومقاصده الرئيسة، إلا أن نصوص الدين تتفاوت في درجة وضوحها ومعانيها بين نصوص محكمات -أي واضحة الدلالة- ونصوص أخرى لا يحيط بمعانيها إلا أولو العلم من المتخصصين -أي أنها من المتشابهات-، ولا بد من التأكيد على أن هذا التفاوت لا يكون في مقاصد الدين الكبرى، فأصول العقيدة وأساسيات الشريعة كلها تندرج تحت المحكمات الواضحات التي لا يمكن الاختلاف حولها، وإنما يقع خلاف العلماء دائمًا في تفصيليات الاعتقاد أو الشرائع مما لا يؤدي إلى فُرقة أو تشتت.

بين المحكم والمتشابَه

يقول تعالى في مطلع سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]

يقول الشيخ زَرّوق في كتابه (قواعد التصوف): “وقوع الموهم والمبهم، والمشكل في النصوص الشرعية ميزان العقول والأذهان والعقود”. فالحكمة من وجود المتشابهات أن النصوص التي تثير الشك أو عدم الفهم أو الإشكال، أنه يُظهِر تفريق الناس بين مستقيم ينزعج من سوء الفهم ولكن يصبر حتى يتعلم ويُجاب فتزال الشبهة عنه، وبين المتبع للهوى العجول الذي لا يصبر على الشبهة فيبدأ بالشك أو يتعصب لرأيه ويتسرع في الحكم على الدين كله.

وكما أن النص المتشابه يفرق الناس على مستوى القلوب، فأيضا وجود المتشابه يفرق بين الناس على مستوى العلم، وبالمتشابهات يميز الله الخبيث من الطيب ممن رسخت أقدامهم في العلم وصبروا عليه حتى أوتوه درجات وبين متعالمين يسطحون المسائل العميقة بجهل وتسرع. فالمتشابهات هي حجة الله على الناس أن هذا الدين علم، وأنه لا تفسير لنص مستشكل بلا علم ولا إزالة لشبهة ولا وصول ليقين.

عصر الهوس بالمتشابه

في كل مرة أدخل في حوار مع شخص متشكك يكون له ميل للشك لأنه يعتقد أن اللادينيين أكثر علماً بالدين من عامة المسلمين. وهذا الوهم سببه أن اللاديني لا يُسمِعك ما لا قبل لك به لأنه أعلم منك بالدين، بل لأنه لا يبالي بالمحكم ويبتع المتشابه. وبناء عليه يتخذ اللاديني المعاصر دور المهرج الذي لا يبالي غير بالمشاغبة، أو لاعب الخفة والساحر الذي يفاجئ الجمهور بكل ما هو غريب وجديد عليهم! وهذا في الحقيقة تتبُّعٌ للمتشابهات {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].

أما عن ابتغاء الفتنة فهو تشكيك الناس في دينهم وصرفهم عنه، وأما عن ابتغاء تأويله فهو تفسير القرآن بالرأي والظن لا بالعلم والمنهجية. فمن يتخذ الدين لهوًا ولعبًا، أو وسيلة لإبراز عبقريته الفذة وتفوقه على الأغلبية من المؤمنين، فإنه لا يبالي بالمحكم لأنه لا يبالي بالهداية، وجودها من عدمها لديه سواء، بل كل ما يحلم به هو إثارة الفتن والمشاغبة. فأزمته الحقيقية هي رفض الدين من باب التكبر أو اتباع الهوى أو الحقد على أهله أو حب الدنيا أو غيره.

وبناء على تلك النية العليلة يكون عزمه للطعن والتشكيك والسخرية، ولكن لا يخرج مضمون كلامه عن الرقص حول المتشابهات مع تمام الغفلة عن المحكمات. وبناء عليه، عندما أدخل في حوار مع شخص متشكك يبدأ كلامه بطرح شبهات كثيرة في مواضيع شتى أرفض استكمال الحوار بهذه العبثية، لأن العقيدة درجات من المحكمات الأساسية أولا تبنى عليه بنيان الدين ككل. ومن السخف أن يبدأ الحوار حول ما استشكل فهمه من الدين دون إثبات الألوهية لله وحده، وصحة وجود الغيب، وصحة النبوات، وسائر أمهات العقائد. إذ إن الدخول للدين من باب المتشابه ما هو إلا لهو ومشاغبة، فالهداية في الأسئلة الوجودية الكبرى كلها هي من المحكمات الواضحات.

من العجيب في هذا الزمان أن الدخول للدين من بوابة النص المتشابه ليس دأب اللادينية فقط، بل للأسف الكثير ممن يُعلِمون الناس الدين ينطلقون مع طالب العلم المبتدئ بالنصوص المتشابهات التي كثر الاختلاف حولها على مدار التاريخ. وزيادة عليه، تتحول نية طلب العلم من المنفعة الشخصية إلى وسيلة للجدل والمراء والتصارع مع المخالفين بشكل يصل أحياناً إلى الهمجية وقلة الأدب.

ربنا لا تزغ قلوبنا

وسواء كان من يتبع المتشابه إنسانًا متشككًا أو مسلمًا لا منهجية له في طلب العلم وتعليمه، فإن سبب المشكلة واحد ألا وهو (مرض القلب)! فالإنسان الذي يريد الهداية يجد في المحكَم ما يكفيه، فيبدأ به ليتعلم أصول الدين، ومن يريد أن يستبين سبيل المؤمنين يجد في الشريعة كيفية التعبد على النحو الذي يقربه من ربه. أما اتباع المتشابه فلا يكون إلا للإنسان ذي القلب الزائغ، فلا يبالي بهداية أو استقامة أو انحراف، ولذلك قُرن تتبع المتشابه بمرض القلب، لأنه تفسير للنص ابتغاء الفتنة لا ابتغاء الهداية.

لقد جاء في الحديث الحسن عن الرسول ﷺ: (إذا رأيتُمُ الَّذينَ يتَّبعونَ ما تشابَهَ منهُ فأولئِكَ الَّذينَ سمَّاهمُ اللَّهُ فاحذَروهم) [سنن الترمذي]، فإذا ما تيقن الإنسان في درجات المحكمات الرئيسية من العقيدة سهُل عليه التعامل مع الفرعيات من الشبهات والإشكالات. ولأن هذا اليقين لا يحدث إلا بعد صدق في طلب الهداية بقلب مستقيم لا زائغ، ختمت الآيات بدعاء سلامة القلب حتى يكون المتشابه من الدين هو محل بحث وتعلم، لا محل شك وتكذيب: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}. اللهم آمين..

الحركة النسوية: سجال فكري في ساحات تروم الإصلاح

في زمن بلغت فيه المذاهب الفكرية المادية التي تفسر حاصل ما في هذا الكون كله بالتفسير المادي مبلغًا عظيمًا، وفي ضوء هيمنة النسوية المنبثقة عن الفلسفة المادية في الغرب، واعتلائها مناصب السلطة في محاولة للمساواة بين الرجل والمرأة في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية، تبلورت في العالم العربي والإسلامي بصفة عامة حركات نسوية تتبنى المفاهيم النسوية الغربية وتسعى إلى تطبيق مفاهيمها نهاية القرن التاسع عشر.

طرحت هذه المفاهيم منذ ظهورها مواقف عدة في المجتمعات الإسلامية على اعتبار أن التعاليم الدينية للمسلمين لا تتوافق مع المفاهيم التي تدعو إليها هذه الحركة، فالمؤيد للمرأة والمدافع عن حقوقها والذي يرى أن المرأة مظلومة حاول أن يستقي من الوحي الرباني -القرآن الكريم- ما يدعم موقفه النسوي ويعززه، والمعارض يرى أن هذه الحركة مستوردة تسعى إلى افساد المرأة المسلمة لتخرجها من بيتها إلى مستنقعات الذل والعصيان، من هذا وذاك نشأ السجال الفكري حول قضايا المرأة المسلمة.

ضوابط الخوض في السجال الفكري

أولًا: دعونا نتفق على أن كل من يخوض في هذا الحديث قوله مردود عليه إن صح دليل أقوى من الطرف المخالف له، وبأن كل الأقوال والأفكار التي تم طرحها وصياغتها ليست وحيًا من عند الله تعالى فلا داعي للتعصب وتغليب العواطف.

ثانيًا: نحن لا نناقش الأشخاص، وإنما الأفكار محل حديثنا والخلاف القائم بيننا، لهذا يجب القول: إن تقديس البعض منا للأشخاص على ما هو حق، أقرب طريق إلى التخلف والسقوط بهذه الأمة، واستحضار قاعدة “كل بني آدم خطاء” أقرب طريق للعودة إلى سالف عهدنا وقوة عزمنا وانتشار تعاليم ديننا.

إعمال العقل وحمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وراجحه ومرجوحه، وصوابه من غلطه عن طريق النقد البناء الذي غايته الوصول إلى الحقيقة، ثقافة مكتسبة يجب علينا أن نسعى إليها وقد سبقنا لها علماء الإسلام في الرعيل الأول، فهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: “ما وافق مذهبي من الكتاب والسنة فخذوا به وما لا فاضربوا به عرض الحائط”، وقال: “كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر ، وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ” [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، 2/32]، وبهذا فإن علماء الأمة ومصلحيها كلهم مجتهدين في أقوالهم منهم المصيب ومنهم المخطئ من أصاب له أجران ومن أخطأ له أجر، ولكل جواد كبوة والحق لا ينفرد به بشر إلا أن يكون رسولًا له العصمة والكمال.

ثالثا: ثمة علماء أجلاء يبحثون في “التأصيل المنهجي لقضايا المرأة” بهدف إبراز المنهج الصحيح الذي جاءت به الشريعة الغراء، وفق مجموعة من الدلائل المستقاة من “القرآن والسنة”، لكن ضغط الواقع وطغيان العولمة، جعل تطبيق هذا التأصيل أمرًا أشبه بالمستحيل، إذ أن النظام العالمي القائم اليوم لا يقبل بأي شيء أصله قائم على تعاليم الدين، ومثال على ذلك، الكلام المستمر والتأصيل الدائم لتطبيق الشريعة في البلدان الإسلامية، إلا أن الواقع يقصي تطبيق الشريعة على الدوام.

فكل من خاض في هذا الموضوع لم يصلوا لمبتغاهم رغم جهدهم الكبير، فهم حملوا أنفسهم على قول الحق والثبات عليه، من غير مداهنة أو تلبيس أو خلط الأبيض بالأسود، للحصول على ذلك اللون الرمادي الذي دائما ما يرضي من غلب عليهم الهوى والذين ربطوا قلوبهم بحب الدنيا وملذاتها.

كما وجب على القارئ أن يستحضر كذلك أن محاولة التنظير التي يخوض فيها هؤلاء المصلحين، قد تصبح فكرة قائمة على أسس واقعية في مستقبل الأيام، وقد نُقِل عن ابن القيم كلامٌ بديع ما أراه يصلح إلا لهذا المقام حيث يقول في كتابه مدارج السالكين: “وقد كان الأولى بنا طيُّ الكلام فيه إلا ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله، غير أنا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها.. وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفاً بها فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه”.

فلا تحملنك العاطفة على قول غير الحق، أو اتباع شيخ تحبه على مصلح آخر لا تحبه، وإن وافق كلامه الحق، واستحضر كلام الكاتب إبراهيم البليهي: “إذا بالغت أية أمة في تعظيم فرد واحد من سالف علمائها أو حصرت فهم الحقيقة ببضعة أفراد ممن كان لهم نصيب من التميز أو الشهرة من أبنائها وتوقفت بمعارفها عند إنجازات أولئك الأفذاذ فإنها بذلك تعلن أنها تجهل أصالة النقص البشري الملازم حتى للعظماء المبدعين كما تجهل أن لكل جيل نصيبه من العظمة والإبداع وأن المعرفة الإنسانية عملية تراكمية تنمو باستمرار” [من مقال تقديس الأشخاص أقرب طريق إلى التخلف والسقوط]

إن قضايا المرأة في عصرنا الحالي “في الدول العربية خصوصا” تأخذ الحصة الأكبر من الصراع الفكري القائم بين مختلف الطوائف، وقد استحوذت هذه القضية على عقول المصلحين والمنكرين وكذا المبغضين والناقمين، فحدث السجال، ونشأ الصراع، ومن كل طرف وجهت التهم، فهذا طرف يتهم الآخر بالتحجر والعيش في عصر الخيام وحلب النياق، وآخر متهم بإفسادها وإخراجها من بيتها وحصنها إلى قفص تعيش فيه ذئاب بشرية عطلت عقلها واقتصرت على إعمال غرائزها.

من يخوض في السجال

وبعد أن أثبتنا سابقا المنهج الذي نراه صوابا في طرق التعامل مع صراع الفكرة، وكيف يجب أن ننظر إلى الدليل لا إلى من قال الدليل، وكيف نستقبل الأقوال على أساس أنها قائمة إما على الصحة أو الخطأ. رأيت أن الفرق التي تخوض في التنظير لهذا الموضوع على ثلاثة أقسام سوف أحاول أن أذكرها بشكل موجز من غير تفرع أو توسع في الحديث.

الفرقة الأولى
المنبهرون بالغرب.. وهؤلاء قد قدموا الولاء التام للحضارة الغربية، ويقولون بوجوب اتباع الغرب في كل شيء من أجل تحقيق النهضة، وهم الذين قال فيهم ابن خلدون ” المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب”، وهم أتباع المذهب العلماني والنسوي والليبرالي.. إلخ، وقد يقدم أصحاب هذه الفكرة الغالي والنفيس في سبيل تحقيق طموحات الغرب وإن دعا ذلك إلى زرع جرثومة “الفكرة الخبيثة” في المجتمع الذي تعيش فيه وتأكل من أكل أهله.

هذه الفرقة هي السبب الرئيس في بزوغ الفرق الأخرى، والتي جاءت كرد فعل على الغلو والانحراف الذي تريده هذه الفرقة ذات التبعية الغربية، أو بمسمى آخر الفرقة التي تقدس الغرب في مأكلها ومشربها. فحكمها عند كلا الطرفين ظاهر جلي وانحرافها واضح وضوح الشمس، وهذا من المشترك الذي أجمعت على بطلانه باقي الفرق.

ومن الأفكار التي تدافع عليها هذه الفرقة “النسوية لأنها أساس الموضوع”: جاء في اتفاقية سيداو عدة بنود تهدف إلى التالي: إلغاء الولي في عقد الزواج، المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، إلغاء العدة في الطلاق، منع تعدد الزوجات، السماح للمسلمة بالزواج من الكافر، عدم التمييز بين المرأة والرجل في مجالات العمل، إعطاء الأهلية القانونية للمرأة المماثلة للرجل، إلغاء قوامة الرجل على المرأة…إلخ، ومن هذه البنود التي تم تطبيق أغلبها في الدول العربية نشأ الصراع.

الفرقة الثانية
أحب تسميتها بالوفية للتراث: هذه الفرقة لا تقبل أي شيء أصله غربي، وترفض أن تتكيف مع سير العصر وأهله “السير مع الأفكار الغربية طبعا”، ولا تقبل أن تغير أفكارها أو حتى مزج التراث بالذي قد ينفعها من الحضارة الغربية، فهي لا تبدي للتغيرات الاقتصادية والثورة الصناعية التي غيرت شكل العالم أي اهتمام، إنما فكرتها أن الرجوع إلى الأصل فضيلة، ولا نهضة في شيء جاء من الغرب، فهؤلاء من شدة حبهم لدينهم وتراثهم فضلوا بناء الحاضر بإحياء إرث الماضي.

والأقرب إلى هذا الفكر كلام –”فلان” لا يهمنا تحديد اسم معين بقدر ما يهم أن نتعرف على أفكار الفرقة لهذا فرضا سندعي أننا نتحدث عن شخص معين-، الذي نستشف من كلامه أن غيرته على الدين جعلته يبغض كل قول فيه رائحة من الغرب، طبعا هو لا يحمل النصوص الشرعية على مسايرة قضايا العصر، ومنه نقول إنه يرفض حمل النص على غير ظاهره بسبب مستجدات العصر وتغيراته، وبهذا فهو أقرب إلى تفسير النصوص وفق ما جاء في السنة النبوية من غير أي اجتهاد قد يطرأ بسبب تغير أساليب الحياة، فلو حملت كلامه وذهبت به إلى العصر العباسي أو الأموي غالبا لن تجد مشكلة أو صراع لأن طبيعة الحياة في ذلك الزمان كانت تقبل كلامه.

الفرقة الثالثة
أسميهم “أهل الوسطية والاعتدال” هذه الفرقة تحاول أن تحيي الإرث الحضاري الإسلامي، ولا ترفض فكرة الاستفادة من كل ما هو غربي إن وافق الصواب، ولم يتعارض مع النصوص الشرعية الإسلامية، فكانوا معتدلين في طرحهم حاولوا واجتهدوا في وضع منهج يراعي مستجدات العصر مع الحفاظ على الأساس الديني واعتباره اللبنة الأساس لأي بناء.

ولا نستطيع فهم الوسطية التي تسعى إليها هذه الفرقة بمنأى عن الاستقامة يقول تعالى: “اهدنا الصراط المستقيم” التي تحدد مدى صحة وصواب هذه الوسطية، يقول الرازي في تفسيره لهذه الآية: “إن العلماء بينوا أن في كل خلق من الأخلاق طرفي تفريط وإفراط، وهما مذمومان، والحق هو الوسط، ويتأكد ذلك بقوله تعالى (وكذلك جعلنا كم أمة وسطا) وذلك الوسط هو العدل والصواب، فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مؤمنا مهتديا، أما بعد حصول هذه الحالة فلا بد من معرفة العدل الذي هو الخط المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط في الأعمال الشهوانية وفى الأعمال الغضبية وفى كيفية إنفاق المال، فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الافراط والتفريط في كل الأخلاق وفى كل الأعمال”.

ومع أن هذه الفرقة التي يمكن القول إن –”فلان” لا يهمنا تحديد اسم معين بقدر ما يهم أن نتعرف على أفكار الفرقة لهذا فرضا سندعي أننا نتحدث عن شخص معين– يمثلها تحاول أن تضع منهج يصلح للتطبيق عمليا، إلا أنها قد تخطئ في بعض الجوانب، وقد تفسر الكلام على غير ما وضع له، لأنها اختارت الطريق الأصعب وسارت على خيط رفيع يمكن أن تسقط منه في كل حين، والأعين على هذه أقوى لأنها تقوم على رؤية مستقبلية ممنهجة، وكأنها طفل يتعلم السير لا يستعجله ولا يتركه يحاول مرة بعد مرة حتى يجد نفسه في طريق الحياة.
في مسألة القوامة وعمل المرأة التي خاض فيها أصحاب هذه الفرقة كان الميل إلى سير الأحداث العالمية ووضع المرأة في العصر الحالي أقرب، بحيث إن الأدلة التي صاغها أصحاب هذه الفرقة لم تكن قوية بل لا تصلح للاستدلال في بعض المواضع، وكان الأولى أن نرى الصورة من زوايا متعددة، ونقول إن الفكرة التي بسببها نشأة مسألة ضرورة عمل المرأة في العصر الحالي بسبب الظروف المحيطة بها، كان سببها هضم حق الرجل وإقصاءه من ميدان الشغل، والذي نراه اليوم من عزوف الشباب عن الزواج مثلا هو بسبب هذا التداخل حيث أصبح ميدان الشغل 50% من الإناث، و50% من الذكور وفي بعض الأحيان تكون نسبة الإناث أكبر من نسبة الذكور وهذا طبعا ليس أمرًا عاديًّا أو صدفة يمكن أن نغفل عنها، بل هو أمر مدبَّر بليل.. وإنه لا حرج في عمل المرأة لكننا نسأل أنفسنا وإياهم: هل هذا هو الأصل؟

أليس في عمل الرجال اكتفاء ذاتي للمرأة المسلمة؟ أليس من الصواب أن نتحدث عن الموضوع من كل جوانبه من غير إقصاء أو ميل لطرف من الأطراف؟ ألا يجب أن نقول اليوم هل في تحسين دور الرجل تحسين لحياة الأنثى؟ وهل الاهتمام المطلق بقضايا المرأة المسلمة من غير أن نصحب الظروف التي يعيشها الشباب المسلم أمر صواب؟ أم أننا يمكن أن نصلح حياة المرأة بمعزل عن الرجل؟

إن الكثير ممن يخوض في التحليل والتمحيص والتفسير لقضايا المرأة المسلمة، يرى بمنظار ضيق لا يستوعب جميع الزوايا، وهذا التوجه الأحادي جعلنا نقع في مشكلات خطيرة تجمع بين معاناة الرجل والمرأة، والحق أنه لم يكن علينا التفريق بين هذين المركبين لأن الأول يكمل الثاني وسقوط أحدهما يؤدي تلقائيا إلى سقوط الثاني.

مدخل حول قضية تشكُّل الوعي

تُشير كلمة الوعي في معهودِ الاستخدام العربي إلى معانٍ تدُلُّ على ضَمِّ الشيء؛ كالحِفْظِ والفَهْم والقَبُول والإدراك التَّام ونحو ذلك، بينما يُشير معناها في المعهود الفِكْري والثَّقافي إلى معانٍ متعدِّدة.

مصطلح الوعي بين اللغة وتطور الدلالة

حيث إنَّ كلمة الوعي قد أخذتْ حظَّها من التطَوُّر الدِّلالي، فأصبح لهذه الكلمة مدلولات مختلفة بحسب الحقل التي هي فيه، والمعنى الذي أُريده هنا، هو ما يُشير إليه أ.د. عبد الكريم بكَّار في كتابه: “تجديد الوعي” بقوله: “إنَّ الوعي محصِّلة عمليات ذهنية وشعورية مُعَقَّدة، فالتفكير وحده لا ينفرد بتشكيل الوعي، فهناك الحَدْسُ، والخيال، والأحاسيس، والمشاعر، والإرادة، والضَّمير، وهناك المبادئ والقيم ومرتكزات الفطرة، وحوادث الحياة، والنُّظُم الاجتماعية، والظُّروف التي تكتنف حياة المرء. وهذا الخليط الهائل من مكوِّنات الوعي يعمل على نحو مُعَقَّدٍ جدًا، ويُسْهمُ كل مكوِّنٍ بنسبة تختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، مما يجعل لكل شخصٍ نوعًا من الوعي يختلف عن وعي الآخرين”.

هذا النص يوضح لنا أن الوعي حال يشترك في تكوينه عدَّة مُكَوِّنات متضافرة، كما أنَّه هو المرتكز الأساسي الذي يحكم تصرُّفات الإنسان التفكيرية، والسلوكيّة، والتعامليّة، وإذا ما أردنا أن نُقَرِّبَ مدلول الوعي لأذهاننا، علينا أن نبحث وراء ما نُطْلِقُ عليه وعيًا، فإنَّنا في كثيرٍ من الأحيان قد نَصِفُ بعض الأشخاص بأنَّهم “واعون”، ونقصد بذلك: سلامة إدراكهم، وسداد فهمهم، وجودة نباهتهم، التي جعلتهم في حالة من اليقظة والتَّبَصُّر تُمَكِّنهم من إدراك الوقائع والحقائق والمستجدات والمؤَثِّرات، والتعامل معها بشكل أكثر كفاءة.

إننا في الحقيقة لا نتعامل مع الوعي من حيث هو هو، أي: لا نُطْلِق وَصْفَ الوعي ونُريد به مدح مُكَوِّنَاته، ومدى جودة تأثير كُل مُكوِّن في إنضاج وعي مَن وصفناه بالوعي، وإنَّما نتعامل معه من حيث إفرازاته وما يدُلُّ عليه من مؤشراتٍ ملحوظة.

 

عبد الكريم بكَّار

من الطفولة إلى الرشد.. رحلة الوعي

إنَّ رحلة الوعي تبدأ منذ مراحل مُبِكِّرة من حياتنا، بل تبدأ قبل أن نُوْجَد في هذه الحياة، وذلك إذا ما اعتبرنا مدى صلابة تأثير البيئة في تشَكُّل وعينا وإنضاجه، فإنَّه من الملاحظ تمامًا أنَّ وعي الوالدين -ومَن يقوم مقامهما من الـمُرَبِّين-، والبيئة التي يُوجِدَانها لأبنائهما، وما يُحيط بتلك البيئة المُهيَّأة، والنُّظُم الاجتماعية التي تحكم عادةً، والعقل المجتمعي السائد؛ هي من أوائل المكوِّنات التي تُحَدِّد الخطوط الأولى والعريضة لسَيْر وعينا، شيئًا فشيئًا يدخل وعينا إلى مراحل متقَدِّمةٍ من التعقيد والتركيب، حيث تبدأ هذه النَّفس بما أودع الله تعالى فيها من خُلُقٍ وطِبَاع بالتفاعل مع الواقع الخارجي، فتنشَأ لدينا الإرادة والشَّهوة (الرَّغبة)، والعِبْرَة والخبرة، وطُرُق العيش والكَسْب، وأمور متعدِّدة تعود على تكوين وعينا بالأثر الكبير الملموس، وقد يكون تأثير كل مُكَوِّنٍ من هذه المكوِّنات مخْتَلِفًا بين شخص وآخر، وفَرْقُ نِسَبِ التأثير له ارتباطٌ بأسباب أخرى، إلا أنَّ المقصود: أنَّ الفَرْقَ في تأثير هذه المكوِّنات على النَّاس -بل وجود بعضها من عدمها- هو ما يُوْجِدُ اختلافهم الظاهر في درجات الوعي والإدراك، ومدى امتياز بعضهم عن بعض في جودة التفكير، وسلامة الفَهم، وتماسُكِ المنطْقِ، ومعيارية المحاكمة العقلية، وحُسْنِ رَدَّاتِ الفعل..

وهذا يعني أنَّه من الأمور اللَّازمِ إدراكها: ضرورة توفير ما يستطيع الإنسان توفيره من أسباب الوعي والإدراك، بِدْءًا بنفسه، ثُمَّ لأهله، ثُمَّ لمُجتمعه، ليُحَقِّق له وعيه هذا: انكشاف الحقيقة والصواب، ويُبْعِده عن الزَّيْفِ والعِماية والخِداع، فيغدو تفكيره رشيدًا، وسُلوكه مُتَّزِنًا، وفهمه لما حوله سديدًا، وردود أفعاله حكيمةً منضبطة.

وعينا في زمن العولمة

ونحن إذا تساءَلنا اليوم، ما هي الأمور التي تُشَكِّل وعينا وتؤثِّرُ فيه؟ وهذا في الحقيقة سؤال في غاية الأهمية، لا سيَّما ونحن في عصر العولمة، العصر الذي تماهت فيه هوية أُمَّة الإسلام بهويات الأُمم الأخرى، وانتقلت إلينا كثيرٌ من الأسباب التي أثَّرت في تشكيل وعينا كما ينبغي، فالمسلم -بلا شك- يمتلك أكبر مُقوِّمَات الوعي، وهو: الوعي الإيماني الذي يُشكِّل مرتكز الوعي وأساسه، والذي يُبْنَى عليه غيره، وليس حديثنا هنا عن مُقوِّمَات الوعي المسلم، فهذه القضية حقُّها أن تُفْرَد بالكتابة، لكن نُشير إشارة تُصَحِّحُ قولنا: بأنَّ المسلم يمتلك أكبر مُقوِّمَات الوعي، لننتقل إلى المقصود من هذا المقال.

فنقول: إنَّنا إذا تأمَّلنا فيما يبحَثُ عنه المفَكِّرون والفلاسفة، فإنَّنا سنجد أنَّهم يبحثون عن الحقائق وراء مجموعة من الأسئلة المركزية، والتي يُعتبر إدراك جوابها مُلِحًّا وضروريًّا للغاية، فمن أهم تلك الأسئلة: الأسئلة الوجودية، وهي التي تتعلَّق بالسؤال حول حقيقة الوجود (المبدأ والمصير)، وحقيقة الهوية (من أنا)؟، وحقيقة الغاية (لماذا نحن هنا)؟، وغيرها من الأسئلة الضرورية التي يمتلكُ المسلم إجابتها الإجابة الوافية الشافية فيما أنزله الله في وحيه.

إن حقيقة الوجود (الكون) قائمة على أنَّه مخلوق مكانًا وزمانًا، وأنَّ له خالقًا خَلَقَه، ولم يَخْلُقْه الله تعالى لا عبثًا ولا لهوًا ولا لعبًا، بل خَلَقَه لغاية وحكمة بالغة، وأنَّنا إليه راجعون، وأنَّ وراء هذه الحياة حياة أخرى.

وحقيقة الهوية: أنَّنا بشرٌ مخلوقون، عابدون لله تعالى ومكَلَّفون من قِبله، خلقَنَا فأحسن خَلْقَنا، وقدَّر مقاديرنا، وكتب آجالنا وأرزاقنا، ونحن في الختام إليه صائرون.

وحقيقة الغاية: أنَّنا خُلِقنا للعبادة والابتلاء (الاختبار).

فهذه الحقائق الضرورية مُبَيَّنة للمسلم في وحي ربِّه غاية البيان، إلى جانب حقائق أخرى لا تقِلُّ عنها أهمية، وهذا يُؤكِّد أنَّ لدى المسلم وعيٌ إيمانيٌّ يُوصله إلى الحقائق في صُلْبِ القضايا الملحَّة والتي يَضِلُّ فيها كثيرٌ من النَّاس، سواءً كانوا من المتَّبعين للشرائع السابقة كاليهود والنَّصَارى فإنَّ ما وقع في دينهم من التبديل والتحريف أفقدهم البلوغ للحقائق الإيمانية بالقَدْر الذي عند المسلمين، فقلَّ وعيهم الإيماني بتلك الحقائق، فاليهود قومٌ غَضِبَ الله عليهم، والنَّصَارى قومٌ ضلّوا بعد إذ جاءهم العلم والوحي، أو كانوا من المتنَكِّرين للدِّين كالملاحدة ونحوهم، فهؤلاء جميعًا فاقدون لهداية الله وإرشاده، وكان الحظُّ الأوفر في تمام الحقائق إنَّما هو للمسلمين.

من هنا فإننا نقول: إنَّ المسلمَ يمتلكُ أكبر مُقوِّمَات الوعي المتكامل؛ لأنَّ الوعي الإيماني هو الأصل الذي يكشف للإنسان الحقائق الوجودية، فيَبْنِي عليها كل شؤون وعيه، ويُفَرِّعها على ذلك الأصل، الذي هو في ذات الوقت: وعيٌ مستقل ومعيار حاكم، وحينها تنكشف كثيرٌ من الأمور الحياتية الجزئية، ويصل المسلم فيها إلى تمام الوعي والرَّشاد، لينعم بحياة الحقيقة في هذه الدُّنيا.

والمقصود: أنَّ الأصل الذي ينبغي أن يُشَكِّل وعينا لابُدَّ وأن يستند فيه المسلم إلى الوحي، بحيث يكون الوعي الإيماني هو أحد مكوِّنات تشكُّل وعي المسلم الأساسية، فإنَّه الكاشف له عن تفاصيل شأنه حقيقةً، وما يحتاج إليه في هذه الحياة: اعتقادًا وإيمانًا، فِكْرًا ورشَادًا، سلوكًا وتعاملًا، معيارًا وتحاكمًا، وأنَّه في الحال الذي نبتعد فيه عن الوحي أو (الوعي الإيماني) في بناء وعينا وتشكُّله سنبتعد بقَدْر ذاك البُعد -أو أكثر- عن أن يكون وعينا مُحَصِّلًا للحقائق بصورتها الهادية إلى الحق والصواب.

“الإسلام” والأسئلة الوجودية

في نهاية القرن 19 ميلادي ظهرت في الدول الغربية عدة مذاهب فلسفية معاصرة تروم البحث في الأسئلة الوجودية، على نحو من خلق الكون؟ ما الوجود؟ ما الإنسان؟ من أين أتى -الإنسان- وإلى أين هو ذاهب؟ هل هناك بعث وجنة ونار؟ ما حقيقة ومحددات الخير والشر؟ ما معنى الحياة؟ وعلى شاكلتها من الأسئلة التي حاول كل تيار من هذه التيارات الفلسفية من قبيل –الماركسية، الداروينية، البراجماتية أو الفلسفة العملية”، العلموية، الليبرالية– أن تجيب عن هذه الأسئلة وفق مبادئ تستمدها من أصول فلسفتها.

الجواب عن السؤال.. ما الذي جرى؟

بالنظر إلى الفلسفات الغربية التي قطعت صلتها بالسماء واعتمدت على تحليل وتفسير الكون وظواهره الاجتماعية تفسيرا حسيا ماديا، نجد أنها قد أفسدت الإنسانية والإنسان الذي ينضوي تحتها إلى حد تعطيل فكره وعقله، وأبعدته عن أصل نشأته وعن الحكمة من خلقه وحقيقة عبوديته لله، ونرى ذلك في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات]، إلا أنّ الإنسان أصبح مادِّيًّا شهوانيًّا لا يفكر سوى في اشباع رغباته الجنسية والجسدية.

في حين نجد أن الدين الإسلامي الذي بعث به محمد ﷺ قد وضع للإنسان ضوابط يقصُر العقل البشري عن رؤية أو تصوّر ما بعدها -من الغيب- وأجاب عن بعض هذه الضوابط الغيبية الوجودية التي انحرف غيرنا وهو يحاول الإجابة عنها.

الأسئلة الوجودية في القرآن الكريم

لنبدأ مع السؤال الأول: مَن خلق الكون؟

يقول لنا الله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” {فصلت: 5-9].

هذه التفاصيل الدقيقة أجاب عنها القرآن الكريم قبل أن تظهر هذه الفلسفات وبشكل يصعب على العلم اليوم أن يدركها كلها، ففي الآيات الكريمة أشارت إلى عدة حقائق كونية، منها خالق الكون، وأصل تكوينه ومما يتكون.

أما السؤال الذي يبحث عن الإنسان، فإن الله يوضح لنا ويجيبنا في القرآن الكريم، فنجد أن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة ص: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72] وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون، 12 – 14]. وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب} [الطارق: 5-7]

فهذه الآيات الكريم تؤكد حقيقة خلق الإنسان وتدحض قول الدارونية التي تقول بتطور الإنسان، وههنا نص صريح عن أطوار خلقه سبحانه وتعالى لهذا الإنسان وعن أصل المادة التي كون منها، مما لا يعطي مجالا لشك.

الإنسان وسؤال المصير!

إن كان الله قد أوضح جواب سؤال من أين أتى الإنسان؟، فما الذي يوضحه لنا القرآن في السؤال عن أين هو ذاهب؟

يقول تعالى: {وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 155 -156] يقول القرطبي في تفسيره: “جعل الله هذه الكلمات وهي قوله- تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون) ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله {إنا لله} توحيد وإقرار بالعبودية والملك وقوله (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له”

فحقيقة الإنسان توضّحها هذه الآية التي تبين أنّه مخلوق وعبد لله، أوجده من عدم فأمره بأن يعبده ويقيم شرعه على أرضه ويحفظ أمانته، لقد خلقه ليعبده وإليه صائر يوم القيامة.

وهذا السؤال، لا بد لتوضيحه من الوقوف عند مسائل أخرى، كالبعث والجزاء والحساب، فما الذي يقدمه لنا الله إجابات عن هذا؟ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحـج:5-6]، وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 123 -124].

هذه التفاصيل الربانية عن يوم البعث من قيام الأجساد والأرواح من مرقدها بعد موتها حينما يأذن ربها، كلها تفاصيل غيبية لا يدركها العلم وقد حددها لنا الله سبحانه وتعالى وأخبرنا عنها في محكم تنزيله.

الإنسان ومعنى الحياة في القرآن

يفيض علينا الله في بيان معنى الحياة والغاية من خلق الإنسان، فيقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]

وفي الجواب عن السؤال المركزي (لماذا خلق الإنسان؟) الذي يدور حوله البحث المعرفي، وبه يتحدد دور الإنسان في هذه الحياة، يقدم الله لنا الإجابة بأن الإنسان لم يوجد ليأكل ويشرب ويرضي رغباته الشهوانية، بل إنه خُلق لشيء أكبر من ذلك؟

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فحقيقة خلق الإنسان هي إعمار الأرض وعبادة الله سبحانه وتعالى.

هل قيَّد الإسلام حرية العقل؟

بالنظر إلى التعاليم والضوابط التي جاء بها الإسلام، نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة الأركان خالية من كل عيب منفردة بكمالها عن غيرها، كيف ذلك؟ الدين الإسلامي نظام بديع يتميز منهجه بمسائل وقضايا غيبية توقيفية أمرها إلى الله هو الذي تكفل بها وأمر عباده بها، وهناك مسائل وأمور اجتهادية ترك للإنسان البشري مجال البحث فيها.

فالمسلم في العقائد التوقيفية يعتقد بأن الإسلام ينبني على خمسة أصول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، إقام الصلاة (وهي خمس صلوات في اليوم والليلة)، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت (من استطاع إليه سبيلا)، أي للقادرين على ذلك.

كما يحدد له الإسلام أركان الإيمان التي يعقد قلبه عليها، فهو يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره.

وعلى الجملة هناك أمور توقيفية من الله سبحانه وتعالى ضبط بها الله سبحانه وتعالى علاقة العبد بربه وعلاقته مع غيره من البشر فأمر بالصدق وحذّر من عاقبة الكذب، وأمر بحفظ الأمانة ونهى عن تضييعها وعلى نحو ذلك.

وبعد أن وضع الإسلام للمسلمين الضوابط في ثنايا الكتاب “القرآن الكريم” والسنة النبوية، ترك المجال مفتوحا للعلماء المسلمين للاجتهاد والإبداع، ولهذا وُجِد الاختلاف وتعددت الأقوال في الفقه وغيره من العلوم، وعلى هذا تميزت الحضارة الإسلامية عن غيرها من الحضارات، مما أخرج لنا علماء أبدعوا في مجالاتهم، فابن الهيثم مثلا أبدع في مجال البصريات، وعباس بن فرناس ساهم في مجال الطيران، وأبو القاسم الزهراوي كان له الكثير من الفضل في علم الجراحة، وغيرهم كثير قدموا للإنسانية علوما تنعم بفضلها اليوم، بينما كانت أمم كثيرة في أوروبا تقبع في الظلام الدامس.

وهذا التقسيم الثنائي الذي نجده في الإسلام يساهم في الحد من هذه الموجات الإلحادية في العالم الغربي، إذ أن غياب الأصول الثابتة وفتح المجال للعقل على مصراعيه دون وضع ضوابط معينة له يقود الإنسان إلى العبثية والتخبط في ظلمات الإلحاد والمذاهب المادية الهدامة، والحرية إن أطلقتها من قيودها وجعلتها تسبح من غير قيد أو ضابط، تؤدي إلى الفوضى التي تقضي على المعاني الجمالية في الحياة الإنسانية، ومن حسنات الإسلام وفضائله على الإنسانية إجابته لهم عن الأسئلة الوجودية الغيبية التي تشغل مجالات تفكيرهم العقلي بنص آيات كتابه الكريم، وفتح لهم بالتوازي مع ذلك مجالا واسعًا للإبداع تحت رايته.

بين الشرق والغرب: الحجاب.. هويّةٌ أم غطاء اعتيادي؟

بمناسبة كاليوم العالمي للحجاب، تجد عند تصفحك أيها القارئ الكريم لصفحات الانستغرام والفيسبوك عشرات المنشورات يتذيلها وسم: #الحجاب، أو #حجابي-هويتي وما شابه. لكننا قليلًا أو نادرًا ما نصادف منشورًا لوضعية “البؤس الاجتماعي” التي أصبحت تعانيه المحجبة، أو على الأقل أصبحنا أكثر وعيًا ودرايةً بهذا الأمر الآن سواء ببلاد العرب أو ما وراء البحار!

 مجموعة من الأسئلة المهمة سنحاول أن نسلط عليها الضوء في هذا المقال من قبيل:

ما الأشكال التي يتخذها “البؤس الاجتماعي” السالف الذكر ضد المحجبات سواء في البلدان العربية أو الغربية؟

كيف بإمكانك كمحجبة أن تحاربي تغلغل هذا البؤس إلى داخلك، حتى تتمكني من محاربته وسط المجتمع؟

ما (وضعية المرأة المحجبة في بلاد ….؟) حيث من الممكن أن يذهب عقلك دون أن تشعر ليملأ الفراغ باسم دولة غربية أي كانت! لكن العجيب، أن نتحدث عن موضوع كهذا في بلد من البلدان العربية الإسلامية التي تعترف بسيادة الإسلام على باقي الأديان بين مواطنيها.

من عجائب الزمان

العجيب أن تسمع عن العنصرية تجاه مسلمة محجبة في بلدها وبين إخوانها! يتجلّى ذلك بداية في أوساط العمل التي تعتبر غالبيتها أن قيمة المرأة في “قشرتها الخارجية”، حيث تُستبعد كل مقومات المرأة الفكرية والثقافية والعلمية -والتي يجب أن تكون محور العمل في الأصل- ويتم تركيز الاهتمام على غطاء الرأس الذي تضعه المرأة ساترًا لها، ومن المؤكد أنه لا يهمهم في ذلك أكان حجابًا عن قناعة أو التزام.. كل ما يهمهم أن يبقى هذا الفرض الديني والشعيرة التعبّديّة خارج نطاق العمل، بدون تقديم أسباب أو مبررات لهذا الشرط الإلزامي.

إن تقدير “القشرة الخارجية” الذي ذكرت سابقا، وامتهان المرأة أو اعتبارها كسلعة في أوساط العمل خاصة في الشركات، يظهر منذ الإعلان عن الوظيفة المطلوبة فيما يسمونه بـ (موظفة حسنة المظهر). وهذه الجملة، التي أصبحت عنوان كل لافتة يعرض فيها إعلان لوظيفة شاغرة، يندرج تحت بنودها في كثير من الأحيان -عند بعض الجهات- شرط خلع الحجاب وإدراج القميص المفتوح كلباس رسمي..

وهذه الشروط -بالنسبة للمحجبة خاصة- انتهاكٌ لحقوقها وانعدام في احترام فريضة الله على النساء، وكذا عدم احترام لشخصها كإنسانة حرة بحجابها! ثم إنه انتهاك للأنثى بصفة عامة حيث تقدم لها صورة عن العمل تحت عنوان: “لا يهمنا عقلك ولا دينك ولا أخلاقك، وإنما شكلك وهيئتك الخارجية”، وكأنها بذلك تبيع نفسها وجسدها لا أنّها تستثمر في عقلها و قدراتها!

من جهة أخرى، نسمع بين الفينة والأخرى عن أسماء لأشخاص يبرزون في مجالات معيّنة في حقوق الإنسان، كالدفاع عن حقوق السود في أمريكا؛ فهذه الطائفة التي تعرضت للإقصاء والتهميش وأشكال العنصرية، فالشخص الأسود في درجةٍ سفلى مقارنة بالأبيض، كما أن الأخير -في أزمان ليست بعيدة- كان يحق له أن يأخذ مكان الأول في المواصلات، وأنهما لا يجتمعان في مطعم واحد.

في يومنا هذا، ما زالت سمات العنصرية قائمة، ولكن بشكل “مزخرف”، “حديث”، أو صفه بما تشاء. اليوم، وفي عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما زالت بعض المطاعم والصالات تمنع ولوج المحجبات إلى خدماتها! ومن ذلك نموذجا لشابة مغربية محجبة تعرضت لحادثة مما ذكرت، حيث رفض موظف استقبال في إحدى المطاعم المرموقة دخولها المطعم لأنها ترتدي الحجاب! السؤال الذي قد يقع في ذهن القارئ عند هذه النقطة: ماذا لو لم تكن هذه السيدة مشهورة إعلاميا؟ ماذا لو لم يكن لها متابعون كثر على مواقع التواصل الاجتماعي يدعمون صوتها ويؤيدونها في مجابهة الظلم الذي تعرضت له؟ كم من محجبة تعرضت لنفس الموقف ولم تجد سندًا أو داعمًا لها؟ وهذا ببلاد العرب فقط، فماذا عن نظرة الغرب للحجاب؟

ديمقراطية أم ازدواجية في المعايير؟

قد يكون من البديهي اليوم أن نسمع عن حالات التنمر بسبب لون البشرة أو شكل الوجه أو أي شيء آخر، لكن أن تقع نساءٌ ضحية للتنمر والسخرية والاستهزاء بسبب الحجاب الذي يضعنه على رؤوسهن، في بلدان الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذا مما يثير الغثيان!

لقد أصبح من الطبيعي اليوم في كثيرٍ من تلك البلاد أن تسمع المحجبة قول الناس: “انظروا إليها، إنها تضع غطاء على رأسها”، “إنها لا تمتلك أذنين مثل باقي النساء”، “لقد جاءت الإرهابية”…إلخ، وغيرها من الأقوال المستفزة التي قد تحسبها هراء وافتراء للوهلة الأولى، لكن شهادات لأخوات عايشن وعشن ظروفا كالتي ذكرت تؤكد ما تقدمت بقوله.

في إحدى المقالات التي سبق لي قراءتها بعنوان “المحجبات في ألمانيا ليس لهن آذان”، يكشف الغطاء عمّا تخبئه وسائل الإعلام الغربية من اضطهاد للمسلمات المحجبات على يد الألمان -كمثال فقط-، وتقول الكاتبة في وصف جهل الغرب بحياة المرأة المسلمة: “تفاصيل صغيرة عن امرأة عادية لم تكن لتثير اهتمام أي أحد، لكنها تبدو مثل أخبار الصفحة الأولى عندما تصدر عن امرأة مسلمة”! كما تكشف عن المغالطات والأفكار النمطية التي تعشش في رؤوس الأوروبيين تجاه المحجبات ككون المرأة المسلمة غير جميلة ولا تستعمل مواد التجميل، أو أنها إنسانة “جاهلة” ومضطهدة من قبل الذكور في محيطها.

كما سبق وذكرنا حالات العنصرية في البلدان العربية تجاه المحجبة، فإنها لا تخفى ولا تقل ضررا في بلاد الغرب. وأولها في مراكز العمل، إذ تقابَل الفتاة/المرأة المحجبة في أغلب الحالات -إن لم تكن جميعها- بالتخيير بين حجابها والوظيفة التي قدمت عليها.

ونعود مرة أخرى للمقال آنف الذكر، حيث يعبّر عن حياة كاتبته من واقع تجربتها في ألمانيا، فتقول في ذلك: “يتم رفض الطبيبات والممرضات المحجبات في نفس المشفى الذي يتم فيه قبول عاملات تنظيف محجبات! كل المهن مقدرة ومحترمة طبعا، لكن هذا السلوك العنصري ينبع من فكرة أن الأوروبيين لا يتحملون وجود المحجبات في مهن مرموقة مجتمعيا. ويقبلون تماما بوجودهن في مهن يعتبرونها دونية، لأنها بنظرهم تتناسب مع مكانة المحجبة الدونية”.

 هذه الشهادة ما هي إلا نزر يسير مما يقع، وأغلبه لم يصل إلى أسماعنا وعقولنا إلى الآن إلا ما تم التعبير عنه وإيصاله بصورة واضحة خالية من أي مؤثرات إعلامية، وما خفي أعظم! في حالات كهذه، تنتظر المرأة أن تتلقى الدعم من امرأة مثلها، دعمًا معنويا نفسيا في مقدمته، فإذا بها تُفاجأ بطائفة جديدة تسمي نفسها “النسوية” وتدعي الدفاع عن حقوق النساء وإيصال أصوات المضطهَدات، إلا أن هذه الأصوات ترتفع بما مفاده بأن الحجاب تهميشٌ لعقل المرأة، وتخلُّف ورجعيَّة، ومفتاح الحداثة خلع الحجاب! فلا تجد المحجبات من صوت لإيصال معاناتهنّ سوى أصواتهن أنفسهن.

نصائح على طريق الحلّ

كان من بين العبارات الراسخة في ذهني، تلك التي قالتها ناشطة حقوقية في مظاهرة بألمانيا ضد قرار منع الحجاب بأماكن العمل: “المساواة مع الرجال! نريد أولا أن نحصل على المساواة مع النساء غير المحجبات في أماكن العمل” هنا دائما ما أطرح سؤالا: هل المرأة المحجبة ليست امرأة في نظرهم؟!

استفهام قد يوحي بالسخرية، لكنه مثير للنقاش بحق.

وأخيرًا، كما هو معلوم لدى الجميع، فإن وصف الواقع وصفا مأساويا والحقد على من ساهموا في جعله بهذا الشكل لن يحرّك حجرًا في طريق الإصلاح، ولن يساهم في نقله من المأساوية إلى الوردية أو إلى الأفضل. ولكن ما يهمنا- والمحجبات خصوصًا- هو أن تعملي على نفسك بداية، فبتغييرها تتغير نظرتك لمحيطك. كيف؟

أولًا: اعلمي عزيزتي أن أول من يحتاج أن يصدق ويؤمن بدورك وقيمتك هو أنت؛ فاعترافك وإيمانك بمبادئك وثباتك عليها رسالة إلى من حولك بمدى قوتك الداخلية، وليس الحجاب سوى مثال عن هذه المبادئ.

ثانيًا: لا تكوني عدوة نفسك؛ عندما تقتنعين بدور الضحية وبتجبّر آراء الآخرين عليك، وأن كل من هبَّ ودب بإمكانه التطاول عليك، فأنت قد كسرت أقوى ما فيك واستسلمت لطاغوت البشر الذي هو زائل لا محال.

أخيرًا: أنت لست شكلًا فقط؛ أنت ذات مستقلة عما حولك، وما تلبسينه هو جزء منك ويمثّل هويتك، وخضوعك لأوامر الخالق. تعاملي مع ذاتك على هذا النحو، ولا تحصريها في آراء الآخرين التي ما تنفك تتغير، خاصة حينما ترى ردة فعلك. كل ما في الأمر أن القضية مسألة أفكار؛ فإن اقتنعت بأن الحجاب عائق أمام نجاحك، فستجدينه كذلك، وإن وضعت لنجاحك معاييره الصحيحة، بعيدًا عن مادية المجتمع، فتضعين رضا الله عز وجل في مرتبة الأَولى والأُولى، فستغرسين الرضا بداخلك قبل أن تريه في عيون المحيطين بك.

 جدّدي العهد مع ربك وفي كل لحظة مع نفسك، بأن الحجاب ليس مجرد مظهر نتزين به، هو إيمان وهوية وقوة، وكفى!

مآلات الهوية الحداثية في عالم متسارع

لنفهم قضية الهوية حق الفهم لابد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة، وسلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني عقل توليدي يبقي ويضخّم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان هو في صميمه رؤية للكون.

الهوية.. كيف تتشكل ذواتنا؟

إن هوية شعب ما تتشكّل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه، فعقولهم التوليدية تبقى وتستبعد وتضخّم وتهمّش، وكذا هويتهم فإنها تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم.

من هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي. ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها “علمية”، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعنى استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تُدرَس الظواهر الطبيعية. ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تمامًا، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.

إنسان السيولة المعولَم..

لقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره “الإنسان الطبيعي”، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة أضيفت إليه من قبل الحضارة التي تحيط به، أي أنها ليست أصيلة فيه. وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليًّا، وتغدو مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

“هذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية -التي توصَف بأنها عقلانية مادية- كما تعبّر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي، الذي لا يعرف الحدود أو الهويّة أو الخصوصيّة وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والتضحية. ولذا نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة”(١).

الهوية في العصر الحديث بين الفردانية والجماعية

إن الفصل بين الفرد والمجتمع، والحديث عنهما كأنهما قوتان منفصلتان أو معسكران متقابلان هو من عيوب البحث النظري الذي يتصور حالات وقضايا لا وجود لها في واقع الأمر، لأن المجتمع هو مجموع أفراده، وكذا فإن الواقع المحسوس هو أن كل فرد هو في ذات الوقت كائن مستقل وعضو في جماعة. “ولذلك لا يمكن فهم حياة فرد، ولا تاريخ مجتمع دون فهمهما معاً [….]، يسعى كل فرد أن يكون ذا قيمة عند الآخرين وبالتالي فإن هذه القيمة تكمن في أحكام الآخرين. إن الشعور بالكينونة والوجود يكون من خلال تلك القيمة التي يمنحها الآخر بأحكامه، وهي أحكام دالة وجديرة بالاعتبار. أن يكون المرء كائنًا ما من أجل الآخر عملية تترجم الرغبة في تلك الهوية على نحو قطعي” (٢).

وهنا “تظهر المشكلة في أن هشاشة العبقرية تكمن في حاجتها إلى جمهور. وتلخص هذه العبارة إحدى معضلات الوجود الاجتماعي، فالفرد لا تترسّخ لديه العديد من السمات إلا بفضل الاعتراف الخارجي بها، اعتراف الآخرين، وكثير من تصورات الإنسان عن نفسه هي انعكاس واعٍ أو مشوّش أو ناقص أو مختزل عن تصورات الآخرين عنه” (٣) من أجل هذا “نجد أنفسنا في أحوال كثيرة في مأزق (تمثيل النفس)، بمعنى ما مدى مصداقية ما أعتقده عن نفسي وما يعتقده الآخرون عني، وتكمن صعوبة المأزق في التناقض الأبدي بين رغباتنا في الحصول على الإطراء وربما الشهرة والمكانة والاحترام وبين قدراتنا ومؤهلاتنا الشخصية، عند التعامي والانجرار خلف الرغبات تتضاءل المشكلة لدينا ونتحوّل لكائنات بائسة ومستلبة للآخرين وجاهلة بذاتها” فالنفس الحديثة لا تمتلك أي مضامين صلبة عن ذاتها لأنها تعاني من تعويم نفسي وتعيش في مرآة فارغة تستدعي قدرًا أكبر للإرشاد، و”المفهوم الحديث للهوية ينبع من تقدير الذات وأن الذات الداخلية لها قيمة، وأنها ليست مطالبة بالخضوع لقواعد المجتمع، بل إن المجتمع هو الذي يجب أن يتغير، وعليه تصبح الهوية سمة عالمية للشخصية البشرية التي تتوق إلى الاعتراف والإيمان بها”.

العصر الحديث وهوية التقدم

لقد أعلى العصر الحديث -بعد التحرر من القيم التقليدية- من القيم الفردية للشخص، وكيف يكتشف ذاته متفردًا عن الجموع حوله، وقد غدت علامات الطريق التقليدية أقل بريقًا وتأثيرًا وضرورة، وأصبح العالم الاجتماعي يواجهنا بتشكيلة واسعة ومحيرة من الخيارات، وللسرعة التي يتسم بها عصرنا دور في هذا، إذ يعني التغير السريع وكثرة المعلومات تشتّت المشهد وانعدام اليقين ممّا يعني أن الهُوية المتشكلة هي أيضا هُوية مترددة ومتعددة ومداها لحظي، “إن انهيار إحساس الثقة بالنفس والآخر، داخل أنظمة القيم الثقافية، وداخل الأنظمة الاجتماعية، من شأنه أن يعزز مواقف اللامسوؤلية وأن يؤدي إلى نمو النزعة السلبية والاتجاهات الفردية. حيث لا يبقى هناك شيء يمكن للمرء أن يؤمن به سوى الذات عينها ولكن هذه الذات لا يمكنها أن تكون قوية متماسكة وذلك لأنها محاطة بأطر منطقية ونماذج متضاربة ومتناقضة لذلك لا يمكن اليوم للإنسان المعاصر أن يتملك على إحساس الثقة بالنفس ويبدو أن ذلك التملّك في غاية الصعوبة. فالعمليّات التي تؤكّد النزعة الفرديّة في الغرب المعاصر تعود إلى انحلال الأنظمة المتكاملة، فالإنسان المعاصر لا ينفتح على أية تجارة ليس لها قيمة بالنسبة لوجوده الخاص”. (٤)

الهوية المعاصرة ووهم الحرية

لقد تم إقناعنا بأننا أحرار، وأن على كل واحد منا إيجاد هُويته المميزة، ليكون متفردًا عن أقرانه، إلا أننا في الوقت ذاته أُخضعنا إلى الاستهلاك الممنهج وتم إقناعنا أننا لا يمكن أن نجد هُويتنا دون شيء مادي نرتديه أو نقتنيه، لقد تحررنا من الرقابات ومن الأشكال التقليدية المجتمعية التي تُقوض حريتنا، ألا أننا الآن، متشابهون بنفس الدرجة في أسواقنا وعاداتنا، وأصبحت المنتجات هي تبيع لنا القيم، “وهكذا فإن الجيل الذي أراد إنشاء هويته الخاصة وكان يندد بالنزعة الاستهلاكية، اعتنقها بعد أن ساعدته في التعبير عن ذاته، فأمكنه شراء الهوية بدل إنشائها”. (٥)

إن تحرير الذات أنتج أنواعًا جديدة من الناس يصفون أنفسهم بأنهم أحرار من قيود المجتمع، لكن في حين شعور هؤلاء البشر الجدد بالحرية أصبحوا عالة بصورة متزايدة على هُوياتهم في السوق، وكما قال الآن تورين: “إنّ التحرر من الرقابات ومن الأشكال التقليدية للسلطة يتيح السعادة، غير أنه لا يضمنها، إنه يستدعي السعادة إلا أنه يُخضعها في نفس الوقت إلى التنظيم المُمركز للإنتاج والاستهلاك، والتأكيد بأن التقدّم هو السير باتجاه “الوفرة والحرية والسعادة” وبأن هذه الأهداف الثلاثة مترابطة جدًّا الواحدة منها بالأخرى، ليس سوى إيديولوجيا يعمل التاريخ على تفنيدها باستمرار”.


مصادر الاقتباسات:

  1. الهوية والحركية الإسلامية، دكتور عبد الوهاب المسيري
  2. الهوية، اليكس ميكشللي
  3. مقالة من صفحة الاستاذ عبدالله الوهيبي-
  4. الهوية، اليكس ميكشللي
  5. صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014

الهوة المتسعة.. هل من سبيل لتضييقها؟

أقرأ لبعض الأقلام المتسامية وأرى بصرها الممتد نحو السماء، المتطلعة إلى الأفق البعيد تريد أن تصله وتؤكد إمكانية قطعه رغم المسافات البعيدة والجبال الصخرية التي تعوق المسير لها، فبلوغ ما كان عليه الأجيال الأولى هي الغاية وغلق المنافذ الذي يتسرب من خلالها دخان التأويل والشك والقلق ونفاذ الطاقة هو الأصل والمطلوب.

ثم أنظر للجهة المقابلة فأسمع صخبًا وهرولة وقطعا للمسافات للوصول إلى عالم رمادي ليست تظلله سماء صافية ولا ينبع من تحته ماء زلال، هنالك حيث يكون المباح ما جربه الناس ووجدوه حسب أذواقهم ممكنا، نافعا أو مريحا لهم، والانتقال من منطقتنا الخصبة التي تنبح علينا فيها الذئاب لمنطقة توافق عليها الناس هو الأولى والأنفع، وهذان طريقان متغايران تكاد تراهما في كل باب من أبواب السير، خاصة تلك التي تغيرت كثيرًا وعلاها ركام الأحداث حتى طمس أصلها فما تكاد ترى وما يكاد يعرفها من أهل العصر إلا قليل..

حذار من ضياعِ الطريق

إنّ أبين مثال له، طريق الاتباع لما جاء به صاحب الرسالة وطريق من يؤول أو يعرض المتن على قلبه أو يجادل لسبب أو لآخر. وكذلك ما يخص المرأة من قضايا ما بين من يغلق عليها الباب فلا ترى ولا يسمع لها حسًا، وطريق من لم يعد يرى فرقا جوهريا بينها وبين صاحبها، مادامت أقدامها مغروسة مثله في واقع تساوت فيه الأعمال والتحديات المفروضة على كليهما.

لدينا طريق من يغلق عينيه على واقع -نشأت فيه أجيال متتابعة ولم تعرف غيره وترى الحديث عن غيره ضربًا من الخبال أو التشدد في غير محله- وطريق من لا ينظر خلفه، لا يتوقف حتى ليبحث إن كان في سيره سيصل إلى غاية أم أنه يسلك ما سلكه الآخرون ويمضي لأنه يريد ولأنه لا يرى بأسًا ولأن أبناء حضارة البنيان قد تواضعوا على ذلك..

هنا ينشطر القلب الذي يعرف أن له أصلا يرجع إليه ونورا يريد أن يستبقيه مضيئا، هنا تتنازعه المشاعر من هم وغيرة لأن صاحبه يريد ألا يخالف ما يظنه صوابا لكنه يشفق على المبتعدين أو الساخرين أو الجاهلين. يريدهم أن يعودوا معه، ليس لأنه وحده على حق، بل لأن هناك أمر يجمعهم مكتوب في السطور ومحفوظ في الصدور..

كيف نغلق الهوة المتسعة؟

نستطيع إن أردنا معًا أن نجعل منه عالمنا البرّاق، الذي تشرق في جوانبه المنارات يتبعها الحيارى المنهكين.. نستطيع لو أردنا أن ننسج معا ثوبًا يليق بنا، نزينه بما شئنا من هنا وهناك لكن خيوطه من هنا.. من أرضنا، من فقهنا وفهمنا وواقعنا الذي لا يشبه واقعهم.

ليس المؤلم أن الهوة في كل يوم تزداد حتى يكاد ينفصل العاَلَمَين، بل أن تضم صغارا كانوا بالأمس خضر القلوب لا يعرفون غير ما يقدم لهم، فماذا قدمنا لهم غير مزيد من الصرخات والأسى تدفعهم للحاق بمن سبقوا، من اختاروا الركض بعيدا عنا، مروا على المنتصف مرورا سريعًا ثم تجاوزوه إلى الضفة الأخرى بحماس يشعله الصخب المتسارع وطبول المتعة المؤقتة وفرح الإنجاز السريع.

ولا يعني وجود الهوة أنه لا جسر يصل بين الطريقين، فأهل الصدق والإخلاص ما زالوا ببنون الجسور يوما بعد يوم، لكن بعضها واه يتساقط في الفجوات ويضحك منه أولئك المغادرون..

فالمشكلة هنا إذن تلك الفجوة الكبيرة التي تحتاج لتضييقها جهودًا مضنية تتكاتف فيها الأيدي لتقيم على ضفتها بناء متكامل الأركان تشرق جوانبه بالنور الهادي، ينظر إليه البعيدون فيعجبون كيف تركوا مكانهم هناك، وكيف لم ينتبهوا إلى أنهم قد تجاوزوا وتعدّوا على حدود ليست لهم، فيقررون أنهم لابد عائدون كي يتدثروا بدفء النور ويلتحموا به.

قلبك قلبك!

إن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف، بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد إما في الخير أو الشر. ومن عرف قلبه عرف ربه، وإن أكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين وأساس طريق السالكين.

المعلوم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاساً، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر.

إن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولي عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرف الحراسة أصلاً، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهي كثيرة، إلا أننا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق.

أثناء رحلة للعلاج.. مواجع من الذكريات

ما سمعته في مكتب الأخصائية فتح لي أبوابًا من تساؤلات لم أفكر يوما في طرقها، هل أنا حقًّا متلاعبة؟ وكيف وصلت لهذا الدرجة؟ وما هي الأسباب؟.

انتقل تصفّحي على الشبكة من البحث على قصص درامية أملًا في الحصول على جرعات من الحب الزائف، إلى البحث عن تفسيرٍ منطقيٍّ لتصرّفاتي، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ فالمعرفة لوحدها لم تكن يومًا كافية.

هكذا بدأت

ألم يكن كفّار قريش يعلمون بوجود الله ومع ذلك تمسّكوا بعقيدة أجدادهم؟ ألم يجبلنا الله ويشهدنا على الإيمان بوجوده؟

قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] كنت بحاجة إلى بناء جسر من الوعي حول ما أدمنتُ عليه، ومجاهدة نفسي ومحاولة الثبات على كلّ قرار اتخذته.

بدأت بمراقبة تصرفاتي والاعتراف بكذبي للطرف المقابل في كل مرة أختلق فيها شيئًا، كان الهدف هو تدريب نفسي على الصدق ومواجهة الكذب، لم أتردد في سؤال الله العون وتطهير لساني من الكذب ورزقي الصدق.

هل كان الأمر سهلًا؟

 بالطبع لا، لم يكن سهلًا البتة. أو ليس جهاد النفس هو ما نحياه منذ لحظة بلوغنا حتى نفسنا الأخير!

لم يحتمل البعض اعترافاتي وشعروا أنهم صادقوا وهمًا لا شخصًا حقيقيًّا، لقد هجرني أحبة، وسمعت بعضهم يتمنّى موتي ليرتاحوا من الاستفهامات التي تملأ رؤوسهم جرّاء حماقاتي التي يرونها أو تصرفاتي التي لم تكن مفهومة لهم.

ربّما تسرعت في قرار الاعتراف وهذه من الجوانب التي أراها سيئة بخصوص التواصل المكتوب في المواقع والصفحات الافتراضية -عن بعد-، حيث إنها لا تدع لنا مساحة كافية للتفكير ومراجعة مشاعرنا وتصرفاتنا، ولو كانت كل أحاديثي وجها لوجه لما لوصل الأمر إلى الحدّ!

تلك الرسائل التي كنت أتلقاها كانت كالأكسجين بالنسبة لي، يكفيني تأخر أحدهم في الرد لتجدني أفقد السيطرة عن نفسي وأشعر بأنني منبوذة وأنني عالة على العالم.

مخاطر المشاعر السلبية

هذا التركيز على المشاعر وحالة التمحور على الذات ليس بالأمر الهين، ففكرة أن تفسر كل ما يقع حولك بناء على ما تشعر به، لا على معطيات وأسباب معينة وحقيقية، لهو أمر كارثي بكل المعايير!

إذًا أنا وأنت وكل إنسان بحاجة إلى الصدق، ولكنني كنت حينها ما زلت أريد جرعات متزايدة من التعاطف، فما السبيل؟

الحلّ كان في عدم اختلاق أكاذيب وبدلًا من ذلك عيش آلام واقعية، وقد بدأت حينها في التركيز أكثر على كل صعوبة في حياتي وتضخيمها لأقصى الحدود. حتى تعثري في سلالم البيت وعدم اهتمام أهلي بي ووصف شعوري بالحزن الشديد بسبب ضحك إخوتي على الأمر!

شعرت دومًا بتأنيب الضمير حول ما أفعله، وكرهت نفسي كرهًا شديدًا لدرجة تحاشي التمعّن في انعكاسي على المرآة، أصبحت أعاقب نفسي على أفعله من أخطاء إما بالضرب أو السب أو إيذاء النفس. وهذا ما فتح لي باب شرور من نوع آخر وهو جلد الذات.

  صارت جروح جسدي شيئًا عاديًّا بعد كل مرة أشعر فيها بالسوء تجاه نفسي، وقد أخذت فكرة إيذاء النفس من الأفلام الدرامية، فقد كان التأمل في الدم وهو يتدفق يشعرني بالراحة، لكن الأمر لا يتعلق بحبي لمشاهدة الدماء وهي تسيل بقدر شعوري بالهدوء بعد تدفق هرمون الأندروفين المسؤول عن تسكين الألم.

وهنا أود أن ألفت نظرك إلى أمر مهم جدّا وهو فكرة تقبّل حقيقة الألم الذي يؤكد ضعفك و بشريتك وحاجتك إلى طلب العون من الله عز وجل ومن تتوسّم فيهم خيرًا من عباده، وأن القوّة في فهم نفسك ومراعاة تقلّباتها بأشكالها فتحسن إليها كثيرًا و تشدّ عليها أحيانًا، فالأمر يشبه تعاملك مع الطفل تمامًا، إذا أصاب تكافئه وإذا أخطأ تصوّبه.

خلاصة، وفسحة للتفكير

إن كنت ممن يعاني من اضطراب المشاعر السلبية، فخذ على نفسك بعد الجلوس في مكان هادئ، أن تحاورها حول التالي، ما الصفات الإيجابية التي تمتلكها، وما مدى قدرتك على أن تتقبل مواجهة أحدهم لك بعيب فيك؟ -دون الالتفات لمكانته في قلبك أو مكانتك عنده- وابحث عن صفاتك السلبية في ذاتك أو استشر صادقًا يجيبك عن ذلك.

لكن تمهّل.. حاول قبل كل شيءٍ أن تتقبّل حقيقة أنك بشر غير كامل، وأنك مخلوق لتجاهد ما فيك من نقص، وأنه يجب عليك العمل على التخلص من صفة سلبية كل أسبوع أو شهر بحسب شخصيتك، وألّا تمل من المحاولة، وقبل ذلك كله أن تسأل الله العون دائمًا وأبدًا.