1

نحو فرض نسخة مشوّهة للإسلام.. ماذا تعرف عن تقرير راند؟

تؤدّي العقائد الدينية في تاريخ الشعوب دورًا حاسمًا في ترقّيها حضاريًّا واجتماع كلمتها سياسيًّا، فمن هذا الذي كان يتوقع أن تتحد العرب ويؤسسوا إمبراطورية تمتدّ من جزر الفلبين شرقًا إلى مدن الأندلس غربًا.

إلا أن الإنسان، الكائن الناقص الذي طالما دنس كل ما هو متعالٍ وبلغ به أنه كفر بالله وعبد الأوثان، أبى إلا أن يجعل من الدين آلة هدم، ومن تعاليمه السامية قنابل فكرية تتفجر في وجه البشرية.

جاء الإسلام ليمحق الباطل ويعلي الحق، وضمّ في ثناياه تعاليم ترسي التعايش نهجًا في التعامل مع الآخر المختلف، فرسول الله يفرش رداءه لنصارى نجران، ويتعامل مع يهودي ويستدين منه، ويعودُ غلامًا يهوديًّا مريضًا، ويوصي بالإحسان للوالدين ولو على كفرهم، ويرسل الرسل إلى حكام العالم يدعوهم إلى الإسلام ويرجو مصالحتهم، إلا أنّ دوائر صنع القرار ومراكز الدراسات الغربية ما يزال كثير من المؤثر فيها مثل مركز راند، يدعو لتشويه الإسلام وفرض تشكيلاتٍ مشوّهة منه..

الإسلام والآخر.. مواقف ثلاثة

ليس يُذكَر للحبيب أنه ذَكَرَ الآخر بسوء وتجنٍّ، وهنا لعلنا نجد قائلاً يقول: وماذا عن تشريع القتال وآيات الجهاد والأحاديث في الحث عليه؟! فلنجب عنه فيما يتيسّر من القول.

إن سوء الفهم الذي وقع فيه كثر -على رأسهم المسلمون أنفسهم- أخرج طوائف تكفيرية تُحِلُّ دم المسلم قبل الكافر، ولعل الخوارج والمعتزلة أشهر الفرق الإسلامية أعلنت الحرب ضد معارضيها من الفرق الأخرى، ولنا في حرب سيدنا علي رضي الله عنه مع الخوارج وفي محنة الإمام أحمد مع المعتزلة خير المثال.

لم يميز بعض المسلمين -بسبب سوء الفهم أولا والمواقف الشخصية ثانيا- بين فقه العلاقات الإنسانية في الإسلام والدعوات المتطرفة، فاعتقدوا أن القرآن بآيات الجهاد يرفض الآخر ويطالب برأسه قربانًا للرقيّ والتقرّب لله، وليس الأمر كذلك البتة، فمن خلال تمعّننا في آيات القرآن الكريم نجد أنه قسم موقفه من الآخر إلى:

– الموقف العقائدي: يتعلق بعقيدة الإسلام التي ترفض الإشراك بالله وما يليه من فساد في العقيدة، ويبدأ القرآن الكريم بالفاتحة التي تؤثث بشكل واضح لهذه النظرة، إذ النصارى واليهود كفار، وهذا لا نقاش فيه، ولا يستوي الكافر بالمؤمن في ميزان العقدي. يقول الله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 1- 3] وهنا نلحظ الخطاب الهادئ والمنطقي مع الآخر، فلا هم ملزمون بدين الإسلام ولا المسلمون ملزمون بدين الكافر، ولكلٍّ حرية الاعتقاد، مصداقًا لقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، ووفق ذلك وضع الإسلام الدعوة والشرائع.

وحتى مع الاختلاف العقدي، فإنه لا يتخذ موقف عداء مع الآخر، لأن له موقفا آخر ونظرة أخرى للآخر.

الموقف المدني: ولو أن البعض سيعترض على استعمال المدنية، لكني أحببت أن أستخدمها لسببين هو أنها رسخت في المدينة المنورة، وأنها تحيل إلى أسبقية الإسلام في إرساء النظام المدني وقضائه على حكم الكهنة وطبقات رجال المعابد ورؤساء الأديان، وفي هذه النظرة يتضح من خلال آيات القرآن أن الآخر سواء كان نصرانيا أو يهوديا متساوٍ في حقه بالعيش الكريم والحرّ مع المؤمنين، مع اختلاف الواجبات مثل الصدقات والزكاة التي تعوّض بالجزية على الأغنياء فقط وتسقط عن الفقير والمرأة والطفل، وهي تقل عن الزكاة وتغني عن المشاركة العسكرية والمهام الموكلة للمسلم، وليس أدل على ذلك من “صحيفة المدينة” التي هي دستور مدني يضع المسلم واليهودي في القدر المتساوي من إمكان التعامل والتعايش.

كذلك في التجارة نجد المؤمن منفتحًا على الآخر ومطالبًا بالتعامل معه، وهنا يشير القرآن الكريم إلى أن المؤمنين غير مطالبين بالابتعاد عن معاملة الآخر لدينه {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجكم من دياركم} [الممتحنة: 8]

والملاحظ أن التركيز على هذا الموقف لا نجده في كتابات المخالفين، لأنهم يركزون على الموقف الأول والثالث؛ وبهما يحكمون على الإسلام بكونه دينًا ضدّ التعايش، رغم أن مصر -على سبيل المثال- “أُكرهت على انتحال النصرانية، وهبطت بذلك إلى دَرَكات الانحطاط مقداراً فمقداراً إلى أن جاء العرب […] وكانت تعُدّ من يُحَرِّرونها من أيدي قياصرة القسطنطينية مُنقِذين، فحُفظ هذا الشأن للعرب” [غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص220-221]

الموقف السياسي: وهذا الموقف الثالث الذي يعتبر أكثر المواقف التي يتحرج بعض المسلمين منها، رغم أنه يجب على المسلم أن يفخر بدينه فقد قال تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2]، إذ يرى البعض أن الإسلام يحمل في عقائده مواقف عدائية ومشاريع امبريالية، وهم بذلك يُسقِطون تجارب الغرب على تاريخ الإسلام، فيشوّهون الحقيقة.

والحقيقة أن الإسلام في توسّعه أو معاركه -ابتداء- لم يقم بها إلا مضطراً، فلم تكن معركة بدر إلا بعد أن استمرت الدعوة السلمية 10 سنين، ولقي المسلمون ما لقوا من العذاب، وحتى الفتوحات الإسلامية والحروب التي ستتوالى لم يكن المسلمون يريدونها لشهوةٍ وإنما لمواجهة مفروضة أو لمخاطر بدأت تواجههم، ولتعدّي الآخرين على حدود أرضهم.

ويزعم المستشرقون ويتناقل بعض العرب الفكرة نفسها، ويرون أن الفقر والجوع أو العامل الاقتصادي حسم مسألة الفتح، رغم أن الوضع الاقتصادي في شمال إفريقيا لم يكن بأفضل حال من الجزيرة التي كانت وستظل لقرون طويلة أرض رخاء اقتصادي خاصة ومجاورتها لأرض خصبة كالهلال الأخضر، وحتى أن مسألة الجوع لم تكن بتلك القوى، وذلك أن العرب عموما لم يكونوا قوم شراهة بل العكس، وهذا يفسر انتصاراتهم على أهل الحضارة والمدنية التي أثقلت البطون والعقول كما يشرح ابن خلدون في مقدمته، وكما قلنا فمنقطة شمال إفريقيا شهدت مجاعات متتالية عبر تاريخها، وكانت أغلب مناطقها مقفرة وقصة بناء القيروان خير مثال.

كما أن تاريخ التغذية في المنطقة معروف وليس فيه نوع من البذخ الذي اشتهر في المشرق أيام الأوج الإسلامي، فمعظم المأكولات مشتقة من القمح، ويكاد اللحم لا يحضر إلا في المناسبات، والحلويات لم يتعرف إليها بشكل قوي إلا في الأندلس وعند دخول العثمانيين.

الموقف السياسي يقترح أن تكون المعاملة بالمثل مع المعتدين والظالمين، إذ لا استكانة مع الغزاة، وهذا المبدأ الذي عُرفت به كل الشرائع السياسية، والناس لا تريد أن تفهم أن الإسلام ليس محض دعوة روحانية بل هو شريعة ربانية دنيوية وسماويّة؛ وهنا يحدث الاختصام بيننا وبينهم، فهم يرون في الإسلام دين محضًا ونحن والراسخون في العلم يرونه شريعة تنظم حياة المسلم من ألفها إلى يائها.

وحين لا يريدون الاعتراف بذلك يتهمون الإسلام بأنه دين عدوانية، ولو اعترفوا بالشريعة لاتضحت الصورة، لكنهم يريدونه دينًا صوريًّا كالمسيحية يبدأ عند باب المسجد وينتهي عنده.

وحتى في الموقف السياسي يجب أن نميز بين السياسة في الإسلام وبين ما نعرفه عن سياسات الدول، فليس من الإسلام هذه الحروب الفتاكة التي نراها تُشَن لإهلاك الزرع والنسل، ولا منها المؤامرات والمكائد وإفقار الدول وضرب المستشفيات كما فعلت أمريكا -مستشفى السودان مثلا-.

إن الموقف السياسي أو الحربي في الإسلام تؤطره أخلاق المسلم، بينما تنبني السياسة الحالية على البراغماتية والعلمانية التي تلغي الأخلاق لصالح المصلحة والمنفعة، فلا ضرر برأيهم في إبادة الهنود الحمر لقاء تأسيس امبراطوريات غربية في قارة أمريكا وهلم جرا.

يقول ول ديورانت في كتابه “قصة حضارة”، [مج4، ج2، ص82-83:
“ولقد كانت جيوش العرب خيراً من جيوش الفرس والروم… لقد كان في وسعهم أن يحاربوا وبطونهم خاوية، ولكنهم لم يكونوا في حروبهم همجاً متوحشين، انظر إلى ما أوصاهم به أبوبكر” فانظر كيف يشير إلى وصايا أبي بكر الصديق رضي الله عنه المعروفة، والتي لن تخرج عنها قلوب العقلاء وأفكارهم.

ول ديورانت

سعيًا لتحريف الإسلام

يرى روّاد المراكز الغربية المؤثرة أنه “من المستبعد أن يغير الشباب المنتمي لحركات الإسلام الراديكالي آراءه بسهولة. أما الجيل التالي، فالمتصور أنه يمكن التأثير عليه وتشكيل وعيه، بإدماج رسالة الإسلام الديمقراطي في المقررات الدراسية ووسائل الإعلام” [شيريل بينارد، الإسلام الديمقراطي المدني، ص115] وبعد أن تأكّد الغرب أن تغيير الإسلام لن يتم من خلال كتابات المستشرقين، بدأ العمل الحثيث لتغييره من الداخل وعلى يد أبنائه، وقد أشرنا في مقال سابق إلى ضلوع مفكرين عرب معروفين في هذا المشروع.

ولعل مؤسسة راند الأمريكية رائدة ولا شك في هذا المجال، بتقديمها للدعم المادي للحكومات وتدريبها للكوادر العربية واحتضانها لكل مفكر مناهض للإسلام، والكاتبة مذكورة آنفا إحدى محللي المؤسسة ونسوية شرسة وكتاباتها في هذا الصدد معروفة.

انطلاقا من التركيز على الموقف السياسي للإسلام من الآخر ولنقل بشكل واضح من الامبريالي يجد الغرب نفسه في مواجهة مباشرة معه، فهو يريد شعوبًا خنوعة وشرائع تتماهى والهيمنة الغربية بل وتطالب بها تحت مبرر جلب التقدم والازدهار.

وهذا من بين الأهداف الواضحة التي تقدم مؤسسة راند عبر الكتاب السابق والصفحة نفسها، نصيحة تؤكد على أنه لا بد من: “نقد النظرة التقليدية بإظهار العلاقة السببية بينها وبين التخلف. وعلاقة الحداثة والديمقراطية بالتقدم والازدهار”

إذا تأملت في هذه النصيحة فستجدها أشد مبررات المنبطحين ثقافيا، ففي نظرهم الدين وخاصة الإسلام سبب كل تخلف في العالم الإسلامي، والحل الوحيد للخروج من حالة التخلف إلى حالة التقدم التخلص من الدين أو إفراغه من مضامينه.

وهكذا يطرح الإسلام الجديد أو “إسلام السوق” كما يسميه “باتريك هايني”، يشرح الكاتب الفرنسي معنى إسلام السوق بقوله: “وأعني بإسلام السوق مزيجا النزعة الفردانية المتعولمة، ونزع القداسة من الالتزام التنظيمي، بما يتضمّن ذلك من التخلي عن الشعارات الكبرى التي تتمحور حول الإسلام هو الحل، وإعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة” [باتريك هايني، إسلام السوق، ص 24].

يدعم الرجل رأيه بالدعم الذي تلقته المنظمات الإسلامية أثناء الربيع العربي، وهنا يشير مباشرة للإخوان المسلمين في مصر وحتى المغرب باعتبارهما نموذجا واضحا لمشروع الإسلام الجديد الذي يقوض أساس الإسلام ومشروعه، وهو ما يشيره إليه في قوله “إعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة”.

فالأحزاب السياسية الإسلامية التي تتنازل عن ثوابت الدين في معطياتها النظرية والعملية السياسية جزء من خليط من الدعاة والمنشدين وغيرهم يمثّل اتجاه إسلام السوق، وهدف هذا الإسلام واضح، وهو الانتقال من الإسلام العالمي إلى الإسلام القطري، ومن إسلام يعد بإصلاح العالم الغربي إلى إسلام يستجيب لإصلاحات العالم الغربي، ولعلنا نمثّل لذلك بدفاع حزب العدالة والتنمية في المغرب عن اتفاقية سيداو؛ والتي تتعارض جملة وتفصيلا مع الإسلام الأصلي.

يبدو أن الإسلام الجديد يلقى رواجًا وقبولًا لدى أبناء كثير من النشء الجديد والفئات المثقفة المتحررة من ضوابط الدين، ظنًّا منهم -بعد صراع طويل مع الغرب والاستبداد وقراءات طويلة- أن تعاليم الإسلام تتعارض مع الحداثة، ومع السياق التاريخي، فلا يُتصوَّر مثلًا تحريم الربا في عالم مبني على القروض، ولا تحريم الغناء في مجتمع مسلم يصبح ويمسي على ألحان المطربات المطربين وتنظم الحفلات في كل بقاعه، حتى في أشرفها، نرى اليوم تحولا واضحا نحو الانفتاح على الثقافة الغربية، وخير مثال احتفالات الهالوين في أهم دولة مسلمة في جزيرة العرب!

ولعلي أختم بهذه الخلاصة، إن الناس يعتقدون -عبثا وعن قلة اطلاع- أن الحداثة تعد بالرخاء وأن الالتزام بالإسلام يؤدي للفشل، متغافلين عن كون أن الحداثة لم تنجح في بناء عالم آمن أو مزدهر، وانظر حولك تتأكد فمن حرب إلى حرب ومن أزمة إلى أخرى؛ ونؤكد لهم أن الإسلام لم يفشل في بناء المجتمعات المزدهرة بل نجح أيما نجاح في ذلك في أوقات قصيرة حين ساد وحكم والأندلس كمثال، إلا أن تخلّف المسلمين عائد إلى عوامل أخرى ليست محل بحثنا على رأسها الفساد والظلم.




ساحرة روسية تكشف جوانب مهمة عن السحر وحصانة المسلمين

اخترنا مقابلة أجرتها منظمة “روحانية” مع ساحرة روسية، لنستعرض من خلالها بعض النقاط المهمة عن #السحر، وأهمها: 1- كيف يختار الشياطين بعض الإنس لاستدراجهم إلى السحر. 2- مفاهيم يساء فهمها مثل الطاقة والزوهريين. 3- كيف تحمي الأذكار والصلاة وقراءة القرآن المسلمين من السحر. إعداد وتقديم أحمد دعدوش




الهدي النبوي في مقاومة تهديدات الهوية الإسلامية

في أوساط القرن الخامس الهجري، ألقى أبو حامد الغزالي ملاحظة مهمة بعد تعامله مع شريحة من المنبهرين بالفلسفة اليونانيّة في عصره، أدى بهم هذا الانبهار إلى مناقضة الشريعة، ولاحظ أن هذه الشريحة غير مدركة لحقائق الأفكار الفلسفية، وإنما غاية الأمر أنهم مندهشون من أسماء الفلاسفة الرنانة، فيتلبّسون بهذه الأفكار لكي يكتسبوا هُوية مستمدة منهم، فيقول في كتابه [تهافت الفلاسفة، 41]: “فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميّز عن الأتراب، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، وإنَّما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط، وأفلاطون، وأرسطوطاليس، وإطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع رزانة عقلهم منكرون للشرائع، فلمّا قرع ذلك سمعهم تجمّلوا باعتقاد الكفر، فأية رتبة في عالم الله أخس من رتبة من يتجمّل بترك الحق تقليدًا”

وفي القرن السابع/ الثامن الهجري قدَّم ابن تيميّة ملاحظات كثيرة حول ظاهرة الانبهار بالفلسفة اليونانيّة، وتأويل نصوص العقيدة لتوافقها، ويشير في ثنايا دراسته إلى الأسلوب غير النزيه الذي تسبب في تصدعات عقدية في الداخل المسلم: “فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلاميّة ويودعونها معاني هؤلاء، وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين، فإذا سمعوها قبلوها، ثم إذا عرفوا المعاني التي قصدها هؤلاء ضل بها من لم يكن يعرف حقيقة دين الإسلام”، [مجموع الفتاوى، 17/333]

وفي القرن الثامن/ التاسع دوّن ابن خلدون ملاحظات حول تغالب الثقافات، من مستوى التصرفات والمواقف الفردية، إلى مستوى الروح المجتمعية العامة، وعقد لذلك فصلاً خاصًا كرسه لتحليل هذه الظاهرة، قال فيه:
“الفصل الثالث والعشرون: في أن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك: أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلبٍ طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها؛ فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير”، [المقدمة، 1/283].

واستمرت عملية الرصد لهذهِ التيارات المنكسرة لسلطة الثقافة الغربية، ويمكن لنا أن ننتقي نموذجًا متأخرًا في السبعينيات الميلادية، وهو القانوني الدكتور فتحي عبد الكريم حيث يقول: “دفعهم حماستهم للإسلام إلى أن يثبتوا فيه، بغير دراسة معمقة، كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضر؛ متوهمين أن في ذلك خدمة جليلة للإسلام، فكأن الإسلام في أعينهم طفلٌ يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذي قوة ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين؛ إذا أخرجوا للناس مبادئ من دينهم مثل مبادئ النظم الاجتماعية السائدة في عصرهم، فإذا راجت الديمقراطية كان الإسلام ديمقراطيًا، وإذا راجت الاشتراكية كان الإسلام اشتراكيًا، وإذا راجت نظرية سيادة الأمة كانت هذه النظرية من نظريات الإسلام”، [الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، 81]

التعامل النبوي مع الحضارات المختلفة

بُعث النبي محمَّد ﷺ في الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت العالم، الرومانيّة والفارسيّة والهنديّة والصينيّة، فالأولى امتدت لأوروبا، والثانية حاضرة في الشرق الأدنى، والأخريان شبه معزولتين، وكان المخزون الحضاري متراكمًا من الحضارة المصريّة والإغريقيّة.

وكان العالم قُبيل مبعثه ﷺ حافلاً بالمعارف والعلوم في دقائق المعقولات، كما أرخ الأمريكي ديفيد ليندبرغ ذلك في موسوعة the cambridge history of science، فعُرف قانون الهُوية والتناقض والثالث المرفوع، ونظرية الدولة، وتقسيم أشكال إسناد السلطة، ودقائق الهندسة، وتعيين بعض القيم الرياضية، وفنون العمارة، والمسرح والشعر والأدب، وأصول الطب، وقياس المسافات الفلكيّة وتحديد مواعيد الكسوف واختراع البوصلة، والرافعات، وغيرها كثير.

ورغم ذلك كلّه، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر نبيه محمَّد عن القيمة المنحطَّة لكل تلك المدنيات، ووصفها القرآن بالضلال بكل ما تضمنته قوتهم وعلومهم وفنونهم ومدنيتهم، في قوله سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]

وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يبغضهم ويمقتهم ويكرههم جل جلاله، سواء كانوا أدباء العرب أم فلاسفة أثينا، أم أطباء الصين، أم حكماء الهند، أم غيرهم، كما رُوي عن رسول الله أنه قال مرَّةً في خطبته: (وإنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أَهْلِ الأرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلَّا بَقَايَا مِن أَهْلِ الكِتَابِ) [صحيح مسلم] كل ما كان متوفرًا آنذاك من العلوم المدنية والفلاسفة والأدباء؛ بلا وزن في ميزان الله سواءٌ في ذلك عربهم وعجمهم، ولم يستثنِ -سبحانه- إلا طائفة قليلة من الناس هم أهل الكِتاب (اليهود والنصارى) بسبب ما كان لديهم من بقايا النبوات.

وحكم الله على البشرية كافّة أنها في الظلمات قبل البعثة، وبيّن سبحانه أن التنوير الحقيقي الذي تحتاجه هو نور الوحي، وسيبقى من أعرض عن هذا الوحي مرتكسًا في الظلام والضلال مهما أُوتي من العلوم، وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضاريّة والفنيّة ليس ذمًّا لتلك المنجزات لذاتها، وإنَّما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية.

والمنهج الذي يُحبَّه الله ويريده من المسلم إزاء الحضارات الأخرى هو الانتفاع بما لديها ممَّا يعزز الغاية، كما انتفع النبي وأصحابه في الخندق، ومشروعية الغيلة، والتبادل التجاري، وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين، دون أن يقع المرء في تعظيمها والانبهار بها مع ضلالها عن الإسلام، بل يعي تخلفها وانحطاطها وظلاميتها، كما وعى ذلك النبي وأصحابه، وحاجتها للتنوير الحقيقي الذي لا يكون إلا بالإسلام.

ديفيد ليندبرغ

البناء النبوي للهوية الإسلاميّة في نفوس الأمة

حرص النبي ﷺ على تميُّز المسلمين عن غيرهم حتَّى في المظهر العامّ، سواءٌ على مستوى الفرد أو المجتمع ككُلٍّ، إذ وردت أدلَّة كثيرة حول مسألة النهي عن التشبُّه بالكُفَّار ومسايرتهم، فهذا التشبُّه الظَّاهري له أثَرُه الذي قد يمتدُّ إلى موافقتهم فيما هو أشدُّ من اعتقاداتٍ وتشريعاتٍ، لأجل ذلك، أكثر النبي تنبيه أصحابه إلى التنوير الحقيقي وهو نور الوحي، وربَّى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة المحيطة بهم يحتاجونكم أضعاف ما تحتاجونهم، فهم إنما يملكون الوسائل، وأنتم تعرفون الغايات، وشتّان بين منزلة الغاية والوسيلة.

وكان ﷺ يستثمر الأحداث والمواقف ليوضّح ويُبيِّن ويكشف عن هويّة الإسلام الخالصة المتفردة، التي لا يمكن لها أن تُستَمَد من حضارة أخرى، أو تستعير منها المنطلقات والغايات.

وكان أظهر ما ثبّته الني في الصدور: متاعيّة الدُّنيا ومركزيّة الآخرة، فحين بكى عمر من بساطة بيت رسول الله بالنسبة إلى قصور الحضارات الأخرى، ربَّاه النبي بحزم على هذا المعنى، حيث رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (دخلتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو على حصيرٍ قال: فجلستُ، فإذا عليه إزارُه، وليس عليه غيرُه، وإذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِه، فابتدرت عيناي، فقال: ما يُبكيك يا بنَ الخطَّابِ؟ فقال: يا نبيَّ اللهِ وما لي لا أبكي! وهذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِك وهذه خِزانتُك لا أرَى فيها إلَّا ما أرَى، وذاك كسرَى وقيصرُ في الثِّمارِ والأنهارِ، وأنت نبيُّ اللهِ وصفوتُه وهذه خِزانتُك. قال: يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا!). [صحيح مسلم]

هذا الحوار العظيم بين النبي ﷺ وعمر من أدق المشاهد على ثبات مركزيّة الآخرة في الهويّة الإسلاميّة، فحين عبَّر عمر عن تألمه وهو يقارن المظاهر الدنيويّة في الحضارة الفارسيّة والروميّة بمحدودية المجتمع الإسلامي، أعاد ﷺ تذكيره بمركزية الآخرة، فقال له: (أما ترضى أن تكون لهم الدُّنيا ولنا الآخرة)، وفي رواية أخرى في الصحيحين أن النبي قال له: (أفي شك أنت يا بن الخطاب، أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا).

وحين أُهدي إلى النبي هدية أعاد ذات الدرس عليهم، فعن البراء بن عازب، قال: أُهديَ إلى النبي ﷺ سَرَقةٌ من حرير، فجعلَ النَّاس يتداولونها بينهم ويعجبُونَ من حُسنها ولينها، فقال رسول اللَّه ﷺ: أتعجَبُونَ منها؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: والذي نفسِي بيده، لمناديل سعد في الجنَّة خيرٌ منها. [صحيح البخاري]

واشتدَّ ﷺ في مخالفة الكفار والمشركين في كل مجال براءةً منهم، وإبرازًا للهويّة الإسلاميّة المتفردة، ومثال ذلك أنَّ رسول الله لمَّا خرج إلى خيبر، مرَّ بشجرة للمشركين يُقالُ لها: ذاتُ أَنْواطٍ، يُعلِّقونَ عليها أسلحتَهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138].

وكذلك لمّا اهتم النبي بشأن الصلاة، فأخذ يشاور أصحابه في كيفيّة إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وقد كان الناس في أولِ أمر الصلاة يتَّجهون إلى المسجد إذا جاء وقتها بلا أَذان ولا نداء، فقيل له انصُب رايةً عند حضور الصلاةِ فإذا رأوها آذنَ بعضُهم بعضًا، فلم يعجبْه ذلك، وذكروا له القُنْعَ (يعنى البوقَ)، فلم يعجبه وقال هو من أمرِ اليهودِ، فذُكر له الناقوسُ فقال هو من أمرِ النصارى. [فتح الباري لابن حجر، إسناده صحيح]

يقول ابن تيميّة في كتابه [اقتضاء الطريق المستقيم،1/356]: “هذا يقتضي كراهة هذا النَّوع من الأصوات مطلَقًا في غير الصَّلاة أيضًا؛ لأنَّه من أمر اليهود والنَّصارى؛ فإنَّ النَّصارى يضربون بالنَّواقيس في أوقات متعدّدة، غير أوقات عباداتهم، وإنَّما شعار الدِّين الحنيف الأذانُ المتضمّن للإعلان بذكر الله، الذي به تُفتَح أبواب السَّماء، فتهرُب الشَّياطين، وتَنزِل الرَّحمة”.

وأخبر النبي أصحابه عن المكانة جوهريّة المفهوم الحبِّ بالله والبغض فيه والموالاة والمعاداة لأجله، فعن عبد الله ابن عباس أنه ﷺ قال: (أوثقُ عُرَى الإيمانِ: الموالاةُ في الله، والمُعاداةُ في الله، والحبُّ في الله، والبُغضُ في اللهِ عزَّ وجلَّ) [صحيح الجامع]، فشعور المسلم وموقفه من الآخر مبنيٌ على الهويّة الدينيّة، لا يتجاوزها، وذلك يناقض الخِطاب الإنساني الغربي، الذي يدعو إلى رفع قيمة الإنسان وحبِّه ونصرته بصرف النظر عن دينه أو ميوله وإلقاء كامل المعجم المفاهيمي للبراء في ذمة التاريخ، وهذا تناقض داخلي؛ فإنَّ أي تبنٍّ للحب في الله يلزم منه البغض بالله، ولا يمكن فصلهما.

وقد شرح هذا التلازم بينهما أبو حامد الغزالي بعبارة بديعة، حيث يقول: “اعلم: أن كل من يحب في الله، لا بدَّ أن يبغض في الله؛ فإنك إن أحببت إنسانًا لأنه مطيع لله، فإن عصاه؛ فلا بدَّ أن تبغضه؛ لأنه عاص لله، ومن أحبب بسبب، فبالضرورة يبغض لضده، وهذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.” [إحياء علوم الدين: 2/253].

وبيَّن النبي لأصحابه ميزان الله المختلف حتمًا عن الموازين عند الناس في تقييم الأفراد والمجتمعات، وذلك لمّا “مرَّ رجلٌ من أغنياء المسلمين على رسول اللَّه، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خَطبَ أن يُنكَح، وإن شَفعَ أن يُشفَّع، وإن قال أن يُستمَع، فسكت رسول الله، حتَّى مرَّ رجلٌ من فقراء المسلمين، فأعاد النبي على أصحابه السؤال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خَطبَ أن لا يُنكحَ، وإن شَفعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُسْتمَع، فقال رسول اللَّه: هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا.” [صحيح البخاري]
فكان معيار القياس الأول موازين الدُّنيا من الجاه والمال والسُّلطان، بينما الميزان عند الله فهو بقرب العبد إليه وبتقواه، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وإطلاقه ﷺ التفضيل على الغنيِّ المذكور لا يلزم منه تفضيل كلِّ فقير على كُلِّ غنيٍّ؛ فالمعيار في التفاضُلِ الدِّين والتقوى، وليس الغِنى والفَقرَ.

خُلُق نغرسه في قلوبنا

تشرَّب أصحاب النبي هذهِ المعاني حتَّى أصبحت جزءًا من كينونتهم الإنسانيّة، وارتسمت في قلوبهم وعقولهم هويّة واضحة مستمدة من المرجعية الإلهيّة، تُبيّن لهم حقيقة الأشياء، ومسمياتها التي تحتملها حقًا، تبيّن كذلك طبيعة الطريق، وغاية السعي، وجزاء الحركة، يتعرّف المسلم من خلالها إلى نواميس الكون، وسنن الحياة وطاقات الأرض، وفي الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله.

وأظهر الأمثلة على ذلك عبارة ربعي بن عامر (رسول جيش المسلمين) إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله ما الذي جاء بكم؟، فأجابه بكلمات قلائل تصوّر طبيعة هذهِ العقيدة، وطبيعة الحركة الإسلاميّة التي انبثقت منها، حيث قال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”

يُفسِّر المُفكَّر الجزائري مالك بن نبي هذهِ الحالة، في كتابه [دور المسلم/ 49]: “لماذا استطاع ذلك هؤلاء الأعراب الفقراء في عهد محمد ﷺ؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها، فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطبتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بـ “مركب النقص”، لماذا لم يشعروا بـ”مركب النقص”؟! لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم”




الإسلام إذ يحررنا من المؤثرات الدنيوية القاهرة!

يستيقظ الشاب صباحًا فيمسك بهاتفه فما يلبس حتى يظهر له إعلان لمنتج ملابس كان قد تحدث مع أصحابه عنه أمس، فإذا نزل الشارع رأى لافتة تغريه بإحدى الوجبات الجديدة في المطعم المجاور له، ثم في طريقه للعمل يبصر “لوحةً ترويجية” لفتاة فاتنة على جدران إحدى المستشفيات تستعمل منتجًا طبِّيًّا معيَّنًا، حتى إذا رجع لمنزله وفتح التلفاز رأى خبرًا يتناول خسارة أحد رجال الأعمال لمليارات الدولارات من ثروته وآخر اشترى سيارة بكذا من نوع كذا، حتى إذا أراد الترفيه عن نفسه فتح اليوتيوب وشاهد أحد صانعي المحتوى وهو يطلب كميات كبيرة من الطعام ليقدّمها في مشهد عبثي وهكذا…

استعراض موجز جدا لما نشاهده خلال يومنا العادي من مؤثرات ومدخلات أنتجها الانفتاح العالمي، تتحكم ولو بشكل ما على قراراتنا وشهواتنا وأفكارنا، فهل هذا الانفتاح أمر جديد، وما رؤية الإسلام الشامل وتعامله مع هذا الانفتاح؟

خوف النبي ﷺ علينا

ركّز النبي ﷺ مع أصحابه في بداية الدعوة على السرية؛ مراعاةً لحال الرسالة ومحافظةً على عدد الحاملين لها وتحقيقًا للبداية الطبيعية لأي دعوة جديدة، فلما هاجر النبي ﷺ وبدأ التماس مع مجتمعات جديدة وثقافات مختلفة وعادات متباينة ومع الفتوحات المجيدة ورؤية أصحابها لنعم الله على أصحاب هذه البلاد، بدأ المربي ﷺ في التعامل مع هذا الانفتاح وتصحيح المفاهيم فقال عندما اجتمع الأنصار لما علموا بأن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قادم من البحرين بمال: (فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ). [البخاري، 4015] فانظر أين وقع خوف النبي ﷺ! لا من الفقر كما هو الحال المشهور وإنما خاف عليهم من فتنة الدنيا والتنافس عليها، “فإن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال فأعلَمَ -ﷺ- أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده”. [1]

ومن هذا الباب أيضًا تحاوره مع أصحابه فيما سيكون تصرفهم عند انفتاح الدنيا عليهم، فقال لهم: (إذا فُتِحَتْ علَيْكُم فارِسُ والرُّومُ، أيُّ قَوْمٍ أنتُمْ؟ قالَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كما أمَرَنا اللَّهُ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: أوْ غيرَ ذلكَ، تَتَنافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدابَرُونَ، ثُمَّ تَتَباغَضُونَ، أوْ نَحْوَ ذلكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ في مَساكِينِ المُهاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ علَى رِقابِ بَعْضٍ). [صحيح مسلم، 2962]

فهنا تبصير بأن انفتاح الدنيا فيه فتنة كبيرة وأن بدايتها يكون بالتنافس عليها وينتهي بالفرقة والتباغض، قارن بين هذا وبين النظام العالمي الآن الذي يعلي من المنافسة مطلقا دون حدود وما يفتح ذلك من الفرقة بين المسلمين، ومنه أيضًا قوله: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها). [صحيح مسلم، 1052] “وزهرة الدنيا يعني: بهجة الدنيا، وقيل لها زهرة؛ لأنها كالزهرة تستهوي من نظر إليها، وتجذبه وتعجبه، وهي كالزهرة أيضاً في سرعة ذبولها وتحولها وتغيرها، ولكنّ الكثيرين ينظرون إلى ما فيها من الحسن والجمال والبهجة فتأسرهم أسراً وتشدهم إليها شدًّا فيقعون في وثاقها، ثم بعد ذلك يغفلون ويلهيهم ذلك عن ذكر الله وطاعته والتقرب إليه. وإذا حصل هذا التنافس حصل التسارع إلى عرضها الزائل، وحصل بسبب ذلك أيضاً قسوة القلوب، وما يضاف إلى ذلك من الوحشة في قلوب أهل الإيمان والعداوة والبغضاء”. [2]

الاستمتاع بالدنيا وحال التشبه

عدّ الإمام ابن تيمية الاستمتاع بالشهوات دون ضابط من جملة التشبه بالكفار فألحقه بقول الحق {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]، فقال: “وأما قوله {َفاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} قال: بدينهم ويروى عن ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه. وروي عن ابن عباس: بنصيبهم من الآخرة في الدنيا. وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا” [3]، ثم بين وجه المشابهة بين الآية واتباع الشهوات: “فقوله سبحانه {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصاة. ثم قوله {فَاسْتَمْتَعْتُم} و {وَخُضْتُمْ} خبر عن وقوع ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة” [4]، وهذا الاستدلال على ذم اتباع الشهوات من عبقريته رحمه الله، كما أنه ذَكر في هذا الموضع كثيرا من الأحاديث -منها ما تقدم ذكره– عن نهي النبي ﷺ أمته عن الاستمتاع بالخلاق.

في البحث عن الحلول..

ما قولك في غض البصر؟ إن العين لما كانت بوابة المؤثرات الخارجية ومبدأ المحركات الداخلية، فمنها تعرج المؤثرات للقلب فإما تأثير يحيي القلب ويرققه وإما تأثير يقسّي القلب ويميته، كان الأمر واضحا من الله تعالى لرسوله ﷺ وللمسلمين من بعده بتقصير البصر عن رؤية متاع الله سبحانه لغيرهم {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ} [طه: 131] قال الطنطاوي في تفسيره: “وبعد هذا الأمر بالتسبيح، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال – تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ…}. أي: أكثر -أيها الرسول الكريم- من الاتجاه إلى ربك، ومن تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل {إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}. أي: إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين، بأن منحناهم الجاه والمال والولد. وما جعلناه لهم في هذه الدنيا بمثابة الزهرة التي سرعان ما تلمع ثم تذبل وتزول…

وقوله: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} بيان للحكمة من هذا التمتيع والعطاء أي متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد… لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم بهذا المتاع، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا، وإذا استمروا في طغيانهم وجحودهم وكفرهم، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر. فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدي الكفار من متاع، لأن هذا المتاع سيء العاقبة، إذا لم يستعمل في طاعة الله تعالى…

والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها، لكي يحيا حياة فاضلة طيبة، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعاني الشريفة الباقية، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة”.

حث الأهل على الصبر والصلاة

لقد أعقب الحق سبحانه هذه الآية بالأمر بحض الأهل على الصلاة والصبر على ذلك {وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ} [طه: 132] وقد وضّح ابن كثير العلاقة بين النهي عن مد العين لمتع الدنيا في الآية الأولى وبين الآية الثانية بأثر عن ابن أبي حاتم فقال: “قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه؛ أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} إلى قوله : {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} ثم يقول: الصلاة الصلاة، رحمكم الله”.

فهذا رأى طرفا فقط فوقع في قلبه موقع التمني والتشهي فسارع لمحو ذلك بالصلاة، فكيف بمن يطلق بصره لزخرف الدنيا ويتعمد التلذذ برؤية زينتها؟ فيَعْلق قلبه وتذل قدمه ويتخبط فكره وتكتئب نفسيته ويحسد غيره ولا يرى نعم الله عليه فضلا على شكرها والرضا بها.

الصبر مع الفئة المؤمنة

ومما أمر الله به نبيه ﷺ أن يصبر مع الفئة المؤمنة ولا يجاوز نظره عنهم {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: 28]

قال ابن كثير في معنى الصبر: “أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء”.

وقال صاحب الظلال في تفسيره في معنى لا تعد عيناك: “ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة . فهذه زينة الحياة (الدنيا) لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”.

فتأمل خطورة العين وما تزينه، فلو أن الإنسان أطلق بصره متجاوزًا للفئة المؤمنة الذاكرة، رأى هذا يأكل ويشرب ويتمتع وذاك يلعب ويلهو وآخر جميل فتان وهكذا فتُحدّثه نفسه بهذه الزينة وإن كانت نفسه لم ترد هذا الأمر منذ قليل لكنها النظرة تتحول لشهوة، فإن استطاع الظفر بها فعلها إرضاء لشهواته وإن كانت غير مستطاعة فالحزن والاكتئاب والشعور بالنقص.

بهرج الدنيا ليس لنا

من أكثر ما أكده القرآن والسنة أن الحياة الدنيا ما هي إلا دار فناء وأن الآخرة هي دار القرار والشواهد في هذا كثيرة ولعلنا نذكر حديثا واضح الدلالة شديد اللهجة في هذا، وهو الحديث المشهور في حادثة اعتزال النبي ﷺ نساءه وفيه وصف سيدنا عمر لحجرة النبي فقال: (وإنَّه لَعَلَى حَصِيرٍ ما بيْنَهُ وبيْنَهُ شَيءٌ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِن أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وإنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أثَرَ الحَصِيرِ في جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقالَ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ كِسْرَى وقَيْصَرَ فِيما هُما فِيهِ، وأَنْتَ رَسولُ اللَّهِ! فَقالَ: أَمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ لهمُ الدُّنْيَا ولَنَا الآخِرَةُ). [صحيح البخاري، 4913]

يا الله!! أي صراحة تلك؟! لا تورية فيها ولا تجميل “لهم الدنيا ولنا الآخرة”، وقليلا ما نجد هذه الصراحة لدى الدعاة اليوم تحت غطاء خطاب التمكين والنصر وغيرها مع تناسي لهذا أو تجميل له.

فلعلك أخي تبصر موضع قدميك من هذه المؤثرات فتحاول حفظ قلبك وعقلك من الافتنان بها مع تذكير نفسك بأن ترضى بما قسمه الله لك وتضع عينيك على الآخرة.


المصادر:

[1] الحافظ ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 249

[2] الدكتور خالد السبت، شرح رياض الصالحين، موقع الدكتور على الشبكة

https://cutt.us/z0jDB

[3] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، دار إشبيليا، 115

[4] المصدر السابق، 121




أسلمة الكرة وإدارة الوهم!

لا أرجّح أنّ تكليف أحد الأقطار العربية بتنظيم كأس العالم هو نزوة سياسية أو ارتجال دولي، لأنّه لا شكّ بأنّ النظام الدولي الحالي تجاوز فترة المراهقة السياسية بأشواط وأشواط! لذا ما يبدو أنّ تكليفنا بالتنظيم الكروي ليس انتصاراً سياسياً عربياً أو فتحاً إسلاميّاً لحضارة الغرب! بل هو ربما فخٌ حضاري وتكريس احترافيّ لانتصارات النقيض الثقافي ومحاولات واثقة عابرة للقارات تهدف لسوس الرأي العام العربي والإسلامي إلى ميدان المعارك الافتراضية لتكريس غيابه وتغييبه عن المشاركة في الساحة الحضارية الفاعلة! ليس انتصاراً أن نُلبِس لاعباً لباسنا العربي وهو ذاته الذي ألبس شعبنا ومفكّرينا لباسه الكروي! ليس انتصاراً حضارياً أن نقيم فعّالية ما لثقافات الغير في مشرقنا، فهذا الانتصار هو انتصارٌ لصاحب الفعّالية وليس لمنفّذها، الانتصار الحضاري يكون عندما يشيّد لنا الآخر الثقافي لديه فعّالية ثقافية تخصّ حضارتنا العربية والإسلامية! ما يجري هو انتكاسة خطيرة للحضارة العربية والإسلامية بنكهة الانتصار الاجتماعي، وإنّ خطورة ما يجري هو ليس في تسلل معلومة أو معلومات أو بإضاعة الوقت وهدر الأموال والتبذير والإسراف أو متابعة الكرة لمجرّد الكرة، أبداً ليس في كلّ ذلك! بل الكارثة هو أنّ ما يجري يعبث في مناهج التفكير الاجتماعي الإسلامي والعربي! إنّ ما يجري هو تكريس للغيبوبة الحضارية وتديين للكرة والحذاء الرياضي وتوظيف للدين وتحويل الملعب لمعبد حضاري والجماهير لدراويش يطوفون بعواطفهم وهم سكارى حول الوثنية الأنيقة! لا تغرّنك الصور الاجتماعية الإيجابية التي تحاكي العاطفة العربية والإسلامية والتي اعتبرها البعض نصراً اجتماعياً وحضارياً وثقافياً، إنّ مثل هذه المشاهد لا تعدو كونها صرخات إعلامية دون صدى وبذور بلا تربة وسارية بلا جذور! هي لا تعدو عن ديدان يستخدمها الصياد الدولي ليس لأنّه يحبّ الديدان ولكن لأنّ السمك هي من تحبّ الديدان!

تديين الكرة

ما يجري اليوم في كأس العالم هو تديين لكرة القدم والحديث عن تسويق الإسلام خرافة ساذجة، الدين في هذه الفعّالية العالمية لا يعدو عن طعم اجتماعي يصطاد بواسطته القائم بالاتصال الحضاري الدرويش الاجتماعي والثقافي والديني!

إنّها لظاهرة عجيبة وتحتاج لوقفات بحثية لا يحيط هذا المقال بتفاصيلها! كيف لمشايخ الصوفية والسلفية والمجددين أن يخضعوا لإرهاب الجماهير التي تحجّ للكأس وتتعبّد الكرة في هذا المعبد الرياضي الحضاري! إنّه لسقوط حضاري نخبوي أن نشاهد المثقف الديني والعالم والشيخ ذو الحضور الاجتماعي الكبير راحوا يتفننون بتكريس ثقافة الكرة دينياً بطريقة أو أخرى، لدرجة أنّ بعضهم أصبح يتعبد الله بالدعاء بنكهة رياضية! وآخر يستحضر الفتوحات الإسلامية والصراعات الحضارية مدعياً أنّ ما يحصل أساسٌ بإمكان الحضارة الإنسانية أن تبني عليه!

والحقيقة أنّ ما يحصل هو تخدير للسلوك وتفريغ وتوظيف للعواطف الإنسانية محرّك السلوك الإنساني في غير مكانها اللائق! إنّنا اليوم أمام إسلام وظيفي ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل الأخطر هو امتداده لكافة الأصعدة الاجتماعية والثقافية والمدنية والرياضية، ممّا يُنذر بدوره بتعطيل حركة هذا المتغير الإسلامي بالمطلق ويحوّله لقوة عاطفية دافعة يتم استغلالها لتحقيق أهداف مشاريع سياسية واستراتيجية لقوى الحضارات النقيضة لا لكيانها الذاتي! الدين اليوم يبعد أشدّ البعد عن منهج الدين الحقيقي المبني في أصوله على أسس الحرية والتدافع الاجتماعي والسياسي والثقافي وفق ثوابت ومتغيرات معيّنة.

النصر الافتراضي وصناعة الوهم

إنّ أخطر ما ينتج عن خلط الكرة بالدين والقضايا الاجتماعية، هو خلق حالة نصر افتراضية أو هزيمة افتراضية بما يتعلّق بأمور حضارية وفكرية واجتماعية ودينية، هذه الكرة لم تعد لعبة، هذه سياسة منظمة في تخريب المنهجية العصبية للحضارة العربية والإسلامية!

ربما يتساءل البعض، أليس من المبالغة القول بأنّ الإنسان يتأثر بالواقع الافتراضي كما يتأثّر بالواقع الحقيقي؟ البتة وعلى الإطلاق.. فقد قيل قديماً: “ما قادك مثل الوهم”!. وعلى ما يبدو فإن مثقفنا المتدين الكسول قد أمل التغيير الحقيقي فراح يفرّغ عاطفته الحبلى بالعواطف في المعبد الحضاري الكروي، لينتقم بكل غباء من الحضارات المعادية، وليبدأ ببناء حضارته التي يحلم بها على سراب من الوهم الحضاري العاطفي الثقافي المتخبط التي تختلط المشاعر فيه دون إدراك!

ما يجري في كأس العالم لم يكن استحضاراً للجن بل استحضارًا للعاطفة القابلة للتوظيف وليس للبناء! نعم ما قادك مثل الوهم، إنّ الإنسان بداخلنا لا يفرق بين المؤثر الحقيقي وغير الحقيقي، وإنّ الجهاز العصبي يتفاعل مع المؤثر الذي يتعرض إليه سواء كان حقيقيا أو لا؛ لذلك أرى أنّ العالم الافتراضي قادر على إعادة هيكلة الثقافة انطلاقا من العواطف لا العقل والسلوك الإنساني وبالتالي من الممكن أن يشعر الإنسان بالانتصار وهو مهزوم!

إنّ إدارة السلوك بواسطة العاطفة بالطبع لا تتحقق بصورة أو موقف أو فعّالية، بل بمنظومة منهجية متكاملة تشمل كافة المجالات والمفاصل الاجتماعية والإعلامية، لذلك من المستبعد أن يتأثّر المواطن الغربي في مثل هذه السلوكيات لأنّه خاضع لمنطومة واثقة تحكم مدخلاته، في حين يتأثر المواطن العربي بالأفكار والمناهج الفكرية السلبية حكماً لأنّه مستهدف بشكل ممنهج ومنظم وبكافة المجالات المفصلية!

في المقابل فإنه من غير الصواب -أصلاً- أن نحقن الجيل الإسلامي بعواطف غير متوازية مع خطوات التثقيف العقلاني والفكري، لأنّ ذلك من شأنه في الوقت الراهن أن يجعل هذه الشرائح الاجتماعية العاطفية المستهدفة سهلة الانقياد الحضاري والتوظيف السياسي من قبل النقيض الحضاري. وعندها نكون أمام ظاهرة خطيرة وهي تغييب العقل واستحضار العاطفة القابلة للتوظيف لتحقيق مصالح الآخر السياسي أو العسكري أو الثقافي، بدلاً من أن تكون العاطفة والحماس أداة متزنة تتناغم مع العقل والتعليم، لتشكّل قوة حركية دافعة قادرة على الحضور في منظومة حضارات العالم!

أمّا التفاؤل بإمكانية تحوّل السجود في الملعب لثقافة عالمية وإنسانية تفاؤل في غير موضعه، فالسجود في الملعب هو للكرة والجمهور وإن كان ظاهره لله! وحتى لو تحولت السجدة جدلاً لثقافة عالمية، فأين الانتصار بأنّ نربي إنساناً وثنياً سلوكه لا ينبع من علمه بل من عاطفته! أليس الله هو من قال: {فاعلم أنّه لا إله إلا الله} [محمد: 19] بهدف ألّا يتحول الدين لأداة تكريس للوثنية المقنعة وكي لا يتحول بدوره أيضاً لفريسة آمنة للتوظيف السياسي! إنّ قناة التغيير الحضاري السليم ليست العواطف، وإنما التفكير والعقل!

اختطاف الفضيلة

لقد لاحظت في الآونة الأخيرة استراتيجية ملفتة يتّبعها رجال العلاقات العامة في علوم الإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي أثناء تسويقهم الاجتماعي لأفكار دخيلة إلى الثقافات العربية الإسلامية أو أثناء تفريغ أفكار الثقافة العربية الإسلامية من فاعليتها لتبقى مجرد منظومة عواطف قابلة للتوظيف وخالية من الفاعلية الحضارية.

هذه الاستراتيجية أُطلِق عليها -إذا صحّ التعبير- استراتيجية (اختطاف الفضيلة)، حيث يتترّس التافهون بالفضيلة ويستخدمونها كطعم اجتماعي يهدف إلى اصطياد الفريسة الاجتماعية المنحدرة من أصول الثقافات النقيضة بالنسبة للقائم بالاتصال الحضاري والثقافي، لذلك أصبحنا نشاهد الخاطفين وبكثرة غير مسبوقة من لاعبين ومغنيات وراقصات وفنانات وإعلاميات وممثلات أفلام إباحية حتى! يتترّس أحدهم وراء الفضيلة (الحجاب، بر الوالدين، تحرير فلسطين، المقاومة… الخ) أي القضايا المتفق عليها اجتماعياً في الثقافة المستهدفة، ويتم الكلام عن هذه القضايا الاجتماعية بإيجابية وخشوع تام، إلّا أنّ واقع المتكلّم يناقض ما يتكلم به، مما يؤثر استراتيجياً -بطبيعة الحال- وسلباً على فاعلية الفكرة وتقبّلها، لوجود هوّة شاسعة وتناقض فادح بين القائل والقول!

لكن النتيجة الاجتماعية الآنية حتماً تكون هي تنصيب هذه الشرائح الاجتماعية (الخاطفين) كأحد القدوات الاجتماعية المتصدرة في العقل الجمعي وبعقل المراهق الاجتماعي الذي يعيش بالتوازي حالة سبات بالغة مع حضارته إلا اللهم بالنسبة للمبادئ المتحكمة به نفسياً والمنبثقة من ذاتية المجتمع العميق، لكن بذات الوقت إنّ هذه المبادئ لا تعدو كونها أقرب لمرض نفسي اجتماعي، من كونها منظومة قيم قادرة على تشكيل حضارة ثقافية مؤثرة يمكن أن يتم البناء عليها في المستقبل!

ونتيجة لـ(اختطاف الفضيلة) من قبل هذه الشريحة الاجتماعية المتحكمة والمسيطرة على اللاوعي العربي الإسلامي، يتأثّر المراهق الاجتماعي بهذه القدوات ويتقبّلهم كأحد النماذج المكونة لثقافته وفكره ومنهجه، وبالطبع فإنّ المراهق الاجتماعي العربي الذي يعاني -بطبيعة الحال- من اضطراب في الهوية والمسكن والاستقرار، يتقبّل بطريقة لا إرادية كافة الأفكار السيئة الأخرى التي تؤمن بها هذه القدوات مسبقة التصنيع السياسي والتي اختطفت بدورها الفضيلة قولاً لا فعلاً، لأنّه من طبيعة العقل الجمعي أنّه يعجز عن الغور في التفاصيل، ويستقبل منظومة فكرية لشخص بعينه، لمجرد أنّ هذا الشخص المشهور أثنى على فضيلة ما يمارسها هذا المراهق، وعليه إنّ المراهق الاجتماعي يقبل الآخر بصورة عامة ودون تفنيد كافة أفكاره.

لذلك فإنّ الحديث الراقي عن فضيلة الحجاب إذا صدر من ممثلة متخلّعة أو إعلامية استعراضية خاضعة بقولها وأفعالها، فهو حديث لا معنى أو تأثير له حضارياً مهما بلغت شهرة هذه المتحدثة! واليوم نلاحظ أنّ استراتيجية “اختطاف الفضيلة” تتم بشكل ممأسس واحترافي وغير مقصود عربياً من خلال صبغ كأس العالم ببعض المشاهد الاجتماعية الإيجابية، وهذا باعتقادي لا يؤدي لتسويق الفضيلة بل لاستخدام الفضيلة لتسويق نماذج بعينها ولتسويق منهج تفكيري يكرّس الغيبوبة الحضارية التي تسيطر على الواقع العربي والإسلامي منذ عشرات العقود!  فإنّ مشهد اللاعب المغربي وهو يراقص أمّه فرحاً، يخلق استجابة متباينة، ما بين عقل المتلقي الغربي والعقل العربي بطبيعة الواقع، لأنّ الرسالة لا يكمن معناها بذاتها، بل تقرأ بواسطة الرموز المتراكمة في عقل المتلقي، ولا شكّ أنّ رمز مفهوم الأم بعقل الابن الغربي والعربي تحدده متغيرات التربية والمناهج والمدرسة وأسلوب الحياة، لا صورة لأحد الرقصات! التخيل أنّ هذه الصورة ستغير قواعد الأسرة في الغرب هو تفكير سينمائي ساذج! أيضا إنّ طرح قضية الشذوذ في المنطقة العربية بكأس العالم بهذه القوة يؤدي لتسويق الشذوذ لا العكس، لأنّ طرح الفكرة سواء بشكل إيجابي أو سلبي في بلد لا تتكلم بهذه الفكرة على المستوى الاجتماعي هو بحدّ ذاته تسويق للفكرة! أمّا الزعم أننا نعالج الشذوذ الموجود في الغرب فهذا كلام غير منطقي لأنّه تبعا لما بينت أعلاه بأنّ الرسالة تقرأ بالرموز الموجودة بعقل المتلقي، يعني أنّ الغرب اليوم ما زال ينظر للشذوذ بطريقة إيجابية ولكن أصبح ينظر للعرب بأنهم ضد الحرية.

في النهاية ولئلا نبخس الجهة المنظمة حقها أؤكد -انطلاقًا من قوله تعالى: {قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وإذا أردنا أن نحكم على الجهة المنظمة انطلاقاً من مكانها الجغرافي وسياستها الداخلية مع مواطنيها فهذا إنجاز لا شك ولكن على مستوى الأمة فالأمر يختلف لاختلاف الخطط الثقافية والسياسية والاجتماعية الموازية في باقي المناطق العربية، وفي زمن الإعلام لم يعد بإمكاننا الحكم على فاعلية وصلاحية الحدث بمعزل عن متغير الإعلام الذي حوّل العالم العربي والإسلامي لقرية صغيرة.




هل استطاع الغرب حرفَ الإسلام نحو التشوّه الحداثيّ؟

أصدرت مؤسسة راند، التي تعتبر من أهم مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية، وأحد أهم الأذرع البحثيّة للإدارة الأمريكية تقريرًا بعنوان “الإسلام الديمقراطي المدني” قبل حوالي تسع سنوات، يهدف الطرق المناسبة لتغيير الدين الإسلامي وفق قوانين النظام العالمي، ويطلب تشجيع الحكومات والشعوب المسلمة على الإقدام لتنفيذ ذلك الأمر.

اقترح التقرير الإستراتيجيات المناسبة لبلوغ هذا الهدف، حيث تقول الباحثة النمساوية صاحبة التقرير شيريل بينارد: “من الواضح أن الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث، بل المجتمع الدولي برمته، يفضلون جميعًا عالمًا إسلاميًّا متناغمًا مع النظام العالمي، فمن الحكمة تشجيع العناصر الإسلامية المتوائمة مع السلام العالمي والمجتمع الدولي، والتي تحبذ الديمقراطية والحداثة”(1).

إن المقصود هنا هو إعادة بناء عالم إسلامي خاضع للقوانين الدولية التي يضعها الغرب وأمريكا دون نقدها أو رفضها من قبل الشعوب الإسلامية وحكوماتها، ودون الحاجة للعودة إلى المرجعية الإسلامية وشريعتها حتّى ولو كانت هذه القوانين مخالفة للفطرة الإنسانية، فالهدف هو فصل العالم الإسلامي عن عقيدته الإسلامية وعن شريعته والتطبيع مع القوانين التي تضعها الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

لنا أن نتساءل اليوم بعد مرور حوالي تسع سنوات عن إصدار هذا التقرير، ما هي الإستراتيجية المتبعة لبلوغ أهداف التقرير، وغرس الحداثة في روح العالم الإسلامي، وما مدى تأثيرها في واقع مجتمعاتنا اليوم؟

الإستراتيجيّة الأمريكيّة

إن أساس الإستراتيجية الأمريكية في تغيير الإسلام وتمييعه قائمة بدرجة أولى على دعم الحداثيين في مختلف مجالات الحياة والترويج للحداثة، وتأكيدًا على ذلك تقول الباحثة شيريل بينارد: “والرؤية الحداثية متوافقة مع رؤيتنا. ومن بين كل الأطياف، فإن هذه الفئة شديدة الاتساق مع قيم وروح المجتمع الديمقراطي الحديث، وهذا يشمل بالضرورة تجاوز الاعتقاد الديني الأصلي أو تعديله أو تجاهل بعض عناصره على نحو انتقائي. والعهد القديم لا يختلف عن القرآن في دعم ألوان من القيم والمعايير وترسيخ عدد من القوانين الشاذة إلى درجة لا يمكن تصورها بغض النظر عن تطبيقها في مجتمع اليوم الحديث”(2). والسؤال المطروح هنا ما هي أسس الرؤية الحداثية؟

الحداثيون يعتبرون الإسلام حركة تاريخية وشريعته غير ثابتة بل هي لا تصلح إلا في الفترة الزمنية التي ظهر فيها ويمكن تغييرها وفق متطلبات العصر مع الحفاظ على القيم الأخلاقية والإنسانية التي لا تتعارض مع قيم الديمقراطية والحداثة العالمية، وللفرد حرية التديّن وفق الطريقة التي تناسبه وتبقى دائمًا مصلحة المجتمع أهم من تعاليم القرآن وأحكامه، فالحكم والقوانين المنظمة للحياة في مختلف المجالات لا علاقة لها بالإسلام بل هي فقط من صنع العقل الإنساني وفق ما يرى فيه مصلحة له ولمجتمعه.

لا تقتصر الاستراتيجية على دعم الحداثيين وحدهم بل إن أمكن دعم غلاة التصوّف غير المنضبط بتعاليم السنة النبوية الذي يوصى بالانعزال من الحياة والتعبّد السلبي الذي لا ينشر إلا البلاهة والخرافات والضعف والجمود! فمن الوصايا في هذا التقرير نجد: “تعزيز مكانة التصوف بتشجيع الدول التي توجد بها تقاليد صوفية قوية على زيادة الاهتمام بهذا الجانب من تاريخها وبثه في مقرراتها المدرسية”(3).

ومن أهم بنود هذه الإستراتيجية هي دعم الرؤية الحداثية للإسلام والترويج لها ونشرها تحت غطاء الإسلام الحداثي وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم بظهور نخب مثقفة في المنابر الإعلامية تفسر الإسلام وفق أهوائها وتبطل أحكامه وتحل ما حرم الله في كتابه، ومن البنود أيضًا صناعة قدوات وزعمات وعلماء حداثيين وتصديرهم للعامة، ومحاول غرس أفكارهم داخل المجتمع، وإظهارهم على أنهم يملكون الحل لمختلف المشاكل، وبهم يتقدم المجتمع، وجعلهم رموزًا قوميين، بهدف التأثير في العامة ودفعهم للاقتداء بهم في كل شيء، فيسلمون لقولهم وأمرهم.

من أهم البنود التركيز على مبدأ الاختلاف والتفرقة بين مختلف الطوائف والمذاهب الإسلامية وتأجيج الصراعات بينهم مع استغلال أخطاء زعمائهم وزلاتهم الأخلاقية، ونشرها بين العامة، مع إبراز فشل الجماعات الإسلامية في الحكم وعجزهم عن النهوض بالبلاد، وتقديم المشروع الحداثي على أنه البديل والحل للتغيير والنهوض، وكثيرًا ما نرى اليوم بعد الثورات وصول الأحزاب الإسلامية للحكم وإخفاقها لأسباب داخلية أو خارجية، ومن ثم الترويج أنّ سبب ذلك هو توظيف الإسلام في السياسة وعدم صلاحيته لذلك ومن ثم الدعوة للفكر الديمقراطي الحداثي وإيهام الناس بذلك، ومن البنود أيضًا التشكيك في الثوابت الإسلامية كالسنة النبوية وبث الشبهات حولها، حتى يشعر الفردِ بضعف وشكّ في دينه فيترك تعاليمه ولا يُصدّقها، وكثيرًا ما نرى في الآونة الأخيرة حملات تشكيك تهز المجتمع وتتركه تائها.

من البنود المهمة فكرة ترسيخ مفهوم تحديث أو تجديد الإسلام على النحو الحداثي في مناهج التعليم وغرسه في الناشئة وأنه هو طريق السلام العالمي والتقدّم والتطوّر والتّرويج لذلك في المنابر الإعلاميّة وربط مشاكل المجتمع بالشّريعة والدّين، ونحن اليوم نعاني كثيرًا من مشكلة هجر أبنائنا لتعاليم الإسلام والتمرد عليه. فهذه البنود هي الواردة إجمالًا في التقرير، ولمن أراد التوسع فيها فيمكنه العودة للتقرير ومراجعته.

مظاهر الإستراتيجيّة الأمريكيّة داخل مجتمعاتنا

بعد هذه السنوات من العمل والتنفيذ لهذه الاستراتيجية، بتنا نرى اليوم أجيالًا لا تعرف من الإسلام إلاّ الاسم، بعيدة عن مبادئه ونافرة من شريعته، ترى ضرورة فصل الدين عن السياسة والاقتصاد، وجعله حرية شخصية لمن أراد الالتزام به، كما أن من يُطبّقه في نفسه وأهله صار يشعر بالغربة والتنمّر في مجتمعه المسلم، وفي المقابل أصبحت الحداثة والديمقراطية والقوانين الوضعية هي المرجعية لكل شيء، ومن أراد الاستقرار ومواكبة النظام العالمي فلا بد له من الانسجام مع هذه المفاهيم فالدين لم يعد المميّز لهوية المسلم ومرجعيته ومبادئه في الحياة، فقد أُفرِغ من محتواه وأصبح عقيدة خاوية بلا عمل ولا التزام!

أصدرت “بي بي سي” تقريرًا يثبت تراجع نسبة التديّن في العالم العربي سنة 2019 إذ ارتفعت نسبة الغير المتدينين من 8% إلى 13% منذ عام 2013، ويعتبر هذا الأمر ملموسًا في مجتمعاتنا فقد أصبحت المصلحة هي الراجحة حتى ولو كانت حرام ولم يعُد هنالك توقير وتعظيم للحدود والحرمات التّي وضعتها الشريعة الإسلامية وأصبحت هناك توسّع في اللامبالاة بأحكام الإسلام خاصة لدى غالبية الشباب فيمرحون ويعيشون وفق أهوائهم، وبالتالي تبع ذلك انحلال الروابط الأسرية وعدم تحمل المسؤولية والكثير من المظاهر السلبية تحت مُسمّى الحداثة والحريّة.

في هذا السياق لا يمكن نسيان موضوع المرأة وتصاعد أيديولوجيات النسوية وارتفاع ظاهرة خلع الحجاب والابتعاد عن الحياء وانتشار التعرّي في الأماكن العامة، ومن هذه المظاهر أيضًا ما يحدث اليوم في بعض البلدان العربية من محاولة تجديد الإسلام -كما يقولون- وإدخاله تحت منظومة الحداثة، فانتشر الاختلاط والحفلات الصاخبة تحت مسمى الحداثة، وأصبحت هنالك دعاوى لتحرير المرأة وفق المنظور الحداثي الغربي، ولم يعد المجتمع المحافظ فيها محافظًا كما كان تحت وطأة عملية التحديث!

مؤخّرًا أصبحت هنالك حملات متتالية من أجل دمج العالم الإسلامي في النظام العالمي، بهدف قبول الشذوذ الجنسي واعتباره حرية شخصية لا علاقة له بالدين وتغييبه عن توجيه العامة للصواب، فأصبح من المسلمين المعاصرين من يدعم هذا السلوك الشاذ ويدافع عن أصحابه باسم الإنسانية!

هل نجح الغرب باستراتيجيّته؟

لنا أن نقول هنا بأن الغرب حقق نجاحًا ملموسًا في هذه الإستراتيجية المُتّبعة، فمجتمعاتنا اليوم أصبحت بعيدة عن دينها وأحكامه، وبات الكثير من الناس لا يُقيم للدين وزنًا، ولا تحتكم لشريعته، ويا لها من حقيقة مفزعة ومحزنة!

إن المسلم اليوم الذي يتعامل بالربا ويعتبر ذلك من متطلبات العصر، وأنّ الدين يبيح في نظره ذلك بسبب المُتغيّرات التّي نعيشها، والمسلم الذي يقنع نفسه بأن التصرفات اللاأخلاقية التي  يشجع عليها الشيطان وينهى الإسلام عن اقترافها، هي أفعال لا بأس بها ولا شأن للدين في تنظيمها، أهذا المسلم هو الذي وُصِف بأنه المستسلِم لأمر الله الباحث عن رضاه ومقيم الدين في نفسه وأهله.

فالمُسلم المُعاصر الذي يعتبر الانتساب للدّين شأنًا صوريًّا، فلا يلتزم بأحكامه وشريعته، ويرى أنه غير مُطالبٍ بالالتزام بتعاليم الدين، وأنها قد تتغيّر بتغيّر متطلبات العصر، فإنه سائر على خط ما يُسمّى بـ تحديث الإسلام وفق النهج الديمقراطي الذي تسعى أمريكا لترسيخه بيننا.

المفهوم الحقيقي للإسلام

انساق كثير من الناس وراء هذه الإستراتيجية دون وعي منهم، إلى جانب انبهارنا بما تُقدّمه الثقافة الغربية لنا، ولكن إذا أردنا العودة للعقيدة الصحيحة وإصلاح واقعنا فلا بد لنا أن نعلم أوّلا أنّنا نخوض حربًا عقيدية هدفها مسخ الهوية الإسلامية وذوبان مجتمعاتنا داخل النظام العالمي وهذا ما نبهنا منه الله عز وجل في كتابه العزيز: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

كما أنه لا بدّ لنا -ثانيًا- من العودة للمفهوم الصحيح للإسلام وكيف ينبغي لنا أن نفهمه، فالإسلام الحقّ يكون بتسليم النفس كلها لله وأن تكون أفكارنا ومشاعرنا وأقوالنا وسلوكنا العملي محكومة كلها بما أنزله الله لنا من قرآن وسنة نبوية.

إن شهادة أن لا إله إلا الله تعني أن الله هو الخالق والمالك لهذا الكون والمُدبّر الوحيد لكلّ ما يقع فيه من أحداث ولا يخفى عليه شيء في هذا الكون الفسيح، فالأمر كله بيده فلا نافع، ولا ضارّ إلا الله فهو سبحانه وحده واهب الحياة ومُقدّر الموت لكل شيء، وهو وحده الرزّاق ذو القوة المتين، وهو وحده الذي ينبغي أن يُعبَد وأن تتعلّق به وحدَه القلوب فلا تخشى أحدًا سواه ولا ترجو أحدًا غيره، وهو وحده الذي يملك ويُشرّع للبشرية ويضع لهم النظام والقوانين التي يجب أن تقوم عليها حياتهم في مختلف مجالات الحياة فهو وحده العليم الخبير بما ينفع عباده بدون مصلحة أو محاباة لأحد، وكيف لا وهو الغني عن العالمين! وعلى المسلمين في المقابل أن يلتزموا بهذه القوانين والأحكام ويسعوا لإقامتها في واقع حياتهم والدعوة إليها وأن تكون هي مرجعيتهم في كل صغيرة أو كبيرة.

وأما شهادة أن محمدًا رسول الله فتعني أنه صلى الله عليه وسلم هو المُبلّغ عن ربّه بما أوحى له، ويجب الاقتداء به واتّباعه وطاعته مع طاعة الله، كما يُعتبر النّموذج الحي للتطبيق العملي لرسالة الإسلام، فلذلك وجب أن يكون هو القدوة والمعلم الأوّل في كلّ عمل وتصرّف وقول وما علينا إلاّ الاقتداء بسنته والتمسّك بها.

وهذه هي الحقائق العامة التي يجب أن تستقر في قلوبنا، وإعادة إحيائها من جديد، وأن نعود إلى الطريق السوي الذي رضيه الله لنا، فمن البداهة أننا لا يمكن أن ندّعي الإسلام ثم لا نلتزم بأحكامه بل نخالفها وندعي أنّ الإسلام في القلب وفي النية الطيبة! فالإسلام منهج حياة كاملة لا يُمكن تجزئته وفصله عن بعضه البعض وعلينا التشبث به مهما يترتب على ذلك من أخطار وتداعيات فهو الطريق الوحيد الذي سيوصلنا للنور والفلاح في الدنيا والآخرة.

ختام القول

إذا أردنا مقاومة هذه الموجة من الدعاوى لتحديث الإسلام وفرض نزعة الديمقراطية عليه وفق النموذج الغربي والأمريكي فعلينا أن نستيقظ من غفلتنا ونعي دورنا الفعّال بوضع استراتيجية متكاملة على مدى سنوات يتشارك فيها الجميع من مسلمين ودعاة وعلماء وفقهاء صادقين هدفها إعادة الروح المؤمنة وتوجيهها إلى حقيقة الإسلام وإيقاظ الضمير الخاضع لله من جديد.

على جميع الأفراد المُصلحين أن يكونوا خير نموذج تتجسّد فيهم مفاهيم الإسلام الحقيقية، ويجب أن نُذكّر من حولنا بهذه الحقيقة عن طريق الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والالتزام المستمر بدورنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي يرضي الله عنّا.


الإحالات

(1) تقرير مؤسسة راند، الإسلام الديمقراطي المدني الشركاء والموارد والإستراتيجيات لشيريل بينارد، الطبعة الأولى سنة 2013، دار تنوير للنشر والإعلام، ص 13.

(2) المصدر السابق، ص: 73.

(3) المصدر السابق، ص: 115.




شوقًا إلى رسول الله.. خطوات عمليّة في الاقتداء به

مع تلاحق الأحداث وتتابعها، وتكدُّس النوازل التي تطعن في الأمة وأبنائها، ومع الشعور بقلة الحيلة الذي ينتابنا بين الفينة والأخرى إزاء العديد من القضايا، تتفجّر بداخلي أمنيةٌ عزيزة، وتُلِّحُّ عليّ بشدة، فأتفاعل معها وأسيح فيها وأُعايشها، ويطير معها وجداني، وبينما أحلِّق في أعاليها، إذا بي فجأة أستفيق من هذا الحلم الجميل لأجدني لا زلت في هذا الواقع، وما بين الحلم واليقظة تدفّقت كلمات هذا المقال، والتي لم تُكتب بمِداد القلم كما المعتاد، وإنما بمِداد القلب أو بشجونه إن شئتم.

حُلُمٌ غالٍ..

هذا الحلم العزيز أن أكون من ثلة المؤمنين في عهد النبي ﷺ، أعيش في كنفه، أستقبل الوحي غضًّا طريًّا، أسمعُ التوجيهات المحمدية المُشَرَّفة عند كل أمرٍ ونازلة، فلا يبقى في نفسي ألمٌ أو حيرة.

ورغم صعوبة العيش التي كان فيها المجتمع، والابتلاءات التي كانت في عهده صلوات ربي وسلامه عليه التي وصفها المقداد بن الأسود رضي الله عنه إذ قال: (لَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهَا نَبِيٌّ قَطُّ، فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتْحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ دَخَلَ النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ)، وَأنَّهَا للَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74] [البخاري في الأدب المفرَد]، إلا أنّ وجوده ﷺ كان كافيًا لمحو القروح والنوازل، وكيف لا وهو من أضاء به كل شيء في المدينة لما دخلها، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه (لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ، أضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ وَمَا نَفَضْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأَيْدِي حَتَّى أنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) [أخرجه الترمذي في السنن وأحمد في المسند].

نعم، هذا النور النبويّ الذي كانت تسري به السكينة في نفوس الناس، ولما ذهب بموته؛ كل شيء أصابه الأفول، فقد انقطع الوحي وتقطّع الحبل الواصل بين السماء والأرض، وهذا المعنى أجهش نفوس الصحابة، واستفز المقل ليفيض منها الدمع بسخاء، فها هما العمران رضي الله عنهما يدخلان على أم أيمن بعد وفاة النبي ﷺ يتفقدانها، فوجداها تبكي، فقال لها أبو بكر: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي ألّا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أنّ الوحي انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان.

إنّ مجرد ذكر اليوم الذي اشتد فيه وجع النبي ﷺ كان كافيًا لاستحضار حجم الفقد وعِظَم المصيبة، فـ (كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا حدّث عن موت النبي ﷺ يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثم يبكي حتى يبلّ دمعه الحصى، فقيل له: يا ابن عباس، ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه) [مسلم في الصحيح].

وإنني أرى خفوت هذا الحلم يزداد من فحوى السياق كلما تقدمت فيه وأمعنته، وإنّ هذا المصاب سيظل من النوازل الأليمة لهذه الأمة، وكما قال الشاعر

فإذا أتتك مصيبة تُشجى بها ** فاذكر مصـابك بالنبي محمد

بشائر نبوية

بعدما يفيق المرء من هذا الحلم الجميل على تلك الحقيقة القاسية، فإنه سجيةً يبحث عن بريق أملٍ تتلألأ فيه البشريات المحمدية، ومن عظيم الرحمة الإلهية ومقتضى علمه المحيط بالبريّة، علم سبحانه وتعالى أنّ ثمة عبادًا مؤمنين يأتون بعد موت صفيه، تتوق قلوبهم شوقًا لنبيه، فأوحى إليه بمبشّراتٍ لهم لتكون قوتًا لتلك القلوب التقية، فكانت مكافأة من آمن به دون رؤيته، هي حيازة محبته، والشهادة لهم بالخيرية، فقد روى الإمام أحمد من حديث أبي جمعة – رضي الله عنه – قال: (تغدّينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني [أخرجه أحمد في المسند]

بل أعلمه ربه هيئة أحسن اتباعه، التي سيعرفهم بها عند لقياهم على الحوض، وكذا صفة من بدّلوا بعده وخاضوا في كل خوض، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، فقالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليُذادَنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).

دلائل النبوة لا تنضب!

بالرغم من أنّ العلماء رصدوا مئات الأدلة الدامغة التي تثبت النبوة المحمدية وصدق الرسالة الربانية، إلا أننا نجد دليلًا وجدانيًا آخر لا تفسير له سوى أنّ هذا الرجل حقًا مرسلٌ من عند الله ومؤَيَّد، فعندما نتصفح التاريخ الإنساني، نجده ممتلئًا بعظماء وعباقرة حازوا على إعجاب خَلَفهم، ونجد أنّ بعضهم كُتِبَ فيه قصائد المدح وقصص البطولة، لكنّ هذا الإعجاب الكبير يظل في سياج العقل، أو بالكاد يتعدّاه فيحرِّك الوجدان، لكن ما نراه حيال حَرَارة الشوق لنبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه يتجاوز ذلك كله، إذ إنه يصل إلى الجوارح ويحركها باتباعه والعمل بمقتضى سنته والذود عنه ولو بالنفس بمنتهى الرضا والجسارة، وإنّ هذا الفداء لا يحصل في سياق النفوس البشرية إلا عند الوصول إلى مرحلة عليا من اليقين، ذاك اليقين الذي ترسخ في سويداء القلب مطمئنًا بالله، ثم امتدّ إلى نبيه ورسالته ليجد ذات الرسوخ تجاهه دون رؤيته، ويعمل بمقتضاه طمعًا في جنة عرضها السماوات والأرض، وهذه الحالة الإنسانية لا يمكن أنْ يحظى بها إنسان عند جمعٍ غفير من الناس إلا إذا كان هذا الإنسان له حبلٌ مع مالك القلوب وبارئ النفوس سبحانه وتعالى.

واجبنا نحو رسول الله ﷺ

إنّ أوجب الواجبات تجاهه صلوات الله وسلامه عليه هي حسن اتباعه وتمام محبته، فيكون أحب إلينا من أهلنا ووالدينا والناس أجمعين، يقول بن حجر رحمه الله في فتح الباري “وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فإن المحبة الحقيقية تتجلى عند العمل بمقتضاها في مواطن النصرة، فلا تكون محض شعارات رنانة تختفي وتذوب عند عتبة أول اختبار لصدق المحبة والنصرة.

وكذلك نحفظ له ولصحابته رضوان الله عليهم أجمعين عظيم فضلهم في حفظ هذا الدين ونقله لنا وجهاد من ساموهم سوء العذاب لأجلنا، فنشأنا مسلمين ولله الحمد دون الذب عن الدين بالأرواح أو تحت صليل السيوف، فكما قال المقداد بن الأسود رضي الله عنه (تَحْمَدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ، فَتُصَدِّقُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ) [البخاري في الأدب المفرد].

الواجبات الناشئة عن وجودنا في هذا الزمان

إنّ تواجدنا في هذه الحقبة الزمنية المليئة بالفتن والصعوبات والبلايا يقتضي منا مزيد عملٍ وبذل في ميادين متعددة، وبالرغم من أنها محنةٌ عظيمة حقًّا، إلا أننا يمكننا تحويلها إلى منحة رائعة، إذ إنّ أزمنة النصرة والتمكين تندر فيها مواطن البذل والصبر والجهاد، وتقل فيها الثغور التي يمكن أن يقوم عليها المسلم، ويكون الرخاء فيها نذير شؤم لسقوطٍ جديد، وهنا تتبلور المنحة الحقيقية، وهي الفرص الهائلة المتاحة للعمل والجهاد، والأوقات السانحة لنري الله منّا خيرًا وبذلًا، واثقين من قدوم النصرة والتمكين سواء قضينا نحبنا قبله أو انتظرناه وعاينّاه، فقد قال الله عز وجل {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور: ٥٥] وهذا والله خيرٌ عظيم كفيلٌ لإحياء الهمم والعزائم لتلحق بموسم الأجر والصبر والمثوبة والجهاد، وهذا هو الميدان الأول.

أما الميدان الثاني فإنه يتمثل في التعاطي مع الواقع الحالي الذي يختلف تمامًا عن واقع الصحابة الكرام، ونجده يتجلى في سياقات متعددة منها:

السياق التربوي

إنّ الذين لا يبذلون جهدًا في البناء التربوي لهم ولأبنائهم في هذا الزمان، ولا يشيّدون بناءً فكريًا راسخًا يستطيعون به تحصين أنفسهم من نوازل هذا العصر، ونقل هذه الحصانة لذريتهم، مُعللين ذلك بأنّ الناس في عصر النبوة لم يكونوا على علمٍ بهذه النُسُق التربوية، ولا تلك القريحة الفكرية، وخرج منهم رواد الأمة وعظمائها.

والحق أنّ من يردد هذا الكلام في عصرنا واقعٌ في وهمٍ كبير ناتجٌ عن قصور في تصور الواقع، أو كسل وتقاعس عن العمل بمقتضى العلم، إذ إنّ المسلمين في عصر النبوة لم يكونوا في حاجة إلى تعلُّم تلك المهارات لأنهم كانوا أناسًا يمتلكون فطرة سليمة ونفوسًا سوية، ويعيشون في حاضنة مجتمعية سمتها الأبرز التسليم لله ولرسوله وطاعتهم، فنشأت الأجيال بشكلٍ طبيعي على ذات المنوال، فلم يحتج الآباء بذل جهد إضافي للحفاظ على أبنائهم أو القيام بمقاومة الوسط الخارجي لفساده.

أما نحن فلا يخفى على ناظرٍ إلى الواقع أنّ كل هذه المقومات التي تمتع بها جيل الصحابة وجعلت من مهمة التربية شيئًا يسيرًا تلقائيًا، تكاد تكون منعدمة في زمننا هذا، لذا وجب علينا للحفاظ على المحجة البيضاء التي بُذلت لها الأرواح لتصل إلينا، الاجتهاد لتكوين وابتكار تلك المقومات من جديد ولو في الدوائر الصغيرة حتى نوفر بيئة للأبناء تسمح لهم بالنمو بشكلٍ سوي فيها.

السياق الفكري

إنّ تكوين مَلَكة فكرية ناقدة لم يعُد أمرًا اختياريًّا أو تكميليًّا في هذا الزمان، بل هو من واجبات الوقت التي لا يمكن تفويتها، إذ إنّ الغزو الفكري الذي اجتاح المجتمعات الإسلامية في العقود الأخيرة ولم يترك موطن إلا دنّسه، فرض على أبناء الأمة في هذا الزمان التسلّح بالحد الأدنى من الأدوات الفكرية التي تحميهم من هذا الغزو البغيض، وتوجب عليهم مزيد علمٍ بالشريعة وتمسك بها ورؤية العالم بعين القرآن ليميز المرء الخبيث من الطيب.

فهذا التحدّي لم يكن في عهد النبوة، إذ إنّ النبع الصافي موجود بتلاوة آيات الله ووجود رسوله، وحتى شبهات اليهود والمنافقين كانت تُدحَض بآياتٍ كالصواعق تُنبئهم بما في قلوبهم وتحذر الصحابة منهم.

السياق الدعوي

رغم تنوع الملل والنِحل في عهد النبوة، وعظيم البلاء الذي تعرض له سيّد الخلق في سياق الدعوة طوال حياته، إلا أنّ المدعوّين كانوا على قدر كبير من الوضوح والمنطقية، فنادرًا ما تجد سفسطة أو إنكارًا للمبادئ العقلية الضرورية، وقليلٌ من يتحدث متسلقًا على مقاماتٍ أعلى من مقامه، وكان هناك قدرٌ من المروءة عند الناس تجعل الكثير من السياقات الدعوية فيها ملأى بالرقيّ الحواري.

أما الآن فيصعُب جدًا تحديد السياقات الدعوية في مسارات محددة لكثرة الأنواع البشرية المحتاجة للدعوة، وكثرة التحدّيات التي تواجه الداعية سواء الفكرية أو الحوارية أو غيرها، وغير ذلك الكثير من التحديات.

والسياقات الأخرى الواردة في هذا الباب كثيرة جدًا، ويمكن استخراجها من خلال فهم وإدراك الواقع الحالي، مع استيعاب مقتضيات ذات القضية في عصر النبوة.

ختامًا..

إنّ الحديث عن الحبيب المصطفى ﷺ أمرٌ مهيب وعزيز، وهو حديثٌ لا ينضب، وينبوع لا يجف، كيف لا وهو عن سيد الخلق والمرسلين الذي كان خُلُقه القرآن، الذي أُرسل رحمة للعالمين، فمن حقّه علينا أن نلقاه على الحوض ونحن على المحجة البيضاء، ثابتين على هذا الدين مدافعين عنه، معتزّين به، فإن لم يُكتب لنا شرف لقياه في الدنيا والعيش في كنف النبوة، ففرصة كتابة شرف نصرته والعمل بمقتضى محبته قائم، فلنُرِ الله منّا خيرًا.




بحثًا عن الحكمة.. وقفة مع النفس البشرية!

إن المؤمن القابض على دينه في زماننا هذا؛ قد يعيش معزولًا عن الواقع المجتمعي الحالي، غير قادر على التأثير فيه؛ فالمجتمع قد انتشر فيه مرض انفصام الشخصية المجتمعية فأصبح لا يقبله؛ ولأنّ الخلايا السليمة لا يمكنها أن تلتئم مع خلايا المجتمع المصابة تلك؛ فالواقع المعيش يذكّر بالأنيميا المنجلية -وهو مرض ينتج فيه الجسم خلايا دم حمراء غير طبيعية الشكل مثل الهلال أو المنجل- حيث تصبح هذه الخلايا جامدة ولزجة وغير منتظمة الشكل -خلاف الخلايا السليمة- فتتخثر بالأوعية الدموية الصغيرة؛ التي يمكن من شأنها أن تبطئ أو تمنع تدفق الدم والأكسجين إلى أجزاء الجسم، وبالتالي قد تؤدي إلى السكتة الدماغية، أو متلازمة الصدر الحادة، أو إلى تلف الأعضاء الداخلية بما في ذلك الكبد والكلى والطحال وغيرها من الأمراض -عافانا والله وإياكم-.

استوقفني هنا قوله عز وجل {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] وكأن الذي يحدث داخل أجسامنا إنما هو انعكاس لما يحدث من حولنا؛ وكأن في داخلنا خارطة تمكننا من فهم واستيعاب اﻷمور، ومن ثم كان لزامًا علينا أن نتدبر ونتفكر ونبصر أنفسنا.

بين السليم والسقيم..

إذا ما قسنا أحوالنا الخلقية والداخلية بواقع المجتمع حين تختلط فيه ما يشبه الخلايا المنجلية المنحرفة عن الدين والمجتمع، وخلايا سليمة، فإن ذلك قد يؤدي به إلى خلل في القيم والأخلاق، وأعظمها فتكًا إصابتها بخلل الاعتقاد؛ ولهذا السبب نجد أن العلاج الرباني يدور على التمييز بين الخلايا السليمة هذه والمصابة تلك، ونجد ذلك بنصوص واضحة الدلالة بالقرآن والسنة، وكيف ميّز بالعقوبة الحَدِّيّة جريمتي الحرابة والزنا، من خلال إقامة العقوبة ثم نفيهم من المجتمع السليم.

نجد كذلك أن الله ميّز بين الكافر والمسلم من قبل الولادة وإلى الممات؛ إذ إن المسلم لا يجوز له الزواج من غير المسلمة إلا إن كانت كتابية، والمسلمة لا تتزوج من غير المسلم، والكافر حين يموت لا يُقبَر بمقابر المسلمين، وما بين الحياة والموت هنالك أكثر من ١٣٠ حكم شرعي، تتميز فيه الخلايا السليمة هذه عن المصابة تلك.

هنا قد يقول قائل بأن اليهود قد عاشوا في المدينة بعهد رسول الله وأن دول الإسلام المتعاقبة كان فيها نصارى يقطنون شتى البقاع الإسلامية؛ والجواب عن ذلك أن المسلمين عندما أقاموا دولتهم، فإنهم لم يقيموها ليبقى الباطل كما هو، وإنما ليسلكوا في وجهه مسلك الدعوة والحكمة والموعظة؛ بتغيير الباطل إلى حق، والظلام إلى نور، والانحراف إلى استقامة، والبدعة إلى سنة؛ ومن هنا نجد قول ربنا تبارك وتعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج: 41].

خلايا الدم الحمراء المنجلية

ضرورة التمييز بين السليم والخبيث

إن اﻵيات التي تحثنا على التمييز بين الخلايا السليمة والمصابة بالقرآن الكريم كثيرة؛ ولكننا سنكتفي بذكر آيات سورة اﻷنفال، حيث ميز الله المجتمع إلى ثلاثة أقسام:

القسم اﻷول في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] والمقصود المسلمون القاطنون في المجتمع المسلم، حيث يوالي بعضهم بعضًا.

أما القسم الثاني، ففي ذات الآية يقول الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] أي المسلمون الموجودون في دار الكفر، فأولئك ليسوا بولاية الدولة اﻹسلامية حتى يهاجروا إليها.

في حين وصف القسم الثالث بقوله {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} أي الكفار القاطنين بديارهم فبعضهم أولياء بعض ولا شأن لنا بتلك العلاقة فيما بينهم، ومن ثم يتبع قوله بعد هذا التقسيم: {إلا تفعلوه تكن فتنة في اﻷرض وفساد كبير} أي إن لم تفعلوا هذا التمييز تكن في اﻷرض فتنة وفساد وكبير.

 إن المجتمع عندما يكون فيه المسلم، والمسيحي، واليهودي، والبوذي، والمجوسي، والأقوام المستحدَثون المناقضون للفطرة، والنسويات، فلن يكون سليمًا أصلا سواءً من الناحية النفسية أو الاجتماعية، أو العقلية، أو من الناحية العقائدية.

وهنا أذكر قصة واقعية وقعت في منطقتنا، قصّها علينا معلّمي أثناء إلقائه محاضرة في التخطيط الاجتماعي وكنا نتناول معوقات التخطيط فقال: تمّ إغلاق جامعة كذا -من دون ذكر اسم الجامعة- بسبب طالب مسيحي طالب بإنشاء كنيسة له؛ ليتعبّد فيها ربه مثلما نحن لدينا مساجد نتعبد فيها!

وهنا وقفت عند نفسي، تساءلت متعجبةً: بسبب هذا الطالب المسيحي أغلِقت مؤسسة تعليمية كاملة، وشلّت حركة الوعي والتعليم.

أجر عظيم.. لمن استمسك بدينه القويم..

شاهدنا في الفترة القريبة الماضية كيف توفّي الطفل الفلسطيني “ريان” ذعرًا إثر اقتحام قوات الاحتلال لمنزلهم، ومن قبل في العراق قصة “عبير” التي ترك حادث الاعتداء عليها في نفوسنا شرخًا ما كان للزمان أن يكون كفيلًا بمحوه.

انقلوا أبصاركم أيضًا إلى التاريخ واستذكروا رعاكم الله حال المسلمين الأوائل بمكة قبل الهجرة، حين كانوا يعانون ويصبرون، وقفوا عند قوله ﷺ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [متفق عليه] لضمان سلامتنا العقلية والنفسية والاجتماعية لا العقائدية فقط؛ فندرك عظمة هذا الدين وشموله وتكامله من كل النواحي والجوانب؛ ولهذا السبب -بحسب فهمي البسيط المتواضع- كان أجر القابض على دينه في زماننا هذا كهجرة معه ﷺ، أو كأجر خمسين صحابي.

دور التنشئة في مواجهة أمراض المجتمع الطارئة

بالنظر إلى أسباب وعوامل اﻹصابة بمرض الخلايا المنجلية فإننا سنراه ينتقل عن طريق الوراثة، وبالنظر إلى كلام الله تعالى سبحانه، فإننا سنراه يخبرنا كثيرًا في القرآن عن أولئك المترفين المعادين للرسل واﻷنبياء -المنحرفين عن الدين والمجتمع- فجميعهم قد ورثوا دينهم عن آبائهم وأجدادهم وأسلافهم.

وهنا لا بدّ من الإشارة والتنبيه إلى دور عملية التنشئة وأهميتها في مواجهة التطبيع الاجتماعي مع الانحرافات والأمراض الطارئة، -وسوف نتحدث عنه بمقالات لاحقة إن شاء الله-.

لنتمعن ببعض اﻵيات التي تخبرنا بذلك، وتوضّح لنا حقيقة الحال:

{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: 170]، وفي قوله تعالى {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} [المائدة: ١٠٤]، وقوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28]، {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين* إذ قال ﻷبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} [اﻷنبياء: 51- 53] وقوله سبحانه: {قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين* إن هذا إلا خلق اﻷولين* وما نحن بمعذبين} [الشعراء: ١٣٦-١٣٨].

وقوله سبحانه: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون* وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون* قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: ٢٢-٢٤]

إن سبب رفض هؤلاء ومقاومتهم ومعاداتهم للرسل واﻷنبياء؛ مرتبط بتمسكهم بالعادات والتقاليد التي توارثوها وأصروا على العيش بها ما بقوا من حياتهم، شأنهم في ذلك كشأن اﻷنيميا المنجلية تمامًا، ولعلنا نكشف بمقال لاحق إن شاء الله عن بقية اﻷسباب التي تجعل الطغاة يرفضون اﻹسلام.

إن اﻷعجب من ذلك كله؛ هو أن فترة عيش هذه الخلايا المنجلية يتراوح بين ١٠_٢٠ يومًا، والسليمة من الخلايا تصل إلى غاية ١٢٠ يومًا؛ ونلاحظ في القرآن الكريم أن الله يعجل بهلاك المفسدين ويمد بعمر المصلحين إلى أمد بعيد، وهذه قاعدة ربانية بأن اﻷرض يرثها عباده الصالحون مهما علا فيها الباطل واستعمرها من مشرقها إلى مغربها؛ ولذلك كان قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} [آل عمران: 196] ويقول أيضا: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: ٤]

ختام القول

إن المجتمع كاﻹنسان، له كيان ونظام شبيه بأجسامنا؛ فما يصيب الفرد في داخله، يصيب المجتمع من داخله؛ ولذلك كان قوله ﷺ عن النعمان بن البشير- رضي الله عنهما: (مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [متفق عليه].

والتغيير الاجتماعي شيء حتمي لا مناص منه أبدًا، وتغيير المجتمع يبدأ من داخل الفرد، وقف إن شئت عند قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11]، وإذا ما أبصرنا بأنفسنا أدركنا حقيقة التغيير، ولذلك كان قوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: ٢١].

اللهم عجّل بالشفاء لمرضى اﻷنيميا المنجلية ولجميع مرضى وجرحى المسلمين.




فاطمة الزهراء سيدة نساء الجنة.. القدوة المُغيَّبة

القدوة المنسيَّة والنموذج الغائب، نموذج الصحابيّة الصالحة التقيّة المُربِّية والحَيِيَّة، التي نكاد لا نجد مكانًا لذكرها في خضمِّ المنازعات النسويّة الذكوريّة عن مكان المرأة المناسب بين المطبخ والوظيفة، حيث يتجاذبها قطبا الخضوع للزوج أو لرب العمل، وكأنّ التطرّق لهذه النماذج ترفٌ كلاميٌّ وتكلّفٌ في غير وقته.

إن الخطابات النسائية الحديثة تحمل شعورًا ملازمًا بضرورة تجاوز هذا النموذج إلى ما هو أكثر مناسبة لواقع حاليٍّ متعطّش لسَوق نماذج الصحابيات المجاهدات والمتاجرات والعاملات. بَيد أنّ ما يجعل الصحابيات رضي الله عنهن قدوة للمسلمات في المقام الأول هو اتباعهنّ لشرع الله سبحانه ولهدي نَبيِّه، وبامتيازهنّ بالورع والحياء والخوف من الله، وصبرهنّ في سبيل الحق، وحفاظهنّ على أداء الواجب دون التخلي عنه في سبيل المباح أو المستحب.

ومع إغفال تلك الأركان الأساسيّة السالفة الذكر من سِير الصحابيات، تظهر سِيَرهنَّ كالأساطير، منقوصةً فارغةً من عبرتها ومضمونها، ويظهر الخطاب بدوره فاقداً لواقعيّته وتوازنه المنشود.

بين هَرَمُ الأولويات وسيدة نساء العالمين

لمَّا كان خير الهدي هدي نَبيِّنا، وخير قدوة للمسلمات من بعده هنَّ أمهات المؤمنين وآل بيت النبي من النساء والصحابيات، فلا جَرَمَ أنّ الاقتداء بهنّ في الواجب يكون سابقًا للاتباع في المباح والمستحبّ، ومن يقفز فوق الواجب متجاوزاً له، متجاهلاً لما هو أصلح وأحفظ للدِّين، فقد خاض مع الخائضين وترك المحكم إلى المتشابه[1].

ومن السِّيَر الشّبه غائبة عن الأوساط المعاصرة سيرة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها، سيدة نساء عالمها والعالمين من بعدها[2]، ابنة إمام المُرسلين محمد ﷺ من زوجته خديجة أم المؤمنين، وزوجة عليٍّ رضي الله عنه، وأمّ رَيحانَتَي رسول الله الحسن والحسين.

عن فضلها روى أحمد في المسند: (خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، قَالَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ) [أخرجه أحمد في المسند]

وقد يعود سبب التغيِيب -المتعمّد ربما- إلى ما تَحمِله هذه السيرة المباركة من قِيَمٍ تتفوّق على قيم العصر اللّاهثة خلف تحرير المرأة، وعلى الرغم من تفوّقها عليهم إلَّا أنّها سيرة قريبة من حَيَوات غالب النساء، واقعيّة تشابِهُهم، عندما تُبحر في جمالها لا بدَّ وأن تَجد فيها أيّ فتاة السَّلوَى مهما تعدَّدت الظروف وتفرّقت الأحوال، السَّلوَى لكل فتاة يتيمة الأمِّ، ترى أباها يؤذى ويحارب في سبيل الحق، ولمن تجاهد في سبيل الالتزام بدين الله مع كل الفتن المحيطة بها، ولكل فتاة فارقت بيت والدها إلى بيت الزوجيّة متجهّزة لحياة صعبة تفيض بالمسؤوليات، وللزوجة والأم المنهكة من الخدمة في منزلها ولا معين لها إلّا الله، ولكل امرأة زرعوا فيها وهمًا أنَّ رعاية الأسرة وطاعة الزوج في المعروف وتربية الأبناء مع الصبر والاحتساب يجعلها أدنى قيمةً، وهي عند الله عظيمةٌ في الدنيا والآخرة بإذنه تعالى.

وبحسب ما ورد لم تروِ فاطمة رضي الله عنها من الأحاديث الكثير فنقلت عن رسول الله خمسة عشر حديثًا، واحد منهم متَّفق عليه[3]، لم تكن صاحبة تجارة ومال، وعرف عنها وعن زوجها الفقر الشديد، لم تعمل في حسبةٍ ولا في قضاء ولم تحمل بيدها سيفًا واكتفت بالتطبيب وغيره مما يستعان عليه بالنساء في المعارك عند الحاجة، فما الذي جعلها سيدة النساء في الدنيا والآخرة؟ وخيرُ قدوةٍ لهن؟

قال رسول الله ﷺ: (حسبُكَ مِن نساءِ العالَمينَ مَريمُ بِنتُ عِمرانَ، وخَديجةُ بِنتُ خوَيْلدٍ، وفاطمةُ بِنتُ محمَّدٍ، وآسيةُ امرأةُ فِرعَونَ) [أخرجه الترمذي في المسند وهو صحيح]، “أي: يَكْفيك من النِّساءِ الواصلةِ إلى مَراتبِ الكمالِ في الاقتِداءِ بهنَّ، وذكْرِ مَحاسِنِهنَّ ومَناقبِهنَّ، وزُهدِهنَّ في الدُّنيا وإقبالِهنَّ على العُقبى، فتَكْفيك مَعرِفَتُك بفضْلِهنَّ عن مَعرفةِ سائرِ النِّساءِ”[4].

لا يغني النسب

ارتباط نسبها بدخولها الجنة مَنفِيٌّ، وإن زادها النسب شرفاً ورِفعةً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. [أخرجه البخاري في الصحيح]، لأنّ “المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولاً وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال ﷺ: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء”.[من مجموع فتاوى ابن باز بتصرف (3/98)].

وهنا نسأل: ماذا كان صنيعها حتى استحقّت هذا الشرف والفضل؟

بِرُّها برسول الله أباً ونبياً

كانت تساند أباها في دعوته الشاقة وترعاه وتُخفِّف عنه ما يلقاه من أذى المشركين، وقد أوتيت من العزّة والشجاعة في سِنٍّ صغيرة ما جعلها تقف في وجه ثُلَّةٍ من المشركين تنهرهم وتشتمهم على استهزائهم برسول الله وهي تزيل أحشاء الإبل من على كتف أبيها بعد أن رماها أشقى المشركين عليه أثناء صلاته أذية له.

وكانت أقرب بناته إليه وأكثرهنّ شبهاً به، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيتُ أحدًا كانَ أشبَه سمتًا وَهديًا ودلًّا برسولِ اللَّهِ ﷺ من فاطمةَ كانت إذا دخلت عليهِ قامَ إليها فأخذَ بيدِها وقبَّلَها وأجلسَها في مجلسِه وَكانَ إذا دخلَ عليها قامت فأخذت بيدِه فقبَّلتهُ وأجلستهُ في مجلسِها. [سنن أبي داود]

وهي أول أهله لحوقا به بعد وفاته، عن عبد الله بن الحارث، قال: [مكَثت فاطمة بعد النبي ﷺ ستة أشهر وهي تذوب][5]، حزناً على فراقه ﷺ.

العفة والحياء

لازمت صفة الحياء فاطمة وعرفت عنها، وكيف لا ووالدها كان أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها، فقد روى البزار عن علي رضي الله عنه أنه كان عند رسول الله ﷺ فقال: أي شيء خير للمرأة فسكتوا، فلما رجعت قلت لفاطمة: أي شيء خير للنساء؟ قالت: لا يراهن الرجال، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إن فاطمة بضعة مني[6].

وعن ابن عبد البر: فاطمة رضي الله عنها أول من غطى نعشها في الإسلام”[7]، فقد استقبحت ما يُفعل بالنساء بعد الموت حيث يُطرح عليها الثوب فيَصِف جسدها، فطلبت من أسماء بنت عميس أن تُغطِّيها بعد موتها بطريقةٍ عرضتها عليها أسماء قد سبق أن تعلّمتها في الحبشة[8]، فقد بلغ الورع والحياء بها مبلغاً جعلها تهتمّ بستر جسدها بعد الموت، فأين نحن من هذا وفينا أقوامٌ يحلِّلون فعل المكروه والمنكرات ما يعجز اللسان عن وصفه لأجل ما يسمى ليلة العمر.

صبرها على التقشف والفقر

“وهكذا كانت حياتهم في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد، وهي إلى شَظَف العيش أقرب منها إلى رغده”[9]، فقد كانت بداية حياة عليّ وفاطمة الزوجيّة رضي الله عنهما، بصداق زهيدٍ وزَفّة متواضعة وبيت صغير بسرير و وسادة وإناء و وعاء وحصير[10]، ولو أنّ أباً في هذا الزمان زوج ابنته كتلك الزِّيجة لقال قائل قد فرَّط الأب بابنته – حاشى لله ورسوله – ولكنه ﷺ أحبّ لابنته رجلاً يحبه من آل بيته ذو فضل وحكمة وقوة، وامتثالاً لأمر الله بتزويجهما[11]، وما كان من فاطمة إلّا الرضى بأمر الله على علمها بفقر زوجها، فقد قاست الجوع الشديد وتَمَلَّك منها التعب، تعمل في بيتها وتطحن الحبَّ بتدوير الحجر الثقيل فوقه لتصنع منه خبزاً لعائلتها، حتى أُنهكت وتَورّمت يداها، ولم يكن زوجها أفضل حالاً منها.

ولما بلغ الجهد منهما مبلغاً شديداً، ذهبت فاطمة إلى أبيها تطلب على استحياءٍ خادماً لها ولزوجها من الأسرى، فقوبِل الطلب بالرفض مع رؤية النبيّ لحالِ ابنته وهو أشدّ الناس اشفاقاً عليها، وذلك لأنّ الحكمة والعدل يقتضيان دفع الضرر عن الأُمة بما هو أولى من إطعام بطون الجياع من أهل الصُّفّة، وبقي لهما ﷺ الأب الحاني المعلم يعلّمهما الذّكر والصّبر ويدعو لهما ويذكّرهما بالآخرة، وقسّم بينهما العمل، فاطمة في الأعمال الداخلية وعليّ في الخارجية فرضيت رضي الله عنها بحكمه ولم تكثر عليه لئلّا تستعطف أو تستجدي قلب الأب العطوف.[12]

التأدّب مع الزوج وحسن المعشر

لقد عاشت مع زوجها عليٍّ صابرة محتسبة، لا تُكثر الشكوى والتذمر، وفي قصّة الميراث الشهيرة بين أبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما لطيفةٌ صغيرة تدلّنا على حسن تعامل فاطمة مع زوجها، روى البيهقي بسند عن الشعبي أنه قال لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق، فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر الصديق يستأذن عليك؟ فقالت أتحب أن آذن له، قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها… ثم ترضاها حتى رضيت][13]، قال الذهبي معلقاً: عملت السنة رضي الله عنها فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره[14]. وما ذاك إلا إحسان وزيادةٌ في الأدب لتستأذن زوجها في أمر يخصّها وقد سبق وعرضه عليها، فكيف بأمورٍ أسرية تشاركيّة أكثر خصوصية؟.

ولفاطمة من المناقب الكثير وما تقدم من القول إلا غيض من فيض، فقد كانت تقية صِدّيقة، عن رواية الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدًا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي وَلَدها.[15]

وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء “وقد كان النبي يحبها ويكرمها ويسر إليها. ومناقبها غزيرة. وكانت صابرة دينة خيرة صينة قانعة شاكرة لله” فما أفضلها من قدوة وما أحسنها من سيرة ترتاح القلوب لذكرها وتطمئن، فحَرِيٌّ بنا ألّا يفارقنا شذى عطر سيرتها المباركة.


مراجع للاستزادة:

– الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة، للإمام جلال الدين السيوطي، تحقيق ودراسة د.عبد الحكيم الأنيس، دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري دبي، إدارة البحوث.

– صور من سير الصحابيات للسحيباني.

– رجال ونساء حول الرسول، تقديم الشيخ حسن أيوب

– سيرة ابن هشام

– مقالات متفرقة على موقع الألوكة وإسلام ويب وإسلام سؤال وجواب، ومحاضرات في اليوتيوب للشيخ نبيل العوضي وعبد الرحمن العريفي.

[1] لتوضيح هرم الأولويات في اتباع الصحابيات أحيل إلى منشور لمركز باحثات:https://t.me/bahethat1/2600.

[2] سيرأعلام النبلاء-الذهبي-(2\123).

[3] المصدر السابق- ص 134، وربما يعود قلة روايتها لوفاتها شابة.

[4] الموسوعة الحديثية الالكترونية: الدرر السنيّة.

[5] الذهبي.(2\128).

[6] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد. (11\45). الباب التاسع في بعض مناقب السيدة فاطمة.المؤلف:محمد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق وتعليق:الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض الناشر:دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان. الطبعة: الأولى. وينظر في حلية الأولياء لأبي النعيم (2\40).

[7] خامس الخلفاء الراشدين. د.علي الصلابي. ص44.

[8] الذهبي.(2\128-129).

[9] السيرة النبوية للصلابي.(2\56).

[10] الطبقات الكبرى لابن سعد (8\19).

[11] يرجع إلى الباب الثاني تزويجها بعلي..، ص:33-53، اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل، للعلامة محمد رؤوف بن علي بن زين العابدين المناوي، دراسة وتحقيق وتعليق: عبد اللطيف عاشور، مكتبة القرآن، القاهرة.

[12] وصية النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وعلي.

[13] خامس الخلفاء الراشدين.ص 42.

[14] الذهبي ص.121.

[15] خامس الخلفاء الراشدين، ص.41.




مونديال قطر.. الرياضة أفيون الشعوب أم فرصة للصحوة واستعادة العزة؟

الرياضة تحولت في ظل الرأسمالية الاستهلاكية إلى أفيون للشعوب، ووسيلة لإلهائهم عن مشاكل الاقتصاد والسياسة، ومصدرا لأرباح مليارية على حساب الفقراء. ومع ذلك، تحول #مونديال_قطر من مناسبة للتنافس الرياضي إلى ساحة مبارزة ثقافية، ورأينا فيها إمكانيات كامنة لاستعادة ثقة المسلمين بهويتهم واعتزازهم بدينهم. إعداد وتقديم أحمد دعدوش