“قصة الإيمان”.. حوار بين الشيخ الموزون وحيران بن الأضعف

 

سنستعرض في هذا المقال الموجز أحد أشهر الكتب التأسيسية والمرجعية التي ظهرت في القرن العشرين ضمن مشاريع التصدي لموجة الإلحاد التي امتدت للعالم الإسلامي، ومؤلفه هو الشيخ اللبناني نديم الجسر رحمه الله.

“قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” كتاب جميل يبلغ عدد صفحاته 475 صحيفة، وهو يتحدث عن قصة خيالية شهدها ضريح الإمام البخاري في خرتنك قرب سمرقند، ويتضمن حوارا بين الشيخ الموزون السمرقندي وتلميذه حيران بن الأضعف البنجابي، الذي قصده ليتخلص بمساعدته من الشك الذي اعتراه وهو في جامعة بيشاور.

والشيخ الموزون نفسه عاش حالة الشك التي عاشها تلميذه حيران، لكنه تخلص منها بنصيحة من الشيخ حسين الجسر (والد المؤلف)، الذي نصحه بالتعمق بالفلسفة وعدم الاكتفاء بالقشور، وأبلغه أنه إن تعمَّق بها فسيجد اليقين، وهو ما حصل بالفعل.

اختار الشيخ الموزون في أماليه طريقة الحوار مع تلميذه حيران، وأخذ بيده بين أمواج الفلسفة حتى دفع عنه كل شك.

يقول حيران بن الأضعف: لما كنت أدرس في جامعة ييشاور كانت النفس مشوقة بفطرتها إلى المعرفة عن هذا العالم: ما هو؟ ومتى خلق؟ ومن خلق؟ فلا أقابَل إلا بالزجر فأهملت دروس الدين وأخذت أبحث في الفلسفة، ففصلت من الجامعة، فدلني أبي على الشيخ الموزون.

رحب الشيخ الموزون بحيران وطلب منه أن يتهيأ ويستعد ليبدأ معه رحلة العلم في الدين والفلسفة، وبدأ يحدثه عن الخلق، وعرض له آراء فلاسفة اليونان القدماء، ثم فلاسفة الإسلام بالمشرق والمغرب والأندلس في عهود الحضارة الإسلامية، ثم فلاسفة أوربا بوجه عام حتى عصرنا، وكان يعرض الآراء ويوضحها وينقدها ويوجهها، حتى تبدو مقاصدها وأهدافها.

تحدث الشيخ الموزون لتلميذه حيران عن قصه حي بن يقظان وهي قصة خيالية وضعها ابن طفيل في البحث عن الحق، وحدثه عن الغزالي مؤلف كتاب مقاصد الفلاسفة الذي بسط فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم بسطاً وافياً كأنه أحدهم، ورد على أرسطو في مسألة خلق العالم في كتابه تهافت الفلاسفة.

وحدّثه عن ابن رشد الذي كان مخالفا للغزالي عندما رد عليه في كتابه المشهور تهافت التهافت، ونصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بألا يأخذ بالاتهامات ضد ابن رشد لأنهم أخطأوا في فهمه، ذلك أنه كان معجباً بأرسطو إلى حد التقديس، بالإضافة إلى أغلاط الترجمة، فابن رشد لم يأخذ فلسفة أرسطو عن اليونانية، بل أخذها معرَّبة مخلوطة، وهو لم ينكر صفه الإرادة لله تعالى ولم يخرج عن المنطق السليم والإيمان الكامل، وهو كذلك لا يختلف مع الغزالي من حيث النتائج في شيء، حسب رأي المؤلف.

ثم تحدث عن أبي العلاء المعري الشخصية المتشائمة، الذي عاش حياته كفيف البصر، مشوه الوجه، مجبورا على العزلة، فكان من الطبيعي أن ينتج في نفسه الشك الذي لا يأتي في الحياة إلا من اختلاف الحظوظ، وشك المعري لم يكن في وجود الله، بل حيرته في القضاء والقدر، وحرية الإدارة، وحكمة الخلق، وحقيقة الروح.

وفي حديثه عن المعجزات التي فيها خرق النواميس، يرى أنها أدلة قوية ولكنها ليست أقوى من أدلة النظر العقلي الخالص التي تنتهي إلى الحكم الضروري القاطع بوجود الله ولكن البشر عاجزين عن الاستدلال بالنظر العقلي الخالص، فاقتضت الحكمة عند دعوتهم للإيمان بالله أن يخاطبوا بدليل المعجزة على يد الرسول الإنسان خرقاً يدل على الله ولكن لما ترقَّت الإنسانية في مدارج التفكير العقلي وأصبحت متهيأة للاستدلال بالنظر العقلي الخالص قضت حكمة الله بتفضيل الاستدلال بالألة العقلية القاطعة على الاستدلال بالمعجزة وهذا ما سلكة الوحي في القرآن واعتمده أكثر من المعجزات.

الأفكار المعاصرة

تشارلز داروين

وتحدث الشيخ عن داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، حيث يراه عالماً طبيعياً كبيراً، لكنه ليس بفيلسوف، وهو مؤمن بوجود الله، أما أصل الأنواع فإنه متردد في تحديدها، وأن الشيخ حسين الجسر مؤلف “الرسالة المحمدية” هو العالم الديني الوحيد الذي يقول بأن مذهب داروين لا يتعارض مع أحكام القرآن ولا مع الإيمان بوجود الله.

يقول الشيخ لحيران إن آيات القرآن تكاد تكون مقسمة بين الدعوة إلى الله و الإرشاد إلى دلائل وجوده ووحدانيته وجميع صفات كماله، والأحكام في العبادات والمعاملات، لكن أهم الأقسام وأعظمها هو القسم الأول لأن الإيمان بالله هو الأصل وهو الأساس لكل ما عداه.

وينصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بتعلم لغات الغرب إن كان يريد أن يكون مرشداً وداعياً إلى الله، وطلب منه أن يتأمل آيات القرآن ليطبقها على ما مر معه من أقوال الحكماء والفلاسفة، وبين له أن القرآن يتناول جميع الحجج العقلية والبراهين الساطعة التي قضى العلماء أعمارهم حتى توصلوا إليها.

ذكر الشيخ آيات الله في السماء والأرض فحدّث حيران عن مواقع النجوم والشمس كنجم من جملة النجوم، والتباعد والتناسب والأحجام والمنازل وعجائب النظام الباهر، وسأل حيران وهو متعجب كيف تقف هذه الأحجام والأوزان الهائلة في الفضاء بهذا التوازن العجيب؟ فرد عليه الشيخ بأن القرآن يجيبك في قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} وقوله: {إن الله يمسك السموات والأرض} فهل يكون القانون الدقيق المحكم أثراً من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

يشرح الشيخ الموزون كذلك موقع وطبيعة الأرض وباقي الكواكب الأخرى ويفسِّر أسباب عدم صلاحية الحياة فيها ويبين فضل الله ومنته علينا أن خلقنا على الأرض، فيسأل: {الشمس والقمر بحسبان} فلو كانت المسافة بين القمر والأرض أقل مما هي عليه أو أكثر فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوبة ودوراته المكتوبة ومنازله المقدرة أثر من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

وتحدث الشيخ لحيران عن عجب خلق الله في إنزال المطر والبحار والماء ونواميس الله في خلق الخلائق وجعلها بقدرته وحكمته تتلاقى ويفضي بعضها إلى بعض، وجعل الماء أصل الحياة.

شرح الشيخ بتفصيل لحيران التفسير العلمي والمنطقي الذي يتوافق مع آيات الله في بديع صنعه وأن لا مكان للمصادفة في تكوينها بقدر إبداع خلق الله.

وشرح له الطريقة العلمية لعملية تنفس النبات وفائدتها والأهمية الكبيرة لها في حياة الكائنات الأخرى، وسأله مجدداً هل هذا كله من أثر المصادفة، فرد حيران بأن خلق الله سبحانه أعظم من المصادفة.

أما الأرض فهي فندق كبير بناه الله وحماه وأودع فيه من كل الخيرات والنعم، فشرح لحيران كيف حاول العلماء تفسير الأرض وعناصرها ومكوناتها تفسير علمياً، وتحدث عن الذرات والإلكترونات والنترونات وما إلى ذلك من تناسق عظيم أبدعه الله. وانتقل بعد ذلك للحديث عن إبداع الخالق في خلق اللسان والأذن، وعمل القلب في جسم الإنسان.

ثم كتب الشيخ الموزون وصية لحيران، فأوصاه بالإيمان بالله على اعتبار أنه بلسم الصبر عند المصائب، وقارن بين حال الانسان والحيوان في هذه الدنيا وأن ما يميز الانسان هو الإيمان، وأن الحيرة والشك قد أصابته في شبابه كما أصابت حيران ودفعته للبحث وتزود بالعلم، وسرد سيرته لحيران ورحلته الطويلة في سبيل الوصول إلى الله بالمعرفة الحق ما بين الهند إلى طشقند، وأخذ يذكر فضل المشايخ عليه لمساعدتهم له ولهدايته إلى طريق الحق بالأدلة القرآنية، والشواهد العلمية إلى جانب الأدلة العقلية، وأخيراً أوصى الشيخ الموزون تلميذه حيران أن ينشر بين الناس قصة الإيمان بلسان الفلسفة والعلم والقرآن لعل الله يشرح بها للإيمان صدور الحيارى ويصلح بالهم ويهدي من يشاء منهم.

بقلم إبراهيم إسماعيل




مسلسل المسيح.. هكذا احتفلت نتفليكس بالعام الجديد

أطلت علينا شبكة نتفليكس في أول أيام العام الميلادي الجديد بمسلسل “المسيح”. والذي تدور قصته حول شخص يظهر في دمشق مدعيًا أنه “المسيح”، فيقود جموعًا من السوريين-الفلسطينيين من مخيم اليرموك إلى الحدود “الإسرائيلية”، وتتجه إليه أنظار العالم، مع تخوفات أمريكية من أن يكون “البغدادي الجديد”.

وتستمر القصة بأن تلقي القوات “الإسرائيلية” القبض عليه حين حاول تجاوز الحدود، ورغم ذلك يظهر هذا “المسيح” بعدها عند قبة الصخرة متسببًا بانتفاضة فلسطينية جديدة، ثم يظهر في ولاية تكساس الأمريكية ومنها يتجه إلى العاصمة واشنطن، وسط ردّات فعلٍ متباينة محليًا وعالميًا، فمن يكون هذا الشخص وما هدفه وماذا يمثِّل؟

أول ما يلفت الانتباه في هذا المسلسل أنه ورغم أنه من إنتاجٍ أمريكي، إلا أنه عرض المسيح من منظور إسلامي، فمنذ بداية المسلسل يتم التعامل مع هذا الذي يدعي أنه المسيح على أنه عربي مسلم، وغالبا ما كانت تتم مناداته بـ”المسيح” (Al-Masseih) أي باللفظ العربي للكلمة، إلى أن يتم سؤاله عن دينه فيجيب أنه “يدعم البشر كلهم”. ومن هذا السؤال لننتقل ونرى نظرة المسلسل لمفهوم الدين:

الدين في مسلسل “المسيح”

أحد من كانوا ينتظرون رؤية المسيح

لم يقتصر أتباع هذا “المسيح” على أصحاب الديانات الإبراهيمية والتي تؤمن بعودة المخلص في آخر الزمان، بل شمل شتى الطوائف والجماعات كالبوذيين مثلًا، دلالة على أن شخصية “المسيح” هنا تمثل الدين عمومًا. والخطاب الذي تبناه هذا “المسيح” كان خطاب المساواة بين الأديان ووحدتها وكذلك وحدة البشر، فهم كلهم سواء أيًا كان معتقدهم وأيًا كانت تصرفاتهم، لا يحق لك أن تكفر أحدًا منهم أو أن “تبني افتراضات عن الله”. هذا الخطاب وإن بدا مغلفًا بالتسامح، ما هو إلا إلغاء لمفهوم الدين من أساسه، حيث يتساوى الموحد لله مع من يعتقد بأن لله ولد، مع من يقدس البقر!

ولم يكتفِ المسلسل بالحديث عن الديانات عمومًا، بل قدم تصوره عن كل دين من الديانات الإبراهيمية؛ فقدم الصورة الإعلامية المشوهة المعهودة عن المسلمين، حيث الغلظة في التعامل والتركيز على آيات الجهاد والتقليل من شأن المرأة ومنع قراءة أي كتاب غير القرآن واستخدام الأحزمة الناسفة، وغير ذلك من الصور النمطية المستهلكة.

كذلك صورة العائلة المتدينة المسيحية لم تخلُ من الإساءة، فعائلة القِس مفككة فيها الابنة مدمنة والزوجة غير مؤمنة، مع الإشارة إلى ظلم التعاليم المسيحية التي تحرّم الإجهاض وكيف كان من الممكن أن تدمر هذه التعاليم حياة الابنة. كما وتم الإشارة بشكل خاطف إلى المكاسب المادية التي يجنيها رجال الدين، وهذا من خلال الهدايا التي تلقاها القِس.

العائلة المتدينة الوحيدة التي عاشت بسعادة، كانت العائلة اليهودية، وكذلك من قادت التحقيق وأعملت عقلها واكتشفت هوية هذا “المسيح”، كانت أيضًا عميلة CIA يهودية. فماذا كانت هويته؟

من ادعى أنه المسيح كان مجرد لاعب خفة إيراني محترف مدعوم من روسيا لخلق تشويش ممنهج في المجتمع، وهناك اشتباه بأنه يعاني من أمراض نفسية وأوهام جعلته يظن نفسه المسيح. أي أن هذا “المسيح” كان مجرد خدعة، وحيث أن شخصيته تمثل مفهوم الدين ككل، فإن المسلسل يريد أن يقول بأن الدين كله مجرد خدعة. وما يؤكد هذا أن عميلة الـ CIA اليهودية قالت إن السيد المسيح عيسى (عليه السلام) “كان أيضًا مجرد سياسي شعبوي يضمر الضغينة للإمبراطورية الرومانية ويقوم بخدع رخيصة لجذب الجمهور”، وهذا ما وُصِف بأنه “كلام شخص يهودي حقيقي”، وهنا تكذيب صريح للدين المسيحي وإشارة إلى أن اليهود لم تنطلِ عليهم الخدعة كغيرهم.

ينتهي الأمر بالقس بأن يحرق الكنيسة وقد كُتِب عليها “إلهٌ زائف”

وبالعودة إلى الخدع وألعاب الخفة، تقول إحدى شخصيات المسلسل أن أفضل لاعب خفة ليس من يخدعك فحسب، بل من يجعلك تشارك في الخدعة، وعلى وقع هذه الكلمات يعرض المسلسل مصير “من انطلت عليهم الخدعة”، كضحايا تفجيرات المساجد، وطفلة مصابة بالسرطان كانت أمها قد أخذتها إلى “المسيح” ليشفيها، فينتهي بها الحال جثة في حضن أمها لأنها تخلفت عن العلاج الكيماوي، وفتاة أخرى كادت تموت لأنها استمعت لكلام المسيح وألقت كلمة أمام الجمهور رغم إصابتها بالصرع.

هذا ولم ينتقد المسلسل المتدينين من عوام المجتمع فحسب، بل أنه انتقد المتدينين من القضاة والسياسيين ورجال الحكم. فبقاء المسيح المزيف داخل الولايات المتحدة واستكماله لخطته التخريبية كان بقرارٍ من قاضٍ يعاني من مرض عضال، فكيف به في آخر أيامه أن يرحِّل المسيح، ويكون مثل هيرودس الأول. وفي المسلسل كذلك، كان رئيس الولايات المتحدة متدينًا وكاد أن يمتثل لطلب المسيح المزيف ويسحب القوات الأمريكية المنتشرة في دول العالم رغم ما قد يؤديه ذلك من توسع روسي.

وبالحديث عن رئيس الدولة والسياسات الخارجية، فإنه من المثير أن المسلسل أقر أكثر من مرة -وعلى لسان شخصيات تمثل الحكومة- بأن الولايات المتحدة ترعى مصالح “إسرائيل”، وهذا ينقلنا إلى الجانب السياسي من المسلسل:

“الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”

في بدايات المسلسل، يتم إطلاق النار على طفلٍ في الحرم القدسي، فيتساءل المشاهد: هل أتى أخيرًا المسلسل الذي سيعرض الحقيقة بلا تشويه؟! لتأتيك الإجابة سريعًا بأن من في الحرم القدسي هم “سيّاح مسلمون”، وأن إطلاق النار -الذي أشعل انتفاضة جديدة- لم يكن سوى خدعة، قام بها ذاك المسيح المزيف.

أما تلك العائلة اليهودية السعيدة -آنفة الذكر-، فكانت عائلة “إسرائيلية” يملؤها الحب، إلى أن تسببت سيارة مفخخة بموت الأم وابنها الصغير، أما الابن الأكبر الذي تشوه جسده فقد كبر وأصبح محققًا في الجيش “الإسرائيلي”، وكانت خطيئته الكبرى التي يندم عليها أشد الندم أنه قتل طفلًا فلسطينيًا، رغم أن هذا الطفل هو ابن الشخص المسؤول عن تفجير السيارة التي أودت بحياة أمه وأخيه الصغير. وقد كان هذا الطفل يعمل في مخبزٍ يصنع المتفجرات بدل الخبز، وبهذه الصورة فلا ضير لو تم قصف الأماكن المدنية والحيوية في فلسطين.

أما من يدافعون عن حق الشعب الفلسطيني بأن يتم الاعتراف به فحسب، فهؤلاء أعداءٌ للسلام ويُرَد عليهم بنفس “الخطاب المتسامح” بأن جميع الناس هم شعب واحد.

ما بين السطور

يمكن اكتشاف العديد من الرمزيات والرسائل المبطنة في المسلسل سواء في العبارات التي تقولها الشخصيات أو عناوين الحلقات أو تسلسل المَشاهد؛ رسائل ورمزيات تتعلق باصطفاء الرسل وتيه بني إسرائيل والأوبئة التي ضربت مصر -المذكورة في سفر الخروج- وغير ذلك الكثير، وسنكتفي هنا بذكر بعض هذه الرسائل:

◘ في المشهد الختامي للمسلسل، تسقط الطائرة التي تُقل المسيح المزيف، في حقلٍ من الزهور، ويأتي ولدٌ عربي يرعى الغنم معروفٌ بكذبه ليخبر اثنين ممن كانوا على متن الطائرة بأنهما كانا أمواتًا وأن هذا الشخص -أي المسيح المزيف- أحياهم، وهنا تأكيدٌ على رسالة المسلسل بأن الدين محض كذب، كما قد يرمز حقل الزهور إلى الجنة، فيكون في المشهد إنكارٌ للحياة الآخرة، وكذلك قد يرمز الولد إلى النبي محمد ﷺ، في تكذيبٍ لرسالة الإسلام.

◘ إحدى الشخصيات الثانوية في المسلسل، شاب جامعي أمريكي اعتاد أن يدرس في المكتبة بانتظام، يشاهد هذا الشاب ما حل من فوضى وما يعانيه شباب الجامعة من ضياع “بعد عودة المسيح”، فيقرأ النسخة الإنجليزية من القرآن، وعندما يلتقي صدفةً بالمسيح المزيف، ينعته بـ “المسيح الدجال” [باللغة العربية]. بعد ذلك، هذا الشاب الجامعي المجتهد يحرق أوراقه الجامعية وكتبه -ومنها كتاب صدام الحضارات-، أي أن خرافة المسيح الدجال عند المسلمين هي ما دعت هذا الطالب الجامعي -غير المسلم- إلى إحراق كتبه بدل محاولة اكتشاف الخدعة. وفي النهاية لم يعد الشاب الجامعي يذهب إلى المكتبة، مع التركيز على اقتباس مكتوب في المكتبة يُنسب لأوبرا: “أنت تصبح ما تؤمن به” بمعنى أن ما آمن به الشاب الجامعي قاده إلى ترك المكتبة.

◘ أحد المحققين الأمريكيين كان كاثوليكي شاذ، وبعد أن يستمع لكلام المسيح حول ضرورة الصدق مع النفس، وأن الرب يحبك كيفما كنت؛ يصدق المحقق الأمريكي الشاذ المسيح، ويتصل بـ “حبيبه” القديم ليخبره بأنه سئم من الكذب على نفسه؛ في دعوة إلى التعبير عن الذات وإشارة لما يعانيه الشواذ من ضغوطات كما هو معهود من شبكة نتفليكس.

◘ خلال خطاب المسيح المزيف في واشنطن عن ضرورة تجرد الناس وتحليهم بالشجاعة ليكتشفوا ذواتهم ورؤية حقيقتهم ومن ثم سيره على الماء بعد ذلك؛ تخيلَ أحد السوريين-الفلسطينيين أن هذا “المسيح” يساعده على النهوض، فينهض ويتجرد من ملابسه ويسير عاريًا باتجاه الحدود “الإسرائيلية” فيُسمح له بالدخول. وهنا تم الربط بين التجرد المجازي والتعري الفعلي. ويظهر هذا بشكل أوضح حينما يخبر المسيح المزيف أحد الشخصيات بأن تتجرد من أعبائها وما يٌشعرها بالخزي، فتظهر الشخصية بعدها وهي تسبح، قبل أن تذهب وتبوح بسرٍ كانت تخفيه وتخجل منه. وهذا ينسجم مع أحد رسائل المسلسل بأن تعبّر عن ذاتك وتفعل ما تشاء، فالله يحبك كيفما كنت.

◘ بما أن المسيح المزيف كان جزءًا من مخطط تخريبي لخلق التشويش الممنهج في المجتمع، فالمسلسل يدافع ضمنيًا عن كل القضايا التي انتقدها المسيح المزيف في المجتمع الأمريكي، كالانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، وكذلك تقديس المال وتقديس المرأة لعملها.

◘ أشد أتباع المسيح المزيف ولاءً له وأكثر من انطلت عليه خدعة “المسيح” كان شخصًا سمع المسيح يقول آية قرآنية، فتذكر والدته التي كانت تقول له نفس الآية وهو صغير. وأما المسلم المتشدد الذي لف حزامًا ناسفًا حول شابٍ صغير وقام بتفجير مسجد، فكان مدرسًا في مدرسة. وهنا يرسم المسلسل صورة مشوهة عن التربية الدينية -الإسلامية على وجه التحديد-.

الخلاصة

سأقتبس من المسلسل ما قالته إحدى الشخصيات حول كتاب صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون: “عليك أن تتذكر فقط أنه كان على حق، تنبأ “هنتنجتون” بأن المحور الأساسي للصراع العالمي بعد الحرب الباردة سيكون صراعًا على الحدود الثقافية والدينية، وهذا ما يحدث بالضبط في سياسة العالم حاليًا”.

هذا ما تدركه شبكة نتفليكس جيدًا، وإن بدا أنها تتعمد إثارة الجدل كأسلوبٍ رخيص للشهرة والانتشار، إلا أن الانتشار قد لا يكون كل شيء. فهذه الأساليب الرخيصة تضع حدود ما يمكن بثه في الإعلام “الترفيهي” ككل، وبالتالي التطبيع مع كل ما قد يسيء للدين، ويمس المعتقدات والقيم.

ولم يكن مسلسل “المسيح” هو بداية الاحتفال بالأعياد عند نتفليكس هذه السنة، حيث عرضت قبله بفترة وجيزة فيلمًا “كوميديًا” قصيرًا من إنتاجها، فيه المسيح شاذ جنسيًا، ومريم العذراء تدخن الحشيش، وفيه ما لا يمكن ذكره من تجسيد وإساءة للذات الإلهية. والأمر لم يقتصر على رموز الديانة المسيحية، بل تعداه ليشمل استهزاءً صريحًا بالإله ليس فقط في الديانات الكبرى كالإسلام والهندوسية والبوذية، بل شمل ديانات كالراستافارية وغيرها.

فيلم كهذا لن يكون كوميديًا سوى لملحدين؛ فقد تم تجاوز مرحلة تشويه الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى تشويه مفهوم الدين ككل؛ يبدو أن الصراع بين الإنسان من جهة والشيطان وأعوانه من جهة أخرى، بات أوضح من أي وقتٍ مضى.

هذا أمر مرعب، فهو تهديد لنجاح الإنسان في الاختبار الذي خُلِق لأجله. وبالمقابل ما زال همنا الأول هو “الترفيه”، لاهثين وراء المزيد من الاستهلاك والاستعراض، غارقين في التفاهات والسخافات، فاقدين للبوصلة، زاهدين في الآخرة غافلين عنها.

بقلم: هادي صلاحات




الخلاف في حكم الموسيقى والغناء (الجزء الثاني)

بعد عرض الفرق بين حكم السماع والاستماع، وإثر عرض مقدمات فقهيّة مهمة في فهم النظرة الاستدلاليّة المتعلقة باستنباط الأحكام الشرعيّة، نتوقف في هذا المقال –دون استفاضة- عند مذهبين رئيسيَّين في حكم الموسيقى والغناء، بين الإباحة والتحريم.

أوَّلًا: أدلة مذهب حرمة الموسيقى:

تردّدت الأقوال في مذهب المحرّمين بين التحريم الشامل لسماع كل ما يصدر عن الآلات الموسيقية، وبين التحريم الجزئي الذي يبيح بعض الآلات ويحرّم أخرى، وبين من يفرّق في حكم الغناء مع الموسيقى، والغناء بلا موسيقى.

والذي يعنينا هنا تتبُّع المسألة في أصلها من حيث التحريم المطلق حيث إن إثباته إثباتٌ لحرمتها في سائر المواقف، كما أن إباحتها المطلقة إباحة لها في سائر المواقف إلا فيما قيّده الشارع.

من هنا فإن الأدلة التي حرّمت الموسيقى تعود إلى أربعة أنواع:

1- أدلة صريحة في التحريم وإفادته، إلا أنها غير صحيحة من جهة النقل.

2- أدلةٌ صحيحة من جهة النقل، إلا أنها غير صريحة في إفادة التحريم.

3- آراء تحرّم المعازف والغناء أو المعازف وحدها باعتمادها على دعوى الإجماع.

4- أدلة أخرى كأقوال الصحابة والتابعين وغير ذلك.

الأدلة القرآنية:

استدل المحرمون بخمس آيات من القرآن هي:

{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} الإسراء: 64.

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين} لقمان: 6.

{ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}أنفال: 35.

{ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان: 72.

{ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ61} النجم: 61

هذه الآيات الخمس ذكر فيها الفقهاء والمفسرون أدلة على تحريم الموسيقى، فالصوت في الآية الأولى هو صوت الشيطان التي هي آلات المعازف والغناء، وهناك أقوال كثيرة للمفسرين تؤيد هذا التأويل[1]، وقد فسروا “اللهو” في الآية الثانية بأنه الطبلُ، أو الغناء[2]، وهذا التخصيص لا يمكن أن يكون بأقوال الصحابة أو الفقهاء، بل لا بد للتخصيص من نصٍّ مثله، كما أن أصل اللهو في العربية يعني الانشغال، ولا يوجد فيه حرمة إلا ما كان لهوًا بباطل فيحرم الباطل،

وعليه فإن اللهو إن سبّب ترك الواجب فهو محرّم، وكلّ لهو يسبب الحرام فهو محرّم، هذا من حيث الأصول

أما اللهو في الآية فقد قيّدته بلهو الحديث، فيدخل فيه الغيبة والنميمة، والخرافات والأساطير وغير ذلك، وبذلك فإن الاستدلال بهذه الآية على حرمة الموسيقى استدلال في غير موضع المسألة فلا تصح أن تكون دليلاً في تحريمها.

أما الآية الثالثة فقد عاب الله فيها على المشركين صفيرهم وتصفيقهم في حضرة البيت الحرام، ومن باب أولى أن يكون آلات المعازف أشدّ في أصواتها فهي أولى بالعيب[3]

والصحيح أن العرب في الجاهلية كانوا يتعبدون إلى الله بهذه الأفعال، فكان فعلهم معيبا من جهة أنهم يتعبدون لله بما لا تعبُّد فيه بل بما يتّخذ لهوًا ولعبًا.

أما الآية الرابعة فقد فسروا عدم شهود الزور، بأنه البعد عن الغناء، فلا يسمعون الغناء لما فيه من الباطل[4]،  والحق أن هذا التفسير بمختلف إسناداته ليس قويًّا، كما أن هناك تفسيرات أخرى تفسر الزور بالشرك، وهو أولى من الغناء وأشد حرمة، كما أن القرآن نفسه قال: {واجتنبوا قول الزور} وهذا تفسير للقرآن بالقرآن، حيث يقصد به هنا الكذب، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: “القول بأنه الكذب هو الصحيح، لأن كل ذلك يرجع إلى الكذب” و”أما القول بأنه الغناء فليس ينتهي به إلى هذا الحد”[5].

أما الاستدلال في الآية الأخيرة على أن “السمد” هو الغناء بالحميرية[6] إلا أن مقصد الآية أكبر من مطلق الغناء، حيث كان مشركو قريش حين يسمعون القرآن يغنون ويلعبون، فكانت الآية ذمًّا للمشركين لا دليل فيها على تحريم القرآن. وعليه فإن الآية الأولى حرّمت كل ما يدعو إلى معصية الله، أما الثانية فحرّمت كل ما يضلُّ عن سبيل الله من لهو الحديث، أما الآيات الباقية فكلّ واحدة منها تدل على شيء بعينه، ولذا فإن اتخاذ هذه الآيات في تحريم الموسيقى والغناء بل هو تكلّف وخروج عن أصل الإباحة بلا دليل.

الأدلة من السنّة:

يعنينا في هذا القسم الأحاديث التي حرّمت المعازف والغناء باللفظ قطعًا، إضافة إلى الأحاديث التي حرمتها ظنًّا.

في النوع الأول نجد ثمانية أحاديث:

1- “لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقْوامٌ إلى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عليهم بسارِحَةٍ لهمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفقِيرَ- لِحاجَةٍ فيَقولونَ: ارْجِعْ إلَيْنا غَدًا، فيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ إلى يَومِ القِيامَةِ.” [أخرجه البخاري]. هذا الحديث خبر، ولا ريب أنه قد يدل على حكم، إلا أنه لا يفيد الحكم بذاته، وإنما يثبت الحكم بدليل آخر، فالمستحَلُّ والمحرّم ههنا يعلَم بنصٍّ من الشرع. وغاية ما يمكن للمستدِل بهذا الحديث أن يثبته هو علامة وجود التحريم في هذه المذكورات، لا أنه الدليل عليها، فيكون الاستدلال به على التحريم خطأ.

ولفظة “يستحلّون” ترد في استباحة الحرام والمباح على حدٍّ سواء كما في حديث “فما وجدناه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّمناه” واستحلال الخمر هنا والربا والزنا ولبس الحرير للرجال استحلال لما عُلِم حرمته قطعًا، ولكن بدليله القطعي المنفصل عن هذا الحديث لا به.

وذكر المعازف فيه، واقترانها بمحرمات لا يثبت تحريمه على سبيل القطعِ، فالحرير لا يشبه في حرمته الزنا، وكذلك لا تشبه الخمر الربا، وقد عُلِم حرمة كلّ شيءٍ منها بدليله القطعي، ولا دليل على حرمة الموسيقى قطعًا، والعقوبة الواردة ههنا فهي واردة على جميع المذكورات وليس على واحدة منها، لأن المجموع يكون شعارًا لقوم يستوجبون سخط الله فيغضب عليهم، وليس الحديثُ في أصله واردٌ في بيان حكم كلِّ واحدة منها، وإنما لبيان حال قومٍ ممّن استوجبوا غضب الله، بل إن خلاصة ما يمكن الاستدلال به من خلال هذا الحديث هو أن الأصوات الداعية إلى معصية الله، وتوافق حال الزناة وشاربي الخمر، أنها تحرّم معها لا بذاتها، وهذا يعني أن لكل حال حكمٌ بحسبه.

ولمّا كان في أصل الموسيقى الإباحة، إلا أنها اقترنت بالمعاصي الأخرى، فقد تحوّل الحكم إلى ما وُضِعت فيه فحرّمت فيه لاقترانها به، لا لحرمتها الذاتيّة، فلو امتنع ذلك الاقتران لبقيت على أصل إباحتها[7]، وليس المقصود تحريم ذات الأصوات الصادرة عن الموسيقى، وإنما عملُ العزفِ مع التشويق للمنكَر، إذ لا حديث يحرم أصوات الموسيقى بشكل مستقل البتة، حيث تثبت الأدلة وجود المعازف عموماً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إضافة على استعمالها في مناسبات مختلفة، إلا أن الإنكار الوارد في بعض منها كان لحالات خاصة كرفض النبي لقول وارد مع العزف، وليس ثمة حديث صحيح واحد صريح في التحريم بحيث لا يقبل التأويل في تحريم المعازف[8].

2- وثمة سبع أحاديث أخرى تدور حول ذات المنظور في الحديث السابق[9]، فهي متعلّقة عموما بمتعلّق لتحريم الموسيقى، وليست محرّمة للموسيقى بذاتها والغناء، بل إن النظر فيها والتمحيص يثبت انعدام وجود نصّ واحد ثابتٍ يدلّ على تحريمها، وعليه فإنه يجب الالتزام في حكم الأصل، وهو الإباحة[10].

الأدلة من الإجماع:

يشير كثير من الفقهاء في تحريم الموسيقى والسماع لها إلى استنادها على الإجماع، إلا أنه معلوم أن الاحتجاج بالإجماع بحد ذاته يحتاج إلى إثباتات كثيرة لسنا في معرض ذكرها، إلا أنه يجب التنبه لها، إضافة إلى بحث مسألة وقوع الإجماع حقيقةً في تحريم الموسيقى، وإذا بطل أحد هاتين المسألتين فإن دعوى التحريم بالإجماع تسقط[11].

والمسألة الأولى يمكن نقدها بأنه لا يمكن التسليم بوقوع الإجماع على تحريم شيءٍ ما في عهد التشريع النبوي ولا يوجدُ نصٌّ صريح من النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن في التحريم، بل إن الأصل أن يكون النص، وعدمُ وجود النصّ دليل على عدم وجود التحريم.

ثانيًا، إن الإجماع عند التحقيق لم يتحقق بين العلماء بشكل كامل إلا فيما عُلِم من الدين بالضرورة، مثل حرمة القتل وحرمة الزنا، فهذا إجماع صحيح يكفر منكره، أما إنكار الإجماع الذي لم يستند على نص يثبتُ معلوماً بالضرورة، فليس فيه خروج عن جماعة المسلمين، فكيف يمكن ادّعاء الإجماع في مسألة لم يرد فيها نصٌّ قطعيّ صريح في التحريم؟

أما الإجماع السكوتي الذي يعني اشتهار القول بالتحريم مع سكوت المخالف، فإن الأصل أنه لا يحتج به، ولا يصحّ في الفقه الطعن في دين المخالف للإجماع السكوتي[12].

وقد أنكر عدد من العلماء وجود الإجماع في هذه المسألة مثل ابن حزم، كما صنف القاضي محمد بن علي الشوكاني كتابًا سماه “إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع”، مما يثبت أن إثبات الإجماع في هذه المسألة متعذر دون الاستناد إلى دليل صريح وقطعيٍّ في التحريم.

كما أن كثيرًا من السلف كان يبيح الترنّم والغناء بلا آلة في ست آثارٍ صحيحة عن الصحابة[13]، إضافة إلى آثار أخرى صحيحة ومشهورة عن سماع بعض السلف للغناء مع المعازف، كما ورد عن عبد الله بن جعفر وهو من كبار فقهاء المدينة، حيث كان يسمع للغناء من بعض جواريه وهن يعزفن[14].

مذاهب الفقهاء في آلات العزف

يرى جمهور الفقهاء أن الأئمة الأربعة في حال أباحوا العزف فإنهم يقصدون “الدف” والطبل في أحوال خاصة، ولا ينسبون لأحد منهم إباحة المعازف بإطلاقها، بل ينقلون عنهم أقوالا توحي بحصر الخيار بين الحرمة والكراهة، إلا أنه بعد الاطلاع على مقولات الأئمة في هذه المسائل فإن حاصل ما يمكن فهمه منها هو:

1- أن قول أبي حنيفة لا يتجاوز كراهته التنزيهيّة للموسيقى ولا يؤثَر عنه قول صريح في حرمتها.

2- قول الإمام مالك: ليس فيه نص على التحريم وإنما تدل عباراته على الكراهة.

3- شدّد الشافعي على بعض الآلات الموسيقية مثل الطنبور والمزمار، ولم يصرّح بتحريم الموسيقى والغناء، وإنما كره الإغراق واللهو فيه، وأباح يسيرَ الدفّ دون كراهة.

4- مجموع أقوال الإمام أحمد تذهب إلى التحريم، ويذهب حتى إلى كراهة الغناء[15].

ثانيًا: أدلة مذهب إباحة الموسيقى والغناء

استدلّ أصحاب هذا الرأي بأدلة عامّة تعتمد الأصل المعترف به في الأشياء، وهو ما يعرف بالاستصحاب، فأصل الأصوات إباحتها، ولذا لا يمكن تحريمها إلا بدليل، وذلك استصحابًا لأساس الإباحة المرتبط بها، إضافة إلى ذلك فقد توقفوا عند عدة قضايا تدخل في مناط حكم الموسيقى، منها أنّ:

1- الأصوات الموزونة حسنةٌ لدى السمع سواء خرجت من آلة أو إنسان أو حيوان، وتحب النفوس سماعها، ولا حرمة في هذا بحد ذاته.

2- المعازف لاحقة بباب العادات لا العبادات، وقد قُرر في الأصول: أن “الأصل في العادات الإباحة ما لم يرد ناقلٌ ينقلها عن حكمها إلى حكم آخر”.

3- ما استدِلّ به من نصوص على تحريم المعازف والضرب عليها ضعيف إما نقلاً وإما في عدم دلالته القطعية والصريحة على التحريم.

4- التفريق بين المعازف كتحريمها كلها لا يصحّ دون ورود دليل قاطع يحرمه، وإباحة بعضها بدليل صريح لا يوجب حرمة الآخر، إلا التصريح شرطٌ في التحريم.

ومن ثمَّ فإنّه بناء على هذه القواعد فإن الأصل في حكم الموسيقى إباحتها ولو على وجه اللهو كأن يعزف ليدخل المرء على نفسه السرور والسكينة، إلا أن يرتبط بها ما يؤدي إلى معصية أو يفوّت المرء بها طاعة فحينها يتغير الحكم بتغير الحال.

وقد استدلّ هذا الفريق بأدلة نقليّة كثيرة تؤكد إباحة الموسيقى في الأصالة، من ذلك ما ورد أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، دَخَلَ على عائشة وعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ في أيَّامِ مِنَى تُدَفِّفَانِ، وتَضْرِبَانِ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَغَشٍّ بثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُما أبو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن وجْهِهِ، فَقالَ: دَعْهُما يا أبَا بَكْرٍ، فإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ. (صحيح البخاري) 

وفي رواية أخرى في البخاري:

دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِندِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ علَى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ، ودَخَلَ أبو بَكْرٍ، فانْتَهَرَنِي وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأقْبَلَ عليه رَسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ فقالَ: دَعْهُما، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُما فَخَرَجَتا[16] إضافة إلى أحاديث وآثار أخرى، تفيد بإباحة الموسيقى بذاتها.

والترنّم بالصوت من غير كلام مباح في أصله ولا شيء يدلُّ على حرمته، وقد وردت آثار تأمر الإنسان بتحسين صوته في الأذان والقرآن فينتقل التلحين بالمقامات وأنماط التحسين الموزونة إلى الاستحباب في الطاعات

أما الشعر والغناء به فهو كلام منه حسن ومنه قبيح، وخذ الحسن ودع القبيح كما تقول السيدة عائشة، ويورد  الحسين بن الحسن المعروف بـ أبي عبد الله الحَلِيمي في شرح شعب الإيمان، الآتي: “وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور، أن كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان كلاما نثرا غير منظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورا أحل أن يتكلم به منظوما. وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورا لم يحل أن يستعمل منظوما”[17]. فما يقبح من الكلام يحرم التلفظ به في الغناء أو غيره، وما يحسن لا يحرم التلفظ به في الغناء أو غيره.

وقد وردت أحاديث تدل على ذلك كما في حديث السيدة عائشة المتقدم.

الخلاصة

وفي الخلاصة فإنّ مدار الأمر في هذه القضيّة أنه ثمة خلاف كبيرٌ ومشتَهَرٌ بين العلماء في حكم الغناء بين تحريمه لذاته وبين تحريمه لعارضٍ آخر، كما أنّ كثيرًا من العلماء الذين حرّموا شتى أنواع السماع باتوا اليوم يشيرون إلى الخلاف في جواز السماع لما لا إساءة أو فُحشَ فيه، إذ إنه كلامٌ يحسن بمعناه أو يسوءُ به، إضافة إلى أن التساهل في الغناءِ والموسيقى لا تعني إباحة ما يُرى من أغانٍ هابطةٍ تتعرّى الأجسادُ فيها وتصمّ الآذان فيها صخب الموسيقى المرتبطةِ بكلماتها ورقصات الممثلين فيها، بل هي على النقيض من ذلك، تنطبق عليها فتاوى المتشددين في تحريم السماع إليها والتمايل معها. وبالمثل من ذلك فإن الموسيقى بحدّ ذاتها تتعرّض لأحكام مختلفة بحسب الموقع والزمان والعوارض المحيطة بها، فلا يمكن وصف الموسيقى بالإباحة التامّة حين تعزَف أنغامها في مسارح الملاهي الليليَّة وطاولات اللهو والخمر، كما أنه لا يمكن الجزم بحرمتها حين يقصَد بعزفها ترقيق القلب وإثارة كوامن الفكر والاسترخاء، وذلك لاعتبارات كثيرة أهمها، أنه:

1. لا يوجد دليل لا يوجد دليل واحد صحيح وصريح في تحريم المعازف لكونها أصوات تصدر عن آلات، كما لا يحرم آلات العزف لكونها آلات بذاتها، كما لا يوجد دليل واحد صحيح وصريح في تحريم الغناء لذاته.

2. وأنّ كل ما ورد من النصوص حول الموسيقى فهي إما:
• صحيحة لكن لا دلالة فيها على التحريم، بل قد تفيد الإباحة، ويعضد ذلك ما ورد من آثار تفيد بوجود السماع في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
• أو أنها غير صحيحة وهذا مما لا يحتج به في بناء الأحكام القطعية.

3. إضافة إلى التوقّف عند كون حكم الإباحة عامًّا في السماع والإسماع، سواء في المناسبات أو التداوي أو إراحة النفس، والتنبّه إلى حرمة الاستماع والإسماع في مواطن اللهو وتداوُل الفحشاء.

4. قد ينتقل حكم الموسيقى والغناء عن الإباحة إلى حكم آخر كالاستحباب في إشهار النكاح، أو الكراهة في حال سبّب الاشتغال بالموسيقى ضياع السنن والمستحبات والمصالح الراجحة، والتحريم حين يشتمل الغناء على قول ممنوع بذاته كالكفر و رفض القدر، وغير ذلك مما يحرم تلفظه لذاته، أو استعمل في معصية الله والدعوة لها، كالغناء بالتشويق للخمر والترويج للزنا، وإشاعة مجالس الفسق، وكل ما من شانه إشاعة الشهوة الحرام .

ومن ثمّ فإنه لا يمكن الجزم بحرمة الموسيقى إزاء ما تقدّم من أدلّة تقوّي أصالة إباحتها، وإنّ ما يعتري الموسيقى من أحوال خارجةٍ عنها مرتبط بهذه الأحوال ذاتها لا بحكم الموسيقى المحض. والله أعلم.

بقلم عرابي عبد الحي عرابي


الهوامش

[1] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura17-aya64.html

[2] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura17-aya64.html

[3] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura8-aya35.html

[4] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura25-aya72.html

[5] أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، (3/ 1432)

[6] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura53-aya61.html

[7] الجديع، ص: 87- إلى 102.

[8] المصدر السابق: 95- 101.

[9] ذكرها المصدر السابق ودرسها واحدًا واحدًا باستفاضة، ينظر: 102- 135.

[10] ينظر السابق، 135.

[11] المصدر السابق، 136.

[12] المصدر السابق، 137.

[13] السابق، 164- 167

[14] المصدر السابق، 170- 172.

[15] ينظر المصدر السابق: 197 – 214. وقد اعتمد المؤلف على بدائع الصنائع للكاساني/ و الهداية للمرغيناني- والسير الكبير للشيباني من فقهاء الحنفية، واعتمد على البيان والتحصيل لابن رشد، والمقدمات والممهدات، والتمهيد لابن عبد البر، في حكاية مذهب الإمام مالك، أما الشافعية فقد اعتمد على كتاب الأم للشافعي، ومختصر المزني، وروضة الطالبين للنووي، أما رأي الإمام أحمد فقد اعتمده من كتب الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلّال، والورَع لأبي بكر المروذي، والمغني لابن قدامة الحنبلي.

[16] ينظر المصدر السابق، 220-221.

[17] ينظر المنهاج في شعب الإيمان، دار الفكر، ط1، 1979 م ، أبو عبد الله الحليمي، ج3/ 20، ويقارن بالموسيقى والغناء في الميزان ص: 237.

[18] ينظر الموسيقى والغناء في الميزان، ص253- 254.




الخلاف في حكم الموسيقى والغناء (الجزء الأول)

“أغلق هذا البرنامج ففيه موسيقى”، “لا تشاهد برامج هذه القناة على يوتيوب”، “لا أستطيع نشر هذا الفيديو مع أنه مفيد بسبب الموسيقى في الخلفية”، “إيّاك أن تحدِّث فلانًا، فهو يستمع إلى الموسيقى ويبيحها”، جمل كثيرة -من هذا القبيل- يعترض بها من يحرّمون قبول أي مادة تحتوي أصوات آلات موسيقيّة تحت أي ظرف.

تستهدِف هذه المقالة الوقوف عند هذه القضيّة –حكم الموسيقى والاستماع لها- والبحث في خلفيّاتها الدينيّة والشرعيّة، لتبيين مقدّمات مهمّة ونتائج حُكميّة مبنيّة عليها، نظرًا لما يعتري هذه القضيّة من تشابك في الآراء وتراشق في الاتهامات تجاه محرميها ومحلّيها.

التمييز بين السماع والاستماع
تشير الزيادة اللغوية في الاستماع إلى وجود القصد والنية، بينما لا توحي مادة “سماع” بالنيّة والقصد[1]، ومن ثمّ فقد تنبّه الفقهاء في خضمّ الخلاف حول حكم الموسيقى إلى أنه لا بدّ من الوقوف عند قضيّة القصد للاستماع وعدم القصد إليه، وهو ما يعرف في أبواب الفقه بالفرق بين السماع والاستماع، حيث لا يحرّج محرّمو الموسيقى على المرء أن يتعرّض دون قصدٍ منه لسماع بعض الأصوات الموسيقيّة، وينصبُّ تحريمهم واستدلالهم على إثبات حرمة العزف والقصد لاستماع هذه الآلات، فالاستماع يتضمّن الإصغاء وبالتالي فإنه يتضمّن القصد لسماع الموسيقى والغناء، وهنا يتفق محرّمو السماع إلى الموسيقى على حرمة هذا الفعل والاستمرار فيه، وذلك بناءً على تخصيص النهي الوارد في أحاديث الموسيقى على أنها مخصوصة بالاستماع لا السماع، فلو مرَّ رجل بقوم يتكلّمون بكلام محرَّم: لم يجب عليه سدّ أذنيه –بتعبير الإمام ابن تيميّة رحمه الله- إلا أن عليه أن لا يستمع إليهم من غير حاجة، ويعلّل الإمام بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يأمر ابن عمر –رضي الله عنه- بسدِّ أذنيه حين سمع زمّارة الراعي؛ لأنه لم يكن مستمعاً، بل سامعاً[2].

ويمكن إيراد نصٍّ ههنا لابن قيم الجوزيّة يفرّق فيه بين السامع والمستمع، فالسامع بتعريفه هو “الذي يصل الصوت إلى مسامعه دون قصد إليه، والمستمع المصغي بسمعه إليه، والأول غير مذموم فيما يذمّ استماعه ولا ممدوح فيما يمدح استماعه”[3].

وبناء على هذا نجد فتوى مهمّة للجنة الإفتاء الدائمة بالسعودية في عهود سابقةٍ تشير إلى الفرق بين الأمرين ولا تحرّج على الأوّل، حيث عرّفت السماع بأنه ما يَرِد إلى السمع من غير الشخص نفسه كالموسيقى في المواصلات العامة وفي الطائرة ومن بيوت الجيران أو من المارّ في الطريق أو من الهاتف حين الاتصال بالاستعلامات أو ببعض الشركات والخطوط الجوية للحجز، وأمّا ما يكون منه أو من الأجهزة التي تحت تصرفه: فإنه الاستماع ولاشكّ؛ والسماع للمنكر الذي يصدر من الغير ولا يمكن إيقافه فإنه لا يلزم سد الأذنين عنه، وأما ما يصدر من الشخص ذاته فيحرم عليه استماعه، فظهر الفرق بينهما[4].

حكم الموسيقى
في هذا المعرض –قبل البَدء بمدارسة آراء الفقهاء حول الاستماع- ثمة أمور يجب التنبه إليها أثناء البحث عن أي حكم فيه تعبُّدٌ ربّاني، بمعنى أنه مطلوبٌ إلهي بالأمر أو النهي والحل والحرمة، وقضيّة الموسيقى داخلة في هذا الوصف، وهو ما نراه من خلال الأحكام التي يطلقها الفقهاء والأكاديميون المتخصصون في الدراسات الشرعية حول “تحريم الموسيقى، أو إباحتها، أو حلّها”.

وهنا يجب التأكيد على أن الأحكام الشرعيّة لا تثبت إلا بـ “النص القطعي الصريحِ من الكتاب والسنة”، أو من خلال “الاجتهاد فيما ورد به النص من الكتاب والسنة”، ولذلك فإن العلماء يبنون مذاهبهم الفقهية بناءً على رأيهم في النصوص التي وردت إليهم، وإصابتهم الحق أو خطؤهم عائدٌ إلى صحة الاستدلال والفهم، ولذلك تكون الآراء الفقهية متساوية في درجتها المذهبية فيمكن لأحد أن يقول بها اليوم ثم يرجع عنها فيما بعد بسبب ظهور علة في الدليل أو دليل آخر في ذات المسألة.

ولذلك لا بدّ من التنبيه إلى أن الحكم الفقهي يؤخذ من موردين:

1- ثبوت النقل في الدليل النصي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

2- صحّة دلالة النصّ على الحكم المبيّن أو المستدَلّ عليه.

هاتان المقدمتان أساسٌ في تصحيح البرهان والدليل الفقهي أو رفضه، وهذا ما سنحرص على التأكُّد منه في خطواتنا الآتية.

أولاً: تعريفات لا بد منها:

اعتنى الفقهاء في القرون السابقة بمبحث الغناء والموسيقى تحت مصطلح “السماع” وذلك اختصارًا للمسألة. 

تعريف الغناء: هو الصوت الذي يُطرَّب به[5]، وقد يطلق به على صوت الحمام، أو صوت الإنسان الملحّن، ومنه الترنّم أي تطريب الصوت[6].

يقول عبد الله يوسف الجديع في كتابه “الموسيقى والغناء في الميزان”: “والحاصل أن الغناء صوتٌ يوالى به مرة بعد مرة بتلحين وتطريب، ولذا تسمّى أصوات الموسيقى غناء وآلاتها آلات الغناء”[7].

وهناك أسماء أخرى لهذا الفعل لا طائل من ذكرها وتفصيلها، مثل الهزج، والسناد، والنصب.. إلخ، وهو مرتبط بنوع الغناء والكلام الذي فيه.

الموسيقى: هي لفظٌ يطلق على فنون العزف على آلات الطرب، والأصل في العزف هو “الابتعاد” و”الانصراف” عن الشيء، فيقال: عزفتُ عن الأمر، أي تركته[8]. كما يطلق على الصوت، فيقال عزف الرياح، عزف الدفّ[9]. ويطلق على آلات الموسيقى “المعازف” أو الملاهي، سواءً كانت آلات وترية أو آلات هوائية “نفخية” أو آلات الضرب كالطبل والدف[10] .

ثانيًا: مقدمات فقهية:

هناك قواعد عامة مهمة في الأبحاث الفقهية من أهمها الآتي:

1- الأصل في الحلال والحرام التوقُّف فيه على ما جاء به النص البيّن في كتاب الله وسنة نبيِّه، ومن ذلك الاستدلال بآية “قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ “[يونس: 59].

2- أصل النظر والتعامل في الموسيقى والغناء على أنها قضيّة عاديّة لا تعبُّدية، والأصل في القضايا العاديّة الإباحة والحل. وهذا التعليل يستند إلى عدة أمور، أولها أنها تستند على نص قرآنيٍّ واضح: “خلق لكم ما في الأرض جميعًا” [البقرة: 29]، أما الثاني: فهو دخول الموسيقى في باب الزينة، والأصل في الزينة الإباحة، ويمكن الاعتماد في هذا الأمر على قوله تعالى: ” قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون” [الأعراف 32]، ووجه التعليل هنا هو أن الصوت الحسن الصادر عن الموسيقى والغناء من الجمال الذي ترتاح إليه النفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا”[11]، إضافة إلى أن الموسيقى من أبواب الطيبات، وقد قال تعالى: “قل أحل لكم الطيبات” [المائدة: 87]، وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى أن أصل الطيبات هو الإباحة.

3- لا بد من التنبُّه إلى أن الشريعة بيّنت كل ما فيه ذريعة إلى الحرام، فإذا توفّي النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وثمة باب مفتوح منها، فلا يملك أحد أن يغلقه.

4- لا يحلّ بناء الأحكام على الأحاديث الضعيفة، وهذا أصل مهم يجب إدراكه.

5- يبنى تفسير الأدلة في الدرجة الأولى على النصوص التي توضحها، ويقدّم في هذا الباب تفسير الصحابة اللغويُّ على تفسير من جاء بعدهم.

6- لا يعتَمَدُ في الحكم على منزلة الشخص “صحابي، تابعي، عالم” وإنما يعتبر الحكم بالدليل المبنيّ عليه.

7- تركُ النبيّ لمسألة ما لا يدلُّ على تحريمها، فقد تكون لطبعهِ الشخصيّ أو لكراهةٍ منه لها، ويجب على المسلم اتباع النبي في التركِ بما نصّ على حرمته صراحةً.

8- الإخبار عن الأمور في المستقبل لا يدلُّ على الحرمة، بل قد يرد مورد البيان الذي ستؤول إليه الأحوال، ويحتاج كلُّ حديث فيه إشارة إلى خبرٍ مستقبلي إلى دراسة تبين تفاصيله بالأدلة المجردة لعموم المسألة لا الأحوال الخبرية المنصوص عليها فيه فقط[12].

ثالثًا: أصل حكم الشرع بالأصوات.

إن صوت الموسيقى جزء من الأصوات التي تنتشر في الطبيعة، وطبيعة الصوت بحد ذاته، دون ارتباطه بعوارض أخرى، لا تحرّم بل يجري عليها حكم الإباحة، سواءً كان صوت بشرٍ أو حيوان أو آلة، وبما أن الأصوات الحسنة تؤثر في طباع العقول والأذهان، وتؤثر في المرضى ومزاج البشر بحسب أنواعها، فإن الأصل حلُّه في الشريعة، وذلك اتباعًا لقواعد الفقه وأصوله، فالحكم الأوليُّ في تأصيل كل لذّة أنها على الحلّ ما لم يرِد نصٌّ قرآني أو نبويٌّ صريحٌ في تحريمها[13].

وللحديث بقية في الجزء الثاني بإذن الله.

بقلم عرابي عبد الحي عرابي


الهوامش

[1] ينظر معجم لسان العرب، مادة: سمع. 

[2] ينظر مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، د. ط، 1995، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، (ج 11/ص 630) و  (ج 11/ص 566- 567)

[3] ينظر كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، تحقيق ربيع بن أحمد خلف، بيروت، دار الجيل، ط1، 1992، (ص 270)

[4] ينظر نص الفتوى على موقع الإسلام سؤال وجواب، تحت عنوان: حكم الاستماع إلى الفواصل الموسيقية أثناء نشرة الأخبار أو البرامج الوثائقية، عبر الرابط الآتي: https://bit.ly/2PQbG9J

[5] لسان العرب، مادة “غنا”

[6] لسان العرب، مادة “رنم”

[7] ص 24.

[8] العباب الزاخر، والصحاح في اللغة، ولسان العرب، مادة “عزف”

[9] لسان العرب، مادة “عزف”

[10] ينظر الموسيقى والغناء في الميزان، تفصيلات واسعة في ص: 28-إلى 33.

[11] حديث حسن أخرجه الدارمي، والبيهقي، والحاكم، بأسانيد حسنة.

[12] هذه الضوابط وغيرها فصّلها، د. الجديع، في كتابه الموسيقى والغناء في الميزان، ينظر: 33- إلى 48.

[13] المرجع السابق: 49 إلى 54.




دور اللغة في التغيير

إيمان محمد


بين وابل الترغيب والترهيب الذي ينهال يومياً على الناس، يحذرهم من العذاب أو يحفزهم للجنة، وبين المطويات التي تطبع بمئات الآلاف، والرسائل المطولة التي تُرسل ولا يقرأها المُرسِل ولا المستقبل، يقف جيل الناشئة مشدوهاً أمام الآيات والأحاديث التي تُعرض عليه، وكأنها تُقال بلغة مختلفة مع أنه يفهمها. وكأن الحاجة إلى ترجمان باتت ماسّة اليوم، رغم أن الجيل يفهم الأغاني والمسلسلات بكل لغات العالم، لكنه يقف عاجزاً أمام لغة لم تعد تصل إليه، لأن القيم تتلاشى في زمن صعب، ومعاني المفردات تضيع.

ولأن الكلمات تغدو محصورة ومحاصرة ومضيق عليها في أطر وموضوعات بعينها يريدها الإعلام ويصفّق لها المجتمع ويستجيب، يغدو ضرورياً البحث عن مخرج لأزمة التغييب، كما يغدو واجباً إنسانياً وأخلاقياً وحضارياً إعادة الدين للإنسان، فحياة العبث والاتكاء على فراغ لن تنتج إلا مزيداً من العبثية والوحشية والضياع، وسيغيب الرادع الذي يصنع من الإنسان إنساناً.

أزمة هوية
كثرت الهويات وتناطحت فيما بينها، حتى تلاشى الوجه الحقيقي لهوية المسلم، وبات يأخذ تعريفات ومسميات لهويته من الآخرين، ومهما جد أو اجتهد في تركيب صورة ومعنى لهويته فلن يفلح، لأن الصور المستوردة لن تقدم حقيقة كالصورة النابعة من الصميم.

صورة المسلم باتت مشوهة ما بين معاني الإرهاب ومسمياته المختلطة، وبين سمة داعش ومنهجها التي قدمت أكثر الصور تشويهاً للإسلام، فبات الملاذ الأوحد للمسلم أن يتخلى عن هويته ويرفع هويات الآخرين لعله بذلك يقف على أرضية صلبة. بينما كان بالإمكان إعادة بناء الهوية المنطلقة من الفهم الواعي للقرآن والسنة، وحملها دستور حياة لا مجال فيه للتخلي.

قال تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ” [الأنعام: 162، 163].

أزمة إدراك
هي أزمة إدراك للسبب الحقيقي من الخلق، ومن وجود الإنسان في الحياة، الأمر الذي إن استطاع كل إنسان إدراك حقيقته ومعناه سيتغير مفهوم العبادات من طقوس إلى حياة، وسيؤمن هذا الإنسان بدوره كخليفة في الأرض، فيعبر من خلال إدراكه هذا كل مرحلة بوعي مختلف، ورغبة حقيقية بأن يمضي قدماً للأمام، قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” [البقرة: 30].

أزمة لغة وفهم: فإهمال اللغة وقصرها على جوانب معينة، وترك تداول لغة القرآن، والتهاون في فهم معانيه أدى إلى تراجع ملحوظ في استخدامات اللغة عند الجيل الجديد، كما أدى تدريجياً لفقدان القدرة على التعبير عن النفس، وبالتالي غياب أو انعدام التواصل الصحيح بين البشر، نتيجة عدم الفهم الصحيح.

قال تعالى: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب” [ص: 30].

أزمة تربية وتعليم: إن التهاون في استخدام اللغة، وفي استبدالها بالأدنى، وتهميش أثرها ودورها ضمن جميع المراحل التي يمر بها الإنسان، والمحطات التعليمية والتربوية التي يقف عندها أدى لوجود فجوة واضحة أدت وتؤدي إلى نتائج وخيمة، مما أخلى الساحة لمن يقوم بتأويل الآيات والأحاديث على هواه، ولتتحول اللغة إلى أداة في يد العابثين يحتلون بها عقولنا ويحكمون القيد من خلالها.

قال تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون” [يوسف: 2] .

فغاية القرآن العقل، والعقل أساس الوعي، ووعاء النهضة، وعمود الفهم والانطلاق لإعمار الكون بالخير، ومن عقم فهمه للقرآن أغلق على قلبه فبات سجناً لكل وباء، وبالعكس، حين تتفتح المعاني في الآيات، تفتح معها مغاليق القلوب والعقول، فينعكس ذلك سلوكاً مستقيماً، وعملاً صالحاً، وحينها سيُفهم تماماً ماذا أراد الله لأهل الخير من خير، وماذا أعد للخارجين عن القوانين والسنن من جزاء وعقاب بسبب اختياراتهم. إننا نحتاج أن نفهم على الله أولاً، لنفهم أنفسنا، ثم لنغير واقعنا ونؤثر فيه.




عن ذبح الأضاحي أمام الأطفال

إبراهيم كوكي


قرأت عدة مقالات تحذر من ذبح الأضاحي أمام الأطفال، وخطورتها وأثرها على نفسية الأطفال، وأخرى تنتقد الحج على أنه بات وسيلة للتفاخر وأن “بطون المسلمين أولى”، أو تدعو لتوفير أموال بناء المساجد لقضايا إنسانية أولى من ألف مسجد.

تنبع هذه الدعوات من فكرة باتت تتطرق لكل ما هو يتعلق بالشعائر الإسلامية، وتحاول أن تكيل لها النقد بأيّ شكل كان، فهي لا تتناول ذبح الحيوانات بالمجمل وإنما تخصِّصُ الأضاحي بعينِها، وهذا جزء من توجيه الرأي نحو مساق بعينه ليمتد نحو انتقاد الأضحية بذاتها والحديث عن خطورة ذلك على الثروة الحيوانية، ليصل أخيراً إلى اتهام المسلمين بالعنف والتطرّف، والذين تتجلى مظاهره بقتل الحيوانات بهذه الوحشية كما يصفون.

لم تطل هذه الدعوات يوماً ما أيّ استخدام سيء للحيوانات حول العالم، كاستخدامها في الصراعات والرهانات، وصراع الثيران وصراع الديكة وما شابهها.

رجل يحمل سكينومن مثل هذه الدعوة تصدر لنا دعوات أخرى. توجَّه نحو قضايا تتعلق بالإسلام وتشريعاته، كالحديث عن جرائم الشرف وربطها الدائم بالمجتمعات المسلمة رغم عدم وجود أي رابط بين القانون والتشريع، وحتى بين القضية والواقع.

كل هذه الدعوات تحمل ازدواجية معايير صارخة وواضحة، تتجلى ببعض هذه الأمثلة:

– يُضرب المثل بالمرأة المسلمة أن خياراتها الشخصية ممنوعة دائماً، فخيار المرأة في أن تكون (زوجة) لا يعدّ من الخيارات التي تروَّج أو يُشجَّع عليها، ولكن يُروَّجُ لخيار أن تكون مطلَّقة مثلاً، فهو الخيار الذي يُدعى له كثيراً هذه الأيّام. ويُعتَبَرُ خيار عملها مما تدعو له المنظمات وتشجع عليه وسائل الإعلام، لا سيّما إن كان على حساب زواجها أو أسرتها.

ويأتي السياق الأخطر حينما يعتبر خيار المرأة أن تصبح (زوجة) ثانية محارباً بشدة، بينما تُتناول قضية الدعارة على أنها مسألة إيجابيَّة تدرُّ دخلا للدولة.

هنا -في معرض الحديث عن الدعارة- تُستثنى المرأة كليّاً. ولا يتناولُ أحدٌ ما تتعرَّض له المرأة من استعباد واستغلالٍ بشع تحت اسم الدعارة، وتبقى المسألة محصورةً حين يتمُّ بحث تقنين الدعارة، بالمردود الاقتصاديّ للدولة، أو يصل في بعض الأحيان لحقوق الداعِرة في المجتمع الظالم حين ينظر لها بفوقية واستعلاء.

 ومن المضحك جداً أنّ هذه القضيّة بالذات لا يُنظر فيها لشهوانية الرجل، طالما أنه ضمن إطار (تقنين الدعارة) والحريات الفرديّة، بينما في مسألة (الزواج) الثاني لا يُنظر للمسألة مطلقاً إلا من خلال زاويتين ضيّقتين: اضطهاد المرأة، وشهوانيّة الرجل.

– من ذلك قضية الشذوذ الجنسيّ، فالشذوذ اليوم يخوض حرباً شرسة ليفرض وجوده في المجتمعات، حيث يمكنك أن تكون حرّاً بكلّ أفكارك إلا في الحديث عن الشواذ وحقوقهم!

شعار شركة فيسبوكولعلك إن استخدمت كلمة “شواذ” بدلاً من “مثليين” بمعرض النقد، فإن فيسبوك سيحذف منشورك ويهدِّدك بالطرد من العالم الأزرق كلّه!

فلا يمكن اعتبار وجود الشواذّ في المجتمع خطراً على الأسرة أو أفرادها، ولا يُنظر للشذوذ لا على أنه حالة مرضيّة، أو أنه خلل جيني، ولا أنه حتى حالة شاذة عن الفطرة السليمة، بل يُفرض على أنه واقع يجب أن يتقبله الناس “رغماً عنهم” وأن يتعاملوا معه على أنه إنسان طبيعي لا يختلف عنك بأيّ شيء.

وهنا لا يتم الحديث عن الشهوانية التي يُغرِقُ بها هؤلاء أو من يناصرونهم، ولكن يتمُّ الحديث عن الشهوانيّة في معرض الحديث عن المسلمين، ويتمُّ على الفور استيراد مصطلحات “ملك اليمين” أو “التعدّد” أو “السبي”، ويبقى الشذوذ حريّة اختيارٍ مالم يكن اختيار الإنسان أن يُعدِّد في الزواج.

– من التناقضات أن مسألة تدريس التربية الجنسية تعتبر من المسائل التي تُطلب ويُنادى لها وبشدة، إذ لا يُعتبر مشهد فتاة عارية أمام الفتى، ولا مشهد فتى عارٍ أمام الفتاة. مما يخدش الحياة أو يؤثر على نفسية الطفل، أو يترك أثراً يمتدّ لمرحلة متقدمة في حياته، أو يحيي عند الطفل غرائز كامنة قد تتطور إلى ممارسات خاطئة جداً، كالاعتداء على طفلة في المدرسة أو أخت في المنزل.

ومع ذلك ينتقدون المجتمع المسلم، على أنه -مسبقاً- مجتمعٌ مكبوتٌ مقموعٌ جنسياً، والغريب أن مجتمعاتهم -المنفتحة- تعاني من نسب عالية في التحرّش والاعتداء الجنسي والاغتصاب.

وهنا لا تستحضر “النسوية/الفيمينيست” حملة (أنا أيضاً) -التي أظهرت كماً هائلاً من التحرش والاغتصاب والاعتداء في المجتمع الغربي- لا تُستحضر إلا على أنها حالة تتطلب المزيد والمزيد من التمكين للمرأة وإعطائها المزيد والمزيد من الحقوق. ولا يجروء يرجع أحد ليتناول المسببات التي أوصلت المرأة لهذا الاستغلال البشع، ولو في أكثر المؤسسات انفتاحاً وحريّة كهوليود!

– يتساءل الكثيرون عن جدوى الحجّ وتكاليفه وكم جائعٍ يمكن أن تطعم هذه التكاليف، ولا يتساءلون عن تكاليف إقامة حفلات الغناء، ولا اقتصاديّات مباريات كرة قدم، ولا عن تكاليف إنتاج الأفلام والمسلسلات أو الكليبات. وكذلك لا يتساءلون عن مزادات تقام لشراء لوحة فنية بملايين الدولارات، أو عن أرقام هدر مخيفة في المكياج والتجميل أو ما يُنفق على تربية الكلاب، فضلاً عن السياحة الجنسية، والسياحة التجميليّة (المرتبطة بعمليات التجميل).

فالمسائل المتعلقة بأيّ هدر أو تبذير يُتغاضى عنها، ولكن تنفتح العقيرة على المسلمين حين يؤدّون فريضة الحجّ، وطبعاً تعتبر مسائل سباق التسلح والتريليونات المنفقة عليه خارج الحساب أصلاً!

–  يعتبر هؤلاء أن زواج الثانية كارثة وجريمة، ويتحدثون عن مخاطر الزواج المبكّر، بينما لا تشكّل حالة الأمهات العازبات، ولا الأمهات الصغيرات ولا الأبوين الشواذّ، أيّة خطورة لا على المجتمع ولا الأسرة، ولا على الأطفال أنفسهم.

 فعلياً أيّة ممارسة خارج إطار (زواج) تلقى ترحيبا ورواجاً أكثر من الزواج نفسه، ويتمّ تجاهل ما يترتب على الزواج الثاني من مزايا مجتمعيّة وفردية أيضاً.

فلا بأس أن تكون المرأة “مومساً” في إطار الحديث عن الدعارة ولكن لا يمكن أن تكون “زوجةً” في إطار الحديث عن التعدد. ولذا فيمكن لوسائل الاعلام أن تتناول بصيغة لا تخلو من الترحيب أخبار زواج رجل من رجل، أو رجل من كلب، أو امرأة من أخرى، أو حتى رجل بلعبة باربي.

– وفي حين أن هذه المجتمعات وصلت بمرحلة الانتكاسة الحضارية والإنسانية لهذا المستوى فإن مجتمعنا الذي بدأ يصاب بداء النسويّة ما يزال يناقش زواج المطلّقة والأرملة من أعزب، وزواج امراة من شابٍ يصغرها سناً، أو زواج الرجل من امرأة ثانية.

وقد وصلت الانتكاسة الغربية لمرحلة خطيرة جداً حين ولد طفل من نطفة شاب وبويضة أخته، زُرعتا في رحم أمهم.

ولربما من المفاجئ أن الكنيسة المحافِظة أكثر شجاعة في الحديث عن هذه المواضيع من مجتمعنا الذي يعاني فوبيا تهمة الإرهاب التي باتت حملاً ثقيلاً نحمله على عاتقنا أينما حللنا واينما ارتحلنا، بداعٍ أو بغير داعي..

وتأتي منظمات أو ناشطات “النسويّة” لتكمل المشهد حين يُعتبر الحديث عن المرأة خطّاً أحمر لا يستطيع الرجل المساسَ به، وإلا فسيتعرّض لكيلٍ واسعٍ من التهم المعلّبة، التي ليس أولها الذكورية ولا آخرها الشهوانية.

وأختم بمشهد مظاهرة للشواذ، ظَهَرَ فيها شاذٌ يجرُّ أربعة من أصدقائه (أو ربما زوجاته) وهم يسيرون على قوائمهم الأربع مربوطين بسلاسل كالكلاب، وفي المظاهرة أطفال يتأمّلون المشهد بطفولة يبدو أنها لم تنتهك فحسب، بل مُزِّقت بكارتها مبكراً جداً.

فأيُّ أثرٍ خادشٍ تُركَ على براءة طفل أو طفلة حين يرون هذا المظهر -الخالي من كلّ عناصر الانسانية والمغرق بالشهوانية والعبودية– أنّه مظهر حضارة، وأنه حقّ يجب أن يخرجوا لأجله في مظاهرة!

يحدث هذا في زمانٍ تصبح فيه كلّ الشعائر الإسلاميّة محطّ تساؤلٍ ونقاشٍ واستغرابٍ وجدلٍ ونقدٍ لدى المسلمين أنفسهم.

لنسأل أنفسنا بعد كلّ هذه الانتكاسة الإنسانيّة التي نحن مقبلون عليها، وتدخل بيوتنا رغم أنفنا: هل مشاهدة ذبح الأضحية خطر على نفسية الأطفال؟!




الأسرة بين السلطوية والانحلال

إيمان محمد


لم نصل إلى هذه المرحلة الغريبة من الانحدار المجتمعي عن عبث، ولم نشابه أحداً في أشكال الخلل وأنواعه، والتي نرجعها في كثير من الأحوال لسوء الإدارة، أو انعدامها، لنجد مجتمعاتنا تعاني حالة من التخبط والعشوائية حتى في لحظات تحررها، فهي أمام خيارين: الخضوع للاستبداد بنظم الإدارة المتسلطة التي يفرضها، أو التحرر العشوائي الخالي من الأدوات الموصلة إلى تنظيم حر نقي بعيد عن الظلم.

لا يتعلق الأمر بالحكومات والشعوب فقط، فنظم الأسرة تعاني اختلالاً كبيراً في الموازين، وهي تخضع عادة لنظم متوارثة أو مكتسبة، فإما تسلط واستبداد لأحد الزوجين على الآخر، وما يتركه ذلك كله من آثار نفسية واجتماعية سيئة، أو غياب واضح للأدوار، وعشوائية في الحياة، وانعدام للقوانين والأنظمة، مما يدفع تلقائياً لحالة من العبثية تتبعها نتائج واضحة من غياب الحقوق والواجبات، ولنا أن نفهم أسباب ارتفاع حالات الطلاق، وزيادة الخلافات الزوجية، ولنا أن نقيس انعكاسات ذلك كله عبر بعض التحليلات النفسية على شريحة معينة من الأطفال، لنكتشف التغييب الكامل عن المعنى الحقيقي من عقد هذه الشراكة المقدسة، والتي تدعى ” الزواج”.

خاتمي زواجبالبحث ضمن شريحة مصغرة من الأشخاص الحاصلين على مساعدات نقدية بهدف تزويج الشباب، والتي تظهر كحملات في المناطق المحاصرة أو المحررة في سورية، كان المفهوم المادي هو الأكثر شيوعاً، فالزواج بالنسبة للرجل اقتران بزوجة مقبولة المعايير نسبياً، وبالنسبة للفتاة الزواج فستان زفاف وتسريحة شعر وحالة رومانسية متخيلة كعالم وردي بلا نهاية، وللأسف فإن الإحصائيات التي تتباهى بعدد الزيجات التي تمت ضمن احتفالية كبيرة يوثقها الإعلام، لا تنقل أبداً نسب الطلاق، ولا تفتش عن مصير هؤلاء الذين اقترنوا ببعضهم فقط لأن مبلغاً من المال تيسّر لشاب ما، فقرر على الفور الاقتران بفتاة ما.

قابلتُ حالات غريبة لنساء تزوجن وانفصلن عدة مرّات، وأعمارهن لم تتجاوز الثامنة والعشرين، كانت أهداف الأهل هي التخلص من إعالة الفتاة، وكانت أهداف الفتاة أن تتخلص من سلطة الأهل، وكانت أهداف العريس أن يقترن بزوجة يفرض عليها سلطته وتسلطه، وعندما لا تلبي هذه الزوجة احتياجاته فعليها مواجهة مصيرها المحتوم، وهو الطلاق.

نحن الآن في مواجهة جيل جديد، يحمل من عذابات البشرية ما لا يمكن إحصاؤه، جيل واجه الطائرات والقصف والقنص والجوع والحصار فاحتمل وصمد وواجه بشجاعة، ولكن ما يكسره حقاً أنه لا يعي كيفية التصرف أمام والدَين غاضبين، وأمام مشاهد قهر أو عنف قد يناله منها الكثير.

ما الذي قد يضطر شخصين لأن يقترنا ببعضهما؟ أهي تبادل المصلحة؟ أم الرغبة الحقيقية في شراكة متميزة؟

الشركات والمؤسسات الناجحة في عصرنا بدأت تنفي السلطوية، وتعتمد أنظمة جديدة تحفز على الاستقلال والتوافق في ذات الوقت للتحفيز على الإبداع، كما  أنها تتجه للدقة في تحديد الأدوار، وعدم إغفال المشورة والحوارات البناءة بين جميع العاملين فيها وصولاً إلى تحقيق المصلحة الأسمى في العمل، وهذه الطريقة أثبتت نجاحها وتميزها، فلماذا لا يعاد النظر في الطريقة التي تُدار فيها المؤسسات الزوجية ابتداء بالتفكير بالزواج والتأسيس وانتهاء بالتطبيق؟

لعل الخلل يكمن في الأهداف من عقد الشراكة، فإن تلاقت وتأصلت وكان الاجتماع لغاية نبيلة سامية، ومن أجل تقديم نواة صافية تضخ لمصلحة الأمة بكافة أفرادها، وتتجند ككيان متماسك من أجل خدمتها وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض، إن تحققت هذه النقطة في الأحلام التي تراود كل شاب عن شريكة حياته، وإن تحققت كأساس لا غنى عنه في فكر كل فتاة تحاول أن تحيا لأجل معنى حقيقي دائم لا يزول ولا ينتقص من إنسانيتها أو كرامتها، بل على العكس يكرمها ويرفع من شأنها، إن تحققت تلك الأهداف وتوافق الفكر بالفكر وتلاقت الأرواح على غاية عظيمة، فهنا يبقى من الضروري حسن الفهم والإدراك لمفهوم القوامة، لا ليتسلط أحد على أحد، ولا كي يطغى أحد على أحد، بل لأن أي سفينة تحتاج رباناً يسيرها، وانتقاء الربّان وصلاحيته يخضع لمقاييس متعددة.

 معنى القوامة
القوامة التي تتحدث عنها الآية الكريمة ضمن المؤسسة الزوجية والتي هي مهمة تكليفية للرجل في أسرته في قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [1]هي صفة تشمل الرجال والنساء معاً، تشمل الأمة كلها خارج نطاق الأسرة، ففي الآية: {يا أَيها الذين آمنواْ كونواْ قوامِينَ بالقسط شهداء لِلّه}” [2]. وهي من صفات المؤمنين من الرجال والنساء، وتعني القيام على أمر الدين بالعدل والقسط.

أيدي حول قدمي طفل على شكل قلبالرجل قوام في أسرته على المرأة حيث يتوجب عليه تقديم المصالح المادية والمعنوية للمرأة والقيام عليها، ورعايتها وحمايتها، وسياسة الأسرة بالعدل والحق والقسط ليحقق لها بذلك الطمأنينة والسكن، وهذا بطبيعة الحال لا يطعن في صلاحية المرأة للقوامة، فهي تقوم على أسرتها في غياب زوجها، وتعمل على تأمين كل ما كان يؤمنه في حضوره، فالمسألة تراتبية إدارية حسب الأصلح والأقدر على قيادة الأسرة حسب المعطيات المتوفرة، وهي إدارة غير متسلطة ولا مستبدة بل تقوم على حسن التشاور بين الأفراد، مقترنة بالنصح والتوجيه، بلا فرض أو إرغام أو إكراه، وهي تتعلق كذلك بالقرارات التي تحتاج إلى كلمة حسم وفصل، فإن لم تؤخذ هذه الإجراءات بعين الاعتبار فإننا نصل إلى أسرة تحمل الكثير من أسباب الخلل والفشل.

وبالعودة إلى تحليل أسرنا ومجتمعاتنا الحالية الآيلة إلى الانهيار، والتي تفتقر في معظمها لأدنى مقومات الوعي، والتي تعتبر الزواج شراكة مصلحة، بين “الدمية” التي ترمز للفتاة أو الزوجة المطلوبة في عرف المجتمع، و”البنك” أو المصرف الذي يمثله الرجل أو الزوج المثالي، ووقوفاً غير مستسلمين ولا عاجزين عن التغيير، قد يتساءل أحدهم هل من الممكن انتشال الأسرة من هذا الحضيض؟ وهل بالإمكان الترميم أم أن الأوان قد فات؟

الأمر يحتاج إلى عمل على محورين، محور الوعي، والذي يتطلب أن يؤمن بأهميته كل معني بهذه القضية، فينشر رسالته في المدارس والمساجد والجامعات والمؤسسات الأهلية، ليصل إلى الطرفين، الرجل والمرأة، ليؤسس قاعدة راسخة تبين الحق دون زيف أو إسفاف.

والمحور الآخر يعتمد على التدريب، وهو يتلخص في أن تتفق الأسرة على التدرب على فهم الأدوار، وتعزيز الشورى والحوار، وتقديم المصالح العامة، وتفهم المشكلات والتفاصيل الخاصة، والتعاون للخروج من المآزق والمشكلات بوعي، وتفعيل دور القوامة دون قهر أو استبداد.

وفي النهاية تبقى الطريق طويلة نحو التغيير، لكنها مهما طالت فهي تتطلب خطوات إيجابية فاعلة من نقطة البداية، تماماً كما تحتاج مجتمعاتنا لتحقيق نماذج إيجابية متميزة وراسخة في الإنجاز والفاعلية، وللإنصاف فمجتمعاتنا لا تخلو منها، لكننا نحتاج إلى التعزيز بشكل أكبر، ونحتاج للانتشار، فنحن مكلفون بإظهار الحق، والدلالة على البدائل، وهذه البدائل مهما تشعبت بنا الطرق لا تقودنا إلا للقرآن، والقرآن حياة!


الهوامش

[1]النساء 34

[2]النساء 135




الأنمي.. سفير اليابان إلى العالم

“الأنمي” الياباني فن مرئي له طابعه وأسلوبه الخاص الذي يميزه عن الرسوم المتحركة الأمريكية في الشكل والمضمون، وهو جزء محوري من الثقافة اليابانية.

رسم بياني لإيرادات سوق الأنمي حتى عام 2017

الرسم البياني (1): إيرادات سوق الأنمي حتى عام 2017

وسوق الأنمي الياباني في نمو مستمر؛ فقد وصل حجم مبيعاته حول العالم في عام ٢٠١٧ إلى ما يزيد عن ١٨ مليار و300 مليون دولار أمريكي وفقًا لجمعية الرسوم المتحركة اليابانية (The Association of Japanese Animations) كما هو مبين في الرسم البياني (1).

رسم بياني لإيرادات سوق الأنمي داخل اليابان وحول العالم حتى 2017

الرسم البياني (2): إيرادات سوق الأنمي داخل اليابان وحول العالم حتى 2017

ويُلاحظ تضخم هذا السوق عالميًا حتى أن إيراداته خارج اليابان في طريقها لتفوق الإيرادات داخله، كما يظهر في الرسم البياني (2)، فشبكة نيتفلكس الأمريكية مثلًا أنتجت إلى الآن أكثر من 40 أنمي خاص بها، عدا ما تدرجه من أنميات للعرض، وهذا يُظهِر مدى انتشار الأنمي الياباني وحجم تأثيره. فإن كانت لدى الولايات المتحدة أفلام هوليوود، فلدى اليابان الأنمي، فالأنمي بات “سفير اليابان” للعالم.

الأنمي المدبلج
بدأ دخول الأنمي للعالم العربي مع جيل السبعينات والثمانينيات من خلال الأنميات المدبلجة والتي كانت منتقاة، وفي كثير من الأحيان مقتبسة من الروايات، مثل “سالي” و”جزيرة الكنز” و”بيل وسيباستيان” و”صاحب الظل الطويل” وغيرها.

سبيس تون

لكن البداية الحقيقية لدخول الأنمي للعالم العربي كانت في بداية الألفية مع مركز الزهرة وقناة سبيستون، أول قناة عربية مختصة بعرض الأنمي الياباني المدبلج للأطفال. وكانت الأنميات المدبلجة -خصوصًا ما كان من دبلجة سبيستون- تراعي القيم الدينية والأخلاقية في المجتمعات العربية، حتى ولو تم تحريف قصة الأنمي كلها في سبيل ذلك، وليس حذف المشاهد غير اللائقة فحسب.

ورغم أن سبيستون والأنميات المدبلجة ساهمت في زرع مبادئ نبيلة وأسس أخلاقية وربما دينية لدى متابعيها، إلا أنها بالمقابل عززت بشكل كبير مكانة الصورة لديهم، وأدت في كثير من الأحيان إلى عزلهم عن الواقع وإغراقهم في الأوهام والخيالات وأحلام اليقظة، خصوصًا أنهم عادةً من الأطفال، مما سيصعّب عليهم مواجهة الحياة فيما بعد. وهذه ليست مجرد افتراضات عبثية، فكلمة “otaku” اليابانية والتي تطلق على محِب الأنمي والمهووس به، تعني لغةً الشخص الذي يمكث في بيته ولا يملك حياة اجتماعية.

الأنمي في عصر الإنترنت
أنمي Yu-Gi-Oh! “حقبة الأنمي المدبلج” أعطت انطباعًا خاطئًا بأن الأنمي هو مجرد مادة بريئة موجَّهة للأطفال. فبالإضافة إلى سلبيات الأنمي المدبلج، فإن هذا “السفير الياباني” هو بطبيعة الحال مشبعٌ بالثقافة اليابانية ذات الروافد المتعددة، لذا لا عجب في أن يكون زاخرًا بالمعاني والأسماء والرموز والمعتقدات المستقاة من الهندوسية والبوذية والشنتو والطاوية والكونفوشيوسية وكذلك التراث الشعبي الياباني.

وهذا ما يغفل عنه الكثير من الأهالي هذه الأيام فيتركون أبناءهم ليشاهدوا ما يحلوا لهم من الأنمي على الإنترنت والذي يكون بشكله الأصلي الخالي من أي حذف أو تحريف، والذي يجذب الصغار وكذلك الشباب ممن تعلقوا بالأنمي المدبلج في صغرهم.

ومن الأنميات التي تحمل عقائد شرقية أنمي “Dragon ball” وفيلم الأنمي “Spirited Away – Sen to Chihiro no Kamikakushi”. وبعض الأنميات جمعت بين المعتقدات الشرقية والماسونية كأنمي “Yu Gi Oh” المتخم بالرموز الماسونية بدءًا من رمز الهرم الذي تتوسطه عين إلى قصته التي تقوم على تناسخ الأرواح والسحر في مصر القديمة. وهناك أيضًا أنمي “Fullmetal Alchemist: Brotherhood” الذي يتحدث عن الخيمياء وحجر الفلاسفة.

death noteوبعض الأنميات تناقش قضايا فلسفية كأنمي “Death Note” و”Psycho Pass”، وبعضها قد يناقش الأسئلة الوجودية، والتي يتم عرضها غالبًا من وجهة نظر الفلسفات الوثنية أو الإلحادية، كأنمي “Death Parade” وأنمي “Subete ga Fni Naru”.

فالأنمي -كغيره من المواد “الترفيهية” المرئية- فيه العديد من التصنيفات والأنواع، من ناحية الشكل والمضمون، لذا قد يحوي الأنمي مشاهد شديدة الدموية، أو مشاهد القبلات والتعري أو حتى علاقات الحب الشاذة، وقد يصل الأمر إلى المشاهد الإباحية الصريحة واللواط والسحاق والسفاح!

الأنمي على أحد الأبنية في اليابان“كوكب اليابان”.. حلم كل “أوتاكو”
يعد العيش في اليابان أو مجرد زيارته حلمًا للعديد من الـ”أوتاكو” نظرًا لتغلغل الأنمي في الحياة اليابانية، فقد ترى صور الأنمي على وسائل المواصلات أو الطرقات او الأبنية.

لذا فإن مهووسي الأنمي يصبحون مهووسين بكل ما هو ياباني، فترى منهم من يتقن اللغة اليابانية -رغم صعوبتها- أو يقرأ الأدب الياباني، عدا من يقرأ الكتب المصورة اليابانية (المانجا) والتي تكون عادة أصل قصص الأنمي، وقد يصل عدد فصول الواحد منها إلى المئات. وهؤلاء جميعًا تراهم يتذمرون من إعراب جملة في العربية أو قراءة كتابٍ عربي لا يتجاوز المئة صفحة!

شعار برنامج خواطر الموسم الخامسوأحاطت بـ”كوكب اليابان” هالة إعلامية صوّرته على أنه جنة الله على الأرض، خاصة في العالم العربي من خلال برامج كبرنامج خواطر الذي ذاع صيته منذ موسمه الخامس حين عرض مقارنات بين “كوكبنا” و”كوكب اليابان”. وعملت هذه الهالة على زيادة تقبّل الشباب للثقافة اليابانية والانفتاح عليها، وبالتالي رواج الأنمي والتعلق به أكثر.

وبالنتيجة، فإن الأنمي يؤدي لتعلق الشباب بالثقافة اليابانية، والثقافة اليابانية تزيد تقبل الشباب للأنمي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن “اليابان ليس كوكبا كما يتخيله العرب”:

شعار الين واليانغالأنمي وحركة العصر الجديد
في ظل الخواء الروحي في الغرب؛ ظهرت حركة العصر الجديد -والتي تعد امتدادا حديثا للمذاهب الباطنية- لتقدِّم المعتقدات الشرقية على شكل “برامج تدريبية” و”رياضات روحية” خالية من أي إلزامات لممارسيها. ومن هذه الرياضات والبرامج: “الريكي” و”الفونغ شوي” و”التأمل الارتقائي” و”المايكروبيوتيك”، ولا ننسى أشهر “رياضة” روجت لها حركة العصر الجديد ألا وهي “اليوغا”.

ويُروَّج لهذه “البرامج” و”الرياضات” و”الدورات” على أنها حلول سريعة مضمونة لمشكلات العصر للوصول للصحة والسعادة، بقالبٍ بعيد عن الدين. مع تبني خطاب يدّعي الحث على الوئام السلام بين الأديان، والذي يزداد رواجًا مع السيولة التي نشهدها في حقبة ما بعد الحداثة. والحقيقة أن هذا الخطاب هو مجرد دعوة لنبذ أصول الدين التي لا يكتمل أي دين إلا بها والتي لا يصح جمعها مع أصول الأديان الأخرى، ليختلط الحق مع الباطل ويصبح الوحي السليم مكافئًا للدين الأسطوري المحرف.

وبدورنا أخذنا نحن هذه “البرامج” و”الرياضات” من الغرب بفعل التبعية الثقافية وسلطة الثقافة الغالبة، بل تم إضفاء الطابع الإسلامي عليها! لذا بات مألوفًا بين شباب وبنات المسلمين سماع كلمات كـ”الطاقة الكونية” و”طرد الطاقة السلبية” و”هالة الطاقة” و”الشاكرات”. (ويمنكم التوسع في هذا من خلال مقال حركة العصر الجديد ومقال اليوغا من موسوعة السبيل وكذلك سلسلة فيديوهات مراجعة كتاب السر من قناة السبيل على يوتيوب)

أنمي ناروتو

وحيث أن برامج حركة العصر الجديد تقوم على المعتقدات الشرقية والتي يعمل الأنمي على ترويجها بطبيعة الحال من خلال ترويجه للثقافة اليابانية؛ فإن الأنمي بذلك يروج بشكل أو بآخر لحركة العصر الجديد وأصلها الغنوصي الباطني. فلنأخذ مثلًا أنمي ناروتو، الذي يعد من أشهر الأنميات وأكثرها ارتباطًا بالعقائد البوذية والهندوسية؛ ففي هذا الأنمي يكثر الحديث عن “الشاكرا” وتوزيعها بالجسم، بالتالي فالمتابع له -خصوصًا إن كان صغير السن- لن يتقبل فحسب دورات حركة العصر الجديد المتعلقة بالتشاكرا، بل سيحبها وينجذب إليها.

وهنا ينتقل الأنمي خطوة جديدة في مساهمته في التطبيع مع المعتقدات الشرقية الوثنية، حين يساهم في تحويل هذه المعتقدات من مجرد معتقدات يابانية مرسومة على الشاشة ضمن “سياق القصة” وبشكل رمزي في كثير من الأحيان، لتصبح ممارسات يقوم بها المسلم في دورات تُعقَد على أرض الواقع.




دين الدروشة أم المنهجية العلمية؟

إيمان محمد


مدهشة هي رقصة “المولوية” لكل من يتأملها، دوران منتظم على إيقاع خاص، ضمن أجواء قد تُسمى بالروحانية، أو الصوفية، أو لنقل أي مسمى آخر، المهم أنها تلخص صورة وانطباعاً عن فلسفة ما للدين، وتوصيفه بالزهد، والدروشة، والابتعاد عن جانب الحياة والعمل، والاقتصار على تزكية النفس.

هذا على الأقل هو المفهوم الذي ترسخ في الحقبة الأخيرة ضمن العقل الجمعي، ليبتعد الدين بهذه الصيغة إلى قطب بعيد عن قطب العلم والعمل، وليتخذ الأخير مساراً تائهاً عن الدين متخبطاً في افتراضات الداروينية والطبيعة وغيرها، وكأنما الدين لابد أن ينفصل عن العلم ويُختصر في طقوس وشعائر.

منذ أكثر من 1400 سنة، وعندما كان العالم غارقاً في متاهات الجهل والتغييب، إلا بقعة نور انتشرت من مكة إلى أرجاء الأرض، تأسست هناك المنهجية العلمية للعقل المسلم، وباتت أهم ثوابته، والحجر الأساس في رسوخ إيمانه، وفي صميم اعتقاده ودينه. في الحين الذي يشيع فيه الظن بأن أسس منهجية البحث العلمي ومدارسه حديثة، الأمر الذي يغيّب القواعد العلمية القوية التي بنتها المدرسة النبوية في مسيرتها القويمة لإنشاء عقول تنأى عن الظنون والشكوك، وتُبنى على الحقائق، تنفي الوهم، وتقترن بالحجج والبراهين والأدلة. مدرسة أبعدت الخرافة السائدة في الأرض دهوراً عن مدرسة الصحابة والتابعين، فلم يكن من ثمارها فقط جمع القرآن والحديث وحسب، بل بناء وتأسيس أجيال واعية فاهمة تعتمد كل الاعتماد على الدقة والموضوعية والصّدق، تماماً كما تُبنى على الجد والاجتهاد والعناء وشد الرحال من قارّة لأخرى، ومن بلاد إلى بلاد أخرى فقط من أجل التحقق من معلومة!

رقصة المولوية في تركيا

نتج عن المدرسة التي وجه إليها القرآن الكريم عبر آياته أسساً تربى عليها كل من وعى القرآن ليكون الشعلة التي تضيء العقل فتنتج منهجية تفكير واضحة، قال تعالى: “وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً” ]الإسراء: 36].

المنهجية التي تنفي التعالم، وتشجع عبارة “لا أعلم” بدلاً من القول غير المبني على حقيقة “قالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم” ]البقرة:32[.

المنهجية التي تحارب اتباع الظنون والبناء عليها، قال تعالى: “وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ” ]يونس:36[.

وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” [الحجرات: 6]، وهذه الآية أصْلٌ في اعتبار العدالة والضبط في الرواة، كما أنَّها دليلٌ في وجوب التبيُّن والتثبت من حقيقة خبر الفاسق.

وهي المنهجية ذاتها التي نشأ عنها علم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وعلم تراجم الرجال، ليصل عبرها إلى أسس قويمة واضحة علمية ومتينة ليس في علوم الحديث فقط بل في بناء الشخصية المسلمة، هذه المنهجية العلمية هي التي استطاعت أن تنشئ الجيل الواعي الذي فتح الأرض من مشارقها إلى مغاربها، وساد العالم بالعلم والحضارة حقبة طويلة من الزمن، وبات قِبلة علمية لأمم الأرض تنهل من معينه، وتتربى على أسسه وثوابته، هي التي تثبت أن الدين هو أساس التفكير الصائب، والفكر الصحيح، ولولاه لما تكبد المسلمون الأوائل عناء البحث والترحال وبذل الوقت والجهد والنفس في سبيل تحقيقه وفق أسسه الصحيحة وهو مؤمن كل الإيمان أنه لا يقوم بهذا الدور فقط من باب الشغف العلمي وحب الاطلاع، بل لأن دينه يملي عليه هذا الواجب، وهو آثم إن لم يقم عليه بالشكل الصحيح.

اليوم ونحن نعايش ثورة العلم في أوسع أشكاله، لابد لنا من وقفة، ونحن نفكر في موقعنا من هذه الثورة، ومكاننا فيها، علينا أن نتلمس مكاننا الصحيح ونقيّم جهدنا العلمي والفكري في الحقبة الأخيرة من الزمان، لندرك أسباب تراجعنا وسيادة الأمم علينا.

فالواقع أننا عندما نزعنا عن كواهلنا عبء التفكير، وعناء بذل الجهد ومشقة التحري والبحث عن الحقيقة، وباتت تقييماتنا لكل ما حولنا تعج بالفوضى والظنون، عندما ابتعدنا عن القرآن كانت النتيجة سقوطنا في كافة المجالات للسبب ذاته.

والسنن الإلهية تقول بأننا حين نتدارك أخطاءنا فنغيّر ونُصلح، فإن دائرة الهزيمة والفشل والهوان ستضمحل، ونستعيد دورنا وفاعليتنا.

الأمر الذي يحتاج إلى جهود حثيثة في كافة الميادين والمجالات، لتحدث ثورة مختلفة، مبنية على العلم الذي شعلته الإيمان.




“لازم المذهب”.. هل يجوز التكفير بالتأويل؟

عبد اللطيف المحيمد


لازم القول هو ما يترتب على القول بشيء ما من أمور تترتب عليه، وصاحب القول أو الرأي إما أن يلتزم لازم قوله أو يسكت عنه، فإن التزمه فلا خلاف في أنه يُحاسب عليه ويُعد مذهباً له، لكن العلماء اختلفوا فيما لو سكت عن لوازم قوله.

وكان لهذا الاختلاف وقْع خطير على الفكر الكلامي الإسلامي، حيث كان بعض العلماء يكفّر أو يفسّق أو يبدّع البعض الآخر على لازم قوله دون أن يكون الآخر قد التزم هذا القول، ودون أن يحقق مدى لزوم ذلك اللازم، وقد نبه كثير من العلماء على خطورة التكفير بما يُؤول إليه الكلام، ومنهم ابن حزم الظاهري الذي قال: “وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم، وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه؛ فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن إذ فر من الكفر…”.

وقال ابن رشد: “ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرّحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم”.

 

مذاهب العلماء في لازم المذهب
تتنوع مذاهب العلماء في اعتبار أن لازم المذهب مذهب، وهي تتلخص في ثلاثة مذاهب نوجزها كما يلي:

المذهب الأول: وهو رأي الأغلبية، حيث يرون عدم اعتباره مذهباً وعدم التعويل عليه في إطلاق الإحكام ونقل الأقوال، ودون التفريق بين القريب والبعيد.

قال ابن الوزير اليماني: “إن التكفير بالإلزام، ومآل المذهب رأي محض، لم يرد به السمع لا تواتراً، ولا إجماعاً، والفرض أن أدلة التكفير والتفسيق لا تكون إلا سمعية؛ فانهدّت القاعدة، وبقي التكفير به على غير أساس”.

وعلى هذا القول أكثر المتكلمين والمحدثين، ومنهم ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، ونعمان الآلوسي، والشاطبي في الاعتصام ونقله عن شيوخه.

المذهب الثاني: التفريق بين اللازم القريب (البيّن) واللازم البعيد (الخفي)؛ فاعتُبر الأول قولا لصاحبه والثاني ليس قولاً، وهو قول طائفة من المالكية، كمحمد بن عرفة الدسوقي المالكي.

الطاهر بن عاشور

الطاهر بن عاشور

المذهب الثالث: اعتبار لازم المذهب مذهباً، وهو قول الطاهر بن عاشور في تفسيره حيث قال: “وفي هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولاً، وأن لازم المذهب مذهب”، واستدل بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27]، ومحل الشاهد أن الكفار أنكروا البعث والجزاء؛ فكان من لوازمه اعتبار خلق السموات والأرض من الباطل، مع أن الله قد ذكر ذلك؛ فقال: {ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} وحاسبهم عليه؛ فلو لم يكن لازم المذهب مذهب لما اعتبره الله وحاسبهم عليه، حسب رأي ابن عاشور.

 

المناقشة والترجيح
يبدو أن القول الثالث وهو أن لازم المذهب مذهب؛ هو قول شاذ لِما يترتب عليه من النتائج الخطيرة؛ إذ يلزم منه تكفير الفِرق الإسلامية لبعضها لأدنى لازم من لوازم الأقوال، وهو منهج خطير إذ كفّر البعضُ المعتزلة لقولهم إن المعدوم شيء لأن لازم قولهم هذا أن العالم قديم، وكفّر آخرون بعض الحنابلة ممن قالوا إن آيات الصفات تُحمل على حقيقتها بالنسبة إلى الله لأن لازم هذا القول التجسيم والتشبيه لله بخلقه.

وكذلك فإن بعض العلماء لم يحتاطوا في تكفير المسلمين؛ وألفوا في ذلك كتباً، فقد كفّر البعض القائلين بإنكار الجوهر الفرد؛ لأنه يعتقد أن لازم ذلك نفي مقدورية الله على إحصاء أجزاء العالم وعلمه بكمية أجزائه، مع أن الخلاف حول إثبات الجوهر الفرد مشهور.

وأما ما استدل فيه ابن عاشور على أن لازم المذهب مذهب من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} فهو استدلال ضعيف؛ لأن الكفار كانوا يعتقدون ويقولون بأن خلق السموات والأرض من الباطل، ودليل ذلك أن الله أسند ذلك إليهم، وأما الظن فهو تكذيب من الله لهم.

ونستطيع أن نقول أيضا إن هذا القول قياسٌ للغائب على الشاهد، فالإنسان ضعيف ليس له إلا الظاهر؛ فهو لا يعلم ما في صدر صاحب القول ومدى تبنيه للوازمه إلا إذا صرح بذلك هو، أما الله فله العلم الكامل؛ فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ فلعله عَلِم أنهم تبنوا هذا القول.

والخلاصة أن القول بأن “لازم المذهب مذهب” فيه هدم للفكر الإسلامي من أساسه؛ ولذلك فهو قول شاذ مخالف لرأي جمهور الأمة.

وأما مذهب التفصيل الذي اعتبر أن اللازم القريب مذهب، وأن اللازم البعيد ليس بمذهب؛ ففيه إشكال قد يُستغل في إطلاق أحكام في غير محلها، وهو كيفية معرفة اللازم القريب من البعيد أو الضابط الذي يضبط القرب والبعد، وكيف يمكننا أن نعرف أن هذا اللازم قريب أم بعيد.

وسبب هذا التساؤل أننا وجدنا بعض العلماء قد اختلفوا في اعتبار لازم من اللوازم قريباً أو بعيداً، وإلا لو كان هناك ضابط معين للتفريق بينهما لم يختلف العلماء، وأرى أن مذهب التفصيل قولاً فضفاضاً لا ينضبط، بل قد يستغله أي شخص ويعتبر أن لازم قول من الأقوال قريب، وهو في الحقيقة بعيد كل البعد، وربما لم يخطر في بال صاحبه أصلا.

ولذلك أرجّح أن لازم المذهب ليس مذهبا مطلقا إلا إن سُئل صاحبه عنه والتزمه، أو صرح هو بالتزامه؛ فيكون مذهبا له، وهذا كما سبق هو قول الأكثرين من العلماء من المتكلمين والمحدثين، وهذا أسلم وأقرب إلى روح أهل العلم في التثبت في نقل القول، وأعتق لرقاب ودماء المسلمين من التكفير. وقد قال الصنعاني “ولهذا تقرر عند المحققين أن لازم المذهب ليس بمذهب”.


أهم المراجع:
الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، دار الجيل، بيروت، ط: الثَّانية، 1416هـ، 1996م، تحقيق: محمَّد إبراهيم نصر، وعبد الرَّحمن عميرة.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط: الرابعة، 1395ه، 1975م.

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير اليماني، مؤسَّسة الرِّسالة، ط: الثَّالثة، 1415ه، 1994م، تحقيق: شعيب الأرناؤوط.

إجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1986، تحقيق: القاضي حسين بن أحمد السياغي وحسن محمد مقبولي الأهدل.

التحرير والتنوير، ابن عاشور، دار سحنون، تونس، 1997م.