هل كان العثمانيون محتلين لبلادنا العربية؟

محمد عدنان شيط


عندما كنت صغيراً كانت مادة التاريخ التي تُدرس في بلدي سوريا تحدثنا عن الاحتلال التركي الذي دام 400 عام وعن لواء إسكندرون الذي كان يسمى في هذه الكتب “اللواء السليب” والذي أعطته فرنسا لتركيا في صفقة بينهما وحرمت سوريا منه.

كبرت قليلاً بعد ذلك لأتابع عدداً من المسلسلات السورية التي تتحدث عن ما كانت تسميه “الاحتلال العثماني” وتُصور الأتراك كوحوش بشرية تسرق أقوات الناس وتمتص دماءهم وتجرهم إلى الحروب. ومن تلك المسلسلات كان مسلسل اسمه “إخوة التراب”، ومن شاهده ربما لا ينسى مشهد الإعدامات بأبشع الطرق للهاربين من الجيش العثماني والمنضمين لما سمي بعدها بقوات الثورة العربية الكبرى.

ومنذ مدة أثناء خطبة الجمعة كان الخطيب يتحدث عن العثمانيين، وفي سياق حديثه أشار إلى أنهم لم يكونوا محتلين لبلادنا لتقوم مجموعة من الناس حولي بالرد على الخطيب في منتصف الخطبة وتقول: لا بل كانوا محتلين! وتفاجأت حينها من ردة فعل هؤلاء وتعجبت كثيراً إلى أي حد وصل تفكير بعض المسلمين. ولكن هكذا عملت حكومات ما بعد الاحتلال الأجنبي على تشويه صورة العثمانيين من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ والمسلسلات، فلم تترك نقيصة أو نقطة سوداء في التاريخ العثماني إلا وسلطت عليها الضوء وأغفلت في المقابل عشرات المحاسن والصفحات البيضاء في تاريخ بني عثمان وسكتت عنها بتجاهل تام ومتعمد لهذا الأمر.

أتاتورك في مكتبه

ما الباعث على تشويه التاريخ العثماني؟
بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال (أتاتورك)عام 1924، عملت القوى الكبرى على تقسيم تركة “الرجل المريض” حينها بما يرضي أطماعها؛ فأنشأت هذه الدول على أنقاض الخلافة العثمانية مجموعة من الدول العربية قسّمتها على مزاجها ليسهل السيطرة عليها، وعلى إثرها تولى أمر هذه الدول حكومات ذات نزعات قومية عملت على قطع صلة المسلمين بتاريخهم من خلال ربطهم بالفكرة القومية وشجعتهم على الانتماء للأرض وللحدود التي قسمتها الدول الأجنبية على حساب فكرة الانتماء للدين وللرابطة الإسلامية التي كانت ممثلة بالخلافة العثمانية.

ولهذا فأفضل طريقة لإنجاح هذا الأمر هو تشويه التاريخ العثماني بمجمله من خلال بث الأخبار الكاذبة وأخذ المرويات التاريخية الضعيفة والملفقة وحشو كتب التاريخ والمناهج الدراسية بها أو في أحسن الأحوال تسليط الضوء على جوانب معينة في التاريخ العثماني مع التغاضي المتعمد عن الجوانب الأخرى، ولهذا هبت بتشجيع من الحكومات جوقة من الكتّاب العلمانيين والقوميين هاجموا الدولة العثمانية وطعنوا فيها بكل السبل وهدفوا من وراء ذلك أن ينشأ جيل يكره العثمانيين ويصف فترة حكمهم في بلادنا بالاحتلال.


هل التاريخ العثماني ناصع البياض؟

بالطبع لا ولا يقول بهذا عاقل، فكل الدول لها ما لها وعليها ما عليها، وتاريخ دولة بني عثمان كتاريخ أي دولة إسلامية حكمت منطقتنا أو أي منطقة أخرى بعد الخلافة الراشدة لا يخلو من تجاوزات وأخطاء ونقط سوداء وهذه حالة مفهومة في السياق الإنساني.

وخاصة أنه مع طول فترة الابتعاد عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة فإن زاوية الانحراف تأخذ بالاتساع أكثر، كما يشير لهذا كثيراً المؤرخ محمود شاكر عند استعراضه للدول الإسلامية.

ولكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نطلق على فترة حكم العثمانيين بالاحتلال العثماني، والحقيقة أننا عندما ننتقد بعض الجوانب في الخلافة العثمانية فنحن ننتقدها من جانب شرعي وليس من جانب التعصب للعروبة أو للطعن في الخلافة الإسلامية بشكل عام، فالعثمانيون لديهم سلبياتهم التي لا نستطيع التفصيل فيها في هذا العجالة، ولكن نمر على أهمها بسرعة مثل عدم الاهتمام باللغة العربية وعدم الاتجاه لتعريب الدولة بشكل عام، وإكثار بعض السلاطين من الزواج من الأجنبيات، وقتل بعض السلاطين لإخوانهم، وعدم التركيز على دعوة أهل البلاد المفتوحة دعوة صحيحة للإسلام مثل بلاد اليونان وشرق أوروبا بالمجمل، والاستمرار بالحكم الوراثي بدلاً من إتباع الشورى التي يدعو لها الإسلام بالإضافة إلى تغليب الجانب العسكري على الجوانب الحضارية، وبعض السلبيات الأخرى، ولكن المنطلق لهذا الحديث عن بعض سلبيات العثمانيين هو منطلق ديني بحت وليس حقداً على الخلافة الإسلامية العثمانية أو رغبة في الطعن فيها تعصباً للعروبة كما بينت.

السلطان العثماني وحيد الدين في لحظة الوداع قبل أن يعين عبد المجيد الثاني في منصب خليفة شكليا ليشهد انهيار الخلافة

صفحات مشرقة في تاريخ العثمانيين
1-وقف العثمانيون سداً منيعاً في وجه غزوات الإسبان والبرتغاليين الاستئصالية على البلاد العربية وخاصة في شبه الجزيرة العربية وشمالي إفريقيا، ودافعوا عن هذه المناطق بكل شجاعة وبسالة.

2-أخّر الحكم العثماني للدول العربية سقوط معظم دولها بإيادي المستعمرين من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين وغيرهم، والذين سيطروا في أوقات مبكرة على دول أخرى كالهند وإندونيسيا وماليزيا.

3-فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453 على يد محمد الفاتح -رحمه الله- محققين بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أورده الإمام أحمد في مسنده “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، وتوسعوا في الفتوحات في شرق أوروبا وطرقوا أبواب فيينا.

4-وقفت الدولة العثمانية سداً منيعاً أمام الدولة الصفوية في الشرق والتي عملت على نشر التشيع في الدول العربية وعدّت الخلافة العثمانية نفسها حامية أهل السنة، فخاضت الحروب العديدة مع الصفويين ودافعت عن العرب السنة وحمت مذهبهم.

5-رغم ضعف الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة إلا أنها لم ترضى أن تفرط بأرض فلسطين، وسجل التاريخ بأسطر من ذهب موقف الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني برفضه بيع أي شبر من أرض فلسطين رغم الضعف الداخلي والمغريات المالية الكبيرة التي عُرضت عليه، بينما رأينا بعدها الحكام الرافعين لشعارات القومية والعروبة وما فعلوه من جنايات بحق فلسطين سبقت نكبة 1948 ولم تنته بعدها.

6-وحّدت الدولة العثمانية شعث الدول العربية بعد الهجمات التترية والحملات الصليبية والتي جعلت الدول العربية مستنزفة إلى أقصى حد ومعرضة لكل الأخطار، وشكلت دولة ممتدة الأطراف يهابها الشرق والغرب على عكس ما حدث بعد الخلافة العثمانية من تفرق وتقسيم لكل الدول العربية.

 في النهاية، يبقى الحكم الأخير على الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلاد العربية مرتبطاً بمرجعية من يقوم بهذه العملية. فأصحاب المرجعية الإسلامية يعدّون الخلافة العثمانية امتدادا للخلافة الإٍسلامية، ويجدون في هذه الفترة الكثير من الصفحات المشرقة، ويرون في هذه الخلافة حتى في آخر فتراتها -رغم الضعف- عاملاً يمكن أن يكون موحداً وجامعاً للمسلمين ورادعاً لأعدائهم. بينما أصحاب الاتجاهات القومية والعلمانية فينظرون إلى تاريخ الخلافة العثمانية وحكمها للبلاد العربية بمناظير سايكس بيكو ونشوء الدولة الحديثة، ولهذا يعدّون هذه الخلافة احتلالاً للبلاد العربية وهذا ما حاولوا أن يروجوه ويزرعوه بين الناس.

لكن المنصف أقل الإنصاف يعلم أنه لا مجال للمقارنة أصلاً بين الاحتلالات الأجنبية للبلاد العربية وما فعلته من إجرام وإبادات وقتل ونهب للثروات بما لا تتسع صفحات مئات الكتب من تدوينه، وبين الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلدان العربية التي تحدثنا بعجالة عن بعض صفحاتها المشرقة وأقلها حماية بلاد العرب.

ومن يدري ربما لولا نشوء الخلافة العثمانية وتوحيدها للبلاد العربية تحت رايتها -كسبب رئيسي- لحدث لبعض سكان هذه البلاد العربية ما حدث للهنود الحمر، وهذا الكلام لا مبالغة فيه لأنه في نفس الوقت الذي كان يباد فيه الهنود الحمر وسكان أمريكا الوسطى والجنوبية كانت الخلافة العثمانية تشكل قوة عظمى في وجه تلك الهجمة الأوربية لاحتلال ما تصل إليه من أراض وتبيد على إثرها سكانها. فهل بعد هذا نتنكر لحقائق التاريخ فنظلم العثمانيين ونسميهم احتلالاً؟


مصادر

أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية.

محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، المجلد الثامن، العهد العثماني.

عماد الدين خليل، مدخل إلى التاريخ الإسلامي.

 

 

قنيبي والدحيح… أحد وجوه صراع العلمانية والدين

محمد عدنان شيط


“لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا هذا الأمر واضح في القرآن.. جاء القرآن ليحول الدنيا من غاية إلى وسيلة”[1].

قبل مدة وجيزة رد الدكتور إياد قنيبي على إحدى حلقات الدحيح التي تتحدث عن فرضية الأكوان المتعددة ووضّح الفكرة الإلحادية في هذا الطرح. وعاد قنيبي مرة أخرى وبيّن بفيديو تفصيلي آخر لما يعرضه برنامج الدحيح من أفكار إلحادية ومادية، ومنذ ذلك الوقت انبرى الكثيرون للهجوم والرد عليه بكل السبل.

في هذا المشهد وما تلاه من ردود أفعال نحن لسنا فقط أمام دكتور جامعي وداعية إسلامي يرد على حلقة لشاب من مروجي pop-science  أو العلوم الشعبية عبر اليوتيوب؛ بل نحن أمام مشهد أوسع واستقطاب أكبر بين تيارين تزداد ملامحهما وضوحاً مع مرور الوقت. فما بين تيار إسلامي متمسك بدينه ويعلم دور العلم فلا يرفعه فوق قدره، ويؤمن بمركزية الآخرة في حياة الإنسان في جميع الجوانب، وبين تيار آخر يغلب عليه الطابع العلماني، وهو خليط يضم أطيافاً عديدة، منها من أعلن إلحاده ومنها من هو على وشك ذلك، ومنها من يعمل على هدم الدين من داخله، ومنها المنهزم حضارياً أمام التفوق المادي للغرب فهو وإن بقي على الإسلام إلا أنه يحاكم الإسلام على القيم الليبرالية والعلمانية مقتطعاً من الإسلام ما يناسب تلك القيم ورافضاً ما سواها بتأويل أو تدليس على الدين. وبين التيارين ربما نجد بعض من يصنفون أنفسهم أنهم حياديون أو غير مكترثين لهذا الصراع بالأصل.

هذا المقال لا يتكلم عن الدكتور قنيبي أو الدحيح بشخصيهما ولا يرد على أحد منهما وطرحه العلمي، وإنما هو عرض لبعض النقاط الرئيسية والملاحظات السريعة عن المشهد الأوسع والذي هو أحد أوجه المعركة المستمرة بين تياري الدين والعلمانية[i].

مسلمون يدافعون عن العلمانية أكثر من أصحابها!
“أين تجد واحداً من غير رجال الدين يقرأ شرحاً أو تفسيراً للكتب الدينية باللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الأناجيل؟ آهٍ. إن كل المسيحيين الشباب الذين يلفتون إليهم الأنظار ببراعتهم لا يعرفون إلا اللغة العربية والأدب العربي.. ولو حدثّهم أحد عن الكتب المسيحية محاولاً إقناعهم بالاحتجاج بها، فأنهم يجيبونه باستخفاف بأن هذه الكتب لا تستحق تقديرهم.  يا للمصيبة؟! نسي المسيحيون حتى لغتهم”.[2] [أسقف قرطبة ألفارو يرثي لوضع المسيحيين وهزيمتهم الحضارية أمام المسلمين في الأندلس].

أليس مستغرباً أن يصطفّ مسلمون للدفاع عن العلمانية أو أن يقفوا على الأقل بين بين؟ أليس مستغرباً أن يكون خطابهم شديداً قاسياً على إخوانهم المسلمين بينما ليناً رخواً أمام العلمانيين بل ومتبنّياً لخطاب العلمانية في بعض الأحيان؟ لكن هذا الاستغراب يقلُ إذا علمنا ما تعنيه الهزيمة الحضارية؛ إنها أسوأ أنواع الهزائم لأنها هزيمة نفسية من الداخل لا يستطيع بعدها من تلقّاها أن يرد كيد عدوه. بل ربما يتحول بعدها مدافعاً عن عدوه ومواجهاً لمن كانوا في الأمس إخوة الدين والعقيدة.

لكن رغم سوداوية هذا المشهد يجب أن ندرك أن هذا الأمر طبيعي، فلطالما تكرّر تقليد المغلوب للغالب. جاء في مقدمة ابن خلدون الفصل الثالث والعشرون:” فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزّيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده؛ والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه؛ أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب”[3].

إذن فالأمر مفهوم إلى حد ما. ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم أبداً هو حفلات جلد الذات اليومية التي يقوم بها بعض المسلمين أمام التقدم الغربي المادي والتي أقل ما يقال عنها أنها تعبّر عن عقدة نقص فادحة واهتزاز حقيقي في ثقتهم بعقيدتهم ودينهم.

نابليون (ويكيبيديا)

مسلسل الهزيمة الحضارية هذا لم يبدأ الآن بل هو مستمرٌ منذ اليوم الذي رست فيه سفن نابليون في مصر زارعاً فيها بذور العلمانية، والتي أنتجت بعد ذلك مفكّرين وكتاّباً مسلمين هُزموا حضارياً أمام سطوة الغرب وتحولوا لدعاة للقيم العلمانية رغم أنهم يعلمون علم اليقين مصادمتها مع الإسلام.

والآن بعد مرور كل هذه السنين على تلك الحملة المشؤومة ها هي ثمارها أينعت حنظلاً، وها هي قوافل من المسلمين تنتصر للقيم العلمانية.

وإن كان البعض يجد العذر في السابق مع بدايات القرن الماضي لانهزام بعض المفكرين حضارياً أمام الغرب فإن هذا الأمر الآن هو موضع ذمٍ بالفعل، فقد أثبتت الأيام أن التقدم المادي والعلمي ليس حكراً على العقول الغربية وها هي دول شرق آسيا، وأبرزها الصين واليابان، تضاهي التقدم المادي العلمي لدى الغرب، وربما في قادم الأيام ستسبقهم هذه الدول وأولها الصين.

ومن خلال فهم هذا الأمر يسهل استيعاب حقيقة أن للأمم دورات حضارية تعلو فيها وتتقدم ثم ما تلبث أن تتراجع وتنتكس. وعليه فالمسلمون ليسوا مضطرين لتبني عقائد الآخرين بما فيها العلمانية وتقليد طرائق عيشهم كي نلحق بتقدمهم العلمي المادي فلا رابط بين الأمرين.

المظلومية العلمانية وادعاء الإصلاح
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ( [سورة البقرة: 11]

يظن العلماني العربي نفسه غاليليو أو برونو القرن الحادي والعشرين المُضطهد الذي لا يستطيع أن يعبّر عن أفكاره، رغم أن العلمانيين أنفسهم يحتكرون معظم وسائل الإعلام ويبثون فيها ما يريدون ويروجون عبرها للإلحاد والشذوذ والإباحية ويدعون لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة بطرق مباشرة وغير مباشرة. لكن رغم هذا هم يحبون دائماً أن يظهروا بمظهر الحمل الوديع أمام الناس، فمن ينشر الأفكار الإلحادية تحت راية العلوم الشعبية يصورونه شاباً مبدعاً وهب نفسه للعلم لا يريد إلا أن يبسّطه للناس، ومن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة مستخدماً آيات وأحاديث بتدليس واضح لا يريد إلا النهضة بالمسلمين.

وهكذا يتحول هؤلاء إلى ما يشبه الملائكة الأبرياء وما يفعلونه يصبح إصلاحاً وهداية للمسلمين، وكل من ينتقد أو يتكلم عن حقيقة أفعالهم فهو مؤمن بنظريات المؤامرة ورجعيٌ محتدٌ!

العلمانية والعلموية العربيتان: ما الرابط بينهما؟
“إن جوهر العالمانية هو الانصراف إلى العالم كلياً أو جزئياً، وهذه النزعة المادية لا بد أن تؤدي إلى الانغماس في هذا العالم، مادةً وقوانين حاكمة”[4].

ربما العلمانية من أكثر الألفاظ المختلف على تعريفها منذ نشأتها وكلٌ يعرفها حسب فهمه، ولا يعنينا كثيراً هنا التعريف النظري لها ولكن القضية الجوهرية في العلمانية كما يبدو من سياقاتها عبر التاريخ هي التمركز حول الدنيا أو العالم وإنكار كل أِشكال الغيب أو الميتافيزيقا في حال التطرف العلماني الموصول بالإلحاد، أو على الأقل جعل أمور الغيب أموراً طقوسية ثانوية في حياة البشر لا تدخل في أمور حياتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

في السياق العربي نشأت العلمانية وتمّ الترويج لها مع قدوم الاحتلالات الأجنبية إلى البلدان العربية على أيدي بعض الكتّاب والمفكرين النصارى العرب. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن كان مشروع العلمانية العربية الرئيسي هو تنحية الإسلام عن الحياة العامة في المجتمعات العربية ونقد الإسلام والهجوم عليه بأي طريقة. ولهذا نجد العلمانيين العرب يقفون مع أي إيديولوجيا تناهض الإسلام في المنطقة متبنيين إياها بما فيها الاشتراكية والليبرالية.

أما العلموية -كما يعرّفها روجيه جارودي بعد أن يؤصل إلى أنها نوع من الأصوليات التوتاليتارية (الشمولية)- فهي:” المصادرة القائلة إن (العلم) يمكنه حل المسائل كلها. وإن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه، هو شيء غير موجود”[5]، فالعلمويون يقررون أن مصادر المعرفة حسية فقط وأن التجربة هي سبيل المعرفة الوحيد.

في السياق العربي كانت العلموية إحدى ثمار انتشار العلمانية، فالعلمانيون والعلمويون العرب بعضهم أولياء بعض منذ البداية حين أخذت أفكار الفلسفة الوضعية في الانتشار مع بدايات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نجد العلمويين والعلمانيين يتبادلون المواقع في الهجوم على الإسلام، فالعلمويون يمهدون الطريق للأفكار العلمانية الرئيسية، ويكمل العلمانيون الطريق بعدها في الهجوم على الإٍسلام.

إضاءات سريعة

الصورة النمطية للمسلمين على غلاف مجلة نيوزويك

– يحاول العلمانيون صنع صورة نمطية للمسلم على الشاشات وفي عقول الناس، فهو الإرهابي الجاهل الذي يحارب العلوم الدنيوية ويرفضها ويدعو للدروشة والخرافات؛ فكيف بعد هذا يأتي شيوخ إسلاميون تخرّجوا من أفضل الجامعات الغربية ليتحدثوا بأدلة علمية رصينة يردون بها على تشغيبات الملحدين والعلمويين؟ ألا يستدعي هذا نفيراً علمانياً عاماً؟

– بعض الإسلاميين -وعن حسن نية-لا يرون في بعض الخطابات العلموية نشراً للإلحاد، وهؤلاء لا يصح التقريع بهم ووضعهم في التيار المعادي للإسلام أبداً بل يُرد عليهم بالدليل والبرهان. ولكن على هؤلاء أيضاً أن يعلموا أن المختصّ بالأمر يدرك بعض العواقب مما قد لا يتنبه إليها غير المختص. فمن درس الملف الإلحادي وقرأ عن تاريخ الإلحاد لسنوات هو أدرى بطرق نشر الإلحاد من غيره.

– صنع العلمانيون قالباً فكرياً مشوهاً يطبقونه في كل حالات صراعهم مع الإسلاميين؛ فهم يدّعون أن كل إٍسلامي يتحدث بالأدلة عن شخص بأنه يروج لأفكار إلحادية أو علمانية فهذا يستلزم تكفيره تمهيداً لقتله بعد ذلك. وبهذا يظن العلمانيون أنهم من خلال شيطنة الخصم وتشويه صورته ينتصرون عليه.

– عندما يتحدث إسلاميون عن الخلفيات الإيديولوجية لبعض العلماء الغربيين الذين يحاولون إثبات أمور توافق الأيديولوجيا الليبرالية الغربية مثل الشذوذ والداروينية يهب العلمويين العرب مباشرة مؤكدين أن الأفكار المسبقة لا دخل لها في البحث العلمي. ولكن للمفارقة إذا كان المتحدث إسلامياً فهنا لا بد للعلمانيين أن يفرغوا كل حمولتهم الإيديولوجية المعادية للإسلام مستحضرين عقيدة وهوية مخالفهم دون أن يتطرقوا للأدلة العلمية.

– بعض الناس للأسف ينظرون لهذا الصراع بين العلمانية والدين من باب التسلية و”قصف الجبهات”، والأمر ليس هكذا أبداً، إنما هو صراع حق وباطل بل وقضية كل فرد وهدفه في الحياة بين أن يعرف غاية وجوده من خلال دين الإسلام وحقائقه الكبرى وبين أن يضيع في دوامات العلمانية والعدمية والغرق في الدنيا.


الهوامش

[1]  إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، دار المعرفة للنشر والتوزيع،2016، ص57

[2] زيجريد هونكه، الله ليس كمثله شيء، المركز القومي للترجمة،2010، ص82-83

[3] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار نهضة مصر،2017، الجزء الثاني، ص505

[4] سامي عامري، العالمانية طاعون العصر، مركز تكوين، 2017، ص71

[5]  روجيه جارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها، دار عام ألفين ،2000، 24

[i] العَلمانية بفتح العين وسيأخذ المقال بهذا اللفظ لانتشاره مع التنبيه إلى أن هناك من يعمد إلى اللفظ الخاطئ بكسر العين لربط العلمانية بالعلم وهذا تدليس واضح. هناك ألفاظ أخرى جيدة لترجمة كلمة Secularism مثل عالمانية، دنيوية، أو التمركز حول الدنيا والعالم المادي.

على طريقة الطنطاوي.. كيف نبسط الإسلام في ساعة؟

عابدة المؤيد العظم


قال الشيخ علي الطنطاوي مرة لتلاميذه: لو جاءكم رجل غير مسلم فقال لكم: إن لديه ساعة من الزمن يريد أن يفهم فيها الإسلام، فكيف تفهمونه الإسلام في ساعة؟

قالوا: هذا مستحيل، ولا بد له أن يدرس التوحيد والتجويد والتفسير والحديث والفقه والأصول، ويدخل في مشكلات ومسائل، لا يخرج منها في خمس سنين.

قال: سبحان الله، أما كان الأعرابي (البدوي) يقدُم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلبث عنده يوماً أو بعض يوم، فيعرف الإسلام ويحمله إلى قومه، فيكون لهم مرشداً ومعلماً، ويكون للإسلام داعياً ومبلغاً؟!

وعلاوة على ذلك، ألم يشرح الرسول الدين كله في حديث واحد، عندما سأله جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان؟ فلماذا لا نشرحه اليوم في ساعة؟ وعلى هذا الأساس وضع الطنطاوي كتابه المبسط الموجز “تعريف عام بدين الإسلام”، والذي نعيد إيجازه في هذا المقال.

وباختصار، كل ملة أو جمعية أو حزب لها مبادئ وأسس فكرية، ومسائل عقائدية تحدد غايتها وتوجه سيرها، وتكون كالدستور لأعضائها، فمن أراد أن ينتسب إليها نظر إلى هذه المبادئ، فإن ارتضاها واعتقد صحتها بفكره الواعي وبعقله الباطن ولم يبق عنده شك فيها، طلب الانتساب إلى الجمعية، فانتظم ووجب عليه أن يقوم بالأعمال التي يلزمه بها دستورها، ودفع رسم الاشتراك، وكان عليه بعد ذلك أن يدل بسلوكه على إخلاصه لمبادئها، ولا تصدر عنه أعمال تخالفها، بل يكون بأخلاقه وسلوكه مثالاً حسناً عليها وداعية فعلياً لها. وبناء على ذلك، سنوجز فيما يلي أهم مبادئ الإسلام والإيمان.

أسس الإسلام
تتلخص هذه الأسس في أن يعتقد المسلم أن العالم المادي ليس كل شيء، وأن الحياة الدنيا ليست هي الحياة كلها. فالإنسان كان موجوداً قبل أن يولد، وسيظل موجوداً بعد أن يموت، وهو لم يوجِد نفسه ولم توجده الكائنات من حوله، بل أوجده وأوجد هذه العوالم كلها من العدم إله واحد، هو وحده الذي يحيي ويميت، وهو الذي خلق كل شيء، وإن شاء أفناه.

وهذا الإله لا يشبه شيئاً مما في العوالم، قديم لا أول له، باق لا آخر له، قادر لا حدود لقدرته، عالم لا يخفي شيء عن علمه، عادل ولكن لا تقاس عدالته المطلقة بمقاييس العدالة البشرية، هو الذي وضع نواميس الكون التي نسميها قوانين الطبيعة، وجعل كل شيء فيها بمقدار، وحدّد من الأزل جزئياته وأنواعه، وما يطرأ على الأحياء وعلى الجمادات من تغيرات، ومنح الإنسان عقلاً يحكم به على كثير من الأمور، التي جعلها خاضعة لتصرفه، وأعطاه إرادة يحقق بها ما يختار، وجعل بعد هذه الحياة المؤقتة حياة دائمة في الآخرة فيها يُكافأ المحسن في الجنة، ويُعاقب المسيء في جهنم.

وهذا الإله واحد أحد، لا شريك له يُعبد معه، ولا وسيط يقرّب إليه ويشفع عنده بلا إذنه، فالعبادة له وحده خالصة بكل مظاهرها.

ولله مخلوقات مادية تُدرك بالحواس، ومخلوقات مغيبة عنا، بعضها جماد وبعضها حيّ مكلّف، ومنها الملائكة الخالصة للخير المحض، فهي غير مُكلّفة، وهناك ما هو مختلط، منه الصالح والطالح وهم الإنس والجن، فهم مُكلفون.

والله يختار ناساً من البشر، ينزل عليهم المَلَك بالشرع الإلهي ليبلّغوه البشر، وهؤلاء هم الرسل. وهذه الشرائع تتضمنها كتب وصحائف أُنزلت من السماء على هؤلاء الرسل، ينسخ المتأخر منها ما تقدّمه أو يعّله، وآخر هذه الكتب هو القرآن، وقد حُرِّفت الكتب والصحف قبله، أو ضاعت ونُسيت، وبقي هو سالماً من التحريف والضياع. وآخر هؤلاء الرسل والأنبياء هو محمد بن عبد الله العربي القرشي، خُتمت به الرسالات، وبدينه الأديان، فلا نبي بعده.

أركان الإسلام
والقرآن هو دستور الإسلام، فمن صدّق بأنه من عند الله، وآمن به جملةً وتفصيلاً سمي مؤمناً، والإيمان بهذا المعنى لا يطّلع عليه إلا الله، لأن البشر لا يعلمون ما في قلوب الآخرين، لذلك وجب عليه ليعدّه المسلمون واحداً منهم أن يعلن هذا الإيمان بالنطق بلسانه بالشهادتين، وهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

وإذا نطق المرء بهما صار مسلماً، أي مواطناً أصيلاً في دولة الإسلام وتمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلم، وقَبِل بالقيام بجميع الأعمال التي يكلفه بها الإسلام.

وهذه الأعمال (العبادات) قليلة، سهلة، ليس فيها مشقة بليغة، وليس فيها حرج.

أولها: أن يركع في الصباح ركعتين يناجي فيهما ربه، يسأله من خيره ويعوذ به من عقابه، وأن يتوضأ قبلهما؛ أي يغسل أطرافه، أو يغسل جسده كله، إن كانت به جنابة.

وأن يركع في وسطه أربعاً، ثم أربعاً، وأن يركع بعد غياب الشمس ثلاثاً، وفي الليل أربعاً (وتحديد وقتها وبيان كيفيتها يأتي لاحقاً).

هذه هي الصلوات المفروضة، لا يستغرق أداؤها كلها نصف ساعة في اليوم، لا يُشترط لها مكان لا تؤدَّى إلا فيه، ولا شخص معين (رجل دين) لا تصح إلا معه، ولا واسطة فيها، ولا في العبادات كلها، بين المسلم وربه.

الثاني: أن في السنة شهراً معيناً، يقدِّم فيه المسلم فطوره، فيجعله في آخر الليل بدلاً من أن يكون في أول النهار، ويؤخر غداءه إلى ما بعد غروب الشمس، ويمتنع في النهار عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء، فيكون في ذلك شهر صفاء لنفسه، وراحة لمعدته، وتهذيب لخُلقُه، وصحة لجسده، ويكون هذا الشهر مظهراً من مظاهر الاجتماع على الخير، والتساوي في العيش.

الثالث: أنه إذا فضل (زاد) عن نفقات نفسه ونفقات عياله مقدار من المال محدود، وبقي سنة كاملة لا يحتاج إليه، لأنه في غنى عنه، كُلّف أن يُخرج منه بعد انقضاء السنة، مبلغ 2.5 في المئة، للفقراء والمحتاجين، لا يحس هو بثقلها، ويكون فيها عونٌ بالغ للمحتاج، وركن وطيد للتضامن الاجتماعي، وشفاء من داء الفقر الذي هو شر الأدواء.

الرابع: الإسلام رتب للمجتمع الإسلامي عدة اجتماعات دورية، وأولى هذه المجالس تكون بمثابة مجالس الحارات (المساجد)، تُعقد خمس مرات في اليوم، مثل حصص المدرسة، فتؤدى صلاة الجماعة ويوثق كل عضو فيها عبوديته لله بالقيام بين يديه، ويكون من ثمارها أن يعين الأقوياء الضعيف، ويعلّم العلماء الجاهل، ويسعف الأغنياء الفقير. ومدة انعقادها ربع ساعة. فلا تعطل عاملاً عن عمله، ولا تاجراً عن تجارته، وإذا تم الاجتماع وتخلف عنه مسلم فصلّى في بيته، لم يُعاقب على تخلفه ولكن فاته ثواب حضوره.

وهناك أيضا اجتماع لمجالس الأحياء، يُعقد مرة في الأسبوع، هو صلاة الجمعة، ومدة انعقاده أقل من ساعة، وحضوره واجب على الرجال.

وأخيرا اجتماع كالمؤتمر الشعبي العام، يُعقد كل سنة في مكان معين، هو في الحقيقة دورة توجيهية ورياضية وفكرية، يكلف المسلم بأن يحضره مرة واحدة في العمر، إذا قدر على حضوره، وهو الحج إلى مكة المكرمة وما حولها.

أنواع العبادة
تعد الأركان الخمسة السابقة بمثابة العبادات الأصلية التي يُكلَّف بها المسلم، ولكن العبادة لا تقتصر عليها، فكل عمل نافع، لم يمنعه الشرع، يعمله المؤمن ابتغاء ثواب الله، يكون عبادة؛ فهو يأكل ليتقوى على الطاعة ويكون أكله بهذا القصد عبادة، وينكح ليعف نفسه وأهله فيكون نكاحه عبادة، وبمثل هذا القصد يكون كسبه المال عبادة، وإنفاقه على أهله عبادة، وتحصيله العلم والشهادات عبادة، وشغل المرأة بأعمال بيتها، وخدمة زوجها، ورعاية أولادها عبادة، وكل عمل مباح إن قصد فاعله قصداً فيه رضا الله كان عبادة. فالعبادة يتسع معناها حتى يشمل كل أعمال الإنسان النافعة، ويحيط بها كلها، ولعل هذا هو المعنى المقصود بقوله تعالى: {ومَا خَلقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56].

والمؤمن يستسلم لحكم ربه استسلاماً مطلقاً بلا تبرم ولا سخط، ولو لم يعرف الحكمة منه ووجه المنفعة، طالما كان مؤمناً بأن المتحكّم هو الخالق والعالم بوجوه الخير ومصاريف القَدَر.

وللعبادة روح وجسد، فروحها العقيدة التي دفعت إليها، والغاية التي عملت من أجلها، وجسدها عمل الجوارح، من لفظ اللسان، وحركات الجسم. فالصلاة مثلاً حركات وألفاظ، قيام وقعود، وركوع وسجود، وتلاوة وذكر وتسبيح، لكن هذا كله جسد الصلاة، فإن لم يكن الدافع إليه توحيداً صحيحاً وعقيدة سليمة، ولم يكن المقصود به امتثال أمر الله وطلب رضاه، كانت الصلاة جسداً ميتاً لا روح فيه.

ومن العبادات أن يمتنع المسلم عن أفعال معينة، وهي أفعال يُجمع عقلاء الدنيا على أنها شر، وأن الواجب الامتناع عنها، كالقتل بلا حق، والتعدّي على الناس، والظلم بأنواعه، والمسكر الذي يغيّب العقل، والزنا الذي يذهب الأعراض ويخلط الأنساب، والربا، والكذب، والغش، والغدر، والفرار من الخدمة العسكرية التي يراد منها إعلاء كلمة الله، ومنها بل من أشدها عقوق الوالدين، والحلف كاذباً، وشهادة الزور، وأمثال ذلك من الأعمال القبيحة الشريرة، التي تجتمع العقول على إدراك قبحها وشرها.

والله رحيم بعباده فإذا قصر المسلم في بعض الواجبات، أو ارتكب بعض الممنوعات، ثم تاب وطلب العفو فإن الله يعفو عنه، وإن لم يتب فإنه يبقى مسلماً معدوداً في المسلمين، ولكنه يكون عاصياً يستحق العقاب في الآخرة مؤقتا، فعذابه لا يدوم دوام عقاب الكافر إلى الأبد.

وقد يترك المسلم بعض الواجبات، أو يأتي بعض الممنوعات، وهو معترف بالوجوب والحرمة، فيبقى مسلماً، ولكنه يكون عاصياً، أما الإيمان فلا يتجزأ فلو آمن مثلاً بتسع وتسعين عقيدة، وكفر بواحدة فقط، كان كافراً.

وإذا أنكر بعض المبادئ أي العقائد الأصلية، أو شك فيها، أو جحد واجباً مجمَعاً على وجوبه، أو حراماً مجمَعاً على حرمته، أو أنكر ولو كلمة واحدة من القرآن، فإنه يخرج من الدين.

ولا يكون المرء مسلماً كاملاً حتى يسلك في حياته مسلك المسلم المؤمن فيتذكر في قيامه وقعوده، وخلوته وجلوته، وجدّه وهزله، وفي حالاتها كلها أن الله مطلع عليه، وناظر إليه، فلا يعصيه وهو يذكر أنه يراه، ولا يخاف أو ييأس وهو يعلم أنه معه، ولا يشعر بالوحشة وهو يناجيه، ولا يحس بالحاجة إلى أحد وهو يطلب منه ويدعوه، فإن عصى -ومن طبيعته أن يعصي- رجع وتاب، فتاب الله عليه. وهذا هو معنى الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الإيمان
الإيمان بالله يتضمن أربع قضايا، هي: أن الله موجود بلا موجِد، وأنه رب العالمين، وأنه مالك الكون المتصرف فيه، فهو يقدر الرزق والأجل، وبمشيئته وحده يمضي القضاء والقدر. وأنه الإله المعبود وحده لا يُعبد معه غيره.

والاعتقاد بوجود الله من الأمور البديهية التي تُدرك بالحدس النفسي قبل أن تُقبل بالدليل العقلي، فهي لا تحتاج إلى دليل، وإن كانت الأدلة على صحتها ماثلة في كل شيء، وأكثر من أن تستقصى، والعالِم الحقيقي لا يكون إلا مؤمناً، كما أن العامي لا يكون في الغالب إلا مؤمناً، أما الإلحاد فيبدو في أنصاف وأرباع العلماء، فنحن نشعر من أعماق قلوبنا بأن الله موجود، نلجأ إليه في الشدائد والملمّات بفطرتنا وغريزة التدين فينا، ونرى الأدلة عليه فينا وفي العالم من حولنا، فالعقل الباطن يؤمن بوجوده بالحدس، والعقل الواعي يؤمن بوجوده بالدليل [انظر مقال وجود الله].

والمسلم لا يكتفي من الحياة بأن يأكل ويشرب ويعمل ويتسلى، بل يسأل نفسه: من أين جئت؟ وإلى أين أسير؟ وما المبدأ؟ وما المصير؟ ينظر فيجد أن حياته لم تبدأ بالولادة حتى تنتهي بالموت، وأن الله هو الذي أوجد العوالم الظاهرة لنا والمغيّبة عنا، أوجدها من العدم، ووضع لها النواميس العجيبة، التي لم نكتشف إلى الآن إلا القليل منها.

والناس جميعاً، المؤمن منهم والكافر، إذا ألمّت بهم ملمّة ضاقوا بها ذرعاً ولم يجدوا لها دفعاً، لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات، قوة لا يرونها ولكن يشعرون بأرواحهم وقلوبهم وكل عصب من أعصابهم بوجودها، وبعظمتها وجلالها. يقع هذا لكثير من الطلاب أيام الامتحان، ولكثير من المرضى عند اشتداد الألم وعجز الطبيب. كلهم يعودون إلى ربهم، وعندما تغرق السفن، أو تشب النيران، أو يكون الخطر، تجد الملحدين يستغيثون بالله.

الآخرة
الاعتقاد بوجود الحياة الآخرة نتيجة لازمة للاعتقاد بوجود الله، فالإله لا يقرّ الظلم، ولا يدع الظالم بغير عقاب، ولا يترك المظلوم من غير إنصاف. ونحن نرى أن في هذه الحياة من يعيش ظالماً ويموت ظالماً لم يُعاقَب، فكيف يتم هذا ما دام الله موجوداً، والجواب أنه لا بد من حياة أخرى يكافأ فيها المحسن ويعاقب المسيء.

والدنيا دار بلاء، والامتحان فيها صعب، كما أن الالتزام فيها صعب، فالنفس البشرية طبعت على الميل إلى الحرية والانطلاق وراء اللذة، والدين يُقيّدها، فمن يدعو إلى الفسوق والعصيان يوافق طبيعتها؛ فدعاة الشر لا يتعبون ولا يبذلون جهداً، فلديهم كل ما تميل إليه النفس وما فيه متعة العين والأذن والقلب والجسد، ولكن التعب وبذل الجهد على دعاة الخير.

وأضرب مثلاً: إذا كنت مسافراً وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين: طريقاً صعباً صاعداً في الجبل، وطريقاً سهلاً منحدراً إلى السهل. الأول فيه وعورة وحجارة منثورة وأشواك وحُفر، يصعب تسلّقه ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: “إن هذا الطريق هو الطريق الصحيح الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة والغاية المقصودة”. والثاني معبّد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي والملاهي، ولكن عليه لوحة فيها: “إنه طريق خطر مهلك، آخره هُوَّة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد”، فأي الطريقين تسلك؟

لا شك أن النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، ولو ترك الإنسان نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكنّ العقل يوازن بين اللذة القصيرة التي يعقبها ألم طويل، وبين الألم العارض المؤقت الذي تكون بعده لذة باقية.

هذا هو مثال طريق الجنة وطريق النار؛ فطريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل إليه النفس، وفيه النظر إلى الجمال ومفاتنه والاستجابة للشهوة، وفيه أخذ المال من كل طريق، وفيه التحرر من القيود، أما طريق الجنة ففيه المشقات والقيود والحدود، وفيه مخالفة النفس والهوى، ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة اللذة الدائمة في الآخرة، بينما ثمرة اللذة العارضة في طريق النار الألم المستمر في جهنم.

والله وضع الطريقين أمامنا، فقال {وهديناه النجدين} [البلد:10]، ووضع فينا مَلَكة نفرّق بها بينهما، كما أقام على طريق الجنة دعاةً يدعون إليه، هم الأنبياء والعلماء. وأقام على طريق النار دعاةٌ يدعون إليه ويرغبون فيه، هم شياطين الإنس والجن.

وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية مهمته: {إنا سَنُلْقِي عليكَ قولاً ثقيلاً} [المزمل: 5]. فالأهداف العليا ثقيلة على النفس؛ وترك العالِم مجالس التسلية والاشتغال بالقراءة والتعليم ثقيل، وترك النائم فراشه والنهوض إلى صلاة الفجر ثقيل، وهجر الرجل زوجته وولده ومشيه إلى الجهاد ثقيل؛ لذلك تجد الطالحين أكثر من الصالحين، والغافلين أكثر من السالكين سبيل الرشاد، {وإن تُطع أكثر مَنْ في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116].

ولنفرض أننا عرضنا على شخص ما اتفاقية مدتها سنة، نحقق له فيها كل أحلامه، على أن نحكم عليه بالإعدام بعد انقضاء السنة، فهل يُعقل أن يوافق عليها؟ ألا يتصور أن الخوف من الإعدام المحقق سيسلبه لذة السنة كلها؟ فكيف ينسى بعضنا حقيقة الموت الذي سيكون النهاية الحتمية لحياة كل واحد منا مهما كانت ملأى بالملذات والشهوات؟ وكيف يرضى بعذاب الآخرة الدائم مقابل لذة زائلة؟

انتكاسة نحو الماضي.. الوثنية تعود للغرب من باب اليمين والقومية

عبد المنعم هيكل-الجزيرة نت


توصف حركات “الوثنية الحديثة” بأنها أحد أبرز التيارات الدينية في الغرب خلال العقود الأخيرة، وقد رأى بعض الباحثين صعودها بمثابة تحول طبيعي في ضوء تغول العلمانية ونبذ المنظومة المسيحية التقليدية.

ويطلق مصطلح الوثنية الحديثة أو الوثنيين الجدد لوصف العديد من الحركات والمجموعات التي أحيت عبادة الأوثان أو اتخذت طقوسا وثنية حديثة في أوروبا وروسيا والولايات المتحدة.

لكن هذه الفرق تتمايز في معتقداتها وتوجهاتها، فقد نشأ بعضها من مزج ممارسات وثنية قديمة مع أفكار وفلسفات حديثة، بينما سعى بعضها لإحياء ماضي أوروبا الوثني قبل المسيحية بكل ما فيه من طقوس وأساطير.

ونظرا لتشعب مذاهب الوثنيين الجدد واختلاف مشاربهم، صار من الصعب رصد نمو حركتهم، ودراستهم باعتبارهم ظاهرة واحدة. وثمة من يرى أنه لا ينبغي التعامل معهم كتيار فاعل ومؤثر في الغرب، لا سيما مع ابتعاده عن السياسة الحزبية في أغلب الحالات.

غير أن أعداد الوثنيين الجدد تتنامى في السنوات الأخيرة، وتقدر بمئات الآلاف في بلدان مختلفة، وتنظم الحركات الوثنية نفسها في مؤسسات مسجلة، كما نشرت عنها كتب وأبحاث عديدة.

ففي الولايات المتحدة تنمو جماعة “ويكا”، وهي إحدى الفرق الوثنية التي تدور ممارساتها حول السحر والتنجيم والاعتقاد في القوى الخارقة. ويقدر عدد من يعرفون أنفسهم بأنهم من أتباع الويكا أو من الوثنيين بنحو 1.5 مليون أميركي وفقا لمسح أجراه مركز “بيو” عام 2014، وذلك مقارنة بنحو 700 ألف فقط قبل عشر سنوات.

وفي بريطانيا يوجد نحو 70 ألف شخص يعرفون أنفسهم بأنهم وثنيون أو ممارسون للويكا، وفقا للإحصاء السكاني الرسمي الذي أجري عام 2011.

وفي آيسلندا، تفيد تقارير بأن الوثنية الإسكندنافية تعود بقوة، وأنها الآن “أسرع الديانات نموا في البلاد”، ويجري حاليا بناء معبد للوثنيين في أطراف العاصمة ريكيافيك، سيكون الأول من نوعه في آيسلندا خلال ألف سنة، لتقديس آلهة شعب الفايكينغ: أودن، وثور، ولوكي.

وفي الدانمارك أتم الوثنيون بناء معبد للإله أودين عام 2016، وذلك لأول مرة خلال ألف سنة.

الآلهة الجرمانية يعاد إحياء أساطيرها في أوروبا

الوثنية السلافية
وفي روسيا، توجد قرابة عشر منظمات رسمية تمثل الوثنيين، مع صعود ما يعرف بالوثنية السلافية الحديثة أو “رودنوفري” التي تعني “الملة السلافية الأصلية”.

وكان لهذه العودة الوثنية السلافية تأثير خاص لأنها متصلة بالنزعة القومية عند الشعوب ذات الأصول السلافية (الصقالبة)، التي تشمل الروسيين والأوكرانيين والبيلاروسيين والبولنديين والتشيكيين والبوسنيين والصرب والبلغار وغيرهم.

وفي بولندا، تثير الردة الوثنية حيرة وتساؤلا في بلد طالما افتخر بتقاليده المسيحية العريقة. وصارت للوثنيين منظمة كبيرة مسجلة تضم آلاف الأعضاء في بلد يشكل الكاثوليك فيه أكثر من 87% من مجموع السكان.

ويرى مسيحيون أوروبيون وأميركيون أن الوثنية الحديثة ليست إلا وجها آخر من وجوه المادية الغربية التي تنبذ الدين وترفض أي دور له في حياة الإنسان، وأنها إنما تقتبس من الماضي الأوروبي الأسطوري وطقوسه الغامضة في سبيل تلبية الحاجات الروحية وسد الفراغ الوجداني لدى الأجيال الجديدة في الغرب.

لكن الوثنيين الجدد بوجه عام يرون أن حركتهم هي سعي للوصول إلى حياة متناغمة مع الطبيعة وقواها، وعودة إلى التراث الأوروبي الذي ساهم في تشكيل الحضارة الغربية ومنح الثقة لإنسانها.

احتفال شعائري لإحدى جماعات الويكا في الولايات المتحدة (Wiki/Ycco)

زواج مع القومية والعنصرية
ومع أن الانطباع السائد لدى الغربيين المعاصرين عن هذه الوثنية الحديثة بأنها حركة متحررة مسالمة تستلهم التمرد الشبابي اليساري الذي ميز سنوات الستينيات، فإنها ليست كذلك في كل الحالات كما يؤكد الباحث إيثان دويل وايت من كلية لندن الجامعية.

يقول وايت إن العديد من فرق الوثنية الحديثة -وخاصة في وسط أوروبا وشرقها- هي مجموعات محافظة إلى حد بعيد، بل ورجعية في رؤاها الاجتماعية. ويوضح أن هذه المجموعات ترى في إحياء عبادة الآلهة السابقة للمسيحية تأكيدا على هويتها العرقية والقومية في خضم عولمة العصر الحديث.

وفي كتابها “الوثنية والتراث والقومية” تقول الباحثة كارينا أيتامورتو إن حركة الرودنوفري في روسيا -وهي من أبرز المجموعات الوثنية التي ارتبط اسمها بالتطرف القومي- ترسم صورة أمة عاشت في رخاء حتى بدأت تتجاهل تراثها وقيمها وتقلد نماذج أجنبية مثل المسيحية والشيوعية، وهو ما قضى على اعتزاز الأمة بنفسها وفقا للوثنيين الروس.

والحل عندهم كما تقول أيتامورتو هو العودة إلى الديانة الأصيلة للسلاف أو الروس حتى يشعر الشعب بذاته ويستعيد توازنه.

وفي الولايات المتحدة أيضا توجد حركات وثنية عنصرية قلما تأتي في صدارة الأخبار، لكنها برزت في أحداث تشارلوتسفيل بولاية فرجينيا في أغسطس/آب 2017، حين نظم العنصريون البيض والقوميون المتطرفون مسيرة تحت شعار “توحيد اليمين”.

وشارك في تلك المسيرة -التي قتل أحد العنصريين فيها ناشطة من مجموعة مناهضة للعنصرية دهسا بسيارته- الوثني البارز ستيفن مكنالن مؤسس “جمعية أساترو الشعبية”. ومن بين المشاركين أيضا السياسي الوثني الطموح أغسطس سول إنفيكتوس.

وتقول الكاتبة سارة ليونز في مقال بموقع “فايس” إنه “بالنسبة للعالم الخارجي قد يبدو ربط اليمين المتطرف بالآلهة القديمة والسحر أمرا سخيفا، لكنه مرتبط في الواقع بأفعال محددة من العنف والإرهاب”.

وأضافت في مقالها المنشور في أبريل/نيسان 2018 أن عضوا في مجموعة وثنية عنصرية أميركية بولاية فرجينيا تسمى “ذئاب فنلاند” قضى أكثر من عامين في السجن لأنه أحرق كنيسة للسود عام 2012.

 

لماذا صُب الموت على رؤوس المسلمين في نيوزيلندا؟.. مشاهدات من داخل مسجد النور

معـاذ أبـو النـور


“إن المسلمين ظاهرون للعيان، إنهم مجموعة كبيرة من الغزاة الذين يتمتعون بنسب عالية من الخصوبة، ثقة اجتماعية عالية، وتقاليد ثابتة قوية، هذه المجموعة تسعى إلى احتلال أرضي واستبدال شعبي عرقياً”.

بهذا التعليل السقيم، وضّح المجرم الجبان “برنتون تارنت” سبب اختياره للمسلمين دون غيرهم في نيوزيلندا ليصب الموت على رؤوسهم غدراً أثناء أدائهم لصلاة الجمعة في مسجدين في مدينة كرايستشيرش في يوم 15/3/2019، وينفذ فيهم واحدة من أبشع مذابح إطلاق النار الجماعية في العصر الحديث، سقط فيها 51 شهيداً بالإضافة لعشرات الجرحى (44 من الضحايا سقطوا في مسجد النور و7 ضحايا سقطوا في مسجد لينوود)، فالمسلمون في نظره وفي نظر من يقفون خلفه خطرٌ عظيم، يجب التخلص منهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، ليتركوا نيوزيلندا ويتوقفوا عن الهجرة إليها وإلى غيرها من بلدان الشعوب “البيضاء”.

هذا التعليل هو جزء من بيان مطول مكون من 74 صفحة قدم فيه “تارنت” (على فرض أنه من كتبه) قدم فيه ما يدّعي أنه تأصيل كامل للهجوم ودوافعه ودواعي ضرورة تقليده وتكراره حول العالم، لم يذكر “تارنت” في بيانه مجموعات دينية أو عرقية أخرى كأهداف إضافية محتملة في نيوزيلندا، بحيث يمكن استهدافها دفاعاً عن عرقه الأبيض وثقافته “البيضاء” المزعومة، لم يذكر مثلاً العمالة الهندية المدربة الماهرة التي أغرقت السوق النيوزيلندي، والقادرة نظرياً على الفوز بأي فرصة عمل يتم الإعلان عنها في أنحاء البلاد، ولم يذكر أيضاً التجار ورجال الأعمال الصينيين الذين يشترون الأخضر واليابس في نيوزيلندا برؤوس أموالهم الضخمة، والذين صار النيوزيلنديون يتذمرون ويشتكون من وجودهم بصوت مرتفع، بالرغم من أن الدولة ترحب بهم، حتى أن الاحتفال برأس السنة الصينية صار مناسبة وطنية شبه رسمية تعلق فيها الزينة وتطلق فيها الألعاب النارية بسخاء في احتفالات تكاد تقارب احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة، وكل ذلك بعلم وموافقة وترخيص السلطات المحلية، المهم، كل هؤلاء لم يلفتوا انتباه “تارنت” وأمثاله، أما المسلمون برأيه فهم خطر عظيم، بصرف النظر عن كونهم لا يتجاوزون واحداً بالمئة من المجتمع النيوزيلندي، بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم، وأن جُلهم في ذلك البلد لا يَعدون أن يكونوا إما مهاجراً باحثاً عن لقمة عيش ومستقبل أفضل لأبنائه، أو لاجئاً هارباً من الموت وويلات الحروب، أو طالباً جاء باحثاً عن العلم والدرجة الأكاديمية. هذا الخوف غير المبرر من الإسلام والمسلمين يمكن فهمه بوجه أو بآخر إذا فهمنا ما هو المقصود حقيقةً بثقافة الشعب الأبيض، وهو ما سنتعرض له لاحقاً إن شاء الله.

لقد عشت في نيوزيلندا ثلاث سنوات أثناء دراستي وتحضيري لدرجة الدكتوراه، من نوفمبر 2015 إلى ديسمبر 2018، وكانت شقتي في مدينة كرايستشيرش تبعد أقل من 5 دقائق بالسيارة عن مسجد النور المنكوب بالمذبحة المروعة، وبالرغم من أني غادرت نيوزيلندا قبل وقوع المذبحة بثلاثة شهور، إلا أن وقع الصدمة كان ثقيلاً علي بعد الحادثة، فقد كانت صدمة متعددة الأبعاد بالنسبة لي، فالمجزرة وقعت في المسجد أثناء خطبة الجمعة، ذلك المسجد الذي كنت من أهله ومرتاديه، خصوصاً أيام الجمعة، والضحايا الذين سقطوا لم يكن لهم ذنب إطلاقاً سوى أنهم مسلمون، 51 شهيداً قضوا في المسجدين أعرف منهم 22 شهيداً، وقد تعرفت على هويات بعضهم فور مشاهدتي لمقطع الفيديو المروع قبل إعلان أسماء الضحايا وصورهم، مما ترك في نفسي أثراً عميقاً وحزناً كبيراً، ولكن بعد الحزن، يشعر الإنسان بحاجته للتأمل والتفكر في ما حصل، وكيف وصل الأمر إلى درجة إخراج المسلمين من دائرة الآدمية، واعتبارهم كائنات كريهة يجب التخلص منها.

نيوزيلندا بلد وادع بعيد معزول عن بقية العالم، سكانه تغلب عليهم البساطة، وهم بالمجمل يرحبون بالمهاجرين ويتقبلون التنوع، أحد أصدقائي العرب المقيمين في نيوزيلندا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي قال لي ذات مرة: “عندما جئت إلى نيوزيلندا عام 1996، كنت أذكر أن الناس كانوا ودودين جداً، كانوا يبتسمون بحماسة عندما يعرفون بأني مهاجر قادم من الشرق الأوسط، وكانوا يسألونني عن المسافات والطقس في بلادنا وفارق التوقيت، ويذكرون كم هم مهتمون بزيارة ذلك الجزء من العالم، ولكن كل شيء بدأ يتغير بالتدريج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بدأت ألمس ذلك في تعامل زبائن المطعم الذي كنت أديره”. وحتى بالرغم من تزايد ظاهرة الخوف من الإسلام بعد ظهور ما يسمى بتنظيم الدولة (داعش) عام 2014، إلا أن النيوزيلنديين لم يظهروا عداءً ظاهراً للمسلمين، بالرغم من بضعة حوادث كانت تحصل هنا وهناك بين الحين والآخر، مثل ترك رؤوس خنازير مذبوحة على باب مسجدنا (مسجد النور) عام 2016، إلا أن أحداً لم يكن يخطر بباله إطلاقاً أن دماً مسلماً قد يُراق في نيوزيلندا بدافع الحقد والكراهية، حتى جاء الأسترالي “تارنت” وأثبت خطأ الجميع، وكأنه يريد أن يوقظ المتطرفين النيوزيلنديين من سباتهم، ويرفع أصواتهم، ويشحذ عزائمهم، ويقوي شوكتهم، وذلك ما لمسه الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، وحتى في الأماكن العامة، حتى أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية لمست ذلك بنفسها بعد أن وصلتها تهديدات بالقتل بسبب ما أظهرته من تعاطف مع المسلمين بعد المذبحة.

مسجد النور كرايستشيرش (السبيل)

إن قيام مجرم متطرف أسترالي بجريمة فظيعة خارج حدود بلاده يثير في النفس شكوكاً وتساؤلات، خصوصاً عندما نتذكر أن الذي قام بحرق المسجد الأقصى عام 1969 هو متطرف أسترالي أيضاً، كما أن اختياره لنيوزيلندا لتنفيذ هذه المذبحة يشير أيضاً للرسائل المبطنة التي يريد من خلالها أن يسيء لنيوزيلندا وشعبها بصفتهم متسامحين نسبياً مع الإسلام والمسلمين، شأن نيوزيلندا بذلك شأن كندا التي تعرض أحد المساجد فيها أيضاً لمذبحة عام 2017، ومن المعروف لدى مجتمع المهاجرين أن نيوزيلندا وكندا لا زالتا تظهران تسامحاً نسبياً مع المسلمين خصوصاً والمهاجرين عموماً، بعكس أمريكا وأستراليا، حيث تنامى فيهما شعور الخوف من الإسلام ومعاداة الهجرة إلى حد بعيد.

لقد كان دعم النيوزيلنديين وتعاطفهم وتضامنهم مع الضحايا والجرحى وأسرِهِم والمسجدين والمجتمع المسلم في نيوزيلندا ملفتاً للغاية، سواءً على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي، ففي الجمعة التالية للهجوم أقيمت صلاة الجمعة في حديقة “هاغلي بارك” المقابلة لمسجد النور، آلاف من النيوزيلنديين غير المسلمين كانوا جالسين خلف صفوف المصلين لحضور الصلاة والاستماع للخطبة، كما أن العديد من النساء غير المسلمات كنّ يرتدين الحجاب تضامناً مع المسلمين، كما أن الأذان والخطبة تم بثهما على الهواء مباشرة من الحديقة عبر وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة، لقد كان مشهداً تاريخياً إنسانياً مؤثراً يثير في النفس التساؤل: إذا كان كل هؤلاء الناس من غير المسلمين قد ساءهم الهجوم كما ساء المسلمين، فلمصلحة من يُنشر الخوف من الإسلام والمسلمين وكراهيتهم وشيطنتهم في المجتمعات الغربية؟

لقد كثر الكلام عن المجرم “تارنت”، وترددت أقاويل عن ارتباطه بجماعات دولية، من ضمنها جهاز الموساد الإسرائيلي، وبالرغم من أنه أكد في بيانه المنشور أنه يمثل نفسه فقط وأنه غير مرتبط بأي جهة، إلا أن تقارير إعلامية إسرائيلية أكدت فعلاً قيامه بزيارة إسرائيل عام 2016، وأنه قام أيضاً بزيارة أكثر من دولة في أوروبا، وبالمناسبة فإن نظرية ارتباط “تارنت” بالموساد تلاقي بعض القبول حتى عند النيوزيلنديين أنفسهم، نظراً للحادثة الشهيرة التي وقعت قبل بضع سنوات، عندما كشفت الصدفة المحضة وجود جواسيس من عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي داخل نيوزيلندا، ففي عام 2011 وقع زلزال قوي في مدينة كرايستشيرش أدى إلى سقوط أكثر من 180 قتيلاً، بالصدفة تسبب الزلزال بسقوط شرفة أحد المباني على مركبة مركونة في أحد الشوارع كان فيها أربعة أشخاص، مما أدى إلى مقتل أحدهم، تبين فيما بعد أنهم جميعاً إسرائيليون، وأن القتيل يمتلك خمسة جوازات سفر مختلفة، الثلاثة الناجون قاموا بمغادرة المركبة فوراً وتصويرها، قم قاموا بمغادرة نيوزيلندا خلال 12 ساعة، الحادثة أثارت كثيراً من الضجة وقتها، وكادت أن تؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين نيوزيلندا وإسرائيل، لولا قيام رئيس الوزراء النيوزيلندي آنذاك، اليهودي “جون كي” بلملمة الأزمة والتقليل من شأن التقارير، والادعاء بأن التحقيقات جارية ولكن الخوض في تفاصيلها “يضر بالأمن القومي لنيوزيلندا”، بالرغم من أن التحقيقات أظهرت أن هؤلاء الجواسيس كانوا يحاولون اختراق الأنظمة الالكترونية للشرطة النيوزيلندية، هذه الحادثة وغيرها، برأيي، لا يمكن إخراجها من بعض السياقات السياسية المتعلقة ببعض مواقف نيوزيلندا كدولة، مثل موقف نيوزيلندا المعارض لغزو العراق عام 2003، ومواقف نيوزيلندا الداعمة للقضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا ننسى طبعاً حنق الإسرائيليين الكبير أواخر عام 2017 عندما قامت المغنية النيوزيلندية “لورد” بإلغاء حفلها في تل أبيب استجابةً لمطالب حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي أس).

خلاصة القول، وعلى أقل التقديرات، يمكن القول بأن نيوزيلندا وإسرائيل لا تتمتعان بعلاقات “دافئة”، مما يعزز من وجاهة الاعتقاد بأن “تارنت” مرتبط بمثل هذه الجهات الخارجية، ولكن على كل حال، وأياً كان الأمر، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن “تارنت” يمثل اليمين المتطرف والخطاب الشعبوي واستعلاء العرق الأبيض الذي يقوم على تخويف الناس من الآخرين الذين لا يشبهونهم، ثم يتصادف أن هؤلاء الآخرين الغرباء الدخلاء هم ليسوا إلا مسلمين، وهنا تظهر المفارقة العجيبة، فداعش التي تدعي أنها تدافع عن الإسلام والمسلمين هي لا تقوم إلا بالإضرار بهم من خلال تشويه صورة الإسلام وقتل الأبرياء وتأليب شعوب الأرض على المسلمين، واليمين المتطرف في الغرب الذي يدعي الدفاع عن القيم الغربية يقوم صراحةً بشيطنة المسلمين وإراقة دمائهم، وكأن الاتجاهين اللذين يبدوان متضادين يعملان لصالح أجندة واحدة، فلمصلحة من يعملان؟!

لقد أثارت مذبحة نيوزيلندا تعاطفاً كبيراً مع المسلمين حول العالم، فكانت أفضل طريقة للتخفيف من هذا التعاطف هو عمل إرهابي كبير يقوم به “المسلمون” أنفسهم، ليتذكر العالم من هو الإرهابي “الحقيقي”، فجائت أحداث سيريلانكا بعد نحو خمسة أسابيع من أحداث نيوزيلندا، وسارعت داعش لتبني الهجوم، وسارعت وسائل الإعلام للادعاء بأن هذا الهجوم هو رد على أحداث نيوزيلندا، ويبدو أن هذا النمط من توافق الأحداث صار أمراً معتاداً، ففي عام 2016 مثلاً، وقعت أحداث نادي الشواذ في أورلاندو في الولايات المتحدة بعد أسبوع واحد فقط من جنازة الرياضي المسلم الأمريكي الأسود المحبوب محمد علي كلاي، تلك الجنازة التي حظيت بتغطية إعلامية وتفاعل كبيرين، فأطلت داعش برأسها بعد الجنازة بأسبوع لتقول للعالم: “لا تنسوا أن الإسلام دين إرهاب وقتل وعنف وكراهية، ولا تتعاطفوا مع أي مسلم إطلاقاً”.

في أحد أيام رمضان من العام الماضي (2018)، وقبيل الإفطار بدقائق، قمت بتصوير هذا المقطع القصير داخل مسجد النور، كنا نتناول إفطارنا كل يوم في المسجد، وكنت أعلم أنه سيكون آخر رمضان أصومه في نيوزيلندا، فأحببت أن أحتفظ ببعض الذكريات، ولكني لم أكن أعلم حينها أن هذا المسار الذي كنت أسير به داخل المسجد أثناء تسجيلي للمقطع سوف يشهد مذبحة فظيعة تسيل فيها دماء المصلين ليغرق بها السجاد الممزق بالرصاص، ولم أكن أعلم أن اثنين على الأقل من الأشخاص الظاهرين في المقطع سوف يكونا شهيدين من ضمن عشرات الشهداء الذين ارتقوا في تلك المجزرة، أما الآن، فكلما شاهدت المقطع قلت في نفسي: كم كان المسجد هادئاً، وكم كانت جميلة تلك الأجواء من السكينة والمحبة والألفة والتراحم والتكافل الاجتماعي بين من هم في المسجد، فلماذا قُتل الناس هناك؟! ثم أتذكر بيان السفاح القاتل “تارنت”، فأستدرك على نفسي وأقول: هُم أصلاً لم يُقتلوا إلا بسبب ذلك!

ماذا لو طبقنا قاعدة: “كفى بالمرء كذباً”؟

محمد الريس


إن بيوتاً كانت تلفها الطمأنينة والمودة من كل جانب أضحت خاويةً من أهلها، إذ مزقتها كلمة ألقاها عابر سبيل لم يلق لها بالاً، وتلك الصداقة التي استمرت أعواماً وعقود حتى صار أصحابها روحاً واحدة في جسدين قد أنهاها أحمقٌ لا يكاد يصل الكلام إلى أذنه حتى يجريه على لسانه أينما حل وارتحل.

بل إذا أردت أن تدرك كارثة الكلام بغير علمٍ أو تحقق، فما عليك إلا أن تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت بؤرةً لنشر الأكاذيب حتى أصبح المتابع (الفطن) لها يكذّب كل شيء متبعاً قاعدة “هذا الكلام خاطئ.. حتى تثبت صحته”، حيث راج على هذه المواقع اختلاق القصص وحبكها بطريقةٍ يستحيل تكذيبها حتى إذا صدقها الناس وذرفوا لها الدموع وأخذت موقعها في قلبهم ونشروها في كل موقع ونثروها في كل مجلس وأصبحت مدار حديثهم وغاية وعظهم، جاء أحدهم فبين لهم أنها خلاف الواقع وأنها لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فحينها يكون كأنما هز ثوابتهم ومد يده إلى عقائدهم!

وأدت هذه الإشاعات والأكاذيب والقصص المختلقة إلى محاولة بناء جدارٍ في وجهها يمنعها أن تكمل طريقها فتصل إلى المغفلين الذين ينثرونها يميناً وشمالاً، فكانت الحملات التي تهدف إلى التحقق من الأخبار لئلا ينخدع الناس ويصرفوا مشاعرهم فيما لا حقيقة له.

ومنها مشروع “فتبينوا” الذي رصد لحدث نيوزيلندا الإرهابي وحده 16 خرافة شائعة، ما بين أطفال نيوزيلندا يتعلمون الصلاة، واعتناق 350 نيوزيلندي للإسلام، واستقبال مسجد النور لأضعاف المصلين، ورسم القوات الجوية النيوزلندية للفظ الجلالة، وصورة أول شهيدة وصورة أخرى لمصحف ملطخ بالدماء، وغير ذلك من شائعات كانت بشاعة هذا الحادث والحقائق الواردة عنه في غنى تماماً عنها، بل إن نشر مثل هذه الأخبار ثم بيان زيفها من شأنه أن يجعل الناس تكذّب كل ما يرد من معلومات عن هذا الحادث صادقةً كانت أم كاذبة.

ولكي تدرك ضخامة الخرافات المنتشرة وتنوعها وتشعبها، فما عليك إلا أن تلقي نظرةً على التصنيفات الموجودة في أحد مواقع التصدي للخرافات، فستجد -فتبينوا مثالاً- أن الخرافات لا تقتصر على العلمية أو الدينية وإنما تتعداهما إلى الاجتماعية والطبية والتاريخية والفيزيائية بل وحتى الرياضية!

وتظهر خطورة ذلك عياناً في الأحاديث الموضوعة والمكذوبة التي ما زال البعض يتناقلها إلى اليوم، والتي لم تكن لتصل إلينا لو أن كل مسلم أخذ على عاتقه التحقق والتأكد من الحديث قبل نشره، وألا يجعل أذنه وعاءً لكل ما يتناقله الناس صدقوا به أم كذبوا.

وإذا أردت أن تعايش خطورة ذلك، فما عليك إلا أن تقرأ قصة أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك، وكيف تحولت حياتها من النعيم المقيم إلى الجحيم الخالص، فإليك إياها:

كان “يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني، ولا أشعر حتى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معي أم مسطح… فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليَّ رسول الله ﷺ تعني سلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا!… قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي… دخل علينا رسول الله ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يُوحى إليه في شأني، قالت فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: “أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه”، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}… فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت فلما سُري عن رسول الله ﷺ  سُري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما الله -عز وجل- فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله -عز وجل- وأنزل الله {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم…)}” [رواه البخاري].

وهذه عائشة رضي الله عنها قد برأها الله مما قالوا، فعادت السعادة والطمأنينة إلى حياتها، ولكن كيف تعود السعادة إلى بيوت وقع أناسٌ بأهلها فمزقوها وأبدلوها طلاقاً وفرقةً بعد قربٍ ولقاء، فلمحاربة ذلك كله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سَمِع”.

موقف الفكر الحداثي من السنة النبوية

عبد اللطيف المحيمد


سلك الحداثيون مع السنة النبوية مسلكهم مع القرآن الكريم ونزعوا عنها صفة القدسية، وقد استندوا في موقفهم هذا على الشبه التي تثار حول ظنية السنة النبوية وقلة المتواتر وكثرة الآحاد، واحتمالية الخطأ والرواية بالمعنى، والكذب والاختلاط الذي قد يطرأ على الرواة أثناء روايتهم للحديث الشريف، إضافة إلى الوضاعين والمتزندقين الذين أكثروا من الكذب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، متناسين الجهود الكبيرة التي وضعها أئمة السنة لحماية السنة من التحريف، والعلوم التي ابتكروها لضبط الرواية، كعلم المصطلح والرجال والعلل وغيرها.

يعرّف الحداثيون السنة عدة تعريفات، فمنها على سبيل المثال ما قاله حسن حنفي في كتابه “دراسات إسلامية” إن السنة هي “مجموعة من المواقف التفصيلية التي يتحدد فيها سلوك الإنسان، والذي تظهر فيه القدرة كمحك للسلوك، هي مواقف إنسانية مثالية، وتجارب بشرية نموذجية، يمكن الاحتذاء بها إذا أردنا مزيداً من التعيين والتحديد في الواقع” [ص 408].

محمد شحرور

وعرفها محمد شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن” بأنها “منهج في تطبيق أحكام أم الكتاب بسهولة ويسر، دون الخروج عن حدود الله في أمور الحدود، أو وضع حدود عرفية مرحلية في بقية الأمور، مع الأخذ بعين الاعتبار عالم الحقيقة، الزمان والمكان، والشروط الموضوعية التي تطبق بها هذه الأحكام، معتمدين على قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج” [ص 549].

والمتأمل لهذين التعريفين يدرك كيف وُصفت السنة بأنها فعل إنساني محض، وهم يلمحون بذلك على أنها ليست وحياً من الله سبحانه وتعالى، أو ليست نصاً مقدساً لا يحتمل التأويل، وهذا التعريف والفهم مخالف لما فهمه علماء الأمة من السنة النبوية، الذين يرون أنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة على وجه التشريع.

فالحداثيون يرون أن السنة مجرد وصف للواقع المعاش لا أكثر، فكل نص فيهما جاز تأويله، إذ أنهما وجدا ليواكبا نشأة المجتمعات وتطوراتها، فلابد من تأويل أي نص يخالف واقع المجتمعات، فالنص عندهم يخدم المجتمع وينقاد له، وليس العكس.

يقول شحرور “ومن هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية، بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو أمر أو نهي أو إقرار”، ثم أوضح فكرته بقوله “هذا التعريف كان سبباً في تحنيط الإسلام” [الكتاب والقرآن، ص 548].

فالحداثيون يرون أن التزام الأمة بظاهر السنة النبوية، وظاهر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى تشتت المسلمين، وإلى كارثة في الفقه والتشريع الإسلامي، وأدى إلى تحجير الإسلام وربطه بالبيئة البدوية والصحراوية التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما جعله مجرد تراث موروث لا قيمة له واقعاً في حياة الناس، ولذلك لم يستطع المسلمون تحرير حاضرهم من ماضيهم.

وأما عن موقف الحداثيين من حجية السنة النبوية، فهم يرون أن السنة لا تصلح للمحاججة بأدلتها لكونها ظنية وليست قطعية، حيث قال حسن حنفي في مقال له في مجلة اليسار الإسلامي: “ولم أستعمل الحديث الشريف تأييداً للقرآن حتى لا يعترض أحد الأدعياء برواية الحديث وسنده ودرجة صحته، وتضيع القضية في مماحكات العنعنة، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد شيء في الحديث لا يوجد أصله في القرآن، والاعتماد على القرآن وحده هو الرجوع إلى الأصل أولاً، وهو أوعى وأشمل وأكمل”.

وهو بهذا النص يشبه إلى حد كبير أقاويل وشبه القرآنيين الذين يسعون وراء تنحية السنة النبوية، ومحاولة الاعتماد على القرآن الكريم لوحده دون غيره، ولا شك أن هذا المنهج بان فساده، وضعفت حجته، إذ لا يستقيم الأخذ بالكتاب لوحده، إذ السنة لطالما كانت وظائفها تتراوح بين تأكيد ما جاء في القرآن أو شرح مجمله أو المجيء بحكم تنفرد به دون القرآن الكريم، وقد بين العلماء ذلك بالتفصيل في كتب أصول الفقه.

مناقشة المغالطات
تدور مغالطات الحداثيين حول عدة أمور، منها:

1ـ مغالطتهم في المعنى اللغوي للسنة، حيث يخلطون بين المعنى اللغوي وبين المعنى الشرعي للسنة النبوية، ويحاولون سحب المعنى اللغوي على المعنى الشرعي، فهم يرون أن المعنى اللغوي لمادة: سسن، تدور حول الحركة والتغير والجريان، بينما في معناها الشرعي تدل على الثبات والسكون والجمود، وهذا استدلال عجيب، فالسنة لها معان كثيرة جداً في اللغة، وحصرها بهذا المعنى الذي يخدم أفكارهم خيانة علمية، وما زال علماء الأصول واللغة لا يفهمون منها معنى واحدا بل معان متعددة، أخذوا منها ما يناسب السنة النبوية.

2ـ رفضهم التعريف المتفق عليه بين علماء الأمة، وقد بنوا رفضهم هذا على مغالطتهم الأولى، فرأينا كيف رفض محمد شحرور وحنفي تعريف العلماء، واعتبروه أداة لتحنيط الإسلام وجموده، والصحيح أن السنة بخلاف ذلك تماماً، ففيها من المرونة ما يواكب جميع العصور، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، ومع مرونتها حافظت على الأصالة الإسلامية.

3ـ انتقاصهم للسنة النبوية، وذلك بذريعة أنها أدت لتدهور الإسلام، وهذا يرد عليه كما قلنا في المغالطة الثانية، وبأن السنة شارحة ومبينة وموضحة لما جاء في القرآن الكريم.

4ـ قولهم بمرحلية السنة النبوية، وأن ما جاء فيها من أحكام خاص بتلك البيئة الصحراوية التي نزل فيها النبي، أما واقعنا فلا بد فيه من أحكام جديدة تناسب تطوره ومتغيراته اليومية، فالسنة حسب رأيهم تتغير وتتبدل ولا يجوز أخذ ظواهر الأحاديث وتطبيقها في كل مكان وزمان.

5ـ عدم اعترافهم بحجية السنة، معتمدين في ذلك على أنها لا تنهي خلافاً لكثرة الخلاف حول الأحاديث، وطرق ثبوتها، وصحتها وضعفها، وقد تبين ضعف هذه الشبهة بجهود العماء الكبيرة في تنقيح السنة، وبيان ضعيفها، والضوابط التي وضعوها للقبول والرفض والاستدلال والترجيح بين الأحاديث.

ولاشك أن كل ما سبق من تلاعباتهم بالألفاظ، فالقرآن لا يكتمل ويتضح إلا بالسنة، فلا مفاضلة بينهما إلا في حالة التعارض وتقديم الأدلة على بعضها، أما أن يتم رفض أحدهما كلياً فهذا غير وارد أبداً في الفكر الإسلامي، وغير مقبول.

وسبب رفضهم وموقفهم السلبي هذا من السنة أن السنة النبوية غالباً ما تكون واضحة، وليست كالقرآن الذي غالباً ما يحتمل وجوهاً عدة، لإجماله، ثم تأتي السنة الكريمة فتشرحه وتوضحه، وتفصل مجمله، ويدل على ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بعث ابن عباس رضي الله عنهما لمحاججة الخوارج قال له: “اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين أنا اعلم منهم بكتاب الله، في بيوتنا نزل، قال صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة”.

وبذلك بين لنا سيدنا علي رضي الله عنه أن لا سبيل إلى إنكار السنة، أو إغفال شأنها بين مصادر التشريع الإسلامي، خاصة وان الله سبحانه وتعالى في القرآن ـوهو المصدر الذي يعتمد عليه الحداثيونـ أكد على مكانة السنة، فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92].

وبذلك يتضح لنا أن من أراد هدم الإسلام التجأ إلى هدم السنة وإنكارها، وهذا جزء من قراءة أهل الحداثة للتراث الإسلامي، وأن التناقض قد لحق منهجهم هذا ببيان القرآن الكريم بضرورة ولزوم اتباع السنة، ووجوب الأخذ بها.


المصادر والمراجع
التلخيص في أصول الفقه، الجويني، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، 1417هـ- 1996م، بيروت.

الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنة النبوية، غازي الشمري، دار النوادر، بيروت، ط: 1، 1433هـ، 2012م.

الحداثة وموقفها من السنة النبوية، الحارث عبدالله، دار السلام، القاهرة، ط: 1، 2013م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دفاع عن السنة، محمد محمد أبو شهبة، دار الجيل، بيروت، 1411هـ، 1991م.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

مجلة اليسار الإسلامي، حسن حنفي، العدد الأول، 1401هـ.

لا قيمة للحضارة بدون أخلاق

محمد الريس


إذا أردت أن تعرف ما لمجتمعٍ من المكارم والعلو والعظمة فانظر إلى موقع الأخلاق في تشريعه وفي قلوب أفراده، فإن كان قوام تشريعه لا يولي أية قيمة للأخلاق ولا يحث على حسنها ولا ينهى عن سيئها فتلك أمة قد غرقت في المادية حتى خمرت، أما إن كان قرين تشريعه المنظومة الأخلاقية، فلا ينظر إلى عمل أحدهم حتى يكون سليم القلب طاهر الصدر لا يحمل حقداً ولا حسداً ولا عجباً ولا كبراً فتلك الأمة التي قد سمت وارتقت حتى بلغ أهلها المكرمات جميعها.

وإذا أردت أن تصل إلى درجة اليقين فيما نقول، فيكفي أن ننظر إلى أمة قد أمر أتباعها بأن يريحوا الذبيحة حين الذبح بأن تكون أداة الذبح حادةً بما يكفي كي لا تتألم قبل أن تموت! ثم لتقف لحظةً: ما الموضوع؟ إنه الذبح، وما الأمر؟ أن تكون أداة الذبح حادة، وما الغرض؟ أن تراح الذبيحة! ثم الأمر الآخر بألا يكون الذبح أمام باقي المراد ذبحهم! فهي تشعر كما نشعر فينبغي علينا أن نراعي شعورها، هذا كله وأنت تذبح فما بالك إذا جئت إلى تلك الأوامر التي توصي بألا تحمّل المواشي فوق طاقتها وأن تطعمها وتسقيها وألا تفجع أما بولدها وأن تنظر لها بعين الرحمة لا بعين القسوة.

ثم قارن مع أمةٍ أخرى قد صارت قلوب أتباعها كالحجارة أو أشد قسوة، وقد أصبحوا يلهثون وراء أهوائهم وشهواتهم دون أن يعودوا إلى ضمائرهم، فيفعلون ما يشتهون وإن ألحق فعلهم ضرراً بالغاً بما خلق الله، فلا مانع لديهم من أن يضعوا السمك الحي في الزيت المغلي ويتركونه وهو يتعذب ويتمزق قبل أن يموت أثناء مضغهم إياه، كل ذلك فقط لأنه يكون طازجاً لذيذاً إذا تم قليه وهو على قيد الحياة! ثم لا يمانعون أن يمزقوا أجساد الماعز ويقلعون صوفها بأمشاطٍ معدنية حادةٍ قاسيةٍ تاركين هذه الحيوانات بجراحٍ مفتوحة دون أدنى رعاية طبية أو رحمة إنسانية، وأحياناً يسكب على جراحها الكحول الحارق، وأحياناً يضرب العمال رؤوسها بالمطارق الحديدية لكي تُصرع، وأحياناً أخرى تجر الماعز إلى المسالخ من رجلٍ واحدةٍ قبل أن تشق حناجرها أمام بقية الحيوانات، كل ذلك لأجل بيعها بأسعارٍ باهظةٍ، وهذا ما كشفته منظمة “بيتا” المدافعة عن الحيوانات مؤخراً وما خفي أعظم!

هذه مقارنة سريعة عن الطريقة التي تعامل بها الحيوانات بين أمة تولي للأخلاق أهمية بل تعطي كل الأهمية للأخلاق وبين أمة لا يهمها سوى المادية والربح والأهواء.

ولننتقل إلى عالمنا ولنمدك بمقارناتٍ أخرى، فهذان أبوان صار ولداهما بعمر الخامسة عشر فلم يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يقطعوا عنهم مصروفهم آمرين إياهم بالذهاب إلى العمل، أي عمل! لكي يحصلوا على النقود ويصرفوا على أنفسهم فوالديهم لم يعودا يعترفان عليهم! بينما هذان أبوان آخران يصرفان على ولديهما ويحاولان أن يؤمنا لهما احتياجاتهما ولو على حساب أنفسهما فهم يعلمان أن ذلك هو حق ولديهما عليهما وليس تفضلاً من عند أنفسهم!

وعلى الصعيد المقابل، فهذان ابنان قد وصل الأمر بهما إلى المحاكم لتحكم بينهما ولتفض خلافهما، وما خلافهما إلا بادعاء كل واحدٍ منهما بأحقيته بأن يرعى أمه في بيته! في الوقت الذي تلقى فيه أمهات أقوام أخرين على قارعة الطريق.

والحديث في المقارنات يطول ويتسع وكي لا ينحرف المقال عن الهدف الذي وضع له سنقتصر على ما ذكر، ونأتي الآن إلى حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخبره الله عز وجل أن الغرض من الخلق هو العبادة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ولكنه مع ذلك لم يعطي الأفضلية للأكثر عبادةً أو للصائم نهاره القائم ليله، أو لذاك الذي لا تفوته دقيقة إلا ويكون ذاكراً لله فيها، بل أعطاها للذي يكون رحيماً ودوداً ليناً مع الخلق متمنياً لهم الخير والبركة لا يحمل في صدره شيء على أحد صانعاً للمعروف أينما حل أو ارتحل، فأعلنها ميزاناً لمن أراد أن يزن أعماله ويعلم مدى قربه من الله إذ قال: “إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً” [رواه الشيخان]

ولأن هذا الحديث يحمل أصلاً عظيماً من أصول الدين فسنعقبه بما قال فيه العلماء، بدءاً من الإمام النووي: “فيه الحث على حسن الخلق، وبيان فضيلة صاحبه، وهو صفة أنبياء الله وأوليائه”.

وقال الحسن البصري واصفاً جوهر الخلق الحسن: “حقيقة حسن الخلق بذل المعروف، وكف الأذى، وطلاقة الوجه”

أما القاضي عياض فشرح الخلق الحسن قائلاً: “هو مخالطة الناس بالجميل والبِشر، والتودد لهم، والإشفاق عليهم، واحتمالهم، والحلم عنهم، والصبر عليهم في المكاره، وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظ والغضب والمؤاخذة”.

وإليك قصة تبين لك مكانة الخلق الحسن في قلوب المسلمين: “عن أم الدرداء قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم! أحسنت خَلقي فحسن خُلقي، حتى أصبح.

فقلت: يا أبا الدرداء! ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق.

فقال: يا أم الدرداء! إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، والعبد المسلم يغفر له وهو نائم.

قلت: يا أبا الدرداء! كيف يغفر له وهو نائم؟

قال: يقوم أخوه من الليل فيجتهد فيدعو الله عز وجل، فيستجيب له، ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه” [الأدب المفرد: 82].

وهذا الفرق بين أمة قد قال الله في اتباعها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110].

وبين أمم قد قال الله في اتباعهم موجهاً خطابه لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علمٍ، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون؟} [الجاثية: 23].

الأفلام والمسلسلات .. هل هي بريئة حقًا؟

هادي صلاحات

“صنّاع الأفلام والمسلسلات لا يأبهون بنا ولا يدرون بوجودنا أصلًا”، “هي شركات ربحيّة فحسب”، “لمَ أنتم غارقون بنظرية المؤامرة”، “لمَ نظنّ أنّا مركز الكون؟”، “أنا أميز الجيد من السيء”، “مشاهدتي لما يفعلون لن تجعلني أفعل مثلهم”، “هذا استعراض للواقع وليس ترويجًا”، “كل المسلسلات والأفلام هكذا”. نرى هذه التعليقات وما يشابهها، تقال لكل من ينتقد ويحذِّر من أثر بعض المسلسلات والأفلام وما تبثه من “أفكار وقيم”

حسنًا.. سنبدأ بما يتعلق بـ “نظرية المؤامرة”

نظرية المؤامرة

سننسى أن هوليوود قامت بجهود المهاجرين اليهود كما هو مبيّن في كتاب “An Empire of Their Own: How the Jews Invented Hollywood” وغيره. وسننسى كذلك أن هؤلاء اليهود كانوا يعيشون كأقليات منبوذة منغلقة، وبالتالي كان الدين محورًا رئيسًا في حياتهم فهم ليسوا كالأمريكي المسيحي والعربي المسلم اللذان قد لا يعرفا من دينهما إلا اسمه.

كما ولن نلاحظ الأثر اليهودي الواضح في محتوى هوليوود سواء في الأفلام التي ترسخ التعاطف مع اليهود كـ (Schindler’s List) و (the life is beautiful) و (the pianist) أو الأفلام التي تعرض قصص الأنبياء بتصور يهودي كفيلم (Noah).

وسنغض الطرف عما أشار إليه الملياردير إيلون ماسك بأنّ الإعلام كله مملوك لليهود، ولن نتطرق إلى وعد بلفور  الذي بدأ بـ إلى “اللورد روتشيلد”، ورغم ذلك لا أثر لعائلة روتشيلد المصرفيّة بأي من قوائم أغنى أغنياء العالم.

وبالطبع لن نتحدث عن الجمعيات السرية أو الرموز الماسونية الموجودة بكل وضوح في إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته الثورة الفرنسية، والموجودة بوضوح أشد على الدولار الأمريكي.

سننسى كل ذلك، لا وجود للمؤامرات، لا في السياسة ولا في الاقتصاد، صنّاع الأفلام هم مجرد آلات لا يحملون أي فكر أو معتقد يريدون نشره.

هل أنت سعيدٌ الآن يا صديقي؟

لكن أليس من المفترض أنك مسلم تؤمن بالله، تفعل ما أمرك وتجتنب ما نهاك؟ -وحتى إن كان قارئ هذه الكلمات غير مسلم-؛ ألا يُفترض أنه من البديهي التحذير من المحتوى الذي يروِّج للبذاءة والانحلال بل وللإباحية بكافة صورها وأشكالها؟ أليس تزيين الحرام والترويج له هو عملٌ شيطاني بامتياز؟ ألم تبدأ معركة إبليس مع الإنسان منذ خلق آدم؟ ألم يقل إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟ … سأترك الجواب لك

لننتقل الآن لمن يدّعي أن الأفلام والمسلسلات عندما تعرض أمرًا ما فإنها بذلك لا تروج له، وسنسأل:

هل عرض الشيء ترويجٌ له؟

من قال لك يا صديقي أنّ الترويج لشيء يعني أن يُقال لك “تعال قم بكذا”، “افعل ذلك وستكون سعيدًا”؟

الأمر لا يسير كذلك يا صديقي؛ فعندما تقوم الشركات بحملات إعلانية فإنها تهدف إلى نشر صورة علامتها التجارية لتراها في كل مكان، وهنا ليس بالضرورة أن يُقال لك بشكل مباشر: “استعمل منتَجنا”، فعندما تقوم شركة مشروبات غازية مثلًا برعاية “برنامج أو مسابقة ما”، فإنها تكتفي بوضع مشروبها أمام مقدم البرنامج أو لجنة تحكيم المسابقة، وهذا أسلوب تستخدمه كبرى الشركات، من خلال عرض منتجاتها في الأفلام، فيما يُعرف بـ (product placement).

أفخاي أدرعي (تويتر)

وفي عصر الصورة؛ ترويج الأفكار لا يختلف كثيرًا عن ترويج السلع، خذ مثلًا المدعو أفخاي أدرعي (المتحدث باسم الجيش الصهيوني) والذي ينهال عليه متابعوه العرب والمسلمون بأقذع الشتائم وأبشع الألفاظ، أتظنه يكترث لذلك؟ لفترة طويلة وبشكل تراكمي يتلقون كلامه ويأخذ حيزًا من تفكيرهم بل ويصبح محل نقاش … وهذا هو المهم.

ولا يختلف أسلوب صناع المحتوى السينمائي والتلفزيوني عن أسلوب أفخاي ومن وراءه من الموساد، فعندما ترى فكرةً أو فِعلًا ما -مهما بلغ من القذارة والانحطاط- يتكرر أمامك على أنه أمرٌ طبيعيٌ مقبول، فمع الوقت لن يستنكر قلبك ما تراه، خاصةً إن قام به نجمك المفضل أو بطل العمل الذي تقف في صفه وتتعاطف معه -أو يُراد لك ذلك-. وهنا يكون يا صديقي قد زال من قلبك “أضعف الإيمان”. لذا راقب قلبك فالانحراف البسيط في البداية يغيّر وجهتك كليًا عند انتهاء الرحلة.

تلقّيك لما تبثه الشاشة من أفكار مسمومة سيجعلك تتقبل رؤيتها على أرض الواقع؛ فهي أمر “منتشر” و”عادي”. أنا وانت وهو وهي؛ نحن هم المجتمع، فتقبلك لذلك يعني على المدى الطويل تقبل المجتمع كله له، ولك يا صديقي بالشذوذ أوضح مثال.

والأمر لم يقف عند السحاق واللواط، بل تجاوزته إلى السفاح، تخيّل أنّ أحد “أعظم المسلسلات في التاريخ” فيه مشاهد إباحية بين الأخ وأخته وبين الأب وابنته وبين العمّة وابن أخيها، ولا يشمئزُ أحدٌ من ذلك، بل يدعون غيرهم لمشاهدته.

نتفليكس (يوتيوب)

ولديك مثلًا شبكة نتفليكس -أكبر شبكة لبث “المحتوى الترفيهي” والتي تترجِم مسلسلاتها لأكثر من مئة لغة- – التي في أحد مسلسلاتها تستغل فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما وتريك مثلًا بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا فقد اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، فلن تملك يا صديقي إلا التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وقد تسعد لأجلهما إن تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا. هذا ولا يخلو أي من منتجات نتفليكس تقريبًا من العري والإباحية والجنس بكافة أشكاله، لتكون النتيجة منتَجًا إباحيًا على شكل مسلسل يشاهده أفراد العائلة بلا قلق أو خجل.

ألا ترى يا صديقي الانحدار الذي وصلنا إليه؟

وسموم الشاشة تمسي أشد فتكًا عندما يتعلق الأمر بالعقائد، فترى النبي سليمان ساحرًا، وفرسان الهيكل أبطالًا أشداء وفرسانًا نبلاء، بل إبليس نفسه تم تصويره على أنّه الملاك الوسيم المرح الطيب الذي يحب الخير للناس، لكن والده الظالم (الإله) هو من أشاع عنه صورةً سيئة، كيف لن تتعاطف مع هذا يا صديقي؟

وحتى في المسلسل الذي يتحدث عن السفر عبر الزمن تم أخذ الموضوع لبعدٍ فلسفي، وبشكل صريح تم تقديم الزمن على أنه هو الاله، “فالإله ليس كيانًا يفكر ويتصرف بل مبدأ فيزيائي غير رحيم” وتم إعلان الحرب عليه، وكذلك تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق من خلال المفارقة الزمنية (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار. هذا عدا عن التأكيد على فكرة الجبرية وأن البشر مسلوبو الإرادة، وكذلك بث بعض الشبهات والأفكار الإلحادية عن عبثية الخلق، وغيرها من الإسقاطات والإشارات الدينية التي لا يمكن إغفالها، بدءًا من أسماء الشخصيات وانتهاءً بأهدافها، وكل هذا في مسلسل عن السفر عبر الزمن.

وبعد أن تسري في جسمك كل هذه السموم، ومع الأخذ بالاعتبار أن الخطاب السائد هو الخطاب الليبرالي الـ ما بعد الحداثي الإنسانوي، الذي يقدّس حرية الفرد ويميع الثوابت ويطمس الهوية ويساوي الحق بالباطل، قد ترفض يا صديقي حتى إعطاء حكمٍ على ما ترى.

ومع ما هو منتشر من جهل بالدين وعدم الاعتزاز به فقد يتبادر إلى ذهنك يا صديقي تساؤل: “لمَ لا؟” … لمَ نعتبر هذا خطاً، لمَ السحاق واللواط والشذوذ خطأ؟، لمَ لا يكون إبليس مظلومًا حقًا؟ خصوصًا أنّ الغيبيات والأخلاق هي أمور دينية بحتة، فيكون الأمر قد بدأ بمشاهدة مادة ترفيهية وانتهى بمشاكل عَقدية وأفكارٍ إلحادية، أو على أقل تقدير يَنتُج إسلامٌ كنسي مكانه المسجد فحسب دون أن يكون له أثر يذكر في حياة الناس وسلوكهم.

لماذا يا صديقي تريد أن تظل مجرّد مستهلكٍ لأي محتوًى يُقدم لك؟ لمَ ترضى بأن تكون مجرد وسيلة لزيادة أرباح هذه الشركات؟ بل وتسمح لهم بأن يشكِّلوا عقلك وتفكيرك ويعرِّضوك لما شاءوا من معتقداتٍ أفكار … لماذا يا صديقي؟

أبهذه التبعية والانسلاخ عن الهوية والتشوهات الفكرية، تَنتج النهضة الحضارية؟

الولاء والبراء.. جوهر قيام الأمم واستمرارها

زكاء مردغاني


لا بدّ للتجمّعات البشرية من رابطٍ يحوّلها إلى شعوب، رابطٍ يخلق بين الأفراد لحُمةً، وينزع شوكة الأثرة الفردانية؛ فيقوم الكل مقام الواحد، ويقوم الواحد مقام الكل في علاقةٍ يعكس عمقها مدى الترابط الذي يصنع من الشعب أمةً قادرةً على إقامة حضارة.

 كان ذلك الرابط هاجس ابن خلدون في محاولته الكشف عن مقومات الدولة السياسية، فذهب إلى أنّ “العصبيّة” جوهريّةٌ في العمق الأساسي لها، ولعلّها الرابط الذي يضمن انتظام الكتلة البشرية في بنيانٍ يصحُّ تسميته “دولة” حيث يلتحم الفرد بالجماعة، وتجري عليه أحكامهم وأحوالهم.[1] 

ذلك أنّ الحضارة كما أكد دارسو الحضارات “لا تقوم إلا على الحسّ الجماعيّ لا على الفردية بأية حال”، وأنّ الفكرة الحضاريّة “لا تكون إلا مُعصِّبة”[2].

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

ولأنّ الإسلام يحمل بين جنبيه مشروع حضارةٍ آتت أُكُلها دهراً واسعاً من الزمان، فقد قدّم لمعتنقيه هذا الرابط الذي أسّس للأمّة القادرة على صناعة الحضارة الإسلامية، عبر مفهوم “الولاء والبراء” في توازنٍ يحفظ “العدالة” و”المواطنة”، واعتدالٍ يضمن للأمة هويتها وإنسانيّتها، فالمسلمون “أمة من دون الناس” لكنّهم أمةٌ تتعايش مع الأخوة في الوطن تعايشاً قائماً على ثنائية الحق والواجب التي تقيم العدالة، كما أنّهم “يتعارفون” على الأمم والشعوب الأخرى وفق مبدأ جوهره أن “لا عدوان إلا على الظالمين”.

بدأ بناءُ الدولة الإسلاميّة في المرحلة المدنيّة، وكانت الوثيقة التي أنشأها رسول الله صلّى الله عليه وسلم أولَ دستورٍ تشريعيّ احتُكم إليه في التاريخ الإسلامي، ونصّ البند الأول في الوثيقة على وحدة الأمة الإسلامية مرتقياً بالولاء من الأسرة والقبيلة إلى الدولة الجديدة؛ فـــ”المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس”[3]، ولأنّ الحاجة ماسّةٌ للولاء مادّيّاً ومعنويّاً، فقد جعل الإسلام آنذاك التوريث بين المسلمين بعضهم بعضا من دون مراعاة الرحم، وهو حكمٌ نسخته الآية {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِيْ كِتَابِ الله إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ..” (الأنفال/75) حيث انتهت الحاجةُ المادّية لولاء الميراث ليبقى الجوهر المعنويّ الذي تأسس المجتمع المسلم عليه.

 كان ذلك عندما وُضِعَت اللبنة الأولى للمجتمع المسلم واقتضت المصلحة العليا للأمة أن يصبح المهاجرون والأنصار إخواناً، فينفكّوا عن العصبية للأهل والأقربين ويتحوّلوا إلى الولاء للأمة، {إِنَّ الَّذِين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (الأنفال/72)، واشتد الامتحان بالمؤمنين ليشدّد على الولاء للأمة الناشئة، في مقابل البراء من المخالفين في العقيدة ولو كانوا أولي قربى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. (التوبة/23).

وضع الإسلام بذلك الأساس المتين للمجتمع، وضمن الولاء الذي يُعصّب جماعة المسلمين، الولاء الذي هو الخطوة الأولى في حفر أساسات الحضارة،  ذلك أنّ الضامن الحقيقيّ لقيام الحضارة هو الولاء الجماعي الولاء القائم على عقيدة مركزية واحدة، تُمثّلها نخبةٌ رشيدة، وتمتدُّ في عمق الجماعة، وتتحد بالمصلحة لتقيم نظاماً اجتماعيّاً متماسكاً[4] والذي يلخّصه الحديث الشريف: “مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى” (البخاري)، بهذا الولاء تحوّلت الطبقة الأولى من المسلمين إلى عصبةٍ واحدة يجمعها هدفٌ واحد، ويضمّها نظامٌ اجتماعيٌّ موحّد، وتؤسّس لها عقيدةّ واحدةٌ، ولتعميق ذلك في المجتمع المسلم فُرِضَت فرائض ذات طابعٍ جماعيٍ بعضها اقتصادي مثّلته الزكاة والتي تضمن حقّ الفقراء في أموال الأغنياء للحفاظ على التوازن الاقتصادي، إضافةً إلى كونها مظهر ولاءٍ معنويّ مبنيّ على التراحم الذي يبدو في حده الأدنى فريضةً وفي حدوده العليا مندوباً كما في الصدقات، وفرائض ذات طابعٍ جماعيٍّ معنويّ مثّلتها الصلاة الجامعة في يوم الجمعة والتي هي الحد الأدنى من الاجتماع الذي يجدد فيه المسلمون ولاءهم الجماعيّ في المسجد الذي عرف بالجامع إبرازاً لوظيفته الجوهريّة، إذ ليست تختار اللغةُ مسمّياتها عبثاً، ومن ثم شجع الإسلام على الجماعة في الصلوات الخمس، ووعد المصلّي مع الجماعة بأضعاف ثواب الصلاة المفردة تأكيداً على الولاء الجماعي، وحثّ الإسلام على الجماعة في الأمور كلّها، كما بثّ في المجتمع أخلاق التعاون، والإيثار والتسامح وحسن الجوار والتناصح..

وتلوح عقيدة الولاء واضحة في الأحاديث الداعية إلى تلك الأخلاق، فالنصيحة “لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم” (البخاري)، و”من غشنا فليس منا” (مسلم)، و”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (البخاري)، و”كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” (مسلم)، و”عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:  “بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم” (متفق عليه).

فبالرغم من تأكيد الإسلام على العدل والإحسان في التعامل مع غير المسلمين إلا أنّ التركيز المباشر كان على العلاقة بين المسلمين أنفسهم، ما يؤكد أنها أخلاق يُراد لها أن تحكم المجتمع المسلم الذي توليه الخلاقيّة الإسلامية اهتمامها لإقامة الأمة المبتغاة، بل إن حديثاً مثل “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي” (أحمد وأبو داوود) يشير إلى تدخّل المندوبات الأخلاقية في عمق الخصوصية الفردية وتوجيهها وجهة مجتمعيّة قائمة على الولاء، فاختيار الصديق المؤمن واختيار الضيف التقي يشي بانحيازٍ عصبيّ للأمة، ولا يخفى ما للصديق من أثر على صديقه، لكن مع عدم تحريم أو منع مصاحبة غير المسلمين، تُحبِّذ المنظومة الأخلاقيّة المسلمة، إذن، أن يختار المسلم صاحبه من خيرة المسلمين انحيازاً للأمة، وتعميقاً لعلاقاتها الداخلية.

لم يقامر الإسلام ببنية الأمة الإسلامية في علاقاتها الداخلية ولا الخارجية، بل عُني بكل تفاصيلها معمّقاً الولاء الذي يعصّب أفراد الأمة الإسلامية، والذي يبرز في مواقف جوهريّة نستطيع أن نلخّصها في ثلاث نقاط مهمة:

1- الحب: في الحديث: “من أحبّ لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان” (أبو داود)، وهو حديثٌ يوجّه قلب المؤمن فيجعل محبته وبغضه وفعله كله من وراء سور الإيمان بالله، بل إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط الإيمان بمحبته عليه السلام فقال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (البخاري ومسلم)، وفي السياق نفسه يأتي حديث: ” ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.” (البخاري ومسلم).

ومع أنّ الأحاديث السابقة تظل في إطار كمال الإيمان فإنّ القرآن نصّ صراحة على أنّ حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله ينبغي أن يكون في قلب المؤمن فوق حبه لأهله ولدنياه، في لهجة تحذير لمن يخالف ذلك، يقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كَاْنَ آبَاؤكُمُ وَأَبْنَاؤكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوْهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَادٍ فِيْ سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِيْ القَوْمَ الفَاسِقِيْنَ} (التوبة/24)، يفهم من الآية أنّ حكم الفسق ينطبق على أولئك الذين لا يجدون في قلوبهم شعور الحب لله ولرسوله وللجهاد حباً يفوق حب الأهل والمال والولد.

2- النصرة: جاء في وثيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة: “أن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (كبيرة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن..” بهذا الميثاق ابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية وفق قاعدة اليد الواحدة، التي تحمي الجسد الواحد، وتردُّ عنه العدوان أياً كان، فالمؤمن لا ينصر كافراً على مؤمن حتى ولو كان ذلك الكافر ولده أي أقرب الناس إليه من رحمه، ولأنّ مسلمي المدينة كانوا قد انشقوا بإسلامهم عن عصبيّتهم القبليّة  مخلّفين وراءهم أهلا وإخواناً  كان لزاماً عليهم أن يُعلنوا ولاءهم الكامل لأمّتهم مؤكدين أنّ نصرهم لأبناء أمتهم قائمٌ ولو كان العدو في ذلك أحد أهلهم، وقد فرض القرآن التناصر بين المسلمين بل أكد على إسلاميّة أصله، قال سبحانه {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ فِيْ الدِّيْنِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} فبرغم أنّ الآية خاصّةٌ في مَن بقي في خارج المدينة من المسلمين ممّن لم يهاجروا فلم يدخلوا في حلف الدولة الجديدة إلا أنّها صريحةٌ في أنّ الدين رباطٌ يجمع الأمة في ولاءٍ أولي، لكنّ تمام الآية يوضح إقرار الإسلام ما يُعرف اليوم بمفهوم “المواطنة”، فالمؤمنون من المهاجرين والأنصار الذين أقاموا دولة الإسلام في المدينة المنورة أمة، لكنّهم كما نصّت الوثيقة النبويّة يتعايشون مع سواهم من المقيمين في المدينة وهم اليهود آنذاك، ولكلّ دينه الذي يقيمه، كما أنّ لكل فريق حقوقه وواجباته التي أوضحتها الوثيقة، والمسلمون ينصرون إخوانهم ممّن لا يشاركونهم المواطنة إذ لهم عليهم حق الدين، وولاء الأمة الواسعة، لكنّ هؤلاء لا يدخلون ضمن دولتهم كما هوا واضحٌ في الآية، ونصّها الكامل: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.(الأنفال/72)

3- البراء من غير المسلمين: يستطيع المتتبع للنصوص الواردة في الولاء أن يطمئن إلى أن البراء لا يخرج عن كونه أحد مظاهر الولاء، وليس شطراً موازياً فولاء المسلم للمسلمين يقتضي منه ضرورةً البراء من سواهم، وهو براءٌ قوامه عنصرين جوهريين هما عدم الحب وعدم النصرة، فالمسلم لا يعلّق قلبه بغير المسلمين إعجاباً وارتباطاً ولا ينصرهم على إخوانه.

والنصوص صريحةٌ في بيان ذلك: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة/22).

وجاء في صحيفة رسول الله أن المؤمن “لا ينصر كافراً على مؤمن”، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمَاً غَضِبَ اللهُ عَلِيْهِمْ} (الممتحنة/13).

قدّم الإسلام بفريضة “البراء” صيانة الحدود الخارجية للأمة، فالبراء هو الثغر الذي يحفظ للأمة هويتها ويحميها من انحرافاتٍ تودي إلى الميوعة الفكريّة أو الذوبان والتلاشي بله الانبهار المؤدي إلى غياب الثقة بالنفس في مقابل الآخر، بيد أنه حفظ للآخر حقوقاً مؤدّاة في ذمة المسلمين سواءٌ أكان هذا الآخر داخليّاً يعيش مع المسلمين في وطنٍ واحد كيهود المدينة الذين نصّت صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم على “أنّ بينهم وبين المسلمين النصر على من حارب أهل الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والبر دون الإثم.. وأنّ النصر للمظلوم”. أو كان ذلك الآخر من أصحاب العهد والميثاق فقد أوجب الإسلام حفظ العهود والمواثيق مع الشعوب الأخرى فنصّ القرآن صراحةً على أنّ المسلمين ينصرون إخوتهم في الدين ممّن لا يشاركونهم الوطن مستثنياً من ذلك أصحاب الميثاق{إِلَّا عَلَىْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ..}.

وليس يقدح في البراء أن يتزوج مسلمٌ كتابيّةً، أو أن يتعايش المسلمون مع شركائهم في الوطن، فيبيعون ويشترون منهم، ويعدلون ولا يظلمونهم،  ويجاورونهم فيتهادون ويتزاورون على أن يبقى الأمر كلّه لله وهو ما حفظته وثيقة الرسول صلى الله عليه وسلّم: “وأنّه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإنّ مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله”.

ولعلّ لنا بعد هذه الإلمامة أن نختم بقول مصطفى صادق الرافعي: “لو سُئلتُ ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألتُ: كم عدد المسلمين؟ فإن قيل: ثلاثمئة مليون، قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمئة مليون قوة”.

_______________________________________

الهوامش

[1] عبد الرحمن بن خلدون: تاريخ ابن خلدون- المقدمة، تح: خليل شحادة، دار الفكر بيروت 2001، ج2 ص427.

[2] بتول جندية: على عتبات الحضارة، بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار ص 43

[3] إسماعيل بن عمر بن كثير: السيرة النبوية، مكتبة المعارف، بيروت، د.ت

[4] ينظر في بيان ذلك: على عتبات الحضارة ص43