image_print

الإلحاد ومبدأ التشويه

لا يُعَدّ الإلحاد الفرديّ ظاهرة طارئة على الفكر الإنسانيّ، إذ إنّه –بالرغم من ضعف انتشاره بشكلٍ عام في مختلف البلاد الإسلاميّة- موغِلٌ –كنزعات فرديّة- في التاريخ، بخلاف ظاهرة التديّن ذات الطابع الجماعيّ، إلا أنّه في شأنه التاريخيّ قديمٌ كشأن البحث والحديث في الإيمان والألوهيّة.

تتنوّع ركائز الإلحاد –بطبيعة الحال- بتنوّع الرؤى والسياقات والبواعث النفسيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالشخص المتوجّه نحو “الإلحاد”، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنّ انتشاره ظاهرةً متفشّيةً لم يرصَد تاريخيًّا إلا بالتوازي مع ظروف اجتماعيّة وتشوّهات معنوية ونفسيّة معينة، كما في انتشار ظاهرة الإلحاد والتفلّت من المعنى المطلق إلى النسبيّة المطلقة وظهورها في مدارس أدبية وفكريّة متعددة بالتوازي مع تصاعد الحروب مطلع القرن العشرين وانعكاساتها على الفكر البشري، أو كتسارع الوقوع في الشبهات مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة في قرننا الحالي المتوازية مع الكوارث البشرية والطبيعية في العقدين الأخيرين .

الإلحاد وتشويه اليقين
يلاحَظ من خلال متابعة وفحص مقولات الإلحاد –بما هو موقف معرفيّ رافض للإيمان بوجود إله- وجود سمات مشتركة في خطاب الإلحاد باعتباره عقيدةً للتبرّؤ من الدين والإيمان بالغيبيات، وأبرز هذه السمات هي تشويه مرتكزات الخطاب الإيمانيّ، بدءًا من تشويه مبدأ الألوهية والإيجاد من العدم، مرورًا بتشويه العلم باستغلال منجزاته وتأويلها في سبيل تدعيم الحجج العقلية المتناقضة لرفض الإله وصولاً إلى تشويه الأخلاق والمرجعية الدينيّة المشتركة لها، وذلك في إطار السعي لإضفاء مشروعيّة للإلحادِ، باختراع افتراضات أغرب من الخيال، كفرضية الأكوان اللانهائية.

يبدأ الإلحاد بتشويه الميتافيزيقا والإيمان بالغيبيات، وتوجيه النظر إلى التفكير المادّي، ووصف العالم الطبيعي بأنّه خارج عن نطاق الإيمان، وتشويه البراهين اليقينية لوجود الإله وإدخالها في حيّز الفرضيات، واقتراح بدائل أرضيّة/مادّيّة لها، ثم تدعيم هذه الفرضيّات بالتطبيع والترويج المستمر ليغدو الإيمان بوجود الإله وجهة نظر قابلة للدحضِ لا يقينًا معرفيًّا وروحيًّا، وبالتالي سلب المعرفة أحد أهمّ أسبابها اليقينيّة، أي سلبها القدرة على الترجيح؛ إذ إن اليقين سواءً كان دينيًّا أو علميًّا يستند على البراهين العقلية الخارجة عن نطاق الحسّ ذاته، وبذلك فإن رفضها ونقضها تمهيد لنقض العلم نفسه بنفسه.

لا تقتصر آثار تشويه اليقين عند قضيّة الإيمان بالله، بل يمتدّ الأمر لتشويه الوعي والعمل على صناعة وعي زائف بواقع الحياة ومنظومة العلاقات التي تحكمها، وهذا ما نراه ماثلاً أمامنا من خلال التأثر المتصاعد بالشخصيات “الخطابية” التي تظهر إعلاميًّا منافحة في الندوات عن الإلحاد بالتوازي مع الضخ المنظّم لأفكارهم في المسلسلات والسينما والروايات بهدف تطبيع الأجيال الناشئة معها والوصول إلى مجتمعات ضائعة، مشوّهة الفطرة، خائبة المسعى.

تشويه الأخلاق
حسنًا؛ إن استطاع الإلحاد تشويه العقل وإفساد مبادئه، فالطريق الآن أهوَنُ أمام هدف تشويه سلوك الإنسان، فقد تحطّم أو تخلخل الأساس الذي تستند إليه قِيَم السلوك، بتفريغ الدين من الالتزام بأوامره ونواهيه الأخلاقية، وهو ما نراه جليًّا بإلقاء اللوم في مآسي البشرِ الناتجة عن الحروب والفقر والفساد البشري على مضامين العقائد الدينيّة، وبالتالي دفع الناس إلى بغض الدين وحذف الإيمان بمصدره من سجلّ الحياة، أو دفعه إلى أضيق زواياه في حال كان تحقيق الهدف الأول مستحيلًا.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ههنا: في حال إزاحة الدين عن تصورات الفرد، فمن أين –إذن- يستمدّ الإنسان مبادئ تعامله مع الآخر، وطريقة عيشه مع نفسه ومن حوله؟

أَمِن العقل وحده؟ فعقول الناس لا تتناهى ولا تكاد تتفق دون سنَدٍ تنضبط إليه.

أم يُترَكُ الأمر على عواهنه دون مسار واضح فلا يُعلَم من المظلوم ولا الظالم، ولا يعرَف المذنبُ من البريء؟

يقرّ عامّة الملحدين بأن الطبيعة لا تخضع لحتميّة الخير أو الشر، فهي وجودٌ محضٌ محايدٌ لا يبالي بالبشر وتحوّلاتهم، ومن ثمّ فإنّ الإنسان –بحسب كهنوت الإلحاد- ليس إنسانًا أخلاقيًّا بطبعه، وإنما يتشكّل فهمه للعلاقات ومبادئها والأخلاق وآثارها ضمن المجتمع الذي ينشأ فيه.

هذا الادعاء ينطوي على تناقض داخلي يتجلّى بالنظر إلى مقدمة الكلام وخاتمته، فإن كانت الطبيعة أو المادة خالية من ثنائية الخير والشر، غير خاضعة لهما، فكيف يمكن القول بأن مصدر الأخلاق هو المجتمع الذي هو نتاج الطبيعة، فإذا ما كان الإنسان مادّةً أو ناتجًا عن مادّةٍ، فلماذا لا يتشكّل هو الآخر خاليًا عن ثنائية الخير والشر؟

وإذا ما كان مفهوم الأخلاق مستندًا إلى نسبية البشر وأفكارهم المتفاوتة، فإن ذلك يوصلنا إلى أن إصدار حكمٍ بتخطئة جهة ما أمر أقرب إلى الاستحالة، فيستوي نضال مانديلا بتعذيب سجّانيه، وجبروت هتلر بدماء مقتوليه، وهو ما اعترف به ريتشارد دوكنز بقوله: “داخل العالم الإلحادي المادي الحتمي لا يمكن تخطئة هتلر”[1]، ومن هنا نجد أنّ دوكنز يتّسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود بأيّ صفة قيميّة على الإطلاق، ففي هذا العالم لا يوجد شرّ ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرّحمة، ويقرّ في الوقت نفسه أنه من العسير جدًّا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينيّة[2].

ما البديل لأخلاق الوحي
إن المصدر المطلق للقيم والأخلاق الدينية هو الوحي أو الرسالة التشريعية العامة التي أنزِلت إلى الأنبياء لهداية البشر، ولذلك فإن القدر المشترك والقيم الثابتة فيها يمكن أن تستغرق التاريخ كله، وتصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، أما مصدر القيم النظرية فهو العقل أو العرف، ومن ثمَّ فإنه لا يستنكَر فيها تغيّرها من مجتمع لآخر ومن إنسان آخر.

وإذا كان الإنسان المؤمن بالإله يرى قوة الإلزام الأخلاقي في الوحي نابعة من وجود الله وإيمانه به، فإنّ قوة الإلزام في القيم البشرية لا تستند لمبدأ العدالة وإنما إلى السياق الذي يفرض نمطًا معينًا من الأفكار والتوجّهات لدى نخبة من الناس، حيث يستندُ الفَرض إلى السلطة من وجه، وإلى القوة من وجوه أخرى.

هذا البديل المشوّه عن “أخلاق الفطرة” ينتج لنا مآسي لا تكاد تنتهي، بدءًا من تشويه الفطرة، وإباحة كلّ شيء –كما يقول دوستويفسكي-[3]، وصولًا إلى عدم التخطئة ودعم الشذوذ وكل ما يمكن فرضه بمنطق القوة، دون استنادٍ للحق أو العدل، وذلك تحت يافطة المساواة التي تصنَّعُ صنعًا في مطابخ التوجيه والترويج والتطبيع.

إن مبادئ الأخلاق من الأمانة والرحمة والصدق والعطف على الضعيف قد أودعها الله في فطرة المرء وغريزته منذ لحظات تكوينه الأولى، ويأتي دور الدين ههنا ليشذّبها ويدعّمها، وهو ما أشار إليه خاتم الأنبياء بقوله: (إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق) التي هي جزءٌ أصيل من الرسالة الربانية للبشر.

بهذا يتضح لنا أن مصدر الأخلاق إلهيّ؛ لأن الأخلاق ظاهرةً واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ولعل في هذا الحجّة الأولى والعملية للدين، فالسلوك الأخلاقي إما أنه بلا معنى، وإما أن له معنى في ظل الإيمان بوجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن نُدْخِل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم، وأنّ الله موجود، بذلك يكون لسلوك الإنسان الأخلاقي معنىً وتبرير[4]

 ماذا بعد؟
ليس الأمر كما يشيع لدى بعض الناس، فقد يكون الإنسان ملحدًا وصاحب أفعال حسنةٍ وتعامل خلقيٍّ محترم بين الناس، إلا أنّ ذلك لا يستند –بالضرورة- إلى تشريعٍ إلحاديّ للأخلاق، وإنما إلى طَبْعٍ جبِل عليه المرء ذاته، أو إلى مؤثّرات أخرى، إذ إن التخطئة الأخلاقية في بنية الإلحاد أمر غير وارد، وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإلحاد بذاته ليس أخلاقيًّا ولا يمكن أن ينتج منظومة أخلاقيّة عادلة.

يصطدم الإلحاد –على الدوام- بأمرين لا مفرّ منهما، الإيمان بالإله والغيبيات، إضافة إلى رفض التعاليم الأخلاقية في الأديان، وذلك يقتضي هدم الأسس التي بني عليها الأمران، أي عقيدة الإيمان بوجود “الإله” المطلق، وذلك يوصلنا إلى التشويه الكامل لكل ما يمكن أن يجمع البشر.

إن الأصل في طبيعة الوجود الإنساني أنه لا وجود لأي انفصال بين الحياة والدين والأخلاق والواقع عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163] ومن ثمّ فإنه لا يمكن للوجود الإنساني ومعارفه أن يصل إلى سويّة النضج واليقين إلا باستناده على الإيمان بالخالق الذي أنشأ الوجود، ولا يمكن أن نصل إلى الخلاص الدنيوي إلا باتباع التعاليم الإلهية التي تحدّد لنا الأفق الحضاري الذي يجب أن نتحرّك فيه، وإلا غدا الوجود عبثيًا بانقطاعه عن الصلة بالله.


[1] ينظر الرابط الآتي: https://bit.ly/37GB22J

[2] نقلاً عن: الأخلاق والإلحاد، إسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

[3] إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح، على لسان “إيفان” الملحة في رواية الإخوة كارمازوف.

[4] ينظر: الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزة بيغوفتش، ص: 178.

المعتقدات السلافية: ماضٍ ينهض من جديد (2)

ربّما يُخيّل لأيّ مسلمٍ أنّ عهد الأوثان ولّى بعد فتح مكة، وأن إيمان الشعوب الآن يتراوح بين تعاليم الإسلام والمسيحية واليهودية، أو الإلحاد في أقصى تقدير، إلا أن الأمر في روسيا يبدو مختلفًا، فبالرغم من فرض المسيحية على الشعوب السلافية قديماً إلا أن ذلك لم يُلغِ الطقوس والمعتقدات الوثنية تماماً، بل بقيت متغلغلة داخل المجتمع الروسي وإن كان بشكل غير رسمي، خاصّةً في المناطق الريفية.

ترافق انتشار الديانة الجديدة في روسيا امتزاجها بالقديمة وتم ذلك برعاية وعناية القيادة الدينية ذاتها، لتجعل الإيمان الجديد أكثر قبولاً لدى الشعب، حيث جرى توقيت الأعياد القديمة الزراعية وغيرها مع أيام التقويم المسيحي، وامتزجت الآلهة القديمة تدريجياً بالقديسين المسيحيين، وأُفقدت أسماءها مع الاحتفاظ بوظائفها وصفاتها لتُنقل إلى هؤلاء القديسين.

ونذكر من هذه النماذج ما يلي:

• مريم عليها السلام:
شغلت مريم العذراء أهميةً كبيرةً في المجتمع الروسي، ولكن أُضيفت إليها بعض الصفات المستقاة من مصادر وثنية، ففي بعض الأحيان سُمّيت باسم “كراموفيتسا Cramovitsa”، “مريم الرعد Mary the thunderer” وهو تجسيد لمريم العذراء، وجانب تظهر فيه مريم كعمود من نار، وهي سمة كانت تُنسب في العهود القديمة إلى الإله بيرون، وفي هذا الجانب هي المسؤولة عن قوس قزح (اعتبروه الجسر الذي يربط بين السماء والأرض) والذي يسمح للمطر بالتدفق بحريةٍ فوق الحقول. (١)

القديسة باراسكيفا (المصدر: ويكيبيديا)

• القديسة باراسكيفا St Paraskeva :
قدّيسة تبنت العديد من وظائف إلهة الخصوبة الوثنية موكوش Mokosh، حيث كان يُعتقد أن اثني عشر يوم جمعة من السنة مقدسة لباراسكيفا، وفي هذه الأيام يجتمع الرجال والنساء صغاراً وكباراً متجردين من ملابسهم ويقفزون ويتمايلون.

وأدان بطريرك القسطنطينية هذا الاحتفال الوثني عام 1589م، ومع ذلك استمرت الاحتفالات بهذا الشكل في أوكرانيا لغاية القرن الثامن عشر. (٢)

صورة متخيلة للنبي إيليا (المصدر: seedsoffaith.cph.org)

• النبي إيليا (Il’ya):
الاسم الروسي للنبي إيليا (إلياس) في العهد القديم والذي أضفت عليه الوثنية صفات وقدرات الإله بيرون إله الرعد. حيث آمنوا بقدرات إيليا Il’ya او Elijah على إنزال المطر والنار من السماء تماماً مثل إيمانهم ببيرون قبل المسيحية. (٣)

الوثنية المعاصرة
شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور حركات دينية جديدة تتمثل بإحياء التقاليد الروحية الوثنية القديمة (ما قبل المسيحية).

ترفض هذه الأديان الدوغمائية (التشريع الثابت) بحيث يكون تشريعها هو اللا تشريع، دون أيّ أعراف أو شرائع، وهذا ما يعتبرونه مزية عن الأديان الابراهيمية التي تحتكم للكتب السماوية المقدّسة.

تُعتبر كلمة وثنية عند الوثنيين كلمة واسعة تشمل الوثنيات القديمة وحركات إعادة الإحياء Reconstructionist، والوثنية المعاصرة Neopaganism، والأخيرة تستوحي إلهامها من المعتقدات القديمة لكن دون محاولة لإعادة ممارستها، خاصة تلك التي لا تتناسب مع الوقت الحالي (كتقديم قرابين بشرية مثلاً)، بعكس حركات إعادة الإحياء، التي تنبش في تاريخ ومعتقدات الأجداد سعياً في تبنيها وإعادة ممارستها تماماً كما فعل القدماء.

وتضفي هذه المظلة الواسعة على الحركات صفة اللا تجانس، علاوةً على ذلك فهي تتطور وتتغير في اتجاهات مختلفة بتغيّر جغرافية المكان وهكذا.

بعد انهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية اكتسبت هذه الحركات زخماً في معظم البلدان الاشتراكية السابقة، واشتركت غالبيتها في السياسة القومية.

وبالرغم من أن الوثنية الأصلية في أوروبا الشرقية والوسطى تعادي بطبيعتها مبادئ السوفييت والشيوعية، إلّا أنّ الوثنيين من البلدان السلافية تعاونوا فيما بينهم بتشكيل تجمعات سنوية في الدعوة إلى إيديولوجية قومية سلافية، لكن وبسبب بعض الخلافات الداخلية توقفت التجمعات في السنوات الأخيرة.

تختلف الوثنية السلافية عن الحركات الوثنية الغربية مثل ويكا wicca, السحرة witchcrafts وحركات العصر الجديد New age movement بأنّها ليست تبشيرية، فهي لا تحاول التوسّع، أو كسب المزيد من المنتسبين، مع أن الاهتمام يزيد خاصة عند روّاد الإنترنت على هذا المحتوى.

وعلى عكس الوثنية الغربيّة المادّية التي تغري أتباعها بالحصول على القوة والمعرفة من خلال الاتصال بالأرواح أو ممارسة السحر، أو قراءة المستقبل وغيرها، تتخذ أوروبا الشرقية الوثنية كأداةٍ لترسيخ مفاهيم القوميّة الروسية والانتماء للأرض والاعتزاز بالهويّة من خلال استحضار معتقدات القدماء والسير على آثارهم مقاومين بذلك الدخلاء سواء كانوا أفراداً أو أيديولوجيات، أو حتى توسعاتٍ لدياناتٍ أخرى كالإسلام واليهودية.

الرودنوفيري
في روسيا، يرفض العديد من أتباع الروحانية السلافية (قبل المسيحية) كلمة الوثنية.  لذلك، فإن المصطلح المحدد للحركة هو Rodnoverie، والذي يعني “الإيمان الأصلي” (rodnaya vera). 

رمز ديني للرودنوفيري (المصدر: ويكيبيديا)

في الوقت الحالي، لم تسجّل أي منظمة للرودنوفيري كمجتمع ديني، ويرجع ذلك جزئيًا إلى المتطلبات المشددة للتشريع الروسي الحالي، لكن العديد من المجموعات لا تطمح إلى مثل هذا الوضع لأنها لا ترغب في تقديم معلومات حول نشاطها إلى السلطات.  إذ إن الجماعات المتطرفة تتجنب وضع أي معلومات عن نفسها على الإنترنت.

ومن الصعب للغاية تقدير عدد مجتمعات الرودنوفيري الصغيرة غير الرسمية. ولكن استنادًا إلى عدد الأعضاء في بعض مجتمعات الإنترنت والأشخاص الذين يحضرون أكبر مهرجانات الرودنوفيري، يبدو أنه من الممكن القول إن هناك عشرات الآلاف من الرودنوفيريين في روسيا.

ربط الدين بالآراء السياسية ليس أمراً غير مألوف في الوثنية المعاصرة، فعلى سبيل المثال يجادل الوثنيون بأنّ الإيمان بالآخرة في المسيحية يؤدي إلى إهمال البيئة والأرض والإحجام عن مواجهة الظلم الاجتماعي.

في روسيا، القومية هي السمة الأكثر انتشارًا وبروزًا في سياسة رودنوفيري، على الرغم من كون الحركة تضم كلاً من مجموعات اليسار المتطرف واليمين المتطرف.

 أكبر مجموعة الرودنوفيري هي KOB، وهي اختصار لعبارة  Kontseptsiya Obshchestvennoi Bezopasnosti   ، وتزعم هذه المنظمة أن لديها أكثر من 50 ألف عضو، ولكن يبدو من غير المرجح أن غالبية نشطاءها قد عرّفوا أنفسهم على أن ديانتهم وثنية.

  يمكن العثور على الوثنية في التعاليم الباطنية والخفية لحركة KOB ، لكن الدين ليس من بين موضوعاتها الرئيسية، كما أن  KOB تنشر أيديولوجية يسارية متطرفة ومعادية للسامية ومحافظة اجتماعياً، وتحتفل بستالين كبطل رئيسي لها، ومع تركيزها الشديد على الخطاب السوفيتي، تمثل KOB قومية قديمة إلى حد ما، وفي العقد الحالي بدأت شعبيتها في الانخفاض.

 منذ البداية، كانت معاداة السامية واحدة من السمات المحددة لقومية رودنوفيري. ففي كتاب Desionizatsiya المنشور عام 1979، وهو أول منشور وثني في الاتحاد السوفيتي، جادل مؤلفه فاليري إميليانوف بأن على الروس أن يتحولوا إلى ديانتهم الأصلية لأنها كانت وسيلة أكثر فاعلية لمحاربة “الصهيونية” من المسيحية، التي تقوم على اليهودية.

أصر يميليانوف على أن اليهود يقودون مؤامرة عالمية ضد الشعوب الأخرى، وخاصة الآريين، ومنذ ذلك الحين تكررت مزاعم يميليانوف المعادية للسامية بشكل صارخ في العديد من منشورات رودنوفيري، والتي استمدت أيضًا مواداً من الأدب المعادي للسامية في بداية القرن العشرين ومن ألمانيا النازية، إذ غالبًا ما اتُهمت مجموعات الرودنوفيري بالتعاطف مع النازيين، وفي الواقع يعترف بعض المؤلفين بإعجابهم بهتلر.

علم الحزب النازي

كان العامل الحاسم في نمو حركة الرودنوفيري هو ارتباطها بمشهد فنون الدفاع عن النفس، وفي بداية التسعينيات قدم الكاتب الوثني ألكسندر بيلوف فنًا قتاليًا جديدًا باسم “Slavyano-Goritskaya Borba” ، والذي ادعى أنه يستند إلى تقليد روسي فريد. 

ومثل يميليانوف، جادل بيلوف بأن الوثنية كانت “دين المحارب”، على عكس المسيحية التي تدعو إلى التواضع والاستسلام.  داخل الأندية الرياضية التي تمارس سلافيانو جوريتسكايا بوربا، انتشرت الوثنية بشكل فعال بين الشباب الروسي واكتسبت أيضًا موطئ قدم بين مجموعات حليقي الرؤوس.

ارتكب بعض أتباع الرودنوفيري جرائم مثل الهجمات على الكنائس الأرثوذكسية والمعابد اليهودية والمساجد أو الاعتداءات العنصرية العنيفة على الأشخاص “غير السلافيين المظهر”، وربما تم الكشف عن الحالة الأكثر إثارة للاشمئزاز في عام 2009، عندما تم القبض على مجموعة من ثلاثة شبان تتراوح أعمارهم بين 17 و18 عامًا، والذين عرّفوا عن أنفسهم باسم رودنوفيريين، بسبب 12 جريمة قتل عنصرية ومحاولتي تفجير في موسكو.

على الرغم من أن هذه حالات فردية يمكن القول إنّ غالبية الرودنوفيريين لا يوافقون عليها، إلّا أنه لا يمكن رفضها باعتبارها ظاهرة منفصلة عن الحركة.  فعلى الرغم من أن أبرز قادة رودنوفيري لا يشجعون علنًا على العنف ، إلا أنه يتم إقراره ضمنيًا من خلال نظرتهم للعالم المانوية وشيطنة “الآخر”.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تم إدخال قوانين جديدة لمكافحة التطرف في روسيا، ومنذ ذلك الحين تم تكثيف مراقبة ومحاكمة القومية المتطرفة.  وبالتالي حُظِرت بعض منظمات الرودنوفيريين وأنشطتها خاصة المنشورات.

علاوة على ذلك، بدأت مجتمعات الرودنوفيريين الرئيسية في فرض رقابة على تصريحاتها العامة من أجل تجنب اتهامات التطرف – لكن هذا بالطبع يمنع العديد من أعضائها من الاشتراك في القيم العنصرية.  ومع ذلك، يبدو أن التيار الرئيسي لحركة الرودنوفيريين يبتعد تدريجياً عن السياسات القومية المتطرفة.  مع نضوج الحركة وتحول التركيز أكثر إلى اكتساب مكانة راسخة كدين، اكتسبت الممارسات الشعائرية واللاهوت أهمية أكبر. 

في الوقت الحالي، تعد Rodolyubie واحدة من أكبر مؤسسات الرودنوفيريين، والتي تشتهر بطقوسها المتقنة والمنشورات العديدة لزعيمها الكاريزمي فيليسلاك (إليا تشيركاسوف). حيث تركز كتبه على مناقشة التقاليد الروحية السلافية والتفكير الصوفي على حساب تكريس دعاية القومية!

من الصعب التنبؤ بالاتجاه الذي سيتطور فيه الرودنوفيري كدين مناهض للعقائد، وستبقى بلا شك حركة غير متجانسة تشمل أيضًا أشكالًا راديكالية.

 على الرغم من أن الحركة هامشية، إلا أنها تستمر في النمو بسرعة والأهم من ذلك أن لها تأثير أوسع داخل ثقافات فرعية من الشباب مثل عشاق موسيقى الهيفي ميتال، الفنانين، عشاق الخيال العلمي، وممارسي فنون الدفاع عن النفس.

وبالتالي، نظرًا لعلاقاتها الحميمة مع هذه المجموعات، تعكس الرودنوفيري قيم الشباب الروسي وهمومهم.  وقد تبع دورها في القومية الروسية التغييرات الأوسع التي حدثت في العقود الأخيرة، فقد بدأت بالدعوة لكراهية المهاجرين والمسلمين مثلاً بدلاً من معاداة الغرب ومعاداة السامية بحسب تصنيفات الخطاب القومي المتطرف.


المصادر:

(١)Encyclobedia of Russian & Slavic myth and legends page: 99

 (٢) Encyclobedia of Russian & Slavic myth and legends page: 213

(٣)Encyclobedia of Russian & Slavic myth and legends page: 115

Nations under God The Geopolitics of Faith in the Twenty-First Century

Pages:126-127-128-129-130

https://www.e-ir.info/2015/11/08/russian-paganism-as-nationalist-politics/

https://youtu.be/05_EvJTrSZE

تجربة مع الموت: وصايا وعبر (4)

ما مررت به من تجربة مرضية خلال الأيام الأولى[1] وما تضمّنته من اختلاط المشاعر، وتزاحم الخواطر، حيث تمنيت لو أستطيع أن أمسك بكل شعور أو خاطرة وأدوّنها، إلا أنّ شعوري الأساسي الذي تمسّكتُ به وتحدثت عنه كثيرًا هو الشعور بقوة السند الذي آوي إليه، قوة الله عز وجلّ، فقد آويت “إلى ركن شديد”، حتى صرت أنظر إلى الدنيا من قمة عالية، وأشعر بتفاهة ما فيها من لذّات ومتاعٍ زائل، كما جَسَّدَها الباري عز وجل بقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:20] ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:26]، ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:35] ولم تَعد الكلمات تفي وصف بؤس وفقر هذه الحياة الدنيا، خاصة إن انطلق الإنسان من شعوره تخيلوا هذا بالنظر باستخفاف إلى كل ما حوله وكأنه في قمة السماء.

إنّ العبد الذي يلوذ بجناب الله عز وجل يأوي إلى ركن عظيم ذي مَنَعة وعزة وغنىً مطلق، وبذلك فإنه يصبح عبداً ربانياً ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:79] فإن مات أو عاش، أو شُفي أو مرض، فإنما هو في قبضة الله عز وجل ومُلْكه، بين يدي عظمته وجبروته، لم يبق ثمة دنيا وآخرة، وموت وحياة، بقي الله عز وجل وحده ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27]، وعبده المدلل المستكين بين يديه، المستسلم لأمره، المستميت أمام عظمته، يبدو كالطفل الضائع الهائم الذي وجد حضن أمه.

الإلحاد وسؤال الموت
حين كان يأتيني الشعور بحال العبد المؤمن بالله عز جل في تلك اللحظات، كنت أتسائل بحال الملحد، ما هو حاله ولمن يلجأ ويلوذ؟ وبمن يستجير في هذه اللحظات الصعبة؟

لا يستطيع الإنسان أن يتكبر ويتنكر في هذه اللحظات، مهما كان متجبراً ومتكبراً، لا بد أن تستيقظ في داخله عبوديتُه شاء أم أبى؟ اختيارا أو اضطرارا، لا بد أن يستيقظ ضعفُه، وتستيقظ هويتُه اليائسة، وتصحو طبيعته البائسة الحزينة، ربما يستطيع أن يستمر في التجاهل والنكران، ولكن إلى متى؟  لن يستطيع الاستمرار، لا بد أن تدمعَ عيناه، وتخورَ قِواه، ويستسلمَ لضعفه، ويبدأ بالبحث عن الملجأ والملاذ، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22]

إلى من تلجأ في مثل هذه اللحظات حين يحيط بك الموت أخي الملحد؟

في الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التنبيه إلى أن الملاحدة نوعان، نوع متكبرٌ، متجبرٌ متعالٍ على قضية وجود الإله، ومتعالٍ على الحقيقة، فلا يبحث عنها ولا يهتمّ لها أصلًا، بل وضعَ بينه وبين الحقيقة سدًّا من الكبر والطغيان، فنرى بعضهم -لشدة طغيانه- يطلب من الله عز وجل أن يَرميَ به جهنم، وأنه لا يريد معرفة الحقيقة ولا تهمُّه .

ونحن إذا نظرنا في القرآن الكريم سنجد أن هذا النوع من الملاحدة والكفرة المتكبرين هم الذين يُبكِّتهم القرآن ويتوعّدهم، ويتهدّدهم بالعذاب، ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:146] وأنه سبحانه تَوعَّدَهم بالإضلال والخذلان، لأنهم يرفضون البحث عن الحقيقة والقبول بها من حيث المبدأ.

أما النوع الثاني من الملحدين فهم الملاحدة المتواضعون الباحثون عن الحقيقة، الذين يبحثون عن أجوبة شكوكهم واسئلتهم بكل صدق، فتراهم يبحثون عن الله بكل تواضع دون أن تحجزهم الأهواء والمصالح والشهوات، وهؤلاء غالبًا ما يصلون إلى الإيمان بالله عز وجل، وغالباً تنتهي حياتهم بالهداية، وعلى كل الأحوال حتى لو ماتوا وهم يبحثون عن الحقيقة بصدق فإن نرجو من الله عز وجل أن يرحمهم وأن لا يُعذبهم، فَنَكِلُ أمرهم إلى الله عز جل فإنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23].

هذا النوع من الملحدين هم إخواننا في الإنسانية نرجو لهم الهداية والرشاد، ونرجو من الله عز وجل أن يهديهم، ولو في آخر لحظة من حياتهم، وأن يتوبَ عليهم، ويدخلهم الجنة، فهذا يَسرُّ كل مؤمن، ولا يضيّق علينا في جنة عرضها السماوات والأرض.

لهؤلاء أتوجّه: في لحظات الموت الأخيرة التي لا يبقى فيها إلا الإنسان وهو يواجه مصيره الحتمي والنهائي، ماذا تنتظرون؟ إلى من تلجؤون؟ بمن تستجيرون؟ كل الذين كانوا يحبونكم ويحترمونكم سيقفون بعيداً عنكم، سيقولون: لروحه السلام، أو لروحه الخلود أو غير ذلك ثم ينسونكم؟!

كل الذين أشادوا بكم وبإلحادكم، وأجزلوا لكم الوصاف كلقب المفكر الكبير، والفيلسوف العظيم، والشجاع المتمرّد ضد المعتقدات البالية، أين هم الآن؟

كل هؤلاء انتهى دورهم، وأصبحتم وحدَكم في مواجهة الحقيقة، فماذا أنتم قائلون؟

إن حقيقة الموت تتسامى على كل حقائق الحياة الماديّة، وفي خوضها لا تنفع المكابرة والمغامرة، إذ إن سلطان الموت طائل كل مخلوقات الدنيا، فلا مفر منه. 

ليس العدم هو المصير، فهو نقصٌ لا يليق بمبدأ وجود الإنسان، ولا بعدل الله، وما حبانا الله عز وجل به من نعم ودلائل وبراهين، فكيف يليق العدم إذا ما انتقل العقل إلى رحابةٍ أوسع من التفكير بالكون وعظمته وتاريخه وما يحمله من دلائل وعبر وعقل وعظمة ؟!

العدل والحياة الدنيا
لم يَعِدِ اللهُ عز وجل الإنسانَ في نصوص وحيه بأن الدنيا ستكون دار العدل والخير المطلق، بل جعل ذلك للآخرة ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:39] ولمْ يَعِدْ ربنا سبحانه بأن الحياة الدنيا ستكون هي الحياة الحقيقية النهائية بل الآخرة  ﴿ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:64] إذن فإن ربنا سبحانه وتعالى منسجم مع رسله وأنبيائه وتعاليمه التي أرسلها لكل رسله وأنبيائه بلا تفريق بينهم، على مدى كل الشعوب والأنبياء والأمم .

ومن ثمّ ندرك ههنا أهميّة وصف الدنيا بأنها دار ابتلاء واختبار وامتحان بكل ما يتضمنه ذلك من قسوة وصعوبة، إذ ربما لا تحتملها العقول والقلوب، أما الآخرة فهي دار الجزاء، دار الكمال والعدل والسعادة المطلقة.

فما يبحث عنه الملحدون ويطمحون إليه من القيم المطلقة كالعدل والسعادة هو عين ما يبحث عنه المؤمنون بالله، إلا أنّ يقيننا وإيماننا يخبرنا أن هذه الأمور سنراها في الدار الآخرة في ضيافة رب العالمين ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54- 55] هناك القضاء العدل والسعادة الأبدية، والشعور بالرضا والطمأنينة:﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:75] وهناك الكثير من الأشياء التي لا نعلمها والتي لم تخطر لنا على بال ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:17] وفي الحديث الصحيح : ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )) ([2])

أخي الباحث عن الحقيقة وإن كنت ملحدًا، حتى لا تبقى وحيداً فريداً في مواجهة سلطان الموت، تتلفّت باحثًا عن النجاة والمعنى، باحثاً عن نفسك وإنسانيتك التي أهملتَها وضيَّعتَها، لا تزال هناك فرصة أمامك، فالله عز وجل يريدك، ويمدُّ إليك الخير وحبله المتين لينتشلَك من وهدة الضياع والشرود والضلال، وما عليك إلا تتَمَسَّكْ به وستجد أنك أقوى، وأنك ذلك الإنسان العظيم الذي كان ضائعًا، وأنك وُلدتَ من جديد.

وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )) ([3])   لو يعلم الملحد كم في هذا الحديث من المعاني التي ترفع من شأنه، وتُعلي من إنسانيته، وتَشُدُّه إلى ربه، لذاب خجلاً من الله عز وجل، وعاد إليه باكياً نادماً جاثياً بين يديه، حاثياً التراب على رأسه .


الهوامش

[1] كتبت هذه الخاطرة في 6/12/2020 –  – الساعة التاسعة ليلا – الأحد. مشفى مدينة كلس التركية

([2]) صحيح البخاري (4/ 118)3244، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة .

([3]) صحيح مسلم (4/ 2104)7 – (2747) ، باب: في الحض على التوبة والفرح بها .

العقيدة بين الحقيقة والواقع

تعود أهمية العقيدة إلى جانبين، المضمون الذي تحتويه والأثر الناتج عنها، فهي الموجّه الذي يحرّك الفرد ويحكم على توجّهاته في كثير من الأحيان، كما أنها تتحكّم بسلوكه وتحدّد هويته، وحين تتحوّل العقائد إلى مجموعة من الطقوس الشكلية والمشاعر الوجدانية التي لا صلة لها بواقع الحياة، فإنها تغدو –إلى جانب الدين- ضعيفة الأثر في حياة النّاس وواقعهم.

ومن هنا فقد حاول منظّرو الفكر الحداثي الغربي استغلال ضعف العقائد في نفوس المسلمين للتأثير على الصّلة بين الدّين والواقع، وذلك من خلال التّرويج لفكرة أنّ الواقع مُستقلّ عن العقيدة ومحكوم بأسباب وروابط أخرى لا علاقة لها بالدّين، فكانت النّتيجة أن أصبحت حياتنا خاضعة للأهواء وللشّهوات، وأصبح الفساد والانحراف أكثر انتشارًا داخل مُجتمعاتنا وتحوّل واقع حياتنا إلى تضارب في القيم باتّباع منهج الله تارة وباتّباع مناهج إنسانيّة وفكريّة متعدّدة تارة أخرى.   

إن ما نحتاجه اليوم من أجل تصحيح مسارنا هو إعادة إحياء المفهوم الصّحيح للعقيدة وربطها بواقع الحياة حتّي يسترجع الدّين مكانته الطّبيعيّة داخل مُجتمعاتنا المُسلمة.

مفهوم العقيدة، بداية تصحيح المسار
يقول الإمام محمود شلتوت: إن “العقيدة هي الجانب النّظري الذّي يُطلب الإيمان به أوّلًا وقبل كلّ شيء إيمانًا لا يرقى إليه شكّ، ولا تؤثّر فيه شبهة، ومن طبيعتها: تضافر النّصوص الواضحة على تقريرها وإجماع المُسلمين عليها من يوم ابتدأت الدّعوة مع ما حدث بينهم من اختلاف بعد ذلك فيما وراءها، وهي أوّل ما دعا إليه الرّسول، وطلب من النّاس الإيمان به في المرحلة الأولى من مراحل الدّعوة، والشّريعة هي النُّظم التي شرّعها الله أو شرّع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربّه، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون، وعلاقته بالحياة، وقد عبّر القرآن عن العقيدة بالإيمان وعن الشّريعة بالعمل الصّالح، والعقيدة في الوضع الإسلامي هي الأصل، التّي تُبنى عليه الشّريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثمّ فلا وجود للشريعة في الإسلام إلاّ بوجود العقيدة، كما لا ازدهار للشريع إلاّ في ظلّ العقيدة، ذلك أنّ الشريعة بدون العقيدة عُلُوٌّ ليس له أساس، فهي لا تستند إلى تلك القوّة المعنويّة التّي توحي باحترام الشّريعة، ومراعاة قوانينها، والعمل بموجبها دون الحاجة إلى معونة أيّ قوّة من خارج النّفس”(1).

نفهم من ذلك كلّه أنّ العقيدة هي منهج للحياة وليست كلمة تُقال بلا التزام وبها يَبنى الفرد تصوّراته في الحياة وبها يأخذ مواقف واضحة ممّا يدور حوله من مُتغيّرات ومنها تنبثقُ سُلوكيّاته اليوميّة وبها تنتظم حياة المُجتمعات في مُختلف المجالات، وعندما تضعف العقيدة في نفوسنا أو يُصيبها الانحراف يفقِد الدّين أثره داخل المُجتمع ويُصبح في عزلة عن الواقع.

فبمُقتضي العقيدة يعلم الفرد منّا أنّ للحياة هدفًا وغاية أصلها عبادة الله وتعمير الأرض عملاً بقوله تعالى:” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”(2)، وكلّ حركة يقوم بها الإنسان تدخل في مجال العبادة إذا كان يبتغي بها رضوان الله.

ولكن حين ضعفت العقيدة في نفوسنا أصبحت سُلُوكيّاتنا في الحياة خارجة عن مسارها التّعبّدي، فقد أصبح الصّدق أمرًا محمودًا وإن لم يُوجد فلا بأس بذلك فلم يَعُد الصدق من العبادات، وأصبحت الأمانة أمرًا جميلاً وإن لم تُوجد فلا بأس فهي لم تعُد من العبادات، وأصبح الوفاء بالوعد من المواعظ الجميلة وإن لم يَلتزم بها أحد فلا بأس، وهكذا صار بناء الإسلام محض أمنيات ومواعظ عابرة بلا أخلاق أو قيم يلتزُم بها الفرد على أنّها عبادة يأمُر بها الشّرع النّابِع من العقيدة.

من المعلوم الآن أنّ مفهوم فصل العقيدة عن الواقع هو نتيجة لفِكر دخيل عن ثقافتنا الإسلامية، ولنا أن نتساءل كيف وصل الغرب إلى هذا المفهوم وما هي نظرته الحقيقيّة للعقيدة؟ 

فصل الدّين عن الحياة في الغرب
كانت المسيحيّة هي العقيدة المُنتشرة في الغرب والتّي يؤمن بها أغلب أفراد المجتمعات الغربية، ولا يخفى أن هذه العقيدة أصابها الانحراف فانعكس ذلك سلبًا على حياة النّاس ممّا أدّى –إثر أحداث وتطوّرات عديدة- إلى إبعاد سلطة الدّين وفصله عن الحياة عندهم.

كانت بداية هذا الانحراف على يد قسطنطين عندما قام بمزج المسيحيّة بالوثنيّة من أجل صبغ عقيدة ما تبقّى من الإمبراطوريّة الرّومانيّة بنمط واحد، كما يقول المُستشرق ليوبولد فايس واصفًا المسيحيّة: “لم تكن تملك أن تبسط سُلطانها على الإمبراطوريّة الكبيرة التّي تحكم بمُقتضى القانون الرّوماني، والتّي كان الدّين فيها مظهرًا خاويًا من الحقيقة. فلمّا فرض قسطنطين المسيحيّة على الإمبراطوريّة في القرن الثالث ميلادي، لم يفرضها إلاّ عقيدة وجدانيّة لا تحكم الواقع بتشريعها الرّبّاني. فقد كان حتّى في عالم العقيدة البحتة يمزج الوثنيّة بدين الله”(3).

قسطنطين ووالدته هيلانة تحولا إلى قديسين في نظر المسيحيين (Brosen)

وعندما تحوّلت فيما بعد السّلطة المُطلقة للكنيسة التّي تُمثّل الدّين الذي أصابه التّحريف وأُدخل فيه أساطير باطلة، شهدت أوروبا حربًا بين الكنيسة والعلماء والعلم ووقفت هذه السّلطة الدّينيّة في وجه كلّ حركة داعية إلى الفكر الحرّ والتطوّر خوفًا من أن يُزيل العلم سُلطانها التّقليدي القائم على الخُرافات والأكاذيب والجهل. ومن ثمّ فإن الكنيسة أعلنت معاداتها للحركة العلميّة والحضاريّة في أوروبا التّي هي بدروها كانت في كثير من مواقفها معادية لسُلطان الكنيسة والدّين، واستمرّ التّباعد بين الحياة الواقعيّة والدّين الذّي تُمثّله الكنيسة.

و لنُضف إلى ذلك الميراث اليوناني القديم القائم على خُرافة أنّ الآلهة لا يُحبّون الخير للإنسان ولا يُحبّون له المعرفة لأنّه إن اكتسبها فسوف يُصبح مُنافسًا لها، وأن المعرفة لا تؤخذ إلاّ غصبًا منها، وأنه لا يتحققّ الخير للإنسان إلاّ عن طريق الكُره والعداء لها، وبقيت هذه الفكرة في الذهن الجمعي للإنسان الأوروبي الحديث، وهو ما عبّر عنه الفيلسوف البريطاني جوليان هكسلي بقوله: “الجهل والعجز فقط هما اللّذان يُخضعان الإنسان لله، فإذا زادت معرفته وقوّته فلا موجب إذن لفكرة الله، وما يرتبط بها من عبادات وليكن الإنسان هو الله”(4).

ومن هنا صار الله رويدًا رويدًا منسيًّا في قلب الإنسان الأوروبي وتلاشى سُلطان الدّين على المشاعر والسّلوك، وبدأ الفرد عندهم بعبادة الطّبيعة ومن ثمّ وصل بهم الأمر إلى جعل الإنسان مركزًا للكون وتأليهه بالفعل بدلاً من الله، وذلك بعدما اكتشف قوانين الطبيعة وأصبح مالك القوّة الصّناعية والإنتاجية والعلمية، ظنّا منه أنّه لم يعُد في حاجة إلى الله.

لقد أصبحت الفكرة السّائدة في أوروبا أنّ الإنسان المُتقدّم والمُسيطرة على الكون بعلمه ومعرفته ينبغي عليه أن يكون عقله الإنساني هو المقياس في كلّ شئ، فما وافق عليه العقل فهو الصّواب وما خالفه فباطل وخُرافات، وينبغي عليه أيضًا أن يكون هو المُشرّع لحياته لأنّه أدرى بما يحتاجه فلا يحتاج لشريك يُشرّع له كيف تكون طريقة عيشه.         

وعندما أصبح الإنسان المُشرّع والمُسيطر على كلّ شيء بدأت الصراعات تتفاقم بينه وبين الإنسان الآخر الذّي يرى أنه يجب أن يخضع له، وتفاقمت الصراعات بينه وبين الجماعة والدّولة، وبينه وبين القيم السّائدة في مُجتمعه.     

ما ذكرناه هنا هو حقيقة انفصال الدّين عن الحياة بطريقة موجزة في أوروبا، وكانت البداية بانحراف في العقيدة وفقدانها لأثرها العملي في حياة الإنسان. وما نستغربه اليوم هو مُحاولة البعض من بني جلدتنا بأن يجلبوا هذه المراحل التّي عاشتها أوروبا إلى مُجتمعاتنا والمُساهمة في ترويج الفساد العقائدي المُتمثّل اليوم في الفكر الحداثي ظنًّا منهم أنّه طريق النّهوض والتّغيير، والذّي يجعل الفرد منّا في صراع مع قيمه وثقافته الإسلاميّة ويجعل صلته بدينه تُصبح ضعيفة ويخفت نور العقيدة داخلنا، وهذا ما نُسمّيه اليوم بـ “معركة العقيدة” في واقعنا المُعاصر.

معركة العقيدة
إذا أردنا طمس هويّة مُجتمع ما والتّغيير من مبادئه وفكره وطريقة حُكمه على الأشياء، فإنّنا نحتاج إلى تهوين عقيدته وتمييع مبادئه التّي تُعتبر المنبع الأوّل لسُلوكه وأخلاقه ومنها يَرسُم لنفسه منهاجه ونظامه في الحياة. وهذا أصل الصّراع الذّي يحدُث اليوم داخل مُجتمعاتنا، سواءً عن طريق أطراف خارجيّة أو داخليّة، فهي معركة العقيدة التّي تُعتبر اللّبنة الأولى في بناء المُجتمعات المُسلمة، فإن خَفَت نورها وأصبحت انتماءً مُجرّدًا بلا عمل ولا التزام، فإنّنا سنرى مُسلمين من بنى جلدتنا يرون في الشّريعة الإسلاميّة مجرد وجهات نظر يمكن رفضها وتفضيل قوانين إنسانية أخرى مكانها، وسنرى مُسلمين مثلنا يَقبلون بالمعاصي والفواحش على اختلاف أصنافها ويضعُونها في خانة الحرّيّات الشّخصيّة. ومن أراد إحكام قبضته على أيّ مُجتمع فليُقدّم له عقيدة بلا روح ولا نور وليُحاول بعد ذلك صياغته وفق القالب الذّي يُرضي مصالحه ويخدم أهدافه.

فمثلاً اليوم في ظلّ موجة التّطبيع مع الكيان الصّهيوني المُتسارعة، فالهدف منها فرض الواقع على الشّعوب المُسلمة وجعلهم يَقبلون بالتّطبيع بعد ضمان خيانة السّلطات الحاكمة لأماناتها. ولن تصمُد هذه الشّعوب إلاّ بفضل عقيدتها التّي مازالت تتّقد في القُلوب، لأنّ فلسطين هي من صُلب الإيمان وتستمدّ شرعيّتها من الإسلام ويُعتبر الدّفاع عنها ولو بالكلمة جهاد ودين وحفاظ على كيان هذه الأمّة. فلنحذر اليوم من التخدير البطيء للشعوب ولتُحافظ على نور عقيدتها الخافتة لأنّها إن انطفئت وقُطِعت الصّلة كُليًّا بين الدّين والواقع، فإنّنا سنرى الشّعوب نفسها ترضخ للتّطبيع وتُهرولُ إليه!

ختامًا لا بد من التأكيد على أنّ انحراف العقيدة والتّهوين منها لن يقودنا إلّا إلى فساد الحياة، إذ العقيدة ليست محض صلة شعورية بين العبد وربّه مُنقطعة عن الواقع والوجود بل هي البوصلة الحقيقيّة للحياة وبها يَبنى الإنسان سُلوكه وتوجّهاته في مُختلف المجالات، وفي ظلّ التخلّف العقديّ الذّي نعيشه اليوم فإنّنا لم نعد نعتمد القرآن والسنّة كمرجعيّة في كلّ أمر من أمور حياتنا. فالقاعدة هنا تَقول بأنّنا كُلّما صلحت عقيدتُنا، فإنّنا سنقترب أكثر من الكتاب والسنّة ومن حياة الصّحابة رضي الله عنهم، وبالتّالي سينصلُحُ سُلوكياتنا وتصوّراتنا في واقع الحياة، والمطلوب منّا ههنا أن نعمل على تصحيح علاقتنا بالقرآن والسنّة النّبويّة ولننظر أين نحن منهما في واقعنا العملي!


الهوامش:

(1): الإسلام عقيدة وشريعة، الإمام محمود شلتوت، دار الشروق للنشر، الطبعة 18، 2001، ص: 11-13.

(2): سورة الذاريّات، الآية 56.

(3): جاهليّة القرن العشرين، محمد قطب، دار الشروق للنشر، 1993، ص: 64.

(4): المصدر السّابق، ص: 65.

النسوية ومعاداة الأسرة.. من المسببات إلى الواقع

“إن أجندات النسوية لا تسعى نحو المساواة بين الرجل والمرأة فحسب، وإنما هي حركة سياسية اشتراكية مضادة للعائلة وتشجع على تدميرها!”[1] بهذه الكلمات انتقد الواعظ بات روبرتسون الفكر النسوي، وكذلك قام كثيرون غيره ممن وجدوا لمآلات هذا الفكر خطرًا كبيرًا على أصغر وأهم وحدة في المجتمع، فما حقيقة هذه الاتهامات؟ وهل النسوية -فكرً وفلسفةً ونتائج- معادية فعلًا لبُنية الأسرة؟

نماذج من الموجة النسوية الثانية
كانت مطالب الموجة النسوية الأولى (1848) متركزة على تحصيل حقوق أساسية كانت المرأة في أوروبا وأمريكا محرومة منها كحق الانتخاب والتملك والاستدانة، أما الموجة النسوية الثانية –أي ما بعد 1960- فقد كان تركيزها على التحرر والمساواة المطلقين المتضمّنين المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة من حيث الواجبات والمستحقات، وتحرر المرأة والرجل من أي قيود متعلقة بالجسد أو الممارسة الجنسية[2].

سيمون دو بوفوار

كانت سيمون دو بوفوار إحدى أكثر الشخصيات النسوية تأثيرًا؛ تحديدًا كونها قررت كثيرًا من شعارات الموجة النسوية الثانية وأهدافها في كتابها الفلسفي “الجنس الآخر” عام 1949 الذي يعتبره المؤرخون ملهم الموجة الثانية ومشعل فتيلها[3]، فلم تكتف دو بوفوار بمطالباتها مساواة المرأة بالرجل، وإنما قررت ضرورة معاداته ومن ثم الاستغناء عنه كونه أساس النظام الأبوي الذي يمنعها حريتها ويجعلها ملكًا للذكر عبر الدين والقانون، ولكي تتخلص من كل سلطة تمتلك جسدها لم تجد بدًا من التخلي عن الأمومة التي تجبرها على الخضوع لغير رغباتها[4].

يمكن النظر إلى جزءٍ مما كتبته دو بوفوار باعتباره مثالًا على فكرها النسوي، فـ”إن أي دور تقليدي للمرأة ينبغي أن يرفض، فالأمومة لا تحقق ذات المرأة ولا تفتح أي آفاق جديدة للمستقبل، إنما هي مجموعة من المهمات الروتينية التي كانت النساء تفعلها منذ القدم، فلا الإنجاب يقدم للعالم شيئًا ولا الحياة تتوقف على ترتيب السرير ولا ذاك يعبر عن النفس أو يحققها”[5].

الغريب –حقًّا- أن هذا الفكر انتشر في الغرب كالنار في الهشيم وحمله النسويون ونادوا به طوال عقود من الزمن مع أنه يهمل أهمية التربية والإنجاب العظيمة، ويتغاضى عن كون المرأة تنشئ وتبني الجيل الذي سيقوم بكل المهمات في المجتمع في المستقبل من خلالهما ، فأي تحقيق للذات أكبر من هذا؟

والحقيقة أن أي عمل لا يمكن أن يخلو من روتين وتكرار بالنسبة للرجال والنساء على السواء، فمعظم الوظائف لا تحقق الذات بالصورة التي يصفها النسويات -من حيث إحداث التغيير والتعبير عن النفس-، إنما هي عبارة عن روتين لا يسمح للموظف أن يبدي رأيه ولا يغير في بنيته المحددة له مسبقًا، بينما الحلم الذي تقدمه النسويات للمرأة هو أن أي عمل ستحصّله بمجرد خروجها من البيت سيكون مثل الذي تفعله الناشطات اللواتي يقضين يومهن بالكتابة وحضور الحفلات والاجتماعات والمناظرات والظهور في اللقاءات الرسمية وتقديم الندوات والمحاضرات!

بيتي فريدان

وقد وافقت الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية بيتي فريدان على أفكار سيمون من قبلها، وقدّمتها للأمريكيين في كتابها المبسط “الغموض الأنثوي” حيث انطلقت فريدان من فكرة محورية في كتابها وهي كون ربّات البيوت -جميعهنّ- تعيسات مكتئبات، يعانين الملل والإحباط، ولا يقضين يومهُنَّ إلا مشغولات بتوافه الأمور التي تسليهنَّ عن مأساتهن، بينما هنّ جاهلات ومحتاجات إلى منقذٍ يخرجهن من هذه المعاناة إلى النجاة التي تنتظرهنّ في سوق العمل.[6]

تحدّثت فريدان في الكتاب عن تجربتها في الزواج والإنجاب فبيّنت أنّها عاشت مراحل الأنثوية النمطية، لكنها لم تجد ذاتها في أي منها، فقرّرت تركها وتحقيق طموحاتها في تحرير أمثالها عبر النشاط السياسي والاجتماعي.[7]

إن من أهمّ معضلات النسوية -كما نرى- حصرها قضية تحقيق الذات في العمل المدرّ للربح المادي المباشر، حيث اعتبرت أي امرأة لا تمتثل ذلك إنسانةً ناقصة البشرية وسلبيةً فارغة، لا هوية لها ولا طموح ولا أحلام،[8] وأغفلت في هذا كله مشاعر النجاح الكبيرة التي تشعر بها المرأة إن تمكنت من تعليم طفلها القراءة أو رأته يجيد الحساب لأول مرة، وتجاهلت كذلك أن كثيرًا من النساء لا يحتجن العمل خارج البيت ولا يخترنه، وأنّهنّ راضيات وسعيدات بحياتهن البسيطة داخله، يعرفن حق نفوسهن، ويملأن يومهن بما ينفعهن وأسرهن، وههنا لا بد من ذكر ما قالته فريدان -حرفيًا-: “لا أعرف أي امرأة تمكنت من استخدام عقلها، أداء دورها في الحياة، وفي نفس الوقت أنجبت وأحبت أطفالها!”[9]

لا شكّ أنّنا نرى هنا خلطًا واضحًا لهذا الفكر، وتعميمًا كبيرًا يمارَس على النساء جميعهنّ، فقد جعلهن هذا الكلام أشخاصًا فارغين روحيًا يتشابهون في نمط الحياة والنشاطات اليومية، كما خلط بين تحصيل المال وبين الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى في الحياة كسؤال الغاية والهدف من الوجود.

تقول فريدان: “حتى حين تكون الأم آمنة دافئة في بيتها محاطة بأولادها تلبس الحرير والمخمل والجواهر، فإنها حتمًا ستطلب ما هو أبعد من ذلك.”[10] وفريدان ههنا تشير إلى شعور الغائية الذي لم تتمكّن من تفسيره، والذي لا يختلف فيه رجل أو امرأة ولا يجيب عنه العمل المربح مادّيًّا كما لا تملؤه الأمومة إن لم يكن للإنسان غاية حقيقية يعيش لأجلها –رضوان الله والجنة في الإسلام-، أما جعل تحصيل المال نفسه غاية وتحقيقًا للذات فهذا لا يملأ ذاك الفراغ الذي تصفه النسويات، إنما قد يشغل المرء عنه مؤقتًا لا أكثر.

ولنتأمّل التوازن الذي قدمته المنظومة الإسلامية لحياة الفرد والمجتمع حين لم تطالب أحدًا بالعيش لغيره، فلا الزوج يعمل في سبيل أبنائه، وليس مطلوبًا من الزوجة أن تحترق لأجل أسرتها، بل لفت فكر الناس إلى أن غاية العمل كله رضا الله تبارك وتعالى، وأن لكل فرد واجباته الخاصة المرتبطة بظروفه وابتلاءاته يؤديها مستحضرًا مراقبة الله سبحانه له وحده بصرف النظر عن ناتجها الدنيوي وتقييم المجتمع لها. والمرأة قد تعمل خارج البيت وقد لا تفعل لأسباب خاصة بها، بينما هي في كل ذلك تعرف ما لها وما عليها شرعًا، وتميز بين واجباتها واختياراتها.

هدم الأسرة النووية
لقد رأت رائدات الموجة النسوية الثانية متمثلة بحركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة ضرورة تخليص المرأة من سجن الزواج الذي وصفته فريدان بأنه قفص سنجاب مجمّل تدور فيه المرأة دون توقف[11] كما انتشرت مقولة غلوريا ستاينم “المرأة بحاجة للرجل كما السمكة بحاجة لدراجة” ساخرةً فيها من منظومة الزواج والعلاقة التكاملية فيه[12].

وكذلك هاجمت النسوية الليبرالية الحياة الزوجية بطريقة منمقة أو ساخرة، أما النسوية الراديكالية في أصوات مثل كيت ميليت، جيرماين غرير، وشولاميث فايرستون فقد وجهت سهامها نحو بنية الأسرة بشكل مباشر. تقول جيرماين غرير في كتابها “The Female Eunuch”:

“إن الحياة الزوجية قائمة على تعنيف النساء والإساءة إليهن وإهانتهن، ولذلك يجب التخلص من مؤسسة الزواج وإيجاد البديل عنها في حياة لا تجبر المرأة على السكن مع الرجل وفق علاقة محكومة بالقوانين والعقوبات الاجتماعية”[13].

لا شك في أن كثيرًا من مكونات نظرة النسوية للحياة الزوجية منبثقة من أفكار فلسفية راسخة في تاريخها منذ أيام سيمون دو بوفوار التي قدست الحرية الفردية المطلقة المبنية على الاعتبار الوجودي للحياة حيث لا يجد الإنسان الراحة إلا بكونه حرًا بشكل مطلق.[14]

تقول دو بوفوار: إن المرء لا يكون محققًا لماهيته إلا حين يمتلك الاختيار المطلق الذي لا يحده أي وازع خارجي، وهذا شأن الرجل، أما المرأة فإنها تعيش حياتها في خدمة غيرها ضمن أعمال لا تسمو بها ولا تمنحها استقلاليتها ولا تثبت أصالة وجودها، ولذلك فإن على المرأة أن تعيش لذاتها مهتمة بإثبات نفسها متخلية عن قيد الزواج الذي يمنعها من ذلك.[15]

يبدو واضحًا من خلال قراءة أدبيّات النسويّة ونتاجها أن هناك هوسًا متعبًا لدى هؤلاء بالمساواة والمنافسة بين الجنسين في كل السياقات مما أدى بهم إلى إخفاء مفهوم الأنثى والتعويض عنه بمشابهة الذكر، إضافة إلى تجريم الذكورة وما يتعلق بها من صفات ضرورية في الأب والزوج بشكل عام.

يقول سلطان العميري: لقد أصبحت المجتمعات الإنسانية جراء هذا التصور مكونة من معسكرين متحاربين على الدوام، معسكر الرجال ومعسكر النساء، كل منهما يظن في الآخر ظن السوء، ويرى أن حياته معارضة لحياة المعسكر الآخر وحقوقه تتناقض مع حقوقه، وهذا التصور تشاؤمي ناقص، وهو ناتج عن توهّمات باطلة مخالفة لطبيعة الوجود، ونحن لا ننكر أن الصراع موجود في الحياة، ولكننا ننكر تعميمه على كل مظاهرها، والحكم به على العلاقة بين الرجل والمرأة بالخصوص، فمظاهر الوجود متنوعة كثيرًا، منها ما يعيش مع غيره بعلاقة التكامل والتعاضد، ومنها ما يعيش مع غيره بعلاقة التدافع والتصارع.[16]

وتظهر نتائج هذه النظرة جلية واضحة في التفكك الأسري الذي يشهده الغرب اليوم حيث تنتهي 55% من حالات الزواج في فرنسا بالطلاق،[17] ويعيش ربع الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية في أسر أحادية الوالد.[18]  هذه الأسر التي تتفاقم باستمرار تقود الأمهات 86% منها، ويعيش قرابة 3 من كل 10 منها تحت خط الفقر.[19] وتظهر إحصائيات كثيرة أن مستوى سعادة أفراد الأسر أحادية الوالد أقل بكثير منه في الأسر التقليدية، كما أن الأبناء يعانون بسبب غياب الأب وتظهر نتائج ذلك في تحصيلهم العلمي وصحتهم النفسية[20].

إن مهاجمة النسوية لمؤسسة الزواج وتجريمها لكل ما يمكن اعتباره دورًا تقليديًا للرجل أضر بالمرأة أولًا وبالمجتمع كله ثانيًا، فالرجال في الغرب اقتنعوا بضرورة تخلّيهم عن كل دور نمطي عرفوه بعدما صار عارًا وذنبًا لهم، وقبلوا بالتخلي عن مسؤوليتهم التي وصفتها النسوية بالتسلط والأبوية، وبالتالي انقلب الأمر بؤسًا على النساء اللواتي بتن -في كثير من الحالات- مجبرات على لعب دور الأب والأم في ظل مجتمع ظالم لا يعطيهن أيًا من حقوقهن الأصلية تحت مسميات التحرر والمساواة.


الهوامش والإحالات

[1] Elizabeth Schuett, Pat Robertson has odd take on feminism. Seattle Pi. 2004.

Pat Robertson has odd take on feminism (seattlepi.com)

[2] John Olson, Feminism. History. 2019.

Feminism’s Long History – HISTORY

[3] History and theory of feminism. GWA Net Central Asia.

History and theory of feminism (cawater-info.net)

Linda Napikoski, Simone de Beauvoir and Second-Wave Feminism. ThoughtCo. 2019.

How Simone de Beauvoir Inspired Second Wave Feminism (thoughtco.com)

Alice Schwarzer. “After the Second Sex: Conversations with Simone de Beauvoir.” New York: Pantheon Books, 1984.

[4] د. البشير عصام المراكشي، النسوية.

(19) برنامج النسوية – YouTube

[5] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

[6] Betty Friedan. The feminine mystique. WW Norton & Company. 2010.

[7] (المصدر السابق)

[8]Betty Friedan. The feminine mystique. Page 99-107. WW Norton & Company. 2010.

[9] Betty Friedan. The feminine mystique. Page 99. WW Norton & Company. 2010.

[10] Betty Friedan. The feminine mystique. Page 105. WW Norton & Company. 2010.

[11] (المصدر السابق)

[12] Hollie Petit, A Woman Needs a Man Like a Fish Needs a Bicycle. MuddyUm. 2020.

A Woman Needs a Man Like a Fish Needs a Bicycle | by Hollie Petit, Ph.D. | MuddyUm | Medium

[13] Greer, Germaine, and Andrew Inglis. The female eunuch. London: Paladin, 1971.

Karl Thompson, Feminist Perspectives on the Family. Revise Sociology. 2014.

https://revisesociology.com/2014/02/10/feminist-perspectives-family/

[14] [14] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

وانظر مقال: ما بعد الحداثة، قسم: الوجودية على موسوعة السبيل، بقلم عرابي عبد الحي عرابي. 2018.

ما بعد الحداثة • السبيل (al-sabeel.net)

[15] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

[16] سلطان بن عبد الرحمن العميري. ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث. مركز تكوين. 2018.

[17] Abayomi Jegede, Top 10 countries with highest divorce rates in the world. Trendrr. 2020.

Top 10 Countries With Highest Divorce Rate in The World 2020 | Trendrr

[18] Stephanie Kramer, U.S. has world’s highest rate of children living in single-parent households. Factank. Pew Research Center. 2019.

U.S. has world’s highest rate of children living in single-parent households | Pew Research Center

[19] Single Parent Statistics Based on Census Data. Very Well. 2020.

The Single Parent Statistics Based on Census Data (verywellfamily.com)

[20] Mona Charen, Feminism has destabilized the American family. NY Post. 2019.

https://nypost.com/2018/07/07/feminism-has-destabilized-the-american-family/

 

تجربة مع الموت: وصايا وعبر (3).. الغنى بالله عز وجل

هل مررتَ بتجربة ضياع العبارة والعجز أمام المشاعر التي تجتاح قلبك؟ وهل استشعرت يومًا حقيقة احتياجك لله وعجزك أمام ما تمرّ به من بلاء وصدق تضرعك لربك؟ وهل وقفتَ يومًا أمام جلال صفات الله عزّ وجلّ لتأخذ منها.

عجز اللغة أمام المشاعر:
مشاعر دفينة انتابتني أثناء لحظاتي الصعبة في الخوف الموت، وقد وقفت لغتي عاجزة جدًّا عن وصف ما أريد البوح به، ولعلي وجدت أن اللغة قد تُشوِّه المعاني التي أريد إيصالها للقارئ الكريم وتسيء إليها، ولكن لا بد من المحاولة.

لقد حاول بعض كبار العلماء من الصوفيّة أن يوصل مشاعره الجيّاشة مع الله عز وجل للناس، لكي يستفيدوا منها فلم يستطع، وعجزت اللغة عن ذلك، وأدّى ذلك إلى اتهام بعضهم بالضلال والزيغ، ومن ثمّ كان تخوَّف الإمام الغزالي رحمه تعالى من اللغة، وتردّد في التعبير عن تجربته الوجودية حتى لا تُفهم خطأً، وقرَّر أن يكتفي بالتصريح بما ينفع الناس ولا يختلفون حوله، ومع ذلك لم يسلم من ألسنة الناس وانتقاداتهم.

 يمرّ الإنسان في مثل هذه اللحظات بمشاعر متتابعة متناسخة ينسخ بعضها بعضًا بشكل هائل السرعة، يصبح فيها الإنسان عبارة عن كتلة من الخواطر والمشاعر، جيوشًا تتصارع في داخله، ويحاول كلٌّ منها أن يتغلب على الآخر، والموفَّق من يوفقه الله عز وجل لكي يحطَّ رحاله في أعتاب الله عز وجل، ويلقي أعباءه بين يديه، ويرتمي بين يديه لا يرتضي به بدلا.

ضرورة الاستسلام المطلق لله:
إن أهمّ شعور بدأ يسيطر عليَّ هو شعور الرضا بالله، والطمأنينة به، والغنى به عز وجل عمّا سواه، وشعرت آنذاك بأن المكتفي بالله لا يشعر بأحد بشرًا كان أو دنيا، ولا بألم أو بخوفٍ، لقد سيطر عليَّ حديث النبي ﷺ : ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل لك، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل عليك ، رُفعت الأقلامُ وجفَّت الصحف )) ([1]) .

هذا الشعور بفضل الله عز وجل جعلني أشعر أن كل من حولي هم أدوات، وأن الأمر محسوم، فإن كتب الله عز وجل لي النجاة من الموت فلن يضيرني البشر كلهم، ولو اجتمعوا، وإن كان الله عز وجل كتب لي الموت فلن ينفعني أطباء الدنيا وأدويتهم ولو اجتمعوا .

هذا الشعورُ له علاقة بلبّ العبودية، فحين يكون الإنسان بين يدي ربه وفي قبضته، فإن شعوره الصادق بالانكسار له، نعمة عظيمة يجهلها الإنسان، إذ إن العبودية لله عز وجل شرفٌ وكرامةٌ ورفعةٌ وعظمةٌ.

أصبحتُ أُردِّدُ قول الإمام الشافعي في أعماق نفسي، وأترنم به في وسط الألم والشدة:

وَمِمَّا زادني شرفَاً وتِيْها                               وَكِدْتُ بأخمصي أَطأُ الثُّرَيَّا

دخولي تحت قولكَ ياعبادي                   وأَنْ صَيَّرْتَ أحمدَ لي نَبيَّا

شعوري وانفعالي بالعبودية لله عز وجل، والغنى به والاستكانة إليه، جعلني قوياً قوةً هائلةً بقدر شعوري بعظمة الله عز وجل وجبروته وكبريائه، وكلما تحققنا بعبوديتنا لله عز وجل كنا أقوى وأعظم، وكلما تشرَّبنا ذرات هذه العبودية كنا أعز وأقوى

الاستمداد من صفات الله عز وجل
أليس الله عز وجل عظيما عظمة لا حدود لها؟ أليس حين نكون عبيداً حقيقيين له نَستمدُّ عظمتنا منه عز وجل؟ فقس إذن أيها المؤمن أيها العبد نسبة عظمتك (الدنيوية) بعظمة الله جل وعلا.  أليس الله عز وجل عزيزًا عزة لا حدود لها؟ ونحن عبيد الله عز وجل نستمد عزتنا منه سبحانه وتعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ المنافقون: 8 ]  فقس أيها المؤمن أيها العبد المؤمن نسبة عزتك (الدنيوية) على نسبة عزة الله اللامحدودة … حين ذاك ما مقدار عزتك وعظمتك؟!

وهكذا إلى كل الصفات التي نستمدها من الله عز وجل حين نكون عبيداً حقيقيين له، كم هي رائعة العبودية، كم تجعلنا عظماء بين البشر، وأقوياء بين البشر الضعفاء، وكاملًا بين البشر الناقصين، وغنياً بين الفقراء وإن كانوا ذوي مال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15 ] إن عبودية الإنسان لله عز وجل كمالٌ على المستوى البشري والأرضي والدنيوي، ومن هنا جاء قوله سبحاني، فهو يُمجِّدُ عبوديتَه لله عز وجل، ويعتزُّ بها، ويفتخر بها، إنه تعبير مطلق عن الغنى بالله، والقوة بالله، والرضا بالله، والاعتزاز بالله جل وعلا. 

يكفي أن يفكر الإنسان قليلا في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [ سورة الملك: 1 -2 ] . هذه الآية التي يقرؤها الكثيرون منا ربما كل يوم، فالله عز وجل مالك الملك والملكوت، وبيده العظمة والجبروت، وبيده مقاليد السماوات والأرض، وبيده الموت والحياة، وبيده النفع والضر، وبيده الدواء والمرض، والشفاء، فما بالنا نلتفت إلى غيره، ونطلب من غيره، ونلجأ إلى غيره، وهو (بيده الملك ) ( وبيده الخير ) ( إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون ) فمن غفلتنا وجهلنا نلجأ إلى سوى الله عز وجل .

تخيلوا عبداً لملك من أعظم ملوك الدنيا، هذا العبد هو المـَدخل لهذا الملك، فما يقوله للملك ينفذه الملك، وهو الذي يُدبِّر للناس أمورَهم ويخدمهم، ويقضي شؤونهم وحوائجهم في كل شيء، كيف ستكون نظرة الناس إليه؟

سيكون شخصا عظيماً كبيراً عزيزا ًيتسابق الناس إلى طلب رضاه، والتقرب منه، والتزلُّف إليه، لكنه في النهاية عبدٌ لملك دنيوي يمكن أن يزول في أي لحظة، فما بالكم بعبد العظيم، عبد الجبار، عبد الحي القيوم، قيوم السماوات والأرض، جبار السماوات والأرض ؟!  وحين يكون العبد حقيقيّا لله، فإنه سكون سيَّداً مسوَّداً في الكون .

وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾  [ الإسراء: 70 ] هذا هو معنى التكريم الإلهي، و التفضيل الإلهي للإنسان، وكلما اقترب الإنسان من ربه كلما كان عظيماً في الدنيا، عظيماً في عبوديته،  وهذا هو معنى الخلافة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [ البقرة: 30 ]  

خليفة لمن؟

تخيلوا ذلك جيدا بعمق قلوبكم، خليفة لله عز وجل، ولو ذهبنا نتأمّل في معنى الخلافة، وصلاحيات الخليفة، لضاق الحديث ودَقَّ إلى مضائق صعبة، قد يضل التعبير عنها ، وتعجز اللغة عن وصفها.

إن العبودية باختصار: الاستماتة بين يدي الله، والتفويض المطلق له، ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [ غافر: 44 ]، الاستكانة في أعتابه، والارتماء في أبوابه، ثم يتحول ذلك إلى: الغنى المطلق بالله عز وجل، والرضا بالله، والاعتزاز بالله  والقوة بالله، فيصبح العبد: بالله، وفي الله، ولله .

5/12/2020 .  – مشفى كلس .


[1] سنن الترمذي ت شاكر (4/ 667)2516 .

المعتقدات السلافية: ماضٍ ينهض من جديد (1)

روسيا، الاسم الذي يوحي أول ما يوحي لسامعه بالجغرافيا الواسعة، الاتحاد السوفيتي سابقًا، بوتين والمعسكر الشرقي، في هذا المقال نسلّط الضوء على المعتقدات التي سادت تلك البلاد في القديم وما بقي منها إلى الآن.
إن الشعوب السلافية هي أكبر المجموعات العرقية اللغوية (ذات أصل مشترك في العرق واللغة ethnolinguistic groupe) في أوروبا، وتُقسم الشعوب السلافية المعاصرة إلى:

  • سلاف الشرق: بيلاروسيا، روسيا، أوكرانيا
  • سلاف الغرب: التشيك، مورافيا، بولندا، سلوفاكيا
  • سلاف الجنوب: البوسنة، بلغاريا، كرواتيا، مقدونيا، مونتينيغرو(الجبل الأسود)، صربيا، سلوفانيا

كانت الشعوب السلافية عبارة عن مجموعات قَبَليّة عديدة عاشت في بداية العصور الوسطى -من القرن الخامس إلى العاشر- في أوروبا الشرقية، ولم تُستخدم لفظة سلاف بشكل مكتوب إلّا في القرن السادس تزامناً مع هيمنة هذه القبائل على جزء كبير من أوروبا الشرقية والوسطى، وقد وصفهم المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيسراني Procopuis of Caesarea بأنهم: طوال القامة، أقوياء البنية، بشرتهم ليست بيضاء، وشعرهم ليس بالأشقر ولا الأسود ولكنه يميل عند معظمهم للاحمرار.

بروكوبيوس القيسراني (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

المعتقدات السلافية القديمة
نظراً لأنّ أول كتابات ظهرت حول هذا الموضوع كانت في القرن التاسع الميلادي -ولم تنتشر بشكل كبير آنذاك- فإنّ المعلومات حول المعتقدات والآلهة المنتشرة لدى الشعوب السلافيّة في تلك الفترة كانت قليلة، كما أنه لا يوجد إلى الآن أي مخطوطات أو كتابات قديمة تؤكّد أو تصف معتقدات الشعوب السلافية الأولى بشكل كامل، فمعظم ما تمّ اكتشافه في مدينة نوفوغرود Novogrod (حوالي ١٢٠٠ قطعة من ألواح لحاء الشجر) والذي يتراوح في القِدَم بين القرن الحادي عشر والخامس عشر، تضمّن معظمها تدوينات لمبادلات تجارية، أو رسائل خاصة بين الأفراد، ولا شيء عن شعائر أو طقوس القدماء، ومعظم المنقول هو من شهادات البيزنطيين والألمان والرحالة.

وقد عثِر على أصنام وأدوات تعبدية لكنّها لم تترافق مع أي نص مكتوب يوضح كيفية الطقوس والممارسات للعبادات، وما يقوم به العلماء من دراسات وتحليلات حاليًّا يستند إلى التخمينات، إلا أن هناك إجماعًا على أنّ آلهة الشعوب السلافية القديمة كثيرة ومتشابكة.

إضافةً إلى الإيمان بالآلهة المتعددة فقد آمن السلافيّون بوجود مخلوقات سفلية ذات قوى خارقة مثل الأرواح والغول والمستذئبين وغيرهم، ومن ثمّ، فإنه بحسب هذه المعتقدات، تحكم الكون آلهة عليا تتشارك في أصولها مع آلهة اليونان القدماء وأهل الشمال “الاسكندناف” وتتشابه في الصفات لحد كبير.

من هذه الآلهة:

  • الإله بيرون Perun: إله الرعد وهو نفسه الإله ثور Thor وغيره من آلهة الرعد الهندوأوروبية.
  • إله الغابات والأنعام والحياة الآخرة after life: فيليس Veles
  • إله السماء: ستريبوغ Stribog
  • آلهة الخصوبة والإناث: موكوش Mokosh وهي نفسها Freya عند الفايكينغ
  • إله الشمس: Dashbog

وغيرها من الآلهة الكثيرة التي عبّرت بجزء كبير عن أجزاء الطبيعة وتفاعُلِ البشر معها بقوّةٍ آنذاك، من نهرٍ وغابةٍ وطقسٍ وجليدٍ وحتى الوقت وقِصر الليل والنهار خلال السنة كان له إله يعمل على تنظيمه!

فُرِضت المسيحيّة عام ٩٨٨م على الشعوب السلافية، ودمِّر كل ما له شأن بالعبادات الوثنية كالمعابد والأصنام، ومع ذلك يرجح الدارسون في تاريخ الوثنية السلافية أن العبادات والمناسك كانت تُمارس في الهواء الطلق على شكل ترانيم وصلوات أو في الغابات التي تحتلّ مكانة مقدّسة عند تلك الشعوب، أو في المعابد الخشبية التي إما دُمّرت كلياً على يد دعاة المسيحية، أو أنّ ما تبقى منها فنيَ واهترأ بعامل الوقت، ومن الصعب إعادة استحضار هذه الطقوس الوثنية بدقة أو تمثيلها لقلّة الأدلة.

أحد الأصنام القليلة جدًّا التي عثر عليها علماء الآثار وما زال موجوداً ومحفوظاً في متحف كراكوف-بولندا هو الصنم زبروخ Zbruch الذي يعود إلى القرن التاسع حيث الأوجه الثلاثة على التمثال حسب معتقداتهم: العالم السفلي، والإنسان، والعالم السماوي.

مصدر الصورة: ويكيبيديا

بالرغم من فرض المسيحية الأرثوذوكسية على الشعوب السلافية لأكثر من ١٠٠٠ عام، وبالرغم من إجراءات الاتحاد السوفيتي الذي تلاها في فرض الأجواء اللادينية بالقوة إلّا أنّ ذلك لم يمحُ آثار الوثنية من معتقدات الروس وبقية الشعوب السلافيّة، حيث ما تزال موجودة وبشكل متداخل بشكل كبير مع المعتقد المسيحي.

من بعضها:

  • عيد الماسلينيتسا Maslenitsa ويعرف بأنه (أسبوع الزبدة والشطائر): ففي كلّ عام يقومون فيه بعمل ولائم في آخر فصل الشتاء (أواخر شباط وبدايات آذار) احتفالاً بآلهة الشمس ويحضرون أكلة شعبية تسمى البلينشيكي Plinchiki (تشبه الكريب الفرنسي) وتعبّر بشكلها عن رمز الشمس وذلك لحث الشتاء على الرحيل، واستعجال الربيع في القدوم.
  • اللجوء إلى العرّافات لمعرفة الطالع وما يخبّئه المستقبل.
  • تقديم الطعام عند القبور: ويُعتقد أنه في أيام الانقلابات والاعتدالات الفصلية تزور أرواح الأموات أقاربها ويمشي الأموات على الأرض في يوم يسمّونه “إيفان كوبالا Ivana Kupala” في تاريخ ٢١، ٢٢، ٢٣،٢٤ من شهر حزيران، وقد استمرت عادة الاحتفال به حتى منتصف القرن العشرين.
  • البابا ياغا babayaga: إحدى المخلوقات من دون الآلهة والتي تمتلك قوى خارقة وتتمثّل بساحرة عجوز تميل للشر مع امتلاكها للحكمة لمساعدة من يستحق المساعدة، وتكيد بالأشرار والطفوليين، وما زالت هذه الشخصية الأسطورية تشكّل جزءاً كبيراً من قصص ومناهج الأطفال في الأدب الروسي إلى اليوم.

  • إله الشمس وحصانه الناري: حيث يُعتَقَد بأنه يسافر عبر المحيطات برفقة حصانه الناري المخلص، وقد عَبَدوه جنباً إلى جنب مع إله الشمس، ومنذ ذلك الزمن تُعتبر حدوة الحصان رمزاً جالباً للحظ الجيّد، ومن يعثر على حدوة في الطريق فهي غالباً تعود إلى الحصان الناري، وستضمن لصاحبها الحظ السعيد، وإلى الآن تُعلّق الكثير من البيوت في روسيا وغيرها حدوة الحصان للأسباب ذاتها!
  • الحمّامات البخارية “بانيا“: كانت تُعتبر بوابة العبور من عالم الأرواح إلى العالم المادي، وتحرسها إلهة تدعى جدّة الحمّام، والتي بيدها الشفاء من الأمراض ورعاية الأمهات النفاس ومواليدهن، كما جرت العادة منذ أكثر من ألفي عام أن تلد النساء داخل هذه الحمّامات البخارية لتسهيل عملية العبور بين العوالم للأطفال حديثي الولادة!
  • جن المنزل أوعفريت المنزل أوحتى سيّد المنزل “دوموفوي Domovoi”: وهو عبارة عن روح ذكرية على هيئة مخلوق صغير(قزم) بلحية يعيش مع سكان البيت ويُعتبر سيّده، ويساعد في أعمال المنزل مُقابل أن يتم الإحسان إليه بترك كأسٍ من الحليب وقطعة خبز على الطاولة، وإسماعه كلمات الثناء والمديح والإطراء عليه، والمحافظة على نظافة المنزل، واستخدام الكلمات اللبقة بين أفراده، وإلا يحلّ عليهم غضبه، وفي حالة رضاه التام فإنه يحرس سكان منزله ويحميهم.

وحتى أيامنا هذه يعمد الناس عادةً عند الانتقال من بيت لآخر إلى جلب كاهنٍ ليبارك السكن الجديد وينقل “الدوموفوي” معهم، خاصةً إن كان ممن أحبّوا عشرته وآمنوا بأنه سببٌ في حظهم وتوفيقهم.

والجدير بالذكر أنه مشابه للقزم المرافق لحكايات بابا نويل في بلاد الغرب والذي يبدأ منذ شهر كانون الأول مشاكساته في المنزل  The elf on the shelf.

دوموفوي (المصدر: thevintagenews.com)

  • الليلة السحرية: أقصر ليلة في العام ٢١ من شهر حزيران، إذ إنّ الأعشاب والورود التي يتم قطفها في هذه الليلة لها قدرات شفائية بسبب المعتقد القديم أنّ الوردة السحرية يُبحَثُ عنها في هذه الليلة ومن يجدها يمتلكُ القدرة على فهم لغة الحيوانات والنباتات والطيور، وقراءة عقول البشر والتأليف بين قلوبهم!

ويفسّرون هذا الاعتقاد بأنّ يوم ٢١ تموز هو أطول يوم في العام، وبذلك تتعرض النباتات لأشعة الشمس بشكل أطول من أي يوم وتكتسب طاقةً مكثفة من إله الشمس.

 ختاماً لا بد من الإشارة إلى أن بعض المتخصصين وصفوا الإيمان الروسي بأنه ثنائي Dvoeverie  بسبب هذه الموروثات الوثنية المتداخلة بشدّة مع المعتقدات الكنسية.

 إن السؤال الذي يجب إثارته في نهاية المقال هو البحث في طبيعة هذه الثنائية، فهل الإيمان المسيحي الروسي والإيمان السلافي شيئان متداخلان ببعضهما، أم أن كلًّا منهما يسير بشكل موازٍ للآخر كمحاولة من الناس لمقاومة المسيحية التي فُرضت على شعبٍ ما زال يمجّد ماضيه ويتغنّى به؟

نرجئ الإجابة عن ذلك إلى المقال القادم بإذن الله.


المصادر:

https://www.culture.ru/

https://www.ancient-origins.net

http://xn—-ptblgjed.xn--p1ai

https://youtube.com/playlist?list=PLx1Hrg5Bg3xrOTtXQyed4zLsCxm9F-dfQ

قبيلة وثنية في روسيا: https://youtu.be/E1qdU1JnSpc

كونوا معَ الصّادقين

لا تأتي أهمّية القدوة من كونها النبراس الذي يضيء لنا في عتمات الضياع فحسب، بل تمتاز بأنها تعلّمنا كيف تنيرُ حياتنا بعمل القلب الحقيقيّ الذي ينعكس نوره على سلوك الجوارح.

يركن المرء إلى القصص ليستلهم منها الدروس والعِبر، فيتعلمها ثُمّ يحيلها إلى عملٍ، وربما تلهمنا قصص الناجحين كيفية الخروج من الصعوبات بأحسن مِمّا كنا عليه.

مع كعب بن مالك
لا تنطلق هذه الكلمات من قصص أحد الناجحين المُعاصرين، وإنّما يغوص بنا مئات السنين إلى الوراء حيثُ العُظماء الذين ربّاهُم خيرُ الخلق بتعاليم الوحي الإلهي العليم بالنفس البشريّة.

يروي لنا كعب بن مالك حكايته، بدءًا من مبايعته في العقبة واشتراكه في معارك النبي صلى الله عليه وسلم، وصولا إلى تخلفه عن غزوة تبوك.

وهنا نقف قليلاً، فنستحضر مشهداً لإنسانٍ مسلم قد أذنَب ذنباً في حق الله وفي حق نفسه، فنراه في تلك اللحظة يبدأُ جَلداً بهذه النفس مُتناسياً أنّها تُصيب و تُخطئ، و أنّه إن أخطأَ اليوم فقد أصابَ قبله و يستطيع أن يرجع عن ذنبه طالما أنّه حيّ، فكثيرٌ منا حينما يُذنب يبدأُ بمحاسبة نفسه حساباً غير مُنصف، مما يجعله يغرس قدميه أكثر في وحل الذنب، فالندم مطلوبٌ، وكذلك محاسبة النفس مطلوبةٌ، إلا أن جلدها وتناسي ما فعلت من خير لا يُصلحها بل قد يزيد الأمر سوءًا.

يقول كعب: “وأَقُولُ في نَفْسى: أَنا قَادِرٌ علَى ذلِكَ إِذا أَرَدْتُ، فلمْ يَزلْ يَتَمادى بي حتَّى اسْتمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأَصْبَحَ رسولُ الله ﷺ غَادياً والْمُسْلِمُونَ معَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازي شيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَم أَقْض شَيْئاً، فَلَمْ يزَلْ يَتَمادَى بِي حَتَّى أَسْرعُوا وتَفَارَط الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِل فأَدْركَهُمْ، فَيَاليْتَني فَعلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذلِكَ لي”.

ألا تشعر أيها القارئ ههنا بالصدق الشديد مع النَفس، كأنّنا نرى إنساناً يحمل همةً للذهاب إلى الغزو، ثُمّ يؤجّل، تُحدثه نفسه أن يذهب مِراراً، ثُمّ يتراجع، يصدق في نيّته، ولكنّهُ في ذات الوقت لم يشرع بالعمل وِفقاً لما نَوى.

ساعةُ الصدق
جاء المتخلفون إلى الرسول -عليه الصلاة و السلام- يعتذرون إليه، وهنا يُكمل كعباّ حديثه فيقول: “فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قدْ أَظِلَّ قَادِمَاً زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنج مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً ذَلك جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ يعْتذرُون إِليْه وَيَحْلفُون لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وثمَانين رَجُلا فَقَبِلَ منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكلَ سَرَائرَهُمْ إِلى الله تعَالى. حتَّى جئْتُ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسَّم تبَسُّم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ: تَعَالَ فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ، فقالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلا، وَلَكنَّني وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذبٍ ترْضى به عنِّي لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى الله، واللَّه ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك.

قَالَ: فقالَ رسولُ الله ﷺ: أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ”

يقف المخلّفون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون عن تخلّفهم، فيقبل علانيته ويوّكلُ سريرته إلى الله، فلا يُعاتب، فالعتابُ لم يكُن إلا من نصيب من لم يعتد الرسول هذا الأمر منه، وها هو كعبٌ يجلس بين يدي رسول الله، يرى النبي يتبسم تبسّم المُغضب له ويُعاتبه، فتضطرم نيران الندم في قلب كعب، فهو ليس كغيره مِمّن تخلفوا.

في تلك اللحظات الصعبة، بعدما رأى كعب قبول الرسول اعتذار وحُجج المُخلفين، يظهر معدنه الأصيل، وقد عهدناه صادقاً مع نفسه في بداية الحديث ومن يصدُقُ مع نفسه لابُدّ أن يصدق مع غيره، فها هو يعترف بأن لا حُجةَ له أبداً، ولأن الله أراد لقصتهِ أن تحيا، أنزلها في وحيٍ محفوظ، تُرددَ على ألسنة البشر إلى يومنا هذا.

يقول له الرسول: فقُم حتى يقضيَ اللهُ فيك، فيتبعه رجالٌ من بني سلمة يقولون له: “واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذنْبتَ ذَنْباً قبْل هذَا، لقَدْ عَجَزتَ في أنْ لا تَكُون اعتذَرْت إِلَى رَسُول الله ﷺ بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفُون فقَدْ كَانَ كافِيَكَ ذنْبكَ اسْتِغفارُ رَسُول الله ﷺ لَك. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤنِّبُوننِي حتَّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إِلى رسولِ الله ﷺ فأَكْذِب نفسْي، ثُمَّ قُلتُ لهُم: هَلْ لَقِيَ هَذا معِي مِنْ أَحدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لقِيَهُ مَعَكَ رَجُلان قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ، قَال قُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بْنُ الرَّبِيع الْعَمْرِيُّ، وهِلال ابْن أُميَّةَ الْوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدا بدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي”

حتى ضاقت عليهم الأرض
هُنا يبدأُ البلاءُ الكبير، وتتوالى الدروس واحداً تلوَ الآخَر، وتنقل إلينا مشاهدها مُستشعرين عِظمَ تربية سيدنا محمدٍ -عليه الصلاة و السلام- لنفوسِ أصحابه.

يستكمل كعب فيقول: “وَنهَى رَسُول الله ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثلاثَةُ مِن بَين من تَخَلَّف عَنهُ، قالَ: فاجْتَنبَنا النَّاس أَوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرت لِي في نَفْسي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ، فَلَبثْنَا عَلَى ذَلكَ خمْسِينَ ليْلَةً. فأَمَّا صَاحبايَ فَاستَكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنتُ أَخْرُج فَأَشهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحدٌ”

إن حصول الذنب لا يعني القعودَ عن العمل والاستغراق في الندم، لقد ضاقت الأرض بما رحبت على كعب، إلا أن ذلك لم يمنعه من شهود الصلاة مع المسلمين والطواف في الأسواق، والسعي في طلب الرزق، وإن كان يعلمُ بأنّ الله لم يقضي فيه أمراً بعد، إلا أنه مدركٌ أن لابُدّ من القيام، بل إن حُبّه يُظهرُ لرسول الله نَدمه، ويصف لنا هذا في بقوله:

“وآتِي رسولَ الله ﷺ فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسِي: هَل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِّ السَّلامِ أَم لاَ؟ ثُمَّ أُصلِّي قَريباً مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتى إِذا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ الْمُسْلمينَ مشَيْت حَتَّى تَسوَّرْت جدارَ حَائط أبي قَتَادَةَ وَهُوَا ابْن عَمِّي وأَحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فَو اللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قتادَة أَنْشُدكَ باللَّه هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ الله وَرَسُولَه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فَسَكَتَ، فَعُدت فَنَاشَدتُه فَسكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ”

وبينما هو كذلك يُبتلى بابتلاءٍ جديد فيطلبهُ نبطيٌّ من نبط أهل الشام فيدفع له كتاباً من ملكِ غسان يقول فيه: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك، فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا “

يظهر أمثال هذا الملك في لحظات ضعفنا، يعرِضُ علينا مالاً أو منصباً أو فِردوساً أرضياً يدّعيه و يُغرينا به في صورٍ كثيرة، فيأتي من منافذ وأبواب قد لا نتخيلُها، إلا أنه حتماً بلاء وامتحان، فإن كانَ القلبُ فارغاً سقطَ في الاختبار، و إن كان قلباً مُمتلئاً بمحبة الله و صادقاً اجتاز البلاءَ بقوّةٍ كما فعل كعب.

يؤمر المخلّفون الثلاثة باعتزال نسائهم، ومع اشتدادِ الأمرِ عليهم تضيق الأرضُ أكثر فأكثر، ويوقنون أن لا ملجأ من الله إلا إليه مع كُلِ بلاءٍ يُصيبهم، وتكملُ الليالي الخمسون و هم في حالهم هذا، يظهرُ النورُ فجأةً.

أبشِر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك
يقول كعب: “ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صباحَ خمْسينَ لَيْلَةً عَلَى ظهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الْحال الَّتي ذكَر اللَّهُ تعالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فخرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ رسولُ الله ﷺ النَّاس بِتوْبَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِين صَلَّى صَلاة الْفجْرِ”

يُكمل كعب حديثه عن مشهد التوبة و القارئُ للحديث يفرحُ لفرحه و كأنّهُ بين الناسِ يُهنئ كعباً، و كأنّهُ في مجتمع الصحابة يفرح لما يستحقُ الفرحَ حقاً “وانْطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونني بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُون لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللهِ رضي الله عنه يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وهَنَّأَنِي، واللَّه مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَان كَعْبٌ لاَ يَنْساهَا لِطَلحَة”

لنقف عند هذه الجملة: “وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة”، ففي مثل هذه المواقف أيضاً تظهرُ محبةُ الناس للشخص بأبسط الأفعال وقد يُفاجَأ الإنسان بوقوفِ أشخاصٍ معه يفرحون لفرحه و يُؤازرونه، فكأنّ طلحة كان يشعر بما شعر به كعب و كان يعدُّ الأيّام عدًّا معه، فمُصافحة طلحة لكعب قد تكون عملاً بسيطاً، إلّا أنّه ينبئ عن حُبٍ يكنه المسلم لأخيه، فكعبٌ لم ينسَ الموقف هذا، بل هو يتذكره و يرويه لنا واصفاً تأثيره فيه.

أمّا المشهد الأهم، فهو الذي كان كبعث الحياة في قلب شخص، وذلك حين تأكد كعب أنّ بشارته قد جاءت من الله:

“فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: وَهوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور “أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ ولَدَتْكَ أُمُّكَ” فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول اللَّهِ أَم مِنْ عِنْد الله؟ قَالَ: لاَ بَلْ مِنْ عِنْد الله، وكانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر، وكُنَّا نعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ”

وهنا، لا شيء يُقالُ أمامَ هذا المشهد العظيم.

وينتهي الحديث بقوله: “يَا رَسُولَ الله إِن الله تَعَالىَ إِنَّما أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وَإِنْ مِنْ تَوْبَتي أَن لا أُحدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً ما بَقِيتُ، فو الله مَا علِمْتُ أَحَداً مِنَ المسلمِين أَبْلاْهُ اللَّهُ تَعَالَى في صدْق الْحَديث مُنذُ ذَكَرْتُ ذَلكَ لرِسُولِ الله ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهِ مَا تَعمّدْت كِذْبَةً مُنْذُ قُلْت ذَلِكَ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفظني اللَّهُ تَعَالى فِيمَا بَقِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ حَتَّى بَلَغَ: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ حَتَّى بَلَغَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:117-119]

يا لعظم العمل القلبيّ الذي نزلت لأجله آياتٌ من الله، فالقصة بدأت بتخلّف كعب عن غزوة تبوك وانتهت برفعه إلى درجة الصادقين في آياتٍ تُتلى في قُرآنٍ قد تكفلَ اللهُ بحفظه تشهدُ على صدق هذا الصحابيّ، آياتٌ وأحاديثَ عظيمة نستلهم منها النجاح والفلاح الذي يبدأ في الدنيا ويستمر للدار الآخرة.

هذا الصدق يبدأ بأن نكون صادقين مع أنفسنا، مُنصفين بالتعامل معها، مدركين ضعفنا وبأنّ الضعف الذي نواريه ونخجل منه هو من يرفعنا إن فهمناه وأحسنّا التعامل معه، وأن نكونَ صادقين مع غيرنا وإن ظننا لوهلةٍ أنّ الكذب يُنجي وتوفرت أمامنا سُبُل الكذب، ونتعلم أنّ البلاء قد يدل على محبة الله لعبده فحاشاه تعالى أن يُعذّب عباده، إنّما يبتليهم ليُمحصهُم ويُطهر قلوبهم و يُخرجَ أفضل ما فيهم.

فلنلجأ لمداواة نفوسنا بالوحي.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } يونس.

تغييب العقول تحت دعوى العلم أو التسلية والفضول

عناوين برّاقة تغوي ضعاف العقول والنّفوس..

هل تريد أن تعرف ماذا يختبئ خلف الجدار؟ أو هل تريد أن يخبرك أحدهم بكم ستتعثّر من أحجار؟

هل تريد أن يحددوا لك مزاجك حسب الشهور، هل ستكون سعيداً أم ستخيّم على سماء روحك الأكدار؟!

تلك معادلة التغييب التي يعتمدها التنجيم، بأن تحمل العقل وتضعه كهديّة في جعبة من يطلقون كلاماً من الشرق والغرب غير مترابط، ويدّعون بوجود علم قائم بذاته، فكيف يقوم علمٌ على مبدأ وهميّ هابط؟!

ذاك شيء له فورة ببداية كلّ سنة يخرج الرجل منهم أو المرأة يبدآن بإطلاق توقّعات مستقبلية، بتسخيرٍ من محطات مقروءة أو مسموعة أو مرئية.

والنّاس للأمانة نائمون، مع العلم أنّ القلم رُفع عن نائمي الجسد لا نائمي العقول، فتراهم يتابعون ذاك الهراء بين إيمان أو تسلية أو فضول.

وقائل منهم يقول: لمَ تحمّلها يا أخي، هكذا يسير التيار ونحن مع التيار نسير.

وسائل يسأل ولمَ يحكمنا التيار ولا نصنعه؟ ولمَ كلّما صفع العدوُّ لنا مبدأ قدمنا له على طبق من ذهب مبدأ آخر ليصفعه!

الفرق بين علم الفلك والتنجيم:
علم الفلك علم يدرس الأجرام السماوية كالكواكب والنجوم والنيازك وكلّ الظواهر الموجودة خارج الكرة الأرضيّة، بينما التنجيم هو دراسة تأثير الأجرام السماوية على حياة الإنسان ويتنبأ استناداً لها.

وقد أورد ابن القيّم في كتابه الذي حمل عنوان مفتاح دار السعادة، الحجج التجريبية في علم التنجيم من أجل رفض الممارسة القضائية لعلم التنجيم الأقرب إلى العرافة، لقد أدرك أن النجوم أكبر بكثير من الكواكب وبالتالي فقد جادل قائلًا:

“وإذا أجبتم كمنجمين أنه بسبب هذه المسافة والصغر بالتحديد، فإن تأثيرهم لا يذكر، فلما تدعي تأثيرًا كبيرًا على أصغر جسم سماوي، عطارد؟ لماذا امتلكت تأثيرًا على الرأس والذيل وهما نقطتان وهميتان (العقد الصاعدة والهابطة)؟”.

اعتبر ابن القيّم مجرة درب التبانة أنها “عدد لا يحصى من النجوم الصغيرة المتجمعة في مجال النجوم الثابتة”، وبالتالي فقد جادل بأنه “من المستحيل بالتأكيد معرفة تأثيراتها”.

صيغة عامّة تُلقى على الأسماع لتمرير الوهم والخداع:
انتشرت الصّفحات التي تبحث في الأبراج اليوميّة والطوالع الشهريّة بين هزل وجدّ، وانهال عليها المتابعون بين مؤمن وفضوليّ وطالب للتسلية ناسياً أنّ لكلّ شيء في الشريعة حدّ.

رغم أنّنا إن صادفنا أحد المنجّمين رأيناهم يطلقون ألفاظاً عامّة ليمرّروا للعقول ما تهواه الأنفس، كأن يقولوا لأحدهم ينتظرك إنجاز عظيم، فإن تخرّج من جامعته أو نجح في عمله أو تزوّج أو وهبه الله أولاداً رأيته يعزو كلّ ما يصيبه لذلك التوقّع الذي سمعه منهم، ويبدأ يرتّب حياته بشكل مقصود أو غير مقصود على ما ينطقه أولئك المنجمون، وبشكل أو بآخر سيصبح من المؤمنين بما يصدر عنهم، تنفرج أساريره بتبشيرهم له بالمراد، وتتكدّر روحه بمجرّد توقّعاتهم له بعكس ما أراد.

وتجد آخراً يقلّب محطات التلفزة أو وسائل التواصل في نهاية كلّ سنة، وبداعي الفضول أو التسلية يستمع لما يقوله هؤلاء المنجمون من توقّعات على جميع المستويات، وتلك أدهى السموم إذ أنّ القائمين على هذه المحطّات يعرضون ما يؤيّد صحة ما قاله هذا المنجّم في سنة ماضية أنّه حدث على أرض الواقع، ولو أمعن أحدنا النظر ولو قليلاً لأبصر عمومية الإطلاق في التوقّع ولا يخفى على ذي عقل ما يحرّك هؤلاء من دوافع.

موقف الشّرع من التنجيم:
المشكلة قطعاً لا تكمن في علم الفلك بحدّ ذاتها وإنّما تكمن في خلط هذا العلم بعلم التنجيم وربط النجوم بالكهانة والتنبؤ بالغيب وهذا هو المحرّم قطعاً لأنّه لا يوافق صريح القرآن الكريم إذ لم يرد في القرآن الكريم ولا في السّنّة النبوية الشريفة أنّ للنجوم علاقة بالغيب.

قد يقول قائل ولكنّ النجوم ذُكرت في القرآن الكريم بشكلٍ كبير ولكن هناك مفصليّة يجب الانتباه لها وهو أننا عندما نبحث عن ذكر النجوم والكواكب في القرآن الكريم نجده ورد على ثلاثة أوجه:

الوجه الأوّل: أنّها زينة للسماء، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}   [الصّافات: 6]

الوجه الثّاني: أنّها علامات يُهتدى بها وبوصلة للمسافرين أثناء سفرهم ورحلاتهم، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}   [النّحل: 16]

الوجه الثالث: أنّها أداةٌ من أدوات حفظ السماء من مردة الشياطين، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ۝ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ۝ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ۝ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ۝ إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [سورة الصافات:6-10].

بكلّ ما سبق من آيات كريمة نجد أنّ النجوم لا علاقة لها بعلم الغيب، إذ إنّه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَدًا إلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}   [الجن:26-27]

قال القرطبي رحمه الله في تفسير آيتي الجن السابقتين: ” قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير، ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله، مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه”

وورد عن سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديثاً يشخّص هذا الحال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصَدَّقَه بما يقولُ، فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)  [المحدّث: الذهبي بإسناد صحيح]

منهج النبيّ والصحابة الكرام في الردّ على التنجيم وما يتّصل به:
وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عندما توفّي إبراهيم ابن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من السيّدة مارية القبطية وهو ابن ثمانيةَ عشر شهراً قال النّاس أنّ الشمس كُسفت لموته فنهاهم الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك وبيّن لهم الصّواب وكعادته عليه أفضل الصّلاة والسّلام يصنع من كلّ موقف منبراً للتعليم والدعوة والإيضاح.

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كَسَفَتِ الشَّمْسُ علَى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ، فَقالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وادْعُوا اللَّهَ.)  [صحيح البخاري]

عليّ كرّم الله وجهه ورحلته إلى أهل النهروان: “قال  مسافر بن عوف لعليّ كرّم الله وجهه حين انصرف من الأنبار إلى أهل النهروان: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار؛ فقال له علي رضي الله عنه: ولِمَ؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وأصبت ما طلبت؛ فقال عليّ رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا لنا من بعده ـ في كلام طويل يحتج فيه بآيات من التنزيل ـ فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نداً، أو ضداً؛ اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك؛ ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان؛ ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم.

ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجم؛ ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا من بعده؛ فتح الله علينا بلاد كسرى، وقيصر، وسائر البلدان؛ ثم قال: أيها الناس! توكلوا على الله، وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه”. [الكنز ج5 ص 235]

في النهاية جاء في تفسير القرطبي عن بعض العلماء ردّ لطيف وحجّة مقنعة لمن يعتقد بالتنجيم

” قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَلَيْتَ شِعْرِي مَا يَقُولُ الْمُنَجِّمَ فِي سَفِينَةٍ رَكِبَ فِيهَا أَلْفُ إِنْسَانٍ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، وَتَبَايُنِ رُتَبِهِمْ، فِيهِمُ الْمَلِكُ وَالسُّوقَةُ، وَالْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، مَعَ اخْتِلَافِ طَوَالِعِهِمْ، وَتَبَايُنِ مَوَالِيدِهِمْ، وَدَرَجَاتِ نُجُومِهِمْ، فَعَمَّهُمْ حُكْمُ الْغَرَقِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ الْمُنَجِّمُ قَبَّحَهُ اللَّهُ: إِنَّمَا أَغْرَقَهُمُ الطَّالِعُ الَّذِي رَكِبُوا فِيهِ، فَيَكُونُ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الطَّالِعَ أَبْطَلَ أَحْكَامَ تِلْكَ الطَّوَالِعِ كُلِّهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا عِنْدَ وِلَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَمَا يَقْتَضِيهِ طَالِعُهُ الْمَخْصُوصُ بِهِ، فَلَا فَائِدَةَ أَبَدًا فِي عَمَلِ الْمَوَالِيدِ، وَلَا دِلَالَةَ فِيهَا عَلَى شَقِيٍّ وَلَا سَعِيدٍ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُعَانَدَةُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. وَفِيهِ اسْتِحْلَالُ دَمِهِ عَلَى هَذَا التَّنْجِيمِ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ حَيْثُ قَالَ:

حَكَمَ الْمُنَجِّمُ أَنَّ طَالِعَ مَوْلِدِي … يَقْضِي عَلَيَّ بِمِيتَةِ الْغَرَقِ

قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صُبْحَةَ الطُّوفَانِ هَلْ … وُلِدَ الْجَمِيعُ بِكَوْكَبِ الْغَرَقِ”

تجربة مع الموت: وصايا وعبر ( 2 )

تكلّمت في مقالي السابق عن حالتي الشعورية وأنا في لحظات من العمرِ ظننتُ أنها الأخيرة، وأنّي مقبلٌ فيها على الله عز وجل، وراحلٌ بين لحظة وأخرى عن هذه الحياة الدنيا.

نسيتُ السواك
في تلك اللحظات، كان هناك أمرٌ أخذتُ أبحث عنه، ووجدتني قد نسيتُه، بحثتُ عنه في جيوبي، وفي كل مكان حولي، ولم أجده، إنه السواك، كيف نسيت السواك؟ هل سأموت بدون سواك؟!

وأخذَت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ترتسم أمامي في لحظاته الأخيرة، وهو يتأمل في أمّنا عائشة رضي الله، وهي تُمسكُ السواك فيشتاقُ إليه صلى الله عليه وسلم، وتقول: وكان يحبه: فَلَيَّنَتْه له رضي الله عنها بريقها، وأَعَطَتْه إياه، فاستاك به صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: الرفيق الأعلى، وعَبَّرَتْ أمّنا عائشة رضي الله عن سعادتها وسرورها عند ذلك بقولها: اجتمع ريقي وريقه صلى الله عليه وسلم عند الموت ([1]) .

نعم أخذتُ أبحث عن السواك لأودعَ هذه الحياة كما ودَّعَها نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا صلى الله عليه وسلم في لحظاته الأخيرة، ولعلّنا نظن أنّ السواك مجرد عود نستاك به للنظافة، وكثيرٌ منا لا يهتم به، ويتساهل فيه، ولا يوليه الأهمية المطلوبة، وننسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لولا أن أَشقَّ على أُمَّتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة ))([2]) وقال : ((السواك مَطْهرَةٌ للفم [أي نظافة ]، مَرضاةٌ للربِّ[ أي عبودية لله] (( ([3]) ،  فما سِرُّ هذا الاهتمام العجيب به من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم في أعزّ اللحظات، إنها لحظات الوداع النهائيّ لهذه الحياة؟! .

لقد تأمّلت في ذلك فوجدت أن السواك يربط بين قنطرتين هما الدنيا والآخرة، فالإنسان حين يقترب من لحظات الموت تخطر في باله الدنيا بحليتها وجمالها، يفكّر بزوجته وأولاده ومشاريعه وأولاده وأمواله ومتعه، وتجول بخاطره الدنيا بكل زينتها، ويجد في نفسه ألمًا للفراق، ورغبة في البقاء، ويتمنى لو أنه يبقى ويعيش ليُكملَ ما لديه من مشاريع ومن أحلام، كل هذه الذكريات تخطر في شريط سريع يختصر مسيرة حياة طويلة، وربما تكون حافلة، وما أسرع مرور الشريط في هذه اللحظات.

فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يُعلمُنا أمرًا مهما هنا، أو يُذَكِّرنا بقوله تعالى:﴿ تلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ القصص: 83 ]  والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمَنا كيف نهتم بالحياة الدنيا، حين نكون فيها، وعَلَّمنا كيف نُتقِنُ أعمالنا، سواء الدنيوية منها أم الأخرويّة، واهتم صلى الله عليه وسلم بصحابته وحياتهم ودنياهم، وعلَّمنا أن نعطي الدنيا حقّها ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾، لكن أيها الإنسان: الآن أنت في إقبال على الله، على الآخرة، الآن أنت في مرحلة وداع للدنيا، وإقبال على الآخرة، اضرب بها عرض الحائط، الآن أقبلْ على الله، واترك الدنيا بما فيها، فإنما هي مرحلة مؤقتة كنتَ فيها، هي ليستْ وطَنَكَ، ولا دارَكَ، استعدَّ الآن للقاء الرفيق الأعلى، ومرحلة جديدة من الحياة والوطن …

أنت الآن بين مرحلتين: مرحلة أرضية، تحتانية، سفلية، دنيوية، هذه المرحلة تَشُدُّكَ إليها بشهواتها ومتعتها وأحلامها، وبين مرحلة سماوية علوية ربانية، أنت في طور الانتقال إليها فلا تتنازل وتُدنِّس نفسك وروحك، أنت الآن في مرحلة جديدة عظيمة: مرحلة:   ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [ البقرة: 156 ]  في مرحلة: ﴿ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ﴾ [ العلق: 8 ]، في مرحلة:  ﴿ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ ﴾ [ النجم: 42 ] .

أجل رأيت أن السواك يختصر كل هذه المعاني، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتلع في هذه المرحلة الحاسمة أي حنين أو تعلّق لقلوبنا بالدنيا في هذه اللحظات الفاصلة، ويوجّه قلوبنا إلى الله ((الرفيق الأعلى.. الرفيق الأعلى)).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كأنه يقول لنا صلى الله عليه: دعك ممّا مضى، تلك حياة انتهت، ومرحلة ولّت، عليك بما هو قادم، تعلّق بخالقك وربّك، وتهيّأ للقائه سبحانه وتعالى.

كُتبت هذه الخاطرة فجرَ 5/12/2020، في مشفى كلس التركيّة.


([1])   المعجم الكبير للطبراني (23/ 31)78 – عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قُبِضَ فِي بَيْتِي، وَيَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي» ، وَإِنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ: نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ لَهُ، ثُمَّ نَاوَلْتُهُ، فَأَمَرَّهُ عَلَى ثَغْرِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ – أَوْ قَالَتْ: – عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهَا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ» ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

([2])   صحيح البخاري (2/ 4)887 – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ» .

([3])   صحيح البخاري (3/ 31) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .