image_print

فلسطين .. شجرة الزيتون في مواجهة حائط الإسمنت

بحكم موقعها الجغرافي أضحت فلسطين محط اهتمام العالم منذ القديم، إلا أن فكرة توطين اليهود فيها لم تكن قد ظهرت على مستوى القيادات والحكومات إلا عند الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت الذي وجّه نداء كل يهود آسيا وإفريقيا للعودة لفلسطين تحت رعاية فرنسا، طبعا مع ضمان مصالحها في المنطقة، والتي تتمثل في قطع الطريق المؤدية إلى الهند أمام بريطانيا. [المسيري، الصهيونية والحضارة الغربية، ص: 121].

إسرائيل .. الحاجةُ الوظيفيّة!

كان وصول نابيلون لمصر وبداية تدهور الإمبراطورية العثمانية سبب كافيًا لتبلور فكرة التحكّم في فلسطين، وكذا سببًا وجيهًا في تطوّر أيديولوجية “الصهيونية” وتصاعدها، خاصة مع التهديد الذي مثله كل من محمد علي باشا وابنه إبراهيم [إميل توما، جذور القضية الفلسطينية، ص: 11].

في بريطانيا باتت الصهيونية حاجة ملحة ومصيرية ضمان لمستقبل التاج، والأمثلة التي يمكن أن نوردها في هذا الصدد كثيرة -لربما لكثرتها تحتاج مقالًا كاملًا-، إلا أننا سنكتفي بما صرح به سنة 1876 “شافتسري” وزير الخارجية  وأحد أهم رجالات بريطانيا في القرن التاسع عشر، حيث يقول: ” إنها لضربة لإنكلترا إذا ما استولى أيٌّ من منافسيها على سورية، ألا تستدعي السياسة إذن أن تنمّي إنكلترا، وهي دولة تجارية بحرية عظمى، قومية اليهود وأن يرجع  إليها  فضل استيطان اليهود في فلسطين” [إميل توما، المرجع السابق، ص: 12-13].

سيتحقق الحلم البريطاني كما نعلم في الاستحواذ على فلسطين بعد ما يعرف تاريخيًّا بـ “معاهدة سايكس-بيكو ” عام 1916، وسيتحقق حلم الصهيونية في فلسطين بعد عام واحد فقط أي بعد وعد بلفور الشهير.

وعد بلفور

بداية من فرنسا مرورا ببريطانيا، وانتهاء بالولايات المتحدة الأمريكية التي “يشعر معظم المرشحين لأي منصب عن طريق الانتخابات في الولايات المتحدة بأنه من الضروري لهم إعلان التأييد المطلق لإسرائيل من أجل انتخابهم واستمرار الدولة اليهودية، ويمثل التأييد الأمريكي لإسرائيل ضرورة لاستمرار الدولة اليهودية” [إدوارد سعيد وكريستوفر هيتشينز، إلقاء اللوم على الضحايا، ص: 5].

هذا الإسهاب يسهل على ما أعتقد الإجابة عن سؤال “لماذا إسرائيل؟ ولماذا فلسطين؟”، فالإجابة واضحة للغاية ولا تحتاج منا لذكاء خارق ولا لبحث مضن، فإسرائيل ليست أكثر من شركة أو عقدة مقاولات أنشأتها القوى الرأسمالية في فلسطين، لأهداف سياسية-اقتصادية، وجيو-استراتيجية محضة.

وهنا نميز بين الإطلاق على عموم اليهود والصهاينة، إذ هناك طوائف من اليهود ضد إسرائيل ومع فلسطين، وهذا يؤكد لنا أيضًا أن إسرائيل جماعة وظيفية كأي جماعة وظيفية أخرى، إلا أن هذا يجب ألّا ينسينا الأهداف الدينية التي تدفع بالأمريكيين إلى دعم الوجود اليهودي في فلسطين، وذلك يعود لإيمان المسيحيين بعودة المسيح المخلص بشرط قيام الدولة اليهودية وتخريب فلسطين؛ والغريب أن النبوءة المسيحية تتحدث بعد ذلك عن تقتيل لليهود على يد المسيحيين والذي حدث جزء منه في بلاد الأندلس مع محاكم التفتيش.

أسطورة أرض الميعاد

ليس وجود هذه الدولة على أرض فلسطين يعني أنها أرض لليهود، ولا أدل على ذلك من أن الوجود اليهودي في نيويورك مثلًا يعادل حجم الوجود اليهودي في فلسطين، فلم يكن للهجرة  إلى فلسطين سوى النصيب الضئيل من الهجرة اليهودية، فـبلد مثل كندا “كان يضم 150 ألف يهودي في عام 1930 بينما كانت فلسطين لا تضم سوى 170 ألفا، ولكن التحدي الأكبر لأرض الميعاد كان يأتي من البلد الذهبي أي الولايات المتحدة الأمريكية، ففي الفترة التي نشير إليها، هاجر إلى الولايات المتحدة ما بين 1890- إلى 2080 يهوديًّا، مقابل ما بين 378- إلى 965 هاجروا إلى أرض فلسطين” [اليهود أنثروبولوجيا، جمال حمدان، ص: 242].

بالطبع فإن من لم يسعفهم الحظ في الهجرة إلى الدول الغربية لأسباب تتعلق غالبا بالوضعية الاجتماعية وجدوا أنفسهم مكرهين على الهجرة نحو فلسطين، بل في أحيان كثيرة مرغمين على الهجرة نحو فلسطين تحت تهديد المافيا الصهيونية؛ ولا أدل على ذلك ما حاولت الفيلسوفة الألمانية اليهودية “حنة آرنت” شرحه في كتابها “تفاهة الشر”، حيث يعتبر هذا الكتاب مساهمة جدية من الراحلة في مسلسل فضح الصهيونية العالمية وكشفًا لحقيقة تغيب عن المثقفين قبل العامة؛ وتأكيد على حقيقة أن اليهود لم يبادوا على يد “الحزب النازي” فقط، وإنما بمساعدة الصهيونية العالمية أيضًا.

آنذاك قوبل هذا الكلام بمعارضة شديدة إلى الحدّ الذي هدد حياة الكاتبة، وحتى اليوم -رغم أن البعض يعتبرها أحد أهم مفكري القرن العشرين- فإن كتاباتها لا تلقى الترحاب لدى الكيان الصهيوني باعتبارها عدوة للصهيونية، وهذا ليس لحديثها عن تفاهة الشر بل كما أوضحنا عن دور الصهيونية في موت آلاف اليهود.

آلة الترهيب والخوف!

تقول حنة: “لقد وقع خلال هذه السنوات الأولى، إبرام اتفاقية مرضية جدًّا بين السلطات النازية والوكالة اليهودية لفلسطين “هآفره”، وفي نفس الوقت دخل مبعوثون من فلسطين في اتصال مع الغستابو والإس. إس، من تلقاء أنفسهم، ووجد اليهود أنفسهم في قبضة عدوين: السلطات النازية والسلطات اليهودية” [ينظر: حنة آرنت، تفاهة الشر، ص100-102.]

حنة آرنت

ولا شك أن اليهود تعرضوا للتقتيل على يد النازيين، وأنهم وجدوا أنفسهم منبوذين في القارة التي عملوا بجد لإشعاعها، فلا أحد ينكر مساهمتهم في بناء التفوق الأوربي، وخاصة في مجال الفكر والعلوم، فلا يمكن تجاوز كون شارح ابن رشد يهوديًّا “موسى بن ميمون”، إلا أن هذا كله لا يبرر اقتلاع الغير من أرضه واحتلالها، ولا يسوّغ تعذيب الفلسطينيين وتقتيلهم وارتكاب جرائم يندى لها الجبين في حق الإنسانية جمعاء. لا عمل -مهما كانت بشاعته- يبرر الأعمال الصهيونية في فلسطين.

يجب أن نعلم أن الوجود الصهيوني في فلسطين مؤسَّس من اليوم الأول على الخوف، فلا نتصوّر مهما حاول الإعلام أن اليهودي الصهيوني يعيش في مسرات لا ينغص حياته شيء، بل “إن التهديد الأكبر لرفاه وأمن الإسرائيليين، ليس إيران ولا سورية، إنه دولة إسرائيل ذاتها. بعيدًا عن سلوك إسرائيل العدواني والمولع بالحرب، فإن احتلالها لفلسطين لا يجعل حيوات الناس الذين يعيشون تحت هذا النظام مستحيلة فحسب، بل غير قابلة للاستدامة أيضاً” [جياني فاتيمو ومايكل ماردر، تفكيك الصهيونية، ص: 21]

ومن ثمّ، فإنه يجب على اليهودي الذي يعيش في فلسطين أن يدرك حياته على أرض فلسطين عذاب دنيوي مستمر، وأن وجوده فوق هذه الأرض الفلسطينية مسألة وقت فقط، فهما طال الزمن ستعود الأرض لأهلها، هكذا علمتنا دورس التاريخ.

فلسطين .. شجرة الزيتون في مواجهة حائط الإسمنت

أردت أن أشبه الاحتلال الصهيوني بالحائط الإسمنتي، وأحببت أن أرسم في الأذهان الوجود الفلسطيني كشجرة زيتون، لما تمثله الشجرة في ذهنية الشعوب عامة ولما تمثله لشعوب البحر الأبيض المتوسط خاصة، ولما يتماثل في ذهني -ربما في ذهن الجميع- عند تصوري لحائطِ إسمنت.

شامخة هي شجرة الزيتون، فناهيك عن أن ذاكرتها قوية للغاية فهي شاهدة على تاريخ تليد؛ ومن المعروف أن شجر الزيتون معمر، ففي بيت لحم تعيش شجرة زيتون يقدر عمرها بخمسة آلاف سنة -ويمكنك بضغطة زر أن تتأكد من ذلك-، ولطالما حضرت شجرة الزيتون جمعات العائلة الصباحية والمسائية، وعلى طول الساحل المتوسط يعد زيت الزيتون مكوّنًا أساسيًّا في نظامه الغذائي، وكم هي المرات التي اضطررننا لقطع الفطور صباحاً إثر نضوب غير متوقع لزجاجة زيت الزيتون أو لتعبئة المزيد من الزيتون الأسود اللذيذ.

تتمثل الشجرة في مخيلاتنا الأصل والبقاء، ويقف الحائط الإسمنتي على الضد من ذلك فهو كالضيف الثقيل على القلب، أو كجارٍ مؤذٍ، أو كمسخ يشوّه اللوحة الزيتية بلعابه المقزز، وفي مدرستي الإعدادية، كنت أحبذ الحلوس قرب النافذة التي تطل على جبال غرغيز، كان هذا في العام الأول، فما جاء العام الثاني حتى وجدتنا لا ننظر إلا لحائط الإسمنت. من يومها وأنا أبغض حائط الإسمنت.

لقد كان ذلك بسبب بناء السكن المجاور للمؤسسة، فقد احتاجوا لاقتلاع الأشجار المجاورة، وغيروا معالم المكان فلا تكاد تعرفه، وهكذا تريد أن تفعل الصهيونية بفلسطين، تريد أن تبني حائطها الإسمنتي الباهت على جذور شجرة الزيتون، وتسعى لصناعة تاريخها الخاص بمحو التاريخ الفلسطيني، وتغطية الجمال والبهاء الفلسطيني بإسمنتها المصمَت المستورد.

ماذا تفعل إسرائيل؟، إنها تقتل العصافير لإحلال صافرات الإنذار مكانها، تقتلع الدور لتبني المستوطنات السرطانية، تقوم بطرد العائلات الفلسطينية ونقل المستوطنين اليهود، في “آب/أغسطس 2009، بعد فرض الحصار على جزء من حي الشيخ جراح العربي في القدس الشرقية، طردت الشرطة الإسرائيلية عائلتين فلسطينيين مكونة من أكثر من 50 شخصًا من منازلهم وسمحت لمستوطنين يهود بالانتقال فورا إلى المنزلين الفارغين.” [سلافوي جيجك، مقال ضمن كتاب: تفيك الصهيونية، ص: 32].

هدف دولة إسرائيل ليس السلام كما يحاول الإسرائيليون والإسرائيليون الجدد –المطبّعون العرب- إفهامنا، إنما وضع الفلسطينيين أمام الأمر الواقع، ففي الوقت التي تدخل في مفاوضات مع الفلسطينيين ويقدّم “حل الدولتين” أحيانًا أمامهم، فإن جرافاتها تعمل على هدم منازل الفلسطينيين في مناطق متعددة، ولعلّ الأنكى من ذلك هو إجبار الفلسطيني على هدم منزله بيديه. فهل يتصور أي إنسان بشاعة كهذه؟

في الوقت الذي تورد أخبار عن اجتماع لرؤساء الدول مع المسؤولين الإسرائيليين لتباحث السلام، تبنى مستوطنات جديدة على أراضي الضفة الغربية، ويطرد الفلسطينيون من أراضيهم أو يجبرون بكل الطرق الوحشية على بيعها، وفي هذا الوقت التي يكتَب فيه المقال يقتَل فلسطيني؛ وتغتصب فلسطينية؛ وفي الوقت الذي ستقرأ في المقال لن يتوقف الأمر بل سيزداد بشاعة، وهكذا دواليك إلى ما لانهاية.

ماذا لو أردت أن أعدد جرائم الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين وفي حق الإنسانية، كم من الوقت سنستغرق؟ وكم من الحبر سنحتاج؟ لا أحد بإمكانه أن يحدد هذا، لأن جرائم هذا الكيان الطفيلي لا تتوقف ولا يمكن للعقل البشري استيعاب عددها وبشاعتها، وسأختم المقال بهذا المثال الذي يأتيكم برعاية المنطق الصهيوني: ففي”28 تشرين الأول/أكتوبر، حكمت المحكمة الإسرائيلية العليا بأنه يمكن لمركز “سايمون فيزنتال” أن يبني مركز الكرامة الإنسانية المخطط له منذ زمن طويل، ليكون ‘متحف التسامح’ ومهمة المتحف المعلنة ستكون إعلاء القيم الحضارية وثقافة احترام الآخرين، والعائق الوحيد الذي يتخطاه قرار المحكمة العليا أن موقع المتحف كان مقبرة المسلمين الرئيسية في القدس حتى عام 1948!” [جياني فاتيمو ومايكل ماردر، تفكيك الصهيونية، ص: 34]، فماذا يمكن القول بعد هذه الصفاقة؟

لماذا لا تفسّر نظريات الإلحاد وجود الكون؟

إن تفسيرات نشأة الحياة لا تصنّف في فلسفة العلم أو لدى علماء التطبيقيّات علمًا رصديًّا تجريبيًّا science ، بل من الأحرى ألّا تكتب في كتبه، حيث إن مكانها في كتب الخيال العلمي لا كتب البحث العلمي، حيث إن العلم يمر بمراحل كثيرة، تتلخص في الرصد واللاحظة، وإبداء الافتراض والتفسير، ثم تجربة الافتراض، ومحاولة هدم نتائج التجربة وإثبات خطأ نتائجها، وباجتياز كل هذه الخطوات تصبح المسألة حقيقة علمية.

هنا نلاحظ كيف أن مسائل الماضي البعيد التي يفترضها المتنطّعون لم ترتقِ في الأصل إلى المرحلة الأولى، حيث إنها لا تخضع للرصد والملاحظة، فلم يشاهد أحد نشأة الكون ولم ترصَد بداية الحياة، وكل تلك التفسيرات الإلحادية خيال علمي لا يرتقي للبحث العلمي، فهي pseudoscience  وليست science.

الخداع الأكبر .. التهويل بالمصطلحات

هنا يكمن الخداع الأكبر للعالم، فالمشكلة أنهم يستخدمون مصطلحات علمية فيما ليس علميًّا، ولا يخضع للمنهج العلمي، فيتوهم العامة أنه علمٌ راسخٌ وهو ليس كذلك، بل خيال علمي! ولشدة التشابه بين الخيال العلمي والبحث العلمي، يلتبس على المليارات حول العالم الأمر!

فالمشكلة أنهم ينجحون في خداع العامة بالتلاعب بالألفاظ هذا فينخدع غير المتخصص ويُتلاعَب بعقولهم، فلو قلت لك: إن الكربون اتحد مع الهيدروجين لينتج زيتًا مركّبًا من آلاف الذرات، وهذا الزيت صالح للطبخ، ولو جئتُ لك بعالم مرتشٍ واثق بذاته، أو أخرجت لك فيلمًا وثائقيًّا متقن الصنع لتأكيد كلامي حول هذا الزيت المزعوم لصدقتني، لأن الكلام يقدّم وكأنه محاضرة علمية، أو لأنني خريج في الجامعة الفلانية، أو ربما لأني استخدمت كلمتي كربون وهيدروجين، حيث يُعتاد أن هذه المصطلحات تقال في دروس الكيمياء، فنتوهّم أنها علم صحيح إلا أن التنسيق بينها في جملتي تلك ما هو إلا خيال علمي!

فالعلم يبنى على الأبحاث لا على الادعاء بلا دليل، واستخدام مصطلحات العلم في العلم الزائف ما هو إلا تضليل لملايين الناس من غير المختصين، وإلا فلننظر إلى علماء لا ينتقدون ذلك المحتوى بأي دافع ديني أو منظور ديني مثل العالم الأمريكي جيمس تور في كتابه The mystery of life’s origin  المنشور في عام 2020م وكيف نسف ادعاءات التطوريين حول نشأة الخلية الأولى، وكيف أن عليهم التحسّر على المليارات المهدَرة في الترويج لتلك الادعاءات، وأنهم بحاجة إلى تأليف سيناريوهات متجددة كلما فضح المتخصصون في علوم الكيمياء تزويرهم لوعي العامة.

ديكتاتورية التنميط والانتشار

رغم أن المنهج العلمي يرفض مناقشة أي كلام غير مبنيٍّ على الملاحظة، فكذلك يبدو –لي على الأقل-أن مناقشة نظريات الإلحاد والتطور أقرب للعب بالمطّاط، فإعادة تأليف السيناريوهات شيء ممكن للغاية، وكذلك تحريف المقالات كل بضع سنين وإطلاق العنان للخيال كي نوفر للطبيعة ظروف معيّنة لتحقّق التطور وإمكان العشوائية في إنشاء الحياة عن طريق التفاعلات الكيميائية! إلا أننا هنا أمام قرار إلحادي مسبَق يلقى دعمًا هائلًا وشعوًرا بالحاجة الماسة للعثور على أي تفسير علمي –ولو كان زائفًا- يدعمه.

نحن أمام دكتاتورية في فرض اعتقادات معيّنة على الناس، هذه الدكتاتورية نشرت ذلك الهراء في كل كتب الكيمياء والأحياء حتى يكون تصديقه سهلاً وفرضًا على كل طالب لتلك العلوم، وإن لم تصدقه فليس أسهل من أن توصف بأنك متخلّف ورجعي تتبنّى معتقداتك الدينية على الحقائق العلمية!

إننا أمام ملايين الشباب ممن فقدوا هويتهم الإسلامية بسبب غسيل العقول المنصب عليهم، الغسيل الذي اجتمع عليه الغرب والمتغرّبون، حيث يقنَعون بأن الغرب ونظرياته المسيطرة محض علم دون إلحاد.

إن الكثير من المجتمعات العلمية اليوم تحظر انتقاد تلك النظريات الخاطئة، وربما تضع مستقبلك المهني والأكاديمي على المحكّ فتحرَم من الدخول والمشاركة في الأبحاث العلمية لا لشيء إلا أنك تحترم عقلك ولا تنساق خلف هراء العلم الزائف، فقد أصبح ادعاء العلم الرصدي التجريبي وسيلة لنشر معتقدات وأيديولوجيات معينة، وما دمنا نتعامل مع مئات الأفلام الوثائقية وملايين الكتب حول العالم الناشرة لهذا الهراء فأنت لا تتعامل مع مجتمع علمي ينشر علمًا زائفًا أخطأ في نشره، بل إنك تتعامل مع دين يتم الترويج له باسم العلم. فهي مسألة حرب عقائدية وغسيل عقول وليست أمانة علمية تستحق المناظرة والجدال.

إن من أعظم آليات غسيل العقول استغلال جهل الناس بتلك المسائل، فترى فيلما وثائقيًّا يمر على مناطق شائكة مليئة بالأخطاء العلمية في بضع ثوان، وكأنه شيء بسيط للغاية، فتراهم يقولون عبارات مثل (تم إنشاء بروتين عن طريق تفاعلات كيميائية) فقط، وهكذا بكل بساطة ينتقل إلى الموضوع الذي يليه، وكأنه يصنع كعكة إسفنجية اقتبس وصفتها للتو من قناة طبخ!  كل ذلك ليخدع العامة أن المسألة بسيطة جدًّا.

أما في كتب العلم، فإنك لا ترى كتابًا في الكيمياء أو الأحياء إلا ويقدّم مسألة الخلية الأولى تلك وكأنها من مسلّمات العلم، إلا أن حبكة الدراما تختلف حسب ميول هوى المؤلف، فتراهم يقولون مرة إنها نشأت في محيط عميق، ومرة بجوار بركان ساخن، ومرة في بركة ساكنة، إلى آخر تلك الخيالات.

تديُّن الإلحاد والتطوّر!

لقد بات حق الطعن والنقد لها علميا أمرًا غير مكفول لأحد، فالأمر أصبح ديًان لا علمًا، وعندما يكون الأمر دينًا يرتدي عباءة العلم، فلا تخاطب بالعلم إلا عالمًا، ولا تخاطب بالعقل إلا باحثًا حقًّا عن الحقيقية

لقد أصبح الإلحاد دينًا كسائر الأديان البشرية الوثنية، وكما أن الأديان تستند إلى نصوص كتب مقدسة تعتبر مرجعية لها في الاعتقاد، فإن هذه الكتب التي لا تخضع للعلم الكوني ولا تكون نتاج أبحاث علمية في المعامل قد باتت كتبًا مقدسة للإلحاد ومرجعية لفكره.

ويا للعجب، كيف لا يلتفت عموم الناس إلى غموض تفسير أصل الحياة على مدار مئتي عام الماضية، أي منذ تصاعد نزعة التطور وسطوتها، ذلك الغموض الذي لم تنكشف أي من أسراره على مدار مئات السنين إلى يومنا هذا. ذلك السر الذي مازال مبهما بعد كل تلك المحاولات البائسة. وذلك السر الذي لم يحظى بأي تفسير علمي ولكنه حظي بألف “تفسير خيالي” أُلْبِسَ عباءة العلم بالإكراه كذبًا وتزويرًا.

لم يتلفت أحد أيضًا- إلا قلّة من أهل العلم- إلى أنّ كل ذلك الضجيج كان مبنيًّا على حرب عقائدية بين الإلحاد والإيمان، وليست مجرد حربٍ بين نزعة علمية وما يضادّها من الآراء، فهل يعقل أن أحدًا لم يلاحظ أن تلك التجارب الكيميائية يستطيع من له أدنى اطلاع أو دربة أن يجريها ويختبرها اليوم، ليصل بكل يقين وتأكيد إلى أن الادعاء بإمكان نشوء الحياة لمجرد وجود بعض الأحماض الأمينية هو أقبح ممن يدعي أنه يستطيع أن يخترع ناطحة سحاب لمجرد أنه يمتلك طوبة في مكان ما من الكون!

لقد عمدوا إلى هندسة العقول فغيروا فيها وبدّلوا، فكان الأمر أشبه برسم سيناريو درامي ثم إخراجه، فهم يمتلكون رواية تقول إن الحياة نشأت بتلك الطريقة، وكل ما ينقصهم هو تأليف السيناريو، ثم بعد أن ينجحوا في تسويق عشرات السيناريوهات وربطها بما في المؤلفات من تناقضات، يخرجون إلى عامة الناس بدين جديد مفاده أن هذا حدث بالفعل ومن ناقض فهو جاهل متخلف قد كفر بدين العلم!. ولا سبيل لهم –والحال كذلك- لنشر تلك الخرافات إلا أن يسيطروا على كتب العلم والمحتوى العلمي في المدارس والجامعات لينشروا التفسيرات الإلحادية في الكتب العلمية، ولينتجوا أجيالًا من المؤمنين الذي يعتقدون أن الدين ينفكّ عن العلم ويتصادم معه، وأن على الفرد أن يختار في مفترق الطرق هذا إما العلم أو الدين، بل إن وجود أعداد كبيرة في هذا المفترق بحد ذاته سبب كبير لنشر الإلحاد في العالم.

ماذا لو؟

قد يسألني سائل: لو كنت ترفض ما قالوا لفشلهم عن إثباته علميًّا فيما مضى، فماذا تفعل لو أنهم نجحوا في ذلك بالفعل بعد عشرات السنين، فلعلهم يستطيعون اختراع خلية حية في المعمل من الصفر، ثم تتطور تلقائيًّا إلى كائن ما، ألا يكون هذا أكبر دليل على أحقية الإلحاد والتطور في تفسير وجود الكون؟!

ففي الجواب –بكل اختصار- أقول: لو أنهم نجحوا في ذلك، فإنهم –في المحصّلة- لم يخترعوا شيئًا أو يخلقوه، فإن الميكانيكي الذي يفكك السيارة ويعيد تركيبها فإنه لا يصح أن نقول إنه اخترعها، وإنما قلد مخترعها، وحتى إن قلد صانعها في بناء قطَع التبديل، إلا أنه لم يأت بأصل جديد (من العدم).

إن علماء الأحياء قد يقلدون بناء شيء مما خلقه الله لاطلاعهم على دقائق الخلايا، إلا أنهم مقلدون لا مخترعون، ولو نجحوا في ذلك فإنهم –في المحصلة- مستخدمون لعناصر موجودة بالفعل –الكربون والهيدروجين والأكسجين.. إلخ – ليحصلوا على نتيجة معينة باستخدامهم لها، فهم يعيدون تركيب ما هو موجود، ولا يخلقونه، وما مثلهم إلا كم يمسك كلمات متعددة لينشئ منها جملة مفيدة، وكذلك إعادة التركيب ليست بخلق.

بل أكثر من ذلك، فإن النجاح في إظهار أي مكون حي حتى لو خلية حية كاملة لن يكون دليلًا على الإلحاد، بل هو أعظم دليل على الإيمان، حيث إن التوصل إلى هذا الإنجاز يستلزم آلاف السنين من التراكم المعرفي وبناء التقدم العلمي ومئات الآلاف من العلماء والأجيال الباحثة ليتوصلوا إلى إنتاج خلية حية واحدة –على سبيل المثال- الأمر الذي يتطلب علمًا كثيرًا وحكمةً عقلية عالية لإنشاء خلية حية واحدة فقط. فإذا كان إنشاء ذلك من قبل الإنسان العاقل المريد العليم الحكيم بكل هذه الصعوبة والزمن الطويل، فكيف يمكن للمادة العمياء أن تنشئ كل أنواع هذه الحياة المعقدة المبهرة إذا كان الإنسان ذا العقل والوعي والعلم يعجز عن فعل ما هو أسهل من ذلك، فإن المادة الميتة أعجز وأعجز، وإن الميكانيكي الذي أعاد تركيب قطع الغيار لم يخترعها وإنما فهمها ثم أعاد تركيبها، وإن الصناعي لم يخترع السيارة بل قلّد المصنّع في صناعتها، وإن الله وحده الخالق من عدم، فسبحان الله المتعالي عمّا يصفون.

إسرائيل بين التوظيف والاختراع

التاريخ ذاكرة، والذاكرة هي كل ما نمتلك، إنها أرشيفنا الخصب ينبوع الذكريات الذي لا ينضب، وليس ثمة أمة دون تاريخ، ولا بقاء لأمة تحتقر تاريخها، وكم هي المرات التي زُوِّر فيها التاريخ وقلبت فيها الحقائق، بل إن تزوير التاريخ حرفة تتفن فيها أعداء الإسلام، من المستشرقين والاستعمار وحتى بعض الكتاب المتحدثين بلسان الغرب من بني جلدتنا.

لقد عمل هؤلاء على كتابة تاريخ يناسب أهواهم، ويساير سياسة الاحتلال الغربي،  ويضع لتدخلاته المتكررة أعذاراً، قصد التلاعب بأذهان الشعوب المستعمرة كي لا تقف في وجهم وكي لا تعرقل خططه التدليس المستقبلية.

وللأسف وجدت هذه الكتابات آذانا صاغية بين مثقفينا الحَرْكيين -مفهوم صاغه مالك بن نبي يطلَق على المتعاونين مع الاحتلال- وشبابنا، وعوض أن يوجه كتاباتهم للآخر ويفضحه، وجدنا أنفسنا في مواجهة إخواننا ممن يتكلمون لغتنا ويعتنقون ديننا ويشتركون معنا في الدم، وهكذا فتحت أمام كتابنا جبهتان، جبهة يواجهون فيها الكتابة الغربية وأخرى يقفون في وجه أتباع المستعمر وأعينهم على الشباب، وهكذا باتت المهمة شاقة للغاية.

فلسطين .. حجر الأساس

يعتقد الكثيرون أن القضية الفلسطينية ليست بتلك الأهمية، بل يرى بعض المسلمين –ونتأسف لذلك- أنها مجرد حجر عثرة أمام تقدم دولهم، فالعداء مع الكيان الصهيوني عداء مع العالم الغربي، الذي لولاه لما عاش المسلمون ولما حصلوا على التقنيات الخ، وليس كلام يصيب المرء بالصدمة أكثر من هذا، وخاصة إذا ما سُمِع من أشخاص مثقفين.

والحقيقة أن فلسطين والاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين قضية كل إنسان حر مهما كانت أصوله أو ديانته، فالقضية ليست تنازع بين طرفين كما يحب البعض أن يصورها، إنما هي معركة بين صاحب الأرض والمستوطن، بين صاحب الدار واللص.

فالقضية الفلسطينية نعلم جميعًا كونها قضيّة شعب أعزل يواجه كل أنواع الإرهاب المقدس إرهاب مرتزقة قدموا من جميع أنحاء العالم ليحتلوا أرض غيرهم تحت مقولة:” جدي كان هنا”

ويا ليت شعري هل هم أبناء الجد فعلاً، أم أنهم من ملل ونحل متفرقة لا تاريخ لها ولا أصل، ولك أن تتأمل وجوه جنود الصهاينة، حيث لا تجد بينهم أي وجه شبه، وذلك على الضد مثلا مما إذا تفرست ملامح الجيش السعودي أو المغربي مثلا، وهكذا مع شعب الكيان الإسرائيلي، فليس هناك قاسم مشترك بين هؤلاء سوى أنهم على دين واحد، وهذا ما تحتاجه فحسب لتصبح فجأة مواطنًا إسرائيليًّا لك حق تاريخي في فلسطين!

المسألة اليهودية

إن كل من يتحدث عن كون الصهاينة من نسل ” الأسباط” إما مدلس أو جاهل، فلا يخفى على عاقل أن نسبة هؤلاء -نسل الأسباط- لا تتجاوز 1%، بينما البقية فهم ممن اعتنق اليهودية في القرون الأولى، وهم غالبًا سكان أوروبا الشرقية من الخزر، وهؤلاء لا تربطهم أية صلة بأرض فلسطين لا من قريب ولا من بعيد فكل ما في الأمر أن اعتناقهم لليهودية وتوالي السنين عليهم؛ وتلقيهم لعقيدة التلمود غرس في أنفسهم فكرة  “أرض الميعاد”.

ومع اشتداد الأحوال في أوروبا وتقلبات السياسة والمجتمع والاقتصاد، بات الكثير من يزاحم اليهود في المهن التي احتكروها لقرون طوال وعلى رأسها التجارة، وفجأة وجد اليهود أنفسهم مهدّدين في أعمالهم، وأخذت سطوتهم على الأسواق تقل شيئا فشيئا، وهنا سيبدأ ما يسمى تاريخيًّا ” المسألة اليهودية”.

لم تكن المسألة اليهودية حسب الدكتور عبد الوهاب المسيري سوى نتاج انقلاب سوسيو-اقتصادي عرفه العالم، فالوضع اليهودي كان مستقرًّا داخل المجتمع الإقطاعي، إلا أن الكشوفات الجغرافية وازدهار التجارة على حساب الزراعة فتحت أعين المسيحيين على الأسواق العالمية، وهكذا أنشئت شركات تجارية كالعصبة الهانسية واتحاد لندن، بوصفها شركات مسيحية تقود التجارة الدولية وتدعمها الممالك.

اضطر اليهود إلى ممارسة التجارة الداخليّة والاستثمار في الربا، لكن سرعان ما نمت طبقة مسيحية متخصصة في هذا المجال، وهكذا ولكون الجماعة اليهودية “وظيفية” باتت بلا وظيفة، وهكذا أُزيحوا من الوسط إلى الهامش.

يربط الدكتور المسيري هذه الحركة التاريخية بانسحاب اليهود نحو أوروبا الشرقية وخاصة بولندا الدولة التي حافظت على نظامها الإقطاعي، إلا أن الأمور لم تسعفهم في المنزل الجديد فسرعان ما انتقلت عدوى الرأسمالية إلى بولندا ليجد اليهود أنفسهم مرة أخرى أمام الواقع المرير، واقع لم تصنعه المؤامرات بقدر ما صنعته سيرورة التاريخ.

يصف نيتشه هذه الأحداث التي عصفت بيهود أوربا ويحدد حالتهم النفسية بعد تعرضهم للاضطهاد، فيقول:  “إن كل ما وُوجه به النبلاء والأقوياء والسادة وأصحاب السلطة. لا يعد شيئا إذا ما قورن بالذي واجهه اليهود، هذا الشعب الكهنوتي الذي لم يجد في نهاية المطاف ما يشفي غليله من أعدائه والمسيطرين عليه سوى قلب جذري للقيم -التلاعب بأخلاق المسيحية- أي من خلال عمليّة ثأر أكثر روحانية، هذا فقط ما كان ملائمًا لشعبٍ من الكهّان، للشعب الذي تميّز بحبّ الانتقام الكهنوتي الأعمق غورًا، إنما اليهود هم الذين تجرأوا على قلب معادلة القيم الارستقراطية، بإحكام مرعبٍ، وثبتوا عليه مكشّرين عن أنياب الكراهية التي لا قرار لها” [نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ص:55].

ومن هنا نفهم أن القضية الفلسطينية ليست إلا نتيجة رغبة أوربية في إزاحة اليهود عن التجارة وإبعادهم قدر الإمكان عن القارة العجوز، ودعمًا لهذا الرأي يقول الدكتور جمال حمدان:
“لابد أن ندرك أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية الضخمة كانت مصدر قلق الدول الغربية، لخوفها على أمنها الداخلي، وليهود الغرب المندمجين الذين كان وصول يهود الشرق يهدد مكانتهم الاجتماعية” [اليهود أنثروبولوجيا، جمال حمدان، ص:235]. والملاحظ أن بغض اليهود والتوجس منهم لم يصدر من الأوربيين فقط بل حتى من اليهود الصفوة.

د. جمال حمدان

أقرت الدول الأوربية جميعها قوانين لمنع توافد اليهود، وعلى رأس هذه الدول بريطانيا التي أصدر برلمانها ” قانون الأجانب” سنة 1906 للحد من هجرة اليهود، ومن الطريف أن آرثر بلفور –صاحب الوعد الشهير- كان من أشد المدافعين عنه.

اختلاق إسرائيل

كون إسرائيل مجرد اختلاق وكونها دولة مزيفة قامت على أرض فلسطين، وأن اختلاق هذا الكيان أمرٌ دبّر بليل وكيدٌ سخّرت له كل الإمكانات، لا يختلف إليه أهل الاختصاص من الشرق والغرب، وهنا أقتبس قول كيث وايتلام –في كتابه، اختلاق إسرائيل القديمة-: “النموذج السائد حتى الآن نتيجة لتزييف التاريخ القديم للمنطقة على يد الباحثين التوراتيين، هو أنه كانت هناك مملكة إسرائيلية عظمى حكمها داود ثم سليمان في فلسطين سنة 1200 ق.م. لكن إسرائيل التاريخية لم تكن إلا لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة” [ص: 12]. ويرى فيليب ديفيس أن إسرائيل القديمة المذكورة في الدراسات التوراتية هي من اختراع العلماء، وأن هذا الاعتقاد -وجود إسرائيل الكبرى- مبني على فهم خاطئ للتراث التوراتي بل إنه بعيد عن الحقيقة التاريخية، وإذا نظرنا من منظور أوسع وأطول وزمانًا، فإن تاريخ إسرائيل القديم يبدو كلحظة قصيرة في التاريخ الفلسطيني الطويل” [المرجع نفسه، ص: 26].

إذًا فليس هناك في تاريخ المنطقة سوى فلسطين، وقوم إسرائيل ليسوا إلا حدثًا عابرًا، إمارة كأي إمارة في التاريخ البشري تظهر فجأة ثم تنسى كأن لم تكن، وإسرائيل التي نتحدث عنها اليوم ليست مملكة بناها نبي مرسل، وليست حتمية تاريخية أفرزتها تضحيات شعب ما، إنما هي كيانٌ لجماعة وظيفية ولا يمكن فهم هذه الجماعة خارج السياق الاستعماري الامبريالي، فالحلم اليهودي بالعودة إلى أرض الميعاد لم يكن مقترحًا بشكل جماعي قبل القرن التاسع عشر، بل إن فكرة التجمع في فلسطين تبدو من منظور اليهود انتحارًا ما لم يأذن بها “المسيا”، ومن يتجرأ على الذهاب إلى فلسطين فإنه يرتكب خطيئة “دحيكات هاكتس” أي التعجيل بالنهاية [المسيري، الصهيونية والحضارة الغربية، ص: 25] حيث إن مسار التاريخ المقدَّس بالنسبة لهم يأخذ الشكل التالي: النفي ثم الانتظار ثم العودة بمشيئة الإله.. ومع هذا تغلغلت الصهيونية في صفوف المتدينين من اليهود ونجحت في “صهينة” قطاعات واسعة منهم -في الواقع الغالبية العظمى- بحيث تم طرح تصوُّر مفاده أنه يجب العودة قبل ظهور “المسيا” -أو الماشيّح- دون انتظار لمشيئة الإله للإعداد لعودته، وبهذا يأخذ التاريخ الشكل التالي: النفي ثم العودة للإعداد لمقدم الماشيَّح ثم الانتظار ثم مقدم الماشيَّح.

لقد اتخذ إرساء إسرائيل في أرض فلسطين زمنًا طويلاً من الإعداد والتمكين، بدءًا من تكوين الفكرة الإيديولوجية مرورًا بالتغيير الفكري الجمعي وصولاً للتأثير في مسارات السياسة وتغيير الواقع الديمغرافي عسكريًّا، والاعتراف بالواقع الجديد المغاير ثم العمل على التطبيع معه، وهذا مما ينبغي تفصيله في مقال منفصل.

السحر الأعظم

السحر في اللغة هو كل أمر يخفى سببه ويُتخيَّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومنه إخراج الباطل في صورة الحق، وهو أيضاً كل ما لطف مأخَذُه ودَقّ، والسحر مذموم كله في الشريعة ‏لقلبه الحقائق، وإخفائه الحق بالباطل، ولما فيه من خداع للناس. أما في الفكر الغربي المنتشر اليوم، فالسحر محمود ومطلوب، ويُنَشَّأُ الأطفال على حُبِّه والحاجة إليه لتحقيق الرغبات والمستحيلات.

السحر بين الاستعراض والإضلال

يقول الله تعالى في كتابه: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم} [الأعراف: ١١٦]، وهنا ‏نرى من الآية الكريمة أن ما فعله السحرة زمن موسى عليه السلام ‏هو الاستعراض أمام أعين الناس، فأروهم الأمر على غير حقيقته حتى يؤثروا في آرائهم وعقولهم، كما أنهم أرادوا به ترهيب الناس وتخويفهم، وكل ذلك في سبيل تحقيق مآربهم من تطويع الناس لهم أو لسُلطة الباطل، فيقوم الناس بما يريده هؤلاء لا ما يريده صاحب الخلق والأمر، أي الله رب العالمين، أو ما يريده الناس أنفسهم.

‏فالسحر أداة يستخدمها الطغاة وأهل الباطل في الماضي والحاضر من أجل التحكم بالناس وآرائهم وعقولهم بالإضافة إلى تخويفهم.

‏‏والسحر أنواع، فمنه ما يُستعان له بالجن والشياطين والشعوذة، ومنه ما لا يستعان له بالجنّ أو غيرهم مباشرةً، إلا أن بينهما شبهاً كبيراً في الأعراض من تهيئة الخيالات وتفريق الأزواج، كما أنه يؤدي إلى المقصود والمراد منه من قوة التأثير ودقة في الأسلوب وقلب للحقائق، كما قال صلى الله عليه و سلم (إن من البيان لسحراً) [أخرجه البخاري في الصحيح برقم: 5767].‏ ولذلك فإن الناس إذا ما رأوا تأثيرًا أو تغيراً كبيراً وقد جهِلوا سببه، أعادوه في كثير من الأحيان الى السحر، ‏وهذا ما اتهم كفارُ قريشٍ القرآنَ الكريم به من أنه سحرٌ، وذلك لقوة تأثيره وجهلهم بكيفية هذا التأثير وأسلوبه، إلا أن القرآن ليس فيه خداع أو باطل، بل هو حق من الله وإعجاز لعباده ليقروا بعظمته وعظمة مصدره.

إن أعظم سحر في الزمن المعاصر -ولربما على مرّ العصور- هو سحر الشاشات من التلفاز والحواسيب والهواتف وما يعرض عليها من أعمال فنية وأفلام وإنتاجات سينمائية ومسلسلات ومحاكاة وتطبيقات، فقد عظم بلاؤه وانتشرت فتنته حتى لا يكاد يكون هناك أحد من الناس إلا وقد أصابه نصيب من هذا السحر، حيث يجلس أمامه الـمُشاهِد فيقضي الأيام من العمر ويُسلَب الوقت منه من غير أن يشعر.

يصبح الـمُشاهِد أسيراً له فيتقلب أمام الشاشة من الحزن إلى الفرح إلى الخوف إلى القلق إلى الحسرة ثم النشوة، فيعيش الأحداث والشخصيات ‏وكأنها حقيقة، ثم إذا ما انتهى العرض وجد نفسه في عالم آخر ‏وحقيقة أخرى أقل شأناً لا ترضيه، فيفضل الحياة التي كان يعيشها في الشاشة، فإما أن يكتئب أو أن يتمرّد على حياته وواقعه.

‏فيصبح المعروض في الشاشات هو الأساس وهو المرغوب وهو المطلوب للمشاهد. وإنما أُريد بهذا الـمُشاهِد سلبُ رأيه ووعيه وكسر إرادته وعزيمته ليكون أقرب للرجل الآلي منه للإنسان، وكل هذا يحصل من دون أن يشعر الـمُشاهِد.

تلبيس الحق بالباطل

‏هذا السحر ‏يجعل الـمُشاهِد يعيش في الماضي السحيق كما يعيش في المستقبل البعيد، كما أنه يعيش في عوالم أخرى خيالية لا وجود لها، ‏ومن هذا السحر ما يعيد صورة الموتى إلى الحياة، ‏ويقرب البعيد ويبعد القريب. ‏ومنه ما يجعل صاحب الحق ظالمًا إذا طالب بحقه، ويجعل الظالم مسكيناً تحزن لحاله وتأسى عليه، و‏يجعل الضحية مذنباً والجاني محقاً مبرراً فعله. ويجعل الآمر بالمعروف متدخلاً في شؤون الآخرين، والناهي عن المنكر متعدياً. ويجعل القبيح جميلاً والجميل قبيحاً.

هذا السحر يستطيع أن يجعل الحرام مرغوباً والحلال ممقوتاً، ‏فيظهر للمُشاهِد أن الحرام منتشر وشائع في المجتمع ‏فلِما لا يفعله هو أيضاً، فيفعل الحرام ظناً منه أنه منتشر أصلاً، فيكون جميع المشاهدين هم أول من قام به وساهموا جميعاً في نشره.

لقد التبس الحق بالباطل والعلم بالجهل والحقيقة بالخيال حتى أصبح من الصعب الفصل والتمييز بينهما، حيث تُستخدَم أعقد تقنيات الإنتاج السينمائي لإثبات نظريات وتحقيق فرضيات معيّنة، فيظنها الـمُشاهِد بأنها حقائق ومسَلَّمات علمية.

كما أن هذه المنظومة تظهر الخمور والمخدرات على أنها ترويح عن النفس وراحة للقلوب، ولا يظهر لأحد الآثار السلبية على نفس الفرد وأهله ومجتمعه لتناول هذه المواد وتعاطيها، وتظهر الزنا والبغاء والفحش على أنها مغامرات حب وتسلية اعتادها الشباب لدفع الملل أو لإيجاد الشريك المناسب، وتظهر الإباحية على أنها متعة ونشوة وسمو، ويبالغ في عرض جوانب الإحساس والمشاعر بشكل أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع، وربما أُلحِق بذلك ممارسات شاذة لتهييج المشاعر والشهوات ودفع المشاهد البريء إلى فعل الحرام ظناً منه بأنه يحصّل ما عُرِض في الشاشات، وأنّى له ذلك، إلا أنه لا ريب يضيع بعد ذلك، فيبقى في دوامة البحث عن تحصيل المزيد من المتعة، ولا يظهر لأحد الآلام النفسية والجسدية والمجتمعية لفعل هذه المحرمات، إضافةً إلى استحقار الذات والغير وتدمير إنسانية الانسان.

ظلال السحر المعاصر

إن كان الغرض من المشاهدة التسليةَ وتمضية الأوقات، فعلينا أن نوقن بأن الغرض من الإنتاج الربح المادي وتشكيل المجتمع والأفكار والاعتقاد وهندسة الآراء ووعي الجماهير، فقد خفي عن أذهان كثير من الناس أن السحرة المعاصرين –أي منتجو الأفلام وأعوانهم- قد درسوا بشكل دقيق كل ما يجذب النفس البشرية ويثيرها ويستهويها، وتعمقوا في فهم ما يحزنها ويخيفها و يهزها، ومن هنا فإننا لا نرى أي عمل سينمائي أو إعلان لمنتج أو غيره إلا و قد تم تمحيصه ومعالجته حتى يدفع بالـمُشاهد إلى شرائه وبذل ما لديه من مال وربما دفع ما ليس لديه من أجل اقتنائه أو امتلاكه.

ينصبّ جهد هؤلاء على اصطياد الـمُشاهِد وجعله طامحًا طامعًا بتحصيل المرغوب من المنتجات أو الخوف من تفويته أو الخوف من حصول المكروه بعدم الحصول عليه. فإعلانات الأطعمة مثلاً، تظهر بشكل شهي للغاية في الصور المعروضة، إلا أنك حين تحصل عليها تراها رديئة في كثير من الأحيان. وقل مثل ذلك عن الألبسة التي تظهر جميلة على العارض أو العارضة فإذا ما ارتديتها ظهرت بمنظر غير جذاب.

يريد صيّادو المستهلكين تثوير الإغراء باستمرار، فالسمة العامة هي التعاسة وعدم الرضا عن الذات أو الغير أو الحياة ككل، وإن السبيل إلى السعادة –كما يروجون- هو بأخذ المزيد من الشهوات والمنتجات، وغاب عن الكثير بأن ذلك مستنقع ووحل كلما أوغلت فيه أكثر ، غصت فيه أكثر و صعبت النجاة، إلا لمن رحم الله.

إن أمر الله غالب، إذ قال سبحانه }إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى{ ]طه: ٦٩[ وقال }ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين{ ]يونس: ٨١[، ولذلك علينا اتباع أمر الله لموسى عليه السلام لنبطل مفعول هذا السحر }قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى{ ]طه: ٦٨[، ويتحقق ذلك أولاً بإدراك هذا السحر و تأثيره في حياتنا، ثم العمل على إحقاق الحق في وجه، فاليقين بأن الحق فقط هو ما يدمغ الباطل، وليس لنا من بد إلا باتباع الحق اتباعا تاماً وعزله عن هذا الباطل حتى يبطل مفعوله.

ختاماً، فإن هذه المقالة هي دعوة استنهاض لأصحاب الهمم العالية التي قد خملت، هي دعوة للتيقظ والنظر من حولنا إلى الحياة التي نعيشها في بيوتنا ومجتمعاتنا، هي دعوة لرؤية الحق حقاً والباطل باطلاً، هي دعوة لأن نكون مآذن من نور ونجوماً في السماء تضيء لهداية الناس إلى رب العالمين.

النسوية: حريّة أم عبوديّة؟

تعجّ مواقع التواصل بأخبار الحركة النسوية وفعاليّاتها، بين مطالبة بتعديل قوانين، وإلغاء تشريعات، ورفض أحكام إلهية، في إطار ما يقال: إنه مطالبة بحقوق المرأة وتحريرها من الظلم الواقع على عاتقها.

لكن، قبل أن نشرعَ في تعريف هذه الحركة والإجابة على ما إذا كانت هذه الحركة تحريراً للمرأة فعلاً أم عبوديّة لها، ينبغي أن نعرفَ سياق تأسيس وتطور هذا التيار، بدءًا من نظر المرأة الغربيّة للنّصوص الدينية المحرّفة التي لديها، حيث يتقرّر عليها أن تصمت وتخضع لزوجها –فهي جزء من أملاكه- ولا يحقّ لها أن تتعلّم أو أن تخالفه.

لقد كان هذا الفكر متجذّرًا في السياق النصراني عمومًا وفي الغرب خصوصًا، باعتبار أن المرأة هي أصل الخطيئة، وأنها التي أغوت آدم وكانت سبباً للشقاء البشري، ونتيجة ذلك الربّ عاقبها بالحمل والولادة والتبعيّة للرجل؛ ومن هنا، انطلقت ثورة “تحرير المرأة الغربيّة” التي كان مردّها نظام وضعي لا يعترف بوجود الدّين، فبات الدّين خصماً لا مردّاً وحكماً.

مُخادَعَةُ النفس

معلوم أنّ أيّ نظام وضعي لا يحتكم إلى الدين، مصيره التّخبّط والضّياع والضلال. فالإنسان مهما بلغ من العلم، ومهما كانت مكانته وأصله ومكانه وخلفيّته، لا بدّ له أن يخضع لهواه، فيخطىء تارة ويصيب تارة. وعلينا أن نفقه مصطلحًا في غاية الأهميّة لما له من ارتباط بالحركة النسوية -سيُذكر لاحقاً- ألا وهو “مخادعات النّفس”.

يمكن أن نقول إن مخادعات النّفس مصطلح شرعي، وهو بصيغته العلمية قريب من “آليّات الدّفاع” التي تحدّث عنها فرويد ومن بعده ابنته آنا، وهي آليّات يقوم بها الإنسان للتخلّص من التوتر أو لتخفيض الشعور بالألم، فتُوهم الإنسان أن الأمور على ما يُرام.

حين يحتكم الإنسان لأهوائه فإنه يخادع نفسه في حقيقة الأمر، ويندرج تحت هذه المخادعات الكثير من المغالطات المنطقيّة -سأضع مقالاً عنها في نهاية المقال للاستزادة-، وما يهمّنا هنا أن نعرف أن أنظمة الإنسان الوضعيّة لا شكّ ستشوبها المخادعات والمصالح الشخصيّة فيُظلم البعض وتتحقق مصالح البعض الآخر في المقابل.

أما المنظومة الإلهيّة الذي يأتي بها الوحي، فهي منظومة ومرجعيّة ثابتة تراعي الجميع وتحفظ حقوق القويّ والضعيف، والغني والفقير، والذكر والأنثى.

النسوية وأبرز مبادئها

إن الثورة على ظلم المرأة والنص الديني الذي أنتج ذلك الظلم، سرعان ما تحوّلت إلى “حركة نسوية” لها فلسفتها ومبادئها، وهذه الحركة كما يُوحي اسمها ترمي إلى تحقيق مصالح النّساء في زعمهنّ.

إلا أنها قائمة على الندّيّة والخصام مع الذكور وتُطلق على المجتمعات التي لا تراعي حرية المرأة بأنها مجتمعات “ذكورية”. ولديها عدّة مطالب بلَبوس المبادئ، هي:

  1. الرجل لا يؤتمن أبداً (men are not to b trusted)، وبناءً على ذلك فإن المرأة ندٌّ له وتنافسه في كل شيء.
  2. على المرأة ألّا تضحّي من أجل أيّ شخص.
  3. رفض أيّ سلطة على المرأة، فالمرأة حرّة ومسؤولة عن نفسها، وتتضمّن هذه السلطة أي رجل سواء كان أباً أم زوجاً ام ابناً.
  4. مركزيّة الاستقلال المادّي للمرأة، فهو وسيلتها للخروج على الرجل وعدم الخضوع له.

وأحب أن ألفت هنا إلى ملاحظة جوهرية –استفدتها من قراءتي لفرويد بحكم تخصّصي-، حيث يمكن عدّ النسوية المعاصرة ثورةً على أفكار فرويد ونظريّاته، فأفكار النسوية ومنطلقاتها تناقض أقواله، ففرويد -مثلاً- يعتبر أن المرأة ناقصة، لعدم امتلاكها العضو الذكوري، وهنا ظهر لنا تياران داخل النسوية، -وقد شاهدتُ آثار هذين الحزبين أثناء دراستي وانخراطي في مجتمع الجامعة الأميركية- أما الحزب الأول فلا يتفق مع فرويد باعتبار المرأة ناقصة، ويرى أن المرأة قوية باعتبار مفاتنها، والرجل يخضع لفتنتها، حيث إن قوّتها بمفاتن جسمها وبما توقعه من إثارة للرجل من خلال ذلك.

هنا تصاعدَ داخل هذا التيار دعوة النّساء لارتداء الملابس الغريبة والمُثيرة للغرائز، وتسريح شعورهنّ وتلوينها بطريقة غريبة، بهدف قهر الرجل بالقوة التي بين أيديهن.

أما الحزب الثاني فيتّفق مع فرويد ويرى أن المرأة ناقصة بالفعل، لذلك ترى نساء هذا الحزب يرتدين لباساً فضفاضاً وقاتماً أقرب إلى لباس الرجل، وتراهنّ يقصصن شعرهنّ لتكون قريبة من تسريحة الرجل. إضافة إلى عدم اهتمامهنّ بنظافتهنّ الشخصية في كثير من الأحيان، ولذلك نرى بعض الشعارات التي تُرفع على مواقع التواصل مثل “no shaving November”، فيكنّ بذلك أقرب إلى جسم الرجل. ويبرّرن ذلك بأن المرأة ليس عليها أن تبذل جهداً لتكون جميلة، فهي لا تريد أن تكون وجهاً جميلاً، -سنأتي على هذا التناقض فيما بعد- والجدير بالذكر أن هذا التبرير والتناقض الذي يقعن فيه من مخادعات النفس التي تحدثنا عنها.

جسد المرأة .. حريّة شخصيّة أم قَيدٌ ثقيل؟

تعني الحرية الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق، وهي على مراتب ومنها مرتبة التحرّر من الشهوات، [التعريفات، الشريف الجرجاني]. ونظير ذلك، فإن الحرية هي “أفعال وأخلاق محمودة لا تستعبدها المطامع، والأغراض الدّنِيَّة، وألّا يجري على الإنسان سلطان المُكوَّنات”، [معجم مقاليد العلوم، الإمام السيوطي].

والحرية في الإسلام -بمعنى أشمل- تعني التحرر من سلطان كلّ شيء سوى الله، وألّا يكون الإنسان عبداً إلا لله، والرسول صلى الله عليه وسلّم إنّما أُرسِل لتحرير الناس من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق وحده، وهذا مقتضى معنى توحيد الألوهية (لا إله إلا الله) وهي فرعٌ من الإيمان بالله تعالى. فالحرية الشخصية –اللانهائية بحسب مقاييس البشر- لا مكان لها في ديننا الإسلامي.

إنّ مبدأ “دع الخلق للخالق” مُستبدلٌ في شريعتنا بـ”ادعُ الخلق للخالق”، وهذا منوط بركيزة مهمّة في ديننا ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي لها أصول وضوابط بحثها علماء الإسلام في مؤلفات وموسوعات مطوّلة، -وليس هنا المقام للتفصيل في بحثها-.

تؤمن الفلسفة النسوية المعاصرة بأن جسد المرأة حرية شخصية، وأن لها حق التصرّف فيه كيفما شاءت، فهي وكيلة أمرها وتستطيع ارتداء ما شاءت من الثياب، سواء كانت مُحتشمة أم كانت شبه عارية، والعجيب ههنا أن اللباس المحتشم تُشنّ عليه –بشكل مستمر- الهجمات الإعلامية والسياسية، بحجة أنه رجعي –وربما- إرهابي، أما التعري فهو حرية!

ولكن، إذا كانت من حرية المرأة أن تلبس ما شاءت، إذاً، أليس من حرية الرجل أن يفعل ما يشاء؟

قد يُردّ على هذا أن المرأة لا تؤذي غيرها بلباسها، أما الرجل فيفعل، لكن هذا التفكير يكشف لنا جهل هؤلاء النّساء بالتكوين البيولوجي لجسم المرأة وجسم الرجل والذي له علاقة مباشرة بسلوكهما، وأقتبس هنا من المفكّر الكندي جوردان بيتيرسون: “إن النساء اللاتي يضعن مساحيق التجميل كأحمر الشّفاه على سبيل المثال لا الحصر والذي يصبغ ثغر المرأة باللون الأحمر، هم يضعنه لأنّ ثغرهنّ يتحوّل للحُمرة أثناء الإثارة الجنسية”.

نظير ذلك، بعض الدراسات التي أثبتت أنّ النّسوة اللاتي يردن علاقات –جنسية- عابرة، فإنهن يرتدين ملابساً فاضحة، وأكدت دراسات أخرى أن النسوة اللاتي يلسبن اللباس الجنسي يفعلن ذلك طلباً لإقامة العلاقات، وسأكتفي هنا بذكر آية واحدة تكشف لنا الكثير {وخُلِق الإنسان ضعيفاً} [النّساء: 28]. حيث فسّر البعض ضعف الإنسان في هذه الآية بأنه لا يصبر على فتنة النّساء.

هذه الطبيعة البشرية الجبليّة التي فطرها الله تعالى في الذكر تفسّر لنا انجذاب الذكر للأنثى الشديد رغم إنكار النساء لذلك واتهامه بـ”الشهوانية”، والعجب كل العجب كيف يُتهم الإنسان بشيء ليس له يد فيه، إلا أن ذلك لا يبرر له الاغتصاب وإقامة العلاقات المحرّمة، ولذلك ضبط الشرع هذه الشهوة بغض البصر سداً للذرائع ودرءاً لمقدّمات الزنا. وكذلك المرأة ضبط فطرتها المُحبّة للتزيّن بفرضية الحجاب، فالشرع لا يأتي موافقاً لأهوائنا، وإنما يُشرع الأحكام بما يحفظ حقوق الجميع ويحفظ المقاصد.

 

تناقض النسوية في الواقع

على الرّغم من زعم النّسويّات أنهن لا يكترثن بالمظهر ويطالبن أن يُعاملن مثل الرجال وأن يُخاطبن بعقلهن لا بجسدهن -وهذا ما يؤول إليه الحجاب-، إلا أنّهنّ يقعن في تناقض في الأقوال والأفعال ولا يصدُقْن مع أنفسهن.

فمثلاً، حين تخرج امرأة إلى العمل أو للتسكع، تراها لا تترك مكاناً إلا و تضع عليه مساحيق التجميل -التي تكلّف مبالغ مالية باهظة، وقد تدّخر بعض المال من مدخولها فقط لشراء هذه المساحيق-، ثمّ تراها تمكث ساعة وأكثر أمام المرآة للتبرج وانتقاء الثياب المناسبة والتي تليق بالشخص المراد مقابلته وبالمكان المقصود، ولا سيما طلاء الأظافر التي –ربما- لن تنسى أن تضع منه على أصابع رجليها إذا أرادت إظهارها عمدًا.

وهنا لا نقصد أن الاهتمام بالنفس غير محبّذ، بل إنه مقصد شرعيّ في حال وضعه في المكان والشخص والمجتمع المناسب كالمحارم والزوج والنّساء، إلا أني أسوق هذا المثال لتبيين التناقض الذي تقع فيه “إمّعات” النسوية، فهنّ يردن أن يكنّ إنساناً بلا تسليع أو تشييء، لكنهن في الوقت نفسه يركّزن جلّ اهتمامهن للاعتناء بمظهرهن بالذريعة الشهيرة: أنا حرة بجسدي ومظهري. في إطار تقديم المخادعات التي يندرج تحتها التناقض والتبرير.

إن التّشييء أو التسليع (objectification) لا يكون إلا حين ترتدي الإناث ما يستدعي رؤيتهنّ كشيء أو سلعة، وهذا ما أثبتته الدراسات -سأحيل إليها أسفل المقال-. فهي من جهة لا تُريد أن يُنظر لها أنّها “جميلة” كما أشرنا سابقاً، لكنها في المقابل تبذل الجهد لإظهار جمالها، واجتماع النقيضين يتنافى مع العقل السليم، فالجسد الجميل لا يمكن أن يُعامل إلا بنوع من الشهوة أو الانجذاب ونحوه.

الحجاب ونظرة الرجل للمرأة

عزيزتي النسوية، أنت واللهِ أصبحتِ سجينة لكل نظرة من ذَكَر عابر، ولكل نظرة تكاد تخترق جلدك عند التدقيق بكِ حتى تكادي أن تتلقفي بثيابكِ كي تسدّيه عن النظر المحرّم. لكنّكِ فضّلتِ أن تدّعي أنّكِ قوية ورفعتِ شعار النسوية “أنا حرة”، دون أن تفقهي أنك أنتِ من تركتِ الباب مفتوحاً على مصراعيه ليدلف إليه من يشاء وينظر فيه ما يشاء.

وكما أن احتشامكِ يحميكِ من هذا كله، ويحررك من نظرة ثاقبة لمفاتنكِ، فإنه “واجب” عليكِ -ليس باعتبار الدين-؛ ما دمتِ تؤمنين بالعقل والعلم وما يندرج تحته، أن تتصرفي بما يمليه منطق الرافض للتسليع، فكما أنك تريدين أن يُنظر إليكِ إنسانةً لا سلعة -وهذا من حقكِ طبعاً-، فإنه بالمقابل من حق الذكر عليكِ في أي مكان أن لا تدعيه ينجرف لغريزته بسبب إظهاركِ للمفاتن التي تثيرُ –لا شعوريًّا- الشهوة لديهِ، وبذلك تحمين نفسكِ وتُعينينه بنهي نفسه عن الانجراف والانصياع لهواه، مما قد يؤدي -قطعاً- إلى تقليل حالات الاعتداء الجنسي.

وكما أن قوانين السير وُجدت لتقليل الحوادث -وليس العكس- فإننا لا نستطيع منع الحوادث قبل وضع القوانين والضوابط كإشارات المرور وغيرها-، فكذا أيضاً الاحتشام وُضع للتقليل من حالات التحرش والاعتداء. فقبل رفع شعار المساواة والحرية، “ترفّعن” عن التناقض والجهل، بعدها قلن ما تردن.

إن دور الحجاب –في النتيجة- يكمن في إقامة المساواة بين الرجل والمرأة التي يسعين لها النّسويات. فالحجاب يجعل المرأة إنساناً طبيعيًّا شأنه شأن الرجل، ولا يقوم بجنسنتها لانّه يقتضي إخفاء المرأة لزينتها. وكذلك، يُعين الرجل على التعامل مع المرأة دون إثارة جنسية لعدم وجود الباعث الذي يُثيره، ويُعينه على غض البصر.

والحجاب أو الزي الشرعي هو منظومة تحمي كلا الجنسين وتحفظ حقوقهما. والجدير بالذكر، أن المرأة والرجل -سواء في العقائد والعبادات والأخلاق- مطالبان بالسعي والعلم والعمل والاجتهاد. فلا خشونة الرجل تهب له فضلاً من تقوى، ولا نعومة المرأة تنقصها حظًّا من إحسان [الشيخ محمد الغزالي، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة]. وهذا إن أشار إلى شيء، فإنما يشير إلى مبدأ المساواة في العبودية والفضل في منظومتنا الإسلامية، فلا أحد فوق الشريعة! وما يُحتّم هذه النتيجة، هو التزام كلا الرجل والمرأة بالفرائض خاصة المنوطة بالجنس الآخر، والتي تؤثر فيه.


مصادر ومراجع إثرائية:

مشهد من سلسلة المرأة د. إياد القنيبي استفدت منه في هذا المقال:

https://youtu.be/r2M_YyM8dpU

مقطع جوردان بيتيرسون عن مساحيق التجميل:

https://youtu.be/S9dZSlUjVls

  • دراسات ذكرتها في المقال:

دراسة أثبتت أن النسوة اللاتي يردن علاقات على المدى القصير يرتدين لباسًا فاضحًا، والنسوة اللاتي يردن العلاقات على المدى طويل يرتدين لباسًا أكثر حشمة:

https://link.springer.com/article/10.1007%2Fs10508-013-0188-8

وهنا دراسات أثبتت أن النسوة اللاتي يرتدين لباسًا فاضحًا أو ذا طابع جنسي هن الوحيدات اللاتي يتعرض للتشييء objectification. وأشعة الfMRI أثبتت أن الذكور على الرغم من اشتهائهم لهن إلا أنهم يرونهن مقززات وأشياء، مقارنة مع المحتشمات.

الدراسة:

https://www.mitpressjournals.org/doi/abs/10.1162/jocn.2010.21497

وهنا دراسة أخرى أثبتت بواسطة أشعة الfMRI أن كلًّا من الذكور والإناث يروون هؤلاء النساء كمجرد أشياء، ووجدوا أنهم لا يشعرون بالشفقة تجاه هؤلاء النسوة عند رؤيتهم في حالة ألم. بينما رأوا النسوة المحتشمات كبشر.

الدراسة:

https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0010945217304045

وهنا دراسات أخرى أثبتت أن النساء اللاتي يرتدين اللباس الفاضح أكثر تعرضًا للتحرش الجنسي وأكثر تعرضًا للتشييء وعدم الأنسنة dehumanisation. ووجدوا أن الذكور يجدون متعة في التحرش بهن.

الدراسة:

https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0146167212436401

 

الإعلام والحرب على الفطرة!

هي الفطرة، نور يشترك فيه كل من خصّه الله بأن يكون خليفة على هذه الأرض، فمنهم مصلح ومنهم ظالم لنفسه مبين، تلك الفطرة التي صبغت طباع الناس وتصرفاتهم، وحملت المؤمن على إيثار كل ما يُحمد فعله من صدق وأمانة وحب الفضائل، وجعلته يمقت كل قبيح مذموم الاتصاف به من كذب وخيانة وجور وغش.

أنوار شعَّت

هي أنوار متجذرة في كل نفس، بل في كل مولود يجيء إلى دنيا البشر كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) [أخرجه الشيخان في صحيحيهما]، والفطرة هنا كما أشار جملة من المحدثين والمفسرين يقصَد بها الدين.

وبالرجوع إلى أصل كلمة الدين عند العرب، فإننا نجدها تشير إلى العلاقة بين طرفين يعظم أحدهما على الآخر؛ فإذا وصف بها الطرف الأول كانت خضوعًا وانقيادًا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرًا وسلطانًا! [الدين، نشأته، والحاجة إليه، أحمد عبد الرحيم السايح] وبالتالي يكون الرباط الجامع بينهما هو: الدستور المنظم لتلك العلاقة.

الدين كما يرى الأستاذ عبد الكريم خطيب هو: صلة شخصية روحية بين الإنسان والإله، وبين السيد وربه، بل إن كثيرًا من العلماء غير الإسلاميين -مثل سيسرون- يرون أن الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله، ويعرف شلاير ماخر الدين بأن “قوام حقيقته، شعورنا بالحاجة والتبعيّة المطلقة”، وهذا مهمٌّ للغاية، فطبيعة الإنسان فيها استعداد فطري لمعرفة الله، وهذه الفطرة مستأصلة في الإنسان و موجودة منذ الأزل في أعماق روحه.[د.سامي عفيفي، العلاقة بين العقيدة والأخلاق في الإسلام].

الوحي والفطرة

مهما نأى الإنسان عن منهج الله، فلن يتمكّن من تبديل فطرته -دون تدخّل خارجي- فالله جل وعلا أودع فيها الالتجاء إليه، فهي فطرة تجعله عاجزًا عن الوقوف وحيدًا في هذا العالم دون الاعتقاد بوجود قوة أو ذات أكبر منه، قائمة على أمره، مدبرة لتفاصيل حياته وشؤونه دقيقها وجليلها، حتى إن تظاهر بالقدرة على الصمود فالخلوة فاضحة كاشفة لأمره!

إنّ الفطرة السليمة –إذًا- هي التي  تقر بأن للإنسان والوجود كلّه خالقًا، وأنّ خالق هذه الفطرة جلّ وعلا هو مُنزِل الشريعة، فكلاهما من صنع الله، وكلاهما متناسق مع ناموس الوجود، موافق للآخر في طبيعته واتجاهه. بحيث تلقى النصوص القرآنية والتشريعات المتضمنة فيها صداها في وجدان البني آدم؛ إذ إنّ الشرع يخاطب فطرة الفرد.

لم يكِل الله تعالى الإنسان إلى فطرته وحدها للتعرف عليه وأداء واجبه تجاهه، لما قد يعتريها من ضعف وتقلّبات، ولما فيها من ميل لمتطلبات تلح على الإنسان لإشباعها بأي وسيلة كانت، ومن ثمّ فقد أرسل رسله تترا إلى البشرية مبشرين ومنذرين ليبلغوهم أوامر ربهم ونواهيه. فكان الوحي هو الحبل الموصول المتين من الباري جل وعلا الذي يوطن النفس على ما جاءت به الفطرة.

إذًا؛ فإن منظومة استجابة العبد لتعاليم ونظم الدين تتشكّل من عنصرين يؤدي الخلل في أحدهما إلى خلل بالضرورة في المنظومة برمتها؛ أولها: الفطرة، فالفطرة هنا يمكن تمثيلها بالمستقبل الحسي أو الوعاء المهيأ لاستقبال ما يملأه، أما الثانية، فالوحي الذي هو بمثابة السائل أو الزيت المناسب لحصول الاستجابة أو التفاعل –أي الإضاءة-.

وفي هذا السياق يقول د. أحمد عبد المنعم –في تصوير مرئي له– أن هذا من معاني قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]؛ فالمشكاة هنا هي الفطرة والزيت هو الوحي، فالنور الأول هو نور الفطرة، والنور الثاني هو الوحي.

وهذا يقودنا بالضرورة إلى القول بأن استنكار الشرع وعدم القدرة على استيعابه هو خلل طارئ في الفطرة وبالتالي خلل في منظومة الاستجابة ككل؛ وبالتالي فإن أي خلل في الفطرة يؤدي إلى خللٍ في القدرة على استيعاب الشريعة.

[هل تحسون فيها من جدعاء!]

إن الرجوع إلى حديث الفطرة في قوله عليه الصلاة والسلام (هل تحسون فيها من جدعاء)، يحيلنا إلى الإقرار بأن تمام سوية الفطرة مرتبطٌ بصلاح توجيهها واختيار الأرض المناسبة لتنمو شجرتها وتؤتي ثمرها الطيب؛ فالبهيمة الجمعاء هي نفسها بعد شق أذنها غَدَت جدعاء لما طرأ عليها من تغيير شوّه خِلْقتها.

والرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم هنا ربط بين عقيدة الطفل الذي يولد على الفطرة، وتغير خلقة البهيمة بتشويه أذنها، والأذن كما هو معلوم هي العضو المسؤول عن السمع الذي يشكِّل بابًا لمدخلات كثيرة تحدث في النفس البشرية من التبديلات بحسب ما فيها من صلاح أو غثاء، وأولى هذه المدخلات يبزغ بين أحضان اللبنة الأولى التي يعيش فيها الطفل ويترعرع داخلها ألا وهي الأسرة، أي منشأه –بصورة عامّة- بين أبويه، فإما أن يتمّ تثبيت ما جاءت به الفطرة السليمة، وإما أن يعاد تشكيل الخطأ والصواب، والحق والباطل عنده. إذ قد تصبح جملة من الرذائل أمرًا هيِّنًا مقبولًا ومحبوبًا، كالكذب والغش والبغي وغيرها من الصفات التي كانت قبل وقت قصير مذمومة! فنجد في المحصلة أنّ الفطرة منتكسة بعدما عاثت فيها أيادٍ بغير علم ولا هدى.

توجيهُ الإعلام: ترفيهٌ أم سمّ؟

جاء في الصحيح: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِقَ خَلْقًا لا يتمالك) [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، الرقم: 2611].

إنه إبليس، عدوّنا الأول على هذه الأرض، عدوٌّ قَطَع على نفسه وعدًا منذ بدء الخليقة بأن يجعلنا حطبًا لنار جهنم، بل إنه منذ إنشاء آدم وقبل نفخ الروح فيهكان مهمومًا بهذا المخلوق، وأشد فزعًا مِن الملائكة منه، فيمر عليه ويطوف به –كما في الحديث الصحيح آنف الذكر- فيختبر كينونته ويكتشف خصائصه، وكان يضربهُ فيصوِّتُ الجسد كما يصوت الفخَّار، يكون له صلصلة، -بحسب ما ورد في قصص الأنبياء لابن كثير-  فلما رآه أجوفَ، قال للملائكة: (لا ترهَبوا من هذا؛ فإن ربَّكم صَمَدٌ، وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطتُ عليه لأهلكنَّه)، أي أن إبليس أضمر -منذ البداية- عدم القبول بأي أمر يكون فيه رفعة لمنزلة هذا المخلوق الجديد، وهو ما حصل بعد أن أبى السجود لآدم استكبارًا وعلوًّا في نفسه.

فأخذ يطيف به

إنها إشارة لنفي العشوائية في طُرق إبليس للتضليل، فهو يقوم بدراسة عدوه دراسةً تمكّنه من الإحاطة بمواطن الضعف، ليسهل عليه اختراقها أو منع وحجب موارد ومصادر قوته المتمثل في الوحي، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [البقرة: 123].

لقد اختلفت طرق إبليس وتعددت وسائله في إضلال بني آدم، إلا أن همّه الأوحد هو سَلْب هذا الوحي منهم، وهو الأمر الذي وعد الله بعدم تحققه، كما في قوله عز وجلّ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. [البروج: 21-22].

فكيف السبيل إذن لبلوغ الهدف؟

لنعد قليلًا إلى منظومة الاستجابة -الفطرة والوحي- التي أتينا على ذكرها، لنحاول ربطها بما تقدم ذكره من شق آذان البهيمة!

وأحسب أن الصورة باتت واضحة الآن، فالشيطان وجنده إذا ما عبثوا بأحد عنصري هذه المنظومة تمكّنوا من بلوغ ما يصبون إليه، فيكون الإعلام الفاسد على هذا النحو هو أنجع سبيل، بل هو أقصر السبل للإضلال ومسخ الفِطرة وتنفيذ خطة إبليس!

وبالرغم من موجات التطاول على النصوص القرآنية التي نشهدها حاليًّا، ومحاولات ليّ عنق الآيات بما يتناسب مع الأفكار الوافدة والدخيلة، إلا أنها تبقى طريق شاقة لا يسلكها إلا كل ذي عزم وهمة عالية في تطويع الوحي الصريح. والأيسر على هذا النحو إذًا يكون بتخريب المستقبلات الفطرية وتشويهها، بحيث يغدو المآل هو رفض هذا الإنسان-المشوّه الفطرة- نفسه للشرع وما جاء به!

وهو الدور الذي لم يألُ الإعلام جهدًا للوصول إليه، فتفريغ النفس من الفضيلة يجعلها تبحث عن الإشباع بشتى الطرق لسد حاجتها وجوعها، فتغدو الأنفس كأيادٍ ممدودة تنتظر من يشدُّ عليها ويملأها برغائبها. وهنا يأتي لها الإعلام بالغذاء الفاسد من كل حدب وصوب فيعيد تشكيل قيمها ومبادئها، وما هي إلا شيئًا فشيئًا حتى يحصل التطبيع مع شاذ الأعمال والصفات التي لا تقبلها الفطر السليمة، مقابل استنكار تعاليم الشرع الذي جاء به الوحي!

هي حرب بدت بوادرها حتى في أول لحظة من بعثة النبي، إذا سلك كفار قريش ومشركوها-الإعلام- ذات السبل، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26].

نتفليكس نموذجًا للانحلال الفطري والعقدي

شبكة نتفليكس، التي تسوق لمنتجاتها في قالب “المحتوى الترفيهي!” في مسلسل لها لقي حظوة وشهرة كبيرة في أوساط الشباب خاصة، أي  Dark، حيث عملت على استغلاله لطمس فطرة المشاهد  وجعله ينسلخ شيئًا فشيئًا عن قيمه ومعتقداته، وبالتالي الانسلاخ عن هويته، حيث” استغلت فكرة السفر عبر الزمن لتظهر أن شذوذ النساء –أي السحاق- منتشر في المجتمع منذ خمسينات القرن الماضي، وتظهر على سبيل المثال بطلي المسلسل يبكيان لأنها لن يستطيعا الاستمرار سوية، بعد اكتشاف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حول منهما ولا قوة، فلن تملك إلا التعاطف معهما ومَقتِ ما أدى لانهيار حبهما.” [من مقال: مسلسل DARK.. “هكذا خُلق العالم”!، هادي صلاحات].

أرأيتَ شدة هذه العبارة، “ومقت ما أدى لانهيار حبهما”! فههنا مربط الفرس، فأنت أيها المشاهد تحت سطوة العاطفة، والفراغ العقدي، وبالتالي فإنك ستمقت أي تشريع يفضي لنهاية تعيسة حزينة من هذا القبيل، وبالتالي مقت التشريعات الإلهية، ورفضها عن طيب خاطر منك!

فلو جئت اليوم بذات الشاب-بعد مسخ فطرته- الذي استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنا، وخاطبت فطرته كما فعل عليه الصلاة والسلام بأن تقول له: (أترضاه لأمك)؛ لردّ قائلًا: وأين العيب والعلة في ذلك، فالكلُّ حر فيما يفعل!.

وأنصح بمشاهدة هذا الفيديو الذي يوضح بشكل تفصيلي مدى خبث شبكة نتفليكس وإظهارها بمظهر البراءة، وهو من إعداد وتقديم الأستاذ أحمد دعدوش:

هذا وأختم قولي بما قاله ابن القيم رحمه الله: “أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرَس فيها، فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مرّ”! [الفوائد، ابن القيم، ص:50]

لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء!

لن نحتاج لوقت طويل من التفكير لندرك أن وجه العالم قد تغيّر، وأنه قد عمّ الفساد الأرض بما كسبت أيدي الناس، فلم يتبقَّ سوى ثلة من المسلمين هنا وهناك يسعون لإصلاح ما فسد بأيدي الناس، لكنهم –لقلتهم- باتوا كالغرباء، – فقد أتى الزمان الذي يُعيّر فيه المؤمن بإيمانه كما كان يعيّر الفاجر بفجوره، فأصبح المؤمن لا يدري إلى أين يهربُ بدينه وماذا يصنع فرارًا من الفساد الذي قد ساد المجتمع.

يميل الإنسانُ بطبعه إلى الاجتماع بالناس، والأنس بهم وبحديثهم فلا يقوى على أن يعيش منعزلاً وحيداً، ولكنه في الوقت نفسِه يتأثر بمن يخالط ويعيش معه، فمن جالَس جانس، ومن شاهد معصية ينكرها في المرة الأولى، فإنه يكاد يألفها في المرة الثانية أو الثالثة أو العاشرة! ويمتد أثر ألفة المعاصي التي يراها المؤمن ليلاً ونهاراً إلى فؤاد الإنسان وبيته وعمله، وترافقه في حله وترحاله، حتى تصبح مما لا ينكَر ومما قد فرض على الناس أمراً واقعاً لا مهرب منه.

هل يدعونا الإسلام للعزلة؟

هذا الشرّ الذي قد ساد المجتمع دفع بقلة قليلة إلى أن ينعزلوا ويحتملوا في سبيل ذلك ما يقاسونه من الوحدة والوحشة، حيث إن ما يسلّيهم هو أن أنسهم في وحدتهم بالله، وأنه معهم وملجأهم أين ما حلّوا واستقروا.

بالرغم من ذلك فإن الإنسان بحاجةٍ إلى من يشاركه الطريق الذي يسير به، فينهض به لحظة وقوعه في الزلَل ويكون داعمًا له ليصل إلى حال صلاحه؛ إذ إن الشيطان أقرب للواحد منه إلى الاثنين، وكذلك إنما يأكل الذئب من الفرائس القاصية الضعيفة، والجماعة رحمة وعصمة للإنسان، وقد جاء التوجيه الإلهي يحثنا عليها، إذ قال الله عز وجل موصياً نبيه عليه الصلاة والسلام: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، وقد أوصى الله عز وجل نبيه المعصوم بأن يكون مع الجماعة الصالحة التي تستقيم عندما يفسد الناس، فكيف الحال بمن هم دون النبي عليه الصلاة والسلام إن لم يلازموا الجماعة؟

ترسيخ الواقع بيد الجماعة

ولأنّ القصص أكثر رسوخاً في عقل الإنسان من الكلام المجرد، فلنقف عند القصة التي حدثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بها، إذ قال:

“كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب. فأتاه فقال: إنه قتل تسعاً وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجلٍ عالمٍ فقال: إنه قتل مائة نفسٍ فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلِق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوءٍ” [متفق عليه]

تؤكد لنا مقولة هذا العالِم الذي آتاه الله العلم والفقه والبصيرة الواجب اتباعه في زماننا، فهو لم يقل لسائله بأن عليك أن تذهب إلى الجبال فتبحث لك فيها عن كهفٍ وتعتزل الناس جميعهم وتعبد الله وحدك حتى تلقاه وحدك، بل قال -بما فتح عليه الله-: بأن عليه أن يذهب إلى بلادٍ ينتشر فيها الصلاح والتقوى كأحد أهمّ سماتها وحتى أصبح الغريب فيها والملامُ هو من يعصي ويفجر لا كأرضك التي كنت فيها والتي قد ساد فيها الفساد والفجور والشر حتى صار يعاب المؤمن بإيمانه ويمدح الفاجر بفجوره.

لقد أقر الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك العالم على توجيهه، وهذه هي الخطوة الأولى لمن أراد التوبة، لأن من بقي في بيئته نفسها، وهو يريد إصلاح نفسه، فإنه يوشك أن يعود إلى ما كان عليه، وقد لا يتطلب الأمر أن يهاجر التائب من أرض إلى أرض، بل يكتفي بأن يهجر رفاق السوء المحاطين حوله من كل جانب، ويستبدلهم بآخرين يعينونه على طاعة الله ومرضاته، فرفاق السوء هم العائق الأول في طريق التوبة، ويظهر لنا ذلك عياناً، فنرى ذلك الذي أراد أن يترك الخمر أو الزنا، لكنه لم يشأ أن يتخلى عن رفاقه السابقين، فيستمرون بملء رأسه بأفكارهم قائلين له: عش شبابك، فإنك لن تحيا حياتك إلا مرةً واحدة، ولا تحرم نفسك من شيء! وبأنه يمكن له عندما يشيخ أن يتوب! متجاهلين أن من شب على شيء شاب عليه، وأن من يحرم نفسه من هذه الشهوات في هذه الدنيا القصيرة ثم تعقبه كل الخيرات في الآخرة خير له من أن يتبع نفسه هواها في هذه الرحلة القصيرة ثم لا يكون له في الآخرة من خلاق.

وإن عرفوا بأن أفكارهم الفاسدة لن تؤثر به فإنهم لا يزالون يهزؤون به ويعيرونه بـ”المشيخة” حتى يعود إلى ما كان عليه بل ربما إلى أسوأ مما كان عليه!

حين يعم السوء!

إن حال الأشخاص الذين أشرنا إليهم آنفًا مع صديقهم، كحال ذاك الثعلب الذي وقع حجر على ذيله فقطعه، فعندما رآه ثعلب آخر مقطوع الذيل سأله لم قطعت ذيلك؟ فأجابه بأنه يشعر بالسعادة وكأنه طائر بالهواء وأن يا لها من متعة! فجعل الثعلب الآخر يقطع ذيله، فلما شعر بألم شديد ولم يجد متعة مثله، سأله: لماذا كذبت علي؟

قال: إن أخبرتَ الثعالب بألمك، فإن ذلك لن يدفعهم ليقطعوا ذيولهم، بل سيسخرون منا، ومن هنا ظلت الثعالب تخبر كل من تراه بمتعتها في العيش دون ذيل، حتى أصبحت غالب الثعالب بلا ذيل! وحين كانوا يرون ثعلباً بذيل سخروا منه!

إن حال كثير من المجتمعات في زمننا هذا كحال تلك الثعالب، فلعموم الفساد وتغير الأهواء، صار الناس يعيرون الصالحين بصلاحهم! ويتخذونهم مادةً للاستهزاء والسخرية، ومن ثمّ فإنه لا بدّ لكل من أراد صلاحاً وتوبةً وحال من حوله كتلك المجتمعات، فإن عليه أن يهجر موطن الشر والسوء إلى موطن الخير والتقوى، فالانغماس في مجتمع المعصية كفيل بالوقوع فيها وألفتها، وحين يكون ذلك، تصعب التوبة، أو تكاد تكون أقرب للمستحيل، والعياذ بالله.

الكون والصدفة .. ما احتماليّة نشوئه عنها؟

تخيّل أنك في غرفة فيها حاسب آلي، وأنك رميت كرة صغيرة مطاطية داخلها، ما هي احتمالية أن تقفز الكرة على لوحة المفاتيح لتكتب كلمة مفيدة؟ إنها بكل تأكيد احتمالية صغيرة، لكن إن سألنا: ما احتمالية كتابة جملة مفيدة؟ الجواب أن الاحتمالية ستتضاءل أكثر، وهكذا دواليك؛ حيث إن مسألة الصدفة تخضع لعلم الرياضيات ولحساب أرقام الاحتمالات probability theory. وكلما كانت المهمة المطلوب تنفيذها أعقد وأطول قلّت احتمالية حدوث الصدفة.

إن احتمالية الصدفة في كثير من الأشياء قائمة، لكنها في الرياضيات تصنّف –بعد رقم معيّن- على أنها ضئيلة لدرجة استحالتها  statistically impossible..

أنتقل معك للخطوة الثانية، فأسألك ما احتمال أن تتساقط الكرة بمنتهى العبث ثم ينتج عنها مسرحية كاملة لشيكسبير، ما ظنك بدرجة احتمالية حدوثها، وما مدى ثقتك في أن تلك الاحتمالية حدثت بالفعل؟!

يالها من خرافة!

بعد أن وضحت لك المبدأ العام لمسألة الصدفة، دعنا نحسب احتمالية نشوء الكون عن طريقها، علمًا أنها تتطلب أزمنة وأمكنة معينة لتحدث فيها، ومن البدهي أن حدوث صدفة في العدم: قبل الزمان والمكان شيءٌ لا يُعقَل بأي شكل، إذ كيف تحدث صدفة في اللازمان واللامكان! إضافة إلى الكثير من الإشكالات المنطقية النابعة عن تفسير وجود الكون المنظّم بأنه نتاج صدفة عشوائية عمياء.

يحتوي الكون على نظام ودقة في قوانينه، فكيف للعشوائية أن تنشئ الدقة؟ وفيه القصد ومعنى الأشياء، فكيف للعبثيّة أن تفصح عن معنى؟ وفي الكون غاية وهدف، فكيف للا غاية أن توجد الهدف؟

إن القول بأن الكون نشأ صدفة، يؤدي بالنتيجة إلى أن الأرض وما عليها من الأحياء والكائنات وحتى ما يسمى بـ “الخلية الأولى” ومكوناتها الأولية نشأت عن طريق الصدفة أيضًا.

حسنًا، إن سألت ملحدًا عن تفسير وجود الحياة والكائنات الحية فستراه يقول إن ذلك ناتج عن التطور الذي يعرَف الآن بالتطور الدارويني، فيفسّر أصل الكائنات بتطورها عن أصل واحد مشترك، وسيفسّر وجود الخلية الأولى بأنها نتيجة تراكم تدريجي على مدار الزمن عن طريق الانتخاب الكيميائي chemical evolution. ومن ثمّ فنحن أمام تفاعلات كيميائية عمياء وتراكميّة بدون أي توجيه أو قصد أو إرادة أو هدف، تنتجُ هذا التعقيد والنظام المتقَن!.

صحيحٌ أن دارون افترض وجود خلية أو سلفٍ مشترك لم يحدّده، إلا أن وارثي نظريته والمدافعين عنها، تبنوا قضيّة الانتخاب الكيميائي لسد ثغرة (الخلية الأولى) في نظرية التطور. إلا أنها لم تسد حقًّا؛ إذ أمامنا اليوم عشرات الافتراضات في مسألة الخلية الأولى، إلا أنها كلها تتشابه في الفكرة العامة ألا وهي التراكم ثم الانتخاب، وذلك إيمانًا بنظرية دارون حرفيًّا، حيث يقول: “وجود بيئة خصبة صالحة للانتخاب الكيميائي –سواء بركة أو محيط أو بجوار بركان أو خلافه، وهذه البيئة تسمى بـ primodial soup  أو الحساء البدئي، وبها كل العناصر اللازمة –الكربون، والهيدروجين، والأوكسيجين، والنيتروجين.. إلخ- وبها أيضا بعض المركبات مثل غاز ثاني أوكسيد الكربون والميثان والأمونيا ومع مرور الزمن، تحدث تفاعلات كيميائية لتنتج بروتين ثم تنتج DNA ثم رويدا رويدا –عبر أعداد مهولة من التفاعلات الكيميائية– حتى إنتاج كل المركبات الكيمائية للخلية، ثم تنتج خلية حية” [دارون، رسالة إلى صديقه (Joseph Dalton Hooker)]

استحالة تحقق التطور؟

للرد على هذه الفرضية لا بد من الإشارة إلى جملة من المغالطات في هذا التفسير الافتراضي الذي ذكره دارون، حيث إنه –أولاً- لا وجود لـ DNA إلا بوجود الأنزيمات enzymes  لأن تشبيك الـnucleotides مع بعضهم البعض يحتاج إلى Enzymes أولا، وعليه فإن ترتيب الأحداث يكون بصنع الأنزيم enzymes الأول وهو نوع من البروتينات, ثم يتوفّر صنع الـ  DNA، أما الأمر الثاني: فإنّ أول مهمة هي صنع البروتين، وإن أصغر الأنزيماتenzymes  يتكون من مئات الأحماض الأمينية Amino acids.

أما الأمر الثالث فهو القول بأن الصدفة شيء ممكن أن يحدث مهما كانت احتماليتها ضئيلة في حال أعطيناها الوقت الكافي، وهنا فلنفرض أن أمام هذا الافتراض الوقت الكافي مهما كان استغرق من الزمن.

إذًا، لنأخذ كل الأرقام التي تحدثت عن عمر الكرة الأرضية، ولنختر الرقم الأكبر الذي قيل في عمرها، مهما كان غير دقيق علميًّا، وهذا الرقم هو( 4 .6 بليون سنة)، علمًا بأن هذا الرقم هو من أكبر التقديرات المتاحة لتفسير عمر الكرة الأرضية.

حسنًا..

ولنفترض الآن أن هناك محيطٌ. وأننا وضعنا في المحيط كل ما يلزم لتصنع الطبيعة بروتينًا واحدًا مكونًا من 150 حمض أميني، ولنفرض أننا وضعنا في المحيط في كل نقطة منه مئات الأحماض الأمينية، أي أننا جئنا بكل ما في الأرض من (كربون, هيدروجين, أكسجين, سلفر،.. إلخ) وهكذا فإننا نعفي القائل بذلك من إنشاء الأحماض الأمينية أولا ثم بناء البروتين ثانيًا، حيث إننا نفترض أن كل الأحماض الأمينية متوفرة حقًّا. فأنت الان لديك محيط, به ملايين الأحماض الأمينية, مملوء على أخره بكل أنواع الأحماض الأمينية العشرون. وعلى الرغم من أن أشعة الشمس UV rays  كفيلة بأن تكسر تلك الأحماض الأمينية وتجعلها غير قابلة للبناء بها، فلنفرض أننا سنكسر قوانين الطبيعة من أجل أن نسير مع هذا الافتراض، وأن أشعة الشمس لن تفسد الأحماض الأمينية. ولأن المحيط هو بيئة غير مُعقّمة ولن تحافظ على الأحماض الأمينية لكثرة وجود احتمالات للتفاعلات الكيميائية والـ chelating agents  داخل المحيط، إلا أننا سنفترض أن الأحماض الأمينية معصومة من ذلك كله وفي حفظ تام..  أيضًا ها نحن نكسر قوانين الطبيعة من أجل أصدقائنا للمرة الخامسة في هذه النقطة.

إن للبروتين مراحل عدة في تكوينه هي primary structure, secondary structure, tertiary structure, quaternary structure. والمراحل الأولى في تكوين البروتين هي بناؤه من الأحماض الأمينية كأنه خيط، أما المراحل الأخيرة في تكوين البروتين فهي أشبه بأنك جئت بالخيط وجعلته يلتفّ ويدور في شكل ثلاثي الأبعاد. وهذا الشكل الثلاثي الأبعاد يتماسك بضعف لا بقوة weak inter-molecular forces  ووجود هذا الشكل وسط ماء المحيط سيفسد إثر حركة ماء المحيط لا محالة. ولكننا سنكسر كل قواعد الطبيعة من أجل أصدقائنا, وسنفترض أن البروتين في رعاية ما ولن ينكسر فور بنائه..

وها نحن الآن لن نجعل البروتين يملأ بالاستعانة بالـDNA  والـmRNA  والـ tRNA  بل سنتركه يبني نفسه بنفسه كما يقول أصدقاؤنا self assembly وهذا مما لم يحدث أمام أي أحد من البشر على مدار التاريخ. فالبروتين يبنى بتوجيه الخلية لا من تلقاء نفسه.

وماذا بعد؟

المهمة الآن –بعد كل هذه التسهيلات والافتراضات- هي بناء بروتين مكوّن من 150 حمض أميني، ولديك العشرون نوع وعدد أكثر من كافٍ للبناء، لكن الغاية هي بناء ذلك كله عن طريق الصدفة والعشواء بدون أي توجيه أو إشراف بترك الكيمياء تفعل ذلك بتفاعلاتها العمياء. وأرجو أن لا ننسى أن كل نوع من العشرين نوعا من الأحماض الأمينية يكون منه نوعان: levo  و dextro. أي أن هناك 40 نوعًا لا 20 نوعًا لتركيب البروتين بشكل صحيح؛ إذ إن كل البروتينات تتكون من أحماض أمينية من النوع الـ levo..

إن بناء البروتين يقتضي بأن يمسك الحمض الأول في حمض من النوع الفلاني، ثم يمسك في حمض ثالث من نوع فلاني وهكذا، وهنا بسبب وجود 20 نوع، فإن احتمالية أن يتماسك الحمض بحمض آخر بـ peptide bond هي احتمالية 1 على عشرون، أي خمسة بالمئة في المرة الواحدة فقط. وإن كانت المهمة أن تبني بروتين مكون من 150 حمض أميني فإنك مطالب بأن تفعل 149 محاولة ناجحة. كل محاولة منهم احتمالية نجاحها 5 بالمئة. ولو كان هناك محاولة واحدة فقط فاشلة فإن البروتين كله ينكسر ويعاد بنائه مرة أخرى من البداية، وإن احتمالية حدوث ذلك هي واحد على (10164). وهو حَدَث أقلّ ما يوصف بأنه مستحيلٌ إحصائيًّا Statistically impossible.

ولو افترضنا أن العملية قد تأخذ ثانية واحدة فقط، فإن الوقت الذي تحتاجه تلك الاحتمالية أن تتحقق بالفعل هي عشر سنوات وأمامها 243 صفرًا، مما يزيد على العمر الذي افترضناه لعمر الأرض (4 .6 بليون سنة) ببلايين السنين.

ولمن يحب أن يتحقق من صحة تلك الأرقام أو يتزيد في تلك المسألة يقرأ في أبحاث عالم الرياضيات السويسري (تشارلز يوجين) حول إمكانية نشأ بروتين واحد عن طريق الصدفة، وفي أبحاث  (Dr Stephen C. Meye & Dr. james tour حيث إن الكلام في حسابات تلك الأرقام يطول جدا وهذا ليس موضوع مقالنا.

ومهما قلت للملحد، فإنه سيجادل ويعاند، فهو يحكم بعنادٍ مسبقًا، وسيقول لك بعد أن تطيل الشرح والاستفاضة في الاستدلال على استحالته، ذلك يحدث على مدار زمن طويل جدًّا، ومع مرور الوقت فإن المستحيل يصبحُ ممكنًا!.

خيال مليءٌ بالافتراض

رغم أننا قمنا بكسر جميع قواعد الكون، ودمرنا حقائق الطبيعة، لنتماشى مع جدل فرضيات المدافعين عن العشوائية والصدفة، وتناسينا الافتراض الأهم وهو “أنّ الكون نشأ صدفة أن تحدث صدفة في لازمان ولا مكان” وقمنا بافتراض أن البروتينات المطلوب صنعها مكونة من 150 حمض أميني فقط رغم أن أصغر إنزيم يتكون من مئات الأحماض الأمينية، كما أننا افترضنا أن عمر الأرض ( 4 .6 بليون سنة) وهو أطول تقدير مطروح حتى الآن، وافترضنا أن الأحماض الأمينية متوفرة حقًّا، رغم أن الأمر يتطلب اختراع العشرين نوعًا من أنواع الأحماض –وتكون تلك مجموعة واحدة- الأمينية عن طريق التفاعلات الكيميائية، ويكرر فعل ذلك حتى يتوفر الكثير من مجاميع الأحماض الأمينية وتكون كل الأحماض الأمينية levo  وليس dextro. وافترضنا أن كل نقطة من نقط المحيط بها كل أنواع الأحماض الأمينية العشرين وأن المحيط مملوء عن آخره بكل العناصر اللازمة، وافترضنا أن أشعة الUV  من الشمس لن تفسد أي مركب سوف يتم إنشاءه، وافترضنا أن بيئة المحيط معقمة كيميائيّا ولا يوجد أي chelating agents  قد تتفاعل مع ما يتم إنشاؤه.

إضافة إلى ذلك كله فإننا نفترض أن الشكل الثلاثي الأبعاد للبروتين المتماسك بقوى هشة لن ينكسر بفعل تيارات المياه في المحيط، وأن البروتين يمكن أن يبنى وحده self assembly  بدون أي توجيه من أنظمة الخلية التي تكمل بعضها بعضًا، وخضوع ذلك لعلم الorganic synthetic chemistry  لا علم الbiochemistry  في حين أننا لم نر أي من تلك التفاعلات تتم خارج الخلية الحية ولم ينجح أحد في إنشاء كل تلك التفاعلات من الصفر في معمله بدون الخلية الحية، وافترضنا أن النجاح في إيجاد إنزيم واحد سيؤهلنا لإيجاد DNA  تلقائيّا، وافترضنا أن الصدفة قادرة أن تخترع الأنواع الخمسة من الـ nucleotides , علما بأن أصغر نوع منهم يستدعي ربط خمس ذرات مع بعضهم بعضا عن طريق الصدفة العمياء، وافترضنا أن أشعة الـ UV  من الشمس لن تكسر الـ DNA، وافترضنا أن أشعة IR  القادمة من الشمس لن تسخّن ماء المحيط بالقدر الكافي وتفسد البروتين بالحرارة protein denaturation، وافترضنا أن المادة الوراثية تستطيع أن تترك لزمن لا أخر له في حين أنها هشّة حراريا thermodynamically unstable ولا تتحمل أن تترك أكثر من 6 أشهر في درجة حرارة الغرفة دون أن تتبخّر أو تموت، وافترضنا أن البروتينات والمواد الوراثية التي تم بناؤها في بيئة معقمة كيميائيا ولا يوجد أي احتمالية لحدوث تفاعلات كيميائية قد تكسر أو تحوّل ما تم إنشاؤه

وافترضنا أيضًا أن النجاح في اختراع بروتينات والمواد الوراثية هو خلقٌ للحياة مع عدم تفسير كيف سيتم إنشاء جدار الخلية –علمًا بأن كل مكوناتها homochiral- ولفّه حول كل ذلك، وكيف سيتم تشغيل الخلية بالفعل ولا تكون مجرد مركبات كيميائية بلا أي معنى.

وهنا بعد 16 افتراض جدليٍّ، يكفي الواحد منها لنفي التطور أو العشوائية في الكون، رغم كل هذا، فنحن أمام حدث نسبة حدوثه (واحد على 10164).. فكيف يصحُّ في الأذهان شيءٌ من هذا؟!

 

انهزامية بالسُكَّر

قرابة قرنٍ من الزمان مرّ على سقوط آخر دول الخلافة الإسلامية، حيث أصبحت الأمة الإسلامية في آخر القائمة الأمميّة سياسيًّا بعد تخلّفها فكريًّا، فكانت الخاتمة الطبيعية للبعد عن سنن الله في الحضارة والصعود والهبوط، فبينما كانت أراضي المسلمين تمتد من الأندلس غربًا الى الهند شرقًا، أضحى ذلك الحال تاريخًا يُروى ولم تعُد للدول الإسلامية مكانتها السابقة، بل لم يبق لها من الأمر شيءٌ، وإنما أصبحنا أمةً منقادةً فكريًا وحضاريًا وثقافيًا.

ابن خلدون وقانون العمران

وضع العالم المسلم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة قانونًا اجتماعياً مستنبطًا من تاريخ الأمم في العمران، حيث اعتبر أن الأمة المهزومة تقلّد وتتبع الأمة الغالبة التي هزمتها أو احتلتها، وعلّل ذلك بقوله: “والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي وإنما هو لكمال الغالب”.

فالسبب في تلك الانهزامية النفسية والاقتداء بالأمة الغالبة هو ظن المغلوب أن الكمال مع الغالب، وهذا -لشديد الأسف- ما نراه في أحوال الأمة الإسلامية التي لم تسلم من تحقّق ذلك القانون السُنَني والمجتمعي فيها.

ولا شك أن مظاهر التغريب الثقافي حاضرةٌ بقوةٍ في مجتمعنا المعاصر، من تقليد لملابسهم وهيئتهم، وحتى في اتخاذ قصات شعرهم وتقليدها كنوع من أنواع اتباع الصيحات العالمية المنتشرة المسمّاة بـ “الموضة”.

وليتوضح لك أن هذا التقليد والاتباع نوع من أنواع الهزيمة النفسية التي أشار لها ابن خلدون، عُد بالزمن قليلًا مدة عشر سنوات أو خمس عشرة سنة وانظر الى منظور المجتمع العربي والإسلامي بشكل خاص الى إطلاق اللحية وارتداء السراويل (البناطيل) القصيرة، حيث ستجد أنه شيءٌ غير مقبول على المستوى العرفي وممنوعٌ في كثير من أماكن العمل ولا يتصف بهذه الهيئة إلا “الملتزمون دينيًّا” كما يطلق عليهم، ثم ألقِ نظرةً على الوقت الحاضر وكيف أصبح عددٌ كبيرٌ من الشباب ممن يرتدون تلك (البناطيل) القصيرة ولهم لحىً كثيفة، وذلك فقط لأن الغرب تسامح مع هذا المظهر واتخذه نوعًا من أنواع “الموضة” فانساق كثير من الشباب المنهزم نفسيًا وراءهم وقلدهم –وإن كان بلا وعي أو شعور لهذا التقليد-.

التأثر بالتغريب الفكري والسياسي

من الطبيعي أن انكسر المسلمون عسكريا وثقافيًّا وسياسيًّا أن يغيبوا عن ساحة الفعل والتأثير، خاصّة أن مشاريع النهوض الفكرية لا تلقى الدعم المناسب لإنجاحها، وكذا فإن الواقع السياسي أوهنَ المجتمعات الإسلاميّة وفتح أبوابها على مصاريعها أمام الانحطاط الثقافي والمعرفي والتخلف في جميع مناحي الحياة، فضعفت المناعة الذاتية والفكرية أمام الأمم التي لها الغلبة، وأخذوا يشربون من أفكارهم ظنًا منهم أن هذا التقليد سيوصلهم إلى ذلك التقدم والازدهار المدنيّ والعمراني والتقني الذي تعيشه تلك الأمم.

لقد كان من مظاهر تلك الانهزامية النفسية هو التأثر العميق بالتيارات الفكرية الغربية، كالتأثر المعاصر بالحركة النسوية التي تدعو إلى المساواة الكلية بين الرجال والنساء في إطارٍ من التمرد الواضح لدعاة النسوية على الاختلاف الواضح بين الجنسين، وهنا لم تعدم بلاد المسلمين ظهور بعض من النسويات –في مواقع التأثير- لتدعو إلى التمرد الداخلي ضد العرف والمجتمع والدين، فكانت الدعوة للمساواة المطلقة في الميراث وإلغاء القسمة الشرعية التي تنص -في بعض حالاتها- على أن نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة، ولا عجب أن يتمّ إصدار قانون ينص على المساواة في الميراث بين الجنسين في عدة دول –كما في تونس سنة 2018 وإن لم يتم التصديق عليه بعد-.

وهنالك من تأثر بالتيار الوجودي الذي يعظّم من شأن الإنسان كوحدة الوجود، فزعموا أنه تزداد قيمة الإنسان بمقدار خدمته للإنسانية فقط، حتى أن بعض شباب المسلمين ترحّموا على العالم الملحد “ستيفن هوكنج” بعد وفاته، وذلك تقديرًا لمساهماته العلمية (الإنسانية) الكثيرة، مع أن ذلك شرعًا غيرُ جائزٍ، ولكن الإنسانية أو الوجودية تركت في نفوسهم أثرًا، أدركوا ذلك أم لم يدركوه، ولستُ هنا لبيان ضلال تلك الفكرة ولكن لتوضيح تداعيات ذلك على الأفراد وإظهار مدى تأثر البعض الفكر الغربي المهيمن.

ونجد على سبيل المثال -أيضًا- تصاعدًا واضحًا للنزعة العِلموية التي تقدس من التجارب الحسية وكل ما يقدمه العلم المادي فقط، إلى جانب التفاخر بإمكانية التحدث باللغات الأجنبية –على أهميتها- مقابل الاستهزاء بالعربية، حيث إنه من المفترض أن تكون تلك اللغات مجرد آلةٍ أو أداةٍ يُستعان بها على تحصيل العلم، ولكن الوضع تغير وأصبح تعلمها غايةً في حد ذاته، لما له من آثار في إظهار هالة معيّنة لأصحابها.

زاد انبهار المسلمين بحضارات الغرب المهيمن حتى ظنوا أن اتباع أنظمتهم السياسية والاقتصادية سيؤدي لنفس النتيجة التي انتهى إليها الغرب، فرفع البعض شعار الاشتراكية التي تحلم بالقضاء على الطبقات الاجتماعية بهدف منح الفقراء حياة كريمة وإعطاء طبقة العمال الكادحة حقها المسلوب، ورأى البعض أن العلمانية حلٌ لدولة متقدمة متحضرة يتساوى فيها كل الأفراد ويحكمها قانون مدني يفصل الدين عن إدارة وسياسة البلاد، وهنالك الكثير من التيارات الفكرية والسياسية التي تم استجلابها من الغرب، كالليبرالية وغيرها، وذلك سعيًا -من أصحاب النفوس المنهزمة- لنهضة الأمة الإسلامية والعربية على نفس المسار الذى اتخذه الغرب سابقًا، عسى أن يصلوا إلى ما وصل إليه الغرب، ولكن “ما هكذا تُورد الإبل”.

انهزامية بالسُكّر

إذا أزعجتك مرارة القهوة، فما عليك إلا أن تضيف عليها القليل من السُكّر!. وهكذا الأفكار المرّة، تحتاج إلى القليل من الإضافات أو السُكّر ليتقبلها المجتمع.

هكذا سعى المنظّرون لتطويع الإسلام بما يناسب أفكارهم ومنطلقاتهم التي اكتسبوها بهزيمتهم النفسية وتقليدهم للغرب الغالب، حيث كان ذلك أكثر خطرًا من أن تُنشر تلك الأفكار مجردةً دون إدخال أي رابط إسلامي بها، فالفكرة المجردة يمكن تبيين ضلالها إذا ما قورنت ووُزِنَت بميزان الشرع، أما إذا ما خلطتها أو شرعنتها بالدين فذلك تلبيسٌ لكل أهل هذا الدين وإضلال لهم، لاعتقاد الشخص المتبنّي لها أنه لا يعارض الشرع، ويصعُب بعد ذلك إيضاح ضلال تلك الأفكار.

ومن النماذج التي يمكن التمثيل بها هذه القضية هي ظهور بعض النسويات اللواتي يرتدين -مجازًا- عباءة الإسلام ويستدللن على أفكارهن بمقتطفات القصص النبوية التي تظهر قيمة النساء ومكانتهن في الإسلام، أو قصص النساء اللاتي خرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وإذا وجدن ما يخالف فكرهن أوّلوه أو ادّعوا أن ذلك الحكم كان لفترة زمنية معينة وانتهى بانتهاء تلك الفترة.

ولا ريب أن هذا الاستشهاد وما لحقه من التأويل هو السُكّر الذي يوضع في مقالتهن ليسهل على الناس تقبل أفكارهن.

وقسْ على ذلك كل ممثلي التيارات الفكرية من مختلف الخلفيات الإسلامية؛ فالتيار الوجودي يدعمه الإسلام الذي اهتم بحرية الإنسان في عقيدته، ويستشهدون بقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دينِ} [الكافرون: 6] أو قوله: {لا إكراه في الدّين} [البقرة: 256]، وأن الإسلام هو دين العفو والسلام والكرامة، وكل هذه القيم تُعلي من قيمة الإنسان والإنسانية.

وجاء غيرهم ليزعم أن الاشتراكية إسلامية المنشأ؛ فالإسلام يحث على دفع الصدقات للفقراء، وفرض الزكاة على الأغنياء أو الطبقة الرأسمالية، وكانت تلك الأموال تُقسّم على طبقة الفقراء الذين هم من طبقة العمال حسب ما يدّعون، أما عن العلمانية التي تُقرّ بفصل الدين عن سياسات الدولة، فإن بعضهم يسوّغها بأنها مهمّة لحفظ الدين المقدس بعيدًا عن ألاعيب السياسة القذرة!

وهكذا يستمر بعض متبنّي هذه الأفكار في إضافة القليل من السُكّر لإيجاد قبول لها في أوساط المجتمعات الإسلامية.

الإسلام متبوعٌ لا تابعًا

من الضروري الاعتقاد بأن الإسلام دين متبوعٌ وليس تابعًا لغيره من الأفكار، وأن الأصل يكون باتباع ما جاء به، فإذا عارضه أمر ما فمن التسليم -الذى هو أساس الإسلام- أن نترك ذلك الأمر ونتجنّبه، ومن الخطأ الكبير أن ينحاز المرء لفكرةٍ ما أولًا ثم يحاول البحثَ والتنقيبَ في السنة والقرآن عمّا يناسب تلك الفكرة ليسوّغها ويدعو لشرعنة ما افترضَ من صحتها مسبقًا.

إن الأصل –إذًا- بأن نجعل نقطة البداية والميزان في الإسلام والشريعة؛ فنزن عليهما كل الأفكار المستحدثة، فإن وافقت الإسلام فلا حرج وإلا وجب رفضها والنهي عن اتباعها.

الاستعلاء بدين الله

ومن البديهي هنا أن نسأل بعض الأسئلة: مثل، كيف تنهض أمتنا دون الاستعانة بعلوم الغرب الحديثة؟ وما المقدار الذي يكفينا من تلك العلوم دون أن ينعكس بالسلب على أمتنا؟!

الحقيقة أني لست هنا لأسرد لك خطةً خمسينيةً تستطيع بها الأمة أن تعود لمجدها السابق، ولكن يمكنني أن أشير لك على فترةٍ زمنيةٍ مرّ فيها المسلمون بما مررنا به الآن من ضعفٍ وتشتتٍ، ولكن قاموا وأقاموا الدنيا عمارةً وحضارةً دون التخلي عن مبادئهم الأولى، وتمسكوا بمعتقداتهم التي تعلموها على يد خير معلمي الناس الهدى محمد صلى الله عليه وسلّم، وأقتبس هنا من كلام الأستاذ محمد قطب –رحمه الله-:

“لقد كان المسلمون في نشأتهم الأولى في طور من البداوة لا يملكون شيئًا مما يملكه المتحضرون من حولهم من أسباب الحضارة المادية أو من العلوم، وكان لزامًا عليهم إذا أرادوا الحضارة المادية والعلم أن يأخذوا أسبابها من الدولتين العريقتين عن يمين وشمال، فارس والروم. وقد صنعوا ذلك بالفعل.. ولكنهم لم يحنوا رؤوسهم أبدًا، ولم يشعروا بالانبهار، وكانوا هم الأعلَين؛ لأنهم كانوا هم المؤمنين”[محمد قطب، واقعنا المعاصر]

وهنا يتضح الفارق بين أمةٍ منهزمةٍ نفسيًا تبحث عمّا ينتشلها من التيه ولو كان في جحر الضبّ، وأعينها مذهولةٌ منبهرةٌ بالغرب المهيمن، وبين أمةٍ مستعليةٍ بدين الله؛ فرغم حاجتهم لعلوم الكفار المادية ولكنهم لم ينكسروا تحت سطوة التقدم المادّي فأخذوا منهم ما ينفعهم وتركوا ما يعارض عقيدتهم وإيمانهم.

وهذه المنهجية في أخذ علوم الغرب هي التي نحن بحاجةٍ لها الآن، فينبغي أن ننتقيَ من العلوم التي تُعين على قيام إقامة المجتمعات والمقاصد الإسلامية، وترك كل ما يخالف عقيدتنا ومبادئنا الإسلامية، وهذا لا يتم -في وجهة نظري- إلا بتأسيس القاعدة الشرعية السليمة على فهم سلف الأمة، والتي تؤهل الأفراد لتنقيح ما يتم استيراده من أفكارٍ تؤثر بالسلب ولا تنفع عامّة المسلمين، وعلى العلماء الشرعيين دورٌ كبيرٌ في الاطّلاع على تلك الأفكار من أجل تبيان أضرارها وتحذير الناس منها.

في الختام فإني أؤكد على ضرورة الاعتزاز والاستعلاء بدين الله، وبدلًا من البحث عن أسباب التقدم المادي في ظل السلطة الغربية الماديّة والثقافية المهيمنة، فإنه ينبغي علينا أولًا أن نرجع إلى الوراء قليلاً لنتلقّى العلم بمنظور ومنهجية سلفنا الصالح، الذين عمروا الأرض وأقاموا الدين والدنيا بلا تعارض، فقد علِموا أنهم على حق وأن ما يوحى إليهم هو النظام الإلهيّ الذي له العزّة وليس لأنظمة الأمم المهيمنة، فلم ينكسروا أمام سطوة الأقوياء، ولم ينساقوا خلف أفكارهم، ولم يهنوا ولم يحزنوا، لأنهم كانوا هم المؤمنين. فالله تعالى يقول: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139]

 

الفلسفة الدينية و”نظرية المؤامرة”

إن كنت مؤمنًا بالله تعالى وما جاء في كتابه المقدس، فأنت حتمًا ستؤمن بالتآمر على دينك الحق، وإن لم تكن مؤمنًا، فأعتقد أنك لست بحاجة لقراءة هذا المقال.

بهذه البساطة، أختزل جدالًا طويًلا بين من يعتقد بوجود خطط من قبل أطراف قوية –دولٍ ومنظّمات- لتحقيق مصالحها على حساب الأطراف الضعيفة، وبين المنكرين لوجود هذه الخطط.

نقصد ههنا أولئك الذين يسمون هذه الظاهرة بـ “نظريات المؤامرة” التي تهدف -كما يبدو- لإخضاع البشر والسيطرة عليهم كما يروج لها، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنه لا يعني أن كل نظرية هي حقيقة بغض النظر عن سخافتها، وأيضًا لا يعني إنكار جميع ما يندرج تحت نظريات المؤامرة.

إبليس وآدم .. من هنا كانت البداية!

لأوضح المسألة دعونا نرجع للبداية، أي إلى فجر تاريخ الوجود البشري، حيث نشأت عداوة بين آدم عليه السلام وإبليس، حيث يحدثنا الله عمّا دار بينهما في قرآنه الكريم.

يقول الله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36]. لقد جاءت عداوة الشيطان لآدم عليه السلام بسبب تكريم الله له بسجود الملائكة له، حيث قال إبليس -كما أخبر الله تعالى- {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62].

لقد وعد من إبليس بأن يسعى لإضلال أغلب ذرية آدم عليه السلام كي يثبت أن ابن آدم لا يستحق الخلافة في الأرض ولا الجنة من بعدها، ليأتي تحذير الله تعالى آدم وزوجه وذريته ليرشدهم {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه: 123].

أصرّ الشيطان على وعده وموقفه، بل إنه وضّح مخططه وأدواته، فيقول كما ذكر الله تعالى {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء: 119].

الضلال ثم الأماني ثم الأمر وكأنه المعبود والولي من دون الله تعالى، فيرد الله تعالى عليه {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64].

ويحذر الله بني آدم من تولي الشيطان وعبادته مبينا هدفه {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27].

كما يخبر لله تعالى كيف يتنصل إبليس من أوليائه يوم القيامة {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].

إن هذه الآيات القليلة تدل على حقيقة وجود بني آدم على الأرض والخطر المحدق بكل فرد منهم بغض النظر عن إيمانه أو دينه؛ فالله تعالى قد حذر جميع بني آدم من إبليس، ووعد المؤمنين بالمفازة من العذاب. فإن كنا نعرّف المؤامرة بأنه مخطط لجماعة تهدف لتحقيق أمر ضد مصلحة الجموع مدفوعة بأحقاد أو أطماع خفية، سنجد أن كل مقومات المؤامرة موجودة في مخطط إبليس وزبانيته وأعوانه من البشر ضد بني آدم على هذه الأرض. وهي أكبر مؤامرة مستمرة منذ البداية وحتى النهاية ولن تتوقف إلا بقيام الساعة، حين يصبح الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى. ويبقى مصطلح (نظرية) المضاف للمؤامرة مرتبطًا بإيمان العبد بالله. فإن كان مفتونًا بعمل الشيطان وأولياؤه، قال إنها نظرية بلا دليل، وإن كان يؤمن بالله تعالى والآخرة، استطاع أن يميز الحق وسط الضلال السائد.

إنها خطة وليست تصرفًا ساذجًا

لا يمكن لعموم هذا الضلال العام المتصاعد أن يكون عشوائي الظهور بسبب حالات فردية أو صنيعةً لأهواء النفس فقط، أي أن الأمر لا يقتصر على وسوسة الشيطان لأفراد لا شأن لهم فحسب، بل إن الأمر يتعدى ذلك للإنابة، فالهدف عظيم عندما يكون جميع بني آدم إلا قليلا منهم، وهو بكل تأكيد يستوجب الجهد والمتابعة في تحقيق ما خطط له مسبقًا. ولن يقصّر أولياء الشيطان جهدًا في تحقيق مراده، باستخدام كل الأدوات المتاحة من علوم وتكنولوجيا ومعرفة سيكولوجية في التأثير على قناعات العامة وتغيير ثقافتهم وتصرفاتهم بما يرجح الكفة لإنكار الوجود والسببية، والتعلق بالأنانية والصدفية من باب تهيئتهم لقادم أعظم.

حقًّا، من كان يظن أن عداوة الشيطان للإنسان تقتصر على إفساد عمله الشخصيّ فقط فهو واهم، فمن الناس عبيد للشيطان، منكرون للإله الأوحد، وقعوا على عقد بيع أرواحهم بالدم ليكسبوا نعيم الدنيا وما فيها من شهوات زائلة. وطبعًا ذلك لا يكون إلا بمقابل، كالترويج للفاحشة أو الإلحاد مثلًا فذلك يجعل الناس أقرب لتولي الشيطان. فلا يتوقف فساد عبد الشيطان عند نفسه فقط بل يتعدى ذلك لفتنة الآخرين واستمالتهم نحو ولاء جديد بعد إلحاد، يكونون فيه جميعًا عونًا للشيطان في تحقيق مخططه على البشرية.

إذًا فإن مسألة التآمر على البشر محسومة في القرآن، وإن خفيت خيوطها، فلا يعني ذلك أنها لا تحاك ضدهم. وما يظهر من عُقد الحياة بلا شك هو من تلبيس إبليس مستعينًا بمن والاه من بني آدم كي يحكم هو فيهم حتى تحين الساعة.

وهنا فإني لست أسعى لتفنيد أو تأكيد أيٍّ من نظريات المؤامرة المنتشرة في مختلف الفضاءات والتيارات، إلا أني أبتغي توضيح الصورة الأكبر لمن يتبع دين الله ويؤمن بالحساب والعاقبة.

الثبات في وجه الفتنة

نحتاج فعلًا للثبات على الدين في مواجهة مؤامرة إبليس ومن والاه وفتنة الحياة؛ إذ إن الاقتناع بأن هذا العالم تحكمه الإنسانية وخير البشرية دون مؤثر ما، إنما هي فكرة ساذجة للغاية تخالف واقع الحياة المزري والمتردي في معظم البلاد التي خضعت للاستعمار في القرون الأخيرة، فهي تعاني من الديكتاتورية والفساد واضطهاد الشعوب.

وهي نفس الفكرة الساذجة في حال تصديق الحرية المطلقة المزعومة في الدول المتقدمة، فحرق راية “ألوان الطيف” الخاصة بالمثليين تواجَه بقسوة بالغة كالسجن لـ ١٠ سنوات، وكذلك فإن إدراج كلمة (صانع) في بحث نظرية التطور سبب كافٍ لرميه وصاحبه في غياهب التصنيف والإقصاء والسخرية، وكذلك فإن مجرد التشكيك في عدد ضحايا الهولوكوست وإن كان مبنيًّا على نتائج علمية ومخبرية كفيل بأن يعاني من المحاكمة –كما جرى مع روجيه غارودي سابقًا- وأن تسحب الشهادات العلمية من صاحبها.

يحق للمؤمن الواقعي أن يرفض نظرية المؤامرة بدون أدلة، لكنه يجب أن يكون واقعيًّا أكثر في لمس الشر المتزايد في بقاع الأرض بما يثبت اقتراب قيام الساعة على شرار الناس، والكثير من هؤلاء قطعًا لا يعملون بشكل فردي لأطماع شخصية، بل عصبة كبيرة منهم مجتمعة في عملها وهدفها أنت ودينك، وكل ذلك إرضاء لإبليس الذي وعدهم بالخلود كما وعد أباكم آدم عليه السلام.

ما دمت مؤمنًا يا أيها الإنسان، فأنت هدف أوّلي ومهم أكثر من الملحدين، لأنك ما زلت تذكر الله، والله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].