image_print

فوز ثمين على حساب الرأي العام الدولي في الساحرة المستديرة 

صور نمطية مفزعة عن المسلمين والعرب سعى الغرب لترسيخها بكافة السبل في الرأي العام العالمي، ليست وليدة السنوات الأخيرة أو وليدة الصدفة والمواقف المفاجئة، بل تضرب جذورها في عمق تاريخي بعيد، فالعربي والمسلم من وجهة نظر الغرب هو الإرهابي غير المُتحضِّر، والشخص الذي يميل إلى العنف وإلغاء الآخر، إلى جانب وصفه بالمتعصب المنغلق على نفسه وفكره، وغير ذلك الكثير من الصفات.

العربي والمسلم.. أساطير وخيالات

“الشمال يجهل تماماً ما هو عليه الجنوب، في حين أنّ الجنوب يعرف الشمال تمام المعرفة”

توضح الأسطورة الشهيرة السابقة حقيقة الوضع فيما يتعلق بمعرفة الغرب للعرب والمسلمين بشكل يتناسب مع معرفة العرب للغرب، ففي الوقت الذي يندر فيه العودة للمصادر الحقيقية عن العرب والمسلمين، وقلما وجدنا من الغرب من تكبد عناء السفر وتعلم اللغة العربية للبحث والتعرف على حقيقة المعلومات من مصدرها كما يفعل العرب عندما يسافرون مشارق الأرض ومغاربها طلباً للعلم والمعرفة؛ تركت الساحة فارغة لوسائل الإعلام والقائمين عليها كمصدر وحيد لتشكيل الصورة المجازية عن العرب والمسلمين في ذهن الغرب.

أصل العداء الكامن لدى الغرب

لقد سعى القائمون على وسائل الإعلام إلى ترسيخ الصورة النمطية السيئة السابق ذكرها عن العرب والمسلمين، ليس جهلاً بالواقع، بل على العكس تمامًا، فقد تجد لديهم المعلومات اللازمة والحقيقية، لكنه العداء الحضاري والديني والعرقي طويل الأمد، حيث يرى المتتبع للتاريخ أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي استمر في مواجهة مع الغرب، إلى جانب انتشار التطرف اليميني، والإسلاموفوبيا ضد العرب والمسلمين وفي الوقت الذي يؤمن الغرب بأنه متفوق على غيره من الأعراق الأخرى وأي حضارة لا تنتمي لحضارته هي موضع ازدراء ورفض يكون ضرب من الجنون أن يسوق لغيره ويعاكس مبادئه القائمة على نكران الآخر، وبالتالي سعيه بكل الطرق لصناعة خطاب يزدري فيه الآخر مساهمًا في صناعة تيار يؤمن بـ “صدام الحضارات” وهو ما يشكل خطوط تقسيم وهمية بين الحضارات يبنى عليها مواقف تؤهل لحدوث صراعات وحروب باردة، وما حدث على مدار السنوات الماضية هو أحد ملامح تلك الحرب الباردة والتي شنت بهدف سحب بساط تنظيم المونديال من أرض عربية مسلمة بدافع عدائي.

صافرة بداية المونديال صافرة خسارة للحرب

يجمع المتابعون للإعلام الغربي على وجود ترسانة إعلامية تعمل في سياق متّحد بما تتفق عليه مختلف هذه الوسائل، بحيث يصعب مواجهتها واختراقها إلاّ بتشييد ترسانة موازية أو إرغامها على نشر الصورة الحقيقية.

هذا بالفعل ما فعلته قطر خلال مونديال 2022، فقد شكّل إقامة مونديال في أرض ينتمي أهلها إلى الهوية العربية والإسلامية، وبهذا الابداع والتميز بشهادة الخصم، أحد أهم القوى الناعمة التي ساهمت في تسديد ضرباتها النظيفة في شباك الخصم.

على الرغم من الحملات العنيفة وغير مسبوقة التي واجهتها قطر على مدار 12 عاما لمحاولة سحب تنظيم كأس العالم لكرة القدم من أول بلد عربي ومسلم، إلا أن صافرة بداية حفل افتتاح المونديال شكل صافرة نهاية لتلك الحملات الشرسة معلنة عن نصر دبلوماسيّ عربيٍّ وإسلاميٍّ سُمِع صداه في أرجاء العالم.

هدف قطر من تنظيم المونديال

سعت قطر من خلال فعاليات المونديال للحفاظ على الرمزية العربية الإسلامية وتوظيفها بكل ذكاء في مختلف فقرات الافتتاح وبث الصورة الحقيقية للعربي المسلم، ناسفة الصورة النمطية التي تبث منذ عشرات السنوات في الإعلام الغربي والذي كان من جهته ينقل الحدث مباشرة، ممّا شكل انبهاراً واضح المعالم من خلال ما نشر عبر أهم الصحف العالمية فقد كان  أبرز العناوين التي طرحت في الإعلام الغربي قد تحدثت عن تميز الفعاليات والتنظيم فقالت صحيفة ذا صن الإنجليزية “إن حفل الافتتاح كان مميز، ولن يُنسى مع الألعاب النارية والأجواء المميزة العربية والحضور الجماهيري الكبير، حيث إنه يعتبر من بين أفضل الحفلات الافتتاحية للمونديال تاريخيًا”، أما صحيفة NBC نيويورك الأمريكية فقالت “إن مورجان فريمان خطف الأضواء في حفل افتتاح كأس العالم 2022 المميز بقطر”، وصحيفة تليجراف الإنجليزية قالت “إن قطر نجحت في تنظيم حفل افتتاح مميز”.

تمكنت قطر من خلال ما قدمته وتقدمه في فعاليات المونديال ما لا يمكن أن تقدمه ترسانة إعلامية ضخمة فبدخول أكثر من مليون ونصف مشجع من مختلف أنحاء العالم ومختلف المعتقدات والمرجعيات، سمح لهم أن يتعرفوا على الصورة المحجوبة عن الواقع العربي الإسلامي المغيب من إعلامهم والتعرف على حجم التقدم والتطور والتحضر والنظام والأمن، إلى جانب التعرف على الشعوب العربية والإسلامية دون وسيط.

ناهيك عن الثغرة التي لعبت قطر على سدها فقد اهتمت بشكل خاص بالدين الإسلامي وتعريف الزوار به من خلال تدشين جناحٍ للتعريف بالإسلام وتعاليمه وترجمة الأحاديث النبوية واستعراضها أمام الزائرين، ودعوة دعاة من جنسيات مختلفة وتوزيع الكتب المطبوعة بلغات عدة للتعريف بالإسلام ورفع الحجاب عن أعين المتسائلين، إلى جانب عرض الثقافة العربية، في خطوة مميزة تمهّد وتوثق لبداية تشكيل رأي عام عالمي جديد في صالح العرب والمسلمين.

هدف نظيف في مرمى الرأي العام الغربي

ترى قطر من جهتها أنها حققت ما كانت تسعى له من خلال استضافة فعاليات كأس العالم لكرة القدم وتقديم تلك النسخة الفريدة من المونديال وهو تغيير الصورة النمطية عن المنطقة العربية والإسلامية، مما سيسهم في ترك أثرٍ دائمٍ على قطر والمنطقة بأكملها.

وفي سياق هذا كله لا يمكن أن يكون للإعلام الغربي بعد هذا الحدث مرجعاً لشيء ذي قيمة يضر الوطن العربي والإسلام، ولن يخرج من تلك الفعاليات إلا خالي الوفاض، ويكون رأيه والصورة التي سعى لترسيخها ما هي إلا دم كذب على قميص الحقيقة، فقد حان الأوان لخروج الصورة الحقيقية المشرقة عن الإسلام والعرب من غيابة الجب.

الهوة المتسعة.. هل من سبيل لتضييقها؟

أقرأ لبعض الأقلام المتسامية وأرى بصرها الممتد نحو السماء، المتطلعة إلى الأفق البعيد تريد أن تصله وتؤكد إمكانية قطعه رغم المسافات البعيدة والجبال الصخرية التي تعوق المسير لها، فبلوغ ما كان عليه الأجيال الأولى هي الغاية وغلق المنافذ الذي يتسرب من خلالها دخان التأويل والشك والقلق ونفاذ الطاقة هو الأصل والمطلوب.

ثم أنظر للجهة المقابلة فأسمع صخبًا وهرولة وقطعا للمسافات للوصول إلى عالم رمادي ليست تظلله سماء صافية ولا ينبع من تحته ماء زلال، هنالك حيث يكون المباح ما جربه الناس ووجدوه حسب أذواقهم ممكنا، نافعا أو مريحا لهم، والانتقال من منطقتنا الخصبة التي تنبح علينا فيها الذئاب لمنطقة توافق عليها الناس هو الأولى والأنفع، وهذان طريقان متغايران تكاد تراهما في كل باب من أبواب السير، خاصة تلك التي تغيرت كثيرًا وعلاها ركام الأحداث حتى طمس أصلها فما تكاد ترى وما يكاد يعرفها من أهل العصر إلا قليل..

حذار من ضياعِ الطريق

إنّ أبين مثال له، طريق الاتباع لما جاء به صاحب الرسالة وطريق من يؤول أو يعرض المتن على قلبه أو يجادل لسبب أو لآخر. وكذلك ما يخص المرأة من قضايا ما بين من يغلق عليها الباب فلا ترى ولا يسمع لها حسًا، وطريق من لم يعد يرى فرقا جوهريا بينها وبين صاحبها، مادامت أقدامها مغروسة مثله في واقع تساوت فيه الأعمال والتحديات المفروضة على كليهما.

لدينا طريق من يغلق عينيه على واقع -نشأت فيه أجيال متتابعة ولم تعرف غيره وترى الحديث عن غيره ضربًا من الخبال أو التشدد في غير محله- وطريق من لا ينظر خلفه، لا يتوقف حتى ليبحث إن كان في سيره سيصل إلى غاية أم أنه يسلك ما سلكه الآخرون ويمضي لأنه يريد ولأنه لا يرى بأسًا ولأن أبناء حضارة البنيان قد تواضعوا على ذلك..

هنا ينشطر القلب الذي يعرف أن له أصلا يرجع إليه ونورا يريد أن يستبقيه مضيئا، هنا تتنازعه المشاعر من هم وغيرة لأن صاحبه يريد ألا يخالف ما يظنه صوابا لكنه يشفق على المبتعدين أو الساخرين أو الجاهلين. يريدهم أن يعودوا معه، ليس لأنه وحده على حق، بل لأن هناك أمر يجمعهم مكتوب في السطور ومحفوظ في الصدور..

كيف نغلق الهوة المتسعة؟

نستطيع إن أردنا معًا أن نجعل منه عالمنا البرّاق، الذي تشرق في جوانبه المنارات يتبعها الحيارى المنهكين.. نستطيع لو أردنا أن ننسج معا ثوبًا يليق بنا، نزينه بما شئنا من هنا وهناك لكن خيوطه من هنا.. من أرضنا، من فقهنا وفهمنا وواقعنا الذي لا يشبه واقعهم.

ليس المؤلم أن الهوة في كل يوم تزداد حتى يكاد ينفصل العاَلَمَين، بل أن تضم صغارا كانوا بالأمس خضر القلوب لا يعرفون غير ما يقدم لهم، فماذا قدمنا لهم غير مزيد من الصرخات والأسى تدفعهم للحاق بمن سبقوا، من اختاروا الركض بعيدا عنا، مروا على المنتصف مرورا سريعًا ثم تجاوزوه إلى الضفة الأخرى بحماس يشعله الصخب المتسارع وطبول المتعة المؤقتة وفرح الإنجاز السريع.

ولا يعني وجود الهوة أنه لا جسر يصل بين الطريقين، فأهل الصدق والإخلاص ما زالوا ببنون الجسور يوما بعد يوم، لكن بعضها واه يتساقط في الفجوات ويضحك منه أولئك المغادرون..

فالمشكلة هنا إذن تلك الفجوة الكبيرة التي تحتاج لتضييقها جهودًا مضنية تتكاتف فيها الأيدي لتقيم على ضفتها بناء متكامل الأركان تشرق جوانبه بالنور الهادي، ينظر إليه البعيدون فيعجبون كيف تركوا مكانهم هناك، وكيف لم ينتبهوا إلى أنهم قد تجاوزوا وتعدّوا على حدود ليست لهم، فيقررون أنهم لابد عائدون كي يتدثروا بدفء النور ويلتحموا به.. ونحتاج معها لإعادة النظر والبحث عما يدعم أبنيتنا المهتزة من مواد لامعة مضيئة لكنها أصيلة، تزيل غبش الرؤية عند فلذات الأكباد ورياحين الأمة.

قلبك قلبك!

إن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف، بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد إما في الخير أو الشر. ومن عرف قلبه عرف ربه، وإن أكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين وأساس طريق السالكين.

المعلوم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاساً، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر.

إن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولي عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرف الحراسة أصلاً، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهي كثيرة، إلا أننا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق.

أثناء رحلة للعلاج.. مواجع من الذكريات

ما سمعته في مكتب الأخصائية فتح لي أبوابًا من تساؤلات لم أفكر يوما في طرقها، هل أنا حقًّا متلاعبة؟ وكيف وصلت لهذا الدرجة؟ وما هي الأسباب؟.

انتقل تصفّحي على الشبكة من البحث على قصص درامية أملًا في الحصول على جرعات من الحب الزائف، إلى البحث عن تفسيرٍ منطقيٍّ لتصرّفاتي، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ فالمعرفة لوحدها لم تكن يومًا كافية.

هكذا بدأت

ألم يكن كفّار قريش يعلمون بوجود الله ومع ذلك تمسّكوا بعقيدة أجدادهم؟ ألم يجبلنا الله ويشهدنا على الإيمان بوجوده؟

قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] كنت بحاجة إلى بناء جسر من الوعي حول ما أدمنتُ عليه، ومجاهدة نفسي ومحاولة الثبات على كلّ قرار اتخذته.

بدأت بمراقبة تصرفاتي والاعتراف بكذبي للطرف المقابل في كل مرة أختلق فيها شيئًا، كان الهدف هو تدريب نفسي على الصدق ومواجهة الكذب، لم أتردد في سؤال الله العون وتطهير لساني من الكذب ورزقي الصدق.

هل كان الأمر سهلًا؟

 بالطبع لا، لم يكن سهلًا البتة. أو ليس جهاد النفس هو ما نحياه منذ لحظة بلوغنا حتى نفسنا الأخير!

لم يحتمل البعض اعترافاتي وشعروا أنهم صادقوا وهمًا لا شخصًا حقيقيًّا، لقد هجرني أحبة، وسمعت بعضهم يتمنّى موتي ليرتاحوا من الاستفهامات التي تملأ رؤوسهم جرّاء حماقاتي التي يرونها أو تصرفاتي التي لم تكن مفهومة لهم.

ربّما تسرعت في قرار الاعتراف وهذه من الجوانب التي أراها سيئة بخصوص التواصل المكتوب في المواقع والصفحات الافتراضية -عن بعد-، حيث إنها لا تدع لنا مساحة كافية للتفكير ومراجعة مشاعرنا وتصرفاتنا، ولو كانت كل أحاديثي وجها لوجه لما لوصل الأمر إلى الحدّ!

تلك الرسائل التي كنت أتلقاها كانت كالأكسجين بالنسبة لي، يكفيني تأخر أحدهم في الرد لتجدني أفقد السيطرة عن نفسي وأشعر بأنني منبوذة وأنني عالة على العالم.

مخاطر المشاعر السلبية

هذا التركيز على المشاعر وحالة التمحور على الذات ليس بالأمر الهين، ففكرة أن تفسر كل ما يقع حولك بناء على ما تشعر به، لا على معطيات وأسباب معينة وحقيقية، لهو أمر كارثي بكل المعايير!

إذًا أنا وأنت وكل إنسان بحاجة إلى الصدق، ولكنني كنت حينها ما زلت أريد جرعات متزايدة من التعاطف، فما السبيل؟

الحلّ كان في عدم اختلاق أكاذيب وبدلًا من ذلك عيش آلام واقعية، وقد بدأت حينها في التركيز أكثر على كل صعوبة في حياتي وتضخيمها لأقصى الحدود. حتى تعثري في سلالم البيت وعدم اهتمام أهلي بي ووصف شعوري بالحزن الشديد بسبب ضحك إخوتي على الأمر!

شعرت دومًا بتأنيب الضمير حول ما أفعله، وكرهت نفسي كرهًا شديدًا لدرجة تحاشي التمعّن في انعكاسي على المرآة، أصبحت أعاقب نفسي على أفعله من أخطاء إما بالضرب أو السب أو إيذاء النفس. وهذا ما فتح لي باب شرور من نوع آخر وهو جلد الذات.

  صارت جروح جسدي شيئًا عاديًّا بعد كل مرة أشعر فيها بالسوء تجاه نفسي، وقد أخذت فكرة إيذاء النفس من الأفلام الدرامية، فقد كان التأمل في الدم وهو يتدفق يشعرني بالراحة، لكن الأمر لا يتعلق بحبي لمشاهدة الدماء وهي تسيل بقدر شعوري بالهدوء بعد تدفق هرمون الأندروفين المسؤول عن تسكين الألم.

وهنا أود أن ألفت نظرك إلى أمر مهم جدّا وهو فكرة تقبّل حقيقة الألم الذي يؤكد ضعفك و بشريتك وحاجتك إلى طلب العون من الله عز وجل ومن تتوسّم فيهم خيرًا من عباده، وأن القوّة في فهم نفسك ومراعاة تقلّباتها بأشكالها فتحسن إليها كثيرًا و تشدّ عليها أحيانًا، فالأمر يشبه تعاملك مع الطفل تمامًا، إذا أصاب تكافئه وإذا أخطأ تصوّبه.

خلاصة، وفسحة للتفكير

إن كنت ممن يعاني من اضطراب المشاعر السلبية، فخذ على نفسك بعد الجلوس في مكان هادئ، أن تحاورها حول التالي، ما الصفات الإيجابية التي تمتلكها، وما مدى قدرتك على أن تتقبل مواجهة أحدهم لك بعيب فيك؟ -دون الالتفات لمكانته في قلبك أو مكانتك عنده- وابحث عن صفاتك السلبية في ذاتك أو استشر صادقًا يجيبك عن ذلك.

لكن تمهّل.. حاول قبل كل شيءٍ أن تتقبّل حقيقة أنك بشر غير كامل، وأنك مخلوق لتجاهد ما فيك من نقص، وأنه يجب عليك العمل على التخلص من صفة سلبية كل أسبوع أو شهر بحسب شخصيتك، وألّا تمل من المحاولة، وقبل ذلك كله أن تسأل الله العون دائمًا وأبدًا.

المصطلحات.. كلمات مجردة أم وعي

إن للمصطلحات دورًا مهمًّا في تكوين ثقافة المجتمعات وتشكيل العقول، وتحمل في طياتها تاريخ المجتمع وثقافته وموروثاته، فما أهمية إدراك أبعاد هذه المصطلحات؟ وما أهميتها في العلوم التجريبية والنظريات الحديثة خاصة الإنسانية منها، وما قدر الاختلاف الذي قد يحمِلهُ مصطلح واحد إذا تم تفسيره في نطاق ثقافات ومجتمعات متباينة؟ وهل النظريات الحديثة مبنية على مرجعيات دينية وإلحادية؟

سنرد بإذن الله على تلك الأسئلة، ونقطة مهمة سنخرج بها من هذا المقال، وهي: كيف نتعامل مع المصطلحات؟. إن المصطلحات المبهمة الغامضة تُربِكُ الذهن وتُشوش الأفكار، ولأن من البلاغة أن تُبيّن وتُعبِر عن قصدك بالشكل الذي يجعل القارئ أو السامع يتفهّم ما تريد إيضاحه أو قوله، ولأهمية الكلمة ووضوحها يقول الدكتور زكي نجيب محمود  “قد تكون الكلمة واضحة حين تجري في سياقها، لكنك إذا عزلتها وحدها ووضعتها في مخبار التحليل ألفيتها تقاوم وتراوغ، فكأنما اللفظة من هذه الألفاظ كائنٌ حي بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، تنصاع لفهمك إذا جعلتها جزءاً من عبارة، وكأنها وسيلة تتعاون مع غيرها على أداء معنى” (١).

أهمية المصطلح في الثقافة الإسلامية.

أنزل الله عز وجل القرآن بلسان عربي مُبين، حماية له من التأويلات الباطلة، ولقدرة اللغة العربية على توضيح المعاني بطريقة واضحة جازمة و”لأن أهل تلك اللغة أفهم لدقائقها، واصطفى رسوله من أهل تلك اللغة لتتظاهر وسائل الدلالة والفهم، فيكونوا المبلغين مراد الله إلى الأمم” (٢).

وأدان القرآن الكريم محاولات أناس للخداع اللفظي أو تعمد الغموض واللبس ليتسنى لهؤلاء تفسير الكلمات حسب أهوائهم وتحميلها المعاني التي تناسبهم، قال تعالى مخاطباً بني إسرائيل ومن صفاتهم هذا الخداع والخلط، {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]. وقال عنهم: {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [النساء: 46]؛ ولأن من الملاحظ أن كثيراً من التفرق والتحزّب الذي يقع في الأمة الإسلامية إنما هو ناشئ عن سوء الفهم والتعامل مع الألفاظ والمصطلحات، ولهذا قد منع العلماء من إطلاق الألفاظ المُبتَدَعة المُجمَلة المُشتبِهة، وإن كان العلماء والمفسرون في الفكر الإسلامي قد كفونا مهمة شرح وتحديد بعض المصطلحات المهمة القرآنية مثل: الجاهلية، الأمة، الحكم، الهجرة، الجهاد، فإن بظهور عصر الترجمة في العصر العباسي الأول، قد أُدخِلَت عبارات ومصطلحات من نتاج ثقافات ولغات أخرى، ومن الأمثلة البارزة في ذلك: أنّ لفظ (العقل) عند اليونانيين القدماء الذين تُرجمت كتبهم، إنما هو مغاير تمامًا لمعناه في القرآن الكريم، فإنهم يعنون بالعقل جوهراً قائماً بنفسه، ولكن في المصطلح القرآني هو إجراء ذهني يساعد على السيطرة والضبط والتحديد وهو عملية رُشد وتمييز بين الهدى والضلال.

فهكذا تتجلى أهمية اللغة والمصطلحات ومعانيها بالنسبة للمسلمين “فقد كان المسلمون أمة المصطلح إبداعاً وتوليداً واشتقاقاً وبياناً، ووصفاً وتدقيقاً، وتأصيلاً وتقعيداً، بصورة مثلت ريادة حضارية في هذا الباب” (٣). فهل يتغير مضمون المصطلح حسب المرجعية الثقافية؟

المصطلح بين ثقافة وأخرى

قل أي جملة شئت، مهما بلغت بساطة مضمونها، ثم انقل هذا المضمون إلى لغة أخرى تجدك قد اضطررت إلى نقص هنا وزيادة هناك مما تقتديه ثقافة تلك اللغة الأخرى” (٤)، ولأن المصطلحات تحمل سمات من صكها، حيث أنه يترك بصمته فيها، فتخضع لفلسفته ورؤيته الوجودية، لهذا وغيره، فإن المصطلحات المتكونة في مجتمع معين وبمرجعية محددة، قد يصعب وجود ما يطابقها في المجتمعات الأخرى، فمثلا مصطلح (العبودية) أو (عبداً لله)،هل يترجم بكلمة (slave) الإنجليزية وهي تعني العبد المملوك، أم نترجمها إلى (servant of God) وهي تعني الخادم لله!، ولكن ليس هذا معنى العبودية في المصطلح القرآني، والتي تعني الخضوع مع المحبة، ولذلك وصف أشرف الخلق بصفة العبودية (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ..).

مصطلحات العلوم التجريبية والأدلجة.

من بين تلك العلوم التي نشأت في العصر الحديث، أي: في وقت الحداثة وما بعدها عندما انتشر الفكر الإلحادي، تم تفسير الظواهر الطبيعية والعلوم عمومًا من مرجعية إلحادية تطورية.

فنجد مثلًا أن الأديان تعتبر وهم صنعه شخص ووضع قواعد لضبط العلاقات بين الناس، وذلك بناءً على كلام داروين عن الأديان وتفسيره لها كونها “فيروس” أو كما فسر كبار الملاحدة أنه وهم لتخدير الناس ليس أكثر..

ونجد في علم النفس التطوري أو علم الأحياء، يتم دراسة سلوكيات الحيوانات؛ ثم تطبق هذا الدراسات على الإنسان، باعتباره حيوان تطور من قرد إلى تلك الحالة التي هو عليها الآن.

وهذا مخالف تمامًا لمفهوم الإنسان والتكريم والخلافة في الأرض بالنسبة للثقافة الإسلامية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء 70]

ولهذا كانت مشكلة العلوم الإنسانية في فكرنا العربي خاصًة عند المُتَغرِبين أنها مستمدة من الغرب حيث قاموا بنقل ما يسمعون، دون النظر إلى المنطلقات التي تم فهم المصطلح بها، أو حتى تقييم مضمون المصطلح من منطلق ثقافتنا الإسلامية.

اليوم.. ثقافة الغالب واحتلال العقول

يرى ابن خلدون في مقدمته أن “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، واليوم أغلب المصطلحات تتركز في وعي الجيل الصاعد بما تحمله من معانٍ غربية، فمصطلحٌ كالأسرة، والذي يشير في ظلال السياق الاجتماعي العربي إلى الأسرة الممتدة من الجد إلى الأب والأحفاد، محكوم بمعاني الترابط والتراحم والشرف، فإنه في سياق المجتمع الغربي لا يعني ذلك وانما يشير إلى المجتمع التعاقدي، الذي ثار على طقوس الكنيسة، وقدم نموذجاً مختلف لإرادة الصراع في المجتمع، من ثم أصبح مفهوم الأسرة هو تعاقد شخصين، وازدادت خطورته في إطارات الاسرة المتعدد (مظاهر الشذوذ الجنسي)، لا يرى فيه أهله حرج، وأصبح يلاقي قبولًا واستحسان في مجتمعاتنا العربية.

ومما يشار له كثيرًا كقاعدة لعلاج هذا الخلل في نقل المصطلحات من لغة إلى أخرى “هي أن يُدرس المصطلح الغربي الذي يشير إلى ظاهرة ما من خلال سياقه الأصلي دراسة جيدة، نعرف مدلولاته معرفة جيدة، ونحاول توليد مصطلح من داخل المعجم العربي بحيث لا يكون ترجمة حرفية، وإنما تسمية للظاهرة من وجهة نظرنا، وقد أدمنّا عملية نقل المصطلحات دون أعمال فكر أو اجتهاد، ودون إدراك للمفاهيم المتحيزة الكامنة”(٥). لأن عملية تقريب مصطلحاتنا هذه إلى المفاهيم الغربية يُعقّد مشكلة النهضة والإصلاح التي نسعى إليها، ويوقعنا في حالة الاستتباع والانبهار. ” ولكن ماهي خطورة استخدام المصطلحات الغربية على شرعتنا وثقافتنا؟

القبول بكل الحواشي

نستطيع اليوم أن نجد تيارات حداثية يمكن أن نُسقط عليها ذلك الكلام، فمصطلح مثل النسوية موجود عندنا في اللغة العربية:

“قال سيبويه في الإضافة إلى نساء: نِسوي، فرده إلى واحدة، وتصغيره نِسوة نُسَية، ويقال: نُسيَّات، وهو تغير الجمع”(6) فإن سلّمنا بأن ذلك المصطلح مضمونه هو نفس مضمون النِسوية الغربية، ثم نأتي ونجعله شعار لرفع الاضطهاد دون النظر إلى ماهية الاضطهاد، وكيف تفسر تلك المظالم والاضطهاد عند من ننقل مصطلحاتهم؟

فالظلم والاضطهاد: هي عدم المساواة بين الجنسين، فانظر كيف تستخدم مصطلح؛ فتتهم الله بأنه ظالم كون الإسلام ليس دين مساواتي؟

ولكي تتجنب النسويات ممن استخدمن المصطلح ذلك الصدام؛ قررن نقل النزاع مع الإسلام إلى نقله إلى المفسرين، باعتبارهم بشر “هم رجال ونحن رجال” وعمل تفسير نسوي بديل للقراءة الذكورية -على وصفهم- وكل ذلك لمحاولة إقحام مضامين الثقافة الغالبة، واختراق هويتنا وثقافتنا، فتدخل علينا كل مضامين النسوية بصبغة دينية يرتضيها المجتمع لكونها غير مصادمة مثل التي تتهم الدين والإله.

“وعلى ذلك؛ فإن التحذير من ضرر استخدام المصطلحات الغريبة على شريعتنا وثقافتنا لا يمثل موقفًا انعزاليًّا أو تقوقعًا وانكفاء على الذات، وبُعدًا عن التفاعل مع العالم من حولنا، وإنما يمثل موقفًا محافظًا على مقومات الأمة وخصائصها ألا تذوب في غيرها؛ فإن تلك المصطلحات محمَّلة بدلالاتها الخاصة بها التي تكونت عبر أجيال عدة، وخبرات متطاولة في بيئة غير إسمية، وهي بالطبع بيئة مناقضة لبيئتنا.. وهي تمثل اعترافًا بعجز ثقافتنا أن يكون لديها المصطلحات الخاصة بها التي تدل على المضمون الذي نريده، ثم إن هذا التصرف سينتهي – ولا بد- إلى قبول المصطلح بكل شروحه وحواشيه”(7)

خلاصة القول

انتهينا بفضل الله من مقالنا، وذكرنا أهمية المصطلح في الثقافة الإسلامية، وكيف يتغير بين ثقافة وأخرى، وتكلمنا عن مصطلحات العلوم والنظريات الحديثة، وكيف أن تلك النظريات منها ما هو مؤدلج، وكيفية احتلال العقول عن طريق المصطلحات وتشكيل الرغبة والوعي، وأن المصطلح دون مراجعة من منطلق وهوية إسلامية؛ حتمًا سيؤخذ بكل ما فيه حتى وإن كان مخالف للشريعة الإسلامية.

والنتيجة أن المصطلح هو المُعبر عن هوية الأمة وذاتها وأصلتها، ومضمون المصطلح لا بد أن يكون متوافق مع الشريعة الإسلامية، بدون زيادة أو نقصان، فما يتفق عليه أصحاب الفكر المتعلمن، وعلماء  العلوم الحديثة وإن تقاطع مع مضمون مصطلح لنا؛ لا يعني ذلك أن يكون المصطلح الغربي استخدامه مناسب لنا لأن تقاطع المضمون ليس حُجة على أن المصطلح متوافق مع هويتنا، إلا عندما تنظر إلى باقي المضامين وتراجع المصطلح انطلاقًا من مرجعية الوحي، فإن كان متوافق لا إشكال، وإن كان غير متوافق، فلا يصح استخدامه لما يتضمن من معاني باطلة ويمكن أن تكون مُبدّلة لدين الله وشريعته.

“فمن الواضح أن المتغربين قد انخرطوا في نفس المسار الذي سار عليه علم الاجتماع في الغرب من جهة بحوثه حول الدين، وهو إطار مشبع – في الغرب – بالعلمنة والالحاد والرؤية المادية، ولم ينجح العرب المتغربون في الانفكاك عنه، فظهرت بحوثهم حول الدين متأثرة بذلك الإطار؛ فحولوا الدين إلى ظاهرة اجتماعية، واستبعدوا الجانب الإلهي، وجعلوا بعض البدع وسيلة لتعميم أحكامهم السقيمة على دين الإسلام…فمع الداروينيين يكون أصل الدين راجعًا إلى الطبيعة والمادة، ومع المغتربين من علم النفس مصدره لا شعوري، ومع المغتربين في علم الاجتماع؛ يكون مصدره المجتمع، وغفلوا أو تغافلوا عن الفرق بين الدين الحق وأديان الباطل”(8)


المراجع

(١) ثقافتنا في مواجهة العصر /١٩٢

(٢) التحرير والتنوير ١٦١/١٠

(٣) الأستاذ هيثم زعفان: كتاب المصطلحات الوافدة وأثرها على الهوية الإسلامية.

(٤) في حياتنا العقلية /١٣٢

(٥) دكتور عبد الوهاب المسيري: حوارات ٣٥٠/١

(6)  لسان العرب لاين منظور الإفريقي ج15/ص321

(7) محمد بن شاكر الشريف، دعوة إلى تأصيل المصطلحات السياسية، مجلة البيان، السنة العشرون، العدد 213، جمادى الأولى 1426 ه . يونيو.

(8) خاتمة كتاب النظريات العلمية الحديثة – حسن الأسمري

قراءة في كتاب هيروشيما

في عام 1945 بالتحديد فيما كان يسمى بالإمبراطورية اليابانية، استقبلت البشرية جمعاء حدثًا مروعًا لم يسبق له مثيل، وذلك في خضم الحرب العالمية الثانية بين الحلف الأمريكي والحلف الألماني، وهذا الأخير انهزم في حربه مع عدوه، مما جعله يترك باقي حلفائه يخوضون غمار حرب ضروس كانت نهايتها بين دولة العم سام -الأمريكان- وفرسان النينجا -اليابان- التي أرادت أن تستسلم في نهاية الحرب لكن مع شرط عدم تعرض -الأمريكان- للإمبراطور الياباني خشية منهم في أن يحاكم كمجرم حرب بعد وضع السلاح وإعلان الاستسلام، هذا الأمر الذي لم يقبل به شرطي العالم أنداك فلم يكن يقبل أن بوضع أي شرط في حالة الاستسلام من قبل اليابانيين، وهو ما أدى على حد قول الرواية الأمريكية إلى ضرب مدينتي “هيروشيما” و “ناغازاكي”، بالقنبلة الذرية، وكانت هيروشيما المدينة الوحيدة التي لم تتعرض للقصف بطائرة B-29 Superfortresses -أطلق السكان المحليون على هذه الطائرات B-san أو السيد متوتر- .

قصة الكتاب

كتب جون هرسي في كتابه “هيروشيما حكايا ستة ناجين من كارثة القنبلة الذرية” نقلا عن أحاديث سكان هيروشيما أن كانت هناك شائعة مفادها أن الأمريكيين كانوا يحضرون شيئًا مميزًا للمدينة، وقد نقل الشيخ عبد الله العجيري العديد من الأقوال لوزراء وجنرالات في عدم تقبلهم فكرة إلقاء القنبلة الذرية، كالذي ينقله على سبيل المثال لا الحصر عن الجنرال -دوايت إيزنهاور- في تصريح له للوزير الأمريكي الذي أخبره بأن قرار ضرب المدينة بالقنبلة الذرية قد تم إصداره، يقول فيه -بتصرف- “لا داعي لذلك، لأن اليابانيين مستعدين فعلا للاستسلام. إنني أكره لبلدي أن يكون هو السبّاق لاستعمال مثل هذا السلاح”.

بعد عرضه لهذه الأقوال يعرج -الشيخ عبد الله العجيري- ويقول في سبب ضرب المدينة بالقنبلة الذرية من طرف الأمريكان: “الأمر أشبه بلعبة في يد طفل شقي، وكان يخشى أن يحرم من اللعب بها مستقبلًا، وكان مصرَّا على تجربتها، فكان له ذلك، ليس مرة، بل مرتين، ولو لم يعلن الإمبراطور بنفسه خطاب الاستسلام من إذاعات المحطات اليابانية لاستمر اللعب ثالثة، ورابعة، وخامسة”.

رواية “هيروشيما” من تأليف الكاتب جون هرسي وترجمة الشيخ عبد الله العجيري، صدرت عن مركز تكوين سنة 2019 الطبعة الثانية، تقع الرواية في 290 صفحة، تتألف الرواية من خمس فصول، بدايتها بمقدمة من المترجم -الشيخ عبد الله العجيري- في حدود 40 صفحة، ونهايتها تقدم نبذة مختصرة هي للتشويق أكثر من أن تكون تلك النبذة التي تلخص ما جاء في الكتاب.

يتناول الكتاب حكاية ست ناجين عاينوا وعاشوا أهوال القنبلة الذرية، ويصور الكتاب حالهم وحال من شاهد ذلك الانفجار العظيم بطريقة تظهر مدى الوحشية التي تعرض لها سكان مدينة هيروشيما، يقول -الشيخ عبد الله العجيري- عن الكتاب “يكشف للقارئ على المستوى الإنساني، حجم الكارثة التي وقعت، وعن طبيعة الإجرام الذي تم على نحو قريب ودقيق، وينكشف من خلاله فظاعة ما يمكن أن تنحدر إليه الحضارة المهيمنة على عالمنا اليوم”.

انفجار القنبلة الذرية

فحوى الكتاب

الكتاب يحاول أن ينقل للقارئ تصور يقارب الحقيقة للأحداث الفظيعة التي تعرض لها الشعب الياباني من خلال حكايات هؤلاء الناجين الست وذلك من خلال تقديم هذه الشهادات والقصص المروية في قالب أدبي يصل إلى كل قلب ينبض بالحياة. يصور الكاتب في كتابه الهلع الذي تعرض له الشعب الياباني من خلال حكايات هؤلاء الأشخاص، وعلى العموم فإن مراجعة الكتاب حسب رأيي قد قدم لها الشيخ عبد الله العجيري في مقدمة الكتاب وقد أحسن في مراجعته التي ضمنها في مقدمته، والقارئ الممتاز يدرك أن المقدمة عبارة عن مراجعة المترجم للكتاب الذي ينوي ترجمته.

شخصيات الكتاب وهم الشخصيات الست التي نجت من الانفجار، وهم: الطبيبان فوجي مازاكاو وتيروفومي ساساكي، وزير بروتستانتي كيوشي تانيموتو، والخياطة الأرملة هاتسويو ناكامورا، وعاملة مصنع في العشرينيات ساساكي دومينيك، وكاهن كاثوليكي ألماني ماكوتو تاكاكورا. تتوزع عليهم الأدوار حسب فترات زمنية مختلفة من الصباح قبل حدوث الانفجار إلى وظهور الوميض الساطع ثم وقائع ما بعد الانفجار الذري وحالة التي عاشتها كل شخصية من الشخصيات.

قبل أن أتعرض لبعض الأحداث الخاصة بالكتاب، يجب أن أقول إن اللغة الأدبية للمترجم في غاية الأناقة، لغة أدبية قدمت لمسة جديدة لهذا العمل والذي أزعم أن نسخته العربية أقوى من جميع النسخ والله أعلم، وذلك لعدة اعتبارات أولا أنه ترجم إلى اللغة العربية التي لا أحتاج أن أعبر عن قيمتها بين باقي اللغات، ثانيا أن الشيخ -عبد الله العجيري- الذي ترجمها قلمه الأدبي أحسن نقل مشاعر الشخصيات من خلال عباراته التي أعطت لهذه النسخة العربية الأسبقية في الامتياز.

عبد الله العجيري (على اليمين)، جون هرسي (على اليسار)

البرق الصامت

في الفصل الثاني، وتحت عنوان الحريق وبعد فض الحديث عن فصل البرق الصامت، ينقل الكتاب أحوال الشخصيات بعد الانفجار والصدمة التي أصابتهم تلقاء هذا الانفجار المرعب، تصور لنا إحدى مشاهد الكتاب فظائع ما حصل، “كانت السيدة هاتسويو ناكامورا تكافح من أجل تحرير نفسها من تحت أنقاض منزلها المنهار بعد الانفجار، كانت تستطيع رؤية طفلتها ميكو أصغر أطفالها الثلاث مدفونة حتى صدرها وغير قادرة على الحركة”، مشهد يدمي العين.. كيف لا والأم التي لم تستوعب بعد ما حدث من هول الانفجار تشاهد أبناءها تحت الأنقاض.

يصور الفصل أيضًا انقلاب حال الشخصيات من العيش في ذلك الصباح الهادئ الذي يتلاحم فيه الشعب الصامد إلى مقارعة الأهوال والحرائق المميتة التي تأتي على الأخضر واليابس، أهوال جعلتهم يتركون أشخاص من دوي معرفتهم تحت الأنقاض ليلقوا مصرعهم متفحمين من ألسنة اللهب.

فصل يصور الهلع الرهيب الذي أصاب سكان مدينة هيروشيما مما جعلهم يخرجون شائعات بسبب قطرات ماء تساقطت عليهم كانت مصدر قلق مفادها “أن طائرة -أمريكيا- واحدة قامت برش البنزين في أنحاء المدينة، ثم وبطريقة ما تشعل ذلك البنزين في لحظة خاطفة”، لكن في الحقيقة ما هي إلا تساقطات أمطار عادية.

نأخذ الفصول التالية بمجموعها ونقول إن وقع الانفجار لم يخلف فقط مصابين وموتى في تلك اللحظة بل خلف خسائر لا يمكن تعويضها وإن أرادت أمريكا تعويضها، فالذي يريد أن يعوض الأشخاص لن يعوض البلاد عن ذلك الإرث الحضاري المفقود الذي يدل على هوية البلد وتاريخها، لن يعوضها المال التاريخ الذي تم مسحه من خارطة العالم في لمحة من البصر.

فيما بعد الكارثة ينقل الكتاب تعرض الأشخاص الذين نجوا من الانفجار إلى الإقصاء والتهميش بحيث تمت تسميتهم -بالهيبكوشا- عوض تسميتهم بالناجين، وذلك في محاولة لتمييزهم عن غيرهم، مما أدى إلى اضطهادهم اجتماعيا واقتصاديًّا”

وعلى الجملة فإن عرض كل القضايا التي ناقشها الكتاب شيء ممتع لكن يطول الأمر في نقل كل ذلك، والمغزى من هذه الكتابة أن يقبل القراء على قراءة هذا الكتاب، نظرا لأهميته في التعاطي للعديد من الأبواب من أهمها بالنسبة لي بيان وحشية الغرب الذي ينادي بحقوق الإنسان ويفرض عقوبات على الدول التي لا تريد أن ترضخ إليه من بوابة الحقوق، التذكير بأن الإسلام لم يأتي لقوم خاصة وإنما جاء للإنسانية جمعاء وهذا يجب أن يشحذ همتنا في الدعوة إلى الله وإعلاء كلمة التوحيد التي بفضلها ننشر العدل ونقضي على الظلم، وعدم الاغترار بالمفاهيم الغربية ومعرفة أن كل مفاهيمهم المنمقة حبر على ورق.

ماذا لو كان في كل امرأة (خديجة)؟

لطالما راودني هذا السؤال، -خاصة في الآونة الأخيرة- كون أنّ الحرب على الفطرة قد حمي وطيسها، أتأمّل في صفاء الفطرة وكدر المطروح عليها من أعدائها، كيف يمكنُ للقذارة أن تنال من الصفاء؟!

إنّه أمر محزن للغاية، أن يعودوا ليقفوا بالمرأة على أعتاب الجاهلية، كيف تهانُ كرامة مَن أكرمها الله من فوق سبع سماوات؟! أم كيف يستطيعون غسيل دماغ البعض منهنّ، حتى تحمل إحداهنّ راية ممزّقة مطالبة بما لم تفقهه روحها اللاهثة وراء السراب!

إذن أعود لسؤالي.. ماذا لو كان في كلّ امرأة (خديجة)؟

امرأة قلّ مثيلها

إنّ الأمر الأوّل الذي ينبغي الوقوف عنده عندما نناقش شخصية السيدة خديجة رضي الله عنها، هو أنّها كانت شخصيّة فريدة قبل الإسلام، يعني في (الجاهلية) كان نسيج السيدة خديجة نسيجاً سويّاً فريداً، لأنّ الأصالة والتربية إنّما هي أمور مفصليّة، لذلك كثيراً ما نقرأ في السيرة النبوية عن أولئك الذين كانوا يقومون بحضور حلف الفضول لنصرة الضعيف، تلك كانت أخلاق النبلاء، بعيداً عن العقيدة وقبل نزولها.

فإن قالت إحداهنّ الآن: إنّنا صدّعنا رؤوسهنّ بالشريعة وحدودها الجميلة، فها نحن لم نبدأ بعد وإنما طرحنا نقاء الفطرة ونبل الخصال قبل نزول الوحي.

السيدة خديجة كانت تاجرة لها اسمها ولها بصمتها في الحياة، ورغم قوّة شخصيتها إلا أنها كانت تبحث عن شخص أمين قويّ يقوم بأعباء التجارة والانتقال، وهذا الشخص كان سيد الخلق محمد ﷺ. وهنا يتبادر سؤال استشكالي: لماذا لم ترفع السيدة خديجة شعار (المرأة القوية المستقلة) strong independent woman؟  ولماذا لم تقم بتأسيس رابطة نسويّة للقيام بأعباء التجارة؟

الجواب الوحيد أنها كانت صادقة مع نفسها ومع التكوين النفسي الذي جبل الله تعالى الأنثى عليه. بعد زواجها من رسول الله ﷺ، وغياب رسول الله ﷺ الليالي ذوات العدد وهو يتحنّث في غار حراء، لم تشكُ يوماً، بل كانت سنداً تأخذ الزاد وتقطع الطريق الوعر كي تعطيه لسيّد الخلق. فلا عجب أنّ كتفها كان الملاذ الآمن لسيد الخلق حين رأى الوحي لأوّل مرّة، إذ إنه لم يذهب إلى صديق ولم يطلب المساعدة من أي رجل، وإنّما لاذ إلى الركن الحاني، إلى زوجته خديجة رضي الله عنها.

روح الكلام ويقين الفعل

في رجفة التعب، كان الجواب الحكيم وبثّ الاطمئنان (كَلَّا والله لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ). [أخرجه البخاري في صحيحه] ولم تكتفِ رضي الله عنها بالجانب الكلامي، بل بادرت إلى الاحتواء العملي ورافقته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ليقصّ النبيّ ﷺ عليه الخبر. لو رفعت السيدة خديجة ذاك الشعار لكان منحى الأحداث اتخذ شكلاً آخر، أوّله أنّ القارئ للسيرة النبوية لن يشعر بسكينة ودفء بنيان الأسرة عند قراءة موقف كهذا، وآخره ليس أقلّ شدّة من أوّله.

تلك رحلة لم يكن هذا الموقف الوحيد فيها، بل كانت سلسلة من المواقف الناصعة التي تركت في قلب رسول الله ﷺ بصمة خير، إذ أنّ سيدنا محمّد ﷺ لم يكن ينسى من أحبّوه، ولا يتجاهل من اعتنوا به وآزروه، فكان يتعاهد بإرسال العطاء صديقاتها ويكرمهنّ، وكان أن بشّر الله تعالى السيدة خديجة ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاَثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلاَئِلِهَا ) [أخرجه مسلم في الصحيح برقم 2435]

في القرن الواحد والعشرين .. ماذا لو تأسّيتُ بالسيدة خديجة ثمّ ظُلِمت!

كوني خديجة، يَفِضِ الله تعالى على الطرف الآخر بالنفحات الإيمانية والقدوة بالسيرة المحمدية..

وهنا يحضرنا أمر هام، وهو أنّ الشخص السويّ نفسياً هو من يقدّرُ خديجة التي في داخلك، إذ لا يقيّم الذهبَ ميزان بائع الفحم. ولا يعني توقّع الأسوأ أن نهجر القيم، ولا يعني هبوب عاصفة ما أن نحكم على جميع الفصول بالقسوة.

حقيقةً هذا ما يحدث، إنهم يحيلون الفصول إلى فصل قاتم يقومون بهندسته وفقاً لأمزجتهم وأجنداتهم، فإن قبلت روحكِ العيش في هذا الفصل، فلا تقومي بالشكوى من الهلع والفزع فيما بعد، وهذا ما سيحدث.

ولكن: ماذا عن الابتلاء؟ ألا يمكن أن أتشبّه بخديجة وأجد أمامي من يشبه أبا لهب؟!

في الحياة كلّ الخيارات مطروحة، لأن الابتلاء سنّة من سنن الحياة، فممكنٌ جداً أن تكوني خديجية الخطوات وتجدي أمامك لهبيّ التصرفات. ومن الممكن أيضاً أن يكون أحد ما محمّدي الخطوات ويجد أمامه امرأة سوء تشبه امرأة لوط.

إلا أننا نسأل الله العافية..

الحياة فيها الكثير من الخيارات والكثير من الطرق، ولا سيما عندما تتعلّق بالعلاقات الإنسانية، وكلّ حالة ولها علاجها الخاص، وكلّ مشكلة ولها أسبابها ونتائجها. ولكنّ تخلّيك عن فطرتك تحت داعي الخوف من الظلم ظلمٌ لنفسك في الدرجة الأولى، وتخليك عن فطرتك تحت داعي اقتناص دور لم تُخلقي له، جهلٌ بتكوينك النفسي.

فاستمسكي بتكريم الله لك ما استطعت وعضّي على ما حباك به الإسلام من مكرمات بالنواجذ، وقاومي ارتفاع موج الفتن التي تقوّض بنيان روحك، وإلا صدقيني لن يغرَق أحدٌ إلاكِ.

إصلاح التعليم بين التنظير والتنزيل

بعد الاطّلاع على أطروحات متنوعة لإصلاح التعلم أو منظومة التعليم، تبيّن -بالرغم من الجهود الحقيقية المبذولة- أنّ جميعها لا تخلو من أفكار يصعبُ جدًا تحققها في أرض الواقع، وأنّ تحديات الواقع الحالي تُشكِّل عائقًا حقيقيًا أمام المصلحين في كافة الميادين؛ ولذا فإني سأحاول في هذا المقال بإذن الله عرض وتفكيك بعض هذه التحديات لعل ذلك يفتح مسلكًا لأفكار أخرى فتظهر للوجود.

أصل الإشكال

إن كارثة المدارس الإلزامية لا تتوقف عند تجهيل الأجيال، وإنما تمتد إلى هدر حاضرهم ومستقبلهم، فعندما يدفع الشاب والفتاة حياتهم في تعليم دون تعلّم، أو مكاسب معلوماتية وأخلاقية واجتماعية حقيقيّة، ودون اكتساب مهارات كبرى في هذه الفترة الحرجة من حياة الإنسان، فهذا بمثابة إعلان على تخريج ملايين البشر المجوفين، الذين لا يعرفون معنى العبودية ومركزيّتها، ولا يملكون علمًا أو خبرة عميقة، أو مبادئ فكرية صحيحة، فمع أول جيل ينتجه هؤلاء،  سينتشر الفساد في الحياة الاجتماعية ويطغى في كافة جوانبها سواء في الحياة العامة أو الخاصة، وهنا تتبلور الكارثة الحقيقية التي تواجه المصلحين في هذه القضية، وهي أنّ كل خطاب إصلاحي موجه للناس ستكون القاعدة الكبرى المتلقية له جوفاء لدرجة تهدر أي جهد إصلاحي.

في جدوى بعض الأطروحات

  • فكرة التعليم المنزلي (التعليم غير النظامي):

مع إدراك الكثير من المصلحين حجم الفساد الذي طال المدارس الإلزامية، ومدى تأثيرها السلبي على المستوى الفكري والاجتماعي والنفسي؛ نرى أن عددًا كبيرًا منهم اتجه نحو التعليم المنزلي، واتخذوا هذا النموذج حلًّا يصلُح تعميمه في المجتمع، وبالرغم من الإيجابيات الحقيقية التي تمتاز بها هذه الأطروحة، إلا أنها تواجه ثلاثة تحديات أساسية:

الأول: طبيعة المجتمع الراهن.

إنّ تجربة التعليم المنزلي لا يمكن تعميمها في المجتمع الحالي، لأنّ نجاحها مرهون بالمستوى الثقافي وحركة الرواج العلمي التي تتبناها الحاضنة المجتمعية، وبالتالي يكون نجاح هذا النموذج مقتصرًا على الأسر التي تحمل مستوى ثقافيًّا وفكريًّا وتربويًّا يُمكّنّها من المواصلة في الارتقاء الديني والثقافي والفكري والاجتماعي للأبناء، وكذلك مواجهة التحديات الاجتماعية التي يفرضها العصر، والمثبطات التي لا حصر لها، إذ أنّ العقل الجمعي في المجتمع هشّ البنية، ذي الهُويّة المشوّهة، لا يقبل بسهولة أنّ يرى من يذكّره بحقيقته، أو يخبره بنمط حياته المقولَب الذي لا يستطيع الخروج عنه، أو حتى أولئك الذين يرون أنّ هذا إهلاك وتضييع للأبناء، وهذا أمر يحتاج إلى حكمة مع حزم لتخطي هذه العقبات.

بعد دوران عجلة المدارس الإلزامية مئات المرات، باتت هناك أجيال كاملة تكونت منها ملايين الأسر التي لا يجيد أربابها أيًا من الأساليب التربوية المستقاة من مرجعية الوحي فضلًا عن الثقافية أو الفكرية، وأصبحت المجتمعات تحوي نسبًا مرعبة من الأمية، سواء الأمية بمعناها المعروف أو أمية الوعي، وهذه أضل سبيلًا، فهذه الأجيال غير مهيّأة للتربية الصحيحة فضلًا عن حمل مسئولية التعليم كاملة.

الثاني: لا يزال الإشكال قائمًا!

عندما اطلعتُ على بعض تجارب التعليم المنزلي سواء المعتمد على شبكة الإنترنت أو الكتب، وجدت أنّ الأغلبية الساحقة لم تستطع كسر دائرة النظامية والمناهج المهندَسة عند ممارسة التدريس للأبناء، لأن القولبة التي تسببها المدارس الإلزامية ترسّخت في أذهان الحاضنة المجتمعية لطول عهدها بها، فبدلًا من الذهاب بهم إلى فصول المدارس، باتوا يدرّسونهم المناهج ذاتها بالطريقة ذاتها، ولكن في رحاب المنزل وبين غُرفه.

صحيح أن بعض الإشكالات النفسية والاجتماعية تمّ تلافيها، خصوصًا إذا كان الوالدان على وعيٍ كافٍ بها وحَرِصا على تعزيز هذه الجوانب بشكل صحيح، إلا أن السؤال يبرز: ماذا عن الإشكالات الفكرية التي ملأت أوراق تلك المناهج؟

إنه حتى لو تم تصفية بعض المواد من الإشكالات الصارخة كنظرية التطور الدارويني ونظريات نشوء الكون الإلحادية، فالمناهج في ذاتها تحمل نَفَسًا عالمانيًّا ودعوات واضحة في الانفصال عن الدين، فهي مُصمَّمَة لتحقيق مقاصد تختلف تمامًا عن المقاصد الإسلامية، ولا عجب في ذلك فهي نابعةٌ من النظام الغربي الحداثي وما يحمله من أيديولوجيات، لا من مرجعية إسلامية تضبط بوصلة المسلم، فيطوّع كل علم يدرسه لتحقيق مقاصد الدين.

الثالث: النظام التعليمي المنزلي غير مدعوم في أغلب الدول.

إنّ هذا إشكال حقيقي يواجه هذه التجربة، إذ إنّ الآباء الذين استطاعوا تجاوز التحديات السابقة بأمان، يسقط بعضهم عند شفا هذه الإشكالية، كما أنّ عدم حصولهم على شهادات رسمية من التعليم المدرسي يحرمهم من الدراسة الجامعية أو الانخراط الطبيعي في سوق العمل، ولعل البعض استطاع تخطيها من خلال الصعود الصوري في المراحل التعليمية المدرسية لعدم فقد هذا الجانب، وممّا شجّع الكثيرين على الاستمرار هو تواجد عشرات الفرص من الأعمال الحرة العالمية التي يمكن أن يحترفها الإنسان ويتكسّب منها دون احتياج إلى المدارس الإلزامية.

  • أطروحات إصلاح التعليم الإلزامي.

عند الاطلاع على الأطروحات التي عمدت إلى إصلاح المدارس الإلزامية، نجد أنّها انقسمت إلى قسمين:

الأولى: أطروحات تتجه إلى إصلاح التعليم بشكله الحالي.

وهذا من خلال توسيع النظر إلى الشخصية المتكونة من خلاله، فالأفراد يجب ألّا يكونوا مكسبًا للاقتصاد والسوق بمختلف فروعه فحسب، بل يجب توسيع الدائرة لتشمل الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، حيث تشير عشرات من التقارير الدولية إلى الرابط بين القصور في نظم التدريس من جهة، والبطالة ونقص الاستعداد لمواجهة التحديات الاقتصادية الوشيكة من جهة أخرى.

بيد أن هذا الفهم للمشكلة الذي يتركّز على الكيفية التي يتعيّن فيها على المدارس أن تهيئ الطلاب لمواجهة الوضع الاقتصادي يتسم _على الرغم من دقّته_ بضيق الأفق، فالإصلاح لا ينبغي أن يركّز على المدارس وحسب، بل على الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع التعليم، فالأمر لا يتعلق فقط بالتقدّم الاقتصادي وموقع العمل _رغم أهمّيتهما_ بل كذلك بالاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي.

وثمة ملمح آخر وهو نقد الصورة الحالية للمناهج الدراسية كمًا وكيفًا، فقد رأى النقاد أنه ينبغي عدم اقتصار الإصلاح على طرح سلسلة من التغيرات المحددة في المناهج الدراسية القائمة لتلبية احتياجات سوق العمل اليوم، بل لابد من أن يكون التركيز -بدلاً من ذلك- على بذل الجهد لدفع المجتمع، على جميع الأصعدة (من القيادة السياسية، والموظفين العموميين، والمدرّسين، والطلاب، والأهل، والمجتمع المحلي) إلى بلورة الرؤى حول التعليم في مجتمعاتهم، ويجب أن تقوم هذه الرؤى بدرجة أقل على المواد التي يجب تعليمها في المدارس، وبصورة أكبر على كيفية تطوير عملية تعليمية تدمج ما يجري في الصف وخارجه، وفي موقع العمل، وفي وقت الفراغ، ولفترة طويلة بعد التخرج.

كان من المُلاحَظ أنّ النظم التربوية العربية لا تشجّع -بل لم تُصمَّم لتشجّع- روح التشاركية والإخاء الأهلي في جوانبها كافة، وهي _بدلاً من ذلك_ تركّز على التعلّم بصفة عامة، ويشدّد أكثرها بصورة أضيق على اكتساب مادة معرفية محددة ومتفق عليها، وتُصمَّم النظم المدرسية لاستخدام مادة أكاديمية محددة.

نتيجةً لذلك، يشجَّع المدرسون على تعليم مهارات إدراكية متدنية (تقوم على التذكّر والاستيعاب) على حساب المهارات الأكثر رقيّاً (في مجالات التطبيق، والتحليل، والتوليف، والتقويم، والتفكير النقدي). ومن ثم تنتج تلك النظم خرّيجين يحملون المؤهلات، لكنهم لا يمتلكون منظومة المهارات الضرورية للتصدي للتحديات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجه المجتمعات العربية، أو حتى لتلبية احتياجات موقع العمل، وهي الهدف المعلن لكثير من الجهود الإصلاحية الأخيرة.

وكذلك شملت بعض هذه الأطروحات نظرة الأهالي إلى المدارس التي اعتبروها مواقع يكتسب منها أطفالهم المقدرة على تحصيل الرواتب العالية، واكتساب المهارات التقنية، والتمتّع بمستقبل مهني مُجزٍ، وعندها تنحصر هموم كبار المسؤولين في إنتاج الخرّيجين الذين تزيد سيرتهم الذاتية من مكانتهم في سوق العمل.

مع محاولتهم بحث إشكالية أهلية المعلمين وضعف التمويل، وثمة أطروحة اعتبرتهما التحديين الكبيرين اللذَين يواجهان إصلاح التعليم، حيث إنّ ضعف تأهيل المعلّمين ووجود عشرات الألوف منهم ممن لم يتلقّوا أي تدريب على طرق ووسائل التعليم والتقييم الحديثة، مما يؤثر في ضعف العائد على الكلفة الباهظة للتعليم، والآخر هو ضعف تمويل برامج إصلاح التعليم، وبالتالي فإن وضع إصلاح التعليم على الطريق الصحيح يحتاج أولاً إلى بدء برنامج واسع ومكثف لإعادة تأهيل المعلمين القائمين حالياً، وإعداد المعلمين الجدد بمقاربة مختلفة عما يجري حالياً لمواجهة تزايد الطلب على التعليم، وكذا زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين كفاءته.

إشكالات وتحديات

ورغم الجهود الجهيدة في هذه الأفكار، إلا أنني أرى فيها إشكالين رئيسيين:

الأول: إنّ هذه الأطروحات تصلح لترميم الأنظمة المدرسية المتهالكة في المجتمعات الغربية، التي ابتدأت هذا النظام أصلًا للحصول على عمال ماهرين -وتفصيل ذلك في مقال سابق– وصُمِّمَ لهذا النظام مناهج مناسبة له وتحقق مآربه، ولكن هناك تصادم حاد بين غايات ومقاصد المجتمع الغربي والمجتمع المسلم تُحتِّم وجود اختلاف جوهري في منظومة التعليم التي تنتج الأفراد الأكفاء لتحقيق تلك الغايات، وبالتالي فإن هذه الأطروحات لو تحقّقت ستؤدي إلى نشوء مجتمع عالماني مكتمل الأركان بالمقاييس الغربية، وهذا يعني أنّ هذا “الإصلاح” ما هو إلا مزيد من التوغل في البعد عن تحقيق العبودية لله عز وجل، بل إنّ من الأسباب التي جعلت المجتمعات المسلمة حتى الآن تحتفظ ببعضٍ من أصل الدين هو فساد هذا النظام التعليمي العالماني، فبدلًا من خروج فرد عالماني، يخرج فرد مجوّف، فمجموع الفرد الأول يجعل المجتمع ماديًا عالمانيًا محضًا، ومجموع الثاني يجعله مجتمع يرزح في الجهل، والعمل الإصلاحي في كلٍ من الصنفين يكون شاقًا للغاية.

الثاني: لا يمكن تحقيق هذه الأطروحات إلا من خلال جهات رسمية تملك الحل والعقد، وبالتالي فإن هذه الأطروحات تعتبر ضربًا من المثاليات لنشوئها في هذا العصر، وحتى القليل من الأطروحات التي يملك مديرو المدارس صلاحية تحقيقها، سوف تقتصر على المدارس المتواجدة في مناطق راقية ذات مستوى اجتماعي عالٍ تتمتع بقدر من الرفاهية الاجتماعية التي تسمح للطرفين (الأهل – المدرسة) القيام ببعض هذه الأدوار.

الثانية: أطروحات تدعو إلى استنساخ تجارب إسلامية ناجحة.

عند النظر إلى التاريخ الإسلامي سنجد تجارب تعليمية برّاقة كالمدارس النظامية السلجوقية مثلًا، والتي جمعت بين صناعة المسلم الحق، الخاضع لله والمحقق العبودية له تبارك وتعالى، والشمولي -كذلك- في طلبه لكل أنواع العلوم انطلاقًا من دوره الاستخلافي، وتحقيقًا لمقاصد العبودية، مُزكّى النفس، سليم التفكير.

ولكن يواجه هذه الأطروحة ذات الإشكال الثاني الذي يواجه أطروحة إصلاح المدارس الحالية.

إذًا، ما الحل الذي يناسب المجتمع عامة، وأهل الوعي خاصة؟

هذا ما أسعى للإجابة عنه في مقالٍ لاحق بإذن الله.

قراءة في كتاب “روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”

نسج الفيلسوف والمفكر د. طه عبد الرحمن خيوطاً تتساوق مع مفهوم الإنسان بين التمذهب القديم والمذهب الجديد، فعبر عنه بأنه ذلك الموجود الذي ينسى أنه ينسى، وبسبب نسيانه أضحت الأمور لديه تجري على عكس ما جرت عليه العادة، فالذي كان خيراً عند أسلافه أصبح شراً لديه، وما كان باطلاً مسلماً ببطلانه أصبـح حقاً يأخذ به وينافح عنه وهو ما يؤكد آفة نسيانه لحقيقة وجوده، وهذا ما ولّد للفيلسوف طـه عبد الرحمن مفهوم الإنسان الأفقي “المادي= العلماني“.

شرح د. طه هذا المفهوم بأن الإنسان الأفقي لا يذكر إلا ما يراه بصـره، مما جعلـه يجحد فضل ونعم خالقه عليه الأمر الذي وصل به إلا حد القول بتعارض الدين والسياسية، على اعتبار أن الأول فيه خضوع وخنوع والثاني فيه من السيادة والقيادة ما يحرره من أغلال الدين. هذا الأمر الذي يعد من المسلمات لدى الإنسان العمودي “الذي يرى ما لا يراه بصره وتراه بصيرته، حتى إذا دبّر كان عابداً وإذا عبد كان مدبراً”، فهو يرى أنه مسخـر ومستخلف فــي الأرض وكل عمل فيه إخلاص لله عز وجل فهو عبادة بالنسبة له وإن كان في السياسة.

نهج التمييع وقلب الحقائق

سعى العلمانيون والحداثيون إلى تزييف الحقائق علـى الصعيد المنهجي حسب د. طه وقد ابتدعوا في ذلك مبدأ يقوم على التناقض والتضاد بين الدين والسياسية، فاعتبروا أن العلاقة لا تخرج عن هذين الأصلين، ولأجل ترسيخ هذه الأباطيل في أذهان وعقول الباحثين والمصلحين، سخروا إمكانياتهم في سبيل ارتقاء واعتلاء العلمانية رتبة الحقائق المسلمة التي لا تقبل الشك أو النقد، على اعتبار أنها مشترك إنساني تجتمع حوله كل الشعوب، وقد لاقى هذا السعي صدىً كبير واستقبلته آذان مصغية من المتمردين على الدين وبعض دعاته -للأسف- الذين سلموا بهذا “القطع اليقيني” واعتبروا أن العلاقـة القائمة بين الدين والسياسة علاقة لا تخرج عن “تقابل تضاد أو تقابل تناقض”.

قاد هذا إلى إعطاء السياسيين حق التدبير والتصرف في أمور الدنيا وشؤون أهلها “بأحكام تصادق عليها الشعوب” من غير أن تتدخل أحكام الدين في الأحكام الوضعية التي استأثر بحق وضعها الحداثيون والسياسيون.
إن الإنسان حسب طه عبد الرحمن كائن “محاط بالغيب” وقبل أن ذاته فيما هو محسوس كانت في عالم “الروح” وحينما لم تنحصر رؤيته فــي ” البصر” بل ارتقت إلى عالم البصيرة، كان بصره حياة له في العالم المرئي، وبصيرته حياة تربطه بعالم الغيب، وإدراكه لهذه الحقائق يقوده إلى الإيمان بخاصية التكامل بين ما هو ديني ودنيوي.

الإنسان الأفقي

إن الإنسان الأفقي “العلماني-مادي” حسب منظور طه عبد الرحمن، حينما يصعب عليه نقل كمالات العالم الغيبي إلى العالم المرئي، يشتغل في سرقة الخصائص الغيبية إلى عالم الشهادة أو العالم المرئي مع تستره في نقلها وعدم ذكره من أين أتى بها.

أدت هذه السرقة “العلمانية” إلى إسقاط خصائص العالم الغيبي على “العالم المرئي”، فأصبح لفظ “الملك” وهو صفة غيبية لعالم الغيب، تنقلب حسب مفهوم العلماني إلى صفة استعباد لأهل الأرض، متوهماً في ذلك أن استيلائه على العالم المرئي كبسط الإله سلطانه على العالم الغيبي.

وعليه فإن الإنسان عند طه عبد الرحمن لا يمكن أن يحيا إلا في عالم واحد هو العالم الذي بين يديه، وإن اجتهد وحاول أن يتمرد على هذه الحقيقة وينتقل إلى عالم آخر كان اعتلاؤه اعتلاء مقارنة لا مفارقة.

بين عالم الروح والمادة

لا يقتصر الأمر على هذه المفاهيم التي أشار إليها طه عبد الرحمن، ولا تنتهي عند هذا الحد إنما تتفرع عنها مفاهيم مركزية أخرى ترسم وتحدد المعالم الكبرى لهوية الإنسان حسب منظوره، ومن أجل إبراز هذه الفوارق الجوهرية حدد طه عبد الرحمن نمطين يؤصل من خلالهما مفهومي الوجود والحياة، نمط أطلق عليه الكاتب لفظ “الانوجاد” -من فعل انوجَد-، الذي يحدد العلاقة القائمة بين الروح أو “ما وراء الحس” والجسد الذي يحيا في عالم الحياة “العالم الحسي”، على اعتبار أن أحدهما يكمل الطرف الآخر ويضفي عليه خاصية يتحدد بها العالم المرئي.

النمط الثاني مفهوم “التواجد” لربما وجد البعض أنه يندمج مفاهيميًّا مع مفهوم “الانوجاد” على اعتبار أصل الكلمة في قواميس اللغة، لكن “التواجد” مركب تجريدي ينفك بالروح عن عالم الأجسام والأبصار إلى عالم البصيرة والعقائد المجردة.

تفيد هذه الأنماط الإنسان في أن يحيا الحياتين في الآن نفسه، عالم الروح وعالم الأجسام، وعلى أن يكون موجودًا في العالم المرئي وغير المرئي، إلا أن وصول الروح إلى عوالم الغيب يحتاج جهدا كبيرا وزخما عاليا ليرتقي العبد بنفسه وروحه إلى منزلة الصديقية، ويعرج إلى مدارج العلماء السالكين الذين هم ورثة الأنبياء وهذه المرتبة لا ينالها إلا عبد عارف بالله، ومن هنا حدد طه عبد الرحمن أنماط الوجود الذي يرى أنه فاعل سياسي وفاعل ديني.

الفاعل السياسي الذي يرفض -برأيه- كل ما هو ديني، وبالنظر إلى طبيعة الحياة السياسية التي عاش فيها الكاتب يبرز جليا للقارئ مدى صحة نظرية طه عبد الرحمن. هذا الفاعل السياسي يدعو إلى فصل الدين عن السياسة على اعتبار أنها جاءت في فترة كانت الضرورة تلح على وجود قانون تشريعي إنساني يضبط شؤون الإنسان في العالم المرئي الذي هو مدار الأمر الذي تدور عليه السياسة.

إلا أن الكاتب يرى أن الفاعل السياسي بسبب سرقته للخصائص الغيبية وحملها على الخصائص التي يتصف بها العالم المرئي أصبح متناقضا في نفسه يدعي الملك والملك لله، وينزل اسم العزيز على صنم العزى ليكون نفعا دنيويا يوازي بين الربح النفسي والربح المادي، وغيرها من تنزيل وسرقة اسم الله واطلاقه على صنم اللات، واسم المنان وحمله على مناة.

سرقة الفاعل السياسي لهذه الخصائص الغيبية وحملها على الخصائص الدنيوية جعله يزاوج بين عالم الأبصار وعالم البصيرة، تحت العديد من المسميات والمناصب الدنيوية “السيادة/ السيطرة على الحكم الإنساني”، “الملك/ ضبط مسار التاريخ ومآله”. بالمقابل نجد أن الفاعل الديني يستقر على عالم الغيب ويعتبره منطلق لكل شؤونه وقضاياه الدينية والدنيوية، ويتجلى هذا -برأيه- في كون اشتغال الفاعل الديني أكثر شمولية من الفاعل السياسي، لأنه ينفتح على العالم المرئي والغيبي قولًا وفعلًا، وهو كما يقول الكاتب “تنزيل للمثال الغيبي على الواقع المرئي”.

ومن ذلك يصل طه عبد الرحمن في هذه المقاربة التي أجراها على “الفاعل السياسي والديني/ العالم المرئي والعالم الغيبي”، إلى أن الدين والسياسة منهجان أصلهما واحد ويصبان في نبع تدبير الحياة الإنسانية لتوفق بين عالم المادة الذي يعد وسيلة للوصول إلى العالم الغيبي، والذي يربط بين هادين الأصلين “عالم الغيب وعالم الأجسام” الفطرة التي هي أقوى من الذاكرة التي خص بها الخالق عز وجل الإنسان.

يخلص الكاتب ويؤكد على حقيقتين، الأولى أن استحضار الغيب في الحياة العملية يفضي بالإنسان إلى حقيقة وجود ذات عليا لا يماثلها شيء هي من تستحق العبادة وهي المنفردة بالخلق.

الحقيقة الثانية: أن استحضار العمل بالتشريعات الدينية يوسع من نطاق العلم وهكذا فإن الاشتغال بالعمل الديني يفتح آفاق لا يدركها العقل من الوهلة الأولى.

التسامح .. من الرحمة إلى التباهي بالميوعة

نستقي من هذه الحقائق أن طه عبد الرحمن يرى أن التسامح الديني الذي طالته الألسنة وتناولته أقلام الباحثين ابتعد عن نبعه، حيث يرى -طه- أن المفهوم الذي أصبحت العقول تتبنّاه هو مفهوم التسامح الأفقي، بمعنى آخر لا وجود للتسامح إلا إذا حضر نوع من الاستعلاء والفوقية من طرف المتسامح، وحسب -طه- فإن تجاوز هذا الفهم الخاطئ لا يمكن أن يكون إلا بطريقة واحدة وهي مبدأ المعاملة بالمثل، هذا المبدئ الذي يرى أن على المتدينين استحضاره وتبنّيه من أجل تضييق دائرة الخلاف بين جميع الأطراف بغض النظر عن هويته، وهذه هي حقيقة الدين لكن انحراف الفهم وتدليس المفاهيم هي من ولدت كل هذه الصراعات، بالنسبة -لطه- ما دام الشخص لم يجبرك على اعتقاد دينه، ولم يحارب دينك، ومادام لا يضرك باعتقاده فله أن يعتقد ما يشاء، وبالتأكيد فإن هذا موضوع موسع ولا يمكن أن نحصره في كلام مجمل كهذا.

يمكن أن نقول إن الكاتب يرى أن الإنسان يمكن أن يُحَصل مبدأ التكامل الديني من بوابة المعاملة بالمثل، بدلا من التسامح الذي يرى أنه يميل إلى صفة الاستعلاء والفوقية.

بالعودة إلى سرقة الفاعل السياسي للخصائص الغيبية، نجد أن الكائن الإنساني يتميز بخاصية الاستقلالية أو حب الذات أو كما يطلق عليها في علم النفس (الأنا)، التي تجعله يتجرد من كل شيء يربطه بغيره ويسعى بذلك إلى ممارسة السيادة الشخصية على كل ما يحيط به انطلاقا من تلك الخصائص الغيبية، وعندما كانت الغاية تحقيق هذه المعاني في العالم المرئي أصبحت غايته تغيب هذه المعاني الغيبية الروحية، وتبنّي سلطة الحكم المطلق والملك الأوحد الذي يرعى كل ما يدور في العالم بحيث يكون تحت سلطته، وبهذا فإنه يسعى إلى التسيّد ما قد يجعله يدعي الألوهية في نهاية المطاف ومثال ذلك ما فعله فرعون والنمرود، حيث تصرّف كل منهما تصرُّفَ المالك في ملكيته، متشبهين في ذلك بالإله فاطر السماوات والأرض.

هذا يدفع الخائف “الرعية/الشعب” إلى الفرار من المتسيد والفرار إلى الله وهذا الفرار يجعله يخشى من له المُلك يوم الدين، ويسعى في عبادته وطاعته والخضوع له وفق أسمائه وصفاته التي سرقها المتسيد ونسبها إلى نفسه.

الديمقراطية .. نظام تنوّع أم تخويف؟

إذا أخذنا كلام الكاتب وأمعنّا النظر فيه نخلص إلى أن النظام الديمقراطي حصل له فراغ جعله يتبنّى سياسة الخوف والتخويف وسيلةً للتدبير السياسي على كل المستويات، ويجتاح الخوف الشعب والمسيطر معًا، وهذا بسبب فقدان السيطرة وانعدام الحق والحكم بالعدل، والقول بالخوف هو من كلا الطرفين فلو لم يكن الأول خائف لما مارس سياسة التخويف ضد غيره، وحقيقة معرفته بأن سياسة التخويف هي الحل لبقائه في عرش الحكم تجعله يفرط في استخدامها، وكلما أفرط في استخدام القوة والجبروت والملكوت تسيّد وساد على من يحيطون به، وانقاد له مسوّدوه وأطاعوه وخافوا منه ومن ملكه كما أن خوفهم يكون خوف فقده وذهاب هيبته.

وفي محاولة منه -طه عبد الرحمن- لتجاوز هذا الوضع وإيجاد مخرج من غير هذه السيادة الإنسانية المتعجرفة التي تسيطر بالمفاهيم الغيبية، رأى أن العمل بالتزكية الحل الأنسب للحد من هذه العجرفة والتسلط الإنساني.

السعي لنقاء الروح

يعرض لنا طه مفهومه عن التزكية وتنقية الروح، فهي حسب الكاتب معرفة خصائص النفس لتستعيد وعيها الروحي الذي تختص به، وعند تعرُّف الروح على المعاني الغيبية التي تزاوج بين الخصائص الغيبية والخصائص المرئية، تستطيع أن تدرك حقيقة التزكية.

بنى طه عبد الرحمن فرضيته على مجموعة من النصوص الشرعية، مثل قوله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [سورة الشمس: 6 -10].

وقوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72]، وقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172].

ويقدم في هذا الإطار رأيه في ضوابط تحقق التزكية، الأول منها: أن المقصود به التزكية الروحية، والثاني حفظ الأمانة، والثالث تمتع الإنسان بحرية الاختيار في حمل الأمانة وفي عمله بها وتصريف نفسه لسعي في تحقق معانيها.

خلاصة القول

على كل حال، إن الحديث عن الكتاب وكل ما جاء فيه وقراءة ما بين دفتيه لا يتسع عرضه في مثل هذا المقال، وقد حاولت الإيجاز واختصار الكلام بما هو لائق بفهمي وفهم الصديق القارئ، ورأيت أن أسوق هنا عبارات لها ارتباط لصيق بالتزكية.

تتحقق تزكية الفكر من خلال التوحيد الذي ينهج رؤية تسدد الوجهة ،ليتحرر عقل المتلقي من كل الأغلال التي تعوقه وتكبله وهذا بالفعل ما أحدثه القرآن الكريم في عقل المسلم لإعادة صياغته وتشكيله من خلال النظرة الاعتقادية التي تذهب بالإنسان إلى حد التخلص من جميع الأغلال و السلاسل والاقبال على الخالق الذي لا تتحقق حرية الانسان إلا به، فالرسول ﷺ حينما جاء بدعوته إلى قريش وسائر البشر أراد بذلك تبليغ الدعوة التي تهدف إلى اخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

يقول الطاهر ابن عاشور:” إن إصلاح التفكير من أهم ما قصدته الشريعة الإسلامية في إقامة نظام الاجتماع من طريق صلاح الأفراد، وبهذا نفهم وجه اهتمام القرآن باستدعاء العقول للنظر والتذكر والتعقل والعلم والاعتبار”.

إن العقيدة أساس التفكير وهي التي تسمو بالإنسان نحو ملكوت السماوات ومن أجل تأسيس عقل صحيح لا بد من تربية صحيحة والتربية الصحيحة هي التربية التكوينية التي تنتج عقلا علميا وشخصا منهجيا عكس التربية التلقينية، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من العودة إلى كتاب الله تدبرا وتعلما وتزكية.

ولا تقل تزكية الوجدان أهمية عن تزكية الفكر إذ بها يحصل الإخلاص في العبادة والعمل ومن خلالها يسمو الإنسان ويشعر بالأمان والطمأنينة في الحياة وبها ينمي العبد الشعور بالذات ويثمر بالتالي الإيمان بالنفس الذي هو مفتاح التوازن في الشخصية، وحاجة الإنسان إلى تزكية الوجدان أشد من حاجته إلى الأكل والشرب فالذي يحيى قلبه يسمو عن هذه الملذات الزائلة، ذلك أن تحرير النفس تتم بعد تحرير الوجدان. فالهدف من تزكية الوجدان ليس تدوين الفوائد وتقييدها في الكراسات والمذكرات، وإنما يراد بها تغيير نمط العيش والتفكير والتحرر من الأغلال وتنمية الوازع الديني وأن يحصل الأثر ويتجلى في الواقع.

لا اعتبار للإيمان الذي لا يثمر فعالية وإيجابية وهذه هي الغاية من تزكية السلوك إذ إن القصد من وجود الإنسان هو الإنتاج والعمل وفق رؤية نسقية متزنة تقوده إلى بر الأمان والعبد الذي تشرب من دينه والمفاهيم الشرعية التي أتى بها لا يستطيع الجلوس في مكانه دون تقديم الإضافة للأمة والإنسانية جمعاء، فالفطرة التي فطر الله الناس عليها لا يمكن أن تقودهم إلى غير هذه الطريق، ولن تجد حضارة عبر العصور وصلت إلى الرقي الحضاري من دون وجود هذا المقصد الكوني والحرص عليه من قبلها.

كتاب صوتي | اعترافات نسوية سابقة

في هذا الكتيّب نسافر مع صديقتنا القريبة البعيدة عبر محطّاتٍ وتساؤلاتٍ كثيرة وهي تكتشف ذاتها في عالمٍ يريد كلّ شخصٍ فيه وكل مكانٍ منه أن يخبرنا من نحن وإلى أين ننتمي وماذا نريد أن نكون، المسلمة ذات الأصول العربية؟ أم الأمريكية الليبرالية؟ طالبة الثانوية المتمردة؟ أم المرأة الحرة المستقلة؟ المؤلف: أم خالد، ترجمة: كوثر الفراوي، مراجعة وتعليق: تسنيم راجح.

الطيّب من القول

في ظل حياةٍ متسارعةٍ، مليئةٍ بالضغوطات، وغيابٍ للأخلاق والقيم الدينية، وضياعٍ للمودة والرحمة وتزايد لحالات الاكتئاب والانتحار بين شبابنا، وقلة الإيمان وضعف التعلق بالله والتوكل عليه سبحانه، بكلماتٍ بسيطة نابعةٍ من القلب تستطيع إعادة بناء نفس قاربت على الهلاك والضياع، أو فقدت كل إحساس بالحياة وتمنت الموت لإنهاء كل مرير، أو نفس بحاجةٍ إلى من يقويها ويساندها للوقوف من جديد، أو نفس ضعيفة لا تعرف التصرف في مواجهة المواقف والمصاعب أو نفسٍ حزينة لا تكاد تنفك عن حزنها المستمر.

الكلمة الطيبة

قال تعالى: {ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلّ حينٍ بإذن ربها} [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]، وقال ﷺ: (الكلمة الطيبة صدقة) [رواه البخاري ومسلم]

كلمةٌ طيبة تخرج بحب ومودة، تبني ولا تهدم، تفتح باباً جديداً لمن ظنّ أن الأبواب جميعها سُدّت في وجهه، وأفقاً واسعاً لمن رأى أن الأفق أصبح سقفاً هابطاً يكاد يخنقه…

إن الكلام له وقعٌ وأثرٌ عجيب، فلا غنى للفرد عن أُناسٍ يُسمعونه من الكلام أطيبه ومن الحديث ما يسُرّ قلبه ويجبر خاطره.. فكم ممن دخلوا في حالةٍ نفسية صعبة واحتاجوا لوقت طويل للتعافي لأنهم لم يجدوا بجانبهم من يحتويهم ويقف معهم ويتكلم معهم بحبّ وودّ ويسمعهم ما يصبّرهم ويثبتهم في وقت المحن والابتلاء.

 

كلامك قوة لك وللآخرين

تكلم مع من أمامك بشعورٍ نابعٍ من حب الخير لأخيك كما تحبه لنفسك، فكل شعور يخرج من القلب مغلف بالحرص والحب يجد صدىً كبيراً في النفس، وما أجمل وأنبل من أن تنطق بهذه الكلمات وأنت في أشد الحاجة لسماعها فقولك لها لشد أزر من أمامك تشد من أزرك وتقويك.

كلمةُ تخفيف وتثبيت لمن وقع عليه ظلم من قريب أو بعيد حتى لا يدخل في دوامة تجرّه من يأسٍ إلى إحباطٍ إلى حقدٍ على الناس، تشعره وتطمئنه أن هناك أناساً طيبين ما زالوا يريدون له الخير ويقفون بجانبه.. وتذكّره بقدوته صلى الله عليه وسلم في الصبر على ظلم وأذى من حوله هو وصحابته الكرام.

كلمةُ أمل وتفاؤل لمبتلى بامتحانٍ طال أمده، حدّثه فيها أن المحن لا تدوم وأن مع كل عسرٍ يسرين وأن البلاء مهما طال فإنك تزداد أجراً ويكبر عوضك من الله في الدنيا وترفع درجاتك في الآخرة، إذا استشعرت قيمة الصبر، فالصابرون كما وعدنا الحق سبحانه يوفَّون أجورهم بغير حساب..

كلمةُ ترحّمٍ ودعاء لمن فقد عزيزاً أو قريباً، تشعره أنك معه وحزين لمصابه وأنك تدعو الله لفقيده، كلمة تحثّه فيها أن عليه العمل والسعي للقائه في الجنة التي سيمكث معه فيها إلى ما لا نهاية وليست أياماً وسنوات معدودة كالدنيا، حتى يخرج من حزن عذاب الفقد إلى سعادة شوق اللقاء.

كلمةُ أسفٍ واعتذار لمن شعرت أنك أسأت إليه دون انتباهٍ منك -خاصةً لأهلك وأحبابك- تحميهِ فيها من أن تَرِدَ إلى رأسه عشرات التساؤلات لمَ فعل هذا وقال ذاك تُوقِف بها الظن السيء وتحفظ الود..

كلمةُ تَفَقُّد لصديق أو قريب اعتدت أن يراسلك ويحادثك ثم غاب عنك وانقطع، لعلّه في محنة أو ضيق تستطيع إخراجه منها..

كلمةُ تَذْكِرةٍ بنعم الله المغدقة على إنسان كَثر سخطه وفقد إحساسه بالنعم وتمادى بحسده للآخرين وحقده عليهم لما لديهم من نعم ظاهرة، ينتبه فيها ويرى ما لديه من نعم ليست لدى غيره..

كلمةُ إصلاح وتوفيق بين نفسين تحجّرت قلوبهما وتقطعت أوصال المحبة بينهما تعيد بها سبل السلام بينهما..

كلمةٌ ترقي فيها مريضاً بآيات الشفاء والأدعية النبوية لينهض من ألمه وتحتضنه العافية لإحساسه أن هناك من يعاني لألمه ويدعو له بالشفاء ويحتاج له سليماً معافىً يقف معه من جديد.

كلمة مدح لملتزم بدينه ويمتلك الأخلاق الكريمة وأدب التعامل لتعينه على التمسك بدينه وخلقه وأدبه في ظل الفساد المنتشر وغياب الأخلاق.. كلمةُ شكرٍ وامتنانٍ لمن قدم لك مساعدة حتى يشعر بالتقدير ويستمر بمساعدة الآخرين.. كلمةُ تشجيع وتحفيز ودعم لمن تفوّق وأنجز ليسعَد بنفسه وانجازه ويحافظ على تفوقه في كل مراحله.. كلمةُ تنبيه بأسلوب جميل على خطأ أو تصرف تكرر من شخص يهمك عسى أن يتنبه ويبتعد عن الأخطاء ويكون لك أجر الإصلاح..

ابتسامةٌ بوجهٍ بشوشٍ في وجهِ إنسانٍ عبوسٍ تواسيه بها، فالابتسامة معدية.. ولا تبخل في نهاية كل كلمة عن اسماعه دعوةً جميلة تطرب لها أذنه وتطمئن بها نفسه بما يحب ويتمنى..

سبحان الله اللطيف

ومن التقديرات الإلهية اللطيفة التي تراها عندما يكتب الله لك لقاءً عابراً سريعاً بشخص لم تره منذ زمن قدّره الله لك ليزرع فيك الأمل والسعادة من جديد بكلمة جميلة يمدحك بها أو ثناء حسن بموقف قديم بينك وبينه، أو لفتِ نظرك لشيءٍ جميلٍ لديك كنت قد نسيته، فتشعر في هذه اللحظة أن الله اللطيف بعثه لك خصيصاً في هذا الوقت ليجبر كسراً فيك، أو ليقويك ويثبتك ويرد لك ما قلته من كلام ثبّتَّ به غيرك عندما كنت بأمسّ الحاجة إلى التثبيت، ما أجمل لقاء هؤلاء الأشخاص وما أعذب كلماتهم العابرة.

اللهم يسر لنا في حياتنا من الطيبين الذين يختارون أطايب الكلمات، ووفقنا لأن نكون من أصحاب القول الطيب الحسن اللطيف الخفيف الذي يثمر في النفوس.

واجعلنا ممن قلت فيهم {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراطِ الحميد} [ الحج : ٢٤] .