image_print

كتاب “فاتتني صلاة”.. ماذا فاتنا في قراءته؟

هو كتابٌ ذاع صيته وانتشر عند شريحةٍ كبيرة من القرّاء، ويندر أن تجد من ينشر عن مشكلةٍ له تتعلق بالصلاة، إلا وتجد من ينصحه بهذا الكتاب. ولفترةٍ طويلة قاومت هذه الموجة القرائيّة المتجهة نحو هذا الكتاب؛ فقد كان يغلب على ظنّي بأنه كتابٌ كغيره من تلك الكتب، التي تتصدّر الأعلى مبيعاً في الوطن العربي، وبمجرد مطالعتنا لها نجد أن هذا التصدر ما هو إلا نتيجة لسطحية المحتوى، وعزفه على وتر العاطفة لدى القرّاء وملامسته أحلامهم وحاجاتهم.

وبعد فترة انقطاع قرائيّة طويلة نسبيّاً بالنسبة لي، قررتُ دون كثيرٍ من التفكير سبر هذا الكتاب ومعرفة عامل الجذب الذي جعل تلك الشريحة الكبيرة من القراء تنجذب إليه -علّه يخالف توقّعاتي-، هذا العامل الذي جعل ما يزيد على الخمسين بالمئة من تقييمات الكِتاب على “Goodreads” تكون خمس نجوم، ولا تكاد ترى مراجعةً ناقدة له، وإنما ترى الثناء عليه يتلو الثناء.

لمحة عن الكاتب والكتاب

مؤلف الكتاب هو: إسلام جمال، وحسب ما هو مذكور في حسابه على goodreads فهو من مواليد الإسكندرية 1989، متحصّل على ماجستير في الهندسة البحرية.

أما الكتاب (الذي صدر عام 2018) فبحسب عنوانه الفرعي يحاول الإجابة عن سؤال: “لماذا يحافظ البعض على الصلاة.. بينما يتركها الكثير؟”، ليعدنا منذ البداية بقوله: “تعرّف على أسرار هؤلاء الذين قلّما فاتتهم صلاة”، وما إن نتّجه لفهرس الكتاب حتى نجده مقسّماً إلى خمسة عشر فصلاً، تتناول في بدايتها الأعذار التي نؤجّل من منطلقها الصلاة، ثم بعض المفاهيم التي يجب أن تصحَّح لدينا تجاه الصلاة لتساعدنا على أدائها، وبعض ما يشبه الخطوات العملية المساعدة في المداومة على الصلاة، ختاماً بالحديث عن الله سبحانه.

الكتاب بين الإيجابي والسلبي

يمكن الوقوف عند محتوى الكتاب في جملة من النقاط، كلغته وأفكاره وما فيه من مستوىً ضمنيٍّ يتعلّق بالمحتوى.

اللغة والأسلوب والنمط:

يمكن اعتبار اللغة التي كُتب بها الكتاب مناسبة للشريحة التي من المفترض أن الكاتب يتوجّه إليها -شريحة الشباب من غير المصلّين- حيثُ جاءت عباراته سهلة بسيطة دون ابتذال ظاهر، ولكن في المقابل فالكتاب -بالنسخة التي قرأتُها- مليء بالأخطاء الإملائية، والكاتب في أسلوبه وطريقة عرضه لا يختلف كثيراً عن الأسلوب والنمط المتبع في كتب التنمية البشرية (بل هو نفسه ينقل عنها الكثير من الاقتباسات)، ونلاحظ في الكتاب أسلوب الخطاب العاطفي بالدرجة الأولى إلى جانب النفعي المادي.

الأفكار الجيّدة في الكتاب:

شمل الكتاب عدداً من الأفكار النافعة، ولكنه في المجمل لم يأتِ بأي جديد ولم يقدم أي إضافة حتى، فمعظم ما ذكره يمكن إيجاده بسهولة في أي مرجع آخر يتحدث عن الصلاة وغالب الظن أننا سنجده مصاغاً بشكل أفضل بكثير… على أي حال لئلا أطيل؛ فهذه جملة الأفكار الجيدة التي أشار إليها الكاتب:

– الخروج من عالم “يوماً ما”: حيثُ عزا الكاتب كثيراً من أعذارنا في عدم الصلاة إلى عيشنا في عالم “يوماً ما” المتوهّم؛ فيوماً ما عندما تخف مسؤوليّاتي، عندما أجد في نفسي القدرة والرغبة، عندما تتهيأ الظروف، سأصلّي.. والخطوة الأولى نحو الصلاة هي في خروجنا من هذا العالم وأخذنا خطوات عملية مباشرة في إقدامنا نحو الصلاة من الآن.

– هم ليسوا استثناءً: قد يعتقد البعض أن المحافظين على صلاتهم قد منّ الله عليهم بقدرات خاصّة تجعلهم قادرين على أداء الصلاة بشكل مستمر بدون تعب، وأن هذه الميزات تنقصك فلذلك ليس بإمكانك أن تحافظ على صلاتك، وهذه من الأفكار المغلوطة، فالجميع بإمكانه أن يحافظ على صلاته بإذن الله.

– معرفة الله: عزا الكاتب الثقل الذي نشعر به في قيامنا للصلاة إلى عدم معرفتنا بالله كما ينبغي لهذه المعرفة أن تكون، وأنه بازدياد معرفتنا بالله وأسمائه وصفاته؛ فسنزداد شوقاً للصلاة وقدرةً عليها. وأشار إلى ضرورة المداومة على الذِّكر -ولو لخمس دقائق يومية- بقلب حاضر، وإلى الاستماع للمواعظ -ولو القصيرة منها- وإلى الاستماع إلى القرآن بتلاوة شيخٍ نرتاح لتلاوته.

– الصلاة ليست ثقلاً: نبّه الكاتب لأهمية تغيير عالم أفكارنا حول الصلاة، وزرع فكرة أن الصلاة راحة لنا وليست ثقلاً علينا نودّ أن نرتاح منه، ويمكننا هنا أن نلجأ إلى استعادة ذكرياتنا حول المرّات التي صلّينا فيها وشعرنا بالراحة والسكينة بعد الصلاة، وكذلك عدم فتح مجال المناقشة مع عقلك عند الإقدام على الصلاة إنما المباشرة فيها فوراً لئلّا يثبّطك عنها، وتكرار فكرة أن كل مشقة تمر بك في طريقك نحو المحافظة على صلاتك ستمر كما مرّت مشقّات سابقة.

– جعل القيام للصلاة عادة: وهنا يفرّق الكاتب بين جعل القيام عادة وجعل الصلاة عادة، فالثانية لا يجب أن تتحول لعادة والتي تستوجب غياب الحضور الذهني الكامل للإنسان. ولكل عادة منبه ومكافأة، وبكون الأذان منبهًا للقيام إلى الصلاة، فالشعور بالسكينة بعد أدائها هي المكافأة التي ستحفز لدى الإنسان الرغبة في تكرار هذا النشاط، هذه السكينة التي يُعَد الخُشوع في الصلاة سبيلاً إليها، هذا الخشوع الذي من الممكن تحصيله عن طريق الخشوع الظاهري للبدن؛ أي التروّي والبطء في حركات الصلاة والقراءة بتدبّر وتروّي فيها، والذي بدوره سينعكس على حالتك الداخلية.

– الحفاظ على صلاة السنن الرواتب: حيث بمحافظتك عليها فأنت تزيد من تحصيناتك ضد وساوس الشيطان والنفس، فلم تعد هجمات هذين الأخيرين تتوجّه نحو تثبيطك عن صلاة الفريضة مباشرةً.

– اجعل الصلاة مركزاً ليومك: رتّب يومك وأعمالك بحيث تدور حول أوقات الصلاة ولا تجعل صلواتك تدور حول أعمالك.

– حاسِب نفسك: بأن تنظر للأسباب التي تدعوك في الغالب للتفريط في الصلاة أو التقصير فيها واستعدّ لها مسبقاً.

– الصبر على الصلاة وعلى تحصيل ثمراتها، مع الانضباط الذاتي.

علامات استفهام!

– الدوافع للصلاة: لعلّ هذا الجانب هو أكثر جوانب الكتاب التي واجهتُ مشكلةً معها، حيثُ يعزّز الكاتب في طرحه من “ماديّة” دوافع الصلاة ومتعلّقاتها، فنراه يفرد الصفحات من الكتاب للحديث حول منافع الصلاة العائدة على البدن كما في قوله: “أثبتت دراسة تخصصية لحركات المسلمين (القيام – الركوع – السجود) على 188 شخص أن الحفاظ على أداء الصلاة يقلل من الإصابة بآلام أسفل الظهر (…) وأضافت الدراسة أن تكرار هذه الحركات لعدة مرات يومياً يصل بالأصحاء إلى ما يسمى طبّيًّا “اللياقة العالية”، ويساعد مرضى السمنة والسكر والضغط على الشفاء وتنظيم العمليات البيولوجية للجسم، ويفيد الكثير من عضلات الجسد”.[1] وغير هذه الأمثلة في الكتاب.

طرحٌ شبيه بهذا نجده في الحلقة العاشرة من خواطر 10، تحت عنوان: “أرحنا بها يا بلال” [2]، والتي سنجد فيها من بين التعليقات من يقول: إنه لم يكن يعلم هذه الفوائد الصحيّة للصلاة وبعدما علِمَها سيُصلّي! وهذا ليس مستغرباً في ظل انتشار النزعة المادية في عالمنا، حيثُ لم تعد الدوافع الدينية الأصيلة سبباً مقنعاً لكثير من المتأثّرين بهذه المادية من المسلمين، مما يجعل الكثير يتوجه لهم من بوابة المادية، وهذا ما أجده (في موضوع الصلاة تحديداً) يفرّغ هذه العبادة العظيمة من جوهرها في أنها صلة بين العبد الفقير وربه الغني سبحانه، ولا يجعل النية فيها خالصةً لله؛ وما فائدة أن أجتذب العبد للصلاة من أجل منافعها الصحية لا من حيثُ هي فرضٌ واجب فرضه عليه خالقه سبحانه؟ إلى جانب أن الدخول للصلاة من هذه البوابة المادية لا يجعلها تختلف عن الممارسات التأملية المنتشرة!

– المغالطات والتفسيرات العلمية المشوّهة: لعلّ من أبرز المغالطات التي سنراها ظاهرةً في الكتاب هي: مغالطة السلطة المجهولة: أي “استعمال الشخص مصدراً مجهولاً في حجته يستطيع عبره قول ما يشاء وإضافة ما يريد من أحكام ونتائج تخدم قضيته”. [3] فنجد الكاتب لا يتوقف عن سرد عبارات: أثبتت الدراسات… علم النفس يؤكد…، دون عزو معظم ما يُورده -على شاكلة الحقائق- إلى أي مصدر يمكن التأكد منه.

ولعل الأمر سيكون الأمر هيّناً لو توقّف عند هذا الحد، ولكننا نجد الكاتب يدخل بنا مجال العلوم الزائفة من بوابة هذه الدراسات والأبحاث، حيثُ يقول بعد سرده لإحدى التجارب: “لذلك كانت الحكمة أن يأمرنا الله تعالى بأن نغسل أطراف الجسد (نهايات الجسد) عند الوضوء حتى نزيل هذه الشحنات الكهربائية الضارة (…)فالغرض الأساسي هو تجديد الطاقة بإزالة الشحنات الكهربائية الضارة”. [4]

ليفاجئنا الكاتب بعبارته بعد هذا السرد للتفسير “العلمي” للوضوء بقوله: “آمل أن تكون نظرتك تجاه الوضوء قد تغيّرت، فالوضوء مصدر مهم وأساسي للطاقة”… نعم يجب أن تتغير نظرتك تجاه الوضوء من كونه شرطاً لصحة الصلاة وأنه بنص الحديث الصحيح: (إذا تَوضَّأَ الْعبْدُ الْمُسْلِم، أَو الْمُؤْمِنُ فغَسلَ وجْههُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خطِيئةٍ نظر إِلَيْهَا بعينهِ مَعَ الْماءِ، أوْ مَعَ آخِر قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غَسَل يديهِ خَرج مِنْ يديْهِ كُلُّ خَطِيْئَةٍ كانَ بطشتْهَا يداهُ مَعَ الْمَاءِ أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غسلَ رِجليْهِ خَرجَتْ كُلُّ خَطِيْئَةٍ مشَتْها رِجْلاُه مَعَ الْماءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يخْرُج نقِياً مِنَ الذُّنُوبِ) [صحيح مسلم]، إلى كونه مصرفاً للشحنات الكهربائية الضارة، فهذا أدعى للعقل المادي النفعي أن يأخذ به!

ويتابع أمثلته في هذا المجال بقوله:

“توصل البروفيسور الألماني كنوت فايفر إلى تقنيات يمكنها رؤية الطاقة المنبعثة من الموجودات وخاصةً جسم الإنسان، وفي دراسة خاصة على صلاة المسلمين اكتشف أن المصلي بخشوع يحصل على قدر كبير من الطاقة الروحية بعد كل صلاة وذلك بتصوير انبعاث الطاقة منه قبل وبعد الصلاة”.  [5]

ومن مجال الطاقة الزائف “من هذا الباب” إلى التشويه في علم حقيقي حينما يقول: “وهناك حقيقة وهي أن نسبة الإصابة بسرطان الجلد قليلة في البلاد الإسلامية رغم ارتفاع درجة الحرارة في معظم هذه البلاد لأن الوضوء يزيل المواد الكيميائية الضارة الناتجة عن العرق قبل أن تتراكم وتتجمع على سطح الجلد”! [6] فمع هذه المعلومة التي يسردها لنا الكاتب على أنها حقيقة، لنا أن نسأل: من أقرّها حقيقة؟ هل سرطان الجلد يعود سببه لمواد ناتجة عن العرق؟! ببحثٍ بسيط فقط يمكنك التأكد من سذاجة هذا المقال وأن لا أساس علمي له على الإطلاق.

من أين جاءت تلك النّقولات؟

 وهنا جانبٌ مهم آخر في الكتاب يدفعنا لأن نضع علامة استفهام حوله، فإلى جانب استخدام الكاتب لمغالطة السلطة المجهولة، نجده يورد أقوالاً وقصصاً مأخوذة نصاً من أماكن أخرى دون الإشارة لذلك، ودون احترام الأمانة في النقل إنما نسبها لكلام الكاتب، ومن ذلك حديثه عن قصة هوبكنز مع معجون بيبسودنت في فصل دواء العادة وكذلك دراسة جامعة نيو مكسيكو على ممارسي الرياضة[8]، والذي سنجده منقولاً نصّاً عن كتاب قوة العادات للكاتب تشارلز دويج، إلى جانب مقولة: “إن عبادةً فُرضت في السماء بغير واسطة الملائكة لجديرة بالارتقاء صعداً بعشاقها إلى مقامات السماء” والمأخوذة دون إشارة من كتب فريد الأنصاري رحمه الله. [9]

وحينما تحدث عن كتاب “Think & grow rich” لنابليون هيل، ذكر استشهاده بقصة الرسول -عليه الصلاة والسلام- في فصل المثابرة وأنه لم يكن يستخدم المعجزات كأداة لنشر رسالته، مغفلاً بدايةً بإقراره لهذا الكلام دون نقد أن القرآن الكريم هو معجزة الرسول -عليه الصلاة والسلام- المستمرة، وثانياً أن القصة التي أوردها نابليون هيل في استشهاده بالرسول كانت مكتوبةً كمراجعة من شخص آخر يدعى “Thomas Sugrue” وأشار لذلك هيل في كتابه [10]. والعجيب ليس استشهاد نابليون هيل بالرسول -صلوات الله عليه- كما قال الكاتب؛ إنما بجعله هو لشهادة نابليون هذه ذات قيمة في كتاب حول الصلاة!

على سبيل الاختتام

ختاماً، بعد قراءتي للكتاب لم أعد أستغرب حملة الإشادة الكبيرة به من عموم القرّاء، فهذا المحتوى الذي يدمج ما بين الدين الخفيف والتنمية البشرية والمادية هو المُفضل لدى شريحة كبيرة من الناس. وعادةً لا أحبّذ الاستغناء بملخصات الكتب عن قراءة الكتب بذاتها، ولكن مع هذا الكتاب أرشّح الاستغناء بملخص عن قراءته والتعرض بشكل مطوّل لطريقته في تناول الصلاة. وما غطّيته في مراجعتي هذه قد يكون مما فاته لمن قرأ الكتاب قراءةً غير واعية واستسلم لكل ما يقرؤه، ومن هنا وجب التنبيه لأهمية القراءة الواعية الناقدة لما نقرأ لئلّا نكون فريسةً سهلة للأفكار غير المتّزنة، المشوّهة، والمكذوبة!


الإحالات:

[1] فاتتني صلاة، إسلام جمال، ص 167 طبعة مؤسسة زحمة كُتّاب للثقافة والنشر – 2018

[2] خواطر 10 لأحمد الشقيري، الحلقة العاشرة: أرحنا بها يا بلال، الرابط: https://youtu.be/T4s1j6H3rz8

[3] رجل القش، يوسف صامت بوحايك، ص 105 طبعة دار شفق – 2018

[4] المصدر الأول، ص 162

[5] المصدر الأول، ص 172

[6] المصدر الأول، ص 160

[7] المصدر الأول، ص 32

[8] المصدر الأول، ص 76 وما تلاها

[9] الدين هو الصلاة، فريد الأنصاري، ص ،26 طبعة دار السلام – 2010

[10] Think & Grow Rich by Napoleon Hill, page 190-192 Published by Mind Power Books – 2006

مقتل شيرين أبو عاقلة و”خناقة” الترحم على الكفار

تسبب مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة بحرج كبير للصهاينة، وبعد أكثر من شهر على الجريمة ما زال اسمها يتردد على ألسنة زعماء العالم، وسط مطالبات بتحقيق شفاف في مقتلها. لكن الحادثة أدت في المقابل إلى اندلاع جدل آخر على مواقع التواصل بين المسلمين، وتحول من نقاش فقهي عادي إلى شجار تاريخي مشحون، فلماذا تتسبب مسألة “الترحم على الكفار” بكل هذا الاحتقان والانقسام؟! إعداد وتقديم أحمد دعدوش

أكذوبة اتهام المسلمين والعرب بتصدر الباحثين عن “الإباحية”

نشر موقع “بي بي سي” بنسخته العربية تقريرا كارثيا اليوم، واختار له هذا العنوان “لماذا يتزايد الإقبال على المواد الإباحية في المنطقة العربية؟”. وبعد تجاوز المقدمة، يرمي كاتب التقرير هذه “الحقائق” في وجه القارئ: “وفقا لبيانات محرك البحث غوغل “غوغل تريندز – Google Trends“، فإن الدول العربية هي الأكثر بحثا عن كلمة جنس بالإنجليزية والعربية أو بالإنجليزية بحروف عربية “سكس”. حيث يبحث 79 مليون شخص عن الكلمة شهريا على موقع غوغل وحده”.

لا يخبرنا التقرير عن تفاصيل أخرى لكيفية البحث، وبما أنه يزعم الاقتباس عن مصدر مفتوح فيمكن لكل قارئ أن يتحقق بنفسه، وسيكتشف أننا أمام كذبة متعمدة، ومن أجل هدف محدد سأذكره لاحقا.

إذا بحثنا في Google Trends عن إحصاءات البحث العالمية عن كلمة “sex” في الثلاثين يوما الأخيرة فلن نجد دولة عربية واحدة في الدول العشر الأولى، ولن نجد من الدول الإسلامية سوى باكستان في المرتبة السابعة، حيث تحتل الدول الآسيوية (الهندوسية والبوذية) الصدارة، أما أول دولة عربية على القائمة فهي قطر في المرتبة 18، والتي يعلم الجميع أن الغالبية الساحقة من سكانها هم العمال العزاب من نيبال والهند، ثم تأتي بعدها تونس في المرتبة 19، فأين هي الدول العربية التي تأتي في المقدمة كما يزعم تقرير “بي بي سي”؟

العجيب أن التقرير يشير إلى أن “الدول العربية هي الأكثر بحثا عن كلمة جنس بالإنجليزية والعربية”، وإذا كان البحث بالإنجليزية قد خرج بالنتيجة السابقة، فالبحث عن الكلمة باللغة العربية لا بد أن يضع الدول العربية في الصدارة! فما هي النتيجة التي يريد موقع “بي بي سي” أن يقنعنا بها؟

ومن أجل الإنصاف، البحث عن كلمة “sex” لا يعني دائما البحث عن مواد إباحية، فإحصاءات غوغل تخبرنا أن البحث عن الكلمة يأتي في الدرجات الأولى ضمن سياق البحث عن أسماء مسلسلات وأفلام، فهي ليست إباحية صرفة، بل نجد في القائمة كلمات تتحدث عن التعليم الجنسي والحياة الجنسية وليس عن الإباحية التي يسعى خلفها كاتب تقرير “بي بي سي”!

ولو كان كاتب التقرير موضوعيا بما يكفي، فكان عليه أن يبحث في إحصاءات كلمة “porn” التي تعني إباحية، مع أنها لا تدل أيضا على البحث عن الإباحية ذاتها بالضرورة، فموقع غوغل يخبرنا أن “طلبات البحث ذات الصلة” تتضمن البحث عن “علاج الإدمان على الإباحية” إلى جانب عبارات أخرى، فالعثور على كلمة “porn” قد يعني نقيض ما يريد الباحث إثباته. وعلى أي حال، فقائمة البحث عن هذه الكلمة خالية أيضا من أي دولة عربية، فباكستان تأتي في المرتبة العاشرة، وأول دولة عربية لا تأتي إلا في المرتبة 21 وهي لبنان.

البحث الموضوعي

من أجل كل ما سبق، يعتمد الباحثون على آلية أكثر مصداقية للتعرف على الشعوب التي تبحث عن الإباحية، وهي قائمة يصدرها سنويا أشهر موقع إباحي في العالم، ولن أذكر اسمه تجنبا للترويج، علما بأن الموقع ينشر هذه القائمة على موقع آخر تابع له وهو مخصص للباحثين والصحفيين وليست فيه أي صور فاضحة.

الموقع المذكور يخبرنا ببساطة أن الدول العشرين الأولى التي تستهلك المواد الإباحية من أشهر موقع إباحي في العالم خالية تماما من أي دولة عربية أو مسلمة، بل معظمها دول متقدمة!

نعود مجددا إلى تقرير “بي بي سي”، فبعد الإحصاءات المضللة التي ذكرها أعلاه، يضيف مباشرة: “وتشير دراسة نشرت في (دورية الطب الجنسي) إلى أن ثلاثين في المئة من الرجال العرب يشاهدون المواقع الإباحية بشكل دوري، بينما يشاهدها ستة في المئة من النساء. فلماذا هذا الإقبال المرتفع؟” وقبل أن يجيب كاتب التقرير عن سؤاله نتساءل بدورنا: من يُصدر المجلة التي نشرت الدراسة؟ ما رقم العدد والصفحة كي نتحقق منها؟ ثم أين المقارنة بين نسبة الثلاثين في المئة المذكورة وبين النسب المقابلة لها في الدول الأخرى؟

كاتب التقرير اكتفى بهذه الإحصاءات ليصل إلى النتيجة المستهدفة مسبقا، وهي تتلخص في هذين الاقتباسين حرفيا:

يقول شاب عربي: “لا يوجد علاقات أو ما شابه، وبالتالي سيكون هناك كبت، ولا يوجد ملجأ من هذا الكبت سوى بمشاهدة الأفلام الإباحية”، وتقول فتاة عربية: “تواجه الفتيات تحكما ومنعا كبيرا وهناك فصل نوعي، فبالتالي لا يوجد ملجأ أخر سوى هذه المواقع”.

إذن باختصار، المطلوب بوضوح هو إتاحة الإباحية في الواقع كي يمتنع الشباب والفتيات عن البحث عنها في العالم الافتراضي، حتى لو كانت الإحصاءات الحقيقية تؤكد أن الدول الغربية التي تعيش في طور الانهيار الحضاري هي الأكثر انغماسا في الإباحية واقعيا وافتراضيا على السواء.

الحضارة والجنس

من الشائع أن مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد لعب دورا كبيرا في التأسيس لما يسمى بالثورة الجنسية في الغرب، من خلال ربطه العضوي بين الشهوة الجنسية وبين أهم ملامح السلوك البشري. لكن فرويد نفسه اعتبر أن الحضارات لا تقوم إلا بحربها على الجنس، وأن الحضارة طاقة جنسية حُرفت عن هدفها الجنسي نحو أهداف اجتماعية سامية.

وحتى عندما ربط فرويد بين الجنس والإبداع، فقد كان يتحدث عن “الجنس المتحضر”، وليس عن الإباحية. إذ لم يكن هذا المفكر اللاديني قد عاصر مرحلة تفكيك الأسرة التي وصل إليها الغرب، وربما لم يخطر على باله أن الانهيار سيكون بهذه السرعة.

والربط بين العفة والصعود الحضاري يكاد يكون محل إجماع بين كل المؤرخين والباحثين، بغض النظر عن قناعاتهم وأديانهم وسلوكهم الشخصي، كما نرى ربطا عضويا بين جنوح الحضارات إلى الترف والانحلال وتفكك الأسر وبين الانهيار الحتمي.

وفي وسط الصخب القادم هذه الأيام من شوارع الغرب، حيث تقام مهرجانات “الفخر” بشعارات قوس قزح التي أصبحت أداة للإرهاب الفكري، قد نسمع أصواتا خافتة خجولة لبعض المفكرين والناشطين اليمينيين في الغرب، وهم يدقون نواقيس الخطر قبل النزع الأخير، معلنين عن انتحار غربي حتمي، بموازاة صعود قوى أخرى تصر على محاربة الانحلال بكل الوسائل، كالصين وروسيا.

أما في عالمنا العربي المُحتل، والذي أُجهضت فيه محاولات الربيع والبناء والعدالة وحُولت إلى حروب طاحنة، فلن تجد حكومة تكترث أصلا لإنشاء الحضارة ولا إعفاف الشباب، ولن نعجب حقا لو بلغت إحصاءات البحث عن “الإباحية” تلك الدرجة التي يزعمها الكثير من المنظرين لليأس، كما في تقرير “بي بي سي”، فنسب البطالة في أعلى درجاتها، ولم يبق أمام الشباب سوى الحلم بالهجرة في أرض الله الواسعة، ولو لا بقاء الحد الأدنى من آثار التربية الإسلامية والفطرة في نفوس الشباب لتحولت مجتمعاتنا إلى غابات بهيمية، لكن جذوة النور الخافتة تلك هي التي يريد الإعلام الليبرالي القضاء عليها بكل وسيلة ممكنة.

إشكالية الثغر وأولويات الواقع في التربية

إن من أنفس النصائح التي نقدمها للشباب أن نحثهم على الإقبال على العلم في سن الطفولة والفتوّة والشباب، فإنها فرصة حري بالعاقل اغتنامها، فقد يعجز في المستقبل عما يستطيعه في تلك الأوقات، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة، توحي بأهمية الطلب في الصغر، وتميزه عن الطلب في الكبر. فقد قال الحسن البصري رحمه الله: “طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر”، وقال الشاعر قديمًا:

وينشأ ناشئ الفتيان منا … على ما كان عوَّده أبوه

وما دان الفتى بِحِجىً ولكن … يعلّمه التدين أقربوه

يقصد بذلك أن الفتى يكبر وينشأ على ما يعلمه أبوه، ويتخلّق بأخلاق الأقربين منه، وليس بالضرورة أن يقوده عقله للطريق الصحيح دائمًا.

أهمّيّة التعلّم في الطفولة

غالبًا ما تتشكّل شخصية الإنسان وفقًا للنمط التربوي الذي يحتضنه في طفولته، وينشأ متبنِّيًا لكثير من المبادئ والأخلاق التي تربّى عليها، وأيضًا لا يحتّم ذلك تَلبُّسه بهذه المبادئ والأخلاق طيلةَ حياته، وإنما يعلق به كثير منها بحيث يصعب التخلص منها.

في فترة الطفولة يزرع الأبوان بداخل طفلهم المعاني العميقة والمبادئ الأساسية التي سيبني عليها بعد ذلك فروع توجهاته واهتماماته، وينبثق عنها تصوراته الأولية عن الحياة والواقع، حتى يتمكّن هو من إعمال آلية عقله باستقلال، فيتبنى هذه التصورات ذاتها، أو يتحول عنها إلى غيرها.

المشكلة هنا – وفي زماننا هذا تحديدًا – أن فرصة الناشئ في إعمال عقله وتحليله للتصورات وللواقع من حوله تكاد تكون معدومة، بسبب الواقع الضاغط، وطغيان المادية وسيل التكنولوجيا الهادر، الذي يندر أن يبقي فُتات الوقت للكبار، ناهيك عن الصغار. وحتى لو تسنّت له الفرصة في تفعيل آلية خاصة يرى من منظورها ويتبنى على أساسها تصورات مستقلة، فإنه سيُطِلُّ على واقعٍ مُشوَّه، اختلطت فيه المعاني وتماهت فيه الواضحات، وكثر غموضه وفساده لدرجة أن تشوه فيه بعض ثوابت الفطرة، وتغيب فيه سطلة الدين.

إشكاليّة الثغر

في واقع متلاطم كهذا، تدفع النية الحسنة بعض الآباء إلى توجيه أبنائهم من الصغر إلى التزام نموذج معين، ينشأ فيه الطفل ويتهيأ على كونه يعد إعدادًا خاصا ليقوم بمهمة ما، ويسد ثغرًا من ثغور الأمة. حيث يوجه أن يكون طبيبا مسلما أو عالما مسلما أو مخترعا مسلما أو غير ذلك، ليكون صاحب بصمة خاصة، ويؤثر في الأمة تأثيرا نافعا وقويا.

لست بصدد مناقشة هذه الفكرة الآن، لأن الإشكال الحقيقي في نظري هو الانشغال بإعداد النموذج، دون التأسيس الصحيح في الطفولة وغرس أساسيات الدين.

في كثير من الحالات يُولَى الاعتناء بتهيئة النموذج المعد للوقوف على ثغر ما الاهتمام الأكبر، وتُبذَل فيه الجهود، ويقابِل ذلك تراخيًا في التأسيس الصحيح على الأصول المهمة. إما لسوء تقدير الأولويات من الأبوين، أو سوء التوجيه وضبط العمل على كل من الجانبين كل في زمنه وإطاره الصحيح.

 يؤدي سوء التقدير إلى صرف الجهد المبذول والاعتناء إلى تهيئة النموذج والاستغراق فيه إلى الحد الذي يتضاءل معه الجانب الآخر، وتتراجع قيمته بجانب الصورة الكبيرة التي ترسم لإعداد النموذج، وما سيكون عليه في المستقبل من ترك الأثر وسد الثغر، فينصرف أكثر وقت الطفل وجهده واهتمامه إلى الدرس أو المذاكرة أو التمرن أو تعلم مهارات أو أيا ما كانت الخطوات المطلوبة لتحقيق النجاح والوصول إلى الغاية المنشودة.

 هذا الاستغراق قد يُترجِمُه الطفل إلى منهج حياة، ويلتئم تصوره على كون هذا الإطار الذي يعيشه هو السبيل الوحيد الموصل إلى وجهته، فعلى قدر الغاية يكون البذل والاهتمام. وإذا انقضت سنين الطفولة على هذه الحال حتى يشب ويكبر، ثم يصطدم بمجريات الواقع المتداخل المليء بالشبهات والشهوات، دون إعداد مسبق أو على الأقل توجيه رشيد بالتمسك بالأصول والرجوع إليها، فإنه ينغمس في الواقع يتجاذبه هنا وهناك. ولربما تنال منه شبهة أو شهوة، أو على الأقل يقع في المحظورات. فنجد النماذج قد أنتجت اقتصاديا مسلما كل معاملاته وأكثر رزقه من الربا، وطبيبا مسلما حاذقا في مجاله العملي، وهو في نفس الوقت لا يلتزم أخلاقيات مهنته، ولا يتورع فيها عن الحرام. وتجد الأكاديمي المسلم الذي لا يعرف أي شيء من دينه أو دنياه، وعقله مستهلك حصرا في مجاله الأكاديمي وفقط، ثم هو يستخدم وجاهته أو سلطته في الشر أكثر منها في الخير، وتجد المخترع المسلم الذي يفني عمره في تنمية وإثراء مجتمعات وأمم غير أمته، التي قد أعد أساسا لخدمتها وسد ثغر من ثغورها، وتجد كل نموذج في مجاله قد اكتملت صورته المنشودة ظاهريا، على هيكل أجوف لا يعرف كيف يوظف هذا النموذج في خدمة مجتمعه، أو على الأقل لا يتجنب محظورات يقع فيها غيره. بل قد يصل الحال بالبعض إلى خدمة أيديولوجيات هي في الأصل على النقيض من دينه وقيمه، إما جهلا منه أو تهاونا.

أولويات الواقع وإعداد النموذج

لا يمكن أن يكون كل الناس علماء في الشريعة أو فقهاء في الدين، وليس هذا مطلوبا أصلا. كما لا يمكن أن يكون كل الناس أطباء أو مهندسين أو محامين أو لاعبين. ولكن في حالة أردنا إعداد نموذج من هذه النماذج ليكون نموذجا صالحا يقوم بما عليه تجاه مجتمعه وأمته. فالنية الحسنة وحدها لا تكفي هنا، بل يلزمها علم وجهد في التعليم والتوجيه.

فيلزم على الآباء أولا أن يتعلموا ضرورات دينهم، وما يجب عليهم أن يتعلموه كمسلمين بالغين، بغض النظر عن تخصصاتهم. ثم يتعلموا بعد ذلك ما يجب عليهم تعلمه فيما يتعلق بتخصصاتهم العملية أو العلمية من الفقه والأحكام وغيرها، ويلزم تعلُّمهم هذا ليعلموا أبناءهم، ففاقد الشيء لا يعطيه.

ثم بعد ذلك يكون تعليم الأبناء من الصغر ضرورات دينهم، بما يطيقه كل منهم حسب عمره وطاقته وقدرة استيعابه. وإن لم يستطع الآباء ذلك لسبب أو لآخر، فليلتمسوا لأبنائهم مربيا أو معلما، يعلمهم ما يكفيهم من الضرورات وينبه على المحظورات. فيأخذ الأبناء مع نموهم بطرف من أطراف علوم الشريعة، والقرآن والعقيدة على رأسها، جنبا إلى جنب مع المذاكرة أو دراسة التخصص أو غيرها، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر ولا تتداخل الأطر، مع معرفة أهمية كل منهما وإنزاله منزلته. فترسم للأبناء المرجعية الأولى وهي الدين، وينمّى عندهم الارتباط القوي بدينهم وأحكامه، وتبنى عليه الانطلاقات والتوجهات.

ثم بعد التخصُّص يجب على كل واحد منهم أن يتعلم ما يلزمه من أحكام في تخصصه، فيعرف حرامه وحلاله من المشهور، ثم يكفيه أن يعرف أن له مرجعية وأصلا ثابتا منه ينطلق، وهو الدين وأحكامه، فيسأل أهل العلم فيما يشكل عليه، ويتعلم منهم ما يجهل. وعليه ألّا يقنع بحاله هكذا بل ينمي من معرفته في علوم الشريعة، فالفتن لا تنفك تطرق الأبواب، والشبهات ملء السمع والبصر.

 فلو تم للأبناء العلم بضرورات دينهم منذ الصغر، ووُجِّهوا أولا إلى تعلُّم علوم الشريعة ولو أقل القليل منها، ثم بعد ذلك يوجهون إلى المجالات والتخصصات المختلفة لاكتمل لهم النموذج، بفاضله ومفضوله، فيجمع بين الأساسيات التي يحتاجها كل مسلم، بالإضافة إلى ما يعنيه هو في مجاله. وحبذا لو تميز في تخصصه وتفوق، وهو المرجو من شخص قد أعد إعدادا صحيحا وبني بنيانا سليما، فيستطيع بذلك أن يترك أثرا فاعلا ويسد الثغر الذي أُعِدَّ لأجله.

ران العصر

أضحت ظاهرة الفضول المعرفي شائعة هذه الأيام بين مختلف الفئات والأعمار، خاصّةً الشباب والمراهقين منهم، يدعمهم فيها الفضاء الإلكتروني الشاسع الخالي من كل رقيب وعتيد، مما سهّل عليهم الغوص فيها والبحث عن كلّ ما يدور في خلدهم، وقد كان هذا الأمر سببًا في هذا النوع الجديد الملاحظ من الران على القلب والعقل، فلم يعد يقتصر على ما سبق في الأذهان منه، بل صار أخطر وأشدّ أثرًا، فهو طريق الردة، بل وربما الانتحار.

إنه من المحزن أن تكون طاقات الشباب في عمر الزهور، كالدبابير التي تسعى لخراب أعمارها وأعمالها، فلا يعرف المرءُ منهم أي شي عن العلم الشرعي، ويوم ترد على قلبه شبهة يستسلم لها ويرتد إلى الطرف الآخر كأنه مريضٌ نشط من عقاله، فهو لا يذهب لمعرفة أصلها والردود عليها في الكتب الإسلامية قديمها وحديثها مما فنيت فيها الأعمار والأفكار في توضيحها، بل يذهب للبحث عن الشبهة في حد ذاتها ليجد الكثير من المتأبلسين يؤكدونها ويزينونها له، وعوضاً عن رد الشبهة نراه قد وضع في جعبته مئات الشبهات التي تجرّه للنفور من الإسلام رويدًا رويدًا، فلا هو نال حلّ الإشكال ولا الراحة منه، بل زاد عقله الطنين وغلّف قلبه ران العصر! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الران بين الماضي والحاضر

يقول رب العزة ﷻ ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:14] يقول مجاهد في تفسيره للآية: “هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، حتى تغشى الذنوب قلبه” ويروي الطبري في تفسيره عن مجاهد أيضًا قوله في شرح الران: “القلب مثل الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب الذنب انقبض، وضم أخرى، حتى يضم أصابعه كلها، ثم يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرين”

فكما هو واضح من هذا النقل عن معنى “الران” أنه كان عاماً لكل المعاصي التي يعتاد الإنسان ارتكابها في حياته، ومنها إلف الحرام والاعتياد عليه، وتتبُّعه الذي استحدث في عصرنا هذا، فإن المعاصي تنال بالكسب وربما بدون دراية من صاحبها كالغيبة والنميمة، حتى يستغفر إذا درى، أما الآن فقد تضمنت أشكالا مستحدثة منها الذي يخصنا في موضع البحث وهو إلف المعصية وطلبها وتتبّعها، مع سبق العلم بأنه طريق المهالك، فاستجدّ هتْكُ المحارم التى حذرنا الرسول ﷺ منها في حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حين  قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فالقلب هو بيت القصد فأيُّما عبد استعان بالله على صلاحه هداه الله وأعانه بإخلاص النية لله تعالى..

لم يعد الأمر يقتصر على القلوب بل صار أقوى لتشتيت العقل وهدم الهوية حتى أصبح يدافع عن الباطل ويستمال فيه مع داء الكبر والاعتزاز بـ “خالف تُعرَف”، فالباحث عن الحقيقة كما يزعمون بشعاراتهم الجذابة  الرنانة حينما تقع الشبهة عليه، يذهب مدفوعا بشعارات العصر – مثل أن الباحث والمثقف هو الرجل أو المرأة العصريين والمتحررين وغير ذلك-، إلى البحث عن أجوبتها في الانترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي فيزداد الران وتتعاقب الشبهات على قلبه ويظن أن الأمر عادي ويعبر بأنه يستطيع التفريق بين ما هو حق وباطل ولن ترد عليه الشبهة مدفوعا بحماس الشباب و لكن للأسف فإن انطلاقه خاطئ، وبالقياس “بالماء، فإذا كنت سباحا ماهرا فستنجو، و إذا كنت غير ذلك فستغرق و لو في بركة صغيرة و بأقل شبهة” [د. إياد قنيبي].

 

فإن الشبهات كالمستنقع ولن نقول بأنه لم يكن في الماضي شبهات أو حتى ملحدون لكن الأمر لم يكن بكل هذه البساطة والسهولة فهذه الموجة قديمة حديثة؛ قديمة في اشكالاتها ومواردها، حديثة في طرقها وأساليبها وسُبل نشرها.

وكثير من الواقعين في شباكها من الكوادر العلمية الذين اغتروا بالعلم الطبيعي وبما وصلوا إليه ويرون غيرهم في مرتبة الدون لا يصلون بعقولهم لما هم توصلوا إليه وهم وإن لم يصل الكثير منهم للإلحاد -برغم تهويل أرقامه- إلا أنهم مازال في نفوسهم حاجة مما ران على قلوبهم إلا من سلك طريق الحق مع درء الكبر والمعارضة والتشكيك، فيعيشون في قلق وهروب واضطرابات ويحكمون أن كل ما كتب وألف في الدفاع عن الشبهات تافه ولا يجدون فيه ضالتهم، فيشبعون نهمهم المتشكّك بكتب المستشرقين والمفكرين الرافضين لتعاليم الإسلام، ليؤكدوا لأنفسهم أنهم على حق في شبهاتهم، وهناك من يوافقهم أو يقولون لا نجد أحدًا يجيبنا، أو إن طلاب العلم الشرعي والعلماء تقليديون ورجعيون ويفتون بغير علم.. إلى غير ذلك من أوهام عقولهم الموسومة.

نسوا بانفتاحهم المشبوه هذا دون أساس ديني أو سند عقائدي يتكئون عليه -غير مسلم بالبطاقة- أحاديث الرسول المحذرة من إدمان الشبهات وإلف المحرمات، وأن الحرام يصبح سهلًا، ومعه كذلك ما يخالف الفطرة ويدعو لكل أمر شاذ..

عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال (إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [رواه الترمذي في صحيحه وإسناده حسن صحيح].

نكتت عقولهم مثل قلوبهم ولكنهم لا يرجعون، فكان الوارد الجديد هو النَّكْتُ العقلي، فلا هو يفهم ولا يريد أن يفهم، وإن جادله أو حاوره أعلم الخلق تراه ينظر إليه من برج عالٍ، ويتكلم بالسفسطة، فعقله نُكت حتى غُلف فصار كمن يحمل أسفارًا دون أن يدرك ما فيها، كما في قوله عز وجل ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف:179].

هل من سبيل للخلاص؟

من الإجحاف القول بأن هذه الحالات هي الغالبة والعامة لشباب المسلمين فهذا من باب التهويل المفرط ولكن بحسب الدراسات فإنه من بين 6.4 مليار نسمة في العالم وصل عدد الذين لا يؤمنون بدين معيّن قرابة 1.1 مليار -بحسب مركز بيو للأبحاث- والمتحولون إلى اللادينية بين المسلمين هم الأقل نسبةً مقارنة بغيرهم من الأديان، مع احتمال وجود أعداد تتكتم عن هذه الميول خوفًا من التصريح بذلك فالإحصائيات في الوطن العربي غير منضبطة عمومًا؛ والموجة قد استقر عددها هذه الأيام.

وهنا لن نقول إن الشبهات نتاج العصر الحديث فقط، وأن الساعون إلى النجاة هم أهل هذا الزمن فقط، فالأمر لم يسلم منه حتى بعض صحابة رسول ﷺ فقد (جاءهُ ناسٌ من أصحابه فقالوا: يا رسولَ اللهِ! نجدُ في أنفسِنا الشيءَ نعظِّم أن نتكلَّم به –أو الكلامَ به– ما نحبُّ أنّ لنا، وأنّا تكلّمْنا به، قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم! فقال: ذاك صريحُ الإيمانِ) [رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

فهذا حال غالب أصحاب القلوب لم يسلم منه أحد قل أم كثر حتى إن لم يجد الشيطان له سبيلا ذهب للوسوسة، ولكن الفرق أنهم طلبوا المعنى الصحيح من رسول الله، وستروا أنفسهم فسترهم الله ولم يماروا أو يبارزوا الله وعباده بالشبهات المبعوثة من بين الرفات كما يفعل مفسدو هذا العصر من خلال كافة الوسائل الممنهجة وغيرها فحقّ عليهم قول الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[الصف:8].

وبمبدأ الوقاية خير من العلاج وجب إظهار الخطر والتحذير منه قبل استفحال خطره أكثر من ذلك، حتى لا نقع فيما وقع فيه أسلافنا في عصر الترجمة للعلوم اليونانية ونقل التراث الفلسفي للأمم الأخرى بما فيه من انحرافات وعقائد باطلة وانكباب الخلق عليه مما أحدث فتنة عظيمة، فلكل علم أهله، وما أشبه اليوم بالبارحة، فلا بدّ من تعلم أخطاء الماضي ومعالجة المسائل بطرق جديدة مستقيمة بجهود مجتمعية أو حتى فردية..

أما في طلب الوقاية والهداية فعلى الدعاة وعلماء الشريعة العبء الأكبر فهم أمناء الله على عباده، وعلى المجتمع، وأخيرا الفرد وهو المحور فالكل مسؤول أمام الله ﴿ ِإنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[الأحزاب:72].

والموضع ليس موضع إطناب، فلنختصره في قول الرسول ﷺ حين قال: (يَأْتي الشَّيْطانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقُولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذا بَلَغَ ذلكَ، فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ)[رواه أبو هريرة ، وأخرجه مسلم في صحيحه].

فقد أمر الرسول ﷺ بعماد الأمر كله وهو الكف عن الاسترسال في تلك الشبهات، ثم شغل النفس والفراغ بالاستغفار والذكر فالعقل مهما اغتر به صاحبه لن يتجاوز ما هو أبعد من حدوده وما وراء مساحته، وإن زاد فهو الجنون بعينه والتخبط على عتبات الغيب؛ وعليه فإن من ورد بخاطره  شبهة من جيل المؤلفة قلوبهم فليعرض عنها وليتناسَ ورودها ويستغفر الله ويتفكر في  كتابيه المسطور والمنظور بتدبر على بصيرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس:57] فإن أبت شبهته إلا التعمير على حياته وصفوة مزاجه فليراجع أهل العلم مع سبق الإصرار على طلب الحق لا للسفسطة والجدال والظهور، وليراجع ردود العلماء عليها فيجد بعون الله ما يشفى الغليل ويريح العقول، ومن أراد مزيدا من الغوص فليلزم العلم الشرعي ولينهل من أصوله، حتى يكون على علم وبصيرة ولا يذهب بدون أساس فيُضَلَّ ويضِلّ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:109]

يجب علينا إعادة البناء العقدي لأبناء هذا الجيل المؤلفة قلوبهم، فلا يكون إيمانا بالتوارث والفطرة فحسب، بل نزيد عليه أن يكون بمعرفة الأمور التى نظن أنها ضرورية وبديهية لهم، فهذا جيل الشك ويجب علينا إعادة تأسيس البنيان ليستمر ما قدّر الله، والله المستعان وعليه التكلان.

ثنائية السعادة والحزن

كثُر الحزن والألم في عالمنا هذا وذاع صيته في مُجمل بقاع العالم، لا لشيءٍ غير أنَّ الإنسانَ أصبح قلقًا من شتاته وإدراكه -بعض الشّيء- معنى الحياة، حيث أكثرَ من طرح الأسئلة الميتافيزيقيّة، وفي رمشةِ عينٍ صار الجميعُ ناقدًا وفيلسوفًا من طرازِ استعمال الشكّ على وجهه الحقيقيّ وعلى النّحو المراد منه، ولعلّ الكثيرين ممّن يتلاعبون بالقول ويتفنّنون في ضرب المثال شنّوا حروبًا بفكرهم على القلم، حتّى أذعنَ لما يملون عليه من صميم ذواتهم وسراديبها المخيفة، ولكنه لم يعُد طوع بَنَانهم وقبضتهم.

الصمت والاتكاء على الذات

جميعُنا وُلِعْنا بالكتابات الحزينة وادّعاء الصّمت عِوض الكلام والطّرب له، فعادت نفوسنا تستمدّ طاقتها وشغفها من رسومات ڤان جوخ التّجريديّة ورسالته التي لا تخلو من هاتفٍ، بعدما أن كان الأمرُ رهينًا بما جُبلنا عليه في قالبٍ بيولوجي محض، وبعد لم نعُد نريد غير العيشِ وسط كياننا والاتّكاء على ذواتنا. من منّا لا يقرأ لفرانز كافكا وألبير كامو ولا يطبّل لهما ويصفّق؟ أمَا عادت أفواهنا تردّد أقوال الفلاسفة عن الحياة، فأخذنا من الشّعراء حكمتهم حولها ورؤيتهم الثّاقبة إليها، ونظرنا إلى شعر أبي العلاء من هذه الزّاوية فقط وتركنا الباقي في سلّة النّسيان؟

في العزلة والوحدة وحُسن الإصغاء والإنصات لأنّاتنا أصبحنا بارعون وَوُعّاظًا، فولّى زمن اللّمّة وعهد الابتسامة واستُبدِل ذلك بالرّكون عند مستودعِ الألوان القاتمة المشحونة بالصّداع والألم الدّاخلي، وما زاد هذا الزّعم بلّة هاتف اليوم ومصاحَبَته السّاعات، فنحن نجتمع مع أصدقائنا أو من نكنّ لهم حُسن الودّ لا لأمرٍ آخر غير مفهوم الاجتماع، نجتمع لنُكملَ رحلةَ البحث وراء المنصّات الافتراضية ونتسكعّ بين دروب دكاكيننا، فقدنا حوار المباشرة وتأثيره وما يمكن أن يقدّمه الآخر لنا من ابتسامة، أو ما قد يتركه البوح من تجديد النَّفَس وإعادة  النّبض إلى مجاريه الصّحيحة.

نحن عاشقون من الألبسة وألوان الموسيقى ما يخفى تشكيلهما على الأذهان، وتكييفهما على بالِ مستمعٍ أو ناظرٍ؛ فالدّلالات لم تعُد مشتركة بيننا بل عليك أن تجيدَ التّجديد لصياغة عوالم جديدة، تترُك الآخر في غياهبِ التّأويل وتوليد المعانيَ الكثيرة، واستخراج البيانات الغامضة.. هكذا أصبحت رتابة حياتنا الآنية، على أنغام سيمفونيّة بيتهوڤن وألحان الانزياح على أطباق الفطرة السويّة، التّي تنبت في حوض الاستقامة والطّريق الجَلَل، وما تلبث أن تضرب في قعر الخواء حتّى يُسمع صدى الإتلاف.

حتمًا ستعاني إن تبعت تلك العقول التّي رمَت الحمم وقذفتِ البراكين من أذهانها في سبيل تفسير المُبهم من هذا الكون، ولا شكّ ستموت من كمدٍ وحزنٍ إن أذعنتَ لهوى هذه الحياة التراجيديّة السّخينة وجادلتَها في محاولة قشع الضّوء؛ فالعامل والمسبّب الرّئيسي وراء تقمصّ رداء السّؤال، إنه (الوحدة)؛ هذه الأخيرة تفتح للمرء ينابيع الكلام عكس ملاقاة الآخر الذي يؤخّر التّفكير ويقتل الكلمة حتّى وإن كُتِبَ لها أن تحيا في الاستعمال اللّغوي، على حسب زعم فيرناند بيسوا في كتابه اللّاطمأنينة، فأنا أمام الآخر أفقِدُ القدرةَ على الذّكاء، على التّفكير، وحتّى على الحديث أيضًا، لذلك أصبح يحاول الإنسان الهروب ممّا يقزّم حرّيته والتّعبير عن ذاته.

فيرناند بيسوا

حاجتنا للحزن جزء من السعادة

الوحدة عاصفة ساكنة تقصف صاحبها وتُطعمه وجبات مستهلكة لِيموتَ بأسلوبٍ بطيءٍ، فهي أشرس الأعداء لأنّها تتركه يخاطب ذاته وتُسمِعه الأصوات المخيفة، وتتربّص به داخل الكهوف والغابات حينما يصمت العالم -على حدّ قول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه-، كما يخبرنا آخر بأنّها جزءٌ ملازمٌ لكينونة الإنسان، لكنّ السّؤال الذي يَطرح نفسه. كيف يمكننا أن نعيشَ مع هذا الوحش الصامت المخيف الضّخم داخل خيمة واحدة؟ ونتقاسم معه المأكل والمشرب؟ والأصعب أن نشاركه التّفكير؟

إذا ولّينا شطرَ الجمال والشّعر والكتابات الخلّاقة وكلّ ما يطرب النّفس -بحسب قول ابن طباطبا العلوي في كتابه عيار الشّعر- وَجدنا مناهج الفكر بمثابة تلك الحشرة التّي تنخر هذا الإبداع من الدّاخل، وتنهك قواه في سبيل دراسته واستكناه ما لم يُذكر على العتبات؛ وإنّي لأجد في هذا التّقييد حربة قاتلة عالقة في حلقوم تعدِيَةِ الحياة على نهجها الطّبيعي وسلامتها الكونيّة، وليس غايتنا من هذا الذّكرِ سوى أنّ الإنسانَ صار يتفنّن في طرح السّؤال واتّباع المعنى واللّغز القابع أينما ذهب به الرّمز وهربت به الكناية، ولا ننكر بأنّ الحياةَ فقدت بريقها ولَمَعانها مع هذا الحصر المقذع.

على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي نسعى ونلحّ بقوّة أنْ نظهر أسعدَ جزءٍ منّا، لكن من الواضح والمُشاع أنّ معدّلات الاكتئاب المتزايدة في جميع أنحاء العالم، تدلّ على مدى كفاح الإنسان ورغبته في ممارسة السّعادة والارتماء بين أحضانها. هل علينا أن نعيد التّفكير في الثّنائيّات الحياتيّة ولا سيّما ثنائيّة (السّعادة والحزن)!؟ ونروم جانب الشّاعر الرّومانسيّ جون كيتس في قصيدةٍ له عن الكآبة حينما يقول: “الألم والفرح وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما ضروريّان لنحيا”، كما علينا تبنّي الألم كجزء من الحالة الإنسانيّة.

وفي مقال للأستاذ النّفساني باستيان بروك يقول فيه: “ليس المغزى في أنّنا يجب أن نحاول أن نكون أكثر حزنًا في الحياة، بل تكمن المشكلة في محاولتنا تجنّب الحزن ورؤيته على أنّه مشكلة وسعينا لتحقيق السّعادة التّي لا نهاية لها، بينما لسنا سعداء جدّا في الواقع، وبالتّالي لا يمكننا التمتّع بفوائد السعادة الحقيقية.” [ميدان الجزيرة، لماذا نحن بحاجة للحزن في حياتنا] فنفهم من ذلك أنّه يجب أن نقضي على الحزن في سبيل السّعادة -وهذا خطأ-؛ لأنّ تقلّب المشاعر يولّد المرونة ويشكّل تلك المادّة التّي بها يمكننا أن نتماشى مع صعوبات الحياة من النّاحية النّفسيّة.

فلسفة الخطأ: كيف يمكن للخطأ أن يجعلنا أكمل؟!

حين خاف الصحابة من اقترافهم للأخطاء لجأوا إلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، شاكين إليه حالهم، فقال لهم هذا الحديث الجليل: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهم بهذا) [أخرجه مسلم في صحيحه]. يعالج هذا الحديث مشكلة الخطأ البشري ضمن علاقتنا مع الاستغفار، فهو يشير إلى أن الأصل في الإنسان أن يبادر إلى الاستغفار بعد الخطأ، وأن الحالة التي يحبها الله هي اعتراف الإنسان بخطئه واللجوء إليه مستغفرين إياه، وبتعبير آخر فإن الحديث يشير إلى أن الكمال الإنساني الذي يمكن أن يتحقق به أمثالنا، ليس في أن نكون بلا أخطاء، فهذا أقرب للمستحيل، وإنما الكمال يبدأ بالاعتراف بالذنب والسعي لنيل المغفرة.

لماذا الخطأ؟ بضدها تتميز الأشياء!

الحرية الذاتية وحرية الإرادة والاختيار جزء أساسيٌّ من مقتضيات كون الإنسان إنساناً، فبها يكون الإنسان مخلوقاً مكلفاً، ومن دون حرية الاختيار لا يمكن أن يكون هناك مفاهيم كالخير والشر، إذ لو كان الإنسان مجبراً على فعل الخير لما كان هذا الخير خيراً بالمعنى الفلسفي والوجودي. فنحن ندرك معاني ثنائية من خلال وضعها في مقابل بعضها، فالأبيض لا يدرك معناه إلا بأضداده كالأسود. انظر إلى الأسماك فإنها لن تدرك معنى الابتلال بالماء كونها لا تعرف ضده وهو الجفاف، وعليه فإن إدراكنا نحن البشر لمفهوم الخطأ نابع من كوننا ندرك معنى الفضيلة، فثمة قابلية في جهازنا المفاهيمي لتقييم الأشياء وتصنيف أفعالنا وفق كونها خيرًا وشرًّا، وهذا يقتضي بالأصل حريتنا على فعل شيء أو لا، وعلى القيام بفعل خيِّر أو شرير، ووعينا بما نفعله هو من جوهر معنى الإنسان بتصوري. فالمَلَك مَلَكٌ لأنه مجبول على الطاعة، أما الإنسان فإنه مجبول على الحرية، وبالتالي فإن الخطأ منه نتيجة متوقعة بل ومنتظرة.

لماذا نخطئ؟  الإنسان .. المخلوق الذي ينسى!

لا ينفكّ الإنسان عن حالة النسيان، فالنسيان سبب خطيئة آدم الأولى[1]، وهو ما قاله ربنا {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] أي نسي عداوة الشيطان التي أُعلِم بها[2]، ونقل عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: “إنما أخذ الإِنسان أنه عُهِد إليه فنسي”[3]

 وهذا النسيان المسبب للخطيئة هو الناتج عن التغافل عن التذكر، ذلك لأن النسيان كما قال الحسن ينقسم إلى قسمين: نسيان من جراء صنع الإنسان، وهو النسيان الذي يقع من غفلة الإنسان وتغافله، أما الثاني فهو الذي يقع خارج إرادة الإنسان وصنعه، والإنسان في الأول مسؤول بخلاف الثاني.

طه عبد الرحمن

عالج الفيلسوف المغاربي طه عبد الرحمن مفهوم الإنسان مبينا علاقته الوثيقة بالنسيان فقال: “كلما تأمّلتُ أحوال الإنسان في هذا الزمان واستغرقت في هذا التأمل، لم أزدد إلا يقينا بأنه لا كائن أنسى منه، حتى إني لو خُـيّرت في وضع تعريفه، فما كنتُ لأعرّفه بغير كونه الموجود الذي ينسى أنّه ينسى، ولو خيّرت في اشتقاق اسمه، فما كنتُ لأقول غير أنه اشتُق من لفظ النسيان” ويشرح هذا النسيان مبينا أنه ينسى شيء يذكّره بأنه “لا يملك من أمره شيئا، لا خَلقا ولا رِزْقا، ينسَى أنه كان في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، بدءا بظلمة العدم وانتهاء بظلمة الحس؛ ينسى أنه لم يخلق ذرّة من ذرات بدنه، ولا نسمة من نسمات روحه؛ كما ينسى أنه كان في فاقات بعضها أشد من بعض، بدءا بفاقة النور وانتهاء بفاقة العلم؛ ينسى أنه لم يَرزُق عينَه بصرا ولا أذنه سمعا، ولا لسانه نُطقا”[4] وبناء على ما قاله طه عبد الرحمن، فالنسيان جزء من ضعف الإنسان، وهذا الضعف سبب مباشرة لخطأ الإنسان ومقارفته بعض الأفعال التي لا يصح أن نطلق عليها صفة الخير.

إن من أسماء القرآن الكريم (الذِّكْر)، وهذه التسمية تحمل بعداً مهماً، فالإنسان قد حفظ شيئا أو لنقل أُخِذَ منه وَعد، أو لنقل بلغة القرآن الكريم “حمل الأمانة”، لكن بسبب طبعه القابل للنسيان والتناسي فإنه يغفل فينسى أو يتكبر فيتناسى، ويقارف ما لا يقتضيه حمله للأمانة، لذلك جاء هذا الكتاب الإلهي ذكراً للإنسان وتذكرة له. ومشتقات الذكر في القرآن متعددة، منها الذكر والتذكرة.

النسيان حالة من الذهول عن التاريخ، لأنه وعي فقط بالحاضر، باللحظة الراهنة، وهو في نفس الوقت غفلة تؤدي لعدم تقييم الأمر أو التصرف من ناحية نتائجه وعواقبه. لذلك فإن النسيان قد يعني سعادة آنية، وقد نظر نيتشه إلى النسيان من هذه المنظور مبيناً أن الحيوانات سعيدة لأنها لا تمتلك ذاكرة دقيقة كالإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي يقول: أنا أتذكر.

أما التذكر فإنه يعني وعياً تاريخياً عميقاً وتقييماً أخلاقياً، لأن التذكر يعني سلطة للتعقل والتدبر في الزمان ماضيه وحاضره ومستقبله، وإدراكا لـمآلات الفعل. التذكر فعلٌ من التَفعُّل، وهذا الباب في الصرف –يعني التفعل- يحتاج إلى جهد، فالتذكر وعدم النسيان والتناسي فعل شاق، لأنه يقتضي أن تخالف طبعك النفسي في النسيان وتغالب الغفلة التي تجذبك إلى ما تهواه في التناسي، وقد يستأنس لذلك بقول الله تعالى: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] في إشارة إلى أن ذكر الله أمر مهم، وقد أشار أبو الدرداء صحابي الرسول إلى أهمية الذكر قائلا: “ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في درجاتكم، وخير لكم من أن تغزوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربون رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؛ قال: ذكر الله -عز وجل- ثم قرأ: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [ذكره ابن أبي شيبة في المصنّف].

الذكر ليس مجرد حركة اللسان بل عملية قلبية تعكس مراقبة الله بالدرجة الأولى. لذلك فإن ذكر الله في السوق درجة كبيرة، لأن السوق وما يحضر فيه من أعمال قد تلهي الإنسان عن مراقبة الله وتذكر أوامره، أما ذكره يعني بمعنى مراقبته في السوق يحيل إلى الحساسية الإيمانية لهذا الإنسان الذي يذكر الله مراقبا له في حضور المال الذي يطغي.

هل الإشكالية في الخطأ ذاته؟

وبما أن طبع الإنسان مجبول على النسيان، فإن الخطأ متوقع منه، واسم الله الغفار والتواب يحيل إلى ضرورة وجود عبد يغفر الله له ويتوب عليه. وعليه فإن المحاسبة لن تكون على مجرد الخطأ، بل في عدم إدراكنا لما نقوم به من خطأ، وإن استعملنا تعبيرا آخر فإن المحاسبة ستكون على عدم توبتنا من الذنب[5]، لأن عدم التوبة يشير إلى أمرين: عدم وعي الإنسان بما يفعله، وعدم اكتراثه بما يفعله.

في الحالة الأولى فإن الإنسان مهملٌ وقع في غفلة، أما في الثانية فإنه متكبر متغافل، وكلاهما نتيجة النسيان والتناسي، فعدم وعيه بما يفعله يحيل إلى عدم التفكير في المآل، أما تكبره، فيشير إلى عدم إرادة التذكر أصلاً.

لقد أدرك نبي الله آدم ما فعله، فبادر إلى التوبة مبرزاً ندمه وحاجته إلى المغفرة: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الظالمين} [الأعراف: 23]، فجاء الجواب من الله تعالى {فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37]. لقد كانت التوبة طريقا لآدم يدرك من خلاله المعركة الأخلاقية التي يجب أن يخوضها، وأدرك أن التذكر هو الخلاص الأخلاقي من النسيان وأن طريق التذكر يكمن في اتباع هدى الله {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 38].

التوبة .. فرصة للقيام من جديد

إن الله يحب التوابين، هذا ما أكرمنا الله بنص القرآن، ولعل الخطأ ينطوي على فضيلة أنه يتحول لدى الخاضع لله إلى وسيلة للتذكر، وطريقا لمراجعة الإنسان نفسه، ومحاسبتها، والعدول عما فعله من تقصير وأخطاء، ولذلك قيل: “رب معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت استكبارا” [حكم ابن عطاء الله السكندري].

عالج علماء المسلمين موضوع عدم اقتراف الذنب أخلاقيا مبينين أنه “إذا لم يقترف ذنبًا، ولم يقدم على معصية، وداوم على البر والتقوى، فينظر إلى غيره ممن غرق في بحار المعاصي، أو أتى مخالفة، أو ارتكب محظورًا؛ فإنه يرى نفسه خالية من كل ذلك، فيدخله العجب، فلا يلجأ إلى بارئه، ويستفتح بابه، ويسأله، ويتواضع له، ويتذلل، فلا تظهر عظمة الربِّ وجلاله، ويخفى سرُّ الألوهية”[6]، لكن هذا الأمر مرتبط بالتوبة والاستغفار، لأن التوبة طريق أخلاقي يوصل العبد إلى محبة الله تعالى باعتبارها تذكراً. فإن كان الذنب نسياناً فإن الاستغفار تذكر. ولذلك فإن العبد يحاسب يوم القيامة على عدم تذكره، عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال صلى الله عليه وسلم-: (يَلْقَى العبدُ ربَّه يومَ القيامةِ فيقولُ اللهُ جلَّ وعلا: أيْ فُلُ ألَمْ أخلُقْكَ؟ ألَمْ أجعَلْكَ سميعًا بصيرًا؟ ألَمْ أُزوِّجْكَ؟ ألَمْ أُكرِمْكَ؟ ألَمْ أُسخِّرْ لكَ الخيلَ والإبلَ؟ ألَمْ أُسوِّدْكَ وأذَرْكَ ترأَسُ وتربَعُ؟ فيقولُ: بلى أيْ ربِّ فيقولُ: فظنَنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟  فيقولُ: لا يا ربِّ فيقولُ: اليومَ أنساكَ كما نسِيتَني) [أخرجه ابن حبان في الصحيح]

وللتوبة شروط!

بالنظر في شروط التوبة نرى عدة أمور نستطيع أن نقرأها أخلاقياً على الشكل التالي: يجب أولاً الاعتراف بالذنب، فالاعتراف يقتضي أن الإنسان قد تذكَّر فحاسب نفسه، وأدرك تقصيره فيما فعله، فبادر للاعتراف.

أما ثانيها، أي عدم الإصرار، فلأن الإصرار يحيل إلى أن الشخص لا يرى في الذنب ذنباً أو يرى في نفسه قوة لمقارفته، وهو في ذلك ينسى أو لا يريد أن يذكر مبدأه ومعاده. فثمة فرق بين الإصرار على الذنب، والعودة إلى فعل الذنب، والفرق بينهما في القلب، فإن كان العودة إليه من ضعف البشر أمام الذنب فإنه ليس بإصرار، بخلاف المصرين، ولذلك ورد في تعريف المصرّين في الحديث بأنهم: (الذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون) [أخرجه أحمد في المسند]، وقد بُيِّنَ في حديث أن المستغفر ليس بمصر وإن عاود فعل الذنب ضَعْفاً. وإذا أردنا أن وضعنا هذه الأحاديث في نسق أو إطار واحد فيمكن القول بأن المصر هو من يكرر فعل الذنب دون نسيان ودون ضعف. أما الضعف البشري وما يقتضيه من مقارفة الذنب فإن قبول توبته مرهون بصدق قلبه العبد في التوبة

أما آخر الشروط فهو: الندم وردّ الحقوق إلى أصحابها، فالندم مهم باعتباره الحالة الروحية التي يرى الإنسان فيها نفسه مذنبا مدركا لأنه مستحق للجزاء، أما رد الحقوق إلى أصحابها، فإنه مهم لتستقيم الأمور بعد الخطأ.

مسك الختام

الإنسان مخلوق عجيب فهو جرم صغير لكن العالم الأكبر فيه انطوى، فهو على خلاف المخلوقات الأخرى يملك وعيا أخلاقيا بناء على وعيه بامتلاكه للحرية والاختيار. وهذا الوعي يجعله مدركا لأفعاله ابتداء وانتهاء. الخطأ واقتراف الخطأ قَدَر في حياة الإنسان الناقص، ومن قَدَره أيضًا امتلاك الحرية على النسيان والتذكر، فإن حوّل الخطأ وسيلةً للتذكُّر فذلك خطوة إلى الكمال، وهذا مرتبط بوعي الإنسان الذي سيدفعه إلى محاسبة نفسه والتوبة.


[1] انظر طه عبد الرحمن: روح الدين: 13

[2] الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه 7/4706

[3] تفسير الطبري 16/182

[4] المرجع السابق: 13

[5] الكلاباذي، بحر الفوائد 363

[6] الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية 159

حين يفتك الأنمي بالعقول والقلوب!

في مقالٍ سابق أشرت إلى تقنيات نشر الأنمي وبعض جوانب مصمميه المظلمة، إلا أن سؤالا مهمًّا معلّقًا يجب البحث عن جواب له، وهي هل يمكن أن نحصّن أنفسنا من التأثر بالأنمي.

التأثُّر .. هل هو أمرٌ لا مفرّ منه؟

قد يخطر في بال القارئ قائلاً: لكن مهلًا أنا لن يحدث هذا معي، أنا أقوى من أن أنجرف، أنا لن أُدمن!

هذا يذكرني بحلقة لعماد الدين على قناة السبيل التي شرح فيها نظرية (تأثير الشخص الثالث) لـ (فيليبس دافيسيون)[22] التي مفادها أنَّ الناس يتوقعون أنَّ تأثير الإعلام يكون أكبر على الآخرين فقط، وأنهم  لن يقعوا تحت هذا التأثير، لسان حالنا هم ضعفاء لكن نحن أقوياء، سنشاهد دون أن نتأثر!

نعم من الممكن ألا يحدث معنا ما حصل معهم، لكن من الممكن أن يحدث معنا ما هو أسوأ من ذلك، شيء هجين تُجرى عليه دراسات لاحقًا لأنَّ مجتمعنا مختلف عن مجتمعهم والله أعلم؟

أرجوكم دعونا نكن صادقين مع أنفسنا ونتذكر قوله تعالى: {إنْ أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإنْ أسأتم فلها} [الإسراء:7 ] فإن كنت لا تقوى على حبس نفسك عن (الأنمي)، فكّر بصنَّاع ومحتوى (الأنمي)  الذي تشاهده، والمجتمع الذي يعيشون فيه، تذكر أنَّ الذين يرسمونها ويموّلونها هم بشر من مجتمع يعاني من القلق والاكتئاب، وأنَّ الذين يموتون منتحرين لديهم أكثر من الذين ماتوا بفيروس كورونا في بلادهم[23]  وأنَّ ٥٠٪ منهم عازفون عن الزواج[24] حيث يُخشى من أنَّ المجتمع الياباني كلَّه يتقلص، وأنَّ اليابان _حسب دراسة في جامعة كامبردج_ احتلت المرتبة الخامسة في انتشار الإلحاد واللاأدرية.[25] وهذا ليس للتشفي إنَّما للتفكّر، لعلَّنا ننظر فيمن يغذِّي خيالنا؟

فهل من الممكن أنَّ رسام (الأنمي) الذي رسم شخصيات مسلسلك المفضل قد يكون مولعًا برسم أفخاذ الفتيات الصغيرات، وأنَّه كان يقضي وقتَه في قراءة القصص الإباحية في حب الصَّغيرات كرسَّام الأنمي الذي قابله كالبريث في كتابه[26] أو أنه مُستَعبَد لشركة الإنتاج التي لا تقبل العمل إن لم يكن فيه بعض الإباحية[27].

اسأل نفسك

عندما تضغط زر التشغيل لمسلسل (أنمي)، توقف واسأل نفسك هل أنا أتأثر بما أشاهد؟ ولاحظ نفسك خلال اليوم كم مرة تذكرت (الأنمي) أو تصرفت أو تفوهت بألفاظ شخصيتك المفضلة خلال النهار وحلمت بها في الليل؟ فكِّر هل هذا صحيٌّ؟ إذا كنتُ أتصرف مثل هذه الشخصية فمن أنا إذن؟ فكِّر! هل ما زلت تأخذ القيم وموازين الأمور من السماء أم من (الأنمي)؟ هل ما زالت سنن الحياة تعريفها عندك كما أوضحها الله {ولنبلونَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثَّمرات وبشِّر الصابرين} [(البقرة:١٥٥] أم بدلتها بسنن (الأنمي)؟ هل ما زال الحَسن عندك ما حسّنه الله ورسوله؟ والقبيح ما قبّح الله ورسوله؟  

هل فقدت لذَّة قراءة قصص القرآن وسيرة نبينا محمد؟ حبكتها ليست كـ (الأنمي) الياباني؟ هل تغيرت توقعاتك من الله ومن الناس حولك؟ هل بدأت لا تتحمل فكرة وجود الألم والشَّرِّ وبدأت الشُّكوكُ بالله وصفاته تأكل قلبَك؟ أم هل ظننت أنك خارق ومتحكم ومسيطر؟ وبما أنَّ كلَّ شيء بـ (الأنمي) ممكن! وكاتب قصص (الأنمي) غيّبَ الله أو جعل الشخصية تتبارز معه، ومع التَّكرار بدأت تظن أنك المتحكِّم والمتصرِّف على الأرض فاستغنيت عن الله! فتأتي إلى الحياة العادية فترتطم بالواقع، فتغضَب وتُحبط فتهرب إلى أحضان (الأنمي) كحلقة مفرغة!

عندما تشاهد (الأنمي) انتبه إلى أنك تربِّي في نفسك مهارات للعيش على كوكب (الأنمي) الخيالي وهي مهارات غير ملائمة لكوكب الأرض!  فتنقص قدرتك على قراءة مشاعر من حولك من الناس فتُطْعَن منهم كذا مرة، لأنَّك تمرّست الفِراسة في قراءة مشاعر شخصيات (الأنمي)، وهذا ما أكدته دراسة في كتاب (دراسة نفسية لمحبِّي الأنمي): إنَّ محبِّي (المانغا والأنمي) يجدون صعوبة في قراءة مشاعر الناس، لأن وجوههم لا تشبه وجوه (الأنمي) ذات العيون الواسعة، كذلك هم لا يفضّلون مشاهدة أفلام أبطالها بشر حقيقيون! فما عادوا يستمتعون بالطبيعي!

فكِّر، هل ردَّات فعلك مبالغٌ بها؟ هل بدأت تشعر أنَّ ردَّات فعل الآخرين ناقصة، ليست بشدَّة الانفعال التي اعتدت عليها في شخصيات (الأنمي)؟ هل شَكلُك لم يعد يعجبك؟ فالعيون ليست عيون (الأنمي)، والبشرة ليست ناصعة كصورهم مع أنَّك لو شاهدت جمجمة شخصية (أنمي) لأثارت فيك ضحكًا وما تمنيت هذا!

وأخيرًا، انتبه، إن أكثرت التَّعرض لأفكار (الأنمي) ستجد نفسك مُتَقبِّلًا لأي فكرة! ليس فقط الشذوذ والاختلاط والتَّعرِّي فقط! بل أي شيء قادم من خيال رسَّامي اليابان، ظانًا نفسك أنك منفتح[28]، لكن هذا ليس انفتاحًا، بل سيولة فأنت هلامي مُعَدٌّ لتوضع في أي قالب يريدونه هم!

تعاليم الإسلام.. غذاء للقلوب.

أنهي مقالتي بكلمات الشَّيخ ابن تيميّة: “والشرائع هي غذاء القلوب وقُوتها، ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من الطعام حاجته؛ استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله، وإن أكل منه إلاّ بكراهةٍ وتَجَشُّم، وربما ضرّه أكلُه، أو لم ينتفع به، وإن لم يكن هو المغذِّي له ذاك الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلَّت رغبته في المشروع  وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمَّته إلى المشروع، فإنّه تعظُم محبته له، ومنفعته به، ويتم دينه، ويتم إسلامه، لذا تجد مَنْ أكثرَ سماعَ القصائد؛ لطلب صلاحِ قلبِه تنقُص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرِهه، ومن أكثر السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السُّنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والرُّوم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسِيَرِهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه الاهتمام، ونظير هذا كثير” [اقتضاء الصراط المستقيم 326 – 327]

أعيدوا قراءة كلام الشيخ واستبدلوا كلمة الحكمة والآدب وقصص الملوك بكلمة (أنمي ومانغا)..

أسأل الله أن يرزقني وإيَّاكم الصِّدق، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.


المراجع

  1. Galbraith, Patrick W.) 2017,April) The Moe Manifesto .Tuttle Publishing. Kindle Edition.
  2. Martin, M. (2007). The Cambridge Companion to Atheism. Cambridge University Press.
  3. O, M. (2021, November 17). More Japanese deaths by suicide than from covid-19. Center for Japanese Mental Health. Retrieved April 15, 2022, from https://cjmh.org/news/more-japanese-suicides-than-deaths-from-covid/
  4. Stephen, R., Plante, C. N., Roberts, S. E., & Gerbasi, K. C.)2021).The Psychology Of Anime Fan.Commerce,Texas.USA
  5. عماد الدين، (2021، آذار). وَهم التفوق [فيديو]

____________

[22] (عماد الدين،2021)

[23] More Japanese Deaths by Suicide than from COVID-19, (2020)

[24] Galbraith. (2017)

[25] Martin, The Cambridge Companion to Atheism (p.56).

[26] Galbraith. (2017) (p. 47).

[27], Galbraith (2019) (p. 36).

[28] وهذا ما أكدته دراسة في كتاب (دارسات نفسية على محبي الأنمي) إن متابعي الأنمي هم الأكثر “تحررًا” يتقبلون أي إنسان وأية فكرة

هل يمكن الفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية عمليًّا؟

في مقالٍ سابقٍ أشرتُ إلى مآلات الإلزام التعليمي من خلال المدارس المعاصرة، أما هذا المقال فيتمحور حول نقدِ نزعة الفصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

إن كل علم هو علاقة جدلية بين ذات وموضوع، فالذات لا تعرف الموضوعات، إلا من خلال فاعليتها الخاصة، ولكنها لا تتعلم معرفة ذاتها إلا بتأثيرها في الموضوعات، فالفيزياء علم الموضوع، ولكنها لا تصل إلى الموضوع إلا بواسطة البنيات المنطقية الرياضية الناتجة عن فاعليات الذات، وعلم الحياة هو علم الموضوع، ولكن الكائن الحي الذي يدرسه العالم بفضل الأدوات المستعارة جزئياً من الفيزياء الكيميائية، هو في الوقت نفسه، نقطة انطلاق للفاعلية التي تفضي إلى الذات الإنسانية، كما يدرس علم النفس وعلوم الإنسان هذه الذات الإنسانية باستخدام تقنيات العلوم السابقة.

التمايز أم التكامل؟

من أهم ما يميز تطور العلم الحديث هو عملية التمايز المتواصل التي تتم فيها، والتي ينجم عنها تكوُّن فروع علمية جديدة، ولكن هذا لا يعني أنَّ عملية توزيع وتبعثر العلوم عملية فوضوية، فثمة علاقات متبادلة وترابط داخلي يشدّ كل العلوم بعضها إلى بعض، ويدخل في عملية التمايز صفة الترتيب والانتظام، وما دامت العلوم المختلفة تبحث جوانب معينة من العالم الموضوعي والمجتمع والوعي، فإن تطور العلم يفضي أيضاً إلى التقارب والتكامل بين فروعه المختلفة، ويحوّل المعرفة العلمية بمجملها إلى كُلٍّ مترابط منظم، حيث إن عملية تمايز العلوم تقابِلُها عملية تكامُلِها ورؤية ترابطاتها الشاملة وتداخلها ووحدتها. [د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، منشورات جامعة دمشق، ص 207].

فالتخصّص المتزايد يتنافى مع طبيعة العلوم وتفاعلها وتشابكها مع بعضها البعض، وكانت الفلسفة تشمل كل العلوم باعتبارها الوعاء الذي تصب فيه كل التساؤلات عن الكون والإنسان قبل تمايز العلوم وانفصالها عنها، لذلك فإن كل تقسيم سابق للعلوم كان ينبع من قلب الفلسفة، أي هو بشكل أو بآخر تقسيم للفلسفة باتجاهاتها الطبيعية والإنسانية لذلك فإنّ العلم بشقيه الطبيعي والإنساني ينتمي من الناحية الإبستمولوجية والمنهجية لجذر مشترك هو الفلسفة أمًّا للعلوم.

ورغم اختلاف منهج العلماء الطبيعيين عن الإنسانيين من حيث التفاصيل، فإنهم يتفقون جميعاً على أن المنهج العلمي يهدف أولاً وأخيراً إلى ربط الظواهر بقوانين أو بعلاقات سببية، حتى يمكن فهمها والانتفاع منها في التطبيق العلمي.

وعند محاولة ليّ العلوم الإنسانية لقوانين العلوم الطبيعية ومناهجها نجد أن هناك إشكاليات تتعلّق بالمعنى المنهجي لتطبيق التّجريب فيها، ومن تلك الإشكاليات قضية التّفاعل بين الذّات والموضوع، الخاصّة بهذه العلوم، وترجع إلى كون تطبيق التّجريب بالمعنى المستخدم في العلوم الطبيعيّة على العلوم الإنسانيّة، صعباً للغاية، ففي حالة علم النّفس، ليس التّجريب من حيث المبدأ أكثر تعقيداً منه في علم الحياة، لكن الفرق ناجم عن كون الباحث لا يحق له إخضاع كائنات بشريّة لأيّة تجربة، وما إن يتمحور الأمر حول ظواهر جماعيّة، كما في علم الاجتماع، والاقتصاد، واللّغات، والسّكان، حتّى يصبح التّجريب بالمعنى الدّقيق للكلمة، أي بوصفه تغييراً للظّواهر يرافقه تحويل حر للعوامل، فيكون حينها مستحيلاً، ولا يمكن إلاّ الاستعاضة عنه بالملاحظة المنظّمة الّتي تستخدم تحوّلات الواقعة، وتقوم بتحليلها رياضياً ومنطقياً.

إنّ العلوم الطبيعيّة عندما تستخدم منهج التجربة، فإنّها تبتغي عزل الظواهر الطبيعيّة صناعياً والتّحكم فيها، حتّى تتوصّل إلى تحقيق الظّروف المتماثلة مرّة بعد أخرى، وما يترتب على هذه الظّروف من نتائج معينة، وواضح أنّ هذا المنهج يعتمد على الفكرة القائلة بأنّ الأمور المتماثلة تحدث في الظّروف المتماثلة. لكن هذا المنهج يصعب تطبيقه في علم الاجتماع، وإن طُبِّق فهو عديم النّفع، لأنّه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقّق إلاّ في حدود الفترة التاريخيّة الواحدة، فلن يكون لأيّة تجربة نجربها إلاّ دلالة محدودة جدّاً، كما أنّ التّجارب الاجتماعيّة الواسعة النّطاق، ليست تجارب بالمعنى الفيزيقي، بل يُقصد بها تحقيق النصر السياسي، وهي لا تجري في المعمل بمعزل عن العالم الخارجي، وليس من الممكن تكرارها في ظروف مماثلة، من حيث إنّ الظّروف تغيّرت نتيجة لإجرائها في المرّة الأولى.

منطق العلم وأهدافه

إنّ كلّ العلوم طبيعيّة كانت أم إنسانيّة، تسعى إلى التّفسير، شاءت الفلسفة الوضعيّة ذلك أم لم تشأ، والتفسير ليس هو القدرة على التنبؤ بالظّواهر وإثبات ضرورتها وحسب، بل هو على الأخص، جعلها معقولة، ومعقولة هنا ليست بالضّرورة منطقيّة، ولكنّها ليست متناقضة مع ذاتها. من هنا يحسن بنا أن نلاحظ أنّ العلوم الّتي اعتدنا وضعها في مقابل علوم الإنسان، وتسمى بالعلوم المضبوطة، وهي الّتي يقصد بها غالباً العلوم الطبيعيّة، لكن ماذا يمكن في هذه الحالة أن تعني كلمة(مضبوطة)؟

إنّ هذه الكلمة تطلق غالباً على علم الفيزياء، لأنّ هناك فيزياء رياضيّة، ولكن من المسلّم به أن كلّ علم تجريبي بما في ذلك الفيزياء ما هو إلاّ علم تقريبي، فكلمة مضبوطة تنطبق في الواقع على الرياضيات، ولكن هل الرياضيات علم طبيعي؟ إن أردنا أن نقول إنّ الرياضيات تنطبق على الطبيعة فلا بدّ عندئذ من أن نجيب أنها تناسب الإنسان أيضاً، فقولنا إنّ الرياضيات مضبوطة، يعني أنّها ملتصقة بالمنطق لا بالطّبيعة مباشرة، ولكن ما المنطق دون الإنسان؟ حتّى وإن ضرب بجذوره في ضرورات التّنظيم البيولوجي للطَّبيعة. وإذا كانت علوم الطّبيعة تفسّر الإنسان، فإنّ الإنسان بدوره يفسّر علوم الطّبيعة، لذلك نرى أنّ نظام العلوم لا يمكن ترتيبه، كما حاول عدّة مفكّرين أن يفعلوا ذلك على نحو نمطيّ، ذلك أنّ الشَّكل الّذي يميّز العلوم هو الدّائرة، أو اللَّولب الَّذي يكبر باستمرار، فالموضوعات لا تُعرف إلاّ من خلال الذَّات، والذَّات لا تستطيع التّعرف على نفسها إلاّ بالعمل على الموضوعات على نحو عقلي أو مادي. [مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق]

 والفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية لا يقتصر على الوقوع في أخطاء منهجية استدلالية فقط، بل في كل مرة يقوم العالم التجريبي بعمل تجربة مستخدمًا بعض التقنيات الحاسوبية الحديثة، فهو واقعٌ في انقلاب إقراري، ولا يمكنه الخروج عن حيزه إلا إذا اعترف بالعلوم التي لا تخضع للرصد والتجريب أو ترك ممارسته لاستكشاف العلوم الرصدية التجريبية.

وهذا يؤثر بكل تأكيد في العقل البشري، ولكن كيف؟ إن العقل الذي يعتاد النظر من زاوية واحدة للمسائل التي تقابله ينتج فيه قصورًا كبيرًا في مناهجه البحثية، ويغفل عن الكثير من مواطن التماسّ بين العلوم المختلفة والتي لا تنفك عنها، ويصبح ذا جمود فكري أثناء التحرك في إصلاح إي شيء، مما ينعكس على المجتمع ونهضته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.

ما الحصانات الإسلامية للعملية التعليمية وملامح الحل؟

من ينظر إلى الفرق بين المدارس النظامية التي نشأت في عهد الدولة السلجوقية وبين المدارس الحالية _ كما ذكرنا في مقالنا السابق_ سيدرك المفارقة الكبيرة والانحراف الجذري الذي حدث نتيجة التشابكات المذكورة آنفا.

ولأجل محاولة الانطلاق نحو الحل يجب إعادة تحرير الأهداف التي يقوم عليها التعليم في الإسلام، المنطلقة من {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1]. أي يا أيها الإنسان: اقرأ وتعلم عن الكون والحياة، وافهمهما باسم ربك، منطلقا من الإيمان به ربًا يربيك، خلقك من علق، وهداك إلى تناقل العلوم، وبناء المعرفة بالقلم، وبما أعطاك من فطرة وعقل قادر على التعرف على الحقائق، لأنه من صنع إله مطلق الكمال، ليس عقلا جاء صدفة خبط عشواء، بل عقل مهيَّأٌ من الخالق الأكرم، الذي يريد للإنسان أن يتعلم ما لم يعلم.

اقرأ لتنتفع بعلمك وتنفع الناس، ولتستدل بعلمك على عظمة الله فتشكره، وتحقق ما خلقت من أجله من العبودية له بمفهومها الشامل، فتسعد في الدنيا والآخرة. رؤية كونية تجعل الإنسان منسجمًا روحًا ونفسًا، عاطفة وعقلًا، فتنخرط قواه كلها في تحقيق الهدف الأسمى. فهي تنطلق من توحيد الله عز وجل لتخرج نفسًا موحدة لخالقها، مُوحّدة في نظرتها، لا نفسًا مفككة مشتتة، وهذا ما نجحت المدرسة النظامية السلجوقية في تحقيقه عن طريق الحصانات المُضمنة فيها لتحقيق الغاية العظمى وهو يقوم على خمسة أسس رئيسية:

أولا: أن التعليم تعبدي، سواء كان في علوم الشريعة أو علوم الطبيعة، وبالتالي فثقافة {اقرأ باسم ربك} [العلق:1] كانت مبثوثة في المجتمع، على مستوى الأسرة من المؤدبين في الكتاتيب، في المساجد، في حِلق العلم، وكذا في المدارس التي نشأت في العصور الإسلامية.

وهذا يقودنا إلى العامل الثاني للحصانة ألا وهو: المسؤولية المشتركة، إذ إن الكل يشارك في تحمل مسئولية التعليم، ولا يلقون بها على كاهل الدولة، كذلك تحمل المسئولية يعطي مناعة من انتشار الفساد، حتى لو أصيبت مؤسسة الحكم بالفساد، فمكونات المجتمع توطّدت على قوله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) [صحيح البخاري]، فسيسعى كل راعٍ تقيٍّ إلى تخفيف الأضرار على من يرعاهم إذا فسد رأس الهرم، وسيبقى الأبوان والمربون يمارسون التعليم عبودية لله، وهذا يحافظ على سلامة جذور المجتمع المسلم، حتى وإن أصاب الفساد الفروع، فستنبت الجذور فروعا سليمة من جديد.

ثالثا: صحة المرجعية وثباتها: (اقرأ باسم ربك) [العلق: 1]، فالوحي هو المرجعية، فالقيم والمعايير الضابطة للعلم ثابتة لا تتغير. انطلاقا من الوحي، توفر الدولة البيئة اللازمة لبث العلم الصحيح، تصدّر المؤهلين، تحمي الناس من المتلاعبين والعابثين الناشرين للجهل والضلال، لأن حفظ العقل من ضرورات الشريعة الخمس، فالدولة تضع الأطر، ثم بعد ذلك هناك مرونة منضبطة بالوحي.

في المقابل، فإن الناس يحاسبون الحاكم بناء على الوحي أيضا، فهناك مرجعية الوحي التي لا يستطيع الحاكم المساس بها ولا تغييرها، بل هو مُكلَّف بالقيام على مصالح الناس بحسب هذه المرجعية، وإذا خالفها وأمر بتعليم ما يخالف مصلحة الناس، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل يؤخذ على يده، ويحمل على الالتزام بالوحي؛ فسلطته ليست مطلقة، بل يحكمها قول الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].

رابعا: مراكز الثقل المالي في الوضع الإسلامي الصحيح موجودة في المجتمع، ليست منهوبة، ولا يتحكّم بها من قبل زمرة حاكمة، ولا من طبقة رأسمالية؛ فالإسلام يحارب تركُّز المال في يد أي فئة، (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [الحشر: 7]. كون مراكز الثقل المالي في الناس، هذا الاستقلال المالي يعني: أن طلاب العلم وأهل العلم بأشكاله أحرار فيما يقولون، مُكتفون، لا يهددون بأرزاقهم، ولا ينتظرون راتبا يعطى من فئة متحكمة ستمنع عنهم المال إذا امتنعوا عن الانصياع لأهوائها.

في هذه الأجواء الحرة، كان للأوقاف الإسلامية دور كبير عظيم في التعلم: فيخصص المسلم لذي يمتلك المال جزءا من ماله، ويبقيه أوقافا جارية بعد وفاته، من أجل تفريغ أشخاص لطلب العلم، وهذا كان من عوامل محافظة المحاضن الشعبية على قوّتها، ودورها في تخريج العلماء في شتى المجالات، حتى في فترات انحدار مؤسسة الحكم.

الأزهر -مثلا- قبل أن يفسده الاستعمار البريطاني، كان ينفق عليه من الأوقاف، لقد كان توزُّع المال بين الناس مانعًا من أن يسخر التعلم لمصلحة فئة من أصحاب رأس المال، بل يكون المعنى التعبدي التعلم هو الحاضر وبقوة، هدفه أن تحقق الأمة العبودية لله بمعناها الشامل -كما بينا.

وهذا يأخذنا إلى الميزة الخامسة في منظومة التعليم الإسلامية: وهي أنّ مخرجات التعليم لا تقاس بتأهيل أفراد لخدمة أصحاب رأس المال، والشركات العالمية في عبودية مقنّعة، بل يُقاس بتحقيق أهداف الوحي وهي صلاح دنيا الناس وآخرتهم، وصلاح نفوسهم، وأرواحهم، وأخلاقهم، فيكون للفقيه قيمته، وللأم المربية قيمتها، مع أن هؤلاء لا قيمة لهم في المنظومة الرأسمالية، لأنهم لا يخدمون المنظومة المادية.

كل هذا يهيئ الأجواء لكون السلطان بأيدي المسلمين، ووجود أهل الحل والعقد من المسلمين، ولظهور أجيال من الأحرار الذين تلقوا تعليمهم من مراكز الثقل المجتمعية التربوية، وأمانهم الاقتصادي مرتبط بمراكز الثقل المجتمعية الاقتصادية، فمقياسهم في قبول أو رفض ما يطلب منهم: هل هو حق أم باطل فحسب، لم يعلموا العبودية لغير الله، ولا يهددون في أرزاقهم.

على سبيل الختام

إذًا، إن التعليم باسم الله، هو تعبد يمارسه الجميع، ويتحملون مسئوليته، والوحي فيه إشارات وتأكيدات للحقائق الكبرى وطرق الوصول لها، وفيه تحريك لاستكشاف العلوم، وهو مرجعية ثابتة لا تتغير، تعليم تنسجم فيه مكونات الإنسان، والهدف منه: تحقيق الاستخلاف والعبودية لله بمعناها الشامل، مرتبط باقتصاد عادل لا تحتكره فئة، وفيه عوامل مناعة من أن ينحرف، ومن أن يملى فيه على الأجيال أهواء من البشر، وهنا أوصي بالاطلاع على هذين المقطعين لمعرفة بعض طرائق الحل وسبله.

https://youtu.be/TZbN4rFnBYY

https://youtu.be/5KDvtopJ5QA


مصادر للاستزادة

١- العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

http://www.alhiwartoday.net/node/11897

٢- تعليم أم تعليب للدكتور إياد قنيبي.

https://youtu.be/opY_f5ErzZo

الفن الأدبي والأخلاق…أي تصالح؟

يؤمن الكثير من الخلق- متخصّصين أو غير متخصّصين-، إيمانًا جازما أن الإبداع الأدبي والكتابة الفنية، على اختلاف أجناسها وفروعها، وخاصة منها السرد الأدبي، يمكن أن ينفصل عن الأدب والأخلاق ذاتها ويظل اسمه أدبًا!.

ونقصد بهذا الانفصال غياب إخضاع العمل الأدبي لمعايير القيم وسلّم الأخلاق النبيلة، إذ كلما اقتربت الأواصر بين المنتوج المكتوب وبين السفالة والانحطاط، وُلِد التميز وانبجست عيون الإبداع، وكلّما ابتعد عن تلك العرى وفارقها صُنِّف في الصف الثاني أو الثالث أو الأخير أو قبل الأخير من رفوف التخييل والخلق الإبداعي، فترى جماهير من المتلقّين –عن وعي أو عن غير وعي- منبرين لهذا المؤلف أو ذاك، دفاعا وتهليلا وتصفيقا، حتى إذا بحثت وراء هذا التبجيل ما وجدته شيئا، وألفيت جدلا كطنين الذباب قد تعالى حول المؤلف، لسبب وحيد، وهو كونه تضمّن إقحاما لبضع كلمات نابية وخادشة في الخطاب، أو إيغالا في وصف العورات، أو خوضا في مواضيع مشينة أو تافهة أو تشمل استهزاء مقصودا بالمقدسات وتسخيفها والضرب فيها (خاصة ما يتعلق بالإسلام) بأسلوب فيه من الوقاحة ما فيه تحت ذريعة أنها (تابوه) لم يخض فيه أحد من قبل، فيتوهم المؤلف امتلاك الجرأة والإقدام الفكري دافِعَيْنِ له، ليَسْتَلَّ قلمه ويسلطه هو والغرماء على نفسه من حيث يدري أو لا يدري.

أهداف وغايات

بالتفكير في المسألة مطوّلًا نلحظ أن الغاية من وراء ذلك لا تعدو أن تكون سعيًا وراء تحقيق مصالح شخصية يمكن إيجازها في أمرين: أولهما: المكسب المادي المتمثل في المتاع القليل المأخوذ مقابل العمل ولا تهم هنا المبادئ الأدبية الإنسانية إن صحت تسميتها كذلك، -هذا إن وُجِدَت أساسًا من البداية-، أما الثاني فهو المكسب المعنوي المتمثل في رغبة سيكولوجية دفينة للظفر بشهوة مؤقتة ترضي هوى النفس في تحقيق شهرة زائفة، تغذي شعورًا داخليًّا بالغرور والكبر والعجب بالنفس.

إنك لتعجب من هذا الكم الهائل من الكتب والقراطيس والمؤلفات- لاسيما السردية بكل أجناسها-، التي تغرق في واقعية منحرفة تنامت شيئا فشيئا حتى تحولت إلى نوع من الجاهلية الفنية الجديدة، يحب الذين يتبعون الشهوات أن يسموها (تحرُّرًا فكريًّا)، أو (ثورة أدبيَّة)، أو ما أملى عليهم هواهم تسميتها،  وفي هذا انحدار خطير يريد أن يهوي بالنفس في وديان سحيقة من الخسة والمسخ الفطري، حيث تجد تصوير الإنسان كأنه حيوان مسعور، يؤرقه البعد الجنسي في ليله ونهاره، أو هو كائن قيَّدَتْه الهلاوس العقلية والاجتماعية، فلم يهتد إلى اطمئنان أو سكينة إلا بالتمرد على القيم والأعراف، أو تراه يدّعي الانفتاح والنهضة بقبول الشذوذ بكامل تصنيفاته أو تبريره أو الدفاع عنه، وأن سر الحضارة وارتقاءها يتوارى في التعايش مع الانحراف والفواحش باسم احترام )الحريات الفردية(، إلى درجة مقيتة تفاقمت حتى وصلت إلى عبادة الفرد، فتحول الأفراد إلى آلهة تخلق ما تشاء من الأحكام والضوابط  التي تخدم أهواءها ومُهَجَها المستلبة.

  ولا ننكر هنا أن من الكتاب والمؤلفين من يستحقّ يَراعهم التشجيع ويستحقه، إذ سخّروه في خدمة المجتمع،  أو نصرة الدين، أو تعلية شأن القيم السمحة وترسيخها في نفوس الناشئة أو اليافعين، أو معالجة هموم الإنسان والأسرة بما ينسجم والذوق الإنساني، والفطرة السليمة إلى غير ذلك، ولكن معرض حديثنا هنا ليس عن هؤلاء، بل عن الشرذمة التي جنت على الوجدان والشعور والفطرة… وجنت على نفسها،  لتضع بصمتها في خط التمزق والإباحية الفكرية التي غرق في عبابها الكثير، فلم تكفهم ألوف الصفحات التي تطبع هنا وهناك بلا هوادة لتضرب القيم والمعاني النبيلة، وتسخف من أمرها، بل تعدّتها إلى السخرية من المقدسات والعقائد، لينضمّوا هم الآخرين لهذا الركب الخذل الأعوج، ويكونوا عونا للشيطان على مجتمعاتهم ودينهم وأنفسهم !

أين معالجات الأدب للواقع؟

إن كانت حجة البعض أن الواقع لا يتكشف إلا بالخوض فيما لا يقدر على الخوض فيه إلا القلة، وتلكم هي الشجاعة والبسالة الفكرية، فيمكننا هنا طرح إشكال: إلى أي حد استطاعت هذه الروايات أو القصص على مر العصور معالجة هذا الواقع بسرد تفاصيل غارقة في الحسية والشهوانية، وموغلة في جذب الإنسان إلى العالم السفلي، وتلطيخه بالعار ثم تقييده هناك، وإيهامه أنه تغذى فكريًّا وارتوى ثقافيًّا على مادة أدبية بحتة، أضافت له ولم تنقص؟

ألا تساهم هذه الأعمال في زيادة المجتمع انحرافا والتشجيع عليه، وإثقاله بصراعات عقدية وفكرية، لا يملك الجميع مواجهتها، خصوصا في ظل الجهل المستشري في العقول والقلوب معا؟

هل رجحت كفة القيم ومقام الروح بأدب المجون واللذة والخمريات والغزل الإباحي أم أخل به وزاد أعماق النفس تشويها؟

هل يجد القارئ في نفسه بعد الانتهاء من قراءة ذاك الصنف من الكتب أثرا لحماسة نحو التغيير أو التجديد، وانتعاشا في الفكر والروح، أم تثبيطا في عزيمته وهبوطا نحو هوة الاستسلام للنزوات؟

ألا يمكن للسرد الأدبي أن يتشكل من منطلق أخلاقي ترجع جذوره إلى الإسلام؟ وأن يتكئ على معالم الفكر التي تكشف الحجب عن هموم الإنسان وحيرته وأزماته في عصر اختنق روحيا وأفلس قيميا وتمزق نفسيا، بدل الزيادة في تغريب وجدانه وحصار عقله في أرض خراب لا تثمر ولا تنبت؟

وارتباطًا بما سلف يذكر الدكتور نظمي لوقا في دراسته، (عصرنا بين المعقول واللامعقول): “أن مأساة الإنسان المعاصر تكمن وراء أزمة الإيمان وتأتي من وراء أزمة الإيمان أزمة الحرية وأزمة المسؤولية، ومن ثم أزمة الفن، فلأن ذلك الإنسان قد تزعزع إيمانه، بالارتباط بنظام معين ثابت في الكون، فهو لا يشعر بالمسؤولية… فكيف تمكن الإرادة بغير باعث قوي، وكيف يمكن الباعث القوي بغير اعتقاد متين في جدوى أي شيء أو إثبات أي شيء.” [عصرنا بين المعقول واللامعقول، نظمي لوقا، ص: 20]

ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم أن العامل المؤصل لبناء عمل أدبي، شئنا أم أبينا، يتركز على عقيدة صاحبه وإيمانه، أيا كانت طبيعتهما، فمن لم يتجاوز إيمانه التسليم للجانب المادي وبعض النظريات الفلسفية والغربية القائمة على تضييق دائرة نظر المبدع، وتقبيح وجدانه، وتقزيم ذاته وإذلالها بكثافة الاقتباس المشوه من فكر الغرب وفنه -الذي له خصوصياته ودوافعه التي شكلته-، فلا تنتظر منه إلا عملا يخدم ما سبق و يعضده، منتجا مع أعمال أخرى تشبهه طوفانا من الفوضى الروحية والعبث الفكري العنيف، يذهب ضحيتهما ضعاف العقول، والمخدوعون بثقافة رخيصة مُمْلِقة، متسولة على أعتاب مواقع التواصل، تنشد صنع مجد مزيف إلى جانب فنجان قهوة ومفاتيح سيارة..!

أي مستقبل يبشرنا به الأدب الرخيص؟

ويبقى الحكم في هذه القضية متوقفا على اعتبارات عدة، عقدية ومذهبية وفكرية ودينية واجتماعية وإيديولوجية، وبذلك ستظل كل محاولة للإصلاح رهينة باستحضار كل هذه الاعتبارات، وجعلها تبنى على صراحة الوضع، ووضوح الفكر خصوصا أمام المثقفين والنقاد، وأجهزة النشر والإعلام، وكل الوسائل الدعائية وقنواتها، تأسيسا لمرحلة جديدة يتكئ فيها أدبنا على ثقافته الملقاة على الرصيف، ويتصالح مع فكره الغني بشتى المسارات العلمية والثقافية.

فهل انتهت اتجاهات الفكر الأنيق، وانقضت روافد الفن الأليق، وخبت جذوة المنطلقات الملتزمة بما ينسجم مع القيم الروحية ويبتعد عن إثارة الشهوات والتطبيع مع آفاق من الخذلان النفسي، لا يزيد الإنسان إلا تيها في التواءات الفكر المنحرف، المبشر بعالم جديد ينهي علاقته بالأخلاق وينزوي به في ركن منعزل عن أي قيمة خارجية.