image_print

المرأة في هوليوود وأساطير النجاح والحرية

سجادة حمراء، أثوابٌ فاخرة، حليّ ثمينة، جمالٌ وقوةٌ واستقلالية، خطابات شكر وثناء وفخر، وحديث عن التوازن والسعادة والاستقرار..كل تلك الصور البراقة تتبادر للأذهان عند ذكر المرأة في هوليوود. فهؤلاء النساء يظهرن لنا على الشاشات وفي دور السينما كمثالٍ لتحقيق الذات والوصول إلى قمة هرم النجاح. يرسمن نموذج الجمع بين القوة والحسن والأنوثة في عيون بناتنا وشبابنا كأنهم يمثلون غاية السعي ونهاية النفق المظلم الذي تقطنه الشعوب.

لكن نظرة فاحصة إلى عالم هوليوود والنساء فيه تظهر بشاعة الحقيقة المخفية. فبين معاناة نفسية وأمراض عضوية وضغوطات اجتماعية وفقدان للخصوصية، تعيش “النجمة” الهوليوودية حياتها تلهث وراء سرابٍ لا تمسكه مهما أغرقت نفسها بالماديات. لا تملك حياتها ولا بأبسط القرارات، مسكينة تائهة في متاهات مريرة إما تجهل الذي يُفعل بها أو تدري وتتغافل مقابل الأجر المادي و وهم النجومية المزعومة.

ولأن فتنة الظاهر قد تخيّل للناظر أن هؤلاء الإناث يمثلن المرأة القدوة، أقف في هذا المقال مع صورٍ من الظلم والاستعباد التي يعانينها، لتعلم شاباتنا أن مثيلاتهن لسن محل غيرة، إنما أهل لأن نشفق ونأسى عليهن مهما بلغت أعداد جمهورهن واتسعت قصورهن وغلت حليّهن.

مقارنة بالرجل
حين تتحدث الصحافة الغربية عن المرأة في هوليوود فإن التركيز غالباً يكون على عدد الممثلات في الأدوار الرئيسية وحواراتهن وأجورهن وعدد النسوة العاملات وراء الكواليس، كل ذلك مقارنة بالرجل طبعاً.[1] وإن كانت هذه النقاط مثبتةً بالاحصائيات، إلا أنها انعكاسات للرؤية النسوية التي لاتريد للأنثى إلا أن تحقق ما حققه الذكر، وأن يكون لها النصف في كل شيءٍ، بغض النظر عن اهتمامها به أومناسبته لطبيعتها. نجد النسويات مثلاً يعترضن على أن ثلاث نساء فقط على مر التاريخ ربحن جائزة الأوسكار لأفضل مخرج، رغم أن نسبة المخرجات النساء في هوليوود لم تجاوز 8-13% من المخرجين عبر السنوات![2]

لكن الذي أود تسليط الضوء عليه ليس نقص حضور المرأة أو نوع الحوارات التي تعطى لها، إنما ما يجري في خلفية كل ذلك، كيف تدخل الأنثى هذا العالم، وعلى أي أساس يتم اختيارها من بين المنافسات؟ وإن كانت تلك الأدوار تدر أرباحاً هائلة لمجرد أداء بعض الحركات وقول بضع عبارات، فما الذي تقدمه امرأة لتحصيلها والحفاظ عليها؟

إن التمثيل في هوليوود لا يشبه غيره من المهن، فتسابق الفتيات في أمريكا على فرص الظهورعلى الشاشة، مع قلة الأعمال المنتجة نسبياً يجعل المنافسة عصيبة جداً،[3] مما يقنع المتنافسات بضرورة تحمل أي شيء مقابل رضا المخرجين والمنتجين (الرجال غالباً).[4] وقد أظهرت تقارير عديدةٌ أن رضا هؤلاء لا علاقة له إلا بآرائهم وأهوائهم الخاصة، التي يقال أنها تتوجه إلى شخصية الفتاة، حضورها المسرحي، طاقتها، تميزها، تفوقها، وحيويتها وغيرها من السمات المعنوية التي لا تملك معيارية حقيقية. وبذلك يكون المجال مفتوحاً لمجموعة من صناع الأفلام لتقييم آلاف الفتيات بناءً على شكلهن الخارجي ثم اختيار بضعٍ منهن للدخول في هذا العالم والتحول إلى “نجوم”. ولنا أن نتخيل الحدود المهنية المحفوظة خلال التجارب، فهذه الممثلة روزمند بايك تقول إن المسؤولين طلبوا منها التعري في تجربة أداء لفلم “Die Another Day”،[5] وهذا أندي هنري -مسؤول تجارب أداء مسلسل “CSI”- يُطرد من عمله بعد أن كشفت خمس ممثلات أنه طلب ذات الفعل منهن خلال التجارب، الأمر الذي وافقن عليه طمعاً في الأدوار.[6] وهكذا يتحول ما يفترض أن يكون مقابلة عمل مهنية إلى حالة مبتذلة من عرض سلعة وقبول أو رفض.

تقول الممثلة جين فوندا لمجلة ديلي تلغراف: “حين يتعلق الأمر بالممثلات فالمظهر يختصر كل شيء، فالرجال بصريون جداً ويريدون الشابات الحسناوات في الأعمال، ولذلك تجدنا نحاول الحفظ على شبابنا دائماً”.[7] أما التفوق الأكاديمي والخبرة والاحترافية فلا قيمة لهم ولا اعتبار، إنما هي مسألة ذوق شخصي للمسؤول لا أكثر، ولا عجب أن إحصائية أجرتها مجلة فوربز وجدت أن 10% فقط من الممثلين الأعلى أجراً في هوليوود يحملون شهادة جامعية.[8] وكذلك فالبقاء في هوليوود يستوجب على الممثلة أن تحافظ على صورتها وشبابها دائماً، وإلا رفَضها الجمهور وأعرض عنها المخرجون. وتعليقاً على ضغط هوليوود على نجماتها ليحافظن على شكل جسدٍ معين ونحافة مرضيةٍ غير واقعية تقول ليزا كودرو -بطلة مسلسل Friends- إن التوقعات التي كان ينبغي عليها تحقيقها كجزء من عملها في المسلسل جعلتها غير راضية عن جسدها أبداً، مما دفعها إلى محاولة تنحيف نفسها بشكل دائم، حتى أنها كانت تشعر بالتعب والبرد والمرض بسبب الحميات، وكانت رغم ذلك تتلقى المديح والثناء ممن حولها كلما خسرت مزيداً من الوزن.[9]

فضائح الاستغلال وحركة MeToo
إن كان هذا حال المرأة في مرحلة العبور إلى هوليوود فكيف بعد أن تدخلها؟

سنة 2017 انفجرت في الإعلام الأمريكي والعالمي فضيحة المنتج المشهور هارفي واينستين الذي ادعت أكثر من 50 امرأة أنه قام باعتداءات جنسية ضدهن، ومع هذه القضية بدأ هاشتاغ MeToo  بالانتشار، حيث تشجعت النساء في هوليوود (ثم خارجها) على الإفصاح عن إساءات واستغلالات جنسية تعرضن لها من قبل الرجال.[10]و بدأ بتلك الحملة حديث طويل عن السلطة الرجولية في هوليوود والحاجة للثورة على الذكور وسحب مركز القوة من أيديهم. فبحسب إحصائية نشرتها USA Today  فأكثر من 94% من النساء في هوليوود عانين اعتداءً جنسياً مرةً على الأقل في العمل.[11] لكن العجيب هنا أن الحل المقترح لم يكن تبديل بيئة عمل النساء لتكون أكثر أماناً، ولا تخفيف مشاهد العري والإثارة في أفلامهن أو وضع ضوابط على ما يسمح تمثيله، إنما الصراخ في وجه الذكور الجنسيين العجيبين ومطالبتهم بالخروج عن طبيعتهم البشرية بينما يستمر كل شيءٍ كما هو. فالصناعة موجهة لتحفيز الغرائز وإثارة المتعة، لكنها في نفس الوقت تنكر على صانعيها التأثر بما تنتجه!

أتأمل هذا الضياع وأقارنه بتكريم الإسلام للإنسان وحفظه رجلاً وامرأة جسداً وروحاً من شياطين الإنس والجن. فشريعة غض البصر ومافيها من رفع للنفس البشرية تكفي ليظهر الفرق بين منظومة دين الحق التي تعترف بالغرائز وتوجهها ومنظومة حزب الشيطان التي تنكر الطبيعة البشرية ثم تتفاجأ بها عند حدوث المصائب.

من إنسان إلى إعلان
إضافة إلى كل الاستغلال الذي يمارس بحق المرأة في عالم السينما، فإن الشركات الرأسمالية أيضاً تستغلها لتحولها من إنسان ذي كينونة وروح إلى وجه دعائي. بكل بساطة تدفع شركة مستحضرات تجميل او عطور مبلغاً مالياً للممثلة مقابل تحويلها إلى وجهٍ إعلامي للعلامة التجارية، فتنتشر صورتها على المجلات والإعلانات، وجدران المحال وعلب المستحضرات فتتحول من كائن إنساني عزيز، إلى جسد لا يُرى إلا لإبراز فعالية مستحضرٍ يسوقه. يصير مطلوباً من هذه الإنسانة ارتداء ملابس معينة في كل محفل ومقام، وذكر المنتج الفلاني في كل لقاء، والظهور على أغلفة المجلات ولوحات الإعلانات في الطرقات، كأنها إعلان متحرك مستمر، ولا أرى في الحقيقة أشبه بالعبودية من هذه الممارسة!

ورغم أن ذلك كله يجري وفق عقود رسمية برضا الطرفين، إلا أن الفنانة تعلم حين توافق عليها أنها مجبرة على فعل ما يميزها، فهي تريد للجمهور أن يذكروها بين المنافسين، وللمنتجين أن يظنوا أنها مطلوبة وذات شعبية عالية ليختاروها في الأعمال المستقبلية. فأين العدل والحرية في ذلك كله؟ وأين الكرامة إن صار الإنسان أداة كذب وخداع وزيادة أرباح؟

هوليوود ليست استثناء
رغم أن الحديث هنا عن المرأة في هوليوود، إلا أن الذي أصفه يشمل عرض النساء في ظروف مرسومة من أجل إمتاع الجماهير وتحصيل أموالهم في أي مكان وزمان. ففي عالم بوليوود (السينما الهندية) مثلاً تقول الممثلة شريا نارايان في مقابلة مصورة أن استغلال المرأة جنسياً مقابل أن تكون “Somebody” أو شخصاً معروفاً في السينما هو الشائع.[12] فالسلوك إلى القمة في هذه الصناعة مع كثرة المتنافسين عليها لا بد أن يمر بما يسمونه “casting couch” أو كنبة تجارب الأداء، ولا شك أن جميع الممثلات مجبرات على سلوك هذا الطريق على حد قولها. علاوة على ذلك تقول نارايان (وقد خانتها عبرةٌ) أنها مقصاة إلى حد كبير لأنها لا ترضى أن تكون أداة تسويق لمنتجات يكلف الواحد منها ما يكفي لإطعام عائلة في بلدها. فهي ترفض أن تكون وجه جمال استثنائي على الدوام وتكره أن يطلب منها ارتداء أزياء المصممين ومجوهراتهم والمحافظة على مثالية هيئتها وشعرها في كل لقاء كي تكون وجهاً إعلامياً معروفاً للمنتجين والمخرجين.[13]

هؤلاء النساء المستعبدات لمعايير الجمال الخيالية ورضا الجمهور والمخرجين وشركات الإنتاج ورؤوس الأموال، هؤلاء اللواتي لا يملكن أن يدفعن عن أنفسهن اعتداءً ولا إهانةً، هن من يتربع على قمة سلم المال والشهرة ويقبع أسفل هرم الحرية والطمأنينة، هؤلاء يتصدرن فيشعرن ربة المنزل المسلمة الكريمة العفيفة بالنقص والدونية والهوان. يشعرنها بأن سؤال زوجها عن وجهتها إن خرجت انتقاص منها، لكن تحديد مخرج العمل لحميتهن وطلب المنتِج أن يصبغن شعورهن نهاية القوة والاستقلالية بالتأكيد!

إن هوليوود وغيرها من صناعات ليست إلا صناديق مغلقة تهدف لتصوير الحياة بأكملها بشكل مزيف لا يمت للواقع بصلة. فهذه العوالم لا تقدم الأفلام أو المسلسلات للمتعة فحسب، إنما تقدم رموزاً بشرية أيضاً تعيد للجمهور تعريف الحياة واضعةً المال والجمال والشهرة والمتعة كقيم عليا تلغي في سبيلها كل الأخلاقيات التي تعارفت عليها الأمم عبر تاريخها الطويل. فهؤلاء الممثلات اللواتي لم يقدمن للإنسانية إلا أداء بضع حركات أمام ستارة خضراء مقابل بخاخ ماء أو مروحة هواء، يظهرن في في اللقاءات والمؤتمرات يعطين عامة النساء محاضراتٍ في المساواة والحقوق والنجاح دون أن يعترض عليهن أحد، بل إن وجهات نظرهن تُنشر وتبجّل ويُحتفى بها كأنهن وصلن إلى غاية السعي و صرن في الفردوس الذي نتطلع إليه.


[1] Hollywood’s devastating gender divide, explained. Kelsey McKinney, VOX, 2015. https://www.vox.com/2015/1/26/7874295/gender-hollywood

The challenges of being a woman in the Hollywood business. Ashlea Green, MyStory, 2017.  https://yourstory.com/mystory/3c08075d00-the-challenges-of-being-a-woman-in-the-hollywood-business.

[2] Study: Women Film Directors Saw Their Numbers Shrink in 2018. Gregg Kilday, The Hollywood Reporter, 2019. https://www.hollywoodreporter.com/news/women-comprised-just-8-percent-directors-top-2018-films-1172727

Hollywood’s devastating gender divide, explained. Kelsey McKinney, VOX, 2015. https://www.vox.com/2015/1/26/7874295/gender-hollywood

[3] Only 2% of actors make a living. How do you become one of them?. Michael Simkins, The Guardian, 2019.

https://www.theguardian.com/film/shortcuts/2019/jun/05/only-2-per-cent-of-actors-make-a-living-how-do-you-become-one-of-them

[4] The challenges of being a woman in the Hollywood business. Ashlea Green, MyStory, 2017.  https://yourstory.com/mystory/3c08075d00-the-challenges-of-being-a-woman-in-the-hollywood-business.

[5] Rosamund Pike Says She Was Asked to Strip for ‘Die Another Day’ Audition. Katie Kilkenny, The Hollywood Reporter, 2018.

https://www.hollywoodreporter.com/news/rosamund-pike-says-she-was-asked-strip-die-day-audition-1135808

[6] Actresses Say Veteran ‘CSI’ Casting Employee Coerced Them Into Disrobing. Gary Baum, The Hollywood Reporter, 2017.

https://www.hollywoodreporter.com/news/women-say-veteran-csi-casting-employee-coerced-disrobing-1058398

[7] Jane Fonda:Ageism in Hollywood is “alive and well”. Bangshow.com, The Washington Post, 2015.

https://www.washingtonpost.com/entertainment/jane-fonda-ageism-in-hollywood-is-alive-and-well/2015/05/23/4df46594-0168-11e5-8c77-bf274685e1df_story.html?utm_term=.cf57dfb6a44b

[8] College Majors Of The Stars. Lacey Rose, Forbes, 2007.

https://www.forbes.com/2007/06/25/celebrity-college-education-biz-media_cx_lr_0626majors.html#5cd5d77b351a

[9] Lisa Kudrow Speaks Out About The Pressure She Faced on TV. Blendtx, Daily Blend, 2019.

https://blendtw.com/lisa-kudrow-speaks-out-about-the-pressure-she-faced-on-tv/

[10] A Timeline of the Weinstein Case. Alan Feuer, The New York Times, 2020.

https://www.nytimes.com/2020/02/24/nyregion/harvey-weinstein-case-sexual-assault.html

[11] How common is sexual misconduct in Hollywood?. Maria Puente and Cara Kelly, USA Today, 2018.

https://www.usatoday.com/story/life/people/2018/02/20/how-common-sexual-misconduct-hollywood/1083964001/

[12] Whaاt’s It Like to Be a Woman in Bollywood?. Vishal Arora, The Diplomat, 2017.

https://thediplomat.com/2017/03/whats-it-like-to-be-a-woman-in-bollywood/

[13] المصدر السابق

“هل تنجو إسرائيل؟”.. سؤال يطرحه خبير صهيوني

يعد كتاب  “هل تنجو إسرائيل؟” (2006) خلاصة أبحاث الكاتب “ميتشل بارد” عن إسرائيل لمدة عشرين عامًا والذي يرى أن جميع الكتب التي تتحدث عن إسرائيل تستعرض الماضي أما الحاضر والمستقبل فما زالوا يحتاجون لمن يتحدث عنهم. 

أما مؤلف هذا الكتاب “ميتشل بارد” فهو السياسي الصهيوني والذي حاز على عدة مناصب سياسية منها عضو اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ومؤلف لكتاب “اللوبي العربي”.

وقد ختم “بارد” كتابه بأبيات من الشعر للكاتب “إدوارد إيفرت” هيل يقول فيه:

“أنا واحد فقط، لكني واحد..

لا يمكنني القيام بكل شيء..

لكن ما يمكنني فعله.. سوف أسعى لفعله..

وبعون الله أفعل..

وكانت هذه الأبيات في رأيه بمثابة دافع لكل إسرائيلي ليقوم بشيء في سبيل نجاة إسرائيل.”

وفي اعتقادي أن هذه الأبيات يجب أن تمثل شعارًا لكل عربي ومسلم يناصر قضية ويؤمن بها وأبرزها القضية الفلسطينية، ومن خلال تصفح هذا الكتاب يظهر كم التفاصيل الهامة والدقيقة المذكورة من خلال بحث عميق حول إسرائيل ومدى عمق دراسة الدول المجاورة لها والأيدولوجيات المختلفة.

ومن وجهة نظر الكاتب فهو يستعرض مفهوم التنازل عن الأراضي الفلسطينية في عبارات خلاصتها تحقيق السلام، ويرى أن الوصول له يتم بعدة طرق، ورغم مخالفة هذا للمفهوم العربي الإسلامي إلا أنه من المهم فهم كيف يفكر واضعو السياسات الصهيونية وما هي أهدافهم.

تعد القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية، أما الكاتب فقدمها كقضية تهم الإسلاميين فقط أو أصحاب الإسلام الراديكالي وأتباع حماس والجماعات الجهادية وابن لادن، ورغم أن هذا النسب غير صحيح إلا أنه لعله السبب الرئيس الذي حوربت من أجله الكيانات الإسلامية في مختلف الدول العربية حتى تم إسقاط بعضها لكونهم جهروا بأهمية القضية الفلسطينية لديهم وأولويتها.

ولا يرى الكاتب أن نجاح إسرائيل وبقاءها وتحقيقها للسلام يعتمد على وضع المزيد من خطط خرائط الطرق وإنما يحدث من خلال عامل هام للغاية ورئيسي وهو الأمهات في الشرق الأوسط وما يزرعونه في أطفالهم، إلى جانب دعوته لخروج مظاهرات تدعم السلام مع الصهاينة. 

وعلى الرغم من الدعم الكبير الذي تحظى به إسرائيل من الولايات المتحدة إلا أن الكاتب يشير في أكثر من موضع أنه دعم غير كاف، وأن الولايات المتحدة والغرب بشكل عام أصبحوا يميلون لإظهار السلام والتوافق مع الشرق الأوسط ومع الإسلام كدين رئيسي هناك وأن هذا الأمر يشكل تهديدًا لإسرائيل.

أزمات متعددة
أفرغ الكاتب فصلًا كاملًا للحديث التفصيلي عن قضية المياه والعقبات التي تواجه إسرائيل في مصادر المياه  ومدى حفاظ مواطنوها عليها، ومن أهم النقاط التي ركز عليها الكاتب هو أن سر تمسك إسرائيل بمرتفعات الجولان هو كونها تحتوي على مصدر المياه الرئيس لها، أما توقعات لعشرات الأعوام التالية عن أزمات المياه في المنطقة وللدول المجاورة والتي ستؤثر حتمًا على إسرائيل، وأوضح أنه من الأولويات الحصول على مصدر جديد للمياه في السنوات القادمة. وبدء هذا الفصل قائلًا: “”الماء هو الحياة” هكذا صرح  “موشيه شاريت”. ووفقًا لهذه المقولة فالإمداد بالمياه يعد مسألة حياة أو موت وهو نفسه الحرب والسلام لشعوب الشرق الأوسط، إن التنبؤات الرئيسية خلال عام 1990 تفترض أن المياه ستكون أهم من الوقود بحلول عام 2000.”

أما اليوم ونحن في 2020 فقد اتضحت أزمة المياه بشكل أكبر فيما يتعلق بسد النهضة في إثيوبيا ومدى تأثيره على مصادر المياه بالمنطقة. 

لم يكتف الكاتب بعرض الحاضر والمستقبل الجاري بداخل إسرائيل ولكن قام ببحث وتحليل ما يحدث تجاهه في الدول المجاورة بدقة شديدة، مؤكدًا على أن الرؤية الإسلامية تقتدي بعودة فلسطين كأرض فلسطينية خالصة وأنها مسألة حرب مقدسة لابد أن تقوم بينهم وبين الصهاينة، مشيرًا للجهاد. وأكد أن الإسلاميين يريدون إعادة صياغة العالم برؤية إسلامية مشيرًا لمعنى عودة الخلافة الإسلامية، كما حلل الكاتب أدق الألفاظ في الخطاب الإسلامي للقادة ورجال الدين والموجه إلى اليهود أو مقال عنهم. 

كما تحدث “بارد” عن مصر وحجمها كدولة وعن جماعة الإخوان المسلمين فيها وفي الدول الأخرى، وكيف تم التعامل معهم على مدار عقود، مؤكدًا أن نجاح الإسلاميين في الوصول لحكومة أي دولة يروع إسرائيل بسبب الأيدولوجية التي يتبناها أصحاب الإسلام السياسي تجاهها ، ذاكرًا: “وكما يقول العرب: لقد احتل الصليبيون فلسطين وتطلب الأمر مائتي عام لإخراجهم، لكننا استطعنا في النهاية. واليوم احتل الصهاينة فلسطين، وربما يتطلب الأمر مائتي عامًا أخرى لكننا حتمًا سنخرجهم.” ومن وجهة النظرية الإسلامية، فإنهم يعملون على هذا الهدف منذ مائة عام ولايزال لديهم مائة عام أخرى للاستمرار. وكما قال المستشار السياسي  لرئيس الوزراء الفسلطيني إسماعيل هنية قائد حماس وهو ما وضعه بوضوح كعنوان لكتابه الجديد – “نهاية الدولة اليهودية: إنها فقط مسألة وقت.”

ثم يذكر الكاتب دور الإعلام وخطورته وأنه غير راضٍ عن رؤية الإعلام لإسرائيل في الشرق الأوسط واصفًا إياه بالمتحييز، وعلى الجانب الآخر مما يراه إيجابيات في وجهة نظره يقول: “وكمثال إيجابي الفيلم الشهير “ميونخ” لستيفن سبيلبيرغ فالفيلم لا يستنتج منه أن إسرائيل غير محبوبة لكن الانطباع العام الذي يعطيه أن العرب قتلة بربريون يستحقون الاغتيال. فمن الصعب تصور الخروج من مشاهدة الفيلم بأي تعاطف تجاه الفلسطينيين ، ففيلم “ميونخ” ليس فيلمًا وثائقيًا بل هو في الحقيقة قطعة فنية.”

ويصل الرصد والتحليل للكاتب إلى تحليل برامج الأطفال وأغنياتهم والتي تدفع للعداء مع الصهاينة، ذاكرًا في النهاية “وكما جاء بعبارات فلسطينية بسيطة ومفهومة تتلخص في “أنهوا الاحتلال” فإسرائيل طورت عباراتها بشكل أكثر بساطة ودقة فتلخصت في: “إسرائيل تريد السلام”.”

كما يعتبر “بارد” أن الدول العربية تمثل تهديدًا غير مباشر أيضًا على إسرائيل، وذلك من خلال دعمها لمدارس إسلامية في دول أجنبية حيث يتعلم الأطفال أنه بدلًا من خريطة إسرائيل توضع خريطة فلسطين.

وعن دعم غير اليهود ذكر الكاتب أن إسرائيل بها مسلمين مختلفين في الاتجاه نحوها، وأن الكثير من يهود إثيوبيا ينتقلون لإسرائيل ثم يتحولون للمسيحية، وأن هناك مسيحيين داعمين للصهيونية ولديهم لوبي مشترك قائلًا: ” أنهم يؤمنون بأن عودة اليهود لأرضهم الكتابية يتعلق بنبوئة إنجيلية وأنه حينها يعود المسيح ملكًا للأرض، ومن الجدير بالذكر عدم ارتياح اليهود لمن يساندهم طمعًا في تحولهم الديني أو تحت فرضية أن إسرائيل ستدمر أولًا من أجل عودة المسيح.”

وواصفًا إسرائيل بوادي السيليكون، أفرد الكاتب فصلًا في الكتاب بهذا الاسم، شارحًا فيه كيف تغلبت إسرائيل على ظروفها الخشنة واعتبر أن قوتها في الموارد البشرية، موضحًا بدقة عدد وأسماء المؤسسات التنموية التي أنشأتها إسرائيل بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومنهم المشروع الأمريكي the United States Israel Binational Agricultural Research and Development (BARD)، والمؤسسة العلمية الثنائية The Binational Science Foundation (BSF) لتطوير التعاون البحثي لمشترك بين علماء البلدين، والمؤسسة الصناعية للبحث والتنمية The Binational Industrial Research and ، Development Foundation (BIRD). 

ومؤسسة Trilateral Industrial Development (TRIDE) والمخصصة لدعم مشروعات القطاع الخاص في كل من الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل، و هيئة العلوم والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة وإسرائيل U.S Israel Science & Technology .Commission (USISTC)  

وختم بارد هذا الفصل معقبًا أن تحدي إسرائيل الحقيقي ليس في التفوق العسكري وإنما في نجاحها الاقتصادي والديموقراطي وعلى الجانب الآخر تواجه إسرائيل الكثير من العقبات شارحًا: “ورغم هذا ما زالت إسرائيل تواجه العديد من المشكلات من صناعات لم يتم خصخصتها وعدم تكافؤ في توزيع الثروات ومعدل بطالة مرتفع.أما عن مستقبل إسرائيل فيعتمد على نمو اقتصادها بشكل كبير والذي سيظل مصدر قوتها.”

ومن الجدير بالذكر أن مسألة التقدم الاقتصادي في الدول العربية مقيدة بأمور عدة، أبرزها إضعاف الديموقراطية والقضاء عليها والاستعمار بأنواعه وهجرة العقول لأسباب اقتصادية مختلفة، لذا فالمقارنة هنا غير عادلة بالمرة، ولكن من المهم على الأقل التعرف على المبادرات الاقتصادية التي قامت بها إسرائيل تعاونًا مع دول كبرى للإطلاع على ما أحرزوه بهذا المجال وكيف يمكن الوصول لنفس المستوى مع اختلاف التفاصيل والملابسات الواقعة في الدول العربية من الناحية الاقتصادية والديموقراطية.

إن هذا الكتاب على أهميته غير منتشر كقراءة على الرغم من احتوائه على الكثير من المعلومات النافعة التي حللها ودرسها الكيان الصهيوني عن نفسه وعن الدول المجاورة له من خلال أحد خبرائه النشطين مثل “ميتشل بارد”.


المصدر

Will Israel Survive, Mitchel G. Bard, First Edition: July 2007, PALGRAVE MACMILLAN. 





الفردوس الأرضي

قد يمتلك الإنسان الكثير من النِعَم؛ الوظيفة الجيّدة، والحياة الغنية المرفهة، فينظر إليه الناس ظانّين بأنّه قد امتلك السعادة كلها، كما جرى على لسان قوم قارون حينما قالوا: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: ٧٩] وهكذا يبدأون في السعي بحثاً عن هذه السعادة المزعومة، وربما حصروها في مالٍ، أو ولد، أو غنىً فاحش، أو أهداف دنيوية يجعلون فيها الدنيا غايةً لا وسيلة أو طريقاً إلى الآخرة.

وحينما يبدأ الإنسان السيرَ في هذه الطريق، يظنُ بأنّ لها نهايةً ما ونقطة تنتهي عندها الحكاية فيحصل على سعادة إلى آخر يومٍ في حياته، وهنا تحديداً وبعد أن يمتلك ما أراد، يدرك بأنّه لا سعادة مطلقة في الدنيا؛ فتلك التي رأت أنَّ أقصى أحلامها ومنتهى سعادتها هو الولد، ستدرك بأنّ هذه اللذة مصحوبةٌ بألم الفقد أو الخوف منه، فتروادها الأفكار المنغصة مراراً، كذا الغِنى والجاه؛ فتجد الحاكم لا يشبع، وصاحب الشهرة لا يتوقف عن طلبها مهما بلغت شُهرته، وكذا من أحبَّ امرأةً فاجتمع بها، علمَ بعد تراخي حبال الشهوة أنّها لم تمنحه جنةّ على الأرض كما كان يظن .

“وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ”
ليتَ الناس يدركون ما تحمله هذه الكلمة، يُدركون حقيقتها ويعملون بها، فيضعون نُصب أعينهم الجنة والنار ويتوقفون عن البحث عن هذا الفردوس المزعوم، فالسعادة قد يمتلكها فاقد البصر إن أدركَ أنّه وفّر على نفسه إثماً كبيراً مما جمعه المبصرون وأنّه موعودٌ بالجنة بفقدهما، وتلك التي تنظر للشاشة متمنيّةً حياة إحدى المشاهير ستُدركُ بأنّهُم متعبون من ركضهم المستمر خلف أزرار اللايك، وبأنّهم يرتدونَ أقنعةً ليستمروا في هذا العالم الوهمي.

وقد يمتلك السعادة الفقير حينما يدرك بأنّه لن يُسأل عن ماله، والمريضُ مهما بلغَ اشتدادُ ألمه إن قرأ “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ” [صحيح البخاري: ٥٦٤١]،.

(مع عدم نفي تحصيل الأسباب، لكن محاولة تحصيل الرِضا واعتبار حقيقة الدنيا والآخرة)، هنا سيتوقف الناس عن البحث عن النواقص التي في حياتهم، سيبصرون ما بين أيديهم كافّين أعينهم عمّا في أيدي الناس، مطمئنين كعابرِ سبيلٍ يدرك بأنّه سيحين وقت السفر قريباً.

عِش يَومَك
يقولون” البعض يقضي حياته بانتظار أن يبدأها” يتجاوزون مراحل حياتهم واحدةً تلو الأخرى دون أن يشعروا بها، متأملين أنّ ما بعدها أجمل، طامعين في الحصول على لذةٍ وراحةٍ دون توقُّف، لكن من سُنّة الله في خَلقه أنّهُ خلق أجسادنا دنيويةً تحتمل اللذات إلى حدٍّ ما ثمّ تنقلب هذه اللذات إلى أسقام وهموم وربما أمراض قلوب؛ فجمعُ المال دون توقف يؤدي للسرف أو البخل، والركض المستمر خلف الشهرة قد يُصيبه بالكِبَر أو ربما يرى نفسه محورَ الكون، وإدمان المشاهد والعلاقات المُحرّمة قد يوصله لاشتهاء ما ينافي الفطرة السويّة فيميلُ إلى أبناء جِنسه {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف ٨٢] يأتي هنا الدين ليضع حدًّا، ويُذكرّك بأنّك في دار البلاء، لتأخذ من هذه اللذّات بقدر حاجتك، يأمرك بأن تعيش يوماً بيوم، وألّا تكون حريصاً على الدنيا” من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة”. [الصحيح المسند للوادعي ٣٥٨]، وأن تجعلها في يدك لا في قلبك مهما امتلكت منها.

لا تذهَل عن السعادة الصغيرة اليوميّة، عن لذّة الطعام في فمك، عن استشعارِ جلدكَ للهواء، عن أهلِك، وعن جرحٍ صغير أصاب يدك فرممه الله لك خلال أيام دون أن تشعر، عن قلبك الذي يضخ الدم وعن أعضائك التي تعمل بنظامٍ دقيق، عن نملةٍ تحملُ فوقَها ما يفوقُ وزنها بأضعاف ، جرّب دهشة الأطفال بهذه التفاصيل، فالتفكُر إنَّما أُمِرَ به لتأخُذَ شيئاً من نعيم الآخرة، لأنّ النِعمَ تَدُلُ على المُنعِم، ولأننا لا نُدركُ ذاتَ الله وإنّما نُدركُ آياته، فتوقفَ قليلاً من ركضك خلف السعادة المزعومة وعِش سعادةً صغيرةً يوماً بيوم، فـ “ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها”[من شعر طانيوس عبده]، والحلقة الأخيرة لا تكون إلا بعد الحِساب.

يقول الدكتور عبد الكريم بكّار في محاضرة [الحياة الطيبة]: “إنَّكَ لو تأملتَ في حياةِ مُعظمِ الناس لَوجدتَ أنَّ القِسمَ الأوّل من الحياة ينقضي في اشتهاء القسم الثاني، وما يُخبّئُ هذا القسم الثاني من مفاجآتٍ سارّة، أمّا القسم الثاني فَإنّهُ يَنقضي في التَأسُّفِ على القسمِ الأوّل كما يتأسّفُ الشيوخُ على الشباب

ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً       لأُخبرهُ بما فعل المشيبُ

كيفَ السبيلُ إلى السعادةِ والرِضا وأنا لم أبلغ شيئاً إلا تطلّعتُ إلى شيءٍ آخرَ أبعدَ منهُ منالاً، ولم أُحقِق أملاً لنفسي أو للناس إلا اندفعت إلى أملٍ هو أشقُّ منه وأصعبَ تحقيقا، فإذا كان الأمل الذي لا حدَّ له، والعمل الذي لا راحة منه ، إذا كانَ هذا في نظركُم سعادة، فأنا السعيدُ الموفور الحظ ما في ذلك شك، أمّا إذا كانت السعادة هي الرضا الذي لا يشوبه سُخط والراحة التي لا يشوبها تعب والنعيمَ الذي لا يَعرضُ له بؤس، فإنّي لم أذُق هذه السعادةَ بعد، وما أرى أنّي سأذوقُها إلّا أن يأذنَ الله لي في ما بعد هذه الحياة بشيءٍ منها.

{فمن زُحزحَ عن النّارِ وأُدخِلَ الجنّةَ فقد فاز وما الحياةُ الدُنيا إلّا متاعُ الغُرور}[آل عمران: ١٨٥].

فـكُلُّ مافي الدنيا”محنةٌ ومنحة وألمٌ وأمل وصبرٌ وشُكر”.

و أخيراً، يقول صلى الله عليه وسلّم:”لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب”[رواه أحمد والشيخان]. 

حين تتحول الرياضة إلى عبودية.. الباليه نموذجا

“مع مرور الوقت، يصير الألم الدائم في عموم الجسد أمراً اعتيادياً”[1]. هكذا تحدثت راقصة الباليه المحترفة نيكولا فولكر بكل بساطة عن الآلام المتعلقة بالرياضة التي اتخذتها نمطاً لحياتها. أما أحد الراقصين المحترفين فقال إنه لم يعد يفكر بآلام الممارسة إلا كجزء من الحياة اليومية، فتحضير أكياس الثلج لوضعها على أماكن الانتفاخ والتشنج والتقرح عمل روتيني قبل النوم يعين على الاستيقاظ في اليوم التالي لمعاودة التدريبات.[2]

أتحدث هنا عن الباليه، تلك الرياضة المعروفة بانسيابية حركاتها ورشاقة راقصاتها (وراقصيها حديثاً) بشكلٍ يلفت الأنظار ويثير الإعجاب، حتى يتخيل المشاهد أن هؤلاء المستعرضون يطيرون على المسرح متجاوزين لقوانين الجاذبية وممتلكين قوىً خارقة لحدود الطبيعة البشرية. لكن ما يظهر لنا ليس إلا جزءاً صغيراً من الحقيقة السوداء لهذه الرياضات القاسية (extreme sports) التي تفرض على لاعبيها نمطاً حياتياً كاملاً خاصاً بها، ابتداءً بأوقات النوم والاستيقاظ وانتهاءاً بقوانين الطعام والشراب. فما وراء كواليس رقصات الباليه من إصابات وآلام وأمراض نفسية واضطرابات طعام ونقص تغذية وتحرش جنسي يدوس على أبسط حقوق الإنسان، ناهيك عن كون هذه المنظومات منحيَّة للأديان عموماً عن أي مرجعية أو أولوية. وإن كان المقال يركز على الباليه، فإن معظم الكلام ينطبق على غيرها من الرياضات التي تسلِّع الجسد وتحول الإنسان إلى أداة متعة للجماهير المصفقة.

بالدراسات والإحصاءات
أشارت دراسة أجريت في البرازيل عام 2016 إلى أن حوالي 6 من كل 10 راقصي باليه يعاينون آلاماً بدنية مزمنة بسبب ساعات التدريب الطويلة والحركات المتطرفة التي يجبرون أجسادهم عليها.[3] ووجدت إحصاءات عام 2012 أن واحداً من كل ثلاث طلاب باليه يتعرضون لإصابة رياضية على الأقل في العام، ورغم ارتفاع النسبة إلا أن الباحثين أشاروا إلى أنها غير محصيةٍ للأرقام الحقيقية لأن كثيراً من اللاعبين يخفون إصاباتهم ويستمرون بالتدريبات رغم آلامها خوفاً على مستقبلهم المهني ومكانتهم في النوادي.[4]

وأشارت لجنة طب الرياضة واللياقة في الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن البداية المبكرة لراقصي الباليه، الذين غالباً ما يبلغون الاحتراف في سن الـ15، تجعل الإصابات البدنية الكثيرة التي يتعرضون لها تصادف عمراً مهماً للنمو وتطور الجهاز العضلي الهيكلي مما يجعل هذه الإصابات خطرةً على التطور والنمو الصحي، وقد تنتج مشاكل طويلة الأمد وأمراضاً عضلية هيكلية مزمنة[5].  

ومن حيث الصحة النفسية، وجدت عدة دراساتٍ أن سمات اضطرابات الطعام شائعة جداً بين راقصي الباليه، ومن أهمها: عدم الرضا عن الجسد وهوس النحافة والرشاقة، والتحكم بالوزن، واستخدام الملينات المعوية والتقيؤ بعد الوجبات.[6] أما عدد إصابات الراقصين بفقدان الشهية العصبي (anorexia nervosa) المشخصة عيادياً فهو يجاوز ثلاثة إلى ستة أضعاف العدد في من سواهم.[7]

وفسر الباحثون هذه النتائج بكون الرياضة نفسها تصنع بيئة من تعظيم النحافة والرشاقة القصوى ولا تقبل أي خلل فيها،[8] إلى جانب كون المتدربين يمضون قرابة ثمانِ ساعات في اليوم أمام مرايا ضخمة تعظم صورة الجسد في نفوسهم.[9]

ولا شك أن اضطرابات الطعام هذه ذات آثار عضوية خطيرة، تتراوح بحسب شدتها بين نقص التغذية وفقر الدم واضطراب وظائف الكلى ونقص الشوارد وبطء القلب وغيرها الكثير.[10]

أما من الناحية الأخلاقية (بمفهومها العلماني)، فيشير البروفيسور روبن ليك من جامعة North Texas إلى أن هناك إشكالاً في طريقة تدريب الراقصين، الذين يدخلون المجال في سن صغيرة ويتعلمون أن عليهم قبول كل ما يقوله أو يفعله المدرب دون نقاش أو تساؤل. فتفاضلية القوى المتطرفة هذه تأخذ من الراقص كل قوة إرادة وتضعها في يد المشرف، متيحة المجال له ليقوم بالتصرفات غير المقبولة دون مساءلة أو مراجعة.[11] وخلال عام 2018 وبعد انطلاقة حركة MeToo في أمريكا فقد تم التبلغيغ عن ما يزيد على 11 حالة اعتداء جنسي على راقصات باليه سواء من مدربيهم أو زملائهم.[12]

لكنهم سعداء!
من الطبيعي تماماً أن تكون النفس المشغولة في حالة من الاستقرار الموهم بالسعادة، فهي تشعر أنها تملأ الناحية الغائية فيها، وتعيش لهدف مهم. ورغم أن هذا الانشغال يغطي الأسئلة الوجودية في النفس ويخدعها إلى أنها تحقق هدفها، إلا أنه يبقى مجرد مشتت سرعان مايزول، ولك أن تسأل ما حال هذه النفوس إن تعرضت لحادث أعاق حركتها، أو إصابةٍ منعتها من التمرين ولولفترة وجيزة، إلى أين ستهرب من ذاتها إذا رفض دينها المبتدع استقبالها؟

تتحدث الراقصة المتقاعدة ويندي والان عن التجربة الصعبة التي مرت بها حين أخبرها رئيس ناديها وهي في سن الخامسة والأربعين أن رشاقتها لم تعد بالمستوى المناسب للأداء. تقول إنها صُدِمت، وقضت أياماً كثيرة تبكي بلا توقف.

في لقاء مع إذاعة NPR الأمريكية، تصف ويندي حالة الفراغ التي شعرت بها لما أخذَت منها هويتها التي قضت عقوداً تبنيها، فهي لم تكن تعرف إلا هذا النادي وجدول التدريبات الذي يصلها منه، تأتيه في الصباح ثم تغادره في المساء.[13]  لم تستطع الفتاة التي باعت كل عمرها لمهنة وجمهور وأضواء أن تقبل أن هؤلاء كلهم يشيحون وجوههم عنها لأنه لم تعد قادرة على إمتاعهم كالشابات الصغيرات. لقد صارت ممنوعة من الأداء الذي قدمت لأجله أيامها وحياتها لمّا مر الزمان بها وتركها وحيدةً لم تستفق من الصدمة.

المال والمتعة
عجيبٌ فعلاً كيف تلاعب الغرب بالمصطلحات وحوّلوا حركات غير بشرية ورشاقة مرضية إلى صناعةٍ مادية مربحةٍ تستعبد النفوس وتبيعها مقابل أوهام شهرةٍ ونجومية فارغة، وكل ذلك تحت مسمى “الرياضة”.

رياضةٌ تحول الجسد الإنساني إلى سلعة رخيصة مهيأة لأن تفعل أي شيء يبهر الجمهور وينهضهم على أقدامهم بالتصفيق والتشجيع. رياضةٌ تجبر المشاركين على التعري وأرتداء الملابس غير المريحة أو المناسبة للحركات، فيغدو الراقص المسكين عبداً للاحترافية والشهرة ومفاهيم النجاح الفاسدة، ولا يزال يغرق في دوامة مبهمةٍ من حميات وتمارين وآلام.

ولنا أن نسأل هنا: كيف يمكن لممارسةٍ تحوي من الخطر البدني والنفسي ماذكرنا أن تكون مشجّعةً اجتماعياً؟ أليس حرياً بالمشاهد أن يتفكر بما يجري وراء الكواليس؟ كم سنةً أضاع هذا المستعرض من عمره ليقدم عرضاً لا يتجاوز الساعة؟ أين احترام هذه النفس البشرية؟

لقد ضاعت قيمتها وصارت مطلوبة للمتعة والمال لا أكثر، فعالم الرأسمالية المادية يريد تشغيل المسارح وجني الربح وتحريك الاقتصاد، ولتذهب حقوق الإنسان وكرامته التي أمضى المؤتمرات والمحاضرات الطوال يعلم الشعوب المتأخرة عنها حيث تذهب.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.


الهوامش

[1] نيكولا فولكر، مدرّسة باليه في Twinkle Dance،هونغ كونغ، https://www.scmp.com/lifestyle/arts-culture/article/2166222/ballet-dancers-life-strength-training-strict-diet-ice-packs

[2]  شيا جون، راقص باليه محترف، هونغ كونغ، https://www.scmp.com/lifestyle/arts-culture/article/2166222/ballet-dancers-life-strength-training-strict-diet-ice-packs

[3] Thomas, J.J., Keel, P.K. & Heatherton, T.F. Disordered eating and injuries among adolescent ballet dancers. Eat Weight Disord 16, e216–e222 (2011). https://doi.org/10.1007/BF03325136

[4] Wanke, E. M., H. Mill, and D. A. Groneberg. “Ballet as high-performance activity: health risks exemplified by acute injuries in dance students.” Sportverletzung Sportschaden: Organ der Gesellschaft fur Orthopadisch-Traumatologische Sportmedizin 26, no. 3 2012: 164-170.

[5]  American Academy of Pediatrics Committee of Sports Medicine and Fitness, 2000، https://pediatrics.aappublications.org/content/106/1/154.short

[6] Becker, A.E., Grinspoon, S.K., Klibanski, A. and Herzog, D.B. 1999. Eating disorders. The New England Journal of Medicine, 340(14), 1092-1098.

Ringham,  R.,  Klump,  K.,  Stone,  D.,  Steven,  L.,  Stowe,  S.  and  Marcus,  M.  2006.  Eating  disorder  sympthomology  among  ballet  dancers. International Journal of Eating Disorders, 39, 503-508

NICE 2004. Eating disorders: Core interventions in the treatment and management of anorexia nervosa, bulimia nervosa and related eating disorders. The British Psychological Society, Leicester and The Royal College of Psychiatrics, London. Retrieved on November 29, 2008 from www.nice.org.uk

Thomas, J.J., Keel, P.K. & Heatherton, T.F. Disordered eating and injuries among adolescent ballet dancers. Eat Weight Disord 16, e216–e222 (2011). https://doi.org/10.1007/BF03325136

[7]  المصدر السابق

[8] Thomas, J.J., Keel, P.K. & Heatherton, T.F. Disordered eating and injuries among adolescent ballet dancers. Eat Weight Disord 16, e216–e222 (2011). https://doi.org/10.1007/BF03325136

[9] Benson, J., Gillien, D. M., Bourdet, K., & Loosli, A. R. (1985). Inadequate nutrition and chronic calorie restriction in adolescent ballerinas. The Physician and sportsmedicine13(10), 79-90.

[10] Palla, B., & Litt, I. F. (1988). Medical complications of eating disorders in adolescents. Pediatrics81(5), 613-623.

[11] Robin Lakes, university of north Texas, 2018

 https://www.dancemagazine.com/metoo-dance-2569127206.html

[12] Riley Griffin, Hannah Recht and Jeff Green October 5, 2018

 https://www.bloomberg.com/graphics/2018-me-too-anniversary/

[13]  Terry Gross, 2017, NPR, From Injury To Recovery, A Ballerina Fought To Retire On Her Own Terms  

هل يتطور الدين؟

لم تكن نظرية التطور مجرد نظرية للتفسير البيولوجي، بل سرعان ما حُمِّلت بحمولات رشحتها لتفسير كثير من مظاهر الحياة غير البيولوجية، ولذلك شاع هذا السؤال عند العديد من دارسي تاريخ الأديان الغربيين، أيهما هو الأصل الشرك أم التوحيد؟

وتكاد تتفق إجاباتهم على أن الشرك هو الأصل وأن التوحيد شكل متطور في حياة البشر، فالأديان مرت بأطوار من التطور من أشكال سحرية وأرواحية بدائية إلى مفاضلة بين الآلهة إلى إلهين ثم انتهى الأمر بالتوحيد، فما هو رأي علماء المسلمين بهذا التفسير؟ وما هو التطور الذي يمكن أن يصيب الدين؟ وما هو الأصل في الأديان كما يرون أهو التوحيد أم الشرك؟

يميز علماء المسلمين بين مفهومين من مفاهيم التطور:

المفهوم الأول: هو ما يكون منشأ الدين فيه من الله عبر وحي إلى نبي، وفي هذا الحال لا دور للإنسان إلا التلقي والتفاعل مع هذه الأوامر الصادرة عن الوحي، لكن مسيرة أتباع هذا الدين قد تنتكس، فيضيفون إلى الدين ما ليس منه، حتى يصل إلى صورة مختلفة عن الصورة الأولى التي جاء بها الرسول، وهو ما يسميه علماء المسلمين بـ (التحريف)، حيث يؤكد ابن حزم إيمان المسلمين بنزول التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى، والصحف على إبراهيم وموسى، وأن الله أنزل كتباً لم يسمها لنا على أنبياء لم يسمَّوا لنا، لكن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضه حجة عليهم، وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم[1].

ويتحدث محمد كمال جعفر عن مصدرية الدين فيقول: “هناك نظريتان في المصدر، الأولى: تثبت بدء الأديان بشكل واضح تنسبها إلى الله، معتمدة على قصة الخلق والهدف الأسمى منه، وهي من آثار الوحي، لذلك كانت فكرة التوحيد هي الدرس الأول الذي تلقته البشرية، غير أن الإنسان في تاريخه الطويل جرفه تيار الحياة واستهواه الانحراف، وما تتابع الديانات السماوية إلا محاولات متكررة لتصحيح التشويه الذي لحق بهذه الفطرة النقية والتعاليم السليمة”[2].

ويعتبر محمد خليفة حسن أن اليهودية مثال لهذا النوع من التطور، حيث كان للعوامل التاريخية دور كبير في صياغة هذه الديانة[3]، ويتحدث عن الكثير من العقائد والشرائع التي اقحمت فيها مع الزمن.

فالتطور بهذا المعنى كان بتحريف نصوص الأديان الأصلية من خلال الحذف والإضافة والتبديل، وربما كان ذلك راجعاً إلى سدنة الدين نفسه كما يرى محمد كمال جعفر، وهم الذين يقومون على حراسة الدين، فقد زين لكثير منهم أن يضيفوا أو يحذفوا ما رأوه يحقق لهم غاية أو ينجز لهم مأرباً، أو يرفع عنهم طائلة وملاما[4]

والواقع أن الإسلام نبَّه لهذا التطور الذي أصاب الديانات الأخرى، وحذَّر منه، وسماه “البدعة” وحاربها أشد محاربة، ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب، قالوا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا فكان مما قاله: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة”[5].

ويلخص القرضاوي موقف الإسلام من التطور فيقول: إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، فالدين توقيف من الله يجب أن يبقى مصوناً منزهاً عن عبث العابثين وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أما مجال الابتداع الحقيقي، فهو الدنيا وشؤونها، وما أوسعها وما أكثر ما تحتاج إليه من طاقات الافتنان والابتكار، فتاريخ المسلمين وأدواتهم وتجاربهم متطورة، بينما عقائدهم وشرائعهم ونصوصهم المقدسة هي هي لم يطلها أي تطور أو تغيير، فقد اكتمل الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وثُبِّت هذا الاكتمال في القرآن الكريم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا} [المائدة:3][6].

وبناء على ما مر تكون بداية الدين راقية، ونهايته -بعد التطور- متخلفة، وهو عكس ما عليه أصحاب نظرية التطور الذين يرون أن اللاحق أرقى من السابق، وفي هذا يقول محمد كمال جعفر: “إن الأنماط الدينية المنحطة والتي تتضمن الخرافات والخزعبلات وظواهر السحر وما إلى ذلك، إن هي إلا انتكاسات في تاريخ البشرية، ولا تمثل بحال نقطة البدء”[7].

إلا أن الملاحظ المتأني لواقع الأديان السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، يجد أن هنالك تقدماً تدريجياً في شرائعها، فهل يعتبر هذا من التطور؟، أي هل كانت المسيحية متطورة أكثر من اليهودية، وهل يعتبر الإسلام صورتها النهائية في التطور؟ يجيب على ذلك الشيخ دراز بقوله: “إن الناظر في الأديان السماوية الثلاث يلاحظ تطوراً فعلياً وتقدماً تدريجياً محققاً، في حقيقتها التنزيلية من حيث طبيعة دعوتها ومناهج تشريعها… لكن هذا ليس تطوراً من الخطأ إلى الصواب، كما تريد أن تصوره المذاهب التطورية للأديان، وإنما هو تدرج تصاعدي في مراتب الوفاء والشمول والكمال[8]

المفهوم الثاني: هو التطور الذي يعني به أصحابه أن بداية الدين نشأت من داخل الإنسان لدواع طبيعية أو روحية او سحرية وما شابه ذلك، وأنها تدرجت في تطورها من الدون إلى العلو، بمعنى أن نهاية الدين خير من بدايته وأفضل، ويلخص محمد كمال جعفر نظرة هذا الفريق بقوله «يرى هذا الفريق من الباحثين في الدين نوعاً من الابتكار والاختراع الإنساني ناله التطور المتدرج عبر العصور، حيث قد بدأ في نظرهم ساذجاً متدنياً في أحط صورة يمكن أن ترصدها عين الباحث، ثم أخذ في النمو والتطور والتعقد والسمو حتى وصل إلى مرتبة ما يسمى بالديانات الكبرى أو الدين العظيم، وهؤلاء لا يؤمنون بما يسمى الوحي، ولا يعتقدون بوجود مصدر للدين خارج الإنسان»[9].

ويرى محمد خليفة حسن أن نظرية التطور التي ترى أن التعدد هو أصل التدين، وأن الفكر المرتبط بالألوهية فكر متأخر بتاريخ البشرية، أنها النظرية خاطئة من وجهة النظر الإسلامية التي تبدأ بالتوحيد، وتعتبر الوثنية والتعدد والشرك خروجاً على خط التوحيد[10]

ويؤكد الشهرستاني أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، ويذكر أن الله تعالى خص آدم بالأسماء؛ وخص نوحاً بمعاني تلك الأسماء؛ وخص إبراهيم بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل؛ وخص عيسى بالتأويل؛ وخص المصطفى -صلوات الله عليهم أجمعين- بالجمع بينهما: على ملة أبيكم إبراهيم[11]، وفي هذا تأكيد أن الدين من الله.

ويرفض محمد كمال جعفر اعتبار الإنسان البدائي منحط التفكير كما تصوره هذه النظرية، فيقول: “إن سذاجة الفكر أو بدائية الحضارة ليست دليلاً على انحطاط الدين أو بدائيته، فقد نجد حضارة مادية وفكرية ممتازة مع عقيدة دينية ساذجة تعبد الأصنام والآلهة التي تتمتع بصفات البشر”[12].

ويمثِّل بتبدل الحضارات بين الشعوب كدليل على خطأ هذه النظرية، بقوله: “هنالك أمم كانت لها حضارات باهرة رائدة في القديم، فهل تعتبر حالتها الراهنة نقطة البدء لها، وهنالك أمم لم يكن لها شأن يذكر في الحضارة لكنها اليوم تتربع على عرش الحضارة والنفوذ، فأين أمة اليونان من حضارتها القديمة التي غزت الدينا”[13].

على أن محمد كمال جعفر يرى إمكانية “الانتفاع بآراء دارسي الأديان في معرفة أصول الديانات الوثنية على ألاَّ تعتبر هذه الأصول ممثلة للبدء الديني للبشرية”[14].

ولقد تناول دراز نظريات نشوء الدين المستخدمة في الغرب في البحث الرابع من كتابه الدين، ورد عليها، ومن الملاحظات التي يذكرها: “إن الرشد والضلال في الفكرة الدينية ليستا ظاهرتين متعاقبتين، بل هما متعاصرتان، موزعتان في كل أمة وجيل، تبعاً لاختلاف الأفراد في درجات استقامة الحدس العقلي، ونبل الحس الباطني، فلا يخلو جيل من نفوس صافية تدرك الحقيقة نقية من شوائب الخرافة، وأخرى دون ذلك”[15] .

والحقيقة أن الفرق بين الإنسان المتحضر والإنسان القديم، يكمن في شيئين: أولهما تطور أساليب الحياة المادية، فمن الكهوف والمغارات إلى البيوت البسيطة إلى العمارات الشاهقة، وتطور في الأدوات كوسائل المواصلات مثلاً، وثانيهما: إن تفاوت المعارف التي حصل عليها ابن القرن العشرين وآخر عاش قبل الميلاد حيث إن زيادة كمية المعلومات نتيجة للتجارب البشرية، وأما أصل العقل فلا فرق بينهما، ولو حصل أن شقيقين أحدهما وصل إلى درجة مرموقة من التعلم والاحتكاك بالمجتمع، والآخر ظل ضمن بيئته ولم يلتحق بالمدرسة، لمثل الأول منهما “شباب الجنس البشري”، والآخر “صباه” أو “طفولته” –بحسب أصحاب نظرية التطور- والحقيقة أن القوة الكامنة في داخلهما متساوية[16].

وخلاصة الأمر أن علماء المسلمين لا يقبلون القول بتطور الأديان كما يقرره دعاة التطور، وإنما التطور الذي يرونه هو “التحريف” الذي ينبغي التخلص منه والعودة إلى أصل الدين كما جاء به صاحب الرسالة في ذلك الدين.


الهوامش

[1] ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل. تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة. بيروت: دار الجيل. الجزء الأول، ص314

[2] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان دراسة مقارنة. الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985م. ص87

[3] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. دار الثقافة العربية: 2002 ص178

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص43

[5] أحمد بن حنبل، المسند. تحقيق شعيب الأرناؤوط، القاهرة: مؤسسة قرطبة، الجزء 4، ص 126، رقم الحديث: 17184، تعليق المحقق: حديث صحيح ورجاله ثقات.

[6] يوسف القرضاوي، البدعة في الدين. القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 2013م، ص9

[7] محمد كمال جعفر، في الدين المقارن. دار الكتب الجامعية 1970، ص 43

[8] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، الكويت دار القلم ص 112

[9] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص163

[10] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. مصدر سابق، ص13

[11] محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل. صححه وعلق عليه: أحمد فهمي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1992م. الجزء الأول، ص35

[12] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص89

[13] المصدر السابق نفسه، ص167

[14] المصدر السابق نفسه، ص92

[15] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، مرجع سابق، ص112

[16] محمد شامة، الرسالات السماوية بين التطور والتجديد، مقال منشور ضمن مجلة جامعة قطر، العدد التاسع، سنة 1991م ص307

منهج الدعوة وأخلاق الداعية

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

إن الدعوة من أول ما أمر به الله -عز وجل- رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الدعوة فريضة على المسلمين؛ نزل القرآن مبينًا منهجها وآدابها، وهو ما أحاول استنباطه من آيات القرآن الكريم في هذا المقال.

البدء بشرح العقيدة
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]

لم يبعث الله رسولًا إلا وبدأ بالتوحيد، وقد قص الله تعالى عن نوح وهود وصالح وغيرهم أن كلًا منهم جاء قومه فقال {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59-65 وغيرها]، فعلى الدعاة إلى الله أن يبدؤوا بالأهم فالمهم، فطوال فترة حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثلاث عشرة سنة بمكة بعد البعثة لم تنزل في القرآن أحكام من صيام أو زكاة أو تحريم خمر إلا أن الصلاة فرضت في السنة العاشرة للبعثة، إنما نزلت الأحكام في المدينة بعدما هاجر الرسول وقوي الإسلام.

الإقناع العقلي والدعوة للتدبر والتفكر
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]
قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ} يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب: {سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ} الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداءً، فلم يتعذّر عليه إحداثها مُبدئًا، فكذلك لا يتعذّر عليه إنشاءها معيدًا {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} يقول: ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء.[1]

إن الإسلام -بخلاف الأديان الباطلة- يدعو إلى التأمل والتدبر، فالعلم حجة للإسلام لا عليه، والقرآن يستعمل العلم حجة على صحة الإسلام، فمن منهج الدعوة التذكير بنعمة العقل الذي يميز الإنسان عن غيره، والتذكير بقبح عدم استخدام هذا العقل في معرفة الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]

ونرى خطاب إبراهيم العقلي لقومه، قال الله تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [سورة الشعراء: 72-73]

اللين والرحمة في الدعوة
قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل : 125]

هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة.[2]

على الداعية أن يكون لينًا رفيقًا في دعوته؛ حتى يستميل قلوب من يدعوهم، وألا يكون فظًا ينفر الناس منه كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران : 158].

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد في موقف الرسول مع من فر من المسلمين يوم أحد، وتبرز أهمية اللين والعفو عن الزلات وإظهار الحب للمدعويين، وأهمية اجتناب الفظاظة والغلظة، فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك “لنت لهم”، لأتبَّاعك وأصحابك، فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم.[3]

العدل والثبات على المبادئ
إن العدل من أهم صفات الدعاة، ونرى قول الله على لسان نوح – عليه السلام – لقومه لما طلبوا منه طرد الفقراء الذين آمنوا من قومه {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود : 29]، وكان نوح قال ذلك لقومه، لأن قومه قالوا له كما حدثنا عن ابن جريج، قوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم)، قال: قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. فقال: {ما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم}، فيسألهم عن أعمالهم.[4]

فنرى كيف لم تغرِ نوحًا -عليه السلام- عروض كفار قومه، ونرى ثباته على الحق والعدل ورفض ظلم الضعفاء المؤمنين، فعلى الداعي إلى الله ألا يقدم التنازلات على حساب الحق والعدل، ولو حسب أن ذلك سينفعه.

الصبر على الدعوة
الصبر صفة الأنبياء وصفة أولي العزم من الرسل، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ } [الأحقاف : 35]، والداعية سيواجه كثيرًا من التحديات والصعوبات أثاء دعوته؛ فعليه أن يصبرعلى ذلك؛ فالصبر صفة ملازمة للدعوة لا تتم بدونها، ونرى قول الله تعالى على لسان لقمان وهو ينصح ابنه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان:17]، وقد أقرن لقمان الصبر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يدل على ارتباطهما الوثيق، وقد قال الله أيضًا في خاتمة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]

وقد ذكر الله تعالى في القرآن قصة نوح -عليه السلام- وقد مكث في قومه خمسين وتسعمائة سنة لم يمل من دعوة قومه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت : 14]، ولم ييئس منهم حتى نزل عليه الوحي، قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود : 36]

وفي تفسير الآية من سورة العنكبوت يقول ابن كثير: هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل، فأنت – يا محمد – لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور.[5]

إخلاص النية وعدم طلب الأجر
كلما جاء نبي قومه قال لهم {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء : 109،127،145،164،180]، فمن يدعو إلى الله لا ينتظر أجرًا، فالمقصد والمبتغى من الدعوة يجب أن يكون رضا الله.

وقد حذر الله من الرياء إذ قال {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]، وكان الرياء من شيم الكفار،وقد قيل في تفسيرالآية: هذا تقدُّمٌ من الله – جل ثناؤه – إلى المؤمنين به وبرسوله، ألا يعملوا عملًا إلا لله خاصة، وطلب ما عنده، لا رئاء الناس، كما فعل القوم من المشركين في مسيرهم إلى بدر طلبَ رئاء الناس.[6]

القدوة الصالحة
على الداعي أن يكون قدوة صالحة لمن يدعوهم؛ قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وكما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

                   لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه         عارٌ عليك إذا فعلت عظيم[7]

وقد قال شعيب -عليه السلام- لقومه {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.[8]

التوكل على الله
وأختم المقال بالتوكل على الله؛ وهو خلق بدونه لا يوفق الداعية أبدًا، وقد تكرر التوكل كثيرًا في العديد من الآيات، منها قول الله تعالى على لسان إبراهيم – عليه السلام -: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]

وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]

 وتفسير الآية: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك {فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي: وقتًا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.[9]


الهوامش

[1]  تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura29-aya20.html

[2] تفسير القرطبي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura16-aya125.html#qortobi

[3] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura3-aya159.html

[4] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya29.html

[5] تفسير ابن كثير http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura29-aya14.html

[6] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura8-aya47.html

[7] الديوان » العصر الاموي » أبو الأسود الدؤلي » حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه https://www.aldiwan.net/poem50221.html

[8] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya88.html

[9] تفسير السعدي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/saadi/sura65-aya3.html#saadi

عندما يتطرّف اللُّطف

بعد أن طغت الثقافة الليبرالية العلمانية وصار الناس يحتكمون إلى قيم الحداثة والمدنية ويحاكمون الدّين وفقاً لمبادئها صار من الطبيعي أن نسمع كلَّ يوم صيحاتٍ في شتى مجالات العلم والفكر والحياة تنادي بأفكار جديدة وتطلع بفُهومٍ مبتكرة لم يكن لمن قبلنا قدرة على الوصول إليها وأنّى لهم وهم المحتكمون لشرع الله والمنقادون لثقافةٍ يحكمها الإله؟!!

واستدراكاً على ما سبق لا يُفهم من كلامنا أنّا نقدّس القديم ونستنكر الحديث فمعيارنا في أي حكم هو ما يقودنا إليه العقل السليم المستنير بالوحي والمسترشد بالتجارب والمتّكل على أصول المنطق الصحيح.

وليس المجال التربوي ببعيدٍ عن تلك الفُهوم المبتدعة بل لعلّه أكثر مجال قال فيه من لا يعرف وهرف فيه مقدّماً تجاربه وظنونه وتخميناته أو متعته. ولست ها هنا من المختصين ولا أدّعي، لكنّ مسألةً استطارت فيها التربية الحديثة تطرّفاً في اللطف المقابل للعنف الممنوع عن الأطفال؛ إذ وصلت إلى عقيدة الإيمان بالله ففصّلتها على مقاس الطفل كما يدّعون استحثّت في عقلي الناقد أسئلةً شتّى أضعها بين أيديكم لعلها تجد صدى في قلوب مؤمنة بالله وعقول غيورة على دينه.

الله محبة
يرى أبناء الاتجاه الحديث في التربية أن القيمة العليا التي ينبغي أن تزرع في قلب الطفل تجاه الله هي “الحب” فأن يحب الله الطفل متوسلاً بنعمائه التي طالما غمرنا بها وبرحمته التي تشملنا وبفضله الذي يسعنا يعني أن يتعلق قلبه بالله فيمضي في الحياة على سبيل الله.. ولا نماري في صحة هذا الكلام جزئياً؛ لكنّ تحول هذه الفكرة إلى معيارٍ مقدس تحتكم إليه كلُّ فكرة أخرى تُقدّم للطفل عن الله؛ إذ صار كثيرٌ من التربويين ينصحون بتغييب فكرة النار عن الطفل كي لا يخاف وينفر من الإله (الكيوت) الذي يريدون صنعه لأطفالهم إذ لا يمكن للإله المحبوب أن يعذب أحدا في النار بل لديه جنة تسع المخلوقات جميعاً! هذا التحوّل هو الدافع إلى هذه المقاربة التي تريد انتقاد الفكرة التي وصلت بأصحابها إلى القول بعدم تحفيظ الطفل أياً من آيات الله التي تصف عذابه أو ناره.

تناقضاتٌ صادمة:
تقدم هذه الفكرة سلسلة تناقضات قد تنفر الطفل من الله بدل أن تحببه إليه وذلك من خلال أنها:

* ترسم في ذهن الطفل صورة الإله (الكيوت) فإذا كبر أو اطلع بطريقة أو بأخرى على فكرة النار والعقاب والحساب وقع في صدمة أهم دعائمها تردد الأم وخوفها من اطلاع طفلها على هذه الحقيقة التي تجعله ينفر مما تخجل أمه ربما من إظهاره له!

* تقدم للطفل صورة الإله الضعيف إذ إننا لا نعيش في عالم تسوده العدالة ويحكمه السلام بل نعيش في عالم يسوده الظلم ويحكمه الطغيان، وبدل أن نقنع الطفل بالعدالة الإلهية التي تقتص من الظالم في الآخرة، إذا هي لم تفعل ذلك في الدنيا، فإن علينا كما يقول اللطف المتطرف أن نقدم له تلك الصورة الناقصة عن الله؛ فهو الذي خلق هذا الشر المستطير وترك كل هذا الظلم يطغى، ثم لم يقدم ميزانه كفة الحساب والعقاب لتستوي قيمة العدالة في الكون تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

كيف يمكن أن نخفي حقيقة العدالة الإلهية عن طفل لا يجد أبرد على قلبه من لجوئه إلى جبار السموات والأرض كي يقتص ممن هدم دياره وشرد أهله وقتل أباه أو أمه أو كل عائلته؟ كيف نخبئ حقيقة القدرة الإلهية عن طفل لا يجد أقوى من سهام المظلوم يرسلها دعوات على من سرق سعادته وشتت شمل نفسه؟! كيف يمكن للطفل أن يحب إلهاً لا يقيم العدالة ويعطي كل ذي حق حقه؟!

* تغفل هذه النظرة أهمية الخوف من الله الذي يمثّل رادعاً قوياً للنفس الإنسانية عن ارتكاب المعاصي ولولاه لوقع ابن آدم في بحر لجيٍّ من الخطايا.. ولأجل إخفاء هذه العقيدة يعمد أصحاب هذه الفكرة إلى كتم آيات العذاب ظناً منهم أنهم بذلك يجمّلون صورة الله في عيون أطفالهم، وينسى هؤلاء أن أجيالاً من الرعيل الأول كانوا يُستحفظون القرآن الكريم كاملاً بترغيبه وترهيبه، وكثيرٌ منهم يُتمُّ ذلك في السابعة أو الثامنة من عمره فلا تزداد قلوبهم المؤمنة إلا إيماناً، ولا تزداد نفوسهم المصدّقة إلا تعظيماً، فهل الهدف غرس العقيدة أو تضييعها؟

 كما يغفلون عن أن ميزان الترغيب والترهيب في القرآن الكريم دقيق يأخذ النفس الإنسانية بالتربية السليمة حتى تبلغ التسليم الذي بلغه الأنبياء الذين لم يكتفوا بالحب بل كانوا كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء: 90].

ويربكني أن أفكر أننا قد نربي جيلاً كاملاً بدون عقيدة الخوف من الله فنُصدم بقلوبٍ متمرّدة لا تعظّم الإله ولا تخشاه، وتتطرّف في اللطف ميوعةً أو في الضلال استهتاراً.

أجل، ليس من الصحيح ترهيب الطفل من الله وتخويفه من الاحتراق بالنار على كل صغيرة وكبيرة، لكنّ إلغاء هذه العقيدة وكتم آياتها في المقابل ليس صحيحاً، بل إنّه لا يليق في تعريف الطفل على جبار السموات والأرض.

فليعرف أبناءنا الله يحبّونه كما أحبّهم واختارهم مسلمين، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولنغرس في قلوبهم الرغبة والرهبة فلا يميلوا إلى أي طرف حائرين، وليرَ أبناؤنا في عيوننا تعظيم الله ومحبته، وفي سلوكنا الخوف من الله وتجنب محارمه، فيكسبوا هذه العقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء جميعاً؛ ملّة أبينا إبراهيم هوسمّانا مسلمين.

مشكلة علمنة العلم.. علم الاقتصاد مثالاً

من حصة علومٍ إلى فيزياء إلى فلسفة، ومن ثمَّ رياضيات وغيرها، يَمضي يوم الطالب العادي في المدرسة. يدخل مدرسٌ ويخرج آخر، ومع كل تبدُّل يغير التلميذ المتلقّي إطاراته الذهنية ويتهيأ بعقليات مختلفة متنوعة تتناسب مع استقبال كل علمٍ بما يتماشى مع حاجاته ومتطلباته.

فحصة الرياضيات محشوةٌ بالحسابات والعمليات الذهنية، بينما حصة الكيمياء تتعامل مع خصائص المواد وتفاعلاتها، كذلك فإن التاريخ يُقرأ كقصة تستدعي حفظ كثير من الأسماء والأعوام. ومن هذه الحصص هناك واحدةٌ للتربية الإسلامية، فللعلم الشرعي وقتٌ في النظام التعليمي كغيره من العلوم. وهل في ذلك كله من إشكال؟

إن الفصل بين المواد المدرسية وجعل العلم الشرعي واحداً منها إنما هو تابعٌ لتجزيء الإنسان في عالم اليوم، وقد أنتج هذا التعامل مع العلوم والنفوس تفككاً في نظرتنا للكون من حولنا، فصرنا نرى كل قضيةٍ في الإطار الذي تُطرح فيه فقط، وصار من الممكن الحديث عن أي علمٍ بشكلٍ منفصلٍ عن مدلولاته الأخلاقية، فمن السهل مثلاً أن يجد متدينٌ نفسه يخوض في حديثٍ عن التعاملات السياسيّة دون الالتفات إلى حلّها أو حرامها، أو أن تجد المسلمة نفسها تتأمل الجمال الفني في لوحة رسامٍ ما رغم ما قد تحويه من مخالفات شرعيةٍ بيّنة، إذ بات للعلم الشرعي وقته ومكانه الذي لا يجاوزه.

فالتفكك المقصود ليس تمايز العلوم عن بعضها، إنما هو فصل كل مجال دنيوي عن المرجعية الإلهية الحاكمة، بل وعن الأخلاق الإنسانية كذلك، إضافة إلى تحديد فهم العلم الواحد بلغة كتبه وخبرائه المتداولة، بحيث ينتج النظام الفكري والتعليمي المعاصر أفراداً لا ينظرون لأي معطىً بشكلٍ إجمالي، إنما بصفته مجرداً تحدده فرضيات مجاله وحدها.

وسأركز في هذا المقال على فصل الدين عن العلوم الاجتماعية الحديثة، متخذةً علم الاقتصاد مثالاً ليبرز الإشكال في هذا المفهوم ومنشؤه.

الاقتصاد يعيد تعريف الإنسان
“إن المستهلك يعيش ويتخذ قراراته في عالم من التصورات والانطباعات، بالتالي فإن قيمة المنتج المعروض الحقيقية معدومة إذا قورنت بأهمية ما قد يتوقعه المستهلك منه. من هنا كان واجباً عليك كبائع أن تفهم الميزات والحاجات التي يريدها الزبون وتقنعه بوجودها وقيمتها في منتجك”[1]، بهذه الكلمات افتُتح المقال المنشور في مجلة The Business Owner عام 2012 تحت عنوان “معايير شراء العملاء وإشاراتهم”.

المقال يتحدث عن فهم سلوك المستهلك لتحديد خطة تسويق فعالة ومربحة، لكن ما صدمني في تلك الكلمات هو البرود العجيب في التعاطي مع مفهوم خداع العميل، بل الدعوة إلى الكذب وتسويق المنتج بما قد لا يحويه.

بكل بساطة نسف الخبير الاقتصادي قيمة الصدق والأمانة في كلمات قليلة تعاطى فيها مع الإنسان على أنه مجرد مستهلك، فألغى عنه أي قيمةٍ أخرى عدا عن تلك التي يمكنه أن ينفع البائع بها إن اقتنع بمنتجه. لقد قالها الكاتب بوضوح: لا يهم ماهي بضاعتك، إنما ما يمكنك أن تقنع المستهلك أن بضاعتك تحويه. والأعجب من ذلك هو هذا المكر في ابتكار أساليب التسويق، فالخطة تبدأ بدراسة المستهلكين وفهم حاجياتهم، ثم تقوم بوصف منتجك بكل ما يبحثون عنه، ولا داعي لأن تتم مناقشة الأخلاق أو القيم في إطار ذلك كله، فهذه دراسة عن المال والنجاح مجردان عما سواهما!

إن علم الاقتصاد يعطي الإنسان تعريفاً خاصاً به، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري إن العَلمانية كفكرة في الغرب هي نزع القداسة عن العالم، أي أن تنظر للعالم وللإنسان فترى مادة[2]. وبالتالي فإن هذا الإنسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى يتحول في إطار العلم الاجتماعي الاقتصادي إلى مجرد مستهلك لا حقوق له إلا ما يقره قانون الدولة. فاهتمام البائع برضا الزبون أو غضبه متعلق بربحه المادي منه، كذلك فإن كلامه معه سواءً كان عن السلعة أو غيرها سيهدف ويتوجه إلى زيادة احتمالية ربحه منه. فحد التبادل الاقتصادي ليس الخير والشر المطلق الثابت، إنما ما يسمح به القانون، وما يمكن به التحايل عليه دون مساءلات.

والعجيب أن هذا الكلام ليس سرياً أو مموهاً، ولا مخصصاً للتداول في اجتماعات خاصة في الشركات الكبرى، إنما هو علمٌ متَّفق عليه يُدَرّس ويُنشر في الكتب و المجلات الأكاديمية. ففي سياق عملي على رسالة الماجستير قرأت بحثاً لخبير اقتصادي من فنلندا في الصين في محاولة لفهم معايير شراء الآباء الصينيين لحليب الأطفال. استوقفني تضمُّن البحث كلاماً متناهياً في تشييء المربين الصينيين بصفتهم مجرد زبائن جاهلين محتملين لتوسيع مجال التسويق وإدرار الربح المادي [3]. فهؤلاء الآباء القلقون على صحة أطفالهم ليسوا بنظر الخبراء الاقتصاديين إلا جيوباً مليئة يمكنها رفع الاقتصاد الفنلندي وفتح مجال جديد لتسويق منتجاته. مثال على ذلك العبارة التالية من البحث: “إن الآباء الصينيين يرون شراء حليب الأطفال استثماراً في مستقبل أبنائهم،.. ولأن معظم هؤلاء الآباء غير محترفين فإنهم بالتأكيد سيسارعون في تصديق نصائح الخبراء، كذلك فإن ردة فعلهم الغريزية ستكون ربط السعر الأعلى بالجودة الأفضل”.[3]

وفي إطار هذه المعطيات الاقتصادية تضيع أهمية إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم [متفق عليه]، وكل المسلم على المسلم حرام [رواه مسلم]، ويتحول النفع المادي إلى وثنٍ جديد يؤلهه الإنسان دون خالقه ودون ذاته حتى.[2] كتب الدكتور سامي العامري: لم يَوُل إلغاء المقدس المتجاوز للعالم إلى هدم مبدأ الوجود الموضوعي للمقدس فحسب؛ وإنما أفرز ميكانيكياً قداساتٍ جديدة من رحم الوجود المادي، وأهم هذه القداسات المنفعة المادية المحسوسة التي استحالت كياناً ذا قدسية كلية في حس الوجود العلماني، فهي القبلة التي تتجه إليها النفس بكليتها، وحولها يطوف الكائن العلماني في خشوعٍ وخضوعٍ كاملين.[4]

الاقتصاد في المجتمعات المسلمة
قد يبدو من الكلام عن علم الاقتصاد أن  إشكالاته محدودة بالمجتمعات الغربية اللادينية، لكن المؤسف أننا حين استوردنا العلوم من الغرب أخذناها دون نقد أو تمحيص، إنما بكل معطياتها وفرضياتها. فهذه العلوم التي نشأت في رحم قطيعة الفكر الغربي مع الدين في القرن الثامن والتاسع عشر لا بد وأن تحمل معها تلك القطيعة في مكنوناتها رغم مرور الوقت،[5] ويرى الشيخ أحمد السيد أن من الخطأ استيراد ودراسة هذه العلوم بشكل مطلق دون اعتبار السياق التاريخي الذي نشأت فيه، فهذا السياق حتى وإن اعتبر الدين، فهو يعده واحداً من العوامل المؤثرة في النشاطات الإنسانية فقط، لا المرجع أو المنطلق لتحديد الصواب من الخطأ في سلوكيات الأفراد والمجتمعات[5]. ولعل النظر إلى طريقة تدريس علم الاقتصاد في كليات البلاد المسلمة يوضح الإشكال. فهو يُدرَّس بأسلوب لا يختلف كثيراً عنه في بلاد الغرب. مجمل الصفوف عن الحساب والتجارة، حيث الفوائد والعقود المحرمة مفتوحة للنقاش، وقد يتم زج صف أخلاق خلالها يتعلم فيه الطالب مراعاة الأخلاقيات العامة المتفق عليها دولياً، بالتالي فإن الطالب سواء تعلم في كليات البلاد الإسلامية أو غيرها يتعبأ بعلوم لا أخلاقية، خالية من أي قيم. بينما ينبغي أن تنطلق العلوم من الوحي الإلهي وترجع إليه فما نص عليه الشرع وقبله تضمنته، وما منعه لم تناقشه ولم تورده كاحتمال أصلاً.

ورغم أن هذه الإشكالات قد لا تجول في بال كثير من المسلمين، إلا أن نتائجها واضحة في سلوكياتهم، ففي السوق مثلاً تظهر تعريفات لا علاقة للدين بها كتلك التي يطلقها الناس على التاجر أو الشاري “الشاطر”، أو “الحذق” الذي يمكنه تحصيل أكبر قدر من الربح على بضاعته أو تحصيل السلعة بأقل سعر ممكن. وفي ظل هذه الإطلاقات يتحول التاجر الأمين الذي يصدق وينصح للزبون فعلاً إلى بسيط أو ساذج، ويُعتبر الشاري الذي لا يساوم مغبوناً، رغم أنه افترض خيرية المقابل لا أكثر. كذلك نجد التركيز على الربح المادي يولد تجاهلاً لمنشأ البضائع المتوفرة في السوق، فلا يُسأل عن حكم شراء ملابس توفيرية مستوردة إن كان العاملون في تصنيعها أطفال لا يتقاضون ما يكفي لسد رمقهم، المهم فقط أننا نأخذ حاجتنا بأقل تكلفة. إضافة لذك فإن الإعلانات المنتشرة في بلاد المسلمين مليئة بالخداع والكذب وكشف العورات وغيرها من التجاوزات الشرعية، عدا عن كونها توهم الناس بأن حاجتهم لن تسد إلا بالمنتج الفلاني، وأن راحة بالهم لن توجد بدون حاجة معينة، ورغم ذلك كله فهي موجودة ومنتشرة في الشوارع والأسواق والمجلات ولا يكاد ينكرها أحد، فهي تعتبر أداة اقتصادية فعالة في تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة ربح الشركات وعلى هذا لا ينظر لها بعين الشرع، إنما بعين الاقتصاد المختصة بها!

عواقب ونتائج
إن ناتج التفكك الذي أشير إليه ليس مجرد فصل الدين عن العلم، إنما فصل الدين عن تعاملات الإنسان وسلوكيات حياته كلها. وإن الذي نسير إليه بتخصيص مكان وزمان للشرع لن يقودنا إلى علم أخلاقي بتاتاً، فالأخلاق مجردةً عن الشرع الحاكم تفقد ثبوتها وعدلها، وتغدو نسبية بحسب الزمان والمكان والأفراد والجماعات.[6] إن الدين وشريعة الرحمن لم تنزّل لتُقرأ وتُحفظ ثم تُهمل في الحياة العملية، ولا تكون قائمة مهمات ينهيها المرء سريعاً ليرتاح من عبئها، إنما اختارها الله لتكون دستور حياة وقانوناً يسود المجتمعات. فالصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم عاشوا القرآن والسنة نهجاً لحياتهم، وتمثلوا الورع والتقوى في كل أفعالهم. روي أن أخت بشر الحافي جاءت إلى أحمد بن حنبل رحمه الله، وقالت: “إنا نغزل على سطوحنا بشعلة الملك، هل يجوز لنا الغزل في شعاعها، وقد وقع علينا المشاعل الظاهرية؟” فقال: “من أنت عافاك الله؟” قالت: “أخت بشر الحافي”، فبكى أحمد، وقال: “من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها” [7].

فالإنسان في القرآن عبدٌ لله أبداً أياً كان موقعه أو مهنته، وهو في حال ابتلاءٍ ليحسن العمل كما أمره مولاه سواء كنا في حال مبادلة تجارية أو معاهدة سياسية أو غيرها. فالتدين في جوهره قائم على فكرة الطاعة المطلقة والإيمان المطلق بكل ما يقوله الرب سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا كان التسليم لله ورسوله من أظهر بدهيات التدين [8]. وسبحان الله تبارك وتعالى القائل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.


المصادر:

[1] Costumer Purchase Criteria and Signaling, The Business Owner, May 2012, Business Insights: Global. http://bi.gale.com.ezp.slu.edu/global/article/GALE%7CA289835666/d18ae7c409a51623e13a6d1993eb04d9?u=sain44199

[2] د. عبد الوهاب المسيري، فصل الدين عن الدولة” تعريف خاطئ للعلمانية، مادة مرئية، 2018، https://www.youtube.com/watch?v=IW1lZQXwbNM

[3] Hu Chen, A Systematic Analysis of the Market Potential of Foreign Infant Powdered Milk Brands in China, Savonia University of Applied Sciences, December 2013, https://www.theseus.fi/bitstream/handle/10024/70210/thesis_CHEN%20HU.pdf;sequence=1

[4]  د. سامي العامري، العالمانية طاعون العصر كشف المصطلحات وفضح الدلالة، مركز تكوين، المملكة العربية السعودية، 2017

[5] أ. أحمد السيد، تاريخ الفكر الغربي الحديث | ٨ | الحداثة وما بعد الحداثة، مادة مرئية، 2019، https://www.youtube.com/watch?v=xSX3q9VZZkU&t=3643s

[6] د. طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2014

[7] الإمام ابن الجوزي، صفوة الصفوة، المكتبة العصرية، بيروت

[8] م. عبد الله بن صالح العجيري، ينبوع الغواية الفكرية، مجلة البيان، الرياض، 1434هـ

مفاتيح القلوب من القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، يبقى موضوع العقيدة موضوعا محوريا ليس فقط في الدين الإسلامي، بل في جميع مناحي الحياة، فالمرء بطبعه يحتاج حججا -بغض النظر عن صحتها- يستعملها لتبرير اعتناقه فكرة ما. وفي سبيل ذلك يوظف أساليب متعددة ويعتمد مناهج مختلفة سواء في التعرف عليها، أو اعتناقها، أو الدفاع عنها والدعوة لها.

ومادة الدعوة إلى الله ليست بالبعيدة عن هذا النسق الاستدلالي، فهي أيضا تعطي للإنسان أدلة  على ما تدعو له، وهو عبادة الله وحده، وعدم إشراك أحد أو أي شيء في عبادته، مستندة على مصادر كثيرة واستنباطات منطقية وشهادات تاريخية وغيرها من أمثلة الحجج، مخاطبة في ذلك عقله وقلبه على حد سواء. قال الله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف، الآية 108]. وفي هذا المقال، سنتفرغ لطرح بعض من أساليب الدعوة إلى الله من القرآن الكريم وتبيان المنهج المعتمد في ذلك.

بادئ ذي بدء، تجب الإشارة إلى أن هذا الموضوع كغيره من اشتقاقات النقاش، يرتكز على ثلاث عناصر أساسية:

أولها هو الجهة المرسلة، ما يعني في هذه الحالة الأنبياء والرسل أو من يخلفهم من الوعاظ والدعاة إلى طريق الله. وهذا يستدعي منهم حكمة وعلو خلق، تأسيا في ذاك بالرسول صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم، الآية 4]، وقال أيضا: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام، الآية 48].

ثانيها: الجهة المستقبلة، أي كل من حاد عن طريق الله، من الشرائع المحرفة كاليهودية والنصرانية، ومن الاعتقادات المبطلة لبعض الدين الإسلامي أو كله كاللاأدرية والإلحاد. وتحتاج هذه الفئة تحضيرا من قبل الجهة المرسلة لتلقي الرسالة لما قد يطالهم من جهل وجحود أو كبر أو غيرها من معوقات التواصل السليم، كما أنه يجب عليهم الإذعان للحق حين معرفته. قال تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ، الآية 24].

ثالثها: الرسالة أو مضمون النقاش، فهي يجب أن تكون مفهومة، سهلة الاستيعاب، خالية من المغالطات المنطقية، متماشية مع السياق الزمكاني الذي تتواجد به، ومن أمثلة ذلك كون المعجزات تأتي من جنس ما تداوله الناس واحترفوه، فتغير العادة وتعجز المعاندين الجاحدين. ولنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون والسحرة خير دليل على هذا وكيف برهن على صدقه فيما يحكي عن ربه بأن ابتلعت حيته المعجزة ما جاءوا به من سحر، فأذعنوا لله رغم ما طالهم من التعذيب فيما بعد لعلمهم التام بخرق ما جاء به النبيء لعادتهم. فقال الله عز وجل: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ. (48)} [الشعراء، الآيات 30-48].

وحتى يتسنى للمرسل إيصال دعوته للمرسل إليه على الوجه الذي يصح، سطر القرآن منهجا واضحا لذلك يتبع قاعدة رئيسة، وهي عمل ما يتوجبه الوقت، وذلك بأن يحترم ما يحيط به من سياق زماني ومكاني، عرفي وتاريخي، وهذا ما يتم تفصيله في القرآن بإيجاز، فهو يراعي الحالة العامة التي تربط بين طرفي النقاش، فيفصل بين معاملة المسالمين من الجاحدين وبين معاملة المقاتلين والمعترضين منهم. يقول الله سبحانه وتعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)  إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)} [الممتحنة، الآيتان 8-9]. كما أنه أكد على اختيار الطريقة الأصوب في النقاش والبحث عن إيصال الرسالة على أحسن وجه ممكن. وفي هذا الصدد، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل، الآية 125]. ويعقب الغزالي على هذه الآية، فيقول: “إنَّ المدعوَّ إلى الله تعالى بالحِكمة قومٌ، وبالموعظة قومٌ، وبالمجادلة قومٌ؛ فإنَّ الحكمة إن غُذِّي بها أهلُ الموعظة أضرَّت بهم كما تضرُّ بالطِّفل الرضيع التغذيةُ بلحم الطَّير، وإنَّ المجادلة إنِ استُعملتْ مع أهل الحكمة اشمأزُّوا منها كما يشمئزُّ طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي.” [1]

وعلى العموم، يتماشى القرآن والواقع، وكمثال على ذلك، نذكر الفرق بين الخطاب القرآني في الفترة السرية وفي الفترة الجهرية من الدعوة في مكة، وبين مرحلة الضعف ومرحلة القوة. ولكن هذا لا يكفي لإيصال الرسالة، فما تم ذكره سلفا هو نظري، ويحتاج إلى ما هو عملي لزيادة فعاليتها ووقعها على المتلقي. وهذا ما يتطلب التعرف على أساليب الدعوة، وتوظيف أصلها للمكان والزمان الواقعين.

ونجد أن القرآن يتأرجح بين الترغيب والترهيب، وبين الماضي والحاضر والمستقبل، فهو مرة يخاطب العقل، ومرة يخاطب القلب، ومرات يخاطبهما معا. وهذا ما يفهم من سرد قصص الأقوام التي خلت، والتهويل من ما طالهم من عذاب. قال عز وجل: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء، الآية 59]. ولكنه لا يقتصر على قصص العذاب، بل يطرح قصة يونس عليه السلام، كمثال على أقوام آمنوا فأكرمهم الله بذلك في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس، الآية 98]. وهذا حتى ينبئ المحاوَر بما يصير إليه كل خيار من خياري الإيمان أو الإنكار.

ويرجع الأسلوب القرآني أيضا في دعوته إلى الله إلى سرد نعمه على الناس وإلى منه عليهم بما حباهم به، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر، الآية 61].

كما أنه قد يلجأ لاستدلالات منطقية، كأن يسأل الجاحدين عن سر خلقهم، أو عن منبت ما يزرعون، فذكر سبحانه في هذا: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)} [الواقعة، الآيات 57-74].

أو أن يريهم ما خلق لهم في أنفسهم وفي الكون فيهتدوا بها إليه. قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت، الآية 53].

وخلاصة القول، أن القرآن ينوع من الأساليب في الدعوة إلى الله موظفا الأسلوب الأنسب لكل زمان ومكان بعينه، ومخاطبا جميع الناس باللغة التي تخترق قلوبهم حتى يسهل اقتناعهم بهذه الرسالة. ويبقى التنويه في الأخير إلى أن الهداية بيد الله وحده، وما هذه الأساليب والمناهج إلا حجج يقيمها الله على الظالمين من عباده وموعظة للمتقين. قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص، الآية 56] وقال أيضا سبحانه: {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران، الآية 138].

فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. والحمد لله رب العالمين.


[1] تفسير الإمام الغزالي، جمع وتوثيق وتقديم الدكتور محمد الريحاني، نشر دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، ومؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) بفاس، الطبعة الأولى 2010، ص202- 203).

الحوار القرآني

لقد تعددت وتنوعت أشكال الحوار في القرآن الكريم، واختلفت مواضيعها وحملت عبراً كثيرة، فمنذ بدء الخليقة يحاور الله ملائكته الكرام عليهم السلام، ويحاور إبليس الذي كان يتوعد بإضلال البشرية، وكذلك نجد الأنبياء يحاورون أقوامهم ويقدمون أحكم الحجج المنطقية والعقلية في سبيل إقناعهم برسالتهم وصدق دعوتهم.

والقرآن الكريم كتاب رباني لهداية البشر من الضلال إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويعتمد على الحوار بشكل أساسي للإقناع، ولوضع الحجة على الرقاب، ثم يُحاسب البشر عما فرطوا فيه وأنكروا، وهذا أكبر دليل على حرية التفكير البشري.

 وبالإضافة إلى ذلك فإنه يحاور قارئه أيضاً فيسأله التأمل والتمعن في عظمة خلق الله في الكون كما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21)} [الذاريات:20]، وفي حين آخر يستفزه ويثيره بالأسئلة عن حقيقة وجوده وكيانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ(36)} [الطور:34-35]، وينكر على أهل الضلال أقوالهم ودعاويهم الباطلة فيقول: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111].

بطريقة ما هذا القرآن الذي كتبه [المؤلف حيث يتحدث عن مرحلة ما قبل إسلامه] فيه أسلوب من نوع مختلف يجرك لحوار مع النص.   جيفري لانغ

منهج الحوار القرآني
1.الاستناد إلى العلم
العلم في المصطلح القرآني والفلسفة الإسلامية هو ما يعرفه العلماء بأنه “إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل منضبط بقواعد المنطق وأصوله”[1]. والاستناد إلى العلم يعني اعتماد المنهج التوثيقي المنبثق من كل واقع مصحوبا بأدلته الدامغة المسكتة أو “المخرسة” أحياناً.

ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81]، و”إن” هنا شرطية، أي إن تحقق الافتراض الأول يتحقق الثاني، ولكن الافتراض الأول وهو أن يكون لله ولد محال، أي أنني كنت قد اتفقت معك بالإيمان بالشرك لو توافرت الأدلة العلمية على ذلك، ولكن الأمر أنه لا ولد له ولا بنت ولا ملاك ولا شيء، واحد أحد فرد صمد يقيناً لا ظناً، وفي هذا السبك بلاغة عظيمة، لأنه لا يلجم الخصم فقط بل يعلمه أسس التفكير الصحيح وعدم الانحياز لجهة معينة فقط بسبب انتمائه إليها.

وقد كثرت الشواهد على هذا المعنى في القرآن الكريم، فنلحظ أن الله دائماً يطلب من المخالفين إظهار البراهين العلمية وعدم الركون إلى الأمور الظنية: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]، ويردد دائماً على كل من يزعم ويدعي معتقدات باطلة {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

2.إيجاد نقاط الاتفاق
يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. يقول الزحيلي في تفسير هذه الآية: “قل يا محمد: يا أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى جميعاً- أقبلوا وهلموا إلى كلمةٍ عادلة وسطى سواء بين الفريقين اتفقت عليها جميع الشرائع والرسل والكتب التي أنزلت إليهم، فأمرت بها الصحف والكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وعبادة الله وتفويض سلطة التشريع والتحليل والتحريم إليه، وعدم الشرك به شيئاً، وعدم اتخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، كالوثن والصليب والصنم والطاغوت والنار”[2].

فالبحث عن نقاط الاتفاق يسهل لنا الحوار ويمكِّننا من تحديد نقاط الاختلاف، فعند النقاش مثلاً في مسألة العلمانية، يفيد جداً معرفة ما إذا كنت تؤمن بالله أم لا، وما إن كانت للقرآن حجية عندك، وهذا يجعل من الحوار أكثر دقة وأغزر فائدة.

3.الابتعاد عن مجاملة الخصوم
حيث نذكر هذا هنا في محاولة لوصف ما اعترى أسلوب التفكير الإسلامي الحديث بسبب الشعور العارم بالهزيمة أمام الحضارة الغربية، فأي إعجاز علمي -بغض النظر عن صحته- صار مقبولاً، أي عالم غربي أو حتى مغنية يؤمن، يصبح من كبريات الحجج الإسلامية، بل صار البعض يخجل حتى من ذكر أسماء علماء السلف ويحاول ليَّ عنق النصوص لتناسب أهواءه، وأيضاً هناك الحالة النفسية التي تصيب البعض عندما لا يستطيع هداية أحدهم، من حزن وتحسر أو حتى خوف على خلوده في جهنم، وهذا غالباً ما يحدث مع الآباء عندما يرتد أبناؤهم فيصيبهم الاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس وأحياناً التخلي عن العمل الدعوي، وقد كثرت الآيات التي تنبه على عدم نحو هذا السلوك، لأنه لا يورث في صدر الآخرين إلا الشعور بضعف وانهزامية هذا الدين وحتى استحقاراً لمن يدعو إليه، فيقول تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} [القصص:56]، وفي موضع آخر: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، و”باخع نفسك” تعني قاتلها ومهلكها أو مجهدها”[3]، والآثار جمع أثر أي على إثر توليهم وإعراضهم[4]. فالجميع يمتلك حرية الاختيار التي مهما تأثرت بالمؤثرات الخارجية لا تنعدم، فنبوة نوح عليه السلام لم تمنع كفر ابنه ولا ادعاء فرعون الألوهية منع إيمان امرأته.

ومن هنا يجب علينا عدم دخول الحوار بنفس خائرة فاقدة الثقة بتاريخها وحضارتها وثقافتها، وأن لا نجامل أحداً في ديننا بل نكون واضحين وصادقين معه، ونظل حريصين مع ذلك على هدايته وإخراجه من الظلمات إلى النور، ولكن يبقى شعارنا في هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].   

نماذج من الحوار القرآني
1.مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام مع الملك:

قال تعالى: {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].

يذكر الله تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحاججة[5].

ولربما يكون هذا الحوار الأكثر ملاءمة لما نعيشه نحن أبناء القرن الواحد والعشرين، فقد صار باب طرح الأفكار مفتوحاً على مصراعيه لمن هو مؤهل ولمن ليس بأهل، بل صار إنكار البديهيات والمسلمات من أهم شعارات ما بعد الحداثة، التي ما هي إلا انتكاسة الفطرة إلى السفسطة.

فهنا يبدأ الحوار بقول إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، متحدثاً عما أجمعت عليه البشرية بتفرد الله وحده بقدرة الإحياء والإماتة، فيرد عليه الملك بكل عجب ووقاحة: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}، يعني إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا أحدهما وعفا عن الآخر[6].

وهذه قمة السفسطة وانعدام المنطق، فمن الواضح أن الإحياء والإماتة ليس بهذا الشكل، وردُّ إبراهيم عليه السلام لم يكن بإعادة شرح معنى الحياة والموت والدخول في تفاصيل كلامية ستجعل النقاش ضبابياً غير واضح، بل انتقل إلى دليل هو أكثر سطوعاً وقوة، حيث قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فقدرة الله واسعة لا تنحصر بالإحياء والإماتة، والظالم لنفسه وللآخرين، لن يكون منه إلا الكفر والضلال والتكبر على الحق ورفضه، ومثل هذا لا ينال الهداية بحال من الأحوال.

2.حوار قابيل وهابيل:
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)} [المائدة:27-29].

وفي هذا الحوار بين قابيل وأخيه هابيل نتعلم معاني التريث والهدوء، فرغم مصارحة قابيل أخاه بالقتل، لم يهتج لهذا وسارع مباشرة لتهديده بالمثل، بل أجابه بأن الله يتقبل لمن يتقيه ويخشاه، ونجد أن هابيل عوضاً عن أن يغضب ويتوعد، يحاول أن يحذر أخاه وينبهه ويرشده بطريقة غير مباشرة، وإن كان يتحدث بضمير المتكلم لا المخاطب، فالكلمات التي قالها له فيها استثارة لعواطف قابيل وفطرته، ودعوة له للتفكر جيداً قبل الإقدام على هذه الخطوة، التي ستكلفه دخول جهنم والخسارة في الدنيا والآخرة.

يقول الله تعالى بعد ذلك: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30]، فلربما تشير هذه الآية إلى أن قابيل قد حادث نفسه بالفعل جراء ما سمع، ولكنها مع ذلك  سوغت له فعلته وطاوعته على قتل أخيه، وبهذا فإنه سن سنة القتل وصار ذنب كل من قتل من بعده في عنقه، ويا لعظم هذا من خسارة.

يوم الفصل
لقد تعددت الآراء و المذاهب والأفكار والمعتقدات التي آمن بها البشر، وتنوعت طبائعها وخصائصها، وكلهم يرون أنهم أهل الحق وأصحابه والباقي أهل الضلال، ولهذا كان الحوار وسيلة من وسائل الوصول للحقيقة، ولا يعني هذا أن الناس سيصبحون على ملة واحدة بذلك، فالله سيفصل بيننا بالحق بعد كل هذا النقاش والجدال، وأن هذا ما هو إلا بلاء منه، فهو القائل: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48]، ونجد في موضع آخر أن الله سيسأل الناس عن البراهين التي سوغت شركهم بالله عز وجل فيقول: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117]، فهناك كما يبدو نوع من الحوار النهائي يوم القيامة، وبعد ذلك لن يعذب الله  كل من لم تقم عليه الحجة أو تبلغه الرسالة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].


الهوامش

[1] البوطي، محمد سعيد رمضان(سنة النشر غير معروفة).أدب الحوار في كتاب الله عز وجل. (مكان النشر غير معروف): نحو القمة للطباعة والنشر.

[2] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج2 ط10 ص275. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[3] مخلوف، حسنين محمد (سنة النشر غير معروفة). وتفسير وبيان كلمات القرآن ص127. دمشق، سوريا: مكتبة دار الإحسان.

[4] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج 8 ط10 ص222. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[5] ابن كثير، إسماعيل (2001)، قصص الأنبياء ط1 ص146. دمشق، سوريا: دار الفيحاء.

[6] ابن كثير. قصص الأنبياء ص147. مرجع سابق.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
وهبة الزحيلي، التفسير المنير، دار الفكر:2009.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية: 1998.
معن محمود عثمان ضمرة، الحوار في القرآن الكريم، جامعة النجاح الوطنية: 2005.
محمد متولي الشعراوي، قصص الأنبياء، دار القدس: 2006.
عبد الرحمن حبنكة، فقه الدعوة إلى الله، دار القلم:1996.
عبد الرحمن حبنكة، ضوابط المعرفة، دار القلم: 1993.
محمد سعيد رمضان البوطي، أدب الحوار في كتاب الله عز وجل، نحو القمة للطباعة والنشر.
ابن كثير، قصص الأنبياء، دار الفيحاء: 2001.
حسنين محمد مخلوف، تفسير وبيان كلمات القرآن، مكتبة دار الإحسان.