image_print

الفردوس الأرضيّ .. عبد الوهاب المسيري والحضارة الأمريكيَّة

لا يُقدِّم لنا الدكتور “عبد الوهاب المسيري” في كتابه “الفردوس الأرضيّ” معلومات عن “الولايات المتحدة الأمريكيَّة” وحضارتها الحديثة؛ لكنْ يُقدِّم لنا ما يمكن اعتباره رؤيةً فلسفيَّةً تأسيسيَّةً في نظرنا لهذه الحضارة في بُعدها الأشمل. ولا يُقدِّم “المسيري” هذه الرؤية إلا عنْ دعامَتَيْنِ واضحتَيْنِ: مُعايشة هذا الواقع الأمريكيّ؛ حيث عاش في أمريكا بين عامَيْ 1963 – 1971م، والفهم النظريّ التأصيليّ لهذه المنظومة الأمريكيَّة. ليَخرج -ونخرج معه- من التجربة وقد امتلكنا رؤيةً تُفَلْسِف الحضارة المُسيطرة على العالَم في هذه العقود، رؤيةً أتتْ من خلفيَّة فكر إسلاميّ وبعينَيْنِ عربيَّتَيْنِ.

سأعمد في هذا المقال إلى التعريف بالأفكار العُظمى التي جاء بها “المسيري” في كتابه؛ لكنْ لا يحسن فعل ذلك دون التعريف بالكتاب الذي لمْ يُشتَهَر بينَ الناس على غير عادة إنتاج “المسيري” الذي يُمثِّل واحدًا من أكبر الكُتَّاب العرب مبيعًا. هذا الكتاب الذي صدر في “بيروت” عام 1979م لمْ يُعَدْ طبعُهُ إلا في “القاهرة” عام 2014م عن دار “تنوير” -وهي الطبعة التي اعتمدت عليها-. وفيه يُدوِّن “المسيري” التجربة في أبواب أربعة؛ مُرتكزًا على عرض فكرته عن الفردوس الأرضيّ، مُعضِّدًا إيًّاها بالكثير من ملامح الحياة الأمريكيَّة في الستينات والسبعينات؛ التي تؤكد على نظرته أو تُبيِّن آثار المُنحنى الفكريّ للتجربة على الأمريكيِّين.

عبد الوهاب المسيري

وقد استخدم منهجًا أقرب إلى التفكيكيَّة، مُعتمدًا على فعل التحليل التأمُّليّ. والكتاب سهل للقارئ العاديّ؛ إلا أنَّه يدخل حيِّز الصعوبة في بعض الأحيان. ومن الطريف في الكتاب أنَّ الكاتب -على عادته- يستخدم أسلوب السخريَّة ويميل إلى نقد بعض الأفكار بالتعبير عنها بصورة مُضحكة. منها تعليقه على فكرة النجاح عند اليهوديّ “بودورتز”: “أخيرًا الآلهة الحقيقيَّة اللُّوكس؛ فحتى الآن كنا نتعبَّد لآلهة درجة ثانية”. وسأبدأ بتعبيره عن الحياة في “أمريكا”، ثمَّ أثنِّي بأهمّ أفكار الكتاب.

المسيري والحياة الأمريكيَّة

أهمُّ ما يُطالعنا عندما ننظر لهذا المُجتمع الأمريكيّ من نظَّارة “المسيري” أنَّه مُجتمع شَرِهٌ تجاه استهلاك السِّلَع بمُختلف أصنافها؛ ولعلَّ هذه الرؤية من الداخل تردُّ على الوهم الذي ربَّانا عليه مُثقَّفونا العابدون للغرب؛ من أنَّ الأمريكيِّيْن أُمَّة تصنيع وعمل، لا أُمَّة استهلاك كما العرب! -وبغضّ النظر عن أنَّ استهلاكيَّتنا قد بدأتْ عندما مشينا على خُطا النموذج الأمريكيّ، وعلى إعاناته-. وكذا سنعرف سهولة التحكُّم في المجتمع الأمريكيّ؛ الذي يرتضع وعيَه من “ماما الإعلام”، الذي بدوره يدين بالولاء الكامل لرأس المال وإملاءاته.

سنجد مُجتمعًا تسيطر عليه الرأسماليَّة وتُخضع كلَّ مَن فيه إلى قواعدها؛ التي تستغلُّ الجميع مُقابل فُتات لا يُذكر. مُجتمعًا لمْ تتركْ له أحبالُ الحياة التي تلتفُّ حول رقبته فرصةً للاهتمام بالعالَم الخارجيّ. وسنجد “المسيري” يُسجِّل قمع المُعارضين مثلما حدث مع “اليسار الأمريكيّ” -الذي يتبع المنظومة الشيوعيَّة في الأُفُق الكُلِّيّ-، وكيف تحوَّلَ إلى كيان مُدجَّن مُقلَّم الأظافر. وسيُنبِّه على حالة الاختناق المُجتمعيّ من أُطُر التجربة الأمريكيَّة التي ولَّدتْ طُرُقًا للاحتجاج عليها.

من تلك الطُرُق حركة “الهِيبي” أو “الهيبيز” التي اجتاحتْ “أمريكا” في تلك الآونة؛ اعتراضًا على نموذج الرجل العصاميّ الناجح الذي يبني نفسه بنفسه من الصفر، الذي تقدِّمه التجربة. فقد أتتْ تلك الحركة لتُقدِّم الفشل وتُعلي من قيمته اعتراضًا على هذا النموذج. وكذا من الطُرُق تنظيماتٌ دينيَّة شتَّى مثل “أهل يسوع”، وحركات وتنظيمات عديدة للأمريكيِّين السُّود اعتراضًا على ما يُعانونه من ألوان اللاإنسانيَّة المُستفحلة في بلاد “الحريَّة والتقدُّم”! لكنَّ جميع هذه الأشكال الاعتراضيَّة لا تستطيع الوقوف أمام طوفان تيَّار المُجتمع العامّ.

حركة "الهِيبي" أو "الهيبيز" في الفردوس الأرضسّ

“الهِيبي” أو “الهيبيز”

ويُقارن “المسيري” في بابه الثالث بين نموذجَيْنِ، أحدهما يهوديّ هو “بودورتز” الذي انسجم مع الحُلم الأمريكيّ العظيم، وراح يُمحور نجاحه على منظومة الأهداف الأمريكيَّة؛ التي ترى النجاح في تحقيق أكبر قدر من الكسب الماديّ والمكانة الاجتماعيَّة المَظهريَّة. والنموذج الآخر مُسلم هو “مالكوم إكس” الذي لمْ ينسَقْ وراءَ الحُلم الأمريكيّ الزائف، لكنَّه أسلم ورأى الأشياء على حقيقتها وفي نصابها دون شطط. ولعلَّ هذا الباب يُعبِّر “المسيري” من خلاله عن زاوية نظره التي تُعظِّم الإسلام دون تدخُّل شخصيّ. لأنَّه لمْ يُحاكِم الحضارة الأمريكيَّة من منظور الرؤية الإسلاميَّة.

وسيُحدِّثنا عن حركات “النسوية” العديدة التي طفحتْ على سطح المُجتمع الأمريكيّ. ونشهد معه اشتهار الدعوة إلى التخلُّص من الرجال، والدعوة إلى حثّ العُلماء على إيجاد طريق للتناسُل بين النساء وحسب، واشتداد الدعوة إلى الإجهاض، وسائر المظاهر في ذلك الأتون المُستعر للنِّسويَّة؛ التي -ويا للأسف!- نجد مُجتمعاتنا تنجرُّ إليها -أو تُجرُّ- بقوَّة وعُنفوان.

التشابه بين الحضارتَيْن الأمريكيَّة والصهيونيَّة

تُطالعنا فكرة التشابُه بين الحضارتَيْنِ الأمريكيَّة والصهيونيَّة جليَّةً واضحةً على صفحات عدَّة من الكتاب. وأستطيع أنْ أُمركِز التشابُهات في وحدة الأصل الفكريّ؛ حيث حُلم الصهيونيَّة عند الحالِمين به من اليهود، وكذا وجود أصله عند الطائفة التي سيطرتْ على مُؤسِّسيْ “الولايات المُتحدة الأمريكيَّة”؛ وهي طائفة “البيوريتانيُّون” أو “التطهُّريُّون”. هؤلاء التطهُّريُّون هُم طائفة من الطائفة البروتستانتيَّة الأوربيَّة المُتطرِّفون، رأوا أنَّ البروتستانتيِّين الأوربيِّين لمْ يخالفوا الكاثوليك بشكلٍ كافٍ، فاعتزلوهم وراحوا يحلمون بتحقيق حُلمهم على تلك الأراضي الجديدة -وقتئذٍ-، بل صرَّحوا بإقامة “صهيون” خاصّ بهم عليها.

وكذا آمَنتْ الحضارتانِ -أو الشعبانِ لحضارة مُتشابهة- بفكرة “الرِّيادة”؛ وتعني أنَّ الأرض التي قَدِمُوا لها -أمريكا وفلسطين- أرض بلا شعب. وأنَّهم مَن أحيوا هذه الأراضي من الموات، وصارتْ بذلك ملكَهُم الأصيل. وكذا آمنتَا بأنَّ كُلًّا منهما ذات رسالة عُليا تفوق فكر وطموح بقايا البشر الموجودِين على هذه الأراضي؛ لذا يجب أنْ يخضع لهما الجميع. وبعد التشابُه في البنية الفكريَّة التي بدأتا بها؛ لَحَظَ “المسيري” أنَّ كُلًّا منهما بدأ احتلاله للأرض بإنشاء مُستعمرات عسكريَّة زراعيَّة، وبإقامة مذابح وإبادات جماعيَّة شتَّى تقتلع أصحاب الأراضي الأصليِّين من جذورهم.

ثُمَّ بعد إقامة كُلٍّ من الدولتَيْنِ اشتركا في النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ، وكذا الفلسفة العموميَّة البرجماتيَّة -سيأتي الحديث عنها-. إلا أنَّه في مواضع نبَّه إلى خياليَّة مُغرقة للطرح الصهيونيّ، وأنَّه يُؤمن بانتصاره الحتميّ على الآخرين، بخلاف “أمريكا” التي لا تعتقد هذا. ومن شدَّة تشابُه التجربتَيْنِ صرَّح بأنَّ الفارق بينهما مساحة الدولتَيْنِ على الأرض، وتاريخ طويل يَدَّعِيْه الصهاينة.

لكنَّ العيب الأكبر في الحضارة الأمريكيَّة والكيان الصهيونيّ هو فشلهما في إقناع الآخريْن بمشروعَيْهما. فها هي “أمريكا” تُعاني التفكُّك والتشرذم الداخليّ، وها هو الكيان يرى أكبر تجمُّعَيْن لليهود في العالَم في “أمريكا” و”الاتحاد السوفيتيّ” لا على الأرض الفلسطينيَّة كما أراد. وهذا تصريح تطبيقيّ للنظريَّة الفردوسيَّة التي يرى “المسيري” حتميَّة فشلها.

فكرة الوجود الإنسانيّ .. وتداعيات اختلاله

يعتبر “المسيري” الوجود الإنسانيّ مُشكَّلًا من عنصرَيْنِ: عنصر الوجود الطبيعيّ؛ وهو الوجود الحيوانيّ للإنسان، الذي يخضع لحُكم تركيبه، أو الوجود في “الجسد” الإنسانيّ. أمَّا العنصر الآخر -أو بالأدقّ العِماد الآخر- هو الوجود التاريخيّ؛ وهو في مفهوم عامّ كلُّ ما يجعل الإنسان إنسانًا ويُميِّزه عن طوره الجسديّ. ويقصد به كلَّ المعاني التي تُشكِّل الإنسان المفرد وتُقيِّده، ويُشير حديثُه المُتناثر إلى إدخال عناصر عُظمى كالدين والمنظومة القِيَميَّة في تشكيل هذا الوجود التاريخيّ. وهذا الوجود يربط الأُمَّة بماضيها ومُستقبلها، وهو أيضًا يُمثِّل المُراعاة لخطِّ سير التاريخ الإنسانيّ العامّ. والحضارة الناجحة هي التي تستطيع الموازنة بين الوجودَيْنِ ومُتطلَّبات كُلِّ منهما. فكما تُراعي وجود الإنسان الجسديّ لا يمكن أنْ تغفل وجوده التاريخيّ. ولا شكَّ واضحٌ تأثيرُ خلفيَّة “المسيري” الحضاريَّة على إقراره هذه الموازنة.

وهذه الفكرة التي بدأ بها الكتاب هي مِفتاح الكتاب كلّه -وإنْ بدا أنَّها فكرة قد خلَّفها وراءه-. فقد أرجع “المسيري” سقوط الإنسان في العصر الحديث؛ خاصةً إنسان الحضارة الغربيَّة إلى الإخلال بمُعادلة الوجود الإنسانيّ. بتغليب وجوده الطبيعيّ على وجوده التاريخيّ؛ وهذا التغليب حَصَرَ رؤية الغرب في فكرة “التقدُّم” التي بدأت تحتلُّ اهتمامَه لخدمة الإنسان، ثمَّ صارتْ هدفًا في حدّ ذاتها بغضّ النظر عن خدمة الإنسان نفسه. وصار الغرب في سباق مَحمُوم لإدراك هذا التقدُّم عن الآخرين بأيّ ثمن.

بل في منظور آخر أرجَعَ “المسيري” تراجُع حضور الأديان لهذا الاختلال؛ فقد أبدل إنسانُ العصر الحديث بالغيبيَّة العقائديَّة -التي سمَّاها بالتقليديَّة- “غيبيَّة عمليَّة”. ورأى أنَّ العلم هو خلاصه الوحيد، وشيئًا فشيئًا بدأ يعبده، ويصبغ عليه كلَّ سمات القداسة التي كان يشتكي منها في الغيبيَّة العقائديَّة.

فكرة “الفردوس الأرضيّ”

“الفردوس الأرضيّ” هو المُصطلح الذي عبَّر به “المسيري” عن مُحاولات الإنسان في العصر الحديث لتغيير مجرى الأحداث لصالح إنشاء نموذجه الخاصّ، وتحقيق ما يُريده من أسلوب مُجتمعيّ وحياتيّ بغضّ النظر تمامًا عن مُحدِّدات أو موانع هذه المُحاولات. وهو المُصطلح الذي يُقابل المُصطلح القديم “الفردوس الغيبيّ أو الأُخرويّ” الذي يعتمد على رؤية ما بعديَّة؛ أمَّا أصحاب “الفردوس الأرضيّ” فلمْ يُعوِّلوا كثيرًا على الانتظار، وأرادوا ما أسمَوْه “فردوس هُنا والآن”، ولا تسويف بعد اليوم.

والنزعة الفردوسيَّة هذه ضدّ الإنسان التاريخي؛ أيْ الإنسان في سياقه التاريخيّ. فالإنسان الفردوسيُّ -أيْ المُؤمن بتلك النزعة- إنسانٌ مُعادٍ للتاريخ وقانون الحياة، يريد التخلُّصَ من حُكمه وإخضاعَ جميع عناصر الحياة لحُكم ما يهوى، وإقامةَ فردوس لنْ يتحقَّق أبدًا؛ لأنَّ الدنيا المُرتبطة بالزمان والمكان والإنسان وعلاقاته لا يمكن أنْ تصلح محلًّا لهذا التصوُّر الفردوسيّ. وهذا الفردوس هو لحظة السكون المُطلَق التي لا يدرك الحالِمُ بها استحالة وقوعها في عالَم يقوم على النسبيَّة والتصارُع والتدافُع.

وبدأت الفكرة -كما رأى- مع العصر الصناعيّ، وتحكُّم الرأسماليَّة (وهنا أنوِّه إلى أنَّ “المسيري” كان مُتعاطفًا مع الماركسيَّة، ولعلَّ تفسير هذا التعاطُف من عدَّة جهات يضيق المقام عنها). وبدأتْ تتوسَّع هذه النزعة وتلك الحساسيَّة لإدراك الفردوس منذ العصر الحديث في فكرة “التقدُّم”، وتحقيق فردوس السِّلَع الأرضيّ، وإدراك الحالة الفردوسيَّة عن طريق إشباع الرغبات الإنسانيَّة، بل إتخامها حتى الثمالة.

وبالقطع قدَّمَ “المسيري” هذا المُصطلح؛ وفي القلب من أهدافه تلخيص الحضارة الأمريكيَّة في كلمتَيْن، وكذا دولة الكيان الصهيونيّ. فليس أصدق من هذا المُصطلح في التعبير عن عُمق التجربتَيْنِ! فكلتاهما بادَرَ وأنزل إرادته على الواقع، دون أيّ اعتبار لمعقوليَّة ما يُريده، أو لتكلفته وما سيُسبِّبه للآخرين من دمار. وكلتاهُما اعتقدت أنَّها ستُحقِّق فردوس الأرض ثمَّ تصل بعدها إلى مملكة السلام والسماء التي لا يُكدِّرها مُكدِّر. ثُمَّ ما زالت كلتاهُما تتأكَّدانِ أنَّ ما رأياه في المقدور يبدو في بند المُحال أدخل.

تقديم “المسيري” للفلسفة “البرجماتيَّة”

وبما أنَّه لا يمكن دراسة تجربة دون درس ظهيرها الفلسفيّ الأكبر؛ فقد انصبَّ “المسيري” في عرضه على البرجماتيَّة وخصَّصَ لها آخر مبحث في بابه الأوَّل، دون الرأسماليَّة التي بثَّ نقدها على طول الكتاب. والفلسفة البرجماتيَّة -المذهب الفلسفيّ للتجربة الأمريكيَّة- هي إحدى الفلسفات الحديثة والمُعاصرة، وهي مُتفرِّعة من تاريخ طويل لفلسفات اللذَّة والمنفعة. وباختصار تتمحور أكبر دعائمها في إخضاع المبادئ للنتائج، وأنَّ الأفكار -مهما بلغتْ في ذاتها من رسوخ وصحَّة- هي مجرَّد مشاريع، تثبُتُ فقط حين يختبرها الواقع وتثمر النتائج المرجوَّة منها. وأنَّ الحقائق في ذاتها لا اعتبار لها إلا باعتمادها على واقع فعليّ. هذا ما يُمكنني إضافته في عجالة؛ لكنْ كيَّف عرَّف “المسيري” البرجماتيَّة؟

يرى “المسيري” أنَّها فلسفة تبدأ من مُسلَّمة أنَّ الإنسان يعيش في خطر وسطَ عالَم مُوحِش. لذا يجب ألا يشغل نفسه بالفكر، وأنْ يتقدَّم للفعل ويُعلي من قيمته. وهي تُصوِّر “الواقع” على أنَّه ما يراه الشخص ويقتنع به، لا ما عليه الشيء حقًّا. وبذلك تصير المعرفة نسبيَّةً ذاتيَّةً لا وجود لها في خارج أذهاننا. وترى القِيَم -ومنها الأخلاق والسلوك- هي ما نتفق عليه، لا يُملَى علينا. والحقيقيّ هو ما ينجح، ويستطيع فرض نفسه على التيار العامّ. وكي أُوضِّح هذه الأُسس بمثال؛ ففي نظر البرجماتيَّة أنَّ الأغاني الشعبيَّة بالغة القُبح (المهرجانات) أفضل وأقرب للبشر من أشعار شوقي؛ لأنَّها نجحتْ -آنيًّا- في الوجود، وفرضتْ نفسها على الخطّ العامّ.

كما تُولِيْ البرجماتيَّة مكانةً خاصَّةً للشخص “العبقريّ”؛ حيث لا تعدُّه شخصًا عاديًّا بل هو مُعطًى، وأنَّه ثروة الأُمم، بل العباقرة هُم مُغيِّرو الطبيعة. وبالقطع لهذا تُوليهم حقوقًا ليست لغيرهم؛ ولهذا نجد احتفاءً بشخصيَّة الكاوبوي -الذي قد يحقِّق صورة السوبرمان عند “نيتشه”-. ولهذا أيضًا تحتفي بالرأسماليّ ودوره في تغيير الواقع. ومثالٌ أطرحه للتبسيط على العبقريّ والرأسماليّ في الآن نفسه “ستيف جوبز” صاحب شركة “آبل”، ولعلَّنا الآن ندرك لماذا كلُّ هذا الاحتفاء به.

لكنَّ “المسيري” يتعجَّب من جمع البرجماتيَّة الأمريكيَّة بين المِثاليَّة والماديَّة في تصوُّرها. فهي ماديَّة بكلّ ما تُوليه للواقع من معياريَّة، وهي مِثاليَّة بإيمانها بدور الرأسماليّ كدعامة لتغيير الواقع، وبإيمانها بالفرد الحُرّ الذي لمْ يتقيَّد إلا بالدولة من خلال فكرة “العَقد الاجتماعيّ”. وكذلك في تطبيق الصهيونيَّة للبرجماتيَّة؛ فهي مِثاليَّة بتأسيسها على دعامات دينيَّة وأسطوريَّة تاريخيَّة، رغم أنَّ أفعالها وحاضرها كلَّه مبنيّ على الماديَّة الصِّرفة. بل إنَّه يرى أنَّ البرجماتيَّة الصهيونيَّة أكثر طوباويَّة وعجائبيَّة في إصباغ المثاليَّة على تصوُّرها من تلك الأمريكيَّة.

هذه السُّطور أكتبها تشجيعًا للقارئ الكريم على الإقدام في قراءة “الفردوس الأرضيّ”، والتفكير فيه، وتوالي البحث والنقاش. وبهذا نُحقِّق مجتمع الوعي، وندرك ما رجاه “المسيري” -رحمه الله- لنا.

ماذا بعد بطلان الأدلة العلمية على نظرية التطور؟ .. الجواب في كتاب (لا شيء بالصدفة)

بيّنّا في مقال سابق تهافت الأدلة التي ساقها أحمد خيري العمري في كتابه (لا شيء بالصدفة) على نظرية التطور، والتي كما قلنا لم تزد مساحتها في الكتاب عن بضع وثلاثين صفحة، من أصل 520 صفحة، هي عدد صفحات الكتاب المذكور، فما الذي يحتويه الكتاب إذن في بقية صفحاته؟

تفترض بقية صفحات الكتاب أن خرافة التطور -التي فشل الكاتب تماماً في تقديم دليل مقنع عليها- هي أمر مُسَلَّم به ولا جدال فيه، فلا عجب أن كانت بقية الكتاب، هي مجموعة من المغالطات والافتراضات، لأنها قائمة أصلاً على خرافة باطلة.

من ذلك محاولات الكاتب اليائسة في التوفيق بين النظرية والإيمان، بين خرافة تطور الإنسان من أسلاف مشتركة مع الشمبانزي، وبين ما جاء في القرآن الكريم، ولا سيما قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام. ومن ذلك أكثر من مائتي صفحة حاول فيها الرد على ما جاء في سلسلة (رحلة اليقين) للدكتور إياد القنيبي، وهي سلسلة علمية في غاية الدقة والتوثيق العلمي، قام مقدمها بالتفنيد العلمي المحكم لنظرية التطور، وأثبت أنها مجرد (خرافة) وليست نظرية علميّة، أما محاولات العمري في الرد عليها، فما أراها إلا تأكيداً للفرق بين من يتحدث بالدليل العلمي القاطع، وبين من يبني استنتاجاته على شفا جرف هار من فرضيات بعيدة كل البعد عن العلم والدليل العلمي، وفي الفقرات الآتية من المقال لمحات مقتبَسَة من المغالطات التي امتلأ بها كتاب (لا شيء بالصدفة).

مزاعم التطوريين حول نشوء اللغة

يقول العمري “هناك اعتقاد علمي راسخ يربط اللغة التي تميز الإنسان العاقل بالحمض النووي” [ص: 120]، ويجدر الإشارة إلى أن الأخ أحمد يقول ذلك، رغم أن المراجع التي يضعها في هامش كلامه ليس فيها ما يفيد بوجود “اعتقاد علمي راسخ”!؛ إذ إن نشوء اللغة يعتبر من أكبر الألغاز التي ما زال العلماء في حيرة من أمرها، وكل ما قالوه حتى الآن في هذا المجال، مجرد فرضيات لا دليل عليها، ومن بينها فرضية (نعوم تشومسكي) التي ذكرها في الصفحة 121 من الكتاب:  “حيث يعزو لغة الإنسان التي ميزته عن كل الحيوانات الأخرى إلى طفرة جينية واحدة أنتجت جيناً واحداً فقط عند فرد واحد”، ورغم أن الأخ أحمد لا ينكر بأن الكثيرين من العلماء يختلفون مع فرضية تشومسكي، وأنه “لم يتم حتى الآن العثور على جين واحد بعينه يكون مسؤولاً على التعبير”. إلا أنه يعود ليقول: “لا يستبعد بعض العلماء أن تكون هذه الطفرة قد حدثت لفرد واحد فقط، ومن ثم انتقلت منه وسادت حتى تكونت 7000 لغة في عالم اليوم” [ص: 122].

نعوم تشومسكي

يتابع العمري قائلًا: “رجل واحد؟ هل يمكن ألا نربط كل ما مضى، بشيء آخر مر معنا في النسخة القرآنية من قصة آدم عليه السلام؟ {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقال أنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]، علّم آدم الأسماء؟ هل هي اللغة؟ القدرة على التجريد؟ هل هي المقدرة الدماغية على ذلك؟ من الصعب جدًّا عدم الربط بين الأمرين”. انتهى كلام الأخ أحمد.

أقول للأخ أحمد: هدانا الله وإياك إلى الصواب، على أي أساس تقول: إنه “من الصعب جداً عدم الربط بين الأمرين”؟! بل إن هذا الربط هو من العبث والاستهانة بكلام الله تعالى، فكيف نربط فرضيات لا تعدو أن تكون رجماً بالغيب، لا دليل علمي عليها، وما زال العلماء يحاولون حل ألغازها، بآيات الله البينات؟ لماذا تقحم كتاب الله وكلامه اليقيني في أبحاث ما زالت في طور الظنون والفرضيات؟

طبعًا فإن في قولك: “النسخة القرآنية من قصة آدم” إشارة إلى وجود نسخة (تطورية) ذكرتها في كتابك، وذلك لا يمكن قبوله، فهل يوجد نسخ أخرى غير النسخة القرآنية؟

قصة خلق آدم في القرآن هي الوحيدة التي نسلِّم بها لأنها تنزيل الخالق الحكيم الخبير، وكل محاولة للتوفيق بين كلام الله وبين خرافات العلم الزائف مصيرها الفشل.

الأسلاف المشتركة الوهمية

ذكر د. أحمد خيري العمري مصطلح (السلف المشترك) و(الجد المشترك) و(النسب المشترك) 33 مرة، ولكن لم يحدد سلفاً مشتركاً واحداً بين أي كائنين بالاسم!

وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال: لماذا؟

دعوني أخبركم لماذا.. لأن السلف المشترك لأي كائنين من الأحياء هو محضُ وهم لا وجود له، هو مصطلح يردّده دعاة الخرافة بكثافة على أمل أن تحظى بالتصديق، فإذا سألتهم عن السلف المشترك لأي كائنين، أجابوا: لم نعثر عليه حتى الآن ولكن سنعثر عليه بلا شك، لأن نظرية التطور نظرية (تنبؤية)!، وقد تنبأت بذلك.

ومعنى هذا الكلام أنهم يضعون النظرية، ثم يبحثون عن الأسلاف المشتركة، فإذا لم يجدوها قالوا: إن النظرية صحيحة ولا بد أن نجد الأسلاف المشتركة!.

ولا تحسبنّ أني أمزح، فهذا كلام جدي يرددونه دائماً، وهو ينطبق على السلف المشترك بين الإنسان والشمبانزي، والذي ما فتئ التطوريون يصدعون رؤوسنا به، ثم يعترفون بأنهم لم يجدوه حتى الآن، وأتحداهم بالقول: إنهم لن يجدوه.

وعن هذا كله يحق لنا أن نتساءل: أهذا هو المنهج العلمي؟

يقول العمري في كتابه عن السلف المشترك بين الإنسان والشمبانزي: “رغم أن آخر سلف مشترك لم يحدد حتى الآن، إلا أن هناك ترشيحات عديدةـ من ضمنها أحفورة لجمجمة كاملة عثر عليها عام 2017” [ص: 510]، يا لبؤس هذه الكلمة: “ترشيحات” وهل هذه لغة علم أم لغة انتخابات برلمانية؟

ثم وضع العمري رابطاً لمقال –لمن يحب قراءته- في مجلة (ساينس) الأمريكية، حول هذه الجمجمة (المرشحة)، عنوانه “جمجمة لقرد رضيع تلقي ظلالاً على أسلاف البشر والقرود المعاصرين”.

إذًا فإن الجمجمة باعتراف المجلة (جمجمة قرد)، وأترك للمهتمين من القراء أن يقرؤوا مقال مجلة (ساينس)، ليعلموا أن ما أثارته هذه الجمجمة من أسئلة واضطراب بين التطوريين، أكثر مما أجابت عليه، وأرجو أن تركّزوا على تفاصيل المقال ولا يغرنكم عنوانه البراق، فهذه من متطلبات الصنعة الصحفية.

النظرية التنبؤية وملايين الأحافير!

لنقتبس هذه العبارة:”من صفات النظرية العلمية قدرتها التنبؤية predictive أي أن تكون هذه النظرية، قد توقعت أول ظهورها نتائج معينة لم يكن عليها أي دليل وقت ظهور هذه النظرية. من الأمثلة الكلاسيكية على هذه القدرة التنبؤية: توقع اكتشاف نيبتون بناء على حسابات رياضية مبنية على نظرية نيوتن للجاذبية.”.ا.هـ [ص: 509]

ولنا تعليق على ذلك من ثلاث نقاط:

أولاً: إن اكتشاف كوكب نيبتون كان كما قلت تماماً دكتور أحمد، بناء على حسابات، وليس تنبؤات، أي أنها حسابات يقينية دقيقة، وثمة فرق واضح وشاسع بين الحساب الدقيق القائم على قوانين الفيزياء، وبين التنبؤ الذي لا أساس له من العلم.

ثانياً: إن حسابات اكتشاف نيبتون كانت مبنية على (قانون نيوتن) وليس على (نظرية نيوتن)، والفرق بينهما كبير، وقد بينت أنت بنفسك الفرق بين النظرية والقانون في الصفحة 32 من كتابك نفسه.

ثالثاً: حديثك هنا عن نظرية التطور، فلماذا تقفز بنا إلى كوكب نيبتون وإلى نيوتن وقانونه في الجاذبية لتأتي بمثال؟ طبعاً لأن تنبؤات نظرية التطور مجرد خيالات لم تتحقق، فيهرب التطوريون إلى علوم أخرى ليأتوا بأمثلة، في شيء مشابه لما في المثل الشعبي: (القرعة تتباهى بشعر بنت خالتها)!.

أما نبوءة دارون التي ضربت بها مثالاً على القدرة التنبؤية للنظرية، والتي تقول بأن العلماء سيجدون أحافير انتقالية تؤكد نظريته، فإن الذي حدث هو العكس تماماً، لأن مئات الملايين من الأحافير التي عثر العلماء عليها بعد دارون، جاءت على عكس ما تنبأ، وأكدت بطلان نظريته، ونستشهد هنا بقول العالم البروفيسور “ماتي ليسولا” في كتابه النفيس (رحلة عالم من الدارونية إلى التصميم): “المشكلة التي تعاني منها الدارونية أكبر من فشل الأحافير التي يعتمدون عليها في إثبات النظرية، المشكلة في طبيعة سجل الأحافير، فهذا السجل يظهر بجلاء أن الحيوانات الجديدة تظهر فجأة في طبقات الأرض، ثم تعيش فترة طويلة دون أن يحدث عليها أي تغيير، ثم تختفي أو تنقرض فجأة كما ظهرت”.

يضرب العمري مثالاً عن القدرة التنبؤية للنظرية الخرافة فيقول في الصفحة المذكورة أعلاه:
“نظرية التطور كانت لديها توقعات كثيرة: توقع داروين أن عمر الأرض أكثر بكثير مما كان يعتقد في عصره، وتبين أنها أكبر حتى من توقعاته، توقع وجود (أحافير انتقالية) في وقت لم يكن هناك فيه أي منها، وفعلا تراكمت الملايين منها لاحقاً” ا. هـ.

هل حقاً؟! هل تراكمت ملايين الأحافير الانتقالية؟، أقل ما يقال عن هذا الكلام إنه كذبة واسعة جداً يا سيدي، ليتك تقول للناس كلاماً قابلاً للتصديق. أين هي “ملايين الأحافير الانتقالية”؟

حسنٌ؛ نتحدى الكاتب وكل التطوريين أن يقدموا لنا -من بين تلك الملايين- أحفورة انتقالية واحدة، واحدة فقط، للسلف المباشر لأي كائن حي يعيش على الأرض اليوم، سواء كان فيلًا، أو صقرًا، أو فراشة، أو سمكة، أو شمبانزي، إلخ.

عندما (أرادت) السمكة الخروج من الماء!

في الصفحة (260) من الكتاب كتب د. أحمد خيري العمري: “الزمان: 400 مليون سنة من الآن.. تقريبًا. المكان: سطح الماء. غير بعيد عن الشاطئ.

المناسبة: أول شهقة هواء، خارج البحر. إنها الغوغوناسوس Gogonasus. سمكة لا يتجاوز طولها نصف متر كانت تمتلك فتحات أعلى رأسها ساعدتها في أن تتنفس الهواء الخارجي، تخرج القليل من رأسها فقط، بحيث تبقى عيناها تحت الماء، تأخذ شهقة من الهواء، ثم تعود. كل ما أرادته وقتها هو المزيد من الأوكسجين. النجاة فقط في مياه ضحلة قل فيها الأوكسجين. ً لكن هذه كانت أول خطوة في الطريق إلى عالم آخر. مختلف تمامًا، بالتدريج، جاءت أجيال جمعت بين القدرة على التنفس في الهواء والتنفس في الماء”. ا. هـ.

من يقرأ هذه السطور يظن أن الكاتب كان موجوداً قبل 400 مليون سنة، يراقب السمكة عن كثب! بل ويعلم ما تفكر به وتشعر! وما تريد وما تطلب! لكن الكاتب لم يقل لنا: أكانت تلك السمكة تملك جهازاً لتنفس الهواء الذي استنشقته مع (الشهقة الأولى)؟

إن كان الجواب: لا، فما فائدة هذه الشهقة؟ وإن كان: نعم، فلماذا يتطور جهاز لتنفّس الهواء في سمكة تسبح تحت الماء وما خرجت للهواء قبل تلك الشهقة؟

لم يخبرنا الكاتب كيف تطور جهاز تنفس الهواء؟، وكم عدد الطفرات اللازمة (حسب قولهم) ليصبح للسمكة رئتين؟ ثم لتضمر خياشيمها، ثم…ثم…ثم، لتصبح حيوانا بريًّا؟. وكم عدد الأجيال اللازمة لهذا التطور؟ وأين الدليل على حدوثه؟.

انظروا إلى قوله: “بالتدريج جاءت أجيال تجمع بين القدرة على التنفس في الماء والتنفس في الهواء”، ومن يقرأ بقية الفصل الذي وردت فيه هذه الحكاية الخرافية، سيجد أن الكاتب يريد أن يقول (وبالتدريج صارت السمكة بشراً سويًّا)، وهنا -لخداع القراء وإضفاء صفة العلم على هذه القصة الخرافية-، يضع الكاتب خمس روابط لمراجع أجنبية يريد بها الاستشهاد على خرافته، وسيجد القارئ العزيز روابط هذه المراجع أسفل هذه السطور، ومن يجيد اللغة الإنكليزية فليقرأ محتويات تلك الروابط، وسيجد أن كل ما فيها مجرد جبل من الأوهام بناه التطوريون على أحفورة لجمجمة سمكة، وجدوا فيها فتحة أعلى رأسها، فصاحوا كما صاح أرخميدس: “وجدتها.. هو ذاك” وكأنّ هذه الفتحة هي الدليل القاطع على أن كل الكائنات البرية التي تجري على أربع وتتنفس الأوكسيجين من الهواء برئتيها، أصلها أسماك كانت تسبح بزعانفها وتتنفس الأوكسيجين من الماء بخياشيمها. وهذه مراجع الكاتب، فاقرؤوا لتتأكدوا.

إن ما نستنتجه من السطور أعلاه، هو التأكيد للقاعدة المعروفة: (ما بني على باطل فهو باطل)، لأن بطلان الأدلة العلمية على خرافة التطور سيؤدي بالتأكيد إلى بطلان وتهافت كل ما بني عليها.

مصادر تطورية حول جمجمة السمكة:

https://www.nature.com/articles/ncomms4022

http://www.australasianscience.com.au/article/issue-april-2014/first-breath.html

https://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-2547404/Land-animals-learned-breathe-air-UNDERWATER-Ancient-fish-ancestor-used-large-valves-head-suck-air.html

http://www.australasianscience.com.au/article/issue-april-2014/first-breath.html

https://www.cambridge.org/core/books/evolution-and-development-of-fishes/evolution-of-air-breathing-and-lung-distribution-among-fossil-fishes/421CE830FE383279BE94CE98F97DB79B

أحداث خيالية في المستقبل القريب

المشهد الأول

جلس حسن في صالة منزله وهو يحل ربطة عنقه السوداء بعد عودته من دفن والده الحاج تامر. ضم يديه تحت ذقنه وهو ينظر للأرض غير مصدق أنه قد فقد أباه ولم يعد له وجود في حياته. أخذ نفَسًا عميقًا وعاد ليفرد راحتيه مخفيًا وجهه خلفهما وهو يزفر كما لو أنه يلفظ جاثومًا على صدره.

– هوّن عليك يا حبيبي.

رفع حسن رأسه ليجد زوجته نانسي تقف أمامه وتطالعه برأفة، فوقف على قدميه وعانقها قائلًا بصوت منكسر:

– لقد رحل ولم يتسنّ لي أن أودّعه.

تنحنحت نانسي مع ابتسامة متردّدة:

– إن أردت يمكنك أن تستخدم أليكسا.

عقد حسن حاجبيه ونظر مباشرة لعينيها:

– تعلمين أنني لا أحب المشاعر الكاذبة أليكسا فقط لإدارة شؤون المنزل والإنترنت، وليس لإدارة شؤون حياتي الشخصية.

لوّحت نانسي بيدها وقالت:

– لولا أليكسا لما استطعتُ تجاوز وفاة أمي، أتعلم.. ما زلت ألجأ إليها من وقت لآخر. حقيقة أشعر أنني فعلت الصواب عندما أقنعت أمي بإعطاء أمازون تصريحًا لتكوين شخصيتها الرقمية.

هز حسن رأسه قائلا:

– أنت حرة في حياتك ومشاعرك.

عقّبت نانسي سائلة:

– وماذا عن حياة ابننا تامر الصغير؟

ضغط حسن على أسنانه ويقول:

– لولا تامر الصغير لما وافق أبي أبدًا على تكوين شخصيته الرقمية. ألست أنت من لمّح له أن حفيده يفتقده دائمًا في رحلات الصيد ويريد أن يسمع قصصه كل يوم؟

أجابته نانسي وهي تهز كتفيها:

– حسنًا، يجب أن نعتبر أنفسنا محظوظين أنه قد فعل، أليس كذلك؟

أراد حسن أن يقول شيئا، لكن تامر الصغير دخل مسرعا للصالة قائلًا لأمه:

– ماما… ماما… لقد كنت مؤدّبًا خلال الدفن.. هل يمكن أن يحكي لي جدو تامر حكاية؟

ابتسمت نانسي لابنها وهي تنظر خلسة لأبيه قائلة:

– ليس الآن يا تيمو، ربما بعد العشاء.

علا صوت تامر الصغير:

– أرجوك ماما.. حكاية واحدة فقط أرجوك!

نظرت نانسي لزوجها حسن وكأنها تطلب موافقته، فأشاح بوجهه وأشار بيده أن دعيه يفعل، فهزت برأسها لتامر الصغير الذي صاح فرِحًا:

– هييه!

قفز تامر الصغير على الأريكة بجوار أليكسا -أحدث نسخة من أمازون-، وأمرها:

– أليكسا! تجسيد الحاج تامر!

صدر صوت من الجهاز:

– حسنًا، تجسيد الحاج تامر، هل أستخدم العمر الافتراضي ذي الستين عامًا؟

أجاب تامر الصغير:

– نعم.

على الفور خفت الإنارة في الصالة قليلًا، ثم انبثقت أطياف من زوايا محددة في الغرفة لتتقاطع على الأريكة المقابلة لتامر الصغير فتكونت صورة ثلاثية الأبعاد (هولوغرام) للحاج تامر وهو يرتدي ملابس الصيادين رابطًا شعره الأبيض الضعيف على طريقة لاعبه المفضل قديمًا جاريث بيل. ابتسمت الصورة الافتراضية للطفل فصاح مجدّدًا:

– جدو تامر!

صدر صوت مشابه لصوت الجد الميت:

– آه حفيدي تيمو، كيف حالك يا ولد؟

تامر الصغير:

– بخير بخير.. هل ستحكي لي حكاية؟

صدرت ضحكة مشابهة لضحكة المرحوم مع سعال خفيف خفق لها قلب حسن وتحركت الصورة وكأنها حية، متقمصة تفاصيل شخصية الحاج تامر، وأسلوبه في الكلام وحتى طبائعه وتعابير وجهه. رفع الجد يده موجها إصبعه للصغير:

– قبل أن أفعل، هل أكلت عشاءك كله؟

تامر الصغير:

– نعم نعم… احكِ لي حكاية سمكة التونة العنيدة مرة أخرى.

صورة الجد:

– أوه، تلك السمكة، كانت أفضل صيد لي بالرغم من كل شيء.

وأخذت أليكسا تسرد الحكاية بصوت وصورة الجد، مستخدمة الذكاء الاصطناعي في تحليل أسئلة تامر الصغير والإجابة عليها بما يتوافق مع شخصية الجد الراحل. أما حسن فقد أخذ يراقب ابنه وهو في قمة التفاعل والسعادة مع صورة الهولوغرام، فتارة يصفق بيده وتارة يفتح فمه منبهرًا ببطولة جده. أخذ حسن يهز رأسه ببطء وكأنه يرى خطبًا عظيمًا. اقتربت نانسي منه وهمست:

– ما خطبك؟

أجابها حسن:

– ألا ترين كيف أنهُ سعيد في حين أن جده قد فارق الحياة ودفن قبل قليل، أليس من المفترض في الارتباط العاطفي أن يكون متعلّقًا بأشخاص حقيقيين؟

صمتت نانسي قليلًا وقالت ببرود:

– حسنًا، لكن على الأقل هو سعيد الآن، هل ستكون سعيدًا إن رأيته حزينًا؟

رفع حسن أحد حاجبيه ومط شفتيه قبل أن يقول:

– أتعلمين، تامر الصغير لا يشبهك فقط بالشكل، بل أيضا بطريقة التفكير!

قطّبت نانسي حاجبيها وقالت:

– وأنت لا تشبه والدك فقط بالشكل، بل بطريقة التفكير أيضًا!

قام حسن من مقعده غاضبًا، فسألته نانسي:

– إلى أين؟

أجابها:

– لدي عمل في مكتبي، لا أريد أن يزعجني أحد.

نادته نانسي وهو يبتعد:

– ماذا عن العشاء؟

سمعت صوته وهو يصعد الدرج للدور الأعلى:

– لا رغبة لي في الأكل

بعد ساعات قليلة في المكتب – المشهد الثاني

كان حسن منشغلًا في عمله متناسيًا وفاة والده حين دخل عليه تامر الصغير محتضنًا دمية محشوة. تنبّه حسن لوقوف ابنه عند الباب وقال في نفسه (ليس الآن، هل هو كثير أن يطلب ألّا يزعجه أحد!). أراد أن يتجاهله محاولًا التركيز فقط على إنجاز ما طلبه مديره لكنه نظر إليه على أية حال وسأله:

– ماذا يا تامر، أليس من المفترض أن تكون في سريرك؟

تردّد تامر فقال:

– لا أستطيع النوم.. هل تحكي لي حكاية يا بابا؟

نزع حسن نظارة القراءة وفرك عينه قبل أن يقول:

– ألم تشبع من الحكايات؟ يا ولدي أنت في العاشرة من عمرك، عليك أن تفهم أن في الحياة مسؤوليات كثيرة وكبيرة.

قال تامر:

– إذًا هل تحدثني عن هذه المسؤوليات؟ لربما أستطيع النوم بعدها.

عاد حسن لفرك جبينه هذه المرة، فقد بدأ الصداع يصل لرأسه ثم قال:

– ليس الآن يا تامر، أنا مشغول جدًّا. اذهب لسريرك وحاول النوم مجددًا.

طأطأ تامر رأسه وخرج من غرفة المكتب بينما غمغم حسن مستهزئًا:

– لا أعلم حقا كيف سيتحمّل هذا الجيل أي مسؤولية، هه.. يظن أنه سيشعر بالنعاس عندما يستحضر المسؤوليات!. لو سمع جدك…

عادت صورة الحاج تامر لذهن حسن فسكت وسرح في مخيلته لتعود ذكرياته وهو صغير، وكيف كان والده قاسيًا معه. الحقيقة أنه لم يكن يقدر هذه القسوة إلا عندما أصبح شابًّا ناضجًا، وبالرغم من أنه كان يشعر بالفجوة بينه وبين والده، إلا أنه كان يكن له احترامًا عميقًا. فقد علمه ألا يحيد عن مبادئه كمركب الصيد، طالما كان في البحر فهو سيد نفسه يذهب أين يشاء، لكن بمجرد أن يحيد عن البحر للبر، تتعطل دفته ويصبح عرضة للقطر بعربة دون إرادته. علمه أيضا الثبات على أهدافه بصبر وعزم مثلما كان يصيد السمك الكبير. كثيرة هي الأشياء التي تعلمها من والده بالرغم من أنه لا يحب صيد السمك. لماذا لا يستطيع تامر الصغير أن يستفيد منه كما كان يستفيد من والده؟ لماذا تعلق بجده وحكاياته؟ هل تغير والده عندما كبر؟ هل سيتغير تامر الصغير مستقبلًا؟

كثرت الأسئلة في رأس حسن وتذكر عمله ثم بدأ يزيد الصداع. مد يده لدرج المكتب باحثًا عن بعض حبّ مسكّن للألم، فسمع صوت حركة خفيفة قادم من الدور السفلي. قام حسن من مقعده على الفور ونزل ببطءٍ فلمح تامر الصغير يدلف لغرفة الصالة. اقترب حسن بهدوء من الصالة فسمع تامر الصغير:

– أليكسا، تجسيد الحاج تامر.

– حسنًا تجسيد الحاج تامر، هل أستخدم العمر الافتراضي ذي الستين عامًا؟

– لا بل ثلاثون عامًا.

– حسنًا، تجسيد الحاج تامر في الثلاثين من عمره.

تكونت صورة أخرى طيفية ثلاثية الأبعاد للحاج تامر لكن هذه المرة وهو يشبه إلى حد كبير ابنه حسن في عمره الحالي.

– آه تيمو البطل، كيف حالك يا ولد؟

– لماذا يا بابا لا تحبني؟

– كيف تقول ذلك، أنا أحبك.

– لا أنت لا تحبني كما تحبني ماما.

– كيف تحبك ماما إذًا؟

– ماما تسمح لي أن أتكلّم مع أليكسا.. وتحضّر لي العشاء.. وتسألني عن مدرستي.

– إذًا كيف هي مدرستك؟

– لا تعجبني كثيرًا.. لكن..

– هل هناك شخص ما يعجبك في المدرسة؟

– إممم.. لا.. نعم.. لا يهم

– لكنه يهمني، أنا أبوك وأحبّك مثل ماما.. ألا نتحدث كل ليلة؟ هيا.. هل هي صديقة أم صديق؟

– حسنًا.. ربما هناك صديق يعجبني لكن لا أعلم.. سمعت بابا يلعن هذا النوع من العلاقات الحميميّة.

– أوه لا.. اسمعني جيدًا يا تامر.. الحب لا يفرّق بين…

اختفت الصورة الطيفية فجأة واشتدت الإضاءة لتظهر والد تامر الحقيقي خلف الأريكة واقفًا شاحب الوجه متسع العينين وممسكًا بسلك أليكسا بعد أن نزعه من القابس الكهربائي.

 

 

التطوريون والتمسّح بالعلم .. كتاب (لا شيء بالصدفة) مثالاً

لا ينفكّ التطوريون يزعمون أن نظريّتهم نظريّةٌ علمية، وأن من يعترض عليها أو لا يؤمن بها أو يعارضها هم أعداء العلم والبحث العلمي، إلا أنه الدليل العلمي –في نهاية المطاف- هو أكبر أعدائهم، لأن من يقرأ كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم ويضعها في ميزان التحقيق العلمي الصحيح، يجد كل أدلتهم تذهبُ هباء منثوراً، ومن أمثلة ذلك كتاب (لا شيء بالصدفة) لمؤلفه (أحمد خيري العمري)، الذي صدر عن دار عصير الكتب للنشر في 520 صفحة، إلا أنه -ويا للعجب- لا يوجد في هذا الكتاب الضخم سوى بضع وثلاثين صفحة فقط تحت عنوان (أدلة التطور)!

سنعرض لأهم هذه الأدلة في السطور الآتية ونبيّن بطلانها وتهافتها، وحسبنا في نقد الكتاب أن نثبت بطلان النظرية ببطلان الأدلة العلمية المزعومة عليها، ولا يهمنا بعد ذلك ما جاء في بقية فصول الكتاب وصفحاته؛ إذ إن بطلان النظرية من الناحية العلميّة يجعل بقية ما في الكتاب حشوًا لا طائل من ورائه.

دليل التشريح المقارن

يعتبر أحمد خيري العمري أن (التشريح المقارن) هو أحد أدلة التطور، ويضع الرسم المرفق ويصفه قائلاً: “الأعضاء المتماثلة تشريحياً ذراع الإنسان، الطرف الأمامي للقطة، الزعنفة الأمامية للحوت، جناح الخفاش”[ص: 67]، ثم يتساءل مستنتجًا:

“كيف يمكن أن يكون هذا التشابه دليلًا على نظرية التطور؟ يتركّز التشابه (المتماثل – التشريحي) في المخلوقات من الأنواع المتقاربة ضمن طائفة حيوية واحدة   order   على سبيل المثال: كل الكائنات التي ذكرت في مثال الأعضاء المتماثلة: الإنسان، القط، الخفاش، الحوت تنتمي إلى طائفة الثدييات، وهذا ما يجعل العلماء يرجحون أن سبب هذا التشابه يعود إلى وجود أصل مشترك لهذه الطائفة”.

 

يا له من دليل علمي قاطع، يكفي أن يكون هناك تشابه بين توضع عظام أجنحة الخفاش وعظام أحد زعانف الحوت، ليرجّح العلماء أن لهما سَلَفًا مُشترَكًا، وهكذا تثبُت نظرية التطور.

طبعًا فإن هذا في حال إذا فرضنا صحة أن التشابه (يدل على أصل مشترك)!. وهنا نسأل: ماذا عن الفروق الأخرى بين الخفاش والحوت مثلاً؟

أكرر للتأكيد: (خفاش وحوت)، أغمضوا أعينكم أيها السادة القراء وتخيلوا الفروق بينهما، تخيلوا خفاشاً صغيراً وزنه أقل من ربع كيلو يطير في جوف الكهوف المظلمات، وحوتاً ضخماً وزنه 150  طن يمخر عباب البحار والمحيطات، تخيلوا الفروق بينهما  من ناحية الحجم والوزن وتشريح أجهزتهما المختلفة (جهاز الهضم والتنفس والجهاز العصبي والدورة الدموية و، و، و..)، وكذلك البيئة التي يعيش فيها كل منهما، ووظائف الأعضاء، وأمثلة كثيرة أخرى -يمكن كتابة مجلدات عن الفروق بينهما-، ثم حاولوا أن تقنعوا أنفسكم أن هذين الكائنين لهما أصل مشترك! وما هو الدليل؟ أن كليهما من الثديّات، ولأن توضع عظام أجنحة هذا يشبه في تركيبه توضع عظام زعنفة ذاك!.

فتأمل عزيزي القارئ، هذا المثال عن أحد (الأدلة العلمية) التي يريد العمري أن يقنعنا بواسطتها بـ (خرافة التطور).

دليل علم الأجنة المقارن

ومن أدلة نظرية التطور التي جاء بها أحمد خيري العمري في كتابه (لا شيء بالصدفة)، دليل علم الأجنة المقارن، حيث نقل أن عالماً روسياً لاحظ عام 1828 بعض الملاحظات عند دراسته لأجنة الفقاريات، منها أن “الفقاريات المعقدة والبسيطة تتشابه في المراحل الجنينية الأولى فقط، وتختلف في مراحل لاحقة وكذلك في الشكل النهائي للبالغ”، وأن دارون وجد أن هذه الملاحظات “يمكن أن تكون دليلاً قويًّا لصالح وجود أصل مشترك لأنواع مختلفة ووجود علاقة قربى بين مختلف الأنواع”؛ ومن ثمّ يستنتج الكاتب من كل ذلك ما يلي: “تقدم نظرية التطور تفسيرًا علمياً لهذه التشابهات في المراحل الجنينية المبكرة بين الفقاريات”.

وهنا لا بد أن نقول باختصار شديد:

  1. لا يوجد أي دليل علمي على أن تشابه الأجنة في المراحل المبكرة يدل على وجود أصل مشترك، فهذا الادعاء مجرد فرضية وضعها دارون وليس لها برهان، ثم هل يمكن تصور أن الإنسان والدجاجة –مثلًا- أقرباء لأن جنينَيهما متشابهان في مراحل تكوّنهما المبكرة؟
  2. التشابه المزعوم غير صحيح، لأن العالم الذي وضع هذه الملاحظة قبل حوالي قرنين لم تكن عنده مجاهر إلكترونية لتبيّن له الفرق بين خلايا هذه الأجنة، ومن هذه الاختلافات الفروق الكبرى في الـ NDA بين خلايا الطيور والأسماك والبشر، في حين أن الرسوم التي وضعها العمري كدليل، كالرسم المرفَق، تجعل من التشابه الخارجي في “الشقوق الخيشومية لفقاريات مختلفة” كافيًا لاعتبار الأجنة متشابهة والبناء على هذا التشابه.
  3. في البداية قال الكاتب إن دارون استنتج صلة قرابة من التشابهات الجنينيّة، ولكن في خاتمة كلامه قال: إن نظرية دارون تعطي تفسيراً علمياً لهذه التشابهات، أي أنه في استنتاجه هذا اعتبر أن النظرية صحيحة وأنها هي التفسير الوحيد المقبول لهذا التشابه، وهذا منطق مقلوب، فالأصل أن يثبت بالدليل العلمي -إن استطاع- أن التشابه يدل على صحة النظرية، لا أن يعتبر النظرية صحيحة ويقول إنها تفسّر التشابه.

دليل سجل الأحافير

وتحت عنوان (بقايا المخلوقات-السجل الأحفوري) ضمن قسم (أدلة نظرية التطور)، يضع لنا أحمد خيري العمري رسماً توضيحيّاً لما يفترض أنه يمثّل تطور الأسماك إلى كائنات برية [ص: 81] ونجد في الرسم سمكة (تيكتالك) التي يعتبرها التطوريون دليلا على حدوث هذا التطور ويزعمون أنها حلقة وسيطة بين الأسماك والحيوانات البرية، وقد كتب أحمد خيري العمري تعليقاً على هذا الشكل قائلاً: “لكن أحفورة أخرى عثر عليها في عام 2006 قدمت اكتشافاً أهم بكثير، إذ كانت تعود لمخلوق شبه كامل سمي بــ (تكتالك (Tiktaalik يملك غلاصم وحراشف وزعانف مثل أي سمكة، ولكن رأسه كان مسطحا مثل رأس التمساح، وزعانفه كانت مزودة بعظام قوية تسمح له بأن تحمل ثقله. وهذه ً الصفات تشير إلى أن هذا المخلوق ربما كان قادرا على الخروج من المياه ولو لفترة قصيرة” [ص: 80]

إذًا -بحسب العمري- يكفي أن تكون زعانف التيكتاليك قوية تسمح له بأن تحمل ثقله لنستنتج أنه (ربما) كان قادرًا على الخروج من المياه ولو لفترة قصيرة، ولكن العمري في الفقرة نفسها، كتب أن التيكتاليك يملك غلاصم، فكيف سيتنفّس خارج الماء؟

إن الرسم المرفق مع كلام العمري أقرب إلى الكاريكاتير منه إلى الرسم العلمي، فعلى يسار الصورة سمكة تسبح في الماء، وعلى يمينها حيوان بري يمشي على أربع، وبينهما (التيكتاليك) ترفع رأسها خارج الماء، بغلاصمها التي لا تصلح للتنفس إلا تحت الماء، ولو خرجت لماتت اختناقًا خلال دقائق.

يمكن أن نكتب مجلداً في الحد الأدنى من الفروق بين أي كائن برمائي وبين الأسماك، من تشريحها ووظائف أعضائها، فليس الأمر مجرد (زعانف قوية) لتمشي بها على البر، فعلى سبيل المثال، يجب تعديل عظم الحوض ليحمل الأرجل، وتطوير الحراشف لتصبح جلداً، وتغيير حجم الجمجمة بما يناسب حجم الدماغ الجديد، وتطوير العين ليضاف إليها أجفان تحمي عيون الحيوان البري من الغبار على اليابسة، وتطوير جهاز الهضم ليأكل ما يجده الحيوان على البر وهو يختلف عما تأكله الأسماك في البحر، ولا بد فوق ذلك من تعديلات جذرية على الجهاز العصبي ليتحكّم بالأعضاء الجديدة، وتعديل جهاز التنفس الذي يعتمد على الغلاصم في استخلاص الأوكسيجين من الماء إلى جهاز تنفس قادر على استخلاصه من الهواء مباشرة، وغير ذلك الكثير.

لنسأل التطوريين الآن: هل حصلت كل هذه التغيرات على السمكة قبل خروجها من الماء أم بعد خروجها؟ إن حصلت قبل خروجها فما حاجتها إليها؟ كان الأولى بالاصطفاء الطبيعي ألّا يحتفظ بها -على فرض أنها حصلت- لأنها لا فائدة منها، ولو حصلت بعد خروج السمكة من الماء لماتت السمكة قبل أن تحدث هذه التغيرات المفترضة، فلن تبقى على قيد الحياة أكثر من بضع دقائق لأن غلاصمها لن تستطيع التنفّس خارج الماء.

وبعد ذلك، يغضبون إن وصفنا نظرية التطور (خرافة)، بل هي في الحقيقة مجموعة من الخرافات، وخروج الأسماك من الماء لتتطور إلى حيوانات برية هي واحدة من بينها.

دليل التشابه الجيني

ومن الأدلة التي جاء بها العمري على التطور في كتابه (لا شيء بالصدفة)، دليل مقارنة الحمض النووي للكائنات المختلفة، مثل التشابه الجيني بين الإنسان والشمبانزي، والذي ركز عليه الكاتب على اعتبار أن الشمبانزي هو أقرب الكائنات قرابة للإنسان، ولنا على ما جاء في الكتاب حول هذا الموضوع ملاحظات:

  1. جميع المقارنات التي جرت بين جينوم الإنسان والشمبانزي جرت على أجزاء من الجينوم ولم تجر عليه كله حرفًا حرفًا، وهي لذلك لا يمكن اعتمادها لاستنتاج نسب صحيحة نقيم عليها أدلة.
  2. وافق الكاتب في أن النسبة المحسوبة تختلف باختلاف طريقة حسابها، ومعظم المراجع التي وضعها الكاتب في هامش كتابه تتكلم عن نتائج الأبحاث وقليل منها يعرج باختصار على طرق البحث.
  3. ما لم يذكرهّ الكاتب ولا المراجع التي اختارها أن البرمجيات التي استخدمت لحساب هذه النسب مصمّمة على افتراض أن التطور موجود، وهذا يشكّك في نتائجها.
  4. رغم كل ذلك فإن نتائج المقارنات المختلفة تأتي بنسب للفروق بين جينات الشمبانزي والإنسان تتراوح بين 1.2% كحد أدنى، وبين 20% كحد أقصى.
  5. الجينات هي برمجيات مكتوبة بلغة من أربع أحرف، وهي برمجيات مذهلة معقدة تركت بيل غيتس يقول إن هذه البرمجيات أكثر تعقيداً من أي برمجيات يمكن أن يكتبها البشر، ونستنتج من هذا أن المقارنة بين جينات الكائنات المختلفة لا تكون (بالكيلو) أي بِنِسَب وكمّيّات، لأن البرمجيات ليست نصوصاً عادية، ذلك أن أدنى تعديل عليها قد يؤدي إلى تغيير كامل في وظائفها، لذلك فإن الله تعالى قد زوّد الخلايا ببرامج إضافية لتقوم بتدقيق برمجيات الجينات وتصحيحها عند نسخها لتقوم بوظائفها، وهو أمر يطول شرحه وليس هذا مقامه.
  6. رغم كل ما سبق، وهو يكفي للإعراض عن استخدام التشابه الجيني دليلاً داعمًا للتطور، دعونا نعتبر جدلاً أن نسبة 5% التي ذكرها الكاتب في كتابه هي نسبة مقبولة لاختلاف جينات البشر عن الشمبانزي. (وليس الحد الأقصى 20% كما تقول دراسات أخرى)، فإذا علمنا أن جينات البشر برمجيات تتألف من 3,200,000,000 (ثلاثة مليارات ومائتي مليون) حرف، فهذا يعني أن هناك اختلافاً مقداره 115,000,000 (مائة وخمسة عشر مليون حرف) بين برمجيات الإنسان والشمبانزي، وهو رقم ضخم جداً في عالم البرمجيات، يجعل الفروق هائلة بين الكائنين، وهذا واضح جداً للعيان حين ننظر إلى كل منهما في الطبيعة، فالفروق بين الشمبانزي والإنسان هائلة، بل إنه من الممكن أن تُكتَب مجلدات ضخمة في بيانها، وعادة يركز من يكتبون عن هذا الموضوع من التطوريين على النسبة ولا يذكرون الأرقام!
  7. أخيراً، فإن استدلال العمري – رغم كل ما سبق- على التشابه الجيني بوصفه دليلًا على التطور، هو استدلال دائري غير مقبول، يقول العمري في نهاية كلامه عن هذا الأمر: “نظرية التطور تقدم تفسيرًا لهذه التشابهات في الجينات ونسبها المختلفة بين الأنواع”. فهو يعتبر التطور حقيقة مسلَّمٌ بها ويفسر التشابه الجيني المزعوم على أساسها، والأصل أن يستدل بالتشابه الجيني على صحة النظرية بأدلة قاطعة، ولا يفعل التطوريون ذلك، بل يعكسون المنطق العلمي، لأن دلالة التشابه الجيني على تطور نوع من نوع هو مجرد فرضية لا برهان عليها.

يكفي تفنيد هذه الأدلة، وهي أهم ما استند عليه الكاتب في إثبات النظرية، لنعلم أن الدليل العلمي الحقيقي هو أول أعداء هذه النظرية، وهو الكفيل بنزع صفة العلم عنها وتصنيفها في خانة الخرافة.
وبالمناسبة، فإن هذه الأدلة مأخوذة بطريقة القص واللصق من كتب وأبحاث التطوريين الملحدين ولاسيما ريتشارد داوكنز، الذين يعتقدون أن التطور يحدث بالصدفية والعشوائية، ثم يضيف التطوريون المسلمون إليها عبارة (ولكن التطور يحدث بتوجيه من الله)، وكأنهم ينسبون العشوائية إلى الله تعالى، ونحن نقول لهم: (أثبتوا أولًا بالدليل العلمي أن التطور قد حدث، ثم قولوا: إنه موجه).

ورغم أنه التطوريين يفشلون في تقديم الدليل العلمي على خرافتهم، إلا أنهم يزعمون اتباعهم المنهج العلمي، وأن من يخالفهم هم أعداء العلم والعلماء، ولذا لا غرابة أن ينطبق عليهم المثل القائل: (رمتني بدائها وانسلــَّـت)!

البراءة الساذجة بين الدعاية وانتكاس الفطرة

قد تكون العيون ظاهريًّا بريئة متحلّية بملامح الطيبة كما صوّرتها أفلام هوليوود وشبكات الإنتاج الفني، وجعلت من بعض العيون أيقونة في العديد من الأفلام والقصص، مثل عيون البطلة في مسلسل سوبرمان الأشهر “سمولفيل”؛ إلا أنه من الواجب علينا التوقف عند هذا، فقد يكون خلف ذلك كله شر عظيم جرّ ويلات على الآلاف من النساء.

مضت أربعة أعوام منذ الفضيحة المدوّية للمنظّمة السرية في NXIVM ووضع الممثلة الأمريكية الشهيرة (أليسون ماك) رهن الإقامة والحجز في منزلها بكفالة 5 ملايين دولار إلى حين البت في قضية انتمائها للمنظمة التي كانت تدّعي تطوير ذات النساء ومساعدتهن على تنمية قدراتهن في التغلب على مشاكلهن.

لقد كان من الملفت أن شعار المنظمة هو (العمل من أجل عالم أفضل) إلى جانب تعريفها نفسها بأنها (جماعة تسترشد بالمبادئ الإنسانية التي تسعى إلى تمكين الناس والإجابة على أسئلة مهمة عن معنى أن تكون إنسانًا)، لكن حقيقة الأمر أظهرت أن المنظمة داخليًّا كانت أشبه بطائفة لها طقوس يحكمها القائد أو السيد على مجموعة المشتركات مع استعبادهن جنسيًّا.

ما هي منظّمة NXIVM ؟

بدأت هذه المنظمة على يد قائدها كيث رانيير في 1998 وانضمت له أليسون ماك في وقت لاحق فأصبحت أعلى نائبة له، ورأس حربة في التآمر على النساء وتصيُّدهنّ للتجارة بهن ودفعهن لممارسة أفعال مشينة ومنافية للأخلاق والإنسانية.

كيث رانيير مؤسس NXIVM

كيث رانيير

قبل أيام فقط صدر قرار بسجن أليسون لثلاث سنوات فقط، وذلك بعد أن اعترفت بذنبها وقدمت أدلة على تورط رانيير –حكِم عليه أيضًا بقضاء 120 عامًا في السجن- الذي فرت معه للمكسيك عندما افتضح أمرهما في 2018 من قبل إحدى الجرائد التي نشرت اعترافات ضحية من ضحايا المنظمة.

لا ينتهي الأمر ههنا فحسب، بل اعترفت ماك بمحاولتها تصيد الناشطات في الحركة النسوية وتوظيفهن من خلال التغريدات على موقع تويتر من داخل وسطها الفني وخارجه، وأبرز هؤلاء كانت بطلة هاري بوتر إيما واتسون. إن الرسائل التي شاركتها كانت تشير فيها إلى المنظمة بأنها حركة نسوية تهدف لتقديم نسخة أفضل منهن. إلا أن الأمر في واقع الحال لم يكن إلا محاولة من إليسون لتجريد النساء من إنسانيتهن، ودفعهم لارتكاب أشنع الأعمال الجنسية كالبهائم مع رانيير القائد وأشخاص آخرين لا يعلمون من هم بسبب إغلاق أعينهن أحيانًا، وفي أحيان أخرى مع رجال يتم إدخالهم على أساس أنهم زملاء في الدورة التدريبية.

الفكرة هنا أنه كان على المشتركات تقديم الكثير من التضحيات من أجل نيل ثقة القائد والتقرب له، بما في ذلك مشاركة معلومات عن أقاربهن وأصدقائهن، ولو من خلال صورهم العارية ومشاركتهم أرصدة حساباتهم. وقد كان الأسوأ من ذلك كله، الدعم الكبير لهذه المنظمة من قبل مشاهير وأثرياء كثر، مثل المليارديرة كلير برونفمان التي موّلت رانيير على مدى عدة سنين في تجارة تهريب البشر والجنس القسري مع السادية الفظيعة.

الوقوع في حبائل المنظمة

المؤسف في الموضوع كله، أن غالبية الضحايا من النساء كنّ على قناعة تامة ببرامج المنظمة التدريبية التي يمتد بعضها إلى 16 يومًا بمعدل اثنتي عشرة ساعة يوميًّا، مع كلفة اشتراك شهري قدرها 5000$، بهدف تحريرهن من الخوف والكآبة العاطفية، وتقويتهن على التعامل مع مشاكل الحياة بشكل أفضل.

لقد كان الوصول إلى العدد الكبير من النساء معتمدًا على تسويق فصول تدريبية (كورسات) في النظريات الأخلاقية والبرمجة العصبية والتنمية البشرية وغيرها من البرامج السيكولوجية في التعامل مع الألم والشفاء الذاتي وفهم الحب.

بالطبع فإن هذا ما كانت تظهره تلك الإعلانات، إلا أن الواقع خلف الكواليس كان مختلفًا، فقد كانت نساء الجماعة تابعات لأسياد متعددين يحكمهن جميعًا القائد، كما كن يموّلن بشكل خاص حفلة عيد ميلاد القائد السنوية في أفخم الأماكن ويتنافسن على ممارسة الطقوس في حضوره، وتوشم أجسادهن حرقًا بالأحرف الأولى من اسم القائد، علاوة على أنه يُفرَض عليهن تناول طعامٍ شحيح السعرات الحرارية؛ فالقائد يفضّل النحيفات!.

كل هذا -وما خفي كان أعظم- لم يفتضح أمر هذه المنظمة السرية بالرغم من كثرة الضحايا، والسبب أن الكثيرات منهم تمّ ابتزازهن فيما بعد بكثير مما أقدمن عليه، فدُمّرت حياتهن ولم يستطعن الخروج عن صمتهن، ومن ثمّ فضّلن المعاناة من دون البوح بشيء، إلى أن نشرت إحداهنّ تفاصيل تجربتها مع جريدة نيويورك تايمز، فانقلبت حياة طغاة المنظمة وسارعوا للفرار قبل أن يقبض عليهم.

اعتذرت أليسون ماك لضحايا المنظمة في رسائل خاصة عما فعلته، كما اعتذرت كلير برونفمان عن تمويلها قائلة إنها لم تقصد إيذاء أحد وطالبت بتخفيف عقوبتها كونها بعيدة عما كان يدار داخل NXIVM ، لكن أي من ذلك لن يشفع لفكرة تآمر النساء على النساء، فهو أسوأ ألف مرة من تآمر الرجال على النساء.

دعوى تمكين المرأة.. على هامش الفضيحة!

العجيب في هذه الفضيحة التي تضرب الحركة النسوية ومنظري الإنسانوية، طريقة تناول الخبر في تعميم الضحايا من المشاركين على الرجال والنساء، مع أن الغالبية كن من النساء. وأيضًا الإشارة لهذه المنظمة السرية مرارًا بأنها كمنازل طوائف العبادة الدينية المتشددة، من حيث تشابه الابتزاز والاستغلال للنساء ومعاملتهن كعبيد، إلا أنّ رانيير وماك لم ينظّرا لأيّ دين أو تقديس أي رموز دينية، بل كان الأمر على العكس من ذلك، فقد طالبا المشاركات التحرر من كل شيء يحفظ حياء المرأة وخجلها، ويأمران بالتركيز على إنفاذ الشهوات لتحريرهن من سيطرة عواطفهن المكبوتة في الوقت الذي يستعبدن لأجل نزوات الآخرين دون أن يدركن ذلك.

إن كانت هناك وسيلة واضحة بين ثنايا أوراق القضية لإقناع المشاركات بذلك فلم تكن عبر الأديان، بل كانت عبر خطاب تمكين المرأة واعتناق الإنسانوية طريقة عيش بديلة لا تحكمها التشريعات الدينية؛ وهذه نقطة خطيرة لأنها تضع الخطاب النسوي المتشدّد في نفس الميزان مع التشدد الديني، أي أن العلة لم تكن يومًا في الدين بل في التشدّد وتحريفه والتجارة به لأجل مصالح شخصية. وهو الحال ذاته في النسوية المتشدّدة من حيث الانقياد الأعمى وراء المنظرين لها. وهو ذات الأمر في التسامح الإنسانوي المبالغ من حيث مساواة الجلاد مع الضحية، وتقنين الكثير من الممارسات على أنّها حرّيّات شخصية بدعوى عدم الإضرار الظاهر بالآخرين.

إن هذه القضية تطرح تساؤلات كثيرة على الشطح الذي اتخذته الحركة النسوية سبيلًا في خطابها قبل أن تصل نتائجها لمثل هذه الفضائح الجليّة في ظاهرها دون الحاجة للخوض في مضمونها. أي أن الخطاب النسوي لو كان معتدلًا اليوم، لم يكن استدراج النساء لمثل هذه المنظمة ونزع حيائهن كاملًا بالأمر السهل. ولو صحّت هذه الفرضية، فذلك يعني أن الخطاب الديني للمرأة والمتهم في بعض تشريعاته وتفسيراته من قبل النسويات لهو خطاب معتدل منصف يراعي الحقوق ويحفظ النفس بما يتوافق مع فطرتها؛ الأمر الذي يغني عن الحاجة للحركة النسوية من الأساس.

أهمية المرجعية الثابتة

إن تبسيط جميع الأفعال على أنها حريات شخصية لا تضر الغير، يجعل المرء عرضة للتغييب العقلي في فهم طبيعة حريته أمام الجميع وكيف تصبح حريته سلسلة حول رقبته يقاد بها إلى حيث يرغب الآخرون.

وفي هذا السياق يجب القول إن كان في الدين تقييدًا لبعض الحريات الشخصية من باب دفع الضرر عمومًا، فذلك في الحقيقة يهدف لتحرير الشخص من مكامن تقييد الآخرين والإضرار به أولًا، وهو ما حدث فعليا مع الضحايا من نساء المنظمة كما اتضح في هذه الفضيحة، حيث إنه لا يمكننا إغفال مثل هذه القضايا وتناولها بمعزل عن الأسباب المؤدية لها.

وبالمثل فإنه هذه الجرائم لو كانت مرتبطة بجماعات دينية، فبالتأكيد ستنهال     الاتهامات والتعليقات المستنكرة للنصوص الدينية قبل النيل من المجرمين أنفسهم. وحريٌّ بنا أن نفهم التوجهات الخفية في جميع الدعاوي الضالة، خاصة عندما تتعارض مع الدين السماوي.

إن الإنسان لن يفهم نفسه والمغزى من وجوده دون عون، وهذا العون -قطعًا- لن يأتي من إنسان آخر جل همه تلبية رغباته وأهوائه.

 

 

 

الليبرالية وتأليه الإنسان

أدّت مركزية الحرية في الدولة الحديثة إلى جعل هوى الإنسان ورغباته المتقلّبة مصدراً للتشريع إذا ما وجد عدد كافٍ ممن يوافق على تلك الرغبات وينادي بها ثم يدفع ممثليه البرلمانيين لتأييدها. ورغم جاذبية هذه الفكرة التي تُشعِر الإنسان بأنه بلغ غاية سموّه البشري حتى صار قادراً على صياغة قانونه واختيار نمط حياته وتغيير واقعه ضمن العمليّات الديمقراطية، إلا أنها تؤدّي نهايةً إلى ميوعة شديدة في الأخلاق والقيم، وتمنع مع الوقت وجود أيّ ثوابت حقيقية مرجعية يتحاكم المجتمع إليها على مختلف الأصعدة الحياتية.

فقداسة الحرية وسيادة الديمقراطية الشعبية تنتِج تبديلًا في الصواب والخطأ والخير والشرّ على مرّ السنوات بحسب أهواء الأغلبية المصوّتة، تلك الأهواء التي تحددها قوى التأثير من إعلام وإعلاناتٍ ومتصدرين ومشاهير، ولننظر مثالاً على ذلك التبدلات الاجتماعية وانعكاساتها الدستورية التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية عبر القرن ونصف الماضيين ليتبين الإشكال المقصود.

بين الماضي والحاضر

يقول الكاتب والواعظ ستيفن كوفي أن المشاكل السلوكية السبعة الأكثر انتشاراً بين طلاب المدارس الأمريكية عام 1940 كانت: “الكلام دون إذن، مضغ العلكة، إصدار الضجيج، الركض في الممرات، قطع الدور، عدم الالتزام باللباس النظامي، وإلقاء الأوساخ في الأرض”، أما في عام 1990 فقد تغيرت أبرز المشكلات لتكون: “إدمان المخدرات والكحول، الحمل، الانتحار، الاغتصاب، السرقة، والاعتداء.”[i] وهذا ما يختصر صورةً كبيرة من التّبدّل الاجتماعي الذي جرى في البلاد في فترةٍ قصيرة نسبياً.

أما أثر التبدل الاجتماعي على صعيد اللباس فهو واضح ويحكي قصة تغيّر الناس إلى حدٍّ كبير، فقد كانت النساء تلتزم الثياب الطويلة الفضفاضة بصورة شبه تامة حتى بدايات القرن الماضي[ii]، وكان الستر دليلاً على الرقيّ الاجتماعي والثراء الاقتصادي، والتكشّف علامةً على الاستعباد أو الفقر الشديدين، بينما نرى النساء الثريات اليوم لا يمانعن الظهور بثياب لا تغطي سوى نسبة صغيرة من أجسادهنّ، ولا يستغرب أحدٌ ذلك أو ينكره، بل إن النساء يفتخرن باتباع الموضة التي باتت في كثيرٍ من الأحيان متمثّلة ببناطيل ممزقة أو ألوان يبدو عليها البلاء.

لقد كان فكر المجتمع يعكس المحافظة والالتزام ببعض أخلاقيات الدين المسيحي الذي حمله الآباء الفاتحون معهم، إلا أن الحال تبدل إلى حدّ كبيرٍ اليوم، فبينما كان الشعب محافظاً مفتخراً بتدينه بصرةٍ عامّة سابقاً، باتت نسبةٌ عالية منه تتبرأ من أي دينٍ اليوم، وتظهر التقارير أن نسبةً تزيد على 70% من الأمريكيين وصفوا الدين بأنه جزءٌ مهم من حياتهم في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، بينما انحدرت النسبة إلى 56% عام 2007، وفي عام 2016 اعتبر حوالي ثلث الشباب دون الخامسة والثلاثين نفسهم غير منتمين لأي ديانة على الإطلاق.[iii] أما آثار ذلك على تمييع الالتزام بمحتوى الأديان فهي مما لا يخفى على أي متابعٍ للأخبار، ففي عام 1987 لم يوافق إلا 32% من الأمريكيين على زواج المثليين في البلاد، بينما ارتفعت النسبة إلى 72% عام 2020.

المرغوب يحدد القانون

إن الحديث عن تغيّر رغبات الشعب وميوله لا يتوقّف في الدولة الليبرالية الحديثة عند وصف سلوكيات أفرادٍ أو جماعاتٍ محددة، ولا يعني وصف الفكر الرائج أو نمط حياة البعض فحسب، إنما يتعدّاها ضرورةً نحو ما هو قانوني ومسموحٌ، وكذلك ما يجب على الشعب بصورةٍ عامةٍ أن يقبله وما ينبغي أن تكرّس أموال ضرائبه له، وبالتالي فإن القيم والأخلاق والمعايير التي تتوارثها الأجيال في تقييم الخير والشر تغدو سائلة تابعةً لرغبات الناس وما يريده كلّ واحدٍ منهم في عالمٍ منقطع تماماً عن الثوابت الغيبية المتجاوزة للزمان والمكان.

لقد آل تقديس الحريّات لأن يختار أصحاب الصوت المرتفع والقادرون على التأثير في الرأي العام القيم التي يريدون لها الظهور والقبول في المجتمع، فصار التعري حرية شخصيّة، والرذيلة المقننة دليل قوة واستقلالية، والإجهاض علامة حرية، وكل ذلك مع انتشار الفساد الأخلاقي والديني بالصورة التي يحبها الناس ويريدونها حتى بات احترامه وقبوله واجباً على الجميع باعتباره جزءاً من القانون الجديد، وبينما كانت الشرطة تقتحم نوادي الشواذ في ستينات القرن الماضي،[iv] فإن أي تعاملٍ مميّزٍ بأي شكلٍ مع مجتمعهم الآن يعتبر جريمةً قانونية يعاقب فاعلها، وبينما كانت عيادات تنظيم الأسرة (التي تقدم وسائل منع الحمل والإجهاض) ممنوعة عام 1915، فإن أدوية منع الحمل باتت متاحةً للفتيات منذ سن الخامسة عشرة اليوم، وتقوم  شركات التأمين الصحي بتغطيتها كذلك.[v]

ولعلّ هذا نتاج فصل المجتمعات عن أي شرعٍ متجاوز ثابت، واتخاذ القرار منذ نشوء تلك الحكومات بأنها موجودة لتؤمن حريات الأفراد وحقوقهم وتضمن العملية الديمقراطية التي ترضيهم، مع وجود تعريفاتٍ شائكة ومبهمة للحريات والحقوق وحدودها وما ينبغي لها أن تكفله وتتوقف عنده، بات الناس يرون من حقهم الحصول على أي شيءٍ يريدونه، ومخالفة أي شيءٍ يريدونه إن كان هناك من يكفي لدعمهم وجعل الأمر قانونياً عندهم.

وهذا ما يبدو واضحاً وصعب التبرير في الفروق القانونية الموجودة بين الولايات الأمريكية اليوم، والتي تعكس في كثيرٍ منها أخلاقياتٍ مجتمعيةٍ باتت سائلةً تماماً ولا يمكن للفرد الأمريكيّ ذاته الدفاع عنها إن خرج من ولايةٍ لأخرى. فعلى سبيل المثال، يعتبر تناول الماريغوانا لأي سببٍ ممنوعاً قانونياً تماماً في ولاية South Carolina، لكن بمجرد الخروج منها إلى جارتها District of Columbia فإن الأمر يصير متاحاً للاستخدام الطبي والترفيهي أيضاً.[vi]

تمثال الحرية

إلى أين؟

ولعل القارئ يتساءل هنا عن سبب الاعتراض طالما أن الفرد الغربيّ ينال حقوقه اليوم بكرامةٍ وحريّة، ويتمتّع بالقدرة التصويت على ما يريد وضد ما يريد، بعكس الفرد في البلاد العربية الذي لا يملك في الحقيقة أن يعمل أي تغيير في واقعه الذي تحكمه الديكتاتوريات ويسود فيه الاستبداد والفساد..

والحق أن هذه مقارنةٌ مخالفةٌ للمقصود، فإننا لا نزعم حين ننقد الوضع في البلاد الغربية أن نظيرها في البلاد العربية اليوم هو الهدف المنشود، إذ كلاهما تمثّلاتٌ علمانيّةٌ حقيقةً، لكنّ أحدها يسوده بعض الفاسدين والآخر تظهر فيه أهواء الجماهير، إنما المقصود هنا هو الإشارة للانحدار والإفساد الكبيرين اللذَين يؤدي إليهما تحييد الوحي والاستغناء عنه بمركزية البشر التي تؤدي ضرورة إلى مركزية الشيطان الذي يغدو بدوره الحاكم على حياة الشعوب علمت ذلك أم جهلته.

فالفرد الغربيّ حين يدّعي التحرر من الدين والأعراف والارتقاء إلى نموذجٍ خيرٍ مما كان عليه آباؤه وأسلافه إنما يصير في حقيقته مستعبداً للشيطان وما يمليه عليه على أنه رغبته الذاتية وصورة انعتاقه ورقيه وتقدّمه، ولعل المتأمل في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام لأبيه يظهر له هذا المعنى، إذ قال: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖإِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا} [مريم:44]، رغم أن آزر كان عابداً للأصنام لا للشيطان ذاته بصورة مباشرة، وهذا ما قال فيه المفسرون أن طاعة الشيطان في عبادة الأصنام هي عبادةٌ له، لأن من أطاع شيئاً في معصيةٍ فقد عبده،[vii] كما يظهر في قوله تعالى أيضاً: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، لأنه هو من يأمر بالشرك والمعاصي ويزيّن المبدعات من المنكرات للبشر في كلّ جيل.

وهذا تحديداً هو ما نرى انعكاسه في المجتمعات الغربية التي حوّلت تدريجياً الرذيلة إلى فضيلة، وغيرت معاييرها ومنظوماتها الأخلاقية لتكون متمركزة حول حماية الأهواء والرغبات ومجرّمة لكل من يرفضها أو يحاول تقييمها وفق أي معيارٍ ديني لم تغيّره السنين ولا أثرت به جماعات الضغط وضوضاؤها. فبات الرافض للشذوذ منمَّطاً بصفته “هوموفوب” كما يوصف الذي يستاء من العري والتكشف بأنه “رجعيّ” أو “كاره للنساء” وعلى هذا تقاس أمورٌ كثيرةٌ نرى التعصّب فيها ضد المتمسّكين بأديانهم والمخرجين لها إلى حياتهم العملية بكلّ وضوح.

فهل من الطبيعي أن يكون هوى الإنسان مؤلّهاً مطاعاً كما نرى هناك؟ وأيّ ضررٍ ذاك الذي تجرّه تلك الخدع والأوهام على أهلها المستعبدين للشيطان وهي يجرون وراء أي رغبةٍ أو مطلبٍ يعرض لهم دون اعتبارٍ إلا لتحقيق ما يريدون ونيل أكبر قدرٍ ممكن من الرفاهية في السنوات القصيرة التي سيقضون هنا قبل الموت والفناء؟


[i] Stephen R. Covey. The Seven habits of highly effective families. 1997.

[ii]1890-1899 | Fashion History Timeline (fitnyc.edu)

https://fashionhistory.fitnyc.edu/1890-1899/

[iii]American Religion Has Never Looked Quite Like It Does Today | HuffPost

https://www.huffpost.com/entry/american-religion-trends_n_570c21cee4b0836057a235ad

[iv] Stonewall riots anniversary: How the New York media covered the gay bar raid 50 years ago – The Washington Post

https://www.washingtonpost.com/history/2019/06/08/how-homophobic-media-covered-stonewall-uprising/

[v] Clayton, E. W., & Butler, A. S. (Eds.). (2009). A review of the HHS family planning program: mission, management, and measurement of results.

[vi] How marijuana laws are different between states (usafacts.org)

https://usafacts.org/articles/how-marijuana-laws-are-different-between-states/?gclid=Cj0KCQjw5auGBhDEARIsAFyNm9F6m1SENioR8L1lYM6yR7VzKKM9RREUobwzD5U_4jFuXHlRzohqdQAaAn_zEALw_wcB

[vii] تفسير القرطبي وابن كثير.

عندما تتحول التربية إلى تجارة

“درّب طفلك كالكلاب” “train your baby like a dog” هذه البداية المؤلمة كانت عنوانًا مزعجًا لبرنامج عرض منذ سنوات على قناة بريطانية، إلا أن عرضه قد توقف بسبب الانتقادات الشديدة الموجّهة له، وقد أعادت قناة ألمانية رسمية شراءه وبدأت عرضه في عام 2021.

هذا العنوان ليس لجذب المشاهد فقط وإنما يصف محتواه بدقة، حيث تقوم مدربة البرنامج والتي هي مدربة كلاب في الواقع، بتحسين سلوك الأطفال باستخدام طرق تدريب الكلاب معتمدة مبدأ “لوحة مفاتيح” يُضغط عليه من قِبلها بعد كل فعل جيد يقوم به الطفل ثم تتم مكافأته بقطعة من الحلوى، وعندما سئلت عن كفائتها لممارسة هكذا عمل، أجابت بأنها حصلت شهادة في تدريب الكلاب سلوكيًّا، حيث إنها –أي الكلاب- تشبه في دماغها دماغ الطفل الإنسان إلى حد ما، إلى جانب قراءتها العديد من الكتب في التربية وتأليف كتب خاصة بالأطفال.

إن الأغرب من هذا كله هو وجود أهلٍ خاضوا هذه التجربة إلى جانب طبيب مختص بالعلاج النفسي يساعد المدربة من خلف شاشة الكترونية، حيث يُقيّم النتائج بحسب ما يُنقل له، ليُقرّ في النهاية بنجاح هذه الطريقة، في خطوة لا يمكن وصفها بأقل من أنها تخلٍّ عن الأمانة المهنيّة.

تحكّم الشبكات والإعلام

في مثل هكذا وضع علينا أن لا نستغرب من رؤية هكذا برامج على شاشاتنا بعد مدة، فالإعلام الفاسد لا يهمه سوى ملء جيوبه بالأموال، ويبدأ الأمر عند وجود قبول لانتشار آراء وأفكار غير المختصين، وتدخلهم في أمور التربية مع غياب المساءلة والمحاسبة بل مع تمجيد الجمهور والإعلام لهم، حيث يصلون لجمهورهم باعتمادهم أسهل وأسرع طريق هو المنصات والشبكات الالكترونية.

تقوم هذه البرامج في جزء كبير منها على الإيهام، سواء بجمال الصورة والكلام أو بأنهم غيّروا حياة كثير من الناس من خلال مشروعهم التجاري، الذي بدأ بعرض تجربة شخصية في التربية ثم ما لبث أن تحول إلى مشروع رائد، هو الذي أوجد ثورة في عالم التربية وأنقذ الطفل من براثن جهل الوالدين والأسلاف.

يستمدون شرعيتهم كلما خَفَت ضوئهم قليلا عن طريق استقطاب المختصين، الذين تفطّن بعد ذلك بعض منهم لخداع هذه المنصات فتخلى عنها بل وحذر منها، وبعضٌ آخر ممن ساندوها وسَحَرهم بريق الشهرة والمال، أو اندفعوا إليها عن حسن نية، فساهموا في تضليل الناس وكانوا تقريبا كالطبيب السابق ذكره المُصفّق لمدربة الكلاب.

ما مؤهلات مُربّي الفضاء الافتراضي؟

من الأفضل أن نسأل أنفسنا هذا السؤال عند التعرض لكل من يقدم نفسه بأي لقب يخص التربية ويعرض منصة لها، ولا مشكلة في عرض التجارب الشخصية، أو أن يساهم غير المختص بأفكار في التربية من واقع تجربته وخبرته، ولكن أن تبقى الأمور ضمن هذا النطاق لا أن تتحول لمشروع يتكلّم في كل ما يخص الطفل من صحة جسدية ونفسية وسلوكية، بل ويسعى لتنميط حلول معينة لمشاكل الطفل المعقدة التي تحتاج لأطباء متخصصين.

ينطلق هؤلاء المربون الافتراضيون من إطلاق ألقاب على أنفسهم، ثم الترويج لمشاريعهم التي لا تعتمد على خلفية علمية أو دراسية وإنما على ازدياد أعداد المتابعين كما يوضّح لنا هذا الفيديو (أم بنكهة الفاشينيستا) الذي يلخص الكثير مما يمكن أن يقال في حقهم.

سأحاول الحديث عن المفاهيم التي يحاولون تصديرها إلينا والتي تؤدي لخلل في سوية النشء والأطفال، فلا أرى مشاريعهم أقل خطرًا عن أي خطر يهدد الأمة، فأبناء اليوم هم حاضرها ومستقبلها، خاصة عندما بدأت بعض نتائج اتّباعهم أفكارهم وأساليبهم تظهر للعلَن، وبدأت الأمهات يشتكين من التشوه الذي طرأ على شخصية أطفالهم.

نظام مونتيسوري .. صنم جديدٌ في عالم التربية!

ثمة مدارس عديدة في التربية يُسوّق لها، ولكن لنتحدث أولا باختصار عن المبدأ الغالب اعتماده من قبل المنصات التربوية لجذب المشاهدين، إنه النظام الذي أسسته “ماريا مونتيسوري” وبات شهيرًا على مختلف الأصعدة في العالم، فما هو؟

يعتمد نظام ماريا مونتيسوري على الاستقلالية والحرية التامة للطفل في اختيار ما يتعلم بعيدا عن ممارسة الضغوطات التقليدية في التعليم، فالطفل والإنسان بحسب ماريا يخضع لأربع مراحل تطورية تبدأ من شهوره الأولى حتى سن الرابعة والعشرين، فإن تُرك لحريته وفطرته في حب التعلم أن يختار ما يريد فإن أفكاره ستتطور خاصة مع وجود البيئة المناسبة الداعمة له، والتي ستحقق أفضل النتائج في بناء إنسان متميز.

بالرغم من وجود أفكار مميزة في هذا النظام يستحق النظر فيها والاستفادة منها، إلا أنه قد استغِلّ من قبل كثيرين من مروجي البرامج التربوية غير المتخصصين، إلى جانب أنّ هذا النظام نفسه لا يخلو من السلبيات، ونتائج اتباعه لا تختلف كثيرًا عن نتائج اتباع الطريقة التقليدية في التعليم، كما أنه نظام لا يناسب جميع الأطفال، فبعض الأطفال يميلون لاتباع القوانين والقواعد المحددة، علاوة على أن بعض أطفال منهج “مونيتسوري” يجدون صعوبة في الانخراط بالمجتمع والالتزام بجو العمل التقليدي لاعتيادهم على الحرية التامة التي تلقّوها في صفوفهم الدرسيّة.

إلى جانب ذلك فإن مواده التعليمية ورياض الأطفال والمدارس المعنية باتباع هذا المنهج مرتفعة الثمن مقارنة برسوم المدارس التقليدية، وأهم من هذا أنها لا تتطرق لتعزيز الجانب الديني في حياة الطفل البتّة، ومن ثمّ فإنه ليس من الإنصاف وصفه بأنه النظام الأمثل في التربية، والحض على بذل الأموال لتعلّم مبادئه واتباع منهجه، طبعًا هذا إن كان ما يُطبّق حقًّا هو نظام المونتيسوري!

صورة تعبر عن أسلوب مونتيسوري في التربية

دسّ السمّ في العسل!

لنعد لبعض المفاهيم المحيّرة التي تعرضها برامج الفضاء الافتراضي في التربية، مثل: “الحب غير المشروط” و”تقبّل الطفل كما هو”، وهنا يجب التأكيد على أن هذا المفهوم عامّ يحتاج لتفصيل، فإن كان المقصود ألا نشترط الحب للطفل بتحقيقه أمورًا دنيوية، كأن يقال له “أحبك إذا حصّلت أعلى الدرجات الدراسية” وأن نتقبله كما هو بما فيه من ضعف ومرض ونقص لا يد له فيه، فهذا من الصواب، أما ما يرمون إليه من حب الولد وتقبُّله على شتى أحواله وإن ألحد وارتكب الكبائر والمعاصي، وتَركه في ضلاله لأنه حر في اختيار طريقه، فهذا أمر غير ممكن التحقق.

لا يمكن للمرء أن يكره فلذة كبده إلا أنه من الطبيعي أن يكره أفعالهم السيئة، فالولد العاصي أو الكافر أو العاق يجعل والديه من أشقى الناس، وحريٌّ بالوالدين نصح أبنائهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والدعاء لهم بالهداية والصلاح، فإن أصروا على الباطل وجب نهيهم وزجرهم بحسب الفعل وشدته.

لنا في قصص القرآن عبر لا تنتهي، فعندما أصرّ وَلدُ نوح عليه السلام على بقائه مع القوم الكافرين رغم دعوة أبيه له ليرافقهم في رحلة النجاة، إلا أن إصراره قاده إلى أن يبتلعه الطوفان، عندها لجأ الوالد المكلوم لربه فكان سؤالا واعتذارًا يملأه التأدب مع الله والتسليم له، يسوق الله تعالى الموقف في القرآن: }وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ ]هود:45-47[ لقد كان جواب الله تعالى حاسمًا، “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ” والسبب معصيته الواضحة لأبيه وربّه.

هناك معنى مشابه لهذا نلتمسه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) [أخرجه الشيخان[، فرغم أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته كان كبيرا، حتى قال فيها: (إن فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما أذاها).] أخرجه البخاري في صحيحه[ إلا أنه أعلمنا بحديثه أن حب الوالد للولد لا يعني السكوت عن الحق وقبول الخطأ والكفر والعصيان منه بل إن محاولة تصحيح أخطائه ومحاسبته مما يصبّ في مصلحته.

وإذا ما أتينا إلى أهم المبادئ التي ينادي بها مربّو الفضائيات وبرامجها الافتراضية، فإنها تتلخص بفصل الدين عن التربية بحجة صعوبة تعلم الدين والقرآن منذ الصغر، إلا أننا لا نرى منهم موقفًا من تعلم اللغات والجغرافيا والعلوم المختلفة في سنوات الطفل الأولى، بل إن هذا –بحسب تسويغاتهم- مما ينمي مداركه، وهذا لسان حالهم: دع طفلك يستمتع بطفولته وسيتعلم الصلاة عندما يكبر، ودع الفتاة ترتدي ما تشاء من الملابس الكاشفة بعمر صغير وستقرر مستقبلاً -إن أرادت- ارتداء الحجاب، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ولكن هل يعقل أن يأتي الطفل من نفسه عندما يكبر ويبدأ بالصلاة؟ فالإنسان بطبعه يعتاد ما ألفه وتربّى عليه في الصغر، ومن الصعب تغييره عند الكبر إلا أن يشاء الله، ولن يلتزم بأوامر ربه من نفسه إلا إن تشرب حب الله وعرفه منذ نعومة أظفاره وألف سماع القرآن والحشمة والآداب الإسلامية واعتاد عليها حتى أصبحت من طبعه.

إلى جانب هذا المبدأ فإنهم ينادون بمنح الأولاد الحرية المطلقة بمعناها الفاسد، فتشمل حرية الدين والمعتقد والملبس والتصرف في الجسد، وقول: إن أبناءنا أحرار فهذا يعني أن لهم أن يختاروا من أمور الدنيا ما يريدون مالم يتعارض مع الدين، وليس لنا إجبارهم على ما لا يطيقون، إلا أن الحريات الأخرى يَخُطُّ ملامحها الدين، فتشمل العبودية لله وحده واتباع شريعته، وأما الجسد والروح ملك له تعالى ماهي إلا أمانة لدينا فحرّم الله قتل النفس، والجسد جعل الله له حقًّا بحفظه وستره ولو كان لنا حرية التصرف فيهما لكانت هذه الأفعال مباحة، وهذا واجب الأهل بتبليغ أبنائهم رسالة ربهم ثم الهدى يكون من الله، وليس إعطاء الحرية المطلقة من دون تبليغ وتعريف بعظمة خالقهم وجلاله تعريفا كاملاً.

لا تنتظر مقابلًا من أطفالك

هذا مبدأ آخر من أهم المبادئ التي يغرسونها في عقول الأطفال والمشاهدين، ما عليك إلا أن تقوم –أيها الأبوين- بواجبكم تجاه الأولاد، ثم دعوهم لحياتهم الخاصة!.

هل من الصواب أن نعلم الطفل ألا يهتم بوالديه، وأن يهتم بنفسه فقط؟ وهل يوجد مقابل سيكفي حق الوالدين مع ما لاقوه من مشقة في التربية؟ وأين حقهم من أبنائهم الذي شرعه الله لهم؟ ألم يذكر الله فضل الوالدين في القرآن وفي أكثر من موضع وكرمهم ونبيه بأحاديثه حتى كان فضل البقاء معهما أولى من الجهاد:}فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{ ]الإسراء:23،24[.

إن طاعة الوالدين واجبة فيما لا معصية فيه للخالق، وعلى الأولاد بِرّهم، بل إن عقوقهم من أكبر الكبائر، ويجب عليهم مساعدة والديهم بالخدمة والمال إن لم يكونوا قادرين على هذا بأنفسهم، أو أن يستأجروا من يقوم على خدمتهم، والولد الصالح كالصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها بعد الموت.

إن كل تلك المفاهيم توصلنا للمفهوم الأخير وهو “تنميط التربية”، فنرى التركيز الغالب على قشور التربية، لكن مبادئها الحقيقية تغيب، وهي التي تركز على بناء إنسان صالح قوي وسوي لا ينصب تركيزه على نفسه فقط، وبعيدًا عن الضعف والهشاشة النفسية أمام كل عارض يطرأ عليه، بل يعلم أنه جزء من منظومة ومجتمع فيه اختلافات كثيرة له ما له وعليه ما عليه.

هذه التربية المهمّة مغيبة عن برامج التلفاز والفضاء الافتراضي، تلك التربية التي لا تحتاج إلى أموال وقصور وطعام باهظ، التي جعلت من خرج من رحم المعاناة والحروب بطلًا، ومن مريض الجسد عبقريًّا ملهِمًا مبدِعًا، وكم من معلم ومربٍ كان تأثيره بالأجيال من خلال كلامه وعلمه فقط.

إنّ من أخطر المصائب أن تتحول التربية إلى تجارة تتغير مبادئها بحسب السوق وما يطلبه الجمهور، فيُهتم ببيعها وتسويقها لجمال صورتها وكلماتها كما هو الحال مع البضاعة، إما من أجل الشهرة والإعجابات، أو من أجل المال بعيدًا عن محتواها التي تُفرغ منه، فالأولى النظر لهذه المشاريع بعين ناقدة ممحّصة ومحلّلة، وأن نتبع التحليل والنقد بالإصرار على تربية أبنائنا بما يجعلهم مليئين بالعلم والإيمان والأخلاق من الداخل والخارج، ولتكن أفضل مدرسة تربوية نتبعها تلك التي يكون أساسها شريعة ربنا وهدي نبيه.


مصادر للاستزادة:

<a href=”https://www.freepik.com/vectors/background”>Background vector created by vectorpouch – http://www.freepik.com</a&gt;

التعددية الزوجية في الغرب

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بالحديث والتعليق على ما يسمى بــ”قضية الاغتصاب الزوجي” حيث يقضي الرجل حاجته الجنسية مع زوجته وهي غير راغبة لهذا الفعل، أو مكرَهة عليه.

بالعودة إلى الفقه الإسلامي فقد أوضح العلماء أن المرأة لها أن تمتنع عن زوجها إذا امتلكت العذر الشرعي، سواءً كان العادة الشهرية أو التعب أو المرض أو الحزن القاهر، وإذا ما تحقّق ذلك، فإنها لا تكون آثمة، أما إن لم يكن شيء من هذه الأعذار فإنها آثمة.

أما مصطلح الاغتصاب الزوجي، فقد وضعته النسويات ليبقى الأمر مناطاً برغبة الأنثى وإرضائها وسعادتها ومزاجها، فإن حصل وأن مارس الزوج علاقته معها وهي كارهة أو لم تكن في تمام الرغبة، فإن هذا “اغتصاب” بحسب ادّعاء النسوية!

نشر أحد المشايخ ردّاً حاسماً سرعان ما حذفه بأن الامتناع هو من النشوز وتُضرب عليه المرأة ضرباً غير مبرح، لتعود لجادة الصواب!

وعلى كل حال، فإن هذا التعامل -وإن حُذف هذا الكلام وتراجع عنه- مع الأسف واقع تعيشه الكثير من النساء في مجتمعات مختلفة من بلادنا الإسلامية، وهنا نتساءل: أي رغبة تلك التي ستعود للمرأة بالضرب -إلا في الحالات المرضية التي تتلذذ به- وأي بيتٍ سليمٍ هذا الذي تُعاش اللحظات السابقة للعلاقة الحميمية بالضرب، ومن سيقرر كونه مبرحاً أم لا؟

اقترح باحثون وكتّابٌ آخرون أن يعمد الرجال إلى “التعدد”، إلا أن الأمر لم يسلم من النقاش العقيم للنسويات اللاتي يَعُدن في كل حوار إلى مسلّمةِ تأليه المرأة، وجعل الكون يدور حول مزاجها ورضاها.

وهنا تركت عالمنا التواصل الاجتماعي الافتراضي العربي الذي لا يكاد ينتهي الجدل فيه، -عسى أن يكون هذا الصخب فيه نفعٌ للناس ولو بعد حين- وذهبت أختلس النظر وأتصفّح آراء الغرب في التعدد.

الزواج الأُحاديّ

في مقال لمايكل كاسلمان Michael Castleman على موقع Psychology Today   عنون له بـ: Why is infidelity so common لماذا تنتشر الخيانة بكثرة؟ أشار إلى أن ممارسة الزنا بعد الزواج –وهو ما يسمّى بـ الخيانة الزوجية- ظاهرة متفشّية بشكل كبير في الولايات المتحدة، بالرغم من أن معظم الأمريكيين يطالبون بالاكتفاء بشريك واحد ويدّعون المحافظة على الوفاء والإخلاص في علاقة الزواج الأحادية Monogamy، ويعتبر مخالفة هذا الشرط أشبه بالكارثة الأخلاقية والاجتماعية، وترسخ هذه الصورة النمطية لفداحة التعدّد، كلٌّ من وسائل الإعلام والأفلام والقصص والروايات…إلخ، كما أنه يؤدي غالباً إلى الانفصال والطلاق أو الاستمرار -على الأقل- في علاقةٍ أصيبت بشرخ كبير.

يتساءل الكاتب إن كان الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الزواج الأحادي “المنوغومي” طيلة حياته؟ هنا يجيب الكاتب في المقال بأنه: في الوقت الذي يصر فيه العديد على أنّ زواج “المونوغومي” هو الطبيعي، يُلاحظ أن ٩% من عموم الثدييات تميل إلى هذا النمط من الحياة الزوجية، كما يؤكد أن انتشار ما يسمى بـ”الخيانة الزوجية” بين البشر يطمس كل الادعاءات بأن التفرد الجنسي أمرٌ فطري.

في هذا الإطار يستدلّ ببضع براهين من نصوص الإنجيل والتاريخ، حيث يذكر الإنجيل وجود تعدّد لزوجات الأنبياء مثل يعقوب الذي كان له زوجتان: ليا وراشيل، وجاريتان: بيلها وزيلفا، كما أن الوصايا العشرة تدرج الزنا في ثناياها، وتؤكد على أنها من الخطايا الكبرى، بل تنص عليها ضمن أنحاء متعددة فيجب البعد عن جريمة الزنا عمومًا، وألا يشتهي الإنسان زوجة جاره، وألّا يفعل ذلك أو يفكر فيه حتى، وعلى الفور ينتقل الكاتب للخطوة المنطقية التالية، -ولنتساءل معًا- لو كان القدماء مكتفين بزوجة واحدة، أكان من الممكن والطبيعي مراعاة هذه الوصايا؟.

يشير الكاتب إلى أن المسيحيين المورمون كانوا من معدّدي الزوجات بشكل علني حتى عام ١٨٩٠، وما زال بعضهم كذلك، أما اليوم وفي نفس البقعة الجغرافية التي تقدّس المونوغومية أو الزواج الأحادي، فإنه ليس من الغريب أن توجد الكثير من المدن والأرياف التي تتفاخر بعدد نوادي الجنس المحرّم بأشكاله المختلفة –الطبيعية والشاذة والجماعيّة- المتاحة للمتزوجين وغيرهم.

يستفيض الكاتب في شرح آثار تطبيق هذه المثالية على المجتمع، وأنه قد حاور الآلاف من الناس على مدار ٤٦ عامًا حول آرائهم عن الحياة الجنسية، وأصدر العديد من الكتب، وكتب أكثر من ٢٠٠٠ مقال لعشرات المجلات والصحف والمواقع الالكترونية بما فيهم Psychology Today و مجلة New York Times وغيرها، ليخلُص إلى أنه من حقّ الجميع المطالبة بأحاديّة الزواج، ورفع شعار الشريك الواحد الوفي المخلص، مع التأكيد على أن تطبيق الأمر في واقع الحال ليس بنفس التصور الوردي والرومنسي الحالم للناس.

لكن، أليس هناك العديد من الأزواج غير المعدّدين وهم سعداء بحياتهم مع شريكهم؟

يجيبنا الكاتب بأنه عرف العديد من الأزواج السعداء الذين اكتفوا بشريك واحد رسميٍّ على مر العقود، إلا أنهم كانوا يمارسون رذيلة الزنا أو ما يسمى بـ “الخيانة الزوجية”، والعجيب أن كثيرًا من هذه الحالات كانت بقبول وموافقة من الطرف الآخر، الزوج أو الزوجة، وذلك بشكل دوري خلال المناسبات المتكررة، مثل أعياد الميلاد السنوية، أو في فترة سفر العمل، أو حتى في عطلات نهاية الأسبوع، ويستكمل عرض إحصاءات عن نسبة الخيانات بين الأزواج، إلى جانب سردِ حجج تصب كلها في حقيقة استحالة الاكتفاء بشريك واحد في معظم الحالات.

يذكر في مثال صادمٍ أن إحدى الزوجات تعلن مرارًا أنها تحب زوجها منذ أزيَدَ من ٣٠ سنة، إلا أنها مقتنعةٌ بأنه من “الصحي” لكليهما أن ينفّسا عن رغباتهما الجنسية “باللعب” في الخارج بين الفينة والأخرى، بدعوى أن ذلك يحافظ على حياتهم الزوجية ويُديم فيها روح المتعة والمرح.

من الملفت –بحسب الكاتب- أن الإنسان المليء بالعيوب والنقائص التي لا يؤاخذه عليها المجتمع، إلا أنه عندما يتحول الحديث عن الزواج، فإنه يُفرَض عليه –وهو الخطّاء المليء بالعيوب- أن يحيا على مبدأ “المونوغومية” التي تشبه حالة قصوى من الكمال الذي يعجز عنها الإنسان، ولو افترضنا أنه يصبر عليها فإنها لا تدوم.

قولٌ على قول

من نافل القول التأكيد على أن مقال مايكل مليءٌ بالأفكار التي لا نقبلها، ففيه تلميح واضح لحق النساء أيضًا بالتعدد، وهذا مما يناقض شرعنا وشرع من سبقنا من الأنبياء، ويخالف نموذج الحياة البشرية الفطرية المستقرة، إلا أنه –بقراءة ثانية- حجةٌ على نمط الحياة الغربي المنفصم التابع بامتياز لأهواء البشر وفردانيتهم الذاتية والرافع لشعارات وهمية براقة يبيعونها للقاصي والداني ولكل من هو راغبٌ بالعيش على نمط الحياة الغربية أو “التأمرك”، وها هم أنفسهم يعلنون أنها لا تُطبّق عندهم.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخيانة في الغرب تثار بشكل خاص في سياق الحديث عن ممارسة الجنس، أما مشاهدة الأفلام الإباحية والجلسات والسهرات واتخاذ الصديقات والمحادثات الخاصة، فإن هذا كله ضمن دائرة الحرية الشخصية التي تتغاضى عنها الزوجة، وتعتبره من طيش الرجال.

إن مفهوم الزنا في ديننا واسع، وقد حرم الإسلام مقدماته حرصًا على روح الإنسان من الكدر، وتأكيدًا على شموليّة مقاصده الروحية والحياتية، فأمر بغض البصر وسمّى نقيضه بـ “زنا البصر” وكذا “زنا السمع” وحتى “زنا الأنف” كما في حديث الخارجة (بعطرها على الملأ) [أخرجه الإمام أحمد في المسنَد] وأشار الوحي في عدة مواضع إلى الأمر باجتناب كل ما قد يؤدي أو يوفّر أجواء الخلوة التي لا يسلم من السقوط بعدها حتى أشدّ الرجال ورعًا، في المقابل نجد منظومة الزواج مفصّلةً منضبطة تحفظ لكلّ حقه والأهم من ذلك أنها تراعي حاجات الإنسان وغرائزه بشكل آدمي يرفعه عن البهيمية التي بات الغرب يروّج لها جهاراً.

إنّ نظام الأسرة في الإسلام، بقواعده الشرعية والأخلاقية، هو العمدة في بناء المجتمع الفاضل والمواطن الصالح، بل إن الأسرة المسلمة الناشئة على مقاصد الدين وأحكام الشريعة هي الآن خط الدفاع الأول في وجه الاستهداف، ويتزيى بالشعارات البراقة، فما أحرانا أن نزيد روابط الأسر توثيقاً، وأن نشد بنيانها، ونعلي أركانها على المنهاج القويم الذي يبلغنا سعادة الحياة الدنيا وصلاح العقبى، والله المستعان.

المصادر:

https://www.psychologytoday.com/us/blog/all-about-sex/202102/why-is-infidelity-so-common?fbclid=IwAR1V6jj6nUiwcxVvAoR2UFkqGvu1cei5d8SJj8VN8ZGF9VhjXqo5gRFvPlc

تعليم الدين في زمن الوسائط المفتوحة: تعلّم الدين من غير معلم!

عندما كنت صغيرًا كانت أجمل اللحظات التي عشتها هي وقوفي في الأرصفة أمام بائعي الكتب، أطالع العناوين الشائعة والمرغوبة من العامة، من الروايات البوليسية إلى كتبٍ الطبخ والتمثيل، وهناك بالطبع الكتب التي تدعي أنها تعلمك اللغات الأجنبية من غير معلم في خمسة أيام أو في أسبوع…

لقد كان أسلوب هذه الكتب قائمًا على كتابة بعض الجمل المهمة بحروف عربية، ثم ما عليك –أيها المتعلّم- سوى أن تهجّئ هذه الكلمات لتصل إلى الادّعاء بأنك قد تعلمت اللغة في فترة قصيرة من غير معلّم كما يدعي الكتاب.

سؤال الموثوقية؟

فكرة هذه الكتب لم تكن سوى بداية القصة بتصوّري، ففي عصر الانترنت والوسائط المفتوحة، وفّرت كثير من المنصات في عالم الشبكة المفتوحة -وخاصة يوتيوب-مئات الفيديوهات لكثير من الموضوعات العلمية وغيرها، يقدّمها أشخاصٌ لا يمكن التأكّد من خلفيّاتهم، وهنا تبرز المشكلة؛ وهي أن هذه الفيديوهات لا تخضع للتدقيق، ولا تمرّ –في غالبيّتها- على مبضع الرقيب العلميّ[1]، حيث يتبادر بلا شكّ سؤال الموثوقية إلى عقل المشاهد، فما الذي يدفعُه للوثوق بهذا المحتوى، وهل كثرةُ التفاعلات بالإعجاب هي الطريق الصحيح للتأكد من الموثوقية؟

أم إن الباعث هو جِدَّة الفكرة التي تقدّم –وهنا نقول إن الفكرة الجديدة لا تعني أنها جيدة كما يتبادر إلى كثيرٍ من الأذهان-؟ أم إن المعيار هو كثرة المشتركين والمشاركين للفيديو أو المنشور؟!

بتعبير آخر: ما مرجعية الصحّة والبطلان في المعلومات المذكورة أو مصدرها؟

هذا السؤال يعني سؤال الموثوقية يكون واضحاً ومهماً في المواضيع الحساسة كالطب أو الدين، فكما أنه لا يجوز سماع نصيحة من شخص يقول شيئا متعلقاً بالطب إلا بعد فحص ما يقوله عند من يعرف الطب معرفة واسعة، فإنه كذلك لا يصح منطقاً السماع إلى من يقدم شيئًا حول الدين إلا بعد التأكد من صحة ما يقوله هذا الإنسان، ولعلنا نذكر هنا كثرة التسجيلات المصوّرة التي ظهرت في فترة كورونا حول مصدره وعلاجه، ولعلنا نذكر كيف أن غالبها كان دجلاً وتلفيقاً.

وإذا انتقلنا إلى الفيديوهات الدينية فإن الأمر لا يختلف، فيكفي أن تبحث بحثًا صغيرًا في اليوتيوب عن موضوع ما لترى كثرة المحتوى فيه من مختص وغير مختص؛ حيث إن كثيراً من “صانعي المحتوى” في العالم الافتراضي يقدمون سلاسل معينة عن موضوع ديني ما، ويحاولون أن يقدّموا رأياً معيناً أو أن ينتقدوا فكرة ما، إلا أنه في أيامنا هذه ظهر-إلى جانب ذلك- “موضة” الاستنباط المباشر من القرآن مع تغييب السنة ودون امتلاك أساس شرعي أو علمي.

تابعتُ أخيرًا فيديوهات –كل فيديو أكثر من نصف ساعة– عن كيفية الصلاة وأعداد ركعاتها بالاعتماد على آيات القرآن فقط، وتابعت فيديوهات أخرى في نفس الموضوع لشخص يستنبط أعداد الصلاة بنظام حسابي معقّد[2]، وكان الهدف من ذلك كله، إلغاء العودة إلى السنة!

هذه الفيديوهات القصيرة والسريعة في إيقاعها والتي تعتمد على المؤثرات الصوتية والصورية، هي تمامًا مثل كتب تعلّم اللغة من غير معلم، ذلك أن المعلم لا يهتم للتعليم السريع، بل بإنشاء البناء المعرفي القائم على أصول معينة، والذي يؤتي أكُله بعد جهد جهيد.

أبنية بلا أسس!

في كل نوع من أنواع المجالات العلمية والبحثية ثمة اختلافات في الرأي، ويصدق هذا في الطب والهندسة وغيرهما من مجالات العلوم التطبيقية والنظرية، إلا أنه بالرغم من الاختلاف، ثمة أصول عامة ومبادئ كلية تحكم هذه الاختلافات وتؤطرها، بحيث تجعل الاختلاف ممكنًا، لكن المشكلة في أنماط الفيديوهات التي أشرنا إليها وغيرها من مناشير العالم الافتراضي أنها لم تبنَ على أصولٍ واضحة ومتسقة مع بعضها، وكثيرًا ما يجري الحديث عن آراء ذاتية وشخصية قد تكون معتمدة على فهم ناقص أو نظر قاصر، ومن ثمّ فإنه لا يمكن الاعتماد عليها في التعلّم أو اكتساب العلم.

إن التعليم يحتاج إلى تخصص، والتخصص هنا لا يعني الدراسة في كلية معينة فحسب، بل أن يكون مطلعًا على مصادر الاختصاص مع فهم تاريخه وتاريخ تطور الآراء وكيفية استنباط الحكم من الأصول.

ومن مشاكل فيديوهات ومناشير العالم الافتراضي أنها لا تقوم على أرضية ثابتة من الأصول الفكرية، إنما يعتمد جمعٌ غفيرٌ من المؤثرين فيها على رصيدهم من المعجبين والمشاركين[3]، كما قد يعتمد بعضهم على حاجات المجتمع، فتستغل هذه الحاجة لتقديم رأي شخصيٍّ يقدّمه صاحبه وكأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال المبين، بالرغم أن الشخص ذاته يقدم نفسه على أنه منافح عن حرية الرأي.

إن بناء الرأي الشخصي القائم على التفكير وفق أصول متسقة هو المطلوب، سواءً اتفقنا معه أو اختلفنا، فوجود الأسس يحاكِم البناء، وبه يظهر الثبات من الانهيار، وذلك كما قبل المسلمون سابقًا وجود اختلاف بين المعتزلة والأشاعرة مثلًا، كون الطرفين قد اعتمدا في إبداء تصوراتهم على قراءات معمقة وأصول واضحة.

يمكن القول إن فيديوهات “صانعي المحتوى” وغيرهم تعتمد الضغطَ على الوتر العاطفي لدى المشاهد، فيتم الانتقال على الفور إلى تلقين النتائج دون إبراز الأدلة المقنعة، ولدى مشاهدتي لعدد من الفيديوهات وجدت أنّ بعضهم يردُّ أحاديث كثيرة ممّا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عقله لم يقتنع به ويكفي هذا دليلاً على أن الحديث مثلاً لم يتناسب مع فكره أو يَرُق لعقله[4]، ولكم أن تتخيلوا خطورة هذا الوضع فإذا فتحنا باب القَبول الشخصي معيارًا لأيّ فكرة؛ فهذا يعني أننا فتحنا باب “التشهّي الذاتي” الذي سينتهي بنا في دوامة من الاشتهاءات المتضادة.

أسطورة الاجتهاد الشخصي!

هنا قد يعترض البعض قائلاً بأن الاجتهاد مفتوح، وبأن ما يقوله صانع المحتوى إنما هو رأي قد يصيب وقد يخطئ، وللمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ!

وددتُّ لو أنّ هذا الأمر يكون على هذا النحو، إلا أن هذا الادعاء لا يصح في باب التعليم ونشر الوعي؛ إذ إن جرم الإفساد والخطأ المتعمّد فيه مضاعف، لما له من أثر ممتدٍّ في عقول أجيال متتالية، كما أن مقولة “المخطئ له أجر” تتجه لمعنىً آخر، فالمجتهد المخطئ المأجور هو من حاز وأدرك شروط الاجتهاد وأولها معرفة القرآن والسنة معرفة تامة مع معرفته باللغة، واللغة هنا ليست مجرد قواعد نحوية بل الاطلاع على فقها ومنطقها، فكما لا يجوز الاجتهاد في معالجة المريض إلا ممن حاز فهمًا ومعرفة وممارسة بالطب، فكذلك لا يصح الاجتهاد في معالجة المسائل الدينية إلا ممن حاز المعرفة والفهم والاجتهاد في الدين.

وهنا لا بد من التنبيه إلى أنه ثمّة خلط خطير في زمن الوسائط المفتوحة بين نقطتين هما: المعلومات والتعلّم، حيث التركيز الأكبرُ على جمع المعلومات وإغراق المستمع بالكثير منها لإيهام المستمع بأن المقدم على اطلاع واسع وتبحُّر كبير، وهذا من آثار العصور الحديثة، ففرق بين المعلومة وبين العلم والتعلّم، إذ إن كثرة المعلومات دونما إدراك لها وهضمها لا يؤدي إلا إلى آلام في العقل وسوء تصرفات في السلوك، وذلك كحال من يكثر من أنواع الطعام فيصاب بآلام المعدة؛ إذ إن العلم يبدأ من حسن التعلم وحسن استخدام المعلومات وإدراك العلاقات من المنشأ إلى النتيجة ليصل إلى ترتيب منطقي من المعلومات إلى التعلم فالعلم.

في عصر الوسائط المفتوحة، ما الواجب؟

لعل هذا هو السؤال الأهم، فالدين عنصر مكمّل لمعنى الإنسان ومن دون الدين سيفقد الإنسان بُعده المعنوي؛ إذ إن انتفاء وجود الدين سيقطع الصلة بين الإنسان وبين الله؛ ولذا فإنه من الضروري أن يكوّن الإنسان تصورًا واعيًا وشاملًا عن الدين حتى يستطيع أن يستكمل حياته الإنسانية، ولا بد –بكل تأكيد- أن يكون ذلك التصور مبنيًّا على أسس متينة، وهنا يظهر لنا أهمية السؤال: “ما الواجب في عصر الوسائط المفتوحة”؟، وكيف لي أن أقوّم التصور الذي يقدمه شخص ما حتى آخذ منه؟

إنّ التعلّم الديني تخصُّص من الاختصاصات التي يحتاجها أي مجتمع مهما كان دينه، ذلك أن الدين عنصر أصيل في حياة الإنسان، نظرًا لكون الدين منظومة تعنى بالعالم الغيبي وبالبحث عن المعنى من الوجود، وإذا حصل أي اختلال في تصوّر مجتمَع عن الدين فإن حياته ستصاب بالفساد، وعلى هذا فإن المختصّين بالدين عليهم أن يكونوا على وعي كبير واطلاع واسع بالدين ونصوصه وأهدافه ومقاصده، إضافة إلى فهم لأبعاد الحياة والإنسان، وهنا أحيل إلى فكرة مفادها أن علوم الآلة – والتي تعني العلوم المساعدة لطالب العلم في فهم النصوص الدينية كالنحو والبلاغة والصرف والمنطق- تتغيّر حدودها ومساحاتها بحسب الاحتياج لها على تغيّر الأزمان، فقد يكون من الأفضل أن تنطلق علوم الآلة في عصرنا من علوم الاجتماع، ولا أعني أن يكون طالب العلم مختصًّا بها بل أن يكون مطلعًا عليها ومتابعًا لسيرها.

إنّ المعلم الديني يدرك فقه الأولويات في التعليم فلا يبدأ من بائه إلا بعد أن ينتهي من ألفه وهكذا، فهو خبير بتسلسل المواضيع وتراتُبيّتها وعلاقاتها مع بعضها، فلا يُقدِم على موضوع إلا بعد أن يؤسس له وهكذا، كما أن هدف التعليم الديني ليس إخراج المتخصصين في الدين -بالدرجة الأولى-، بل تخريج المثقّفين من ذوي التمكّن الديني والشرعي، كما أن ليس هدف هذا التعليم تأهيل الناس جميعًا لتقديم الفتوى؛ إذ إن الفتوى ليست عملية رياضية يمكن لأي إنسان القيام بها، وإنما هي عملية تقويم واسعة المدخلات ودقيقة الإجراء.

إن الواجب الأول –في عصر الوسائط المفتوحة- هو عدم التسرع في الاستماع وبناء القناعات بناءً عليها، أو على الأقل التمهّل في تبني ما نسمع في فيديوهات هذا العالم المفتوح إلى حين البحث والتمحيص والسؤال عن قيمة ما يُقدّم لي فيها، فالتريث وعدم التعجّل واجب يفرضه إيقاع نمط حياتنا،  وسؤال من نثق بهم ومن نعرفهم من الثقات العدول قد يكون دواء –مبدئيًّا- مانعًا للانكسار ودافعًا للنهوض بالتدريج.


[1] في أحد الفيديوهات يقدم أحدهم عدة فيديوهات لكيفية الصلاة وأوقاتها بالاعتماد فقط على القرآن دون الرجوع إلى بيان الرسول العلمي لكيفية الصلاة. والإشكالية أن مثل هذه الفيديوهات تلقى رواجا دون رقيب علمي.

[2] ثمة فيديوهات كثيرة تنطلق من أن القرآن هو المصدر المطلق والأوحد، ومن بينها قناة سمى صاحبها نفسه بالباحث وقناته بالتدبر في القرآن الكريم.

[3] فمثلاً، أشار أحدهم في فيديو عندما بلغ عدد المشتركين في قناته إلى مليون مشترك أن هذا دليل يشير إلى أهمية ما يقدمه انظر:
http://www.youtube.com/watch?v=jhXNqBGVlBc

[4] قدم أحدهم  – وهو مختص في الصحة النفسية كما يقول – برنامجا سماه روائع يوم القيامة، وقد قمت بمتابعته لأرى أنه خصص أكثر من حلقة ليرد عدد من الأحاديث لأنها غير متفقة مع العقل أو لمخالفتها – كما يدعي – للقرآن. ولم يقدم في سياق الرد أي دليل أو فكرة يمكن الاستناد إليها. والمشكلة في مثل هؤلاء الأشخاص أنهم يكسبون جمهورهم بالخطاب العاطفي الذي يقنّع بأنه عقلي.

سيرًا على الأقدام .. من الأندلس إلى بغداد!

بحثتُ في برنامج الخرائط في شبكة الإنترنت عن المسافة بين إسبانيا والعراق، كانت النتيجة أن المسافة تزيد عن 5140 كيلومتر، فتساءلتُ، كم ستكون مدة المسير فيما لو أراد الإنسان قطعها ماشيًا بلا انقطاع، فكان تقدير برنامج الخرائط هو قرابة ست وثلاثين يومًا، يمرّ المرء فيها على عدد من البلدان.

تساءلت في نفسي والموقع يعرض لي المرور عبر القارة الأوروبيّة -وقد تماثلت لذهني صورة العلماء الرحّالة في طلب الحديث- تُرى هل مر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ بنفس المسار الذي أظهره البرنامج أم اختار بلدان شمال إفريقيا حتى يصل إلى غايته؟

يا لها من غاية جليلة تلك التي دفعَته ليواجه مخاطر السفر كل هذه المسافة ويتحمل المشقة والتعب يَحُثُّ الخُطى مواصِلًا السير مُصِرّا على الوصول إلى العراق مهما لاقى في رحلته ما لاقى!

ما قصة ذلك الأندلُسي العصامي، وما الكنز الذي سافر إلى العراق بهدف الوصول إليه، ومن أين أتى بذلك العزم، وتلك الشجاعة، وذلك الصبر؟  ولماذا لم يُؤْثِر الراحة بركوب راحِلة تُبلغه مرامَه كالحصان أو الجمل؟ كان ذلك سيفي بالغرض بكل تأكيد لقطع هذه المسافات الشاسعة؟

الرحلة إلى لقاء العلماء

عشرات الأسئلة الأخرى جاءت لذهني، إلا أن أكثرها إلحاحًا كان لماذا المشي بالذات، بمَ كان يحدث نفسه كلما قطع خطوة؟ وكيف كانت السعادة تغمره كلما اقترب من مراده الذي تهون المتاعب في سبيله؟

تلك التضحيات النبيلة والصبر العظيم كان في سبيل لقاء العلماء، فتمشي لأجل ذلك الأقدام آلاف الخطوات ولا تبالي، للقاء الإمام أحمد بن حنبل سافر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ من الأندلس إلى العراق ماشيًا على قدميه لهدف واحد، ألا وهو “طلب العلم”.

فرق شاسع بين حالٍ مضى كان يرحَل فيه آلاف الأميال للسماع على عالم جليل، وبين واقع اليوم في عام ألفين وواحد وعشرين، حيث يتوفّر مسند الإمام أحمد بنقرة واحدة على لوحة المفاتيح وفي أقل من ومضة!

يحدّثنا بقيٌّ عن نفسه ومعاناته في أسفاره، فليس له عيش إلا “ورق الكرنب الذي يرمى”، إلا أنه بالرغم من ذلك كله يقول: “سمعتُ مِن كُل مَن سمعت منه في البلدان ماشيًا إليهم على قدمي”، وقد صدَق -رحمه الله- فقد قيل عنه: إنه “لَمْ يُرَ راكِبا دابةً قَط”. (1)

لقد قطع بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ تلك المسافات كلها ليسمع من إمام السُّنَّة حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وحُقّ له ذاك! فما أدراك من هو أحمد، وهل أتاك حديث المحنة والفتنة التي وقف فيها شامخًا صابرًا راسخًا؟

هل أتاك صوت السوط حين يهوي على ذلك العالِم الجليل جَلدًا وظلمًا وتعذيبًا إلا أنه آثر تذوّق العذاب على أن يريح نفسه من ألمه وإن كان المقابل كلمة عابرة تعبّر عن غير ما يقتنع به.

الهمم الجليلة

لعلكم سمعتم أو قرأتم عن كثيرٍ من الأئمة الأجلاء من سلف الأمة، كسفيان الثوري، ويحيى بن معين، وشعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح.

لا شك أنك –أيها القارئ- سمعت شيئًا عن الإمام البخاري وصحيحه، لكن أَوَقفتَ يومًا على تفاصيل حياته ومحنته وصبره وتعبّده وزهده؟

يعرفُ طلبة العلم كتاب “سِيَر أعلام النبلاء” الذي يترجِم ويشرح ويسردُ الكثير عن شخصيات من العلماء والمحدثين والرواة في تاريخ المسلمين، لقد كان الهدف الأسمى لهذا العلم –أي التراجم- أن نميّز بين “النبلاء” الذين حفظ الله بهم هذه السُّنَّة المُشَرّفة، فتركوا الراحة وهاجروا من بلادهم ورحلوا في شتى أنحاء الأرض للوصول إلى الغاية الكبيرة في الاطمئنان عندما يقال: هذا “حديث صحيح”.

بالتأكيد فإنك قد رأيت هذه الكلمات مكتوبة ذات مرة تحت حديث ما، سواء في تويتر أو فيسبوك أو أي مكان آخر.. لقد كان ثمن هذه الكلمة الكثير الكثير، كالرحلة الجليلة لبَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ من الأندلس إلى بغداد..

صورة كتاب "سير أعلام النبلاء" وفيه سيرة بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ

همّة منذ الصغر

قد لا يكون الحضور الشبابي في أروقة التراث أمرًا عجبًا، فمع بدايات سنّ العاشرة –تقريبًا- بزغت أنجم علماء كثيرة، كالإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام سعد الدين التفتازاني وغيرهم الكثير من مفكري الإسلام وعلمائه، مما يفسّر عظمة العطاءات العلمية والمشروعات الفكرية التي قدمها الكثير من العلماء الأوائل؛ فقد كانت أعمارهم كلها تقريبا -إلا بضع سنين للنشأة الأولى- مبذولة للمحبرة والدواة.

جاء في “ترتيب المدارك” للقاضي عياض أن الإمام مالك جلس لتعليم الناس والفتيا وهو ابن سبع عشرة سنة، وعُرفت له الإمامة منذ ذاك (2).

لا يضرّهم من خذلهم

لقد بلغ من همم العلماء أنهم إذا أرادوا أن يحكموا على حديث ما بالصحة أو الضعف أن يتحروا ويبحثوا عن رواة هذا الحديث ويسافرون من بلد إلى بلد للسؤال عن حقيقتهم مهما كلفهم ذلك من مشقة وعناء! ثم يأتيكَ اليوم من يطعن في صحيح البخاري!

أنت يا من يرمي هذا الجبل بسيّئ الكلمات، سل عنه دواوين الخلود، فإن “كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيًا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدّتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، هم حفظة الدين وخَزَنته، وأوعية العلم وحملته، [..] لا يَضرُّهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، والمحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وإن الله على نصرهم لقدير” (3) ثم بعد كل هذا أتُراهُ أمرًا سهلًا أن أكتب عن علماء الحديث!

إن اللغة لترتبك في مخابئها حين أتحدث عن هذه الهمم، تحذرني من إخراجها بأسلوب ضعيف، بل إن القلم ليتقدّم خطوة ثم يتراجع عشرًا خوفًا من التقصير في الوصف، وهيبة من استخدام اللغة بمستوى لا يليق بتلك النفوس العظيمة، واستحياء من التقصير في حمل الأمانة، إنه حياء التلميذة من إهمالها علوم شيوخها وآبائها.


الإحالات

  1. سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، ج13، ص: 291.
  2. ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج1، ص58.
  3. شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغددي، ص: 28.