image_print

هل الفن وسيلة للإصلاح؟

من مزايا المنهج الإسلامي شّموليّته الواضحة في كلّ شيء، ونقصد بالشمولية هنا وجود ضوابط وأطرٍ عامّة ومقاصد أساسيّة للإسلام تتنزّل الحوادث المتجددة تحتها والبحث عن اجتهادات فيها ضمن تلك الضوابط، حيث إن الشريعة حدّدت لنا المبادئ التّي يستطيع أن يلتزم بها الإنسان المُسلم في مُختلف مجالات الحياة من سياسة واقتصاد واجتماع، ويمتدّ ذلك أيضًا إلى الفن بمُختلف أنواعه، وما ابتعدت البشريّة عن هذه الضّوابط في أيّ مجالٍ إلاّ وأتبع ذلك انحراف وفساد وانتكاسة عن الفطرة الإنسانيّة.

يتبادر إلى الأذهان أنّ الإسلام عدو للفنّ وأنّه لا يُمكن النّبوغ فيه مع المُحافظة على القِيَم والمبادئ الإسلاميّة، فكيف يُمكن –أصلاً- توظيفه في التّغيير والإصلاح؟!

يحتج البعض في رَفضه للفنّ بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْ والْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6]، وتعليقًا على هذه الآية نرى الإمام ابن حزم يقول في مواضع متعددة بأن الكفر متأتٍّ عن إرادة الإضلال عن سبيل الله واتخاذ ذلك هزؤًا، بل لو أن امرؤًا اشترى مصحفًا بقصد الإضلال عن سبيل الله لكان كافرًا” [المحلّى بالآثار، ابن حزم، ج7- 567] ومن ثمّ يمكن القول إنه لا علاقة لهذه الآية بتحريم الفن البنّاء السّليم والنّقي.

محمد الغزالي

محمد الغزالي

يرى الشيخ محمد الغزالي رحمه الله “أن الغناء كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح! فهنالك أغان آثمة، تلقى في ليال مظلمة وإن كثرت فيها الأضواء، لا تسمع فيها إلاّ صراخ الغرائز أو فحيح الرّغبات الحرام، وهناك أغان سليمة الأداء، شريفة المعنى، قد تكون عاطفية وقد تكون دينيّة وقد تكون عسكرية تتجاوب معها النّفوس، وتمضي مع ألحانها إلى أهداف عالية” [السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، محمد الغزالي، ص 109] “لقد أشاعت المدينة الحديثة الراديو والتلفزيون وغيرهما من الأجهزة الناقلة للثقافة والملاهي على سواء، ومعروف أنّ هذه الأجهزة أدوات غير مسؤولة عمّا يصدر عنها، وإنّ المسؤولية تقع على المؤلفين والمغنين والمخرجين، ففي استطاعتهم أن يقدّموا النّافع ويحجبوا الضّار” [المصدر السابق، 125].

إنّ الفن وسيلة يستخدمها الإنسان ليُعبّر عن تصوّراته في الحياة، ولينقُل ما يؤمن به من أفكار ومبادئ للمُتلقّي، فإن صلح هذا الإنسان وأبدع في فنّه فسيُنتج لنا صورة فنيّة سليمة المعالم نبيلة الأهداف تُنير الفكر الإنساني، وإن كان هذا الإنسان مُتّبعًا لأهوائه فاسد العقيدة، فلن يُنتج لنا إلاّ فنًّا مُشوّهًا لا خير فيه، بل لن يزيد المُشاهد إلاّ انحرافًا وضلالاً. فالمُشكل هُنا في الإنسان وفي كيفيّة توظيف الفن الذّي أصبح جزءًا من مُجتمعاتنا وثقافتنا المعاصرة.

الفن في الغرب

يعكس الفن في الغرب تصوّرات الأفكار والأفراد في واقع الحياة المعاشة في ظل طغيان المادة وفساد الفطرة، وأوّل ما يلفت نظرنا في الفن الغربى أنّه مشغول بالآلهة وبصراعها مع الإنسان الذّي بمقدوره الانتصار عليها والاستقلال بذاته.

وفي كلّ مرّة تكون هذه الآلهة أو القدر هي مصدر الشرّ والاستبداد، وفي المُقابل يكون الإنسان هو المُتعرّض للظلم وصاحب الحقّ، وبناء على ذلك وجب عليه تحدّي الآلهة المزعومة، حتّى يستطيع التحكّم في مصيره وصناعة تاريخه بنفسه دون الخضوع لأيّ قوّة خارجيّة. فعلى سبيل المثال الأفلام الحديثة التي يكون فيها الأبطال هم أشخاص من ذوي القدرات غير الطبيعيّة فيتمّ تأليههم في مواجهة قوى الشرّ الظالمة أو في بعض الأحيان يتطور الأمر بينهم وبين الإنسان العادي إلى صراع لإثبات قدرة انتصار الإنسان على هذه الآلهة وانتزاع السّلطة منها.

ومن مظاهر الفن الغربي أيضًا تمييع الدّين وتشويهه وتقديمه للعامّة بصورة باطلة ومنحرفة، حيث يتمّ عرض قصص الأنبياء مثلا كما حدث في فيلم نبي الله نوح وموسى بطريقة مُحرّفة فيها تجسيد للذات الإلهيّة، ففي ذلك افتراء على حقيقتها، كما أن فيها تجسيد للأنبياء ونزع للعصمة التّي منحها الله لهم، ولا ينتهي الأمر هنا بل يتمّ غالبًا عن طريق الفن ربط التطرّف والتخلّف بالدّين، خاصة بالإسلام، كما يتمّ الاستهزاء به في المسرحيّات من أجل المُتعة والتّسلية.

أمّا على المستوى الاجتماعي فقد أصبح الفن تهديدًا للأمن والاستقرار داخل المجتمع، حيث يتمّ تبرير أعمال العنف والقتل لشخصيّة عاشت ظلمًا اجتماعيّة واضطرابات نفسيّة وجعلها ضحيّة يتعاطف معها المُتلقّي، فتُصبح له قابليّة للّجوء للعنف الجسدي واللّفظي كلّما وقعت له مظلمة من باب التمرّد على النّظام القائم، وهذا ما حصل عندما تمّ عرض فيلم الجوكر الذّي انتقِد بشدّة بسبب العنف المفرط فيه إلى جانب التّبرير لإجرام هذه الشّخصيّة، وخلال عرضه في دور السّينما الأمريكيّة تمّ نشر وحدات أمنيّة إضافية فيها خوفًا من تداعيات عرض هذا الفيلم.

الجوكر أحد أشكال الفن

لم يترك الفن في الغرب العلاقات بين الرّجل والمرأة على شكلها الفطري، فلا يكاد يخلو عمل فنّي من عرض مفاتن المرأة من باب الإغراء والمُتعة وتقديس الجسد، كما بات عرض العلاقات الجنسيّة المُحرّمة وكأنه جزءٌ من الدلالة على الحبّ، حيث لا بدّ من تلبية الغرائز كلّما سنحت الفرصة لذلك بدون تحرّج أو قيود أخلاقيّة، ومن شدّة الانحراف الفنّي أصبح يُروّج اليوم لزنا المحارم، والشّذوذ، بل وصل الأمر بأن تقوم نتفليكس بالدفاع عن إدراج فكرة اشتهاء الأطفال والدعوة للمثلية وعرض أفلام من بطولة أطفال مراهقات بما لها من إيحاءات جنسيّة مبالغ فيها!

إنّ مثل هذا الفن، الذّى يتم إخراجه بإتقان وجودة عالية تأسر المُتلقّي، وذلك لن يُنتج إلاّ إنسانًا كارهًا للدّين، جاحدًا لربّه مُنغمسًا في شهواته مُتّبعًا لأهوائه بدون حدود، ونحن لا نُنكر وجود روائع إنسانيّة عميقة وعالية فيها مشاعر راقية في الفن الغربي، إلا أن قول ذلك يجب ألّا يحجب عن أبصارنا المفاسد التي ذكرناها وما يترتّب عليها من انحرافات.

الفن في مُجتمعاتنا

ربما يقال إن بداية الفن في مُجتمعاتنا كانت تحترم التّقاليد اليومية والأخلاق، وعندما دخلنا في طور الحداثة أصبح أرباب الفن مولعين بتقليد الغرب في كلّ شيء يُناقض قيم الإسلام، لقد بدأ الفن ينسلخ رويدًا رويدًا عن منهجه في إظهار مشكلات المجتمع إلى تحريف فكره، وأصبح من الضروري فيه أن تظهر المرأة بطريقة جذّابة ومُغرية، وأصبحت بعض الانتاجات الفنيّة تعرض العلاقات المُحرّمة من دون حرج باسم الإبداع والحريّة وذلك بهدف تحصيل أكبر نسبةٍ ممكنة من المُشاهدات.

أصبحت لحظات الضّعف والانحراف أمام الغرائز والنّزوات تُصوّر على أنّها بطولة فانقلبت المفاهيم عندنا، لقد تحوّلت الخيانات الزّوجيّة واتّخاذ العشيقات حبًّا وتضحية، وتحوّل التعرّي واللّباس الفاضح وغير اللائق تحرّرًا ومُوضة يتسابق إليها شبابنا اقتداءً بالمشاهير من الفنّانين والفنانات، وتحوّل الكلام الفاحش وعقوق الوالدين وشرب الخمر والتميّع رُجولة وفخرًا، وكلّ ذلك يُقام في الأعمال الفنيّة عندنا باسم الواقع وتشخيص حالة مُجتمعاتنا!

كما أصبح الفن اليوم طريقًا لتشويه قُدواتنا الإسلاميّة وتزييف التّاريخ ووصفهم بالتطرّف والإرهاب والقدح المسيء حتّى تنفر العامّة منهم بدون الاطّلاع على سيرتهم وما قدّموه لأمّتنا الإسلاميّة، ونذكر على سبيل المثال الهجمة الشرسة في احدى المُسلسلات على شيخ الاسلام بن تيميّة وجعله سببًا لاتّباع شبابنا لمنهج التّكفير وإباحة دماء الأبرياء، ولنضف إلى ذلك ما يتمّ ترويجه من أباطيل في أعمال فنيّة حديثة باستغلال ما تقوم به  بعض التنظيمات المتطرفة لإلصاق تُهمة القتل والعنف بالاسلام دون توضيح الحقيقة للمُتلقّي ودون تبيين انحراف هذه التّنظيمات عن الحقّ.

لن ينتهي دور الفن هنا بل سيزجّ في السياسة عن طريق إنتاج مُسلسلات ذات جودة عالية هدفها تزييف الحقائق وتلميع صورة الأنظمة الظالمة والمستبدّة، بهدف تبرئتهم من كلّ إجرام قاموا به داخل أوطانهم وخارجها، بل أصبح الفن اليوم يُوظّف من أجل تبرير جريمة التّطبيع مع الكيان الصّهيوني وإقامة الحفلات الغنائيّة إرضاءً لقرارات السّلطة الحاكمة واستجابة لطلبها!

وقد انعكس كلّ ذلك سلبًا على مُجتمعاتنا وانتشر بيننا العنف والفساد الأخلاقي والجمود والوهن أكثر من ذي قبل. ولنا أن نتساءل الآن إذا كانت هذه صورة الفن عندنا، فما البديل الذّي يُقدّمه الإسلام لنا؟

الفن في الإسلام

إنّ الالتزم بمنهج الله في الفن لن يجعله عبارة عن مواعظ وخطب وإرشادات دينيّة متسلسلة، ولن يتحدّث العمل الفني عن العقيدة والفقه فقط، ولن يكون مُنفصلاً عن واقع الحياة عن طريق تقديم صورة مثاليّة للإنسان غير قابلة للتّطبيق، بل سيجعله يتناول كلّ جوانب الحياة ومشاكلها بكلّ حرّية من زاوية التصور الإسلامي.

قد يتحدّث الفن الإسلامي عن الكون فيصوّر لنا جماله وارتباطه بالخالق ويصفه لنا على أنّه خليقة ذات روح تُسبّح لله وتخضع له وتشهد على من عاش فيه وكلّ مخلوق موجود فيه إلاّ وله حياة وروح كما قال الله لنا في كتابه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]

وقد يتحدّث الفن عن الإنسان فيراه خليفة الله في الأرض وعبدًا له يستمدّ حياته ووجوده من الله وحده وأنّ له دورًا فاعلاً في الحياة، وأن هذا الكون مُسخّر له ليُصلح فيه ويُحارب الظلم والشرّ، ومن ثمّ يكشف عن حقيقة الإنسان الذي له منافذ ضعف يستغلّها عدوّه الأوّل الشيطان ليُغويه، فتكون هنا مُجاهدة النّفس والشيطان من أجل اتّباع منهج الله والثبات عليه وتربية النّفس على ذلك.

بكل تأكيد فإنه من المهم للفنّ مُعالجة العلاقة بين الجنسين بإعطائها طابعها الإنساني النّظيف الطاهر بعيدًا عن الرذيلة والشّهوات، وأن يظهر أن العلاقة الطاهرة مهمة لبناء مُجتمع مُتوازن ونقيّ وتغيير واقعه والنّهوض به.

وقد يتحدّث الفن عن رسول الله عليه صلى الله عليه وسلّم فيُخبرنا عن حياته وأخلاقه وعن علاقته بربّه وعلاقته بأصحابه وبأهله وأزواجه وعن غزواته وكيف نصره الله فيها، وعن كفاحه من أجل نُصرة الحقّ ودحض الباطل، ليكون خير قدوة لنا في مُختلف المجالات، ولنتعلّم منه كيف نُدير حياتنا ونحياها.

قد يتحدّث الفن عن المُستويات العليا للجمال التّي تشمل كلّ مجلات الحياة كجمال الأخوّة الاسلاميّة ومدى حاجتنا لها اليوم، وجمال الحبّ الذّي يشمل الحبّ الإلهي والإنساني وجمال الأخلاق، وكيف تحيى الأمم بها، وكذلك جمال الصّبر على محن الحياة والعزم على تجاوزها مع التوكّل الله الذي بيده كلّ شيء، وجمال الخير الذي يجب أن يكون ديدنه كلّ إنسان، وجمال الحقّ والعدل الذي تقام بهما الدّول النّاجحة، وجمال الحريّة والكرامة التّي تطمح إليها الشّعوب والأمم المقهورة والمظلومة، وجمال العلوم التّي تنهض بها الأمم وتُنير بها طريقها وتُحقّق بها استقلالها، وجمال النّضال والبذل والتّضحية بالمال والنّفس من أجل الإصلاح والتّغيير والعودة لمنهج الله ومُحاربة المُنكر والجمود والجهل، وجمال الجهاد الذي تكسر به الأمّة قيود الاستعمار والمذلّة والاعتداء على حُرماتها.

وللفنّ أيضًا أن يُجسّد لنا الواقع ومشاكله الكبرى بدون إفراط أو تفريط، وفق الضوابط الإسلاميّة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وتسليط الضوء على الانحرافات النفسيّة والخُلقيّة التّي يعيشها الفرد منّا مع تقديم الحلول لها في شكل فنّي إبداعي وفق الهدي الإسلامي.

وخلال هذا كلّه يُصبح للفنّ الإسلامي مجال واسعٌ للتّعبير الشامل في كلّ مجالات الحياة، وإنّ مثل هذا الفن سيُساهم بلا شكّ في ترسيخ القيم والمفاهيم الإسلامية بيننا، وسيلفت كذلك نظر المُتلقّي إلى مواضع الخلل التّي تعيشها مُجتمعاتنا وكيفيّة النّهوض بها، وسيدفعه ذلك إلى العمل وعل والهمّة من أجل التّغيير.

إننا لن نصل لهذا المستوى الفنّي إلاّ في وجود فنّانين تشبّعت أنفسهم وقلوبهم التصوّر الإسلامي الصّحيح، فتراهم يتطلّعون للإصلاح، كما أن علينا دعم مواهب شبابنا المُسلم في هذا المجال، والإحسان تأطيرهم وعدم غلق باب الفن عنهم فيفرّون من دينهم ويُسخّرون طاقاتهم الابداعيّة في الفن القبيح المشوّه والمنافي للأخلاق.

النسوية بين الحقوق والقوانين والواقع

كان لانطلاق فكرة (النسوية) لتخليص المرأة من الاستعباد المجحف كبيعها واستغلالها بعضٌ من الحق في بادئ الأمر، ولكن كأي أفكار وحريات لا تحدّها حدود لا بُدّ أن يشوبها التطرف والغموض، فكان طلب النسويات في الموجة الأولى للمساواة في حق التصويت مغلفًا بطابع من العنصرية، حيث احتجت النسوية إليزابيث ستانتون على إعطاء حق التصويت للرجل الأسود قبل أن يعطى للمرأة بيضاء البشرة، وأعلنت ريبيكا فيلتون إحدى المؤسسات ذلك صراحة عندما قالت: “لايمكنني تحمل رؤية رجل أسود يصوت لحقوقي”.

الجانب المظلم من النسوية

كان ما تقدّم عبارة عن موجة أولى من النسوية المتلفّحة بالعنصرية ضد عرق بعينه، أما الموجة الثانية فقد ركزت على أن تشمل النساء من الأعراق الأخرى والديانات المختلفة وقد حاولت استبعاد الأمهات من نطاقها، حيث اعتبرت سيمون دو بوفوار إحدى أبرز المفكرات النسويات الأكثر تأثيراً في عصرها، أنّ المرأة التي تنجب طفلاً مضطهدةٌ لنفسها.

لعل أكثر ما ميّز الموجتين الثانية والثالثة (التي كانت حركة فردية مُركزة على حقوق المتحولات جنسياً)، هو محاولة تفسير اختلاف الأنثى بطريقة عشوائية، فأقرت سيمون دوبوفوار في كتابها بوجود الاختلافات بين الجنسين الفيزيولوجية والعاطفية والبيولوجية، ولكنها ادعت أنه ليس سببًا كافيًا لتعامَل المرأة بشكل مختلف، وقد كانت منطلقةً من اعتقادها بأن المرأة يمكن أن تختار جنسها بعد مولدها، وبسبب ضعف هذا المفهوم حاولت نسويات الموجة الثالثة تعزيزه بافتراض أن المجتمع هو من يجعل المرأة امرأة، وذلك بوضعها في قالب معين، مما جعل المؤسِسة مونيك ويتتينغ تقول أن المرأة ستعيش باستقلالية إذا كانت كالرجل.

سيمون دو بوفوار من رواد النسوية

سيمون دو بوفوار

ومنذ تلك اللحظات بدأ فكر النسوية بالانحراف عن مساره أكثر وأكثر وهاجمت النسويات بعضهن بعضًا لعدم المنطقية في كثير من أفكارهن، مما دفع فيرجينا وولف (كاتبة انكليزية، معاصرة ومفكرة نسوية) لتقول: “لماذا لا يجب أن نصبح نسويات؟ النسوية مطلوبة عندما لا تستطيع المرأة أن تصنع حياة لنفسها، أما الآن مع وجود الحقوق لم يعد لكلمة النسوية أيّ معنى”

وعلى الصعيد العربي يظهر تناقض هدى الشعراوي رائدة الحركة النسوية عندما كانت أشد المحاربين لزواج ابنها من المطربة فاطمة بسبب الفروقات الاجتماعية واستخدمت نفوذها لتهديدها ومحاولة التأثير سلبا على قضية إثبات نسب حفيدتها لعائلة الشعراوي.

الموجة الرابعة ومشكلة في القياس

   من صحيفة Prospect

كتبت شيريل ساندبيرغ المديرة التنفيذية لشركة فيسبوك في كتابها الأكثر مبيعاً Lean In: “اعتقدت بالمجمل أن النساء في قرون الستينات والسبعينات قد قاموا بالعمل الأصعب في تحقيق حقوق المرأة لنساء جيلي، اعتقدنا أنا وصديقاتي فعلا بل ربما بسذاجة أننا لم نعد نحتاج لحركات النسوية بعد الآن”.

ما زال النقاش في قضايا المرأة مستمراً وقد اضطرت المرأة في القرن الواحد والعشرين من تحويل التركيز على تحقيق المساواة القانونية إلى موجة من محاربة التمييز ضد النساء وتحقيق المساواة المجتمعية، والذي يعد أمراً صعباً، فمع 40 سنة من النضال مازالت المرأة في كثير من الدول الغربية لا تحصّل نفس الأجر ولا حتى نفس فرص العمل التي يحصلها الرجال، وليست هذه المشكلة فقط، فثلث النساء الأوروبيات ما زلن يتعرّضن للعنف المنزلي والجنسي، فضلا عن الضغط الساحق الممارَس على المرأة للالتزام بمعايير الجمال التي تحددها الشركات والإعلام والتي كتبت عنها ناتاشا وولتر “أن كثيرًا من الفتيات والنساء الصغيرات من الجيل الجديد يرين أن المساواة في القوانين لم تترجم إلى مساواة على أرض الواقع”

تعتقد غالبية النساء أن النسوية كانت لفئة معينة كما كتبت ميكي كندال في التايمز: “النسويات ركزن على المشاركة في المناصب وتجاهلن المشاكل الحقيقية لغالبية النساء”، وقد ذكر مارك مانسون مؤلف وصاحب الكتب الأكثر مبيعا في نيويورك تايمز: “كان لانطلاق الحركة النسوية معنىً، والمساواة لايجب أن تكون محل نقاش للجميع، أما النسوية كجمعية أصبحت مؤسسة رجعيّة في كثير من الحالات”، وأكمل في مقاله: “في الموجة الرابعة أصبحت الأمور أكثر تعقيداً، فطلب المساواة في القوانين والعمل كان منطقياً أما المساواة المجتمعية في الأفكار والمعتقدات فإنه أمر معقد وصعب، فهناك مشكلة في القياس لدى فكر النسويات، ولنضرب مثلاً إذا قامت شركة بطرد ثلاث موظفين اثنتان منهم من النساء، فكيف سيحددون السبب فهناك الكثير من الأسباب وكيف سيعرفون ما فكّر به صاحب العمل هل سيعتبرونها مساواة أم عنصرية جندرية؟ يجب الآن على المرأة التوقف عن إطلاق الحملات هنا وهناك والاحتجاج على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا أردت فرصا للنساء أكثر في العمل أسسي عملا لك وللنساء”

لنذكر في هذا الإطار دراسة قامت بها جامعة أوهايو لمحاولة فهم عدم وجود كثير من النساء في مواد STEM (العلوم والهندسة والرياضيات) حيث سُئِل ما يقارب 2.700 طالب وطالبة، على أي أساس يختارون المهن، فكان جواب معظم الرجال أنهم يختارون المهن ذات الرواتب العالية، أما النساء فتميل لما يناسبهن أكثر مع تفضيل مساعدة الآخرين، وللمفارقة أيضا فهناك وظائف يكاد وجود الرجال فيها معدوما، فمهما حاولوا التغيير فإنه لا يمكن أن يغيروا الطبيعة التي خلقت وجبلت عليها النساء والرجال.

المنسيون والفئات المهمّشة

ذاك الصوت الضعيف الذي يبحث عن مكانه في قافلة الأصوات المرتفعة والنقاشات المتضاربة، فأعداد المتعرضين للعنف من الشريك مازالت في ارتفاع لتشير إحصائيات في الولايات المتحدة عن تعرض 10 ملايين شخص من الرجال والنساء خلال سنة للاعتداء الجسدي من قبل الشريك، أما أوروبا فقد سجلت أعلى الأرقام لتصل في انكلترا إلى 280 امرأة معنفة مقابل 22 رجل معنف لكل 100 ألف من السكان، و وصلت الأعداد الذروة خلال جائحة كورونا في أغلب دول العالم لتكون النسبة الأكبر من النساء والأطفال، فباتت ملاجئ النساء في ألمانيا مثلا تشتكي من عدم وجود أماكن تكفي للأعداد المتزايدة.

أما الفتيات اليافعات -الذي ضجّ العالم مستنكراً زواجهنّ ليُسنّ قوانين مختلفة لمنع الزواج قبل سن الثامنة عشر في دول عدة- هن أنفسهن الفتيات اللاتي يستخدمن موانع الحمل بنسبة 83% بين عمر15 و19 في الولايات المتحدة مثلًا، وهنّ الفتيات اللواتي اضطررن للعمل بالبغاء –إذ إنّ قوانين الدول الأوروبية التي تسمح بممارسة هذه المهنة- فلوبيّاتها والمُتربّحون منها يجدون في هؤلاء الفتيات والنساء الضعاف والفقيرات صيداً ثميناً، وكانت الأسباب أحياناً أنها مجرد انسياق مع (موضة) منتشرة، مثلما نقلت 24France بالإنكليزية عندما قامت الشرطة الفرنسية بتفكيك شبكة دعارة أغلبها من اليافعات، وذُكر أنه بين 6000 إلى 10000مراهقة تمارس هذا العمل في أنحاء البلاد.

ومشكلة العائلة أحادية المعيل وبالأخص الأم المعيلة التي لم يستطيعوا حلّها إلى الآن ومنها دول غنية مثل الولايات المتحدة وألمانيا، فهم فئة مهددة بالفقر ومنهم من هم تحت خط الفقر بحسب الدراسات، والأسباب تعود غالبا لقلة فرص العمل وعدم المساواة في الأجور ويزداد الأمر صعوبة إذا كانت من النساء غامقات البشرة أو ممن ترتدي الحجاب، فضلا عن حق الرعاية للأم لمدة معينة، وفي محاولة منهم لصنع التوازن بدأ فرض قانون يشمل حق الرعاية للأب حتى تحصل المرأة على فرص أكثر في العمل، إلا أنه لم يتغير الكثير.

يُنسى، يُباع، يُؤجّل، الأطفال المُتخلًّى عنهم والظلال الأخرى للحرية

هذا هو عنوان بحث لجامعة بوخوم شرح مساوئ الحرية على الأطفال، وتحدث تقرير لقناة SPIEGEL عن فاجعة تخلّي الأهل وأكثرهم من الأمهات المعيلات لوحدهن عن أطفالهم بعد انهيار جدار برلين، فقد تم التخلّي تقديريا عن عشرات آلاف الأطفال وأكثر، والمؤسف أن أكثر الأسباب كانت للبحث عن الحرية والحظ في مكان آخر كما ذُكر، ولا يوجد أرقام محددة عن عدد الأطفال المُتخلّى عنهم child abandonment في العالم، إلا أن دراسة أجريت في جامعة نونتغهام لاحظت أن الأغلبية منهم في أوروبا الوسطى والشرقية.

أما بيع الأطفال، فهي أفظع الجرائم، والحديث هنا ليس عن بيعهم من قبل مافيات في السوق السوداء المنتشرة في الصين، بل عن بيعهم من قبل أهلهم، فهذه ظاهرة متصاعدة في دول مثل بلجيكا وبلغاريا، حيث تقوم الأم ببيع طفلها وهو ما يزال جنينا في رحمها حتى تلد فتعطيه للعائلة الجديدة إما لعدم الرغبة به وإما بسبب الفقر.

وما هذا الذي ذُكر إلا غيض من فيض، فمن ينظر لواقعهم عن قرب يجد مشكلات مجتمعية واجتماعية شتى والتضارب في معالجتها.

ماذا فعلت القوانين الوضعية؟

ربما حقّقت بعض القوانين بعضاً من المساواة إلا أن بعضها زاد الأمر سوءاً، فالقوانين ضرورية ورادعة والرقابة مهمة، وهذا ما يدفع كثيرا من الدول لمحاولة تغطية أكبر مساحة ممكنة بالكاميرات ولكن ماذا إن اختفى كل هذا؟ ولم يكن هناك رادع أخلاقي واستشعار لرقابة الله، أو كانت حرية الإنسان بلا نهاية؟

سنجد الجواب فيما يحدث في الولايات المتحدة وبعض الدول، فمع كل انقطاع للتيار الكهربائي ترتفع معدلات الجريمة أثناء انقطاعه بشكل ملحوظ، فلا يمكن التخلص من الجريمة بشكل كامل إلا إن كان للإنسان رادعٌ من نفسه.

وهناك أمراض تنتشر بسبب الفقر والجهل، وعلى المثل من ذلك هناك أمراض أخرى منشأها الحضارة والتمدن والغنى، إلا أنها تبقى أمراضًا يكون حلها الأمثل بالوقاية منها! وهل من الممكن أن يوجد أعظم من الوقاية والدواء الذي كرمنا الله بإعطائه إيانا؟

فلا يمكن لقانون أن يضاهي قوانينه سبحانه لأنه أعلم بخلقه، فقوانين البشر مقتصرة على عقلهم المحدود وقصر نظرتهم وشموليتها، ينتظرون نتائج قوانينهم، ثم يتدارسون قوانين جديدة، ولكن بعد ضياع كثير من الحقوق.

وهل يجتمع قانون أصله باطل بقانون أصله حق؟ فلا يمكن أن تُشاب قوانين الله بقوانين البشر فإن اختلط الحق بالباطل أصبح باطلاً، ولا يُستمدّ هذا من ذاك، فإما اتباع لقوانين البشر التي أصلها في كثير من الأحيان باطل ولا يمكن إلا أن يظلم بها كثير من الناس، أو التطبيق التام لقوانين الله وشريعته، الذي لا يُظلم بها أحد، مع الإقرار الكامل بأنه أعطى كل ذي حقٍّ حقوقه من المرأة والرجل والأسرة والمجتمع، فكان المنظومة الأفضل من العدل والمساواة والحكمة والرقابة، وهنا يجب علينا أن نفرق بين الأعراف والتقاليد وقوانين البشر وبين دين الله وقوانينه التي حاشى له سبحانه أن يظلم بها أحدًا، يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب:36].

وصدق الله القائل:} وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً] {الإسراء:81]، فالباطل يزهق لا لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، بل لأن دعائمه تضعف، وتتخلخل عوامله أمام الحق، فما يكون منه إلا أن يتهاوى وينهار.

أما الحق فإنه يستمد عناصر وجوده من ذاته، وقد تقف ضده الأهواء وتقف الظروف، ولكن ثباته واطمئنانه يجعلان العقبى له ويكفلان له البقاء، فهو الحق من عند الله، وكفل له البقاء ما بقي البشر في الأرض }ومن أوفى بعهده من الله]{التوبة:111 [


المراجع

Everything-about-fourth-wave-feminism-prospect

HIDDEN-DARK-SIDE-OF “FEMINISM”

What’s-the-Problem-with-Feminism?-mark-manson

Why-women-select-college-majors-with-lower-earnings-potential-ohaio

ضحايا-العنف-في-دول-الأوروبية.

احصائيات-ضحايا-العنف-من-الشريك-أمريكا.

ضحايا-العنف-خلال-جائحة-كورونا

أعداد-النساء-المستخدمة-لموانع-الحمل.

نسبة-النساء-المعيلات-لوحدهن-الفقيرات-وأغلبهن-من-الأمهات-العاذبات

Single-mothers-much-more-likely-to-live-in-poverty

البغاء-للفتيات-في-المراهقة

الحجاب-والعمل-في-الولايات-المتحدة

Child-abandonment -University-of-Nottingham

Child-abandonment -University-of-Bochum

الأطفال-المتخلى-عنهم-بعد-انهيار-جدار-برلين

sociology-of-electrical-power-failure

 New-York-power-outage

Roma-mothers-sell-newborn-babies

Parents-sell-babies-on-the-Internet

بين-الحق-والباطل-صحيفة-البيان..

Poverty-rate-of-Black-single-mothers .

من-خالفك-في-المرجعية-فقد-خالفك-في-الدين-(الليبرالية،النِسوية…-د.سامي-عامري

هدى-شعراوي-رائدة-الحركة النسوية-تعارض-زواج-ابنها-وترفض-نسب-حفيدتها

بدون-حماية-كيف-تخلت-ألمانيا-عن-النساء-المعنفات

ميكي-كندال-التايم

 

الشوق لرمضان.. أم السؤال عن معجون الأسنان؟

كلّما استحضرتُ قربَ الشهر الفضيل، وحاولت عيشَ أجوائه الدافئة في ذاكرتي أو مخيلتي، راودني تفصيلٌ تافهٌ أو عابر –ربما-، ولكنّني أجدُ فيه تفسيراً يمكن إسقاطه على كلّ تجاربنا المختلفة في رمضان.

كثُرت النكات في آخر الأيام على فكرة الأسئلة التي يطلب الناس فتواها من الشيوخ وعلماء الدين في أوائل أيام شهر رمضان، حتى اختصر كثيرون ذلك على الناس بنشر كل تلك الأسئلة -الساذجة المكررة- في صورة واحدة بجدول “يفطر أو لا يفطر”.

إلا أن السذاجة لا تقتصر على تلكَ الأسئلة، بل لعلّها تحدث في زوايا كثيرةٍ من أفعالنا في هذا الشهر المبارك الذي يبدأ سيناريو اشتياقنا له بالنصوص والعبارات، وربما في مواقف صادقةٍ أكثر، في احتياج الروح للقرب والتهذيب والتنقية حقًّا، ولكنّ هذا الصدق قد يتشابه مع صدق صاحب ذلك السؤال الذي جعلناه نكتةً، ربما إن فهمنا دافعَ سؤاله أكثر.

إنّنا نسأل الأسئلة في بعض الأحيان لا لرغبةٍ حقيقيّةٍ في الإجابات، وإنما لفكرة السؤال نفسه.. لأقرّبَ الوصف أكثر؛ فإنّنا قد نسأل عن حال بعض المعارف أحياناً دون رغبةٍ حقيقية بمعرفة أخبارهم، ولكن مخافة العتاب، أو إرضاءً للواجب، هذا ما يحدث بالضبط مع تصرفاتٍ -بتنا نسميها رمضانية- كثيرة، أن نُشعِر أنفسنا بأنّ واجباً علينا يُؤدّى، بأنّنا مهتمّون حقّاً برمضان والبداية جادّة.

ظلم تشبيه الـ ( 1 ) بالـ ( 11)

جُعِل الصوم مميّزاً عن باقي العبادات في تفاصيل مختلفة كجزائه القدسيّ سواءً من ريانٍ، أو ذاك الذي تركه الله له، وهو يجازي به، ولنا أن نتخيل حجم عطاء الكريم إن وعد.

كما أنّه مختلفٌ في توقيته الخاص، وحدانيّته وسط 11 شهراً آخر، وهنا بالذات قد نفسد من حيث نريد الإصلاح، فنأتي لنُشعِرَ أنفسنا بأن هذا الشهر هو الكنز المنتظر، ذو اليوم المختلف، والروتين الخاص فنقعُ في مأزقين معتادَين.

أولهما: لحظة ما بعد العاصفة، والعاصفة التي أقصد هي مآزق وعثراتُ وسقْطات الأشهر الإحدى عشر، عواصفُ الذنوب والأخطاء والوساوس التي لاقَينا سوء عاقبتها، وتعب المصير الذي آلت بنا إليه، تلك الموعودة بالإصلاح دائماً دون جدوى، إلى أن يخطر في البال طيف رمضان كشهابٍ رابح، ليبدأ الذهن في ترتيب مراسم التوبة والنسك والتهجد.

وهنا أستحضر مشهد السفينة في عباب البحر، يركبها المسافرون يواجهون أكثر لحظات الخطر والمشقّة (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ.. ) يخاطبون الله، يدعونه، يَعِدونه ويعدون أنفسهم بتغيّرٍ عظيم؛.. (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [يونس:22]، إلا أن عاقبة هذا الوعد معروفةٌ في أحيانَ كثيرةٍ للأسف..

ذاتُها حماسة صاحب السؤال التي تتلاشى بحلول أول مغيبٍ للشمس، أو بالأحرى تخمةِ أول إفطارٍ وليلةٍ رمضانية.. وقد تكون حماسةً تمتدّ بضعةَ أيّامٍ ثم تعودُ للغياب.

إفطار رمضان

أمّا المأزق الثاني: فهي تلك التفاصيل التي نضيفها على الجدول الرمضانيّ بمضضٍ في أوّل الأمر، والتي نحفظ مواعيدها متظاهرينَ بعدمِ الانتباه – فالجدول المُعَدُّ قد لا يتسع شيئاً سوى العبادة- وإذا بالجداول تتمزّق قبلَ أن تُخَطَّ على الورق، وإذا بتلك البرامج، والمسلسلات، وحتى السهرات تفرض جداولها بنفسها دون كلفةِ ترتيبٍ أو تنسيق. لنمحو بأيدينا ما ينفعُ الناس، ونتركَ الزبدَ الجفاءَ يملأ أيام رمضانَ الفضيل حتى يغرقها ونغرق.

وهنا نظلم هذا الشهر الواحد بأن جعلناه فارغاً مليئاً بكلّ ما يفرغنا أكثر، جاعلين إياه كـالـ ( 11) شهرًا مضى، وهو واحدٌ يزيدُ  على بقيّةِ عامٍ بأكملها.

مَن جَدَّ وَجدْ

سنكون متشائمين إن ذكرنا الأخطاء ولم نتطرّق للصحيح والمفروض، ولكنّ الغرض كانَ مباغتةَ الأخطاء واستعراضها في مشهدٍ استباقيٍّ تحليليّ، غايةُ مُناه أن لا نكرّرها، والله من وراء القصد.

لا مثالَ أوضح على الجدّ من عمله ﷺ  وعمل أهله وصحابته في هذا الشهر الكريم، من الدعوات اللحوحة، واستباق الخيرات، من تدبّر القرآن في الشهر الذي أنزل به ومن إحياء ليلة القدر على الوجه الدي يرضي الله (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) [القدر:2].

أناسٌ جَدّوا فوجدوا، فاستمرّوا، فكان رمضانهم موعداً مع قضاء الحاجات والكُرَب. أدركوا عظمة فكرةِ أن يكونَ في العام أيّامٌ تعدِلُ لحظات جمع الغنائم بعد المعارك الطاحنة، مواسمُ قرباتٍ وطاعاتٍ ورضا، القَدرُ والرزق، ابتلالُ العروقِ بعد شهور الظمأ، ثباتُ الأجر بعدَ الغفلة عن الصوم والتهذيب أيّاماً كثيرات.

يا إلهنا.. اشتقنا لرمضانَ حقًّا، فأصلح أنفسنا وأبعد عنها ضلالاتها فإنّك إن تَكِلنا إليها نهلك، اللهم سلّمنا لرمضان وسلّمه لنا وتسلّمه منّا متقبّلا.

 

كيف أصبح ازدراء الهوية وسيلة للترفيه؟

خلال العقود الأخيرة من الزمن، خاصة بعد تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الدول الغربية، كأمريكا وكندا ودول أخرى أوروبية، صارت شعوب تلك الدول متعطشة لكل ترفيه وتسلية، فسطع نجم البرامج الكوميدية، على غرار برامج “الستاند-آب كوميدي”، حيث يقف الفكاهي أمام جمهور غفير ويقوم بإلقاء النكت، وسرد الحكايات الهزلية والطرائف، بالإضافة إلى برامج “التوك-شو الهزلية”. وللمفارقة، فإن الكوميديين الذين فازوا أكثر بضحكات الجماهير لم يكونوا من أبناء تلك الدول الغربية، فمَن هم؟ وما هي الأداة (الخبيثة) التي استغلوها لتحقيق ذلك النجاح.

الترويج لتفوق العرق الأبيض

كان تحسن ظروف المعيشة في الدول الغربية إلى جانب انتشار الحريات السياسية والفكرية فيها، من أهم الأسباب التي جعلتها قبلة لمختلف الأجناس، كالعرب والهنود والأفارقة وأعراق أخرى، منهم من هاجر بحثا عن رغد العيش أو هربا من الفقر والحروب والمآسي الإنسانية، ومنهم من هاجر مغرما بنمط الحياة في الغرب، ومنهم من لم تكن الهجرة خياره لكونه مولودًا فيها هناك لوالدين مهاجرين.

أن تعيش وسط مجتمع ليبرالي غربي، فإن انسلاخك عن مبادئك وثقافتك ودينك، واعتناقك لنمط حياتهم، سيزيدان من فرص تقبل ذلك المجتمع لك، وسيقال عنك إنه “ناجح في الاندماج مع المجتمع على الرغم من أنه صيني”، أو “استطاع في تكوين صداقات في المدرسة على الرغم من أنه عربي”، وغيرها من العبارات التي تستبطن العنجهية المتعالية ضد كل ما هو غير غربي، حيث يلمَّح إلى تفوق العرق الأبيض الغربي، ونظرتهم العنصرية تجاه الشعوب الأخرى واعتبارهم كبشر من الدرجة الثانية، أما إذا ما قمت بازدراء أصولك ومهاجمتها، فإن ذلك سيجعلك محبوبا في أعينهم أو ربما بطلا يكسر القيود ويحطم الصناديق المغلقة.

ذلك ما فهمه بعض الكوميديين من المهاجرين في بلاد الغرب، فجعلوا السخرية من شعوبهم أداة خبيثة للظهور والنجاح في أعين الغربيين.

كيف استغلوا تلك الأداة؟

اكتسح بعض المهاجرين البرامج الكوميدية بقوة[1]، وما ميزهم عن الكوميديين الغربيون، هو أنهم دوما ما يجلبون الجديد المضحك للجماهير الغربية من وراء البحار، وغالبًا ما تكون القصص والنكت والفيديوهات من أوطانهم الأصلية. فتجدهم في أغلب عروضهم يتناولون بسخرية واستهزاء، الدين والثقافة والتقاليد واللغة والسمات العرقية والخلقية لشعوبهم كمادة أساسية في عروضهم لصناعة الضحك، وكمحاولة إثباث للجماهير الغربية بأنهم النخبة التي لم تحمل تلك الصفات من شعوبها. داعمين بذلك عجرفة الغربي وقناعته القائمة على أن شكله ولونه وثقافته ولغته وتاريخه هو الأسمى، وكل ما غير ذلك فهو متخلف ورجعي وبشع.

ركز الإعلام الغربي المتطرف ليبراليا -على مر العقود الأخيرة- على تفكيك وطمس كل ما له علاقة بالدين والفطرة الإنسانية السليمة، وعلى توحيد كل شعوب العالم تحت غطاء الليبرالية. ولتحقيق ذلك، انتهج لعبة تزوير الحقائق وتشويه الواقع، وطريقة تناوله للإسلام والمسلمين خير مثال عن ذلك، حيث صورهم للمشاهد الغربي على أنهم همج وأغبياء ومتخلفون وإرهابيون. إلى جانب الإعلام الغربي، لعب أولئك الكوميديون المهاجرون دور الجسر بين الغرب وشعوبهم، حيث ساهموا في تعريف المجتمعات الغربية بشعوبهم وثقافاتهم، ولكن بطريقة مشوهة أيضا، فدعموا بذلك ما يروج له الإعلام الغربي من تشويه وازدراء واحتقار للشعوب غير الغربية.

نمر أبو نصار، كوميدي لبناني مقيم بأمريكا

هل هم حقّا موهوبون في الكوميديا؟

لا يشترط –في الغالب- لمن يركب موجة الاستهزاء أن يكون ذا خبرة طويلة، يمكنه اكتساب مهارة الإضحاك من دورات معينة وتدريبات مستمرة، ومن الاستفادة من عدد كبير من المعدّين في هذا المجال، إلى جانب أنه من السهل أن تجعل الغربي المتعجرف يقهقه، يكفيك أن تذكر له بعض سمات أو ممارسات الشعوب التي يتعالى عليها ويحتقرها لترى فاه ينفتح ضاحكا حتى وإن لم يكن ما قلته مضحك، خاصة إذا كان سياق كلامك نكتة أو تسلية أو ما شابه ذلك. حتى إن الكوميديين من أبناء الغرب فهموا ذلك، فأخذوا أيضا يتناولون الشعوب الأخرى بازدراء في عروضهم الكوميدية، لحصد ضحكات الجماهير الغربية.

وهنا لا بد من التأكيد إلى أن في المجال العلمي مثلا، قد لا يمر يوم إلا وتظهر شخصية عربية ومسلمة تقدم إنجازًا أو إضافة علميّة للبشرية مما يسهم في حل مشكل أو تجنب آخر، وهكذا هناك الكثير من الشخصيات المتفوقة على علماء الغرب على الرغم من أنها شخصية “غير غربية”، وأقول ذلك ليس لتفوق الغير على العرب ذهنيا، ولكن للتأكيد على أنهم متفوقون ماديا وأداتيًّا، كما أن سياساتهم وقوانينهم تشجع على الابتكار والإبداع على عكس الوطن العربي.

بناء على ذلك، فإن المواطن العربي يستحق من الثناء والتقدير على إنجازه، أكثر مما يستحقه من توفرت له الموارد والظروف لتحقيق نفس الإنجاز. وهنا يتبين أن العمل الكادح والمنافسة هما أساس التفوق على الغير، وبطريقة أخلاقية.

لكن في بعض المجالات، مثل الفن والإعلام والسنيما، فإذا أردت أن تظهر وتكبر في أعين مجتمع يبرمج الفرد منذ نعومة أظافره، على أن عرقه وثقافته ولغته ونمط حياته هو الأسمى، وأن سائر الأعراق الأخرى بشر من الدرجة الثانية، ومن دون أي مجهود يذكر، فما عليك إلا أن تنسلخ عن أصلك ومبادئك، وأن تنتقدها وتسخر منها وتنكل بها. وأن تظهر الولاء والتعظيم لذلك المجتمع ومقوماته.

كوميديا التفاهة وخطرها على الأمة؟

قد يقول كثيرون: إن هؤلاء الكوميديون “لا يمثلون إلا أنفسهم”، وقد يقول آخرون: إن عملهم مهنة كوميدية لجلب الرزق لا أكثر، وغير ذلك من الاختزالات التي تسودها براءة مفرطة، فهؤلاء الكوميديون يمثلون خطرًا على شعوبهم والشعوب الغربية ذاتها.

أما خطرهم فكريًّا: فإن الكوميديين المشهورين في بلاد الغرب خاصة المنحدرين من دول مسلمة، يلقون قبولًا واسعًا في مجتمعاتنا المسلمة خاصة بين شرائح الشباب، وربما تكون جماهيرهم بالملايين، وككل شي يتعوّده الناس تدريجًا، فإن تعود الناس على سخرية الكوميديين من أمتهم وتتفيهم لمقومات حضارتها، وتحقيرهم مبادئ العزة فيها، فإن ذلك سيؤثر –ولو بالتدريج- في نظرة كثير من الشباب لأنفسهم، وسينتج عندنا أجيالًا تجد من نفسها الحرج في الانتماء لأمة الإسلام.

تثبت الدراسات والتجارب في علم النفس أن الطفل –مثلاً- إن نشأ في منزله وهو ينادى بـ “الغبي”، فإنه سيعتاد على ذلك بمرور الوقت إلى أن يصل إلى الإيمان بأنه غبي حقًّا، مما سيؤثر على آلية تفكيره وطريقته في حل ما يعترضه بالرغم من أنه قادر على ذلك، لإيمانه المسبق بأن محاولته لن تجدي نفعًا، ومن هنا فإن لأولئك الكوميديين أثر مباشر في نشر العطالة الفكرية والحقد على تاريخ الأمة بين شبابها.

من ناحية أخرى فإن دعم أولئك الفكاهيين للصورة المغلوطة التي يروج لها الإعلام الغربي حول بقية شعوب العالم دليل صريح إضافيٌّ على صحة تلك الأكاذيب في نظر الجماهير الغربية، وهذا مسلك يمكن اتباعه لتسويغ الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية من قبل القوى الغربية في حق الشعوب المستضعفة، والحجة هنا “إنهم شعوب همجية والإرهاب يجري في دمائهم بالفطرة، وسيهاجموننا حينما تكون لهم القدرة على ذلك، فيجب مهاجمتهم واستنزاف ثرواتهم مسبقا قبل أن يخربوا العالم”.

نماذج من الصور النمطية للعرب والمسلمين في الإعلام الغربي

إن صورة الإسلام المشوهة في الإعلام تمنع الكثير من الناس من اعتناقه، وهذا ما يسهم فيه هؤلاء، حيث يدعمون الصورة النمطية للإسلام في الغرب، مما يجعل الكثيرين من البسطاء يتأخرون عن اعتناق الإسلام أو يحرمونهم من دخوله.

بكل تأكيد فإن تحقير الشعوب الأخرى يزيد من نزعة العنصرية والسخرية والكراهية تجاه الأقليات التي تعيش في المجتمعات الغربية سيمنح العنصريين منهم المسوغات للشقاق الاجتماعي الذي قد يصل إلى حد العنف والتطرف.

ختامًا فإني أظن أنك تتفق معي الآن في أن الكوميديين المشهورين في بلاد الغرب، خاصة أولئك الذين يمتهنون السخرية والافتراء على شعوبهم بهدف الإضحاك المتصنّع، فإنهم ليسوا مجرد “كوميديين”، بل هي آلات تخريب يمتد أثرها على المستوى الفكري والاجتماعي والديني، بقصد منهم أم عن غير قصد.

 


[1]  يمكن التمثيل لذلك بالآتي:

نمر أبو نصار، كوميدي لبناني مقيم بأمريكا، https://youtu.be/hPdViA7kOgg

راسل بيترز، كوميدي من أصول هندية مقيم بكندا ، https://youtu.be/oSzgCDIUzq0

فلاق، كوميدي جزائري مقيم بفرنسا، https://youtu.be/SsIsL2d27Kk

 

أبناؤنا في المهجر.. إلى أين ينتمون؟

إن كان لأحد دور في إنشاء الإنسان سويًّا منذ صغره، فإن هذا الأمر منوط بالدرجة الأولى بالأب والأم والأسرة، فللأسرة الدّور الأكبر في إنشاء الطفل السويّ، بعيداً عن القسوة والإهانة والتّعنيف، وبالاهتمام بصحّته الجسديّة والنفسيّة، وبتعليمه ووقايته من كل مصابٍ، والوقوف إلى جانبه عندما تعترضه مشكلة ما.

إنّ كثيراً من الأسر المهاجرة أصابها القلق من أن يتأثّر أبناؤهم بالثّقافة الجديدة، فتعصّبوا لوطنيّتهم وتقاليدهم، مع أنّ كثيراً منها ليس من الإسلام في شيء، فأحاطوا أنفسهم خوفاً عليها بأسوارٍ تعزلهم عن المجتمع الجديد، لدرجة ألّا يتعلّموا لغة المهجر الذي لجأوا إليه رغم أنها باتت لغة أطفالهم أيضاً، ونسوا أنّ أبناءهم يقضون أكثر أوقاتهم خارج هذه الأسوار، فهم لم يحاولوا فهم ثقافة تلك البلاد ليفسّروا لابنهم طبيعة الاختلافات التي بينهم، ولم يتعلّموا مالهم من حقوق ليدافعوا عنها ويستردّوها إن تعرّض أحدٌ منهم لظلم، فاستحالت هذه الأسوار مع الأيام إلى حاجز بينهم وبين أطفالهم، فالطّفل قد صار أجنبيّ اللّغة والملبس والثّقافة، بينما أهله مازالوا على لغتهم وثقافتهم، وكأنّهم حفروا خندقاً حول السّور ليبقى ولدهم حبيساً فيه متخبّطّاً لا يعرف كيف يخرج من أزمته، ولا إلى أيّ طرفٍ يجب أن يذهب.

ما الوطن؟

فكرة الوطن نابعة من حاجة الإنسان للمكان وارتباطه به، وهو أمرٌ فطريّ، كما يمكن للأوطان أن تتبدّل وتتغيّر، وأن يكون للإنسان وطنان، فيهاجر إلى وطن آخر ويَحيى فيه عمره ومن الممكن أن يموت فيه، وتدور معاني الكلمة في معاجم اللّغة حول المكان الّذي يقيم فيه الإنسان، وُلد به أم لم يولد.

أعطى الله في القرآن للإنسان الحقّ أن يدافع عن أرضه ودياره ليستردّها، ووصف الإخراج من الديار كخروج الروح من البدن، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء:66].

إن حبَّ الإنسان للوطن والانتماء، لا يتعارض مع الانتماء للإسلام، الذي هو انتماء أكبر وأعمق من الانتماء إلى الأرض أو المكان، فالانتماء إلى الوطن قَدريٌّ وجَبريّ لا اختيار للإنسان فيه، ولكن الانتماء الآخر الذي هو لله ولرسوله وللأمة التي تشاركه هذه العقيدة نابع عن اختيار الإنسان وحريته؛ إذ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، ولعله لا يخفى مدى غلوّ النزعة الوطنية الحديثة والمعاصرة، التي جعلت المسلم يفكِّر في وطنه قبل عقيدته، وفي شعبه قبل أمَّته، ويعتبر المسلم من غير بلده أجنبياً.

إن الدين مقدَّم على الوطن في حال التعارض، إذ للمكان أو الوطن بديل، بينما لا بديل للدين، والإنسان مأمور بمغادرة وطنه إذا مُنِع من تأدية شعائر الإسلام فيه، حيث بيَّن القرآن الكريم في مفاصلة واضحة وحاسمة: أنّ دين المسلم أعزُّ عليه، وأحبُّ إليه من كلِّ شيء سواه، مما يعتزُّ به الناس ويحرصون عليه، وذلك في قوله تعالى في سورة التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

الانتماء للدين هويّة الأنبياء والرُّسل

كلّما بدأ الإنسان بالتَّفكّر في خلقه وأصله، توجَّه بنظره إلى السّماء والأُفق باحثاً عن خالقه وربّه، ليَأتيه جواب الله في قرآنه: }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14[، وبأنّه خالقنا وإليه مَرجِعنا فقد قال: }خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ*{ [التغابن: 3].

ولنقف عند وصيّة لقمان عليه السّلام الأولى لابنه، حيث أمره أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. }وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ ]لقمان:13. [

كل هذا يوجب علينا القول: إن أوّل ما يُلقّن الطّفل الصّغير هو اسم الله، ليُسلِمَ له بالفطرة الّتي أودَعها سبحانه فيه، فيَعرف من خَلقه وإلى أين ومن ينتمي وأين سينتهي، أمّا الأوطان المكانية والهويّات القوميّة فما هي إلّا جزءٌ من صنع الإنسان، حيث يُصنّف نفسه في جماعات لا تحدِّدُ انتماءه وأصله النهائي إلّا بمقدار ما يراد له أو يثبتُ وجوده المادي، فهي بمثابة وثائق، يُجبَر عليها لتُثبت دائماً أصله.

يصنعُ الإيمان بالله دِرع حماية للإنسان والطفل، تَقيه من كلّ ضياع وتخبّط، فإن رُفض الطّفل ممّن حوله لسبب ليس له ذنبٌ فيه، فإن قلبه وعقله يخبرانه أنّ الله سيقبله كما هو بلونه وعرقه وشكله وحتّى مع ذنوبه ومعاصيه مالم يُشرك به، فهناك قوّة تولج في القلب والجسد تُعزّزها جذور الإيمان القويّة وحبّ الله ورسوله، تشبه تلك القوّة التي جعلت بلال الحبشيّ رضي الله عنه يَصرخ من تحت الصّخرة الطّاحنةِ أحشائه، ولاتُزال إلّا بكُفره بالله: أَحدٌ، أَحد.

كيف تعزز انتماء الطفل للإسلام؟

لتَنمو جذور هذا الإيمان وتمتد، فإنها بحاجة إلى سقاية ورعاية من الأهل وتشذيبٍ مستمرٍّ وعناية فائقة، لتتحوّل إلى شجرة باسقةٍ لا تَهتزّ بإعصار، فيتعلّم الطفل والشاب والفتاة استحضار الخوف من الله وتَعظيم شعائره التي أهمّها الصّلاة، والحرص على علوم الشّرع والتفقّه بالدين ومعرفة الحلال والحرام، فيكون الدّين مَنارتهم في هذه الحياة.

ومما يُساعد أيضاً في تعزيز الهويّة الإسلاميّة، تَعلّم اللّغة العربيّة الفصيحة ليفهموا كلام الله والتزام الجاليات الإسلاميّة وبيوتِ الله، ومن المهمّ أيضاً تعلّم أساليب المجادلة والإقناع بالحجّة ليَردّ عنه كل مستهزئٍ ويُبعد الشكوك عن قلبه وعقله، فهو يعيش في مجتمع محاطٍ بالفِتن والشّبهات، كما أنّ من الجميل الاحتفال بأعياد المسلمين وإشعار الطفل بالفرح في تلك المناسبات وترسيخها بالذكريات الطيبة وإن كان من خلال إقامة احتفالات بسيطة، والحِرص على إيجاد الصُّحبة الصَّالحة، وإبعاد الأبناء قدر الإمكان عن الفراغ واللّهو فيما يُضيّع الأوقات، ودفعهم في الانخراط ببعض النشاطات المناسبة للأطفال والشبان والفتيات التي تخلو من المحرّمات، وذلك بهدف فَهم المجتمع الذي يعيشون فيه أكثر.

دلني على الطريق

كلّ ما ذُكر آنفًا، ليس بسهل التّطبيق بكل تأكيدٍ، فمحضُ الالتزام بالتّعاليم الإسلاميّة في بلدٍ لا يؤمن به أو يحاربه هو جهاد، كما أن بعض المدن تخلو من المدارس الإسلاميّة مع ضَعف وجود وأثر الجالية الإسلاميّة فيها، إضافة إلى أن مشاقّ الحياة ومصاعبها على الأهل التي تتضاعف في المَهجر مع عدم وجود معينٍ وضيق الوقت تصعّب المهمّة أكثر، وهذا يزيد من ثقل المهمّة على عاتق الوالدين ويجعلها على عواتقهم بشكل شبه كامل.

هذه المهمة على صعوبتها، ليست بالمهمّة المستحيلة إن أَخلص العبد النيّة ودعا الله وتوكّل عليه، فلا بد أنه تعالى سيكون مُعين المرء وهاديه وناصره، إلى جانب أن محاولة التّخطيط وتنظيم الوقت وتعليم الأطفال حتى لو بالقليل كلّ يوم، واستغلال العُطل والإجازات ستؤتي أكلها بنتائج مُرضية بإذن الله.

من الجيّد عند المقدرة، محاولةُ تقليل عدد السّاعات التي يقضيها الطّفل في دور الرّعاية خارج منزل الأهل عند عدم الحاجة لذلك، وهنا نؤكد على أهميّة تعليم الطفل العلوم الشرعية التي تمكّنه من امتلاك مفاتيح فهم الدين، فبحمد الله بات من السهل في عصر الثّورة الرقميّة طلب العلوم الشرعيّة وتعلّم كلّ ما هو مفيد من اللّغة العربية وقراءة القرآن عن بعد على يدِ علماءِ متخصصين.

إن حَرص الإنسان على ما يَقيه من نار جهنَّم وغضب الله، وما يُفيده في دينه ودنياه واهتمّ بما سيُسأل عنه يوم القيامة، فَاز فوزاً عظيماً، وكلّ ما يُترك مرضاةً لله يُعوّضُ الله بخير منه، ولايكلّف الله نفساً إلّا وسعها.

ختامًا، لا بد من القول: يجب أن نجابه الخوف في المهجر، لئلا يكون سبباً للانعزال، إلى جانب أن رفض الأوروبيين أو الغربيين لنا، ليس مسوّغًا لتمييع ديننا والابتعاد عنه ليَرضوا عنّا فإنهم (لن يَرضوا)، ونحن الأقوياء ما دمنا ثابتين على الحق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير). [أخرجه مسلم في صحيحه]

ماذا خسر شباب المسلمين بعزوفهم عن القراءة؟!

يقول ابن القيم رحمه الله: “نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل” [الوابل الصيب، 82]، والباطل ليس طريقا واحدا يُسلك، ولكن طرق ومساحات ومدارات شتى، لا يُعرف لها أول من آخر. فإن لم تكن على طريق الحق، فحتما أنت على طريقٍ للباطل. وطريق الحق دائمًا وأبدًا يبدأ بـ{اقْرَأْ} بكل ما لها من معـنى، وفي كل مرحلة من الطريق لا بد من {اقْرَأْ}، ستواجهها بشكل أو بآخر، لذا كانت الأمر الأول وبها بدأ الوحي. أمّة يبتدئُ بناؤها بهذا الأمر، تكون أنجع طريقة لهدمها تجهيلها، وأقصر طريق لأمة جاهلة، شباب لا يقرأون. ولواقع الحال الذي يبصره كل أحد، سنناقش نقاطا رئيسية، في محاولة لتبيين ما خسره الشباب خاصة، وما خسرته الأمة بتخليها عن القراءة.

القراءة كنافذة على العالم ولغة اتصال معه

قبل ظهور الإعلام المرئي والتكنولوجيا، مَثّلت المكتبات والمسارح والفنون بأنواعها قنوات الاتصال مع العالم، لحاضر الشعوب وماضيها، ولمن أراد الاطلاع على العلوم والآداب والتاريخ عموما.

كان إنشاء المكتبات والمطابع مع كل حركة نهضة في مختلف الأقطار ركنا جوهريا، وسلّما لآفاق الوعي والارتقاء بالشعوب. ومع انتشار الإعلام المرئي، ومن بعده ظهور التواصل الاجتماعي ومنصاته، حيث انحسرت القراءة شيئا فشيئا، وأخذت تتضاءل أعداد القراء، حتى إنه ليصعب إيجاد قارئٍ حقيقي في وقتنا هذا.

لقد وحلّ بديلا عن القراءة، نشرات الأخبار والمقاطع المرئية والترفيهية، وألعاب الفيديو وغيرها، وكل يوم تزيد البلوى بإنتاج تطبيقات تحث الإنسان على زيادة سرعته في كل شيء لمواكبة كل تطور، وتسرق من وقته أكثره، فلا يبقى له من الوقت ما يصرفه في أساسيات حياته فضلا عن استثماره في قراءة ونحوها، وتُدخِله في عالم من الوهم بالتكنولوجيا التي تعمل ضده لا لصالحه في أحيانٍ كثيرة.

وبالنظر إلى مدخلات تلك المنصات، تجد المتابع لها لا يرى إلا ما يُبَث خصيصًا ليُوهِم المشاهِد بواقع غير حقيقي، أو جوانب أقرب إلى المثالية منها إلى الواقع، فلا يرى العالم على حقيقته، أو يرى صورًا مكذوبة لا تمت للواقع بِصِلة، وهنا يدخل في دوامة من التصورات المشوّهة عما يدور حوله، ويحكي كل طرف حكايته كما يحب ووفقا لأيدولوجيته، وتملأ الأكاذيب الشاشة. وبدل أن يَعمَد الشاب إلى الكتب الرصينة، وإلى كتب التأريخ لينهل منها ما يُعينه على إقامة وعي صحيح، يسلم نفسه لشاشة تعج بروايات كل الأطراف، فيمسي بلا رؤية لواقعه، أو رؤية مشوشة تضره أكثر مما تنفعه.

منصات البث الرقمي ملهيات عن القراءة

القراءة مفتاحًا للعلم وأساسًا للثقافة

أبقت الحضارات القديمة على جزء كبير من أمجادها عن طريق حفظه بالكتابة والتدوين، ولولا ما عُثر عليه من مخطوطات ومجلدات لغابت عنا للأبد حِقبٌ كاملة من التاريخ. ولولا المراجع والكتب في مختلف العلوم والفنون وتتابعها وبناء بعضها على بعضها، لما تمّت العلوم التي نعرفها اليوم ولما تشعبت ولا صارت بهذا الشكل الذي نراه، وبالأحرى ما كانت لتقوم حضارة من الأساس. فالكتاب هو مبدأ كل علم، وكل أدوات العلم والتثقيف على تنوعها تأثيرها محدود وضعيف بجانب الكتاب، والتحصيل من القراءة أكبر في المجموع من تحصيل الأدوات الأخرى، وهذا لا ينفي الفائدة الحاصلة من ورائها. فالفهم في أعمق مستوياته يتأتى بالقراءة، والفارق كبير جدا بين المكتوب وبين ما هو مرئي ومسموع، فالمشاهَد والمسموع في أحسن حالاته سيكون عرضا أو تبسيطا للمقروء الذي هو في الأصل بين دَفات الكتب، وكثيرا ما يمتنع التحصيل من غير المقروء إلا بتدوينه (إلا إذا كان مما يحتاج تطبيقا عمليا فقط)، إذ يكتب على الصفحات لتعاوده بالقراءة إذا نويت إمساكه.

أما ما عدا ذلك فإما أنه لضعفه لا يَعلَق بوعي متلقيه إلا أقل القليل، أو لا يلبث حتى يذهب كما أتى ولو طال بقاؤه زمنا. ولا مانع من التلقي من مصادر أخرى لجماليات فيها أو تبسيط أو ميّزات ثانوية لكن سيبقى الكتاب هو الأصل، ولا يُتصور تحقيق علم بغير تدوين كتاب أو البحث في كتاب أو البدء بقراءة كتاب.

على غير الكتاب لا تقوم ثقافة، فمن أين تأتي بمثقف لا يقرأ؟! أما اليوم فتجد كثيرين ممن يسمون أنفسهم قُرّاءً لا يعمدون إلى كتب أصيلة لقراءتها، وإنما لملخصات كتب ومقاطع مرئية لا تكاد تسمن ولا تغني من جوع، بل من أسوأ آثارها وهم المعرفة الناتج عن المرور السريع على كل فكرة، دون تقليبها واستكشاف إن كانت تستحق تمحيصا أم يكفيها مرور سريع، والثقافة الجوفاء التي تروج دائما لكل ما هو شائع وسريع الإنتشار ويلاقي قبولا عند الجمهور، فيصنع عندهم ثقافة مضطربة ومتهالكة.

القراءة جزءًا من الهوية

إذا كان القرآن الكريم وآياته جزء من هوية كل مسلم، فقطعًا إن كلمة {اقْرَأْ} ستكون من صميم هوية المسلم، وإذا أراد هذا المسلم أن يعلَمَ عن دينه أمرًا صَغُر أو كَبُر، فعنده من الكتب بحورٌ يمكن إفناء عمره فيها. وإذا أراد لمَنْطِقِه لغة سليمة مصقولة فعنده من كتب التراث والأدب ما يكفي حاجته ويزيد. وعند إغفال كتب التراث والأدب، وما يلحقهما ويخدمهما، تُفقَد غاية كبرى من غايات القراءة، ألا وهي الاصطباغ بصبغة هذا الدين ولغته، من خلال قراءة كتبه وأدبياته، بما تمثله من مشارب للدين وأصول للغة. فهذه الكتب هي أصل كبير، ومن ورائها كل ما يخدم علما دنيويا ويحققه، وفي كلّ خير، أما فقدان القراءة ككل ففقدان للغة، وفقدان اللغة فقدان الهوية.

وحينما تعود القراءة شغلا شاغلا في حياة الشباب، فهنيئا للأمة بعودة روحها من جديد.

كيف يُروج للإلحاد في الرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية؟

تعيش المجتمعات الإسلامية حاليّاً مرحلة من الانفتاح غير المنظّم على كل التقنيات الحديثة، مما أدّى إلى إحداث فوضى والاختراق الفكري في عقول الجيل المسلمين، ولم يترك الملحدون وسيلة يمكن أن تصل إلى المسلمين إلا واستغلوها لبثّ أقوالهم وأفكارهم فيها، حتى إنك تراها في الألعاب الإلكترونية والتطبيقات الرقميّة وغيرها من الوسائل، مما يظهر أن هناك مجهودات كبيرة في تصميمها، والملايين من الدولارات المخصصة لترويجها، وهذا يظهر أن شبكات الإلحاد مستعدة لصرف الملايين لحرف الناس والترويج لأفكارهم.

الألعاب الإلكترونية والترويج للباطل

 اتجه الملاحدة إلى بث فكرهم في الألعاب عن طريق وضع رسائل مشفرة وخفية بها، ومن هذه الألعاب لعبة Assassin’s Creed التي تعني عقيدة القتلة، وقد اتخذ مروّجو اللعبة شعار حرف (A) الذي هو في الوقت ذاته شعار الإلحاد، كما أن اللعبة تحتوي في داخلها على العديد من العبارات التي تروّج لإبطال الدين والإيمان بالمطلق، مثل “عندما ينشغل الناس بالحقيقة فتذكر دائمًا أنه لا توجد حقيقة”،  ومثل عبارة “عندما يقيّد الناس بالأخلاق والشرائع تذكر دائمًا أن كل شيء مباح”.

شعار إحدى الألعاب الإلكترونية

بنيت هذه اللعبة على تفاصيل ومراحل كثيرة، وفي أحد أجزائها تدور الأحداث حول “تفاحة عدن” حيث يقصَد بها شيفرة حرية الإرادة، وبالسيطرة عليها تستطيع السيطرة على عقول البشر،  تدور المنافسة بين طرفين هم القَتلة وفرسان المعبد،  حيث يحرس القتلة التفاحة ويمنعون فرسان الهيكل من الحصول عليها بهدف الحفاظ على حرية إرادة البشر.

إن المسألة هنا لم تعد مسألة تسلية وإنما تجلٍّ للصراع بين المؤمنين بحرية الإرادة وبين من يرى الإنسان خاضعًا للتفاعلات الكيميائية، وهذه المشكلة بحد ذاتها معضلة فلسفية كبيرة عند الملحدين والماديين، فهم ينفون للإنسان حرية الإرادة، إلا أن الإرادة الحرة في هذه اللعبة ليست إلا “كود جيني” فلو استطاع الإنسان تعديله بالهندسة الوراثية فإنهم –كما يروّجون- سيكونون قادرين على إلغاء حرية الإرادة الإنسانية، لأن حرية الإرادة هي أساس الشر في العالم.

إلى جانب هذه اللعبة نرى أيضًا لعبة Fortnite المليئة بالرسائل الخفيّة، حيث يمارسها اللاعب لساعات طوال يختلي فيها مع أشخاص يحادثهم حيث يروّجون لأفكار الإلحاد، فضلاً عن الترويج لبعض العقائد الوثنية القديمة كرقصة عُبّاد الشمس. 

الألعاب والحض على التأليه

  وقد ظهرت في الآونة الأخيرة ألعاب أخرى أكثر صراحة في نشر أفكارها الإلحادية دون تلميح كالألعاب السابقة مثل لعبة  Doodle godحيث إن شعار هذه اللعبة مكوّن من مثلث بداخله العين الماسونية، وتنطلق اللعبة من المقولة الآتية “أطلق العنان لإلهك الداخلي وأنشئ الكون”، ومن هنا فإن فكرتها قائمة على تجسيد اللاعب ليكون هو (الإله) الذي يقوم بدور خلق الحيوانات والأدوات والعواصف والبراكين، ولا ريب أن في ممارسة هذه اللعبة حرمة شرعيّة لما فيها من مخاطر كبيرة وتشكيك وانتقاص في حق الذات الإلهية وصفاتها، ولما فيها من انتهاك لحرمات الله، وتبديد لما وقر في نفوس الناس من تمجيد لله تعالى.

  يدخل في الإطار ذاته نشر الكثير من الألعاب التي تدور حول التعظيم إلى درجة التأليه، حيث يحتوي معظمها على كلمة (God) مثل لعبة (إله النور،  وإله الحرب،  واختبار الإله،  وإله الخدع،  وإله المعركة..إلخ) وغيرها الكثير من الألعاب التي تروّج للباطل بشتّى وجوهه،  ولمواجهة هذه الألعاب ومعالجتها لا بد من محاربة الفكرة بالفكرة واللعبة باللعبة، فيتوجب بذلك تصميم ألعاب إلكترونية قادرة على مواجهة الإلحاد وقادرة على غرس العقيدة والتعاليم الصحيحة في عقول الأطفال والشباب،  وتوعيتهم من خطر هذه الألعاب، وحث الوالدين على متابعة أبنائهم عند انشغالهم بالألعاب الإلكترونية.

أفلام الكرتون وحِيَلُ الإلحاد

من الظاهر للعيان أن مروجي الإلحاد لم يتركوا فئة من المجتمع إلا واستهدفوها بخطابهم للترويج للعقائد المنحرفة –كلها أو بعضها- التي يؤمنون بها، مستفيدين بذلك من وسائل الإعلام التي تؤثر في عقول البشر.

لننظر إلى الرسوم المتحركة مليًّا، وسنرى الكثير من الرسائل المشفّرة فيها موجهة لأطفالنا، هدفها أن تفسد عقولهم ودينهم وعقيدتهم التي يجاهد الآباء في غرسها فيهم، إلى جانب المشاهد المخالفة للشرع التي لا يكاد فيلم يخلو منها، حيث يختزن الأطفال العديد من الأفكار والسلوكيات التي يرونها في الذاكرة، وتُحدث تلك المشاهد تراكمات داخلية تظهر بعد ذلك في شكل سلوكيات أو أفكار في وقت لاحق.

أمثلة ونماذج

  من الطبيعي أن تجد الأفكار المناقضة للدين منتشرة في أفلام الكرتون خاصة أن منشأها من بلاد الغرب حيث الانحلال والانفلات الأخلاقي والدعوات المستمرة لإنكار وجود الله، بالرغم من أن كل هذا لا يمثل إشكالًا عند عرضه على أطفالهم، وبالتالي ينشأ الأبناء على قصص وأساطير وصراعات الآلهة، وكل هذا تحت مسمى تنمية خيال الطفل، بل وربما عند موت البطل يبعث مرة أخرى حتى لا يجرح نفسية الطفل وليعزز عامل الإثارة والتشويق.

إن من أخطر ما يتلقاه أبناؤنا من تلك الأفلام ما يكرس النواقض العقدية مثل تكريس الإيمان بالسحر حيث لا يكاد يخلو فيلم من أفلام الكرتون من نوع من السحر، سواء في دور الساحر الشرير المتحكم بمجموعة من الأشرار، أو الساحر الطيب الذي يسخره لفعل الخير، حيث يَلْجَأ إليه لحل المشكلات، ومساعدة الأبطال ومنحهم القدرات الخارقة، ويمكن ذكر أمثلة عديدة على ذلك كأميرات ديزني، وخلطات بابا سنفور التي تعيد الحياة والصحة وتعيد الأوضاع إلى طبيعتها، وكما في مارلن ودورايمون ونوبي،  ودروبي مع دوري مي،  وبن 10،  وأدغال الديجيتال، وصولًا إلى فتيات القوة،  والتي قام البرفيسور بصناعتهن وخلقهن -حسب زعمهم- من تركيبات كيميائية، وهي المعلومة التي يؤكدون عليها ويذكرونها مع كل حلقة من حلقات المسلسل قبل بداية الحلقة.

إضافة إلى ذلك نرى العديد من أفلام الكرتون القائمة على فكرة مصارعة الآلهة، أو تخصيص الإدارة بين الآلهة ليقوم كل إله بإدارة جزء من الكون، وهذه الآلهة -في نظرهم- تُجَسِّم كأشخاص لهم بنية جسدية أكبر، أو نور في السماء، أو حتى أصنام؛ فلا يهم ذلك كله، ويمكن أن يمثل لذلك بكرتون يوجي يوم، والسنافر فلا يكاد يحدث حدث عظيم إلا ويتبعه بابا سنفور بشكر (الأم الطبيعة) على فضلها، ناهيك عن كون وجود آلهة للشر تنظر من السماء لتحرك الأشرار وتقودهم للتدمير والخراب ونشر الفوضى والقتل،  ثم إعادة من قُتل منهم إلى الحياة،  ليكمل دوره في الفساد في الأرض،  كما في مغامرات جاكي شان، ومات هارت، بالإضافة إلى الكثير من الأفلام التي تنشر الكريسماس وللهالوين.

أين الخلل؟

تغيب شعائر الإسلام عن أفلام الكرتون كمشهد الصلاة أو قراءة القرآن أو الحديث الشريف ولذلك نرى أن أفكار الأفلام الكرتونية المنقطعة عن بيئة المسلمين تجرّد الطفل بشكل غير مباشر من كل ما يربطه بالدين، ولن يكتفي أصحاب الأفلام بذلك بل يحاولون تَلويث العقيدة بأساطيرهم التي يملؤون بها عقول الأطفال والتي تختلف مع العقيدة الإسلامية مثل ادِّعائهم تعدد الآلهة والخارقين مثل إله النار وإله الخير وغيرها، وهي بذلك تهدم عند الطفل بعض مفاهيم العقيدة وأساسياتها فتعدد الآلهة يؤثر على فكرة التوحيد.

أما عن الأزياء والحجاب فحدّث ولا حرج، إذ تُعدم تمامًا أية مشاهد لبطلات في أفلام الكرتون ترتدي حجابًا، بل جميعهن يرتدين ملابس غير لائقة لأن ترتديها امرأة، فضلاً عن أن يراها طفل صغير، عدا عن المشاهد المخلة في مقاطع كثيرة كما في فيلم قُبلة الضفدع، وأميرات ديزني، وشريك والأميرة فيونا، والجميلة والوحش.

ما العمل؟

أول المشكلات التي تدفع أولادنا للضياع في وسائل الترفيه تكمن في انشغال الآباء والأمهات في أعمالهم، ومن ثمّ يتجه الأطفال إلى ملء أوقاتهم بوسائل التسلية من كرتون وألعاب إلكترونية وغيرها الكثير من الوسائل التي تكون معهم أمًّا وأبًا بديلين، إضافة إلى ذلك فإن الآباء لا يكادون ينتبهون لنوع المحتوى المقدم إلى أبنائهم، بينما كان من الواجب عليهم أن يتابعوا مضمونها قبل عرضها على أبنائهم، عملا بالواجب الذي تحتمه الأبوة والأمومة فكما يختار الوالدان الأصدقاء الصالحين ذوي الأخلاق الطيبة لأبنائهم ويبعدونهم عن أصدقاء السوء، فمن الواجب عليهم أيضاً اختيار المادة الكرتونية المحافظة على الأخلاق والتعاليم الدينية.  

كما يجب على الوالدين السعي للبحث عن بدائل للتسلية لأطفالهم تناسب أعمارهم، وقدراتهم ومهاراتهم كممارسة الرياضات البدنية والذهنية والبرمجة وأساسيات العلوم والفنون وحفظ القرآن والسُنة، وتعليمهم أصول دينهم.

فإما هذا، وإما أن نستيقظ وقد جالت قطعان الذئاب في الغنم!، وقد استولى مروجي الإلحاد على العقول بشكل كامل.

كذلك يجب على العالم الإسلامي تبني إنتاج مشاريع لمواد كرتونية ذات جودة عالية، وبُعدٍ ديني وقيمي وأخلاقي، وفيها من الإبهار والتشويق والحبكة والتسلية ما يجذب الطفل المسلم إليها، ولذا فإنه لا بد من حل مشكلة نقص الكوادر المؤهلة في إنتاج أفلام الكرتون والألعاب الإلكترونية بجودة عالية، وكذلك فرق إنتاج وإخراج وتصوير أفلام الكرتون وغيرها، ومحاولة تطوير هذا المجال كي نعتمد على إنتاجنا ونكون قادرين على المنافسة مع الإنتاج الغربي، وأيضًا يجب تخصيص مقدّرات مالية أعلى لإنتاج  محتوى عالي الجودة قادر على المنافسة العالمية وقادرة على جذب انتباه الأطفال لمتابعتها.

إن المنصات المنزلية قنوات الأطفال وأدوات الترفيه، لا تقل بحال عن مواقع ومنصات صناعة الوعي، فإذا لم يكن هناك اهتمام لائق بالنشء، فلا تنتظر مستقبلًا أفضل مما نعيشه، فالأطفال أمانة وضعها الله في أعناق آبائهم، وسيُسألون عنها أمام الله. وتركهم فريسة لقنوات الأطفال وأفلام الكرتون يؤدي إلى خلخلة أساسات البناء القيمي والأخلاقي ؛ نظرًا لطبيعة أفلام الكرتون المأخوذة من سياق تاريخي وثقافي وقيمي وديني مختلف.

 

الجمال بين القيمة والمقصد

“الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة سواء أكان ذلك في الماديات أم في المعقولات، وفي الحقائق أم في الخيالات.” هكذا عرفه المنفلوطي في نظراته، فهو يقيم الجمال على التناسب والائتلاف سواء كان ذلك في الأمور المادية أم العقلية أم الحقيقية أم الخيالية، فلولا تناسب الكون في أرضه وسمائه، وتعاقب ليله ونهاره، وتآلف أجزائه ومكوناته، ما أخذ بالألباب وجالت في جماليته العيون والأبصار وسُطرت في سبيل وصفه الدواوين والأشعار، ولولا انتظام النغمات وقوة إحكامها من غير نشاز، ما استقرت في الأفئدة ومالت إليها الأنفس، ولَمَجّتها الأسماع ونفرت منها الطباع!

إن الجمال قيمة مطلقة من حيث حبّ الناس له والسعي إلى إدراكه، فمن ذا الذي يوثر الصحراء المقفرة على الجنة الوارفة، أو من ذا الذي يفضّل السفح المقفر على الروض الناظر، والمنظر القبيح على الحسن، اللهم إلا فاقد العقل مخروم الفطرة!

جمال  الطبيعة

قيمة الجمال في المنظومة الاجتماعية

تعتري قيمة الجمال النسبية وتتنازعها الآراء عند تفعيلها، فليس كل ما تراه جميلًا يراه غيرك كذلك، ومردّ الأمر إلى الأذواق التي تتباين وتختلف عند بني البشر؛ ومن ثمّ فإن لهذه القيمة مقصدية عظمى إذا فُعّلت في المجتمع وأشيعت بين الناس، فبها تصاغ الأفكار وتؤطّر، وتساعد على وضعها في المسار الصحيح، وإذا عُدمت هذه القيمة في المنظومة الاجتماعية شاعت الأفكار الغريبة المستهجنة التي لا تنفع، “فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال يوحي للإنسان بأفكار، ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة المستهجنة”– كما يقول مالك بن نبي رحمه الله-.

حثّ الإسلام على التحلّي بالجمال وتطبيقها عمليًّا على أرض الواقع، دلّ على ذلك العديد من النصوص منها قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وقوله صلى الله عليه وسلم :(إنّ الله جميل يحبّ الجمال) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي]، ونداءات الدعوة التي يرفعها الله في كتابه العزيز للتفكر في آيات الكون الجميل الضارب في المجهول {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] وقوله: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]

والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام ماهي إلا صورة من صور الجمال المعنوي الذي يسمو بالفرد ويضعه مواضع الرفعة، ولعظم هذه القيمة نجد الشيخ عبد الله دراز -رحمه الله- يجعلها محوراً من محاور القرآن الثلاث الرئيسة، والتي تتمثل في الحق أو العنصر الديني، والخير أو العنصر الأخلاقي، والجمال أو العنصر الأدبي)

مقاصد الجمال

كل ما تقدّم يبيّن أنّ لقيمة الجمال مكانة عالية في الإسلام، وذلك لعظم المقاصد التي تحقّقها، والآثار الإيجابيّة المترتبة عليها، ونكتفي بذكر مقصد واحد من هذه المقاصد التي تحقّقها هذه القيمة، وهو إشاعة مشاعر الحب واللطف بين الناس؛ فكل من اتّصف بالجمال ظاهرًا وباطنًا، وسعى إلى إدراكه في حياته اليومية، تراه مفعمًا بمشاعر الحب واللطف، ساعيًا إلى نثر عبقهما بين الناس، مبتعدًا جهد الاستطاعة عن مظاهر الكره والعنف.

إن الهدف من بيان مقصدية الجمال في الشريعة الإسلامية والحياة، هو التأكيد على ضرورة العودة إلى تلك القيم الجمالية، والوقوف على آثارها التي ستشيعها في أنفسنا ومن حولنا، خاصة مشاعر الحب واللطف، حيث تُمحا ندوب الكره والعنف التي ضيقت وقتّرت وجه الحياة وأزّمت العلاقة بين الأحياء، ولعلها تزيد من فرص الحياة الكريمة والسعيدة بكل ما فيها من فرح.

إن مما يحزن الإنسان أن يرى الجمال وسيلة لإشاعة الباطل المعاصر بزخرفة أقواله وإلباس بطلانه بأجمل الحلل الخادعة، بينما يكون الحق الواضح نافرًا مشوّهًا بعيدًا عن الحسن، حتى أصبحت مشاهد القتل والعنف والحروب وغلظة الخطاب وكآبة الحال هي ما يميز أخبار المسلمين، ويصنع صورتهم في العالم، مع أن حقيقة الصورة المعروضة للدين أبهى من واقعنا المعاصر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في نفسه وحياته على القمّة من الجمال، وقد كان لا يرضى أن تظهر شعيرة من شعائر الدين أمامه إلا على أجمل صورها، فبلال رضي الله عنه لم يكن صاحب الرؤيا في الأذان إلا أنه استحق الصعود والبلاغ؛ لأنه الأندى صوتًا والأجمل أداءً، وكان دحية الكلبي رضي الله عنه مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض ملوك الأرض لجمال هيئته وروعة بيانه.

 

الأمومة وأزمة الشعور بالإنجاز

كثيراً ما تعاني الأمهات من مشكلة الشعور بعدم الرضا عن الذات؛ وذلك بسبب ما يسمينه قلة الإنجاز في الحياة اليومية، فرغم أن إحداهنّ تمتلئ حباً لأولادها وتحمد الله على أن وهبها إياهم وتستمتع بعنايتها بهم، إلا أنها تصل في نهاية يومها لسؤال: ماذا عني أنا؟ فتشعر أنها صارت بكلّيتها لبيتها وأبنائها وزوجها، تدور في فلكهم، وتعمل لأجلهم، ولا تحقق لذاتها شيئاً، فلا هي راضية عن نفسها ولا هي مستريحة في خضم الأعباء اليومية الكثيرة التي تحملها.

تقول: “ها أنا ذا بعد سنين من كوني أماً، لا حصّلت شهادة ولا امتلكت مهنةً ولا غيّرتُ في عالمي شيئاً، كأن العالم كله يسير ويتقدّم، وأنا ههنا متوقفة في مكاني، فما الحل؟”

ولأهمية هذا السؤال وتكراره وجدت أن أفرد هذا المقال لإجابته من تجربة شخصية، ونظر في تجارب غيري، وقراءات في الواقع العملي للأمهات، ناظرة إلى ذلك كله بعين الوحي ما أمكن، فهو الذي يصوّب كل ما يرى ويضعه في مكانه الصحيح الذي ينتمي إليه.

لكنني أود بدايةً أن أذكر نفسي ًوغيري من الأمهات بضرورة شكر الله على أن رزقنا هؤلاء الأبناء وقذف في قلوبنا محبتهم والشفقة عليهم والحرص على مصالحهم، وتلك مِنَنٌ عظيمةٌ حُرِمها كثيرون، وحُرِم استشعارها أكثر، خصوصاً أننا نعيش في عالم مادِّيٍّ، لا يقيس معطياته إلا بالمال والفائدة المباشرة والرفاهيات الدنيوية المتتابعة، ونكاد نفقد فيه معاني العطاء المخلِص لله، والاستمتاع به وبملاءمته لطبائع نفوسنا وحاجاتها، وأذكر هنا قول امرأة فرعون لما رأت الصغير ورقّت فطرتها السليمة له: {قرّة عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [القصص:9]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف فيض مشاعره لسبطيه رضي الله عنهما: (إنّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا) (أخرجه البخاري)، ولله وحده الحمد والمنة والفضل.

الأسرة والأمومة

ما هو الإنجاز؟

ينبغي في بداية النقاش أن نوضح مفهوم الإنجاز الذي يبحث عنه كل مسلم أياً كان دوره وموضع استخلافه في الدنيا، فالمؤمن لا يهدف لمجرد الإنجاز بمفهومه العام الذي جعله ماسلو قريباً من قمة هرم الحاجات الإنسانية، إنما يبحث عن إنجازٍ يقرّبه كل يوم من مولاه ويزيده إيماناً ويرفعه منزلةً عنده، فيحمد الله ويشعر بالنجاح إن قدّم أيًّاً من ذلك، ويسارع بتدارك نقصه إن لم يفعل، وكل ذلك انطلاقاً من العبودية لله والتسليم والانقياد له، والتوجّه نحو رضاه وجنته، كغايات عظمى ينبغي أن يقرّب كلّ ما دونها منها، إضافة إلى العلم بالمسؤوليات والقدرات الفردية وما يوافقها من مستحقات. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص.[i]

ولعل العودة لمفاهيم الإنجاز الأصيلة يبدو صعباً وبعيد المنال في عالم يحصر النجاح بالوصول للقبٍ وظيفي ظاهريٍّ –بريستيج-، أو امتلاك سيرة ذاتية مليئة بتاريخ من العمل في أشهر الشركات والمؤسسات، أو تحصيل راتبٍ مالي معتبر في آخر الشهر، فلا اعتبار فيه لما لا يدخل في معطيات السوق، ولا نظر عنده لقيمة الإنسان من حيث هو روح وجسد يحتاج الطمأنينة والسكينة، ويفتقر لحضنٍ آمنٍ يسمع شكواه ويحتويه ويوجهه.

أما المؤمن الذي يقيس نجاحاته وإنجازاته بمعايير الوحي المنصفة فسيجد حاجة الإنجاز لديه محققة إن قدّم أقلّ القليل من أداء الفرائض والامتناع عن المحرمات واغتنام الوقت في يومه وليلته، سيرى الأب نفسه منجزاً إن حكى قصةً هادفة لابنه -مثلاً-، وسيحسّ الموظف بالنجاح إن قاوم شيطان الرشوة طيلة يومه، وستشعر اليافعة بتقدير النفس إن تمكّنت من إمساك لسانها عن الغيبة خلال مجلسٍ مع الصديقات، ولا علاقة لذاك كله بمكانٍ، أو رأي أحدٍ من البشر، أو وجود مقابل مالي للعمل من عدمه.

وهذا ينطبق على المرأة القائمة بدور الأمومة بشكل طبيعي إذ كلّ ما تقدمه من عمل صالحٍ بقلبها أو جوارحها، تجاه خالقها ونفسها وزوجها وأطفالها هو تقديمٌ لنفسها أولاً، ويدخل في باب ازديادها من الخير وملء ميزانها من الحسنات إن أخلصت نيّتها لله وعملت على النحو الذي يرضي الله سبحانه؛ وبذلك يكون عملها مع أبنائها جزءاً من إنجازها اليومي وطريقاً لها نحو الأجر والرفعة بإذن الله، وتستمتع معهم بكل لحظة وهي عالمةٌ أنها نجاح خاص بها تخبئه لآخرتها، لا عائق لها عن تحقيق ذاتها وأحلامها التي قررها لها من لا يعرف عنها شيئاً.

الأمومة

ترتيب الأولويات فسحةٌ للنفس

بعد تعريف الإنجاز وبيان ما يدخل فيه؛ ينبغي التفريق بين الاعتراف بوجود مشكلة الدوران في فلك الأبناء التي تحسّ بها كثيرٌ من الأمهات وبين قبول أي حلٍّ مشهور لعلاجها، فبينما لا ينبغي أن تفقد الأم خصوصيتها وتشعر أنها مملوكة لأبنائها، مهملةٌ لحق نفسها -كما وضحت في مقالِ سابق[ii]-، فإن الحلول العولمية الجاهزة ليست بالضرورة ما تحتاجه الأم.

فالمرأة التي تعاني من غياب حق النفس لن تشبِعَه إن فُرض عليها الخروج لوظيفةٍ، أو التوجه لتحصيل شهادة جامعية يختارها الآخرون لها، بل إن ذلك سيكون ثقلًا إضافيًّا على كاهلها لا تحتاج لحمله ولا تنتفع به على الحقيقة، خصوصاً ونحن نتحدث عن امرأةٍ تذهب لهذه الأمور من أجل إجابة مشكلة محددة، لا من أجل حاجة حقيقية لديها، فقضية الشهادة والعمل ينبغي أن ترجع إلى سلّم الأولويات، وتحديداً إلى أسئلة متعددة مثل: ماذا، لماذا، وكيف.

فلا نريد أن نسعى لهذه الأمور طلباً لرضا الناس عنا ولا استغراقاً في التنافس معهم، لأن هذا مما يزيد إرهاق النفس وتعبها، ولا نريد أن نترك ذلك لنثبت قوتنا وتفردنا لهم أيضاً، فنعود للمعيار، حيث تسأل الأم نفسها بصدق: ما هو واجبي أنا في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ ما هو العلم الذي أحتاج لطلبه؟ وما هي المهمات التي تحتاجني وأحتاج فعلاً للقيام عليها؟ ما هي خياراتي وكيف أرتبها كما يريد الله سبحانه منّي؟ ماهي مهاراتي وقدراتي التي يمكنني أن أغتنم وقتي الإضافي فيها؟ وهل يدخل الذي أريد فعله ضمن الواجب، أم المندوب، أم المباح؟

إن كان الفعل داخلًا ضمن الواجب فعلَتْه مباشرة، وإن كان ضمن المندوب أخَّرَتْه إلى أن تنهي الواجب، ثم قدّرت نفسها على إنجازها بعد إنهاء كل واجب وبعد تحقيق المطلوب منها في أي يوم، ثم التفتت للمندوب ومن بعده المباح ناظرة إلى ذلك كله بعين التوجه لله بالقول والفعل وأداء الأمانات التي وُكِّلَت بها من علم وقدرة ورعيّة هي مسؤولة عنها أمام الله تبارك وتعالى.

ومن المهم في كل ذلك أن نرتب الخيارات بالشكل الصحيح انطلاقًا من فهم حقيقة الابتلاء في الدنيا والعبودية لله فيها، وهذا ممّا يريح النفس ويطمئنها، إذ تدع كثيراً من الأعباء الملقاة عليها من أجل تحقيق صور المرأة المثالية أو المرأة الخارقة الجامعة لكل المحاسن والأدوار التي يصورها المجتمع لها، كما تتجاوز المقارنة مع غيرها، وتكف عن جعل آرائهم وتعليقاتهم معياراً لما تريد أن تفعله وتحققه.

فكل أم مختلفة عن الأخرى، وحاجاتها وظروفها وطبيعة حياتها وطاقتها وسنّ أبنائها وحالتهم الصحية تختلف كذلك، فلا يمكن رسم جدول يومي لما يجب على كل أم أن تقضي فيه يومها، إنّما هو سلم أولويات أساسه أن الله سبحانه هو الأول في حياتنا، فلا نعمل إلا لرضاه ونعطي نفوسنا حقها طلباً لرضاه، ونقوم بواجباتنا تجاه الخلق توجهاً إليه وحده، ومن إحسان الأم لنفسها أن تعتني بأبنائها وهي عالمةٌ أن هذا عمل لوجه الله، لا لوجه الأبناء، وطمعٌ في ثواب الله لا في رؤية الثمرة الدنيوية فيهم، أو عودتهم لها بالحمد والشكر والثناء حين يكبرون (وإن كانت رؤيتها تثلج الصدر ولا شك، لكنها ليست الهدف).

ختاماً.. أنصح نفسي أولاً وكل أم بإغلاق كل البوابات المسيئة المفتوحة على قلبك وفكرك، استغني عن أي نظرة تدفعك للمقارنة والشعور بالنقص أو الدونية، استشعري إنجازك العظيم اليومي إن أدّيت ما فرضه عليكِ مولاك، وتذكري أنك تعملين لنفسك فعلاً مع هؤلاء الأبناء، تذكري سلم أولوياتك ومعياريتك، وانطلقي بعدها في خياراتك حسب طاقتك وظروفك وحاجاتك.

ونسأله وحده أن يعين الأمهات والآباء والمربين على ما يحملون من مسؤوليات ثقيلة في ظل فتن عالم اليوم، وعسى وحده يثبتهم على دربه وينير بصيرتهم ويؤنسهم ويجعل أبناءهم قرة عين لهم في دنياهم وآخرتهم، وله الحمد أولاً وآخرًا.


[i] ابن تيمية رحمه الله. كتاب الإيمان. ص211.

[ii] انظر مقال “مناقشة اعتراضات حول الأمومة.. لا نريدك شمعة تحترق لتضيء للآخرين!” للكاتبة على مدونة السبيل اعتراضات حول الأمومة.. لا نريدك شمعة تحترق لتضيء للآخرين! • السبيل (al-sabeel.net)

السوبر ماما بين حمل القشّة والجبال!

حين يتسارع العالم من حولنا، نقف مشدوهين أمام التحوّلات التي تصيب أركانه بالعطب، وهنا نقف أمام لبنة أساسية لابدّ أن نحرص على عدمِ إصابتها بالتغيّر نحو الأسوأ، أو نسيان الماهيّة والوظيفة ومعالم الهداية، ولذا فإنه يجب أن تُسقى باستمرار لتسقيَ أرواح من تعول زلالَ الماء، إنها الأمّ، فالأمّ مفهوم عهدناه قليل الحروف كثير القطوف، فهل انقلبت الموازين وصار الأثر قليل الثمر؟

إننا نجد الخطر عند بعض الأمّهات إذ إنهم غير مستعدّات لحمل أدنى مسؤولية، وعلى الجانب الآخر نجد مصطلح (السوبر ماما) حيث تكون الأم فيه النموذج والشكل المتكامل الذي لا يشوبه ثغرة ولا نقص، إلا أن في هذه الرحلة خسائر تتساقط على جانبي الطريق، قد تكون هي الأمّ نفسها، أو أولادها..

الأمهات ومفهوم اللامبالاة

اللامبالاة سلوك اجتماعي، يسبّب مشاكل مجتمعية عمومًا وداخل الأسرة بشكل خاص، لاسيما إذا كان صفة تلازم أحد الوالدَين، حيث يظنّ البعض أن اللامبالاة وسيلة للتخلص من ضغوط الحياة ومتاعبها، ويكون مقتنعاً بأنه لا شيء في الحياة يستحق أن يبذل جهداً من أجله.

ولابدّ أنّ الانشغال الزائد بأمور الحياة خارج الأسرة كالعمل، وجمع المال وتحقيق الذات، يشكّل عاملاً أساسياً لانهيار بنيان الأسرة، فالسفينة كي تصل للمرسى لابدّ من ربّان يحسن القيادة والتوجيه.

إلا أننا نرى كثيراً من الامّهات تعتمد هذا الأسلوب وهن جاهلاتٍ بعواقبه، يشترين الرّاحة المؤقّتة لبيعِ بناء كيان أودعه الله تعالى بين أيديهن، حتى إن إحداهنّ لا طاقة لها على حمل قشّة مهمّا خفّ حملها.

كيف تسلّل مفهوم (السوبر) للأمّهات

في عصر التسارع التكنولوجي باتت الأمّ كقصّة باخوم الذي أورده تولستوي في إحدى قصصه، باخوم الذي ربح كلّ شيء وخسر نفسه، باتت الأمّهات يحاولن الإحاطة بالمجد من جميع أطرافه بين عمل خارج المنزل وعمل داخله وتربية للأطفال وابتكار مستمرّ لكلّ جديد، ناهيك عن الصورة الاجتماعية المثالية التي تحرص أغلب الأمّهات على الحفاظ على إظهارها للآخرين.

في بادئ الأمر أنوه إلى أني لا أدعو لأمّ متصلّبة غير مرنة، وإنما أحاول تسليط الضوء على الرحلة نحو المثالية المرهقة.

فالمثالية مصطلح حارق للنفس ومحرق للغير، وهو مصطلح يسبّب عقدة دائمة من الشعور بالذنب في حال عدم الوصول للمراتب العليا التي يرسمها الشخص لنفسه، ويسبب قلقاً في حال الوصول للقمّة، وأرقًا دائمًا لإيجاد السبل للمحافظة عليها، وتُعرف هذه الظاهرة بـ (الاحتراق النفسي) الذي يتوزّع على ثلاث مراحل: أولها: الإجهاد الانفعالي ثم تبلّد المشاعر ثم نقص الشعور بالإنجاز الشخصي، لذلك يغدو مصطلح (النموذجيّة) هو المصطلح الأفضل، فهناك نماذج ناجحة كثيرة، من الأمهات ممن تراهنّ نموذجاً ناجحاً من ناحية ما، إلا أنهن يعانين من ناحية أخرى، فلا كمال مطلق.

إن السعي اللاهث خلف الإحاطة بكلّ النماذج سينتج أمّهات يعانين من الهشاشة الداخلية، وهذه الهشاشة مترتبة على محاولة الحصول على كلّ وسام شرف، والطامّة الكبرى تكمن في أنّ هذه الشخصية التي ستتولّد وراء السعي نحو كلّ شيء والظفر بلا شيء ستؤثّر في تربية الأولاد، فتجد أمّهات يعجبهنّ تفوق أولاد فلانة بالحساب الذهني فتراها تسرع لتعليم أولادها الحساب الذهني، وما إن يبدأ الطفل بالسعي نحو الهدف، حتى يصطدم بوالدته التي ترى هدفاً آخر لامعاً فتطالب أولادها بالعمل عليه، مما سيجعل من الطفل شخصية غير متوازنة لا تعرف ما تريد.

بكل تأكيد فإن هذه ليست دعوة للتخلّي عن السعي نحو الأفضل، فمن لا يتجدّد يتبدّد، ولكن يبقى تحديد الأولويات هو الفارق الأهمّ بين النجاح والفشل في التربية.

ألف باء التربية

من المعروف أن 80% من شخصية الطفل التي تصحبه بقيّة عمره تتشكّل في الخمس سنوات الأولى من حياته، وباقي النسبة يستمدّها طوال رحلته في الحياة.

هذه النسبة تحتاج لقلبٍ واعٍ وعقل مدرك لمهمّة التربية، وتبدأ التربية بالقدوة إذ إنّ الطفل لا يبنيه التلقين، وإنّما يبنيه ما يراه مترجماً أمامه على أرض الواقع في هيئة أفعال، وهنا لا بدّ من الإشارة أنّ الأمّ يجب أن تكون على دراية وانتباهٍ لكلّ ما يصدر عن أولادها، والتحلّي بالحكمة باختيار الفعل المناسب في الوقت المناسب.

وينبغي للأمّ أن تبتعد عن المقارنة إذ إنّه عندما تبدأ الأمّ بمقارنة أولادها مع بقيّة الأطفال التي تراهم حولها، فإنه ستتسبّبُ بتضييع أولادها وعدم مساعدتهم على تحديد ما يريدون تماماً، إذ إن الطفل ليس حقل تَجارِب، وإنّما هو كيان إنساني يجب على من يسقيه أن يتعلّم متى وكيف يسقيه، وهنا لابدّ للأمّ أن تتزوّد بالاطّلاع ونخل ما ينفع وما لا ينفع.

الأمّ بين الواقعية والمثالية في وسائل التواصل

ثمة نقطة مهمّة يجب على كلّ أمّ بشكل خاص وعلى كلّ متصفّح لوسائل التواصل بشكل عام أن يعرفها، إنها الصورة التي يتمّ بثّها من قِبل أحد ما، إذ إنها إنّما أُخِذَت من زاوية مُنتقاة، اختار أحدهم أو اختارت إحداهنّ تسليط الضوء عليها، فلا أحد يعرف ما وراء هذه الصورة من نواقص، حيث يستطيع أي إنسان أن يظهر بالطريقة التي يريدها، وأن يقوم بالدور الذي يحبّه، وهنا لا يمكن تلقي أية إشارات للحكم على مدى مصداقية تلك النماذج من عدمها.

من المحال أن يكون ثمّة شخص متفوّق بكلّ شيء، ومن هنا فإنه يجب على الأمّ ألا تجلد ذاتها بالسعي الحثيث لاصطناع نسخة تحوي جميع ما يتمّ تسليط الضوء عليه، وإنّما أن تحرص على ريّ نقاط القوّة بداخلها من أجل الهدف لا من أجل لفت الأنظار، والهدف لا يأتي من طرق متشعبّة، وإنّما يأتي من طريق واضح جليّ، وفق خطّة مدروسة وأولويات مرتبة مصفوفة.

السوبر ماما على وسائل التواصل

هوس التفكير بالشهرة والثروة

هي ظاهرة بدأت تنتشر، حيث تشكو كثير من الأمّهات أنّها تصل لمرحلة يُسقَط في يدها ولا تعلم كيف تتعامل مع أولادها، ها قد بدأت الفجوة بين الجيلين بالاتساع، ومعها تجد الأمّ نفسها بين خيارين:

إمّا التشبّث بأفكارها التي لم تقم بتحديث لها وفق مقتضيات العصر، تحديثاً لا يشوب الثوابت والمبادئ، وإما أن تجد نفسها تلجأ إلى المسايرة السلبية والاستسلام لما يريده أولادها.

وتصبح الأم بين تضييع وتمييع، فلا هي قادرة على التحكّم بزمام الأمور ولا هي قادرة على حياكة الثوب بما يرضي جميع الأطراف.

وقد تتحدّث مع أمّ تقول لك: إن الزمن أصبح صعباً للغاية، فلا قدرة لنا على ضبط البوصلة، ولا ترشيد اتجاهِ الأبناء.

وكيف نضبط البوصلة إن لم تبدأ منذ الشهقة الأولى للطفل! وكيف نتحكّم باندفاع الماء إن لم نحفر المجرى باتجاه صحيح منذ أن كانت مياه النهر ما زالت ساقيةً تخطو بنعومة! أيعقل أن نعالج الأمر عندما يحطّم اندفاع الماء السدّ!

تلك تساؤلات ينبغي أن تقف عندها كلّ أمّ لتعلم أنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج.

يأتي الطفل الآن مع المدّ الجنوني في كافة وسائل التواصل الاجتماعي، يحمل بيده وسيلة من وسائل الاتصال، وقد يرمّم لك بمعرفته أسرار هذه التطبيقات ما قد ينقصك من معلومات.

طفل يرى أقرانه يقومون بإنشاء قنوات خاصّة بمحتوى تافه ويحصدون ملايين المتابعات، ذاك الطفل من له إن كانت الأمّ قد صمّت آذانها وأغلقت عيناها عن الإدراك!

فأمّهات جعلن من أبنائهن رأس مال يدرّ عليها الأرباح، وأمّهات يتباهين بعدد المتابعات، وأشياء لا يتسع المقام لذكرها.

وإن استفهمتَ من إحداهنّ، تراها بين العجز عن التصرّف أو الإعجاب بتطوّرها ودعمها لأولادها.

ربّما تختلف العصور، إلا أن هناك –على الدوام- قصص مشابهة، تلقّن الأمّهات فيها معنى التربية الحقّ، تعلمهم معنى المرونة دون تمييع، وإرخاء الحبل بقدر دون تضييع.

أمّي أريد أن أصبح مغنّياً!

يقول الإمام مالك بن أنس: (نشأت وأنا غلام فأعجبني الأخذ من المغنّين، فقالت أمي: يا بنيّ إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه، لم يُلتفَت إلى غنائه، فدعِ الغناءَ واطلب الفقه، فتركتُ المغنّين وتبعتُ الفقهاء فبلغ الله بي ما ترى)[1].

هل سارعت أمّ الإمام مالك بن أنس لصقل موهبته، وتقديمه لسوق يُعنى بإطلاق المواهب! وهل كانت من رهافة الإحساس لتبكي عند فوزه على أقرانه لتفوّقه بالغناء!

لم تلجأ لذلك وإنّما كانت مرحلتها الأولى: أن رشّدت مسير الماء كي يغدو زلالاً يروي وينفع.

فقالت له: (يا بنيّ إنّ المغني إذا كان قبيح الوجه، لم يُلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه)

مع العلم أنّ الإمام مالك لم يكن قبيح الوجه، وإنّما كان وسيماً ذا شقرة، فلم تقل لولدها أنّه قبيح الوجه، وإنّما طرحت قضيّة غير حاصلة على سبيل الإيحاء والتلطّف لصرفه عن عزمه.

وكانت مرحلتها الثانية: تأمين المراسم الشكلية، فالإنسان ابن بيئته وابن ما يُزرع فيه، فألبسته ثياب العلماء من قلنسوة وعمامة وأرسلته لطلب العلم.

يقول الإمام مالك: “فألبستني ثيابًا مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي -يعني القلنسوة الطويلة- وعمَّمتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن!”[2]

 وكانت المرحلة الثالثة: اختيار المنبع الصافي، فاختارت له الأستاذ، فواجب الأهل أن يدرسوا مكان وضع أولادهم، وأن يختاروا خير المعلّمين، وكان أشهرهم آنذاك ربيعة بن أبي عبد الرحمن فتقول له: “اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه”[3] ومقصدها بالطبع هو تعلُّم العلم والأدب جميعًا.

وبذلك ابتدأ الإمام مالك رحلته في درب العلم حتى صار نجماً فيه، حيث يقول الإمام الشافعي: “إذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين”[4].


[1] مصطفى الشكعة: الأئمة الأربعة، دار الكتاب المصري – القاهرة، دار الكتاب اللبناني – بيروت، الطبعة الرابعة، 1998م، ص: 6، 7.

[2] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون، ص: 9.

[3] ترتيب المدارك وتقريب المسالك (130/1)

[4] المصدر السابق ذاته.