image_print

إرهاب الفكر الباطني الحديث

يمكن تعريف الإرهاب على انه استخدام أساليب التخويف والترهيب تجاه شخص أو مجموعة، وهو ما يؤثر على الشخص بأضرار نفسية أو جسدية.

تعتبر الأنساق الفكرية من أهم الأسس التي يبنى عليها وجود وعقل الإنسان وحياته، بل إن الفكر هو الجوهر لكل شيء مدرَك، ويضع له المعنى المتصل بالروح والجسد والحياة والموت، إذ إن فكرة الوجود والحياة محل غموض وحيرة للإنسان، وهنا يحاول العقل أن يجيب عن هذه الحيرة التي يمكن أن نسيمها (حيرة الأسباب)، أي السبب في الحياة والموت والخير والشر والمرض والصحة..إلخ، فالإنسان في رحلة بحث عن معنى وأمل في الحياة.

إن الدين من أهم المنظومات الفكرية التي تنظم حياة الإنسان وتضع منهجية واضحة لفهمه وإدراكه للموجودات، كما أن قوة الحضارة أو الأمة تقاس بقوة عقيدتها سواء كانت دينية أو غيره، ونرى هذا في صفحات التاريخ في نهوض الدول قوة العقيدة وتمسك الناس بها، وسقوطها في بعد الناس عن العقيدة.

فالفكر يعطي المعنى والرؤية للإنسان ليس فقط للحياة ولكن لفهم نفسه كإنسان يتكون من روح وجسد وأعضاء ومشاعر وتاريخ وانتماء، وهذه المكونات تجتمع لتشكل هوية الإنسان، وكلما تطور فكر الإنسان ارتقى في داخله وازداد تقديره لنفسه، وينعكس هذا على فهم المحيط والبيئة ودوره ورسالته في الحياة.

 خوف الإنسان

لكل فكر أو دين أو عقيدة أو أيديولوجية مجموعة من المحرمات التي يعتبر فعلها شنيعًا ويجازى فاعلها ويعاقب عليه حسب تشريعِ كُلٍّ وطرق عقابه، وتعتبر الخطيئة هي السلوك الذي يخرج الإنسان عن الأعراف التي يجب أن يتبعها المجتمع في إطارات محددة في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية والزواج وغير ذلك.

ويعتبر الخوف من الأساليب التي تكون إيجابية في هذه الحالة، حيث إن الخوف من العقاب يشكل حاجزًا وعامل ردع نفسي للإنسان، فلا يسعى للخروج عن الإطار الفكري ويتقصد الحفاظ على الرابط الاجتماعي، وهذا الرادع النفسي –أي الضمير- يعتبر جهاز إنذار يبعد الإنسان عن ارتكاب الأخطاء، وإذا استخدم الإنسان الخوف خارج هذا الإطار، فإنه سيتحول إلى أداة ابتزاز أو جريمة في حق الإنسان، خاصة إذا كان هذا الابتزاز عاطفيًّا وتستغل فيه أساليب التسويق بشكل واسع، وذلك على غرار الأشخاص الذين يدعون أنهم أخصائيون في علوم الطاقة والروحانيات، وأنهم يشكلون أساليب جديدة في معالجة الوعي البشري ومواجهة هموم الإنسان.

ويجب الإشارة هنا إلى أننا نتحدث عن نوع محدد من الدجالين، وهم الذين يدعون أنهم يمارسون قدرات التأثير في الطاقة وأنهم متخصصون في علومها، من خلال المجاهدات الروحانية، وهم بطبيعة الحال ليسوا متخصصين علماء كالأخصائيين النفسيين أو الفيزيائيين.

يدّعي هذا النوع الجديد من الحركات الباطنية أنه يسعى لرفع وعي الناس وإخراجهم من عالم الظلمات إلى عالم النور والوعي من خلال الممارسات الروحانية مثل اليوغا وتنظيف الجسد الأثيري والعديد من المسميات التي تختلف من شخص إلى آخر، إلا أنها جميعها في النهاية تتقابل في بوتقة واحدة، وهي الغنوصيّة الباطنية بشكل معاصر.

زرع الخوف من خلال ممارسة الوعي الروحاني

تحدث الأستاذ أحمد دعدوش في حلقتين في قناة السبيل على اليوتيوب بعنوان الروحانيات الباطنية الجديدة وحركة العصر الجديد والتنمية البشرية وحركة العصر الجديد، المدربون العرب حيث شرح هذا الفكر من المنظور الديني الإسلامي وخطورته على العقيدة الإسلامية، -ولذا أنصح بالرجوع لحلقات الأستاذ أحمد دعدوش- لفهم تاريخ الفكر وجذوره اختصارًا للعديد من النقاط.

وبدوري سأحاول شرح هذا الموضوع من منظور نفسي واجتماعي أكثر لكي يكون لدينا زوايا مختلفة لفهم إيجابيات وسلبيات هذا الفكر الباطني الحديث، ولا شك أن من أهم احتياجات الإنسان هو الغذاء الروحي الذي يجعله في سكينه وطمأنينة، فالروح لها غذاء كما للجسد غذاء من طعام وللعقل غذاء من معرفة وعلم، وإذا اختلف أحد هذه المكونات الرئيسية اختل توازن الإنسان.

بعد ضعف التأثير الديني في العالم العلماني والمادي، أصبح العالم يبحث عن العلوم الروحانية وعلم الطاقة والباطنية والترويج لها في كتب أو معلمين روحانيين أو ممارسين..الخ، مما فتح مجالًا أوسع للدجل والاحتيال على عقول الناس بشكل عصري.

لننظر إلى الأمر من ناحية أخرى، إن زيارة قبور أولياء الله وأصحاب الكرامات والاستغاثة بهم شخصيًّا فيه جهل وابتعاد عن شرع الله، فيجب –بكل تأكيد- النظر إلى هؤلاء المدربين على أنهم دجالون يرتدون ربطات العنق العصرية، بل لعل أحدهم أكثر إقناعًا من شيوخ التصوف، والفرق بين صاحب الكرامة في الصوفية والمدرب الروحاني هو اختلاف الطبقة أو المظهر الاجتماعي، فالأول يتبعه –في الغالب- البسطاء من الناس أما الثاني فيستهدف الأثرياء والمقتدرين.

في أغلب المجتمعات الفقيرة التي ينتشر فيها الجهل نجد سيطرة مفاهيم معينة كقوة العين والسحر والشعوذة، فيحاول الإنسان حماية نفسه بالطلب ممن يرى فيه الكرامة والولاية، ونحن هنا لا ننكر وجود قوة العين والسحر كما أشير إلى ذلك في القرآن والسنة، وإنما ننتقد تضخيم الموضوع وجعله مدخلاً للدجاجلة ليسيطروا على عدد كبير من المساكين، فيشرح لكلٍّ نوع السحر أو العين التي أصابته، ويبين له مدى صعوبته، ويكثر عليه الطلبات التي يحتاجها ليفكّ عنه ذلك الأثر، ادعاءً منه أنه الوسيط بين الشخص والله.

وهنا يتكرر السيناريو ذاته عند المعلمين الروحانيين بطريقتهم الحديثة، فمنصات التواصل مليئة بمثل هؤلاء، حيث يبدأ (الروحاني) بأسئلة بديهية بأسلوب يشعرك أنك حالة نادرة أو عويصة، وبعد ذلك يقنعك بأن عدة مخاوف وأنواع من الصدمات زرعت من الطفولة ومشاعر مرتبطة في الجسد المشاعري ويجب أن يزيلها، وبالطبع فإن كل هذا يحتاج لمبالغ مالية لا تقل عن ١٥٠ دولار كبداية، ومن هنا ندرك كيف يزرع الخوف في داخل الإنسان ويضخمه بطريقة تقنع الشخص أنه يريد حماية المتحدث إليه.

وعندما نغوص في المجتمع العربي والإسلامي نجد أن الموضوع متطور وأكثر تعقيدًا من ذلك، بل إن مثل هذا الشخص يرى نفسه أنه قد صار وسيطًا بين الإنسان والله، فهو يعرف كيف يخرج الذنوب العالقة التي تؤثر على ما يسمونه “كارمة” الإنسان حسب زعمهم وعلاقته بربه، وهذا شيء خطير، فكيف تتسلل هذه الأمور داخل الفكر الإسلامي؟.

إن الملفت للنظر أن هذا الفكر الباطني ليس بحديث البتّة، بل هو عبارة عن انتقال أفكار معينة من حضارات لأخرى، ولكن بشكل مختلف، فينتقل من الهندوسية الهندية، إلى بعض فرق الصوفية والإسماعيلية وغيرها، وهي كذلك الآن تحاول الانتشار في أي مجوعة سواء صغيرة أو كبيرة، ونلاحظ أن الجوهر واحد ولكن الهيكل الخارجي مختلف.

هذه الأفكار هي في جوهرها نافذة جديدة لفهم النفس والروح والحياة في العصر الحديث عند الكثير من الناس في العالم، وقد أصبح هؤلاء المدربين فقهاء وفلاسفة هذا الفكر الباطني، وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة، فهل الإنسان العصري سيرى رحلة حياته من منظور الوسيلة والغاية والقضاء والقدر أم سيراها في ارتقاء الوعي الباطني والانفصال عن الواقع.

الترويج للفكر الباطني

انتشرت في الآونة الأخيرة مقاطع كثيرة لهؤلاء المدربين على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف ترويج أفكارهم وانتساب أكبر عدد ممكن للدورات التي يقيمونها، ومما يلفت النظر كيفية شرح المواضيع المتعلقة بصورة الإنسان لذاته، فالإنسان لديهم يتكون من عدة أجساد كالجسد الأثيري والمشاعري وغيره، وأن الذنوب تلتصق بجسد محدد وهذه الجلسات التي يروج لها بعضهم تزيل الذنوب بينك وبين الله، وهناك العديد من الأفكار المتشابهة من شخص لآخر، فبعضهم يحسن علاقتك مع الله وبعضهم يفتح لك مسارات كونية تجلب لك الرزق والصحة … الخ.

بكل اختصار فإن هؤلاء المدربين لا يعطون الدواء، لكنهم يجيدون فن الاستفادة من السامع وخداعه، وبالطبع فإنهم سيطلبون الكثير، وكل واحد منهم يريدك أن تتمسك به أكبر فترة ممكنة لكي يستفيد ماليًّا إلى أقصى درجة، بدءًا من ادعاء تخلية المشاعر السلبية وتنظيف الكارما من الذنوب وجلسات إزالة الصدمات وزيادة جذب الرزق وغير ذلك من الأمور الخرافية ولكن بشكل حديث ومنمق، والمغزى من كل ذلك البحث عن المال والشهرة والسلطة.

يمكن اعتبار هذه الخرافات طريقًا لزيادة اضطراب الإنسان العصري وجدانيًّا وعاطفيًّا، وقد قابلت العديد من الحالات التي جعلتني أتأمل أحوالهم، حيث كان أغلب هؤلاء الأشخاص يرددون كلامًا غير مفهوم وكأنه عبارة عن شريط مسجل، إلى جانب أنهم في حالة قلق دائمة رغم أنهم يقنعون أنفسهم بأنهم على ما يرام وهم عكس ذلك، وهذا المشهد يذكرني بمشهد من نوع آخر وهم بعض الغلاة من طرق التصوف الذين يبالغون في العبادات والاذكار بهدف الوصول لحالة معينة من الاتحاد أو النشوة، وهم في هذا يتشابهون مع تعاليم اليوغا التي تريد إيصال الإنسان إلى حالة معينة من الانفصال عن الوجود الحقيقي.

وإذا لاحظنا أماكن انتشار هذه الأفكار الروحانية الحديثة فإنها غالبا ما تكون داخل المجتمعات المتمدنة التي لا تعيش المعاناة الحقيقة وتقتصر على الطبقات المقتدرة والغنية، مثل الدول التي تعاني من إبادات وحروب  فهم يعتقدون أن حدود العالم هي المدينة التي يعيشون فيها.

لا يمكن إنكار أن الإنسان يحاول الوصول للسكينة الداخلية وتنمية الجانب الإيجابي منه روحانيًّا، وهذا شيء مهم جدا، خاصة من خلال الالتزام بالعبادات والفرائض والتعاليم الدينية، ولكن الانغماس في التأملات والانفصال عن الواقع يزيد في إيهام النفس بما لا يتوافق مع الحقيقة.

الوعي الحقيقي

إن بداية الوعي الحقيقي الداخلي تطلق من فهم الإنسان لعيوبه وتصحيحها، وفهم الإنسان لمخاوفه ومحاولة تجاوزها، وفهم الإنسان لمشاعره وأفكاره، ومن أهم مراحل الوعي الخارجي إدراك الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفهم التاريخ والثقافة والمخاطر الخارجية وتجنبها.

كل هذه الأمور بدورها توجه الإنسان نحو هدفه في الدنيا ومحاولة البحث عن سبل، فالحقيقة أن هذه الحياة تحتاج العمل الدؤوب لا الركون إلى التعاليم الوثنية والتأملات المؤثر سلبًا في درجات الوعي.

ولنضرب مثالاً بسيطًا، فلو أنني أردت بناء بيت ما، فلن يفيدني جميع أصحاب علوم الطاقة والوعي الروحاني بقدر ما سيفيدني المهندسون والعمال المتمرسون في البناء،

في مجتمعنا العربي والإسلامي نرى تقصيرًا كبيرًا من بعض المشايخ الذين ينفصلون عن الواقع ويقصرون مجال نشاطهم بعيدًا عن فهم التغيرات الجارية في الدنيا، إلى جانب فئات أخرى كالأدباء والشعراء والفنانين الذين يركزون على جوانب لا تفيد حياتنا المعاصرة، وإذا أردنا أمة قوية فلا يمكن لمجموعة من العشاق والمكتئبين والمتبتلين أن يقودوها، بل يجب أن تقودها نخبة ممتلئة بالإيمان والتقدم التقني والحضاري وحب الإنجاز.

إن إرهاب الفكر الباطني الحديث يبدأ بطغيان هذه المفاهيم على نظرة الإنسان لذاته ودينه وواقعه وبالتالي ستغير توجهه في الحياة وإدراكه لغايته منها، والإنسان هو الكنز الأهم في الوجود، فهو الذي تبدأ منه الأسرة والأمة والحضارة.

لدينا العديد من المشكلات في الحياة ومتطلبات الحياة في تزايد سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي أو العالمي، ودور الأبطال هنا المبادرة في حل هذه الإشكاليات وليس التبتل والجلوس للوصول لحالة من السكينة والانفصال عن الواقع، رغم أنه لا يمكننا إنكار الجانب العلاجي النفسي والإرشاد النفسي بل هو جانب مهم جدًّا خاصة في عصر المادة ولكن من قبل المختصين وليس صانعي الوهم.

القيم التربوية الإسلامية مصدر الإشعاع والتألق المعرفي

لا شكّ أنّ التصور الذي يحمله الإنسان ونظام القيم الذي يرتبط به، يترك أثره في سلوكه سلباً أو إيجاباً، وينعكس ذلك الأثر –بطبيعة الحال– على سير المجتمع وبناء الحضارة برمتها، وإن أثر القيم الإسلامية –لضمان تفوق المجتمع ونقائه- ينبغي أن يهيمن على حياتنا الإنسانية؛ حيث إن تلك القيم الشاملة لا تجعل المسلم صادقاً في معاملاته وممارساته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية، متعاوناً فيها على البرّ والتقوى، عفيفاً معتدلاً في تعامله معها وحسب، ولكنها لتنفذ إلى أعماق نفسه فتغرس فيها رهافة في الحس وشفافية في الذوق والضمير.

أثر القيم الإسلامية في الإنسان

إن أول آثار القيم الإسلامية في الإنسان هي أنها تصوغ الشخصية الإنسانية صياغة ربانية تمس كلّ موطن من مواطنها، وتهز كل وتر من أوتارها، لينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه، على هدى من الله.

وإذا كانت القيم التربوية الإسلامية وعلى رأسها القيمة الإيمانية، تترك أثرها في النفس والجسم، طمأنينة وسكينة، فإنّها في ترابط عضوي مع تلك الآثار، تخلف أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم بفضل ذلك النسيج المحكم من الحقائق التشريعات وأنماط السلوك التي يتصل بها كيان المسلم، فنسيج القرآن نفسه، ومعطياته المعجزة، من بدئها حتى منتهاها، في مجال العقيدة والتشريع والسلوك والحقائق العلمية، تمثل نسقاً من المعطيات المعرفية كانت كفيلة، بمجرد التعامل المخلص الذكي المتبصر معها، أن تهز عقل الإنسان وأن تفجر ينابيعه وطاقاته.

إنّ القيم التربوية الإسلامية قد صنعت من الصحابة الذين تشبعوا بها كائنات فذة، تحمل من عناصر القوة والحيوية ما استطاعوا بفضله أن يواجهوا تبعات الحياة ومشاق السير في دروبها الوعرة، فإذا كان المجتمع المسلم نسخة عنهم أو في حقيقته ليس سوى مجموعة الأفراد الذين يسيرون على تعاليم دينهم، فمعنى ذلك أننا بإزاء مجتمع متماسك البنيان، راسخ الأركان، سائر إلى الأمام، مضطرد النمو، لأنّ الإسلام يعتمد في بنائه للمجتمع على أفراد أقوياء النفوس ممتلئين بالعزم والقدرة على الثبات.

ومن هنا نخلص إلى الحقيقة التي يقررها القرآن في قضية التغيير الحضاري، وهي أنّ الإنسان هو الأساس في ذلك التغيير، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم} [الرعد: 11] فسنة البناء والتغيير تمر من خلال جهد البشر وتفاعلاتهم.

تحقيق أهداف القيم الإسلامية

من المؤكد أن تحقيق الأهداف التربوية في المجتمعات  للوصول إلى الإنسان الأخلاقي الذي يحقق الغاية السامية للبناء والنهضة، فلا بد لأجل ذلك أن ترتكز تلك الأهداف التربوية على نسق متين من القيم يتوخى فيها الشمول والتكامل، تتكامل فيه النواحي العقدية، مع النواحي المنهجية، وهذه مع النواحي الأخلاقية كفيلة بإعداد الإنسان الأخلاقي على وعي وبصيرة، وفق الينابيع الدينية الصافية، ولا شك أن طبيعة البناء الثقافي، والنسق القيمي هي التي تحدد استجابة الإنسان لهذه المنظومة، فإن كانت تركز على أبعاد بعينها من الكيان البشري، فإن النقص لا محالة لاحق بتلك النفس، وإن كان الإطار الثقافي متكاملاً وغنيًا بالقيم التربوية التي تمس الكيان الإنساني بأكمله سوف ينعكس ذلك على الإنسان كمالاً وتوازنًا يدفعه للقيام بوظيفته الحضارية.

ومن المؤكد أن القيم الإسلامية هي الأجدر والأكمل والأمثل القادرة على الإشباع لكل حاجات وأشواق الإنسان، لأنها صادرة عن خالق الإنسان الذي يعلم من خلق، وأن العطاء الذي قدمته الحضارة الإسلامية للإنسانية خير دليل على ذلك، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جبل الإنسان بفطرة تؤهله للتشكل وفق الأهداف الخيرة، وقابلية السير في خطها المستقيم، فإن القيم التربوية الإسلامية تكون على أساس المفاهيم والمعاني التي يولد الإنسان بموجبها ولادة ربانية، ويعيش في ظلال طاعة الله، وحمل النفس على تنفيذ مراده في هذا الكون وحقق الغاية السامية.

ومن المؤكد حتما أن الهدف الذي تسعي إليه القيم التربوية الإسلامية هو إحداث وإنشاء هيئة راسخة في نفس الإنسان، بحيث تتجه به نحو العمل الصالح، الذي يشمل كل مكارم الأخلاق، وربما يظهر في بعض الأحيان أن بعض النظم التربوية تضم قيمًا شبيهة بقيم الإسلام، إلا أنها تفتقد الشمول والتكامل والثبات، والقابلية للتطبيق على أرض الواقع ويغلب عليها الجانب النظري لأنها من صنع الإنسان، ولا أجد أجمل بلاغة في نقل المعنى الشمولي للمراد من قول الإمام الشاطبي بأن كليات الشريعة من العدل، والرفق، وسلامة النفوس والأعراض والأموال، وحفظ الدين، والعقل، فإنها لا تتغير، إذ هي الأصول التي بني عليها الدين، وبنيت عليها مصالح الدنيا، ومن ثمة فإنها باقية ما بقي الناس على هذه الأرض، وعليه فحفظ تلك المقاصد لا يتم إلا من خلال تشبع الأفراد بمنظومة من القيم يتصف بالكمال، ويتجلى ذلك بأبهى وأتم صوره في النظام القيمي الإسلامي الذي هو قوام النظام التربوي في الإسلام، وهذا النظام القيمي هو الذي يتشكل منه النظام الاجتماعي الذي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بطبيعة التصور الاعتقادي.

التربية وجيل القرآن

ومن المؤكد علميا أن دراسة فاحصة معمقة إلى الإنسان في ظل عصر النبوة، والعصور الزاهية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، وجدنا أن الجيل القرآني الذي تربي في رحاب مدرسة النبوة قد أعطي البرهان الكامل على الثبات أمام مطامع الدنيا، فكانوا قمم في العطاء والتضحية، وفي الإخلاص، ونكران الذات، والتعاون، وغيرها من المثل العليا وهذا التجسيد للقيم ظل مستمرًا عبر عصور التاريخ الإسلامي على تفاوت فيما بينها في الإشعاع والتألق، وذلك بمقدار ما كانت تتفاوت في الاقتراب من النبع الصافي لمدرسة النبوة والاغتراف من خيراته وكنوزه.

ومن المؤكد قطعا أن من أعظم ثمار القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان أنها تترك أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم، لأن القرآن الكريم ومعطياته في مجال العقيدة، والتشريع والسلوك تمثل نسقًا من المعطيات المعرفية كفيلة بأن تهز عقل الإنسان، وتتمي طاقاته حتى يولد لديه التشوق المعرفي لكل ما يحيط به من مظاهر الكون، وتحديد دوره ووظيفته في هذا الكون، فالإنسان في العقيدة الإسلامي طاقة حيوية مؤثرة، وهذا ما يفسر لنا ذلك الانطلاق الهائل الذي حققه المسلم في كل ميدان من ميادين الحياة العلمية، وهكذا يتضح لنا أثر البناء الذي تتركه القيم التربوية الإسلامية في الشخصية، بحيث تصوغها صياغة متينة، وتمس كل موطن من مواطنها، حتى ينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في تحقيق النهضة البشرية، وخلاصة القول أن القيم التربوية المرتبطة بالدين هي التي تؤدي إلى تحقيق غاية الإنسان وإسعاده في هذه الحياة، وخلاف ذلك، فإنها لا تحقق الغاية المنشودة، بل تؤدي إلى انهيار متسارع في المنظومة المجتمعية والحضارية.

هل يكفي العلم لدعم الإلحاد؟

محمد نبيل

تبدو ظاهرة الإلحاد على مرّ التاريخ قضية مركّبة، فهي من القضايا المعقدة التي لا يمكن ردّها إلى عامل أو عاملين؛ وإنما لا بد من رصد الكثير من السباب لفهم تشكّل الظاهرة على وجهٍ أوليّ، فالأسباب المؤدية للإلحاد تكاد تتنوع أشكالها؛ وفقًا لكلّ حالةٍ على حدة، كما يغلب على ظن الكثيرين أن ظاهرة الإلحاد ترجع إلى أسباب علمية محضة، لكن بالتحقيق يبدو أن ذلك مجانبٌ للصواب، وهو ما بيّنه أنطوني فلو في كتابه الشهير “هناك إله”.

حدود العلم

إن حدود العلم الطبيعي بمعنى النظر في الموجودات من حول الإنسان، تكاد تنحصر في البحث عن العلل الفاعلة في الأشياء، وذلك لغرض فهمها وتفسيرها واستخراج قواعدها وقوانينها، إما لتجنب أضرارها وإما لتطويع فوائدها، فضلا عن إرضاء الفضول العلمي، وتعد أدوات العلم الطبيعي في ذلك هي حواس الإنسان التي يقودها عقله لتحليل بياناتها ومُدخلاتها وتصميم تجاربها، ثم تدوين مُلاحظاتها للخروج في النهاية بالنتائج والتفسيرات والنظريات أو القوانين.

وبذلك فإن العلم الطبيعي له شقّان، مادِّيٌّ تجريبي مُتعلق بالحواس والرصد، وشقٌّ عقلي بحت في الملاحظة والاستدلال والقياس والاستقراء والاستنباط، ثم الاستنتاج وتعميم الفرضية أو القانون.

أما الأديان، التي يقودها عمومًا الإيمان بخالق، فهي تشمل حدود الموجودات المادية وتجعل مِنها أداة عقلية دالة عليها، ثم هي تتخطاها إلى ما وراءها من فاعل مُريد وغايات، وهي بذلك تتعدى حدود حواس الإنسان لتصب في استخدامه لعقله المتدبر المحلّل المفكر في كل ما حوله من أشياء وعلاقات، للوصول مِنها إلى صفات عامة يقينية عن الخالق أو الصانع، فتثبت وجوده حتمًا وربوبيته في الوجود -تمامًا كما يستطيع أي إنسان الاستدلال على وجود صانع بالتأكيد لمحرك السيارة أو أي من الآلات المختلفة، بل ويستطيع كذلك استنباط العديد مِن صفات هذا الصانع مِن غير أن يراه أو يحيط به كله، مثل أنه لديه صفات عِلم وحِكمة ودقة وتقدير وقدرة وقوة على تشكيل المواد وتركيبها.. إلخ-.

قصة حوار

في حوار مع ملحد عربي يصدق العلم فقط، جرى حوار بيني وبينه، أسرده هنا للفائدة والعبرة!

هو: أنتم تريدون منا أن نصدق خرافات وأشياء غائبة حسيا كالله والملائكة، نحن لا نصدق إلا ما تدركه حواسنا من حقائق وما يقول العلم عنها. أما أنتم فلا دليل واحد مادي على ما تؤمنون به.

أنا: لدينا كلام الله تعالى المنزل في القرآن الكريم.

هو: هراء، هذا كلام ابتدعه رجل في الصحراء وصدقتموه!

أنا: حسنا، أنت تتبع كلام العلماء العارفين بالمادة والواصفين لها وتصدقهم في كل شيء. وبالطبع كان هناك مثلك من مات في القرن الماضي وهو لا يصدق الغيبيات التي نؤمن بها في القرآن. لكن لاحظ أيضا أنه كان يصدق ما يخالفه العلم اليوم وتصدقه أنت!

فكوكب بلوتو مثلا كان يعد من كواكب النظام الشمسي التسعة منذ اكتشافه في عام 1930. وهناك أجيال كثيرة تعلمت هذه الحقيقة ولو أجاب أحد الطلاب في القرن الماضي أن عدد كواكب المجموعة هو 8 لضحك الجميع من تخلفه وقلة تحصيله العلمي ولربما كانت تلك العلامة الفارقة لنجاح أحدهم في مادة العلوم، لكن في عام 2006 حكم اتحاد الفلكيين العالمي (IAU) أن بلوتو ليس كوكبا وأنه أقرب إلى جرم قزم ضمن أجرام حزام كايبر، وهكذا ببساطة شطب العلم ما كان يعرَف أنه حقيقة استمرت لأكثر من سبعين عامًا، وهذا أثار استياء العامة.

مثال آخر، قبل القرن التاسع عشر كان يعتقد أن الشمس هي مصدر الطاقة الوحيد لبقاء جميع المخلوقات الحية. وبناء على هذه الحقيقة كان الاعتقاد السائد لدى العلماء أنه لا يمكن للمخلوقات أن تتواجد في أعماق المحيطات بسبب عدم وصول أشعة الشمس، وأسباب أخرى مثل اختلاف الضغط البارومتري للمياه وبرودتها وغيرها من الأسباب التي أعاقت وصول الإنسان للأعماق حتى 1870 حينها اكتشف عالما متنوعا من الأحياء والمخلوقات العجيبة، وأخذ يبحث عن أسباب بقاء هذه المخلوقات فوجد أن منافث حرارية من قاع المحيطات تضخ كميات من البخار والكربون تتغذى عليها عضويات عديدة، وبدورها تصبح غذاء لأسماك صغيرة ثم كبيرة في سلسلة غذائية لم يستطع الإنسان تصور وجودها في بيئة قاسية مثل هذه، وهكذا، غيّر العلم أقواله وأصبحت الشمس المصدر الأساسي.

مثال أخير وليس آخر، لعقود ماضية عديدة اعتبرت الدراسات العلمية تناول بيض الدجاج مرتبطا بأمراض القلب لاحتوائه على نسبةٍ عالية من الكوليسترول، وكثرت التوصيات بالتقليل من تناوله، وأنا شخصيا كنت أحد أولئك الذين عزفوا عن أكل البيض إلا مرات قليلة في الشهر حين كنت شابا يافعا. في عام 2017 انتشرت دراسة واسعة مستفيضة حطمت هذه الخرافة واتضح فيها أن الكوليسترول الموجود في البيض صحي ومفيد، وأن الكوليسترول الضار الذي يصدره الكبد ناجم عن الدهون المشبعة والمتحولة في الأطعمة السريعة. وعلى ذلك، يمكننا أكل البيض يوميا دون أي مشكلة صحية إن لم تكن هناك أمراض أخرى تمنع ذلك. ومنذ ذلك الوقت وأنا أتناول البيض بكثرة وأفكر بمن مات قبلي وهو ممتنع عن البيض مع حبه له دون أي مانع صحي سوى أنه صدق العلم وقطعية بحثه.

إن الأمثلة عديدة على تغيير أقوال العلم في مواضيع كثيرة وفي أكثر من موضع، وعلى إثر ذلك تتغير الكتب الدراسية وتعطى معرفة وقناعة جديدة لطالب علم لن يدرك أن من يعلّمه هو مثله في علمه القاصر، يحده ضآلته وفهمه المحدود بحواسه القليلة.

فهذه كتب العلوم المتقلّبة التي كتبها الإنسان وتصدقها أنت بشكل أعمى. أما القرآن فهو لم يتغير منذ أن نزل على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم بشهادة المستشرقين والباحثين الغربيين ونسخ القرآن الأثرية المحفوظة في متاحف الغرب. وكل من آمن به وما نزل به من الحق، ومات عليه سواء في القرن الأول هجري أو الرابع عشر هجريا، لن يندم على شيء فيه. بل إن العلم هو ما يأتي ليوافق ما ذكر في آياته في مواضيع متعددة، ولا خلاف على تلك الحقائق المذكورة وتفسيراتها التي جعلت العلماء يقفون عاجزين عن فهم كيف لإنسان أمّي في الصحراء أن يأتي بهذه الخفايا في ذلك العصر دون الأدوات العلمية الحديثة.

وهذا ما حدا بالبعض منهم للإسلام فورا مثل عالم البحار جاك كوستو الفرنسي بعدما أدرك أنه على مفترق طرق بين الإلحاد والإيمان. هؤلاء كانوا لا يعتقدون إلا بالعلم ولا يعتبرون للأديان بأي أهمية. لكن الصدق مع النفس في تقبل ما يطرحه العلم من إشارات لخالق هذا الكون هي ما تقربهم لنور الهداية وتجعلهم يخشون الله تعالى كما قال: {إنما يخشى اللهَ تعالى من عباده العلماءُ} [فاطر: 28]. أما أمثالك، فهم متبعون لهواهم في تصديق العلم، ولو أنك صدقت في بحثك لهداك الله تعالى.

مسؤولية الاستحقاق .. قف وارجع للأرض!

أبتدئ هذا المقال بقوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] وأنسلّ من هنا لأشير إلى أن انتشار الفردانية في مجتمعنا أدّى لانتشار مبدأ الاستحقاقية الذي أصبح البشر يتعاملون به مع رب العالمين! فنرى أحدهم يقول: “يا رب أنا لا أستحق هذا!” “يا رب ماذا فعلت لأستحق هذا؟” “يا رب أنا فعلت وسعيت فإنني أستحق هذه النتيجة لمَ لم أحصل عليها!” إلى جانب جُمل أخرى مغلّفة بالزخرف كـ”أنت تستحق الأفضل دائمًا، فكر هكذا وستحصل على حياة سعيدة!”

ويالانعدام مفهوم الحياة الدنيا! وكأن ما فعله الذين كفروا من بني إسرائيل يتكرر اليوم!

المفاهيم انقلبت ونسي العبد أنه عبد، نسي أنه يُسأل ولا يسأل، نسي حقيقة الحياة الدنيا!

من وقع في شباك هذا المبدأ؛ طبيعي أنه سيصل للسخط على رب العالمين، لأن نظرته المشوّهة جعلته يرى الدنيا كفردوس أرضي، وتكون نظرته أنا عملت إذًا -وبشكل طردي- سأحصل على كل ما أتمنى لأني أستحق! متناسيًا أن الحياة هي دار ابتلاء واختبار وليست دار الجزاء {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7]

لو كانت الدنيا دار الجزاء؛ لكان الأنبياء أحق برغد الحياة، ولكانوا أحق بتحقق جهودهم في الحياة، ولكن الأنبياء يبعثون ومعهم واحد أو إثنين وبعضهم يبعث وليس معه أحد اتبعه!

لو أن الدنيا ستكون رغدًا للمُطيع لكان الأنبياء أولى، ولكنهم أكثر الناس بلاءً!

لو كان الجزاء في الدنيا لكان الصحابة أولى بهذا، ولكن منهم من قضى نحبه قبل الهجرة كسمية وزوجها رضي الله عنهما، ومنهم من قضاه قبل الفتح وقبل أن يرى ثمرة جهاده في الدنيا، ولكنهم علموا أن الجزاء في الآخرة، وأنهم سيجزون على سعيهم لا على النتيجة! {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 39-41]

ولو تأملنا في سورة الصف سنجد أن الله تعالى يخبرنا أن الجزاء هو جنّات عدن، ولكن الأخرى التي تحبونها هي جزاء معجّل لأنه شكور، وليست الجزاء الحقيقي!

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10-13].

يعبد الله على حرف!

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11]

بعض الناس يعامل الله سبحانه وكأنه يمّن عليه بإسلامه، فإن تعرض لمصيبة أو كربٍ أو لم يتحقق له ما كان يطمح له سخط على الله، بل وربّما شكك في وجوده! وهو ما يسمى في العصر الحديث (هشاشة الإيمان) وفي المصطلح القرآني (عبادة الله على حرف) وحرف تعني لغة الطرف والحافة؛ أي كمن يقف على حافة الجبل؛ أي شيء سيوقعه، وهذا من خسِر الدنيا والآخرة.

 من يعامل الله كأنه يستحق لم يفهم معنى العبودية وحقّها، فالله لم يوجب الرحمة على نفسه ولم يشترِ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة لأننا نستحق، بل لأنه هو الرحمن الرحيم الوهّاب الودود اللطيف بعباده، فإن وصلت لمرحلة تفكر فيها ب: أنا لا أستحق كل نعم الله هذه بدلاً من: أنا أستحق أكثر! فاعلم أنك اقتربت من تحقيق العبودية لأن إدراك النعم ورؤية أنك لا تستحقها وإنما هي من فضل الله عليك هو مقام من مقامات العبودية الحقّة.

وهذا الخلل ينشأ من سوء فهم للابتلاءات، فيعتقد الشخص أن الابتلاء هو المصائب فقط والنقص في الأموال والأنفس، رغم أن الله سمّى العطاء ابتلاءً أيضًا {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر:15-17]

فالله سمّى سعة الرزق ابتلاءً، ليرى ماذا يفعل العبد في نعمته، هل سيشكر أم يكفر؟ والله يخبرنّا بأن البسط في الرزق والقدر فيه ليس محددًا لحب الله ورضاه من عدمه، فالله يبسط الرزق لمن يشاء لحكمة، والله يبتلي ويعاقب من يشاء لحكمة.

 ومن الكفران استعمال النعم في معصية الله، ولقد توصّل لهذه الحقيقة النبي سليمان عليه السلام، حينما جيء بعرش سبأ إليه فقال: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40] لم يقل لأنني نبي وأستحق! بل أدرك أن كل شيء عنده من فضل الله ونعمته وأنه بلاء.

وفي الجهة المُقابلة كان قارون، لمّا فتح الله عليه بالمال قال: {إنما أوتيته على علم عندي} أي أوتيتها لمقدرتي ولعملي ولأني أستحقها! فكفر فخسف الله به وبداره الأرض. وكان هنالك فريقٌ ممن كانت نظرتهم دنيوية مادية بحتة، وفريق ممن منّ الله عليهم بالبصيرة، تأمل بنفسك:

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)} [القصص:79-82]

وقد ذكرت بالفعل أننا أصبحنا نفعل كبني إسرائيل، فوجب أن أوضح، فبنو إسرائيل كانوا يقولون إنهم أحباء الله، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، وكل هذا وهم لم يقيموا التوراة ولم يتبعوا حكم الله ويعبدوه حق عبادته، بل كان مبدؤهم (الاستحقاق).

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿80﴾ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:80-81]

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5]

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:18].

ما المخرج إذًا؟

إذا كنت ممّن وقعوا في هذا الشباك فلا تقلق، أول الحلول هو الاعتراف بالمشكلة.

في البداية يجب أن تدرك أن الله مستحق للعبادة والمحبة لذاته ونحن مُلكه، لأنه سبحانه الخالق الذي خلقك ولم تكن شيئًا، يجب أن تدرك أن الله الحكيم، وأنك لن تدرك جل حكمته لأنك مخلوق لست الخالق، ولكنك تؤمن أنه الحكيم والمدبر وإن لم تعلم الحكمة بنظرتك القاصرة، وهذا معنى التسليم {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ} [التوبة:59]

يجب أن تتأمل بنعم الله حولك وتعمل بالوصية النبوية “انظروا إلى من هو أسفل منكم”

وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ.” رواه مسلم.

ويجب أن تدرك مفهوم الحياة الدنيا والنعم والابتلاء، وأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة!

وأن بلاء الله رحمة للمؤمن لكي يطهره من ذنوبه، فعذاب الدنيا لا يساوي مثقال ذرة من عذاب الآخرة.

بل وأيضًا يكون رحمة للكافر حتى يعود إلى الله {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21]

وفي الختام وبمّا أنّك عُدت إلى الأرض.. تذكر {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]

فالله قد يختبرك بقدر رزقك، بتأخير في الوظيفة، الزواج، الإنجاب، تعثر في الدراسة، وقد يختبرك ببسط الرزق عليك وتسهيل كل شيء لك، فمعرفتك لهذا تجعلك تحسن التحضير ليوم الجزاء، تجعلك تعرف معنى أن تجاهد نفسك، لأنك {كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه} [الإنشقاق:6] يوم تجزى على صبرك وحسن عملك. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط” حسّنه الترمذي.

القيادة المثالية الأنموذج الأكمل من وحي العلاقات الإنسانية

يقدّم لنا التصور الإسلامي رسول الله صلّى الله عليه وسلم معيارًا أمثل ونموذجًا أكمل للقدوة، فهو الفرد الكامل الذي لا يتقدم عليه أي أنموذج آخر في كلّ مجالات وأنشطة الحياة، وعندما نتحدث عن نموذج القيادة المثالية نجد أنفسنا أمام ممارس القيادة الأنموذج والمثال، يعمل بالشورى، ويؤسس للبناء والنهضة، ويعمق مبدأ الحوار مع أصحابه الكرام، ويتلقى منهم الأمور بنفس طيبة، فيستمع إلى نصحهم ووجهات نظرهم.

لا ريب أن مفهوم القيادة نال العديد من الاهتمام وأجريت العديد من الدراسات والأبحاث في مختلف السنوات، وعلى مختلف الأصعدة في مجالات السياسة والإدارة والتربية وغيرهما داخل المؤسسات والمنظمات مهما تنوعت أهدافها وطبيعة عملها واستراتيجية التفكير وأساليب التخطيط.

تأثير القيادة

إن المتتبع لمسار القيادة عبر تاريخ الإنسانية يلاحظ أنه انتقل من المحورية الذاتية المطلقة في هيئة شخصية تصبح كاريزمية توكل إليها السلطة بشكل مطلق، ومع تطور الفكر الإنساني توصلت كافة الدراسات والأبحاث والتجارب إلى أن هذا النمط -مع تطاول الزمن- يؤدي إلى ترسيخ الديكتاتورية المطلقة؛ وقد استمرت الجهود المتعاقبة إلى أن بزغ نموذج يتأسس على قيم المشاركة والتعاون في العصر الحديث.

 وهنا يجب التأكيد على أنه لا يمكن أن تتطور عمليات التغيير الكبيرة بالمؤسسات من تلقاء ذاتها، فهي تستوجب تنسيقا فاعلا وجهدا مؤثرا لعدد من الفاعلين يعملون بكفاءة وفاعلية من أجل توجيه الأشياء نحو وجهة محددة، مهما كانت هناك عوامل مضادة لمواجهة عمليات التغيير، وبهذا المعنى نتحدث عن القيادة المثالية كتأثير منتظم يمارسه شخص على قرارات وأعمال مجموعة من الأفراد، وأحيانا على مجموعة أوسع، مثل منظمة أو مجتمع كامل، كما يتم بدقة ووعي متكامل من قبل هذه القيادة إلى تحديد متى يستحب القيام بالتغيير ومتى يفضل الإبقاء على الأوضاع كما هي، وفي هذا المجال الذي تمّ تحديده نجد أن مفهوم القيادة في المنظور الإسلامي لا يقوم على المفهوم الكاريزمي الفردي، بل هو مفهوم جماعي مؤطر ومؤسس على قاعدة الشورى والعمل الجماعي المشترك.

إن التأمل المعمق والنظرة فاحصة في أحداث وفصول السيرة النبوية الشريفة تمنحنا ملاحظة –بيسر- مدى بسط قيمة الشورى والعمل الجماعي المشترك وتماشيها مع موقع القيادة المثالية، فقد كان نبي الرحمة صلّى الله عليه وسلّم أنموذجًا نابضًا بالقيادة المثالية، فقد أفسح المجال لأصحابه لإبداء آرائهم وبسط وجهات نظرهم ما دامت المواضيع والأفكار غير محسومة بوحي إلهي، والأمثلة والنماذج في السيرة النبوية كثيرة وتفيض بالمعاني والدلالات والعبر العظيمة.

ولعلنا نذكر موقف الصحابي الحباب بن المنذر في غزوة بدر الكبرى، وموقف الصحابي الجليل سعد بن معاذ في غزوة الأحزاب، وعبر دراسة فاحصة لما حدث في هذه الأحداث وغيرها نجد قيادة النبي صلى الله عليه وسلم من نوع خاص، تجعل الشورى ركنًا ركينًا في كلّ ما تزاوله من أعمال أو ما تخطط له من مشروعات وبرامج، ومعنى ذلك أن القيادة المثالية في المنظور والتصور الإسلامي قائمة على ركيزة الشورى التي يُسمح بموجبها لكلّ فرد في المجتمع بأن يُسهم بالرأي والمشورة التي يمكن أن تخدم الصالح العام، كما أن التعاون والعمل بروح الفريق الواحد هما السبيل الناجع لبقاء الجماعة وتماسكها وتحقيق ما تصبو إليه من سعادة ورفاهية.

تأهيل القيادة

إن النموذج الإسلامي يعزز ويدعم بروز المواهب والمهارات القيادية في الأفراد، باعتبار أن المجتمع المسلم هو المستفيد من تلك النماذج الإنسانية القيادية الناجحة، وتنبع أهمية القيادة المثالية داخل المؤسسات أو المجتمعات من كونها أمراً ضرورياً لتحقيق التآلف بين الأفراد لبث التعاون فيما بينهم وبين القيادة إلى جانب بث روح التعاون فيما بينهم، حتى يصبح العمل أكثر تنظيماً وأكثر تحقيقاً للأهداف المرجو تحقيقها.

يعد هذا أمراً ضروري تحتمه التفاعلات بين الأفراد والجماعات، فالقائد رقيب ومنظم وموجه للأفراد في سلوكياتهم ومواقفهم نحو أهداف مشتركة يهدفون إلى تحقيقها دون إخلال بالنظام العام أو القانون أو العرف أو العادات والتقاليد وغاية ذلك كله الوصول بالجماعة إلى تحقيق ما تصبو إليه دون العبث بالنظام أو إخلال بأمن الآخرين.

إن القيادة المثالية تتكون بالفطرة أو من خلال التأهيل، والسعي للقيادة السامية أهمية كبيرة؛ نظراً لأنها تطلب النتائج وتسعى إلى الحصول على كفاءة عالية من جميع الأفراد، فكل من يعمل مع هذا النمط يعلم أن العمل ليس سهلاً، فالقائد يطلب أفضل ما يمكن أن يقدمه الأفراد من عمل، كما أنها تؤكد على الذكاء واللجوء إلى التحليل المنطقي فيعمل على حل المشكلات بهدوء، وينظر إلى كل واحد من الأفراد على اعتباره شخصية فريدة، وبناء عليه يضع قاعدة للتفاعل معه.

القيادة المسؤولة

إن أفضل نموذج حديث للقيادة بعد دراسات وتجارب وجهود كبيرة يرى النموذج الأكمل والأمثل في القيادة المثالية، فالنموذج الحديث للقيادة؛ يكون القادة والأتباع شركاء بعمل القيادة؛ فهم معًا يشكلون علاقة قيادية، ومعًا يهدفون إلى التغيير الحقيقي الذي يعكس أغراضهم المتبادلة، كما أنهم يطورون علاقة تأثيرية، بحيث يؤثر كل منهم في الآخر، كما هو الحال في المنظمة والمجتمع، هم لا يعلمون الأشياء ذاتها، لكنهم معًا يصنعون القيادة، فتوجه الموارد كافةً نحو تحقيق الأهداف المرسومة للمنظمة أو المجتمع، من خلال المهارات والكفايات القيادية التي تمكن من تفعيل ومشاركة الأفراد؛ بما يوفر فرص الإبداع والتطوير وتحقيق الأهداف على الوجه الأمثل.

تؤكد الاتجاهات الحديثة –في إطار القيادة المثالية- ضرورة الاهتمام برأس المال الفكري، من خلال الكشف عن القدرات والإمكانات التي يمتلكها العنصر البشري، وتوظيفها التوظيف المناسب، واستثمارها الاستثمار الأمثل، وتحقيق الأهداف المنشودة بأعلى كفاءة وفاعلية، وذلك من خلال وسائل عدة، تُشعره بالمسؤولية، وتُحفزه للعطاء؛ ويعد هذا المدخل من أبرز عوامل نجاح القيادة.

إن نجاح المجموعة أو المؤسسة أو المنظومة في تحقيق أهدافها يرتكز على ترابطها ضمن خطة متكاملة من العمل الإبداعي وتنمية الابتكار وتحقيق التعاون ومواجهة الأزمات وإطلاق القدرات والطاقات الكامنة، وتتجلى في أروع صورها في نموذج النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقته بأمته ودولته التي قادها.

ولا تفرقوا

لو تأمل المرء حال المسلمون اليوم وتاريخهم بإنصاف، لوجد أن الأمة قد تكون خاضعة لنفس السلطات السياسية إلى حد بعيد، ولكن الكلمة لم تكن موحدة على مستوى الفكر والاعتقاد منذ القرن الأول في عمر الأمة! كما أن الهمم التي انصرفت إلى الجدال والتفرقة والتعصب المذهبي كانت أضعاف الهمم المنصرفة إلى توحيد الصف والتذكير بالهدف المشترك! فلماذا حدث هذا الانقسام في أمة مرجعيتها كتاب واحد ونبيها واحد، وكيف بدأت القصة؟ وما الحل؟!

اليونان وفلسفة الألوهية

في عصر ما قبل الميلاد ببضع قرون، اشتهرت أثينا في بلاد الإغريق بكونها معقل النهضة الفلسفية في العالم، إلا أن غالبية الفلاسفة كانوا لا دينيين أو أقرب للاعتقاد بالربوبية. وعلى الرغم من تأثر معتقداتهم بشوائب الأديان الوثنية إلا أنهم كانوا متمردين على تلك الوثنيات في بناء معتقداتهم، خاصة بعدما نادى سقراط بضرورة فصل الإيمان بالإله عن الأديان المعاصرة له.

ومن هنا بدأت هذه الفكرة بالرواج والانتشار، فقد تبع سقراط تلميذه أفلاطون، ثم تبع أفلاطون تلميذه أرسطو. إلا أن منهج أرسطو كان الأوفر والأكثر ابتكارا في إنتاجه الفكري المُعرِض عن الدين.

يرى بعض الباحثين في الفلسفة أن النظريات اللاهوتية لدى فلاسفة اليونان تتشابه مع بعض أفكار المدارس الفلسفية الإسلامية بشكل عجيب، حتى إن بعض مقولاتهم تعتبر صياغة أخرى لنفس المعاني التي تشير إليها بعض آيات القران! وكان لاهوت اليونان –أرسطو بالتحديد- يتشابه مع الإسلام في ثلاث مسائل رئيسية، أولها الاستدلال على مسألة الوجود الإلهي عن الدليل العقلي، الإقرار بأن الإله واحد والاعتقاد ببطلان تعدد الآلهة، والإقرار بأن للإله صفات أزلية كالعلم والقدرة.

عصر الترجمة الإسلامية

بعد تلك الحقبة الزمنية بمئات السنين نصل إلى بداية القرن السابع الميلادي حيث بدأ الإسلام بالانتشار وتغيير الأوجه الحضارية للعالم، وتزايدت الفتوحات في عصر الخلفاء الراشدين، وبعد تلك الحقبة كان العصر الأموي الذي امتاز بشيء من الهدوء والاستقرار السياسي مقارنة بنهاية عهد الخلافة الراشدة وبداية عهد الدولة الأموية الصاخب بالفتن والصراعات.

تلا ذلك العصر ظهور الدولة العباسية التي سيطرت على مساحات واسعة وقضت على الدولة الأموية، ومع استقرار الحكم لبني العباس اهتم الخلفاء في هذا العصر بالعلم اهتمامًا بالغًا، حتى إنه تم إنشاء مؤسسة في بغداد لترجمة الكتب اليونانية في الفلك والهندسة والطب إلى اللغة العربية، واستمرت حركة الترجمة تلك حتى نضوج العلوم الإسلامية والاستغناء عن الحاجة للترجمة

في عهد الخليفة المأمون تحول الاهتمام من ترجمة كتب العلوم إلى التركيز على ترجمة كتب الفلسفة على وجه الخصوص، وقد تُرجمت كتب اليونان –بالأخص كتب أرسطو– إلى اللغة العربية، إلا أن بعض نصوص أرسطو لم تترجَم بحيادية، حيث استخدمت بعض العبارات الإسلامية لتحل محل العبارات الفلسفية المحضة، فكانت الترجمة أشبه بالشرح والتفسير في نفس الوقت، وبناء عليه عُدِّلَت بعض الكلمات اليونانية مثل (العقل المطلق) واستُبدلَت بـ (الله) لتكون أقرب لأفهام العرب وهكذا..

وبسبب إتاحة الفلسفة اليونانية بهذا الشكل القريب للأفهام وبنفس لغة المسلمين، اعتنى المسلمون بتلك الكتب لدرجة أنهم كانوا يكتبون كتبًا في تفسير الفلسفة اليونانية من منظور إسلامي، مثل كتاب (الكلم الروحانية للحكم اليونانية) لأبي الفرج بن هندو (ت: 410ه)

علم الكلام ومواجهة الفلسفة

بسبب تشابه نظريات الألوهية لدى بعض المتفلسفة اليونان مع عقيدة الإسلام في بعض النقاط، وبسبب دعم الخليفة للنشاط العلمي والفكري وقتها، بدأت الفلسفة الإسلامية تتشكّل في جو من النقاش المتأثر بالفلسفة اليونانية، فقد انشغل المسلمون بالقضايا التي أثارها فلاسفة اليونان ولكن من منظور إسلامي، وبدأ العقل المسلم يبحث في الإجابة عن أسئلة لم تطرح في تاريخ الأمة من قبل!

فبدأت الأفكار والآراء تتعدد حتى بتنا بين اتجاهات متعاكسة، فنشأ المذهب والمذهب الآخر، والرأي والرأي المناقض، وترك المسلمون المهام الكبرى وانشغلوا بالجدال والخصومة والتخندق خلف المذاهب الناشئة، وكان كل من يكتب ليرد على الآخر يقول إن الكلام في المسألة كذا وكذا، ومختصر الكلام كذا وكذا، ومن هنا صار منهج التفلسف الإسلامي يطلق عليه (علم الكلام) بحسب إحدى الأقوال التي بحثت هذه المسألة.

ومن هذا النقاش الذي أنتج علم الكلام نشأت فرق عديدة مختلفة في آرائها الفلسفية، ونتج عن التعصب لهذه الآراء مواجهات عقدية بين الفرق على مدار العقود والقرون ومن ثم انقسم المسلمون إلى طرائق قددًا..

وهذا الانقسام –بحد ذاته- لم يكن بسبب تعرض المسلمون إلى أفكار أجنبية بقدر ما هو بسبب تعظيم العامة للفلسفة إلى درجة التقديس، حتى أن بعضهم بدأ يغالي في العقل والافتتان به فقالوا: العقل فوق النقل.

لقد تحول العقل المسلم من صفاء أحادية التلقي عن الوحي الرباني، إلى شتات ثنائية التلقي بين الوحي الرباني والفلسفات البشرية، وهكذا بدأ الطريق للخلاف والتفرق والتمزق.

طريق القرآن

لو تأملت خلط المسلمين بين علم الكلام وكتب العقيدة منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، لوجدت أن لسان حال المكتبة الإسلامية يقول بأننا بحاجة إلى الفلسفة كي نبرهن على صحة الدين، ولولا الفلسفة لما تمكّنّا من البرهنة على صحة الإسلام، ولما ناظرنا المخالفين، ولما ارتقينا من التقليد إلى اليقين!

وفي حقيقة الأمر، فإن الاقتناع بهذه الفكرة في حد ذاتها فيه تهوين كبير من شأن القرآن الذي ينص في مواضع عديدة على أن القرآن ومنهجه كافٍ في الإقناع واليقين، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]

إن انتشار التمسّك بالفلسفة بهذا الشكل كان محرضًا لأولي الألباب لهجر الجدال والعودة إلى القرآن والاكتفاء به، ومن هنا فإن المطالبة بالرجوع إلى القرآن لا تتأتّى بالتزام ترتيل حروفه في معزل عن إعمال العقل فيه، وإنما المقصود هنا هو الرجوع إلى طريقة القرآن في إبطال الباطل وإحقاق الحق فهو أكمل من كل الطرق الكلامية أو المناهج الفلسفية!

ولإيضاح القصد أنتقل إلى ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) وهو يقارن بين القرآن وعلم الكلام، فيقول:

“لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي عليلا ولا تشفي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن”، والمقصود أن القرآن يوصل القارئ إلى ما هو أفضل من نتيجة الفلسفة بالفعل، كما أن القرآن يمتاز بكونه الطريق المختصر في إبطال الباطل وإحقاق الحق وتصويب المفاهيم الخاطئة، عكس الفلسفة التي تعقد البسيط وتطوّل القصير ولا تضمن لك الوصول إلى الحق.

وما ذلك إلا لأن القرآن يمتاز بالبساطة والوضوح مع محافظته على قوة الحجة وعمق المعنى، وزيادة على ذلك فإن القرآن يخاطب العقل والقلب على حد سواء، عكس الفلسفة التي تخاطب العقول فقط، ومن المحال أن يحدث اليقين بالفلسفة التي لا ترى القلب في حين أن الإيمان أو الشك أو اليقين لا يكون إلا في القلب!

يكمل ابن القيم قوله: “وليس تحت السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات مثل القرآن، فإنه كفيل بذلك كله, متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا، فهو الشفاء على الحقيقة من أمراض الشبه والشكوك. وأحسن ما عند المتكلمين فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا”

وشتان بين فلسفة تأخذ بالعقل لتتوه به في المتاهات، وبين القرآن الذي يأخذ بالعقل ليقنعه بالجدال الحسن، والحجة البالغة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة!

ولا تفرقوا

من المؤسف أن تتفرق الأمة التي ينص قرآنها على الأمر الساطع الناصع: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] والآية تنص على الأمر بالتمسّك بحبل الله –القرآن- والاستغناء به عن غيره في أمور الدين. ولكي تتوحد الأمة الواحدة بالرجوع إلى المرجعية الواحدة..

والقرآن به من المميزات التي يتفوّق بها على علم الكلام حقًّا، أهمّها ما أشار إليه د. محمد عبد الله درّاز في كتابه (النبأ العظيم) في أن القرآن يخاطبُ كل العقول مع إشباع فضول الكل. فلا العالم الذكي يجد سطحية لا تروي ظمأه، ولا الجاهل البليد يجد تعقيدًا يخفي عليه مراداته! بل إن القرآن يخاطب الكل بمستواه بنفس النص القرآني. ويقف العالم والجاهل أمام النص الواحد وفهم هذا أعمق من فهم ذاك، ويفتح الله على الخلق في الفهم مع أن النص هو النص، وها هو القرآن لا تنقضي عجائبه، ويقول هل من مزيد!

إن قدَر الإسلام أن يكون رسالة عالمية لكل البشر بمختلف مستوياتهم العقلية، فكان القرآن دعامته الروحية والفكرية التي تراعي كل هذا التفاوت في ملكات البشر، وذلك على العكس من الفلسفات التي لا تخاطب إلا الأذكياء وأصحاب مَلَكات التجريد والجدل، فيهبط بذلك الدين من اتساع العالمية إلى ضيق المذهبية.

ولو أننا اكتفينا بالقرآن حقًّا، لصنفنا كتب الفلسفة على أنها كتب فلسفة، وتركنا كتب الدين كتبا في الدين. ولما عزم أحد على لصق الفلسفة بالدين، ولما توهم أحد أن الدين ناقص ويفتقر إلى الفلسفة لتكمله!

وعندما قدم المسلمون كتب الفلسفة على كتاب الله استبدلوا بالذي هو أدنى بالذي هو خير، ولما هجرنا القرآن وانشغلنا بالفلسفة، بدأ الجدال، ونشب الانقسام، وعلا الصخب، فلم نعد نسمع النداء القرآني: {واعتصموا بحبل الله جميعا}، فيا أيها المؤمنون بعظمة الله وقرآنه الزموا صراطه {ولا تفرّقوا}


مصادر للاستزادة:

  • كتاب (الله) عباس العقاد
  • (الترجمة في العصر العباسي) مريم سلامة
  • (الموسوعة المسيرة في التاريخ الإسلامي) راغب السرجاني
  • (إغاثة اللهفان) ابن القيم
  • (النبأ العظيم) محمد عبد الله دراز
  • (الله في العقيدة الإسلامية) أحمد بهجت

طوفان “الأنا” وسفينة الـ “نحن”!

انفلتت الألواح عن الدسر! .. لن نحتاج لكثير تدقيق وإمعان قبل أن نلحظ كيف أن العلاقات والأواصر بين بني آدم في طريقها  إلى الضمور والانكماش، تقف على أعتاب التآكل بعد تاريخ من الشموخ حيث كانت تشبه في قوتها  لين الحرير ومتانته على حد سواء، فالخيوط إذا ما تعاضدت وتكاثفت إلى جانب بعضها البعض اشتد بريق ألوانها وبرز، وكذا الأفراد إذا ما تراصت أقدامهم في الصف الواحد كان ذاك حالهم، لكن إذا انسل الواحد منهم تلو الآخر كثرت الثغرات، وضعف بأسهم كما تفقد الخيوط بهجة ألوانها وتبهت إذا تفرقت وتُركت لأشعة الشمس تحرقها على مهل رويدا رويدا! وشمس الأفراد، أو قل طوفان هلاكهم هو جنوحهم إلى قارب “الأنا” بعيدا عن سفينة الـ “نحن”!

وهل يخفى على كل ذي عقل ولب انصهار معانٍ شتى في رحاب الدعوة إلى: “أنا ومن بعدي الطوفان”,  فكانت هذه “الأنا” كعصا شقت حاضرنا وماضينا القريب إلى فلقين،  ولك أن تتأمل مثالًا بسيطًا دارجًا في واقع حيواتنا جميعًا، وما أصبحت عليه الأحياء والجيرة فيها، إذ غدا كل فرد لا يرقب غير حاله ومصالحه، على خلاف ما كان عليه جيل آبائنا والأمهات، فتجد أن طفل الحي ليس مسؤولية والديه فقط، وتربيته لا تتوقف حالما يجاوز عتبة البيت، بل الكل يسهم ويوجه ويقوم- بحسب مبلغه من العلم- فيبقى حس الرقابة والحياء حاضرًا في نفس هذا الطفل وإن غاب ذويه.

نعم كانت جسور الألفة ممدودة، والمسؤولية حاضرة، ومقتسمة بين الجميع، قبل أن تنقض عليها نزعة الفردانية وتزحزح على إثرها الألواح والدسر التي كانت تشكل مجموع القيم من تآزر وتراحم وتآخي وسعي لمصلحة الآخر كما النفس!

كما يثقب القطر الصخر

في المبتدأ لا ضير أن نقف عند حقيقة جلية وهي أن: “الماء لا  يثقب الصخر بالعنف-دفعة واحدة- وإنما بتوالي السقوط؛ قطرة، قطرة”، وعلى شاكلة الصخور  هي النفوس البشرية، إذ ما أصبحت عليه ليس بأمر طارئ الحدوث، بل هو نتاج تراكمي لعوامل شتى توافدت، وغيرت خطوة خطوة من معالم البناء الفردي للأشخاص، فالذي كان بالأمس لـه رعية، يًسأل عنها، نراه اليوم تحلل منها وراح يقص آثار شغفه، ويجري وراء طموحه، وما يحقق من خلاله استقلالية ذاته وإن على حساب “رعيته”، وتضخمت في النفوس “الأنـا” حتى ما عادت تقبل التوجيه والنصح إذا ما خالطه شيء من الزجر والتوبيخ، وإن جربت يأتيك الرد على عجل: “معذرة، فـأناي لا تقبل غير الطبطبة”، وغيرها كثير من المظاهر و المواقف من عقر البيت إلى رأس الشارع تشهد بتبعات هذه النزعة الفردانية المتطرفة وما أودت به.

لكن كيف وصلنا إلى هنا؟

يذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله إلى القول إنه “كلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحي، نراه يميل إلى الفردية والاستقلال”

ولعل هذا ما أتاحته التكنولوجيا والعالم الرقمي وأذكته في النفس، إذ توجه الفرد إلى الاكتفاء بأن تكون له رؤيته المستقلة للحياة، واستقلاله في اتخاذ قراراته ومواقفه القائمة على المتعة والمنفعة، بمعزل عما أصبح في نظره مجرد “وصاية” من الآخرين، فتجد أن الأسرة الواحدة لم يعد يجمعها غير سقف البيت، أما الأفراد فكل منهم قد أنِس بآلة أو جهاز بين يديه، واتخذه بديلا عن الآخر! إذ أصبح كل منهم يستقي قوته مما يطرحه من أفكار على مواقع التواصل وتوافد التعليقات والإعجابات إطراءً عليه، فاستأثر بصنع مجتمع رقمي، يكون فيه هو الحاضر القوي!

إضافة إلى ارتباط النزعات القومية، والتحركات الجماعية في الأذهان والنفوس بالفشل، بدءا من الحربين العالميتين الأولى والثانية وما حصدته من أرواح، إلى واقع الثورات العربية وما أزهق فيها هي الأخرى من أنفس دون الظفر بشيء مما رمت إليه من أهداف سامية! وبذا فقدت الغايات الكبرى التي تؤطرها الجماعة قدرتها على تخليص الشخص في نظره من مآسيه ومعاناته، ومن ثم غابت وتلاشت نون الجماعة، وربَا محلها ضمير “أنا”!

وبالموازاة مع هذا فإن تنامي النزعة الاستهلاكية، وفقدان البوصلة والمعيار في ظل التضخم المادي، أودى إلى تردي قيمة الآخر بوصفه “إنسـانًا” بما يحمله من قيم ومعتقدات ومبادئ، وارتهنت مكانته بجانبه النفعي فقط كرقم من بين الأرقام! حيث ارتدى كل فرد نظارة “التشييء” للآخر في إطار البحث عن الذات، فـ”تعددت الذوات، وتفرق المجموع” إذ لا هدف موحد يربطهم. أما الإعلام من جانبه فلا يسعنا إلا القول عنه بأنه هو المحرك الضامن لاستمرار هذه النزعة الفردية، بتكريس هذا النمط من العيش-في أوساط الشباب خاصة- الذي يظلله طابع الأنانية، والسبق إلى معالي الدرجات في تحقيق الطموح! وتصويره على أنه هو الأصل السائد في المجتمع؛ فكل فرد هو سيد نفسه، والبطل الخارق الذي تنتظره البشرية جمعاء لإنقاذها “وحده، منفردا”.

هل بعد الطوفان إلا الغرق؟!

لعلك أيها القارئ سمعت بما رواه النعمـان بن البشير -رضي الله عنهما- عن الرسول عليه الصلاة والسلام في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذي أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)[صحيح البخاري].

إن النجاة ههنا لم تكن لتتحقق لو أن كل فرد من أفراد السفينة غيَّب مصلحة الجماعة، بل إن مآل الغرق الحتمي إذا تُرِكت لمن هم في الأسفل يحدثون فيها الخرق المنجي كما تصوروه! فكان حضور الحس بالمسؤولية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طوق الخلاص.

هذا السـَّمت والهدي القويم الذي حكمت عليه “الأنـا” -أو كادت- بالاندثار، فمثل سفينة هذا القوم كمثل المجتمع أجمع، حيث الربان هي “الشريعة”، والركاب هم العباد يتلقون تعليماتها ليشد بعضهم بعضا، وفي اللحظة التي يتخلف فيها أفرادها عن التطبيق، ويستأثر كل منهم بمصلحته، ينحرف المسير وتغرق بهم جميعا.

هذه السفينة قد تكون هي “الأسرة”، حيث أخذ ذاك الميثاق الغليظ، وانعقدت النيات والقلوب على بناء بيت إقامته هي مسؤولية الجميع، حتى إذا ما اشتدت حبائل الأزمات، ووقف ساكنيه على قارعة الفراق جيئ بحكم من أهل الزوجة وآخر من أهل الزوج يسعيان إلى ترميم العلاقية بين الزوجين وإعادة المياه إلى مجاريها؛ تبعا لمسطرة الصلح التي جاءت بها شريعة رب العالمين، حيث قال تعالى{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء، 35]، لكن لهذا الطرف الثالث بالتدخل في ظل هذا السعي الحثيث لكسر الجسور مع الآخرين، وتكثيف الجهود لرسم مضمار “واحدي” لكل فرد، فالطوفان وهلاك هذه الأسرة سيكون هو ثمرة “الأنا”. ومن ورائها هلاك الأمَّة وازدياد جراحاتها!

 اركب معنـا

في صلاتك تقف وحيدا على سجادة الصلاة، بكل ما تحمله من آمال وجراحات، ومساع وطموحات، تردد فاتحة الكتاب، حتى إذا بلغت قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}، ذابت أناك وانصهرت في نون الـ”نحن”؛ (اهدنا) لتنفي عنك صفة الواحدية، مذكرة إياك أن الهَمّ همّ “أمة”، وأن المطلب سلعة غالية هي الجنة، والله سبحانه جعل منا خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!  فالأرض فارت  بالفتن، وماج بعضها ببعض كطوفان   لا يرحم كل من آوى إلى  جبل “أناه”، وأعرض عن دعوة: “اركب معنا”.

الفلسفة الوجودية وطبيعة النفس البشرية

تعتبر الفلسفة الوجودية أن الطبيعة البشرية مرنة وقادرة على القيام بمجموعة هائلة من الخبرات، وأن الأشخاص في عملية مستمرة من التطور، وذلك استنادًا إلى الفكرة الأساسية التي تقف عليها وهي أن الوجود يسبق الماهية الحقيقية، إذ الإنسان هو من يصنع ماهيته، فالمعتقد الأساس في منظور هذه الفلسفة أنه: طالما أنني موجود فأنا أصنع نفسي باستمرار ويجب عليّ أن أعيد ابتكار نفسي يوميًا، أي أنّ الإنسان هو من يحدد شخصيته وقدراته ومستقبله.

يشير العديد من الفلاسفة والمفكرين إلى أن المعضلة الأولى في هذه الرؤية تبدأ من قضية القلق الوجودي، أي أن طول التفكير في هذه المسألة يؤدي إلى شعور عميق بالقلق، حيث إن الفرد واقع تحت ضغط الضرورة والمسؤولية لخلق شيء ما بدلاً من الفراغ الذي يعيشه في كثير من الأحيان، وإحساسه بأن كل شيء يمر سريعاً، وأنه لا يستطيع أبداً التمسك بالحاضر، فالحاضر يمضي سريعاً ويصبح من الماضي، وأنه لم يعد كما كان ولا كما يرغب في أن يكون، وبذلك يجد الفرد نفسه في مكان ما في المنتصف، يتصارع مع معطيات الماضي وإمكانيات المستقبل، دون أي معرفة مؤكدة بما يعنيه كل ذلك.

 الفلسفة الوجودية: أبعادٌ وآثار

في الكتاب المشترك المعنوَن بـ Individual Therapy in Britain أي العلاج الفرديّ في بريطانيا، والذي أشرفت على تحريره الأكاديمية ويندي درايدن Windy Dryden خصصت الأكاديمية الهولّندية إيمي فان ديورزين سميث جزءًا من بحثها في الكتاب حول الأبعاد الأساسية للفلسفة الوجودية، فأشارت إلى أن تحديد الوجود البشري في هذه الفلسفة يتركّز في أربعة أبعاد أساسية: البعد المادي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي والبعد الروحي. في كل بعد من هذه الأبعاد، يواجه الناس العالم ويشكلون مواقفهم منه كل حسب تجربته الخاصة. فهذه المواقف هي التي تحدد موقفنا من واقعنا، ومن الواضح أن هذه الأبعاد الأربعة متشابكة ومترابطة، وما حال الفرد إلا كالممتد ما بين قطب موجب يمثل ما يطمح إليه في كل بُعد، وقطب سالب يمثل ما يخافه ويتجنبه.

ففي البعد المادي يعتقد الوجوديون أن الفرد يتعلق ببيئته ومعطيات العالم من حوله بشكل طبيعي، وهذا يشمل موقف الفرد من جسده، واحتياجاته الجسدية، وموقفه تجاه محيطه الملموس، وممتلكاته المادية، كأحوال الناس وممتلكاتهم والمناخ، والصحة والمرض.

يعدّ الجهد في هذا البعد -بشكل عام- منصبًّا بين البحث عن الهيمنة -كما في التكنولوجيا، أو الرياضة- وبين الحاجة لتقبل القيود الطبيعية كما في علوم البيئة أو الشيخوخة)، ويهدف الناس عموماً في هذا البعد إلى ترسيخ الأمن من خلال الصحة الطبية وجمع الثروة، إلا أن الحياة لا تقدم لهم الكثير من الحقائق التي تدعم آمالهم مما يسبب لهم خيبات الأمل، وإدراك ذلك يمكن أن يؤدي إلى التوتر.

البعد الاجتماعي في الفلسفة الوجودية

ترى الكاتبة أن الإنسان في البعد الاجتماعي يتواصل مع الآخرين من خلال التفاعل مع العالم من حوله، ويشمل هذا البعد استجابة الفرد للثقافة التي يعيش فيها، وموقفه تجاه الطبقة والعرق الذي ينتمي إليه، والآخر الذي لا ينتمي إليه كذلك؛ ومن ثم فإن المواقف تتراوح هنا ما بين الحب والكراهية، وما بين التعاون والمنافسة.

يمكن فهم التناقضات بين القبول والرفض، أو الانتماء والعزلة، فبعض الناس يفضلون الابتعاد عمن حولهم قدر الإمكان، بينما يحرص آخرون على بناء العلاقات وترسيخ قبوله بشكل عام بين الناس من خلال الالتزام بالقواعد والعادات والآداب العامة، ومن ثم فإنه يمكن بحسب هذه الرؤية أن يحقق الفرد الهيمنة على الآخرين بشكل مؤقت من خلال اكتساب الشهرة أو غيرها من أشكال القوة، إلا أن أتباع هذه الفلسفة يؤمنون أننا جميعاً سنواجه الفشل والوحدة عاجلاً أم آجلاً.

البعد النفسي الوجودي

في البعد النفسي الوجودي يتعلق الفرد بنفسه، وبهذه الطريقة تشير الكاتبة إلى أنه يصنع عالمه الشخصي بشكل خاص.

يتضمن هذا البعد وجهات نظر حول شخصياتنا وخبراتنا السابقة واحتمالات خياراتنا الوجودية المستقبلية، ولذا فإنه غالبًا ما يتمّ اختبار التناقضات هنا بالنظر إلى نقاط القوة ومقارنتها بنقاط الضعف.

في البعد النفسي ترى الناس يبحثون عن الإحساس بالهوية والانتماء والشعور بالجوهر وقدرات الذات غير المحدودة؛ إلا أن هذا الحال يوصل الإنسان حتماً إلى العديد من الأحداث التي تظهر له عكس ذلك، وتغرقه في حالة من التوتر والارتباك والتفكك.

على سبيل المثال فإن النشاط والسلبية مركزان مهمان هنا، حيث إن تأكيد الذات شكل من أشكال النشاط بحسب الكاتبة، كما أن الاستسلام شكل من أشكال السلبية، كما أن إعادة التفكير في الموت قد يجلب القلق والارتباك للكثير لمن يؤمن بأهمية ذاته.

الوجودية والبعد الروحي

تشير الكاتبة إلى أن الإنسان في البعد الروحي الوجودي يتعلّق بالغيب، وبالتالي فإنه يصنع إحساسًا بالعالم المثالي ويمتّن النظرات الأيديولوجية والفلسفية، وقد يجد بعض الناس راحتهم المثالية في الطرق العلمانية، وذلك في تناقض واضح بين ارتباط الروح المعنوي والمادية العلمانية، وفي هذا البعد غالباً ما يكون فكر الناس متذبذبًا بين الهدف والعبثية، والأمل واليأس، إلخ.

الاضطراب والصحة النفسية

تشير الكاتبة إلى أن الاضطراب والصحة النفسيين وجهان لعملة واحدة، والعيش بشكل سليم يعني التوافق في العيش مع كليهما، فالصحة النفسية تعني القدرة على أن تكون شفافاً ومنفتحاً على ما يمكن أن تجلبه الحياة بشقيها السلبيّ والإيجابي. وحين نحاول التهرّب من الجانب السلبي من الوجود نتعثّر بالتأكيد، تماماً كما نتعثر حينما لا نرى الجانب الإيجابي منه.

في مواجهة الإيجابية والسلبية في الإحساس الوجودي تنشأ القوة اللازمة للاستمرار قدماً وبالتالي فإن الصحة النفسية –في منظور الفلسفة الوجودية المعاصر- لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال التصالح مع الحياة والعالم والنفس وفهم ما يدور حولنا، وكأن الصحة النفسية تصبح مرادفًا للحكمة في هذه الرؤية.

لا نشير هنا إلى أن هذه الرؤية الوجودية حول الصحة النفسية صائبة أو خاطئة إلا أننا نحاول أن نقارب بين هذه الرؤية ومفردة الحكمة التي تتشكل نتيجة التخلّق بصفات الصبر والصدق.

التغيير نحو الأفضل

 تشير الكاتبة إلى أن التغيير في الحياة نحو الأفضل إنما هو جزء من عملية طويلة من التحول، وعلى الرغم من أن الناس يعتقدون في كثير من الأحيان أنهم يسعون لذلك التغيير، إلا أنه في كثير من الأحيان تعكس حياتهم محاولاتهم للحفاظ على الوضع الراهن. قد يصبح الفرد مقتنعاً بحتمية التغيير، وقد يصبح أيضاً مدركاً للكثير من الطرق التي حافظ بها على هذا التغيير. في كل دقيقة من اليوم يصنع الناس الخيارات التي تحدد اتجاه حياتهم. في كثير من الأحيان يتم الشروع في هذا الاتجاه بشكل سلبي: أي يتوافق فقط مع توقعات الأشخاص السلبية أو المتواضعة للمستقبل. لكن يتم اكتساب البصيرة في إمكانية إعادة تفسير الموقف واختيار المزيد من القرارات البناءة للتغيير نحو الأفضل. هذا يتطلب من الفرد أن يتعلم كيف يعيش بشكل متعمد وواع، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إدراكه لكيفية توظيف الموقف اليومي والإطار الذهني بشكل يحفظه من التلقائية التي تكرر نفس الاخطاء. ليس من السهل كسر قوة العادة، ولكن هناك دائماً أوقات يتم فيها كسر العادات بالقوة. الأزمات هي الأوقات المناسبة لمراجعة أنماط التفكير والسلوك القديمة. هذا هو السبب في أن أطباء النفس الوجوديين يتحدثون عن الانهيار باعتباره اختراقاً محتملاً، وأنه في كثير من الأحيان يلاحظ الناس بدهشة أن الكارثة أو النقمة التي حاولوا جاهداً تجنبها كانت في الحقيقة نعمة بالنسبة لهم. في أوقات الأزمات، يتم إعادة تركيز الانتباه على الأولويات بحيث يمكن أن تكون الخيارات واضحة أكثر من ذي قبل.

سواء كان هذا الحدث مفروغاً منه (كما في الهجرة أو الزواج) أم لا (كما في الكوارث الطبيعية أو فاجعة الموت) فإن له تأثيراً كبيراً. عندما يكون من الصعب علينا إخفاء جوانب الوجود التي نفضلها نكون مضطرين لإعادة تقييم مواقفنا وقيمنا. في أعقاب تلك الفوضى يجب أن نتخذ القرارات حول كيفية المضي قدماً وكيفية إقامة نظام جديد في حياتنا. اذ يمكننا أن نتسامح مع عدم اليقين في مثل هذه المواقف بدلاً من الهروب نحو روتين جديد، فمثل هذه الأوقات يمكن أن تكون فرصة لتصحيح اتجاه الحياة.

ترى الكاتبة أنه بمجرد مواجهة الأزمة بهذه الطريقة، يصبح من السهل الانفتاح على التغيير مرات أخرى كذلك. يمكن للناس أن يتعلموا إعادة تقييم قيمهم وإعادة تقييم أولوياتهم باستمرار، وبالتالي تحقيق المرونة التي تسمح لهم بالاستفادة القصوى من الحياة.

*هذا المقال عبارة عن ترجمةٍ لتلخيص مقال الكاتبة إيمي فان ديو ريزين سميث في كتاب Individual Therapy in Britain


المصدر:

Deurzen-Smith, E. van (1984) ‘Existential therapy’, in W. Dryden (ed.), Individual Therapy in Britain. London: Harper & Row.

الإنسان بين ضرورة التأصيل وغلبة العولمة

إن أَولى ما يُنفِق فيه الإنسان أوقاته، وأحرى ما يسكب فيه أنفاسه، وخير ما يحرص عليه، ويسعى بكليته إليه، التأصيلُ العلمي، فالتأصيل العلمي من أعظم الطرق الموصلة إلى بناء عِلمي مُحكَم ورصين، التي من خلالها يستطيع المتعلِّم قضاء نهمته، وبلوغ مُنيته، بأيسر الطُّرق وأسهلها، وأقربها وأحسنها.

إن المتأمِّل في عالمنا المعاصر ليرى -دون عناء- ما يَعِجُّ به الوسطُ العلمي من التحير والخلط، والتشتت والتخبّط، وطغيان الأفكار الجانبية التي تطفو أيامًا ثم تخبو لتطفو مكانها أفكار أخرى، فيما يمكن تسميته بأنه “ثقافة الترند” أو الأفكار المعولَمة، لا سيما مع التدفق المشاهد للثقافات، والتعدد لمنابع التلقي؛ حيث تباينت الاتجاهات، واختلفت الأفكار والتصورات، وتعددت الرُّؤَى.

عولمة الأفكار

يشير الشيخ محمود شاكر، في كتابه الفريد رسالة في الطريق إلى ثقافتنا إلى سعي الغرب لفرض ثقافته وأنماط حياته، فيقول: “باطل كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه “ثقافة” يمكن أن تكون “ثقافة عالمية” أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعًا ويمتزجون على اختلاف لغاتهم ومللهم ونحلهم وأجناسهم وأوطانهم، فهذا تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم هدف آخر يتعلّق بفرض سيطرة آمة غالبة على أمم مغلوبة لتبقى تبعًا لها”

وهذا النص يشير إلى أن مواجهة تعميم الثقافة الغالبة كان هاجسًا لدى العلماء الصادقين، لكن ترندات الثقافة تتغير يومًا بعد يوم، فهي في أيامهم تتركز على موضوعات معينة، أما الآن فهي تتمثل في موضوعات مختلفة كالحديث المستمر عن التحفيز والإيجابية وعن البعد عن المحبطين والمثبطين، والمغالاة في التركيز على الجوانب السلوكية والمعرفية والفكرية للفرد ليكون أكثر إيجابية ونجاحًا،  وهم في الحقيقة انما يتبعون في الغالب ثقافة الترند.

ولفهم ثقافة الترند يجب التطرق لثلاثة جوانب، بدءًا من الجانب الفكري الفلسفي، والجانب الاجتماعي السياسي، والجانب الفردي.

تأثير الأفكار

إن النتاج الفكري السائد اليوم ما هو إلا نتاج تغريب فكري طويل ورحلة فلسفية ونظرية حبكت عبر السنين الفائتة، ومعلوم أن عصر النهضة الأوروبية كان عصر بداية الفصل بين الروح والمادة والقطيعة مع الدين والإله ومنها بدأت أفكار نعيش معها إلى اليوم، كالعلمانية والأنسنة والفردانية.

وبعد ذاك العصر بقرنين تقريبًا جاء عصر التنوير وهنا أيضًا جاء بأفكار أبرزها العلوم التجريبية والتي كان يطلق عليها natural philosophy  ولكن فيما بعد سميت بscience   واختزلت في  العلوم التجريبية -وهذا إلى اليوم- فكلمة science   إنما يعنى بها العلوم التجريبية  أو ما خضع للتجربة  فهو علم وما لم يخضع للتجربة فليس علمًا،  فمثلا لو قلت إن جدي اسمه علي وإني متأكد أنه حقيقة عبر الخبر الصادق فهذا لا يسمى علمًا لدى من يؤمن فقط بـ  science

إن نسبة كبيرة مما يدفع المجتمعات تجاه تصرفات معينة يعود إلى الأفكار التي تطبعوا عليها، سواء شعروا بذلك أم لا، فالاشتراكية جاءت نقيضًا للرأسمالية، التي ما تزال مهيمنة، وما زالت هناك دول تحكم بنظام رأسمالي وأخرى تدعي أنها شيوعية، وقد تجد أن فكرة في فن واحد تعمم على سائر العلوم، فالدارونية هي نظرية خاصة بنشوء المخلوقات لكنها أفرزت الدارونية الاجتماعية على سبيل المثال،  وغير ذلك الكثير،  فالأفكار الغربية يجب ألا تهمل  وإن كان هذا عبئًا إلا أنه ضرورة في زمن مثل هذا، لأن القوي يفرض على غيره طريقة التفكير وفي ماذا يفكر وفي ماذا يجب ألا يفكر.

على سبيل المثال قد نجد أحد الملحدين يدعو الناس للقول إنه لا يوجد حرية إرادة ولا يوجد شيء يختاره الإنسان بمحض إرادته، ورغم تهافت هذا القول إلا أننا نجد صاحب هذه المقولة صاحب كتب تباع بالملايين في أوروبا وغيرها من الأماكن في العالم، وهذا جيد لنا لأنه يدعمنا في التأكد من انزياح هذا السراب الأوروبي من الأفق.

إن إحدى شواهد انهيار التناقض في منظوره أنه رأى نفسه إلها يوما ما، ومع الزمن بدأ يخفف من غلوائه أن أصبح حيوانًا ومن ثم آلة لها جانب سلبي وآخر إيجابي تمامًا مثل أي محبس تجد عليه علامتين + و-

الجانب الاجتماعي السياسي للترند

تقوم إحدى نظريات العلوم الإنسانية على أساس أن الإنسان نتاج لتشكلات اجتماعية تظهر ضمن اللغة والثقافة والدين والعادات، فهو إذًا يتبع النموذج أو code    المحدد الذي وجد عليه ونشأ فيه، ويؤثر في هذا السائد القرار السياسي والاجتماعي عبر المؤسسات التابعة إما للسياسي أو للتجاري.

إن خطورة هذه النظرة ليست لكونها تفسر الواقع من منظور معين، بل لأنها تعطيه بعدًا فلسفيا مستندًا على النسبية الأخلاقية Ethical relativism. أي أن أي خُلق يعتمد على مكان النشأة وكيفيتها وليس له علاقة بأي بعد آخر، وهنا تكمن الخطورة، فإذا سلمنا بذلك اعتبرنا أن كل ما يطلق عليه أنه خُلق مثل العدل والصدق، هو أمر نسبي، فإنه لا يكون ذا قيمة في ذاته وإنما تبعًا للسائد في المجتمع أو الثقافة التي نشأ فيها الفرد فتكون القيمة نفسها نفعية.

وهذا السائد ليس بريئًا جاء من تلقاء نفسه بل ثمة أيدٍ تتحكم به وفيه، وإذا كانت القوة تستطيع أن تغير المعرفة لدى الناس فهي أيضا تستطيع أن تخلق معرفة أو مسلمات سائدة بين الناس يصعب فكها إذا  لم تأخذ بعض الوقت للتدبر والتفكر فيما يحدث.

إن العالم الغربي اليوم لا يريد إعادة الإنسان إلى إنسانيته، بل إنه يريد تحويله إلى إنسان الآلة والبهيمة، وحتى الخطاب الموجه إلى نفسه مبنيٌّ على هذا التوجه ذاته.

إن العجيب كل العجب أن أصداء مفردة الإنسانية والشغف، والبحث عن الحقيقة وغيرها، ما كانت موجوده بهذه الكثرة في مجتمعات الشباب العرب قبل خمسة عشر سنة تقريبًا، فلماذا ظهرت الآن بهذه الكثافة؟

إن كل ما يحدث يجري تحت ضغط الثقافة العالمية الغالبة، أي الثقافة الليبرالية الأوروبية، وهي بتسللها إلى كل إنسان عبر وسائل التواصل الاجتماعية تجعله -إن لم يكن فطنًا لما يحدث حوله- يفكر بعقل الأوروبي ويرى العالم حوله بعيون خضراء أو زرقاء  أي عيون الأسياد المتحكمين بالعالم.

فردانية بلا أفراد

إن النزعة الفردانية إنما هي منتج أوروبي بامتياز ،  وهي أساس  الليبرالية ولبها وجوهرها  الذي تدور حوله وتتعبد  لأصنامه،  يقول  علي الأمين مزروعي رحمه الله: “إن الولايات المتحدة الأميركية هي أقرب ظاهرة إلى ما قد نسميه الأمه العالمية فهي تضم ضمن مكونها الاجتماعي ليس فقط من كل بلد ولكن من كل لغة ومن كل عرق وكل قبيلة تقريبًا، ولا يوجد بلد في تاريخ البشرية كان أكثر تمثيلًا للجنس البشري أكثر من أمريكا ، ولكن هذا البلد الذي يعتبر ملاذًا للكثيرين في العالم ليس مضيافًا عندما يتعلق الأمر بالثقافة، فأمريكا تستقبل الناس ومن ثم في جيلين تقتل ثقافتهم، ولحسن الحظ فهذا القتل ليس سياسة متعمدة من أمريكا ولكنة نتيجة للديناميكية المجتمعية في أمريكا”

فهل هذا القتل للثقافات الأخرى تجاوز الحدود الجغرافية لأمريكا؟

في إحدى الفصول التي حضرتها في الجامعة تحدثت طالبة أمريكية عن الفكر الغربي وكان مما قالت “نحن الغربيون وصلنا إلى حد كبير من الفكر والحضارة وكانت غايتنا أن نصنع لكل فرد عالمًا خاصًّا به، يتمتع فيه بالخصوصية الكاملة، ولكن ما إن وصلنا إلى ما كنا نصبو إليه حتى شعرنا بوحدة عجيبة وشعور بالحزن لا يمكن أن يوصف، ومع هذا لا يوجد من نستطيع البوح له بصدق عما يقلقنا”

إن الفرداني المقلد المتبع للأسياد يمشي في خطاهم ولو كانوا على خطأ؛ لأنه لم يستطع بعد أن يرى العالم بعيونه وأن يسمعه بآذانه ويعقله بعقله، ويكون حقًا باحثًا عن الحق.

عصر الحداثة وما بعدها والإنسان ذو البعد الواحد

في رواية جورج أوريل المشهورة 1984 والتي تتكلم عن ميل الدولة لتنظيم تفكير الناس وفق ما تريده من مصالح، فتكذب وتغير الحقائق، وهكذا ما يكون اليوم صحيحًا يغدو غدا باطلا، وما يكون اليوم أبيض سيغدو بعد يوم أسود، وكل هذا يجري وفق مسميات مثيرة للضحك والبكاء في نفس الوقت فوزارة الحقيقة هي من تتولى هذه الأعمال، أما وزارة الحب فهي مسؤولة عن قتل الناس وتسميم حياتهم.

ضمن هذه الرواية وأحداثها ثمة حدث مثير للاهتمام، وهي أن لجنة من الحزب اجتهدت لوضع لغة جديدة للاستعمال بين الناس وهدفت هذه اللغة إلى إخراج كثير من كلمات اللغة المستعملة بحجة أنها مترادفات ولا حاجة لنا إليها فما الضرورة في استخدام كلمات كالعشق والوله والهيام إذا كان الحب يعبر عن مضمونها؟  وعندما تختزل اللغة ستختزل تفكير الناس وعند ذلك يتم تسطيح آمالهم ومشاعرهم وطموحاتهم!

لكن ما الضير في ذلك؟ فلتبقَ اللغة لغة رياضية رشيقة بقلة مفرداتها.

جريمة الاختزال

إن اختزال اللغة يعني اختزال الإنسان إلى مستوى يبقى فيه الإنسان عائما في السطح، حاله كحال لوحة استخدمت فيها درجة واحدة من لون الأحمر مثلا، فكما هو معلوم فإن لكل لون درجات متعددة، وكل درجة تعطي معنى وجمالا، وتكامل هذه الدرجات مع بقية الألوان يبث في النفس جمالا فريدا. وكذلك اللغة فإنها ليست مجرد أداة لتوصيل للأفكار فقط، بل هي أعمق من ذلك، فهي وعاء فكري للإنسان به يفكر ويعبر ويشرح ما يشعر به، وكلما كانت الكلمات المستخدمة أكثر دقة في التعبير عن الحالة كلما كان المعنى الذي يصل إلى الشخص أعمق، لكن ما الذي سيحدث إن قلمنا أظافر اللغة وقللنا من المفردات المستخدمة وجعلنا هذه اللغة أكثر علمية كقواعد الرياضيات؟

سيكون التواصل سطحيا مقتصرا على كلمات يتآكل المعنى فيه من كثرة الاستخدام اليومي إلى أن نبقى عائمين في سطح لغوي هش، وتبقى اللغة عاجزة عن وصف عمق الفكرة أو عمق المشاعر، وإذا اختزلت اللغة وبقيت عائمة في سطح لغوي فإن الإنسان وتفكيره نفسه سيبقى سطحيا عائمًا مختزلًا.

وهكذا فإن الأمر سيتجاوز الحال من اختزال اللغة إلى اختزال الفكر واختزال الإنسان، ومن تسطيح المعرفة إلى تسطيح الوجود برمته، وتحويل الإنسان إلى كائن سائل وسطحي.

ومن هنا فإن جملة ما نعانيه في هذه الأيام وخاصة في فترة ما بعد الحداثة هو اختزال القضايا الكبرى في جملة من الكلمات أو في تفسير سطحي لا يعدو تقييمها وفق نظرة خارجية.

لقد أثّر هذا في تعامل الناس مع القضايا الاجتماعية الحياتية، ففي كتبه التي تناول فيها مفهوم السيولة، تكلم أستاذ الاجتماع زيجمونت باومان عن تحول المفاهيم الكبرى وانزياحها لتصبح في تعاملاتنا اليومية مجردة عن معانيها وقد وصفها بانها أصبحت كالماء السائل لا تقف في مكانها لأنها خاوية من المعنى، فما كان سابقًا قيمة كبرى كالحب أصبح اليوم مجرد علاقة سطحية لا تعدو كونها إشباعًا لشهوة مؤقتة، وما كان رابطة بين شخصين كالصداقة أصبح اليوم محكومًا بتقلبات السوق؛ إلا أن أكبر ما يؤرق هنا هو أن تُختزَل القضايا الكبرى وتُسطَّح لتصبح ذات بعد واحد وأفق ضيق، فالإنسان بما فيه من عمق وبما تعتريه من أحوال وما يحكم سلوكه من مؤثرات أخلاقية وعقدية واجتماعية قد تم اختزال قصته إلى تطور، وهذا التطور ليس فقط مقاربة بيولوجية بل غدا نموذجا يفسر ماهية الإنسان وسلوكه وأخلاقه، وكذا الحال في مكانة الدين لدى البشر في أحوالنا المعاصرة فقد تم اختزاله إلى كونه مجرد محتوى طقوسي ثقافي أو قاموسًا للدلالات الأنثروبولوجية.

هذه السطحية أحدثت تغيرات كبيرة على مستويات التفكير والتعامل مع القضايا الاجتماعية ذات التعقيد البالع ومن ثم فقد اختزِل الإنسان إلى مجرد حيوان يتطور كغيره من الحيوانات، ومن هنا صار ينظَر لحالات المثلية الجنسية على أنها أمر طبيعي لا يحتوي على إشكاليات سلوكية أخلاقية بل على أنها نتيجة طبيعية لتأثيرات جينية، أي يتم التعامل معها على المستوى البيولوجي. وعلى هذا فلا إشكالية البتة فيها، وعلى هذا المستوى البيولوجي يتم التعامل مع كل شيء يخص الإنسان، وإذا تم النظر إلى الإنسان من هذا المستوى فلن تبقى هناك قيمة مرجعية أو معيارية وسيغدو كل شيء مشروعًا بالنسبة لحيوان بيولوجي.

حتى الفلسفة!

انسحب هذا الأمر على كثير من مستويات التفكير والمفاهيم الفلسفية، بل إن الفلسفة ماتت كما أعلن الفيزيائي ستيفن هوكينج –رغم أنه كان ذا فكر سطحي في الفلسفة- وهذا طبيعي جدا، لأن الفلسفة تنطلق من مبدأ أن الإنسان كائن مفكّر، وتتعامل معه وفق مستوياته المتدرجة والعميقة، وإن كانت الفلسفة قد ماتت، فهذا يعني أن التفكر والتأمل وغيرها من مصطلحات تعنى بوعي الإنسان لم يبق لها مكان من الإعراب في عالم بيولوجي سطحي..

إن الحرية التي كانت في وقت سابق أساس عصر التنوير والحداثة أصبحت اليوم مفرغة من معناها عندما تم النظر إلى الإنسان على أنه مخلوق لا يستطيع تجاوز قوانينه البيولوجية التطورية.

إنسان المتاهة .. مؤثرو العالم الافتراضي!

في عالمنا المدفوع بالجشع نحو المال والكسب، وفي العالم الافتراضي السطحي المفتوح تصدر الشاشات والمنشورات أشخاص يتكلمون عن كل شيء بشكل سطحي لا اختصاص لهم سوى أنهم من جملة ما أصبح معروفا بـ” المؤثرين” أو ” صناع المحتوى”، ومع كمية الغش الموجود في هاتين التسميتين فإن لهؤلاء الأشخاص سلطة معرفية وعلمية في كافة المجالات تقريبًا، ونظرة على بعض قنوات اليوتيوب نرى مصداق هذا فهؤلاء المتصدرون يتحدثون عن مسائل علمية شائكة أو مواضيع فلسفية معقدة في دقائق معدودة مصدرين الحكم في هذه الأمور دون أن يكون لهم خلفية علمية أو اجتماعية معينة. ومع ضيق وقت الناس أصبحت هذه المقاطع أو المنشورات بمثابة مراجع يستقي الناس منها توجهاتهم

خاتمة لعلها تكون عميقة!

عبر تاريخنا الإسلامي ثمة مدح للصمت، ومدح الصمت ليس باعتباره صمتا بل لأنه وسيلة للتفكير العميق والتأمل الذي يفضي إلى قول ما هو أقرب للصواب وذلك كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [أخرجه البخاري]، وهذا الأمر أصبح غريبًا في عالم مليء بالضجيج…

التفكر والتدبر والتعقل والتذكر كلها مصطلحات أساسية في تاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة على حد سواء وهي تشير إلى مستويات متعددة من التفكير التي تجعل الإنسان إنسانًا، لكن الأمر اليوم مختلف جدا…  لكن اليوم ثمة اختزال للإنسان وهذا الاختزال يتم لصالح تسطيحه وتسطيح الإنسان يعني قطعه عن السماء وحبسه في عوالم سُمِّيَت زورًا وبهتانا وزارة الحب والحقيقة وليس لها من عمل إلا نشر الكره والخديعة الكبرى.