image_print

هل مكة محفوظة من الطاعون والأوبئة؟

يتداول الكثيرون مؤخرا أقوالا عن حفظ إلهي لمكة المكرمة من الطاعون، ويشكك بعض المغرضين في صحة الإسلام بسرد روايات تاريخية تنفي ذلك، كما يستغلون انتشار وباء كورونا في مكة للتشكيك أيضا، فما صحة كل ذلك؟

ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ مكة -حرسها الله تعالى- محفوظةٌ من الطاعون. وعمدتهم في ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا سُريج، قال: حدثنا فُليح، عن عمر بن العلاء الثقفي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقبٍ منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)([1]).

وهذا القول ليس بصحيح، وفيما يلي بيان ذلك:

أولاً: أن هذا الحديث ضعيفٌ لا حجَّة فيه.

ففي إسناده:

1- عمر بن العلاء بن جارية الثقفي وأبوه، وهما مجهولان.

ذكرهما البخاري وابن أبي حاتم([2])، وسكتا عنهما، وذكرهما ابن حبان في الثقات([3]).

ولم أقف على من وثقهما من أهل العلم.

قال ابن أبي حاتم: “عمر بن العلاء الثقفي مديني، روى عن أبيه عن أبي هريرة، روى عنه فليح بن سليمان، سمعت أبي يقول ذلك”.

وقال: “وقلت لأبي: هو أخو الأسود بن العلاء، فقال: لا أدري، هو شيخ مديني”([4]).

2- فُليح بن سليمان المدني، متكلَّم في حفظه وضبطه، وضعَّفه كثير من الأئمة.

فهو وإن أخرج له الأئمة الستة، فقد تُكلم فيه، “فضعفه: النسائي، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، ويحيى القطان، والساجي، وقال الدارقطني وابن عدي: لا بأس به”([5]).

وقال الحافظ ابن حجر: “أخرجه عمر بن شبَّة في كتاب مكة، عن شريح([6]) عن فليح عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، ورجاله رجال الصحيح”([7]).

وتعقبه محققو المسند بقولهم: ” كذا قال في إسناده (العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه)، وهو وهمٌ، إما من صاحب كتاب مكة([8])، أو من الحافظ ابن حجر، فالحديث لا يُعرف إلا عن عمر بن العلاء، عن أبيه”([9]).

ثانياً: أن الحديث رواه الشيخان والإمام مالك في الموطأ من حديث نُعيم بن عبد الله المُجْمِر عن أبي هريرة بلفظ: (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) ([10]).

ورواه أحمد من حديث ذكوان السمَّان عن أبي هريرة بلفظ: (على أبواب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال)([11]).

ورواه البخاري من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال، قال: ولا الطاعون إن شاء الله)([12]).

ولذا قال الحافظ ابن كثير عن رواية أحمد: “هذا غريبٌ جدًا، وذِكْرُ مكة في هذا ليس بمحفوظ، أو ذِكْرُ الطاعون، والله أعلم”([13]).

وقال ابن الملقن: “ورد بإسنادٍ ضعيفٍ أنها لا يدخلها طاعون أيضًا”([14]).

ثالثاً: أن الحديث –على فرض ثبوته- ليس صريحًا في نفي دخول الطاعون إلى مكة.

فقد تابع الإمامَ أحمد في روايته عن سريج بن النعمان: ابنُ أبي خيثمة، ولكن بلفظ: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، المدينة على كل نقبٍ منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون) ([15]).

وهي ظاهرة في أنَّ النفي خاصٌ بالمدينة.

وأما رواية أحمد فمحتملة، ولفظها: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)([16]).

فيتحمل أن يكون الضمير عائدًا للمدينة فقط، بدلالة إفراد كلمة (منها) ولم يقل منهما.

قال السمهودي: ” كذا هو لا يدخلها بالأفراد، فيحتمل عودها للمدينة فقط”([17]).

رابعاً: أن الواقع يؤكد ضعف هذا الحديث، فقد وقع الطاعون في مكة في بعض الأزمنة، خلافًا للمدينة فلم يقع فيها الطاعون قط.

قال ابن تغري بردي: “فيها أعني (سنة تسع وأربعين [وسبعمائة] ([18])) كان الوباء العظيم … وعمّ الدنيا حتى دخل إلى مكّة المشرّفة، ثم عمّ شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما خلائق لا تحصى([19]).

وقال برهان الدين الحلبي عن المدينة: “ولم يتفق دخول الطاعون بها في زمن من الأزمنة، بخلاف مكة فإنه وجد بها في بعض السنين، وهي سنة تسع وأربعين وسبعمائة”([20]).

وقد أقر الحافظ ابن حجر بوقوع الطاعون في هذا العام، ونقل عن شهاب الدين بن أبي حجلة قوله: “أن مكة لم يدخلها الطاعون قط، إلا هذه المرة، فمات بها خلق كثير من أهلها والمجاورين بالطاعون، وتواتر النقل بذلك”([21]).

لكنه في الفتح حاول التشكيك في تسميته طاعوناً([22]).

خامساً: المنفي في هذه الأحاديث هو دخول الطاعون لا الوباء، والطاعون أخص من الوباء، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، ولذا فالنصوص الشرعية لا تدل على امتناع دخول الأوبئة إلى المدينة النبوية حفظها الله من كل سوء.

قال الحافظ ابن حجر: “وقد وقع فيها الوباء بالموت الكثير في زمن عمر رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري من طريق أبي الأسود الدؤلي قال: (أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتا ذريعًا) …، وأما الطاعون فلم يُنقل قط أنه وقع بها من الزمان النبوي إلى زماننا هذا، ولله الحمد”([23]).

قال ابن القيم: “الطاعون – من حيث اللغة -: نوعٌ من الوباء، قاله صاحب الصحاح، وهو عند أهل الطب: ورمٌ رديءٌ قتَّال يخرج معه تلهُّبٌ شديدٌ مؤلمٌ جدًا يتجاوز المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو أكمد، ويئول أمره إلى التقرُّح سريعًا، وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، وخلف الأذن والأرنبة، وفي اللحوم الرَّخوة…

قال الأطباء: إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة، والمغابن، وخلف الأذن والأرنبة، وكان من جنس فاسد: سُمِّي طاعونًا…”.

ثم قال: ” ولما كان الطاعون يكثر في الوباء، وفي البلاد الوبيئة، عُبِّرَ عنه بالوباء، كما قال الخليل: (الوباء: الطاعون، وقيل: هو كل مرض يعم).

والتحقيق: أن بين الوباء والطاعون عمومًا وخصوصًا، فكلُّ طاعونٍ وباءٌ، وليس كلُّ وباءٍ طاعونًا، وكذلك الأمراض العامَّة أعمُّ من الطاعون فإنَّه واحدٌ منها”([24]).

الخلاصة
الثابت في السنة النبوية الصحيحة: نفي دخول الطاعون إلى المدينة، “فلم تزل محفوظة منه مطلقًا في سائر الأعصار، كما جزم به ابن قتيبة، وتبعه جمعٌ جمٌّ من آخرهم النوويّ”([25]). وأما الأوبئة فلا يوجد ما يدل على امتناع دخولها للمدينة.

وليس في النصوص الشرعية ما يدل على امتناع دخول الطاعون -فضلا عن الأوبئة- إلى مكة.

نسأل الله أن يحميها وسائر بلاد المسلمين من الطاعون ومن كل وباء.

والله أعلم

د. عمَّار الصياصنة


([1]) مسند أحمد (10265).

([2]) ينظر: التاريخ الكبير للبخاري (6/180)، (6/510)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/362)، تعجيل المنفعة (2/47).

([3]) ينظر: الثقات لابن حبان (5/249)،  (7/173).

([4]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/125).

([5]) نصب الراية (1/381)، وينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/85)، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (8/602)، تهذيب التهذيب (8/303)، تحرير تقريب التهذيب (3/165).

([6]) كذا في المطبوع، والصواب: سُريج.

([7]) فتح الباري (10/191).

([8]) إن كان عمر بن شبة رواه كما ذكر الحافظ فهو خطأ منه بلا شك، فقد خالفه في ذلك: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وابن أبي خيثمة، وإن لم يكن رواه كذلك، فيكون الحافظ وهم من اسم عمر بن العلاء إلى العلاء بن عبد الرحمن.

([9]) مسند أحمد (16/185).

([10]) موطأ مالك (3320)، صحيح البخاري (1880)، صحيح مسلم (485).

([11]) مسند أحمد (8917).

([12]) صحيح البخاري (7134) .

([13]) البداية والنهاية (19/189).

([14]) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (12/531).

([15]) تاريخ ابن أبي خيثمة – السفر الثالث- (1/ 146).

([16]) وكذا رواه سعيد بن منصور عن فليح بن سليمان، كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (14/ 308).

([17]) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى (1/158).

([18]) (749هـ) .

([19]) النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة (10/ 233) .

([20]) السيرة الحلبية (2/ 119).

([21]) بذل الماعون في فضل الطاعون (ص379) .

([22]) فتح الباري (10/ 191).

([23]) بذل الماعون (ص104).

([24]) زاد المعاد في هدي خير العباد (4/35).

([25]) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى (1/ 155).

سليمان عليه السلام.. بين القرآن الكريم والعهد القديم

ذُكِر نسب سليمان في العهد القديم وإنجيل متَّى بأنَّه سليمان بن داوود بن يسِّي بن عوبيد بن بوعزا بن سلمون بن نحشون بن عمِّيناداب بن آرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم [سفر أخبار الأيام الأول: 2/1، إنجيل متى: 1/3].

يعتقد المسلمون أن سليمان عليه السلام نبيٌّ من أنبياء الله المعصومين المرسلين إلى بني إسرائيل، وأنه ابن داوود النَّبي عليهما الصلاة والسلام، وقد ذكرهما القرآن الكريم في جملة الأنبياء المذكورين فيه.

وجاء ذكر سليمان في القرآن في جملة رسل الله في قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء:163].

في المقابل، تأتي سيرة سليمان في العهد القديم في سفر الملوك الأول، ثم نجدها في سفر أخبار الأيام الثاني من الإصحاح الأول إلى التاسع، وقد اكتنف هذه السيرة الكثير من التناقضات والاتهامات الباطلة لنبيِّ الله سليمان.

ويذكر العهد القديم سليمان على أنه مَلِك من ملوك بني إسرائيل الحكماء الذين ازدهرت أحوال بني إسرائيل في عهده وليس نبيَّاً، وقد حاز الملك بعد موت أبيه داوود.

جاء في العهد القديم: “وكان الملك سليمان ملكا على جميع إسرائيل” [سفر الملوك الأول: 4/1]، وجاء في مكان آخر: “وكان الزمان الذي ملك فيه داود على إسرائيل أربعين سنة في حبرون (الخليل) ملك سبع سنين وفي أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة وجلس سليمان على كرسي داود أبيه وتثبت ملكه جداً” [سفر الملوك الأول: 2/11].

مجسم لهيكل سليمان المزعوم

حياة سليمان
لم ينقل إلينا في القرآن الكريم حديثاً عن زوجات سيِّدنا سليمان عليه السلام وذلك لأنَّها لا تأتي لنا بأيَّة فائدة ، أمَّا في العهد القديم فالنِّساء اللَّاتي تزوجهن سليمان كما ينقل العهد القديم بلغن ألفاً، سبع مئة من السّيدات وثلاث مئة من السَّراري، ما عدا النِّساء اللَّواتي أحبَّهن سليمان في آخر حياته. [سفر الملوك الأول: 11/ 1 ـ 5].

وكان من اللَّواتي تزوَّجهنَّ سليمان حسب هذه الرواية ابنة فرعون مصر، وبنى لها بيتاً من الحجارة الكريمة.[سفر الملوك الأول: 3/1].

كما جاء في العهد القديم وصف عجيب لطعام سليمان في اليوم الواحد، فصوَّره في صورة شخص نهم جشع، وهي صورة لا تليق بعوام النَّاس فضلاً عن ملك يعتبرونه من أعظم ملوك بني إسرائيل، الذي نصر ووطَّد ملكهم على باقي الأمم، فجاء في سفر الملوك الأول: “وكان طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كر سميد وستين كـر دقيـق* وعشرة ثيران مسمنة وعشرين ثوراً من المراعي ومئة خروف ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن* وكان متسلطاً على كل ما عبر النهر من تفسح إلى غزة على كل ملوك عبر النـهر وكان له صلح من جميع جوانبه حواليه” [سفر الملوك الأول: 4/ 22ـ 24].

أما القرآن الكريم فقدّم لنا سليمان في صورة مثالية للمَلِك العظيم والزاهد في آن واحد، فيقول {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 30- 33]، حيث قال المفسرون إن خيولا جميلة عُرضت عليه في وقت العصر فانشغل بها حتى توارت الشمس وفات وقت الصلاة، فندم على ذلك وأخذ يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها -حسب تأويل ابن عباس- ثم سأل الله أن يمنحه مُلكاً عظيماً ليسخره في الخير، فتقول الآيات: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 34- 40]، فالآيات تؤكد أنه بالرغم من كل ما أوتي من المُلك فإنه لم يُفتن به، حيث كان الملك الوحيد الذي سُخر له الإنس والجن والحيوانات وقوى الطبيعة (الرياح).

صورة سليمان في العقلية الغربية صارت مرتبطة بالطغيان حصرا

أمثاله وحكمته
نقل العهد القديم الأمثال التي كان يلقيها سليمان، وهذا يعكس الحكمة التي كان قد أعطاها الرب لسليمان، والمتأمِّل لهذه الأمثال المنسوبة إلى سليمان  يجد شيئاً من الحق إلى جانب الكثير من الباطل والبهتان، ويحوي سفر الأمثال مقدِّمة في امتداح العقل والحكمة والتَّحذير من أنواع الرذائل، وفيه مجموعة من الأمثال المنسوبة لسليمان عليه السلام، وفيها أمثال تدلُّ على أنها كتبت بعد سليمان بعدَّة قرون لأن فيها إشارة إلى السَّبي البابلي ويدلُّ على ذلك أن هذه المجموعة تبدأ بقوله: “هذه أيضاً أمثال سليمان التي نقلها رجال حزقيا ملك يهوذا”، وحزقيا عاش بعد سليمان بأكثر من ثلاثة قرون.

ويذكر بعض العلماء أن الذين كتبوا سفر الأمثال تأثَّروا تأثراً كبيراً بكتاب “30 فصلاً في الحكمة” لأمنموبي المصري، وقد عقد كل من هوغو غرسمان وآرمان وجيمس برستد مقارنة بين هذين الكتابين وانتهوا إلى القول بأن أفكار أمنموبي المصري سُرِقت وظهرت في ثوب جديد في سفر الأمثال، بينما يرى البعض الآخر من الباحثين أن هذا بعيداً شيئاً ما، وذلك لأن أمثال الشُّعوب قد تتشابه في كثير منها.

وقد خصص كتبة العهد القديم “سفر الجامعة” للكلام عن سليمان الحكيم الذي ييأس من الحكمة، ويظهر فيه الكثير من التشاؤم، فقد جاء في أوَّل إصحاحٍ من هذا السِّفر: “باطل الأباطيل قال الجامعة باطل الأباطيل الكل باطل* ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس* دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد* والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق* الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال تذهب دائرة دورانا وإلى مداراتها ترجع الريح* كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة*” [سفر الجامعة: 1/7]، ثم يصور سفر الجامعة سليمان وهو يلهو ويفرح ويشرب الخمر.

في المقابل، تكلم القرآن الكريم عن حكمة سليمان عليه السلام، فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79].

وفي العهد القديم نجد سفر الحكمة، وقد نسب ما فيه إلى سليمان عليه السلام، ويتألَّف ما حفظ منه من تسعة عشر إصحاحاً.

وأوضح علماء الكتاب المقدَّس -في اعتراف له تداعياته الخطيرة- أن سليمان ليس له ضلع فيه، كما أنه ليس له ضلع فيما نُسب إليه في بقيَّة الأسفار، فالسِّفر عبارة عن مذكرات شاعر روحاني أخذ ينقل من التقاليد الإسرائيليَّة واليونانيَّة القديمة، فيقولون في مقدِّمتهم لسفر الحكمة: “إنَّ كتابات سليمان فُقد منها الكثير، فقد ذُكر عنه في سفر الملوك الأوَّل أنَّ الله أعطاه حكمة وفهمًا كثيرًا ورحبة قلب كالرمل الذي على شاطيء البحر، بمعنى أنه كان له الكثير من أقوال الحكمة، وقد قيل عن سليمان أيضًا أنَّه تكلَّم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفًا وخمسًا، وتكلَّم عن البهائم وعن الطَّير وعن الدَّبيب وعن السَّمك، فأين كل هذه الأمثال والنَّشائد والكتابات؟”.

الفنان بيتر روبنس من القرن السابع عشر تخيل النبي سليمان في صورة طاغية

الأنشاد والفجور
سفر نشيد الأنشاد هو السِّفر الرَّابع من الأسفار التي ينسبها اليهود لسليمان، وهو سفرٌ يتَّخذه اليهود في الأعياد والمناسبات الدينيَّة وفي أماكن عبادتهم، وهو شعر غزلي جنسيٌّ غليظ، ليس بينه وبين الدِّين أية علاقة، بل يمثِّل سياسة أحبار اليهود نحو الجنس، فلفرط حبهم للنِّساء والزِّنى جعلوا الأنبياء زناة، بل أكثر من ذلك.

يبدأ هذا السِّفر بذكر الحبِّ والخمر فيقول:

  • ليقبِّلني بقبلات فمه لأنَّ حبَّك أطيب من الخمر.
  • لَرائحة إدِّهانك الطَّيبة اسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى.
  • أنا سوداءٌ و جميلةٌ يا بنات أورشليم كخيام قيدار كشقق سليمان [نشيد الأنشاد: 1/1ـ 4].

ثمَّ ينتقل إلى وصف حبيبته فيقول:

  • ها أنت جميلة يا حبيبتي ها أنت جميلة.
  • عيناكِ حمامتانِ من تحت نقابك.
  • شعركِ كقطيع معزٍ رابضٍ على جبل جلعاد.
  • شفتاكِ كسلكة من القرمز وفمك حلو خدك كفلقة رمانة تحت نقابك.
  • عنقكِ كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجن علق عليه كلّها الجبابرة.
  • ثدياكِ كخشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن.
  • كلّكِ جميلٌ يا حبيبتي ليس فيك عيبة [نشيد الأنشاد: 4/1ـ 7].

ثم يوغل في الغزل (بل بالفحش) قائلاً:

  • دوائرُ فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع.
  • سرّتُكِ كأس مدوّرة لا يعوزها شراب ممزوج.
  • بطنكِ صبرة حنطة مسيجة بالسوسن.
  • ثدياكِ كخشفتين توأمي ظبية. [نشيدالأنشاد: 7/1ـ 6].

وفاة سليمان
ذكر القرآن الكريم قصة وفاة سليمان عليه السلام في قوله: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمـَّا خـَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجنُّ أَنْ لَـوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} ]سبأ:14[.

وروي أنَّه كان متَّكئاً على عصاه حين وافاه أجله، والجن تروح وتجيء مسخَّرة فيما كلَّفها إيَّاه من عمل شاقٍّ شديد؛ فلم تدرك أنَّه مات حتى جاءت دابَّة الأرض، وقيل هي حشرة الأرَضة، فلمَّا نخرت عصا سليمان لم تحمله فخرَّ على الأرض، وحينئذ فقط علمت الجن موته و{تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14]، أي ما واصلوا انهماكهم في العمل الشاق الذي سخرهم فيه وهم يحسبون أنه يراقبهم بينما كان عليه السلام في الحقيقة قد مات. ولم يذكر العهد القديم طريقة موت هذا النَّبي الحكيم.

بقلم: عبد اللطيف المحيمد


أهم المراجع:

العهد القديم والجديد.

تفسير الكتاب المقدس، جماعة من اللاهوتيين برئاسة فرنس دافدس، منشورات النفير، بيروت، لبنان، ط: الثانية ، 1989م.

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، تعريب شركة ماستر ميديا، القاهرة، د/بيانات.

الله والأنبياء في التوراة والعهد القديم، محمد علي البار، الدار الشامية، بيروت، ط: 1.

ثم يقولون هو من عند الله، محمود سعد مهران، منتدى الجامع للحوار الإسلامي المسيحي، د/ط.

“عروض زواج رومنسية” و”أمهات عازبات”.. كيف تسربت إلينا هذه العادات؟

“المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب”، بهذه العبارة الشهيرة يلخص لنا ابن خلدون واقع مجتمعاتنا اليوم، وسواء اتفقنا مع ما جاء في مقدمته أو اختلفنا، فإن لهذه العبارة نصيبها من الصحة.

بيد أن مشكلتنا لا تقف عند حدود التقليد، فالمقلد إنما يأخذ بإيجابيات وسلبيات من يقلده، يأخذه عنه حزمة كاملة، بينما تجاوزت مجتمعاتنا مرحلة التقليد لتنجب لنا نسخًا مشوهة لا تشبهنا، تسيّرنا ولا نسيّرها، وإن كانت الدهشة التي حكمت أفعال الشبّان الذين زاروا الغرب سابقا وتأثروا بنظرياته وعاداته ونقلوها بقدّها وقديدها إلى أوساطهم في بلدانهم الأصلية، إن كانت تلك الدهشة تقتصر عليهم وعلى فئة قليلة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تكفلت بإيصالها لجمهور أكبر حين سهّلت دخول هذه النظريات والعادات إلى بيوتنا عبر شاشات صغيرة، ووجدنا أنفسنا أمام عادات لم نكن نعرفها بداية ثم تتطبعنا معها ولم نعد نرى في سنّها ضمن عاداتنا أي غضاضة.

والحديث هنا ليس عن العادات التي ترافق فرحًا ما مثلًا، مما لا يختلف مع معايير ديننا ومجتمعنا، إنما عن عادات وظواهر متأصلة في الغرب ورؤيتنا لها بعين واحدة، فلا يمكن أن تمرّ أيام حتى يعرض لنا مما يعرض في فيسبوك مثل فيديو رومنسي عن شاب تقدم لخطبة فتاة محمّل بالورود وبخاتم يجعل الفتاة تبكي فرحًا، ثم تفتح التعليقات لتجد دعوات عريضة من الفتيات للشباب ليقتدوا ويتعلموا الرومانسية وحسن التعبير، من غير أن تنقل لنا الصورة المخيفة القابعة خلف هذه الرومنسية وعن المرارة التي تعانيها المرأة بعد علاقة محرمة لتنهي رحلتها المشتتة وغير المستقرة بالزواج، الزواج الذي يسعى إليه شبابنا ابتداء بالخطبة والعقد، وقبل أي علاقة محرمة تستهلك المرأة وتستنزفها، خصوصًا إن رافق العلاقة حمل غير شرعي، لتحمل المرأة أعباء الطفل فوق أعبائها، وقد ناقش الأستاذ إياد قنيبي هذه الظاهرة ضمن سلسلته على اليوتيوب رحلة اليقين.

طلاق وردي
ولما كانت بدايات رحلة الزواج الغربية محط إعجاب، كان من المنطقي أن تكون رحلته ونهايته على خطى غربية أيضًا، فما زالت مجتمعاتنا تغلف كلمة “طلاق” بهالة كبيرة ولا يمكن لوقع الحياة المادية التي سهّلت أمور الطلاق وصعبت أمور الزواج أن تنزع هيبة الكلمة ووقعها على من خاض التجربة رجلًا كان أو امرأة، لكنها استطاعت أن تخفف تلك الهيبة وأن تجعل باب الطلاق من أوائل أبواب الحل المقروعة.

فلم يكن معروفا لدينا مثلا ما يسمى “بحفلات الطلاق”، والتي تتشابه مع حفلة “وداع العزوبية” تبتدأ الرحلة بها وتعلن الثانية نهاية الرحلة، ولست أدري أي حالة نفسية تعيشها المرأة التي تُقدم على مثل هذه الخطوة حين تُقلب الموازين ويصبح الطلاق من مدعاة لأن يعيد الإنسان حساباته إلى مفاخرة واحتفالات.

وأتساءل كيف تقضي المرأة المحتفلة مع أقرانها ليلتها بعد أن ينفض عنها الجمع؟ صحيح أن طلاق المرأة الراضخة تحت ظلم زوجها يكون خلاصًا، وكذلك الرجل الذي تعرض لظلم من زوجته، إلا أن الأمر مع ذلك يستدعي مراجعة الحسابات ويعني فشل الإنسان في مرحلة ما، ولا يستدعي الفرح البتة خصوصًا إن نتج عن هذا الزواج أولاد.

أمهات عازبات
اصطُلح مؤخرًا على إطلاق لقب أم عازبة على النساء اللواتي يربين أطفالهن في غياب كامل لأب الطفل، وغالبا تطلق التسمية على الأمهات اللواتي أنجبن خارج إطار الزواج، إذ تشير التقارير التي قدمتها الباحثة التونسية سامية محمود المختصة في علم الاجتماع على أن عدد الأمهات العازبات يبلغ حوالي 1060 أم كل سنة في تونس وأن هذا العدد يشهد ارتفاعًا ملحوظًا سنويًا، وأثبتت الباحثة أن أعمار الأمهات العازبات تتراوح من 15 إلى 24 ، ومعلوم أن هذه الإحصائيات لا يمكن أن تغطي كل الحالات ما يلزم ضرورة أن تكون الأعداد أكثر من المعلن عنه، وفي المغرب هناك ولادتان غير شرعيتان بين كل خمس ولادات شرعيّة[1].

ويقدّر عدد الولادات التي تمت خارج إطار الزواج بـ 153 مولود يوميًا[2]،  كما تشير التقارير إلى أن نسبة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج في بريطانيا بلغت 47.5 بالمئة عام 2012[3].

والحديث عن الحقوق التي تمنحها الدول الأوروبية للأمهات العازبات هو حديث عن جانب حقوقي وإغماض عين عن الجوانب الأهم، فاعتبار الحقوق المادية على أنها غاية إنسانية نبيلة هو عين الظلم للطفل الذي لا تقف حاجته عند حد الاعتراف به أو منحه وأمه راتبًا شهريًا، فالواقع يثبت أن القوانين التي توضع للتدخل في العلاقات الاجتماعية “الأسرية مثلًا” تهدم أكثر مما تبني، وفي أحسن الأحوال تقدم حلولًا تقتصر على الماديات.

زواج القاصرات وزنى القاصرات
ما الذي يمكن أن يحدد جاهزية الفتاة أو الشاب للزواج؟ وهل يعقل أن تكون قدرات الشباب متكافئة؟ فإن سألنا متى يحق للإنسان أن يأكل كان الجواب المنطقي حين يجوع، ومتى يحق للإنسان أن يشبع حاجته الجنسية؟ فالجواب حين يشتهي، وهو سن التكليف في الإسلام، فالأمر إذا ليس لإشباع رغبة فحسب بل هو سن يحاسب الإنسان على كل أفعاله فإن قتل قُتل وإن سرق قُطع، وإن باع أو عقد نفذ بيعه وعقده، طالما أنه مكلّف أي بالغ، فإن كان الأمر كذلك في العقوبات والتكاليف بمعنى أنه يملك زمام أمره ذكرا كان أو أنثى فإنه يستطيع تحمل تبعات مسؤولية الزواج وتكوين أسرة.

والكلام عن تجريم زواج من هم في سن صغيرة هو حديث قاصر عن الإحاطة بكل جوانب الإشكالية، فلو كان الأمر مواكبًا للطبيعة الإنسانية لما شهدت المجتمعات الغربية خصوصًا تزايد عدد الامهات العازبات واللواتي قد يصرن أمهات وهن في عمر المدرسة، أي في عمر الرابعة عشرة، الأمر الذي دفع بعض المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء حواضن خاصة بالأمهات الطالبات.

ولا يقف الأمر عند حدود إنجاب طفل من علاقة غير شرعية لتكون مشكلة فردية، فالحديث هنا عن أب تخلى عن مسؤوليته تجاه طفله، وعن أم تضطر للعمل في مجالات ربما لا تناسبها لتلبي حاجات الطفل، وفي ظل هذا التخلي يُدفع بالأطفال إلى هاوية التشرد والعوز.

إذن نحن أمام حقيقة تتلخص بما يلي: رفع سن الزواج عند الشاب والفتاة لا يعني أنهما سينشغلان بتعليمهما ويصرفان النظر عن  تلبية تلك الحاجة، وتعسير أمر الزواج يعني ضرورة تيسير أمر الحرام، فإما زواج وأبناء تحت مظلة هذا الزواج، وإما زنى وأبناء لقطاء قد ينتهي بهم المطاف في عالم التشرد والجريمة إن لم يجدوا من يأخذ على أيديهم.

فإن قلنا إن المعايير اختلفت وشباب وبنات مجتمعنا اليوم غير قادرين على حمل المسؤولية كما يجب، قلنا إن مرد ذلك عائد للتربية التي ينشأ بها الشاب والفتاة داخل العائلة، فالعائلة هي مربط الفرس إن قام الأب بدوره وقامت الأم بدورها من تغير تنازع بينهما، فإن قيل إن أمور الزواج لا تتعلق فقط عند الوعي بالمسؤولية بل إن الأمر يكاد يكون ماديًا صرفًا، فالحق أن هذا مما أفرزته الأنظمة الرأسمالية التي قيّدت الشباب بقيد الوظائف التي تستهلك منهم عمرهم ولا يكاد الشاب يجد مقابل وقته ما يسد الرمق، ما يجعله غير مختار في موضوع تأخير زواجه، فإن كان ولا بد من هذا التأخير فلا يتجاوز سن الشباب.

عند إقرار الإنسان بوجود خالق لزمه ضرورة اعتقاده بما أقره الله لضمان صلاح حياته، فإنه إن خرج عن تلك القوانين التي سنّها الخالق، وطالت يده هذه القوانين تعديلًا واعتراضًا، لا بد أن يدفع فاتورة هذا الانحراف، سواء اعترفنا بهذا أم لا فإننا نجني عواقبه، والكارثة أن العواقب تشمل مجتمعا بأكمله.

والحديث هنا عن الآثار المجتمعية بصورتها العامة، فلا يمكن قياس حالات لأشخاص ينتمون لمنظومة دينية ولا يطبقون قواعدها لا يمكن اعتبارهم ممثلين عن تلك المنظومة، وسوء استخدامنا لجهاز كهربائي مثلًا لا يعني خطأ الشركة المنتجة، ويكفي ليعرف الإنسان أن ترك التعاليم الدينية التي وضعت لتنظيم علاقة المرأة بالرجل في الزواج والطلاق والأسرة وغيرها، يعني ضرورةً حرف المسار وحصد نتائج كارثية وقلبًا للمفاهيم، حتى أصبح الزواج المبكر جريمة حتى لو تم برضى ووعي من الطرفين، والعلاقات خارج هذا الإطار حضارة، ناهيك عن اعتبار زواج الشواذ حرية ونقده جريمة، لنحصد اليوم نتاج هذا انهيارًا أخلاقيًا مريعًا سيزداد سوءًا كلّما ابتعدنا عن شريعة الفطرة واقتربنا مما يوفد إلينا، “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”؟

عاتكة عمر


[1] تقرير نشره موقع BBC بالعربية، https://cutt.us/P1q0P 

[2] دراسة نشرتها جمعية “إنصاف” عام 2011م غير الحكومية بالتعاون مع الأمم المتحدة، ولتقرير نشرته وكالة الأناضول  https://cutt.us/r4Hox .

[3] موقع BBC بالعربية https://cutt.us/.

“قصة الإيمان”.. حوار بين الشيخ الموزون وحيران بن الأضعف

 

سنستعرض في هذا المقال الموجز أحد أشهر الكتب التأسيسية والمرجعية التي ظهرت في القرن العشرين ضمن مشاريع التصدي لموجة الإلحاد التي امتدت للعالم الإسلامي، ومؤلفه هو الشيخ اللبناني نديم الجسر رحمه الله.

“قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” كتاب جميل يبلغ عدد صفحاته 475 صحيفة، وهو يتحدث عن قصة خيالية شهدها ضريح الإمام البخاري في خرتنك قرب سمرقند، ويتضمن حوارا بين الشيخ الموزون السمرقندي وتلميذه حيران بن الأضعف البنجابي، الذي قصده ليتخلص بمساعدته من الشك الذي اعتراه وهو في جامعة بيشاور.

والشيخ الموزون نفسه عاش حالة الشك التي عاشها تلميذه حيران، لكنه تخلص منها بنصيحة من الشيخ حسين الجسر (والد المؤلف)، الذي نصحه بالتعمق بالفلسفة وعدم الاكتفاء بالقشور، وأبلغه أنه إن تعمَّق بها فسيجد اليقين، وهو ما حصل بالفعل.

اختار الشيخ الموزون في أماليه طريقة الحوار مع تلميذه حيران، وأخذ بيده بين أمواج الفلسفة حتى دفع عنه كل شك.

يقول حيران بن الأضعف: لما كنت أدرس في جامعة ييشاور كانت النفس مشوقة بفطرتها إلى المعرفة عن هذا العالم: ما هو؟ ومتى خلق؟ ومن خلق؟ فلا أقابَل إلا بالزجر فأهملت دروس الدين وأخذت أبحث في الفلسفة، ففصلت من الجامعة، فدلني أبي على الشيخ الموزون.

رحب الشيخ الموزون بحيران وطلب منه أن يتهيأ ويستعد ليبدأ معه رحلة العلم في الدين والفلسفة، وبدأ يحدثه عن الخلق، وعرض له آراء فلاسفة اليونان القدماء، ثم فلاسفة الإسلام بالمشرق والمغرب والأندلس في عهود الحضارة الإسلامية، ثم فلاسفة أوربا بوجه عام حتى عصرنا، وكان يعرض الآراء ويوضحها وينقدها ويوجهها، حتى تبدو مقاصدها وأهدافها.

تحدث الشيخ الموزون لتلميذه حيران عن قصه حي بن يقظان وهي قصة خيالية وضعها ابن طفيل في البحث عن الحق، وحدثه عن الغزالي مؤلف كتاب مقاصد الفلاسفة الذي بسط فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم بسطاً وافياً كأنه أحدهم، ورد على أرسطو في مسألة خلق العالم في كتابه تهافت الفلاسفة.

وحدّثه عن ابن رشد الذي كان مخالفا للغزالي عندما رد عليه في كتابه المشهور تهافت التهافت، ونصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بألا يأخذ بالاتهامات ضد ابن رشد لأنهم أخطأوا في فهمه، ذلك أنه كان معجباً بأرسطو إلى حد التقديس، بالإضافة إلى أغلاط الترجمة، فابن رشد لم يأخذ فلسفة أرسطو عن اليونانية، بل أخذها معرَّبة مخلوطة، وهو لم ينكر صفه الإرادة لله تعالى ولم يخرج عن المنطق السليم والإيمان الكامل، وهو كذلك لا يختلف مع الغزالي من حيث النتائج في شيء، حسب رأي المؤلف.

ثم تحدث عن أبي العلاء المعري الشخصية المتشائمة، الذي عاش حياته كفيف البصر، مشوه الوجه، مجبورا على العزلة، فكان من الطبيعي أن ينتج في نفسه الشك الذي لا يأتي في الحياة إلا من اختلاف الحظوظ، وشك المعري لم يكن في وجود الله، بل حيرته في القضاء والقدر، وحرية الإدارة، وحكمة الخلق، وحقيقة الروح.

وفي حديثه عن المعجزات التي فيها خرق النواميس، يرى أنها أدلة قوية ولكنها ليست أقوى من أدلة النظر العقلي الخالص التي تنتهي إلى الحكم الضروري القاطع بوجود الله ولكن البشر عاجزين عن الاستدلال بالنظر العقلي الخالص، فاقتضت الحكمة عند دعوتهم للإيمان بالله أن يخاطبوا بدليل المعجزة على يد الرسول الإنسان خرقاً يدل على الله ولكن لما ترقَّت الإنسانية في مدارج التفكير العقلي وأصبحت متهيأة للاستدلال بالنظر العقلي الخالص قضت حكمة الله بتفضيل الاستدلال بالألة العقلية القاطعة على الاستدلال بالمعجزة وهذا ما سلكة الوحي في القرآن واعتمده أكثر من المعجزات.

الأفكار المعاصرة

تشارلز داروين

وتحدث الشيخ عن داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، حيث يراه عالماً طبيعياً كبيراً، لكنه ليس بفيلسوف، وهو مؤمن بوجود الله، أما أصل الأنواع فإنه متردد في تحديدها، وأن الشيخ حسين الجسر مؤلف “الرسالة المحمدية” هو العالم الديني الوحيد الذي يقول بأن مذهب داروين لا يتعارض مع أحكام القرآن ولا مع الإيمان بوجود الله.

يقول الشيخ لحيران إن آيات القرآن تكاد تكون مقسمة بين الدعوة إلى الله و الإرشاد إلى دلائل وجوده ووحدانيته وجميع صفات كماله، والأحكام في العبادات والمعاملات، لكن أهم الأقسام وأعظمها هو القسم الأول لأن الإيمان بالله هو الأصل وهو الأساس لكل ما عداه.

وينصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بتعلم لغات الغرب إن كان يريد أن يكون مرشداً وداعياً إلى الله، وطلب منه أن يتأمل آيات القرآن ليطبقها على ما مر معه من أقوال الحكماء والفلاسفة، وبين له أن القرآن يتناول جميع الحجج العقلية والبراهين الساطعة التي قضى العلماء أعمارهم حتى توصلوا إليها.

ذكر الشيخ آيات الله في السماء والأرض فحدّث حيران عن مواقع النجوم والشمس كنجم من جملة النجوم، والتباعد والتناسب والأحجام والمنازل وعجائب النظام الباهر، وسأل حيران وهو متعجب كيف تقف هذه الأحجام والأوزان الهائلة في الفضاء بهذا التوازن العجيب؟ فرد عليه الشيخ بأن القرآن يجيبك في قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} وقوله: {إن الله يمسك السموات والأرض} فهل يكون القانون الدقيق المحكم أثراً من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

يشرح الشيخ الموزون كذلك موقع وطبيعة الأرض وباقي الكواكب الأخرى ويفسِّر أسباب عدم صلاحية الحياة فيها ويبين فضل الله ومنته علينا أن خلقنا على الأرض، فيسأل: {الشمس والقمر بحسبان} فلو كانت المسافة بين القمر والأرض أقل مما هي عليه أو أكثر فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوبة ودوراته المكتوبة ومنازله المقدرة أثر من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

وتحدث الشيخ لحيران عن عجب خلق الله في إنزال المطر والبحار والماء ونواميس الله في خلق الخلائق وجعلها بقدرته وحكمته تتلاقى ويفضي بعضها إلى بعض، وجعل الماء أصل الحياة.

شرح الشيخ بتفصيل لحيران التفسير العلمي والمنطقي الذي يتوافق مع آيات الله في بديع صنعه وأن لا مكان للمصادفة في تكوينها بقدر إبداع خلق الله.

وشرح له الطريقة العلمية لعملية تنفس النبات وفائدتها والأهمية الكبيرة لها في حياة الكائنات الأخرى، وسأله مجدداً هل هذا كله من أثر المصادفة، فرد حيران بأن خلق الله سبحانه أعظم من المصادفة.

أما الأرض فهي فندق كبير بناه الله وحماه وأودع فيه من كل الخيرات والنعم، فشرح لحيران كيف حاول العلماء تفسير الأرض وعناصرها ومكوناتها تفسير علمياً، وتحدث عن الذرات والإلكترونات والنترونات وما إلى ذلك من تناسق عظيم أبدعه الله. وانتقل بعد ذلك للحديث عن إبداع الخالق في خلق اللسان والأذن، وعمل القلب في جسم الإنسان.

ثم كتب الشيخ الموزون وصية لحيران، فأوصاه بالإيمان بالله على اعتبار أنه بلسم الصبر عند المصائب، وقارن بين حال الانسان والحيوان في هذه الدنيا وأن ما يميز الانسان هو الإيمان، وأن الحيرة والشك قد أصابته في شبابه كما أصابت حيران ودفعته للبحث وتزود بالعلم، وسرد سيرته لحيران ورحلته الطويلة في سبيل الوصول إلى الله بالمعرفة الحق ما بين الهند إلى طشقند، وأخذ يذكر فضل المشايخ عليه لمساعدتهم له ولهدايته إلى طريق الحق بالأدلة القرآنية، والشواهد العلمية إلى جانب الأدلة العقلية، وأخيراً أوصى الشيخ الموزون تلميذه حيران أن ينشر بين الناس قصة الإيمان بلسان الفلسفة والعلم والقرآن لعل الله يشرح بها للإيمان صدور الحيارى ويصلح بالهم ويهدي من يشاء منهم.

بقلم إبراهيم إسماعيل

مسلسل المسيح.. هكذا احتفلت نتفليكس بالعام الجديد

أطلت علينا شبكة نتفليكس في أول أيام العام الميلادي الجديد بمسلسل “المسيح”. والذي تدور قصته حول شخص يظهر في دمشق مدعيًا أنه “المسيح”، فيقود جموعًا من السوريين-الفلسطينيين من مخيم اليرموك إلى الحدود “الإسرائيلية”، وتتجه إليه أنظار العالم، مع تخوفات أمريكية من أن يكون “البغدادي الجديد”.

وتستمر القصة بأن تلقي القوات “الإسرائيلية” القبض عليه حين حاول تجاوز الحدود، ورغم ذلك يظهر هذا “المسيح” بعدها عند قبة الصخرة متسببًا بانتفاضة فلسطينية جديدة، ثم يظهر في ولاية تكساس الأمريكية ومنها يتجه إلى العاصمة واشنطن، وسط ردّات فعلٍ متباينة محليًا وعالميًا، فمن يكون هذا الشخص وما هدفه وماذا يمثِّل؟

أول ما يلفت الانتباه في هذا المسلسل أنه ورغم أنه من إنتاجٍ أمريكي، إلا أنه عرض المسيح من منظور إسلامي، فمنذ بداية المسلسل يتم التعامل مع هذا الذي يدعي أنه المسيح على أنه عربي مسلم، وغالبا ما كانت تتم مناداته بـ”المسيح” (Al-Masseih) أي باللفظ العربي للكلمة، إلى أن يتم سؤاله عن دينه فيجيب أنه “يدعم البشر كلهم”. ومن هذا السؤال لننتقل ونرى نظرة المسلسل لمفهوم الدين:

الدين في مسلسل “المسيح”

أحد من كانوا ينتظرون رؤية المسيح

لم يقتصر أتباع هذا “المسيح” على أصحاب الديانات الإبراهيمية والتي تؤمن بعودة المخلص في آخر الزمان، بل شمل شتى الطوائف والجماعات كالبوذيين مثلًا، دلالة على أن شخصية “المسيح” هنا تمثل الدين عمومًا. والخطاب الذي تبناه هذا “المسيح” كان خطاب المساواة بين الأديان ووحدتها وكذلك وحدة البشر، فهم كلهم سواء أيًا كان معتقدهم وأيًا كانت تصرفاتهم، لا يحق لك أن تكفر أحدًا منهم أو أن “تبني افتراضات عن الله”. هذا الخطاب وإن بدا مغلفًا بالتسامح، ما هو إلا إلغاء لمفهوم الدين من أساسه، حيث يتساوى الموحد لله مع من يعتقد بأن لله ولد، مع من يقدس البقر!

ولم يكتفِ المسلسل بالحديث عن الديانات عمومًا، بل قدم تصوره عن كل دين من الديانات الإبراهيمية؛ فقدم الصورة الإعلامية المشوهة المعهودة عن المسلمين، حيث الغلظة في التعامل والتركيز على آيات الجهاد والتقليل من شأن المرأة ومنع قراءة أي كتاب غير القرآن واستخدام الأحزمة الناسفة، وغير ذلك من الصور النمطية المستهلكة.

كذلك صورة العائلة المتدينة المسيحية لم تخلُ من الإساءة، فعائلة القِس مفككة فيها الابنة مدمنة والزوجة غير مؤمنة، مع الإشارة إلى ظلم التعاليم المسيحية التي تحرّم الإجهاض وكيف كان من الممكن أن تدمر هذه التعاليم حياة الابنة. كما وتم الإشارة بشكل خاطف إلى المكاسب المادية التي يجنيها رجال الدين، وهذا من خلال الهدايا التي تلقاها القِس.

العائلة المتدينة الوحيدة التي عاشت بسعادة، كانت العائلة اليهودية، وكذلك من قادت التحقيق وأعملت عقلها واكتشفت هوية هذا “المسيح”، كانت أيضًا عميلة CIA يهودية. فماذا كانت هويته؟

من ادعى أنه المسيح كان مجرد لاعب خفة إيراني محترف مدعوم من روسيا لخلق تشويش ممنهج في المجتمع، وهناك اشتباه بأنه يعاني من أمراض نفسية وأوهام جعلته يظن نفسه المسيح. أي أن هذا “المسيح” كان مجرد خدعة، وحيث أن شخصيته تمثل مفهوم الدين ككل، فإن المسلسل يريد أن يقول بأن الدين كله مجرد خدعة. وما يؤكد هذا أن عميلة الـ CIA اليهودية قالت إن السيد المسيح عيسى (عليه السلام) “كان أيضًا مجرد سياسي شعبوي يضمر الضغينة للإمبراطورية الرومانية ويقوم بخدع رخيصة لجذب الجمهور”، وهذا ما وُصِف بأنه “كلام شخص يهودي حقيقي”، وهنا تكذيب صريح للدين المسيحي وإشارة إلى أن اليهود لم تنطلِ عليهم الخدعة كغيرهم.

ينتهي الأمر بالقس بأن يحرق الكنيسة وقد كُتِب عليها “إلهٌ زائف”

وبالعودة إلى الخدع وألعاب الخفة، تقول إحدى شخصيات المسلسل أن أفضل لاعب خفة ليس من يخدعك فحسب، بل من يجعلك تشارك في الخدعة، وعلى وقع هذه الكلمات يعرض المسلسل مصير “من انطلت عليهم الخدعة”، كضحايا تفجيرات المساجد، وطفلة مصابة بالسرطان كانت أمها قد أخذتها إلى “المسيح” ليشفيها، فينتهي بها الحال جثة في حضن أمها لأنها تخلفت عن العلاج الكيماوي، وفتاة أخرى كادت تموت لأنها استمعت لكلام المسيح وألقت كلمة أمام الجمهور رغم إصابتها بالصرع.

هذا ولم ينتقد المسلسل المتدينين من عوام المجتمع فحسب، بل أنه انتقد المتدينين من القضاة والسياسيين ورجال الحكم. فبقاء المسيح المزيف داخل الولايات المتحدة واستكماله لخطته التخريبية كان بقرارٍ من قاضٍ يعاني من مرض عضال، فكيف به في آخر أيامه أن يرحِّل المسيح، ويكون مثل هيرودس الأول. وفي المسلسل كذلك، كان رئيس الولايات المتحدة متدينًا وكاد أن يمتثل لطلب المسيح المزيف ويسحب القوات الأمريكية المنتشرة في دول العالم رغم ما قد يؤديه ذلك من توسع روسي.

وبالحديث عن رئيس الدولة والسياسات الخارجية، فإنه من المثير أن المسلسل أقر أكثر من مرة -وعلى لسان شخصيات تمثل الحكومة- بأن الولايات المتحدة ترعى مصالح “إسرائيل”، وهذا ينقلنا إلى الجانب السياسي من المسلسل:

“الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”

في بدايات المسلسل، يتم إطلاق النار على طفلٍ في الحرم القدسي، فيتساءل المشاهد: هل أتى أخيرًا المسلسل الذي سيعرض الحقيقة بلا تشويه؟! لتأتيك الإجابة سريعًا بأن من في الحرم القدسي هم “سيّاح مسلمون”، وأن إطلاق النار -الذي أشعل انتفاضة جديدة- لم يكن سوى خدعة، قام بها ذاك المسيح المزيف.

أما تلك العائلة اليهودية السعيدة -آنفة الذكر-، فكانت عائلة “إسرائيلية” يملؤها الحب، إلى أن تسببت سيارة مفخخة بموت الأم وابنها الصغير، أما الابن الأكبر الذي تشوه جسده فقد كبر وأصبح محققًا في الجيش “الإسرائيلي”، وكانت خطيئته الكبرى التي يندم عليها أشد الندم أنه قتل طفلًا فلسطينيًا، رغم أن هذا الطفل هو ابن الشخص المسؤول عن تفجير السيارة التي أودت بحياة أمه وأخيه الصغير. وقد كان هذا الطفل يعمل في مخبزٍ يصنع المتفجرات بدل الخبز، وبهذه الصورة فلا ضير لو تم قصف الأماكن المدنية والحيوية في فلسطين.

أما من يدافعون عن حق الشعب الفلسطيني بأن يتم الاعتراف به فحسب، فهؤلاء أعداءٌ للسلام ويُرَد عليهم بنفس “الخطاب المتسامح” بأن جميع الناس هم شعب واحد.

ما بين السطور

يمكن اكتشاف العديد من الرمزيات والرسائل المبطنة في المسلسل سواء في العبارات التي تقولها الشخصيات أو عناوين الحلقات أو تسلسل المَشاهد؛ رسائل ورمزيات تتعلق باصطفاء الرسل وتيه بني إسرائيل والأوبئة التي ضربت مصر -المذكورة في سفر الخروج- وغير ذلك الكثير، وسنكتفي هنا بذكر بعض هذه الرسائل:

◘ في المشهد الختامي للمسلسل، تسقط الطائرة التي تُقل المسيح المزيف، في حقلٍ من الزهور، ويأتي ولدٌ عربي يرعى الغنم معروفٌ بكذبه ليخبر اثنين ممن كانوا على متن الطائرة بأنهما كانا أمواتًا وأن هذا الشخص -أي المسيح المزيف- أحياهم، وهنا تأكيدٌ على رسالة المسلسل بأن الدين محض كذب، كما قد يرمز حقل الزهور إلى الجنة، فيكون في المشهد إنكارٌ للحياة الآخرة، وكذلك قد يرمز الولد إلى النبي محمد ﷺ، في تكذيبٍ لرسالة الإسلام.

◘ إحدى الشخصيات الثانوية في المسلسل، شاب جامعي أمريكي اعتاد أن يدرس في المكتبة بانتظام، يشاهد هذا الشاب ما حل من فوضى وما يعانيه شباب الجامعة من ضياع “بعد عودة المسيح”، فيقرأ النسخة الإنجليزية من القرآن، وعندما يلتقي صدفةً بالمسيح المزيف، ينعته بـ “المسيح الدجال” [باللغة العربية]. بعد ذلك، هذا الشاب الجامعي المجتهد يحرق أوراقه الجامعية وكتبه -ومنها كتاب صدام الحضارات-، أي أن خرافة المسيح الدجال عند المسلمين هي ما دعت هذا الطالب الجامعي -غير المسلم- إلى إحراق كتبه بدل محاولة اكتشاف الخدعة. وفي النهاية لم يعد الشاب الجامعي يذهب إلى المكتبة، مع التركيز على اقتباس مكتوب في المكتبة يُنسب لأوبرا: “أنت تصبح ما تؤمن به” بمعنى أن ما آمن به الشاب الجامعي قاده إلى ترك المكتبة.

◘ أحد المحققين الأمريكيين كان كاثوليكي شاذ، وبعد أن يستمع لكلام المسيح حول ضرورة الصدق مع النفس، وأن الرب يحبك كيفما كنت؛ يصدق المحقق الأمريكي الشاذ المسيح، ويتصل بـ “حبيبه” القديم ليخبره بأنه سئم من الكذب على نفسه؛ في دعوة إلى التعبير عن الذات وإشارة لما يعانيه الشواذ من ضغوطات كما هو معهود من شبكة نتفليكس.

◘ خلال خطاب المسيح المزيف في واشنطن عن ضرورة تجرد الناس وتحليهم بالشجاعة ليكتشفوا ذواتهم ورؤية حقيقتهم ومن ثم سيره على الماء بعد ذلك؛ تخيلَ أحد السوريين-الفلسطينيين أن هذا “المسيح” يساعده على النهوض، فينهض ويتجرد من ملابسه ويسير عاريًا باتجاه الحدود “الإسرائيلية” فيُسمح له بالدخول. وهنا تم الربط بين التجرد المجازي والتعري الفعلي. ويظهر هذا بشكل أوضح حينما يخبر المسيح المزيف أحد الشخصيات بأن تتجرد من أعبائها وما يٌشعرها بالخزي، فتظهر الشخصية بعدها وهي تسبح، قبل أن تذهب وتبوح بسرٍ كانت تخفيه وتخجل منه. وهذا ينسجم مع أحد رسائل المسلسل بأن تعبّر عن ذاتك وتفعل ما تشاء، فالله يحبك كيفما كنت.

◘ بما أن المسيح المزيف كان جزءًا من مخطط تخريبي لخلق التشويش الممنهج في المجتمع، فالمسلسل يدافع ضمنيًا عن كل القضايا التي انتقدها المسيح المزيف في المجتمع الأمريكي، كالانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، وكذلك تقديس المال وتقديس المرأة لعملها.

◘ أشد أتباع المسيح المزيف ولاءً له وأكثر من انطلت عليه خدعة “المسيح” كان شخصًا سمع المسيح يقول آية قرآنية، فتذكر والدته التي كانت تقول له نفس الآية وهو صغير. وأما المسلم المتشدد الذي لف حزامًا ناسفًا حول شابٍ صغير وقام بتفجير مسجد، فكان مدرسًا في مدرسة. وهنا يرسم المسلسل صورة مشوهة عن التربية الدينية -الإسلامية على وجه التحديد-.

الخلاصة

سأقتبس من المسلسل ما قالته إحدى الشخصيات حول كتاب صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون: “عليك أن تتذكر فقط أنه كان على حق، تنبأ “هنتنجتون” بأن المحور الأساسي للصراع العالمي بعد الحرب الباردة سيكون صراعًا على الحدود الثقافية والدينية، وهذا ما يحدث بالضبط في سياسة العالم حاليًا”.

هذا ما تدركه شبكة نتفليكس جيدًا، وإن بدا أنها تتعمد إثارة الجدل كأسلوبٍ رخيص للشهرة والانتشار، إلا أن الانتشار قد لا يكون كل شيء. فهذه الأساليب الرخيصة تضع حدود ما يمكن بثه في الإعلام “الترفيهي” ككل، وبالتالي التطبيع مع كل ما قد يسيء للدين، ويمس المعتقدات والقيم.

ولم يكن مسلسل “المسيح” هو بداية الاحتفال بالأعياد عند نتفليكس هذه السنة، حيث عرضت قبله بفترة وجيزة فيلمًا “كوميديًا” قصيرًا من إنتاجها، فيه المسيح شاذ جنسيًا، ومريم العذراء تدخن الحشيش، وفيه ما لا يمكن ذكره من تجسيد وإساءة للذات الإلهية. والأمر لم يقتصر على رموز الديانة المسيحية، بل تعداه ليشمل استهزاءً صريحًا بالإله ليس فقط في الديانات الكبرى كالإسلام والهندوسية والبوذية، بل شمل ديانات كالراستافارية وغيرها.

فيلم كهذا لن يكون كوميديًا سوى لملحدين؛ فقد تم تجاوز مرحلة تشويه الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى تشويه مفهوم الدين ككل؛ يبدو أن الصراع بين الإنسان من جهة والشيطان وأعوانه من جهة أخرى، بات أوضح من أي وقتٍ مضى.

هذا أمر مرعب، فهو تهديد لنجاح الإنسان في الاختبار الذي خُلِق لأجله. وبالمقابل ما زال همنا الأول هو “الترفيه”، لاهثين وراء المزيد من الاستهلاك والاستعراض، غارقين في التفاهات والسخافات، فاقدين للبوصلة، زاهدين في الآخرة غافلين عنها.

بقلم: هادي صلاحات

الخلاف في حكم الموسيقى والغناء (الجزء الثاني)

بعد عرض الفرق بين حكم السماع والاستماع، وإثر عرض مقدمات فقهيّة مهمة في فهم النظرة الاستدلاليّة المتعلقة باستنباط الأحكام الشرعيّة، نتوقف في هذا المقال –دون استفاضة- عند مذهبين رئيسيَّين في حكم الموسيقى والغناء، بين الإباحة والتحريم.

أوَّلًا: أدلة مذهب حرمة الموسيقى:

تردّدت الأقوال في مذهب المحرّمين بين التحريم الشامل لسماع كل ما يصدر عن الآلات الموسيقية، وبين التحريم الجزئي الذي يبيح بعض الآلات ويحرّم أخرى، وبين من يفرّق في حكم الغناء مع الموسيقى، والغناء بلا موسيقى.

والذي يعنينا هنا تتبُّع المسألة في أصلها من حيث التحريم المطلق حيث إن إثباته إثباتٌ لحرمتها في سائر المواقف، كما أن إباحتها المطلقة إباحة لها في سائر المواقف إلا فيما قيّده الشارع.

من هنا فإن الأدلة التي حرّمت الموسيقى تعود إلى أربعة أنواع:

1- أدلة صريحة في التحريم وإفادته، إلا أنها غير صحيحة من جهة النقل.

2- أدلةٌ صحيحة من جهة النقل، إلا أنها غير صريحة في إفادة التحريم.

3- آراء تحرّم المعازف والغناء أو المعازف وحدها باعتمادها على دعوى الإجماع.

4- أدلة أخرى كأقوال الصحابة والتابعين وغير ذلك.

الأدلة القرآنية:

استدل المحرمون بخمس آيات من القرآن هي:

{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} الإسراء: 64.

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين} لقمان: 6.

{ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}أنفال: 35.

{ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان: 72.

{ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ61} النجم: 61

هذه الآيات الخمس ذكر فيها الفقهاء والمفسرون أدلة على تحريم الموسيقى، فالصوت في الآية الأولى هو صوت الشيطان التي هي آلات المعازف والغناء، وهناك أقوال كثيرة للمفسرين تؤيد هذا التأويل[1]، وقد فسروا “اللهو” في الآية الثانية بأنه الطبلُ، أو الغناء[2]، وهذا التخصيص لا يمكن أن يكون بأقوال الصحابة أو الفقهاء، بل لا بد للتخصيص من نصٍّ مثله، كما أن أصل اللهو في العربية يعني الانشغال، ولا يوجد فيه حرمة إلا ما كان لهوًا بباطل فيحرم الباطل،

وعليه فإن اللهو إن سبّب ترك الواجب فهو محرّم، وكلّ لهو يسبب الحرام فهو محرّم، هذا من حيث الأصول

أما اللهو في الآية فقد قيّدته بلهو الحديث، فيدخل فيه الغيبة والنميمة، والخرافات والأساطير وغير ذلك، وبذلك فإن الاستدلال بهذه الآية على حرمة الموسيقى استدلال في غير موضع المسألة فلا تصح أن تكون دليلاً في تحريمها.

أما الآية الثالثة فقد عاب الله فيها على المشركين صفيرهم وتصفيقهم في حضرة البيت الحرام، ومن باب أولى أن يكون آلات المعازف أشدّ في أصواتها فهي أولى بالعيب[3]

والصحيح أن العرب في الجاهلية كانوا يتعبدون إلى الله بهذه الأفعال، فكان فعلهم معيبا من جهة أنهم يتعبدون لله بما لا تعبُّد فيه بل بما يتّخذ لهوًا ولعبًا.

أما الآية الرابعة فقد فسروا عدم شهود الزور، بأنه البعد عن الغناء، فلا يسمعون الغناء لما فيه من الباطل[4]،  والحق أن هذا التفسير بمختلف إسناداته ليس قويًّا، كما أن هناك تفسيرات أخرى تفسر الزور بالشرك، وهو أولى من الغناء وأشد حرمة، كما أن القرآن نفسه قال: {واجتنبوا قول الزور} وهذا تفسير للقرآن بالقرآن، حيث يقصد به هنا الكذب، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: “القول بأنه الكذب هو الصحيح، لأن كل ذلك يرجع إلى الكذب” و”أما القول بأنه الغناء فليس ينتهي به إلى هذا الحد”[5].

أما الاستدلال في الآية الأخيرة على أن “السمد” هو الغناء بالحميرية[6] إلا أن مقصد الآية أكبر من مطلق الغناء، حيث كان مشركو قريش حين يسمعون القرآن يغنون ويلعبون، فكانت الآية ذمًّا للمشركين لا دليل فيها على تحريم القرآن. وعليه فإن الآية الأولى حرّمت كل ما يدعو إلى معصية الله، أما الثانية فحرّمت كل ما يضلُّ عن سبيل الله من لهو الحديث، أما الآيات الباقية فكلّ واحدة منها تدل على شيء بعينه، ولذا فإن اتخاذ هذه الآيات في تحريم الموسيقى والغناء بل هو تكلّف وخروج عن أصل الإباحة بلا دليل.

الأدلة من السنّة:

يعنينا في هذا القسم الأحاديث التي حرّمت المعازف والغناء باللفظ قطعًا، إضافة إلى الأحاديث التي حرمتها ظنًّا.

في النوع الأول نجد ثمانية أحاديث:

1- “لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقْوامٌ إلى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عليهم بسارِحَةٍ لهمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفقِيرَ- لِحاجَةٍ فيَقولونَ: ارْجِعْ إلَيْنا غَدًا، فيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ إلى يَومِ القِيامَةِ.” [أخرجه البخاري]. هذا الحديث خبر، ولا ريب أنه قد يدل على حكم، إلا أنه لا يفيد الحكم بذاته، وإنما يثبت الحكم بدليل آخر، فالمستحَلُّ والمحرّم ههنا يعلَم بنصٍّ من الشرع. وغاية ما يمكن للمستدِل بهذا الحديث أن يثبته هو علامة وجود التحريم في هذه المذكورات، لا أنه الدليل عليها، فيكون الاستدلال به على التحريم خطأ.

ولفظة “يستحلّون” ترد في استباحة الحرام والمباح على حدٍّ سواء كما في حديث “فما وجدناه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّمناه” واستحلال الخمر هنا والربا والزنا ولبس الحرير للرجال استحلال لما عُلِم حرمته قطعًا، ولكن بدليله القطعي المنفصل عن هذا الحديث لا به.

وذكر المعازف فيه، واقترانها بمحرمات لا يثبت تحريمه على سبيل القطعِ، فالحرير لا يشبه في حرمته الزنا، وكذلك لا تشبه الخمر الربا، وقد عُلِم حرمة كلّ شيءٍ منها بدليله القطعي، ولا دليل على حرمة الموسيقى قطعًا، والعقوبة الواردة ههنا فهي واردة على جميع المذكورات وليس على واحدة منها، لأن المجموع يكون شعارًا لقوم يستوجبون سخط الله فيغضب عليهم، وليس الحديثُ في أصله واردٌ في بيان حكم كلِّ واحدة منها، وإنما لبيان حال قومٍ ممّن استوجبوا غضب الله، بل إن خلاصة ما يمكن الاستدلال به من خلال هذا الحديث هو أن الأصوات الداعية إلى معصية الله، وتوافق حال الزناة وشاربي الخمر، أنها تحرّم معها لا بذاتها، وهذا يعني أن لكل حال حكمٌ بحسبه.

ولمّا كان في أصل الموسيقى الإباحة، إلا أنها اقترنت بالمعاصي الأخرى، فقد تحوّل الحكم إلى ما وُضِعت فيه فحرّمت فيه لاقترانها به، لا لحرمتها الذاتيّة، فلو امتنع ذلك الاقتران لبقيت على أصل إباحتها[7]، وليس المقصود تحريم ذات الأصوات الصادرة عن الموسيقى، وإنما عملُ العزفِ مع التشويق للمنكَر، إذ لا حديث يحرم أصوات الموسيقى بشكل مستقل البتة، حيث تثبت الأدلة وجود المعازف عموماً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إضافة على استعمالها في مناسبات مختلفة، إلا أن الإنكار الوارد في بعض منها كان لحالات خاصة كرفض النبي لقول وارد مع العزف، وليس ثمة حديث صحيح واحد صريح في التحريم بحيث لا يقبل التأويل في تحريم المعازف[8].

2- وثمة سبع أحاديث أخرى تدور حول ذات المنظور في الحديث السابق[9]، فهي متعلّقة عموما بمتعلّق لتحريم الموسيقى، وليست محرّمة للموسيقى بذاتها والغناء، بل إن النظر فيها والتمحيص يثبت انعدام وجود نصّ واحد ثابتٍ يدلّ على تحريمها، وعليه فإنه يجب الالتزام في حكم الأصل، وهو الإباحة[10].

الأدلة من الإجماع:

يشير كثير من الفقهاء في تحريم الموسيقى والسماع لها إلى استنادها على الإجماع، إلا أنه معلوم أن الاحتجاج بالإجماع بحد ذاته يحتاج إلى إثباتات كثيرة لسنا في معرض ذكرها، إلا أنه يجب التنبه لها، إضافة إلى بحث مسألة وقوع الإجماع حقيقةً في تحريم الموسيقى، وإذا بطل أحد هاتين المسألتين فإن دعوى التحريم بالإجماع تسقط[11].

والمسألة الأولى يمكن نقدها بأنه لا يمكن التسليم بوقوع الإجماع على تحريم شيءٍ ما في عهد التشريع النبوي ولا يوجدُ نصٌّ صريح من النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن في التحريم، بل إن الأصل أن يكون النص، وعدمُ وجود النصّ دليل على عدم وجود التحريم.

ثانيًا، إن الإجماع عند التحقيق لم يتحقق بين العلماء بشكل كامل إلا فيما عُلِم من الدين بالضرورة، مثل حرمة القتل وحرمة الزنا، فهذا إجماع صحيح يكفر منكره، أما إنكار الإجماع الذي لم يستند على نص يثبتُ معلوماً بالضرورة، فليس فيه خروج عن جماعة المسلمين، فكيف يمكن ادّعاء الإجماع في مسألة لم يرد فيها نصٌّ قطعيّ صريح في التحريم؟

أما الإجماع السكوتي الذي يعني اشتهار القول بالتحريم مع سكوت المخالف، فإن الأصل أنه لا يحتج به، ولا يصحّ في الفقه الطعن في دين المخالف للإجماع السكوتي[12].

وقد أنكر عدد من العلماء وجود الإجماع في هذه المسألة مثل ابن حزم، كما صنف القاضي محمد بن علي الشوكاني كتابًا سماه “إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع”، مما يثبت أن إثبات الإجماع في هذه المسألة متعذر دون الاستناد إلى دليل صريح وقطعيٍّ في التحريم.

كما أن كثيرًا من السلف كان يبيح الترنّم والغناء بلا آلة في ست آثارٍ صحيحة عن الصحابة[13]، إضافة إلى آثار أخرى صحيحة ومشهورة عن سماع بعض السلف للغناء مع المعازف، كما ورد عن عبد الله بن جعفر وهو من كبار فقهاء المدينة، حيث كان يسمع للغناء من بعض جواريه وهن يعزفن[14].

مذاهب الفقهاء في آلات العزف

يرى جمهور الفقهاء أن الأئمة الأربعة في حال أباحوا العزف فإنهم يقصدون “الدف” والطبل في أحوال خاصة، ولا ينسبون لأحد منهم إباحة المعازف بإطلاقها، بل ينقلون عنهم أقوالا توحي بحصر الخيار بين الحرمة والكراهة، إلا أنه بعد الاطلاع على مقولات الأئمة في هذه المسائل فإن حاصل ما يمكن فهمه منها هو:

1- أن قول أبي حنيفة لا يتجاوز كراهته التنزيهيّة للموسيقى ولا يؤثَر عنه قول صريح في حرمتها.

2- قول الإمام مالك: ليس فيه نص على التحريم وإنما تدل عباراته على الكراهة.

3- شدّد الشافعي على بعض الآلات الموسيقية مثل الطنبور والمزمار، ولم يصرّح بتحريم الموسيقى والغناء، وإنما كره الإغراق واللهو فيه، وأباح يسيرَ الدفّ دون كراهة.

4- مجموع أقوال الإمام أحمد تذهب إلى التحريم، ويذهب حتى إلى كراهة الغناء[15].

ثانيًا: أدلة مذهب إباحة الموسيقى والغناء

استدلّ أصحاب هذا الرأي بأدلة عامّة تعتمد الأصل المعترف به في الأشياء، وهو ما يعرف بالاستصحاب، فأصل الأصوات إباحتها، ولذا لا يمكن تحريمها إلا بدليل، وذلك استصحابًا لأساس الإباحة المرتبط بها، إضافة إلى ذلك فقد توقفوا عند عدة قضايا تدخل في مناط حكم الموسيقى، منها أنّ:

1- الأصوات الموزونة حسنةٌ لدى السمع سواء خرجت من آلة أو إنسان أو حيوان، وتحب النفوس سماعها، ولا حرمة في هذا بحد ذاته.

2- المعازف لاحقة بباب العادات لا العبادات، وقد قُرر في الأصول: أن “الأصل في العادات الإباحة ما لم يرد ناقلٌ ينقلها عن حكمها إلى حكم آخر”.

3- ما استدِلّ به من نصوص على تحريم المعازف والضرب عليها ضعيف إما نقلاً وإما في عدم دلالته القطعية والصريحة على التحريم.

4- التفريق بين المعازف كتحريمها كلها لا يصحّ دون ورود دليل قاطع يحرمه، وإباحة بعضها بدليل صريح لا يوجب حرمة الآخر، إلا التصريح شرطٌ في التحريم.

ومن ثمَّ فإنّه بناء على هذه القواعد فإن الأصل في حكم الموسيقى إباحتها ولو على وجه اللهو كأن يعزف ليدخل المرء على نفسه السرور والسكينة، إلا أن يرتبط بها ما يؤدي إلى معصية أو يفوّت المرء بها طاعة فحينها يتغير الحكم بتغير الحال.

وقد استدلّ هذا الفريق بأدلة نقليّة كثيرة تؤكد إباحة الموسيقى في الأصالة، من ذلك ما ورد أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، دَخَلَ على عائشة وعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ في أيَّامِ مِنَى تُدَفِّفَانِ، وتَضْرِبَانِ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَغَشٍّ بثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُما أبو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن وجْهِهِ، فَقالَ: دَعْهُما يا أبَا بَكْرٍ، فإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ. (صحيح البخاري) 

وفي رواية أخرى في البخاري:

دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِندِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ علَى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ، ودَخَلَ أبو بَكْرٍ، فانْتَهَرَنِي وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأقْبَلَ عليه رَسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ فقالَ: دَعْهُما، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُما فَخَرَجَتا[16] إضافة إلى أحاديث وآثار أخرى، تفيد بإباحة الموسيقى بذاتها.

والترنّم بالصوت من غير كلام مباح في أصله ولا شيء يدلُّ على حرمته، وقد وردت آثار تأمر الإنسان بتحسين صوته في الأذان والقرآن فينتقل التلحين بالمقامات وأنماط التحسين الموزونة إلى الاستحباب في الطاعات

أما الشعر والغناء به فهو كلام منه حسن ومنه قبيح، وخذ الحسن ودع القبيح كما تقول السيدة عائشة، ويورد  الحسين بن الحسن المعروف بـ أبي عبد الله الحَلِيمي في شرح شعب الإيمان، الآتي: “وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور، أن كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان كلاما نثرا غير منظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورا أحل أن يتكلم به منظوما. وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورا لم يحل أن يستعمل منظوما”[17]. فما يقبح من الكلام يحرم التلفظ به في الغناء أو غيره، وما يحسن لا يحرم التلفظ به في الغناء أو غيره.

وقد وردت أحاديث تدل على ذلك كما في حديث السيدة عائشة المتقدم.

الخلاصة

وفي الخلاصة فإنّ مدار الأمر في هذه القضيّة أنه ثمة خلاف كبيرٌ ومشتَهَرٌ بين العلماء في حكم الغناء بين تحريمه لذاته وبين تحريمه لعارضٍ آخر، كما أنّ كثيرًا من العلماء الذين حرّموا شتى أنواع السماع باتوا اليوم يشيرون إلى الخلاف في جواز السماع لما لا إساءة أو فُحشَ فيه، إذ إنه كلامٌ يحسن بمعناه أو يسوءُ به، إضافة إلى أن التساهل في الغناءِ والموسيقى لا تعني إباحة ما يُرى من أغانٍ هابطةٍ تتعرّى الأجسادُ فيها وتصمّ الآذان فيها صخب الموسيقى المرتبطةِ بكلماتها ورقصات الممثلين فيها، بل هي على النقيض من ذلك، تنطبق عليها فتاوى المتشددين في تحريم السماع إليها والتمايل معها. وبالمثل من ذلك فإن الموسيقى بحدّ ذاتها تتعرّض لأحكام مختلفة بحسب الموقع والزمان والعوارض المحيطة بها، فلا يمكن وصف الموسيقى بالإباحة التامّة حين تعزَف أنغامها في مسارح الملاهي الليليَّة وطاولات اللهو والخمر، كما أنه لا يمكن الجزم بحرمتها حين يقصَد بعزفها ترقيق القلب وإثارة كوامن الفكر والاسترخاء، وذلك لاعتبارات كثيرة أهمها، أنه:

1. لا يوجد دليل لا يوجد دليل واحد صحيح وصريح في تحريم المعازف لكونها أصوات تصدر عن آلات، كما لا يحرم آلات العزف لكونها آلات بذاتها، كما لا يوجد دليل واحد صحيح وصريح في تحريم الغناء لذاته.

2. وأنّ كل ما ورد من النصوص حول الموسيقى فهي إما:
• صحيحة لكن لا دلالة فيها على التحريم، بل قد تفيد الإباحة، ويعضد ذلك ما ورد من آثار تفيد بوجود السماع في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
• أو أنها غير صحيحة وهذا مما لا يحتج به في بناء الأحكام القطعية.

3. إضافة إلى التوقّف عند كون حكم الإباحة عامًّا في السماع والإسماع، سواء في المناسبات أو التداوي أو إراحة النفس، والتنبّه إلى حرمة الاستماع والإسماع في مواطن اللهو وتداوُل الفحشاء.

4. قد ينتقل حكم الموسيقى والغناء عن الإباحة إلى حكم آخر كالاستحباب في إشهار النكاح، أو الكراهة في حال سبّب الاشتغال بالموسيقى ضياع السنن والمستحبات والمصالح الراجحة، والتحريم حين يشتمل الغناء على قول ممنوع بذاته كالكفر و رفض القدر، وغير ذلك مما يحرم تلفظه لذاته، أو استعمل في معصية الله والدعوة لها، كالغناء بالتشويق للخمر والترويج للزنا، وإشاعة مجالس الفسق، وكل ما من شانه إشاعة الشهوة الحرام .

ومن ثمّ فإنه لا يمكن الجزم بحرمة الموسيقى إزاء ما تقدّم من أدلّة تقوّي أصالة إباحتها، وإنّ ما يعتري الموسيقى من أحوال خارجةٍ عنها مرتبط بهذه الأحوال ذاتها لا بحكم الموسيقى المحض. والله أعلم.

بقلم عرابي عبد الحي عرابي


الهوامش

[1] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura17-aya64.html

[2] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura17-aya64.html

[3] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura8-aya35.html

[4] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura25-aya72.html

[5] أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، (3/ 1432)

[6] http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura53-aya61.html

[7] الجديع، ص: 87- إلى 102.

[8] المصدر السابق: 95- 101.

[9] ذكرها المصدر السابق ودرسها واحدًا واحدًا باستفاضة، ينظر: 102- 135.

[10] ينظر السابق، 135.

[11] المصدر السابق، 136.

[12] المصدر السابق، 137.

[13] السابق، 164- 167

[14] المصدر السابق، 170- 172.

[15] ينظر المصدر السابق: 197 – 214. وقد اعتمد المؤلف على بدائع الصنائع للكاساني/ و الهداية للمرغيناني- والسير الكبير للشيباني من فقهاء الحنفية، واعتمد على البيان والتحصيل لابن رشد، والمقدمات والممهدات، والتمهيد لابن عبد البر، في حكاية مذهب الإمام مالك، أما الشافعية فقد اعتمد على كتاب الأم للشافعي، ومختصر المزني، وروضة الطالبين للنووي، أما رأي الإمام أحمد فقد اعتمده من كتب الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلّال، والورَع لأبي بكر المروذي، والمغني لابن قدامة الحنبلي.

[16] ينظر المصدر السابق، 220-221.

[17] ينظر المنهاج في شعب الإيمان، دار الفكر، ط1، 1979 م ، أبو عبد الله الحليمي، ج3/ 20، ويقارن بالموسيقى والغناء في الميزان ص: 237.

[18] ينظر الموسيقى والغناء في الميزان، ص253- 254.

الخلاف في حكم الموسيقى والغناء (الجزء الأول)

“أغلق هذا البرنامج ففيه موسيقى”، “لا تشاهد برامج هذه القناة على يوتيوب”، “لا أستطيع نشر هذا الفيديو مع أنه مفيد بسبب الموسيقى في الخلفية”، “إيّاك أن تحدِّث فلانًا، فهو يستمع إلى الموسيقى ويبيحها”، جمل كثيرة -من هذا القبيل- يعترض بها من يحرّمون قبول أي مادة تحتوي أصوات آلات موسيقيّة تحت أي ظرف.

تستهدِف هذه المقالة الوقوف عند هذه القضيّة –حكم الموسيقى والاستماع لها- والبحث في خلفيّاتها الدينيّة والشرعيّة، لتبيين مقدّمات مهمّة ونتائج حُكميّة مبنيّة عليها، نظرًا لما يعتري هذه القضيّة من تشابك في الآراء وتراشق في الاتهامات تجاه محرميها ومحلّيها.

التمييز بين السماع والاستماع
تشير الزيادة اللغوية في الاستماع إلى وجود القصد والنية، بينما لا توحي مادة “سماع” بالنيّة والقصد[1]، ومن ثمّ فقد تنبّه الفقهاء في خضمّ الخلاف حول حكم الموسيقى إلى أنه لا بدّ من الوقوف عند قضيّة القصد للاستماع وعدم القصد إليه، وهو ما يعرف في أبواب الفقه بالفرق بين السماع والاستماع، حيث لا يحرّج محرّمو الموسيقى على المرء أن يتعرّض دون قصدٍ منه لسماع بعض الأصوات الموسيقيّة، وينصبُّ تحريمهم واستدلالهم على إثبات حرمة العزف والقصد لاستماع هذه الآلات، فالاستماع يتضمّن الإصغاء وبالتالي فإنه يتضمّن القصد لسماع الموسيقى والغناء، وهنا يتفق محرّمو السماع إلى الموسيقى على حرمة هذا الفعل والاستمرار فيه، وذلك بناءً على تخصيص النهي الوارد في أحاديث الموسيقى على أنها مخصوصة بالاستماع لا السماع، فلو مرَّ رجل بقوم يتكلّمون بكلام محرَّم: لم يجب عليه سدّ أذنيه –بتعبير الإمام ابن تيميّة رحمه الله- إلا أن عليه أن لا يستمع إليهم من غير حاجة، ويعلّل الإمام بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يأمر ابن عمر –رضي الله عنه- بسدِّ أذنيه حين سمع زمّارة الراعي؛ لأنه لم يكن مستمعاً، بل سامعاً[2].

ويمكن إيراد نصٍّ ههنا لابن قيم الجوزيّة يفرّق فيه بين السامع والمستمع، فالسامع بتعريفه هو “الذي يصل الصوت إلى مسامعه دون قصد إليه، والمستمع المصغي بسمعه إليه، والأول غير مذموم فيما يذمّ استماعه ولا ممدوح فيما يمدح استماعه”[3].

وبناء على هذا نجد فتوى مهمّة للجنة الإفتاء الدائمة بالسعودية في عهود سابقةٍ تشير إلى الفرق بين الأمرين ولا تحرّج على الأوّل، حيث عرّفت السماع بأنه ما يَرِد إلى السمع من غير الشخص نفسه كالموسيقى في المواصلات العامة وفي الطائرة ومن بيوت الجيران أو من المارّ في الطريق أو من الهاتف حين الاتصال بالاستعلامات أو ببعض الشركات والخطوط الجوية للحجز، وأمّا ما يكون منه أو من الأجهزة التي تحت تصرفه: فإنه الاستماع ولاشكّ؛ والسماع للمنكر الذي يصدر من الغير ولا يمكن إيقافه فإنه لا يلزم سد الأذنين عنه، وأما ما يصدر من الشخص ذاته فيحرم عليه استماعه، فظهر الفرق بينهما[4].

حكم الموسيقى
في هذا المعرض –قبل البَدء بمدارسة آراء الفقهاء حول الاستماع- ثمة أمور يجب التنبه إليها أثناء البحث عن أي حكم فيه تعبُّدٌ ربّاني، بمعنى أنه مطلوبٌ إلهي بالأمر أو النهي والحل والحرمة، وقضيّة الموسيقى داخلة في هذا الوصف، وهو ما نراه من خلال الأحكام التي يطلقها الفقهاء والأكاديميون المتخصصون في الدراسات الشرعية حول “تحريم الموسيقى، أو إباحتها، أو حلّها”.

وهنا يجب التأكيد على أن الأحكام الشرعيّة لا تثبت إلا بـ “النص القطعي الصريحِ من الكتاب والسنة”، أو من خلال “الاجتهاد فيما ورد به النص من الكتاب والسنة”، ولذلك فإن العلماء يبنون مذاهبهم الفقهية بناءً على رأيهم في النصوص التي وردت إليهم، وإصابتهم الحق أو خطؤهم عائدٌ إلى صحة الاستدلال والفهم، ولذلك تكون الآراء الفقهية متساوية في درجتها المذهبية فيمكن لأحد أن يقول بها اليوم ثم يرجع عنها فيما بعد بسبب ظهور علة في الدليل أو دليل آخر في ذات المسألة.

ولذلك لا بدّ من التنبيه إلى أن الحكم الفقهي يؤخذ من موردين:

1- ثبوت النقل في الدليل النصي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

2- صحّة دلالة النصّ على الحكم المبيّن أو المستدَلّ عليه.

هاتان المقدمتان أساسٌ في تصحيح البرهان والدليل الفقهي أو رفضه، وهذا ما سنحرص على التأكُّد منه في خطواتنا الآتية.

أولاً: تعريفات لا بد منها:

اعتنى الفقهاء في القرون السابقة بمبحث الغناء والموسيقى تحت مصطلح “السماع” وذلك اختصارًا للمسألة. 

تعريف الغناء: هو الصوت الذي يُطرَّب به[5]، وقد يطلق به على صوت الحمام، أو صوت الإنسان الملحّن، ومنه الترنّم أي تطريب الصوت[6].

يقول عبد الله يوسف الجديع في كتابه “الموسيقى والغناء في الميزان”: “والحاصل أن الغناء صوتٌ يوالى به مرة بعد مرة بتلحين وتطريب، ولذا تسمّى أصوات الموسيقى غناء وآلاتها آلات الغناء”[7].

وهناك أسماء أخرى لهذا الفعل لا طائل من ذكرها وتفصيلها، مثل الهزج، والسناد، والنصب.. إلخ، وهو مرتبط بنوع الغناء والكلام الذي فيه.

الموسيقى: هي لفظٌ يطلق على فنون العزف على آلات الطرب، والأصل في العزف هو “الابتعاد” و”الانصراف” عن الشيء، فيقال: عزفتُ عن الأمر، أي تركته[8]. كما يطلق على الصوت، فيقال عزف الرياح، عزف الدفّ[9]. ويطلق على آلات الموسيقى “المعازف” أو الملاهي، سواءً كانت آلات وترية أو آلات هوائية “نفخية” أو آلات الضرب كالطبل والدف[10] .

ثانيًا: مقدمات فقهية:

هناك قواعد عامة مهمة في الأبحاث الفقهية من أهمها الآتي:

1- الأصل في الحلال والحرام التوقُّف فيه على ما جاء به النص البيّن في كتاب الله وسنة نبيِّه، ومن ذلك الاستدلال بآية “قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ “[يونس: 59].

2- أصل النظر والتعامل في الموسيقى والغناء على أنها قضيّة عاديّة لا تعبُّدية، والأصل في القضايا العاديّة الإباحة والحل. وهذا التعليل يستند إلى عدة أمور، أولها أنها تستند على نص قرآنيٍّ واضح: “خلق لكم ما في الأرض جميعًا” [البقرة: 29]، أما الثاني: فهو دخول الموسيقى في باب الزينة، والأصل في الزينة الإباحة، ويمكن الاعتماد في هذا الأمر على قوله تعالى: ” قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون” [الأعراف 32]، ووجه التعليل هنا هو أن الصوت الحسن الصادر عن الموسيقى والغناء من الجمال الذي ترتاح إليه النفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا”[11]، إضافة إلى أن الموسيقى من أبواب الطيبات، وقد قال تعالى: “قل أحل لكم الطيبات” [المائدة: 87]، وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى أن أصل الطيبات هو الإباحة.

3- لا بد من التنبُّه إلى أن الشريعة بيّنت كل ما فيه ذريعة إلى الحرام، فإذا توفّي النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وثمة باب مفتوح منها، فلا يملك أحد أن يغلقه.

4- لا يحلّ بناء الأحكام على الأحاديث الضعيفة، وهذا أصل مهم يجب إدراكه.

5- يبنى تفسير الأدلة في الدرجة الأولى على النصوص التي توضحها، ويقدّم في هذا الباب تفسير الصحابة اللغويُّ على تفسير من جاء بعدهم.

6- لا يعتَمَدُ في الحكم على منزلة الشخص “صحابي، تابعي، عالم” وإنما يعتبر الحكم بالدليل المبنيّ عليه.

7- تركُ النبيّ لمسألة ما لا يدلُّ على تحريمها، فقد تكون لطبعهِ الشخصيّ أو لكراهةٍ منه لها، ويجب على المسلم اتباع النبي في التركِ بما نصّ على حرمته صراحةً.

8- الإخبار عن الأمور في المستقبل لا يدلُّ على الحرمة، بل قد يرد مورد البيان الذي ستؤول إليه الأحوال، ويحتاج كلُّ حديث فيه إشارة إلى خبرٍ مستقبلي إلى دراسة تبين تفاصيله بالأدلة المجردة لعموم المسألة لا الأحوال الخبرية المنصوص عليها فيه فقط[12].

ثالثًا: أصل حكم الشرع بالأصوات.

إن صوت الموسيقى جزء من الأصوات التي تنتشر في الطبيعة، وطبيعة الصوت بحد ذاته، دون ارتباطه بعوارض أخرى، لا تحرّم بل يجري عليها حكم الإباحة، سواءً كان صوت بشرٍ أو حيوان أو آلة، وبما أن الأصوات الحسنة تؤثر في طباع العقول والأذهان، وتؤثر في المرضى ومزاج البشر بحسب أنواعها، فإن الأصل حلُّه في الشريعة، وذلك اتباعًا لقواعد الفقه وأصوله، فالحكم الأوليُّ في تأصيل كل لذّة أنها على الحلّ ما لم يرِد نصٌّ قرآني أو نبويٌّ صريحٌ في تحريمها[13].

وللحديث بقية في الجزء الثاني بإذن الله.

بقلم عرابي عبد الحي عرابي


الهوامش

[1] ينظر معجم لسان العرب، مادة: سمع. 

[2] ينظر مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، د. ط، 1995، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، (ج 11/ص 630) و  (ج 11/ص 566- 567)

[3] ينظر كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، تحقيق ربيع بن أحمد خلف، بيروت، دار الجيل، ط1، 1992، (ص 270)

[4] ينظر نص الفتوى على موقع الإسلام سؤال وجواب، تحت عنوان: حكم الاستماع إلى الفواصل الموسيقية أثناء نشرة الأخبار أو البرامج الوثائقية، عبر الرابط الآتي: https://bit.ly/2PQbG9J

[5] لسان العرب، مادة “غنا”

[6] لسان العرب، مادة “رنم”

[7] ص 24.

[8] العباب الزاخر، والصحاح في اللغة، ولسان العرب، مادة “عزف”

[9] لسان العرب، مادة “عزف”

[10] ينظر الموسيقى والغناء في الميزان، تفصيلات واسعة في ص: 28-إلى 33.

[11] حديث حسن أخرجه الدارمي، والبيهقي، والحاكم، بأسانيد حسنة.

[12] هذه الضوابط وغيرها فصّلها، د. الجديع، في كتابه الموسيقى والغناء في الميزان، ينظر: 33- إلى 48.

[13] المرجع السابق: 49 إلى 54.

دور اللغة في التغيير

إيمان محمد


بين وابل الترغيب والترهيب الذي ينهال يومياً على الناس، يحذرهم من العذاب أو يحفزهم للجنة، وبين المطويات التي تطبع بمئات الآلاف، والرسائل المطولة التي تُرسل ولا يقرأها المُرسِل ولا المستقبل، يقف جيل الناشئة مشدوهاً أمام الآيات والأحاديث التي تُعرض عليه، وكأنها تُقال بلغة مختلفة مع أنه يفهمها. وكأن الحاجة إلى ترجمان باتت ماسّة اليوم، رغم أن الجيل يفهم الأغاني والمسلسلات بكل لغات العالم، لكنه يقف عاجزاً أمام لغة لم تعد تصل إليه، لأن القيم تتلاشى في زمن صعب، ومعاني المفردات تضيع.

ولأن الكلمات تغدو محصورة ومحاصرة ومضيق عليها في أطر وموضوعات بعينها يريدها الإعلام ويصفّق لها المجتمع ويستجيب، يغدو ضرورياً البحث عن مخرج لأزمة التغييب، كما يغدو واجباً إنسانياً وأخلاقياً وحضارياً إعادة الدين للإنسان، فحياة العبث والاتكاء على فراغ لن تنتج إلا مزيداً من العبثية والوحشية والضياع، وسيغيب الرادع الذي يصنع من الإنسان إنساناً.

أزمة هوية
كثرت الهويات وتناطحت فيما بينها، حتى تلاشى الوجه الحقيقي لهوية المسلم، وبات يأخذ تعريفات ومسميات لهويته من الآخرين، ومهما جد أو اجتهد في تركيب صورة ومعنى لهويته فلن يفلح، لأن الصور المستوردة لن تقدم حقيقة كالصورة النابعة من الصميم.

صورة المسلم باتت مشوهة ما بين معاني الإرهاب ومسمياته المختلطة، وبين سمة داعش ومنهجها التي قدمت أكثر الصور تشويهاً للإسلام، فبات الملاذ الأوحد للمسلم أن يتخلى عن هويته ويرفع هويات الآخرين لعله بذلك يقف على أرضية صلبة. بينما كان بالإمكان إعادة بناء الهوية المنطلقة من الفهم الواعي للقرآن والسنة، وحملها دستور حياة لا مجال فيه للتخلي.

قال تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ” [الأنعام: 162، 163].

أزمة إدراك
هي أزمة إدراك للسبب الحقيقي من الخلق، ومن وجود الإنسان في الحياة، الأمر الذي إن استطاع كل إنسان إدراك حقيقته ومعناه سيتغير مفهوم العبادات من طقوس إلى حياة، وسيؤمن هذا الإنسان بدوره كخليفة في الأرض، فيعبر من خلال إدراكه هذا كل مرحلة بوعي مختلف، ورغبة حقيقية بأن يمضي قدماً للأمام، قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” [البقرة: 30].

أزمة لغة وفهم: فإهمال اللغة وقصرها على جوانب معينة، وترك تداول لغة القرآن، والتهاون في فهم معانيه أدى إلى تراجع ملحوظ في استخدامات اللغة عند الجيل الجديد، كما أدى تدريجياً لفقدان القدرة على التعبير عن النفس، وبالتالي غياب أو انعدام التواصل الصحيح بين البشر، نتيجة عدم الفهم الصحيح.

قال تعالى: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب” [ص: 30].

أزمة تربية وتعليم: إن التهاون في استخدام اللغة، وفي استبدالها بالأدنى، وتهميش أثرها ودورها ضمن جميع المراحل التي يمر بها الإنسان، والمحطات التعليمية والتربوية التي يقف عندها أدى لوجود فجوة واضحة أدت وتؤدي إلى نتائج وخيمة، مما أخلى الساحة لمن يقوم بتأويل الآيات والأحاديث على هواه، ولتتحول اللغة إلى أداة في يد العابثين يحتلون بها عقولنا ويحكمون القيد من خلالها.

قال تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون” [يوسف: 2] .

فغاية القرآن العقل، والعقل أساس الوعي، ووعاء النهضة، وعمود الفهم والانطلاق لإعمار الكون بالخير، ومن عقم فهمه للقرآن أغلق على قلبه فبات سجناً لكل وباء، وبالعكس، حين تتفتح المعاني في الآيات، تفتح معها مغاليق القلوب والعقول، فينعكس ذلك سلوكاً مستقيماً، وعملاً صالحاً، وحينها سيُفهم تماماً ماذا أراد الله لأهل الخير من خير، وماذا أعد للخارجين عن القوانين والسنن من جزاء وعقاب بسبب اختياراتهم. إننا نحتاج أن نفهم على الله أولاً، لنفهم أنفسنا، ثم لنغير واقعنا ونؤثر فيه.

عن ذبح الأضاحي أمام الأطفال

إبراهيم كوكي


قرأت عدة مقالات تحذر من ذبح الأضاحي أمام الأطفال، وخطورتها وأثرها على نفسية الأطفال، وأخرى تنتقد الحج على أنه بات وسيلة للتفاخر وأن “بطون المسلمين أولى”، أو تدعو لتوفير أموال بناء المساجد لقضايا إنسانية أولى من ألف مسجد.

تنبع هذه الدعوات من فكرة باتت تتطرق لكل ما هو يتعلق بالشعائر الإسلامية، وتحاول أن تكيل لها النقد بأيّ شكل كان، فهي لا تتناول ذبح الحيوانات بالمجمل وإنما تخصِّصُ الأضاحي بعينِها، وهذا جزء من توجيه الرأي نحو مساق بعينه ليمتد نحو انتقاد الأضحية بذاتها والحديث عن خطورة ذلك على الثروة الحيوانية، ليصل أخيراً إلى اتهام المسلمين بالعنف والتطرّف، والذين تتجلى مظاهره بقتل الحيوانات بهذه الوحشية كما يصفون.

لم تطل هذه الدعوات يوماً ما أيّ استخدام سيء للحيوانات حول العالم، كاستخدامها في الصراعات والرهانات، وصراع الثيران وصراع الديكة وما شابهها.

رجل يحمل سكينومن مثل هذه الدعوة تصدر لنا دعوات أخرى. توجَّه نحو قضايا تتعلق بالإسلام وتشريعاته، كالحديث عن جرائم الشرف وربطها الدائم بالمجتمعات المسلمة رغم عدم وجود أي رابط بين القانون والتشريع، وحتى بين القضية والواقع.

كل هذه الدعوات تحمل ازدواجية معايير صارخة وواضحة، تتجلى ببعض هذه الأمثلة:

– يُضرب المثل بالمرأة المسلمة أن خياراتها الشخصية ممنوعة دائماً، فخيار المرأة في أن تكون (زوجة) لا يعدّ من الخيارات التي تروَّج أو يُشجَّع عليها، ولكن يُروَّجُ لخيار أن تكون مطلَّقة مثلاً، فهو الخيار الذي يُدعى له كثيراً هذه الأيّام. ويُعتَبَرُ خيار عملها مما تدعو له المنظمات وتشجع عليه وسائل الإعلام، لا سيّما إن كان على حساب زواجها أو أسرتها.

ويأتي السياق الأخطر حينما يعتبر خيار المرأة أن تصبح (زوجة) ثانية محارباً بشدة، بينما تُتناول قضية الدعارة على أنها مسألة إيجابيَّة تدرُّ دخلا للدولة.

هنا -في معرض الحديث عن الدعارة- تُستثنى المرأة كليّاً. ولا يتناولُ أحدٌ ما تتعرَّض له المرأة من استعباد واستغلالٍ بشع تحت اسم الدعارة، وتبقى المسألة محصورةً حين يتمُّ بحث تقنين الدعارة، بالمردود الاقتصاديّ للدولة، أو يصل في بعض الأحيان لحقوق الداعِرة في المجتمع الظالم حين ينظر لها بفوقية واستعلاء.

 ومن المضحك جداً أنّ هذه القضيّة بالذات لا يُنظر فيها لشهوانية الرجل، طالما أنه ضمن إطار (تقنين الدعارة) والحريات الفرديّة، بينما في مسألة (الزواج) الثاني لا يُنظر للمسألة مطلقاً إلا من خلال زاويتين ضيّقتين: اضطهاد المرأة، وشهوانيّة الرجل.

– من ذلك قضية الشذوذ الجنسيّ، فالشذوذ اليوم يخوض حرباً شرسة ليفرض وجوده في المجتمعات، حيث يمكنك أن تكون حرّاً بكلّ أفكارك إلا في الحديث عن الشواذ وحقوقهم!

شعار شركة فيسبوكولعلك إن استخدمت كلمة “شواذ” بدلاً من “مثليين” بمعرض النقد، فإن فيسبوك سيحذف منشورك ويهدِّدك بالطرد من العالم الأزرق كلّه!

فلا يمكن اعتبار وجود الشواذّ في المجتمع خطراً على الأسرة أو أفرادها، ولا يُنظر للشذوذ لا على أنه حالة مرضيّة، أو أنه خلل جيني، ولا أنه حتى حالة شاذة عن الفطرة السليمة، بل يُفرض على أنه واقع يجب أن يتقبله الناس “رغماً عنهم” وأن يتعاملوا معه على أنه إنسان طبيعي لا يختلف عنك بأيّ شيء.

وهنا لا يتم الحديث عن الشهوانية التي يُغرِقُ بها هؤلاء أو من يناصرونهم، ولكن يتمُّ الحديث عن الشهوانيّة في معرض الحديث عن المسلمين، ويتمُّ على الفور استيراد مصطلحات “ملك اليمين” أو “التعدّد” أو “السبي”، ويبقى الشذوذ حريّة اختيارٍ مالم يكن اختيار الإنسان أن يُعدِّد في الزواج.

– من التناقضات أن مسألة تدريس التربية الجنسية تعتبر من المسائل التي تُطلب ويُنادى لها وبشدة، إذ لا يُعتبر مشهد فتاة عارية أمام الفتى، ولا مشهد فتى عارٍ أمام الفتاة. مما يخدش الحياة أو يؤثر على نفسية الطفل، أو يترك أثراً يمتدّ لمرحلة متقدمة في حياته، أو يحيي عند الطفل غرائز كامنة قد تتطور إلى ممارسات خاطئة جداً، كالاعتداء على طفلة في المدرسة أو أخت في المنزل.

ومع ذلك ينتقدون المجتمع المسلم، على أنه -مسبقاً- مجتمعٌ مكبوتٌ مقموعٌ جنسياً، والغريب أن مجتمعاتهم -المنفتحة- تعاني من نسب عالية في التحرّش والاعتداء الجنسي والاغتصاب.

وهنا لا تستحضر “النسوية/الفيمينيست” حملة (أنا أيضاً) -التي أظهرت كماً هائلاً من التحرش والاغتصاب والاعتداء في المجتمع الغربي- لا تُستحضر إلا على أنها حالة تتطلب المزيد والمزيد من التمكين للمرأة وإعطائها المزيد والمزيد من الحقوق. ولا يجروء يرجع أحد ليتناول المسببات التي أوصلت المرأة لهذا الاستغلال البشع، ولو في أكثر المؤسسات انفتاحاً وحريّة كهوليود!

– يتساءل الكثيرون عن جدوى الحجّ وتكاليفه وكم جائعٍ يمكن أن تطعم هذه التكاليف، ولا يتساءلون عن تكاليف إقامة حفلات الغناء، ولا اقتصاديّات مباريات كرة قدم، ولا عن تكاليف إنتاج الأفلام والمسلسلات أو الكليبات. وكذلك لا يتساءلون عن مزادات تقام لشراء لوحة فنية بملايين الدولارات، أو عن أرقام هدر مخيفة في المكياج والتجميل أو ما يُنفق على تربية الكلاب، فضلاً عن السياحة الجنسية، والسياحة التجميليّة (المرتبطة بعمليات التجميل).

فالمسائل المتعلقة بأيّ هدر أو تبذير يُتغاضى عنها، ولكن تنفتح العقيرة على المسلمين حين يؤدّون فريضة الحجّ، وطبعاً تعتبر مسائل سباق التسلح والتريليونات المنفقة عليه خارج الحساب أصلاً!

–  يعتبر هؤلاء أن زواج الثانية كارثة وجريمة، ويتحدثون عن مخاطر الزواج المبكّر، بينما لا تشكّل حالة الأمهات العازبات، ولا الأمهات الصغيرات ولا الأبوين الشواذّ، أيّة خطورة لا على المجتمع ولا الأسرة، ولا على الأطفال أنفسهم.

 فعلياً أيّة ممارسة خارج إطار (زواج) تلقى ترحيبا ورواجاً أكثر من الزواج نفسه، ويتمّ تجاهل ما يترتب على الزواج الثاني من مزايا مجتمعيّة وفردية أيضاً.

فلا بأس أن تكون المرأة “مومساً” في إطار الحديث عن الدعارة ولكن لا يمكن أن تكون “زوجةً” في إطار الحديث عن التعدد. ولذا فيمكن لوسائل الاعلام أن تتناول بصيغة لا تخلو من الترحيب أخبار زواج رجل من رجل، أو رجل من كلب، أو امرأة من أخرى، أو حتى رجل بلعبة باربي.

– وفي حين أن هذه المجتمعات وصلت بمرحلة الانتكاسة الحضارية والإنسانية لهذا المستوى فإن مجتمعنا الذي بدأ يصاب بداء النسويّة ما يزال يناقش زواج المطلّقة والأرملة من أعزب، وزواج امراة من شابٍ يصغرها سناً، أو زواج الرجل من امرأة ثانية.

وقد وصلت الانتكاسة الغربية لمرحلة خطيرة جداً حين ولد طفل من نطفة شاب وبويضة أخته، زُرعتا في رحم أمهم.

ولربما من المفاجئ أن الكنيسة المحافِظة أكثر شجاعة في الحديث عن هذه المواضيع من مجتمعنا الذي يعاني فوبيا تهمة الإرهاب التي باتت حملاً ثقيلاً نحمله على عاتقنا أينما حللنا واينما ارتحلنا، بداعٍ أو بغير داعي..

وتأتي منظمات أو ناشطات “النسويّة” لتكمل المشهد حين يُعتبر الحديث عن المرأة خطّاً أحمر لا يستطيع الرجل المساسَ به، وإلا فسيتعرّض لكيلٍ واسعٍ من التهم المعلّبة، التي ليس أولها الذكورية ولا آخرها الشهوانية.

وأختم بمشهد مظاهرة للشواذ، ظَهَرَ فيها شاذٌ يجرُّ أربعة من أصدقائه (أو ربما زوجاته) وهم يسيرون على قوائمهم الأربع مربوطين بسلاسل كالكلاب، وفي المظاهرة أطفال يتأمّلون المشهد بطفولة يبدو أنها لم تنتهك فحسب، بل مُزِّقت بكارتها مبكراً جداً.

فأيُّ أثرٍ خادشٍ تُركَ على براءة طفل أو طفلة حين يرون هذا المظهر -الخالي من كلّ عناصر الانسانية والمغرق بالشهوانية والعبودية– أنّه مظهر حضارة، وأنه حقّ يجب أن يخرجوا لأجله في مظاهرة!

يحدث هذا في زمانٍ تصبح فيه كلّ الشعائر الإسلاميّة محطّ تساؤلٍ ونقاشٍ واستغرابٍ وجدلٍ ونقدٍ لدى المسلمين أنفسهم.

لنسأل أنفسنا بعد كلّ هذه الانتكاسة الإنسانيّة التي نحن مقبلون عليها، وتدخل بيوتنا رغم أنفنا: هل مشاهدة ذبح الأضحية خطر على نفسية الأطفال؟!

الأسرة بين السلطوية والانحلال

إيمان محمد


لم نصل إلى هذه المرحلة الغريبة من الانحدار المجتمعي عن عبث، ولم نشابه أحداً في أشكال الخلل وأنواعه، والتي نرجعها في كثير من الأحوال لسوء الإدارة، أو انعدامها، لنجد مجتمعاتنا تعاني حالة من التخبط والعشوائية حتى في لحظات تحررها، فهي أمام خيارين: الخضوع للاستبداد بنظم الإدارة المتسلطة التي يفرضها، أو التحرر العشوائي الخالي من الأدوات الموصلة إلى تنظيم حر نقي بعيد عن الظلم.

لا يتعلق الأمر بالحكومات والشعوب فقط، فنظم الأسرة تعاني اختلالاً كبيراً في الموازين، وهي تخضع عادة لنظم متوارثة أو مكتسبة، فإما تسلط واستبداد لأحد الزوجين على الآخر، وما يتركه ذلك كله من آثار نفسية واجتماعية سيئة، أو غياب واضح للأدوار، وعشوائية في الحياة، وانعدام للقوانين والأنظمة، مما يدفع تلقائياً لحالة من العبثية تتبعها نتائج واضحة من غياب الحقوق والواجبات، ولنا أن نفهم أسباب ارتفاع حالات الطلاق، وزيادة الخلافات الزوجية، ولنا أن نقيس انعكاسات ذلك كله عبر بعض التحليلات النفسية على شريحة معينة من الأطفال، لنكتشف التغييب الكامل عن المعنى الحقيقي من عقد هذه الشراكة المقدسة، والتي تدعى ” الزواج”.

خاتمي زواجبالبحث ضمن شريحة مصغرة من الأشخاص الحاصلين على مساعدات نقدية بهدف تزويج الشباب، والتي تظهر كحملات في المناطق المحاصرة أو المحررة في سورية، كان المفهوم المادي هو الأكثر شيوعاً، فالزواج بالنسبة للرجل اقتران بزوجة مقبولة المعايير نسبياً، وبالنسبة للفتاة الزواج فستان زفاف وتسريحة شعر وحالة رومانسية متخيلة كعالم وردي بلا نهاية، وللأسف فإن الإحصائيات التي تتباهى بعدد الزيجات التي تمت ضمن احتفالية كبيرة يوثقها الإعلام، لا تنقل أبداً نسب الطلاق، ولا تفتش عن مصير هؤلاء الذين اقترنوا ببعضهم فقط لأن مبلغاً من المال تيسّر لشاب ما، فقرر على الفور الاقتران بفتاة ما.

قابلتُ حالات غريبة لنساء تزوجن وانفصلن عدة مرّات، وأعمارهن لم تتجاوز الثامنة والعشرين، كانت أهداف الأهل هي التخلص من إعالة الفتاة، وكانت أهداف الفتاة أن تتخلص من سلطة الأهل، وكانت أهداف العريس أن يقترن بزوجة يفرض عليها سلطته وتسلطه، وعندما لا تلبي هذه الزوجة احتياجاته فعليها مواجهة مصيرها المحتوم، وهو الطلاق.

نحن الآن في مواجهة جيل جديد، يحمل من عذابات البشرية ما لا يمكن إحصاؤه، جيل واجه الطائرات والقصف والقنص والجوع والحصار فاحتمل وصمد وواجه بشجاعة، ولكن ما يكسره حقاً أنه لا يعي كيفية التصرف أمام والدَين غاضبين، وأمام مشاهد قهر أو عنف قد يناله منها الكثير.

ما الذي قد يضطر شخصين لأن يقترنا ببعضهما؟ أهي تبادل المصلحة؟ أم الرغبة الحقيقية في شراكة متميزة؟

الشركات والمؤسسات الناجحة في عصرنا بدأت تنفي السلطوية، وتعتمد أنظمة جديدة تحفز على الاستقلال والتوافق في ذات الوقت للتحفيز على الإبداع، كما  أنها تتجه للدقة في تحديد الأدوار، وعدم إغفال المشورة والحوارات البناءة بين جميع العاملين فيها وصولاً إلى تحقيق المصلحة الأسمى في العمل، وهذه الطريقة أثبتت نجاحها وتميزها، فلماذا لا يعاد النظر في الطريقة التي تُدار فيها المؤسسات الزوجية ابتداء بالتفكير بالزواج والتأسيس وانتهاء بالتطبيق؟

لعل الخلل يكمن في الأهداف من عقد الشراكة، فإن تلاقت وتأصلت وكان الاجتماع لغاية نبيلة سامية، ومن أجل تقديم نواة صافية تضخ لمصلحة الأمة بكافة أفرادها، وتتجند ككيان متماسك من أجل خدمتها وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض، إن تحققت هذه النقطة في الأحلام التي تراود كل شاب عن شريكة حياته، وإن تحققت كأساس لا غنى عنه في فكر كل فتاة تحاول أن تحيا لأجل معنى حقيقي دائم لا يزول ولا ينتقص من إنسانيتها أو كرامتها، بل على العكس يكرمها ويرفع من شأنها، إن تحققت تلك الأهداف وتوافق الفكر بالفكر وتلاقت الأرواح على غاية عظيمة، فهنا يبقى من الضروري حسن الفهم والإدراك لمفهوم القوامة، لا ليتسلط أحد على أحد، ولا كي يطغى أحد على أحد، بل لأن أي سفينة تحتاج رباناً يسيرها، وانتقاء الربّان وصلاحيته يخضع لمقاييس متعددة.

 معنى القوامة
القوامة التي تتحدث عنها الآية الكريمة ضمن المؤسسة الزوجية والتي هي مهمة تكليفية للرجل في أسرته في قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [1]هي صفة تشمل الرجال والنساء معاً، تشمل الأمة كلها خارج نطاق الأسرة، ففي الآية: {يا أَيها الذين آمنواْ كونواْ قوامِينَ بالقسط شهداء لِلّه}” [2]. وهي من صفات المؤمنين من الرجال والنساء، وتعني القيام على أمر الدين بالعدل والقسط.

أيدي حول قدمي طفل على شكل قلبالرجل قوام في أسرته على المرأة حيث يتوجب عليه تقديم المصالح المادية والمعنوية للمرأة والقيام عليها، ورعايتها وحمايتها، وسياسة الأسرة بالعدل والحق والقسط ليحقق لها بذلك الطمأنينة والسكن، وهذا بطبيعة الحال لا يطعن في صلاحية المرأة للقوامة، فهي تقوم على أسرتها في غياب زوجها، وتعمل على تأمين كل ما كان يؤمنه في حضوره، فالمسألة تراتبية إدارية حسب الأصلح والأقدر على قيادة الأسرة حسب المعطيات المتوفرة، وهي إدارة غير متسلطة ولا مستبدة بل تقوم على حسن التشاور بين الأفراد، مقترنة بالنصح والتوجيه، بلا فرض أو إرغام أو إكراه، وهي تتعلق كذلك بالقرارات التي تحتاج إلى كلمة حسم وفصل، فإن لم تؤخذ هذه الإجراءات بعين الاعتبار فإننا نصل إلى أسرة تحمل الكثير من أسباب الخلل والفشل.

وبالعودة إلى تحليل أسرنا ومجتمعاتنا الحالية الآيلة إلى الانهيار، والتي تفتقر في معظمها لأدنى مقومات الوعي، والتي تعتبر الزواج شراكة مصلحة، بين “الدمية” التي ترمز للفتاة أو الزوجة المطلوبة في عرف المجتمع، و”البنك” أو المصرف الذي يمثله الرجل أو الزوج المثالي، ووقوفاً غير مستسلمين ولا عاجزين عن التغيير، قد يتساءل أحدهم هل من الممكن انتشال الأسرة من هذا الحضيض؟ وهل بالإمكان الترميم أم أن الأوان قد فات؟

الأمر يحتاج إلى عمل على محورين، محور الوعي، والذي يتطلب أن يؤمن بأهميته كل معني بهذه القضية، فينشر رسالته في المدارس والمساجد والجامعات والمؤسسات الأهلية، ليصل إلى الطرفين، الرجل والمرأة، ليؤسس قاعدة راسخة تبين الحق دون زيف أو إسفاف.

والمحور الآخر يعتمد على التدريب، وهو يتلخص في أن تتفق الأسرة على التدرب على فهم الأدوار، وتعزيز الشورى والحوار، وتقديم المصالح العامة، وتفهم المشكلات والتفاصيل الخاصة، والتعاون للخروج من المآزق والمشكلات بوعي، وتفعيل دور القوامة دون قهر أو استبداد.

وفي النهاية تبقى الطريق طويلة نحو التغيير، لكنها مهما طالت فهي تتطلب خطوات إيجابية فاعلة من نقطة البداية، تماماً كما تحتاج مجتمعاتنا لتحقيق نماذج إيجابية متميزة وراسخة في الإنجاز والفاعلية، وللإنصاف فمجتمعاتنا لا تخلو منها، لكننا نحتاج إلى التعزيز بشكل أكبر، ونحتاج للانتشار، فنحن مكلفون بإظهار الحق، والدلالة على البدائل، وهذه البدائل مهما تشعبت بنا الطرق لا تقودنا إلا للقرآن، والقرآن حياة!


الهوامش

[1]النساء 34

[2]النساء 135