تطور الكيمياء الحيوية يهدم نظرية داروين

فداء ياسر الجندي


أدى التطور الهائل لعلم الكيمياء الحيوية منذ أواسط القرن الماضي وحتى اليوم، إلى تغير جذري في معرفة العلم والطب بما يجري في جسم الإنسان، وبالذات في مقومات الحياة، فقد تبين للعلماء وبوضوح قاطع لا لبس فيه أن حياة أي كائن حي، قائمة على عدد يصعب حصره من الآلات والأجهزة التي تعمل بشكل متكامل ومتزامن، لو توقف أي منها عن العمل لكان لها تأثيرات قد تكون مميتة على حياة الكائن الحي، وهذه الآلات ليست مصنوعة من معادن وأخشاب وغيرها من المواد التي نعرفها، ولكنها مصنوعة من جزيئات كيميائية، تقوم بكل ما يخطر وما لا يخطر على بال من أعمال، وتتحكم بكل ما يجري في الكائن الحي من مهام، تحمل المواد  وتنقلها ثم تفرغ حمولتها في المكان المناسب، وتنسخ الخلايا وتعطيها شكلها ولونها وتنقل صفات الكائن الحي لذريته وتدافع عنه ضد الأعداء، وتولد التيار الكهربائي وتنقله وترسله إلى الأماكن المطلوبة وتقطعه عندما تنتهي مهمته، ولو عددنا لما فرغنا، ولكن باختصار نقول إن الجزيئات الكيميائية هي آلات تتحكم تماما بكل ما يجري في خلايا الكائن الحي من أعمال.

تشارلز داروين

لقد كان هذا التغير في المعرفة أحد المعاول الكبرى التي ساهمت مع غيرها في هدم نظرية التطور التي وضع أسسها تشارلز داروين، ولكن كيف؟

تقوم نظرية داروين على أسس ثلاثة: الأول أن الكائنات لها أصل مشترك، والثاني أن الاختلاف والتنوع والتعقيد الذي نراه في الكائنات هو نتيجة طفرات عشوائية كانت تحدث للكائنات على مر الملايين من السنين، وأن تراكم هذه الطفرات كان يؤدي إلى تغيرات في الكائنات الحية، وهنا يأتي دور الأساس الثالث، وهو الاصطفاء الطبيعي، الذي ينتقي من الكائنات ما تؤدي طفراته المتراكمة إلى تحسن في نوعه، فيبقى ويتكاثر وينقل صفاته المحسنة الجديدة إلى ذريته، في حين ينقرض الكائن الأضعف أو ذو الصفات الأدنى، وقد كان اكتشاف العمليات البيولوجية المتسلسلة والمعقدة، والتي لا تكاد تحصى، والموجودة في الخلايا الحية، أحد أهم عوامل انهيار مبدأ تراكم الطفرات، وبالتالي انهيار النظرية من أساسها، وسنستعرض بعد قليل إحدى هذه العمليات بالتفصيل، ولكن بعد أن نذكر مثالاً نشرح فيه المقصود بالعمليات المتسلسلة.

العمليات المتسلسلة المعقدة
إن تصنيع أي آلة معقدة مثل السيارة على سبيل المثال يحتاج إلى مصانع متقدمة، تحتوي على خطوط إنتاج، تعمل بدقة شديدة، وبخطوات متعاقبة، تدخل المواد من أوله معادن ولدائن وقماشاً وجلداً وأسلاك، وتخرج من آخره سيارة متكاملة جاهزة للعمل، وأهم ما يلاحظه من يتأمل خط الإنتاج  هو أنه يتألف من مراحل أو محطات متعددة متوالية، وأن كل محطة يتم فيها عمل يعتمد على ما تم في المحطة السابقة، ويعتمد عليه العمل الذي يتم في المحطة اللاحقة، وبتعبير آخر كل مرحلة هي نتيجة لما قبلها وتوطئة لما بعدها، وأن المواد التي تصنع منها السيارة موزعة على المحطات، كل مادة في المحطة المناسبة، وكل مادة ذات مواصفات دقيقة محددة معروفة مسبقاً، فمثلاً في المراحل الأولى للتصنيع نرى على خط الإنتاج هيكل السيارة المعدني مجرداً، وفي مرحلة لاحقة يتم معالجته فنرى عليه ثقوبا وفتحات وتفاصيل مجهزة للمراحل اللاحقة، هناك فتحات للأضواء، وثقوب لكل سلك أو أنبوب سيعبر من المحرك إلى مقصورة الركاب، وأماكن مخصصة محفورة بدقة شديدة لكل صمام أو زر أو غير ذلك، وكلما مشت السيارة على خط الإنتاج كلما أخذت أجزاؤها بالتكامل، حتى يتم التصنيع، وبدهي أن هذا لا يتم إلا إذا كان هناك تصميم لكل أجزاء السيارة، من أكبر قطعة في هيكلها إلى أصغر دارة كهربائية في محركها، وإن هذا التصميم قد تم تجهيزه مسبقا وبدقة شديدة وبشكل كامل قبل إنشاء خط الإنتاج، ومن البدهي أن مدير فريق التصميم يعلم تماما كيف ستخرج السيارة في نهاية خط الإنتاج قبل أن يبدأ الإنتاج،  ولو حصل خلل أو خطأ في خط الإنتاج لما اكتمل التصنيع، فخط الإنتاج يكون عادة مبرمجاً بحيث لا يتحرك إلى أية مرحلة قبل أن تنتهي المرحلة السابقة لها، ولو فرضنا جدلاً أنه تحرك وتجاوز إحدى المراحل، فستخرج السيارة غير مكتملة أو فيها خلل يمنع من استخدامها.

إن خطوط الإنتاج الصناعية هي مثال تقريبي لنوع من العمليات المتسلسلة المعقدة، التي ينعتها العلماء بمصطلح (تعقيد غير قابل للاختزال)، أي لا يعمل إلا إذا كان مكتملا من أوله إلى آخره ولا يمكن أن نحذف منه أية مرحل من مراحله، لأن حذف مرحلة واحدة يعطله تماما ويعادل حذفه كله.

مايكل بيهي

خطوط الإنتاج الحيوية
يحتوي جسم الكائن الحي على ما لا يكاد يحصى من خطوط الإنتاج التي تعمل على مدار الساعة، أبطالها هي الجزيئات الكيميائية، ومنتجاتها أكثر تعقيدا وإتقانا من أكثر السيارات تقدما، وتزيد عليها أن منتجات الكائنات الحية هي جزء من منظومة لا محدودة من الآلات التي تعمل معا بتفاعل وتناغم مدهشين لتحافظ على حياة الكائن الحي، بينما السيارة آلة مفردة مستقلة.

ولنضرب لذلك مثالا بعملية تخثر الدم، مع الإشارة إلى أن معظم المادة العلمية سنقتبسها من كتاب “صندوق داروين الأسود” للبروفيسور المتخصص في الكيمياء مايكل بيهي.

 كلنا يعرف أن الدم الذي ينزف من أي جرح يصيب الإنسان ما يلبث أن يتخثر فيسد الجرح، ولكن الذي لا يعلمه الكثيرون أن هذا التخثر يتم عبر سلسلة معقدة من العمليات،  أي عبر خط إنتاج محكم دقيق مشابه لخط الإنتاج الصناعي من حيث المبدأ، إذ يمر بمراحل متوالية متسلسلة تؤدي كل منها إلى ما بعدها حتى يتم الإنتاج على أكمل وجه، وبشكل دقيق محكم، ولو حصل أي خلل في تسلسل هذه العمليات فإن ذلك سيؤدي إلى هلاك الكائن الحي، إما بسبب النزيف حتى الموت، أو بسبب تشكل تخثرات كبيرة تسد مجرى الدم،  فهو كما سنرى ينطبق عليه تعريف (تعقيد غير قابل للاختزال).

ولتبسيط شرح هذه العمليات المعقدة يمكن تقسيمها إلى مراحل:

الخثرة الأولية
الصفائح الدموية هي جسيمات بروتينية موجودة في السائل الذي يحتوي مكونات الدم ويسمى “بلازما الدم”، جنبا إلى جنب مع بقية مكوناته الأخرى مثل الكريات الحمراء والبيضاء وغيرها، وهي تجري في العروق بانسيابية وسلاسة، ولكن عندما يحدث جرح في جسم الإنسان، تأتي رسالة استغاثة من جدار الشريان أو الوريد المجروح إلى تلك الصفائح، فتقوم فورا بإعلان حالة الطوارئ، وهذه الرسالة يحملها بروتين اسمه كولاجين Collagen  وهو موجود خارج الأوعية الدموية، وبمجرد أن يحصل الجرح، يتم الاتصال بينه وبين الصفائح المجاورة للجرح، فيقوم بتحفيزها ويحولها إلى صفائح ذات سطوح لزجة، ثم تندفع نحو المكان المجروح، وتلتصق ببعضها عبر هذه السطوح اللاصقة لتشكل ما يمكن اعتباره سدادة مؤقتة، أو سدادة طوارئ، تتوضع على الجرح وتسده لتحد من النزيف.

تكوين شبكة تقوية للخثرة الأولية
تكون السدادة التي تكونها الصفائح الدموية هشة طرية، فتقوم بعمل مؤقت وتحتاج لتقوية حتى يكون وقف النزيف محكما،  وهذه التقوية تتكون بطريقة عجيبة مذهلة، وبالتوازي مع المرحلة الأولى، ويقوم بتنفيذها بروتينات وأنزيمات تسمى عوامل التخثر، وظيفتها هي التحكم بتخثر الدم وبسيولته، وكلها موجودة أيضاً في بلازما الدم، وتعمل معاً بطريقة تسلسلية مدهشة، لتصل في نهاية المطاف إلى الحصول على مادة تسمى فايبرين Fibrin، وهذه المادة هي عبارة عن ألياف دقيقة ذات أطراف لزجة أو لاصقة تتدافع وتتكاثف ناحية الجرح، ثم يلتصق بعضها ببعض بشكل هندسي متناسق متداخل، لتشكل شبكة أشبه ما تكون بشبكة الصياد، تحيط بالسدادة الأولية التي شكلتها الصفائح الدموية حول الجرح، فتضغط عليها وعلى ما يحيط بها من كريات الدم، لتشكل مع السدادة الأولى والكريات المحبوسة خثرة دموية قوية تسد الجرح وتوقف النزيف.

ولكن كيف يحدث ذلك؟
إن مفتاح هذه العملية كلها هي مادة موجودة في بلاسما الدم اسمها فايبرينوجين Fibrinogin، وتشكل هذه المادة ما يتراوح من 2-3% من البلازما، وتكون في الحالة العادية ذائبة في الدم كما يذوب الملح في ماء البحر، ولكن عندما يحدث جرح في الوعاء الدموي، يتم إعلان حالة الطوارئ، فتندفع مادة تسمى ثرومبين إلى جزيئات الفايبرينوجين الموجودة في موقع الجرح، وتنزع عنها بعض البروتينات، لتتحول من فايبريجين إلى فايبرين، وتندفع جزيئات الفايبرين إلى الجرح لتشكل الشبكة التي ذكرناها آنفا.

ولكن من أين جاء مركب الــثرومبين؟ هل كان موجوداً في الدم أصلاً؟ إذ لو كان في الأصل فعالاً لقام بتحويل الـفايبريجين إلى ليفين ولتشكلت خثرات دموية داخل العروق، دون أن يكن هناك جرح، فتسدها وتمنع جريان الدم فيموت الكائن الحي، والجواب نعم موجود ولكن بصيغة كامنة غير فاعلة تسمى بروثرومبين.

 وحتى يتحول مركب البروثرومبين إلى ثرومبين يحتاج إلى ما يحفزه، والمركب الذي يحفزه يحتاج أيضاً إلى ما يحفزه، وهكذا، والسؤال هنا هو:  أين تبدأ هذه السلسلة من التفاعلات المتتالية والتي تنتهي بتشكل الفايبرين؟

خطوط الإنتاج العجيبة
الجواب هو أن انطلاق هذه السلسلة يبدأ بتمزق نسيج الوعاء الدموي، وختامها يتم بالتئام الجرح، وتكون المركبات والبروتينات والأنزيمات المشاركة فيها كامنة في الدم تنتظر الإشارة ليبدأ مسلسل تحفيزها، وهذه الإشارة تنطلق من جدار الوعاء الدموي، الذي تحوي طبقته الداخلية على مادة تسمى العامل النسيجي Tissue Factor وهو مركب  يوجد في طبقة رقيقة جدا تبطن الجدار الداخلي للوعاء الدموي، فإذا ما تمزق جدار الوعاء، ينطلق العامل النسيجي، معلناً حالة الطوارئ، ومؤذناً ببداية عملية التخثر، فهو الذي  يُحفز بداية العملية التي تنتهي بتشكل الثرومبين، الذي يحفز الفايبربنوجين ليتشكل الفايبرين كما سبق وذكرنا آنفاً.

وما بين إطلاق العامل النسيجي، وصولاً إلى تشكيل الفايبرين، هناك سلسلة معقدة متسلسلة من العمليات، يجد القارئ الكريم مخططا مبسطاً لها في الشكل المرفق، وهو مختصر جداً للتبسيط، ولا يهمنا هنا أسماء المركبات، فهي كأسماء فريق كرة القدم، لا يهم من يمرر الكرة من أول الهجمة لآخرها، ولكن المهم أن يتحقق الهدف وتسكن الكرة الشباك. 

وهذه العملية المعقدة، تتم عبر خطين من خطوط الإنتاج: 
خط الإنتاج الأول: ويسمى المسار الخارجي، لأنه يبدأ خارج الوعاء الدموي، حيث يقوم العامل النسيجي المذكور أعلاه بتحفيز عامل برثرومبين ليتحول إلى ثرومبين، بكمية قليلة، ولكنها مؤثرة جداً، فهي تقوم  وبشكل عاجل بتحويل بعض جزيئات الفايبرينوجين الموجودة في بلازما الدم، إلى فايبرين، ليقوم بتشكيل شبكة أولية تحيط بالسدادة التي سبق أن شكلتها الصفائح الدموية لتقويتها، ولكن هذه الشبكة أيضاً غير كافية، ولا بد من تقويتها، لأن تشكيل شبكة متينة تعمل كخثرة دموية تحتاج لملايين الجزيئات من الفايبرين، وهنا يأتي دور آخر يقوم به عامل ثرومبين، عبر خط إنتاج آخر.

خط الإنتاج الثاني: بالإضافة لما يقوم به عامل ثرومبين عبر الخط الأول، يقوم أيضاً بتحفيز المزيد من عوامل وأنزيمات التخثر الكامنة في الدم، والتي تقوم بدورها بتحفيز المزيد من مركب البروثرومبين ليتحول إلى مزيد من مركب ثرومبين، أي إننا هنا في دائرة مغلقة، ثرومبين.. يفعل عوامل تخثر… فتفعل بروثرومبين… ومن ثم ثرومبين، وكأن ثرومبين يستعين بأصدقائه من عوامل التخثر لإنتاج المزيد منه!

 وهذا بدوره يقوم بتحويل المزيد من الفايبرينوجين إلى فايبرين، فتتقوى الشبكة ويصبح لدينا خثرة دموية متينة قوية تمنع تسرب الدم خارج الوعاء الدموي، وهذا المسار يسمى المسار الداخلي، لأنه يتم كله داخل الوعاء الدموي، ويلاحظ أن المسارين الداخلي والخارجي يلتقيان معا في مسار مشترك كما هو واضح من المخطط المرفق.

توقف العملية
في النهاية، يأتي دور ثالث يقوم به مركب ثرومبين، فهو يقوم أيضاً بتحفيز مادة اسمها بلاسمينوجين موجودة في بلاسما الدم، لتتحول إلى بلاسمين، وهذه الأخيرة هي مادة مثبطة للتخثر، تعمل على إيقاف تشكل المزيد من الفايبرين بعد أن تكتمل الشبكة وتقوى، لأن عدم توقف عملية التخثر وتشكل كميات زائدة عن الحاجة من الفايبرين تشكل خطرا على حياة الكائن الحي، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى انسداد الوعاء الدموي، فتقوم مادة البلاسمين، بتحفيز سلسلة من العمليات، ينتج عنها أنزيمات وعوامل مضادة للتخثر، تقوم بتثبيط العملية ومن ثم إيقافها تماما، ثم بعد ذلك يتم العمل ببطء على إذابة الشبكة أو الخثرة، عن طريق سلسلة أخرى من المحفزات، والمدهش أن سرعة إذابة الخثرة وامتصاصها ضمن مجرى الدم تعادل سرعة التئام الجرح، فلا يشعر الجريح إلا وقد التأم الجرح وفي الوقت نفسه اختفت الخثرة التي كنت تسده. 

الخلاصة
الذي يهمنا من ذلك كله هو الطبيعة التسلسلية المحكمة لهذه العملية، وهي مثلها كمثل خط إنتاج السيارة الذي رأيناه آنفاً، ينطبق عليها وصف التعقيد غير القابل للاختزال، فلو حذفنا منها أية مرحلة من مراحلها لما تمت العملية برمتها، ولما تخثر الدم، ذلك أن كل مرحلة منها تعتمد تماماً على التي قبلها، ولا بد لتتم كل مرحلة من وجود المركب الذي يقوم بها ولكن بشكل كامن، ومن وجود المركب الذي يحفزه أيضاً، وأن يتم التحفيز في الوقت المناسب تماماً، فكيف تطورت هذه العملية عبر الطفرات المتراكمة؟ وكيف اتفق أن توجد كل هذه المركبات في صيغها الكامنة، وأن تتفعل الأنزيمات أو المحفزات اللازمة لعملها في الوقت المناسب والمكان المناسب؟ علما أن هناك أكثر من خمسين مركبا وبروتينا وأنزيماً يشاركون في عملة تخثر الدم، ولم نذكرهم جميعا للاختصار وعدم الإطالة على القراء الكرام.

إن من يزعم أن عملية تخثر الدم وأمثالها نشأت نتيجة تراكم الطفرات العشوائية، هو كمن يزعم أن جماعة مروا بكومة ضخمة من الخردة والمواد المختلفة، فعبثوا بها وصفوا وركبوا بعضاً منها ثم مضوا، وإذا الذي حصلوا عليه هو الجزء الأول من خط إنتاج سيارة، ثم جاء من بعدهم جماعة أخرى، فعبثوا بكمية أخرى من المواد وصفوها إلى جانب سابقتها ثم مضوا، وإذا بنا نحصل على الجزء الثاني من خط التصنيع، ثم تتابعت الجماعات، كل جماعة تعبث فتحصل على مرحلة جديدة، وبعد أزمان ودهور من تتابع الجماعات، حصلنا على خط كامل لإنتاج السيارات، يعمل بدقة وإتقان وينتج سيارات كاملة قابلة للاستخدام، علماً  أن كل الجماعات التي مرت لم يكن لديها تصميم مسبق لما سيكون عليه هذا الخط عندما ينتهي “بشكل كامل”، ولم تكن تعلم ماذا ستفعل الجماعة التي بعدها.

لم يتمكن الدراونة حتى الآن من إثبات أن عملية تخثر الدم ناتجة عن آليات التطور، وكل ما يقولونه هو تلك العبارة التي لا يملون من تردادها دون دليل أو إثبات: إن تراكم الطفرات الجينية على مر عصور طويلة كفيل بأن ينتج عنه تطور أي نظام معقد معروف.

نحن يا سادة في عصر العلم، عصر التجربة والبرهان والدليل، فعليكم أن تثبتوا لنا بالدليل والبرهان والتجربة العلمية الموثقة، كيف تطور نظام تخثر الدم، وأن تثبتوا لنا أن أسلافنا لم يكن لديهم هذا النظام، أو كان لديهم نظام بدائي ثم تطور حتى وصل إلى ما وصل إليه، وسنتبنى نظريتكم إن أثبتم ذلك بالدليل العلمي القاطع.

ماذا تقول الأحافير الحية عن نظرية التطور؟

فداء ياسر الجندي


تخرج الدكتور كارل ويرنر من كلية الطب قبل أن يكمل الثالثة والعشرين من عمره، فقد ظهرت علامت نبوغه وتفوقه على أقرانه منذ أيام شبابه، وكان تخرجه المبكر إيذاناً بحياة مهنية ناجحة في مجال الطب الذي يحلم به كل شاب، ولكن حواراً قصيراً دار بينه وبين زميل له في الجامعة قلب حياته رأساً على عقب، وهاكم طرفاً من الحوار كما يرويه الدكتور كارل نفسه:

كارل ويرنر

الزميل: ما رأيك بنظرية التطور؟
كارل: أنا أؤمن بها.
الزميل: وما تقول في مشكلة الفجوات التي يعاني منها سجل الأحافير؟ ألا يشكك ذلك في النظرية؟
كارل: لم أسمع أن هناك مشاكل في سجل الأحافير.
الزميل: كيف يمكن أن تبدأ الحياة على الأرض إذا كان من المستحيل تشكل البروتين بشكل تلقائي طبيعي؟
ويعلق الدكتور كارل على السؤال الأخير فيقول: أدركت ههنا أن أمامي سؤالاً من صلب اختصاصي وليس عندي جواب له، فنظرية االتطور تنص أن الخلية الحية الأولى تشكلت بشكل طبيعي تلقائي، في حين أن البروتين لا يمكن أن يتشكل بشكل تلقائي أو طبيعي بسبب تعقيده الشديد الذي درسته في كلية الطب، فكيف نشأت الحياة إذن؟
ويتابع الدكتور كارل: وقبل أن أجيب عن سؤال زميلي الأخير، تحداني قائلاً: “أتحداك أن تثبت نظرية التطور” فأجبته على الفور: “هذا جنون، لقد تم إثباتها”.

ورغم إجابة كارل القطعية، المبنية على ما شاع في زمانه، غير أن أسئلة زميلة كانت بمثابة طلقات تنبيه تركت في نفسه وتفكيره أثرا كبيراً، وانتهى الحوار وهو يقول لنفسه: “حقاً، كيف تكون هذه النظرية صحيحة إذا لم تتمكن من حل هذه الإشكالات الأساسية؟”

كانت هذه الأسئلة نقطة تحول في حياة الدكتور كارل وارنر، وقد دفعه التفكير فيها، وهو النابغة الباحث عن الحقيقة، إلى أن يمضي ثلاثين سنة بعد ذاك الحوار في البحث عن إجابات شافية لتلك الأسئلة، بدأها بالقراءة النهمة لكل فروع العلم المتعلقة بنظرية التطور، الأحياء والفيزياء والكيمياء الحيوية والجينات والوراثة والأحافير والتاريخ الطبيعي، ولكن ثمانية عشر عاما من القراءة والمطالعة لم تشبع نهمه، ولم تشف شغفه العلمي، وأراد أن يصل إلى الحقيقة رأي العين، وأن يلمسها بحواسه كلها، فقرر أن يقوم برحلة حول العالم، استغرقت اثنتي عشرة سنة من عمره، ليصل بنفسه إلى الحقائق القاطعة المتعلقة بهذه النظرية، وهكذا فقد استغرق بحثه عن الحقيقة ثلاثة عقود، ووضع ما وصل إليه من حقائق ساطعة قاطعة في سلسلة من الكتب والأفلام الوثائقية.

أهداف الرحلة ومنهجها
قبل أن يبدأ رحلته، كان عليه أن يضع أهدافاً محددة، وخطة واضحة المعالم، ويحدد بالضبط عن ماذا يبحث، وأين وكيف؟ وقد شرح ذلك فقال: تقول نظرية التطور إن الأحياء من حيوان ونبات تتغير مع مرور الزمن، وتتحول إلى أنواع جديدة مختلفة تماماً عن أصولها  الأولى القديمة، ويتم ذلك بواسطة الطفرات العشوائية، وتقول لنا النظرية أيضاً إن هذه الأنواع المتغيرة عبر ملايين السنين، وبسبب صراع البقاء، والاصطفاء الطبيعي، تتعرض أسلافها التي لم تتعرض للطفرات ولم تتغير إلى الانقراض، ولكن لو نظرنا إلى الموضوع بشكل معاكس نستطيع أن نتنبأ بأن نظرية التطور لو كانت غير صحيحة، فإن الأحياء والنباتات لن تتغير مع الزمن، وسنجد على الأرض الكثير من الأحياء التي كانت تعيش قبل ملايين السنين، موجودة اليوم على الأرض دون أن تتغير، لأنها لم تتعرض لآليات التطور، فما علينا لنثبت عدم صحة النظرية إلا أن نثبت وجود أحافير قديمة لأحياء ما زالت تعيش بيننا اليوم، وهذا ما قرر الدكتور كارل ويرنر أن يكتشفه بنفسه وعل الطبيعة.

وهكذا شرع الدكتور كارل ويرنر في رحلة  علمية طويلة، طاف خلالها على معظم مواقع الأحافير في العالم، وهي تلك التي عثر العلماء فيها على أحافير المخلوقات القديمة المتحجرة، ليوثق بالتصوير ماتحتويه من أحافير، وزار كذلك جميع متاحف التاريخ الطبيعي الشهيرة في العالم، وأجرى عشرات المقابلات مع كبار علماء الجيولوجيا والأحافير والتطور، ووثقها كلها بالتصوير المرئي، ليصل فيها إلى إجابات شافية عن حقيقة التطور، وكان من أهم أهدافه أن يثبت وجود أحافير لكائنات عاشت قبل عشرات الملايين من السنين، وما زالت تعيش حتى اليوم، ليكون ذلك أحد الأدلة القاطعة على بطلان نظرية التطور، وحتى يكون بحثه مركزاً وقابلاً للتنفيذ، ركز بحثه  على الطبقات التي تحتوي أحافير الديناصورات، فقام بالتنقيب في تلك الطبقات عما حوته من كائنات مع الديناصورات، فوصل إلى نتائج مذهلة.

وخلاصة تلك النتائج أنه في عصر الديناصورات كانت تعيش آلاف الكائنات التي لم تنقرض حتى اليوم، أي التي لم يطرأ عليها أي تطور خلال هذه الملايين من السنين، علماً أن حقبة وجود الديناصورات على الأرض تشمل ثلاثة عصور جيولوجية، يسميها العلماء عصر الترياسيك، وعصر الجوراسيك، وعصر الكريتاسيوس، ويبدأ العصر الترياسي قبل 245 مليون سنة، وينتهي قبل 208 مليون سنة، ليبدأ عصر الجوراسيك الذي ينتهي قبل 144 مليون سنة، هي بداية عصر الكريتاسيوس، وهذاالأخير ينتهي قبل 65 مليون سنة، أي إن العصور الثلاثة التي ظهرت فيها الديناصورات على سطح الأرض تغطي مسافة زمنية مقدارها 180 مليون سنة.
وجدير بالذكر، أن زوجة الدكتور ويرنر رافقته في رحلته، وكانت كاميرتها هي من صورت ووثقت كل ما وصل إليه من من نتائج.

تخطي العقبات
لم تكن رحلة الدكتور ويرنر سهلة ميسرة، فهو كان كالسابح عكس التيار، تيار يعتبر أن نظرية التطور حقيقة مسلم بها، وعليه أن يثبت العكس، ومشكلته كانت أن المعلومات التي يبحث عنها كانت في مواقع التنقيب عن الأحافير، وفي متاحف التاريخ الطبيعي، وقد كان في بداية بحثه يسأل العلماء والمنقبين في مواقع الحفريات: “هل عثرتم في طبقات الديناصورات على أحافير لمخلوقات معاصرة موجودة في زماننا؟”، فكان المسؤولون عن مواقع الحفريات يرفضون الإجابة عن هذا السؤال، بل إن بعضهم رفض إجراء المقابلة مع الدكتور ويرنر عندما اطلع على الأسئلة، ولكن أمرا حدث بالمصادفة أثناء حوار مع أحد العلماء وهو الدكتور ويليم كليمنس من جامعة كاليفورنيا، جعل الدكتور ويرنر يغير من طريقته في طرح الأسئلة.

كان الدكتور كليمنس أحد المعارضين لنظرية تقول إن الديناصورات قد انقرضت بسبب اصطدام كويكب ضخم أو نيزك بالأرض أدى تغيرات مناخية وكوارث طبيعية نتج عنها انقراض الديناصورات، وكان مما قاله أثناء حواره مع الدكتور ورينر: “كيف يمكن لنيزك أن يؤدي لانقراض الديناصورات من على سطح الأرض ولا يؤدي لانقراض ما سواها من الفراشات والضفادع والنحل وزواحف السلمندر التي كانت تعيش أيام الديناصورات؟”.
كان لهذا الكلام رنين خاص في سمع الدكتور ويرنر، ضفادع وفراشات وسلمندر في عصر الديناصورات! كانت هذه المرة الأولى التي يقول له أحد العلماء إن هناك كائنات من هذا النوع كانت موجودة في تلك الحقب، ومنذ ذلك الحوار قرر أن يغير صيغة السؤال حتى يحظى بالإجابات، فأصبح السؤال: “يقول بعض العلماء ومنهم الدكتور كليمنس مثلاً، إن الظروف المناخية الناتجة عن اصطدام  النيازك بالأرض لم تكن هي السبب الذي أدى لانقراض الديناصورات، فقد كانت هناك كائنات أخرى موجودة آنذاك ومعرضة لهذه الظروف ولكنها لم تنقرض، مثل الفراشات والضفادع، فهل عثرتم في موقع الحفر الذي تعملون فيه على أحافير لمثل هذه الكائنات، التي تبدو شبيهة بالكائنات المعاصرة؟”.

وقد أدى هذا التغيير في صيغة السؤال إلى نتائج مختلفة تماماً، وذلك لأنه يستند على قول عالم، ولأنه لا يوحي بأن السائل يشكك في نظرية التطور، وذلك لأن السؤال هنا عن أحافير لكائنات تبدو شبيهة بالكائنات المعاصرة، وليس عن أحافير لكائنات معاصرة.

العقبة التالية التي واجهت الدكتور ويرنر هي مشكلة أسماء الكائنات التي يعثر العلماء على أحافيرها، وسبب ذلك أن العلماء عندما يبحثون عن الأحافير في طبقات الديناصورات لم يكونوا يتوقعون إطلاقاً أن يجدوا أحافير لمخلوقات تعيش حتى يومنا هذا، لذلك فقد كانوا يعطون الكائنات التي يجدون أحافيرها أسماء علمية جديدة، وهذه الأسماء كانت كثيراً ما تختلف من موقع حفر لآخر، ومن متحف لآخر، ومن عالم لآخر، وفي أحيان كثيرة يأتي عالم فيدرس أحفورة جعلوها من نوع معين، فيرى أنها من نوع آخر، فيغير اسمها، لذلك وجد الدكتور ويرنر أنه لا يستطيع أن يثق بالأسماء التي وضعها العلماء للأحافير، فيقول “بما أن الصورة تساوي الآلاف من الكلمات، فإني اعتمدت في كتابي على الصور المرئية، لا على الأسماء الموضوعة، وأترك للقارئ أن يحكم بعد أن يرى صور الأحافير والقديمة، وصور الكائنات الجديدة؟ هل هذه الصور دليل على التطور أم دليل على بطلانه” [كتاب التجربة الكبرى، ص 28].



النتائج
وضع الدكتور وارنر خلاصة بحثه هذا في الجزء الثاني من سلسلة كتبه التي أصدرها بعد مطالعات وقراءات ورحلات وأبحاث استمرت ثلاثة عقود، وكان عنوان هذا الجزء: “الأحافير الحية” Living Fossils  وقد اتبع في عمله التوثيقي منهجاً علمياً فريداً اعتمد فيه على الصور فقط، فوضع في كتابه هذا صوراً موثقة لأكثر من ثمانين أحفورة لمخلوقات من مملكة الحيوان، وأكثر من ثلاثين أحفورة من مملكة النبات، ووثق عمله بطريقة غاية في الدقة والمنهجية والموضوعية، فكتب أسفل صورة كل أحفورة، الاسم الذي وضعه العلماء للكائن الذي يمثلها، واسم الكائن الذي يتطابق معها والذي يعيش اليوم على سطح الأرض، والطبقة الديناصورية التي وجد فيها الأحفورة، واسم الديناصور الذي كان يعيش في تلك الحقبة، وصورة أحفورة ذلك الديناصور، وأخيراً وضع بجانب الأحفورة صورة الكائن الحي الذي يعيش اليوم، والذي يطابق تماماً تلك الأحفورة، مما يثبت أن الكائن الذي تمثله الأحفورة لم يتطور منذ عصر الديناصورات وحتى يومنا هذا.

والمدهش في نتائج بحث الدكتور ويرنر، أن الأحافير التي وجدها في عصر الديناصورات شديدة التنوع، وتغطي معظم فصائل الأحياء والنبات المعروفة التي تعيش اليوم، ابتداء باللافقاريات وانتهاء بالثديات، وهاكم ملخص لأهم الأحافير الحية التي وجدها في عصور الديناصورات:
من الحيوانات البحرية: نجم البحر والإسفنج والمرجان والسلطعون والروبيان واللوبستر وجراد البحر والمحار وغيرها، بالإضافة إلى العديد من أنواع الأسماك.
ومن البرمائيات: السلمندر والضفدع والتمساح.
ومن الزواحف: أنواع من السحالي والأفاعي والسلاحف.
ومن الطيور: الببغاء والبشروش (فلامينغو) والبوم والبطريق والغاق (طائر مائي) والقطرس.
ومن الثديات: القنفذ وآكل النمل والسمور (القندس) والخلد، وأنواع أخرى من الثديات، وهناك أحافير كثيرة مكتشفة حديثاً لثديات ما تزال تحت البحث.
ومن النبات: العديد من أنواع الطحالب وأنواع السرخسيات، والعديد من أنواع الورود والأزهار، مثل زهر الخشخاش والزنبق واللوتس، ومن الأشجار شجرة الساسفراس، وشجرة الحور، وشجرة الجحليق، وشجرة البلوط، وغيرها.

أمام كل هذه الحقائق الملموسة، والأحافير الحية، يخلص الدكتور ويرنر إلى أن معظم فصائل المخلوقات التي كانت موجودة في عصور الديناصورات، لم يطرأ عليها تغيرات تدل على أنها تعرضت للتطور الداروني، والذي حدث أن بعضها قد انقرض، بينما استمر البعض الآخر في الوجود والتناسل حتى يومنا هذا، دون تغيرات ملموسة عليها، وهذا بلا جدال يتنافي مع نظرية التطور، لأن بقاء المخلوقات كل هذه الملايين من السنين، دون أن تتأثر ببيئتها، ودون أن يطرأ عليها أي طفرات، ودون أن تعمل بها آليات التطور الداروني، أمر لا تستطيع نظرية التطور تبريره إطلاقاً، وهي التي  تزعم أنه خلال تلك السنين نفسها، تحولت لعض الكائنات تحولاً جذرياً، فأصبحت السمكة زرافة، والضفدع تمساحا، والدب حوتاً، وغير ذلك مما يزعمون.

إن الأحافير الحية التي أثبت الدكتور ويرنر وجودها بالأدلة القاطعة، وبأعداد ضخمة، هي أحد المسامير الأخيرة التي دقها العلم الحديث في نعش نظرية دارون.



اللاإنجاب.. الدعوة إلى الانقراض الطوعي

عرابي عبد الحي عرابي


تزايدَت في الآونة الأخيرة –على سبيل المثال- أنشطة حركة “VHEMT” والتي تختصر جملة: (حركة الانقراض الطوعي للبشر)[1] الداعية إلى إيقاف ما سمَّوه “جريمة الإنجاب”، وامتدَّ التأثُّر بها إلى شباب بعض الدول العربية تحت عناوين متعددة اشتهرت على مواقع التواصل الاجتماعي، كحملة “شباب ضد الإنجاب” ومجموعة “مغاربة لا إنجابيون” ومجموعات أخرى تحمل نفس الفكرة، لتجتمع هذه المبادرات في صفحة واحدة سُمِّيت “ضدّ التناسل”[2] على موقع “فيسبوك”، حيث أصبح لها حضور واضح بين متابعيها المؤمنين بالظلم في إنجاب الأطفال في هذا العالم.

يذكر أحد مديري الصفحة “أن إعلان إطلاق الحملة كان اختباراً لوقع الفلسفة اللاّ إنجابيّة على وعي المتلقي العربي. وأن المتابعة الكبيرة لصفحتهم كانت على عكس توقعاتهم”، مرجعًا ذلك إلى “ما يمر به العالم من حروب وأزمات وكوارث طبيعية فجعل اليأس يتسرّب لشباب المنطقة”، واصفاً دعوتهم والجهود التي يبذلونها بـ”الدعوة الأخلاقيّة بعيداً عن أي تصنيفات أخرى”[3].

بدايات فلسفة اللاتناسل
أولى إشارات هذه الدعوة تأتينا من اليونان القديمة في صورة مسرحيات أو أشعار ناقمة على الحياة، وربما ضمن شذرات ألقاها بعض الفلاسفة كأرسطو، وقد كان لبعض الفلاسفة في التاريخ الإسلامي آراء تميل إلى نصرة هذه الفلسفة كالشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري (363 هـ – 449 هـ) بدعواه لعدم الإنجاب، ولعل بيته الشعري الشهير:

هذا ما جناه أبي عليَّ *** وما جنيتُ على أحد

يوضِّح ذلك، ليؤيدها فلاسفة العصور الحديثة كالفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، والروائي الروماني إميل سيوران كما في كتابه “مثالب الولادة”، وديفيد بينتار صاحب كتاب “الأفضل أن لا تكون” وآخرون كثيرون.

الإعلام والدعوة لعدم الإنجاب
إنه من المثير حقًّا أن النقاش حول هذه الأفكار كان –إلى مدة ليست ببعيدة- محصوراً بين الأكاديميين في أروقة الجامعات ومراكز البحث، إلا أن الإعلام تكفَّل بإخراج هذه الأفكار من حيز الدوائر الفلسفية والأكاديمية وأدخلها في صميم التأثير في التجمعات الشعبية والجماهيرية، فأنتِجَت في أزمنة متفاوتةٍ العديد من المسلسلات والأفلام والأغاني العالمية، كفيلم “ليون lion” عام 2016، وفيلم “التوت البري” عام 1975 ومسلسل (True Detective) أو (محقق فَذ) والتي تدور حول هذه القضية وتؤيدها وتدعو لها.

إن الفكرة الأهم التي سعى المسلسل آنف الذكر لإثباتها وتبنّاها في كل حلقاته ضرورة “إيقاف الإنجاب” ضمن إطار دراميٍّ مشوِّق، فيكشف توالي الأحداث في المسلسل تناقض شخصيتي “رستن” وزميله في التحقيق “هارت”، فتصرفات “رستن” متطرفة في نظر المجتمع، على خلاف “هارت” الذي يقف على الناحية الأخرى تماماً، وبعد التعمُّق في المتابعة نجد أن المحرك الحقيقي الذي لتشاؤم (روستن) تجاه ذاته والعالم فَقدُه لطفلته الصغيرة في حادث مأساوي أنهى زواجه وغيَّر حياته وفكره، لتتحوَّل رغبته في الانتقام لموت ابنته إلى هوَس فكري في إثبات أنه يجب على البشرية أن تكف عن الإنجاب وأن تسعى إلى الانقراض الطوعي قبل أن تكون النهاية كارثية بالأسلحة النووية أو الكوارث الطبيعية.

حجج فلسفة “اللاإنجاب”
تتنوَّع الحجج التي تسوقها الفلسفة اللاتناسليّة، فثمة أسباب مادية مباشرة، كالحروب مثلاً، فمن الذي يرغب يوماً في أن يستخرَجَ ولده مُهشّما من تحتُ الرّكام كما هو الحال في حلب أو غزّة، أو أن يراه قد أسقطَ العلاج الكيماويّ شعرَه وأنحلَ جسمَه وما زال ينتظرُ موتَه المحتّم، أو أن يراه متشوِّه الجثة في انفجارٍ لا يُعرَف مدبّرُه؟[4].

ومن الحجج أيضا الفقر وعدم كفاية الموارد الطبيعية، فالاستمرار في الإنجاب سيسبب ازدحامًا سكانيًّا هائلًا، وبحسب التقديرات إذا استمر ارتفاع في المواليد في قارة إفريقيا على ذات الوتيرة الحالية فإن عدد سكانها سيقترب من ملياري إنسان تقريباً في عام 2050م، إلا أن القارّة السمراء لن تنتج من الطعام في عام 2025 ما يزيد عن حاجة 25% من عدد سكانها[5].

ومن الحجج أن “اللاإنجاب” أفضل للبيئة، فتقليل عدد البشر يخفف من انبعاثات سياراتهم وآلاتهم واحتياجاتهم التي تؤثر في الغلاف الجوي، كما يحتجُّ ديفيد بينتار -رئيس قسم الفلسفة بجامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا- بأن “الإنجاب في ذاته قرار لا واعٍ وأنه نتيجة تابعة لممارسة الجنس، ولذا فإنه من العبَثِ الإتيان بأفراد جدد لهذا الوجود، وإن أخذ بعض الأشخاص هذا القرار بشكل واعٍ، فإنهم يفعلون ذلك لأسباب ليس من ضمنها مصلحة الطفل نفسه، وأن إنجابه سيكون شيئًا جيدًا بالنسبة إليه لا بالنسبة للطفل نفسه”[6]، وعليه فإنه يرى أن الإنجاب منحصر في مصلحة أبويه لا مصلحته هو، وعلى ذلك فإن الندم على عدم الإنجاب ليس ندماً على عدم تحقق مصلحة الابن بل لعدم تحقق مصلحة الأبوين.

مغالطات وتوهمات
إن الاستنادات التي يقدمها دعاة “الانقراض الطوعي للبشرية” ليست حقائق مطلقة، بل هي عوارض نسبية ناتجة عن أمور أخرى، فلا الفقر أو الحروب أو الكوارث الطبيعية ذات وجود موضوعي مطلق، ولا هي في حال وجودها مستمرة بذاتها، فالحروب تقوم على التنافس وتهدف إلى السيطرة والسلطة والتحكم بالموارد المالية والثروات الطبيعية وتعمل في سبيل ذلك على إخضاع الأطراف الأخرى بشتى الوسائل.

وكذلك الفقر والأمراض، فهي تابعة لأسباب تتقدم عليها، ومن ثمَّ، فإن الأجدر –برأيي- البحث عن حلول لإصلاح الأحوال الاقتصادية والسياسية إيقاف السيطرة على ثروات الآخرين والتعاون معهم لإنشاء عالم خالٍ من الطغيان قوي بالمرحمة التي تسود أركانه، إذ إن الدعوة لإيقاف الإنجاب لن تحل هذه المشكلات البتة.

مغالطة “اللامعنى في الوجود”
لقد بات من القطعيّ أن الفلسفة العدمية تنظرُ إلى الحياة بتشاؤم مفرط وتُلْبِس تأويلاتها السوداوية كل أمر ذي قيمة جوهرية، فليس من الغريب أن نرى العدميين يفكرون في قضية التناسل والإنجاب على نحو تشاؤميٍّ مفرِط، فـ”الحياة بلا معنى” خاصةً وأن الدعاوى التي تُساق لتسويغ الدعوة إلى إيقاف الإنجاب ذات وجاهة عاطفية محرجة!

فلنفترض أن الإنسان تخلَّص من كل الآلام، فإن ألم التفكير في الوجود وتناقضاته يملأ حياة الناس، وهذه دعاية لا بأس بها يشهرها دعاة “اللاتناسل” في الترويج لرؤاهم، فالبحث عن معنى الوجود وحيثياته وغاياته بحد ذاته يولِّد لديهم القهر والعذاب، وليست أحوال الناس ولا الحروب أشدَّ ما يقض مضجعهم، بل محض الوجود وإن كانوا في جنة النعيم.

حسنٌ، فلنفرض أن الحياة وهمٌ لا معنىً لها، ولنسأل: أهذا الذي تدَّعون حقيقة لا تقبل الجدل أم أنها مشاعر مكبوتة يتم التنفيس عنها بتخليطات نثرية وشعرية؟

إن لم تكن مقولتهم هذه –الأساسية في دعوتهم- حقيقةً، فإن الإصرار عليها أحد أكبر الأخطاء التي يتصف به دعاة “اللاتناسل”، وذلك –بطبيعة الحال- تعامل سمِج مع حقيقة المعنى في قضية الوجود الإنساني باعتبارها أمراً ثنويًّا زائفاً لا يستحق إلا المحو كما يمحى الخطأ الإملائي عن بياض الصفحة.

إنهم بذلك يصادرون حقّ من يبحث عن معنى الحياة في الوجود، بل لعلهم إن نجحت دعواهم فإنهم سيجبرون أولئك الذين وجدوا المعنى على أن لا يتكاثروا ويوصلوا ما تعلموه لأولادهم.

مغالطة “ممانعة الانتحار” و”الدعوة الاختيارية للانقراض”
يكرر دعاة “اللاتناسل” أنهم لا يحبذون الانتحار ولا يدعون إليه، وأن جل ما يهمهم إيقاف التكاثر لينقرض الجنس البشري تدريجيًّا.

أليست هذه دعوة للانتحار المقلوب، أو قل أليس هذا انتحارًا بطيئاً!؟

وبطبيعة الحال فإن الاعتراض على هذه المغالطة من قِبَلِ مناهضٍ للتناسل ستثير تشاؤمه، لأنه سيعد الكلام ههنا تقوُّلاً على ما يظن أنها قناعته، ذلك أن اللاتناسليين يطالبون بعدم التكاثر فحسب، وفي سبيل ذلك يسيلون أحبار الطابعات ويُعمِلون عقول المفكرين والمخرجين والمصورين لإنتاج الأفلام والمسلسلات التي تدعم فكرتهم، لتغيير قناعة الناس سلميًّا وذاتيًّا.

حسنٌ، إن هذا كذب لا يمكن الاعتماد عليه.

فلو أن اتحادًا من جماعات “اللاتناسل” استطاع تكوين حكومات في عدة بلدان، وسَلَّمت لهم تلك البلاد بعدم الإنجاب، إلا أن ثلَّة هنا وهناك من النساء والرجال رفضوا ذلك، فماذا سيقول لهم “اللاتناسليون” حينها؟

بطبيعة الحال إنهم أمام خيارين: استخدام القسر والعنف لتنفيذ فلسفتهم، فتصبح دعوتهم إيديولوجيا كريهة تنتهج الوحشية لتستمر، أو السماح للناس بالإنجاب وذلك أيضًا يثبت أن واقع فلسفتهم لا يتوافق مع عموم البشر.

الوهم الأكبر: “لا داعي لاستمرار الحياة”
إنّ الاستمرار في الوجود عبر التكاثر أمرٌ أكثر تعقيداً من الحجج التي يسوقها المتشائمون أو تلك التي يقدمها المدافعون عن فطرة الاستمرار؛ إذ إن دوامَ الحياة قضيّة ذات أبعاد مختلفة لا يمكن اختزالها بالتشاؤم أو التفاؤل، ففي هذا الكوكب عشرات من الأيديولوجيات والدعوات الفكرية التي تمتلك كلٌّ منها مئات الملايين من المؤمنين بها، والذين يسعون لأن يجسِّدوا دعواهم على الوجه الأتم والمثال الأكمل، فكما أن اللا تناسليين يظهرون نموذجهم المثالي بالتوقف عن الإنجاب، فإن العلماء يرون في استمرار الحياة استمرارا للعلم، وكذلك يرى الطيبون في الإنجاب استمراراً للتعامل الحسن مع الناس، وعلى مثل ذلك يمكن التشقيق بمئات الأمثلة، وبالمثل فإن الأشرار يرون في استمرار الحياة استمراراً للقوة والسيطرة… إلخ بحسب المواقع التي يشغلونها

“العدم خير من الوجود”
يقدم لنا اللاتناسليون هذا الكلام باعتباره حقيقة مطلقة، على أيِّ حال، كيف يمكن لنا أن نعرف أن العدم خير من الوجود؟

إن المشكلة في هذه المغالطة أن القائل نفسه لا يعرف العدم، ولا يدركه أصلاً، ولا يمكن لامرئ أن يصفه أو يظهر حقيقته بشكل محسوس، فالعدم هو العدم، اللا وجود.

إن المطلوب مني ومن كل إنسان موجود أن يتمثل أفضل الطموحات وأن يحدد لنفسه أسمى الأخلاق والتعاملات الإنسانية وأن يعيش عليها ولها، وحينها سيتحقق له ولكل إنسان أن (الوجود خير من العدم) فعند ذلك يتحقق المعنى مقابل تلاشي اللامعنى.


الهوامش:

[1] ينبغي التنبه إلى أن الفلسفة اللاإنجابية تنقسم إلى قسمين رئيسين، أولهما: الدعوة إلى الاكتفاء بإنجاب طفل واحد لدواع أمنية واقتصادية وإحصائية، وثانيهما: الدعوة إلى التوقف عن الإنجاب مطلقاً، وهذه الأخيرة التي يهدف المقال التوقف عندها.

[2] https://www.facebook.com/AntinatalismInArabic

يذكر أن محمود ماهر عبد الهادي مدير لهذه الصفحة ولغيرها من الفعاليات التي تدعو إلى التوقف عن الإنجاب، وله لقاءات عديدة على وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة يدعو فيها لدعم حملة (ضد التناسل)

[3] ينظر المقال المنشور على شبكة رصيف 22، بعنوان “ضد التناسل”حملة عربية تهدف لانقراض البشرية، على الرابط الآتي: https://raseef22.com/life/2017/08/22/%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%B3%D9%84-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%81-%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84/

[4] ينظر مقال: “عن الإتيان بطفل إلى العالم”، د. همام يحيى، على مدونات الجزيرة عبر الرابط الآتي:

http://blogs.aljazeera.net/blogs/2016/10/24/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85

[5] ينظر مقال عمار منلا حسن، على موقع حبر، بعنوان هل تجد الفلسفة اللاإنجابية فرصة في مجتمعاتنا، على الرابط الآتي: https://www.7iber.com/society/about-antinatalism/

وفيه ذكر الكثير من احتجاجات اللا تناسليين

[6] نقلاً عن مقال الفلسفة اللاإنجابية، لماذا لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من الأولاد، عبد الرحمن أبو الفتوح، منشور على موقع ساسة بوست

https://www.sasapost.com/antinatalists/

الموقف من الحداثة.. بين الاستلاب والاستيعاب

خواطر على هامش كتاب “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” للدكتور محمد عادل شريح

خالد حسن

 

إن الموقف من الفكر الغربي والحضارة الغربية يبقى من أهم الأسئلة المطروحة على المستوى النظري بين رافض قطعي لها ولمنتجاتها، ومتبن لها كليا، وبين الموقف المعتدل القائل بأخذ ما يناسبنا وينسجم مع مجتمعنا ومبادئنا. وهذا الأكثر شيوعا والذي ينتمي إليه العدد الأكبر من المفكرين والباحثين لأنه يعتبر موقفا وسطيا يتيح لصاحبه مجالا أكبر للمرواغة والمناورة.

لكن قبل أن يعطي المؤلف رأيه في هذا الفكر ومنتجاته الحضارية، يقدم دراسة معمقة لأهم أسسه ومرتكزاته، وهي: الإنسانوية، العقلانية، الطبيعية، التأليه الطبيعي، التقدمية، الوضعية، والمادية.

وعند البحث عن معاني هذه المصطلحات، يستنتج توافقا نظريا وعمليا بينها، وملخصها التركيز على الإنسان وإعطائه المركزية والسيادة على كل شيء، باعتباره قادرا على وضع معاييره الخاصة، واعتبار العقل المصدر الجديد للحقائق، ونفي كل أشكال الميتافيزيقيا (الدين والغيب)، واعتبار الطبيعة المادية هي الوجود كله، وإعطاء معنى آخر للألوهية، وهي أن الإله موجود مع إنكار تدخله في شؤون الحياة، وأن الحياة تسير تلقائيا نحو الأمام، والإقرار بأولية المادة في الوجود و ثانوية أي شكل آخر للوجود.

يستعرض كتاب “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” أهم المبادئ الأساسية المكونة للحداثة الغربية وانعكاسها على الثقافة العربية، حيث يرى المؤلف أن الموقف من الفكر الغربي الحديث يكتسب أهميته من حيث حضوره في فكرنا لا شعوريا. وعلى الرغم مما يثيره هذا الأمر من الجدل، فما زالت هناك الكثير من الجوانب التي تستحق البحث فيه حتى اليوم؛ لأننا لو ألقينا نظرة على الساحة الثقافية العربية وما أنتجته على مدار قرنين حتى يومنا هذا لوجدناها مشبعة بروح الغرب وثقافته إلى درجة كبيرة.

من خلال هذا السرد السريع نستنتج أن الفكر المادي الغربي منظومة متكاملة لا يمكن الأخذ ببعضها دون الولوج فيها، وهي تمتاز بعدم التجانس الحضاري مع غيرها، أي أنها تفرض منطق الهيمنة والإلغاء في تعاملها مع الآخر، وذلك بشكل يخالف السيرورة التاريخية للحضارات.

لذلك، يجب علينا قبل إصدار موقف منها أن نستعيد عافيتنا الفكرية، وأن نخرج من دائرة التبعية المفروضة علينا، ثم نصدر حكمنا انطلاقا من منظومتنا الفكرية الخاصة التي تكرس المبدأ الإلهي أصلا للوجود والمعرفة والاجتماع، والتي نستنتج من خلالها أن الفكر الغربي ومنطلقاته النظرية يقعان على النقيض من حقائقنا الكونية الكبرى، لكنها لا تشكل نقضا لرؤيتنا الأكثر شمولا للحركة والتاريخ.

إن الفكر الغربي بقيمه المادية وبنتائجه المشاهدة حاليا ما هو إلا مؤشر للانحطاط، وهذه حقيقة لا يستطيع إدراكها إلا من تحرر من أسر عبودية الأشياء لأن قيمة حضارة ما تقاس بما توفره من شروط تحقق غاية الوجود الإنساني على مستوى الفرد والجماعة.

لكن الفكر الغربي يمثل واقعا مفروضا سواء قبلناه أو رفضناه، لذلك يجب استيعاب هذا الفكر عبر إدراك مذاهبه وعقائده استنادا إلى منطلقاته الفكرية، ولا يعني ذلك إقراره أو التصديق على مبادئه، بل فهم مبررات وجوده والأسباب التي أدت إليه، على الرغم من كل ما يحمله من تناقض مع أبسط حقائق الوجود والفطرة الإنسانية، فضلا عن مشاركة المثقفين في الغرب الذين باتوا يدركون مخاطر هذه الحضارة، سعيا إلى تقديم حلول للأزمات المعرفية والأخلاقية والروحية التي أنتجتها الحضارة الغربية.

أعتقد أن استيعاب هذه الحضارة بالشكل الموصوف أعلاه هو الذي سيقود إلى إلغاء معادلة الأستاذ والتلميذ، فهذه المعادلة تحولت إلى عقدة نقص وعقبة أمام الإبداع الفكري الحر، ما سيحول الموقف من رفض سلبي عاجز ومكابر إلى رفض بناء ومؤشر لرؤية حضارية لها خصوصية مستمدة من إدراك معنى خاتمية الرسالة المحمدية والعقيدة الإسلامية.