منهج المعرفة عند ابن حزم

ربى الحسني


يعد الإمام الأندلسي ابن حزم الظاهري (المتوفى عام 1064م) من من أكبر علماء الأندلس وأكثرهم تأليفا، فكان بارعاً في علم الكلام والفلسفة والأدب والأنساب والفقه، كما كان وزيرا للدولة الأموية في الأندلس، واشتهر في التجديد الفقهي ومباحث مقارنة الأديان.

ويرى ابن حزم أن الوصول إلى معرفة الحق لا بد أن يتم من خلال أحد مصدرين:
1- أوائل العقول، أو البدهيات العقلية: وهي مما يعلمها جميع الناس حتى الصبي الصغير الذي إن أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر، وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء، وكذلك علمه بأنه لا يجتمع المتضادان فإنك إذا وقفته قسراً بكى ونزع إلى القعود علماً منه بأنه لا يكون قائماً قاعداً معاً.

2- أوائل الحس أو الكيفيات الحسية: كالعلم بأن الأحمر مخالف للأخضر، وكالفرق بين الخشن والأملس واللزج، والحار والبارد، وكالفرق بين الحلو والحامض والمر والمالح. وكالفرق بين الصوت الحاد والغليظ والرقيق والمطرب والمفزع.

فهذه الأوائل العقلية منها والحسية؛ يجدها المرء في نفسه حال التمييز، فهي بمنزلة الضرورة.

ويترتب على هذين القسمين ما يلي:
1- المقدمات التجريبية الراجعة إلى ما صححته المشاهد والتجارب، وهي ضرورية بموجبها، وباتساقها مع الأوائل.

2- المقدمات الإخبارية: وتضم القضايا التاريخية والدينية التي تم التحقق من صدقها ولها ضرورتها الخاصة وتتسق مع ما سبق.

3- النتائج اللازمة بالاستدلال المنطقي الصحيح عن مقدمات القسمين الأول والثاني، وهي ضرورية ضرورة منطقية.

فهذه المقدمات لاشك فيها ولا سبيل إلى أن يطلب عليها دليلاً إلا مجنون، وهذا أمر يستوي في الإقرار به كبار جميع بني آدم وصغارهم في أقطار الأرض إلا من غالط حسه وكابر عقله.

وعليه فقضايا قسمي الأوائل الحسية والعقلية، ومن ثم المقدمات المتسقة معها من تجريبية وإخبارية (شفوية ونصية)، والنتائج اللازمة عنها جميعاً تستغرق كل موضوعات المعرفة البشرية.

والشاهد من التمهيد الذي ذكرنا، أن ما رجع إلى مقدمة من المقدمات المذكورة فهو حق كما أن تلك المقدمة حق لا فرق بينهما في أنهما حق، والخبر الشفوي والنصي يمكن أن يرجع هذه المقدمات، وبالتالي فهو من مصادر المعرفة إن كان صادقاً.

وقبل النظر في صدق أخبار الأنبياء، نرجع مجدداً إلى ابن حزم الذي يحدثنا عن أن النبوة من الضرورات المعرفية للبشرية لتستقيم حياتها، فهو يرى أن العلوم والصناعات لا يمكن البتة أن يهتدي أحد إليها بطبعه دون تعليم، كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها على كثرة اختلافها ووجود العلاج لها بالعقاقير، وأن الإنسانية حتى تصل إلى معرفة ذلك تحتاج إلى تجارب تستغرق عشرات الآلاف من السنين، لأن ذلك يتطلب مشاهدة كل مريض في العالم وهذا يقطع دونه قواطع الموت والانشغال بشؤون الحياة والممات، ومثل ذلك الكثير من المعارف التي حصلت عليها البشرية، فلا سبيل إلى اختراع هذه المعارف بدون هداية، وهو بذلك لا يعني أن هذه المعارف غير مصنفة بالكتب، بل يقصد ابتداء معرفة هيئتها الأولى وتعلمها كابتداء الأمراض وأنواعها وقوى العقاقير والمعاناة بها وابتداء معرفة الصناعات، فهي لم تكن إلا بوحي من الله تعالى، ليخلص من ذلك إلى القول أنه “لا بد من إنسان واحد فأكثر، علّمهم الله تعالى ابتداءً كل هذا دون معلم، لكن بوحي حققه عنده، وهذه صفة النبوة، فإذن لابد من نبي أو أنبياء ضرورة فقد صح وجود النبوة والنبي في العالم بلا شك”.

وبعد هذه المقدمة، فإن النبي الذي يرسله الله تعالى إلى البشر، فلا بد له من آيات “معجزات”، يكون مدعاة للتصديق به، وحتى تتميز هذه الآيات عن غيرها من مظاهر السحر وفعل العجائب، لا بد أن تكون معجزات الرسل خاصة بهم، ولا يقدر عليها أحد غيرهم وهي كالتالي:

1- اختراع الجوهر من العدم: كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

2- قلب الأعيان وإحالة الطبائع: كقلب العصا حية، وإحياء الموتى.

3- إحالة الأعراض التي لا تزول إلا بفساد حاملها: كسواد الزنجي فهذا لا يقدر عليه أحد دون الله.

4- إحالة الذاتيات: كمن سقى مريضاً شيئا يضره فيبرأ (أي يشفى).

يمكننا الآن القول: إن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو نبي مرسل من الله، وقد أتى بآيات معجزات مؤيدات لرسالته من الله سبحانه وتعالى، وأنه جاء بأخبار صادقة متمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وأن ذلك تم من خلال الوحي، وأن الله سبحانه وتعالى عصمه كما عصم غيره من الأنبياء في جانب التبليغ مطلقاً فلا يقع منهم خطأ ولا سهو.

مذكرات بحّار.. إبحار أندلسي في مغارات العقل

أحمد دعدوش


أبو بكر غاييغو، كاتب أسباني متميز، اعتنق الإسلام بعد رحلة طويلة ومثيرة في البحث عن الحقيقة، ابتدأها في سن السابعة عشرة عندما قرأ كتابه الأول في نقد الكاثوليكية، فالتحق بكليتي الحقوق والتاريخ في جامعة سَراقسطة، وسرعان ما وجد نفسه -تحت تأثير المد اليساري- في أحضان الشيوعية، ولكن الحس الجمالي الذي يفيض من أعماقه دفعه للفرار من طغيان الجنرال “فرانكو” إلى باريس لدراسة الأدب والفلسفة في السوربون، حيث قُدر له أن يلتقي بأحد أقطاب البوذية فأسلم له العقل والروح، وترجم معظم كتبه إلى الأسبانية، ثم لم يلبث أن تابع رحلاته في أنحاء أوربا، ليلتقي بزوجته في وارسو عاصمة بولندا ويعود بها إلى موطنه، بيد أن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في ذهنه دون إجابة، ليعود مجدداً إلى المسيحية بعد أن طعّمها ببوذية الزن “Zen”.

لم يجد صاحبنا في المذهب الجديد سوى المزيد من المتاهات الصوفية الأسطورية، حتى عجزت مرشدته الروحية عن الإجابة على أسئلته العميقة مما اضطرها إلى مواجهته بالقمع، فاتخذ قراره الصارم باعتزال مجتمعه الذي اغترب عنه، ومنع ولديه من متابعة الدراسة في المدارس الرسمية ليتولى تعليمهما بنفسه، حتى وصل به الحال إلى التفكير جدياً باللجوء إلى إحدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا بحثا عن عقيدة تروي ظمأه للمعرفة!

ولكن يد العناية الإلهية مهدت له الطريق نحو غايته، ففي رحله عائلية قام بها إلى غرناطة وجد نفسه بالصدفة أمام المسجد الكبير ليفتح له باب اكتشاف دين لم يخطر بباله من قبل، فكان قراره الحاسم باعتناق الإسلام مع زوجته وولديه، ثم هجرته إلى الشرق ليقيم في إسطنبول بضع سنوات، قبل أن يحط رحاله في دمشق مع مطلع الألفية الجديدة، ويبدأ مشروعه الفكري في علّية داره الدمشقي- الأندلسي، حيث التقيته غير مرة قبل نحو عشر سنوات، مبحراً معه في تأملاته النقدية لكل من الحضارة الغربية والركود الإسلامي على حد سواء، وقد استوقفني كتابه الصغير “مذكرات بحار” طويلاً، لما وجدت فيه من عمق الطرح وروعة الأسلوب والإيجاز البليغ.

البدء بتجريد العقل
يأتي الفصل الأول تحت عنوان “أفكار ومعتقدات”، ويتعرض المؤلف فيه لقضية مهمة في نظرية المعرفة، إذ يبين أن الأفكار لا تزيد عن كونها مجرد خواطر يتبناها الفكر كعناصر قابلة للتبديل حسب الظروف، وهي تحتمل درجات مختلفة من الحقيقة، فتتفاوت بين الخرافة والحقيقة العلمية. أما المعتقدات فلا تلتمع في الذهن بهذه السرعة، كما أنها لا تُبنى بفعل تفكيرنا الخاص أو بناء على خواطرنا وتبريراتنا، بل تمثل محيط الحياة الذي نعيش فيه والقاعدة الأساسية التي تقوم عليها قراراتنا.

لذا فإن الرجل المثقف الأبيض- على سبيل المثال- قد يكرر على أسماعنا الكثير من المواعظ في نبذ العنصرية تجاه السود وضرورة المساواة، بينما تجده يثور غضبا إذا ما تقدم شاب أسود لخطبة ابنته، فنبذُ العنصرية عنده لا يعدو أن يكون مجرد فكرة أو خاطرة قد يطول دفاعه عنها، دون أن تمسّ قاعدة معتقداته الراسخة في أعماقه.

وقد أدرك الإمام الغزالي هذا التمييز بعد رحلته الفكرية الشاقة، إذ وجد أن المبادئ الأولى (الضرورات العقلية) لا تحتاج إلى أي سند عقلي للبرهنة عليها، وأن تجريد هذه المبادئ- والتي أسماها بالنور الذي يقذفه الله في الصدر- عن الأفكار والخواطر التي نكتسبها من التربية والبيئة هو الكفيل بإنقاذ العقل من عجزه عن الوصول إلى الحقيقة، وهذا هو بالضبط المنهج الذي اعتمد عليه ديكارت فيما بعد.

ويبدو أن بعض الأنبياء خاضوا بأنفسهم هذه التجربة قبل أن يوحى إليهم، إذ نشأ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام في مجتمعات وثنية، إلا أنهما قاما بإعادة قراءة هذا الموروث في سن النضج، فبدأ إبراهيم عليه السلام بطرح الأسئلة على قومه، واعتكف محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء فترات طويلة للتأمل. ولعل الأفكار والخواطر تراكمت تحت تأثير ظروف معينة في كل من أور ومكة لتحل محل المعتقدات التي لم تتفق مع فطرتهما السليمة، تمهيدا لنزول الوحي على النبيين بالحقيقة الجلية.

ومن هنا تأتي ضرورة مراجعة المعتقدات الموروثة بعرضها على المبادئ الأولى (البديهيات) التي يتفق عليها جميع الناس، وهو ما يقوم به الوحي في حثه العقلَ على إعادة البناء، لذا نرى أن البيئة التي تطبق تعاليم الإسلام تكاد تخلو من التناقض بين الأفكار والمعتقدات، لأن معتقداتها مبنية في الأصل على الفطرة، فالمسلم ذو البشرة البيضاء الذي ينشأ منذ طفولته على نبذ العنصرية لن يكون مضطرا لمجاهدة نفسه إزاء أي تناقض قد يطرأ بين ما يقوله أو يؤمن به، إذ لا يستبطن أصلا في كيانه أي موقف تجاه السود يخشى من ظهوره أو التفكير فيه.

تشويه الحقائق
في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان “حضارة وبربرية”، ينتقد الكاتب ظاهرة التنميط التي يستخدمها الطرف الأقوى غالبا لقلب المفاهيم وتغيير مجرى الأمور لصالحه، فتقسيم العالم مثلا إلى عالمين، متحضر ونامٍ، يختزل الكثير من الحقائق التي تحكي واحدةً من أبشع صور الاستغلال في التاريخ، ويضرب مثلا طريفا لهذه الظاهرة عندما يفترض أن الكلاب تمكنوا في عصر ما من السيطرة على مملكة الحيوانات، ثم يسهب في سرد تفاصيل الثقافة التي سيعممها الكلاب لإثبات أنهم الفصيلة الأفضل من بين جميع المخلوقات، وأن أعداءهم القطط هم الأسوأ على الإطلاق، إذ ستزرع وسائل الإعلام في عقول العامة حقيقة البربرية التي تتمثل في اصطياد الفئران والعصافير، وذلك الجهل التام الذي يعنيه أكل أشواك السمك في مقابل الطبق المتحضر والعلمي الذي يتألف من عظام فخذ البقرة اللذيذ!

وتتجسد هذه المهزلة على نحو أكثر خفاء في حياتنا نحن البشر عندما يميل الأقوى لتعميم قيمه المطلقة على الطرف الأضعف، وللمزيد من التوضيح يسرد الكاتب حوارا شائقا بين “جاهول” المتعطش للمعرفة، والحكيم “فطرونيوس”، يميز فيه الأخير بين المعوز الذي يعيش حياة كريمة بالرغم من قلة متاعه وبين الفقير الذي لا يجد شيئا، ويبين أن الإسلام قد تمكن في بعض مراحله من القضاء واقعيا على الفقر، بينما يفترش مئات المشردين الجرائد في شارع “ماركت ستريت” الراقي في سان فرانسيسكو للنوم إلى جانب ناطحات السحاب.

أما التجسيد المعولم لهذه الظاهرة فنجده في انتشار القيم الغربية وثقافتها في كل الأمم بالرغم من تناقضها مع ظروف البيئة ومستلزمات الحياة، فالملابس العربية القديمة -على سبيل المثال- كانت قد صُممت بما يتناسب مع مناخ المنطقة الحار والجاف، بينما تفرض العولمة اليوم على الجميع ارتداء زي موحد، والأمر نفسه يمتد ليشمل كافة مظاهر الحياة، إذ بات على الجميع أن تُنمط تفاصيل حياتهم اليومية كي لا يبقوا خارج هذه “الحضارة”، تماما كما تفعل القطط التي تضطر للعيش في مجتمع يحكمه الكلاب!

شامان من روسيا

شامان من روسيا

بين العقل والوحي
يستعرض المؤلف في الفصل الثالث “نبوة وشامانية” تاريخ الصراع بين الأسطورة والوحي، وبين الشامان -أي الساحر في العصور الغابرة- والنبي، ثم يقرن الساحر بالفيلسوف الذي يدعي العقلانية، إذ يسعى كلاهما للسيطرة على الكون، سواء بالخرافة والوهم أو بالعلم، بينما يستمد النبي معرفته من خالق الكون نفسه.

الشامان- الساحر أو الفيلسوف- يؤلّه نفسه، ويقود العالم لتقديسه، فهو الغاية وبيده الوسيلة، وعلى البقية أن يطيعوا أمره ويكفوا عن طرح الأسئلة، وأن يقنعوا بوسائل الترفيه والإلهاء التي يضخها إليهم باستمرار، وقد يكون مدركاً للحقيقة التي يخفيها عن الناس، إلا أنه غير مستعد للتنازل عن لذة السيطرة.

النبي في المقابل لا يدعي لنفسه شيئا، بل هو وسيط بين الإله والبشر، قد يتعرض للإهانة والأذى، ومع ذلك ينسحب راضيا من المشهد ليُبرز الإله الذي لا يُعبد سواه، فهو لا يُخفي الأرواح ليدعي القدرة الخارقة، ولا يحتكر العلم للسيطرة على الناس، بل يبذل قصارى جهده لإيصال الرسالة إلى الناس بكل تواضع، كما أنه لا يستخدم المخدرات والرقصات الصوفية، ولا يخفي أياً من الممارسات والأسرار للوصول إلى المعرفة، ولا يتكبر على أتباعه أو يحتكر لنفسه زياً أو مظهراً يميزه عن غيره. الصلاة عنده ركوع وسجود وتجريد للقلب عن كل ما سوى الله، يستوي فيها الصغير والكبير، الغني والفقير، ولا تستدعي قربانا ولا نيرانا، ولا هلوسات تدخل الرهبة في القلوب.

وبهذا التأمل الوجداني الشفيف يُبحر كاتبنا الأندلسي في جداول المعرفة، ليجمع أصنافا شتى من التوابل لتكوين وجبة فكرية ممتعة، ويقدم للقارئ العربي خلاصة تجربته في طبق شهي يرضي كافة الأذواق، ويدفع العقل لإعادة التفكير في الكثير من الأفكار الخاطئة.

العلم.. مرشد حكيم أم دليل أعمى؟

ديما مصطفى سكران


هل تستطيع أن تتخيل عالمنا هذا من دون رقائق الذرة؟ باستثناء عشاق رقائق الذرة فسيكون الجواب غالبا: نعم الأمر سهل وممكن! لكن هل تنطبق هذه الإجابة المتساهلة على كل ما جاءت به البشرية من منتوجات أو اختراعات؟

من عجائب العلم أن مسيرته تحكمها الصدفة البحتة! الكثير من الحقائق المهمة التي تقوم عليها الآن تطبيقات عديدة جاءت بمحض الصدفة كاكتشاف البنسلين مثلا أو أشعة إكس أو النشاط الإشعاعي أو اكتشاف الكهرباء الساكنة أو تقطير النفط  أو اخترع الميكروويف أو البلاستيك أو حتى رقائق الذرة! ربما يسهل بالفعل تخيل عالم من دون رقائق ذرة، لكن الأمر سيكون أكثر تعقيدا لو بدأنا باستبعاد كل ما توصلت إليه الاكتشافات والجهود العملية من قائمة حياتنا، ومن ثم استبدالها بحقائق وتطبيقات جديدة كان من الممكن التوصل إليها في نسخة أخرى من هذا العالم!

ماذا لو لم يكن ألكسندر فليمنج قد نسي تغطية الوعاء الحاوي على البكتريا في مخبره في مساء ذلك اليوم، ماذا لو لم تكن طبقة العفن تلك قد تشكلت لتؤدي إلى اكتشاف البنسلين أول صاد حيوي وما تبعه من ثورة في عالم الطب والقضاء على الأمراض الجرثومية التي أهلكت البشرية لأمد طويل!

ماذا لو لم يضع الألماني ويلهلم رونتجن يده أمام أنبوبة أشعة كاثود ليكتشف أن عظامه تظهر على شاشة الفلورسنت؟ ماذا كان ليكون مصير كل المرضى الذين ساهمت أشعة إكس بوضع تشخيص لأمراضهم! ماذا عن التصوير الطبقي المحوري؟ وهل كان ليكون له وجود أساسا لو لم يمد رونتجن يده بالصدفة إلى المكان الصحيح في عتمة تلك الغرفة؟

نيوتن

ماذا لو لم تكن السماء متلبدة بالغيوم في ذلك اليوم الذي قرر فيه هنري بيركل دراسة ظاهرة التفسفر فترك ألواح التصوير بجانب أملاح اليورانيوم بانتظار يوم مشمس ليستكمل التجربة؟ هل كانت لتكون هناك مفاعلات نووية؟ هل كان ليكون هناك وقود نووي؟ هل كانت كارثة هيروشيما وناكازاكي لتحدث؟ هل كانت ستنتهي الحرب العالمية الثانية أساسا لو كان ذلك اليوم مشمسا؟

بل ماذا لو لم يولد نيوتن؟ ماذا لو كانت أمه قد تعثرت في أثناء نزولها درج البناء فأجهضته قبل أن يولد ويكبر وتسقط على رأسه تلك التفاحة؟ بل ماذا لو ولد وكبر ولم تسقط على رأسه التفاحة؟ ماذا لو كانت قد قرر في ذلك اليوم التمدد على الأريكة عوضا عن الاستلقاء تحت شجرة تفاح؟  كيف كان مصير فيزياء العالم ليكون دون نظريات نيوتن الثورية وتطبيقاتها؟

ماذا لو كان والد أينشتاين سكّيرا مدمنا على المخدرات فنشأ طفله العبقري في فقر مدقع دون أن تتاح له فرصة الذهاب إلى المدرسة؟ ماذا لو عاش ألبرت أينشتاين ومات أميّا لا يعرف قراءة أسماء المحلات التجارية في شوارع ألمانيا؟ كيف سيكون شكل العلم والعالم الآن بدون النظرية النسبية وتطبيقاتها؟

ماذا لو كان نيكولا تيسلا قد ابتلع عملة معدنية في عمر الثالثة ثم اختنق بها ومات؟ كيف كان سيبدو شكل العالم الآن من دون اتصالات لاسلكية؟

ثم دعونا الآن نعكس الآية فنسأل أسئلة مضادة: ماذا عن الاحتمالات اللانهائية من الاكتشافات والاختراعات التي كان من الممكن أن تحصل ولم تحصل لأن صدفة اكتشافها أو التفكير فيها لم يتح لها الحدوث لسبب أو لآخر؟ ماذا عن العقول العبقرية هائلة العدد التي عاشت وماتت في شتى بقاع الأرض دون أن تتهيأ لها الظروف لتقدم عبقريتها للعالم على هيئة اكتشافات أو اختراعات جديدة؟ فنحن لم نتحدث حتى الآن إلا عن علماء عاشوا وماتوا منذ حقبة قريبة لتقريب الصورة للأذهان لكن الأمر ينطبق على عمر البشرية بسائرها وعلى كل بقاعها وكل شعوبها منذ بدء الخليقة وحتى الآن، منذ اكتشاف النار واختراع الأبجدية واكتشاف خصائص المعادن واختراع وتصنيع الورق واكتشاف الكهرباء واستغلال طاقة الرياح واختراع معدات الإبحار ووضع أسس الرياضيات وتجارب الكيمياء الأولى وغير ذلك من حلقات هذه السلسلة الطويلة من الاكتشافات والاختراعات التي سارت وتطورت وتقدمت بمحض الصدفة البحتة حتى أخذ عالمنا هذا شكله الحالي الذي هو عليه الآن، شكله الذي لا يمكننا أن نتخيل غيره، حتى أن كل شطحاتنا في أفلام الخيال العلمي تدور في فلك تصورنا الحالي عن العالم وتستند إليه!

إن عقولنا التي نعتقد بقدرتها الجبارة على الانعتاق من كل المسلمات لتفكر بحرية مطلقة بعيدا عن أية أفكار مسبقة أو أي إيمان أعمى هي في الحقيقة مقيدة بلا انفكاك بشكل العالم الحالي، بمعطيات العلم الحالية، بما عرفته وعاشته وألفته من تجلياتهما، بما أنتجته الصدفة العشواء في هذه الرحلة غير المحسوبة نحو المستقبل المجهول.

إن عقولنا التي نعتقد بحريتها وقدرتها الجبارة على التوصل إلى الحقائق، والتي نسمو بها أو نعتقد أننا نسمو بها عن أية تحيزات هي منحازة في الحقيقة إلى ما عاشته وألفته في من الحقائق المختلفة وتطبيقاتها في هذه النسخة الواحدة من العالم، هي غيرُ قادرةٍ في الحقيقة رغم ذكائها الوقاد على التفكر بأي احتمالات أخرى من بين احتمالات لا نهائية لشكل العالم وهيئته ومآلات تطوره المختلفة لو سارت أحداثه على غير النحو الذي سارت عليه أو لو حدث في وقت ما تغير في هذه السلسلة من الأحداث في عمر العالم ومسيرة العلم المرافقة له!

وبينما نظن أن عقولنا حرة حرية مطلقة غير مقيدة بأي إيمان أعمى، قادرة على الوصول إلى حقيقة هذا الكون وجوهره بعيدا عن أية مسلمات نجد أنفسنا في الحقيقة مع قليل من التفكير غارقين في الإيمان بالمسلمات حتى غرتنا! مسلمات توصلت إليها رحلة عشوائية من تطور العلم، رحلة محكومة بصدف متعاقبة لا يملك أي منطق مفهوم وفق حدود إدراكنا سلطة عليها! رحلة يقودها دليل أعمى نمسك بعباءته من الخلف مؤمنين إيمانا مطلقا بأنه سيقودنا إلى الحقيقة الأصيلة لهذا الكون المليء بالأسرار! في حين أننا في عالم آخر أو بالأحرى في نسخة أخرى من هذا العالم أنتجتها صدف أخرى كنا لنؤمن ربما بما لا نملك الآن أي فكرة عنه! بما لا ندري ربما بوجوده! كان ليكون لدينا تصور مختلف عن هذا العالم! كنا لنستخرج الطاقة مثلا من ريش الدجاج! كنا لنتواصل عن بعد مثلا عبر شبكات أنابيب تحت أرضية مملوءة بغاز الميثان؟ كنا لنكتشف إشعاعات مختلفة أو أطيافا جديدة من الضوء بحساسات لا نملكها الآن في هذه النسخة من العالم! كنا لنتعالج بحقن كبسولات حرارية إلى مواضع الالتهاب في جسدنا عن طريق الوريد! كنا لنلتقط موجات بأجهزة جديدة توصلنا إلى اختراعها مع سلسلة مختلفة من المصادفات! كنا لأوجدنا مادة مختلفة عن البلاستيك أو الزجاج في صنع ألعاب الأطفال أو إكساء النوافذ، كنا لنتنقل بواسطة آليات على شكل كرات أو مثلثات تحول صمغ الشجر إلى طاقة! كنا لنكتشف علاقات جديدة بين الكواكب تحكمها قوانين غير الجاذبية التي كانت ستبقى أمرا خارج نطاق بحثنا! كنا لندرس الفضاء مثلا بواسطة أسهم بحجم أصابع اليد تطلقها مسرعات هائلة القدرة! وكنا وكنا وكنا…

في عالم آخر كان العالم ليأخذ شكلا آخر مختلفا تماما تعجز عن تخيله عقولنا التي نعتقد بقدرتها اللامحدودة! وكان العلم ليأخذ سبيلا آخر يوصلنا إلى قناعات جديدة غير التي نملكها الآن ونعتقد بصحتها المطلقة لأنها أتت حسب زعمنا عن طريق دليلنا الموثوق “العلم”، وكأنَّ العلم لا يسلك إلا طريقا واحدا مستقيما يقود مباشرة إلى الحقائق النهائية لكوننا المليء بالأسرار.. وكأننا وقد سلكنا هذا الطريق بمحض الصدفة من بين طرق كثيرة لسنا حيثما نحن في مركز متاهة عملاقة من حيث تظن عقولنا المغرورة المخدوعة أن الخريطة في أيدينا هي الخريطة الوحيدة الصحيحة وأن العلم هو مرشدنا الحكيم الذي علينا أن نتبعه دون تفكير، بل إن العلم في الحقيقة مرشدنا الأعمى الذي يتلمس طريقه في ظلام هذا الكون الواسع كيفما اتفق، وعلينا كي لا نضل ونحن نتبع خطواته أن نبقى مفتوحي العينين على آخرهما!

“وعلّم آدم الأسماء كلها”.. لم تكن مجرد أسماء

ديما مصطفى سكران


“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟”.

كثيرا ما يطرح القرآن أسئلة كبرى ثم يجيب عليها، وهي أسئلة متعلقة بالفلك والبحر والخلق والزمن والنجوم والفلسفة. وما كان محمد صلى الله عليه وسلم ليكلف نفسه عناء الإجابة على هذه الأسئلة الشائكة المتنوعة لو كان هو مؤلف القرآن، لأنها أكبر من الحالة المعرفية والفلسفية التي كانت سائدة في تلك المنطقة الصحراوية المعزولة من العالم، ولذا فإن ورود هذه الأسئلة الكبرى مع إجاباتها بين دفتي القرآن ليس إلا دلالة قطعية على صحة الرسالة.

أحد هذه الأسئلة الكبرى التي طرحها القرآن جاء على لسان الملائكة حين أعلنوا استغرابهم وحيرتهم من خلق الله عز وجل لآدم: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟”، فيجيبهم الله عز وجل بأنه يعلم ما لا يعلمون، ثم يعلم آدم أسماء الأشياء كلها ويعرضهم على الملائكة ليفشلوا في هذا الامتحان البسيط، فينبئهم آدم بأسماء الأشياء التي علمه إياها ربه، فيقول لهم الله : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟ ينتهي عجب الملائكة هنا وتنتهي القصة!

هكذا! بهذه البساطة! لطالما تساءلت وأنا أقرأ هذه الآيات عن سبب انتهاء القصة بهذه الطريقة، عن العلة التي تجعل معرفة آدم لأسماء الأشياء أمرا يمنع الفساد في الأرض، بل ويحقق عكس ذلك، العمران والبناء والتحسين!

لطالما مررت على هذه الآية أخفي في سري سؤالا صغيرا، كيف تكون هذه الحجة كافية لإسكات الملائكة، لإقناعهم بأن خلق آدم كان شيئا مختلفا سيحدث في ملكوت الله فرقا كبيرا، الأسماء! وما علاقة الأسماء؟ وما الروعة في أن أعرف مثلا اسم التفاحة والجدار والسماء والنملة! هل هذا أمر صعب حقا؟ هل هذا الأمر جدير بأن يكون الحجة التي تنهي حيرة الملائكة واستغرابهم؟

ولكي نجيب على هذا السؤال دعونا أولا نعمل مخيلاتنا قليلا لنتخيل عالما لا نطلق فيه أسماء على الأشياء ، تماما كما تعيش الكائنات غير العاقلة على هذه الأرض، أو ربما كما تعيش الملائكة! تخيلوا أننا نرى هذا الكون المعقد حولنا دون أن نكون قادرين على تسمية أي شيء فيه مهما كان صغيرا أو كبيرا ابتداء بحبة الرمل وانتهاء بالشمس! ألن يجعل ذلك تفاعلنا مع هذه الحياة تفاعلا آنيا تماما كتفاعل الحيوانات مع محيطها. فالسنجاب الموجود أمامنا الآن، نراه يقفز بين الأشجار، نرى لونه وفروه الناعم وعيونه الزئبقية، نعايش هذه التجربة بكل عمقها الممكن وتأثيرها على حواسنا، وبعد ثوان يختفي السنجاب الذي ليس له اسم، ويختفي معه كل شيء متعلق بهذه التجربة، كل ما التقطته الحواس أو شعرت به الجوارح. لن يخلف هذا الحدث في ذواكرنا إلا طيفا لا اسم له. إنها تجربة انتهت في ثوان، لن نستطيع نخبر بها أحدا، لأننا سنضطر في كل مرة نريد ذكر السنجاب فيها إلى الكثير من الشرح الذي لن يكون مجديا طالما أننا لا نملك حتى اسما لأي تفصيل نريد أن نقوله! سنكون وسيكون كل من حولنا كائنات متفاعلة بشكل آني مع كل شيء، تسيطر علينا الدهشة أمام كل جديد، تتحكم بنا الطبيعة دون أن نقدر على تطويعها طالما أننا لا نراكم أي خبرة ذات أهمية في عقولنا وطالما أننا لا نستطيع تطوير ذلك وتبادله مع الآخرين. ستكون حياتنا بدائية للغاية!

لكننا في عالم يوجد فيه اسم لكل شيء ستعني التفاحة لنا بمجرد قراءة اسمها أو نطقه أو سماعه ثمرة فاكهة كروية ذات لون أحمر أو أخضر أو أصفر لشجرة تزهر في الربيع زهرا أبيض وتطرح في الخريف الثمار، ولهذه الثمار طعم حلو أحيانا وحامض أحيانا أخرى ، يمكن أن تقضمها الأسنان فتصدر صوتا مميزا ويتطاير عصيرها على الوجه، فيها بذور مرة ومنها تصنع عصائر ومربيات. وهذا ما يعرفه أي شخص عادي، ولكن اذكر  كلمة “تفاحة” أمام عالم نباتات مثلا وسترى أن هذه الكلمة الصغيرة ستستدعي في ذهنه معلومات قد تملأ عدة صفحات عن شكل زهرة التفاح وعدد بتلاتها وعدة الأخبية التي تقبع فيها البذور في الثمرة وطريقة التكاثر والتركيب الكيميائي لقشرة التفاحة وطول سلاسل الكربون المشكلة لسكاكرها ووو إلخ من المعلومات المفصلة.

كان كافيا جدا أن نقول تفاحة لكي يفهم من هذا الاسم كل ذلك، كل هذا الكم الهائل من المعلومات الذي نستطيع تضخيمه قدر ما نريد  ثم نقله كله دفعة واحدة إلى أي شخص في العالم بمجرد لفظ “اسم” التفاحة!

تظنون المثال بسيطا، طيب فلنأخذ مثالا آخر. إن ذكر اسم LIGO  قد لا يعني غالبا لأي قارئ منا أي معنى، مجرد أحرف مصطفة بشكل عشوائي لها نغمة معينة عند نطقها، لكن جرب أن تذكر هذا الاسم أمام أي عالم او باحث فيزياء وسيخطر في باله فورا أن هذا الاسم هو في الحقيقة اختصار لعبارة Laser Interferometer Gravitational-Wave Observatory المرصد الضخم المؤلف من بنائين توأم ضخمين أحدهما واقع في ستانفورد والآخر في ليفينغستون بالولايات المتحدة الأمريكية، وكل منهما يتألف من ذراعين بطول 4000 متر على شكل أنابيب مفرغة من الهواء معزولة عن الوسط الخارجي بماصات للاهتزازات يمر فيها ليزر من أصفى أشعة الليزر في العالم لينعكس على مرآة عملاقة في نهاية الذراعين، حيث سمح هذا المرصد عام 2015 لأول مرة في تاريخ البشرية بالتقاط الأمواج الثقالية -التي تحدث عنها أينشتاين في نظريته عن النسبية- بنسبة انحراف في موجة الليزر بمقدار 10 مرفوعا للقوة 22 السالبة.

أرأيتم كيف استطاع الإنسان اختصار مفهوم ضخم لجهاز غاية في التعقيد بكلمة واحدة فقط، بمجرد اسم من أربعة أحرف؟ هل يا ترى كان اخترع شيء كهذا سيكون ممكنا لو لم يكن الإنسان مسبقا يعرف أشياء الليزر والمرايا والموجات الثقالية وكل ما يمت إلى مكونات هذا الجهاز بصلة؟ هل يمكن أن يقدر أي عالم مهما اختلفت جنسيته على أن يساهم في إنجاز كهذا لو لم يكن متفقا مع كل من يعمل معه على هذه الأسماء التي تخفي خلف بساطتها مفاهيما معقدة؟

أعتقد أن هذا الأمر صار واضحا الآن بما فيه الكفاية، فلولا قدرتنا على إطلاق أسماء على الأشياء منذ فجر الإنسانية الأول لما تمكنا من تبادل خبراتنا الانسانية وتطويرها عبر كل العصور والسنوات وبين كل الحضارات والشعوب ولما حصل هذا التراكم المعرفي الهائل الذي مكننا من الوصول إلى لما وصلنا إليه من تطور!

نحن البشر لدينا القدرة على حجز أشياء ملموسة ومفاهيم معقدة وظواهر طبيعية بأسماء بسيطة قدر الإمكان، لكنها تنطوي رغم بساطتها على كل ما يمت إلى مسمياتها من خواص وتفرعات بصلة، وذلك ابتداء بالذرة وما دونها وانتهاء بالمجرات شاسعة البعد.

وليست الأمور الملموسة والظواهر الطبيعية فقط هي الخاضعة لقدرتنا على التسمية والاصطلاح، بل تتجاوز قدرتنا ذلك إلى إطلاق الأسماء حتى المشاعر والانفعالات والمفاهيم الفكرية المجردة، تلك التي لا ندرك كنهها تحديدا لكنها تملك لدى كل البشر دلالة واحدة متفق عليها تمكنهم من استخدامها في إثراء هذا التراكم المعرفي الإنساني.

إن اسما كالحزن مثلا لا نفهم بالضبط جوهره لكننا نعرف تماما كيف يجعلنا نشعر، وبذلك نستطيع مشاركته مع الآخرين والتعاطف معهم لدى إحساسهم به. كذلك لو قلنا “التفهم” أو “الذكاء” أو “الاقتصاد” سيختلف الأمر قليلا لو بدأنا باستخدام مصطلحات  كالإبستمولوجيا والميتافيزيقا!

والأمر مماثل في حالة التفاحة وليغو LIGO، فمن السهل إذن التعرف على كلمة تفاحة وما تشير إليه على أرض الواقع، لكن من الصعب ان يذكر أمامنا اسم مرصد LIGO  مثلا دون أن نبدي جهلنا الواضح بدلالة هذا الاسم، لذا لا تعد عملية التعلم في حقيقتها إلا إضافة المزيد من الأسماء الى ذخيرتنا اللغوية، لا كأحرف وأصوات فقط، بل كمفاهيم معقدة وحقائق تراكمية يستغرق أساتذة الجامعات وقتا طويلا لشرحها لطلابهم، كما يستغرق العلماء والباحثون واللغويون الكثير من الوقت ليختاروها أو يضيفوها إلى معاجم اللغات لتدل على الأشياء أو المفاهيم الجديدة التي توصل إليها البشر، وكل ما تفعله البشرية منذ بدء الخليقة حتى الآن هو إطلاق المزيد من الأسماء على المزيد من الأشياء، ومع كل اسم جديد يزداد يقين الملائكة بحكمة الله سبحانه وتعالى من خلق الإنسان وتتكشف إجابة هذا السؤال الكبير، فالإنسان مخلوق قادر على الإعمار، يستطيع التعلم والتعليم وتطوير الخبرات لتطويع الطبيعة، مخلوق ستكون مهمته مذ حمل الأمانة بناء هذه الأرض، وقد بدأت مهمته تلك مذ خلق الله سبحانه وتعالى سيدنا آدم ثم علمه الأسماء!

تتبدى هنا روعة الإجابة على هذا السؤال في النص القرآني، إجابة فلسفية غاية في العمق والإقناع ما كان ليتأتى لرجل أمي أن يتوصل إليها من تلقاء نفسه في هذه الصحراء المعزولة عن كل حضارات العالم المتطورة آنذاك! عن كل تراثه المعرفي وجدالاته الفلسفية وسفسطته! فسبحان الله الذي أنزل القرآن بالحق وخلق آدم أبو الإنسانية ثم علمه الأسماء كلها! سبحانه لا إله إلا هو!

العقل بين الاستخدام والعمى

إيمان محمد

 

أسرَّت إليّ بحالة الحيرة التي تعيشها منذ شهور ليست بالقليلة، تكتمها عمن حولها، لكن حيرتها تكاد تنال من روحها. كانت تحب الحيرة التي تقود إلى السؤال، الذي تقود إجاباته لمعرفة الله أكثر، لكنها اليوم وأمام الإجابات الجاهزة والمُعدّة سلفاً باتت تخاف أن تقودها الحيرة إلى الضياع التام.

هذا العقل الذي وهبنا الله إياه كيف نستخدمه، وكيف لا نسمح له بأن يجرفنا في تيارات الإبهار ومحاولات حرفه عن وظيفته.

في بيئة تجسد حالة العالم كله ولكن بشكل مصغّر، ينقسم الناس فيها ما بين ملحد لا يؤمن بالله، له مجموعة من القيم يؤمن بها، وبين مسلم بالهوية لا يكاد يعرف عن الإسلام إلا مسمّاه، وقد بات يتخبط بين جهل وتشويه وضلالات. كانت تفكّر بجديّة في موقعها من ذلك كله، بهويتها وانتمائها، نصفها يميل لشقّ العلم الذي زعم الملحدون أنهم ملّاكه، وأقنعوا الناس بذلك، ونصف يميل لشقّ الدين الذي تبارى المسلمون المنسلخون عن هويتهم في تشويه صورته، ولكن الخيط الرفيع الذي يشعرها بالانتماء إليه هو إيمانها الفطري، وإدراكها أن هؤلاء لا يمثلون الدين الحق، كانت تحتاج إلى قوة أو ركن شديد تأوي إليه لترى المشهد بوضوح، وهي مع كل خطوة تخشى السقوط.

كنت أفهمها تماماً، ففكرة الضياع المطلق مرعبة، ونحن في خطوات التساؤل كنا نسير وكأننا على خيط رفيع بين هاويتين، نخشى زلة القدم المُهلكة، ولذلك كان إيماننا الفطري هو حبل نجاتنا الذي نتمسك به ليعيدنا، وكي لا يسمح لنا أن ننجرف، وليهبنا القوة من أجل استعادة النفس، والقدرة لاحقاً على المواجهة، وبالتالي فنحن بحاجة لتحصين نفس مستمر، وتمسكٍ بما لا تزل معه الأقدام أبداً. كنت أذكرها بمعنى التمسك في الحديث: “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم”.

وبماذا يمكن أن نصنف أنفسنا؟ أنكون من المتمسكين بحبل نجاتهم أم الغارقين؟ وهل فهمنا التمسك بشكل صحيح، أم أن منا من قطع الحبال وهو يشدها فكان من المتنطعين؟

وبالنظر إلى موقعنا الحقيقي على هذه الأرض فلن نختلف على أن الله تعالى قد اختارنا نحن البشر دوناً عن الخلائق كلها لنخوض هذا الامتحان الصّعب، ورزقنا العقل الذي فتح لنا أبواب العلم، وسخّر لخدمتنا الكون بأسره، وأوكل إلينا عمارته والقيام على شؤونه، قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون” ]البقرة:30[.

لقد وهبنا الله العقل وميزنا به عن سائر خلقه لنستخدمه في عمارة الأرض فهو ركيزة قوة، لكن الإنسان استعمل سلاح العقل وسلاح العلم ليزيد سلطته ومكانته، ويسيطر على هذه الأرض فيفسد فيها ويسفك الدماء، فيحول القوة إلى وسيلة للظلم والاستعباد، وليجعل من وسائل قوته البناءة وسائل لشقائه وضياعه، وفي هذه الجزئية ميّز القرآن بين أصحاب العقول الذين سماهم “أولو الألباب” وبين الفئة الأخرى التي لا تستخدم العقل في الوجهة الصحيحة ولا تستخدمه، قال تعالى: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” [الأعراف: 179].

ووصف الله تعالى هذه الحالة بعمى القلوب، قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” ]الحج: 46[.
وهنا تحديداً يكمن الفرق بين صاحب العقل المؤمن الذي يستخدم عقله في سبيل الحق وصلاح البشرية، وبين من لا يستخدم عقله إلا ليكون عبداً لأهوائه، فيفسد في الأرض بدلاً من إصلاحها وهو لا يرتدع حتى يرى عذابه الذي يصور لنا القرآن الكريم في آياته حالة الندم على ضياع العقل وفساده، قال تعالى:  “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ” ]الملك: 10[.

صاحب العقل الذي يوجه أدواته ووسائله وقدراته ليواجه المفسدين والمتكبرين والمتجبرين، ولينصر المستضعفين ويرتفع بهم من قاع المذلة والمهانة إلى ما وهبه الإسلام من كرامة، وهو إن فعل وأخذ بسنن الله والتزم طريق هدايته وحدود العمل ضمن تشريعه كان من الوارثين المستحقين لإرث هذه الأرض.

ولنا في قصة فرعون نموذجاً واضحاً للاستخدام السيئ للعقل والوسائل والأدوات، ولنا في قصص القرآن عبرة ندرك من خلالها كيف تسقط دولة الظلم مهما علا شأنها بالعلم والقوة، مادامت لا ترتكز على ركيزة الإيمان، قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ على الذين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” [سورة القصص: 4-5].

لقد ورث المستضعفون الأرض في النهاية، وكانوا أئمة فيها، وذلك لأنهم تمسكوا بحبل الله، وطوعوا ما سخره لهم من أجل الحق لا من أجل أهوائهم.

وليس بالضرورة أن يستخدم التائه عن الله أدواته المسخّرة له في الأرض ليبطش ويظلم ويسفك الدماء، فقد يكون من أصحاب العلم والأخلاق، لكنه في النهاية يحيا في عالم علمه وأخلاقه، لا يستند فيها على إيمان يبصره الطريق، وهذا اختياره الذي لا يجبره أحد على أن يغيره، ولأنهم لم يُفتنوا بعقولهم إلى حد الزيغ عن الطريق، ولأنهم أيقنوا بأن العقل سيظل تائهاً بلا وجهة ما لم يضئ مصباح الإيمان فيه كان لهم إرث الأرض فضل من الله عليهم ومنة.

منهج العلماء المسلمين في الوصول للحقيقة

ربى الحسني

 

يُجمع العقلاء على أن الحقيقة العلمية في أي مجال تمثل قمة المقدسات الفكرية التي يسعى العقل السليم إلى بلوغها بعد أن يشق إليها سبيلاً من البحث والطلب، وينبغي لهذا السبيل أن يكون مبيناً على مجموعة من الإدراكات الصادقة لأن العلم لا يتولد إلا عن علم مثله. ولذلك سعى علماء المسلمين إلى وضع منهج علمي فريد للوصول إلى الحقيقة وهو منهج يصلح لاستخدامه في شتى العلوم ويتلخص في القاعدة التالية: “إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل”.

وهذه قاعدة جليلة تدل على أن موضوع البحث لا يخلو دائماً من أن يكون: إما خبراً منقولاً فيجب البحث في تحقيق النسبة بينه وبين مصدره والتحقق من عدالة ناقله وعندها تنبثق عن هذا الخبر حقيقة علمية معينة، أو يكون ادعاءً يتجه البحث فيه إلى الأدلة العلمية المنسجمة معه والتي من شأنها أن تكشف عن مدى صدق هذا الادعاء، ولكل دعوى نوع من الأدلة العلمية التي يناسبها ولا يستبدل به غيره.

وقد وضع علماء المسلمين في سبيل تحقيق الخبر فنوناً خاصة لم يعثر عليها التاريخ إلا في المكتبة الإسلامية، وهي: فن مصطلح الحديث وفن الجرح والتعديل وتراجم الرجال، حيث تتكامل هذه الفنون مع بعضها لوضع ميزان دقيق يتضح فيه الخبر الصحيح الذي يورث اليقين من غيره، ومن البديهي أن كل ما يتعلق بالعقائد لا يقبل فيه إلا ما يفيد اليقين التام. وصنفت لذلك المؤلفات التي تستعرض سير الرجال الذين ترد أسماؤهم في أي سند من الأسانيد ترجمةً وجرحاً وتعديلاً، ثم تصنيف الخبر إلى متواتر وآحاد بأنواعه الشهيرة في كتب هذا الفن (الصحيح والحسن والضعيف والموضوع).

أما منهجهم للتحقق من صحة الدعاوى فيختلف حسب اختلاف نوع الادعاء، فما كان متعلقاً بموجود مادي فلا بد من الاعتماد فيه على براهين مادية قائمة على الحواس الخمس أي التجربة والمشاهدة، أما ما كان متعلقاً بأمر تجريدي أو غير خاضعٍ لشيء من الحواس الظاهرة فأدلته إما أن يكون منصوصاً عليها نصاً واضحاً في الكتاب أو السنة المتواترة أو الصحيحة التي تورث اليقين، وقد أفاد منهجهم في التحقق من صحة الأخبار إلى العلم اليقيني بأن القرآن هو اللفظ الموحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم والواصل إلينا عن طريق التواتر وكذلك ما تواتر من سنته. مع التنبيه إلى أن النصوص القطعية الثابتة في الكتاب لم تفد اليقين بمضمونها إلا بعد اجتيازها لمرحلتين من البحث والنظر، الأولى: التحقيق في سند القرآن واتصاله من محمد صلى الله عليه وسلم إلينا، والثانية: التحقيق في صحة إخباره هو بأن القرآن من عند الله سبحانه، وهنا يركز البحث على حقيقة الوحي في حياته.

وأما ما لا نص عليه من الكتاب أو السنة الصحيحة فينحصر السبيل إلى معرفة الحق فيه بالنظر العقلي وحده، ويتحقق ذلك بمسلكين:

1-  دلالة الالتزام: وهو أن يطرد الترابط بين شيئين بحيث كلما ذكر الأول تصور العقل الآخر وإنما يتم ذلك بعد إجراء عملية استقراء تام لهما يتم فيها تتبع الحالات والظروف المختلفة كلها لوجود هذين الشيئين فنجدهما متلازمين دائماً، مثل: دلالة المآذن في بلدة على إسلام أهلها، ودلالة الصنعة على وجود صانع أو كما يعبر عنه عند علماء الكلام: لزوم حاجة الحادث إلى محدث.

وعرفت الدلالة بملازمتها الدائمة لملزوماتها وتكرر ذلك دون تخلف وتم على ذلك الاستقراء، فتكونت من هذه المقارنة الدائمة رابطة دلالة سارية بينهما، مع أن الدال ليس علة للمدلول. وفائدة هذه البرهان أن العقل السليم يتوصل من خلال التأمل فيها إلى الإيمان بها ولو لم يجدها ماثلةً أمام عينيه، فمن أوشك على دخول بلدة وقيل له إن أهلها جميعهم مسلمون لا يمكنه أن يصدق ما قيل له إذا تأمل بيوتها من بعيد فلم ير إلا صلبان الكنائس مع أنه لم يلتق بأحد من أهلها ويسألهم عن اعتقادهم، ومن يدعِ أن منبع نشأة الفكر والعقل عند الإنسان إنما هو شعوره بالحاجة إلى الغذاء لا يصدق في دعواه هذه، لأن التأمل في سائر الحيوانات التي تشترك مع الإنسان في الشعور بالحاجة إلى الغذاء لم يؤد إلى تمتعها بشيء من التفكير والعقل.

ولا يورث هذا التلازم اليقين دائماً إذ الأمر فيه منوط بمدى وضوح التلازم واستغنائه عن برهان آخر يدل عليه، وأقوى صوره من حيث الدلالة وقوة البرهان ما يسمى عند العلماء: دلالة الالتزام بالمعنى الأخص وهو أن يكون تصور الملزوم كافياً في تصور اللزوم والجزم به، كدلالة الأنين على المرض، ودلالة اللفظ المنبعث في الظلام على وجود كائن حي، فإن قوة اللزوم بينهما تجعل العقل يتصور أحدهما بمجرد تصور الآخر دون الحاجة إلى التفكر في الرابطة بينهما.

والصورة الأدنى من حيث قوة البرهان هي اللزوم البين بالمعنى الأعم: وهو توقف إدراك اللزوم بين الشيئين على تصور كلٍ منهما والنظر فيه ملياً، كدلالة الشيء الممكن على أنه حادث فالعقل لا يفهم لزوم الممكنات لصفة الحدوث إلا بعد إمعان النظر في معنى الإمكان وأنه الشيء الذي لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه وإنما ترجَّح فيه جانب الوجود لمرجح طارئ، ثم أمعن النظر في معنى الحدوث وتصور الصلة بينه وبين كل الكائنات التي من شأنها أن توجد بتأثير غيرها.

2- القياس الأصولي: وهو منهج قائم على استخراج علة الشيء أو سببه، ثم تلمسه فيما يشبهه من الأشياء المجهولة حتى إذا استيقن الباحث اشتراك كلٍ من المعلوم والمجهول في علة واحدة قاس الثاني على الأول في حكمه المنبثق عنه من تأثير تلك العلة. ويعتمد على مسلمتين عقليتين أحدهما: أن لكل معلول علة ولكل أثر مؤثر، والثانية: قانون التناسق والنظام في العالم الذي يجعل مظاهر الكون الجزئية المختلفة ترتبط بعلل كلية من شأنها أن تثبت التناسق والانسجام فيما بينها. ولا بد في عملية القياس من الاستقراء التام إذ هو الذي يبصر الباحث بحقيقة العلة وبواسطته يمكن إدراك العلاقات الثابتة الكلية بين الأشياء المتناثرة.

ومثاله: أن تبصر من بعيد مساكن يعيش فيها الناس فتستيقن من ذلك وجود الماء في ذلك المكان، لأنك تعلم مسبقاً وبالاستقراء التام أن من أهم أسباب صلاحية المكان لعيش الإنسان توافر الماء فيه لعلية الماء في إمكان الحياة.

وقد اشترط علماء المسلمين لصحة القياس في القضايا العقدية اليقينية أن تكون العلة مؤثرة في المعلول وأن تكون منضبطة واضحة غير مضطربة، كسببية المطر للإنبات والنار للإحراق، بقطع النظر عن البحث في حقيقة هذه السببية وتحليلها على ضوء الإيمان بالمسبب الحقيقي لها وهو الله جل جلاله.

ومثال استخدام القياس للوصول إلى الحقيقة: دلالة كل ما فيه مظهر الصنعة والتدبير على وجود صانع ومدبر له، فالعقل يستحضر بسرعة خاطفة سائر ما رآه وما تعلمه من وجود صانع ومبدع لكل صنعة متقنة واستحالة حدوثها بدون محدث، وعندئذ يقيس هذا الكون بما فيه على ما ثبت لديه من قبل فجزم بوجوب صانع متقن خبير له واستحالة حدوثه من غير محدث.