مسلسل جن .. المجتمع المسلم كما يراد له أن يكون

هادي صلاحات


ناقش العديد من علماء الاجتماع دور الإعلام في صياغة الواقع، ومنهم غي ديبور في أطروحته “المجتمع المشهد” والتي تتلخص في أنّ الواقع لم يعد هو الذي يشكل علاقة الأفراد بما حولهم، بل أصبح المشهد ينازع الواقع هذه المكانة، حتى أصبح المشهد هو المرجع الذي يحدد الواقع ويرسمه وليس العكس.

أما جان بودريار فقدم مفهوم “فوق الواقع” (hyper reality) وهو عدم القدرة على تمييز الواقع من محاكاة الواقع، وذلك بصنع (Simulacrum) أي نسخة مزيفة لا أصل لها. وتظهر “صناعة الواقع” جليّة في مسلسل “جن”.

جِنّ

جِنّ هو مسلسل ناطق بالعربية من إنتاج شبكة نيتفليكس (Netflix) الأمريكية، ويتكون من خمس حلقات عُرضت بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2019. وتدور أحداث المسلسل حول مجموعة طلاب بالمرحلة الثانوية يذهبون في رحلة مدرسية إلى البتراء فيموت أحدهم ويُشتبه بأن سبب موته أمر خارق للطبيعة “الجن”.

والمسلسل لا يختلف بتاتًا عن أي مسلسل أمريكي بالشكل والمضمون، فاللغة هي الاختلاف الوحيد. فرغم أن المسلسل صوِّر في الأردن ذي الطبيعة المحافظة نسبيًا، إلا أنه كان مليئًا بأكثر الكلمات بذاءة وسوقية وانحطاطًا، عدا عن المخدرات والسُكر والقبلات والملابس القصيرة.

والحجاب لم يظهر سوى على رأس إحدى النساء من البادية، ولم ينسَ المخرج تصوير قطيع الجِمال الحاضر دائمًا عند عرض أي من مظاهر الإسلام. وأما ما يتعلق بالجن فهو “تفاهات” و”خرافات”.

لا غرابة في ذلك؛ فطاقم التمثيل هم ممن دفعوا “ضريبة هوليود” أو يتوقون لدفعها، لذا فلن يمانعوا تمثيل مسلسل ناطق بالعربية ذي رؤية أمريكية، حتى أن بعض العبارات والتعابير مترجمة للعربية بشكلٍ حرفي ركيك.

ورغم رداءة أداء الممثلين، إلا أن ضخامة الميزانية التي رُصدت لإنتاج المسلسل تظهر بشكلٍ جلي من خلال تقنيات التصوير والمؤثرات البصرية عالية الاحترافية والتي تتجاوز تلك الموجودة في المسلسلات الأمريكية، وتصل لمستوى الأفلام الهوليودية. وأيًا كان المبلغ فيبدو أن نيتفليكس لن تمانع في دفعه مقابل عرض وترويج هذه الصورة المشوهة المؤمركة للمجتمع العربي المسلم؛ كما يراد له أن يكون.

رمز ماسوني مرسوم على ملابس إحدى الشخصيات

ما بين السطور

العرض الفج والتشويه الصارخ لم يمنع صناع المسلسل من بث بعض الرسائل غير المباشرة؛ فرغم أن أبطال القصة هم طلبة مدرسة، إلا الحصة الدراسية الوحيدة التي عُرضت كانت حصة الأحياء أثناء الحديث عن نظرية التطور. كما كانت بطلة المسلسل تستمع لفرقة غناء مغمورة، وما عرض من كلمات الأغنية كان: “طرق الجنة ع قد البشر” في رسالة إنسانوية (هيومانية) بأن الجميع يدخل الجنة. كما لم يخلُ المسلسل من الرموز الماسونية.

ماذا بعد؟

إن إثارة الجدل هي إحدى أنجع الطرق في الترويج وزيادة الانتشار ورفع نسب المشاهدات، لذا فرغم تدني تقييم المسلسل إلا أن الضجة التي أثارها ستعمل بالنهاية على إنجاحه، ليُنتج منه جزء ثانٍ وثالث.

وبنظرة أشمل، يبدو أن الآلة الإعلامية الأمريكية لم تكتفِ بالأثر الذي تُحدثه بشكل غير مباشر من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية والمحتوى العربي المتأثر بها، فللمرة الأولى نجد إشرافًا أمريكيًا مباشرًا على إنتاج محتوى “ترفيهي” عربي، والقادم أسوء!

فهذا المسلسل بما فيه من قذارة وانحطاط موجه لمن تزيد أعمارهم عن 16 سنة! وعند أخذ بالاعتبار جودة الصورة والمؤثرات البصرية، فبالتأكيد سيكون هذا المسلسل وأمثاله أشد جذبًا من غيرهم، خصوصًا بما يحتويه من مزيج من القيم الأمريكية واللغة العربية فيجذبون متابعي المحتوى العربي والأجنبي في آن معًا.

نيتفليكس في أولى تجاربها لإنتاج محتوى ناطق بالعربية جعلت من مجتمع مسلم محافظ مجتمعًا منحلًا كانت فيه “الحمد لله” عبارةً دخيلةً غريبةً على أذن السامع. لذا فلا عجب أن تحتوي التجارب القادمة على الشذوذ الجنسي أو الشبهات الطاعنة بالدين. أضف لذلك أن شيوع هذا المحتوى سيُطبِّع الأفراد مع الشكل الأمريكي للمجتمع، وسيكون على الشركات العربية تقديم محتوى مشابه كي تستطيع المنافسة، لتكون النتيجة مجتمعًا أمريكيًا ناطقًا بالعربية!

كيف تمجد هوليود قضاياها؟.. الهولوكوست نموذجا

عاتكة عمر


لم تعد السينما متنفسًا لضغوط الحياة ومكانًا لقضاء عطلة آخر الأسبوع أو مكانًا لكسر روتين الحياة فحسب، فصناعة الأفلام تتصدر اليوم الصناعات العالمية التي تدرّ مرابح خيالية تجنيها إمبراطوريات السينما العالمية[1]، فهي اليوم تجارة رابحة رائجة تخدم كل متطلبات السوق، وتتنافس الشركات المصنعة للحصول على المراكز الأولى في المسابقات والمهرجانات العالمية التي تقام بأجواء طقوسية مهيبة تتابعها أنظار العالم.

تقدّم السينما اليوم كل ما يخطر على بال المشاهد، فأيًا كان اهتمامك وانتماؤك لا بدّ أن تجد بين زحمة الأفلام ما يعجبك، وهي في وصولها إلى المنازل تقدم مزية جديدة لمحبي المشاهَد أكثر من المقروء.

لعلّ أكثر مواضيع السينما التي لاقت اهتمامًا واسعًا، تلك التي تناولت القضايا التاريخية والسير الذاتية، وهي في صنعتها هذه تهدف إما لتوثيق ما جرى أو فرض نظرية تتبناها جهة ما، أو تصبّ في مصلحة الأقوى الذي يتحكم بكبرى شركات صناعة الأفلام، وهي إذ توجّه فكر المشاهد لتبني قضية ما، فإنها تستخدم كل قدراتها الإبداعية للتأثير الدقيق والبطيء في أفكار المشاهد جيلًا بعد جيل.

لم تشهد السينما العالمية احتفاء بقضية ما كتلك التي تناولت المحرقة “الهولوكوست”، سواء تلك التي تعرّضت لها في طي حديثها عن الحرب العالمية الثانية، أو الأفلام التي تناولت شخصية هتلر، أو التي صُنعت خصيصًا لتخليد أحداث المحرقة.

اللافت للنظر أن نسبة كبيرة من هذه الأفلام قدمتها ألمانيا في ضوء ما عُرف بالمسؤولية التاريخية الألمانية عن الهولوكوست وترسيخ عقدة الذنب الأوروبية، وهي تتلاقى في هذه النقطة مع الأفلام الأمريكية التي تحدثت عن تاريخ العبيد في أمريكا وترسيخ عقدة الذنب الأمركية، ونسبة كبيرة من هذه الأفلام أنتجتها أمريكا، في حين أنتجت إسرائيل أقل من عشرة أفلام!

استطاعت تلك الأفلام رسم صورة متكاملة، فالقصص والمشاهد صارت مكررة بأكثر من فيلم، وهي تقدم لك القضية بأي صورة أحببت، فإن كنت من كارهي المشاهد الفجة التي تصوّر القتل والتعذيب المروّع فهي قدمت لك فيلم “الحياة جميلة Life Is Beautiful” الذي تناول المحرقة بأسلوب الكوميديا سوداء، حيث نال هذا الفيلم ما يزيد على 40 جائزة وسمّي بفيلم الجوائز [2]، أما إن كان لديك الفضول في الاطلاع على حياة الناس العاديين فقد قدمت لك فيلم “عازف البيانو The Pianist” الذي نال أيضا 33 جائزة [3]، ولم يفت تلك الأفلام أن تمثل لك الجانب الآخر لمشاركين في المحرقة فقدمت أفلامًا لمشاركين فيها بصورة ما كالجنود المجبرين على الحراسة.

ولا يملك المشاهد المجرّد من الحقائق السابقة واللاحقة على وقوع الهولوكوست عند مشاهدته لفيلم “قائمة شندلر Schindlers List” والذي نال 34 جائزة [4]، لا يملك إلا أن يتعاطف مع أحداث الفيلم والتي نجح في تصوير معاناتهم أيّما نجاح، فالمشاهد المجرّد يمكن أن يرى أن هذا الشعب الذي طال عذابه لا بُدّ أنّه يستحق الحصول على وطن!

يتحدث الفيلم عن مسيحي ألماني نافذ يمتلك مصنعًا للأدوات المنزلية، ينجح في إقناع السلطات بتشغيل اليهود في المعامل كقوّة بشريّة بدلًا من تصفيتهم، فيشغل 1200 عامل في مصنعه مجنبًا بذلك هذا العدد من موت محقق، ويسرد الفيلم أحداثًا سوداوية بالأبيض والأسود ويصوّرها تصويرًا فجًا محاكيًا بذلك الأحداث المروعة التي ارتكبتها النازية الألمانية والتي تتشابه في كثير من صورها مع “النازية الأسدية” في سوريا.

يعتبر الفيلم تخليدًا لذكرى المحرقة بالدرجة الأولى وتخليدًا لأوسكار شنلدر، في نهاية الفيلم ربما فات المخرج والكاتب وأبطال الفيلم والمنتج، ولربما يفوت المشاهد إن لم يتخذ موقفًا من قضيته، فاتهم جميعا أن أوسكار دُعي بعد ذلك إلى مدينة القدس لزرع شجرة في أحد أحيائها، أوسكار الذي مات في ألمانيا نقلت جثته إلى القدس، فاتهم جميعًا أن يخبرونا كيف وصل أوسكار الى القدس؟ كيف وصل اليهود إلى القدس؟ هكذا يختتم الفيلم بصورة لقبر أوسكار وحوله ناجين من المحرقة يزورون قبره في “وطنهم” فلسطين، لكن كيف وصلوا إلى القدس وأين أهل القدس؟ فهذا ما تورّع الفيلم عن ذكره لئلا يمسّ بذلك أي تشكيك للأيقونة “الهولوكوست”.

الهولوكوست بأعين الكتّاب الغربيين
تعرضت قضية الهولوكوست لحملة كبيرة من التشكيك بوقوعها بالأعداد والصورة التي أظهرتها السينما والكتب، إذ تشير بعض التقارير لاستحالة مقتل الملايين في أفران الغاز، وشكك البعض بوجود أفران الغاز أصلًا، وقاد هذا الإنكار بول راسنييه (1967)[5] إذ يعتبر كتابه “دراما اليهود الأوروبيين Le drame des Juifs européens ” من الوثائق الهامّة التي تناولت قضية المحرقة وفنّدت الأقاويل حولها.

صحيح أن ما كتبه راسنييه لم يكن الأول في إنكار المحرقة فقد سبقه الكاتب الأمريكي فرانسيز باركر يوكي في كتابه “الحكم المطلق”، إلا أن راسنييه بصفته أحد نزلاء المعسكرات النازية لاقى تشكيكه ضجة كبيرة، وزاد الطين بلة حين وصف أعمال التعذيب التي مارسها الألمان بأنها لا تقل بشاعة عن تلك التي مارستها القوات الفرنسية إبان احتلالها للجزائر حيث كان راسنييه جندي في الجيش الفرنسي[6].

ويعتبر الكاتب والمؤرخ الأمريكي هاري بازنز (1968) عرّاب أفكار راسنييه الذي ترجم أعماله إلى الإنكليزية.

أما الأستاذ الجامعي والمفكر الجريء روبرت فوركسيون[7] (2018) فقد كلّفه إنكارها إعفاءه من منصبه الجامعي في كلية الآداب في فرنسا بتهمة معاداة السامية، وتعرض للضرب من قبل مجموعة من منظمة “أبناء ذكرى اليهود”، كذلك تعرض روجيه غارودي (2012) للمحاكمة بسبب تشكيكه في أعداد ضحايا الهولوكوست في كتابه “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”.

من الهولوكوست إلى إسرائيل
لم تكن تنتهي أحداث الحرب العالمية الثانية حتى أُعلن عن قيام “دولة إسرائيل” عام 1948، هذا التلاحم الزماني يفرض نظرية منطقية تربط أحداث المحرقة بقيام إسرائيل، تقول النظرية أن المحرقة أمرٌ مدبّر من قبل الصهيونية التي تلاقت مصالحها مع مصالح النازية ونجحت في نصب فزّاعة لليهود وللعالم اسمها “أفران الغاز” دفعت بها تجاه اليهود لتبقيهم في حالة خوف دائم من عدو يفوق إجرامه الخيال، ليندفعوا مهرولين إلى أحضان بريطانيا لحل مشكلة اليهود الناجين من المحرقة، مهيّأة بذلك جوًا مناسبًا يمهد لتقبل اليهود الفارين من جحيم النازية أولًا، وتقبل العالم أخيرًا لفكرة وطن قومي لليهود في بقعة ما، وتم استثمار معاناتهم بشكل سياسي وربطه بقضية دينية “أرض الميعاد” يضمنون بها ولاء الناس لهم دائمًا، وهي سياسة دأبت عليها سياسات الدول الكبرى، في صناعة فزّاعات تعرّض شعوبها لها بين الحين والحين، ضامنة بذلك رجوعهم إلى حظيرة الطاعة وتفضيلهم لقاداتهم على أي سيناريو آخر، ويزيد الأمر تعقيدًا إن لُفّ المستهدَف والمستهدِف بهالة دينية.

من دفع ثمن الهولوكوست
في مغازلة فاضحة بين إسرائيل وألمانيا أثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هتلر قائلًا أنّ هتلر لم يكن يريد قتل اليهود وليست له مصلحة بذلك لولا نصيحة أمين الحسيني مفتي القدس، الذي زار هتلر وأقنعه بضرورة إحراق اليهود وكبح شرّهم، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون نكتة ساذجة تُبرئ هتلر بصورة ما، حيث وصف توم سيغيف المؤرخ الإسرائيلي تصريح نتنياهو بالحكاية الخيالية وفنّد هذا الادّعاء. [8]

بات واضحًا أننا نعيش في عصر تحكمه المشاعر الآنيّة، نذرف الدموع أمام شاشاتنا على كبريات الأحداث التي تمسّنا وجودًا وامتدادًا “فلسطين، بغداد، الموصل، حلب، حمص”، ثم نعود إلى دائرة عيشنا وندور ضمن دائرة مغلقة، فالكتابة والتوثيق إن لم تقدما حلولًا لنا نحن المقيّدين، فإنها قد تكون وثائق بيد أجيال قادمة تُبقيهم على دراية بما ضاع منهم فيسعون ربما لاستعادته.

لا يمكن للقضايا الإنسانية الكبيرة أن تُترك لمطلبها بلا استغلال يحوّلها من قضايا عادلة إلى مطايا وأسواق يروّج فيها كلٌ لبضاعته، وسواء اتفقنا مع هذا الترويج أو اختلفنا معه فإن ما يعنينا من كل هذه الفوضى ووسط أصوات الباعة المتداخلة، أن تستفيد تلك القضايا الإنسانية من “تجارة القضايا” لو صحّت التسمية، فهناك أعمال فردية أو مؤسساتية محمودة لكنها بالكاد تُسمع أو تتاح لها حرية حركة يسيرة، وهي إذ تحاول ترميم ما يمكن ترميمه فإنها رغم كلّ جهودها إنما تجمّل القبح أو تخدع أبصارنا أو تؤخر انهيارنا.

ليس مرفوضا على سبيل المثال أن تقام مؤتمرات لتنظيم منهاج دراسيّ موحد للطلاب المهجّرين من أوطانهم، يعرض في هذه المؤتمرات كلٌ بضاعته، لكنه مرفوض تمامًا أن تتحول تلك المؤتمرات إلى مهرجانات سنوية تجتمع فيها النخب الثقافية وتنفض عن عبث يزيد إلى تلك القضايا عبئًا بدل أن ينزع عنها واحدًا، ويبقى الطالب الذي لأجله عقد المؤتمر بلا مدرسة أو يدرس منهاجًا ذمّه المؤتمرون.

سرد القضايا الكبرى يُعرض للتزييف الذي يخدم طرفًا ما، لكن مع وجود النقّاد والمراقبين يستطيع المعنيّ بتاريخ ما اليوم أن يصوّب أخطاء السينما، وبالتالي ينزع عن الحقيقة قشور التدليس، فرغم كل الانتقادات التي وجّهت إلى المسلسل الأمريكي “جذور Roots” واتّهام كاتبه أليكس هيلي  بتزوير بعض الحقائق فقد نجح المسلسل بتوثيق تلك الحقبة السوداء بحق أمريكا عن تجارة العبيد الأفارقة، ورغم كل الانتقادات الموجهة إلى التلاعب بأرقام الضحايا اليهود فإن السينما ما زالت تنتج أفلاما عنها كلّ عام وتعيد الرواية نفسها من غير أن تسلط الضوء على الأقوام الذين ذاقوا نار النازية أيضًا، مثل الغجر، جماعة شهود يهوه، الشواذ، المعاقين..، لكن كمّ الضخ من الأفلام المدلسة للواقع يصعّب عملية النقّاد، ويبدو أن تصحيح تلك المعلومات سيغدو بعد جيلٍ أو جيلين؛ ماضٍ يتيم لا يعرفه إلا قليل، فهذه الجمعية العامة للأمم المتحدة تصدر عام 2005 قرارًا “برفض أي إنكار للمحرقة كحدث تاريخي سواء بشكل جزئي أو كلّي”، متبنية بذلك الرواية اليهودية بقضها وقضيضها، وهو القرار المعمول به في فرنسا، النمسا، سويسرا، إيطاليا، بلجيكا، بولندا، النمسا، المجر، وألمانيا، والتهمة حاضرة دائمًا “معاداة الساميّة”.

لماذا تستمر الدعاية للهولوكوست
تمت محاكمة المسؤولين عن المحرقة، وما زالت ألمانيا تدفع تعويضات لليهود المتضررين من المحرقة منذ عام 1952م في اتفاقية لوكسمبورغ، وتبعتها اتفاقية أخرى في العام ذاته، وآخر اتفاقية تعويض قدمتها ألمانيا كانت عام 2012 شملت 80 ألف يهودي ثلثهم في إسرائيل[9]. وسواء يحق لإسرائيل أن تأخذ القسم الأكبر من تلك التعويضات -باعتبارها لم تكن أصلًا- أو لا يحق لها، فإننا نذكر ما كان لا ما يجب أن يكون. والواقع أن إسرائيل استخدمت تلك التعويضات لتوطين اليهود في إسرائيل، ورغم أن الأمر لاقى ردود فعل رافضة لتحويل قضيتهم إلى قضية سياسية، فالتعويضات الألمانية تبقى “تعويض ما لا يعوّض”، حيث بلغ حجم التعويضات المادية التي قدّمتها ألمانيا منذ عام 1952 إلى يومنا قرابة 70 مليار دولار [10].

ورغم كل ما جرى فإن الدعاية للهولوكوست ما زالت قائمة، يديرها اليوم من لم يكن مكترثًا بقضيتهم بالأمس، فأمريكا التي يوجّه لها اليهود تهمة التخلي عنهم، هي نفسها تنتج أكبر الأفلام عنهم.

يقول جوزيف مسعد الأستاذ المساعد في قسم السياسة وتاريخ الفكر الحديث في جامعة كولومبيا في تعقيب له على كتاب بيتر نوفيك “المحرقة في الحياة الأمريكية”: “مصلحة أمريكا من تبني مشروع الوعي بالمحرقة هو الاستفادة من توظيفها، بأن ما فعلته أمريكا بالأفارقة أو سكان أمريكا الأصليين لا يقارن بما فعله الألمان”. أضف إلى ذلك الأرباح الخيالية التي تجنيها هوليود، البقرة الذهبية لأمريكا، من أفلام المحرقة.

قضايانا العربيّة اليوم مادة دسمة لصناعة الأفلام ولا تحتاج لا لتزوير ولا تعديل، نحتاج إلى من ينقلها كما هي، نكاد اليوم نصرخ في المعنيّين قائلين: “أنتم أيضًا تاجروا بقضايانا” إن كان هذا يوثّقها، وإن توثيقها لأضعف الإنسانيّة.


الهوامش

[1] http://cutt.us/gE0Np دراسة عن تكلفة إنتاج الأفلام والمرابح التي تجنيها الشركات المنتجة

[2] http://cutt.us/XriS

[3] http://cutt.us/3jPyi

[4] http://cutt.us/IhSOA

[5] كاتب وناشط سياسي فرنسي ولد في فرنسا1906م

[6] الإرهاب الفكري أشكاله وممارساته، جلال الدين محمد صالح، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، ط1، ص 45.

[7] حوار مترجم معه يوضّح فيه أسباب تشكيكه بالهولوكست http://cutt.us/uamuz

[8] http://cutt.us/ksKfx

[9] http://cutt.us/l7q3X

[10] http://cutt.us/aCLD7

الإباحية وفساد المجتمع

هادي صلاحات


في عصر الإنترنت والأجهزة الذكية؛ باتت مشاهدة المواد الإباحية آفة تصيب الكثيرين، كبارًا وصغارًا، شبانًا وفتيات؛ حيث يرونها ملاذًا لإشباع غرائزهم، خاصة في ظل الصعوبات والعقبات التي تواجههم في طريق الزواج. ويظنّ الكثير من هؤلاء أن خطأ مشاهدة الإباحيات يقتصر على النظر إلى العورات والفواحش فحسب، إلا أن للأمر أبعادًا أخطر من ذلك.

صناعة الإباحية
يعد سوق الإباحية من أضخم الأسواق عالميًا، فإيراداته على مستوى الولايات المتحدة لوحدها تُقدر بثلاثة مليارات دولار أمريكي لعام 2016، مقابل ملياري دولار لقطاعات حيوية أخرى كالسكن والخدمات الغذائية، وهذا وفقًا لتقارير شركة (IBISWorld) المتخصصة في تحليل السوق.

وحيث أن الإباحية صناعة؛ فإن كل ما يتم إنتاجه من مواد إباحية هو بالضرورة “سلعة”، قد تكون سلعة خبيثة قذرة، لكنها بنهاية المطاف تبقى سلعة تحتاج مقومات التسويق من تشويق وتجديد وجذب للانتباه.

وفي سبيل ذلك يبتعد المحتوى الإباحي عن الواقع كل البعد –سواء بشكل “الأشخاص” أو تصرفاتهم أو ردود أفعالهم- بغية تحقيق أقصى درجة ممكنة من جذب المُشاهد وشده. وهذا يؤدي بعد الزواج إلى تبعات كارثية تدمر الحياة الزوجية وتؤدي إلى النفور بين الزوجين عند مواجهتهم للواقع الخالي من كل تلك “الإثارة” المبنية على الزيف والقذارة، والتي زينتها لهم الأفلام الإباحية.

ففي صناعة تقوم على انعدام أي ضوابط دينية أو قيَمية أو أخلاقية أو حتى صحية؛ تكون القذارة سيدة المشهد بمحتوًى لا يعرف للانحطاط حدودًا، يتضمن كل ما هو مقزز منافٍ للفطرة من جنس جماعي وسحاق ولواط وسفاح، فتُصمَّم “سيناريوهات” يُمارَس فيها الجنس مع أطفال، أو تجمع أبًا مع ابنته أو بنتًا مع أمها، وقد يصل الأمر إلى التلذذ بالفضلات، أو ممارسة الجنس مع الحيوانات.

لذا فإن المواد الإباحية لا تجعل تفكير الشباب منصبًا على الأمور الجنسية فحسب، -رغم خطورة ذلك- إلا أنها تؤدي أيضًا إلى تسمم فكرهم وتلوث نفسهم وانتكاس فطرتهم. فتكرار المشاهدة مرة تلو الأخرى كفيل بجعل أي محتوًى مستساغًا مهما بلغت درجة قذارته وانحطاطه، وأيًا كان مدى مخالفته للفطرة السليمة.

 
وفقًا لنتائج إحصاءات أجرتها إحدى أكبر شبكات إنتاج ونشر المواد الإباحية؛ فإن عدد ساعات مشاهدة المحتوى الإباحي في عام 2016 على هذه الشبكة فقط يُقدَّر بـ 4.6 مليار ساعة، أي ما يزيد عن 524,000 سنة، كما كانت مصطلحات السحاق والسفاح متصدرة لقوائم أكثر المصطلحات بحثًا!
 

العنف
ارتضت “النجمة الإباحية” أن تكون مجرد جسد يُستخدم لزيادة الأرباح. لذا فلا عجب من أن تقوم مجمل المواد الإباحية على إذلالها وامتهانها، وهذا بدوره يعزز نزعات العنف الكامنة في اللاوعي، والذي قد ينتج عنه “قاتل متسلسل”.

قد تعتقد أن في هذا الكلام مبالغة، ما لم تعرف “ثيدور روبرت بندي” أو “تيد بندي”، وهو قاتل أمريكي متسلسل قام بعشرات الجرائم من خطف واغتصاب وقتل، وقد ألقي القبض عليه عام 1978، وبعد عشرة أعوام من سجنه اعترف بقتل ثلاثين فتاة وامرأة، وأدين بمجامعة الموتى، وأُعدم باستخدام الكرسي الكهربائي عام 1989.

عاش باندي طفولته في كنف أسرة مُحبة ملتزمة؛ إلا أنه آل إلى ما آل إليه بسبب المواد الإباحية. فبدأ يسقط تدريجيًا في هذا المستنقع القذر، ينتقل من مادة إباحية لأخرى باحثًا عن “إثارة” أكثر، حتى باتت “المشاهدة” وحدها غير كافية. وفيما يلي جزء مما قاله “تيد باندي” بنفسه قبل سويعات من إعدامه:

 

ختاما
تكاد لا تخلو جل المادة الإعلامية -سواء الأفلام أو المسلسلات أو الأنمي أو الإعلانات- من المحتوى الإباحي تصريحًا وتلميحًا. والإباحية بكل صورها تدمر المجتمع باستهداف لبنة بنائه الأساسية ألا وهي الأسرة، بإسقاط الشباب بهذا المستنقع ليصبح العدسة المشوهة التي يرون العالم من خلالها، والتي تطبع كافة علاقاتهم الأسرية والمجتمعية بطابع جنسي قذر، فتحركهم غرائزهم ليكونوا كالأنعام بل هم أضل. ومن شأن هذا أن يساهم في تفسير تفشي التحرش وظهور الشذوذ، وما خفي أشد وأعظم.

ومن هنا تظهر ضرورة التزام أوامر الله واستشعار رقابته، لتهذيب النفس وضبط الهوى، بغض البصر والابتعاد عن الخلوات وتجنب الوحدة، فيجب إشغال النفس بما يفيدها لكي لا تشغل صاحبها بما يفسده.

نفوذ العالم الأزرق

هادي صلاحات

 

في ظل أزمة فيسبوك بسبب إعلانات الانتخابات الأمريكية، والتي يعتقد أنها موِّلت من جهات روسية، يجب الإشارة إلى أن شركة فيسبوك تعمل بنشاط مع الأحزاب السياسية والقادة من خلال فريق فيسبوك للحكومة والسياسة العالمية، بقيادة مخططة استراتيجية رقمية جمهورية سابقة كاتي هارباث (Katie Harbath)، ويعمل الفريق -ظاهريًا- مع أي شخص يسعى للسلطة.

ففي كبرى ديمقراطيات العالم –كالمملكة المتحدة وألمانيا والهند- يصبح أعضاء الفريق موظفين بالحملة الانتخابية يقومون بتدريب القادة والسياسيين على كيفية استخدام الفيديو بشكل أفضل لإشراك المشاهدين وكيفية توجيه الإعلانات لكتل التصويت الحاسمة. وبعد فوز المرشح تقوم الشركة بتدريب الموظفين الحكوميين أو تقديم المساعدة التقنية للبث الحي في المناسبات الرسمية للدولة.

وفي الولايات المتحدة، ضمت حملة ترامب موظفين من وحدة فيسبوك السياسية. بينما رفض مخيم هيلاري كلينتون عرضًا مماثلًا. كما وشهدت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2008 صعود أول “رئيس فيسبوكي” في العالم. حبث تمكن باراك أوباما بمساعدة منصة فيسبوك من الوصول إلى الملايين من الناخبين في الأسابيع التي سبقت الانتخابات.

وفي الهند، -أكبر أسواق الشركة لخدمتي فيسبوك وواتساب- ساعدت الشركة في تحسين حضور رئيس الوزراء نارندرا مودي على الإنترنت، والذي لديه الآن أكبر عدد متابعين على فيسبوك من بين زعماء وقادة العالم. فبحلول وقت انتخابات الهند عام 2014، عمل فيسبوك لعدة أشهر مع العديد من الحملات. واعتمد مودي بشكل كبير على الفيسبوك والواتساب لتجنيد المتطوعين الذين بدورهم عملوا على نشر رسالته على وسائل الاعلام الاجتماعية. وفي غضون أسابيع من انتخاب مودي سافرت هارباث وفريقها إلى هناك، حيث قدمت سلسلة من ورش العمل والدورات التي دربت أكثر من 6000 مسؤول حكومي.

وفي الفلبين، قامت الوحدة بتدريب حملة رودريغو دوتيرت- المعروف بدعمه عمليات القتل خارج نطاق القانون- على كيفية استخدام المنصة بأقصى قدر من الفاعلية. كما وتفاخر مسؤولون فيتناميون بأن فيسبوك سوف تنشئ قناة مخصصة لتحديد أولويات طلبات إزالة المحتوى المسيء للسلطات.

وفي ألمانيا، ساعد فريق فيسبوك حزب “البديل من أجل ألمانيا” (Alternative for Germany party) المعادي للهجرة على الفوز بأول مقاعده في مجلس النواب الاتحادي الألماني (البوندستاغ)، وفقًا لموظفي الحملة.

كما ذهب فريق فيسبوك إلى الأرجنتين عام 2015، حيث بث الرئيس الأرجنتيني الحالي موريسيو ماكري حشود حملته الانتخابية بشكل مباشر على فيسبوك، وبمجرد انتخابه، أعلن كامل مجلس الوزراء على الموقع، مع استخدام الرموز التعبيرية.

وفي العام نفسه، أصبح الرئيس البولندي أندرزج دودا -والذي قمع حرية الصحافة في البلاد- أحد أوائل زعماء العالم الذي يبث تنصيبه بشكل مباشر على الشبكة الاجتماعية. وتقول شركة فيسبوك بأنها كانت “جزءا لا يتجزأ” من نجاحه الانتخابي وأن صفحته” واحدة من قنوات الاتصال الرئيسية في مكتبه”.

ومن الملفت أن جهود فريق فيسبوك التي ساعدت بشكل فعال على فوز الحزب الوطني الاسكتلندي عام 2015 تعتبر “قصة نجاح” على موقع الشركة الإلكتروني، كما نجد ذلك على الرابط: https://www.facebook.com/business/success/snp

وفي حين رفضت فيسبوك إعطاء حجم وحدتها السياسية، قال أحد مسؤوليها التنفيذيين إنها يمكن أن تتوسع لتشمل المئات خلال ذروة الانتخابات، حيث تشمل أشخاصًا من فرق أمن المعلومات والقانون والسياسات في الشركة.

فقد عملت الشركة منذ فترة طويلة لتكون المنبر المفضل لعالم ما يسمى “المؤثرين”، لزيادة عدد الزيارات للمعلنين والحصول على بيانات أفضل حول ما يجذب المستخدمين.

فالشركة تقدم خدمات مخصصة لمساعدة المرشحين على بناء حملات فعالة، بنفس الطريقة التي تقدمها لشركة كوكا كولا قبل إطلاق المنتج. وبمجرد انتخاب هؤلاء المرشحين، فإن علاقتهم بفيسبوك تساعد الشركة على توسيع نطاق نفوذها، ومدى سيطرتها في الحكومة.

وما ذِكر هذا الكم من الدول، إلا لتخيل حجم نفوذ هذا الكيان الأزرق الذي يمتلك معلومات تفصيلية عن أكثر من ملياري إنسان، ومدى نجاعة أساليبه، حيث القاسم المشترك بين عملائه المذكورين هو نجاحهم في “الانتخابات الديمقراطية”.


للمزيد:

https://www.bloomberg.com/…/inside-the-facebook-team-helpin…

الوجه الآخر لألعاب الفيديو

هادي صلاحات

هناك تداخل كبير بين عالم التلفاز والسينما وعالم ألعاب الفيديو، حيث تبنى الكثير من ألعاب الفيديو على مسلسلات وأفلام كما في لعبتي (The Godfather) و(The Walking Dead)، وقد يحدث العكس كما في سلسلة (Assassin’s Creed) والتي تم تحويلها عام 2016 لفيلم سينمائي.

وهناك أيضا ألعاب وأفلام ذات أصل مشترك، كما في الألعاب والأفلام المبنية على شخصيات القصص المصورة، كشخصيات عالم (Marvel)، مثل (Spider-Man) و(Iron Man)، وشخصيات عالم (DC) مثل (Superman) و(Batman)، وكذلك روايات (Harry Potter) والتي بنيت عليها العديد من الأفلام وألعاب الفيديو.

وتقدر إيرادات ألعاب الفيديو لعام 2017 بأكثر من 115 مليار دولار، وفي الولايات المتحدة وحدها تجاوزت الإيرادات 23 مليار دولار، أي أكثر من ضعف إيرادات شباك التذاكر (Box Office) البالغة 11 مليار دولار تقريبًا.

والفئة المستهدفة في ألعاب الفيديو ليست الأطفال فحسب، حيث تتراوح أعمار 35% من اللاعبين حول العالم بين 21 و35 عامًا.

لذا فألعاب الفيديو تستحق تسليط الضوء، فأثرها قد يوازي –أو يفوق- الأفلام السينمائية في خطورته، لما فيها من تفاعل أكبر مع المحتوى. فعلى سبيل المثال، يمكن من خلال ألعاب مثل (Call of Duty) أو (Medal of Honor) -وغيرهما الكثير- عرض الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة من وجهة نظر أمريكية صرفة تزيف التاريخ، وتظهر الجنود الأمريكيين كحماة للسلام، والتطبيع مع هذه الأفكار في أذهان الأطفال منذ صغرهم.

ألعاب الفيديو والمؤسسات العسكرية
تم إنشاء أول حاسوب للأغراض العامة (ENIAC) عام 1946، وبعدها بعامين فقط ظهرت أولى ألعاب الفيديو الحربية وكانت من إنشاء مكتب أبحاث عمليات الجيش، ومنذ ذلك الحين والعلاقة بين ألعاب الفيديو والمؤسسة العسكرية آخذة بالتعمق.

ديف أنتوني (Dave Anthony) مصمم لعبة (Call of Duty) عام 2004، ضليع في وضع سيناريوهات لنهاية العالم مع تصورات شاملة للحروب، وهو حاصل على مرتبة الشرف في علوم الحاسوب، ويتضمن ذلك الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية. يعمل الآن في المقر الرئيس للمجلس الأطلسي في واشنطن، وهو مؤسسة بحثية (Think tank) مؤثرة في مجال الشؤون الدولية، وذلك لمساعدة الولايات المتحدة للاستعداد للأسوأ. ويتمثل دوره في تحديد التهديدات غير التقليدية لأمريكا، من خلال تخيل مستقبل البلاد كما في ألعاب الفيديو، وتصور النهايات غير المتوقعة.

ويستخدم الجيش الأمريكي الألعاب لتدريب جنوده، ففي عام 1997 كانت لعبة (Doom) تستخدم لتدريب مشاة البحرية (Marines)، ويتدرب الجنود الآن باستخدام أنظمة الواقع المعزز التكتيكية. ويعزو العديد من النقاد قسوة الحرب الحديثة إلى كونها تشبه إلى حد كبير ألعاب الفيديو.

ومن هنا طرأ التساؤل: ماذا لو أصبحت الحروب تحاكي ألعاب الفيديو بدلا من العكس؟

أتت الفكرة من ويليام روبر (William Roper) مدير مكتب القدرات الاستراتيجية بوزارة الدفاع، منذ تأسيسه عام 2012، ومهمته دراسة أين تتجه الحرب، ومن ثم تطوير الأدوات التكنولوجية التي تساعد الولايات المتحدة على الانتصار.

وما يدلل على نجاح المكتب وتزايد أهميته هو زيادة موازنته 18 ضعفًا منذ تأسيسه قبل أقل من ست سنوات، فالخدمات العسكرية تفكر بواقع اليوم، ووكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية DARPA تفكر بالمستقبل البعيد، أما روبر فيفكر بالغد المباشر.

ويقول روبر إنه في عصر إنترنت الأشياء (Internet of Things -IoT) لم تعد حواسنا تحدد حدود تصورنا، حيث سيعيش الجنود في المستقبل القريب في عالم يتوفر فيه كمّ لا محدود من المعلومات لمساعدتهم، كخريطة لجميع الجنود القريبين وصور حرارية وخرائط متغيرة باستمرار وإشعار عند انخفاض مستوى الذخيرة، مع خوارزميات التعلم العميق لتوقع خطوة العدو القادمة واقتراح خيارات لمواجهته، وكذلك مشورة استراتيجية تبنى على أساس خطة أولية للمعركة وتعدل مع استمرار المعركة.

وإذا كان يمكن من الناحية النظرية للجيش الاكتفاء بإرسال الآلات بدلا من البشر، لكن ذلك سيؤدي –حسب روبر- لمشكلة أخلاقية تتمثل بتفويض قرار قتل شخص ما لآلة، وأخرى تقنية تتمثل في أن الآلات حاليًا يمكنها اتخاذ قرارات جيدة فيما يخص أشياء رأتها من قبل فقط.

لذا فالتحدي قريبًا سيكون في حصول الجنود على أكبر قدر ممكن من المعلومات، مع قدر مماثل من التعلم بأبسط وأوضح الطرق، وفعل ذلك بمفردهم في البنتاغون هو –برأي روبر- “أصعب تحدٍ” لكن صناعة ألعاب الفيديو قد حققت ذلك بالفعل. فصناعة الألعاب، هي التي وضعت أفضل الطرق للاعبين للتعاون عبر البلدان كما لو كانوا يجلسون في نفس الغرفة، كما بنت واجهات سهلة للمستخدمين، لدرجة أن الألعاب الجديدة المعقدة لا تحتاج حتى للتدريب.

وقد لا ترغب بعض شركات ألعاب الفيديو في المشاركة بأمور عسكرية حربية، لكن هذا –على حد تعبير روبر- هو “نداء الواجب الحقيقي”.

وتتمثل المشاركة بأن تبني شركات الألعاب للبنتاغون الأنظمة التي يريدها مع إعطائه وصولًا حصريًا لمدة معينة، ثم كل شيء يمكن أن يعود إلى اللعبة. فيقول روبر: “نحن لا نملك المنتج، نحن نملك الوقت”.

وهكذا سيحصل الجيش الأمريكي على أفضل ما توصلت إليه شركات الألعاب، ويستقطب الموظفين ذوي الخبرة، أو يعطيهم صورة أشمل لتوسيع نطاق عملهم وضمان اتساق عملهم مع الأهداف المرجو تحقيقها، دون حاجتهم إلى الاجتماع بأعضاء آخرين. ولترغيب الموظفين بالتعاون، قد يتم تمكينهم من مرافقة فرق العمليات الخاصة لمكاتب وزارة الدفاع.

نشر القيم المنحلة
تعد قنوات ألعاب الفيديو من أكثر القنوات متابعة على يوتيوب، فالقناة الشخصية الأكثر متابعة على الموقع هي قناة (PewDiePie) التي يتابعها أكثر من 59 مليون شخص، وهي للاعب ألعاب فيديو، وقد تجاوز مجموع المشاهدات في الثلاثين يومًا الماضية 300 مليون مشاهدة على هذه القناة وحدها، أي لو كانت مدة كل مشاهدة دقيقة واحدة فقط، فإن عدد ساعات المشاهدة يتجاوز 570 سنة، مع العلم بأن مدة الفيديوهات على القناة تتجاوز العشر دقائق، وتصل مدة بعض الفيديوهات إلى بضعة ساعات.

والكثير من الألعاب التي يتم عرضها (لعبها) في هذه القنوات تساهم بنشر القيم والأفكار المنحلة. ففي لعبة (Night in the Woods) مثلًا يجب على اللاعب في إحدى مهمات اللعبة حل خلاف بين اثنين من الشواذ، بتذكير كل واحد بمفاتن الآخر، والأمر لا يختلف كثيرًا في لعبة (South Park: The Fractured but Whole).

وفي الجزء الخامس من لعبة Lakeview Cabin يجب القيام بطقوس شيطانية تتضمن قيام اللاعب بالسفاح، وذلك أمام الكاميرا مباشرة، لكن الصورة لا تكون واضحة بسبب شكل اللعبة الكلاسيكي القديم، رغم أنها لعبة جديدة صدر آخر أجزائها مؤخرًا.

وأما شركة (Rockstar games) فمعروفة بسلسلة GTA التي يتخذ اللاعب فيها دور رجل عصابات، بكل ما في الأمر من انحطاط يتضمن القتل والسرقة والزنا والذهاب إلى الملاهي الليلية… إلخ. ومن ألعاب الشركة ذاتها لعبة (Bully scholarship edition) وهي مشابهة للسلسلة السابقة لكن داخل نطاق مدرسة، وفيها إمكانية إهداء الزهور والحلوى لطلاب المدرسة الذكور وتقبيلهم.

ويزداد الأمر سوءًا في ألعاب من نوع (Interactive Story Games)، ففيها يتخذ اللاعب بملء إرادته القرارات التي تحدد مصير القصة، ومن الأمثلة على هذا النوع لعبة Life is Strange: Before The Storm التي يأخذ اللاعب فيها دور فتاة تكسر القوانين، وتعطي اللعبة الخيارات التي تسمح للشخصية بالتلفظ بأبشع الألفاظ وتعاطي المخدرات عدا تخريب الممتلكات العامة. ويتقاطع طريق هذه الفتاة مع فتاة طيبة مجتهدة، وبالتدريج تبدأ اللعبة بوضع بذور الحب الشاذ بين الشخصيتين، من خلال مواقف وظروف مشتركة مرسومة بطريقة سينمائية مغرية ومدروسة، فيتدرج الأمر من إعطاء اللاعب الخيار بقول عبارات المديح الزائد إلى مداعبة خصلات الشعر وصولًا إلى تقبيل الفتاة بمشهد درامي في ليلة ثلجية.

وأخيرًا لعبة (Dream Daddy: A Dad Dating Simulator)، والتي يأخذ فيها اللاعب دور أب وحيد يأتي مع ابنته إلى حي جديد، والهدف من اللعبة هو “مواعدة” كافة الآباء في الحي.

وغني عن الذكر أن على أصحاب قنوات الألعاب اللعب بالطريقة الأكثر جذبًا للمتابعين والتي تضمن أعلى قدر من المشاهدات. وقد يتصرف اللاعبون بالكثير من التصرفات الشاذة من باب الفضول أو التجربة.

وتتفاقم المشكلة مع تطور الرسوميات وتسارع التقدم التقني في مجالي الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فضلا عن استخدام مثل هذه التقنيات في الألعاب ذات المحتوى الإباحي.

لذا فإن ألعاب الفيديو شأنها شأن جميع أدوات الإعلام، يجب عدم الاستهانة بمحتواها، والتعامل معها بانتباه ووعي.


المصادر والمراجع:

http://independent.co.uk/life-style/gadgets-and-tech/features/call-of-duty-designer-dave-anthony-is-advising-america-on-the-threats-that-could-cause-the-end-of-a6703471.html

https://newzoo.com/insights/rankings/top-100-countries-by-game-revenues/

https://selectusa.gov/media-entertainment-industry-united-states

https://socialblade.com/youtube/user/pewdiepie

https://statista.com/statistics/722259/world-gamers-by-age-and-gender/

https://wired.com/story/will-roper-pentagon-video-games/

العدو الشرير (6)

هادي صلاحات

 

دل النجاح اللافت للجنة كريل –المذكورة في المقال السابق- على فاعلية استخدام “العدو” في توجيه الرأي العام وكسب تأييد الجمهور، ومن هنا نشأ ما سمي بـ”الذعر الأحمر”، حيث كانت الشيوعية هي العدو هذه المرة.

إعلان لشركة الفواكه المتحدة يعود إلى عام 1916

وشهد عام 1954 أحد أشهر استخدامات “الذعر الأحمر”، حيث كانت شركة “الفواكه المتحدة” أحد أبرز عملاء إدوارد بيرنيز، إذ كانت تمتلك مزارع موز شاسعة في غواتيمالا وأمريكا الوسطى.

وعلى مدى عقود، كانت الشركة تسيطر على غواتيمالا من خلال الدكتاتوريين الموالين لأمريكا، ولكن في عام 1950 تم انتخاب العقيد الشاب جاكوبو أربينز رئيسًا، والذي وعد بإزالة سيطرة شركة الفواكه عن البلاد، وفي عام 1953 أعلن أن الحكومة ستتولي أمر معظم أراضي الشركة. وكانت هذه كارثة للشركة، فلجأت إلى بيرنيز.

ومع أنّ الرئيس المنتخب وحكومته لم تربطهما أي علاقة بموسكو، إلا أن بيرنيز استغل اندلاع الحرب الباردة وقلق الشعب مما قد تفعله الشيوعية؛ وعمل على تغيير مظهر حكومة غواتيمالا -إعلاميًا- من حكومة منتخبة شعبيًا تعمل لصالح البلاد، إلى ذلك الكيان الشيوعي القريب جدًا من الشاطئ الأمريكي، والمهدِّد للقيم الأمريكية.

تضمنت خطة بيرنيز دعوة صحفيين أمريكيين مؤثرين للقيام بجولة في غواتيمالا، فقلة منهم فقط كانوا يعرفون شيئا عن البلاد وسياساتها، حيث رتب لهم بيرنيز لقاءات مع سياسيين غواتيماليين مختارين ليخبروهم أن أربنز كان شيوعيا تتحكم به موسكو. كما كانت هناك خلال الرحلة مظاهرات عنيفة ضد الولايات المتحدة في العاصمة، ويرجح موظفو شركة الفواكه المتحدة أن بيرنيز هو من عمل على تنظيم المظاهرات.

أربينز

أنشأ بيرنيز أيضا وكالة إخبارية وهمية في أمريكا تدعى “مكتب معلومات أمريكا الوسطى”، وأمطرت هذه الوكالة وسائل الإعلام الامريكية بوابل من نشرات صحفية تدعي أن موسكو تعتزم استخدام غواتيمالا كشاطئ لشن هجوم على الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، أقر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور بأنه يتعين على الولايات المتحدة الإطاحة -سرًا- بحكومة غواتيمالا. فصدرت التعليمات إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتنظيم انقلاب.

وبالتعاون مع شركة الفواكه المتحدة، قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدريب وتسليح مليشيات متمردة، وعثرت على زعيم جديد للبلاد هو العقيد كارلوس كاستيلو أرماس.

وفي الوقت الذي كان فيه الطيّارون التابعون لوكالة الاستخبارات المركزية يلقون القنابل على عاصمة غواتيمالا، قام بيرنيز بحملته الدعائية في الصحافة الأمريكية ليعيد تشكيل الواقع، ويعيد توجيه الرأي العام لرؤية ما يحدث على أنه ثورة يقودها “مقاتلو الحرية” لتحرير غواتيمالا.

من نتائج الحرب في غواتيمالا

وفي عام 1954 فرّ العقيد أربينز من البلاد ووصل الزعيم الجديد أرماس، وفي غضون أشهر زار ريتشارد نيكسون غواتيمالا، وكان حينها نائب رئيس الولايات المتحدة. وأُقيم هذا الحدث تحت إشراف دائرة العلاقات العامة لشركة الفواكه المتحدة، والتي ظهرت -بعد كل هذا- على أنّها مجرد شركة تجارية.

عُرضت على نيكسون أكوام من كتب الأدب الماركسي، وقيل إنهم عثروا عليها في القصر الرئاسي. ثم قدم أرماس ونيكسون خطابهما الجماهيري وخلفهما تلك الأكوام من الكتب؛ وقدما بذلك مثالًا صارخًا على الكلمات الجوفاء التي تملأ الخطاب السياسي لكسب تأييد الجمهور، والتي تم التطرق لها في المقال السابق.

مما قاله نيكسون في خطابه: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي تتم فيها الإطاحة بالحكومة الشيوعية من قبل الشعب. ولهذا نهنئكم وشعب غواتيمالا على الدعم الذي قدمتموه. ونحن على ثقة بأنّه تحت قيادتكم المدعومة من الشعب -الذي التقيت بالمئات منه في زيارتي- ستدخل غواتيمالا حقبة جديدة يكون فيها الرخاء للشعب والحرية للشعب”.

ما بعد “الذعر الأحمر”
بعد أن تراجع التهديد الشيوعي تحتم إيجاد عدو جديد، حيث أوجد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في الثمانينات العدو المناسب، والذي كان “الإرهاب”، فبدأ ريغان “الحرب على الإرهاب” والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.

ريغان

كانت الحرب على الإرهاب هي الحجة الإعلامية الأولى لجميع الفظائع والمجازر التي اقترفتها الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن، وتبعتها في ذلك كثير من الدول العربية والإسلامية.

وبحجة مواجهة هذا “العدو الشرير”، تم تبرير انتهاكات فظيعة كالتعذيب والاختفاء القسري وسفك الدماء وارتكاب المجازر؛ فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي والتعليمي والصحي، فعلى الشعب أن يضحي في سبيل القضاء على “العدو الشرير”.

وقد يأخذ “العدو الشرير” أشكالًا عدة؛ فالإرهاب هو عدو عالمي، لكن هذا لا يمنع وجود “الأعداء” على المستوى الإقليمي، كـ”العدو المجوسي” في الشرق الأوسط (إيران)، و”العدو المجنون صاحب السلاح النووي” في شرق آسيا (كوريا الشمالية).

وبذلك يتم ضمان السيطرة الدائمة على الجماهير، بما يحقق مصالح المنظومة السياسية والاقتصادية، ويبرر الإنفاق الهائل على التسلح، والذي بدوره يضاعف مبيعات الشركات المصنعة للأسلحة.

ختامًا … من هو العدو الشرير حقًا؟
إن هذه السلسلة هي محاولة لإزالة الغشاوة عن عيون اللاهثين وراء غرائزهم ومصالحهم ونزواتهم، من لا يحتكمون لوحيٍ أو دين، فباتوا كالقطيع الضال. هي محاولة لتوضيح من هو “العدو الشرير” حقًا، وهم أولئك الذين لا يُمانعون بأن يتسببوا باندلاع الحروب وإبادة الشعوب في سبيل تحقيق مصالحهم. والذين يملكون الآلة الإعلامية الديمقراطية، ويصنِّعون الأسلحة الدموية الاستبدادية.

هم أولئك الذين يعاملوننا على أننا “قطيع ضال” تجب السيطرة عليه، هم المتوارون في الظلال ويعيثون في الأرض فسادًا. هم شياطين الإنس التي تسعى لأن تُفقَد البوصلة، ويضيع السبيل.


أهم المصادر والمراجع
السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

وهم الديمقراطية (5)

هادي صلاحات

 

تحدثنا في المقال الأول من هذه السلسلة عن إدوارد بيرنيز الذي لعب دورا محوريا في السيطرة على الجماهير والتلاعب بهم لأسباب اقتصادية، إلا أنّ التجربة الأولى لبيرنيز مع الجماهير هي تجربة سياسية.

أعضاء لجنة كريل عند تأسيسها عام 1916

فقد كان بيرنيز أحد أعضاء لجنة “كريل” للدعاية السياسية، والتي أنشأتها إدارة الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” لإقناع المواطنين بضرورة دخول الحرب العالمية الأولى، فالمواطنون كانوا مسالمين للغاية، ولا يرون سببًا للتورط في حرب أوروبية طاحنة؛ وكان ذلك يتعارض مع مصالح الإدارة الأمريكية.

لذا وفي غضون ستة شهور نجح بيرنيز وزملاؤه في لجنة كريل بتحويل المواطنين المسالمين، إلى أشخاص متعطشين للحرب وتدمير كل ما هو ألماني، لإنقاذ العالم.

كانت تجربة بيرنيز مع لجنة كريل هي ما دعته لقراءة كتب خاله سيغموند فرويد، حتى يبدأ بالتلاعب بالجماهير بما يخدم مصالح الإمبراطوريات الاقتصادية والنُخب السياسية.

كان فرويد يرى الإنسان حيوانًا خطِرًا شرسًا يصعب ترويضه، خصوصًا بعد ما شهده من دموية الحرب العالمية الأولى. وقد أيقن بضرورة التحكم بالجماهير بعد رؤيته لتطبيق نظريات بيرنيز وكيف يمكن أن تؤثر النزعات الدفينة في اللاشعور على تصرفات الناس.

ولأن بيرنيز روج لكتابات خاله في المجتمع الأمريكي، فقد أصبح لآراء فرويد وقع خاص على المجتمع، ما دعا والتر ليبمان عميد الصحفيين الأمريكيين، وأكثر الكُتّاب السياسيين تأثيرًا آنذاك، إلى القول بضرورة إعادة التفكير بالديمقراطية.

ومن الأفكار التي جاء بها ليبمان ما عُرف بـ”تصنيع الإجماع”، بمعنى استخدام الأساليب الدعائية لحمل الجمهور على الموافقة على أشياء لم يكونوا يتقبلونها، والتحكم بنتائج التصويت وعدم تركها للميول التلقائية للجمهور. وذلك من خلال إبقاء الأكثرية مجرد جماهير متلقية للمادة الإعلامية دون المشاركة فيها.

في ثلاثينيات القرن الماضي، سارت “الديمقراطية” على غير ما هو مرسوم لها، وحققت الحركات العمالية أول وآخر انتصار تشريعي لها، فقد تم سن ما سمي بقانون واجنر، والذي سمح للعمال بتشكيل النقابات والمطالبة بحقوقهم. وجاء رد أقطاب الاقتصاد والإعلام عندما حاول بعض عمال الحديد القيام بإضراب عام، فتم تصويرهم إعلاميًا على أنهم مخربون يضرون بـ”المصلحة العامة” وبـ”تناغم المجتمع الأمريكي”، وينقضون “الهوية الأمريكية”.
وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فتكرر استخدامه فيما سمي “صيغة وادي موهوك”.وهذه العبارات الفارغة (كالهوية الأمريكية) تستخدم كثيرًا لأغراض سياسية، فتُستخدم في منطقتنا العربية العديد من العبارات الشبيهة، مثل “لأجل الوطن”، عدا عن أسطوانات مشروخة تخص كل دولة على حدة، وعادة ما يتم تعزيز هذه الكلمات بصورة تلك الخرقة التي تكرس الحدود التي رسمها المستعمر، مع بعض الموسيقا المؤثرة.

شبّه ليبمان الناس بالقطيع الجائر الذي يجب التحكم فيه من خلال النخبة التي بإمكانها فهم وإدراك ماهية المصالح العامة للمجتمع، ومن ثم تقرير الأمور التي من شأنها أن تهم المجتمع.

وبالتالي حسب تصور ليبمان، فإن المجتمع الديمقراطي يتكون من طبقتين: الأولى هي الطبقة المتخصصة، وهي التي تفكر وتخطط وتحدد المصالح العامة. والثانية هي القطيع الجائر، ووظيفته المشاهدة فحسب، كما ويمكن لهذا القطيع من وقت لآخر من أن يؤيد أحد أفراد الطبقة المتخصصة، وهذا ما يُطلق عليه “انتخابات” بشرط أن يعودوا بعد ذلك لوظيفتهم الأساسية، مشاهدون فقط.

بطبيعة الحال فإنّ هناك طبقة أخرى لا تظهر للعلن، هي التي تحدد الطبقة المتخصصة، وهذه الطبقة هي التي وصفها الفيلسوف والناقد والناشط السياسي الأمريكي نعوم تشومسكي بـ”الأفراد الذين يملكون القوة الحقيقية، ويملكون المجتمع”.

يتسم نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية بالتعقيد، فهي انتخابات غير مباشرة تقوم على ما يُسمى بـ”المندوبين” و”المجمع الانتخابي”، حيث يصوت الشعب لمندوبين يتعهدون بالتصويت لمرشح معين. وتُجرى أولًا الانتخابات الأولية لتحديد مرُشح كل حزب، ومن ثم تجري الانتخابات الرئاسية العامة بين مرشحي الأحزاب المتنافسة (بشكل أساسي الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي). وحيث أنه لا مجال للخوض في تفاصيل الانتخابات الأمريكية وقوانينها، يكفي لفت النظر لبعض النقاط:

– في بعض الولايات يمكن لمنتسبي حزب معين المشاركة بانتخابات تحديد المرشح للحزب المنافس فيما يُسمى بـ”الانتخابات الأولية المفتوحة” (open primary).

– في الانتخابات الأولية هناك مندوبون (Unbound Delegates/ superdelegates) غير مُلزَمين بإخبار الجمهور بهوية المرشح الذين سيصوتون له.

– في الانتخابات الرئاسية العامة، في كل الولايات باستثناء ولايتي “مين” و”نبراسكا”، من يفوز بولاية ما يأخذ أصوات جميع المندوبين فيها، والحصول على أصوات أكبر عدد المندوبين هو من يحدد هوية الرئيس الأمريكي الجديد. لذا يمكن بالمحصلة أن يكون الفائز بالانتخابات ليس هو من حصل على أكبر عدد من الأصوات، وقد حصل هذا خمس مرات على مدى التاريخ الأمريكي القصير، كان آخرها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بها “دونالد ترمب” رغم حصول منافسته “هيلاري كلنتون” على عدد أصوات أكبر.

أي أنه في النظام الديمقراطي السليم، يجب على “الجمهور الديمقراطي” أن يسير وراء ممثليه الذين يعرفون المصالح العامة للمجتمع، حيث ينتخب الجمهور ما أفرزته النخبة من أفراد يُعفون الجمهور من الاهتمام بالأمور السياسية التي يصعب عليه فهم مصطلحاتها. فعلى الجمهور أن يبقى مُنشغلًا بأحدث صرعات الموضة، وبالمباريات الرياضية، وأحدث الأجهزة الالكترونية. والانتخابات الأمريكية هي بالفعل خير مثالٍ لذلك.

وحيث بينّا في هذا المقال كيف يُنظر إلى الانتخابات وإلى “الديمقراطية”، وكيف يتم توجيه الرأي العام منذ قرن من الزمان؛ فسنبيّن في المقال القادم -والأخير في هذه السلسلة- كيف تُستخدم نفس الاستراتيجية التي اتُبعت في لجنة كريل حتى يومنا هذا، بغرض توجيه الرأي العام والتحكم بالجماهير في “المجتمع الديمقراطي”.

 


أهم المصادر والمراجع

السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، القاهرة، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

The Electoral College: How It Works in Contemporary Presidential Elections, Thomas H. Neale, Congressional Research Service, 2017.

The Presidential Nominating Process and the National Party Conventions, 201 6: Frequently Asked Questions, Kevin J. Coleman, Congressional Research Service, 2015.

Five presidential nominees who won popular vote but lost the election, Rachael Revesz, The Independent, 2016.

http://www.ncsl.org/research/elections-and-campaigns/primary-types.aspx

استمرار السيطرة (4)

هادي صلاحات

 

بعد طغيان القيم الفردية التحررية، وُجد شكل جديد للجمهور لم يعد فيه المستهلك يتصرف كما هو متوقع منه. فقد استعانت الشركات بمحللي النفس وخبراء السوق، وتبين أن أصحاب هذه القيم هم مستهلكون أيضًا، لكنهم يبحثون عن منتجات تعبر عن تفردهم، وتحررهم. وهذا تطلب تغييرًا جذريًا في نمط الإنتاج، والتحوّل من الإنتاج الضخم للسلع المتماثلة إلى التنوع في المنتجات، وتقسيم السوق وتقييم المستهلكين على أساس فردي.

لذا لجأت الشركات في نهاية سبعينيات القرن العشرين إلى أحد أفضل مراكز الأبحاث عالميًا؛ مركز ستانفورد للأبحاث (Stanford Research Institute- SRI)، والذي عاد إلى دراسات أبراهام ماسلو –أحد رواد حركة الإمكانات البشرية (HPM)– لإيجاد أداة دقيقة لقياس رغبات المستهلكين الجدد ومن ثم تلبيتها.

وكان ماسلو قد ابتكر نظاما للتصنيف النفسي أطلق عليه “التسلسل الهرمي للاحتياجات”، والذي يعد نقطة البداية لتصنيف جديد للمجتمع بناءً على رغبات الأفراد ودوافعهم، لا طبقاتهم. وبالتالي أمكن لمعهد ستانفورد تعريف الناس من خلال أنماط السلوك المختلفة التي اختاروا من خلالها التعبير عن أنفسهم، فالتعبير عن الذات يقبع ضمن أنواع محددة.

ومن هنا ابتكر فريق معهد ستانفورد مصطلح “أنماط الحياة” (lifestyles)، فتم تصنيف الفردية الجديدة، وأطلقوا على نظامهم هذا اسم: “القيم وأنماط الحياة” (Values and Lifestyles- VALs).

أتاح هذا للشركات معرفة فئات المستهلكين الواجب استهدافها، وبالتالي تحديد الطريقة التي يمكن بها تسويق السلع إليهم، وذلك بتحديد الدوافع والقيم الحقيقية الكامنة وراء قرارات الشراء التي يتخذونها. وكانت هذه بداية التسويق القائم على نمط الحياة (lifestyle marketing).

 

تعود قوة نظام “القيم وأنماط الحياة” إلى قدرته على التنبؤ بالمنتجات الجديدة التي سيختارها المستهلكون. فإذا عبّر منتج جديد عن قيم مجموعة معينة فإنّها ستشتريه، وتم تطبيق هذه المبادئ على المنتجات والمرشحين السياسيين معاً، وبدأ هذا بالرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في حملته للانتخابات الرئاسية عام 1996، حيث بنى حملته الانتخابية على أسس تسويقية، ما ساعده على الفوز بالانتخابات. 


وهكذا فإن الجيل الذي أراد إنشاء هويته الخاصة وكان يندد بالنزعة الاستهلاكية، اعتنقها بعد أن ساعدته في التعبير عن ذاته، فأمكنه شراء الهوية بدل إنشائها.

ومن هنا قامت الشركات بتعزيز شعور الأفراد بالتميز والاختلاف، بحيث تقدم لهم خيارات لا تحصى للطرق التي يمكنهم من خلالها أن يعبروا عن تفردهم، وما زال هذا الأسلوب مُلاحظًا في الكثير من شعارات الشركات وإعلاناتها التي تعمل على تكريس النزعة الفردية، مثل إعلان لشركة بيبسي يتضمن شعارات من قبيل “عبّر مين قدك؟”، “أنت الفكرة، أنت الجديد، أنت الوحيد”.

الرأسمالية والتفاوت الطبقي
استمر النظام الرأسمالي بالتلاعب بالجماهير عبر التعظيم من شأن الاستهلاك وتكريس النزعة الاستهلاكية، وبما يضمن زيادة تدفق الأرباح.

وهذا يُعطي لمحة عن سبب التفاوت الطبقي الهائل الذي سبّبه النظام الرأسمالي، مستخدمًا الصورة الإعلامية المبنية على أسس نفسية. ففي مطلع عام 2017، أصدرت منظمة “أوكسفام” تقريرًا مفاده أن ما يملكه النصف الأفقر من سكان العالم مجتمعين، يعادل ما يملكه أغنى ثمانية أفراد لوحدهم، وأن عدد هؤلاء الأفراد في تناقص مستمر، فقد كان 43 فردًا عام 2010.

وقد وجد أخصائي الأوبئة الاجتماعية ريتشارد ويلكينسون أن ما تشترك به المجتمعات الأكثر صحة ليس في كونها أعلى دخلًا أو أفضل تعليمًا، بل في ما تتمتع به من المساواة في التوزيع والتفاوت الطبقي الأقل.

كما فصَّل ويلكينسون الآثار الخبيثة للتفاوت الطبقي على المجتمعات من تآكل الثقة وزيادة القلق والمرض، فهناك فروق ضخمة بين المجتمعات ذات التفاوت الطبقي ونقيضاتها، لا سيما في نتائج الإحصاءات المتعلقة بكل من متوسط العمر المتوقع، والمرض العقلي، ومعدلات الولادة في سن المراهقة، والعنف، وتعاطي المخدرات، ونسبة السكان القابعين في السجون. وكلها أسوأ بكثير في البلدان الأكثر تفاوتًا طبقيًا؛ ففيها ثمانية أضعاف عدد الولادات في سن المراهقة، وعشرة أضعاف معدل جرائم القتل، وثلاثة أضعاف معدل المرض العقلي.

وفيما يتعلق بالاستهلاك، فإنّ ويلكينسون يُرجع سبب النزعة الاستهلاكية المستشرية، ليس إلى الاهتمام بالذات، بل إلى التفاوت بين طبقات المجتمع، والهوة بين الأغنياء والفقراء؛ فالإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه، ولديه قلقٌ دائم حيال كيفية نظر الناس إليه، فيشتري السلع الأثمن وذات العلامات التجارية الاشهر، ليُنظر إليه على أنّه من “طبقة أفضل”، حتى إن أدى ذلك إلى قلة الادخار أو حتى زيادة الديون. وهذه من الأشياء المشاهدة بكثرة، والتي عززها بيرنيز كما بينّا في المقال الأول من هذه السلسلة. وسواء كان الاستهلاك بغرض التحرر أو التعبير عن الذات أو الانتماء لطبقة أفضل، فبكل الأحوال تبقى الامبراطوريات الاقتصادية هي المستفيد الأول.

النظام السياسي والرأسمالية والمجتمع
تبنّت كل من إدارة رونالد ريغان الأميركية وحكومة مارغريت تاتشر البريطانية في ثمانينيات القرن الماضي للفكر النيوليبرالي، الذي يجعل الرضا الشخصي للفرد وسعادته ورفاهيته هي المعيار؛ ما أدى إلى تراجع دور الدولة وأفسح المجال لرجال الأعمال للسيطرة على الاقتصاد من جديد، فتضخمت الشركات العابرة للقارات وتغوّلت ظاهرة العولمة.

وكان من أسوأ ما فعله ريغان بالمجتمع الأمريكي أنّه برر انعدام الرحمة، وجعله أمرًا محمودًا. فكان يقول إن من عمل بجد وجمع أمواله يجب ألا يشعر بالذنب إزاء رفض رميها بعيدًا للناس الذين يختارون عدم العمل وأن يكونوا بلا مأوى. وهذه أسوء صور الفكر الليبرالي الذي ما زال مهيمنًا على المجتمع الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا.

وإن ظهر النظر لكل الأمور –حتى الأخلاقي منها- بعين الرضا الذاتي، كانتصار للذات. فإنّه في الواقع إلغاء للمجتمع، فبهذا المنطق لا يعدو المجتمع كونه مجموعة من الأفراد يتخذون خيارات فردية بشأن رفاهيتهم الشخصية!

ويُلاحظ انتشار هذا المنطق بين الشباب مؤخرًا، فبات “الاختلاف” و”التفرد” هدفًا لا سبيل لتحقيقه إلا بالتمرد على كافة الضوابط والقيم والأعراف والسلطات، من سلطة الأسرة أو الدين، وذلك كله بحجة “التعبير عن الذات” و”الحرية الشخصية”.

ومع انتشار هذه الثقافة، وبوجود وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح لأي شخص بأن ينشر فضلاته الفكرية، فلا عجب بأن يُغيّب الدين وتنحّى الأخلاق، وأن تعلو الأصوات المدافعة عن أشياء كالشذوذ الجنسي أو الإلحاد.

وحيث أن كل هذا التلاعب بالجماهير يتم تحت حكم نظام “ديمقراطي”، ولأن الأساليب المتبعة لإقناع أكبر كم من الناس بأن يضعوا اسم مرشح في صندوق بغض النظر عن أهليته، لا تختلف كثيرًا عن إقناعهم بشراء سلعة ما بغض النظر عن مدى فائدتها أو حاجتهم إليها. وقد أثبت بيل كلنتون ذلك فعليًا؛ لذا فإن المقال القادم سيسلط الضوء أكثر على النظام الديمقراطي، وكيفية توجيه الرأي العام بما يخدم أقطاب السياسة والاقتصاد، في النظام المسمى بالديمقراطي.


أهم المصادر والمراجع:

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

Why Everyone Suffers in Unequal Societies, Richard Wilkinson, YES! Magazine, 2010.

VALs Definition by SRI

النزعة الفردية ومحاولة التحرر (3)

هادي صلاحات

 

بعد أن قرر عامة الشباب الغربي في أواخر الستينيات الابتعاد عن السياسة، والبدء بتغيير النفس كمقدمة لتغيير المجتمع، وجدوا الملاذ في أفكار المحلل النفسي النمساوي فيلهلم رايش المناهضة لمدرسة سيغموند فرويد، والتي تقول بوجوب التعبير عن المشاعر بدل كبتها وتحطيم القيود التي وضعها المجتمع.

رايش

كان رايش أحد أتباع مدرسة فرويد، لكن بدأ الصدام بينهما عندما رأى رايش أن الطبيعة البشرية خيّرة في أصلها، وأن العنف ناتج عن منع الدافع الأصلي من التعبير عن نفسه، وأن هذا الدافع كان الرغبة والطاقة الجنسية (libido). وبالتالي فإن إطلاق العنان للرغبة الجنسية سيمنح البشر الازدهار، لذا دعا إلى الحرية الجنسية.

وفي المقابل كان فرويد يرى أن البشر حيوانات شرسة تقودها غرائزها البدائية، وكانت ابنته أنّا ترى أن الغريزة الجنسية خطر يجب ضبطه.

بدأ الصدام بين رايش ومدرسة فرويد في ثلاثينيات القرن العشرين، فاستطاعت أنّا –التي كانت بأوج نفوذها- أن تطرد رايش من الرابطة الدولية للتحليل النفسي، وتدمر حياته المهنية، فهاجر إلى الولايات المتحدة، وبلغ هوسه بالطاقة الجنسية حد الجنون، حتى باع جهازًا ادعى أنه يستخدم الطاقة الجنسية لعلاج السرطان، مما أدى لسجنه وإتلاف كتبه، ثم انتهت حياته عام 1957 بعد سجنه بعام.

في هذا الكتاب الذي يسوّقه معهد إيسالن على موقعه يشرح قصة انطلاقته واستمراره على مدى أكثر من خمسة عقود في ظل تراجع إيمان الأمريكيين بالأديان

وحتى بعد وفاة رايش، كانت مجموعة صغيرة من المعالجين النفسيين تطور تقنيات تستند إلى أفكار رايش وتسمح للأفراد بتحرير أنفسهم من الضوابط التي يزرعها المجتمع في عقولهم. وأسسوا على أحد شواطئ كاليفورنيا مركزا يُدعى معهد “إيسالن” (Esalen Institute).

ويعد معهد إيسالن مهد حركة العصر الجديد، وهي امتداد حديث للمذاهب الباطنية التي تغلغلت في العديد من الأديان والفلسفات الشرقية كالهندوسية والبوذية، وتغلغلت في الديانات السماوية كذلك. ومن أهم معتقداتها:

• الكل واحد (وحدة الوجود)، فكل شيء هو الإله والإله هو كل شيء، وهذا يعني أن كل ما هو موجود إنما هو انطباع لذلك الكلي وتجلٍ له فليس في الوجود شيء غيره، وهي فكرة مأخوذة من فلسفات شرقية.

• الإنسان هو الإله أو جزء من الإله (تأليه الإنسان)، وهذه الفكرة نتيجة للفكرة السابقة، فعندما يتوحد الإنسان مع “المطلق” يتأله الإنسان نفسه.

• الإنسان لا يموت وإنما يستمر في الحياة من خلال التقمص والتناسخ، أي بانتقال الروح بعد الموت من جسد بشري إلى كائن أعلى للتنعم أو أدنى للتعذّب.

• الإنسان يخلق واقعه الخاص وقيمه ومعتقداته ويحقق مراده خلال حالات الوعي المغيرة التي يدخل فيها، وهو بذلك لا يحتاج إلى الوحي للإجابة على الأسئلة الكبرى التي يقدمها الدين، كما أنّ الإنسان هو الذي يخلق بزعمهم محيط حياته ويتحكم بمستقبله وصحته وسعادته عن طريق قوة عقله الباطن.

• الغيبيات من قبيل الإله والملائكة واليوم الآخر، هي أمور لا تتعدى كونها تصورات ذهنية بحتة قد تفيد من يعتقد بها، إلا أنه ليس لها في الواقع حقيقة ثابتة.

وقد أعاد معهد إيسالن دمج الفكر الإلحادي مع عقائد الحلول والاتحاد بدلّا من الإلحاد المحض لتناسب اعتقاد الناس المؤمنين بوجود إله. فيتم اليوم الترويج لهذه المعتقدات من خلال بعض دورات “التنمية البشرية” و”اليوغا” و”قانون الجذب”.

صورة لمبنى معهد إيسالن من موقعه الرسمي

كان المعهد يحتضن لقاءات جماعية لدفع الأفراد للتعبير علنًا ​​عما يختلج في صدورهم، بحجة أن الإنسان يحصل على الاستقلالية والحرية من خلال التعبير عن “نفسه الداخلية” الحقيقية، ومن ثم يُخلق الإنسان المستقل الجديد المتحرر من أي تكييف اجتماعي.

كانت هذه الأفكار جذابة للشباب الرافضين للمجتمع الاستهلاكي المادي، حيث بات بإمكانهم استخدام هذه التقنيات لاكتشاف ذواتهم وإطلاق العنان لأنفسهم، والتحرر من قيود المجتمع للإطاحة بالنظام القديم. وهكذا كان الإقبال على المعهد كبيرًا حتى أصبح مركزا لحركة تسعى إلى تمكين النزعة الفردية، وهي “حركة الإمكانات البشرية” Human Potential Movement – HPM.

وتحت إشراف معهد إيسالن، استهدفت حركة الإمكانات البشرية عدة فئات؛ منها فئة الراهبات، فقد رأت الحركة أن هذه الفئة بحاجة إلى التحرر. وأُجريت التجربة على راهبات دير القلب الطاهر (Convent of The Immaculate Heart) أحد أكبر المعاهد الدينية في أمريكا، حيث قَبِل الدير بخوض التجربة ليظهر بمظهر عصري.

تم إخبار الراهبات بأنّهن خيّرات بطبيعتهن، وأن عليهن إطلاق العنان لأنفسهن وأن يكنّ على سجيتهن، ويعشن بشخصيتهن الحقيقية، فلا داعي لأداء دور الراهبة!

وهكذا عمل معهد إيسالن على إطلاق و”تحرير” الغريزة الجنسية لدى الراهبات، وهي الغريزة الأكثر تقييدًا في الكنيسة. فكانت نتيجة هذا “التحرر” أنه خلال عام تخلت أكثر من 300 راهبة عن الحياة الدينية، فأغلق الدير أبوابه، ولم تبق فيه سوى مجموعة صغيرة من “الراهبات” السحاقيات!

إيرهارد

تسارعَ انتشار النزعة الفردية التحررية وانتقلت لبعد جديد بظهور “فيرنر إيرهارد”، حيث ابتكر ما أسماه ندوة إيرهارد للتدريب (Erhard Seminar Training – EST)، والتي تستمد الكثير من أساليبها من حركة الإمكانات البشرية. وإذا كانت تلك الحركة تزعم تحرير الإنسان من خلال الكشف عن نواة النفس الإنسانية وجوهرها الخيّر بالفطرة، فإنّ إيرهارد رأى أن هذا الجوهر هو قيد بحد ذاته.

تقوم فلسفة إيرهارد على أنّه وبالغوص عميقًا داخل النفس وإزالة كافة الطبقات التي تغلف نواتها، فإن المتبقي هو “لا شيء”، فالهدف هو إدراك خواء النفس في جوهرها وانعدام معناها!

وزعم ايرهارد أنّ هذا يعطي الفرد حرية عظيمة تمكنه من أن ينشئ نفسه من جديد وأن يصبح كما يريد أن يكون، وذلك بإزالة كل القوانين والقواعد التي تحكم الفرد، فلا يوجد أي اعتبار للمجتمع، والفرد وحده هو المهم، وسعادته هي الأولوية القصوى، ولا دور للحكومة أو المجتمع في ذلك.

ونتيجة لنجاح ورواج ندوات ايرهارد؛ أصبح الشباب الراديكاليون في أواخر ستينيات القرن العشرين، والذين أرادوا اكتشاف ذواتهم لتغيير المجتمع والحكومات، أصبحوا في غضون سنوات مجموعة من الشباب الحفاة العراة المنشغلين بممارسة الجنس وتناول المخدرات والمسكرات “الهيبيز”.

وهكذا نشأ شكل جديد للجمهور يسعى للتحرر من كل الضوابط بحجة اكتشاف الذات وإطلاق العنان لها، وهذا شكّل أزمة للشركات الأمريكية، حيث لم يعد المستهلك يتصرف كما هو متوقع منه.

وفي المقال القادم سنرى كيف تعاملت الشركات مع هذا الشكل الجديد للجمهور.


المصادر والمراجع:

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

المجتمع الاستهلاكي (2)

هادي صلاحات

 

بعد نجاح أساليب إدوارد بيرنيز، ومن ثم نشره لكتب خاله سيغموند فرويد، سطع نجم فرويد عند عموم الشعب الأمريكي، ومن بعده كانت ابنته أنّا فرويد التي تابعت مسيرة والدها.

كانت أنّا فرويد ترى وجوب “تأقلم” الأفراد مع المجتمع، وذلك لتزداد ثقة الشخص بنفسه وبالتالي شعوره براحة نفسية. ومن هنا بدأ سعي نحو التكيف مع المجتمع، بدلًا من محاولة تغييره وتصحيح مساره.

سيغموند فرويد مع ابنته أنّا

وبعد الاستعانة بالمحللين النفسيين لعلاج الجنود الذين عانوا من انهيارات عصبية جرّاء ما رأوه من أهوال الحرب العالمية الثانية، علا شأن التحليل النفسي في أمريكا، ليخلق ليس فقط المواطن النموذجي بل أيضًا المُستهلك النموذجي.

تابع المحلل النفسي إيرنست دكتر الجهود الرامية إلى فهم اللاوعي والتحكم فيه، فأقام مجموعات تركيز focus groups تتمحور حول المنتجات، فيما يشبه تلك المستخدمة في العلاج النفسي، لمراقبة ردود أفعال الأشخاص عند عرض الإعلانات عليهم، لفهم شخصية المستهلك ونظرته لذاته ودوافعه، وتوظيف ذلك كله في عمليات التسويق.

وحيث أن دكتر شاطر أنّا فرويد رؤيتها، فإنّ هدفه كان إنشاء “مجتمع مستقر” من خلال تعزيز الاستهلاك الذي يعطي الناس هوية مشتركة متسقة مع من حولهم، ويمنحهم الفرصة للتنفيس عن إحباطاتهم من خلال إنفاقهم على ملذاتهم، ومحاولتهم شراء المنتجات التي تعزز نظرتهم لذاتهم.

ومن هنا، ومع طغيان النزعة الاستهلاكية، وسيطرة الصورة التسويقية والإعلان، نشأت الفتشية (الوثنية) السلعية، وأصبحت السلع والاستهلاك هي طموح الإنسان، وهي التي تحدد قيمته!

ويظهر ذلك بشكل ملموس في المجتمع المعاصر، حيث يشعر الشخص بالدونية أمام غيره، لا لفوارق فكرية أو أخلاقية، بل لمجرد أنّ الأخير يركب سيارة فارهة أو حتى لمجرد امتلاكه هاتفًا ذكيًا أكثر تطورًا، بمعنى أنّ قيمة الإنسان أصبحت تتحدد بقيمة السلع التي يمتلكها ويستهلكها!

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز النزعة الاستهلاكية، من خلال إتاحة الفرصة للجمهور بأن يُظهر بل ويتباهى بما يملك ويستهلك.

وفي ظل هذا المجتمع الاستهلاكي تتحول كل المفاهيم إلى أشياء مادية وسلع قابلة للترويج، فتحتكم لمتطلبات الإعلان وقوة الصورة؛ فالأخبار سلعة، ويتم الترويج لها من خلال الهوية البصرية الجذابة للقناة الإخبارية. والفكر سلعة، يتم الترويج لها من خلال أغلفة الكتب البراقة، وحتى الخطاب الديني بات سلعة، يتم الترويج لها من خلال شكل الداعية وأسلوبه.

وليس فقط القيم والأفكار هي التي مُسخت لسلع مادية، بل الإنسان نفسه -بالنسبة لهذه الشركات- بات مجرد مصدرٍ لزيادة الأرباح، وفي النهاية لم تعد للمضمون أهمية تذكر، بل ما يجذب المستهلك ويزيد عدد المشاهدات هو المهم!

التقادم الممنهج: هو استراتيجية تهدف لضمان أنّ الإصدار الحالي لمنتج معين سيصبح غير مفيد و”غير مواكب للعصر” خلال فترة زمنية معروفة، وقطاع الهواتف الذكية هو أوضح مثال على هذه الاستراتيجية.

وبالعودة إلى أنّا فرويد وإيرنست دكتر؛ فإنّ هجمة عنيفة بدأت استنكارًا لاستخدام قطاع الأعمال للتحليل النفسي بغية التحكم في الناس. فكان أحد أكثر الكتب مبيعًا “المُقنِعون الخفيّون” قد اتهم مؤلفه “فانس باكارد” المحللين النفسيين بمسخ الشعب الأمريكي إلى دمى عاطفية تتمثل وظيفتها الوحيدة في الحفاظ على خطوط الإنتاج الضخمة من خلال التلاعب برغبات الناس الكامنة في لاوعيهم، وذلك لخلق توق دائم لأي علامة تجارية أو موديل جديد. فيصبح الناس رغمًا عنهم جزءًا مما يسمى بعملية “التقادم الممنهج”.

في مقابلة مع الروائي والمسرحي أرثر ميلر زوج الممثلة مارلين مونرو السابق؛ والتي كان انتحارها بدايات ستينات القرن الماضي مسمارًا في نعش مدرسة فرويد، قال:
“إن انتقادي للتحليل النفسي هذه الأيام هو وجود تلك الفكرة المسبقة بأنّ المعاناة خطأ، أو علامة ضعف، أو حتى علامة مرض. بينما في الواقع، ربما تكون أكبر الحقائق التي نعرفها قد خرجت من معاناة الناس.
إن الغاية من المعاناة أن تزيد معارفنا وتُلهم حياتنا وتحركها، فتكون المشكلة في محاولة إلغائها ومحوها من على وجه الأرض، بل وفي محاولات علاج أنفسنا منها باستمرار وتجنبها، وتجنب كل شيء إلا ذلك الشعور الأحمق، والمسمى زورًا بالسعادة!
يبدو لي أن هناك الكثير من محاولات للسيطرة على الإنسان بدلًا من تحريره، وتأطيره بدلًا من تركه وشأنه، وأنها جزء من أيديولوجية هذا العصر المجنون بالسلطة”.

استمر الهجوم على يد الفيلسوف والناقد الاجتماعي “هربرت ماركوز”، والذي كان على دراية بالتحليل النفسي. وكان يرى أن هذا التطبيق “الصبياني” للتحليل النفسي لا يأخذ في الاعتبار على الإطلاق الهدر السياسي الحقيقي الممنهج لموارد التكنولوجيا والعملية الإنتاجية، حيث الإنتاج الهائل لمنتجات -هي في النهاية- متشابهة.

أضف لذلك أن الرفاهية برأيه تؤدي -سواءً بشكل واعٍ أو غير واعٍ- إلى وجود فُصامي. فهناك نزعة عدائية وتدميرية مهولة يمكن استثارتها ببساطة، وقد تراكمت نتيجة الرفاهية الفارغة.

هربرت ماركوز

وبالتالي رفض ماركوز فكرة حتمية السيطرة على الناس، حيث –حسب ماركوز- عواطف الناس ورغباتهم اللاواعية لم تكن شريرة أو عنيفة بالوراثة، بل أدى كبت هذه العواطف، للتأقلم مع المجتمع، إلى زيادة خطورتها. خصوصًا أن المجتمع كان فاسدًا. فيقول ماركوز إن فساد المجتمع تجب مواجهته وليس التكيّف معه.

وكان سبب انتقاد ماركوز الشديد لمدرسة فرويد، أنّها ساهمت في خلق عالم أصبحت فيه السلع وسيلة الناس الوحيدة للتعبير عن مشاعرهم وهوياتهم. فنتج الإنسان أحادي البعد: الإنسان الطيّع المقموع.

من هنا تصاعدت الاحتجاجات الطلابية في الجامعات على الأسلوب الذي تتبعه الشركات الأمريكية لتعزيز النزعة الاستهلاكية وغسل أدمغة الجمهور، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة ترتكب الفظائع في فيتنام، وذلك نهاية ستينات القرن الماضي.

وقد جابهت الحكومة الأمريكية تلك الاحتجاجات بقمع عنيف أودى بحياة أربعة طلاب عُزّل. فما كان من هؤلاء الشباب المحتجين إلا أن ابتعدوا عن السياسة، للبدء بتغيير أنفسهم بغرض تغيير المجتمع في نهاية المطاف.

وفي المقال القادم سنبين الطريق التي سلكها هؤلاء الشباب في مواجهتهم لسيطرة الشركات وتدفق الإنتاج.


المصادر والمراجع:

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014.

قوة الصورة، أحمد دعدوش، ناشري للنشر الالكتروني، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

https://www.investopedia.com/terms/p/planned_obsolescence.asp