image_print

مسلسل DARK.. “هكذا خُلق العالم”!

مسلسل Dark هو مسلسل ألماني من إنتاج نتفليكس، يتكون من ثلاثة أجزاء صدر أولها عام 2017 وآخرها كان في يوم 27 يونيو-حزيران 2020. وتدور أحداث المسلسل في بلدة صغيرة في ألمانيا، حيث تبدأ القصة باختفاء بعض الأطفال، ليتبين أن حادثة مشابهة وقعت قبل 33 عام بالضبط، ومن هنا تنطلق أحداث المسلسل في خطوط وحلقات زمنية متشابكة ومترابطة في عوالم وأبعاد متعددة.

مغلِّفًا ذلك بقصة مشوقة، يطرح المسلسل العديد من الأفكار والعقائد والفلسفات، وسنحاول فيما يلي توضيح بعضها والذي قد يؤدي لحرق كثير من الأحداث:

الإلحاد والزمن وحتمية “صانع الساعات”
تتمحور قصة المسلسل حول السفر عبر الزمن، وهنا تم تقديم الزمن من منظور فلسفي بشكل متدرج خلال الأجزاء الثلاثة. فالمسلسل منذ بدايته يقوم -وبشكل مباشِر- بطرح العديد من الأسئلة الوجودية على المشاهِد ومن ذلك:

“دائمًا ما كان الإنسان في حيرة بسبب أصله، تكوينه، أخلقنا الله، أم نحن نتيجة للتطور؟ لو كان بإمكاننا رؤية الماضي والمستقبل في الوقت نفسه، الأصل والنهاية، الكون أكمله في نفس اللحظة، ربما نجد الإجابة على السؤال الأهم على الإطلاق: ما الإنسان؟ من أين أتى؟ ماذا يدفعه؟ ما هدفه النهائي؟”

وبالمقابل، أحد الشخصيات -ويدعى “نوح”- وهو في المسلسل ضمن فئة متوسطة بين العوام والنخبة ويخاطب العوام، يقول: “لا يوجد إله، لا يوجد سوى الفوضى، الإله ليس له خطة”، و”الله غير موجود، لكننا نؤمن بهذه الكذبة لأننا نفضل أي كذبة على أن نشعر بالألم”. يقول ذلك وهو يرتدي زي قس!

أما الإيمان بالله فهو في المسلسل عند بعض العوام السذج فحسب والذين ذكروا ذلك في مشهد أو اثنين. هذا عدا عن الشبهات الإلحادية عن عبثية الخلق والتي تم طرحها هنا وهناك على شكل أسئلة مباشرة أو تعابير منتقاة.

وحسب المسلسل، السبيل لمعرفة الصواب من الخطأ والخير من الشر هو “بالرضوخ إلى صوتنا الداخلي، بعدم اتباع أحدٍ سوى أنفسنا”، وفي الوقت نفسه “نحن لسنا أحرارًا فيما نفعل لأننا لسنا أحرارًا فيما نرغب”، و”جميع تصرفاتنا مدفوعة بالرغبة” وبقدر ما نحاول كبت تلك الرغبة، لا نستطيع تحرير أنفسنا من العبودية الأبدية لمشاعرنا”.

يطرح المسلسل فكرة النسبية المطلقة للخير والشر والتي تؤدي إلى تساوي الحق والباطل في نهاية المطاف، ويظهر ذلك من خلال معيار المسلسل للصواب والخطأ، وعبارات مثل “الخير والشر مسألة متعلقة بالمنظور”، بل حتى قطبي الصراع في المسلسل (آدم وحواء) ليس فيهما حق وباطل، فكلٌ منهما مدفوع بأهداف نبيلة كالحب والأمومة، كما وأنه طيلة المسلسل تقريبًا طرفي الصراع كانا الشخص نفسه في عمرين مختلفين (آدم وجوناس) ويظهر ذلك في كلام آدم: “ما كنت أبدًا لأقدر على التفوه بتلك الكلمات التي قالتها لي شخصيتي الأكبر سنًا في ذلك الوقت لأنني لم أستطع أن أفهم كيف لي أن أريدَ يومًا ما أراده هو”، وهذا يتوافق مع “مبدأ القطبية” أحد المبادئ الهرمسية السبعة المذكورة في كتاب “كيباليون” والذي سيتكرر معنا ذكره في المقال، حيث ينص مبدأ القطبية على أن الأضداد متطابقة في طبيعتها لكن مختلفة في درجتها، فالنقيضين يلتقيان، وكل الحقائق ليست سوى أنصاف حقائق، ويمكن التوفيق بين جميع المفارقات

بالتالي فالمسلسل يرى أننا مسيرون، رغباتنا الدفينة تقودنا في خطوط وحلقات وعُقد زمنية مترابطة متكررة لا تتغير، فالكون “ما هو إلا عقدة كبيرة لا يمكننا الفرار منها”. “فالحتمية السببية تمنعنا من تغيير مسار الأحداث، لكن من الطبيعي أن نعتقد أننا نلعب دورًا في حياتنا وأن أفعالنا يمكن أن تغير الأشياء”.

في مقاله، ربط “تيم بوهويس” هذا بعدمية نيتشه -العدمية التي تظهر جلية في نهاية المسلسل كما سنرى-، حيث يرى نيتشه بأن “كل ما يمكن أن نتوقعه في هذه الحياة هو المعاناة، لكن عجزنا في التعامل مع معاناة لا معنى لها يجعلنا نتوقع أسباب وتفسيرات للكون. هذه الجهود عقيمة، حيث لا يمكننا تقليل المعاناة، وكلما حاولنا ذلك، أضعفنا ذلك أكثر”.

ومن هنا رأت النخبة في مسلسل Dark -متمثلة في شخصية “آدم”- أنّ “الإله الذي تعبده البشرية منذ آلاف السنين، الإله الذي يبقي كل شيءٍ متماسكًا ليس سوى الزمن نفسه، ليس كيانًا يفكر ويتصرف، بل مبدأً فيزيائي لا يمكن التفاوض معه، الإله هو الزمن والزمن ليس رحيمًا”. وللخروج من هذا “العبث القاسي”، أعلنت النخبة “الحرب على الإله” من خلال منظمة سرية تدعى “Sic Mundus” والتي سنتحدث عنها باستفاضة في الفقرات القادمة.

وبالحديث عن الحتمية السببية ومنظمة Sic Mundus، فإنه تجدر الإشارة إلى أن صورة أفراد المنظمة تكون موجودة في كتاب “كيباليون” الهرمسي والذي يحتوي النص التالي: “يفهم الهرمسيون فن وأساليب الارتفاع فوق المستوى العادي للسبب والنتيجة، إلى حد معين، ومن خلال الصعود عقليًا إلى مستوى أعلى يصبحون مسببين بدلاً من أن يكونوا نتائج. تُحرَّك الجموع طوال الطريق، مذعنين للبيئة، لإرادة ورغبات الآخرين الأقوى منهم، للصفات الوراثية، للمقترحات؛ وغيرها من الأسباب الخارجية التي تحركهم مثل البيادق على رقعة الشطرنج للحياة. لكن الأساتذة، الذين يرتفعون إلى مستوى أعلى، يسيطرون على مزاجهم وشخصياتهم وصفاتهم وقواهم، بالإضافة إلى البيئة المحيطة بهم، ويصبحوا محركين بدلاً من أن يكونوا بيادق. يساعدون في لعب لعبة الحياة، بدلاً من يُلعبَ يبهم وتحركهم البيئة وإرادة الآخرين. يستخدمون مبدأ السبب والنتيجة بدلًا من أن يكونوا أدواته”.

لقد تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق، من خلال المفارقات الزمنية كمفارقة (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، وبنفس الطريقة، نجد الأم التي تنجب ابنتها وتكبر الابنة -بعد أن تسافر إلى الماضي- وتنجب أمها. ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار.

بعد فشل خطة آدم الهادفة إلى التخلص من “هذا العبث القاسي” عن طريق تدمير عالمه والعالم الموازي له، يتم إعلامه -في النهاية- بأن الحل موجود في العالم الثالث، فهذين العالمين نشآ عن عالَم خارجهما، فيه “صانع ساعات” كان يجرب اخترع آلة زمن فأنشأ هذين العالمين عن طريق الخطأ.

تمثال كوبرنيكوس

فكرة وجود “صانع ساعات” ينشئ العوالم، مبنية على “الحتمية الميكانيكية” التي سيطرت على الفكر الأوروبي منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر إلى أن ظهرت فيزياء الكم ونظرية هايزنبرغ (اللايقين) في القرن العشرين، فأسقطت مبدأ الحتمية واستعاد الإنسان تواضعه. فقبل ذلك، “في النصف الثاني من القرن السادس عشر ومع شيوع نظرية كوبرنيكوس، وتقديم إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية وقوانين الحركة، وما رافق هذه النظريات من اكتشافات علمية كبرى، تغيرت نظرة الإنسان للكون، وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية على العلماء والفلاسفة حتى أصبح الكون يُشبّه بالساعة، وهكذا تحول الإله في نظرهم إلى ساعاتي رفيع المقام، بل تخيلوه إلها ساكنا غائبا عن العمل، لأن قوانين الطبيعة والكون أصبحت حتمية فلم يعد للإله دور حسب فهمهم، لكنهم أبقوا مع ذلك على دور الإله الخالق في تكوين الكون بالبداية” [انظر مقال “العلمانية” من موسوعة السبيل]. وهذا ما قدمه مسلسل Dark، حيث اقتصر دور “صانع الساعات” على صناعة آلة الزمن وإنشاء العالمين، وتكفل “المبدأ الفيزيائي” -الزمن- بالباقي. بل أضاف المسلسل أن خلق العوالم كان بغير قصد، وأدى إلى خلل يجب التخلص منه.

من كان يعلم بفشل خطة آدم وأخبره بالحل بعد فشله، والذي أعطى صانع الساعات مخططات بناء آلة الزمن داخل العالمين، كانت “كلوديا” والملقبة بـ “الشيطان الأبيض”. وهذا ينقلنا للحديث عن البعد الشيطاني في مسلسل Dark:

“وهكذا خُلق العالم” – “Sic Mundus Creatus Est”
إن مسلسل Dark في جوهره يقدم تصوره عن العالم وكيفية خلقه، وهو تصور مبني على المعتقدات الغنوصية الهرمسية الشيطانية. فكل الحلقات والعقد الزمنية الناشئة بين العالمين (عالم آدم وعالم حواء) أصلها ابن آدم الناتج عن زواج آدم من عالم (والذي يرى الخلاص بحل العقد الزمنية ودمار العوالم) مع حواء من العالم الموازي (والتي تريد بقاء هذه العقد واستمرار الحياة لكيلا يموت ابنها)؛ بمعنى آخر، العالمان نشآ عن اتحاد الذكورة والأنوثة، النور والظلام، الموت والحياة وهذا من معتقدات الهرمسية والقبالاه (الباطنية اليهودية).

بالإضافة إلى أن الجمعية السرية التي يقودها آدم، تدعى Sic Mundus Creatus Est وهي عبارة لاتينية تعني: “هكذا خُلق العالم”، وهي مأخوذة مما يسمى “اللوح الزمردي” والذي يحتوي التعاليم الأساسية للهرمسية ومنه تطورت متون هرمس، التي هي أساس الباطنية الغربية والسحر والخيمياء حسب موسوعة السحر والخيمياء. ويظهر اللوح الزمردي في المسلسل، هو والعديد من الرموز الغنوصية الأخرى مثل شجرة الحياة القبالية، ورمز الأوروبوروس الثيوصوفي.

وبالعودة إلى الجمعية السرية، فقد أسسها “آدم” وأحد أبرز أعضائها كان يدعى “نوح”، وهذا يتوافق مع ما يزعمه الغنوصيون القباليون من أن فلسفتهم قديمة قدم البشرية، وأنها بدأت مع آدم عليه السلام نفسه، ثم نقلت عنه إلى نوح عليه السلام. وحتى مقر هذه الجمعية فهو موجود خلف كنيسة، وهذه دلالة على أنهم الجهة (الباطنية) المقابلة للدين الظاهر، وقد تم الإعلان صراحة بأن هذه الجمعية هي كيان يحمل فكر مناقض للدين ومحارب للإله.

قد يشير هذا الرمز إلى العوالم الثلاث، عالم النور (عالم حواء)، وعالم الظلام (عالم آدم)، وعالم “صانع الساعات”

والمحرك لهذه الجمعية من الخفاء كان “الشيطان الأبيض”، فلأن البشر لن يتخلوا عن رغباتهم، أبقى الشيطان آدم وحواء في ظلام (Dark) جهلهم، إلى أن نفذوا ما أرادوا، ليبين لهم أن لا جدوى مما يقومون به، ومن ثم منح “الشيطان الأبيض” الطيب العلم لآدم (وهذا بحد ذاته تصور شيطاني)، وأرشده إلى الحل لكسر العقدة وعلاج الخلل، والحل يكمن في التوجه إلى عالم “صانع الساعات” ومنع “صانع الساعات” من خلق هذين العالمين أصلًا.

فتصور مسلسل Dark عن الجنس البشري ووجوده، تصور سوداوي شيطاني، فآدم وحواء هما “خلل في المصفوفة”، “عقدة في الخيط، عقدة لا يمكن فكها لكن يمكن قطعها”، لا حل إلا بألا يوجدا أصلًا. والفردوس الذي أرادت جمعية ى Sic Mundus Creatus Est الوصول إليه، هو دمار العوالم، العدم. وحتى في آخر مشاهد المسلسل -في حلقة عنوانها “الفردوس”- خيمت العدمية على المشهد؛ الأصدقاء يتبادلون أطراف الحديث حول مائدة الطعام، جميعهم تمنوا الزوال! فالراحة كانت بانتهاء العالم ليتحرر الإنسان من كل شيء، من رغباته وحاجاته، في ظلام (Dark) لا نهائي، دون ماض أو حاضر أو مستقبل!

ختامًا.. لمسة نتفليكس

إن ما تقدم هو محاولة لتفكيك وتحليل جزء بسيط من مسلسل Dark المليء بالفلسفات والعقائد والأفكار الإلحادية الغنوصية، والتي حاول المسلسل تغليفها وتدعيمها باقتباسات الفلاسفة والعلماء كآينشتاين ونيتشه تارة، وبنظريات كفيزياء الكم وقط شرودنجر والأكوان المتعددة تارة أخرى. ورغم ذلك لم تنس نتفليكس وضع لمستها الخاصة، لذا فإن المسلسل المتخم بالأحداث لم يخل من إقحام المشاهد “غير اللائقة”، والترويج للشذوذ من خلال قس شاذ هنا، وفتاة شاذة هناك، بل حتى أنها استغلت فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما أظهرت بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا حين اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، لكي لا تمتلك حينها سوى التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وربما سعدت لأجلهما لو أنهما تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا.

فنتفليكس، منصة ذات رسالة شيطانية تحاول بثها بشتى الطرق وعلى كل المستويات، الصريحة والمبطنة، العقائدية والفلسفية والأخلاقية!

مسلسل المسيح.. هكذا احتفلت نتفليكس بالعام الجديد

أطلت علينا شبكة نتفليكس في أول أيام العام الميلادي الجديد بمسلسل “المسيح”. والذي تدور قصته حول شخص يظهر في دمشق مدعيًا أنه “المسيح”، فيقود جموعًا من السوريين-الفلسطينيين من مخيم اليرموك إلى الحدود “الإسرائيلية”، وتتجه إليه أنظار العالم، مع تخوفات أمريكية من أن يكون “البغدادي الجديد”.

وتستمر القصة بأن تلقي القوات “الإسرائيلية” القبض عليه حين حاول تجاوز الحدود، ورغم ذلك يظهر هذا “المسيح” بعدها عند قبة الصخرة متسببًا بانتفاضة فلسطينية جديدة، ثم يظهر في ولاية تكساس الأمريكية ومنها يتجه إلى العاصمة واشنطن، وسط ردّات فعلٍ متباينة محليًا وعالميًا، فمن يكون هذا الشخص وما هدفه وماذا يمثِّل؟

أول ما يلفت الانتباه في هذا المسلسل أنه ورغم أنه من إنتاجٍ أمريكي، إلا أنه عرض المسيح من منظور إسلامي، فمنذ بداية المسلسل يتم التعامل مع هذا الذي يدعي أنه المسيح على أنه عربي مسلم، وغالبا ما كانت تتم مناداته بـ”المسيح” (Al-Masseih) أي باللفظ العربي للكلمة، إلى أن يتم سؤاله عن دينه فيجيب أنه “يدعم البشر كلهم”. ومن هذا السؤال لننتقل ونرى نظرة المسلسل لمفهوم الدين:

الدين في مسلسل “المسيح”

أحد من كانوا ينتظرون رؤية المسيح

لم يقتصر أتباع هذا “المسيح” على أصحاب الديانات الإبراهيمية والتي تؤمن بعودة المخلص في آخر الزمان، بل شمل شتى الطوائف والجماعات كالبوذيين مثلًا، دلالة على أن شخصية “المسيح” هنا تمثل الدين عمومًا. والخطاب الذي تبناه هذا “المسيح” كان خطاب المساواة بين الأديان ووحدتها وكذلك وحدة البشر، فهم كلهم سواء أيًا كان معتقدهم وأيًا كانت تصرفاتهم، لا يحق لك أن تكفر أحدًا منهم أو أن “تبني افتراضات عن الله”. هذا الخطاب وإن بدا مغلفًا بالتسامح، ما هو إلا إلغاء لمفهوم الدين من أساسه، حيث يتساوى الموحد لله مع من يعتقد بأن لله ولد، مع من يقدس البقر!

ولم يكتفِ المسلسل بالحديث عن الديانات عمومًا، بل قدم تصوره عن كل دين من الديانات الإبراهيمية؛ فقدم الصورة الإعلامية المشوهة المعهودة عن المسلمين، حيث الغلظة في التعامل والتركيز على آيات الجهاد والتقليل من شأن المرأة ومنع قراءة أي كتاب غير القرآن واستخدام الأحزمة الناسفة، وغير ذلك من الصور النمطية المستهلكة.

كذلك صورة العائلة المتدينة المسيحية لم تخلُ من الإساءة، فعائلة القِس مفككة فيها الابنة مدمنة والزوجة غير مؤمنة، مع الإشارة إلى ظلم التعاليم المسيحية التي تحرّم الإجهاض وكيف كان من الممكن أن تدمر هذه التعاليم حياة الابنة. كما وتم الإشارة بشكل خاطف إلى المكاسب المادية التي يجنيها رجال الدين، وهذا من خلال الهدايا التي تلقاها القِس.

العائلة المتدينة الوحيدة التي عاشت بسعادة، كانت العائلة اليهودية، وكذلك من قادت التحقيق وأعملت عقلها واكتشفت هوية هذا “المسيح”، كانت أيضًا عميلة CIA يهودية. فماذا كانت هويته؟

من ادعى أنه المسيح كان مجرد لاعب خفة إيراني محترف مدعوم من روسيا لخلق تشويش ممنهج في المجتمع، وهناك اشتباه بأنه يعاني من أمراض نفسية وأوهام جعلته يظن نفسه المسيح. أي أن هذا “المسيح” كان مجرد خدعة، وحيث أن شخصيته تمثل مفهوم الدين ككل، فإن المسلسل يريد أن يقول بأن الدين كله مجرد خدعة. وما يؤكد هذا أن عميلة الـ CIA اليهودية قالت إن السيد المسيح عيسى (عليه السلام) “كان أيضًا مجرد سياسي شعبوي يضمر الضغينة للإمبراطورية الرومانية ويقوم بخدع رخيصة لجذب الجمهور”، وهذا ما وُصِف بأنه “كلام شخص يهودي حقيقي”، وهنا تكذيب صريح للدين المسيحي وإشارة إلى أن اليهود لم تنطلِ عليهم الخدعة كغيرهم.

ينتهي الأمر بالقس بأن يحرق الكنيسة وقد كُتِب عليها “إلهٌ زائف”

وبالعودة إلى الخدع وألعاب الخفة، تقول إحدى شخصيات المسلسل أن أفضل لاعب خفة ليس من يخدعك فحسب، بل من يجعلك تشارك في الخدعة، وعلى وقع هذه الكلمات يعرض المسلسل مصير “من انطلت عليهم الخدعة”، كضحايا تفجيرات المساجد، وطفلة مصابة بالسرطان كانت أمها قد أخذتها إلى “المسيح” ليشفيها، فينتهي بها الحال جثة في حضن أمها لأنها تخلفت عن العلاج الكيماوي، وفتاة أخرى كادت تموت لأنها استمعت لكلام المسيح وألقت كلمة أمام الجمهور رغم إصابتها بالصرع.

هذا ولم ينتقد المسلسل المتدينين من عوام المجتمع فحسب، بل أنه انتقد المتدينين من القضاة والسياسيين ورجال الحكم. فبقاء المسيح المزيف داخل الولايات المتحدة واستكماله لخطته التخريبية كان بقرارٍ من قاضٍ يعاني من مرض عضال، فكيف به في آخر أيامه أن يرحِّل المسيح، ويكون مثل هيرودس الأول. وفي المسلسل كذلك، كان رئيس الولايات المتحدة متدينًا وكاد أن يمتثل لطلب المسيح المزيف ويسحب القوات الأمريكية المنتشرة في دول العالم رغم ما قد يؤديه ذلك من توسع روسي.

وبالحديث عن رئيس الدولة والسياسات الخارجية، فإنه من المثير أن المسلسل أقر أكثر من مرة -وعلى لسان شخصيات تمثل الحكومة- بأن الولايات المتحدة ترعى مصالح “إسرائيل”، وهذا ينقلنا إلى الجانب السياسي من المسلسل:

“الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”

في بدايات المسلسل، يتم إطلاق النار على طفلٍ في الحرم القدسي، فيتساءل المشاهد: هل أتى أخيرًا المسلسل الذي سيعرض الحقيقة بلا تشويه؟! لتأتيك الإجابة سريعًا بأن من في الحرم القدسي هم “سيّاح مسلمون”، وأن إطلاق النار -الذي أشعل انتفاضة جديدة- لم يكن سوى خدعة، قام بها ذاك المسيح المزيف.

أما تلك العائلة اليهودية السعيدة -آنفة الذكر-، فكانت عائلة “إسرائيلية” يملؤها الحب، إلى أن تسببت سيارة مفخخة بموت الأم وابنها الصغير، أما الابن الأكبر الذي تشوه جسده فقد كبر وأصبح محققًا في الجيش “الإسرائيلي”، وكانت خطيئته الكبرى التي يندم عليها أشد الندم أنه قتل طفلًا فلسطينيًا، رغم أن هذا الطفل هو ابن الشخص المسؤول عن تفجير السيارة التي أودت بحياة أمه وأخيه الصغير. وقد كان هذا الطفل يعمل في مخبزٍ يصنع المتفجرات بدل الخبز، وبهذه الصورة فلا ضير لو تم قصف الأماكن المدنية والحيوية في فلسطين.

أما من يدافعون عن حق الشعب الفلسطيني بأن يتم الاعتراف به فحسب، فهؤلاء أعداءٌ للسلام ويُرَد عليهم بنفس “الخطاب المتسامح” بأن جميع الناس هم شعب واحد.

ما بين السطور

يمكن اكتشاف العديد من الرمزيات والرسائل المبطنة في المسلسل سواء في العبارات التي تقولها الشخصيات أو عناوين الحلقات أو تسلسل المَشاهد؛ رسائل ورمزيات تتعلق باصطفاء الرسل وتيه بني إسرائيل والأوبئة التي ضربت مصر -المذكورة في سفر الخروج- وغير ذلك الكثير، وسنكتفي هنا بذكر بعض هذه الرسائل:

◘ في المشهد الختامي للمسلسل، تسقط الطائرة التي تُقل المسيح المزيف، في حقلٍ من الزهور، ويأتي ولدٌ عربي يرعى الغنم معروفٌ بكذبه ليخبر اثنين ممن كانوا على متن الطائرة بأنهما كانا أمواتًا وأن هذا الشخص -أي المسيح المزيف- أحياهم، وهنا تأكيدٌ على رسالة المسلسل بأن الدين محض كذب، كما قد يرمز حقل الزهور إلى الجنة، فيكون في المشهد إنكارٌ للحياة الآخرة، وكذلك قد يرمز الولد إلى النبي محمد ﷺ، في تكذيبٍ لرسالة الإسلام.

◘ إحدى الشخصيات الثانوية في المسلسل، شاب جامعي أمريكي اعتاد أن يدرس في المكتبة بانتظام، يشاهد هذا الشاب ما حل من فوضى وما يعانيه شباب الجامعة من ضياع “بعد عودة المسيح”، فيقرأ النسخة الإنجليزية من القرآن، وعندما يلتقي صدفةً بالمسيح المزيف، ينعته بـ “المسيح الدجال” [باللغة العربية]. بعد ذلك، هذا الشاب الجامعي المجتهد يحرق أوراقه الجامعية وكتبه -ومنها كتاب صدام الحضارات-، أي أن خرافة المسيح الدجال عند المسلمين هي ما دعت هذا الطالب الجامعي -غير المسلم- إلى إحراق كتبه بدل محاولة اكتشاف الخدعة. وفي النهاية لم يعد الشاب الجامعي يذهب إلى المكتبة، مع التركيز على اقتباس مكتوب في المكتبة يُنسب لأوبرا: “أنت تصبح ما تؤمن به” بمعنى أن ما آمن به الشاب الجامعي قاده إلى ترك المكتبة.

◘ أحد المحققين الأمريكيين كان كاثوليكي شاذ، وبعد أن يستمع لكلام المسيح حول ضرورة الصدق مع النفس، وأن الرب يحبك كيفما كنت؛ يصدق المحقق الأمريكي الشاذ المسيح، ويتصل بـ “حبيبه” القديم ليخبره بأنه سئم من الكذب على نفسه؛ في دعوة إلى التعبير عن الذات وإشارة لما يعانيه الشواذ من ضغوطات كما هو معهود من شبكة نتفليكس.

◘ خلال خطاب المسيح المزيف في واشنطن عن ضرورة تجرد الناس وتحليهم بالشجاعة ليكتشفوا ذواتهم ورؤية حقيقتهم ومن ثم سيره على الماء بعد ذلك؛ تخيلَ أحد السوريين-الفلسطينيين أن هذا “المسيح” يساعده على النهوض، فينهض ويتجرد من ملابسه ويسير عاريًا باتجاه الحدود “الإسرائيلية” فيُسمح له بالدخول. وهنا تم الربط بين التجرد المجازي والتعري الفعلي. ويظهر هذا بشكل أوضح حينما يخبر المسيح المزيف أحد الشخصيات بأن تتجرد من أعبائها وما يٌشعرها بالخزي، فتظهر الشخصية بعدها وهي تسبح، قبل أن تذهب وتبوح بسرٍ كانت تخفيه وتخجل منه. وهذا ينسجم مع أحد رسائل المسلسل بأن تعبّر عن ذاتك وتفعل ما تشاء، فالله يحبك كيفما كنت.

◘ بما أن المسيح المزيف كان جزءًا من مخطط تخريبي لخلق التشويش الممنهج في المجتمع، فالمسلسل يدافع ضمنيًا عن كل القضايا التي انتقدها المسيح المزيف في المجتمع الأمريكي، كالانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، وكذلك تقديس المال وتقديس المرأة لعملها.

◘ أشد أتباع المسيح المزيف ولاءً له وأكثر من انطلت عليه خدعة “المسيح” كان شخصًا سمع المسيح يقول آية قرآنية، فتذكر والدته التي كانت تقول له نفس الآية وهو صغير. وأما المسلم المتشدد الذي لف حزامًا ناسفًا حول شابٍ صغير وقام بتفجير مسجد، فكان مدرسًا في مدرسة. وهنا يرسم المسلسل صورة مشوهة عن التربية الدينية -الإسلامية على وجه التحديد-.

الخلاصة

سأقتبس من المسلسل ما قالته إحدى الشخصيات حول كتاب صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون: “عليك أن تتذكر فقط أنه كان على حق، تنبأ “هنتنجتون” بأن المحور الأساسي للصراع العالمي بعد الحرب الباردة سيكون صراعًا على الحدود الثقافية والدينية، وهذا ما يحدث بالضبط في سياسة العالم حاليًا”.

هذا ما تدركه شبكة نتفليكس جيدًا، وإن بدا أنها تتعمد إثارة الجدل كأسلوبٍ رخيص للشهرة والانتشار، إلا أن الانتشار قد لا يكون كل شيء. فهذه الأساليب الرخيصة تضع حدود ما يمكن بثه في الإعلام “الترفيهي” ككل، وبالتالي التطبيع مع كل ما قد يسيء للدين، ويمس المعتقدات والقيم.

ولم يكن مسلسل “المسيح” هو بداية الاحتفال بالأعياد عند نتفليكس هذه السنة، حيث عرضت قبله بفترة وجيزة فيلمًا “كوميديًا” قصيرًا من إنتاجها، فيه المسيح شاذ جنسيًا، ومريم العذراء تدخن الحشيش، وفيه ما لا يمكن ذكره من تجسيد وإساءة للذات الإلهية. والأمر لم يقتصر على رموز الديانة المسيحية، بل تعداه ليشمل استهزاءً صريحًا بالإله ليس فقط في الديانات الكبرى كالإسلام والهندوسية والبوذية، بل شمل ديانات كالراستافارية وغيرها.

فيلم كهذا لن يكون كوميديًا سوى لملحدين؛ فقد تم تجاوز مرحلة تشويه الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى تشويه مفهوم الدين ككل؛ يبدو أن الصراع بين الإنسان من جهة والشيطان وأعوانه من جهة أخرى، بات أوضح من أي وقتٍ مضى.

هذا أمر مرعب، فهو تهديد لنجاح الإنسان في الاختبار الذي خُلِق لأجله. وبالمقابل ما زال همنا الأول هو “الترفيه”، لاهثين وراء المزيد من الاستهلاك والاستعراض، غارقين في التفاهات والسخافات، فاقدين للبوصلة، زاهدين في الآخرة غافلين عنها.

بقلم: هادي صلاحات

الصورة الرئيسية لمقال: الأنمي.. سفير اليابان إلى العالم

الأنمي.. سفير اليابان إلى العالم

“الأنمي” الياباني فن مرئي له طابعه وأسلوبه الخاص الذي يميزه عن الرسوم المتحركة الأمريكية في الشكل والمضمون، وهو جزء محوري من الثقافة اليابانية.

رسم بياني لإيرادات سوق الأنمي حتى عام 2017

الرسم البياني (1): إيرادات سوق الأنمي حتى عام 2017

وسوق الأنمي الياباني في نمو مستمر؛ فقد وصل حجم مبيعاته حول العالم في عام ٢٠١٧ إلى ما يزيد عن ١٨ مليار و300 مليون دولار أمريكي وفقًا لجمعية الرسوم المتحركة اليابانية (The Association of Japanese Animations) كما هو مبين في الرسم البياني (1).

رسم بياني لإيرادات سوق الأنمي داخل اليابان وحول العالم حتى 2017

الرسم البياني (2): إيرادات سوق الأنمي داخل اليابان وحول العالم حتى 2017

ويُلاحظ تضخم هذا السوق عالميًا حتى أن إيراداته خارج اليابان في طريقها لتفوق الإيرادات داخله، كما يظهر في الرسم البياني (2)، فشبكة نيتفلكس الأمريكية مثلًا أنتجت إلى الآن أكثر من 40 أنمي خاص بها، عدا ما تدرجه من أنميات للعرض، وهذا يُظهِر مدى انتشار الأنمي الياباني وحجم تأثيره. فإن كانت لدى الولايات المتحدة أفلام هوليوود، فلدى اليابان الأنمي، فالأنمي بات “سفير اليابان” للعالم.

الأنمي المدبلج
بدأ دخول الأنمي للعالم العربي مع جيل السبعينات والثمانينيات من خلال الأنميات المدبلجة والتي كانت منتقاة، وفي كثير من الأحيان مقتبسة من الروايات، مثل “سالي” و”جزيرة الكنز” و”بيل وسيباستيان” و”صاحب الظل الطويل” وغيرها.

سبيس تون

لكن البداية الحقيقية لدخول الأنمي للعالم العربي كانت في بداية الألفية مع مركز الزهرة وقناة سبيستون، أول قناة عربية مختصة بعرض الأنمي الياباني المدبلج للأطفال. وكانت الأنميات المدبلجة -خصوصًا ما كان من دبلجة سبيستون- تراعي القيم الدينية والأخلاقية في المجتمعات العربية، حتى ولو تم تحريف قصة الأنمي كلها في سبيل ذلك، وليس حذف المشاهد غير اللائقة فحسب.

ورغم أن سبيستون والأنميات المدبلجة ساهمت في زرع مبادئ نبيلة وأسس أخلاقية وربما دينية لدى متابعيها، إلا أنها بالمقابل عززت بشكل كبير مكانة الصورة لديهم، وأدت في كثير من الأحيان إلى عزلهم عن الواقع وإغراقهم في الأوهام والخيالات وأحلام اليقظة، خصوصًا أنهم عادةً من الأطفال، مما سيصعّب عليهم مواجهة الحياة فيما بعد. وهذه ليست مجرد افتراضات عبثية، فكلمة “otaku” اليابانية والتي تطلق على محِب الأنمي والمهووس به، تعني لغةً الشخص الذي يمكث في بيته ولا يملك حياة اجتماعية.

الأنمي في عصر الإنترنت
أنمي Yu-Gi-Oh! “حقبة الأنمي المدبلج” أعطت انطباعًا خاطئًا بأن الأنمي هو مجرد مادة بريئة موجَّهة للأطفال. فبالإضافة إلى سلبيات الأنمي المدبلج، فإن هذا “السفير الياباني” هو بطبيعة الحال مشبعٌ بالثقافة اليابانية ذات الروافد المتعددة، لذا لا عجب في أن يكون زاخرًا بالمعاني والأسماء والرموز والمعتقدات المستقاة من الهندوسية والبوذية والشنتو والطاوية والكونفوشيوسية وكذلك التراث الشعبي الياباني.

وهذا ما يغفل عنه الكثير من الأهالي هذه الأيام فيتركون أبناءهم ليشاهدوا ما يحلوا لهم من الأنمي على الإنترنت والذي يكون بشكله الأصلي الخالي من أي حذف أو تحريف، والذي يجذب الصغار وكذلك الشباب ممن تعلقوا بالأنمي المدبلج في صغرهم.

ومن الأنميات التي تحمل عقائد شرقية أنمي “Dragon ball” وفيلم الأنمي “Spirited Away – Sen to Chihiro no Kamikakushi”. وبعض الأنميات جمعت بين المعتقدات الشرقية والماسونية كأنمي “Yu Gi Oh” المتخم بالرموز الماسونية بدءًا من رمز الهرم الذي تتوسطه عين إلى قصته التي تقوم على تناسخ الأرواح والسحر في مصر القديمة. وهناك أيضًا أنمي “Fullmetal Alchemist: Brotherhood” الذي يتحدث عن الخيمياء وحجر الفلاسفة.

death noteوبعض الأنميات تناقش قضايا فلسفية كأنمي “Death Note” و”Psycho Pass”، وبعضها قد يناقش الأسئلة الوجودية، والتي يتم عرضها غالبًا من وجهة نظر الفلسفات الوثنية أو الإلحادية، كأنمي “Death Parade” وأنمي “Subete ga Fni Naru”.

فالأنمي -كغيره من المواد “الترفيهية” المرئية- فيه العديد من التصنيفات والأنواع، من ناحية الشكل والمضمون، لذا قد يحوي الأنمي مشاهد شديدة الدموية، أو مشاهد القبلات والتعري أو حتى علاقات الحب الشاذة، وقد يصل الأمر إلى المشاهد الإباحية الصريحة واللواط والسحاق والسفاح!

الأنمي على أحد الأبنية في اليابان“كوكب اليابان”.. حلم كل “أوتاكو”
يعد العيش في اليابان أو مجرد زيارته حلمًا للعديد من الـ”أوتاكو” نظرًا لتغلغل الأنمي في الحياة اليابانية، فقد ترى صور الأنمي على وسائل المواصلات أو الطرقات او الأبنية.

لذا فإن مهووسي الأنمي يصبحون مهووسين بكل ما هو ياباني، فترى منهم من يتقن اللغة اليابانية -رغم صعوبتها- أو يقرأ الأدب الياباني، عدا من يقرأ الكتب المصورة اليابانية (المانجا) والتي تكون عادة أصل قصص الأنمي، وقد يصل عدد فصول الواحد منها إلى المئات. وهؤلاء جميعًا تراهم يتذمرون من إعراب جملة في العربية أو قراءة كتابٍ عربي لا يتجاوز المئة صفحة!

شعار برنامج خواطر الموسم الخامسوأحاطت بـ”كوكب اليابان” هالة إعلامية صوّرته على أنه جنة الله على الأرض، خاصة في العالم العربي من خلال برامج كبرنامج خواطر الذي ذاع صيته منذ موسمه الخامس حين عرض مقارنات بين “كوكبنا” و”كوكب اليابان”. وعملت هذه الهالة على زيادة تقبّل الشباب للثقافة اليابانية والانفتاح عليها، وبالتالي رواج الأنمي والتعلق به أكثر.

وبالنتيجة، فإن الأنمي يؤدي لتعلق الشباب بالثقافة اليابانية، والثقافة اليابانية تزيد تقبل الشباب للأنمي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن “اليابان ليس كوكبا كما يتخيله العرب”:

شعار الين واليانغالأنمي وحركة العصر الجديد
في ظل الخواء الروحي في الغرب؛ ظهرت حركة العصر الجديد -والتي تعد امتدادا حديثا للمذاهب الباطنية- لتقدِّم المعتقدات الشرقية على شكل “برامج تدريبية” و”رياضات روحية” خالية من أي إلزامات لممارسيها. ومن هذه الرياضات والبرامج: “الريكي” و”الفونغ شوي” و”التأمل الارتقائي” و”المايكروبيوتيك”، ولا ننسى أشهر “رياضة” روجت لها حركة العصر الجديد ألا وهي “اليوغا”.

ويُروَّج لهذه “البرامج” و”الرياضات” و”الدورات” على أنها حلول سريعة مضمونة لمشكلات العصر للوصول للصحة والسعادة، بقالبٍ بعيد عن الدين. مع تبني خطاب يدّعي الحث على الوئام السلام بين الأديان، والذي يزداد رواجًا مع السيولة التي نشهدها في حقبة ما بعد الحداثة. والحقيقة أن هذا الخطاب هو مجرد دعوة لنبذ أصول الدين التي لا يكتمل أي دين إلا بها والتي لا يصح جمعها مع أصول الأديان الأخرى، ليختلط الحق مع الباطل ويصبح الوحي السليم مكافئًا للدين الأسطوري المحرف.

وبدورنا أخذنا نحن هذه “البرامج” و”الرياضات” من الغرب بفعل التبعية الثقافية وسلطة الثقافة الغالبة، بل تم إضفاء الطابع الإسلامي عليها! لذا بات مألوفًا بين شباب وبنات المسلمين سماع كلمات كـ”الطاقة الكونية” و”طرد الطاقة السلبية” و”هالة الطاقة” و”الشاكرات”. (ويمنكم التوسع في هذا من خلال مقال حركة العصر الجديد ومقال اليوغا من موسوعة السبيل وكذلك سلسلة فيديوهات مراجعة كتاب السر من قناة السبيل على يوتيوب)

أنمي ناروتو

وحيث أن برامج حركة العصر الجديد تقوم على المعتقدات الشرقية والتي يعمل الأنمي على ترويجها بطبيعة الحال من خلال ترويجه للثقافة اليابانية؛ فإن الأنمي بذلك يروج بشكل أو بآخر لحركة العصر الجديد وأصلها الغنوصي الباطني. فلنأخذ مثلًا أنمي ناروتو، الذي يعد من أشهر الأنميات وأكثرها ارتباطًا بالعقائد البوذية والهندوسية؛ ففي هذا الأنمي يكثر الحديث عن “الشاكرا” وتوزيعها بالجسم، بالتالي فالمتابع له -خصوصًا إن كان صغير السن- لن يتقبل فحسب دورات حركة العصر الجديد المتعلقة بالتشاكرا، بل سيحبها وينجذب إليها.

وهنا ينتقل الأنمي خطوة جديدة في مساهمته في التطبيع مع المعتقدات الشرقية الوثنية، حين يساهم في تحويل هذه المعتقدات من مجرد معتقدات يابانية مرسومة على الشاشة ضمن “سياق القصة” وبشكل رمزي في كثير من الأحيان، لتصبح ممارسات يقوم بها المسلم في دورات تُعقَد على أرض الواقع.

الأفلام والمسلسلات .. هل هي بريئة حقًا؟

هادي صلاحات

“صنّاع الأفلام والمسلسلات لا يأبهون بنا ولا يدرون بوجودنا أصلًا”، “هي شركات ربحيّة فحسب”، “لمَ أنتم غارقون بنظرية المؤامرة”، “لمَ نظنّ أنّا مركز الكون؟”، “أنا أميز الجيد من السيء”، “مشاهدتي لما يفعلون لن تجعلني أفعل مثلهم”، “هذا استعراض للواقع وليس ترويجًا”، “كل المسلسلات والأفلام هكذا”. نرى هذه التعليقات وما يشابهها، تقال لكل من ينتقد ويحذِّر من أثر بعض المسلسلات والأفلام وما تبثه من “أفكار وقيم”

حسنًا.. سنبدأ بما يتعلق بـ “نظرية المؤامرة”

نظرية المؤامرة

سننسى أن هوليوود قامت بجهود المهاجرين اليهود كما هو مبيّن في كتاب “An Empire of Their Own: How the Jews Invented Hollywood” وغيره. وسننسى كذلك أن هؤلاء اليهود كانوا يعيشون كأقليات منبوذة منغلقة، وبالتالي كان الدين محورًا رئيسًا في حياتهم فهم ليسوا كالأمريكي المسيحي والعربي المسلم اللذان قد لا يعرفا من دينهما إلا اسمه.

كما ولن نلاحظ الأثر اليهودي الواضح في محتوى هوليوود سواء في الأفلام التي ترسخ التعاطف مع اليهود كـ (Schindler’s List) و (the life is beautiful) و (the pianist) أو الأفلام التي تعرض قصص الأنبياء بتصور يهودي كفيلم (Noah).

وسنغض الطرف عما أشار إليه الملياردير إيلون ماسك بأنّ الإعلام كله مملوك لليهود، ولن نتطرق إلى وعد بلفور  الذي بدأ بـ إلى “اللورد روتشيلد”، ورغم ذلك لا أثر لعائلة روتشيلد المصرفيّة بأي من قوائم أغنى أغنياء العالم.

وبالطبع لن نتحدث عن الجمعيات السرية أو الرموز الماسونية الموجودة بكل وضوح في إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته الثورة الفرنسية، والموجودة بوضوح أشد على الدولار الأمريكي.

سننسى كل ذلك، لا وجود للمؤامرات، لا في السياسة ولا في الاقتصاد، صنّاع الأفلام هم مجرد آلات لا يحملون أي فكر أو معتقد يريدون نشره.

هل أنت سعيدٌ الآن يا صديقي؟

لكن أليس من المفترض أنك مسلم تؤمن بالله، تفعل ما أمرك وتجتنب ما نهاك؟ -وحتى إن كان قارئ هذه الكلمات غير مسلم-؛ ألا يُفترض أنه من البديهي التحذير من المحتوى الذي يروِّج للبذاءة والانحلال بل وللإباحية بكافة صورها وأشكالها؟ أليس تزيين الحرام والترويج له هو عملٌ شيطاني بامتياز؟ ألم تبدأ معركة إبليس مع الإنسان منذ خلق آدم؟ ألم يقل إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟ … سأترك الجواب لك

لننتقل الآن لمن يدّعي أن الأفلام والمسلسلات عندما تعرض أمرًا ما فإنها بذلك لا تروج له، وسنسأل:

هل عرض الشيء ترويجٌ له؟

من قال لك يا صديقي أنّ الترويج لشيء يعني أن يُقال لك “تعال قم بكذا”، “افعل ذلك وستكون سعيدًا”؟

الأمر لا يسير كذلك يا صديقي؛ فعندما تقوم الشركات بحملات إعلانية فإنها تهدف إلى نشر صورة علامتها التجارية لتراها في كل مكان، وهنا ليس بالضرورة أن يُقال لك بشكل مباشر: “استعمل منتَجنا”، فعندما تقوم شركة مشروبات غازية مثلًا برعاية “برنامج أو مسابقة ما”، فإنها تكتفي بوضع مشروبها أمام مقدم البرنامج أو لجنة تحكيم المسابقة، وهذا أسلوب تستخدمه كبرى الشركات، من خلال عرض منتجاتها في الأفلام، فيما يُعرف بـ (product placement).

أفخاي أدرعي (تويتر)

وفي عصر الصورة؛ ترويج الأفكار لا يختلف كثيرًا عن ترويج السلع، خذ مثلًا المدعو أفخاي أدرعي (المتحدث باسم الجيش الصهيوني) والذي ينهال عليه متابعوه العرب والمسلمون بأقذع الشتائم وأبشع الألفاظ، أتظنه يكترث لذلك؟ لفترة طويلة وبشكل تراكمي يتلقون كلامه ويأخذ حيزًا من تفكيرهم بل ويصبح محل نقاش … وهذا هو المهم.

ولا يختلف أسلوب صناع المحتوى السينمائي والتلفزيوني عن أسلوب أفخاي ومن وراءه من الموساد، فعندما ترى فكرةً أو فِعلًا ما -مهما بلغ من القذارة والانحطاط- يتكرر أمامك على أنه أمرٌ طبيعيٌ مقبول، فمع الوقت لن يستنكر قلبك ما تراه، خاصةً إن قام به نجمك المفضل أو بطل العمل الذي تقف في صفه وتتعاطف معه -أو يُراد لك ذلك-. وهنا يكون يا صديقي قد زال من قلبك “أضعف الإيمان”. لذا راقب قلبك فالانحراف البسيط في البداية يغيّر وجهتك كليًا عند انتهاء الرحلة.

تلقّيك لما تبثه الشاشة من أفكار مسمومة سيجعلك تتقبل رؤيتها على أرض الواقع؛ فهي أمر “منتشر” و”عادي”. أنا وانت وهو وهي؛ نحن هم المجتمع، فتقبلك لذلك يعني على المدى الطويل تقبل المجتمع كله له، ولك يا صديقي بالشذوذ أوضح مثال.

والأمر لم يقف عند السحاق واللواط، بل تجاوزته إلى السفاح، تخيّل أنّ أحد “أعظم المسلسلات في التاريخ” فيه مشاهد إباحية بين الأخ وأخته وبين الأب وابنته وبين العمّة وابن أخيها، ولا يشمئزُ أحدٌ من ذلك، بل يدعون غيرهم لمشاهدته.

نتفليكس (يوتيوب)

ولديك مثلًا شبكة نتفليكس -أكبر شبكة لبث “المحتوى الترفيهي” والتي تترجِم مسلسلاتها لأكثر من مئة لغة- – التي في أحد مسلسلاتها تستغل فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما وتريك مثلًا بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا فقد اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، فلن تملك يا صديقي إلا التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وقد تسعد لأجلهما إن تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا. هذا ولا يخلو أي من منتجات نتفليكس تقريبًا من العري والإباحية والجنس بكافة أشكاله، لتكون النتيجة منتَجًا إباحيًا على شكل مسلسل يشاهده أفراد العائلة بلا قلق أو خجل.

ألا ترى يا صديقي الانحدار الذي وصلنا إليه؟

وسموم الشاشة تمسي أشد فتكًا عندما يتعلق الأمر بالعقائد، فترى النبي سليمان ساحرًا، وفرسان الهيكل أبطالًا أشداء وفرسانًا نبلاء، بل إبليس نفسه تم تصويره على أنّه الملاك الوسيم المرح الطيب الذي يحب الخير للناس، لكن والده الظالم (الإله) هو من أشاع عنه صورةً سيئة، كيف لن تتعاطف مع هذا يا صديقي؟

وحتى في المسلسل الذي يتحدث عن السفر عبر الزمن تم أخذ الموضوع لبعدٍ فلسفي، وبشكل صريح تم تقديم الزمن على أنه هو الاله، “فالإله ليس كيانًا يفكر ويتصرف بل مبدأ فيزيائي غير رحيم” وتم إعلان الحرب عليه، وكذلك تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق من خلال المفارقة الزمنية (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار. هذا عدا عن التأكيد على فكرة الجبرية وأن البشر مسلوبو الإرادة، وكذلك بث بعض الشبهات والأفكار الإلحادية عن عبثية الخلق، وغيرها من الإسقاطات والإشارات الدينية التي لا يمكن إغفالها، بدءًا من أسماء الشخصيات وانتهاءً بأهدافها، وكل هذا في مسلسل عن السفر عبر الزمن.

وبعد أن تسري في جسمك كل هذه السموم، ومع الأخذ بالاعتبار أن الخطاب السائد هو الخطاب الليبرالي الـ ما بعد الحداثي الإنسانوي، الذي يقدّس حرية الفرد ويميع الثوابت ويطمس الهوية ويساوي الحق بالباطل، قد ترفض يا صديقي حتى إعطاء حكمٍ على ما ترى.

ومع ما هو منتشر من جهل بالدين وعدم الاعتزاز به فقد يتبادر إلى ذهنك يا صديقي تساؤل: “لمَ لا؟” … لمَ نعتبر هذا خطاً، لمَ السحاق واللواط والشذوذ خطأ؟، لمَ لا يكون إبليس مظلومًا حقًا؟ خصوصًا أنّ الغيبيات والأخلاق هي أمور دينية بحتة، فيكون الأمر قد بدأ بمشاهدة مادة ترفيهية وانتهى بمشاكل عَقدية وأفكارٍ إلحادية، أو على أقل تقدير يَنتُج إسلامٌ كنسي مكانه المسجد فحسب دون أن يكون له أثر يذكر في حياة الناس وسلوكهم.

لماذا يا صديقي تريد أن تظل مجرّد مستهلكٍ لأي محتوًى يُقدم لك؟ لمَ ترضى بأن تكون مجرد وسيلة لزيادة أرباح هذه الشركات؟ بل وتسمح لهم بأن يشكِّلوا عقلك وتفكيرك ويعرِّضوك لما شاءوا من معتقداتٍ أفكار … لماذا يا صديقي؟

أبهذه التبعية والانسلاخ عن الهوية والتشوهات الفكرية، تَنتج النهضة الحضارية؟

مسلسل جن .. المجتمع المسلم كما يراد له أن يكون

هادي صلاحات


ناقش العديد من علماء الاجتماع دور الإعلام في صياغة الواقع، ومنهم غي ديبور في أطروحته “المجتمع المشهد” والتي تتلخص في أنّ الواقع لم يعد هو الذي يشكل علاقة الأفراد بما حولهم، بل أصبح المشهد ينازع الواقع هذه المكانة، حتى أصبح المشهد هو المرجع الذي يحدد الواقع ويرسمه وليس العكس.

أما جان بودريار فقدم مفهوم “فوق الواقع” (hyper reality) وهو عدم القدرة على تمييز الواقع من محاكاة الواقع، وذلك بصنع (Simulacrum) أي نسخة مزيفة لا أصل لها. وتظهر “صناعة الواقع” جليّة في مسلسل “جن”.

مسلسل جن

جِنّ هو مسلسل ناطق بالعربية من إنتاج شبكة نيتفليكس (Netflix) الأمريكية، ويتكون من خمس حلقات عُرضت بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2019. وتدور أحداث المسلسل حول مجموعة طلاب بالمرحلة الثانوية يذهبون في رحلة مدرسية إلى البتراء فيموت أحدهم ويُشتبه بأن سبب موته أمر خارق للطبيعة “الجن”.

والمسلسل لا يختلف بتاتًا عن أي مسلسل أمريكي بالشكل والمضمون، فاللغة هي الاختلاف الوحيد. فرغم أن المسلسل صوِّر في الأردن ذي الطبيعة المحافظة نسبيًا، إلا أنه كان مليئًا بأكثر الكلمات بذاءة وسوقية وانحطاطًا، عدا عن المخدرات والسُكر والقبلات والملابس القصيرة.

والحجاب لم يظهر سوى على رأس إحدى النساء من البادية، ولم ينسَ المخرج تصوير قطيع الجِمال الحاضر دائمًا عند عرض أي من مظاهر الإسلام. وأما ما يتعلق بالجن فهو “تفاهات” و”خرافات”.

لا غرابة في ذلك؛ فطاقم التمثيل هم ممن دفعوا “ضريبة هوليود” أو يتوقون لدفعها، لذا فلن يمانعوا تمثيل مسلسل ناطق بالعربية ذي رؤية أمريكية، حتى أن بعض العبارات والتعابير مترجمة للعربية بشكلٍ حرفي ركيك.

ورغم رداءة أداء الممثلين، إلا أن ضخامة الميزانية التي رُصدت لإنتاج المسلسل تظهر بشكلٍ جلي من خلال تقنيات التصوير والمؤثرات البصرية عالية الاحترافية والتي تتجاوز تلك الموجودة في المسلسلات الأمريكية، وتصل لمستوى الأفلام الهوليودية. وأيًا كان المبلغ فيبدو أن نيتفليكس لن تمانع في دفعه مقابل عرض وترويج هذه الصورة المشوهة المؤمركة للمجتمع العربي المسلم؛ كما يراد له أن يكون.

رمز ماسوني مرسوم على ملابس إحدى الشخصيات

ما بين السطور

العرض الفج والتشويه الصارخ لم يمنع صناع المسلسل من بث بعض الرسائل غير المباشرة؛ فرغم أن أبطال القصة هم طلبة مدرسة، إلا الحصة الدراسية الوحيدة التي عُرضت كانت حصة الأحياء أثناء الحديث عن نظرية التطور. كما كانت بطلة المسلسل تستمع لفرقة غناء مغمورة، وما عرض من كلمات الأغنية كان: “طرق الجنة ع قد البشر” في رسالة إنسانوية (هيومانية) بأن الجميع يدخل الجنة. كما لم يخلُ المسلسل من الرموز الماسونية.

ماذا بعد؟

إن إثارة الجدل هي إحدى أنجع الطرق في الترويج وزيادة الانتشار ورفع نسب المشاهدات، لذا فرغم تدني تقييم مسلسل جن إلا أن الضجة التي أثارها ستعمل بالنهاية على إنجاحه، ليُنتج منه جزء ثانٍ وثالث.

وبنظرة أشمل، يبدو أن الآلة الإعلامية الأمريكية لم تكتفِ بالأثر الذي تُحدثه بشكل غير مباشر من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية والمحتوى العربي المتأثر بها، فللمرة الأولى نجد إشرافًا أمريكيًا مباشرًا على إنتاج محتوى “ترفيهي” عربي، والقادم أسوء!

فهذا المسلسل بما فيه من قذارة وانحطاط موجه لمن تزيد أعمارهم عن 16 سنة! وعند أخذ بالاعتبار جودة الصورة والمؤثرات البصرية، فبالتأكيد سيكون هذا المسلسل وأمثاله أشد جذبًا من غيرهم، خصوصًا بما يحتويه من مزيج من القيم الأمريكية واللغة العربية فيجذبون متابعي المحتوى العربي والأجنبي في آن معًا.

نيتفليكس في أولى تجاربها لإنتاج محتوى ناطق بالعربية جعلت من مجتمع مسلم محافظ مجتمعًا منحلًا كانت فيه “الحمد لله” عبارةً دخيلةً غريبةً على أذن السامع. لذا فلا عجب أن تحتوي التجارب القادمة على الشذوذ الجنسي أو الشبهات الطاعنة بالدين. أضف لذلك أن شيوع هذا المحتوى سيُطبِّع الأفراد مع الشكل الأمريكي للمجتمع، وسيكون على الشركات العربية تقديم محتوى مشابه كي تستطيع المنافسة، لتكون النتيجة مجتمعًا أمريكيًا ناطقًا بالعربية!

كيف تمجد هوليود قضاياها؟.. الهولوكوست نموذجا

عاتكة عمر


لم تعد السينما متنفسًا لضغوط الحياة ومكانًا لقضاء عطلة آخر الأسبوع أو مكانًا لكسر روتين الحياة فحسب، فصناعة الأفلام تتصدر اليوم الصناعات العالمية التي تدرّ مرابح خيالية تجنيها إمبراطوريات السينما العالمية[1]، فهي اليوم تجارة رابحة رائجة تخدم كل متطلبات السوق، وتتنافس الشركات المصنعة للحصول على المراكز الأولى في المسابقات والمهرجانات العالمية التي تقام بأجواء طقوسية مهيبة تتابعها أنظار العالم.

تقدّم السينما اليوم كل ما يخطر على بال المشاهد، فأيًا كان اهتمامك وانتماؤك لا بدّ أن تجد بين زحمة الأفلام ما يعجبك، وهي في وصولها إلى المنازل تقدم مزية جديدة لمحبي المشاهَد أكثر من المقروء.

لعلّ أكثر مواضيع السينما التي لاقت اهتمامًا واسعًا، تلك التي تناولت القضايا التاريخية والسير الذاتية، وهي في صنعتها هذه تهدف إما لتوثيق ما جرى أو فرض نظرية تتبناها جهة ما، أو تصبّ في مصلحة الأقوى الذي يتحكم بكبرى شركات صناعة الأفلام، وهي إذ توجّه فكر المشاهد لتبني قضية ما، فإنها تستخدم كل قدراتها الإبداعية للتأثير الدقيق والبطيء في أفكار المشاهد جيلًا بعد جيل.

لم تشهد السينما العالمية احتفاء بقضية ما كتلك التي تناولت المحرقة “الهولوكوست”، سواء تلك التي تعرّضت لها في طي حديثها عن الحرب العالمية الثانية، أو الأفلام التي تناولت شخصية هتلر، أو التي صُنعت خصيصًا لتخليد أحداث المحرقة.

اللافت للنظر أن نسبة كبيرة من هذه الأفلام قدمتها ألمانيا في ضوء ما عُرف بالمسؤولية التاريخية الألمانية عن الهولوكوست وترسيخ عقدة الذنب الأوروبية، وهي تتلاقى في هذه النقطة مع الأفلام الأمريكية التي تحدثت عن تاريخ العبيد في أمريكا وترسيخ عقدة الذنب الأمركية، ونسبة كبيرة من هذه الأفلام أنتجتها أمريكا، في حين أنتجت إسرائيل أقل من عشرة أفلام!

استطاعت تلك الأفلام رسم صورة متكاملة، فالقصص والمشاهد صارت مكررة بأكثر من فيلم، وهي تقدم لك القضية بأي صورة أحببت، فإن كنت من كارهي المشاهد الفجة التي تصوّر القتل والتعذيب المروّع فهي قدمت لك فيلم “الحياة جميلة Life Is Beautiful” الذي تناول المحرقة بأسلوب الكوميديا سوداء، حيث نال هذا الفيلم ما يزيد على 40 جائزة وسمّي بفيلم الجوائز [2]، أما إن كان لديك الفضول في الاطلاع على حياة الناس العاديين فقد قدمت لك فيلم “عازف البيانو The Pianist” الذي نال أيضا 33 جائزة [3]، ولم يفت تلك الأفلام أن تمثل لك الجانب الآخر لمشاركين في المحرقة فقدمت أفلامًا لمشاركين فيها بصورة ما كالجنود المجبرين على الحراسة.

ولا يملك المشاهد المجرّد من الحقائق السابقة واللاحقة على وقوع الهولوكوست عند مشاهدته لفيلم “قائمة شندلر Schindlers List” والذي نال 34 جائزة [4]، لا يملك إلا أن يتعاطف مع أحداث الفيلم والتي نجح في تصوير معاناتهم أيّما نجاح، فالمشاهد المجرّد يمكن أن يرى أن هذا الشعب الذي طال عذابه لا بُدّ أنّه يستحق الحصول على وطن!

يتحدث الفيلم عن مسيحي ألماني نافذ يمتلك مصنعًا للأدوات المنزلية، ينجح في إقناع السلطات بتشغيل اليهود في المعامل كقوّة بشريّة بدلًا من تصفيتهم، فيشغل 1200 عامل في مصنعه مجنبًا بذلك هذا العدد من موت محقق، ويسرد الفيلم أحداثًا سوداوية بالأبيض والأسود ويصوّرها تصويرًا فجًا محاكيًا بذلك الأحداث المروعة التي ارتكبتها النازية الألمانية والتي تتشابه في كثير من صورها مع “النازية الأسدية” في سوريا.

يعتبر الفيلم تخليدًا لذكرى المحرقة بالدرجة الأولى وتخليدًا لأوسكار شنلدر، في نهاية الفيلم ربما فات المخرج والكاتب وأبطال الفيلم والمنتج، ولربما يفوت المشاهد إن لم يتخذ موقفًا من قضيته، فاتهم جميعا أن أوسكار دُعي بعد ذلك إلى مدينة القدس لزرع شجرة في أحد أحيائها، أوسكار الذي مات في ألمانيا نقلت جثته إلى القدس، فاتهم جميعًا أن يخبرونا كيف وصل أوسكار الى القدس؟ كيف وصل اليهود إلى القدس؟ هكذا يختتم الفيلم بصورة لقبر أوسكار وحوله ناجين من المحرقة يزورون قبره في “وطنهم” فلسطين، لكن كيف وصلوا إلى القدس وأين أهل القدس؟ فهذا ما تورّع الفيلم عن ذكره لئلا يمسّ بذلك أي تشكيك للأيقونة “الهولوكوست”.

الهولوكوست بأعين الكتّاب الغربيين
تعرضت قضية الهولوكوست لحملة كبيرة من التشكيك بوقوعها بالأعداد والصورة التي أظهرتها السينما والكتب، إذ تشير بعض التقارير لاستحالة مقتل الملايين في أفران الغاز، وشكك البعض بوجود أفران الغاز أصلًا، وقاد هذا الإنكار بول راسنييه (1967)[5] إذ يعتبر كتابه “دراما اليهود الأوروبيين Le drame des Juifs européens ” من الوثائق الهامّة التي تناولت قضية المحرقة وفنّدت الأقاويل حولها.

صحيح أن ما كتبه راسنييه لم يكن الأول في إنكار المحرقة فقد سبقه الكاتب الأمريكي فرانسيز باركر يوكي في كتابه “الحكم المطلق”، إلا أن راسنييه بصفته أحد نزلاء المعسكرات النازية لاقى تشكيكه ضجة كبيرة، وزاد الطين بلة حين وصف أعمال التعذيب التي مارسها الألمان بأنها لا تقل بشاعة عن تلك التي مارستها القوات الفرنسية إبان احتلالها للجزائر حيث كان راسنييه جندي في الجيش الفرنسي[6].

ويعتبر الكاتب والمؤرخ الأمريكي هاري بازنز (1968) عرّاب أفكار راسنييه الذي ترجم أعماله إلى الإنكليزية.

أما الأستاذ الجامعي والمفكر الجريء روبرت فوركسيون[7] (2018) فقد كلّفه إنكارها إعفاءه من منصبه الجامعي في كلية الآداب في فرنسا بتهمة معاداة السامية، وتعرض للضرب من قبل مجموعة من منظمة “أبناء ذكرى اليهود”، كذلك تعرض روجيه غارودي (2012) للمحاكمة بسبب تشكيكه في أعداد ضحايا الهولوكوست في كتابه “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”.

من الهولوكوست إلى إسرائيل
لم تكن تنتهي أحداث الحرب العالمية الثانية حتى أُعلن عن قيام “دولة إسرائيل” عام 1948، هذا التلاحم الزماني يفرض نظرية منطقية تربط أحداث المحرقة بقيام إسرائيل، تقول النظرية أن المحرقة أمرٌ مدبّر من قبل الصهيونية التي تلاقت مصالحها مع مصالح النازية ونجحت في نصب فزّاعة لليهود وللعالم اسمها “أفران الغاز” دفعت بها تجاه اليهود لتبقيهم في حالة خوف دائم من عدو يفوق إجرامه الخيال، ليندفعوا مهرولين إلى أحضان بريطانيا لحل مشكلة اليهود الناجين من المحرقة، مهيّأة بذلك جوًا مناسبًا يمهد لتقبل اليهود الفارين من جحيم النازية أولًا، وتقبل العالم أخيرًا لفكرة وطن قومي لليهود في بقعة ما، وتم استثمار معاناتهم بشكل سياسي وربطه بقضية دينية “أرض الميعاد” يضمنون بها ولاء الناس لهم دائمًا، وهي سياسة دأبت عليها سياسات الدول الكبرى، في صناعة فزّاعات تعرّض شعوبها لها بين الحين والحين، ضامنة بذلك رجوعهم إلى حظيرة الطاعة وتفضيلهم لقاداتهم على أي سيناريو آخر، ويزيد الأمر تعقيدًا إن لُفّ المستهدَف والمستهدِف بهالة دينية.

من دفع ثمن الهولوكوست
في مغازلة فاضحة بين إسرائيل وألمانيا أثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هتلر قائلًا أنّ هتلر لم يكن يريد قتل اليهود وليست له مصلحة بذلك لولا نصيحة أمين الحسيني مفتي القدس، الذي زار هتلر وأقنعه بضرورة إحراق اليهود وكبح شرّهم، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون نكتة ساذجة تُبرئ هتلر بصورة ما، حيث وصف توم سيغيف المؤرخ الإسرائيلي تصريح نتنياهو بالحكاية الخيالية وفنّد هذا الادّعاء. [8]

بات واضحًا أننا نعيش في عصر تحكمه المشاعر الآنيّة، نذرف الدموع أمام شاشاتنا على كبريات الأحداث التي تمسّنا وجودًا وامتدادًا “فلسطين، بغداد، الموصل، حلب، حمص”، ثم نعود إلى دائرة عيشنا وندور ضمن دائرة مغلقة، فالكتابة والتوثيق إن لم تقدما حلولًا لنا نحن المقيّدين، فإنها قد تكون وثائق بيد أجيال قادمة تُبقيهم على دراية بما ضاع منهم فيسعون ربما لاستعادته.

لا يمكن للقضايا الإنسانية الكبيرة أن تُترك لمطلبها بلا استغلال يحوّلها من قضايا عادلة إلى مطايا وأسواق يروّج فيها كلٌ لبضاعته، وسواء اتفقنا مع هذا الترويج أو اختلفنا معه فإن ما يعنينا من كل هذه الفوضى ووسط أصوات الباعة المتداخلة، أن تستفيد تلك القضايا الإنسانية من “تجارة القضايا” لو صحّت التسمية، فهناك أعمال فردية أو مؤسساتية محمودة لكنها بالكاد تُسمع أو تتاح لها حرية حركة يسيرة، وهي إذ تحاول ترميم ما يمكن ترميمه فإنها رغم كلّ جهودها إنما تجمّل القبح أو تخدع أبصارنا أو تؤخر انهيارنا.

ليس مرفوضا على سبيل المثال أن تقام مؤتمرات لتنظيم منهاج دراسيّ موحد للطلاب المهجّرين من أوطانهم، يعرض في هذه المؤتمرات كلٌ بضاعته، لكنه مرفوض تمامًا أن تتحول تلك المؤتمرات إلى مهرجانات سنوية تجتمع فيها النخب الثقافية وتنفض عن عبث يزيد إلى تلك القضايا عبئًا بدل أن ينزع عنها واحدًا، ويبقى الطالب الذي لأجله عقد المؤتمر بلا مدرسة أو يدرس منهاجًا ذمّه المؤتمرون.

سرد القضايا الكبرى يُعرض للتزييف الذي يخدم طرفًا ما، لكن مع وجود النقّاد والمراقبين يستطيع المعنيّ بتاريخ ما اليوم أن يصوّب أخطاء السينما، وبالتالي ينزع عن الحقيقة قشور التدليس، فرغم كل الانتقادات التي وجّهت إلى المسلسل الأمريكي “جذور Roots” واتّهام كاتبه أليكس هيلي  بتزوير بعض الحقائق فقد نجح المسلسل بتوثيق تلك الحقبة السوداء بحق أمريكا عن تجارة العبيد الأفارقة، ورغم كل الانتقادات الموجهة إلى التلاعب بأرقام الضحايا اليهود فإن السينما ما زالت تنتج أفلاما عنها كلّ عام وتعيد الرواية نفسها من غير أن تسلط الضوء على الأقوام الذين ذاقوا نار النازية أيضًا، مثل الغجر، جماعة شهود يهوه، الشواذ، المعاقين..، لكن كمّ الضخ من الأفلام المدلسة للواقع يصعّب عملية النقّاد، ويبدو أن تصحيح تلك المعلومات سيغدو بعد جيلٍ أو جيلين؛ ماضٍ يتيم لا يعرفه إلا قليل، فهذه الجمعية العامة للأمم المتحدة تصدر عام 2005 قرارًا “برفض أي إنكار للمحرقة كحدث تاريخي سواء بشكل جزئي أو كلّي”، متبنية بذلك الرواية اليهودية بقضها وقضيضها، وهو القرار المعمول به في فرنسا، النمسا، سويسرا، إيطاليا، بلجيكا، بولندا، النمسا، المجر، وألمانيا، والتهمة حاضرة دائمًا “معاداة الساميّة”.

لماذا تستمر الدعاية للهولوكوست
تمت محاكمة المسؤولين عن المحرقة، وما زالت ألمانيا تدفع تعويضات لليهود المتضررين من المحرقة منذ عام 1952م في اتفاقية لوكسمبورغ، وتبعتها اتفاقية أخرى في العام ذاته، وآخر اتفاقية تعويض قدمتها ألمانيا كانت عام 2012 شملت 80 ألف يهودي ثلثهم في إسرائيل[9]. وسواء يحق لإسرائيل أن تأخذ القسم الأكبر من تلك التعويضات -باعتبارها لم تكن أصلًا- أو لا يحق لها، فإننا نذكر ما كان لا ما يجب أن يكون. والواقع أن إسرائيل استخدمت تلك التعويضات لتوطين اليهود في إسرائيل، ورغم أن الأمر لاقى ردود فعل رافضة لتحويل قضيتهم إلى قضية سياسية، فالتعويضات الألمانية تبقى “تعويض ما لا يعوّض”، حيث بلغ حجم التعويضات المادية التي قدّمتها ألمانيا منذ عام 1952 إلى يومنا قرابة 70 مليار دولار [10].

ورغم كل ما جرى فإن الدعاية للهولوكوست ما زالت قائمة، يديرها اليوم من لم يكن مكترثًا بقضيتهم بالأمس، فأمريكا التي يوجّه لها اليهود تهمة التخلي عنهم، هي نفسها تنتج أكبر الأفلام عنهم.

يقول جوزيف مسعد الأستاذ المساعد في قسم السياسة وتاريخ الفكر الحديث في جامعة كولومبيا في تعقيب له على كتاب بيتر نوفيك “المحرقة في الحياة الأمريكية”: “مصلحة أمريكا من تبني مشروع الوعي بالمحرقة هو الاستفادة من توظيفها، بأن ما فعلته أمريكا بالأفارقة أو سكان أمريكا الأصليين لا يقارن بما فعله الألمان”. أضف إلى ذلك الأرباح الخيالية التي تجنيها هوليود، البقرة الذهبية لأمريكا، من أفلام المحرقة.

قضايانا العربيّة اليوم مادة دسمة لصناعة الأفلام ولا تحتاج لا لتزوير ولا تعديل، نحتاج إلى من ينقلها كما هي، نكاد اليوم نصرخ في المعنيّين قائلين: “أنتم أيضًا تاجروا بقضايانا” إن كان هذا يوثّقها، وإن توثيقها لأضعف الإنسانيّة.


الهوامش

[1] http://cutt.us/gE0Np دراسة عن تكلفة إنتاج الأفلام والمرابح التي تجنيها الشركات المنتجة

[2] http://cutt.us/XriS

[3] http://cutt.us/3jPyi

[4] http://cutt.us/IhSOA

[5] كاتب وناشط سياسي فرنسي ولد في فرنسا1906م

[6] الإرهاب الفكري أشكاله وممارساته، جلال الدين محمد صالح، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، ط1، ص 45.

[7] حوار مترجم معه يوضّح فيه أسباب تشكيكه بالهولوكست http://cutt.us/uamuz

[8] http://cutt.us/ksKfx

[9] http://cutt.us/l7q3X

[10] http://cutt.us/aCLD7

الإباحية وفساد المجتمع

هادي صلاحات


في عصر الإنترنت والأجهزة الذكية؛ باتت مشاهدة المواد الإباحية آفة تصيب الكثيرين، كبارًا وصغارًا، شبانًا وفتيات؛ حيث يرونها ملاذًا لإشباع غرائزهم، خاصة في ظل الصعوبات والعقبات التي تواجههم في طريق الزواج. ويظنّ الكثير من هؤلاء أن خطأ مشاهدة الإباحيات يقتصر على النظر إلى العورات والفواحش فحسب، إلا أن للأمر أبعادًا أخطر من ذلك.

صناعة الإباحية
يعد سوق الإباحية من أضخم الأسواق عالميًا، فإيراداته على مستوى الولايات المتحدة لوحدها تُقدر بثلاثة مليارات دولار أمريكي لعام 2016، مقابل ملياري دولار لقطاعات حيوية أخرى كالسكن والخدمات الغذائية، وهذا وفقًا لتقارير شركة (IBISWorld) المتخصصة في تحليل السوق.

وحيث أن الإباحية صناعة؛ فإن كل ما يتم إنتاجه من مواد إباحية هو بالضرورة “سلعة”، قد تكون سلعة خبيثة قذرة، لكنها بنهاية المطاف تبقى سلعة تحتاج مقومات التسويق من تشويق وتجديد وجذب للانتباه.

وفي سبيل ذلك يبتعد المحتوى الإباحي عن الواقع كل البعد –سواء بشكل “الأشخاص” أو تصرفاتهم أو ردود أفعالهم- بغية تحقيق أقصى درجة ممكنة من جذب المُشاهد وشده. وهذا يؤدي بعد الزواج إلى تبعات كارثية تدمر الحياة الزوجية وتؤدي إلى النفور بين الزوجين عند مواجهتهم للواقع الخالي من كل تلك “الإثارة” المبنية على الزيف والقذارة، والتي زينتها لهم الأفلام الإباحية.

ففي صناعة تقوم على انعدام أي ضوابط دينية أو قيَمية أو أخلاقية أو حتى صحية؛ تكون القذارة سيدة المشهد بمحتوًى لا يعرف للانحطاط حدودًا، يتضمن كل ما هو مقزز منافٍ للفطرة من جنس جماعي وسحاق ولواط وسفاح، فتُصمَّم “سيناريوهات” يُمارَس فيها الجنس مع أطفال، أو تجمع أبًا مع ابنته أو بنتًا مع أمها، وقد يصل الأمر إلى التلذذ بالفضلات، أو ممارسة الجنس مع الحيوانات.

لذا فإن المواد الإباحية لا تجعل تفكير الشباب منصبًا على الأمور الجنسية فحسب، -رغم خطورة ذلك- إلا أنها تؤدي أيضًا إلى تسمم فكرهم وتلوث نفسهم وانتكاس فطرتهم. فتكرار المشاهدة مرة تلو الأخرى كفيل بجعل أي محتوًى مستساغًا مهما بلغت درجة قذارته وانحطاطه، وأيًا كان مدى مخالفته للفطرة السليمة.

 
وفقًا لنتائج إحصاءات أجرتها إحدى أكبر شبكات إنتاج ونشر المواد الإباحية؛ فإن عدد ساعات مشاهدة المحتوى الإباحي في عام 2016 على هذه الشبكة فقط يُقدَّر بـ 4.6 مليار ساعة، أي ما يزيد عن 524,000 سنة، كما كانت مصطلحات السحاق والسفاح متصدرة لقوائم أكثر المصطلحات بحثًا!
 

العنف
ارتضت “النجمة الإباحية” أن تكون مجرد جسد يُستخدم لزيادة الأرباح. لذا فلا عجب من أن تقوم مجمل المواد الإباحية على إذلالها وامتهانها، وهذا بدوره يعزز نزعات العنف الكامنة في اللاوعي، والذي قد ينتج عنه “قاتل متسلسل”.

قد تعتقد أن في هذا الكلام مبالغة، ما لم تعرف “ثيدور روبرت بندي” أو “تيد بندي”، وهو قاتل أمريكي متسلسل قام بعشرات الجرائم من خطف واغتصاب وقتل، وقد ألقي القبض عليه عام 1978، وبعد عشرة أعوام من سجنه اعترف بقتل ثلاثين فتاة وامرأة، وأدين بمجامعة الموتى، وأُعدم باستخدام الكرسي الكهربائي عام 1989.

عاش باندي طفولته في كنف أسرة مُحبة ملتزمة؛ إلا أنه آل إلى ما آل إليه بسبب المواد الإباحية. فبدأ يسقط تدريجيًا في هذا المستنقع القذر، ينتقل من مادة إباحية لأخرى باحثًا عن “إثارة” أكثر، حتى باتت “المشاهدة” وحدها غير كافية. وفيما يلي جزء مما قاله “تيد باندي” بنفسه قبل سويعات من إعدامه:

 

ختاما
تكاد لا تخلو جل المادة الإعلامية -سواء الأفلام أو المسلسلات أو الأنمي أو الإعلانات- من المحتوى الإباحي تصريحًا وتلميحًا. والإباحية بكل صورها تدمر المجتمع باستهداف لبنة بنائه الأساسية ألا وهي الأسرة، بإسقاط الشباب بهذا المستنقع ليصبح العدسة المشوهة التي يرون العالم من خلالها، والتي تطبع كافة علاقاتهم الأسرية والمجتمعية بطابع جنسي قذر، فتحركهم غرائزهم ليكونوا كالأنعام بل هم أضل. ومن شأن هذا أن يساهم في تفسير تفشي التحرش وظهور الشذوذ، وما خفي أشد وأعظم.

ومن هنا تظهر ضرورة التزام أوامر الله واستشعار رقابته، لتهذيب النفس وضبط الهوى، بغض البصر والابتعاد عن الخلوات وتجنب الوحدة، فيجب إشغال النفس بما يفيدها لكي لا تشغل صاحبها بما يفسده.

نفوذ العالم الأزرق

هادي صلاحات

 

في ظل أزمة فيسبوك بسبب إعلانات الانتخابات الأمريكية، والتي يعتقد أنها موِّلت من جهات روسية، يجب الإشارة إلى أن شركة فيسبوك تعمل بنشاط مع الأحزاب السياسية والقادة من خلال فريق فيسبوك للحكومة والسياسة العالمية، بقيادة مخططة استراتيجية رقمية جمهورية سابقة كاتي هارباث (Katie Harbath)، ويعمل الفريق -ظاهريًا- مع أي شخص يسعى للسلطة.

ففي كبرى ديمقراطيات العالم –كالمملكة المتحدة وألمانيا والهند- يصبح أعضاء الفريق موظفين بالحملة الانتخابية يقومون بتدريب القادة والسياسيين على كيفية استخدام الفيديو بشكل أفضل لإشراك المشاهدين وكيفية توجيه الإعلانات لكتل التصويت الحاسمة. وبعد فوز المرشح تقوم الشركة بتدريب الموظفين الحكوميين أو تقديم المساعدة التقنية للبث الحي في المناسبات الرسمية للدولة.

وفي الولايات المتحدة، ضمت حملة ترامب موظفين من وحدة فيسبوك السياسية. بينما رفض مخيم هيلاري كلينتون عرضًا مماثلًا. كما وشهدت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2008 صعود أول “رئيس فيسبوكي” في العالم. حبث تمكن باراك أوباما بمساعدة منصة فيسبوك من الوصول إلى الملايين من الناخبين في الأسابيع التي سبقت الانتخابات.

وفي الهند، -أكبر أسواق الشركة لخدمتي فيسبوك وواتساب- ساعدت الشركة في تحسين حضور رئيس الوزراء نارندرا مودي على الإنترنت، والذي لديه الآن أكبر عدد متابعين على فيسبوك من بين زعماء وقادة العالم. فبحلول وقت انتخابات الهند عام 2014، عمل فيسبوك لعدة أشهر مع العديد من الحملات. واعتمد مودي بشكل كبير على الفيسبوك والواتساب لتجنيد المتطوعين الذين بدورهم عملوا على نشر رسالته على وسائل الاعلام الاجتماعية. وفي غضون أسابيع من انتخاب مودي سافرت هارباث وفريقها إلى هناك، حيث قدمت سلسلة من ورش العمل والدورات التي دربت أكثر من 6000 مسؤول حكومي.

وفي الفلبين، قامت الوحدة بتدريب حملة رودريغو دوتيرت- المعروف بدعمه عمليات القتل خارج نطاق القانون- على كيفية استخدام المنصة بأقصى قدر من الفاعلية. كما وتفاخر مسؤولون فيتناميون بأن فيسبوك سوف تنشئ قناة مخصصة لتحديد أولويات طلبات إزالة المحتوى المسيء للسلطات.

وفي ألمانيا، ساعد فريق فيسبوك حزب “البديل من أجل ألمانيا” (Alternative for Germany party) المعادي للهجرة على الفوز بأول مقاعده في مجلس النواب الاتحادي الألماني (البوندستاغ)، وفقًا لموظفي الحملة.

كما ذهب فريق فيسبوك إلى الأرجنتين عام 2015، حيث بث الرئيس الأرجنتيني الحالي موريسيو ماكري حشود حملته الانتخابية بشكل مباشر على فيسبوك، وبمجرد انتخابه، أعلن كامل مجلس الوزراء على الموقع، مع استخدام الرموز التعبيرية.

وفي العام نفسه، أصبح الرئيس البولندي أندرزج دودا -والذي قمع حرية الصحافة في البلاد- أحد أوائل زعماء العالم الذي يبث تنصيبه بشكل مباشر على الشبكة الاجتماعية. وتقول شركة فيسبوك بأنها كانت “جزءا لا يتجزأ” من نجاحه الانتخابي وأن صفحته” واحدة من قنوات الاتصال الرئيسية في مكتبه”.

ومن الملفت أن جهود فريق فيسبوك التي ساعدت بشكل فعال على فوز الحزب الوطني الاسكتلندي عام 2015 تعتبر “قصة نجاح” على موقع الشركة الإلكتروني، كما نجد ذلك على الرابط: https://www.facebook.com/business/success/snp

وفي حين رفضت فيسبوك إعطاء حجم وحدتها السياسية، قال أحد مسؤوليها التنفيذيين إنها يمكن أن تتوسع لتشمل المئات خلال ذروة الانتخابات، حيث تشمل أشخاصًا من فرق أمن المعلومات والقانون والسياسات في الشركة.

فقد عملت الشركة منذ فترة طويلة لتكون المنبر المفضل لعالم ما يسمى “المؤثرين”، لزيادة عدد الزيارات للمعلنين والحصول على بيانات أفضل حول ما يجذب المستخدمين.

فالشركة تقدم خدمات مخصصة لمساعدة المرشحين على بناء حملات فعالة، بنفس الطريقة التي تقدمها لشركة كوكا كولا قبل إطلاق المنتج. وبمجرد انتخاب هؤلاء المرشحين، فإن علاقتهم بفيسبوك تساعد الشركة على توسيع نطاق نفوذها، ومدى سيطرتها في الحكومة.

وما ذِكر هذا الكم من الدول، إلا لتخيل حجم نفوذ هذا الكيان الأزرق الذي يمتلك معلومات تفصيلية عن أكثر من ملياري إنسان، ومدى نجاعة أساليبه، حيث القاسم المشترك بين عملائه المذكورين هو نجاحهم في “الانتخابات الديمقراطية”.


للمزيد:

https://www.bloomberg.com/…/inside-the-facebook-team-helpin…

الوجه الآخر لألعاب الفيديو

هادي صلاحات

هناك تداخل كبير بين عالم التلفاز والسينما وعالم ألعاب الفيديو، حيث تبنى الكثير من ألعاب الفيديو على مسلسلات وأفلام كما في لعبتي (The Godfather) و(The Walking Dead)، وقد يحدث العكس كما في سلسلة (Assassin’s Creed) والتي تم تحويلها عام 2016 لفيلم سينمائي.

وهناك أيضا ألعاب وأفلام ذات أصل مشترك، كما في الألعاب والأفلام المبنية على شخصيات القصص المصورة، كشخصيات عالم (Marvel)، مثل (Spider-Man) و(Iron Man)، وشخصيات عالم (DC) مثل (Superman) و(Batman)، وكذلك روايات (Harry Potter) والتي بنيت عليها العديد من الأفلام وألعاب الفيديو.

وتقدر إيرادات ألعاب الفيديو لعام 2017 بأكثر من 115 مليار دولار، وفي الولايات المتحدة وحدها تجاوزت الإيرادات 23 مليار دولار، أي أكثر من ضعف إيرادات شباك التذاكر (Box Office) البالغة 11 مليار دولار تقريبًا.

والفئة المستهدفة في ألعاب الفيديو ليست الأطفال فحسب، حيث تتراوح أعمار 35% من اللاعبين حول العالم بين 21 و35 عامًا.

لذا فألعاب الفيديو تستحق تسليط الضوء، فأثرها قد يوازي –أو يفوق- الأفلام السينمائية في خطورته، لما فيها من تفاعل أكبر مع المحتوى. فعلى سبيل المثال، يمكن من خلال ألعاب مثل (Call of Duty) أو (Medal of Honor) -وغيرهما الكثير- عرض الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة من وجهة نظر أمريكية صرفة تزيف التاريخ، وتظهر الجنود الأمريكيين كحماة للسلام، والتطبيع مع هذه الأفكار في أذهان الأطفال منذ صغرهم.

ألعاب الفيديو والمؤسسات العسكرية
تم إنشاء أول حاسوب للأغراض العامة (ENIAC) عام 1946، وبعدها بعامين فقط ظهرت أولى ألعاب الفيديو الحربية وكانت من إنشاء مكتب أبحاث عمليات الجيش، ومنذ ذلك الحين والعلاقة بين ألعاب الفيديو والمؤسسة العسكرية آخذة بالتعمق.

ديف أنتوني (Dave Anthony) مصمم لعبة (Call of Duty) عام 2004، ضليع في وضع سيناريوهات لنهاية العالم مع تصورات شاملة للحروب، وهو حاصل على مرتبة الشرف في علوم الحاسوب، ويتضمن ذلك الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية. يعمل الآن في المقر الرئيس للمجلس الأطلسي في واشنطن، وهو مؤسسة بحثية (Think tank) مؤثرة في مجال الشؤون الدولية، وذلك لمساعدة الولايات المتحدة للاستعداد للأسوأ. ويتمثل دوره في تحديد التهديدات غير التقليدية لأمريكا، من خلال تخيل مستقبل البلاد كما في ألعاب الفيديو، وتصور النهايات غير المتوقعة.

ويستخدم الجيش الأمريكي الألعاب لتدريب جنوده، ففي عام 1997 كانت لعبة (Doom) تستخدم لتدريب مشاة البحرية (Marines)، ويتدرب الجنود الآن باستخدام أنظمة الواقع المعزز التكتيكية. ويعزو العديد من النقاد قسوة الحرب الحديثة إلى كونها تشبه إلى حد كبير ألعاب الفيديو.

ومن هنا طرأ التساؤل: ماذا لو أصبحت الحروب تحاكي ألعاب الفيديو بدلا من العكس؟

أتت الفكرة من ويليام روبر (William Roper) مدير مكتب القدرات الاستراتيجية بوزارة الدفاع، منذ تأسيسه عام 2012، ومهمته دراسة أين تتجه الحرب، ومن ثم تطوير الأدوات التكنولوجية التي تساعد الولايات المتحدة على الانتصار.

وما يدلل على نجاح المكتب وتزايد أهميته هو زيادة موازنته 18 ضعفًا منذ تأسيسه قبل أقل من ست سنوات، فالخدمات العسكرية تفكر بواقع اليوم، ووكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية DARPA تفكر بالمستقبل البعيد، أما روبر فيفكر بالغد المباشر.

ويقول روبر إنه في عصر إنترنت الأشياء (Internet of Things -IoT) لم تعد حواسنا تحدد حدود تصورنا، حيث سيعيش الجنود في المستقبل القريب في عالم يتوفر فيه كمّ لا محدود من المعلومات لمساعدتهم، كخريطة لجميع الجنود القريبين وصور حرارية وخرائط متغيرة باستمرار وإشعار عند انخفاض مستوى الذخيرة، مع خوارزميات التعلم العميق لتوقع خطوة العدو القادمة واقتراح خيارات لمواجهته، وكذلك مشورة استراتيجية تبنى على أساس خطة أولية للمعركة وتعدل مع استمرار المعركة.

وإذا كان يمكن من الناحية النظرية للجيش الاكتفاء بإرسال الآلات بدلا من البشر، لكن ذلك سيؤدي –حسب روبر- لمشكلة أخلاقية تتمثل بتفويض قرار قتل شخص ما لآلة، وأخرى تقنية تتمثل في أن الآلات حاليًا يمكنها اتخاذ قرارات جيدة فيما يخص أشياء رأتها من قبل فقط.

لذا فالتحدي قريبًا سيكون في حصول الجنود على أكبر قدر ممكن من المعلومات، مع قدر مماثل من التعلم بأبسط وأوضح الطرق، وفعل ذلك بمفردهم في البنتاغون هو –برأي روبر- “أصعب تحدٍ” لكن صناعة ألعاب الفيديو قد حققت ذلك بالفعل. فصناعة الألعاب، هي التي وضعت أفضل الطرق للاعبين للتعاون عبر البلدان كما لو كانوا يجلسون في نفس الغرفة، كما بنت واجهات سهلة للمستخدمين، لدرجة أن الألعاب الجديدة المعقدة لا تحتاج حتى للتدريب.

وقد لا ترغب بعض شركات ألعاب الفيديو في المشاركة بأمور عسكرية حربية، لكن هذا –على حد تعبير روبر- هو “نداء الواجب الحقيقي”.

وتتمثل المشاركة بأن تبني شركات الألعاب للبنتاغون الأنظمة التي يريدها مع إعطائه وصولًا حصريًا لمدة معينة، ثم كل شيء يمكن أن يعود إلى اللعبة. فيقول روبر: “نحن لا نملك المنتج، نحن نملك الوقت”.

وهكذا سيحصل الجيش الأمريكي على أفضل ما توصلت إليه شركات الألعاب، ويستقطب الموظفين ذوي الخبرة، أو يعطيهم صورة أشمل لتوسيع نطاق عملهم وضمان اتساق عملهم مع الأهداف المرجو تحقيقها، دون حاجتهم إلى الاجتماع بأعضاء آخرين. ولترغيب الموظفين بالتعاون، قد يتم تمكينهم من مرافقة فرق العمليات الخاصة لمكاتب وزارة الدفاع.

نشر القيم المنحلة
تعد قنوات ألعاب الفيديو من أكثر القنوات متابعة على يوتيوب، فالقناة الشخصية الأكثر متابعة على الموقع هي قناة (PewDiePie) التي يتابعها أكثر من 59 مليون شخص، وهي للاعب ألعاب فيديو، وقد تجاوز مجموع المشاهدات في الثلاثين يومًا الماضية 300 مليون مشاهدة على هذه القناة وحدها، أي لو كانت مدة كل مشاهدة دقيقة واحدة فقط، فإن عدد ساعات المشاهدة يتجاوز 570 سنة، مع العلم بأن مدة الفيديوهات على القناة تتجاوز العشر دقائق، وتصل مدة بعض الفيديوهات إلى بضعة ساعات.

والكثير من الألعاب التي يتم عرضها (لعبها) في هذه القنوات تساهم بنشر القيم والأفكار المنحلة. ففي لعبة (Night in the Woods) مثلًا يجب على اللاعب في إحدى مهمات اللعبة حل خلاف بين اثنين من الشواذ، بتذكير كل واحد بمفاتن الآخر، والأمر لا يختلف كثيرًا في لعبة (South Park: The Fractured but Whole).

وفي الجزء الخامس من لعبة Lakeview Cabin يجب القيام بطقوس شيطانية تتضمن قيام اللاعب بالسفاح، وذلك أمام الكاميرا مباشرة، لكن الصورة لا تكون واضحة بسبب شكل اللعبة الكلاسيكي القديم، رغم أنها لعبة جديدة صدر آخر أجزائها مؤخرًا.

وأما شركة (Rockstar games) فمعروفة بسلسلة GTA التي يتخذ اللاعب فيها دور رجل عصابات، بكل ما في الأمر من انحطاط يتضمن القتل والسرقة والزنا والذهاب إلى الملاهي الليلية… إلخ. ومن ألعاب الشركة ذاتها لعبة (Bully scholarship edition) وهي مشابهة للسلسلة السابقة لكن داخل نطاق مدرسة، وفيها إمكانية إهداء الزهور والحلوى لطلاب المدرسة الذكور وتقبيلهم.

ويزداد الأمر سوءًا في ألعاب من نوع (Interactive Story Games)، ففيها يتخذ اللاعب بملء إرادته القرارات التي تحدد مصير القصة، ومن الأمثلة على هذا النوع لعبة Life is Strange: Before The Storm التي يأخذ اللاعب فيها دور فتاة تكسر القوانين، وتعطي اللعبة الخيارات التي تسمح للشخصية بالتلفظ بأبشع الألفاظ وتعاطي المخدرات عدا تخريب الممتلكات العامة. ويتقاطع طريق هذه الفتاة مع فتاة طيبة مجتهدة، وبالتدريج تبدأ اللعبة بوضع بذور الحب الشاذ بين الشخصيتين، من خلال مواقف وظروف مشتركة مرسومة بطريقة سينمائية مغرية ومدروسة، فيتدرج الأمر من إعطاء اللاعب الخيار بقول عبارات المديح الزائد إلى مداعبة خصلات الشعر وصولًا إلى تقبيل الفتاة بمشهد درامي في ليلة ثلجية.

وأخيرًا لعبة (Dream Daddy: A Dad Dating Simulator)، والتي يأخذ فيها اللاعب دور أب وحيد يأتي مع ابنته إلى حي جديد، والهدف من اللعبة هو “مواعدة” كافة الآباء في الحي.

وغني عن الذكر أن على أصحاب قنوات الألعاب اللعب بالطريقة الأكثر جذبًا للمتابعين والتي تضمن أعلى قدر من المشاهدات. وقد يتصرف اللاعبون بالكثير من التصرفات الشاذة من باب الفضول أو التجربة.

وتتفاقم المشكلة مع تطور الرسوميات وتسارع التقدم التقني في مجالي الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فضلا عن استخدام مثل هذه التقنيات في الألعاب ذات المحتوى الإباحي.

لذا فإن ألعاب الفيديو شأنها شأن جميع أدوات الإعلام، يجب عدم الاستهانة بمحتواها، والتعامل معها بانتباه ووعي.


المصادر والمراجع:

http://independent.co.uk/life-style/gadgets-and-tech/features/call-of-duty-designer-dave-anthony-is-advising-america-on-the-threats-that-could-cause-the-end-of-a6703471.html

https://newzoo.com/insights/rankings/top-100-countries-by-game-revenues/

https://selectusa.gov/media-entertainment-industry-united-states

https://socialblade.com/youtube/user/pewdiepie

https://statista.com/statistics/722259/world-gamers-by-age-and-gender/

https://wired.com/story/will-roper-pentagon-video-games/

العدو الشرير (6)

هادي صلاحات


دل النجاح اللافت للجنة كريل –المذكورة في المقال السابق- على فاعلية استخدام “العدو” في توجيه الرأي العام وكسب تأييد الجمهور، ومن هنا نشأ ما سمي بـ”الذعر الأحمر”، حيث كانت الشيوعية هي العدو هذه المرة.

وشهد عام 1954 أحد أشهر استخدامات “الذعر الأحمر”، حيث كانت شركة “الفواكه المتحدة” أحد أبرز عملاء إدوارد بيرنيز، إذ كانت تمتلك مزارع موز شاسعة في غواتيمالا وأمريكا الوسطى.

إعلان لشركة الفواكه المتحدة يعود إلى عام 1916

وعلى مدى عقود، كانت الشركة تسيطر على غواتيمالا من خلال الدكتاتوريين الموالين لأمريكا، ولكن في عام 1950 تم انتخاب العقيد الشاب جاكوبو أربينز رئيسًا، والذي وعد بإزالة سيطرة شركة الفواكه عن البلاد، وفي عام 1953 أعلن أن الحكومة ستتولي أمر معظم أراضي الشركة. وكانت هذه كارثة للشركة، فلجأت إلى بيرنيز.

ومع أنّ الرئيس المنتخب وحكومته لم تربطهما أي علاقة بموسكو، إلا أن بيرنيز استغل اندلاع الحرب الباردة وقلق الشعب مما قد تفعله الشيوعية؛ وعمل على تغيير مظهر حكومة غواتيمالا -إعلاميًا- من حكومة منتخبة شعبيًا تعمل لصالح البلاد، إلى ذلك الكيان الشيوعي القريب جدًا من الشاطئ الأمريكي، والمهدِّد للقيم الأمريكية.

تضمنت خطة بيرنيز دعوة صحفيين أمريكيين مؤثرين للقيام بجولة في غواتيمالا، فقلة منهم فقط كانوا يعرفون شيئا عن البلاد وسياساتها، حيث رتب لهم بيرنيز لقاءات مع سياسيين غواتيماليين مختارين ليخبروهم أن أربنز كان شيوعيا تتحكم به موسكو. كما كانت هناك خلال الرحلة مظاهرات عنيفة ضد الولايات المتحدة في العاصمة، ويرجح موظفو شركة الفواكه المتحدة أن بيرنيز هو من عمل على تنظيم المظاهرات.

أربينز

أنشأ بيرنيز أيضا وكالة إخبارية وهمية في أمريكا تدعى “مكتب معلومات أمريكا الوسطى”، وأمطرت هذه الوكالة وسائل الإعلام الامريكية بوابل من نشرات صحفية تدعي أن موسكو تعتزم استخدام غواتيمالا كشاطئ لشن هجوم على الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، أقر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور بأنه يتعين على الولايات المتحدة الإطاحة -سرًا- بحكومة غواتيمالا. فصدرت التعليمات إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتنظيم انقلاب.

وبالتعاون مع شركة الفواكه المتحدة، قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدريب وتسليح مليشيات متمردة، وعثرت على زعيم جديد للبلاد هو العقيد كارلوس كاستيلو أرماس.

وفي الوقت الذي كان فيه الطيّارون التابعون لوكالة الاستخبارات المركزية يلقون القنابل على عاصمة غواتيمالا، قام بيرنيز بحملته الدعائية في الصحافة الأمريكية ليعيد تشكيل الواقع، ويعيد توجيه الرأي العام لرؤية ما يحدث على أنه ثورة يقودها “مقاتلو الحرية” لتحرير غواتيمالا.

من نتائج الحرب في غواتيمالا

وفي عام 1954 فرّ العقيد أربينز من البلاد ووصل الزعيم الجديد أرماس، وفي غضون أشهر زار ريتشارد نيكسون غواتيمالا، وكان حينها نائب رئيس الولايات المتحدة. وأُقيم هذا الحدث تحت إشراف دائرة العلاقات العامة لشركة الفواكه المتحدة، والتي ظهرت -بعد كل هذا- على أنّها مجرد شركة تجارية.

عُرضت على نيكسون أكوام من كتب الأدب الماركسي، وقيل إنهم عثروا عليها في القصر الرئاسي. ثم قدم أرماس ونيكسون خطابهما الجماهيري وخلفهما تلك الأكوام من الكتب؛ وقدما بذلك مثالًا صارخًا على الكلمات الجوفاء التي تملأ الخطاب السياسي لكسب تأييد الجمهور، والتي تم التطرق لها في المقال السابق.

مما قاله نيكسون في خطابه: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي تتم فيها الإطاحة بالحكومة الشيوعية من قبل الشعب. ولهذا نهنئكم وشعب غواتيمالا على الدعم الذي قدمتموه. ونحن على ثقة بأنّه تحت قيادتكم المدعومة من الشعب -الذي التقيت بالمئات منه في زيارتي- ستدخل غواتيمالا حقبة جديدة يكون فيها الرخاء للشعب والحرية للشعب”.

ما بعد “الذعر الأحمر”

ريغان

بعد أن تراجع التهديد الشيوعي تحتم إيجاد عدو جديد، حيث أوجد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في الثمانينات العدو المناسب، والذي كان “الإرهاب”، فبدأ ريغان “الحرب على الإرهاب” والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.

كانت الحرب على الإرهاب هي الحجة الإعلامية الأولى لجميع الفظائع والمجازر التي اقترفتها الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن، وتبعتها في ذلك كثير من الدول العربية والإسلامية.

وبحجة مواجهة هذا “العدو الشرير”، تم تبرير انتهاكات فظيعة كالتعذيب والاختفاء القسري وسفك الدماء وارتكاب المجازر؛ فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي والتعليمي والصحي، فعلى الشعب أن يضحي في سبيل القضاء على “العدو الشرير”.

وقد يأخذ “العدو الشرير” أشكالًا عدة؛ فالإرهاب هو عدو عالمي، لكن هذا لا يمنع وجود “الأعداء” على المستوى الإقليمي، كـ”العدو المجوسي” في الشرق الأوسط (إيران)، و”العدو المجنون صاحب السلاح النووي” في شرق آسيا (كوريا الشمالية).

وبذلك يتم ضمان السيطرة الدائمة على الجماهير، بما يحقق مصالح المنظومة السياسية والاقتصادية، ويبرر الإنفاق الهائل على التسلح، والذي بدوره يضاعف مبيعات الشركات المصنعة للأسلحة.

ختامًا … من هو العدو الشرير حقًا؟
إن هذه السلسلة هي محاولة لإزالة الغشاوة عن عيون اللاهثين وراء غرائزهم ومصالحهم ونزواتهم، من لا يحتكمون لوحيٍ أو دين، فباتوا كالقطيع الضال. هي محاولة لتوضيح من هو “العدو الشرير” حقًا، وهم أولئك الذين لا يُمانعون بأن يتسببوا باندلاع الحروب وإبادة الشعوب في سبيل تحقيق مصالحهم. والذين يملكون الآلة الإعلامية الديمقراطية، ويصنِّعون الأسلحة الدموية الاستبدادية.

هم أولئك الذين يعاملوننا على أننا “قطيع ضال” تجب السيطرة عليه، هم المتوارون في الظلال ويعيثون في الأرض فسادًا. هم شياطين الإنس التي تسعى لأن تُفقَد البوصلة، ويضيع السبيل.


أهم المصادر والمراجع
السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.