image_print

سحر الويكا: كيف تسللت عبادة الشيطان إلينا عبر السينما والمناسبات؟

أنتجت هوليود في العقدين الأخيرين الكثير من الأفلام والمسلسلات عن السحرة والقوى السحرية، وسلّطت وسائل الإعلام الأضواء بشكلٍ أكبر من أي وقتٍ مضى على الويكا وطقوسها، كما ضمنتها في ألعاب عن التعاويذ تستهدف أطفالاً بعمر ال١٠ سنوات.

غلاف كتاب: سحر الويكاتتصدّر كتب الويكا والسحر والشعوذات رفوف المكتبات في الغرب، وتلاقي رواجاً كبيراً لاسيما بين المراهقين، وتناقش كاثرين ساندرز صاحبة كتاب “سحر الويكا Wicca’s charm” أهم الأسباب التي تشدّ المراهقين والشباب لهذا الموضوع في عدة نقاط، فما هي؟

أولى تلك النقاط هي “تملّك الفتيات للقوة” فبحسب أساطير الويكا التي يُقال إنها بدأت منذ ٣٥٠٠٠ سنة، كانت النساء هنّ الحاكمات ويعبدن الطبيعة والآلهة الإناث، وكانت الحياة هانئة مسالمة، إلى أن جاء “الغزو الذكوري” الذي عكّر صفو المجتمعات النسائية وأرضخهن، ومنذ ذلك الوقت تحاول النساء استعادة الملك والسُّلطة من الذكور، ويروّجن بأنّ على النساء التحالف سويةً لتمكين الآلهة النسوية من استعادة الحكم مرةً ثانية ليعم السلام مجدداً.

أما النقطة الثانية فهي: وَهْمُ “القوة المطلقة” حيث تبدو فكرة السيطرة على القوى الخفيّة المؤثّرة بما حولنا جذّابة للمراهقين، خاصةً أن الويكا توهم هؤلاء بأن السحرة الصغار على قدرٍ أكبر من القوة والقدرة على التحكم والسيطرة ممن هم أكبر منهم سناً، بالإضافة لذلك يضفي الطابع السري لممارسات الويكا غموضاً وإثارة تزيد من إغراء تلك الفئة العمرية.

في حين أن “حماية الأرض” تعد النقطة الثالثة، حيث إنه في عالم يعاني من تغييرات مناخية كبيرة معظمها ليس في صالح الأرض والطبيعة، يجد المراهقون في الويكا التي تقدس الأرض والطبيعة فرصةً لإحداث تغيير للأفضل.

على طريقتي وحسب هواي
هذه إحدى أهمّ صفات الويكا ومبادئها، فليس ثمّة قوانين ضابطة فيها ولا ثوابت، بل يقولون: كل شيء ممكن، ولا يوجد خطأ أو صواب، ولكل شيء استثناء، وكل إنسان بإمكانه اختيار القوانين التي يرى أنها تناسبه وتلائمه، وفي المراهقة التي لم تنضج فيها فكرة الأمور المطلقة والثوابت الأخلاقية، ستجد الويكا لها طريقاً سلساً في عقول ومنطق هؤلاء الصغار في كل مكان.

يسرد موقع focus on the family تجربة لإحدى المنتسبات للويكا تقول فيها الفتاة المسيحية “كاثي” بأنها قررت في فترة المراهقة أن تعرف أكثرعن هذا الديانة الوثنية المحيطة بها من كل مكان، فكانت تعيش في مدينة سايلم الأمريكية والتي تشتهر بتاريخ حافل بالساحرات وممارسة طقوس السحرة.

تعرفت الفتاة على راهبةٍ ويكيّة، ثم حصل أن ضمّت الأخيرة الفتاة تحت جناحها واهتمت بتعليمها السحر، وطمأنت الفتاة بأن أفعالها إنما هي “سحر أبيض” لا مشكلة فيه، بل على العكس قد يعود بالنفع على الكثيرين، وبعد عدّة سنوات أتقنت الفتاة الفنون السحرية التي تعلمتها، إلا أن الأمور سارت لتنحني نحو السواد والظلام[1]، وشعرت بأنها تنحدر تدريجياً إلى أمور غامضة لا تمت بصلة لكل ما قيل لها من قبل.

وجاء اليوم الذي رأت فيه ما لم يخطر ببالها، فبينما هي في غرفتها في نهارٍ صيفي حار، تشعر فجأة بالبرد وتصاب بالرجفة والقشعريرة وتتراقص أمامها فجأةً العشرات من الشياطين السوداء حسب وصفها، ضاحكين بصوت عالٍ، فتحاول الفتاة تلاوة ما تحفظه من تعاويذ وتمتمات لتطردهم، ولا يزيدهم الأمر إلا ضحكاً، وتزداد المسكينة رعباً، ثم تناجي الله بصلاةٍ تعلمتها في طفولتها، فيعود كل شيء إلى طبيعته، الأمر الذي قادها فيما بعد لترك كل ما له علاقة بهذه الديانة إلى الأبد[2].

هل الويكا كذبة بيضاء؟
غلاف كتاب "الويكا: الكذبة البيضاء الصغيرة للشيطان"يقول ويليام شنوبلن Schnoebelen العضو السابق في الويكا في كتابه الكذبة البيضاء الصغيرة للشيطان: “الويكا هي واحدة من أكثر الخدع المغرية التي توصل إليها الشيطان”، ويصف كيف أن رغبته الدافعة كانت الحصول على مزيد من المعرفة بأسرار عالم الروح. لكن أساتذته قادوه إلى مسارات انتهت بالخداع فقط، وقد علم فيما بعد أنها كانت طرقًا بالية لا أكثر، وأنّ سحره الأبيض في “حركة العصر الجديد” لم يكن سوى عبادة الشيطان القديمة.

يكمل شنوبلن بأن فلسفة العصر الجديد التي تروّج لها ديانة الويكا هي مجرد اختلاق حديث لأكاذيب الشيطان المركزية: يمكن للإنسان أن يصبح إلهاً، وللوصول إلى هناك يجب أن “يتطوّر” من خلال العديد من التناسخات، لكنه اكتشف أن تطوّره وصعوده ما كان إلا “نزولًا”، ويشرح بالتفصيل كيف انتقل من الرقص عاريًا في الغابة إلى القيام بالتضحيات الدموية والنوم في نعش!

أعياد الويكا
يحتفل أتباع الويكا بثمانية أعيادٍ في السنة تسمى الأسبات (جمع سبت) Sabbats، وسنرى فيما يلي أن العالم المسيحي الحديث قد اقتبس معظم أعياده منها، ونشرها حول العالم تحت تأثير العولمة، وهي بالترتيب:

أعياد الويكا

السامهان Samhain
يُحتَفَل بهذا العيد في 31 من أكتوبر ويمثل بداية السنة أو دورة الزمن عندهم، ونهاية فصل الضوء، وبداية الظلام، ويتم فيه التعبير عن الشكر والامتنان على ما أُعطوه في السنة الماضية. والأدلة المكتشفة في إيرلندا واسكتلندا وبريطانيا على احتفال القدماء بهذا العيد قبل المسيحية، وهو ما قد يجمع اليوم بين ليلة الهالوين وعيد الشكر.

 يول Yule
يُحتفل به في وقت الانقلاب الشتوي فيما بين ٢٠-٢٥ديسمبر، وحسب الباحث ريفن غريماسي Raven Grimassi في كتابه روحانية الساحر spirit of the witch “يمثل يول بالأساس تجديد دورة الحياة، ففي الوثنية القديمة آمن الناس أن الانقلاب الشتوي هو الوقت الذي يولد فيه إله الشمس من جديد” وقد كانت تُنصب الأشجار في الخارج ويتم تزيينها لإيمانهم أنها تجلب البركة من الآلهة والأرواح، واحتفالاً بولادة إله الشمس، وتُقدم الهدايا. وكما أشار غريماسي إلى أن شجرة الزينة يجب أن تكون دائمة الخضرة لترمز إلى قوة الحياة التي ستنجيهم من فصول السنة الصعبة. وكما نرى فهو عيد يتطابق في وقته وطقوسه مع عيد الكريسماس – عيد الميلاد- لدى المسيحيين اليوم.

إيمبولك Imbloc
تعني البطن في اللغة الإيرلندية القديمة، ويحتَفَل به في ١-٢فبراير وتشير إلى الأغنام الحوامل، ويعد هذا اليوم هو نقطة الوسط الفاصل بين الانقلاب الشتوي والاعتدال الربيعي، ويعبر عن التطهير والخصوبة والأمل ووعد المستقبل، وقد تجسّدت هذه المفاهيم في شخصية الإلهة بريدجيت، إلهة الطب والشعر والخصوبة والحدادة والينابيع المقدسة، وفي التقاليد المسيحية في بعض البلاد لا يزال يُحتفل بهذا اليوم كعيد للقديسة بريدجيت!

أوستارا Ostara
ما بين ٢٠-٢٣مارس حيث يتم الوفاء بالوعود والآمال التي حملها عيد إيمبولك في عيد أوستارا أي عيد الاعتدال الربيعي، ويأتي اسم العيد من إلهة الربيع والخصوبة الجرمانية إيوستر Eostre، والدة الفجر التي -وفقاً للأساطير القديمة- عادت الآلهة للظهور من تحت الأرض حيث كانت نائمةً لعدة أشهر.

طقوس الاحتفال تشمل البيض الملوّن والكتاكيت والأرانب والزهور، تركيزاً على الولادة والتجديد، ويُقرن رمز البيضة بمفهوم المتاهة، حيث يتم اخفاؤها والبحث عنها، وتعود هذه الفكرة حسب زعمهم إلى العصر الحجري الحديث في مناطق مختلفة مثل إيرلندا والهند واليونان، وهي بمثابة تمثيل رمزي لفصل الذات عن الواقع الخارجي الحالي، وبالتالي إيجاد معنى أكبر داخل الذات، تماماً كما الطقوس الممارسة في عيد الفصح في أيامنا.

بلتان Beltane

صورة من الريف الانكليزي عام ١٨٨٤ لأشخاص يحتفلون حول المايبول

يحتفَل بهذا العيد بما بين ٣٠أبريل- 1مايو- حيث يأتي النور والخصوبة بقدوم الصيف، ويُعتقد أن الاسم مأخوذ من عبارة نيران بيل Bel’s fire في إشارة إلى بيل Bel إله الشمس السلتي وتعني حرفيّاً النار الساطعة، في مراسم الاحتفال تُضرم النيران ويبدأ الرقص وغالباً حول شجرة كما في العصور القديمة، وتطورت مع الوقت رمزية الشجرية إلى رمز على شكل عمود يعرف باسم مايبول Maypole، يتم تزيينه بخيوط طويلة وشرائط يمسك بها المشاركون.

 

احتفال البلتان حول العمود في قريبة شاغورد البريطانية Chagford عام ٢٠١٢[3]

احتفال ليثا
ويكون فيما بين ٢٠-٢٢ يونيو ويُعتقد بأنه الاسم الانجلوساكسوني لشهر يونيو، يُحتفل فيه بأطول يوم في السنة، ويُعتبر هذا اليوم نقطة التحوّل في العام، ويشتمل الاحتفال على إشعال النيران والرقص وتناول الفواكه الطازجة وكعك العسل والولائم فرحاً بانتصار النور على الظلمة، مع توقّع الظلام الذي سيتفوق على النور في الأيام المقبلة -حيث يزداد طول الليل تدريجياً على حساب النهار- والرجاء بأيام خفيفة وطويلة تعود إليهم بعد الفصول المظلمة.

الممارسات الشائعة في هذا اليوم بالإضافة إلى الأعياد والنيران هي حماية النفس وتحصينها من القوى غير المرئية التي استيقظت حديثاً في عيد بلتان السابق والتي تكون اليوم في كامل قوتها وقد تسبب ضرراً كبيراً.

ويتم صنع التعاويذ للاحتماء وخاصة لمن يعقدون زيجاتهم في هذا اليوم، الذي يحرص الغالبية على اختياره يوماً للاحتفال بالزواج كجزء من الاحتفال الكبير.

لوغ ناساد Lughnasadh
يكون هذا الاحتفال في 1 أغسطس، وقد سمّي باسم الإله السّلتيّ “لوغ”، الذي يمثّل إله لنظام والحقيقة، وهذا الاحتفال عبارة عن مهرجان حصاد يُحتفل فيه بمرور الصيف إلى الخريف.  وتُقدّم فيه أولى ثمار الحصاد للآلهة والإلهات.

مابون Mabon
يحتفل بـ مابون في الاعتدال الخريفي من خلال الشكر والتفكر بما اكتسبه الفرد وخسره على مدار العام وذلك في ٢٠-٢٣سبتمبر ويقابله عيد الشكر في القارة الأمريكية، أما الاسم فهو ابتكار معاصر، صاغه الكاتب الويكي أيدان كيلي Aidan Kelly مؤخرًا في سبعينيات القرن الماضي، لكن الاحتفال بالاعتدال الخريفي يُعدّ ممارسة قديمة جدًا.

إلى أين تسير وثنية الويكا؟
في الختام لا بدّ من التساؤل عن مدى انسياق العالم تدريجياً نحو الروحانيّات الشيطانية لأسباب عديدة بفعل الإعلام وجهوده الحثيثة وتبني ما يسمى دين العصر الجديد، والويكا ليست إلا أداة جذابة من أدوات هذا الدين لاستهداف صغار الشباب والشابات من مختلف الثقافات والمجتمعات، ليتفقوا جميعاً في النهاية أن دين المرء هواه، وإلهه نفسه ورغباته.

نسأل الله السلامة والثبات على دينه الحنيف.


المصادر والهوامش:

https://www.ancient.eu/Wheel_of_the_Year/

https://www.chick.com/battle-cry/article?id=Wicca-Seduction-of-the-Innocents

https://www.focusonthefamily.com/parenting/the-hidden-traps-of-wicca/

Wicca’s charm by Catherine Sanders

https://youtu.be/4ku4mG-RXbs

 

[1] حكم تعلم السحر في الإسلام التحريم، والكثير من العلماء كفّروا تعلمه حتى وإن لم يمارسه، وليس في الإسلام تمييز بين سحر أبيض أو أسود، فحتى لو استخدمه صاحبه لنفع الناس أو فك السحر عن المسحورين فهو آثم لاستعانته بالشياطين.

[2] يتساءل البعض كيف يمكن لصلوات من الإنجيل المحرّف أن تطرد الشياطين، ونقول إن قصص طرد الشياطين بنصوص “الكتاب المقدس” إذا كانت صحيحة فعلا فربما تحدث لأن التحريف لا يعني أن الكتاب كله من صنع البشر، بل فيه أجزاء كثيرة من الوحي الإلهي، وعندما يلجأ المسيحي إلى الله بالدعاء فحتى لو كان يشرك معه في العبادة نبيه عيسى عليه السلام فإن الدعاء قد يُقبل لصدق التوجّه.

[3]  مصدر الصورة: https://www.terriwindling.com/blog/2015/05/beltane.html

هوليوود تسوّق للنسوية وتزوّر التاريخ.. مسلسل Mrs. America

في الخامس عشر من شهر أبريل الماضي أطلقت شبكةFX  أولى حلقات مسلسل  “Mrs. America” الذي يزْعَم أنه مبني على أحداث حقيقية، هذا المسلسل القصير المعروض في تسع حلقات، والمصنوع بأيدي يسارية واضحة المعالم يحكي قصة الصراع الذي دار في السبعينات في الولايات المتحدة الأمريكية بين الحركة النسوية، وبين التيار المحافظ حول قضيّة تحرّر المرأة المتمثّل بتعديل مساواة الحقوق الدستوري (Equal Rights Amendment).

كعادتها؛ فإن هوليوود لا تقدم لنا قصة مجردة بوقائعها التاريخية المسجلة، وإنما لا بد أن تضع لمساتها وإضافاتها الخاصة عليها لتحوّل الحدث إلى رسالة مؤدلجة فيها خيرٌ وشرٌ ومحاكاة للعواطف والغرائز، مما ينتج نهايةً موقفاً محدداً مسبقاً في ذهن المشاهد.

هذه المنظومة الإعلامية الضخمة المموّلة بملايين الدولارات لا تعنيها القيم ولا تهمها الحقائق، إنما تستخدم جلَّ أدواتها في إقناع المشاهد بأفكارها الشيطانية بأخبث الوسائل الممكنة. وحين كانت قصة العمل متعلقة بالنسوية والمحافظة، فلا شك أن هوليوود ستساند النسوية، وستحوِّل في سبيل ذلك أصحاب الموقف المخالف إلى وحوش ورموزٍ للشر أياً كانوا.

أحاول في هذا المقال إيرادَ أبرز أمثلةً على أدلجة المفاهيم وتزوير الحقائق وابتداع التاريخ في المسلسل المذكور ليتضح للقارئ أسلوب هوليوود وصُنَّاع الأفلام بشكل عام في إيصال رسائلهم المخفية عن طريق أعمال تبدو في ظاهرها ترفيهية مجردة.

صراع النسويين والمحافظين
يحكي الفلم قصة حقيقية دارت في سبعينات القرن الماضي حين اقترح ناشطون التعديل الدستوري القائل بالمساواة التامة بين الجنسين في الحقوق والواجبات القانونية، ومنع التمييز الجنسي في أي حق أو واجب في البلاد في إطار حركات تحرير المرأة وتقدمها[1].

بدا التعديل ذو العنوانٍ الجذاب “المساواة” بريئاً وبسيطاً لعامة الشعب، مما جعلهم يدعمونه أول الأمر، لكن عمل التيار المعارض للتعديل بقيادة فيليس شلافلي (التي تبناها اليمين المحافظ، أي: الحزب الجمهوري) كان محورياً في توضيح مآلات المساواة المجحفة ومناقضتها لقيم الأسرة والدين في المجتمع، مما أدى إلى رفض جزء كبير من الشعب للتعديل ومطالبة النواب بمنعه ومن ثم إلغائه تماماً عام 1982[2].

ولكون التعديل بفكرته وغايته يوافق هوى النسوية فقد حملت شعاره ودعت إليه النسويات آنذاك، وتبنّاه اليسار الليبرالي (أي الحزب الديمقراطي)، ورأوا فيه غاية التحرر والحضارة التي تلغي الفوارق بين الرجال والنساء، ومن أهم قادة التيار المشهورين في ذاك الوقت: بيتي فريدان وغلوريا ستاينم وبيلا أبزاغ[3].

فيليس شلافلي (الشخصية الرئيسية في المسلسل) قادت حركة معارضة تعديل المساواة لأنها -على حد تعبيرها- أرادت تنبيه النساء إلى حقيقة الفكر النسوي ومآلات شعاراته الرنانة[4]. فكانت شلافلي ناشطة رائدة في توضيح حقيقة مطالب النسويات اللواتي يردن مساواة المرأة بالرجل مقابل استغنائها عن ميزاتها المكفولة قانونياً كحقها في النفقة الكافية من زوجها، وامتناع التجنيد الإجباري عنها حال الحرب، وحقها في التأمين الاجتماعي من زوجها وغير ذلك الكثير مما خفي على عامة النساء[5].

فيليس شلافلي في الحراك السياسي الرافض لتعديل مساواة الحقوق (ERA) المصدر: https://www.nytimes.com/2016/09/12/us/phyllis-schlaflys-lasting-legacy-in-defeating-the-era.html

وقد حققت شلافلي في نشاطها نجاحاً كبيراً. فرغم أنها بدأت حراكها الرافض لتعديل المساواة في مراحل تمريره الأخيرة إلا أنها تمكنت من قلب موقف الشعب لصفها وإلغاء تعديل المساواة انتهاءً ووضع عراقيل أمامه مازالت قائمة حتى اليوم[6].

كانت قدرة شلافلي على كشف خفايا المساواة ومآلات الفكر التيار النسوي وآثار مساعيه على المرأة والعائلة والقيم الأمريكية مؤثرةً في جعل جزء كافٍ من المجتمع يرفض تعديل المساواة. ولأن حراك شلافلي المنطلق من الدين المسيحي والقيم التقليدية كان ناجحاً وعائقاً في وجه تقدم اليسار اللاديني فلا عجب أنهم كرهوها ورأوا فيها الشر المطلق. ويستشف ذلك –على سبيل المثال- من قول آن فريدان لها في أحد المناظرات: “أنت خائنة وعدوة لأبناء جنسك، كم أتمنى أن أربطك على عصاً وأحرقك” [أي: كالساحرات]![7].

ولما كان اليسار يزداد شعبيةً وتأثيراً اليوم، خصوصاً مع بُعد الجيل الجديد عن الدين وانفصاله عن تاريخه القديم والحديث، رأت هوليوود أن تنتج عملاً كاملاً يلمّع صورة النسويات ويشيطن عدوتهن ويعيد كتابة القصة على أنها تراجيديا تاريخية مؤلمة خسر فيها العدل وانتصرت فيها الساحرة الشريرة وأتباعها الجهّال!

تصوير المسلسل للواقع
شلافلي كانت شخصية غريبة بالنسبة للنسويات، فقد رفضت المساواة ودافعت عن حق المرأة بالأمومة والتربية ووصفت الإنجاب بالحاجة الغريزية التي تطلبها معظم النساء، وقالت مرة: “كثيرٌ من النساء يعملن خارج البيت وهن بحاجة للعمل، لكنني أرفض تماماً قول هؤلاء الليبراليات اللواتي يزدرين ربة البيت التي تريد لأمومتها أن تكون مهنتها الوحيدة، هؤلاء يسمين البيت بالسجن الأنيق بينما يصوّرن العمل خارجه على أنه الجنة، في حين أن كثير من النساء يعتبرن البيت أكثر مكان مرضٍ ومريح. أنا أعمل لحفظ حق المرأة في أن تكون الأمومة وظيفتها الدائمة إن شاءت، فأول شيءٍ سيفعله تعديل مساواة الحقوق هو إزالة واجب النفقة عن كاهل الزوج وتقسيمه بالتساوي بين الزوجين”[8].

لقاء تلفزيوني لفيليس شلافلي مع المقدم فيل دونيهيو، 1975 المصدر: Phyllis Schlafly Eagles https://www.youtube.com/watch?v=s13qZnKdLQ8&t=603s

كما أنها قدّمت صورة ثابتة للمرأة المحافظة الفخورة ببيتها ودينها والقوية في مناظراتها وتأثيرها على الجمهور. لكن المسلسل أظهرها بشكل مختلفٍ تماماً، حيث ظهرت كاذبة وجاهلة وحقودة، مخدوعة وخادعة لكل من حولها، إضافة لامتلاكها أجندات خفية لا علم لأحد بها وبأنها تعامل زوجها وأبناءها الستة بأسوأ الأساليب الجارحة، مع أن كل ذلك لا دليل عليه البتة، بل هو مخالفٌ لما يبدو لقارئ التاريخ الناظر في وثائقه.

في مشهدٍ صادم صنعه الكاتب من خلال دمج ثلاث مواقف حقيقية موثقة ليصور مناظرة شلافلي وزوجها ضد برندا فاستو وزوجها، واستخدم فيه حوارات حقيقية، لكن بقائلين مقلوبين وسياقات مختلفة[9].

ففي لقاء مشترك لفيليس وزوجها في برنامج صباحي، مرّت عبارات حكى فيها الزوجان تفاصيل من حياتهما في سياق المزاح، أخذها الكاتب ووضعها على لسان الزوج في قلب المناظرة الرسمية المحتدمة ليبدو أنه الزوج المحافظ يحرج زوجته أمام الجمهور[10]، بينما زوج النسوية المتحررة يقدّرها ويعاملها بحب واحترام. إضافة لذلك أخذ الكاتب حواراً لفيليس مع النسوية بيتي فريدان[11] تقدم فيه فريدان عدة دعاوى كاذبة، فتحرجها فيليس بمطالبتها بدليل عدة مرات على الهواء، بينما تتهرب فريدان دون جدوى (وهذا كله موثق ومتوفر على يوتيوب)، فأخذ الكاتب هذا الحوار نفسه ووضعه في مشهد مناظرة شلافلي وفاستو مع جعل شلافلي هي الطرف الذي يقدم الدعاوى الكاذبة ويحرج نهايةً من قبل خصمه المطالب بالدليل[12]!

إضافة للتزوير الجلي، فقد اخترعت هوليوود تفاصيل كثيرة زجّتها في قصة المسلسل، فأضافت أحداثًا مختلقة لحياة فيليس الخاصة لتبدو على خلاف مستمر مع زوجها، وترسم في ذهن المشاهد أنها منافقة لا تعيش القيم التي تدعو إليها، كما ابتدع الكاتب خلافاً بينها وبين ابنتها لتبدو عائلتها رافضةً لها، الأمر الذي كتبت عنه الابنة الحقيقية وطالبت إدارة المسلسل بالرجوع عنه دون جدوى. وزيادةً في استغفال المشاهد اخترع الكاتب شخصيةً لا وجود حقيقي لها أسموها أليس مكراي وقرروا أنها صديقة فيليس المقربة التي تبدأ داعمةً لها ثم تتحول تدريجياً لكرهها والحقد عليها حين تكتشف أكاذيبها. وبهذه الطريقة وجد الكاتب شخصاً افتراضياً يقول لفيليس ما يتمنى قوله لها لو كان حياً في ذاك الوقت.

رغم أنني هنا لا أدافع عن شخص فيليس شلافلي، إلا أنها كانت نصيرة للتيار الديني، وفي صراع مساواة الحقوق تصدّت بنجاح للنسويات وأظهرت كذبهنّ، ولذلك كانت عقوبتها أن حوّلتها هوليود إلى رمز البغض والكره الذي لا يذكرنا إلا بساحرات ديزني الشريرات.  وفي المقابل، صوّر المسلسل النسويات على أنهن مرحات، سعيدات صادقات ولطيفات، يتبعن قيماً وأهدافاً عظيمة يومنّ بها سواء في الحياة الخاصة أو على المسارح، حتى إن الواحدة من قادتهن لا تكاد تمشي خطوة في الطريق إلا وتوقفها حشود النساء الشاكرات لجهودها العظيمة في سبيل تحررهن[13].

تزوير بلا خجل!
العجيب أننا هنا نتحدث عن كذب وضاح وتزوير جلي وإساءة لأشخاص بذاتهم دون مداراة أو مواراة، مع أن معظم شخصيات العمل مازالت على قيد الحياة، كما أن القصة المروية لا تبعد أكثر من 50 سنة إلى الوراء، لكنّ هوليوود تعوّل على جهل الجيل الجديد وميل الشباب للفكر اليساري وانبهار الفتيات بشعارات النسوية، وكسل الجميع عن النظر في السجلات أو عبر محركات البحث عن التاريخ الصحيح، فأنتجت عملاً كاملاً لا يحمل من الواقع إلا الأسماء، محشوًّا بتسويق النسوية وتحويل كل من لا يوافقها إلى شرٍ محضٍ في جسد إنسان.

ولنا أن نسأل هنا:

لصالح مَن تعمل هذه المنظومة المموّلة بملايين الدولارات، ذات البوابات المضمونة إلى البيوت والعقول؟ مَن الذي يحدد الفكرة والقصة والمعتَقَد الذي تنتجه تلك الأعمال في المشاهدين؟ ولماذا نرى فيها كل يوم مزيداً من الانحلال والكذب في أطرٍ جذابة من الصور والمؤثرات المتقنة؟ ولماذا لا تصلنا أي قصة إلا مرفقةً بذم الدين وربط أي متديّن بالشر المطلق؟

إن هذا البعد الممنهج عن الدين لا يخدم بالفعل إلا غايات الشيطان الذي {لَعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء:118]، والذي مازال يوسوس في بني آدم حتى يصيروا عباداً له من دون الله. وها هي الأجيال تنبذ تدريجياً أياً من بقايا الدين، وتتحوّل لترى في مجرد الانتماء إليه خزياً وعاراً ومعاداة للقيم الإنسانية التي استبدلتها به، وكل ذلك تحقيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ ” (رواه مسلم).

لا بدّ في ختام الحديث من التنبيه إلى أن هذا الحديث عن المسلسل لا يسوّغ لي أو للقراء متابعته أو تكثير مشاهداته، فهدفنا تزكية نفوسنا أولاً، ومن ثم تدريبها على نقد ما يقدّم عليها، لا فتح أبوابٍ جديدة عليها من الكذب والوهم. نسأل الله أن يؤتي نفوسنا تقواها وأن يزكيها هو خير من زكاها.


[1] The History of the Equal Rights Amendment. ERA: A History, API.

https://alicepaul.org/era/history/

[2] المصدر السابق

[3] Equal Rights Amendment Passed by Congress, History.

https://www.history.com/this-day-in-history/equal-rights-amendment-passed-by-congress

[4] The Life and Legacy of Phyllis Schlafly, Phyllis Schlafly Eagles.

https://www.phyllisschlafly.com/phyllis/

[5] The Equal Rights Amendment Explained, Alex Cohen and Wilfred U. Codrington III, Bennan Center For Justice, 2020.

https://www.brennancenter.org/our-work/research-reports/equal-rights-amendment-explained

[6] Phyllis Schlafly’s Lasting Legacy in Defeating the E.R.A., Clyde Haberman, The New York Times, 2016.

https://www.nytimes.com/2016/09/12/us/phyllis-schlaflys-lasting-legacy-in-defeating-the-era.html

[7] Phyllis Schlafly Biography (1924-2016), Biography, 2020.

https://www.biography.com/political-figure/phyllis-schlafly

[8] Phyllis Schlafly on the Equal Rights Amendment | Phil Donahue Show 1974, Phyllis Schlafly Eagles. 2019.

https://www.youtube.com/watch?v=EtcSFH1xubA&t=964s

[9] مناظرة شلافلي وفاستو في المسلسل: https://www.youtube.com/watch?v=KDOe_jovXTk

جزء من مناظرة شلافلي وفاستو الحقيقية: https://www.youtube.com/watch?v=KBt5tCGV1sI

[10] لقاء فيليس شلافلي وزوجها: https://www.youtube.com/watch?v=dd0E72ZU5oM&t=7s

 

[12] انظر الدقيقة 16 و17 من اللقاء المشترك لفيليس شلافلي وبيتي فريدان: https://www.youtube.com/watch?v=WncN6PWEMGo

والدقيقة 1:30 من مناظرة شلافلي وفاستو في المسلسل: https://www.youtube.com/watch?v=KDOe_jovXTk

[13] Mrs. America | Ep. 4: Betty and Gloria Highlight | FX

https://www.youtube.com/watch?v=6u2cBwrKACY

 

 

“ما وراء الطبيعة” وتكريس الخرافة

قبل أيام بثت شبكة نتفليكس مسلسل “ما وراء الطبيعة” أول عمل مصري من إنتاجها، والذي وفرته مدبلجًا بتسع لغات ومترجمًا إلى أكثر من 32 لغة. والعمل مبني على سلسلة روايات ذائعة الصيت تحمل نفس الاسم. كل هذا كان كفيلًا بإحداث حالة من الترقب منذ الإعلان عن العمل وضجة بعد بثه، لدرجة تصدره قوائم المشاهدة على شبكة نتفليكس في عدة دول حول العالم، ودخوله -ولو بشكل مؤقت- قائمة imdb لأفضل 250 مسلسل في التاريخ.

وقبل مناقشة محتوى المسلسل -وما قد يتخلله ذلك من حرق للأحداث- يجدر بنا في البداية الحديث عن سلسلة الروايات التي بُني عليها المسلسل.

سلسلة روايات “ما وراء الطبيعة”
“ما وراء الطبيعة” هي سلسلة روايات جيب للكاتب أحمد خالد توفيق، من نوع التشويق والغموض والرعب موجهة للمراهقين، وهي من أوائل الأعمال الأدبية من هذا النوع في الوطن العربي، إن لم تكن الأولى. وقد تم نشرها على مدار أكثر من عشرين عامًا، منذ العدد الأول عام 1992 وحتى العدد الثمانين (الجزء الثاني) عام 2014.

غلاف العدد الأخير من السلسلة

تدور أحداث السلسلة حول شخصية خيالية تدعى الدكتور رفعت إسماعيل، الذي يجد نفسه أمام سلسلة من الأحداث الخارقة للطبيعة. وخلال مغامراته يواجه د. رفعت إسماعيل العديد من المخلوقات الأسطورية من المستذئبين ومصاصي الدماء إلى الزومبي وآكلي لحوم البشر، كما يقابل أناسًا قادمين من عوالم موازية ومسافرين عبر الزمن. هذا بالإضافة إلى السحرة والفضائيين، وبالطبع الأشباح والشياطين.

ولا يقتصر مسرح الأحداث على مصر، بل تدور الأحداث في شتى الدول والمناطق، بدءًا من الولايات المتحدة ومرورًا بجبال التبت، وانتهاء بـ”جانب النجوم” وهو مكان من نسج خيال الكاتب يحوي المخلوقات الشريرة.

مسلسل “ما وراء الطبيعة”
يأخذ المسلسل خمسة من المغامرات التي خاضها د. رفعت اسماعيل ويقدمها في ست حلقات، تحمل العناوين التالية: أسطورة البيت، أسطورة لعنة الفرعون، أسطورة حارس الكهف، أسطورة الندّاهة، أسطورة الجاثوم، أسطورة البيت: العودة.

بوستر مسلسل “ما وراء الطبيعة”

ويبدأ المسلسل بالدكتور رفعت وهو لا يؤمن بما يُسمى “ما وراء الطبيعة” وينتهي به مؤمنًا متيقنًا بوجود “ما وراء الطبيعة”. وفي البداية فإن هناك إشكالًا بأن شخصًا مسلمًا -أو ذا عقيدة دينية أيًا كانت- لا يؤمن بالماورائيات على الإطلاق. فالماورائيات تشمل الجن والملائكة والشياطين والجنة والنار وغيرها. ومن ثم فإن ما أصبح د. رفعت يؤمن به بعد مغامراته خلال الحلقات الست، ما هو إلا خرافات.

وما يزيد الأمر سوءًا أن بعض هذه الخرافات منتشر فعلًا ووثيق الارتباط بالثقافة الشعبية المصرية والعربية -كالجاثوم مثلًا-، وترسيخه لن يزيد المجتمع إلا جهلًا، خصوصًا إن وُضع بالاعتبار أن هذه القصص تستهدف المراهقين. أما الخرافات المبنية على الثقافة الغربية فما هي إلا امتداد لهيمنة هذه الثقافة. 

وبتتبع رحلة د. رفعت خلال المسلسل، في طريقه نحو الإيمان بـ “ما وراء الطبيعة” نرى الاستنجاد بالآلهة الفرعونية “احمنا يا حورس” وتلاوة التعويذات والترانيم الفرعونية كذلك، والجثو والصلاة لوحشٍ أسطوري، واستخدام بطاقات التاروت للتنبؤ بالمستقبل، من قِبل عدو د. رفعت، لوسيفر (إبليس) نفسه.

دينٌ موازٍ
في زمن الصورة التي يلهث فيه الناس وراء الأدرينالين، وبحجة أنها أرض خصبة للإثارة والرعب والغموض، فإن المظاهِر الشركية وغيرها من المخالفات العقدية التي احتواها المسلسل هي نتيجة طبيعية للتعرض للماورائيات في الروايات والأفلام والمسلسلات وغيرها من المواد “الترفيهية”. فهذه المواد شكلت ما يمكن تسميته بتراث عالمي مشترك من الصعب الخروج عنه، والذي كوّن ما يشبه الدين المحرَّف أو المنظومة العقائدية الموازية للديانات السماوية.

غلاف العدد الثامن والسبعين من سلسلة “ما وراء الطبيعة”

ومن ذلك مثلًا الوسيم الجذاب ذو “الكاريزما” لوسيفر والذي يوصف بأنه “حامل الضياء”، أي حامل النور والحياة والمعرفة والحضارة والحرية، وإله هذا الكون الذي يستحق أن يعبد بدلا من الإله الخالق الذي طرد الإنسان من الجنة، كما تصفه هيلينا بلافاتسكي مؤسِّسة جمعية الحكمة الإلهية (ثيوصوفيا)، التي تعد من أهم الجمعيات الباطنية. [انظر مقال الهندوسية من موسوعة السبيل].

وفي عصر العولمة العابر للقارات والثقافات يزداد القدر المشترك بين هذه المواد، خصوصًا عندما يكون الإنتاج منحصرًا بجهات محدودة ذات منظومة فكرية وثقافية واحدة، بإمكانها إعادة صياغة هذه المواد قبل تقديمها على الشاشة، واضعة المعايير الثقافية والتقنية لغيرها، في زمن الصورة.

مثلًا مما هو جدير بالذكر -والذي لفت انتباه أحد متابعي المسلسل- في هذا السياق، وفي ضوء ما توفره شبكة نتفليكس من دبلجات وترجمات متنوعة للعمل، هو ما حدث في الحلقة الرابعة من المسلسل، حيث قام دجال يُدعى “الشيخ صلاح” بقتل ابنته بعد أن تم اغتصابها. وهذا هو وصف سام هاريس -أحد الفرسان الأربعة للإلحاد الجديد- للمجتمع المسلم. فمن المهم الإشارة هنا أن هذا لم يكن موجودًا في رواية “أسطورة النداهة” الأصلية. حتى أنه في الرواية يتم إسقاط خرافة الندّاهة، بينما يقوم المسلسل بترسيخها.

من نافلة القول أن جهات الإنتاج لديها الأدوات اللازمة لتقديم الصورة التي تريد لأي شيء على أوسع نطاقٍ ممكن، إلا أن هناك خصوصية في قيام جهات الإنتاج الغربية بإنتاج أعمال متعلقة بالماورائيات وتقديمها للمشاهِد المسلم، حيث ينتُج عن ذلك تشويه العقائد وتحريف الدين نفسه في عقول أصحابه، وعدم الاكتفاء بتقديم صورة مشوهة عن الملتزمين بهذا الدين، بل بتشويه الجوهر العَقَدي للدين من خلال التحكم بالتصورات الذهنية المرتبطة بالماورائيات الموجودة في هذا الدين -كصورة إبليس مثلًا-، حيث يستمد المشاهِد تصوره من المادة التي يشاهدها، نتيجة لطغيان قوة الصورة. 

وهذا الخطر كان موجودًا منذ تعرض المسلمين للأعمال الغربية التي تتطرق للماورائيات، لكن الآن تضاعف الأثر واشتد الضرر، فالمادة الآن أقرب للمشاهِد، وهي تُقدَّم بلغته وفي بيئته وعلى لسان طاقم عملٍ مألوفٍ له، وهذا يضمن انتشارها على نطاقٍ أوسع بكثير من الأعمال الأجنبية. وهنا يتضافر الإنتاج الناطق بالعربية مع الناطق باللغات الأجنبية في سبيل الوصول لكافة أطياف المجتمع. ومن الجدير بالملاحظة هنا أن إنتاج نتفليكس في المنطقة العربية قبل “ما وراء الطبيعة” كان أيضأ مرتبطًا بالماورائيات، وهو مسلسل “جن”.

ختامًا، فإن لم ينطلق المنتَج الثقافي من منطلقات عقائدية وقيمية أصيلة، فلن يكون إلا مسخًا مشوهًا، ينطلق من منطلقات الآخر في محاولة لأن يكون مجرد بديل له، وفي النهاية لن يكون إلا مروجًا ومكرسًا للثقافة التي يحاول أن يحل محلها.

بعد الإساءة للإسلام.. هل ستؤثر المقاطعة الاقتصادية على فرنسا؟

بعد إساءة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الفجة لنبي الإسلام صلوات ربي وسلامه عليه وتعديه على دين الحق بالقول والفعل، أطلق ناشطون على مواقع التواصل دعوات إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية كردٍ سلمي ومباشر يتناسب مع حرية التعبير والليبرالية التي يقدسها الغرب.

وفي نفس الوقت وفي خضم الحماس الذي اشتعل في قلوب معظم المسلمين نصرة لنبيهم ودفاعاً عن مقدساتهم تنطلق دعاوى سلبية معاكسة فحواها أن هذه المقاطعات لن تؤثر في الاقتصاد الهائل للجمهورية الفرنسية التي ولا شك سيدعمها الاتحاد الأوروبي وستجد سوقاً بديلة عن البلاد الإسلامية ولن يضرها خسارة زبائنهم شيئاً.

ولأهمية الموضوع وأثره على حراك المسلمين، قررت أن أفرد له هذا المقال لجمع الأدلة والتقارير التي تفصّل أثر المقاطعة الاقتصادية على بلد مثل فرنسا، وتوضيح الخطأ في خطاب من يقول: عملكم هذا لن يؤثر، ولذلك أختار تجاهل القضية كلها!

توضيحٌ قبل البدء
قبل النظر في جدوى المقاطعة الاقتصادية المتوقعة، واحتمالات قد تحدث أو لا، ينبغي علينا كمسلمين أن نسأل: هل وجود النتيجة الدنيوية شرطٌ للعمل؟ وهل الأجر متوقف على حصول ثمرة الفعل المادية في الإسلام؟

من ثوابت الإسلام أن المرء محاسبٌ على السعي لا على نتاجه، فالله تبارك وتعالى يقول عزّ من قائل {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} [النجم:104]، وقال كذلك {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105]، فالعمل والسعي هما الأساس. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي اعتبره علماءٌ شطر الدين أن الأعمال بالنيات وأن للمرء مانوى (رواه البخاري)[1]، فإن كانت غاية المرء النبيلة نصرة هذا الدين بنفسه وماله بأي وسيلة ممكنة فثمرة هذا حاصلة عند الله وإن لم تظهر في هذه الدنيا الفانية الزائلة بإذن الله.

والمسلم حين يعمل يوقن أنه أجيرٌ عند الله تبارك وتعالى، لا شأن له بمسار العمل، إنما يتوجه حيث أمره مولاه تبارك وتعالى،[2] ولعل من أصدق الأمثلة على ذلك سيرة الصحابي مصعب بن عمير الذي دخل الإسلام في بداياته وذاق في سبيله العذاب والمشقة وجفاء الأهل وحرمان المتع الدنيوية، إلى أن استشهد رضي الله عنه وليس له كفن يكفي لستر جسده، فلم يشهد نصر الإسلام ولا رأى ظهوره، وليس ذلك بمنقصٍ من أجره شيئاً.

يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه في الصحيحين: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله ووجب أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم نجد شيئاً نكفنه فيه إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، فإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه بها، ونجعل على رجليه إذخرا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهذبها.

من التاريخ
بعد تذكير نفسي والقارئ بضرورة إخلاص النية وانتظار الثواب من الله لا من النتائج المادية، لننظر في أمثلةٍ تاريخية تقرر جدوى المقاطعة وأثرها المرجو بإذن الله.

في ورقتها البحثية المعنونة “Democratizing The Economic Sphere” أو دمقرطة المجال الاقتصادي، كتبت تيريزا لي: يمكن تعريف المقاطعة السياسية برفض المستهلك شراء سلعٍ معينة من منتجٍ أو مجموعة منتجين بهدف إحداث تغيير سياسي أو اجتماعي مطلوب. ومن الناحية القانونية، فالمقاطعة مغروسة في مبادئ حرية التعبير والاستقلالية والحكم الذاتي للأفراد[3]. وكما أن بإمكان الشركات تغيير مكان الاستثمار والبيع لأهدافها الخاصة، فإن المقاطعة تسمح للزبائن الذين لا يملكون إلا شراء حاجياتهم أن يجتمعوا مع من يشاركهم الأفكار والأهداف لإحداث التغيير السياسي الذي يريدون.[4]

فالمقاطعة من الناحية القانونية تضع أقل فردٍ في المجتمع على صعيدٍ واحدٍ مع المنتجين وصناع القرار السياسي تماماً كما تنادي الديمقراطية.[5]  ولا شك أن لهذا النشاط قوة فاعلة على أرض الواقع تتجاوز قوة السلاح أوالانتخاب في كثير من الأحيان، ولذلك أمثلة كثيرة من التاريخ. فقد أظهر ليود كاتلر أن الأمة الأمريكية ولدت نتيجة مجموعة من مقاطعات الاستعمار التي قادت التجار البريطانيين لدعم مطالب الشعب الأمريكي بالاستقلال والضغط على الملك حتى يوافق عليه.[6]

وتظهر السجلات التاريخية العائدة إلى النصف الأول من القرن العشرين أن المقاطعات كانت ذات تأثير كبير في إنهاء التمييز العنصري في الولايات المتحدة، فبين عامي 1900 و1906 قامت مقاطعات لسيارات الأجرة في أكثر من 25 ولاية جنوبية رفضاً لقوانين الفصل العرقي.[7] وامتداداً لتلك الحركات قامت مقاطعات واسعة لباصات النقل عام 1950 في البلاد رفضاً لفصل الأعراق في المواصلات.[8] وقد كان لهذه المقاطعة أثر كبير في المساهمة بتأمين حقوق الأفارقة الأمريكيين ومنع الفصل المبني على الأعراق في البلاد.[9]

وقد ظهر الأثر السريع والكبير لأسلوب المقاطعة في ولاية أركانساس الأمريكية عام 1971 حين اتفق المجتمع الأفريقي الأمريكي على مقاطعة التجار البيض في مدينة ماريانا لجذب الانتباه إلى التمييز العنصري الذي عانوه، وبعد ثمانية أشهر من المقاطعة المركزة قدم قادة المقاطعين عريضة بمطالبهم، وتم الاتفاق على حلولٍ مرضية لإنهاء المقاطعة. ويشير الباحثون في تفسير التأثير الكبير للمقاطعات إلى أن المحاكم العليا لا تعمل في معزل عن الواقع البتة، ولذا فإن حراك جزء كبير من الناس في مقاطعةٍ محددة وما ينتجه ذلك من جدل إعلامي وخسائر مادية للمستثمرين المحليين يولد ضغطاً كبيراً على القضاة وصناع القوانين.[10]

وكثيراً ما تكون المقاطعة بطيئة وتراكمية الأثر، ففي عام 1966 بدأ ناشطون في ولاية ميسسبي الأمريكية مقاطعة طويلة الأمد من أجل مطالب متعلقة بمساواة الأعراق من حيث الألقاب، والمهن المتاحة، والفصل في المرافق العامة.[11] ورغم النتائج الكبيرة والدراماتيكية لتلك المقاطعة، إلا أن ظهورها تأخر 16 سنة عن بدايتها.

ولعل أحد أوضح الأمثلة على فعالية المقاطعة يظهر في الاستخدام الواسع لمبدأ العقوبات الاقتصادية التي تمارسها الدول القوية ضد تلك التي لا تتفق معها. وهدف هذه الممارسة بسيط و واضح: الضغط على دولة معينة عبر إحداث ضرر في كيانها الاقتصادي لتغير مواقفها وترضخ لما هو مطلوب منها. فالعقوبات الاقتصادية كمبدأ تنطوي على إيقاف المبادلات اقتصادية مع الدولة “المذنبة”.[12] ورغم أن هذه العقوبات غالباً ما تتركز في النفط، أو في سلعة لا بديل لها في الدولة المُعاقَبة، إلا أنها تشبه كثيراً المقاطعة التي تقوم بها الشعوب المسلمة ضد فرنسا اليوم من ناحية إحداث الضرر للاقتصاد.

بهذه النظرة التاريخية السريعة يتضح أن المقاطعة الاقتصادية ليست كما يدعي كثيرون، “حلٌ عاطفي بائس وغير مجدٍ”، بل إن الدراسات والخبراء يشيرون إلى قدرتها الكبيرة في إحداث التغيير إن التزمت التركيز والمثابرة اللازمين لإيصال صوت الشعوب والأفراد.

اقتصادٌ هزيلٌ وفرصة
تحاول كثيرٌ من دول العالم اليوم التعافي من انكسارات  شديدة أصابت اقتصادها نتيجة وباء كورونا، فهذه الدول ذات اقتصاد مبني على الحركة الدائمة من بيع وشراء مستمرين مما يجعلها سريعة التأثر ببطء الحركة الاقتصادية في ظل الإغلاق والحجر وارتفاع معدلات البطالة.

من ناحيةٍ أخرى فقد دعى الرئيس الفرنسي إلى إغلاق جديد للبلاد بتاريخ التامن والعشرين من أكتوبر الحالي بسبب تسارع انتشار الفيروس، أدى إلى هبوط مباشر للأسهم الاقتصادية الفرنسية في تاريخ 29 أكتوبر الحالي. وكل ذلك يزيد فرصة تأثر فرنسا بمقاطعة البلاد الإسلامية لها.

على صعيدٍ آخر، نفت شبكة فرانس-24 أن تؤثر المقاطعة في اقتصاد البلاد، مقررةً أن المقاطعة لن تشمل منتجات الرفاهية أو قطاع الطيران ذوي الأثر التجاري الكبير، وقال خبراء على الشبكة نفسها إن مبادلات السلاح مع قطر والكويت لن تتأثر بحركات دينية منطلقة من المساجد لأن الوصول إليها وإقرارها يأخذ سنوات عديدة، ولأن الدول العربية تعتبر أوروبا شريكاً تجارياً مهماً لن تخاطر باحتمال عقوبات اقتصادية منه.[13]

ولعل هذه البيانات تظهر أهمية اشتمال المقاطعة لكل المنتجات الفرنسية، بما فيها رحلات الطيران، إضافة إلى ضرورة استثمار الموقف للحديث عن حاجة بلاد المسلمين لاكتفاء يغنيها عن الاعتماد على عدوها والرضوخ لإساءاته. فبإمكان المسلمين اليوم وهم مجتمعون على نصرة نبيهم والدفاع عنه توجيه ضربة قوية لهذه الدولة المتكبرة التي تسيء بكل فجاجة لمقدسات ملايين المسلمين حول العالم.

هذا والأمر كله لله، له الحكم والأمر وإليه المصير، مع استحضار أن لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء (رواه الترمذي)، لكي لا نحزن على مافات منها، ولا ننجرّ للنظر في الأرقام على حساب تزكيتنا لنفوسنا ويقيننا بنصر الله والاستعداد لدار المقامة الحقيقية.


[1] من درس صوتي للشيخ ابن باز، بعنوان “من قوله إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”: https://binbaz.org.sa/audios/2123/01

[2] سيد قطب، معالم في الطريق، ص 181.

[3] Lee, T. J. (2012). Democratizing the Economic Sphere: A Case for the Political Boycott. W. Va. L. Rev.115, 531.

[4] المصدر السابق.

[5] Lee, T. J. (2012). Democratizing the Economic Sphere: A Case for the Political Boycott. W. Va. L. Rev.115, 531.

[6] Transcript of Petitioner’s Oral Argument at 5, Claiborne Hardware, 458 U.S. 886 (No. 81- 202)

[7] MONROE FRIEDMAN, CONSUMER BOYCOTTS: EFFECTING CHANGE THROUGH THE MARKETPLACE AND THE MEDIA 92 (1999)

[8] المصدر السابق.

[9] Gayle v. Bowder, 352 U.S. 903 (1956)

ولمزيد من المعلومات ابحث عن Montgomery bus boycott””  على محركات البحث

[10] CATHERINE A. BARNES, JOURNEY FROM JIM CROW: THE DESEGREGATION OF SOUTHERN TRANSIT 124 (1983).

[11] NAACP v. Claiborne Hardware Co., 458 U.S. 886, 889 (1982).

[12] Galtung, J. (1967). On the effects of international economic sanctions: With examples from the case of Rhodesia. World Politics: A Quarterly Journal of International Relations, 378-416.

[13] French firms urged to ‘resist blackmail’ as Turkey’s Erdogan joins calls for boycott. https://www.france24.com/en/middle-east/20201027-french-firms-urged-to-resist-blackmail-as-turkey-s-erdogan-joins-calls-for-boycott

 

المرأة في هوليوود وأساطير النجاح والحرية

سجادة حمراء، أثوابٌ فاخرة، حليّ ثمينة، جمالٌ وقوةٌ واستقلالية، خطابات شكر وثناء وفخر، وحديث عن التوازن والسعادة والاستقرار..كل تلك الصور البراقة تتبادر للأذهان عند ذكر المرأة في هوليوود. فهؤلاء النساء يظهرن لنا على الشاشات وفي دور السينما كمثالٍ لتحقيق الذات والوصول إلى قمة هرم النجاح. يرسمن نموذج الجمع بين القوة والحسن والأنوثة في عيون بناتنا وشبابنا كأنهم يمثلون غاية السعي ونهاية النفق المظلم الذي تقطنه الشعوب.

لكن نظرة فاحصة إلى عالم هوليوود والنساء فيه تظهر بشاعة الحقيقة المخفية. فبين معاناة نفسية وأمراض عضوية وضغوطات اجتماعية وفقدان للخصوصية، تعيش “النجمة” الهوليوودية حياتها تلهث وراء سرابٍ لا تمسكه مهما أغرقت نفسها بالماديات. لا تملك حياتها ولا بأبسط القرارات، مسكينة تائهة في متاهات مريرة إما تجهل الذي يُفعل بها أو تدري وتتغافل مقابل الأجر المادي و وهم النجومية المزعومة.

ولأن فتنة الظاهر قد تخيّل للناظر أن هؤلاء الإناث يمثلن المرأة القدوة، أقف في هذا المقال مع صورٍ من الظلم والاستعباد التي يعانينها، لتعلم شاباتنا أن مثيلاتهن لسن محل غيرة، إنما أهل لأن نشفق ونأسى عليهن مهما بلغت أعداد جمهورهن واتسعت قصورهن وغلت حليّهن.

مقارنة بالرجل
حين تتحدث الصحافة الغربية عن المرأة في هوليوود فإن التركيز غالباً يكون على عدد الممثلات في الأدوار الرئيسية وحواراتهن وأجورهن وعدد النسوة العاملات وراء الكواليس، كل ذلك مقارنة بالرجل طبعاً.[1] وإن كانت هذه النقاط مثبتةً بالاحصائيات، إلا أنها انعكاسات للرؤية النسوية التي لاتريد للأنثى إلا أن تحقق ما حققه الذكر، وأن يكون لها النصف في كل شيءٍ، بغض النظر عن اهتمامها به أومناسبته لطبيعتها. نجد النسويات مثلاً يعترضن على أن ثلاث نساء فقط على مر التاريخ ربحن جائزة الأوسكار لأفضل مخرج، رغم أن نسبة المخرجات النساء في هوليوود لم تجاوز 8-13% من المخرجين عبر السنوات![2]

لكن الذي أود تسليط الضوء عليه ليس نقص حضور المرأة أو نوع الحوارات التي تعطى لها، إنما ما يجري في خلفية كل ذلك، كيف تدخل الأنثى هذا العالم، وعلى أي أساس يتم اختيارها من بين المنافسات؟ وإن كانت تلك الأدوار تدر أرباحاً هائلة لمجرد أداء بعض الحركات وقول بضع عبارات، فما الذي تقدمه امرأة لتحصيلها والحفاظ عليها؟

إن التمثيل في هوليوود لا يشبه غيره من المهن، فتسابق الفتيات في أمريكا على فرص الظهورعلى الشاشة، مع قلة الأعمال المنتجة نسبياً يجعل المنافسة عصيبة جداً،[3] مما يقنع المتنافسات بضرورة تحمل أي شيء مقابل رضا المخرجين والمنتجين (الرجال غالباً).[4] وقد أظهرت تقارير عديدةٌ أن رضا هؤلاء لا علاقة له إلا بآرائهم وأهوائهم الخاصة، التي يقال أنها تتوجه إلى شخصية الفتاة، حضورها المسرحي، طاقتها، تميزها، تفوقها، وحيويتها وغيرها من السمات المعنوية التي لا تملك معيارية حقيقية. وبذلك يكون المجال مفتوحاً لمجموعة من صناع الأفلام لتقييم آلاف الفتيات بناءً على شكلهن الخارجي ثم اختيار بضعٍ منهن للدخول في هذا العالم والتحول إلى “نجوم”. ولنا أن نتخيل الحدود المهنية المحفوظة خلال التجارب، فهذه الممثلة روزمند بايك تقول إن المسؤولين طلبوا منها التعري في تجربة أداء لفلم “Die Another Day”،[5] وهذا أندي هنري -مسؤول تجارب أداء مسلسل “CSI”- يُطرد من عمله بعد أن كشفت خمس ممثلات أنه طلب ذات الفعل منهن خلال التجارب، الأمر الذي وافقن عليه طمعاً في الأدوار.[6] وهكذا يتحول ما يفترض أن يكون مقابلة عمل مهنية إلى حالة مبتذلة من عرض سلعة وقبول أو رفض.

تقول الممثلة جين فوندا لمجلة ديلي تلغراف: “حين يتعلق الأمر بالممثلات فالمظهر يختصر كل شيء، فالرجال بصريون جداً ويريدون الشابات الحسناوات في الأعمال، ولذلك تجدنا نحاول الحفظ على شبابنا دائماً”.[7] أما التفوق الأكاديمي والخبرة والاحترافية فلا قيمة لهم ولا اعتبار، إنما هي مسألة ذوق شخصي للمسؤول لا أكثر، ولا عجب أن إحصائية أجرتها مجلة فوربز وجدت أن 10% فقط من الممثلين الأعلى أجراً في هوليوود يحملون شهادة جامعية.[8] وكذلك فالبقاء في هوليوود يستوجب على الممثلة أن تحافظ على صورتها وشبابها دائماً، وإلا رفَضها الجمهور وأعرض عنها المخرجون. وتعليقاً على ضغط هوليوود على نجماتها ليحافظن على شكل جسدٍ معين ونحافة مرضيةٍ غير واقعية تقول ليزا كودرو -بطلة مسلسل Friends- إن التوقعات التي كان ينبغي عليها تحقيقها كجزء من عملها في المسلسل جعلتها غير راضية عن جسدها أبداً، مما دفعها إلى محاولة تنحيف نفسها بشكل دائم، حتى أنها كانت تشعر بالتعب والبرد والمرض بسبب الحميات، وكانت رغم ذلك تتلقى المديح والثناء ممن حولها كلما خسرت مزيداً من الوزن.[9]

فضائح الاستغلال وحركة MeToo
إن كان هذا حال المرأة في مرحلة العبور إلى هوليوود فكيف بعد أن تدخلها؟

سنة 2017 انفجرت في الإعلام الأمريكي والعالمي فضيحة المنتج المشهور هارفي واينستين الذي ادعت أكثر من 50 امرأة أنه قام باعتداءات جنسية ضدهن، ومع هذه القضية بدأ هاشتاغ MeToo  بالانتشار، حيث تشجعت النساء في هوليوود (ثم خارجها) على الإفصاح عن إساءات واستغلالات جنسية تعرضن لها من قبل الرجال.[10]و بدأ بتلك الحملة حديث طويل عن السلطة الرجولية في هوليوود والحاجة للثورة على الذكور وسحب مركز القوة من أيديهم. فبحسب إحصائية نشرتها USA Today  فأكثر من 94% من النساء في هوليوود عانين اعتداءً جنسياً مرةً على الأقل في العمل.[11] لكن العجيب هنا أن الحل المقترح لم يكن تبديل بيئة عمل النساء لتكون أكثر أماناً، ولا تخفيف مشاهد العري والإثارة في أفلامهن أو وضع ضوابط على ما يسمح تمثيله، إنما الصراخ في وجه الذكور الجنسيين العجيبين ومطالبتهم بالخروج عن طبيعتهم البشرية بينما يستمر كل شيءٍ كما هو. فالصناعة موجهة لتحفيز الغرائز وإثارة المتعة، لكنها في نفس الوقت تنكر على صانعيها التأثر بما تنتجه!

أتأمل هذا الضياع وأقارنه بتكريم الإسلام للإنسان وحفظه رجلاً وامرأة جسداً وروحاً من شياطين الإنس والجن. فشريعة غض البصر ومافيها من رفع للنفس البشرية تكفي ليظهر الفرق بين منظومة دين الحق التي تعترف بالغرائز وتوجهها ومنظومة حزب الشيطان التي تنكر الطبيعة البشرية ثم تتفاجأ بها عند حدوث المصائب.

من إنسان إلى إعلان
إضافة إلى كل الاستغلال الذي يمارس بحق المرأة في عالم السينما، فإن الشركات الرأسمالية أيضاً تستغلها لتحولها من إنسان ذي كينونة وروح إلى وجه دعائي. بكل بساطة تدفع شركة مستحضرات تجميل او عطور مبلغاً مالياً للممثلة مقابل تحويلها إلى وجهٍ إعلامي للعلامة التجارية، فتنتشر صورتها على المجلات والإعلانات، وجدران المحال وعلب المستحضرات فتتحول من كائن إنساني عزيز، إلى جسد لا يُرى إلا لإبراز فعالية مستحضرٍ يسوقه. يصير مطلوباً من هذه الإنسانة ارتداء ملابس معينة في كل محفل ومقام، وذكر المنتج الفلاني في كل لقاء، والظهور على أغلفة المجلات ولوحات الإعلانات في الطرقات، كأنها إعلان متحرك مستمر، ولا أرى في الحقيقة أشبه بالعبودية من هذه الممارسة!

ورغم أن ذلك كله يجري وفق عقود رسمية برضا الطرفين، إلا أن الفنانة تعلم حين توافق عليها أنها مجبرة على فعل ما يميزها، فهي تريد للجمهور أن يذكروها بين المنافسين، وللمنتجين أن يظنوا أنها مطلوبة وذات شعبية عالية ليختاروها في الأعمال المستقبلية. فأين العدل والحرية في ذلك كله؟ وأين الكرامة إن صار الإنسان أداة كذب وخداع وزيادة أرباح؟

هوليوود ليست استثناء
رغم أن الحديث هنا عن المرأة في هوليوود، إلا أن الذي أصفه يشمل عرض النساء في ظروف مرسومة من أجل إمتاع الجماهير وتحصيل أموالهم في أي مكان وزمان. ففي عالم بوليوود (السينما الهندية) مثلاً تقول الممثلة شريا نارايان في مقابلة مصورة أن استغلال المرأة جنسياً مقابل أن تكون “Somebody” أو شخصاً معروفاً في السينما هو الشائع.[12] فالسلوك إلى القمة في هذه الصناعة مع كثرة المتنافسين عليها لا بد أن يمر بما يسمونه “casting couch” أو كنبة تجارب الأداء، ولا شك أن جميع الممثلات مجبرات على سلوك هذا الطريق على حد قولها. علاوة على ذلك تقول نارايان (وقد خانتها عبرةٌ) أنها مقصاة إلى حد كبير لأنها لا ترضى أن تكون أداة تسويق لمنتجات يكلف الواحد منها ما يكفي لإطعام عائلة في بلدها. فهي ترفض أن تكون وجه جمال استثنائي على الدوام وتكره أن يطلب منها ارتداء أزياء المصممين ومجوهراتهم والمحافظة على مثالية هيئتها وشعرها في كل لقاء كي تكون وجهاً إعلامياً معروفاً للمنتجين والمخرجين.[13]

هؤلاء النساء المستعبدات لمعايير الجمال الخيالية ورضا الجمهور والمخرجين وشركات الإنتاج ورؤوس الأموال، هؤلاء اللواتي لا يملكن أن يدفعن عن أنفسهن اعتداءً ولا إهانةً، هن من يتربع على قمة سلم المال والشهرة ويقبع أسفل هرم الحرية والطمأنينة، هؤلاء يتصدرن فيشعرن ربة المنزل المسلمة الكريمة العفيفة بالنقص والدونية والهوان. يشعرنها بأن سؤال زوجها عن وجهتها إن خرجت انتقاص منها، لكن تحديد مخرج العمل لحميتهن وطلب المنتِج أن يصبغن شعورهن نهاية القوة والاستقلالية بالتأكيد!

إن هوليوود وغيرها من صناعات ليست إلا صناديق مغلقة تهدف لتصوير الحياة بأكملها بشكل مزيف لا يمت للواقع بصلة. فهذه العوالم لا تقدم الأفلام أو المسلسلات للمتعة فحسب، إنما تقدم رموزاً بشرية أيضاً تعيد للجمهور تعريف الحياة واضعةً المال والجمال والشهرة والمتعة كقيم عليا تلغي في سبيلها كل الأخلاقيات التي تعارفت عليها الأمم عبر تاريخها الطويل. فهؤلاء الممثلات اللواتي لم يقدمن للإنسانية إلا أداء بضع حركات أمام ستارة خضراء مقابل بخاخ ماء أو مروحة هواء، يظهرن في في اللقاءات والمؤتمرات يعطين عامة النساء محاضراتٍ في المساواة والحقوق والنجاح دون أن يعترض عليهن أحد، بل إن وجهات نظرهن تُنشر وتبجّل ويُحتفى بها كأنهن وصلن إلى غاية السعي و صرن في الفردوس الذي نتطلع إليه.


[1] Hollywood’s devastating gender divide, explained. Kelsey McKinney, VOX, 2015. https://www.vox.com/2015/1/26/7874295/gender-hollywood

The challenges of being a woman in the Hollywood business. Ashlea Green, MyStory, 2017.  https://yourstory.com/mystory/3c08075d00-the-challenges-of-being-a-woman-in-the-hollywood-business.

[2] Study: Women Film Directors Saw Their Numbers Shrink in 2018. Gregg Kilday, The Hollywood Reporter, 2019. https://www.hollywoodreporter.com/news/women-comprised-just-8-percent-directors-top-2018-films-1172727

Hollywood’s devastating gender divide, explained. Kelsey McKinney, VOX, 2015. https://www.vox.com/2015/1/26/7874295/gender-hollywood

[3] Only 2% of actors make a living. How do you become one of them?. Michael Simkins, The Guardian, 2019.

https://www.theguardian.com/film/shortcuts/2019/jun/05/only-2-per-cent-of-actors-make-a-living-how-do-you-become-one-of-them

[4] The challenges of being a woman in the Hollywood business. Ashlea Green, MyStory, 2017.  https://yourstory.com/mystory/3c08075d00-the-challenges-of-being-a-woman-in-the-hollywood-business.

[5] Rosamund Pike Says She Was Asked to Strip for ‘Die Another Day’ Audition. Katie Kilkenny, The Hollywood Reporter, 2018.

https://www.hollywoodreporter.com/news/rosamund-pike-says-she-was-asked-strip-die-day-audition-1135808

[6] Actresses Say Veteran ‘CSI’ Casting Employee Coerced Them Into Disrobing. Gary Baum, The Hollywood Reporter, 2017.

https://www.hollywoodreporter.com/news/women-say-veteran-csi-casting-employee-coerced-disrobing-1058398

[7] Jane Fonda:Ageism in Hollywood is “alive and well”. Bangshow.com, The Washington Post, 2015.

https://www.washingtonpost.com/entertainment/jane-fonda-ageism-in-hollywood-is-alive-and-well/2015/05/23/4df46594-0168-11e5-8c77-bf274685e1df_story.html?utm_term=.cf57dfb6a44b

[8] College Majors Of The Stars. Lacey Rose, Forbes, 2007.

https://www.forbes.com/2007/06/25/celebrity-college-education-biz-media_cx_lr_0626majors.html#5cd5d77b351a

[9] Lisa Kudrow Speaks Out About The Pressure She Faced on TV. Blendtx, Daily Blend, 2019.

https://blendtw.com/lisa-kudrow-speaks-out-about-the-pressure-she-faced-on-tv/

[10] A Timeline of the Weinstein Case. Alan Feuer, The New York Times, 2020.

https://www.nytimes.com/2020/02/24/nyregion/harvey-weinstein-case-sexual-assault.html

[11] How common is sexual misconduct in Hollywood?. Maria Puente and Cara Kelly, USA Today, 2018.

https://www.usatoday.com/story/life/people/2018/02/20/how-common-sexual-misconduct-hollywood/1083964001/

[12] Whaاt’s It Like to Be a Woman in Bollywood?. Vishal Arora, The Diplomat, 2017.

https://thediplomat.com/2017/03/whats-it-like-to-be-a-woman-in-bollywood/

[13] المصدر السابق

“هل تنجو إسرائيل؟”.. سؤال يطرحه خبير صهيوني

يعد كتاب  “هل تنجو إسرائيل؟” (2006) خلاصة أبحاث الكاتب “ميتشل بارد” عن إسرائيل لمدة عشرين عامًا والذي يرى أن جميع الكتب التي تتحدث عن إسرائيل تستعرض الماضي أما الحاضر والمستقبل فما زالوا يحتاجون لمن يتحدث عنهم. 

أما مؤلف هذا الكتاب “ميتشل بارد” فهو السياسي الصهيوني والذي حاز على عدة مناصب سياسية منها عضو اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ومؤلف لكتاب “اللوبي العربي”.

وقد ختم “بارد” كتابه بأبيات من الشعر للكاتب “إدوارد إيفرت” هيل يقول فيه:

“أنا واحد فقط، لكني واحد..

لا يمكنني القيام بكل شيء..

لكن ما يمكنني فعله.. سوف أسعى لفعله..

وبعون الله أفعل..

وكانت هذه الأبيات في رأيه بمثابة دافع لكل إسرائيلي ليقوم بشيء في سبيل نجاة إسرائيل.”

وفي اعتقادي أن هذه الأبيات يجب أن تمثل شعارًا لكل عربي ومسلم يناصر قضية ويؤمن بها وأبرزها القضية الفلسطينية، ومن خلال تصفح هذا الكتاب يظهر كم التفاصيل الهامة والدقيقة المذكورة من خلال بحث عميق حول إسرائيل ومدى عمق دراسة الدول المجاورة لها والأيدولوجيات المختلفة.

ومن وجهة نظر الكاتب فهو يستعرض مفهوم التنازل عن الأراضي الفلسطينية في عبارات خلاصتها تحقيق السلام، ويرى أن الوصول له يتم بعدة طرق، ورغم مخالفة هذا للمفهوم العربي الإسلامي إلا أنه من المهم فهم كيف يفكر واضعو السياسات الصهيونية وما هي أهدافهم.

تعد القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية، أما الكاتب فقدمها كقضية تهم الإسلاميين فقط أو أصحاب الإسلام الراديكالي وأتباع حماس والجماعات الجهادية وابن لادن، ورغم أن هذا النسب غير صحيح إلا أنه لعله السبب الرئيس الذي حوربت من أجله الكيانات الإسلامية في مختلف الدول العربية حتى تم إسقاط بعضها لكونهم جهروا بأهمية القضية الفلسطينية لديهم وأولويتها.

ولا يرى الكاتب أن نجاح إسرائيل وبقاءها وتحقيقها للسلام يعتمد على وضع المزيد من خطط خرائط الطرق وإنما يحدث من خلال عامل هام للغاية ورئيسي وهو الأمهات في الشرق الأوسط وما يزرعونه في أطفالهم، إلى جانب دعوته لخروج مظاهرات تدعم السلام مع الصهاينة. 

وعلى الرغم من الدعم الكبير الذي تحظى به إسرائيل من الولايات المتحدة إلا أن الكاتب يشير في أكثر من موضع أنه دعم غير كاف، وأن الولايات المتحدة والغرب بشكل عام أصبحوا يميلون لإظهار السلام والتوافق مع الشرق الأوسط ومع الإسلام كدين رئيسي هناك وأن هذا الأمر يشكل تهديدًا لإسرائيل.

أزمات متعددة
أفرغ الكاتب فصلًا كاملًا للحديث التفصيلي عن قضية المياه والعقبات التي تواجه إسرائيل في مصادر المياه  ومدى حفاظ مواطنوها عليها، ومن أهم النقاط التي ركز عليها الكاتب هو أن سر تمسك إسرائيل بمرتفعات الجولان هو كونها تحتوي على مصدر المياه الرئيس لها، أما توقعات لعشرات الأعوام التالية عن أزمات المياه في المنطقة وللدول المجاورة والتي ستؤثر حتمًا على إسرائيل، وأوضح أنه من الأولويات الحصول على مصدر جديد للمياه في السنوات القادمة. وبدء هذا الفصل قائلًا: “”الماء هو الحياة” هكذا صرح  “موشيه شاريت”. ووفقًا لهذه المقولة فالإمداد بالمياه يعد مسألة حياة أو موت وهو نفسه الحرب والسلام لشعوب الشرق الأوسط، إن التنبؤات الرئيسية خلال عام 1990 تفترض أن المياه ستكون أهم من الوقود بحلول عام 2000.”

أما اليوم ونحن في 2020 فقد اتضحت أزمة المياه بشكل أكبر فيما يتعلق بسد النهضة في إثيوبيا ومدى تأثيره على مصادر المياه بالمنطقة. 

لم يكتف الكاتب بعرض الحاضر والمستقبل الجاري بداخل إسرائيل ولكن قام ببحث وتحليل ما يحدث تجاهه في الدول المجاورة بدقة شديدة، مؤكدًا على أن الرؤية الإسلامية تقتدي بعودة فلسطين كأرض فلسطينية خالصة وأنها مسألة حرب مقدسة لابد أن تقوم بينهم وبين الصهاينة، مشيرًا للجهاد. وأكد أن الإسلاميين يريدون إعادة صياغة العالم برؤية إسلامية مشيرًا لمعنى عودة الخلافة الإسلامية، كما حلل الكاتب أدق الألفاظ في الخطاب الإسلامي للقادة ورجال الدين والموجه إلى اليهود أو مقال عنهم. 

كما تحدث “بارد” عن مصر وحجمها كدولة وعن جماعة الإخوان المسلمين فيها وفي الدول الأخرى، وكيف تم التعامل معهم على مدار عقود، مؤكدًا أن نجاح الإسلاميين في الوصول لحكومة أي دولة يروع إسرائيل بسبب الأيدولوجية التي يتبناها أصحاب الإسلام السياسي تجاهها ، ذاكرًا: “وكما يقول العرب: لقد احتل الصليبيون فلسطين وتطلب الأمر مائتي عام لإخراجهم، لكننا استطعنا في النهاية. واليوم احتل الصهاينة فلسطين، وربما يتطلب الأمر مائتي عامًا أخرى لكننا حتمًا سنخرجهم.” ومن وجهة النظرية الإسلامية، فإنهم يعملون على هذا الهدف منذ مائة عام ولايزال لديهم مائة عام أخرى للاستمرار. وكما قال المستشار السياسي  لرئيس الوزراء الفسلطيني إسماعيل هنية قائد حماس وهو ما وضعه بوضوح كعنوان لكتابه الجديد – “نهاية الدولة اليهودية: إنها فقط مسألة وقت.”

ثم يذكر الكاتب دور الإعلام وخطورته وأنه غير راضٍ عن رؤية الإعلام لإسرائيل في الشرق الأوسط واصفًا إياه بالمتحييز، وعلى الجانب الآخر مما يراه إيجابيات في وجهة نظره يقول: “وكمثال إيجابي الفيلم الشهير “ميونخ” لستيفن سبيلبيرغ فالفيلم لا يستنتج منه أن إسرائيل غير محبوبة لكن الانطباع العام الذي يعطيه أن العرب قتلة بربريون يستحقون الاغتيال. فمن الصعب تصور الخروج من مشاهدة الفيلم بأي تعاطف تجاه الفلسطينيين ، ففيلم “ميونخ” ليس فيلمًا وثائقيًا بل هو في الحقيقة قطعة فنية.”

ويصل الرصد والتحليل للكاتب إلى تحليل برامج الأطفال وأغنياتهم والتي تدفع للعداء مع الصهاينة، ذاكرًا في النهاية “وكما جاء بعبارات فلسطينية بسيطة ومفهومة تتلخص في “أنهوا الاحتلال” فإسرائيل طورت عباراتها بشكل أكثر بساطة ودقة فتلخصت في: “إسرائيل تريد السلام”.”

كما يعتبر “بارد” أن الدول العربية تمثل تهديدًا غير مباشر أيضًا على إسرائيل، وذلك من خلال دعمها لمدارس إسلامية في دول أجنبية حيث يتعلم الأطفال أنه بدلًا من خريطة إسرائيل توضع خريطة فلسطين.

وعن دعم غير اليهود ذكر الكاتب أن إسرائيل بها مسلمين مختلفين في الاتجاه نحوها، وأن الكثير من يهود إثيوبيا ينتقلون لإسرائيل ثم يتحولون للمسيحية، وأن هناك مسيحيين داعمين للصهيونية ولديهم لوبي مشترك قائلًا: ” أنهم يؤمنون بأن عودة اليهود لأرضهم الكتابية يتعلق بنبوئة إنجيلية وأنه حينها يعود المسيح ملكًا للأرض، ومن الجدير بالذكر عدم ارتياح اليهود لمن يساندهم طمعًا في تحولهم الديني أو تحت فرضية أن إسرائيل ستدمر أولًا من أجل عودة المسيح.”

وواصفًا إسرائيل بوادي السيليكون، أفرد الكاتب فصلًا في الكتاب بهذا الاسم، شارحًا فيه كيف تغلبت إسرائيل على ظروفها الخشنة واعتبر أن قوتها في الموارد البشرية، موضحًا بدقة عدد وأسماء المؤسسات التنموية التي أنشأتها إسرائيل بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومنهم المشروع الأمريكي the United States Israel Binational Agricultural Research and Development (BARD)، والمؤسسة العلمية الثنائية The Binational Science Foundation (BSF) لتطوير التعاون البحثي لمشترك بين علماء البلدين، والمؤسسة الصناعية للبحث والتنمية The Binational Industrial Research and ، Development Foundation (BIRD). 

ومؤسسة Trilateral Industrial Development (TRIDE) والمخصصة لدعم مشروعات القطاع الخاص في كل من الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل، و هيئة العلوم والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة وإسرائيل U.S Israel Science & Technology .Commission (USISTC)  

وختم بارد هذا الفصل معقبًا أن تحدي إسرائيل الحقيقي ليس في التفوق العسكري وإنما في نجاحها الاقتصادي والديموقراطي وعلى الجانب الآخر تواجه إسرائيل الكثير من العقبات شارحًا: “ورغم هذا ما زالت إسرائيل تواجه العديد من المشكلات من صناعات لم يتم خصخصتها وعدم تكافؤ في توزيع الثروات ومعدل بطالة مرتفع.أما عن مستقبل إسرائيل فيعتمد على نمو اقتصادها بشكل كبير والذي سيظل مصدر قوتها.”

ومن الجدير بالذكر أن مسألة التقدم الاقتصادي في الدول العربية مقيدة بأمور عدة، أبرزها إضعاف الديموقراطية والقضاء عليها والاستعمار بأنواعه وهجرة العقول لأسباب اقتصادية مختلفة، لذا فالمقارنة هنا غير عادلة بالمرة، ولكن من المهم على الأقل التعرف على المبادرات الاقتصادية التي قامت بها إسرائيل تعاونًا مع دول كبرى للإطلاع على ما أحرزوه بهذا المجال وكيف يمكن الوصول لنفس المستوى مع اختلاف التفاصيل والملابسات الواقعة في الدول العربية من الناحية الاقتصادية والديموقراطية.

إن هذا الكتاب على أهميته غير منتشر كقراءة على الرغم من احتوائه على الكثير من المعلومات النافعة التي حللها ودرسها الكيان الصهيوني عن نفسه وعن الدول المجاورة له من خلال أحد خبرائه النشطين مثل “ميتشل بارد”.


المصدر

Will Israel Survive, Mitchel G. Bard, First Edition: July 2007, PALGRAVE MACMILLAN. 





مسلسل DARK.. “هكذا خُلق العالم”!

مسلسل Dark هو مسلسل ألماني من إنتاج نتفليكس، يتكون من ثلاثة أجزاء صدر أولها عام 2017 وآخرها كان في يوم 27 يونيو-حزيران 2020. وتدور أحداث المسلسل في بلدة صغيرة في ألمانيا، حيث تبدأ القصة باختفاء بعض الأطفال، ليتبين أن حادثة مشابهة وقعت قبل 33 عام بالضبط، ومن هنا تنطلق أحداث المسلسل في خطوط وحلقات زمنية متشابكة ومترابطة في عوالم وأبعاد متعددة.

مغلِّفًا ذلك بقصة مشوقة، يطرح المسلسل العديد من الأفكار والعقائد والفلسفات، وسنحاول فيما يلي توضيح بعضها والذي قد يؤدي لحرق كثير من الأحداث:

الإلحاد والزمن وحتمية “صانع الساعات”
تتمحور قصة المسلسل حول السفر عبر الزمن، وهنا تم تقديم الزمن من منظور فلسفي بشكل متدرج خلال الأجزاء الثلاثة. فالمسلسل منذ بدايته يقوم -وبشكل مباشِر- بطرح العديد من الأسئلة الوجودية على المشاهِد ومن ذلك:

“دائمًا ما كان الإنسان في حيرة بسبب أصله، تكوينه، أخلقنا الله، أم نحن نتيجة للتطور؟ لو كان بإمكاننا رؤية الماضي والمستقبل في الوقت نفسه، الأصل والنهاية، الكون أكمله في نفس اللحظة، ربما نجد الإجابة على السؤال الأهم على الإطلاق: ما الإنسان؟ من أين أتى؟ ماذا يدفعه؟ ما هدفه النهائي؟”

وبالمقابل، أحد الشخصيات -ويدعى “نوح”- وهو في المسلسل ضمن فئة متوسطة بين العوام والنخبة ويخاطب العوام، يقول: “لا يوجد إله، لا يوجد سوى الفوضى، الإله ليس له خطة”، و”الله غير موجود، لكننا نؤمن بهذه الكذبة لأننا نفضل أي كذبة على أن نشعر بالألم”. يقول ذلك وهو يرتدي زي قس!

أما الإيمان بالله فهو في المسلسل عند بعض العوام السذج فحسب والذين ذكروا ذلك في مشهد أو اثنين. هذا عدا عن الشبهات الإلحادية عن عبثية الخلق والتي تم طرحها هنا وهناك على شكل أسئلة مباشرة أو تعابير منتقاة.

وحسب المسلسل، السبيل لمعرفة الصواب من الخطأ والخير من الشر هو “بالرضوخ إلى صوتنا الداخلي، بعدم اتباع أحدٍ سوى أنفسنا”، وفي الوقت نفسه “نحن لسنا أحرارًا فيما نفعل لأننا لسنا أحرارًا فيما نرغب”، و”جميع تصرفاتنا مدفوعة بالرغبة” وبقدر ما نحاول كبت تلك الرغبة، لا نستطيع تحرير أنفسنا من العبودية الأبدية لمشاعرنا”.

يطرح المسلسل فكرة النسبية المطلقة للخير والشر والتي تؤدي إلى تساوي الحق والباطل في نهاية المطاف، ويظهر ذلك من خلال معيار المسلسل للصواب والخطأ، وعبارات مثل “الخير والشر مسألة متعلقة بالمنظور”، بل حتى قطبي الصراع في المسلسل (آدم وحواء) ليس فيهما حق وباطل، فكلٌ منهما مدفوع بأهداف نبيلة كالحب والأمومة، كما وأنه طيلة المسلسل تقريبًا طرفي الصراع كانا الشخص نفسه في عمرين مختلفين (آدم وجوناس) ويظهر ذلك في كلام آدم: “ما كنت أبدًا لأقدر على التفوه بتلك الكلمات التي قالتها لي شخصيتي الأكبر سنًا في ذلك الوقت لأنني لم أستطع أن أفهم كيف لي أن أريدَ يومًا ما أراده هو”، وهذا يتوافق مع “مبدأ القطبية” أحد المبادئ الهرمسية السبعة المذكورة في كتاب “كيباليون” والذي سيتكرر معنا ذكره في المقال، حيث ينص مبدأ القطبية على أن الأضداد متطابقة في طبيعتها لكن مختلفة في درجتها، فالنقيضين يلتقيان، وكل الحقائق ليست سوى أنصاف حقائق، ويمكن التوفيق بين جميع المفارقات

بالتالي فالمسلسل يرى أننا مسيرون، رغباتنا الدفينة تقودنا في خطوط وحلقات وعُقد زمنية مترابطة متكررة لا تتغير، فالكون “ما هو إلا عقدة كبيرة لا يمكننا الفرار منها”. “فالحتمية السببية تمنعنا من تغيير مسار الأحداث، لكن من الطبيعي أن نعتقد أننا نلعب دورًا في حياتنا وأن أفعالنا يمكن أن تغير الأشياء”.

في مقاله، ربط “تيم بوهويس” هذا بعدمية نيتشه -العدمية التي تظهر جلية في نهاية المسلسل كما سنرى-، حيث يرى نيتشه بأن “كل ما يمكن أن نتوقعه في هذه الحياة هو المعاناة، لكن عجزنا في التعامل مع معاناة لا معنى لها يجعلنا نتوقع أسباب وتفسيرات للكون. هذه الجهود عقيمة، حيث لا يمكننا تقليل المعاناة، وكلما حاولنا ذلك، أضعفنا ذلك أكثر”.

ومن هنا رأت النخبة في مسلسل Dark -متمثلة في شخصية “آدم”- أنّ “الإله الذي تعبده البشرية منذ آلاف السنين، الإله الذي يبقي كل شيءٍ متماسكًا ليس سوى الزمن نفسه، ليس كيانًا يفكر ويتصرف، بل مبدأً فيزيائي لا يمكن التفاوض معه، الإله هو الزمن والزمن ليس رحيمًا”. وللخروج من هذا “العبث القاسي”، أعلنت النخبة “الحرب على الإله” من خلال منظمة سرية تدعى “Sic Mundus” والتي سنتحدث عنها باستفاضة في الفقرات القادمة.

وبالحديث عن الحتمية السببية ومنظمة Sic Mundus، فإنه تجدر الإشارة إلى أن صورة أفراد المنظمة تكون موجودة في كتاب “كيباليون” الهرمسي والذي يحتوي النص التالي: “يفهم الهرمسيون فن وأساليب الارتفاع فوق المستوى العادي للسبب والنتيجة، إلى حد معين، ومن خلال الصعود عقليًا إلى مستوى أعلى يصبحون مسببين بدلاً من أن يكونوا نتائج. تُحرَّك الجموع طوال الطريق، مذعنين للبيئة، لإرادة ورغبات الآخرين الأقوى منهم، للصفات الوراثية، للمقترحات؛ وغيرها من الأسباب الخارجية التي تحركهم مثل البيادق على رقعة الشطرنج للحياة. لكن الأساتذة، الذين يرتفعون إلى مستوى أعلى، يسيطرون على مزاجهم وشخصياتهم وصفاتهم وقواهم، بالإضافة إلى البيئة المحيطة بهم، ويصبحوا محركين بدلاً من أن يكونوا بيادق. يساعدون في لعب لعبة الحياة، بدلاً من يُلعبَ يبهم وتحركهم البيئة وإرادة الآخرين. يستخدمون مبدأ السبب والنتيجة بدلًا من أن يكونوا أدواته”.

لقد تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق، من خلال المفارقات الزمنية كمفارقة (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، وبنفس الطريقة، نجد الأم التي تنجب ابنتها وتكبر الابنة -بعد أن تسافر إلى الماضي- وتنجب أمها. ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار.

بعد فشل خطة آدم الهادفة إلى التخلص من “هذا العبث القاسي” عن طريق تدمير عالمه والعالم الموازي له، يتم إعلامه -في النهاية- بأن الحل موجود في العالم الثالث، فهذين العالمين نشآ عن عالَم خارجهما، فيه “صانع ساعات” كان يجرب اخترع آلة زمن فأنشأ هذين العالمين عن طريق الخطأ.

تمثال كوبرنيكوس

فكرة وجود “صانع ساعات” ينشئ العوالم، مبنية على “الحتمية الميكانيكية” التي سيطرت على الفكر الأوروبي منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر إلى أن ظهرت فيزياء الكم ونظرية هايزنبرغ (اللايقين) في القرن العشرين، فأسقطت مبدأ الحتمية واستعاد الإنسان تواضعه. فقبل ذلك، “في النصف الثاني من القرن السادس عشر ومع شيوع نظرية كوبرنيكوس، وتقديم إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية وقوانين الحركة، وما رافق هذه النظريات من اكتشافات علمية كبرى، تغيرت نظرة الإنسان للكون، وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية على العلماء والفلاسفة حتى أصبح الكون يُشبّه بالساعة، وهكذا تحول الإله في نظرهم إلى ساعاتي رفيع المقام، بل تخيلوه إلها ساكنا غائبا عن العمل، لأن قوانين الطبيعة والكون أصبحت حتمية فلم يعد للإله دور حسب فهمهم، لكنهم أبقوا مع ذلك على دور الإله الخالق في تكوين الكون بالبداية” [انظر مقال “العلمانية” من موسوعة السبيل]. وهذا ما قدمه مسلسل Dark، حيث اقتصر دور “صانع الساعات” على صناعة آلة الزمن وإنشاء العالمين، وتكفل “المبدأ الفيزيائي” -الزمن- بالباقي. بل أضاف المسلسل أن خلق العوالم كان بغير قصد، وأدى إلى خلل يجب التخلص منه.

من كان يعلم بفشل خطة آدم وأخبره بالحل بعد فشله، والذي أعطى صانع الساعات مخططات بناء آلة الزمن داخل العالمين، كانت “كلوديا” والملقبة بـ “الشيطان الأبيض”. وهذا ينقلنا للحديث عن البعد الشيطاني في مسلسل Dark:

“وهكذا خُلق العالم” – “Sic Mundus Creatus Est”
إن مسلسل Dark في جوهره يقدم تصوره عن العالم وكيفية خلقه، وهو تصور مبني على المعتقدات الغنوصية الهرمسية الشيطانية. فكل الحلقات والعقد الزمنية الناشئة بين العالمين (عالم آدم وعالم حواء) أصلها ابن آدم الناتج عن زواج آدم من عالم (والذي يرى الخلاص بحل العقد الزمنية ودمار العوالم) مع حواء من العالم الموازي (والتي تريد بقاء هذه العقد واستمرار الحياة لكيلا يموت ابنها)؛ بمعنى آخر، العالمان نشآ عن اتحاد الذكورة والأنوثة، النور والظلام، الموت والحياة وهذا من معتقدات الهرمسية والقبالاه (الباطنية اليهودية).

بالإضافة إلى أن الجمعية السرية التي يقودها آدم، تدعى Sic Mundus Creatus Est وهي عبارة لاتينية تعني: “هكذا خُلق العالم”، وهي مأخوذة مما يسمى “اللوح الزمردي” والذي يحتوي التعاليم الأساسية للهرمسية ومنه تطورت متون هرمس، التي هي أساس الباطنية الغربية والسحر والخيمياء حسب موسوعة السحر والخيمياء. ويظهر اللوح الزمردي في المسلسل، هو والعديد من الرموز الغنوصية الأخرى مثل شجرة الحياة القبالية، ورمز الأوروبوروس الثيوصوفي.

وبالعودة إلى الجمعية السرية، فقد أسسها “آدم” وأحد أبرز أعضائها كان يدعى “نوح”، وهذا يتوافق مع ما يزعمه الغنوصيون القباليون من أن فلسفتهم قديمة قدم البشرية، وأنها بدأت مع آدم عليه السلام نفسه، ثم نقلت عنه إلى نوح عليه السلام. وحتى مقر هذه الجمعية فهو موجود خلف كنيسة، وهذه دلالة على أنهم الجهة (الباطنية) المقابلة للدين الظاهر، وقد تم الإعلان صراحة بأن هذه الجمعية هي كيان يحمل فكر مناقض للدين ومحارب للإله.

قد يشير هذا الرمز إلى العوالم الثلاث، عالم النور (عالم حواء)، وعالم الظلام (عالم آدم)، وعالم “صانع الساعات”

والمحرك لهذه الجمعية من الخفاء كان “الشيطان الأبيض”، فلأن البشر لن يتخلوا عن رغباتهم، أبقى الشيطان آدم وحواء في ظلام (Dark) جهلهم، إلى أن نفذوا ما أرادوا، ليبين لهم أن لا جدوى مما يقومون به، ومن ثم منح “الشيطان الأبيض” الطيب العلم لآدم (وهذا بحد ذاته تصور شيطاني)، وأرشده إلى الحل لكسر العقدة وعلاج الخلل، والحل يكمن في التوجه إلى عالم “صانع الساعات” ومنع “صانع الساعات” من خلق هذين العالمين أصلًا.

فتصور مسلسل Dark عن الجنس البشري ووجوده، تصور سوداوي شيطاني، فآدم وحواء هما “خلل في المصفوفة”، “عقدة في الخيط، عقدة لا يمكن فكها لكن يمكن قطعها”، لا حل إلا بألا يوجدا أصلًا. والفردوس الذي أرادت جمعية ى Sic Mundus Creatus Est الوصول إليه، هو دمار العوالم، العدم. وحتى في آخر مشاهد المسلسل -في حلقة عنوانها “الفردوس”- خيمت العدمية على المشهد؛ الأصدقاء يتبادلون أطراف الحديث حول مائدة الطعام، جميعهم تمنوا الزوال! فالراحة كانت بانتهاء العالم ليتحرر الإنسان من كل شيء، من رغباته وحاجاته، في ظلام (Dark) لا نهائي، دون ماض أو حاضر أو مستقبل!

ختامًا.. لمسة نتفليكس
إن ما تقدم هو محاولة لتفكيك وتحليل جزء بسيط من مسلسل Dark المليء بالفلسفات والعقائد والأفكار الإلحادية الغنوصية، والتي حاول المسلسل تغليفها وتدعيمها باقتباسات الفلاسفة والعلماء كآينشتاين ونيتشه تارة، وبنظريات كفيزياء الكم وقط شرودنجر والأكوان المتعددة تارة أخرى. ورغم ذلك لم تنس نتفليكس وضع لمستها الخاصة، لذا فإن المسلسل المتخم بالأحداث لم يخل من إقحام المشاهد “غير اللائقة”، والترويج للشذوذ من خلال قس شاذ هنا، وفتاة شاذة هناك، بل حتى أنها استغلت فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما أظهرت بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا حين اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، لكي لا تمتلك حينها سوى التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وربما سعدت لأجلهما لو أنهما تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا.

فنتفليكس، منصة ذات رسالة شيطانية تحاول بثها بشتى الطرق وعلى كل المستويات، الصريحة والمبطنة، العقائدية والفلسفية والأخلاقية!

مسلسل المسيح.. هكذا احتفلت نتفليكس بالعام الجديد

أطلت علينا شبكة نتفليكس في أول أيام العام الميلادي الجديد بمسلسل “المسيح”. والذي تدور قصته حول شخص يظهر في دمشق مدعيًا أنه “المسيح”، فيقود جموعًا من السوريين-الفلسطينيين من مخيم اليرموك إلى الحدود “الإسرائيلية”، وتتجه إليه أنظار العالم، مع تخوفات أمريكية من أن يكون “البغدادي الجديد”.

وتستمر القصة بأن تلقي القوات “الإسرائيلية” القبض عليه حين حاول تجاوز الحدود، ورغم ذلك يظهر هذا “المسيح” بعدها عند قبة الصخرة متسببًا بانتفاضة فلسطينية جديدة، ثم يظهر في ولاية تكساس الأمريكية ومنها يتجه إلى العاصمة واشنطن، وسط ردّات فعلٍ متباينة محليًا وعالميًا، فمن يكون هذا الشخص وما هدفه وماذا يمثِّل؟

أول ما يلفت الانتباه في هذا المسلسل أنه ورغم أنه من إنتاجٍ أمريكي، إلا أنه عرض المسيح من منظور إسلامي، فمنذ بداية المسلسل يتم التعامل مع هذا الذي يدعي أنه المسيح على أنه عربي مسلم، وغالبا ما كانت تتم مناداته بـ”المسيح” (Al-Masseih) أي باللفظ العربي للكلمة، إلى أن يتم سؤاله عن دينه فيجيب أنه “يدعم البشر كلهم”. ومن هذا السؤال لننتقل ونرى نظرة المسلسل لمفهوم الدين:

أحد من كانوا ينتظرون رؤية المسيح

الدين في مسلسل “المسيح”
لم يقتصر أتباع هذا “المسيح” على أصحاب الديانات الإبراهيمية والتي تؤمن بعودة المخلص في آخر الزمان، بل شمل شتى الطوائف والجماعات كالبوذيين مثلًا، دلالة على أن شخصية “المسيح” هنا تمثل الدين عمومًا. والخطاب الذي تبناه هذا “المسيح” كان خطاب المساواة بين الأديان ووحدتها وكذلك وحدة البشر، فهم كلهم سواء أيًا كان معتقدهم وأيًا كانت تصرفاتهم، لا يحق لك أن تكفر أحدًا منهم أو أن “تبني افتراضات عن الله”. هذا الخطاب وإن بدا مغلفًا بالتسامح، ما هو إلا إلغاء لمفهوم الدين من أساسه، حيث يتساوى الموحد لله مع من يعتقد بأن لله ولد، مع من يقدس البقر!

ولم يكتفِ المسلسل بالحديث عن الديانات عمومًا، بل قدم تصوره عن كل دين من الديانات الإبراهيمية؛ فقدم الصورة الإعلامية المشوهة المعهودة عن المسلمين، حيث الغلظة في التعامل والتركيز على آيات الجهاد والتقليل من شأن المرأة ومنع قراءة أي كتاب غير القرآن واستخدام الأحزمة الناسفة، وغير ذلك من الصور النمطية المستهلكة.

كذلك صورة العائلة المتدينة المسيحية لم تخلُ من الإساءة، فعائلة القِس مفككة فيها الابنة مدمنة والزوجة غير مؤمنة، مع الإشارة إلى ظلم التعاليم المسيحية التي تحرّم الإجهاض وكيف كان من الممكن أن تدمر هذه التعاليم حياة الابنة. كما وتم الإشارة بشكل خاطف إلى المكاسب المادية التي يجنيها رجال الدين، وهذا من خلال الهدايا التي تلقاها القِس.

العائلة المتدينة الوحيدة التي عاشت بسعادة، كانت العائلة اليهودية، وكذلك من قادت التحقيق وأعملت عقلها واكتشفت هوية هذا “المسيح”، كانت أيضًا عميلة CIA يهودية. فماذا كانت هويته؟

من ادعى أنه المسيح كان مجرد لاعب خفة إيراني محترف مدعوم من روسيا لخلق تشويش ممنهج في المجتمع، وهناك اشتباه بأنه يعاني من أمراض نفسية وأوهام جعلته يظن نفسه المسيح. أي أن هذا “المسيح” كان مجرد خدعة، وحيث أن شخصيته تمثل مفهوم الدين ككل، فإن المسلسل يريد أن يقول بأن الدين كله مجرد خدعة. وما يؤكد هذا أن عميلة الـ CIA اليهودية قالت إن السيد المسيح عيسى (عليه السلام) “كان أيضًا مجرد سياسي شعبوي يضمر الضغينة للإمبراطورية الرومانية ويقوم بخدع رخيصة لجذب الجمهور”، وهذا ما وُصِف بأنه “كلام شخص يهودي حقيقي”، وهنا تكذيب صريح للدين المسيحي وإشارة إلى أن اليهود لم تنطلِ عليهم الخدعة كغيرهم.

ينتهي الأمر بالقس بأن يحرق الكنيسة وقد كُتِب عليها “إلهٌ زائف”

وبالعودة إلى الخدع وألعاب الخفة، تقول إحدى شخصيات المسلسل أن أفضل لاعب خفة ليس من يخدعك فحسب، بل من يجعلك تشارك في الخدعة، وعلى وقع هذه الكلمات يعرض المسلسل مصير “من انطلت عليهم الخدعة”، كضحايا تفجيرات المساجد، وطفلة مصابة بالسرطان كانت أمها قد أخذتها إلى “المسيح” ليشفيها، فينتهي بها الحال جثة في حضن أمها لأنها تخلفت عن العلاج الكيماوي، وفتاة أخرى كادت تموت لأنها استمعت لكلام المسيح وألقت كلمة أمام الجمهور رغم إصابتها بالصرع.

هذا ولم ينتقد المسلسل المتدينين من عوام المجتمع فحسب، بل أنه انتقد المتدينين من القضاة والسياسيين ورجال الحكم. فبقاء المسيح المزيف داخل الولايات المتحدة واستكماله لخطته التخريبية كان بقرارٍ من قاضٍ يعاني من مرض عضال، فكيف به في آخر أيامه أن يرحِّل المسيح، ويكون مثل هيرودس الأول. وفي المسلسل كذلك، كان رئيس الولايات المتحدة متدينًا وكاد أن يمتثل لطلب المسيح المزيف ويسحب القوات الأمريكية المنتشرة في دول العالم رغم ما قد يؤديه ذلك من توسع روسي.

وبالحديث عن رئيس الدولة والسياسات الخارجية، فإنه من المثير أن المسلسل أقر أكثر من مرة -وعلى لسان شخصيات تمثل الحكومة- بأن الولايات المتحدة ترعى مصالح “إسرائيل”، وهذا ينقلنا إلى الجانب السياسي من المسلسل:

“الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”
في بدايات المسلسل، يتم إطلاق النار على طفلٍ في الحرم القدسي، فيتساءل المشاهد: هل أتى أخيرًا المسلسل الذي سيعرض الحقيقة بلا تشويه؟! لتأتيك الإجابة سريعًا بأن من في الحرم القدسي هم “سيّاح مسلمون”، وأن إطلاق النار -الذي أشعل انتفاضة جديدة- لم يكن سوى خدعة، قام بها ذاك المسيح المزيف.

أما تلك العائلة اليهودية السعيدة -آنفة الذكر-، فكانت عائلة “إسرائيلية” يملؤها الحب، إلى أن تسببت سيارة مفخخة بموت الأم وابنها الصغير، أما الابن الأكبر الذي تشوه جسده فقد كبر وأصبح محققًا في الجيش “الإسرائيلي”، وكانت خطيئته الكبرى التي يندم عليها أشد الندم أنه قتل طفلًا فلسطينيًا، رغم أن هذا الطفل هو ابن الشخص المسؤول عن تفجير السيارة التي أودت بحياة أمه وأخيه الصغير. وقد كان هذا الطفل يعمل في مخبزٍ يصنع المتفجرات بدل الخبز، وبهذه الصورة فلا ضير لو تم قصف الأماكن المدنية والحيوية في فلسطين.

أما من يدافعون عن حق الشعب الفلسطيني بأن يتم الاعتراف به فحسب، فهؤلاء أعداءٌ للسلام ويُرَد عليهم بنفس “الخطاب المتسامح” بأن جميع الناس هم شعب واحد.

ما بين السطور
يمكن اكتشاف العديد من الرمزيات والرسائل المبطنة في المسلسل سواء في العبارات التي تقولها الشخصيات أو عناوين الحلقات أو تسلسل المَشاهد؛ رسائل ورمزيات تتعلق باصطفاء الرسل وتيه بني إسرائيل والأوبئة التي ضربت مصر -المذكورة في سفر الخروج- وغير ذلك الكثير، وسنكتفي هنا بذكر بعض هذه الرسائل:

◘ في المشهد الختامي للمسلسل، تسقط الطائرة التي تُقل المسيح المزيف، في حقلٍ من الزهور، ويأتي ولدٌ عربي يرعى الغنم معروفٌ بكذبه ليخبر اثنين ممن كانوا على متن الطائرة بأنهما كانا أمواتًا وأن هذا الشخص -أي المسيح المزيف- أحياهم، وهنا تأكيدٌ على رسالة المسلسل بأن الدين محض كذب، كما قد يرمز حقل الزهور إلى الجنة، فيكون في المشهد إنكارٌ للحياة الآخرة، وكذلك قد يرمز الولد إلى النبي محمد ﷺ، في تكذيبٍ لرسالة الإسلام.

◘ إحدى الشخصيات الثانوية في المسلسل، شاب جامعي أمريكي اعتاد أن يدرس في المكتبة بانتظام، يشاهد هذا الشاب ما حل من فوضى وما يعانيه شباب الجامعة من ضياع “بعد عودة المسيح”، فيقرأ النسخة الإنجليزية من القرآن، وعندما يلتقي صدفةً بالمسيح المزيف، ينعته بـ “المسيح الدجال” [باللغة العربية]. بعد ذلك، هذا الشاب الجامعي المجتهد يحرق أوراقه الجامعية وكتبه -ومنها كتاب صدام الحضارات-، أي أن خرافة المسيح الدجال عند المسلمين هي ما دعت هذا الطالب الجامعي -غير المسلم- إلى إحراق كتبه بدل محاولة اكتشاف الخدعة. وفي النهاية لم يعد الشاب الجامعي يذهب إلى المكتبة، مع التركيز على اقتباس مكتوب في المكتبة يُنسب لأوبرا: “أنت تصبح ما تؤمن به” بمعنى أن ما آمن به الشاب الجامعي قاده إلى ترك المكتبة.

◘ أحد المحققين الأمريكيين كان كاثوليكي شاذ، وبعد أن يستمع لكلام المسيح حول ضرورة الصدق مع النفس، وأن الرب يحبك كيفما كنت؛ يصدق المحقق الأمريكي الشاذ المسيح، ويتصل بـ “حبيبه” القديم ليخبره بأنه سئم من الكذب على نفسه؛ في دعوة إلى التعبير عن الذات وإشارة لما يعانيه الشواذ من ضغوطات كما هو معهود من شبكة نتفليكس.

◘ خلال خطاب المسيح المزيف في واشنطن عن ضرورة تجرد الناس وتحليهم بالشجاعة ليكتشفوا ذواتهم ورؤية حقيقتهم ومن ثم سيره على الماء بعد ذلك؛ تخيلَ أحد السوريين-الفلسطينيين أن هذا “المسيح” يساعده على النهوض، فينهض ويتجرد من ملابسه ويسير عاريًا باتجاه الحدود “الإسرائيلية” فيُسمح له بالدخول. وهنا تم الربط بين التجرد المجازي والتعري الفعلي. ويظهر هذا بشكل أوضح حينما يخبر المسيح المزيف أحد الشخصيات بأن تتجرد من أعبائها وما يٌشعرها بالخزي، فتظهر الشخصية بعدها وهي تسبح، قبل أن تذهب وتبوح بسرٍ كانت تخفيه وتخجل منه. وهذا ينسجم مع أحد رسائل المسلسل بأن تعبّر عن ذاتك وتفعل ما تشاء، فالله يحبك كيفما كنت.

◘ بما أن المسيح المزيف كان جزءًا من مخطط تخريبي لخلق التشويش الممنهج في المجتمع، فالمسلسل يدافع ضمنيًا عن كل القضايا التي انتقدها المسيح المزيف في المجتمع الأمريكي، كالانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، وكذلك تقديس المال وتقديس المرأة لعملها.

◘ أشد أتباع المسيح المزيف ولاءً له وأكثر من انطلت عليه خدعة “المسيح” كان شخصًا سمع المسيح يقول آية قرآنية، فتذكر والدته التي كانت تقول له نفس الآية وهو صغير. وأما المسلم المتشدد الذي لف حزامًا ناسفًا حول شابٍ صغير وقام بتفجير مسجد، فكان مدرسًا في مدرسة. وهنا يرسم المسلسل صورة مشوهة عن التربية الدينية -الإسلامية على وجه التحديد-.

الخلاصة
سأقتبس من المسلسل ما قالته إحدى الشخصيات حول كتاب صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون: “عليك أن تتذكر فقط أنه كان على حق، تنبأ “هنتنجتون” بأن المحور الأساسي للصراع العالمي بعد الحرب الباردة سيكون صراعًا على الحدود الثقافية والدينية، وهذا ما يحدث بالضبط في سياسة العالم حاليًا”.

هذا ما تدركه شبكة نتفليكس جيدًا، وإن بدا أنها تتعمد إثارة الجدل كأسلوبٍ رخيص للشهرة والانتشار، إلا أن الانتشار قد لا يكون كل شيء. فهذه الأساليب الرخيصة تضع حدود ما يمكن بثه في الإعلام “الترفيهي” ككل، وبالتالي التطبيع مع كل ما قد يسيء للدين، ويمس المعتقدات والقيم.

ولم يكن مسلسل “المسيح” هو بداية الاحتفال بالأعياد عند نتفليكس هذه السنة، حيث عرضت قبله بفترة وجيزة فيلمًا “كوميديًا” قصيرًا من إنتاجها، فيه المسيح شاذ جنسيًا، ومريم العذراء تدخن الحشيش، وفيه ما لا يمكن ذكره من تجسيد وإساءة للذات الإلهية. والأمر لم يقتصر على رموز الديانة المسيحية، بل تعداه ليشمل استهزاءً صريحًا بالإله ليس فقط في الديانات الكبرى كالإسلام والهندوسية والبوذية، بل شمل ديانات كالراستافارية وغيرها.

فيلم كهذا لن يكون كوميديًا سوى لملحدين؛ فقد تم تجاوز مرحلة تشويه الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى تشويه مفهوم الدين ككل؛ يبدو أن الصراع بين الإنسان من جهة والشيطان وأعوانه من جهة أخرى، بات أوضح من أي وقتٍ مضى.

هذا أمر مرعب، فهو تهديد لنجاح الإنسان في الاختبار الذي خُلِق لأجله. وبالمقابل ما زال همنا الأول هو “الترفيه”، لاهثين وراء المزيد من الاستهلاك والاستعراض، غارقين في التفاهات والسخافات، فاقدين للبوصلة، زاهدين في الآخرة غافلين عنها.

الصورة الرئيسية لمقال: الأنمي.. سفير اليابان إلى العالم

الأنمي.. سفير اليابان إلى العالم

“الأنمي” الياباني فن مرئي له طابعه وأسلوبه الخاص الذي يميزه عن الرسوم المتحركة الأمريكية في الشكل والمضمون، وهو جزء محوري من الثقافة اليابانية.

رسم بياني لإيرادات سوق الأنمي حتى عام 2017

الرسم البياني (1): إيرادات سوق الأنمي حتى عام 2017

وسوق الأنمي الياباني في نمو مستمر؛ فقد وصل حجم مبيعاته حول العالم في عام ٢٠١٧ إلى ما يزيد عن ١٨ مليار و300 مليون دولار أمريكي وفقًا لجمعية الرسوم المتحركة اليابانية (The Association of Japanese Animations) كما هو مبين في الرسم البياني (1).

رسم بياني لإيرادات سوق الأنمي داخل اليابان وحول العالم حتى 2017

الرسم البياني (2): إيرادات سوق الأنمي داخل اليابان وحول العالم حتى 2017

ويُلاحظ تضخم هذا السوق عالميًا حتى أن إيراداته خارج اليابان في طريقها لتفوق الإيرادات داخله، كما يظهر في الرسم البياني (2)، فشبكة نيتفلكس الأمريكية مثلًا أنتجت إلى الآن أكثر من 40 أنمي خاص بها، عدا ما تدرجه من أنميات للعرض، وهذا يُظهِر مدى انتشار الأنمي الياباني وحجم تأثيره. فإن كانت لدى الولايات المتحدة أفلام هوليوود، فلدى اليابان الأنمي، فالأنمي بات “سفير اليابان” للعالم.

الأنمي المدبلج
بدأ دخول الأنمي للعالم العربي مع جيل السبعينات والثمانينيات من خلال الأنميات المدبلجة والتي كانت منتقاة، وفي كثير من الأحيان مقتبسة من الروايات، مثل “سالي” و”جزيرة الكنز” و”بيل وسيباستيان” و”صاحب الظل الطويل” وغيرها.

سبيس تون

لكن البداية الحقيقية لدخول الأنمي للعالم العربي كانت في بداية الألفية مع مركز الزهرة وقناة سبيستون، أول قناة عربية مختصة بعرض الأنمي الياباني المدبلج للأطفال. وكانت الأنميات المدبلجة -خصوصًا ما كان من دبلجة سبيستون- تراعي القيم الدينية والأخلاقية في المجتمعات العربية، حتى ولو تم تحريف قصة الأنمي كلها في سبيل ذلك، وليس حذف المشاهد غير اللائقة فحسب.

ورغم أن سبيستون والأنميات المدبلجة ساهمت في زرع مبادئ نبيلة وأسس أخلاقية وربما دينية لدى متابعيها، إلا أنها بالمقابل عززت بشكل كبير مكانة الصورة لديهم، وأدت في كثير من الأحيان إلى عزلهم عن الواقع وإغراقهم في الأوهام والخيالات وأحلام اليقظة، خصوصًا أنهم عادةً من الأطفال، مما سيصعّب عليهم مواجهة الحياة فيما بعد. وهذه ليست مجرد افتراضات عبثية، فكلمة “otaku” اليابانية والتي تطلق على محِب الأنمي والمهووس به، تحمل بالنسبة لليابانيين أفكارًا سلبية عن عدم الكفاءة الاجتماعية.

الأنمي في عصر الإنترنت
أنمي Yu-Gi-Oh! “حقبة الأنمي المدبلج” أعطت انطباعًا خاطئًا بأن الأنمي هو مجرد مادة بريئة موجَّهة للأطفال. فبالإضافة إلى سلبيات الأنمي المدبلج، فإن هذا “السفير الياباني” هو بطبيعة الحال مشبعٌ بالثقافة اليابانية ذات الروافد المتعددة، لذا لا عجب في أن يكون زاخرًا بالمعاني والأسماء والرموز والمعتقدات المستقاة من الهندوسية والبوذية والشنتو والطاوية والكونفوشيوسية وكذلك التراث الشعبي الياباني.

وهذا ما يغفل عنه الكثير من الأهالي هذه الأيام فيتركون أبناءهم ليشاهدوا ما يحلوا لهم من الأنمي على الإنترنت والذي يكون بشكله الأصلي الخالي من أي حذف أو تحريف، والذي يجذب الصغار وكذلك الشباب ممن تعلقوا بالأنمي المدبلج في صغرهم.

ومن الأنميات التي تحمل عقائد شرقية أنمي “Dragon ball” وفيلم الأنمي “Spirited Away – Sen to Chihiro no Kamikakushi”. وبعض الأنميات جمعت بين المعتقدات الشرقية والماسونية كأنمي “Yu Gi Oh” المتخم بالرموز الماسونية بدءًا من رمز الهرم الذي تتوسطه عين إلى قصته التي تقوم على تناسخ الأرواح والسحر في مصر القديمة. وهناك أيضًا أنمي “Fullmetal Alchemist: Brotherhood” الذي يتحدث عن الخيمياء وحجر الفلاسفة.

death noteوبعض الأنميات تناقش قضايا فلسفية كأنمي “Death Note” و”Psycho Pass”، وبعضها قد يناقش الأسئلة الوجودية، والتي يتم عرضها غالبًا من وجهة نظر الفلسفات الوثنية أو الإلحادية، كأنمي “Death Parade” وأنمي “Subete ga Fni Naru”.

فالأنمي -كغيره من المواد “الترفيهية” المرئية- فيه العديد من التصنيفات والأنواع، من ناحية الشكل والمضمون، لذا قد يحوي الأنمي مشاهد شديدة الدموية، أو مشاهد القبلات والتعري أو حتى علاقات الحب الشاذة، وقد يصل الأمر إلى المشاهد الإباحية الصريحة واللواط والسحاق والسفاح!

الأنمي على أحد الأبنية في اليابان“كوكب اليابان”.. حلم كل “أوتاكو”
يعد العيش في اليابان أو مجرد زيارته حلمًا للعديد من الـ”أوتاكو” نظرًا لتغلغل الأنمي في الحياة اليابانية، فقد ترى صور الأنمي على وسائل المواصلات أو الطرقات او الأبنية.

لذا فإن مهووسي الأنمي يصبحون مهووسين بكل ما هو ياباني، فترى منهم من يتقن اللغة اليابانية -رغم صعوبتها- أو يقرأ الأدب الياباني، عدا من يقرأ الكتب المصورة اليابانية (المانجا) والتي تكون عادة أصل قصص الأنمي، وقد يصل عدد فصول الواحد منها إلى المئات. وهؤلاء جميعًا تراهم يتذمرون من إعراب جملة في العربية أو قراءة كتابٍ عربي لا يتجاوز المئة صفحة!

شعار برنامج خواطر الموسم الخامسوأحاطت بـ”كوكب اليابان” هالة إعلامية صوّرته على أنه جنة الله على الأرض، خاصة في العالم العربي من خلال برامج كبرنامج خواطر الذي ذاع صيته منذ موسمه الخامس حين عرض مقارنات بين “كوكبنا” و”كوكب اليابان”. وعملت هذه الهالة على زيادة تقبّل الشباب للثقافة اليابانية والانفتاح عليها، وبالتالي رواج الأنمي والتعلق به أكثر.

وبالنتيجة، فإن الأنمي يؤدي لتعلق الشباب بالثقافة اليابانية، والثقافة اليابانية تزيد تقبل الشباب للأنمي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن “اليابان ليس كوكبا كما يتخيله العرب”:

شعار الين واليانغالأنمي وحركة العصر الجديد
في ظل الخواء الروحي في الغرب؛ ظهرت حركة العصر الجديد -والتي تعد امتدادا حديثا للمذاهب الباطنية- لتقدِّم المعتقدات الشرقية على شكل “برامج تدريبية” و”رياضات روحية” خالية من أي إلزامات لممارسيها. ومن هذه الرياضات والبرامج: “الريكي” و”الفونغ شوي” و”التأمل الارتقائي” و”المايكروبيوتيك”، ولا ننسى أشهر “رياضة” روجت لها حركة العصر الجديد ألا وهي “اليوغا”.

ويُروَّج لهذه “البرامج” و”الرياضات” و”الدورات” على أنها حلول سريعة مضمونة لمشكلات العصر للوصول للصحة والسعادة، بقالبٍ بعيد عن الدين. مع تبني خطاب يدّعي الحث على الوئام السلام بين الأديان، والذي يزداد رواجًا مع السيولة التي نشهدها في حقبة ما بعد الحداثة. والحقيقة أن هذا الخطاب هو مجرد دعوة لنبذ أصول الدين التي لا يكتمل أي دين إلا بها والتي لا يصح جمعها مع أصول الأديان الأخرى، ليختلط الحق مع الباطل ويصبح الوحي السليم مكافئًا للدين الأسطوري المحرف.

وبدورنا أخذنا نحن هذه “البرامج” و”الرياضات” من الغرب بفعل التبعية الثقافية وسلطة الثقافة الغالبة، بل تم إضفاء الطابع الإسلامي عليها! لذا بات مألوفًا بين شباب وبنات المسلمين سماع كلمات كـ”الطاقة الكونية” و”طرد الطاقة السلبية” و”هالة الطاقة” و”الشاكرات”. (ويمنكم التوسع في هذا من خلال مقال حركة العصر الجديد ومقال اليوغا من موسوعة السبيل وكذلك سلسلة فيديوهات مراجعة كتاب السر من قناة السبيل على يوتيوب)

أنمي ناروتو

وحيث أن برامج حركة العصر الجديد تقوم على المعتقدات الشرقية والتي يعمل الأنمي على ترويجها بطبيعة الحال من خلال ترويجه للثقافة اليابانية؛ فإن الأنمي بذلك يروج بشكل أو بآخر لحركة العصر الجديد وأصلها الغنوصي الباطني. فلنأخذ مثلًا أنمي ناروتو، الذي يعد من أشهر الأنميات وأكثرها ارتباطًا بالعقائد البوذية والهندوسية؛ ففي هذا الأنمي يكثر الحديث عن “الشاكرا” وتوزيعها بالجسم، بالتالي فالمتابع له -خصوصًا إن كان صغير السن- لن يتقبل فحسب دورات حركة العصر الجديد المتعلقة بالتشاكرا، بل سيحبها وينجذب إليها.

وهنا ينتقل الأنمي خطوة جديدة في مساهمته في التطبيع مع المعتقدات الشرقية الوثنية، حين يساهم في تحويل هذه المعتقدات من مجرد معتقدات يابانية مرسومة على الشاشة ضمن “سياق القصة” وبشكل رمزي في كثير من الأحيان، لتصبح ممارسات يقوم بها المسلم في دورات تُعقَد على أرض الواقع.

الأفلام والمسلسلات .. هل هي بريئة حقًا؟

“صنّاع الأفلام والمسلسلات لا يأبهون بنا ولا يدرون بوجودنا أصلًا”، “هي شركات ربحيّة فحسب”، “لمَ أنتم غارقون بنظرية المؤامرة”، “لمَ نظنّ أنّا مركز الكون؟”، “أنا أميز الجيد من السيء”، “مشاهدتي لما يفعلون لن تجعلني أفعل مثلهم”، “هذا استعراض للواقع وليس ترويجًا”، “كل المسلسلات والأفلام هكذا”. نرى هذه التعليقات وما يشابهها، تقال لكل من ينتقد ويحذِّر من أثر بعض المسلسلات والأفلام وما تبثه من “أفكار وقيم”

حسنًا.. سنبدأ بما يتعلق بـ “نظرية المؤامرة”

نظرية المؤامرة

سننسى أن هوليوود قامت بجهود المهاجرين اليهود كما هو مبيّن في كتاب “An Empire of Their Own: How the Jews Invented Hollywood” وغيره. وسننسى كذلك أن هؤلاء اليهود كانوا يعيشون كأقليات منبوذة منغلقة، وبالتالي كان الدين محورًا رئيسًا في حياتهم فهم ليسوا كالأمريكي المسيحي والعربي المسلم اللذان قد لا يعرفا من دينهما إلا اسمه.

كما ولن نلاحظ الأثر اليهودي الواضح في محتوى هوليوود سواء في الأفلام التي ترسخ التعاطف مع اليهود كـ (Schindler’s List) و (the life is beautiful) و (the pianist) أو الأفلام التي تعرض قصص الأنبياء بتصور يهودي كفيلم (Noah).

وسنغض الطرف عما أشار إليه الملياردير إيلون ماسك بأنّ الإعلام كله مملوك لليهود، ولن نتطرق إلى وعد بلفور  الذي بدأ بـ إلى “اللورد روتشيلد”، ورغم ذلك لا أثر لعائلة روتشيلد المصرفيّة بأي من قوائم أغنى أغنياء العالم.

وبالطبع لن نتحدث عن الجمعيات السرية أو الرموز الماسونية الموجودة بكل وضوح في إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته الثورة الفرنسية، والموجودة بوضوح أشد على الدولار الأمريكي.

سننسى كل ذلك، لا وجود للمؤامرات، لا في السياسة ولا في الاقتصاد، صنّاع الأفلام هم مجرد آلات لا يحملون أي فكر أو معتقد يريدون نشره.

هل أنت سعيدٌ الآن يا صديقي؟

لكن أليس من المفترض أنك مسلم تؤمن بالله، تفعل ما أمرك وتجتنب ما نهاك؟ -وحتى إن كان قارئ هذه الكلمات غير مسلم-؛ ألا يُفترض أنه من البديهي التحذير من المحتوى الذي يروِّج للبذاءة والانحلال بل وللإباحية بكافة صورها وأشكالها؟ أليس تزيين الحرام والترويج له هو عملٌ شيطاني بامتياز؟ ألم تبدأ معركة إبليس مع الإنسان منذ خلق آدم؟ ألم يقل إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟ … سأترك الجواب لك

لننتقل الآن لمن يدّعي أن الأفلام والمسلسلات عندما تعرض أمرًا ما فإنها بذلك لا تروج له، وسنسأل:

هل عرض الشيء ترويجٌ له؟

من قال لك يا صديقي أنّ الترويج لشيء يعني أن يُقال لك “تعال قم بكذا”، “افعل ذلك وستكون سعيدًا”؟

الأمر لا يسير كذلك يا صديقي؛ فعندما تقوم الشركات بحملات إعلانية فإنها تهدف إلى نشر صورة علامتها التجارية لتراها في كل مكان، وهنا ليس بالضرورة أن يُقال لك بشكل مباشر: “استعمل منتَجنا”، فعندما تقوم شركة مشروبات غازية مثلًا برعاية “برنامج أو مسابقة ما”، فإنها تكتفي بوضع مشروبها أمام مقدم البرنامج أو لجنة تحكيم المسابقة، وهذا أسلوب تستخدمه كبرى الشركات، من خلال عرض منتجاتها في الأفلام، فيما يُعرف بـ (product placement).

أفخاي أدرعي (تويتر)

وفي عصر الصورة؛ ترويج الأفكار لا يختلف كثيرًا عن ترويج السلع، خذ مثلًا المدعو أفخاي أدرعي (المتحدث باسم الجيش الصهيوني) والذي ينهال عليه متابعوه العرب والمسلمون بأقذع الشتائم وأبشع الألفاظ، أتظنه يكترث لذلك؟ لفترة طويلة وبشكل تراكمي يتلقون كلامه ويأخذ حيزًا من تفكيرهم بل ويصبح محل نقاش … وهذا هو المهم.

ولا يختلف أسلوب صناع المحتوى السينمائي والتلفزيوني عن أسلوب أفخاي ومن وراءه من الموساد، فعندما ترى فكرةً أو فِعلًا ما -مهما بلغ من القذارة والانحطاط- يتكرر أمامك على أنه أمرٌ طبيعيٌ مقبول، فمع الوقت لن يستنكر قلبك ما تراه، خاصةً إن قام به نجمك المفضل أو بطل العمل الذي تقف في صفه وتتعاطف معه -أو يُراد لك ذلك-. وهنا يكون يا صديقي قد زال من قلبك “أضعف الإيمان”. لذا راقب قلبك فالانحراف البسيط في البداية يغيّر وجهتك كليًا عند انتهاء الرحلة.

تلقّيك لما تبثه الشاشة من أفكار مسمومة سيجعلك تتقبل رؤيتها على أرض الواقع؛ فهي أمر “منتشر” و”عادي”. أنا وانت وهو وهي؛ نحن هم المجتمع، فتقبلك لذلك يعني على المدى الطويل تقبل المجتمع كله له، ولك يا صديقي بالشذوذ أوضح مثال.

والأمر لم يقف عند السحاق واللواط، بل تجاوزته إلى السفاح، تخيّل أنّ أحد “أعظم المسلسلات في التاريخ” فيه مشاهد إباحية بين الأخ وأخته وبين الأب وابنته وبين العمّة وابن أخيها، ولا يشمئزُ أحدٌ من ذلك، بل يدعون غيرهم لمشاهدته.

نتفليكس (يوتيوب)

ولديك مثلًا شبكة نتفليكس -أكبر شبكة لبث “المحتوى الترفيهي” والتي تترجِم مسلسلاتها لأكثر من مئة لغة- – التي في أحد مسلسلاتها تستغل فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما وتريك مثلًا بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا فقد اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، فلن تملك يا صديقي إلا التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وقد تسعد لأجلهما إن تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا. هذا ولا يخلو أي من منتجات نتفليكس تقريبًا من العري والإباحية والجنس بكافة أشكاله، لتكون النتيجة منتَجًا إباحيًا على شكل مسلسل يشاهده أفراد العائلة بلا قلق أو خجل.

ألا ترى يا صديقي الانحدار الذي وصلنا إليه؟

وسموم الشاشة تمسي أشد فتكًا عندما يتعلق الأمر بالعقائد، فترى النبي سليمان ساحرًا، وفرسان الهيكل أبطالًا أشداء وفرسانًا نبلاء، بل إبليس نفسه تم تصويره على أنّه الملاك الوسيم المرح الطيب الذي يحب الخير للناس، لكن والده الظالم (الإله) هو من أشاع عنه صورةً سيئة، كيف لن تتعاطف مع هذا يا صديقي؟

وحتى في المسلسل الذي يتحدث عن السفر عبر الزمن تم أخذ الموضوع لبعدٍ فلسفي، وبشكل صريح تم تقديم الزمن على أنه هو الاله، “فالإله ليس كيانًا يفكر ويتصرف بل مبدأ فيزيائي غير رحيم” وتم إعلان الحرب عليه، وكذلك تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق من خلال المفارقة الزمنية (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار. هذا عدا عن التأكيد على فكرة الجبرية وأن البشر مسلوبو الإرادة، وكذلك بث بعض الشبهات والأفكار الإلحادية عن عبثية الخلق، وغيرها من الإسقاطات والإشارات الدينية التي لا يمكن إغفالها، بدءًا من أسماء الشخصيات وانتهاءً بأهدافها، وكل هذا في مسلسل عن السفر عبر الزمن.

وبعد أن تسري في جسمك كل هذه السموم، ومع الأخذ بالاعتبار أن الخطاب السائد هو الخطاب الليبرالي الـ ما بعد الحداثي الإنسانوي، الذي يقدّس حرية الفرد ويميع الثوابت ويطمس الهوية ويساوي الحق بالباطل، قد ترفض يا صديقي حتى إعطاء حكمٍ على ما ترى.

ومع ما هو منتشر من جهل بالدين وعدم الاعتزاز به فقد يتبادر إلى ذهنك يا صديقي تساؤل: “لمَ لا؟” … لمَ نعتبر هذا خطاً، لمَ السحاق واللواط والشذوذ خطأ؟، لمَ لا يكون إبليس مظلومًا حقًا؟ خصوصًا أنّ الغيبيات والأخلاق هي أمور دينية بحتة، فيكون الأمر قد بدأ بمشاهدة مادة ترفيهية وانتهى بمشاكل عَقدية وأفكارٍ إلحادية، أو على أقل تقدير يَنتُج إسلامٌ كنسي مكانه المسجد فحسب دون أن يكون له أثر يذكر في حياة الناس وسلوكهم.

لماذا يا صديقي تريد أن تظل مجرّد مستهلكٍ لأي محتوًى يُقدم لك؟ لمَ ترضى بأن تكون مجرد وسيلة لزيادة أرباح هذه الشركات؟ بل وتسمح لهم بأن يشكِّلوا عقلك وتفكيرك ويعرِّضوك لما شاءوا من معتقداتٍ أفكار … لماذا يا صديقي؟

أبهذه التبعية والانسلاخ عن الهوية والتشوهات الفكرية، تَنتج النهضة الحضارية؟