image_print

فيلم التحوّل للأحمر .. هل نشهد قاعَ الانحلال؟

في هذا المقال أقدّم مراجعة نقدية شاملة لتفاصيل وأفكار فيلم ديزني الجديد (الاحمرار) أو (التحول للأحمر)، وهنا أودّ أن أشير إلى ملاحظة مهمّة وهي أن هذه المراجعة ليست لمن لا يسمح بعرض أفلام ديزني أمام أطفاله أو لمن قرّر عدم عرض هذا الفيلم تحديدًا، بل إن هذه المراجعة موجهة لتحذير ذوي الأطفال الذين يسمحون لأطفالهم بمشاهدة أفلام ديزني دون إشراف أو لا حيلة لهم بمنع عرض هذه الأفلام في مدارس أطفالهم في الدول العلمانية.

قصة الفيلم

مي مي طفلة كندية في سن الثالثة عشر من أصل صيني تعيش في تورنتو مع والديها، وتمثل الابنة المطيعة لأمها في جميع شؤون حياتها، تعظيما لإرث العائلة الصيني في تقديس الآباء والأجداد أو -واهبي الحياة على حد وصفها- كما يظهر ذلك في تعبّدها مع والدتها داخل المعبد الذي تديره. لكن مي مي في الحقيقة تعتبر نفسها مستقلة في قرارتها مع صديقاتها في المدرسة. تتعرض لفترة بلوغها كفتاة وما يعقبها من هيجان العاطفة واختلاط المشاعر، فتدرك أن بداخلها فوضى وشقاوة تتوق لاختبارهما دون إخبار والدتها التي تبالغ بحمايتها، فيؤدي ذلك لتمرد مي مي على أوامرها.

استعارة الباندا الأحمر (حيوان لبون من فصيلة العرسيات):

يشير الفيلم لدورة الطمث عند البنات في طور البلوغ مجازيا بتحول مي مي لحيوان باندا أحمر ضخم، كلما اضطربت حياتها بسبب تدخل والدتها الشديد في حياتها وإخفائها لرغباتها الشخصية، ومحاولة التوفيق بين كل هذا وذاك في خضم التغيرات الطارئة على جسدها. وتظهر مي مي وهي متحولة للباندا الأحمر في عزلة (كما هو الحال مع حيوان الباندا المعروف بعزلته الاجتماعية عن بقية الحيوانات) وهي مستلقية بوضعيات مشابهة لتحمل آلام التقلصات في الحوض وأوجاع الظهر.

حبكة الفيلم تشير إلى أن التحول للباندا في الأصل كما يقدم الفيلم هو هبة لنساء عائلة مي مي العريقة ليدافعن عن أطفالهن في غياب الرجال. لكنه مع تغير الزمن وسيادة القانون، أصبح ينظر إليه كلعنة يستوجب التخلص منها عبر طقوس تجرى خلال ليلة يكتمل فيها القمر بلون أحمر. في البداية توافق مي مي على التخلص من الباندا داخلها لأنه يحول بينها وبين حضور حفلة فرقتها المفضلة، لكنها تغير رأيها عندما تظن أنها تستطيع السيطرة عليه وحضور الحفلة التي ستنضج خلالها أنوثتها وتصبح امرأة. لكن بعد أن تعلم الأم بمخططات ابنتها مع صديقاتها، تصطدم إرادتها بإرادة مي مي مما يهدد علاقتهما المثالية.

تصنيف الفيلم للآباء:

وفقا لديزني ينصح بمشاهدة الفيلم مع الأطفال وتوجيههم، رغم حساسية الفكرة واحتواء الفيلم على العديد من التلميحات الجنسية، لكن ليس بشكل صريح من مثل: 1- تقول إحدى البنات أن أمها رفضت ذهابها لحفل فرقة غنائية لأن موسيقى الفرقة مشابهة لموسيقى نوادي التعري. ثم تعقب الفتاة (ما المشكلة في ذلك!).

2- أحد الصبية يقوم بهز مؤخرته مستهزئا بهيام الشخصية الرئيسية بأحد الشخصيات الأخرى.

3- مي مي تظهر أحيانا متعرقة، يسيل لعباها أو مأخوذة تماما لدى رؤية الأولاد أو رسمهم شبه عراة في دفترها.

4- صديقة مي مي تطلب منها أن تتحول للباندا الأحمر، فتقوم مي مي بتخيل أحد أعضاء الفرقة الغنائية المحبوبة وهو عاري الصدر.

5- مي مي تصرخ في أمها أنها تحب الأولاد والموسيقى الصاخبة والرقص بهز مؤخرتها، وعلى أمها أن تتعايش مع ذلك.

6- في أحد المشاهد التي تضطرب به مي مي وتتحول لباندا، تلمح فتى وسيمًا في المتجر فتقوم بإصدار عواء كالذئب.

7- مي مي تقول لأمها (إنه الباندا خاصتي، الخيار لي فقط) مثل قول النسوية (جسدي وأفعل به ما يحلو لي).

8- مي مي تذكر صديقاتها وتمنّيهن بأهداف حضور الحفلة، الدخول لها كبنات والخروج منها كفتيات كاملات الأنوثة.

9- استخدام كلمات مثل (مثيرة) و(منحرف).

10- مي مي تستفز أمها وهي في جسد الباندا بالرقص وهز مؤخرتها مع الصفع.

أفكار خاطئة ومخالفة للثقافة الإسلامية:

ثمة أفكار أخرى تمسّ التعاليم الإسلاميّة مباشرة، ونذكر منها:

1- لعل أبرز المشاكل الأخلاقية في فيلم (الاحمرار) هو تصوير البنات المراهقات (ذوات الجمال العادي) وكأنهن مجموعة مسعورة جنسيا لا حظ لهن، يتلصصن على الفتيان سرا ويتصيدنهم للدخول في علاقة، وهذا يخالف ثقافتنا الإسلامية القائمة على إحسان الظن وعدم الاتهام دون الإثبات الكامل.

2- يتراجع مستوى مي مي من كونها طالبة مثالية يجن جنونها إذا حلت في المركز الثاني إلى طالبة متوسطة في أدائها الدراسي بعد انشغالها بجمع المال لحضور الحفلة الغنائية دون علم أمها. وهو ما استنكرته مي مي مسبقا بأن الآباء والأمهات لا يثقن بأطفالهم مهما كانوا مثاليين فما الفائدة المرجوة حقا من البقاء مثالية.

 3- في خضم الأحداث، تظهر جدة مي مي لأمها وهي تحمل ندبة دائمة في وجهها. يتبين لاحقا لمي مي أن أمها قد سببت هذا الجرح لها في طور تحول الأخيرة لباندا أيضا في فترة المراهقة. بل أن سبب الخلاف هو رغبة أم مي مي بالارتباط بوالد مي مي دون رضا الجدة. وهذه نقطة أثرت على قرار مي مي وجعلتها تصمم على المحافظة على الباندا داخلها لتتعرض لاحقا لمواجهة أمها وضربها على وجهها.

4- البنات معجبات حد الهوس بأعضاء فرقة غنائية مكونة من خمسة أفراد ذكور لكن تظهر النعومة والحسن على أوجههم لا يضاهيهم في الجمال أي من شخصيات الفيلم التي طغت عليه الشخصيات الأنثوية. تشير إليهم مي مي وهي تدعو صديقاتها لتركيز جهودهن عليهم بأنهم الرجال (الحقيقيون) لكن إحدى صديقات مي مي توضح لها أنهن بعيدي المنال عنهم، لذلك عليهن أن يرضين بأي شيء حاليا مثل فتى المتجر الممل.

5- يكاد يكون دور الشخصيات الذكورية معدما في الفيلم ولو أن الموضوع الأساسي خاص بالنساء. وحصر رجولة الذكور بوسامتهم هي فكرة ساذجة تصدر عن طفلة ذكية لكن لا يصححها أحد من البالغين. بل إن زميل مي مي المتنمر في المدرسة يتضح أنه من محبي الفرقة الغنائية المائعة والتي يُرفع في حفلتها علم المثليين مع كلمة (حب). أما الأب فهو رجل لطيف تبدو براعته في الطبخ فقط، ويظهر في المشاهد دون تدخل في الأحداث أو تأثير على سيرها سوى أنه يسِرُّ لابنته أن أمها حاربت جدتها كي ترتبط به. كما يظهر في آخر الفيلم أنه أيضا من معجبي الفرقة الغنائية ذاتها سرا دون علم زوجته أو ابنته.

6- القصة تدعو لتحرر المراهقات من آخر القيود الأسرية وفصل احترام الوالدين عن تلبية رغباتهما وكأن هذه الرغبات تعود بالنفع الشخصي على الوالدين لا الأبناء. وهي ليست خيالية بالمجمل، بل مقتبسة عن حياة المخرجة وتعرضها في الصغر لبيئة ثقافية مختلفة عن البيئة التي ترعرعت بها والدتها وكيفية تعاملها مع مرحلة المراهقة.

7- أغفلت القصة تماما ارتباط بلوغ الفتاة بقدرتها على الإنجاب والمسؤولية المترتبة عليها في حفظ نفسها كي تكون أما صالحة. في حين ركز الفيلم على فرصة اختبار البنات لأحاسيس الأنوثة مع الفتيان بمجرد بلوغهن، والسعي وراء الحياة العابثة والحفلات تلبية لرغبات الجسد دون أدنى ذكر لمشاعر الأمومة. وهو ما يخلق وعيا عند الفتيات لتقبل فكرة الإجهاض بحجة عدم الجاهزية للأمومة كونها مرحلة متقدمة تتطلب التهيئة النفسية ولا علاقة لها بخصوبة الجسد. أي أن الجنس والإنجاب أمران منفصلان بحيث يمكن ربط الإنجاب بالزواج لكن لا يجوز تحديد العلاقة الجنسية بالزواج.

خلاصة قاسية

الفيلم يعرض موضوعا حساسًا يطرح لأول مرة بشكل جريء وموجه للأطفال كالعادة عبر شخصيات رسوم متحركة عادية المظهر قريبة منهم مع تعابير مضحكة للوجوه مبالغ بها لكي تترك انطباعا دائما لديهم. يتم ذلك في إطار ثقافي غريب عن الثقافة الإسلامية والعربية ويتعارض معها بشكل مباشر ولا يصح معه نقل أي فائدة مرجوة من مشاهدة الفيلم حتى ولو على سبيل التسلية. الفيلم يعتبر نقلة نوعية فيما تطرحه ديزني من ثقافة مشوهه يترتب عليها عند الأهالي مسؤولية كبيرة في الإشراف على مشاهدات أطفالهم وتوعيتهم ولو أن الأفضل تجنب عرض هذه الأفلام أساسًا.

هناك أمر ينبغي إضافته في هذا الإطار وهو وجود تقرير (خلف كواليس إنتاج هذا الفيلم) يظهر طاقم العمل الذي غلب عليه العنصر النسائي وتناول حياتهن الشخصية. مرة أخرى، بالكاد يظهر أي دور للرجال في هذا التقرير، بل أن إحدى أعضاء الفريق والمسؤولة عن التصوير السينمائي متزوجة من امرأة وهي أم لطفلين. المخرجة نفسها انتقدت سابقا سيطرة الرجال في بيكسار وتسعى لتمرير رسالة نسوية عبر أعمال فريقها مفادها أن النساء قادرات أيضا على التغيير. إذا من الطبيعي أن ينتج فريق نسائي عملا مثل هذا يوافق المثل التي يعشن عليها وليس غريبا بالكلية عن ثقافة مجتمعهن. لكن السؤال هو، لماذا يصلح أي عمل تفرزه مجموعة ضمن بيئة غربية أن يكون عملا عالميا يروج له كبقية الأفلام؟ ولماذا تدعم ديزني بقوة هذه النوعية من الأفلام التي يمكن تصنيفها على أنها تصنع وعيا مخالفا لبيئة الأطفال في غير المجتمع الأصلي؟

وسائل الاعلام والتفكيكية من الواحدية إلى السيولة.. الدراما لتشويه الدين!

إن المستقرئ لفكرة الدكتور عبد الوهاب المسيري في تفكيك الإنسان وإعادة صياغته في المنظومة الحداثية، سيرى أنه يمكن تعميمها على الكثير من الظواهر الأخرى التي جدّت على المجتمع، مثل تعميم فكرة التفكيكية الواضحة في وسائل الإعلام، على مختلف ظواهر الإنسان، ودينه حتى، حيث إنها تقوم بوعي منها أو بدون وعي بتفكيك الإنسان، وتدفعه لينتقل من سياق “الواحدية” والإيمان بالله، إلى السيولة والنسبية التامة، لتصل به ختامًا إلى ضياع المركزية، ونزعه من روحه ودينه مرة تلو الأخرى.

في الغالب فإن ذلك يكون من خلال الدراما ليصل به إما إلى إنسان مسلم لكنه يرفض بعض النصوص والثوابت وبذلك يكون دينه ناقصًا، أو يكون التفكيك أعمق ليصل به إلى الإلحاد وإنكار الله كليَّةً، فيأتي عمل ينقد قضية من الثوابت الدينية كالحجاب، وعمل آخر يشوه شكل رجل الدين وعمل غيره يظهر الدين بأنه محض تشدّد، وغيرها الكثير، حتى يجد الفرد ينقض هذا ويرفض هذا ويتعارض مع هذا وينفر من الشخص الملتزم، ليجد نفسه في الهاوية ممحوَّ الديانة والهوية، ويصبح محضَ كائن لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، كما أنها تربي لديه فكرة التجرؤ على الدين والطعن في الأحاديث والأحكام الشرعية والفتاوى أو رفض أمر من أوامر الله، فالدراما تتسلّل إلى عقول الجمهور لبرمجتها عن طريق دس السم في العسل فيتم التركيز على ما يشكك المرء في دينه ما هي إلا رسائل يراد تمريرها ثم ترسيخها في المجتمعات لإعادة صياغة تعريف الإنسان في عهود ما بعد الحداثة، وذلك مثل تناول قضايا المرأة بشكل رافض لتعاليم الدين وأحكامه وهذا له دور كبير في دعم آراء الملحدات ونشر أفكارهم وترسيخها في عقول الجمهور من الفتيات والنساء.

أمثلة ونماذج

من المهم إعطاء بعض الأمثلة الواضحة حول هذه النوعية من الدراما، كما هو الحال في مسلسل (فاتن أمل حربي) الذي عُرض في رمضان، وهدفه مناقشة قانون الأحوال الشخصية ويفتح ملفات قضايا المرأة المطلقة، ولكنها جميعها تأتي -للمفارقة- من وجهة نظر كاتبه الذي جسّد فيه كل أفكاره التي يؤمن بها، وذلك واضح في المسلسل بشكل عام ففي أحد المشاهد ترفض بطلة المسلسل سقوط حضانة الأم بعد زواجها، بالرغم من وجود نصّ نبوي صحيح حكَم فيه النبي صلى الله عليه وسلم بسقوط الحضانة عن المطلّقة حال زواجها من أجنبي.

يدور المشهد حول أن بطلة المسلسل تذهب لدار الفتوى بالأزهر لتجد شيخًا -أي الممثل للدين- يتم تجسيده في المسلسل على أنه مجرد امرئ عاجز عن شرح علّة فقهية محل إجماع وفيها نص شرعي، وتظهر فاتن المعترضة على سقوط حضانة المطلقة على ولدها بأنها ذات الحجة الناصعة والدليل القاهر، فتثبت ببضع كلمات أنه لا يوجد في الدين ما يبيح سقوط حضانة المطلقة لولدها بمجرد زواجها من أجنبي “فربنا رحيم”، وهنا يقف الشيخ مصدومًا مرتبكًا، ولا يستطيع الردّ عليها غير قوله إن هذا “كلام الفقهاء”، وكأن الفقهاء هم الذين ألفوا الدين على مقاساتهم الخاصة أو مزاجهم البشري، ولا يوجد عندهم مرجع من نص شرعي أو علم أو دراية بالأحكام الربانية.

المؤسف أن هذا الشيخ مهزوز الثقة هو الذي يراجع نفسه لكى يستطيع التحايل على الدين وتحريفها وتعطيلها لخدمة تصور مدام فاتن عن الرحمة الإلهية، وفي مشهد آخر تحاول أن تبرر لزوجها سبب جحودها بفريضة الحجاب بل وتتطاول عليه قائلة له “أنت محتاج دكتور نفسي”، فهو بحاجة للعلاج لأنه طلب منها ارتداء الحجاب الذي فرضه الله، وهي بذلك تحاول أن تقنع الجمهور أن الحجاب محض عادة وليس فرضًا إلهيًّا.

دراما تفكيك الدين

مثل هذا العمل كيف تنظر له المرأة المطلقة التي لا علم لها بالإسلام ولم تتلقَّ معلوماتها عن الحياة إلا من وسائل الإعلام والتواصل المميعة للدين، خاصة تلك التي تريد أن تأخذ أبناءها إلى حضانتها، سوف تثور على الدين وترى أن نظرة المؤلف صحيحة، وأنه لابد من تغير هذه الاحكام للتوافق معها، دون النظر إلى فائدة هذا الحكم والحكمة من ورائه، فهي أم مغيبة عن سياق الفقه وعوامله وتعقيداته، وقبل كل ذلك فإن العاطفة تغلب عليها.

يقوم هذا العمل الدرامي وغيره بمحاولة خلخلة الإيمان داخل عدة فئات أصبحت غير قليلة في المجتمع وهي المرأة المطلقة، وخلخلة الإيمان عند بعض المحجبات اللاتي يتأثرن بالدراما ومن ناحية أخرى ليس لديهن مناعة فكرية دينية.

إن توظيف التفكيكية في الإعلام يستمر، حيث يتم هناك أعمال كثيرة أخرى تناقش قضايا مختلفة فتضم فئة أخرى وهكذا من فئة لأخرى ومن قضية لأخرى حتى يصل إفسادها لكل فئات المجتمع وتغطي كل القضايا التي تفسد العقول، ليصبح الإنسان مفككًا في دينه ومشاعره من الداخل، فليس لديه ثابت يستند إليه، بل تغيّر شكل التفكير فالتغيُّر والسيولة هو الثابت الوحيد في المسألة وهذه من أخطر الأفكار التي يمحى على إثرها معايير ومبادئ وثوابت دينية متعارف عليها منذ تاريخ البشرية وحتى عصر الحداثة، في محاولة لتشكيل مفاهيم مختلفة تماما تهدف إلى تفكيك الإنسان وتحليله ثم إعادة تركيبة من جديد بتعريف مختلف ومهام مختلفة، وهكذا يصبح الأغلبية بلا مبدأ أو ملامح ثابتة، وتزول القناعة بالأحكام والثوابت الدينية.

الإسهام الحضاري المنشود من الإعلام

لقد أصبح الإعلام السمة المميزة للعصر الحديث، وأضحى تأثيره في حياتنا طاغيًا لا يستطيع معه أي فرد في أي ركن من أركان الدنيا أن يتجنّبه، فهو يصنع العقول ويحركها، يغير اتجاهات الأفراد ويوجههم إلى حيث يشاء، يخطو بالشعوب والدول ويتقدم بها إلى الأمام، تلك مهمة الإعلام الهادف القائم على منظومة استراتيجية وفق تخطيط دقيق هادف يؤدي الأهداف المنشودة ويحقق مجالات التنمية، إن الإعلام هو الذي يرسم اليوم ما يمكن أن نطلق عليها الخريطة الإدراكية الوجدانية أمام ضغوط توجهات إعلامية تسعى إلى تجريد الأفراد من هويتهم وانتماءاتهم وقيمهم ومعتقداتهم وثقافتهم الذاتية.

أهميّة الإعلام في حياة الشعوب

أظهرت نتائج الدراسات والواقع الذي نحياه الدور التأثيري الممتد لوسائل الإعلام في تشكيل وعي الشعوب، ومن ثمَّ توجيه تلك الشعوب صَوْب قيم بعينها، سواء كانت سلبية أو إيجابية.

وفي ضوء ذلك كانت وسائل الإعلام ميدانًا خصبًا للترويج لمنظومة الأفكار والقيم الغربية داخل المجتمعات الإسلامية، وقد ساعد على هذا الترويج وجود كوادر بشرية من أوساط المسلمين تأثرت بالغرب وانبهرت به، ورأت ذلك من باب (المدنية الحديثة)، فصبغوا ووجهوا الوسائل الإعلامية التي يملكونها أو يديرونها أو يعملون في قطاعاتها المتعددة وفق ما يطرحه الغرب من أطُرٍ ليبراليّةٍ شديدة التطرُّف في ليبراليّتها، فكانوا بذلك أحد أدوات الصراع القيمي، وفي المقابل حملت وسائل الإعلام الهادفة على عاتقها مسؤولية ترسيخ القيم والمبادئ، ومحاولة مواجهة الهجمة التغريبية في وسائل الإعلام المروجة للقيم الغربية في المجتمعات الإسلامية.

وتميزت رسالة الإسلام بأنها منهج شامل للحياة، رسم للإنسان معالم لنظمه الاجتماعية المختلفة، وذلك حتى تتوافق هذه النظم مع الغاية الأسمى لوجود الإنسان، وهي استخلاف الله تعالى له في الأرض وعمارتها وفق منهج الله تعالى وتحقيق عبادته وحده، وهذه الغاية لا بُدَّ أن تتوافر لها المبررات القوية والمقنعة التي تدفع بهذه الغاية وتقوي العزائم في سبيل تحقيقها في الواقع الإنساني لذلك كان لابد من صياغة هذه النظم والمعارف صياغة إسلامية تربط الجانب العلمي والواقعي بالجانب العقائدي والروحي في الإسلام.

من الإسلام وإليه

إن مقررات الإسلام هي أصل ومصدر معرفتنا العلمية والتطبيقية، ولذلك كان للإعلام مكانة هامة في الإسلام على الرغم من أنه لم يكن معروفا في وقت نزول الوحي على رسولنا صلى الله عليه وسلم، فالمتأمل للدور الملقي على عاتق الدعاة يجد أن مفهوم الإعلام يكاد يكون مطابقا لمفهوم الدعوة، فالدعوة عمل إعلامي تخاطب العقل وتستند إلى المنطق والبرهان، وتعمل على كشف الحقائق.

من المؤكد أن الحاجة إلى الإسهام الحضاري الإسلامي مُلحّة في هذا الوقت أكثر من غيره، ولعل من أهم معالم الإعلام الحضاري أن يسلّط الضوء على الخبرات الناجحة والجهود المميزة لبعض المؤسسات والبرامج والمبادرات الإعلامية في مختلف المجالات؛ إذ هي في عدد من تجلياتها تمثل لبعض النظريات الإسلامية حول الاتصال والإعلام، وكشف عن دور الإعلام في الحياة المعاصرة في المجتمعات العربية والإسلامية، وما يمثله هذا الدور من إمكانيات هائلة تستطيع أن تسهم في برامج التنمية في هذه المجتمعات، وتعين الوسائل الأخرى للتنشئة والتوجيه والتربية والتعليم في تحقيق أهداف المجتمع وطموحاته في النهوض الحضاري المنشود.

حاجتنا للإعلام الهادف

إنَّ الحاجة ماسّة اليوم لرسم سياسة ثقافية إعلامية تهدف إلى تطوير خطاب إعلامي ينطلق من جملة من المبادئ النفسية والتربوية والاجتماعية والسياسية؛ سياسة تتصف المرونة والتجدد للاستجابة للوقائع المتغيرة، والحاجات المتجددة، وتتوجه بصورة مباشرة إلى إصلاح المجتمع وتنميته، وضمان التماسك في نسيجه المجتمعي، والتخطيط الهادف إلى الإسهام الفاعل في بناء الحضارة الإنسانية، والحضور في ساحة العالم. وقد يكون تخطيطاً فكرياً ثقافياً لكنه يؤدي إلى إنجاز مجتمعي وإبداع حضاري، وعند الحديث عن رؤية إسلامية للإعلام المعاصر فإنه لا ينبغي أن ننسى ضرورة إسهام هذا الإعلام في تطوير الخطاب الإسلامي الذي يكرّس معاني الوحدة والتكامل، وروح الأخوة والتراحم والتآلف بين أبناء المجتمع، وينقل إلى الناس في المجتمعات الأخرى، مقاصد الإسلام برسالته السمحة ومضامينه الخيّرة، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. وإذا كان الإعلام هو العِلّة التي أسهمت في إفساد كثير من هذه المعاني وتشويه حقيقة المقاصد، فإن الإعلام الحضاري هو الوسيلة الناجعة لمعالجة هذه العِلّة.

إن استثمار خطابنا الإعلامي للبُعد القيمي سيمكّنه من تنظيم المجتمع أخلاقياً؛ أي إدماج المفاهيم الأخلاقية في الحياة العامة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية؛ إذ سيسهم الإعلام الحضاري في إنتاج القيم وإشاعتها في المجتمع من خلال البرامج الثقافية؛ بجميع تمثلاتها، مما سيؤثر بعد ذلك في التنشئة الاجتماعية؛ فيتأسّس الفرد على مبادئ وقيم نابعة من هوية المجتمع، فيصبح هذا الفعل مقابلاً منطقياً للتحللّ الاجتماعي الذي تتجلى مظاهره في الجوانب السياسية والاقتصادية والقانونية والتربوية والثقافية، ومع تسارع جذب المنصات الإعلامية التفاعلية وبروز أدوات مؤثرة للإعلام الجديد، يظهر جلياً أن الإعلام من أهم أدوات العصر المؤثرة والأكثر بروزاً وحضوراً، إنه منبر مفتوح على الجميع، يؤدي دوراً استراتيجياً في المجتمعات، والإسهام في مسيرة التنمية والازدهار ومواجهة التحديات، ووضع المؤثرات الإيجابية في مختلف مجالات الحياة، إن حرية التعبير تمثل اليوم واحدةً من أثمن الحقوق، لأنها تعتبر الركيزة التي تقوم عليها كل حرية أخرى، وهي أساسٌ لكرامة البشرية.

خلاصة القول

إن وعينا بأهمية الإعلام وجميع أشكال التواصل في صياغة شخصية الإنسان وتربيته، وفي تشكيل الرأي العام وتوجهاته، يفرض علينا تطوير استراتيجيات إعلامية جديدة، تسهم في حركة الإنتاج العلمي والفكري والاقتصادي، ومعالجة مشكلات الأمة وتلبية متطلبات النهوض الحضاري الذي ينبغي أن تسعى إليه، وتوقف الهدر الكبير في حياة الناس وأوقاتهم، والتوظيف العبثي لإمكانيات المجتمع ومقدراته، بإشغال المساحة الأكبر من برامج الإعلام في وسائله المختلفة في مجالات الحياة الاستهلاكية الرخيصة، وتكريس مظاهر الاستلاب والتبعية، فالمستقبل المستدام يتطلب من القائمين على وسائل الإعلام بمنظور قيادتها والتمايز المؤسسي لديها أن يكون لها تأثير إيجابي عميق على من حولها في المجتمعات العربية والإسلامية من خلال تعزيز الأداء والتحسين المستمر والابتكار المنهجي عن طريق تسخير الإبداع من أصحاب المصلحة، حيث إن المؤسسات المتميزة لديها قيادة تشكل المستقبل وتحقق ذلك بوصفها قدوة مؤثرة من خلال قيمها وأخلاقها ونظام عملها.

تقنية الثقافة .. كيف تصدر الشعوب ثقافتها؟ التجربة الكورية نموذجًا!

من جملة عادات بلادنا أنها تستقبل العام الدراسي الجديد بالتجهيز وشراء لوازم الصف والتعلّم لبدء دخول الأطفال في ميدان الدراسة، ونحن في مصر -قُبيل بداية العام الدراسي  الحالي- شهدنا استعداد المحلات لعرض البضائع التي تُشتَرى في هذا الموسم، لكن الصدمة كانت عند بدء الموسم أن أحد المحال التي تبيع الحقائب المدرسية روّجت ما هو غريب جدًا؛ فأغلب الحقائب عليها صور لسبع فتيان غرباء الشكل والملامح، بألوان شعر مريبة ليست للذكور يغلب عليهم الطابع الأنثوي، وأعمارهم في العشرينات، ومن السؤال علمنا أنهم أعضاء فرقة (بي تي إس)، وما إن دخلت في نقاش مع البائع كيف له أن يبيع مثل هذه البضائع فهي تعد دعاية لهؤلاء الأجانب، وتروج لهم بين شبابنا، حتى أظهر غضبه قائًلا: “دعنا نأكل عيش؛ هذه الحقائب هي الأكثر مبيعًا هذا العام”

لم أكن أصدق هذا، إلا أن غالبية الطلاب بمختلف المراحل الدراسية في واقع الأمر كانوا يحملون هذه الحقائب، ولما رجعت للمنزل وتصفحت مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت المسلسل الكوري الجديد (لعبة الحبار) يتصدّر قائمة مسلسلات وأفلام منصة نتفليكس ويحقق مشاهدات تاريخية مذهلة، وما هي إلا أيام حتى علمت أن أغلب زملائي قد شاهدوا المسلسل وبدأوا بترشيحه للجميع، كما صدرت لاحقًا تقارير صحفية مختلفة تشير إلى أنه بسبب هذا المسلسل زاد إقبال الناس لتعلم الكورية على أحد مواقع تعلم اللغات إلى ثمانية مليون دارس، أي ما يشكل قرابة 16% من جملة الشعب الكوري الجنوبي، وهذا يظهر مدى قدرة هذه الدولة على إدخال منتجاتها الثقافية في كل بيت جنبًا إلى جنب مع منتجاتها التكنولوجية.

تفشّي الظاهرة

ربما يظن الناس أن هذه الظاهرة في مصر فقط، ولكنك إذا نظرت إلى بلاد الحرمين الشريفين لوجدت ما هو أغرب، فهذا الشعب الأكثر محافظة في الشعوب الإسلاميّة، وها قد بدأت الخطط لتغيير أحواله الملتزمة بعد إغلاق هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتقال عدد كبير من أبرز علمائه، فهذه فتاة تسأل الشيخ سلمان العودة قبل اعتقاله بمدة على تويتر هل يجوز الزواج من رجل كوري متأثرة بالدراما الكورية، وهؤلاء نفس الفرقة المذكورة في الأعلى يقيمون حفلًا بالرياض، وبعدها تصويب على الفرق الكورية التي يفضلها الشعب السعودي لإقامة حفلاتهم في المملكة بعد إنهاء الحجر، ولا ننسى المقابلات التي تجريها القنوات المختلفة مع هذه الفرق على الدوام.

عجبًا من هم الكوريون؟!

نتحدث هنا عن سكان الجنوب من شبه جزيرة كوريا؛ حيث إن سكان الشمال ليس لهم أي حضور ثقافي، فهم غرباء تمامًا عنا في كل شيء، كاللغة والدين والعادات والمزاج العام، فكيف لهم ولغيرهم من الأجانب أن يؤثروا في مجتمعنا بهذا الشكل؟

نظرة على التاريخ

ولكن قبل الإجابة على السؤال السابق دعنا نطرح سؤالًا لنبحث في جوابه، عسى أن يوصلنا إلى مقصدنا أو نقتبس منه نورًا يقربنا مما نبحث عنه.

هل ظاهرة الانسلاخ من الهوية والعيش بهوية شعب آخر ظاهرة جديدة لم نشهدها من قبل؟

بالطبع لا، فهي ظاهرة قديمة، وإذا أحببنا تسليط الضوء عليها فالنرجع إلى تاريخ الاحتلال الأوروبي للعالم العربي؛ فسنشهد أنه هناك تغير ملحوظ في الملبس والنظام السياسي وفي اللغة تأثرًا بهذا المحتل؛ تارة رغمًا عن الشعب وتحت سطوة السلاح والسيطرة على الاقتصاد، وتارة أخرى من خلال الإعجاب بشخصية المنتصر القوي الذي احتل هذه البلاد، وجاء ليبهرنا بالأسلحة التي لم نكن نعرف عنها شيئًا ولا عن هذه التطورات في شتى المجالات.

ولعل اليوم يشبه الأمس؛ حيث إنه يوجد منسلخون من هويتهم تحت العوامل السابق ذكرها نفسها، لكن الغريب اليوم أن هناك من ينسلخ من هويته ويعيش بهوية أخرى، دون حاجة لاحتلال أو سلاح، وربما حدث ذلك فقط تحت تأثير الانبهار بالتكنولوجيا، وتحت الإعجاب بأغنية أو من خلال التعمق الشعوري من خلال بناء سردي تجسدت حركة أحداثه وشخصياته في فيلم أو مسلسل للرسوم المتحركة المعروف بالأنمي، وهذه المنتجات رغم أنها في ظاهرها سطحية وبسيطة إلا أنها ذات تأثير قوي يدمر هوية المتلقي، حتى تم تسمية هذا النوع من المنتجات بالقوة الناعمة، حتى إنه بات لتلك القوة تقنيات محددة ومدروسة لنشر ثقافة شعب ما، تحت اسم “تقنية الثقافة”.

القوة الناعمة

للقوة الناعمة تأثير خفي لعدة أسباب، منها أنه لا يمكنك أن تعادي أغنية أو فيلمًا يروي حكاية ما كالتي نحكيها لبعضنا، فهي مجرد تسلية وترفيه، ولا يتعامل العقل الواعي والباطن معها كما يتعامل مع حرب القنابل والصواريخ، إنها مجرد أعمال ترفيهية لشركات تعمل في مجال الترفيه، كما أنه لا يمكنك القول أمام العموم إن أفلام الكرتون التي يشاهدها الأطفال تمثل خطرًا على عقيدتهم وقيمهم، حيث إنك إن فعلت ذلك لأخذت حظك من الشتم بالجنون والحساب على المؤمنين بنظرية المؤامرة.

يعرف جوزيف ناي القوة الناعمة بأن “يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والثقافة والفن. مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به فاتباع مصادره” [من كتاب القوة الناعمة]

وبما أننا نتحدث عن القوة الروحية والمعنوية إذًا نحن نقصد الحديث عن الدين والفكر والقيم والفن لشعب ما، فكما قال بيجوفيتش نقلاً عن هنري برغسون: “الفن هو ابن الدين” [هروبي إلى الحرية] وهنا تكمن قوة تأثير الأغاني والأفلام والمسلسلات على الشعوب.

لقد اخترنا النموذج الكوري كنموذج للدول التي استخدمت تقنية الثقافة والقوة الناعمة، رغم أنه ليس الأول والأخير وربما ليس الأكثر نجاحًا؛ لأنه النموذج الأكثر إثارة للدهشة؛ وأول من استخدم مصطلح تقنية الثقافة علنًا من خلال أحد منتجي الموسيقى في كوريا، فإذا بحثت عن تقنية الثقافة لوجدت أن أول من تحدث عنها الكوريون؛ وكان الهدف من هذا المشروع هو تسويق الأعمال الكورية الموسيقية خارج حدود كوريا.

الموسيقى والأغاني

الموسيقى من أهم الوسائل التي تستخدم في نشر الثقافة، خاصة أنها سهلة التعلق بالذاكرة، وتؤثر عاطفيًا على الإنسان، فمع الأغاني يمكننا نشر اللغة من خلال المقطع الأوسط المتكرر في أي أغنية، حيث يتم تكرار كلمة سهلة أشبه في نطقها من كلمات لغات أخرى أكثر انتشارًا كالإنجليزية، أو من خلال كلمات يسهل تعلقها في الذهن بسبب نطقها أو لحنها المميز، ومن الممكن أيضًا نشر بعض القضايا الاجتماعية، والتي تساعدنا على معرفة الكثير عن المجتمعات الأخرى، والتشبه بها فمثلا في أغاني فرقة (بي تي إس) الكثير عن موضوعات الانتحار في كوريا، وحالات الطلاب والمراهقين التي تدفعهم لليأس من الحياة، حيث يقدمون مجموعة من الأغاني التي تتحدث عن ذلك وطرق علاجه مثل ألبوم (أحب نفسك)، وأغنية (بي إس واي) “أسلوب كانغ  نام” التي جعلتنا نعرف عن أسلوب عيش الأغنياء في الأحياء الفخمة، والتي تكون هادئة نهارًا بسبب انشغال رجال الأعمال وأصحاب الشركات، وصاخبة بالليل لكثرة الحفلات.

في بعض من الأحيان يتطلب الأمر دعمًا ماليًّا، فمثلا أشارت بعض الصحف الكورية إلى أن الحكومة الكورية دعمت أغنية “أسلوب كانغ نام” من خلال الدفع ليوتيوب مقابل زيادة المشاهدات بطريقة غير عادية؛ لتنتشر الأغنية بين الناس على أنها الأغنية الأكثر مشاهدة؛ وقد ارتفعت بعدها الأغنية أكثر مما رفعها اليوتيوب لتغدو الأكثر شهرة بين الناس، فصارت تستَخدَم كموسيقى تصويرية في الأفلام والمسلسلات الغير الكورية لبعض المشاهد الساخرة والحفلات الثرية وفي برامج عرض المواهب الغنائية، وانتشرت بشكل جنوني، مما دفع بعض الناس لمعرفة معاني كلمات الأغنية، فسلك البعض طريق تعلم اللغة التي تتكون من 40 حرف ونظام كتابة معقد، ولم يكن يحدث هذا إلا من خلال سهولة الكلمات والموسيقى المألوفة عند المتلقي، ولهذا يتم الاستعانة بملحنين من بلاد مختلفة في هذه الشركات لجعل الأغنية مألوفة للجميع، وهنا تكمن أهمية تقنيات الثقافة وقواعدها.

البنيات السردية بأنواعها المختلفة

يقول الدكتور الطيب بوعزة في كتابه ماهية الرواية: “في البدء كان السرد” موضحًا أهمية السرد في التأثير على النفوس والتمازج معها، فالسرد أول أنواع الفنون تاريخيًا وأكثرها انتشارًا، والبنيات السردية حديثًا متنوعة وبكثرة، فمنها الروايات والمسلسلات والأفلام والأنمي، ولكل منهم ميزة مختلفة عن الأخرى في التأثير والتلاعب بالفكر.

على سبيل المثال فإن الروايات -وهي الأقل تأثيرًا في تقنية الثقافة- تستهدف النخبة من الجمهور المتلقي وهم قلة لأنها تتطلب معرفة مسبقة باللغة الأجنية التي كُتبت بها إن لم تتوافر لها ترجمة، ولكن في بعض من الأحيان تكمن أهمية الرواية عند تحولها لعمل مرئي.

أما عن الأفلام فهي من أكثر الأنواع انتشارًا وتأثيرًا؛ حيث يمتزج مع الحكاية كلٌّ من الحركة والصورة، لتكون ذات تأثير أعمق، والحوارات المسموعة والمرئية أكثر أهمية للأحداث؛ لأن المؤلف من البيئة المرغوب في نشر ثقافتها ضمن إطار سردي يتقبله الجميع، فمثلًا في فيلم الشروق الخفي تسافر أم بابنها إلى مسقط رأس زوجها المتوفي، ثم يتعرض ابنها للخطف مقابل ما تمتلكه من مال فيُقتل، وهذه حكاية عادية ربما سبق وأن تم تنفيذها على الشاشة العربية، لكن المختلف أن القصة تحكي لنا الحياة الدينية للكوريين وشكوكهم، فكانت الزوجة ملحدة ثم صارت نصرانية بروتستانتية بعد موت ابنها على يد جارتها المبشرة، ثم صارت ملحدة مرة أخرى عندما علمت أن قاتل ابنها يشعر بأن الرب غفر له.

من الممكن استخدام الأفلام كسلاح سياسي؛ لنشر صورة دبلوماسية عن دولة ما أو من خلال تشويه تيار فكري معارض للدولة، ففي فيلم الهروب من مقديشو كان هناك تلميع للسفارة الكورية الجنوبية مقابل جارتها الشمالية، من خلال تقديم العون لهم، والعطف على الثائر الصومالي الذي كان يعمل كسائق لدى السفارة.

أما عن المسلسلات فالحديث عنها كالحديث عن الأفلام، لكنها أكثر تأثيرًا من الأفلام؛ بسبب مدة عرضها وعدد حلقاتها، فتتعرض لتفاصيل أكثر عمقًا، فمثلا مسلسل لعبة الحبار عرض لحياة الطبقة الفقيرة والبحث عن حل لسد الديون، كان أكثر وضوحًا من فيلم (طفيلي) الذي فاز بأربع جوائز أوسكار، وكذلك نفس الحديث عن الأنمي، إلا أن الأخير هذا يمكنه الوصول إلى فئات عمرية حرجة فكريًا تكون في مرحلة التكوين والتغيير مما يكمن خطرها في لعبها بالخيال.

ومن أجل الترويج لهذه الأعمال يتم تصنيع بعض المنتجات التجارية، التي تحمل صورًا لأبطال الأعمال أو اسمًا لفرقة موسيقية أو جملة قيلت في أغنية أو في حوارًا في سيناريو؛ وذلك لجعل الجمهور يتعلق أكثر بهذه الأعمال من خلال هذه المنتجات، ويمكن تكوين تجمعات من المعجبين بعمل ما من خلال شراء إحدى منتجاته، مما يؤدي إلى ترسيخ إعجاب الجمهور بهذه الأعمال وتعلقهم بها، ومن أمثلة هذه المنتجات الحقائب المدرسية والملابس وغيرها.

في الصورة: بوستر بديل لفيلم (Parasite) من تصميم (Andrew Bannister)

خلاصة وخاتمة

لا بأس من الاطلاع على ثقافة الشعوب الأخرى لكن دون معصية الله، فلا نبدل أوامره لتقليد الكفار، ولكن الكثير ممن يطلعون على الثقافات الأخرى لا يكونوا مؤهلين لعملية النقد والتحليل، ومعرفة ما يمكن أخذه وما يجب رده، ولذلك يجب المرور بخطوات عديدة تكون وقاية لنا من التأثر من هذه الأفكار، منها: ترسيخ العقيدة واللغة، وتقوية ملكة التفكير الناقد وتعلم العلوم الشرعية والاجتماعية وغيرها من الأدوات التي تحصن المتلقي للشبهات.

 وفي النهاية أتساءل كما تساءل الآلاف من قبلي، ما الذي يمنعنا نحن المسلمين من نشر ثقافتنا للشعوب الأخرى؟

الدَجَل والمسخ المعنوي

خلق الله تعالى الناس -في الأصل- على الفطرة السليمة وعلى الهيئة السويّة عقليّا ونفسيّا وبدنيّا؛ إلا عوامل متعدّدة شوّهت هذا الخَلْق، فلم يعد سليمًا. لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمَت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) [أخرجه مسلم]. وشيئًا فشيئًا انتهى هذا التشوّه إلى مسخ عام قد استحكم في البشرية على تفاوت –طبعًا- بين الشعوب والجماعات والأفراد.

الانمساخ والتحوّل عن فطرة الله

تعدّدت صور هذا الانمساخ الكبير، فمنه ما مسّ الروح، كالشرك بالله، إذ كيف يترك البشر عبادة الإله الواحد إلى التوجّه لأنواع لا تنقضي من الأصنام والفراعنة والأوهام؟. ومنه مسخٌ مسَّ المفاهيم والأفكار، كالمكيافيلية في السياسة مثلًا، ومنه مسخ أخلاقي، كالفعل الجنسي القبيح الذي أصر قوم لوط عليه السلام الذين قالوا عن لوط ومن آمن به وأهله: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]

إن المسخ الاجتماعي الشامل يبدأ صغيرًا ثم يكبر، فهو ينمو بالتدريج، ويتسلّل إلى النفوس والقلوب بهدوء ماكر. وقد ضرب لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا فقال: (كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟  قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟ قال:  نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟  قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟ قال:  نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا؟) [أخرجه أبو يعلى والطبراني في الأوسط]

كما أن من صفات هذا المسخ أنه يقلب الموازين بحيث ينعدم التمييز بين الخير والشرّ، وبين الصواب والخطأ، وهذا مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويخوّن الأمين) [أخرجه أحمد في المسند والترمذي في السنن].

مكيافيلي

مسالك التشوّه

إن المرء لا يبقى على سلوك واحد ما لم يفتّش عن الحق دومًا، فتراه يتأرجح بين الاستقامة والانحراف، بل بين الإسلام والكفر، ففي صحيح مسلم عن نبينا الكريم: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلمًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، وانظر –من هدي هذا الكلام- إلى حال المجتمعات المعاصرة اليوم، كيف فقد أكثرها البوصلة الصحيحة بشكل شبه تام. فاللامعنى أصبح –يُسمّى- فنّاً، والمقاومة تسمى إرهابا، وتعدد الخليلات مشروع بشرط عدم توثيقه بالقانون، وتدمير الأرض يسمى تنمية، وصار قتل الشعوب ممارسةً للسيادة، والتزام أحكام الشريعة تشدّد، وتحريف الدين يسمى اجتهادا، وغدَتْ السرقة ذكاءً، والاستعمار تعاونًا دوليًّا، وضياع الهوية انفتاحا… الخ.

وهذا التشوّه أصاب نظرة الناس للدين أيضا، أي فهمهم له، أما أصله من الكتاب والسنّة فمحفوظ. ألا ترى كيف يتعلّق كثير من المسلمين بمظاهر التديّن وقشوره في حين لا حياة لقلوبهم ولا إيمان، فأثمر ذلك انفصاما اجتماعيا وفشلا تربويا وتراجعا حضاريا؟ وقد خصّص المفكر الكندي آلان دونو كتاباً مستقلاً لهذا الانمساخ الكلّي، عنونه بــ” نظام التفاهة”.

يهدف هذا الانمساخ أو نظام التفاهة –بعبارة دونو- إلى استبعاد القيم الإنسانية الأصيلة من أيّ اعتبار، وحصر الاهتمام في مصالح المال والأعمال وتحقيق الشهرة… لذا كان سلاحه هو التسطيح وتعميم البلاهة. وقد نجح هذا النظام في إبعاد الناس عن الشؤون الكبرى والعامة، وإغراقهم في الهموم الفردية والاهتمامات السخيفة، ولذا يدعو دونو إلى تغيير جذريٍّ يواجه هذا النظام الذي يقتل السياسة والثقافة والروح.. ويجعل من الناس مجرّد قطيع يتشابه في كل شيء ويسهل قيادته إلى المذبح.

آلان دونو

 الانمساخ بين السابق واللاحق

إن القيامة لا تقوم قبل أن يظهر المسيح الدجّال، كما أخبرنا بذلك النبي عليه الصلاة والسلام في عدد كبير من الأحاديث الصحيحة. والدجال يمثّل المسخ مجسّدًا، ولذلك تذكره بعض الروايات باسم: المسيخ الدجال بالخاء، فهو نفسه مشوّه الخلقة ذو عين واحدة، وكأن في ذلك إشارة إلى أن أصل المسخ المعنوي في البشرية أنها ترى بعين واحدة وتسير على قدم واحدة… فالحضارة الحديثة العرجاء والعمياء تقوم على المادة فقط وتلغي الروح، وتقوم على العقل دون الشعور، وحدّها الدنيا ولا تعرف الآخرة.. وهكذا.

إن المسيحَ الدجال أيضا تجسيد واضح لانقلاب المعاني وتبدّل الموازين، ومن ثمّ فإنه الصورة المضادة للمسيح عليه السلام، لذلك تُعرّفه المسيحية –والتي تؤمن بدورها بقدوم الدجال- بأنه “نقيض المسيح Antichrist.” ونؤمن كما في الأحاديث الصحيحة أيضًا أن عيسى المسيح عليه السلام هو الذي سيقتل الدجال.

الدَّجَل يسبق ظهور الدجال، والمسخ يسبق ظهور المسيخ.. ولابد من وجود الدجاجلة الصغار الذين يمهّدون للدجال الأكبر. والمتأمل في عالم اليوم يلاحظ انتشارا مهولا للدّجَل على مختلف الأصعدة، وكثرة في الدجالين من كل نوع وصنف. وهنا لابد من ملاحظة أن للإعلام بمختلف وسائله النصيب الأكبر في نشر الدجل على مستوى العالم وبين جميع الطبقات والجماعات. وفي عصرنا وصل التلاعب الإعلامي إلى أقصاه بحجب بعض المعلومات أو تقديم معلومات مغلوطة أو الإيحاء أو تحويل انتباه المتلقي إلى جهة معينة أو استعمال أدوات الدعاية والتزييف والتأثير النفسي.. وانتقل الناس من العكوف خاشعين أمام التلفزة إلى العكوف بخشوع أكبر أمام الهواتف النقالة، في تفاصيل كثيرة تشكل اليوم موضوعا مستقلا للبحوث والدراسات.

أخيرًا نقول

 كما أن بعض البشرية يرتفع ويسمو حتى يتجاوز الملائكة في طهرها وصدقها.. فكذلك يحدث لبعضها الآخر أن تنحطّ وتتراجع إلى ما دون المرتبة الحيوانية: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، بل إلى ما هو أقلّ من الجماد: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74].

إن المسخ هو خروج عن الطريق المستقيم وتوهان في سبل شتى كلها تؤدي إلى الضياع. والقرآن حين ذكر مسخ بعض الناس قديمًا على قردة وخنازير إنّما يوجه الأنظار إلى عواقب التنكّب عن دين الله تعالى في مقدور المُكلّـفين حيث هم أحرار، لكن لابد أن يكون له ثمن بفقدان شيء يقلّ أو يكثر من إنسانية الإنسان. لذلك كان المسخ المعنوي في البشرية سنّة إلهيّة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تختص بزمن دون زمن، أو أمة دون أمّة، وتبقى حقيقة المسخ هي العبودية لغير الله تعالى، بما في ذلك عبادة الإنسان لنفسه وهواها.

لعبة الحبار بين الترفيه والإجرام

ما هي إلا ساعات من توقيت نشر المسلسل الكوري الجنوبي “لعبة الحبار” حتى بلغت مشاهداته رقمًا قياسيًّا فاق عشرات الملايين، وقد اشتهر مسلسل لعبة الحبار، بشكل ملفت للانتباه لدرجة أنك لا تكاد تتحرك في الفايسبوك أو اليوتيوب إلا وقد ظهر لك مقطعٌ منه.

بسبب شهرته الكبيرة انتابني الفضول لمعرفة محتواه وقصته، فشاهدت المسلسل كله دفعة واحدة في ليلة واحدة خلال 9 ساعات وهو عدد الحلقات إذ أن زمن كل حلقة ساعة واحدة، وبناء عليه أستطيع التعليق عليه بعلمٍ وذلك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

إشارات وتعقيبات

من جملة الأمور التي ينبغي التنبّه إليها أن فكرة المسلسل –برمتها- مشابهة لفكرة أنمي ياباني اسمه كايجي ويوجد مسلسلات أخرى أيضاً من الأنمي والتمثيل تقدم أفكارًا قريبة من الموضوع بتناولات متعددة، ومن المعروف أن لعبة الحبار تدور حول منظمة سرية عملها إغراء الفقراء والغارقين في الديون لسحبهم إلى أقسى أنواع القمار على الإطلاق “المقامرة بالأرواح” فإما الفوز بالمال الوفير وإما الموت أثناء المحاولة، إلا أن أنمي كايجي تضمن التعذيب والعقوبات بينما مسلسل لعبة الحبار ليس فيه إلا القتل.

إن هذه المنظمة من حيث المبدأ تشبه منظمة موجودة على أرض الواقع تنشط عبر النت المظلم -دارك ويب- ويدعى موقعهم الغرفة الحمراء -ريد روم- إذ أن وجه التواطؤ في المبدأ العام هو إهلاك الناس لغرض التسلية والاستمتاع بألمهم وأنينهم وبذل الأموال في سبيل ذلك، أما أوجه الاختلاف ففي نوعية الألم ما بين تعذيبٍ وقتل واختطاف واستدراج وإعطاء فرصة للنجاة وعدم إعطائها.

إلى جانب ذلك فقد كانت الفتاة الأنقى في المسلسل والتي نالت التعاطف الأبرز هي فتاة تكره مبدأ الربوبية ووجود الإله والمتدينين وتطرح شبهاتٍ لا دينية تبنيها على بعض المغالطات المنطقية التي لا ينتبه لها في الغالب معظم المشاهدين لهذا الفيلم، وهذه الأطروحات غير موجهة للمسلمين وإنما لجنس الديانات حتى ولو كان المثال المستهدف الديانة البوذية وحدها، نظرا لكون المسلسل كوريا، هذه الفتاة تضحي بحياتها لتنجو فتاة أخرى في المسابقة، بينما الراهب المتدين في المسابقة يضحي بالأبرياء لينجو هو.

ولكي لا ينتقد المشاهد هذه الفتاة تبرر موقفها بأنه ناتج عن صدمة اعتداء أحد الرهبان عليهم أو تدميره لحياة أسرتها وحياتها بالكامل.

إلا أن النقطة الأخطر في هذا السياق هو محاولة المخرج أن يصنع لصاحب المسابقة القاتلة هذه تسويغًا ما حتى ولو لم يؤكد على تأييده إذ جعل البطل معارضا له في الجزء الأول ولما يصدر الجزء الثاني بعد، ولكني أكاد أجزم أن الجزء الثاني أو الأجزاء التالية ستقود المشاهد أكثر فأكثر للتعاطف مع المجرمين صنّاع اللعبة.

وتر التعاطف

ينبغي التنبه إلى أن المسلسل حرص على إثارة الكلمات والمشاهد التي تجر إلى التعاطف مع فكرة المسلسل ولو كانت التفاصيل الداخلية متناقضة مع الطبيعة البشرية –التعاطف مع المجرم مثلاً- ويمكن الإشارة إلى ذلك إجمالا، مثل قضية اعتماد اللعبة على التصويت والديموقراطية، فمن حق المتسابقين أن يصوتوا على قرار التوقف عن المتابعة فإن وافق الأغلبية على ذلك توقفت اللعبة، وكذلك فإن المتسابقين لم يشاركوا في اللعبة إلا باختيارهم.

حاولت مشاهد المسلسل إظهار الشر الكامن في المتسابقين أنفسهم وذلك بقتلهم لبعضهم بعضا وكيدهم لبعضهم البعض طمعا في زيادة نصيبهم في المال، وذلك على خلاف مؤسس اللعبة ورأسها الأعلى الذي كان حريصا على العدل والمساواة بين اللاعبين –ضمن تسويغات تناقض فكرة العدالة ذاتها- لذلك فقد قام بقتل بعض الموظفين الذين كانوا يسربون فكرة الألعاب القادمة لأحد المتسابقين مقابل مساعدته لهم في تشريح جثث الموتى لبيع أعضائهم، فقال: “لا يهمني بيعكم لتلك الأعضاء أو إحراقها مادام أصحابها قد ماتوا ولكن الذي آلمني خرقكم للنظام الأساسي لهذه اللعبة وهو العدل، إذ أن هؤلاء البؤساء المساكين لم يُمنحوا فرصا عادلة في الحياة ليكسبوا أموالهم ونحن هنا نعوضهم عن ذلك الظلم لنعطيهم فرصا عادلة للنجاح يتساوى فيها الجميع”.

هذا الرأس الكبير لا يعرفه المشاهد بشخصيته أو بكونه مؤسس اللعبة وقائدها الأعلى، إلا أنه سيتعود على مشاهدته لاعبا يتحمل كل الصعاب كما أنه وضع نفسه في ذات الخطر الذي وُضع فيه أولئك الفقراء ليعبروا بذلك عن عدله في اللعبة ومساعدته لبعض الطيبين فيها للنجاح، وبذلك ينسى المشاهد مئات الضحايا الذين ماتوا بسبب هذه اللعبة، خاصة الذين قُتلوا في أول مسابقة ولم يكونوا يعلمون بوجود القتل فيها.

إن هذا المسلسل -أو تصميم القوانين التي بثّت فيه- يبعث في النفس حب القتل والتمتع به، كما أنها تميت القلب وتزيده ظلاما، كما أن الأفكار التي يبثها هذا المسلسل خطيرة جدا على الوعي واللا وعي ولكن معظم الناس لن ينتبهوا إلا لجانب المتعة والتسلية في متابعة هذا المسلسل.

ليس سبب كتابتي للمقال هو الحث على عدم مشاهدة المسلسل أو مشاهدته وإنما أردتُ التنبيه على هذه النقاط، حتى إذا وُجد من شاهد هذا المسلسل من قراء مقالي هذا أمكنه الانتباه لها أو تنبيه غيره عليها، حتى لا يسلّم عقله لمثل هذه الأفكار الخطيرة من دون أي مقاومة فكرية.

فيلم Eternals ووقفةٌ مع أفلام الأبطال الخارقين

انطلق قبل عدة أيام فيلم Marvels الجديد Eternals في دور العرض الأمريكية وفي عدد من دول العالم، وكعادة أفلام الأبطال الخارقين صار الفيلم موضة بين الشباب الذين يريدون التسلي بحضوره ومعرفة شخصياته وقصصهم والقوى الخارقة التي يملكونها، إلى جاب الاستمتاع والنظر في المؤثرات البصرية المبهرة المرافقة لهم وإتقان كل مكونات الفيلم وتناسقها في العمل الترفيهي الذي أمامهم.

ولشعبية هذا النوع من الأفلام وانعكاساتها العقدية التي يغفل عنها كثير ممن يشاهدها للترفيه وجدت أن أفرد له بعض النقد لننتبه لأثره علينا ولا نستخف بقدرة هذه المدخلات التي تبدو بسيطة على التأثير في فكرنا وحياتنا من حيث لا ندرك.

الفيلم الذي يترجم عنوانه حرفياً إلى “الخالدون” يحكي قصته الخاصة لبداية الخلق، إذ يبدأ بعبارة “In The Beginning” تماماً كما يبدأ سفر التكوين -من كتب العهد القديم عند المسيحيين- ثم يحكي قصصاً تمزج بين النصرانية المحرفة، والميثولوجيا اليونانية القديمة، والميثولوجيا الإيرلندية وغيرها من الأساطير في قصة شخصياتٍ شبيهة بـ”الآلهة” والبشر وضعها كائن خارق ضخمٌ على الأرض لتحرس الكوكب أمام مخلوقات شريرة قد تدمره وتنهي وجود البشر عليه في أي لحظة.

من مقدّس إلى مسلٍّ!

إنها قصة قد تبدو بسيطة إن نظرنا إليها بعين المتلقّي المسترخي الذي يتناول البوشار وينتظر أن يرى ما يمتعه، لكنها تحتوي كثيراً من الأخطار العقدية والإشكالات الإيمانية التي لا ينبغي الاستهانة بها، فالكاتب بكل بساطة يقدِّم تخيُّله الخاص لنشأة الكون، ويطرح في إطار الترفيه تصوره عن الله والملائكة والشياطين وهدف الحياة، وينتقد منظومة الخير والشر التي يستمدها الإنسان من الله، فالشخصيات المكلّفة بحماية الأرض تتساءل في كثير من الأحيان عن مسؤولياتها وعن تماشيها مع ما تريد، كما أن الكاتب يقدم صورةً لما يمكن للإنسان العادي تحصيله إن تقرب من أنصاف الآلهة هؤلاء ورافقهم، وهو ما يشابه إلى حد كبير ما عرضته أفلام سابقة من نفس النوع -كفيلمي Thorو Hercules- لكن مع تمثيل أكبر وأخطر للخلق وهدف الوجود والإله الموجد كذلك.

thor

والإشكال في هذه الأفلام ليس في أن المشاهد قد يشرك تلك الشخصيات الخيالية بالله بشكل مباشر، فهو يعلم أنها خيال ووهم، إنما في أنها تجعل أمر الآخرة والملأ الأعلى والمعجزات والكرامات وعلامات الساعة ونهاية العالم أموراً مسلِّيةً مفتوحة للخيال والتنبؤ فضلاً عن السخرية والتسخيف، فيغيب عن قلبه أي قداسة للغيب والخوض فيه، وينسى تدريجياً أن الحديث في هذه الأمور محصور بالوحي المنزّه الذي يخبرنا بما لا يمكن أن نعلم دونه، وبذلك تختلط الأمور في ذهنه شيئاً فشيئاً بين الذي يراه بشكل متكرر ومتناقض معروض عليه في كل فيلم على حدة، والذي يقرأه في القرآن ويكرره في صلواته الخمس كل يوم، فإن كانت تلك الصلوات مُصلَّاةً على غفلة، وتلك الأفلام مشاهَدةً بتركيز وتغييب للنقد والمحاكمة وكثير من التكرار، فحين ذلك يتداخل الحق الغيبي بالأساطير لتصير كلها في ذهنه في خانة الخيال والفتنازيا لا أكثر.

ولعل تناقص هيبة الغيب في نفس من يكثر متابعة تلك المواد من أهم آثارها؛ إذ لكل منا نفس واحدة مهما حاولنا تخيل أنها مقسمة أو لا تربط الأمور ببعضها إذ تفكر فيها، فيصعب على الذهن وضع الإله ونهاية العالم وبدايته في خانة المتعة تارة وفي خانة الجد والخوف والرجاء والحب والعبودية والتسليم بعدها بدقائق قليلة، ومع هذا التناقض والاستمرار في غض الطرف عنه، تزول قداسة ذاك ويغيب عن النفس تذكر أن هذا منكر وهذا حق وهي لا تشعر.

الإنسان الخارق

يمكن عزو بدايات مفهوم البطل الخارق للفيلسوف الألماني نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت” عام ١٨٨٣ و فكرة الإنسان المتعالي -فوق البشري- الذي يمكن لوجوده أن يبرر بقاء جنسه[i]، والذي رسم فيه الفيلسوف الملحد ما رآه أهدافاً ينبغي أن تسعى البشرية إليها بدلاً عن القيم الدينية المتجاوزة التي عرفتها الشعوب الغربية من قبل، فنيتشه الذي قال بـ”موت الإله” وضع الصورة الخارقة التي اخترع وسمى Übermensch كبديلٍ عن كل الثوابت التي كان يستمدها البشر من الإيمان، وكحماية لهم من السقوط في فراغ العدمية التي تختفي فيها كل الأرضيات التي يمكن التحاكم لها[ii] ، فكانت هذه الفكرة البشرية الخيالية لتمثل النموذجية التي ينبغي للبشرية السعي لها.  وفي عام ١٩٠٩ ترجم توماس كومون المفهوم إلى الإنكليزية ليصير باسم “Super Man” الذي ظهر لاحقاً في القصص المصورة ومن ثم الأفلام والمسلسلات بصورٍ مختلفة كثيرة.

وإن كانت فكرة نيتشة الفلسفية لا تظهر بوضوح في أفلام الأبطال الخارقين التي نرى اليوم، فإن نتائجها تتجلى فيها بلا شك. ففي هذه العوالم التي يرسم كتّاب الأفلام لا نرى أثراً لأي دعاء أو استعانة بالله أو التدين عند المصائب التي لا يوجد منقذ ولا أمل للبشرية فيها إلا في شخصٍ أو مجموعة أشخاص يشبهون البشر شكلاً ويملكون قوىً استثنائية تجعلهم قادرين على ما يحلم الناس العاديون بفعله، فمنهم من يطير ومنهم من يقرأ أفكار الآخرين ومنهم من يملك قوىً عضلية كبيرة ومنهم من يرى عبر الجدران وإلى غير ذلك مما يجعل الإنسان مستغنياً عن اللجوء للإله وباحثاً عن نجاته في بشرٍ خارق يشبهه ولا يشبهه.

هذا التمثل البشري للإله خطير عقدياً بما يدخل في ذهن المشاهد من أنه مستغنٍ عن الرب ببعض القوة والتكنولوجيا والتقدم العلمي الذي يجعله أيضاً يشبه البطل الذي يرى على الشاشة، وتجعله مثله قادرٌ على تجاوز كل المشكلات والارتقاء بجنسه بدون استحضار للغيب ولا الاستعانة بالإله، فمن تلك الشخصيات مَن قوته بدرعٍ متطورة صنعها مثل (Iron Man)، ومنهم من قوته بسيارات وطائرات ومخابر وتدريبات رياضية مكثفة خاضها كما لدى (Batman)، فما حاجة الإنسان عندها للتعبد واللجوء لمولاه؟ كيف سيستشعر ضعفه ويرضى به؟ ولم يمنع نفسه أياً من المتع الدنيوية إن كانت تلك الأمثلة التي باتت قدواتٍ تصور كل الخيرية تقضي يومها في قتال الأشرار وليلها في السُّكر والزنا والحفلات؟

ففي تلك العوالم نجد الخير والشر مبنياً على حكم البطل الخارق ومصالحه والقيم التي يختار، فهو الذي يحفظ السلام على وجه الأرض وهو الذي يقرر المبادئ التي على كل الناس التماشي معها، والقبول بها، ففي عالم الرجل الوطواط -مثلاً- يحق له التجسس بكاميرات مراقبة على كل المدينة وبدون إذن من أي سلطة لأنه الذي يحميها، وفي عالمSuperman  يحق له تحطيم أي متجر أو مقهى وهو يطير بلا انتباه ليلاحق الشرير الخطير، وفي عالم الرجل الحديدي نراه بشكل متكرر يسخر من الشرطة ورجال الحكومة الذين يعلمون أنهم لا يقدرون على مجاراة كفاءته وذكائه وحده، والغريب أننا كمشاهدين نتلقى هذه المواد بكل بساطة ولا ننتبه إلى ما تقوله وما تبني عليه في إطارها الترفيهي.

صورة من فيلم The Dark Knight (2008) تظهر كاميرات المراقبة التي وضعها البطل في كل المدنية

سحر الوهم

لعل من المشترك بين أفلام الأبطال الخارقين على اختلاف قصصها والشركات المنتجة لها هو امتلاؤها بالمؤثرات البصرية واعتمادها بشكل كبيرٍ على إتقان فريق كبير من المصممين لها، فالممثل في تلك الأفلام غالباً ما يقف أمام شاشة خضراء كبيرة يقوم بحركات بهلوانية أمام عصاً أو كاميراً يتظاهر فيها أنه يقاتل شريراً أو يتحول لشكلٍ آخر أو يستخدم قوة خاصة أو يسقط من سطح بناء دون أن يخدش، وإن كانت هذه المعلومة معروفةً لدى المتابعين  إلا أن سحر الصورة ودقتها تغيِّب عن ذهنهم حقيقة ما يفعله الممثل الواقف أمامهم، فهم وإن علموا أن الفيلم محشوٌ بالمؤثرات الخاصة إلا أنهم قد يغفلون عن المدى التي تذهب إليه تلك المؤثرات، فيتخيلون أن الممثل لديه جزء من القوة العضلية التي تظهر في اللكمة التي يمارس أو كل اللياقة البدنية الظاهرة أو حتى أنه يلبس اللباس الذي يظهر على الشاشة، بينما الحقيقة هي أن معظم الظاهر أمامنا في المنتج النهائي هو من صنع المحاكاة الحاسوبية التي يقوم الممثل بحركات متقطعة معينة يعيد المصممون ترتيبها فيه.

وهنا فإنه من الضروري التذكير للصغار والكبار الذين يكثر انبهارهم بما يشاهدون و غفلتهم عن أثره عليهم، فهم من ناحية يجهلون عدد الساعات التي قضاها فريق العمل في تجهيز كل مشهد من الفيلم، ومن ناحية أخرى لا يدركون مقدار الأموال التي أنفِقَت لنرى الفيلم بصورته النهائية التي تتناغم فيها حركات الممثل تماماً مع المحيط والمركبات التي يحلق فيها والأشعة الصادرة منه وغير ذلك، ومن آثار هذا الانبهار أن تغدو معايير الصحة البدنية عند اليافع مساوية لشكل جسد البطل الخارق الذي رآه ظاهر العضلات قادراً على رفع الأثقال والقفز والجري بشكل استثنائي، وإن لم يحدث شيء من ذلك فإن أقل ما تحدثه تلك المؤثرات هو إبهار المشاهد وتعطيل آليات تفكيره الناقد فيجد نفسه مستغرقًا في تأمل سحر الصور وبريقها المذهل، دون أن يلاحظ الإشكالات العقدية والفكرية التي تتسرب إليه خلال مشاهدتها.

في الأعلى: مشهد من فيلم Captain America: Civil War يظهر الفرق في الصورة قبل وبعد المؤثرات الخاصة.
في الأسفل: مشهد من أحد أفلام Avenges يظهر الفرق في الصورة قبل وبعد المؤثرات الخاصة. عن موقع Fame Focus

إني -وإن كنت- في هذا المقال أتحدث عن أفلام الأبطال الخارقين بشكل خاص، فإن كثيراً مما ذُكر يمكن إسقاطه على ما يسمى بأفلام الخيال العلمي أو الفنتازيا بشكل عام، ومن ذلك أفلام السحرة ومصاصي الدماء والمستذئبين وغيرها مما قد يوجه للصغار والكبار من الخيالات التي تصنع لذاتها عالماً خاصاً تحكمه قوانين يخترعها الكاتب وتحتكم شخصياته لمنظومات خير وشر خاصة بها كذلك، ولذا فإن دورنا كمؤمنين ومربين واعين أن نراقب نفوسنا أمام تلك المواد ونحدد تلقينا لها وموقفنا تجاهها لا كمشاهدين مستسلمين، إنما كمحللين ناقدين، وكذلك أن نعنى بالمقدار الذي يستهلكه أبناؤنا منها واستعدادهم لنقد محتواها وفهمه وتمييز أثره عليهم على الدوام.


[i] Arvhie Bland, Comic book superheroes: the gods of modern mythology, The Guardian, 2016.

https://www.theguardian.com/books/2016/may/27/comic-book-superheroes-the-gods-of-modern-mythology

[ii] Loeb, Paul. “Finding the Übermensch in Nietzsche’s Genealogy of Morality”. Journal of Nietzsche Studies. 42–4: 77 – via EBSCO Host.

النسويات ومعضلة أميرات ديزني

يعتقد الكثيرون أن أفلام ديزني الكلاسيكية جسدت قصص الأميرات العالمية بطريقة ساحرة خلابة تظهر فيها شخصية الأميرة بشكلها الرقيق الطيب الحالم، ومن ذلك أن باكورة أفلام ديزني للأميرات (بياض الثلج) محفوظ في السجل الوطني للأفلام بعد أن اعتبرته مكتبة الكونجرس الأمريكية عملًا هامًّا يستحق الاحتفاظ به، إلا أنّ التيار النسوي لم ينظر يومًا لهذه الأفلام بنفس الطريقة التي ينظر إليها هؤلاء؛ فقد كان -وما زال- يمقتها ويعمل حثيثًا على تغييرها لتتماشى مع أجندته.

بدأت معضلة أميرات ديزني مع النسويات عندما خرجت تلك الأفلام الموجهة للأطفال لتمثّل الصفات المثالية للفتاة حتى تصبح أميرة حقيقية يتنافس عليها الأمراء للزواج بها، لكنها جسّدت صورة نمطية مرفوضة لدى النسويات عن دور المرأة في المجتمع في ذلك الوقت، ففي حين ترى أنت الأميرة فتاة رقيقة مرهفة الحس والأنوثة، فإنهم يرون فتاة كل آمالها في الحياة أن تعتمد على شاب أمير ووسيم، وبين أن ترى فتاة طيبة لا تؤذي مخلوقًا، فإنهم يرون فتاة بلا مهارات أو قدرات ومحل تقديرها فحسب جمالها الذي يتحدث عنه الجميع، وبين أن تكون فتاة تستحق تضحية فارسها الشجاع من أجلها، في حين أنهم يرونها ضعيفة مستسلمة لقدرها بأنها امرأة وتنتظر من ينقذها، لذلك ليس غريبًا أن تحارب النسويات من أجل قلب صورة الأميرة في قلوب الكثيرات لتعكس الكيفية التي يرين المرأة من خلالها -كما سأبين لاحقًا-.

أفلام أميرات ديزني بين الطبيعي والنسويّ!

في دراسة كمية أجرتها المتخصصتان في اللغويات (كارين آيزنهاور) و(كارين فاوت) عام 2016 على أفلام ديزني للأميرات، وجدتا أنه يمكن تقسيم الحقبة التي أنتجت فيها بحسب التغير الطارئ على شخصية الأميرات ودورهن في القصص. قيل إن الدراسة كانت بهدف بحث تأثير الأميرات في طريقة كلام الأطفال كل بحسب جنسه –جندر-؛ إلا أن البحث كشف عن إحصائية مثيرة للسخرية فيما يخص دور المرأة ومقارنته بدور الرجل في قصة تدور بالأصل عن المرأة.

أطلقت الدراسة على البداية مسمى الحقبة الكلاسيكية بين عامي (1937 -1959) والتي أخرجت (بياض الثلج) و(سندريلا) و(الجميلة النائمة). وجدت الدراسة أن نصيب النساء من الحوار في هذه الأفلام مساوٍ أو أكثر من نصيب الرجال لكنها أشارت إلى الدور المحدود للمرأة بالتأثير في مجريات الأحداث، إلى جانب تركيز الفيلم أكثر على صنائع الرجال في القوة والشجاعة والتصدي للأشرار والعبث المضحك. وأكثر من ذلك، فإن نسبة توجيه الرجل للمرأة في القصص (سواء كان أمرًا أو طلبًا أو نصحًا) مرتفعة جدًّا مقارنة بنسبة توجيه المرأة للرجل. وهو أمر استهجنته الدراسة في قصة تدور عن فتاة لكن يتصدر الأحداث الشيقة والمضحكة الرجل ويتحكم بمجرياتها.

بياض الثلج، من أميرات ديزني

بياض الثلج

ثم جاءت حقبة النهضة (1980-1999) عبر دور الأميرات في أفلام (الحورية الصغيرة)، (الجميلة والوحش)، (علاء الدين)، (بوكاهانتوس) و(مولان)، حيث ظهرت صفات جديدة للأميرات مثل التفكير باستقلالية والتمرّد على التوجيهات بتصرفات معاكسة وهو ما نال مباركة النقاد في حينها. لكن الدراسة أظهرت تراجع النصيب الكلامي للنساء في الحوار بدرجة كبيرة لحساب الرجال، كما ظلّت المرأة تبحث عمن يتزوّجها دون أن توجّه أحدًا أو تقود أحدًا أو حتى تخترع شيئًا.

وتشير (آيزنهاور) أن جزء من المشكلة في ذلك هو الشخصيات العاملة في هذه الأفلام غالبًا من الذكور، وأدى ذلك إلى أن تظهر أمثلة أنثوية قليلة عن طاقة النساء وقدرتهن ونفعهن في المجتمع. وفي حين توضح الدراسة نسبة تفوق 55% في إطراء النساء على مظهرهن في الأفلام الكلاسيكية وبالكاد تتجاوز نسبة 11% لقدراتهن، تراجعت نسبة إطراء مظهر النساء إلى 38% في أفلام النهضة مقابل زيادة إلى 25% لقدراتهن. وهو ما عدته الدراسة مؤشرًا جيدًا على تحسن شخصية الأميرات عن الصور السابقة.

مولان، من أميرات ديزني

مولان

أما الحقبة الأخيرة فهي الحقبة التي حُطِّمت فيها الصورة النمطية للأميرة للأبد، حقبة العصر الجديد والتي ابتدأت في 2009 بـ(الأميرة والضفدع)، مرورا ب(متشابكة) و(شجاعة) وأخيرًا (متجمّدة)، حيث إن هذه الأفلام قلبت الموازين في النص، وأظهرت نسبةً عاليةً لإطراء المرأة على قدراتها ومهاراتها وإنجازاتها بنسبة 40% وتراجع الإطراء على الشكل بنسبة 22%. الفضل في ذلك يعود إلى أن فكرة قصص الأفلام في كتابتها وإخراجها جميعها جرى تحت إشراف طاقم نسائي بالمجمل كما نشرت صحيفة واشنطن بوست في مقال تكلم عن نتائج أبحاث (آيزنهاور وفاوت) وقد أضاف إلى ذلك ما صرحت به الكاتبة (بريندا تشابمان) مسبقًا بأن شخصية الأميرة (ميريدا) في فيلم (شجاعة) قد صممت خصيصًا لتحطيم الصورة النمطية عن أميرات ديزني. (ميريدا) التي خالفت الأعراف بتصرفاتها الصبيانية ورفضت أن ينحصر دورها في الزواج والإنجاب والتربية كأمها، ونزلت ميادين الرجال لتنافسهم في الشجاعة وقوة الرمي وغيرها مما يفعله ضخام الأبدان، قد أعطت نموذجا آخر للصغار عن شخصية الأميرة الجامحة والمستقلة بقدراتها عن الرجل. ثم أتت أميرة الثلوج (إلسا) لتتوج ذلك بقيادتها وتوجيهاتها الحكيمة لقومها.

ميريدا، من أميرات ديزني

ميريدا

الأميرات والأمراء، هيّا لنسخّف القضيّة!

بعد أن تحقق الإنجاز المشار إليه، لم يكن هناك مانع من احتفال بسيط للنسويات عبر جمع كل النسخ السابقة من الأميرات والاستهزاء بقصصهن في أحد المشاهد من فيلم ديزني (رالف يكسر الإنترنت). فقد أشار كاتبا الفيلم (فيل جونستون وباميلا ريبون) عن فكرة هذا المشهد وتحدثا بأنهما أرادا تفكيك شخصيات الأميرات وابتكار مشهد نسوي تقدمي في إطار مضحك.

يبدأ المشهد بظهور الشخصية الرئيسية في الفيلم (بينولبي) والتي تطلق على نفسها أميرة لكنها لا تشبه الأميرات في شيء، تظهر في غرفة تجمع الأميرات الاثنتي عشر بفساتينهن الشهيرة، وهنا تتأهب جميع الأميرات في وقفة قتالية مع تعابير الوجه الغاضبة مستخدمات أسلحة رمزية من قصصهن، أما الأميرة (كاثرين – من فيلم الجميلة والوحش) فتحمل كتابها التي علّمت عنه أميرها لتضرب به، والأميرة (ياسمين – من فيلم علاء الدين) تحمل مصباحها دون الاستعانة بالجنّي الذي ساعد أميرها للوصول إليها، أما (سندريلا) فتمسكك بحذائها الزجاجي الذي كان يوما ما أملها الوحيد في تعرف الأمير عليها وتكسره بشكل حاد ليتحول إلى سلاح قاطع، وهنا تحاول (بينولبي) إقناع الأميرات أنها أميرة مثلهن، لينهال وابل من الأسئلة السخيفة تطرح فيه كل أميرة مقارنة عن واقعها السابق لتقابله (بينولبي) باستغراب شديد. لكن الجميع يتفق على أنها أميرة عندما يُطرَح عليها سؤال المليون كما يقال (هل يفترض الناس أن جميع مشاكلك ستحل لمجرد ظهور رجل ضخم قوي في حياتك؟) وتجيب (بينولبي) باستنكار: (نعم ما بال هؤلاء!).

ويستمر تسخيف تصرفات الأميرات السابقة خلال المشهد من تأملات الطبيعة والشدو بالغناء لبث همومهن. وبعد أن تستبدل الأميرات ملابسهن التقليدية لتشابهن (بينولبي) بملابسها العصرية، تقوم الأميرة (أورورا – الجميلة النائمة) بالارتماء على فراش حديث واصفة هذا الرقاد المريح بأنه الحب الحقيقي وكأنها تستغني عن حب من حارب الشريرة لأجلها وأيقظها من غيبوبتها.

أما الأميرة (بياض الثلج) فتلبس قميصا مطبوع عليه التفاحة المسمومة على هيئة جمجمة، وكأنها أصبحت قادرة على التلاعب بهذا الخطر الذي هدد حياتها يوما وأحوجها لإنقاذ أميرها. أي أن جميع الأميرات لم يعد يحتجن حب الرجال وتضحياتهم فهن قادرات على التكفل بأمرهن دون عون، بل أثبتن أنهن من ينقذن الرجال كما يأتي في مشهد لاحق من الفيلم نفسه، يتجلى فيه ازدراء دور الرجل المتهم بتحجيم دور المرأة سابقا. فها هو (رالف) الرجل الضخم يسقط من برج شاهق لتصيح إحدى الأميرات (رجل ضخم قوي يحتاج للإنقاذ!) فتظهر كل أميرة مهارتها في الإغاثة لينتهي (رالف) لابسًا فستان (بياض الثلج) وغائبا عن الوعي في سرير. وكأن النسويات يقلن (نم أنت أيها الرجل فلا حاجة لك بعد اليوم).

ديزني وطغيان التمركزُ الأنثوي

قد تظن أن الأمر توقف هنا، لكن يؤسفني إخبارك أن الأمر ليس كذلك! فما زالت عملية تصيّد شخصيات النساء في الأعمال الناجحة السابقة لأفلام ديزني وإظهار أدوارهن في أجزاء لاحقة بطريقة فوقية على الرجال تهمش دورهم. هن أصحاب القرار، هن محركات الأحداث، وهن من يصنعن الحلول عندما يعجز الرجال.

لنقف على سبيل المثال عند شخصية راعية الأغنام (بو-بيب) الهادئة اللطيفة في فيلم (حكاية لعبة 1995)، حيث تظهر في الأجزاء الأولى متعلقة بالشرطي (الشريف وودي)، تخشى عليه دائمًا وتعتبره حلال المشاكل، وتشجعه دائمًا وتدفعه للخير، لكنها لم تبق كذلك في الجزء الرابع من الفيلم عام 2020، حيث تنزع تنورتها وصدّارها الريفي وتظهر بالملابس الأساسية تحتها، واضعة رباطا طبيا على ذراعها وقد حولت عصاها من رعي الغنم لسلاح تحارب به.

يلتقي (وودي) بـ (بو-بيب) فيندهش من جرأتها ومهارتها، وبعد أن يعجز (وودي) في اقتحام محل خردوات لينقذ صديقه، تقوم (بو-بيب) بتنفيذ مجازفة خطيرة لإدخاله ومساعدته في حل مشكلته.

ولنقف عند مثال شخصية المرأة المطاطية في فيلم (الخارقون 2004)، حيث كانت في الجزء الأول الزوجة التي تعتني بالمنزل والأولاد وتحاول حل مشاكلهم، وتضطر حينها لخوض القتال بعد أن تجرّها غيرتها على زوجها، وتحاول طوال الوقت حماية عائلتها بينما زوجها يقارع الشرير، أما في الجزء الثاني عام 2018 فإن الصورة تنقلب إلى الضد، فتصبح هي البطلة التي تحارب الجريمة وزوجها يجالس الأطفال في المنزل ليساعدهم في واجباتهم ويتدبر أمور حياتهم المعيشية.

وبينما تتفانى المطاطية في تتبع الأشرار بحرفة وذكاء وتحل ألغازهم دون عناء، يزول غرور زوجها السيد الخارق سريعا في المنزل ليظهر مُجْهَدًا مُتعَبًا بعد ليلتين فقط، فيطلب المساعدة من العمة (إدنا) في رعاية الطفل (جاك) كي تخفف عنه عبء مسؤوليات المنزل.

وثمة مثال أخير في شخصيات ديزني النسوية، ففي فيلم عائلة (كرودز 2013) حيث الحبكة الأساسية تكمن في تعارض قوة الأب (جورج) وخياره في الاختباء في كهف بحنكة الشاب (جاي) وتطلّعه لمكان أفضل للعيش، ولم يكن هناك دور للنساء في القرار سوى الاتباع والاعتماد على قوة المجموعة للبقاء، إلا أن في الجزء الثاني عام 2020، تفشل قوة (جورج) وتنتهي حنكة (جاي) ويُختطَفُ الرجال جميعًا ويعجزون حتى عن الفرار، لتأتي عصبة نسائهن (أخوات الرعد) كما أطلقن على أنفسهن، ليقمن حرفيًّا بكل شيء من تتبع أثر الرهائن وهزيمة جيش القردة، ودحر البابون العملاق وتحرير الرجال قبل أن يصبحوا طعام موز، ويختتم الفيلم بمشهد الرجال وهم يخبزون للنساء.

ثم ماذا؟ مخاطرُ وآثار!

ربما كان هناك حاجة فعلًا للتغيير وإظهار الدور الفعال للمرأة في المجتمع، لكن لماذا حصل ذلك على حساب الصفات الحميدة الموافقة لفطرة المرأة؟ ولماذا يجب أن يكون دورها الفعال منافِسًا للرجل ومستقلًّا عنه؟ أليس جزًءا من المشكلة هو شذوذ بعض النسويات ودفعهن في هذا الاتجاه المنفصل؟ إلى أين سينتهي المطاف في هذه التغيرات التي يشاهدها الأطفال ويعالجون تصرفات الشخصيات ويستنتجون منها الفروقات بين الجنسين؟

هناك عدة دراسات تبين أن ديزني في طريقها للوصول إلى نسخة أكثر وضوحًا من الأميرة (الأندروجية– المخنثة التي تجمع بين العضلات والأنوثة)، وهي نتيجة بديهية إذا ما أخدنا في الاعتبار التطورات المستمرة على دور المرأة، فقد انحرفت لمجاراتها الرجل في كل شيء بدعوى نيل حقوق المرأة، وفي ذات الوقت صادقت على اعتراف ضمني بحقوق الجندر في تقرير مصيره الجنسي.

كما تبحث تلك الدراسات ما يطلق عليه ترميز الشذوذ في بعض شخصيات أفلام ديزني الشريرة بحيث لا يكون جنس الشخصية واضحًا أو طبعه غير متفق مع جنسه. وبالرغم من جميع هذه الدراسات فإنه ليس هناك عدد وافٍ من الدراسات التي تبحث تأثير شخصيات هذه الأفلام في هوية الطفل الجنسية. لكن من الواضح أنه لن يصعب على الولد في المستقبل القريب بعد مشاهدة فيلم ديزني أن يقول: “أريد أن أصبح قويًّا كتلك الفتاة”، أو تقول بنت: “أريد أن أصبح فاتنة مثل ذاك الشاب”.

وقد لا يبدو في ذلك مشكلة إطلاقًا لدى الغرب الداعم لحقوق الشواذ، بل هو في رأيه الحق المطلوب اليوم للأطفال في تحديد هويتهم الجنسية عند المتحررين من الدين، لكن ماذا عن أطفال أمة الإسلام التي غمرتهم منتجات ديزني في بلادنا بشخصياتها الخيالية على الملابس والألعاب والأدوات المدرسية؟

نحتاج لوقفة مطولة مع الجهود اللازمة لتوعية أطفالنا عن أفلام قيّمت بأنها صالحة لمشاهدة جميع العائلة، وربما توعية الكبار قبل الصغار.


المصادر

http://www.kareneisenhauer.org/wp-content/uploads/2017/06/Eisenhauer-Capstone-Excerpt.pdf?fbclid=IwAR0SMhZ07JuzrD4EZeF-n0BnWUKVHz8_G71ht9I2VBWGcNzi73spVbP8HAQ

https://grad.ncsu.edu/wp-content/uploads/2017/04/EisenhauerPoster17.pdf?fbclid=IwAR1NWpzLKAB-uVFgVGy7GCXLBZ6y2vjcxLuyBEo04tbfgHfR0sl8TyFnyJg

Disney Princess Movie Marathon: How to Watch These Movies in Chronological Order

https://www.washingtonpost.com/news/wonk/wp/2016/01/25/researchers-have-discovered-a-major-problem-with-the-little-mermaid-and-other-disney-movies/?fbclid=IwAR2cmzvwUIjK5VhQoSCxfq47deMmDWMRVvaKXHjSZkcJNiEkfQJqIs73vrc

The Rise of the Androgynous Princess: Examining Representations of Gender in Prince and Princess Characters of Disney Movies Released 2009–2016

Vanellope meets the Disney princesses

Disney Princesses save Wreck-It-Ralph

https://web.archive.org/web/20170312175257/http://www.marginsmagazine.com/2015/12/18/fabulously-fiendish-disney-villains-and-queer-coding/

 

السحر الأعظم

السحر في اللغة هو كل أمر يخفى سببه ويُتخيَّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومنه إخراج الباطل في صورة الحق، وهو أيضاً كل ما لطف مأخَذُه ودَقّ، والسحر مذموم كله في الشريعة ‏لقلبه الحقائق، وإخفائه الحق بالباطل، ولما فيه من خداع للناس. أما في الفكر الغربي المنتشر اليوم، فالسحر محمود ومطلوب، ويُنَشَّأُ الأطفال على حُبِّه والحاجة إليه لتحقيق الرغبات والمستحيلات.

السحر بين الاستعراض والإضلال

يقول الله تعالى في كتابه: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم} [الأعراف: ١١٦]، وهنا ‏نرى من الآية الكريمة أن ما فعله السحرة زمن موسى عليه السلام ‏هو الاستعراض أمام أعين الناس، فأروهم الأمر على غير حقيقته حتى يؤثروا في آرائهم وعقولهم، كما أنهم أرادوا به ترهيب الناس وتخويفهم، وكل ذلك في سبيل تحقيق مآربهم من تطويع الناس لهم أو لسُلطة الباطل، فيقوم الناس بما يريده هؤلاء لا ما يريده صاحب الخلق والأمر، أي الله رب العالمين، أو ما يريده الناس أنفسهم.

‏فالسحر أداة يستخدمها الطغاة وأهل الباطل في الماضي والحاضر من أجل التحكم بالناس وآرائهم وعقولهم بالإضافة إلى تخويفهم.

‏‏والسحر أنواع، فمنه ما يُستعان له بالجن والشياطين والشعوذة، ومنه ما لا يستعان له بالجنّ أو غيرهم مباشرةً، إلا أن بينهما شبهاً كبيراً في الأعراض من تهيئة الخيالات وتفريق الأزواج، كما أنه يؤدي إلى المقصود والمراد منه من قوة التأثير ودقة في الأسلوب وقلب للحقائق، كما قال صلى الله عليه و سلم (إن من البيان لسحراً) [أخرجه البخاري في الصحيح برقم: 5767].‏ ولذلك فإن الناس إذا ما رأوا تأثيرًا أو تغيراً كبيراً وقد جهِلوا سببه، أعادوه في كثير من الأحيان الى السحر، ‏وهذا ما اتهم كفارُ قريشٍ القرآنَ الكريم به من أنه سحرٌ، وذلك لقوة تأثيره وجهلهم بكيفية هذا التأثير وأسلوبه، إلا أن القرآن ليس فيه خداع أو باطل، بل هو حق من الله وإعجاز لعباده ليقروا بعظمته وعظمة مصدره.

إن أعظم سحر في الزمن المعاصر -ولربما على مرّ العصور- هو سحر الشاشات من التلفاز والحواسيب والهواتف وما يعرض عليها من أعمال فنية وأفلام وإنتاجات سينمائية ومسلسلات ومحاكاة وتطبيقات، فقد عظم بلاؤه وانتشرت فتنته حتى لا يكاد يكون هناك أحد من الناس إلا وقد أصابه نصيب من هذا السحر، حيث يجلس أمامه الـمُشاهِد فيقضي الأيام من العمر ويُسلَب الوقت منه من غير أن يشعر.

يصبح الـمُشاهِد أسيراً له فيتقلب أمام الشاشة من الحزن إلى الفرح إلى الخوف إلى القلق إلى الحسرة ثم النشوة، فيعيش الأحداث والشخصيات ‏وكأنها حقيقة، ثم إذا ما انتهى العرض وجد نفسه في عالم آخر ‏وحقيقة أخرى أقل شأناً لا ترضيه، فيفضل الحياة التي كان يعيشها في الشاشة، فإما أن يكتئب أو أن يتمرّد على حياته وواقعه.

‏فيصبح المعروض في الشاشات هو الأساس وهو المرغوب وهو المطلوب للمشاهد. وإنما أُريد بهذا الـمُشاهِد سلبُ رأيه ووعيه وكسر إرادته وعزيمته ليكون أقرب للرجل الآلي منه للإنسان، وكل هذا يحصل من دون أن يشعر الـمُشاهِد.

تلبيس الحق بالباطل

‏هذا السحر ‏يجعل الـمُشاهِد يعيش في الماضي السحيق كما يعيش في المستقبل البعيد، كما أنه يعيش في عوالم أخرى خيالية لا وجود لها، ‏ومن هذا السحر ما يعيد صورة الموتى إلى الحياة، ‏ويقرب البعيد ويبعد القريب. ‏ومنه ما يجعل صاحب الحق ظالمًا إذا طالب بحقه، ويجعل الظالم مسكيناً تحزن لحاله وتأسى عليه، و‏يجعل الضحية مذنباً والجاني محقاً مبرراً فعله. ويجعل الآمر بالمعروف متدخلاً في شؤون الآخرين، والناهي عن المنكر متعدياً. ويجعل القبيح جميلاً والجميل قبيحاً.

هذا السحر يستطيع أن يجعل الحرام مرغوباً والحلال ممقوتاً، ‏فيظهر للمُشاهِد أن الحرام منتشر وشائع في المجتمع ‏فلِما لا يفعله هو أيضاً، فيفعل الحرام ظناً منه أنه منتشر أصلاً، فيكون جميع المشاهدين هم أول من قام به وساهموا جميعاً في نشره.

لقد التبس الحق بالباطل والعلم بالجهل والحقيقة بالخيال حتى أصبح من الصعب الفصل والتمييز بينهما، حيث تُستخدَم أعقد تقنيات الإنتاج السينمائي لإثبات نظريات وتحقيق فرضيات معيّنة، فيظنها الـمُشاهِد بأنها حقائق ومسَلَّمات علمية.

كما أن هذه المنظومة تظهر الخمور والمخدرات على أنها ترويح عن النفس وراحة للقلوب، ولا يظهر لأحد الآثار السلبية على نفس الفرد وأهله ومجتمعه لتناول هذه المواد وتعاطيها، وتظهر الزنا والبغاء والفحش على أنها مغامرات حب وتسلية اعتادها الشباب لدفع الملل أو لإيجاد الشريك المناسب، وتظهر الإباحية على أنها متعة ونشوة وسمو، ويبالغ في عرض جوانب الإحساس والمشاعر بشكل أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع، وربما أُلحِق بذلك ممارسات شاذة لتهييج المشاعر والشهوات ودفع المشاهد البريء إلى فعل الحرام ظناً منه بأنه يحصّل ما عُرِض في الشاشات، وأنّى له ذلك، إلا أنه لا ريب يضيع بعد ذلك، فيبقى في دوامة البحث عن تحصيل المزيد من المتعة، ولا يظهر لأحد الآلام النفسية والجسدية والمجتمعية لفعل هذه المحرمات، إضافةً إلى استحقار الذات والغير وتدمير إنسانية الانسان.

ظلال السحر المعاصر

إن كان الغرض من المشاهدة التسليةَ وتمضية الأوقات، فعلينا أن نوقن بأن الغرض من الإنتاج الربح المادي وتشكيل المجتمع والأفكار والاعتقاد وهندسة الآراء ووعي الجماهير، فقد خفي عن أذهان كثير من الناس أن السحرة المعاصرين –أي منتجو الأفلام وأعوانهم- قد درسوا بشكل دقيق كل ما يجذب النفس البشرية ويثيرها ويستهويها، وتعمقوا في فهم ما يحزنها ويخيفها و يهزها، ومن هنا فإننا لا نرى أي عمل سينمائي أو إعلان لمنتج أو غيره إلا و قد تم تمحيصه ومعالجته حتى يدفع بالـمُشاهد إلى شرائه وبذل ما لديه من مال وربما دفع ما ليس لديه من أجل اقتنائه أو امتلاكه.

ينصبّ جهد هؤلاء على اصطياد الـمُشاهِد وجعله طامحًا طامعًا بتحصيل المرغوب من المنتجات أو الخوف من تفويته أو الخوف من حصول المكروه بعدم الحصول عليه. فإعلانات الأطعمة مثلاً، تظهر بشكل شهي للغاية في الصور المعروضة، إلا أنك حين تحصل عليها تراها رديئة في كثير من الأحيان. وقل مثل ذلك عن الألبسة التي تظهر جميلة على العارض أو العارضة فإذا ما ارتديتها ظهرت بمنظر غير جذاب.

يريد صيّادو المستهلكين تثوير الإغراء باستمرار، فالسمة العامة هي التعاسة وعدم الرضا عن الذات أو الغير أو الحياة ككل، وإن السبيل إلى السعادة –كما يروجون- هو بأخذ المزيد من الشهوات والمنتجات، وغاب عن الكثير بأن ذلك مستنقع ووحل كلما أوغلت فيه أكثر ، غصت فيه أكثر و صعبت النجاة، إلا لمن رحم الله.

إن أمر الله غالب، إذ قال سبحانه }إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى{ ]طه: ٦٩[ وقال }ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين{ ]يونس: ٨١[، ولذلك علينا اتباع أمر الله لموسى عليه السلام لنبطل مفعول هذا السحر }قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى{ ]طه: ٦٨[، ويتحقق ذلك أولاً بإدراك هذا السحر و تأثيره في حياتنا، ثم العمل على إحقاق الحق في وجه، فاليقين بأن الحق فقط هو ما يدمغ الباطل، وليس لنا من بد إلا باتباع الحق اتباعا تاماً وعزله عن هذا الباطل حتى يبطل مفعوله.

ختاماً، فإن هذه المقالة هي دعوة استنهاض لأصحاب الهمم العالية التي قد خملت، هي دعوة للتيقظ والنظر من حولنا إلى الحياة التي نعيشها في بيوتنا ومجتمعاتنا، هي دعوة لرؤية الحق حقاً والباطل باطلاً، هي دعوة لأن نكون مآذن من نور ونجوماً في السماء تضيء لهداية الناس إلى رب العالمين.

الإعلام والحرب على الفطرة!

هي الفطرة، نور يشترك فيه كل من خصّه الله بأن يكون خليفة على هذه الأرض، فمنهم مصلح ومنهم ظالم لنفسه مبين، تلك الفطرة التي صبغت طباع الناس وتصرفاتهم، وحملت المؤمن على إيثار كل ما يُحمد فعله من صدق وأمانة وحب الفضائل، وجعلته يمقت كل قبيح مذموم الاتصاف به من كذب وخيانة وجور وغش.

أنوار شعَّت

هي أنوار متجذرة في كل نفس، بل في كل مولود يجيء إلى دنيا البشر كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) [أخرجه الشيخان في صحيحيهما]، والفطرة هنا كما أشار جملة من المحدثين والمفسرين يقصَد بها الدين.

وبالرجوع إلى أصل كلمة الدين عند العرب، فإننا نجدها تشير إلى العلاقة بين طرفين يعظم أحدهما على الآخر؛ فإذا وصف بها الطرف الأول كانت خضوعًا وانقيادًا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرًا وسلطانًا! [الدين، نشأته، والحاجة إليه، أحمد عبد الرحيم السايح] وبالتالي يكون الرباط الجامع بينهما هو: الدستور المنظم لتلك العلاقة.

الدين كما يرى الأستاذ عبد الكريم خطيب هو: صلة شخصية روحية بين الإنسان والإله، وبين السيد وربه، بل إن كثيرًا من العلماء غير الإسلاميين -مثل سيسرون- يرون أن الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله، ويعرف شلاير ماخر الدين بأن “قوام حقيقته، شعورنا بالحاجة والتبعيّة المطلقة”، وهذا مهمٌّ للغاية، فطبيعة الإنسان فيها استعداد فطري لمعرفة الله، وهذه الفطرة مستأصلة في الإنسان و موجودة منذ الأزل في أعماق روحه.[د.سامي عفيفي، العلاقة بين العقيدة والأخلاق في الإسلام].

الوحي والفطرة

مهما نأى الإنسان عن منهج الله، فلن يتمكّن من تبديل فطرته -دون تدخّل خارجي- فالله جل وعلا أودع فيها الالتجاء إليه، فهي فطرة تجعله عاجزًا عن الوقوف وحيدًا في هذا العالم دون الاعتقاد بوجود قوة أو ذات أكبر منه، قائمة على أمره، مدبرة لتفاصيل حياته وشؤونه دقيقها وجليلها، حتى إن تظاهر بالقدرة على الصمود فالخلوة فاضحة كاشفة لأمره!

إنّ الفطرة السليمة –إذًا- هي التي  تقر بأن للإنسان والوجود كلّه خالقًا، وأنّ خالق هذه الفطرة جلّ وعلا هو مُنزِل الشريعة، فكلاهما من صنع الله، وكلاهما متناسق مع ناموس الوجود، موافق للآخر في طبيعته واتجاهه. بحيث تلقى النصوص القرآنية والتشريعات المتضمنة فيها صداها في وجدان البني آدم؛ إذ إنّ الشرع يخاطب فطرة الفرد.

لم يكِل الله تعالى الإنسان إلى فطرته وحدها للتعرف عليه وأداء واجبه تجاهه، لما قد يعتريها من ضعف وتقلّبات، ولما فيها من ميل لمتطلبات تلح على الإنسان لإشباعها بأي وسيلة كانت، ومن ثمّ فقد أرسل رسله تترا إلى البشرية مبشرين ومنذرين ليبلغوهم أوامر ربهم ونواهيه. فكان الوحي هو الحبل الموصول المتين من الباري جل وعلا الذي يوطن النفس على ما جاءت به الفطرة.

إذًا؛ فإن منظومة استجابة العبد لتعاليم ونظم الدين تتشكّل من عنصرين يؤدي الخلل في أحدهما إلى خلل بالضرورة في المنظومة برمتها؛ أولها: الفطرة، فالفطرة هنا يمكن تمثيلها بالمستقبل الحسي أو الوعاء المهيأ لاستقبال ما يملأه، أما الثانية، فالوحي الذي هو بمثابة السائل أو الزيت المناسب لحصول الاستجابة أو التفاعل –أي الإضاءة-.

وفي هذا السياق يقول د. أحمد عبد المنعم –في تصوير مرئي له– أن هذا من معاني قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]؛ فالمشكاة هنا هي الفطرة والزيت هو الوحي، فالنور الأول هو نور الفطرة، والنور الثاني هو الوحي.

وهذا يقودنا بالضرورة إلى القول بأن استنكار الشرع وعدم القدرة على استيعابه هو خلل طارئ في الفطرة وبالتالي خلل في منظومة الاستجابة ككل؛ وبالتالي فإن أي خلل في الفطرة يؤدي إلى خللٍ في القدرة على استيعاب الشريعة.

[هل تحسون فيها من جدعاء!]

إن الرجوع إلى حديث الفطرة في قوله عليه الصلاة والسلام (هل تحسون فيها من جدعاء)، يحيلنا إلى الإقرار بأن تمام سوية الفطرة مرتبطٌ بصلاح توجيهها واختيار الأرض المناسبة لتنمو شجرتها وتؤتي ثمرها الطيب؛ فالبهيمة الجمعاء هي نفسها بعد شق أذنها غَدَت جدعاء لما طرأ عليها من تغيير شوّه خِلْقتها.

والرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم هنا ربط بين عقيدة الطفل الذي يولد على الفطرة، وتغير خلقة البهيمة بتشويه أذنها، والأذن كما هو معلوم هي العضو المسؤول عن السمع الذي يشكِّل بابًا لمدخلات كثيرة تحدث في النفس البشرية من التبديلات بحسب ما فيها من صلاح أو غثاء، وأولى هذه المدخلات يبزغ بين أحضان اللبنة الأولى التي يعيش فيها الطفل ويترعرع داخلها ألا وهي الأسرة، أي منشأه –بصورة عامّة- بين أبويه، فإما أن يتمّ تثبيت ما جاءت به الفطرة السليمة، وإما أن يعاد تشكيل الخطأ والصواب، والحق والباطل عنده. إذ قد تصبح جملة من الرذائل أمرًا هيِّنًا مقبولًا ومحبوبًا، كالكذب والغش والبغي وغيرها من الصفات التي كانت قبل وقت قصير مذمومة! فنجد في المحصلة أنّ الفطرة منتكسة بعدما عاثت فيها أيادٍ بغير علم ولا هدى.

توجيهُ الإعلام: ترفيهٌ أم سمّ؟

جاء في الصحيح: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِقَ خَلْقًا لا يتمالك) [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، الرقم: 2611].

إنه إبليس، عدوّنا الأول على هذه الأرض، عدوٌّ قَطَع على نفسه وعدًا منذ بدء الخليقة بأن يجعلنا حطبًا لنار جهنم، بل إنه منذ إنشاء آدم وقبل نفخ الروح فيهكان مهمومًا بهذا المخلوق، وأشد فزعًا مِن الملائكة منه، فيمر عليه ويطوف به –كما في الحديث الصحيح آنف الذكر- فيختبر كينونته ويكتشف خصائصه، وكان يضربهُ فيصوِّتُ الجسد كما يصوت الفخَّار، يكون له صلصلة، -بحسب ما ورد في قصص الأنبياء لابن كثير-  فلما رآه أجوفَ، قال للملائكة: (لا ترهَبوا من هذا؛ فإن ربَّكم صَمَدٌ، وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطتُ عليه لأهلكنَّه)، أي أن إبليس أضمر -منذ البداية- عدم القبول بأي أمر يكون فيه رفعة لمنزلة هذا المخلوق الجديد، وهو ما حصل بعد أن أبى السجود لآدم استكبارًا وعلوًّا في نفسه.

فأخذ يطيف به

إنها إشارة لنفي العشوائية في طُرق إبليس للتضليل، فهو يقوم بدراسة عدوه دراسةً تمكّنه من الإحاطة بمواطن الضعف، ليسهل عليه اختراقها أو منع وحجب موارد ومصادر قوته المتمثل في الوحي، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [البقرة: 123].

لقد اختلفت طرق إبليس وتعددت وسائله في إضلال بني آدم، إلا أن همّه الأوحد هو سَلْب هذا الوحي منهم، وهو الأمر الذي وعد الله بعدم تحققه، كما في قوله عز وجلّ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. [البروج: 21-22].

فكيف السبيل إذن لبلوغ الهدف؟

لنعد قليلًا إلى منظومة الاستجابة -الفطرة والوحي- التي أتينا على ذكرها، لنحاول ربطها بما تقدم ذكره من شق آذان البهيمة!

وأحسب أن الصورة باتت واضحة الآن، فالشيطان وجنده إذا ما عبثوا بأحد عنصري هذه المنظومة تمكّنوا من بلوغ ما يصبون إليه، فيكون الإعلام الفاسد على هذا النحو هو أنجع سبيل، بل هو أقصر السبل للإضلال ومسخ الفِطرة وتنفيذ خطة إبليس!

وبالرغم من موجات التطاول على النصوص القرآنية التي نشهدها حاليًّا، ومحاولات ليّ عنق الآيات بما يتناسب مع الأفكار الوافدة والدخيلة، إلا أنها تبقى طريق شاقة لا يسلكها إلا كل ذي عزم وهمة عالية في تطويع الوحي الصريح. والأيسر على هذا النحو إذًا يكون بتخريب المستقبلات الفطرية وتشويهها، بحيث يغدو المآل هو رفض هذا الإنسان-المشوّه الفطرة- نفسه للشرع وما جاء به!

وهو الدور الذي لم يألُ الإعلام جهدًا للوصول إليه، فتفريغ النفس من الفضيلة يجعلها تبحث عن الإشباع بشتى الطرق لسد حاجتها وجوعها، فتغدو الأنفس كأيادٍ ممدودة تنتظر من يشدُّ عليها ويملأها برغائبها. وهنا يأتي لها الإعلام بالغذاء الفاسد من كل حدب وصوب فيعيد تشكيل قيمها ومبادئها، وما هي إلا شيئًا فشيئًا حتى يحصل التطبيع مع شاذ الأعمال والصفات التي لا تقبلها الفطر السليمة، مقابل استنكار تعاليم الشرع الذي جاء به الوحي!

هي حرب بدت بوادرها حتى في أول لحظة من بعثة النبي، إذا سلك كفار قريش ومشركوها-الإعلام- ذات السبل، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26].

نتفليكس نموذجًا للانحلال الفطري والعقدي

شبكة نتفليكس، التي تسوق لمنتجاتها في قالب “المحتوى الترفيهي!” في مسلسل لها لقي حظوة وشهرة كبيرة في أوساط الشباب خاصة، أي  Dark، حيث عملت على استغلاله لطمس فطرة المشاهد  وجعله ينسلخ شيئًا فشيئًا عن قيمه ومعتقداته، وبالتالي الانسلاخ عن هويته، حيث” استغلت فكرة السفر عبر الزمن لتظهر أن شذوذ النساء –أي السحاق- منتشر في المجتمع منذ خمسينات القرن الماضي، وتظهر على سبيل المثال بطلي المسلسل يبكيان لأنها لن يستطيعا الاستمرار سوية، بعد اكتشاف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حول منهما ولا قوة، فلن تملك إلا التعاطف معهما ومَقتِ ما أدى لانهيار حبهما.” [من مقال: مسلسل DARK.. “هكذا خُلق العالم”!، هادي صلاحات].

أرأيتَ شدة هذه العبارة، “ومقت ما أدى لانهيار حبهما”! فههنا مربط الفرس، فأنت أيها المشاهد تحت سطوة العاطفة، والفراغ العقدي، وبالتالي فإنك ستمقت أي تشريع يفضي لنهاية تعيسة حزينة من هذا القبيل، وبالتالي مقت التشريعات الإلهية، ورفضها عن طيب خاطر منك!

فلو جئت اليوم بذات الشاب-بعد مسخ فطرته- الذي استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنا، وخاطبت فطرته كما فعل عليه الصلاة والسلام بأن تقول له: (أترضاه لأمك)؛ لردّ قائلًا: وأين العيب والعلة في ذلك، فالكلُّ حر فيما يفعل!.

وأنصح بمشاهدة هذا الفيديو الذي يوضح بشكل تفصيلي مدى خبث شبكة نتفليكس وإظهارها بمظهر البراءة، وهو من إعداد وتقديم الأستاذ أحمد دعدوش:

هذا وأختم قولي بما قاله ابن القيم رحمه الله: “أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرَس فيها، فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مرّ”! [الفوائد، ابن القيم، ص:50]