image_print

كيف نواجه موجة الإلحاد الجديد؟

عرابي عبد الحي عرابي


قد يكون هذا العنوان أحد أقصر الأسئلة المتعلقة بقضية الإلحاد وأوسعها!

تدور حول قضية الإلحاد عشرات الحوارات والمناظرات والمؤتمرات، وتعلن كثير من الشخصيات العلمية الشهيرة السير في فلكها، مما يشير إلى محورية البحث في هذه القضية والحديث عنها، وبطبيعة الحال فإن النقاشات العلمية عن الإيمان والإلحاد لا تنبني على أساس الشبهات والردود، بل إن هذه القضايا في ذاتها معضلات عميقة ذات جذور ضاربة في تاريخ الإنسانية، وبالمقابل فثمة من يميل إلى عدِّها قضايا مجردة لا ترتبط بالبحث العلمي بل هي اختيارات إنسانية عميقة([1]).

وعلى الرغم من الإقرار بكونها قضايا وجودية تتعلق البشرية بها، إلا أن نفي الدليل العلمي على إثباتها ترحيل قسري نحو المجهول الفكري، فنفي دليل وجود الله مثل نفي أزلية المادة والتطور، فَلِمَ نُرجّح صحة اعتناق أحد الجانبين ونخطِّئ نقيضه!

أي إلحاد نقصد؟
ثمة أنواع عدَّة للإلحاد:

1- الإلحاد الوثوقي (القطعي): و هو الذي يعتقد صاحبه بعدم وجود الخالق، وبالتالي يتنكَّر لكل الأديان والنبوات.

2- الإلحاد المُتَرَدِّد، (الـلاأدري): ولا يعتقد صاحبه الإيمان بالخالق أو إنكاره، ويحتجُّ لذلك بعدم كفاية الأدلة في أيٍّ من الرأيين، فهو (متوقِّف) ههنا لا يميل.

3- الإلحاد المَرِن، (الربوبية): وهو الإيمان بوجود ربٍّ لا مُتصرّف، فلا ينكر صاحبه وجود خالق للكون إلا أنه ينكر صلته بهذا الكون، فالخالق بذلك “خلق العالم ثم تركه”، وبالتالي فهو منكر للدين الإلهي والنبوات.

يدور الجواب هنا عن مواجهة (الإلحاد الجديد) الذي يتزعمه تيَّار من العلماء الغربيين، كما هو الحال مع خطاب عدد من كبار الكُتَّاب المُلحدين.

حيث يمكن التأريخ لهذه الظاهرة مع بدايات القرن الجديد، إثر هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2002، والتي ابتدأت مع سلسلة من الكتب لعل من أهمها كتاب سام هاريس (نهاية الإيمان: الدين والإرهاب ومستقبل العقل) ويذكَر أنه حظي بمبيعات مليونية وظل في قائمة الكتب الأفضل مبيعًا مدة 9 أشهر تقريبًا -بحسب تصنيف النيويورك تايمز-، وقد أعقبه صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري (مانفستو الإلحاد)، ليظهر في عام 2006 أشهر كُتُبِ كَهَنَةِ الإلحاد الجديد، أي ما سمّاه ريتشارد داوكنز بـ (وهم الإله) الذي بيعت منه ملايين النسخ، ثم لحقه كتاب (الله، الفرضية الفاشلة) للفيزيائي فيكتور ستنجر،  إضافةً لكتاب الفيزيائِيَّيْن الشهيرين ستيفن هوكينج وليوناردو ملودينوو (التصميم العظيم، إجابات جديدة عن أسئلة الكون الكبرى) الصادر في عام 2010([2]).

أبرز مزايا “الإلحاد الجديد”
1- النزعة العدائية: وهي السمة الأبرز التي ينتهجها كهنة الإلحاد الجديد تجاه الدين، فلا يمكن القبول بوجوده، بل ثمة ضرورة ملحة لمواجهته ونقده وتفنيده أينما ظهر، “فقد ذهبت أيام الإلحاد المؤدب” ، ولذلك فقد غدت السخرية من الأديان ووصفها بكل مقيت أمرًا طبيعيًّا، بل إن الساحة العلمية باتت مسرحًا لمهاجمة العلماء الذين يقرون بوجود خالق للكون، فقد وصف الملحد (بي زي مايرز) العالمَ فرانسيس كولنز رئيس مشروع الكشف عن الجينوم البشري، بأنه: “مهرِّج، يؤمن بفكرة الخلق، وأنه ضد النظريات العلمية، وأن طريقة تفكيره في العلم كالقمامة”.

داوكنز
(David Shankbone)

2- الدعم المالي الواسع والانتشار الإعلامي: لم تعد دعاوى الإلحاد مقتصرة على خطاب القلم، فقد أضحى الانتشار الإعلامي أحد أهم سمات الإلحاد الجديد وذلك بانتقاله من ساحة الخطاب الفكري إلى النهج التبشيري أو الدعوي، ولا أدل على ذلك من إنشاء المؤسسات المؤثرة مثل مؤسسة ريتشارد داوكنز لدعم العقل والعلم والتي أسسها في عام 2006، ومشروع “عقل” الذي أسسه سام هاريس وزوجته في 2007، وذلك لتكون –بتعصب واضح- منبرًا داعيًا له، إضافة لطبع مئات الكتب -المنكرة للأديان والخالق- التي بيعت منها ملايين النسخ، إضافة لتخصيص كتب تبشيرية إلحادية موجَّهة للأطفال، والدعوات العامة للتطبيع مع الإلحاد وإنكار الأديان سواء بدعوة الملحدين إلى الاستعلان أو نشر الإعلانات الصريحة أو عبر تمرير الأفكار الإلحادية في أعمال فنية ذات شهرة واسعة([3]).

3- الاطمئنان للاختيار الإلحادي: “إن كان للإلحاد الجديد من ملمح معنوي يقيم صلب سائر الملامح الأخرى فهو ملمح الثقة، أو “الاطمئنان” حيث يبدي الملحد الجديد ثقة تامة بقراره في الإلحاد، وفي مسؤوليته تجاه الرسالة التي يحملها للعالم، فالإلحاد هو الخيار الذي لا يسع عاقلاً أن يتجاهله”([4]).

ما السبيل إذن لمواجهة الإلحاد الجديد؟
إن تسطيح القضية الإلحادية حجر عثرة في فهم الإلحاد ونقده، فاختزال أسباب الإلحاد وظهوره إلى جزئيات تفصيلية –مثل ردّه إلى كون الملحدين طلاب شهرة أو أنهم مرضى نفسيون- ليس سبيلاً قويمًا أو سلوكًا موضوعيًّا، وقد يرتد هذا على الإيمان المتردِّد بالسوء وزيادة الشك، فكم تجد من الشباب المتحمس أو الأئمة والخطباء أو غيرهم يتّكئ في نقد الإلحاد على كلمات عاطفية لا ترقى لدرجة النقد المتّزن ويعتمد على معلومات مغلوطة خالية عن التمحيص والتثبُّت، فحين يقال: إن الملحدين وحدهم من يتمسك بنظرية التطور وإن العلم نقض نظرية التطور ونفض يديه منها، فاعلم أن المتحدث إما مخادعٌ لمن يخاطبُ، أو أنه حاطب بليلٍ لا يميز بين صحة ما يسمع وما هو عليه الحال.

“والحق أن هذه النظرية شديدة الحضور والسطوة في المجتمعات الغربية –العلمية وغيرها- بل هي النظرية المقبولة في أغلب الدوائر الأكاديمية هناك، وقوائم المؤمنين بها من الأكاديميين طويلة جدًّا مقارنة بغيرها من النظريات”.

لقد سمَّى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري الحداثة الغربية بالحداثة الداروينية؛ نظرًا لتحكم القضية المادية والإيمان بتبعات هذا التطور على مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغربية([5]).

الإيمان أكثر عقلانية من الإلحاد
إن التركيز على كون الإيمان بالخالق ذا مصداقية منطقية وعقلية مقارنة مع الإلحاد، يعد بالنسبة لي فاتحة للتعامل معه؛ فيمكن البدء بهذه النقطة (ذاتيًّا وإعلاميًّا ودعويًّا ومجتمعيًّا… إلخ)، فالحجج الأبرز للإلحاد تدور حول (عدم عقلانية الدين) أو (عدم عقلانية الإيمان بالخالق)، فما البديل الذي يقدمه الإلحاد في الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل: (ما مصدر وجود العالم)، (ما مصدر وجود البشر)، (كيف ظهرت الحياة)، (ما هي القيم) (كيف ينبغي التعامل مع الآخر)؟

لقد فسّر الإلحاد (القديم) و(الجديد) هذه القضايا بناءً على (مادِّيَّة الكون) مع وصف هذه المادية بأنها ذاتية.

وبناءً على هذا، فقد ظهر الكون تلقائيًّا، بلا صنع صانع له، وكذلك ظهرت الحياة ذاتيًّا من المادة الطبيعية عبر تطورها المستمر، ولا حاجة لفهم شيء اسمه روح أو عالم آخر غير العالم المادي الذي نعيشه، وبالمختصر: لا إله ولا حاجة للإيمان بأي من مقولات الأديان([6]).

ستيفن هوكنغ

وبما أن المنطلق الأساس لمقولات الإلحاد قائم على أساس المادة الناشئة تلقائيًّا، أو (الخلق الذاتي) كما يقول ستيفن هوكنغ في كتابه: (التصميم العظيم)([7]) أو بمنطق الصدفة بناء على فرضية الأكوان المتعددة التي يميل إليها ريتشارد داوكنز([8])، ولا يخفى أن الإيمان بمنطق الصدفة في استحقاق وجود كوننا من بين مئات مليارات الأكوان، وتخصيص الأرض ليمكن استنبات الحياة فيها من بين مئات مليارات الكواكب والنجوم في هذا الكون، فرضية لا يمكن منحها أي نسبة يقين صادقة عقلًا، ويمكن الاستشهاد ببرهنة (القرد اللامتناهية) التي أجرتها جامعة بليموث البريطانية عام 2003 لحساب الاحتمالية الرياضية والتي تنصُّ على أننا لو تركنا قردًا لعدد لا متناهٍ من السنين  يضرب على آلات الطباعة فهل سيتمكن من إنتاج نص أدبي كقصيدة مثلاً، فكان الناتج أن ستة قرود اخُتبروا لمدة شهر فلم يكتبوا كلمةً واحدةً ذات معنى([9])، فَقِسْ على ذلك نسبة احتمال قُدرةِ الصدفة على خلق إنسان واحد، فما بالك بخلق حياة موّارة في الأرض بل خلق كون كامل، إن هذاسخفٌ لا يستحق التأثُّر به بعد التفَكُّر فيه.

الواجب الفردي
ليس من الممكن أن نلتمس من جميع الناس البحث في أدلة الاعتقاد التي ترد على الإلحاد، إلا أن الأقل المتاح الذي نستطيع طلبه من عموم الأفراد أن يفعل كل واحدٍ منهم ما بوسعِه، فلعلَّ موقفًا أو حجةً أو دليلاً يُذكرُ أمام إنسان واعٍ لها قد تُغيّرُ تفكيره تجاه الإلحاد ومفرزاته، ولعل هذا الواجب الفردي على المسلم يرتكز على نقاط كثيرة؛ منها:

1- تثقيف الفكر بقراءة الكتب العلمية التي تناقش الإلحاد ومستنداته، والاطلاع على المناقشات التي يقوم بها الدعاة الدينيون (مسلمون وغيرهم) والعلماء الغربيون الأكاديميون مع الملحدين، والاستفادة من الحجج التي يقدمونها في نقد أسس الإلحاد.

2- الحذر من (التفاعل المعرفي الخاوي) فأسس الإلحاد وظروف التحوُّل إليه تختلف بحسب الشبهات التي تثار والشكوك التي تبحَث، خاصة وأن الأسئلة التي يقدمها الملحدون تصدر عن مقولات علمية تجريبية في الظاهر، مما يدفعنا للتعمق في فلسفة إنتاج العملية المعرفية وسبل الاستدلال بها.

3- التحصين الأسري للأفراد بالعلم والأدلة المنطقية والمناقشات المناسبة لعقول الأطفال والكبار وتفهيمهم الأسباب التي تدفع الإعلام والأفراد لنشر الإلحاد.

4- التأسيس الصحيح لرؤى الأفراد عَقَدِيًّا مع الحث على البحث فيها، فإن الثقة العمياء بالمكتسبات التقليدية ستدفعهم يومًا إلى الانفتاح على أي فكرة مخالفة حال نقض الطرف الآخر لها، والمشكلة الحقيقية أن حالة الثقة هذه ليست ناشئة عن معطًى ح��يقي وإنما هي حالة تقليدٍ عاطفية قابلة للانهيار مع التماسِّ الأوَّل مع الإشكالات المقابلة.

الواجب المؤسساتي
إذا كان العمل الفردي كافيًا بنسبة ما للأفراد المتفرقين، فإن هذا يوجب وجود العمل المؤسساتي لـ (عموم الأمة) في إنتاج المعرفة (الإيمانية) اليقينية والدفع عنها الشبهات التي تعترضها من قبل (الآخر) أيًّا كان منهجه، فما الذي يجب أن تقوم به هذه المؤسسات في حال وجودها؟ سنوجز الإجابة بما يلي:

1- تجديد لغة الاستدلال الديني وأسلوبه ومرتكزاته: فإن كان التفكر المحض في الماضي دافعًا للإيمان في حق كثيرين، إلا أنه الآن قد لا يفي، فلا بد من التحول من الاتكاء على مقولات (علم الكلام) الجوهرية، إلى إنتاج خطاب (برهاني) يعتمد على منتجاتنا العلمية ومنتجات مؤسسات العلم الأكاديمية أيًّا كانت توجهاتها الإيديولوجية؛ بل لا بد –في حال شُكِّلت مثل هذه المؤسسات- من الانتقال من التلقِّي المعرفي إلى الإنتاج، لئلا نكتفي بكوننا مستَقَرًّا للمنتَج أو مستخدمين له لا غير لدعم رؤيتنا في نقد ما نراه داعيًا للإلحاد([10]). ولا نغفل في هذا السياق عن التذكير بضرورة القراءة الفلسفية المعاصرة وفهم سياقات الاستدلال الإلحادي والإيماني، للخلوص إلى أسلوب الفريقين وإمكان التعامل معهما بكفاءة، فمن أبرز الوجوه الغربية التي تواجه الموجة الإلحادية الجديدة (بناء على التعاطي الفلسفي) الفيلسوف وليام لان كريغ -أستاذ الفلسفة في كلية تالبوت اللاهوتية وجامعة هيوستن-  والحائز على الدكتوراة في فلسفة الدين من جامعة برمنغهام عن دراسته للبرهان الكوني (الكوزمولوجي) على وجود الله عند المتكلمين المسلمين الكندي والغزالي والمتكلم اليهودي العربي الفيومي- عبر “البرهان الكوزمولوجي الكلامي” حيث طوّر البرهان الوجودي (الكوني، أو الكوزمولوجي) على وجود الله بدعم المنطق الحديث؛ بناء على دراساته الموسَّعة لعلم الكلام الإسلامي([11]).

2- الانتقال من حال الرد إلى النقد: فليست قضية الإيمان بالخالق أمراً هامشيًّا وإنما هي أساس التعاطي مع الوجود كله، والتوقف عند الرد معضلة توحي بالانهزام والفراغ العلمي؛ إذ إن “التيار الإلحادي تيار هدمي؛ يسعى أفراده إلى هدم التصورات الدينية دون أن يقدموا فلسفتهم الخاصة للوجود، ومتى ما سعوا في ذلك فمن السهل ملاحظة حالة التعجل والسطحية والحيدة عن مواضع الإشكال، وهو ما يكشف عن مشكلات كثيرة تعصف بهذا الخطاب”([12]).

إن النسق الإلحادي عمومًا يوقع نفسه في العديد من المآزق العقلية التي لا ينبغي المرور عليها دون التوقف عندها وتناولها تشريحيًّا والتشهير بها، كمسألة القيمة الأخلاقية، والإرادة الإنسانية الحرة، والموقف من أساس وجود الكون ذاتيًّا بالصدفة، وقضية الوعي والإدراك، ومعضلات تناقضات نظرية التطور([13]).

في الختام لا بد من الإشارة إلى بعض الحالات الفردية والمؤسسات ذاتية التمويل (غير الربحية) التي أسهمت في الرد على الإلحاد الجديد بالمنطوق العربي أو بالترجمة إليه، ولعل أشهرها محاضرات د. عدنان إبراهيم، ومن أشهرها سلسلة “مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد”. فعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى عدنان إبراهيم إلا أنه من المتابعين الجيدين لتطور الإلحاد في الساحة الغربية،إضافة لمحاولات طبيب الجراحة المصري د. عمرو شريف، في كتبه، مثل: خرافة الإلحاد، الإلحاد مشكلة نفسية، رحلة عقل، كيف بدأ الخلق.

أما في جهة المؤسسات فقد ظهرت بعضها –قريبًا- على نطاق ضيق، ومنها تجربة مركز (براهين)، ومركز (دلائل)، ومركز (تكوين)، ومركز (الفتح) للبحوث والدراسات، حيث اعتمدت ترجمة الكتب العلمية الغربية التي تنقد الإلحاد إلى اللغة العربية مع نشر الكتب العربية ذات المحتوى الرصين في الحقل ذاته، مع العمل على نشر دوريات إلكترونية في كل ما يرتبط بموضوعات الإلحاد، إضافة لقنوات فعّالة على يوتيوب تتوزع أعمالها بين الترجمة والإنتاج.


الهوامش

([1] )  ينظر مقال همام يحيى على مدونات الجزيرة: محاربة الإلحاد، المشروع الفاشل، http://blogs.aljazeera.net/blogs/2016/10/31/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%84 ، وينظر أيضًا سلسلة أحمد خيري العمري حيث يرى أن لا دليل علمي على وجود الله في سلسلته (أنتي إلحاد) الحلقة الثانية youtube.com/watch?v=7X7yvc0gBdk.

([2] )  عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الإلحاد، مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين، السعودية، ط2، 2014. ص 19- 28. وللتوسع في التعرف على متزعمي حركة الإلحاد الجديد ينظر هذا التقرير المترجم (3 أجزاء): https://www.sasapost.com/atheism6/ https://www.sasapost.com/atheism7/ https://www.sasapost.com/atheism8/

([3] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 29- 42.

([4] ) عبد الله بن سعيد الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء، بيروت، ط1، 2014، ص 16- 17.

([5] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 120- 121. وينظر مقال المفكر عبد الوهاب المسيري: حداثة داروينية أم حداثة إنسانية، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2009/10/10/%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

([6] ) عمرو شريف، رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط4، 2011، ص 21.

([7] ) ينظر ستيفن هوكنغ، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عيّاد، دار التنوير، بيروت، ط1، 2013. ص 215- 217، وينظر رد البروفيسور جون لينكس على ستيفن هوكينج: https://www.youtube.com/watch?v=LALhUZiZg5s

([8] ) ينظر مقال الغارديان الذي يذكر هذه المقولة التي ذكرها ريتشارد في حوار له مع ستيفن واينبرج: Richard Dawkins, told the eminent biologist: “If you discovered a really impressive fine-tuning … I think you’d really be left with only two explanations: a benevolent designer or a multiverse.”، https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2008/dec/08/religion-philosophy-cosmology-multiverse وينظر  بعض مقاطع يوتيوب ومحاضراته مترجمة عن الإنكليزية إلى العربية: https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI ، https://www.youtube.com/watch?v=H0A320svRB4

https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI]

([9] ) ينظر [ميليشيا الإلحاد: 134، 135] ومقالة أفردته قناة (بي بي سي) عن تجربة جامعة بليموث البريطانية: http://news.bbc.co.uk/2/hi/3013959.stm ، ومقالة على موقع “الباحثون السوريون” عن مبرهنة القرد اللامتناهية: http://www.syr-res.com/article/1605.html

([10] ) ينظر: مقال همّام يحيى محاربة الإلحاد.. وتنويهه على وجوب تمتع هذه المؤسسات برأس مال حر ورسالة أكاديمية تسمح بتعدد الآراء.

([11] ) ينظر محاضراته المترجمة في يوتيوب عن تطويره لهذا الدليل وكيفية استخدامه في الرد على الإلحاد: https://www.youtube.com/watch?v=bMxhl5F7QII، وهنا حوار عن هذا الدليل: https://www.youtube.com/watch?v=ZN3cBItb2S0.

([12] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد:148.

([13] ) للتوسع في هذه القضايا ينظر ميليشيا الإلحاد: 148- 175، وخرافة الإلحاد: 278- 314.

رواية الدم الحكيم.. عرض بقلم المترجم وجولة في صراع الإيمان والإلحاد

عبد المنعم العبيد


رواية الدم الحكيم للكاتبة الأمريكية فلانيري أوكونر (Flannery O’connor) نشرت عام 1952، وصنفتها صحيفة الجارديان ضمن قائمة أفضل 100 رواية في  القرن الماضي، وهي تتحدث عن معضلات الإيمان المسيحي وجدلية الإلحاد. وترجمها كاتب هذا المقال لتنشر نسختها العربية عام 2016 من قبل “عالم الأدب للترجمة والنشر”.

وصفت الكاتبة هذ الرواية بأنها كتبت بأسلوب “الكوميديا السوداء”، وقد يكون هذا شيئا لا يتفق معه بعض القراء إلا أنه من المهم أن يضع القارئ هذا الأمر في ذهنه قبل أن يباشر بالقراءة، لأن القصة لا يمكن أن تصدق على أنها رواية واقعية. فهي لا تصل إلى حد الخيال ولكن أحداثها صعبة التصديق. هذا يدل على مدى مهارة الكاتبة التي صاغت القصة بأسلوب ينسي القارئ هذه الحقيقة.

تدور أحداث القصة حول (هايزل موتس) وهو جندي عاد لتوه من الحرب وتغيرت معاني الإيمان بقلبه وأصبح ناقما على الدين. من خلال أحداث القصة يتعرف البطل على مجموعة من الشخصيات تمثل شرائح مختلفة من الناس، لكل واحد منهم تجربته الخاصه ومفهومه الخاص عن الإيمان والدين.

يتميز بطل القصة بأنه شخص صادق مع نفسه وليس شخصا على استعداد لنفاق المجتمع والانسياق معه، حيث أن مفهومه عن الدين هو مفهوم مطلق، ومن هنا تتضح الصورة التي أرادت الكاتبة أن ترسمها وهي حتمية اصطدام معتقد البطل المطلق بالواقع الذي يجب أن يعيشه المرء إذا لم يكن راهبا في صومعته.

وهذا الصراع يظهر واضحا منذ بداية القصة، فالبطل ليس على استعداد لأن يجعل قضية الإيمان بالمسيح أمرا هامشيا في حياته كبقية الناس، بل هدفه الرئيسي يتمحور حول الوصول إلى الحقيقة، والتي يحاول الوصول إليها بطرق غريبة وأحيانا مجنونة، ولديه اهتمام يكاد يصل لحد الهوس بالكتاب المقدس والمسيح.

ويعرض الكتاب أيضا لمحات من طفولة البطل وعلاقته مع أفراد عائلته، وتحديدا جده الذي كان يعمل مبشرا ويتضح أنه كان صاحب التأثير الأكبر في شخصيته.

من خلال تجول البطل عبر أرجاء القصة يتضح لنا كيف تعاملت كل شخصية مع معنى الإيمان في ضوء الواقع. فهناك الشخصية اللامبالية بالدين من الأساس، وهناك من اتخذ الدين بابا للرزق، وهناك من يعاني من حقيقة أن الدين المسيحي بحرفيته لا يطابق المنطق أو العقل في كثير من الأحيان، وهناك من عانى تجربة سيئة من شخص متدين كان مسؤولا عن تربيته. من خلال تجارب هؤلاء الشخصيات التي تقابل بطل القصة، يتمكن القارئ من فهم وجهات النظر المختلفة والأسباب التي أدت إلى تبني الشخص لوجهة النظر تلك. فالقارئ يرى كل شيء من خلال “عيني” البطل.

تتعامل الرواية مع الإيمان على أنه شيء حتمي في نفوسنا نحن البشر وعلى أنه أمر لا بد منه، حيث أن انعدام الإيمان هو إيمان بحد ذاته، بل هو مجرد نوع من التمرد الغاضب الذي إن دل على شيء فهو يدل على الإيمان نفسه. حيث أنه من لا يؤمن بالله فليس من المنطق أن يكون غاضبا منه ومتمردا عليه (والعياذ بالله). بل إن الرواية تصور الإيمان على أنه شيء لا مهرب منه وأنه شيء يلاحق البطل ولا يستطيع الإفلات منه. ومن هنا تطرح الكاتبة معضلة البطل ومشكلته مع الإيمان وهي معضلة الاحساس بالذنب والرغبة في التكفير عن الذنوب، وكيف أن هذا الموضوع هو أمر يتحكم بتصرفات الناس أحيانا دون أن يشعروا. فالرغبة في التكفير عن الذنوب قد تتحول إلى تصرفات لا يستطيع الناس تبريرها أو حتى مصارحة أنفسهم بها ولكنها ببساطة تشعرهم بالقليل من راحة البال.

“مال نحوها وهو يحدق بها: أنا أؤمن بيسوع جديد، يسوع لا يستطيع إهدار دمه ليتوب على الناس؛ لأنه مجرد إنسان لا ألوهية له. كنيستي هي كنيسة اللايسوع!”

يبدو لي أن هدف الكاتبة هو نقض التزمت والتعصب للرأي الديني. فبعض الناس يرى تفسيره وفهمه للدين هو الفهم السليم. ويظهر اختلاف مفهوم الإيمان من خلال طرح تعريفاته المختلفة عبر شخصيات القصة. ومن الدلالات الرمزية المرتبطة بهذه النقطة والتي تستوجب الوقوف عندها هي العيون ودلالة الإبصار والعمى لدى الشخصيات. فالبطل يلتقي قسيسا يدعي أنه أصاب نفسه بالعمى دلالة على إيمانه المطلق ويتضح فيما بعد أنه كذاب وأنه يستطيع الرؤية. وفي النهاية ينتهي الأمر بالبطل إلى أن يصيب نفسه فعلا بالعمى.

في رأيي تطرح الرواية الكثير من المشكلات المنطقية فيما يخص الدين المسيحي. فانعدام الصلة المباشرة بين الناس والوحي أدى إلى وجود قائمين على الإيمان وعلى تفسير الإنجيل، وأدى ذلك إلى أن الناس على اختلاف طبائعها واستيعابها اصبحت تتلقى الدين عبر طريق واحد، وأدى ذلك إلى ردات فعل مختلفة. فأصبح البعض لا يبالي بهذا الدين لعدم موافقتهم على تصرفات هؤلاء القائمين عليه. وقد نرى ذلك في مجتمعاتنا العربية من خلال تصرفات بعض زعماء المذاهب الفكرية والعقائدية، فتوفر مصادر المعرفة والرأي عبر الانترنت أدى ببعض الشباب المنتسبين إلى تلك الطوائف إلى ردة فعل عنيفة قادت بعضهم إلى الخروج من الملة نهائيا.

ناقشت الرواية أيضا أمرا مهما نرى تبعاته اليوم في مجتمعاتنا العربية وهو فكرة تمييع الدين والاجتزاء منه، فالنظرة العامة عند الغرب أن الروحانيات والدين أمر جميل ولكن بحدود. فهو عندهم مثل الملح في الطعام الذي لا يجب أن يزيد عن حده ولا يجب أن يؤخذ حرفيا ولا يؤثر في قراراتنا أو تصرفاتنا إلا بقدر قليل. وهذا قد يكون تفسيرا منطقيا بسبب انعدام المنطق في كثير من تعاليم الكتاب المقدس الذي تم تحرييفه عبر القرون ولكنه رأي بدأ بالانتشار تحديدا بين المتأثرين بسلطة الثقافة الغربية الغالبة المنتشرة بيننا في مجتمعاتنا. ففي اتباع الحل السحري الغربي “المتحضر” جاذبية تأسر الكثير من الناس. وللأسف ضاعت عن الناس جهود الآلاف من العلماء عبر 1400 سنة، والذين أوضحوا للناس بطرق متعددة كيفية الوصول إلى حياة ذات معنى (ولا أقول السعادة لأنها هدف لا يمكن تحقيقه) يستطيع فيها الإنسان أن يعيش في ظل هذا الكتاب وأن لا يكون إيمانه عائقا أمام ممارسة حياته بل معينا له على ابتلاءات هذه الحياة.

على الطرف الآخر، يتحدث الكتاب عن معضلة الإلحاد، وأن أحد الأسباب القوية التي تؤدي للإلحاد هي التربية الدينية غير السوية التي تؤدي بالشخص إلى كره الدين نفسه، أو بالأحرى كره النسخة المشوهة من الدين التي وصلت إليه واعتقد أنها هي الدين الصحيح. هذه المشكلة هي نتاج ضيق النظرة لدى المربين الذي يعتقد بعضهم أن القسوة والصرامة هي السبيل لضمان عدم الانحراف، ولكن هذا الأمر يؤدي عند تغير البيئة المحيطة بالمتلقي إلى تكسر المفاهيم ووصوله إلى الاحساس بأنه كان مغسول الدماغ، وباقتران ذلك مع تأييد المجتمع وكثرة المغريات وسهولة الوصول إليها يرى المتلقي رادعه الإيماني على أنه مجرد وجهة نظر فرضت عليه، وأنها إذا كانت قد لاءمت مربيه في العصر الذي عاش فيه فإنها لا تناسب الواقع الحالي. فيؤدي هذا الصراع الداخلي في النهاية إلى أن يعتقد المرء بعدم وجود شيء يؤمن به أصلا وإلى أن يقنع نفسه بأن كل هذه الأفكار ما هي إلا أشياء زُرعت في رأسه. وأن عليه أن لا يختار جانب الخير ولا جانب الشر بل أن يتوقف عن لعب هذه اللعبة من الأساس، لأن الاعتقاد بالخير والشر أمر نسبي بالنسبة للبشر ولا يمكن الوصول إلى حد فاصل بينهما عبر التفكير المنطقي، حسب ظنه.

بالإضافة إلى ذلك، تظهر معالم هذا الصراع في القصة من خلال إصرار البطل على أن يرتدي قبعة تشبه قبعة المبشرين كأنه يرجومن الناس أن ينتبهوا وأن يسألوه ما إذا كان مبشرا أم لا حتى يجيبهم بأنه لا يؤمن بأي شيء. وكأنه يريد أن يقنع الناس بمعتقده كي يصدقه هو وينهي هذا الصراع في داخله. وفي هذا دلالة على أهمية الانتماء عند كل الناس وأن كل إنسان يحب أن ينتمي إلى جماعة أو قضية أو فكرة تشعره بأهمية وجوده وتمنحه الإحساس بالقبول.

“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (2 من 2)

محمد عدنان شيط


استعرضنا في الجزء السابق موجزا لنظرية كل شيء، ونبدأ الآن بسرد مجموعة من أهم الاستنتاجات والاعتراضات على وجود نظرية لكل شيء:

1- على مدار التاريخ -وخاصة في القرنين الماضيين- أعلن العديد من العلماء المشهورين أننا نكاد نصل الى تفسير لكل شيء نظرياً ولم يتبق أمامنا سوى بحث التطبيقات العلمية، ومن هؤلاء ألبرت ميكلسون وكلفن وستيفن هوكينغ وستيفن واينبرغ.

ويشبه حال هؤلاء العلماء حال ذاك الطفل الصغير الذي تعلم جدول الضرب في علم الحساب فظن أنه بلغ أقصى ما قد يبلغه إنسان، وأنه امتلك ناصية كل العلوم، ولكن في كل فترة نتفاجأ باكتشافات جديدة تزيد معها حيرة العلماء وتتزايد معها أسئلتهم حول الكون.

بول ديفيز

2- وصف بول ديفيز البحث عن نظرية كل شيء بأنه أصبح شيئاً كالبحث عن الكأس المقدسة للفيزيائيين وأن فكرة كهذه بلا شك مضللة. واستخدم ديفيز هنا عبارة الكأس المقدسة كناية -بل استحالة- إيجاد مثل هذه النظرية.

فالعلماء مثلاً حتى الآن عاجزون عن وضع نظرية تشرح آلية عمل بعض أجهزة جسم الإنسان، فكيف يريدون فهم كل شيء في الكون من خلال هذه النظرية.

3- هناك اعتراضات على نظرية كل شيء من علماء كبار في الفيزياء لهم وزنهم، فكما مر معنا في الجزء السابق فإن أحد من ساهم بتوحيد القوى النووية الضعيفة مع القوى الكهرومغناطيسية هو العالم الباكستاني محمد عبد السلام، ولكن هذا العالم نفسه يؤكد أنه لن يكون باستطاعتنا الحصول على نظرية كل شيء لأننا لا نستطيع اختبارها، فيقول: “أن نكون قادرين على الحصول في يوم ما على ما يسمى نظرية كل شيء، فأنا شخصياً لا أعتقد ذلك. فعلى كل حال يجب ألا نؤمن بوجود نظرية تصلح حتما فيما يتعدى إمكان اختبارها”[1]. ثم يتحدث عن أن إجراء مثل هذا الاختبار يتطلب إنشاء معجل جسيمات يبلغ طوله عشر سنوات ضوئية على الأقل! وهنا تظهر إجراء مثل هذا الاختبار.

من المعترضين أيضاً على وجود مثل هذه النظرية العالم الشهير ريتشارد فاينمان صاحب الإسهامات الكبيرة في ميكانيكا الكم، والذي يؤكد أن فهم الحوادث يختلف عن تحليلها ومعرفة ماهيتها ويشبهها بلعبة الشطرنج فيقول: “الإنسان يستطيع أن يتعلم كل قواعد الشطرنج لكن هذا لا يكفي كي يلعب جيداً، وكذلك يستطيع أن يتعلم كل قواعد الفيزياء، والواقع أننا نعرفها بدقة كافية فيما يخص الظواهر العادية على الأرض. لكن هذا لا يعني أننا نستطيع تحليل كل شيء”. وهذا رد هام على هوكينغ الذي يدّعي في نهاية كتابه التصميم العظيم أننا بمعرفة نظرية كل شيء سنفهم التصميم العظيم لهذا الكون!

ستيفن واينبرغ

4- على عكس عبد السلام وفاينمان فإن الفيزيائي الملحد المشهور ستيفن واينبرغ يؤيد وجود نظرية لكل شيء بشدة وأنها متخفية بين الذرات والمجرات وتنتظرنا لاكتشافها، ويثق بأن العلماء سيكتشفونها قريباً حيث يقول: “حسب تخميني الشخصي توجد نظرية نهائية ونحن قادرون على اكتشافها. وقد تعطينا التجارب التي سوف تستخدم المصادم الفائق نتائج جديدة يستطيع النظريون أن يستكملوا بها المعلومات عن النظرية النهائية… حتى أننا قد نستطيع أن نجد من بين النظريات الوترية نظرية مرشحة لمنصب نظرية نهائية”[2].

ولكن الفيزيائي الآخر فريمان ديسون يرد على ادعاءات واينبرغ فيقول: “أنا لا أثق بأحكام واينبرغ عن الأسئلة الفلسفية لأنني أعتقد أنه يبالغ جداً بتقدير استطاعة أو مقدرة العقل البشري لإدراك مجمل الطبيعة… أنا أجد أن فكرة نظرية نهائية هي فكرة بغيضة لأنها تنتقص من غنى الطبيعة وغنى المصير الإنساني على حد سواء. ثم يشير فريمان إلى قول نيوتن الرائع: “أنا لا أعرف ما أبدو عليه أمام العالم ولكنني بالنسبة لنفسي فأنا مثل طفل صغير يلعب على شاطئ البحر مسلياً نفسي بإيجاد حصاة أنعم أو صدفة أجمل من المعتاد بينما محيط عظيم من الحقيقة يرقد غير مكتشف أمامي.”[3]

5- هذه النظرية تتعلق بالفيزياء فقط فكيف تم إغفال باقي فروع العلم؟ وكيف تم اختصار كل شيء بالفيزياء فقط؟ كيف يدعي بعض الفيزيائيين أنهم سيضعون نظرية لكل شيء من خلال ميدان الفيزياء فقط؟ من أعطاهم الأولوية لهذا الأمر؟ يقول روبرت شيلدراك صاحب كتاب (وهم العلم): “قد يدعي أصحاب دراسات الوعي أن لهم الأولوية -أي بوضع نظرية لكل شيء- لأن الفيزياء تنتج من قبل الدماغ البشري وتعتمد بشكل كلي على الوعي البشري. فمعادلات ماكسويل ونظرية الأوتار الفائقة ليست موجودة كحقائق مستقلة: إنها بنى عقلية”[4]

هذا يدخلنا في جدل الاختزالية (Reductionism) حيث يعترف واينبرغ بهذا الأمر بصراحة فيقول: “فيزيائيو الجسيمات العنصرية هم الأكثر عرضة أن يدعوا اختزاليين، وغالباً ما كان كره الاختزالية سبباً في سوء العلاقات بينهم وبين العلميين الآخرين.”[5]

والاختزالية بتعريفها البسيط هي محاولة تفسير النظريات أو الظواهر الطبيعية من خلال وصف أبسط لشروطها أو لمكوناتها الأساسية، وحسب المنهج الاختزالي فإن بعض الحقائق أكثر أهمية من حقائق أخرى، فمثلا فيزيائيو الجسيمات يعتقدون أن الكيمياء يمكن إرجاعها للفيزياء وكذلك يعتقد بعض علماء البيولوجيا الاختزاليين أن دراسة حمض الدنا (DNA) ذات أهمية أكبر من باقي فروع البيولوجيا لأنها ستقودنا إلى سر الحياة بزعمهم، وما يهمنا في الموضوع هنا أن نظرية كل شيء تجسد الاختزالية بأبهى صورها بلا شك. ففي السابق وحتى الآن وُجهت العديد من الانتقادات لهذا المنهج الاختزالي في العلم، والكثير من العلماء يعتقدون أن فيزياء الجسيمات ليست هي الفرع الأشد أهمية في العلوم وأن هناك علوما أخرى ذات أهمية كبرى أيضاً، كما أن هذا المنهاج سيؤدي بالضرورة إلى الانتقاص من بقية الفروع العلمية، وكما هو معروف يتطلب هذا المجال إنفاقاً هائلاً وخاصة عند بناء المصادمات عالية الطاقة التي يكلف إنشاؤها مليارات الدولارات.

جيمس جينز

6- أخيراً يقول عالم الكونيات جيمس جينز، وبعقلانية شديدة وبكلمات تختصر الموضوع: “إن مراجعة الفيزياء الحديثة أظهرت لنا أن كل المحاولات لوضع نماذج أو صور ميكانيكة قد فشلت ولا بد أن تفشل، لأن أي نموذج أو صورة ميكانيكية لا بد أن يمثل الأشياء على أنها تقع في المكان والزمان، بينما اتضح مؤخراً أن العمليات النهائية للطبيعة لا تقع في المكان والزمان ولا تسمح بالتمثيل فيهما  وعلى هذا يكون فهم العمليات النهائية للطبيعة محرماً علينا إلى الأبد، فلن يمكننا أبداً –ولو في الخيال- أن نفتح مظروف هذه الساعة لنرى كيف تتحرك تروسها، والهدف الصادق للدراسة العلمية لن يكون أبداً حقائق الطبيعة؛ بل مشاهداتنا الخاصة للطبيعة وحسب”[6].


الهوامش

[1] بول ديفيس جوليان براون، الأوتار الفائقة نظرية كل شيء، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس،1993 ص157

[2] ستيفن واينبرغ، أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية جامعة شاملة، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس، الطبعة الثانية 2006 ص184

[3] Freeman Dyson ,Dreams of earth and sky, The New York review of books, Hudson street ,2015 p.154

[4] Rupert Sheldrake, The science delusion,Hodder&Stoughton.,UK company,2013 p.324

[5] ستيفن واينبرغ، أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية جامعة شاملة، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس، الطبعة الثانية 2006 ص51

[6] جيمس جينز، الفيزياء والفلسفة، ترجمة جعفر رجب، دار المعارف،1981 ص237

“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (1 من 2)

محمد عدنان شيط


في عام 1849، وبعد عدد كبير من التجارب الفاشلة لتوحيد قوة الجاذبية المكتشفة من نيوتن مع القوى الكهربائية، كتب العالم الشهير مايكل فاراداي في دفتر يومياته: “هنا تنتهي التجارب التي أقوم بها في الوقت الحاضر، النتائج سلبية. ولكنها لم تهز شعوري القوي بوجود علاقة بين الجاذبية والقوى الكهربائية حتى وإن لم أجد دليلاً على وجود مثل هذه العلاقة.”[1]

كانت هذه من أولى المحاولات العلمية لتوحيد قوى الطبيعة في نظرية واحدة تفسر لنا؛ لماذا تتصرف القوى الأساسية في الكون على هذا النحو، ومحاولة فارادي هذه كانت في وقت لم تُكتشف فيه القوى النووية الضعيفة والقوية بعد كمكونات أساسية لقوى الطبيعة.

بناء على أعمال فاراداي السابقة وضع الفيزيائي البريطاني جيمس كليرك ماكسويل معادلاته الشهيرة التي تصف سلوك المجالين المغناطيسي والكهربائي، وهكذا وحّد القوى الكهربائية مع القوى المغناطسية في قوة واحدة سميت القوى الكهرومغناطيسية.

أينشتاين

جاء الدور بعدها على أحد أعظم فيزيائيي القرن العشرين، ألبرت أينشتاين، ليحاول توحيد قوى الجاذبية مع الكهرومغناطيسية على نفس الأسس الهندسية تحت اسم نظرية المجال الموحد (Unified field theorey)، ولحوالي أربعة عقود من عمره وحتى موته عام 1955 باءت كل محاولاته بالفشل؛ بل قال بعض منتقديه إنه كان على أينشتاين أن يعمل بصيد السمك بدلاً من البحث عن مثل هذه النظرية!

وفي تلك المدة أيضاً أصبح هناك جو من الهوس العالمي يحيط بهذه النظرية، فالصحف الكبرى مثل نيويورك تايمز كانت تتحدث دائماً عما يمكن لأينشتاين فعله لإيجاد مثل هذه النظرية، ووصل الأمر ببعض قساوسة الكنائس لإعلان أن إيجاد هذه النظرية هو دليل على وحدة العالم كما جاء في رسائل بولس![2]

مع بداية القرن العشرين وانطلاق ثورة ميكانيكا الكم لتسبر أغوار الذرة والجسيمات الذرية، أضيفت كل من القوتين النووية الضعيفة والقوية إلى القوى الرئيسة في الطبيعة ليصبح عددها أربع قوى وتصبح على الشكل التالي:

1- قوة الثقالة أو الجاذبية وهي أضعفها ولكن تأثيرها شامل.

2- القوى الكهرومغناطيسية.

3- القوى النووية الضعيفة وهي المسؤولة عن النشاط الإشعاعي.

4- القوى النووية القوية وهي التي تمسك البروتونات والنيترونات معاً في نواة الذرة وتمسك الكواركات المكونة لهذه البروتونات والنترونات كذلك.

في عام 1967 تم توحيد القوى الكهرومغناطيسية مع القوى النووية الضعيفة بفضل جهود العالمين الباكستاني محمد عبد السلام والأمريكي ستيفن واينبرغ، ومنحا جائزة نوبل لمساهمتهما في هذا الإنجاز عام 1979.

وهنا يجدر القول إن الصعوبة الكبرى عند إيجاد النظرية الموحدة تتعلق بقوة الجاذبية، فالقوى الأخرى يمكن توحيدها بنظرية واحدة ولكن عندما يتم ضم الجاذبية إليها فإن الأمر يصل إلى طريق مسدود.

كان هذا سرداً موجزاً لأهم المحطات على طريق إيجاد نظرية كل شيء فما هي هذه النظرية؟

بشكل مبسط هي محاولة لتوحيد قوانين ميكانيكا الكم التي تصف الأشياء الدقيقة والميكروسكوبية في الكون (كالجسيمات الذرية وتحت الذرية) مع نظرية النسبية العامة لأينشتاين والتي تصف الأشياء الضخمة والكبيرة في الكون (كالنجوم والكواكب)، وهذا التوحيد يتم من خلال دمج القوى الأربعة الكبرى في الكون مع بعضها لتشكل نظرية كل شيء.

ويشير ستيفن هوكينغ في نهاية كتابه التصميم العظيم الى أن التوصل إلى مثل هذه النظرية سيمكننا من فهم الدقة والضبط الموجودين في الكون، وأن هذه النظرية ستكون نموذجاً للكون الذي يخلق نفسه![3].

نبدأ الآن تفصيلاً حول هذه النظرية، بداية من نظرية الأوتار التي يصفها ستيفن جابسر بقوله: “يعتبر ادعاء نظرية الوتر أن المكونات الأساسية التي تكون كل المادة ليست جسيمات، ولكنها أوتار. وتشبه الأوتار قطعة دقيقة من المطاط لكنها رفيعة جداً جداً ويُفترض أن يكون الإلكترون حقيقة وتراً يتذبذب ويدور بمقياس صغير للغاية يمنعنا من سبر كينونته حتى بأحدث مسرعات الجسيمات تطوراً حتى وقتنا هذا”.[4]

ففي الطبيعة الجسيمات الأولية المكونة لكل شيء في هذا الكون –طبعاً المكتشفة حتى الآن- تنقسم إلى نوعين:

1-بوزونات (Bosons) وهي الجسيمات التي تحمل الطاقة في المادة، ومن أمثلتها الفوتونات التي تحمل القوى الكهرطيسية، والغرافتونات التي تحمل القوة الثقالية أو قوة الجاذبية وغيرها.

2-فيرمونات (Fermions) والتي تنقسم إلى نوعين: كواركات مكونة للبروتونات والنترونات، ولبتونات كالإلكترونات وغيرها.

كان الطرح الأول لنظرية الأوتار في الستينات مع نظرية الوتر البوزونية (Bosonic string theory)، وجرى استبعاد هذه النظرية لاحقا لأنها تتنبأ بوجود البوزونات فقط كأوتار مع أن العديد من الجسيمات الأولية في الحقيقة هي فيرمونات كما بينت في التقسيم السابق.

ولكن في الثمانينات التي عُرفت فيما بعد بثورة الأوتار الفائقة الأولى، دخل مصطلح التناظر الفائق في سياق نظرية الوتر، وهو عبارة عن نظرية تربط قوة الجاذبية مع بقية القوى الكبرى بافتراض وجود علاقة ربط بين الجسيمات الأولية من فيرمونات وبوزونات.

وبعد ظهور التناظر الفائق، ظهرت على السطح خمسة نماذج جديدة لنظرية الأوتار ذات عشرة أبعاد، كل منها كان مرشحاً ليكون هو نظرية كل شيء.[5]

وفي منتصف التسعينات مع الثورة الثانية للأوتار الفائقة، أظهرت التجارب والنتائج أن كل النظريات أو النماذج الخمسة السابقة للأوتار هي أجزاء من إطار أكبر موحد لها أطلق عليه اسم نظرية إم (M-theory) وهي ذات أحد عشر بعداً، واحد منها زماني والبقية أبعاد فضائية، وتم إضافة هذا البعد الأخير ليصبح الوتر شبيها بالغشاء، أي غشاءً ببعدين وليس وتراً خطياً ببعد واحد، ومن هنا أصبحت النظرية النهائية ذات أحد عشر بعداً. وانضمت إليهم أخيراً نظرية الجاذبية الفائقة (Supergravity theory) ليصبح لنظرية إم أو نظرية كل شيء ستة أضلاع رئيسة يشبها الفيزيائي الأمريكي براين غريين بنجم البحر ذي الستة أذرع.[6]

وسنستعرض في الجزء الثاني أهم الانتقادات الموجهة لهذه النظرية.


الهوامش

[1] George Gamow ,the great physicists from Galileo to Einsten,Harper&Brothers,1961 p.149

[2] والتر إيزاكسون، أينشتاين حياته وعالمه، ترجمة هاشم أحمد، كلمات عربية للترجمة والنشر ،2010 ص 350 وما بعدها

[3]  ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص216، 217 بتصرف

[4] ستيفن جابسر، الكتاب الموجز لنظرية الوتر، ترجمة إيمان طه أبو الذهب، المركز القومي للترجمة ،2016 ص7 وما بعدها

[5] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.152

[6] برايان غرين، الكون الأنيق، ترجمة فتح الله الشيخ، المنظمة العربية للترجمة،2005، ص315 وما بعدها.

هوكينغ يرحل قبل أن يفهم “عقل الإله”!

أحمد دعدوش

 

أثبت لنا تاريخ العلم الحديث عجز العقل عن تصديق دعوى استغنائه عن البحث في أسئلة الوجود الكبرى، بل ظل القلق ملازما له حتى في مراحل الرخاء التي مر بها بين حملاته الدموية الرهيبة.

وشهد التاريخ المعاصر حالات كثيرة من الردة نحو الخرافة والأساطير، بل إن كثيرا من العلماء لم يتخلوا بسهولة عن بعض المفاهيم البائدة، فقد ظل أينشتاين مصراً على إيمانه بالحتمية التي تخلى عنها علماء الكم (الكوانتم)، فصرّح قبل وفاته للعالم الدانمركي نيلز بور بإيمانه بأن “الله لا يلعب النرد”، إذ كان يعتقد بأن الله الذي خلق هذا الكون المؤطر في حدود الزمان والمكان لا بد أن يسيّره بقانون كامل ومتناسق، وأن العقل البشري لن يعجز عن اكتشاف هذا القانون.

ويبدو أن الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ ظل متمسكا لمدة أطول بهذه الفكرة الجريئة، وبالرغم من تخليه عنها في سنواته الأخيرة فقد ظل مصرا حتى وفاته على ما هو أكثر جرأة، وهو رفض وجود الإله نفسه!

حمل هوكينغ لواء البحث عن ذاك القانون معظم حياته، وازدات ثقته عندما نجح كل من غلاشو وواينبرغ ومحمد عبد السلام في تطوير نظرية تجمع بين القوتين الكهرطيسية والنووية الضعيفة[1] في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عندما ظهرت عدة محاولات لدمج هاتين القوتين مع القوة النووية القوية، إذ أمكن جمع هذه الأخيرة مع القوة النووية الضعيفة في نظرية “النموذج المعياري”، وتسمى النظرية المتوقع اكتشافها لتوحيد القوى الثلاث بالنظرية الموحدة الكبرى GUT. ولو تم ذلك، كان من المقرر أن يتابع هوكينغ المهمة لتكميم نظرية الجاذبية -الخاضعة لنظرية النسبية- أسوة بالقوى الأخرى، وإيجاد جسر يربط بين نظريتي الكم والنسبية العامة، ومن ثم توحيد القوى الأربع في نظرية واحدة سوف يطلق عليها اسم “نظرية كل شيء”، الأمر الذي يصفه هوكينغ بإدراك “عقل الإله”!

ففي ختام كتابه الشهير موجز تاريخ الزمن “A Brief History of Time” الصادر عام 1988 يقول: “وعلى كل حال لو اكتشفنا فعلاً نظرية كاملة، فإنه ينبغي بمرور الوقت أن تكون قابلة لأن يفهمها كل فرد بالمعنى الواسع وليس فقط مجرد علماء معدودين. وعندها فإننا كلنا فلاسفة وعلماء وأناساً عاديين سنتمكن من المساهمة في مناقشة السؤال عن السبب في وجودنا، نحن والكون. لو وجدنا الإجابة عن ذلك، فسيكون في ذلك الانتصار النهائي للعقل البشري لأننا وقتها سنعرف عقل الله”.

 

هل يمكن أن نفهم كل شيء؟
في كتابه “هوكينغ وعقل الإله” “Hawking and the Mind of God” الصادر عام 2000، ينتقد أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة نوتينغهام “بيتر كولز” زميله هوكينغ في أطروحته، ويرى أن مجرد طموحه لبلوغ هذا الهدف يعد أمراً خارجاً عن العلم، ويسرد لذلك أسباباً عدة، نلخصها كما يلي:

1- إن العالَم الذي نقوم بدراسته اليوم ونصوغ المعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية لتفسيره ليس هو العالم الواقعي على حقيقته، ويفسر الفيزيائي إدوين شرودنغر ذلك بأننا لا نستطيع التعرف على الشيء دون التدخل الذي قد يؤدي إلى تغيير في بعض خواصه، مما يعني استحالة إدراكه على ما هو عليه في حقيقته، وبالتالي فإن معرفتنا عن العالم أو حتى عن ذواتنا ليست موضوعية مئة بالمئة، بل تتدخل فيها الذات تدخلاً جوهرياً لا يمكن تجنبه.

2- إن معرفتنا بالعالم المادي مصاغة على هيئة معادلات وقوانين وضعية من صنع البشر، ويحق لنا أن نتساءل هنا إن كانت حقيقة هذه الطبيعة رياضية حقاً، كما يحق لنا ألا نكتفي برد العلماء والفلاسفة الذرائعيين بأن القوانين المتاحة ليست أكثر من وصف مفيد للطبيعة، وأن دلالتها ترتبط بجدواها التي ما زالت تتأكد كل يوم. إذ ما الذي يمنع من تحقق افتراض عدم جدواها في ظرف ما يمكن أن يقع في المستقبل؟ بل حتى في ظرف مماثل للذي يتكرر كل يوم؟ وما الذي يعطي تفسيراتنا هذه الحتمية سوى اعتيادنا عليها كما يقول ديفيد هيوم والغزالي؟

3- إن افتراضنا لإمكانية التوصل إلى نظرية كل شيء قد يتعارض مع احتمال اختلاف قوانين الفيزياء التي كان الكون يخضع لها في بداية نشأته، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن المراحل المبكرة من عمر الكون -الأقرب إلى لحظة الانفجار العظيم- تتقارب فيها القوتان الكهرطيسية والنووية الضعيفة على نحو يصعب فيه التمييز بينهما، ومع أن هذا التغير محكوم بقانون آخر يعرف بنظرية الكهرباء الضعيفة، فإنه لا يمكن لنا التأكد من إمكانية تطبيق النظريات المعروفة اليوم على المراحل المبكرة لنشأة الكون حتى مع افتراض تمكننا من رسم صورة كاملة للتغيرات في الحرارة والطاقة التي مر بها، إذ لا نملك أي دليل على صحة تطبيق هذه النظريات في تلك الظروف الموغلة في القدم.

4- إن اعتقاد هوكينغ بأن مجرد التوصل إلى نظرية كل شيء سيؤدي إلى فهمه لـما يسميه “عقل الإله”، يقوم على افتراض أن وضعنا لأي قانون فيزيائي هو بمثابة فهمنا للأسرار الباطنة لهذا الكون، مع أن الكثير من العلماء يقرون بأن القوانين والنظريات ليست إلا وصفاً للحقيقة، وأنها تقتصر على وضع التنبؤات وتفسير المشاهدات والظواهر دون الغوص فيما هو أبعد من ذلك.

5- لم تعد النظريات الفيزيائية تحظى بالثقة التي تمتعت بها في السابق بعد أن تعرض المنطق الرياضي والهندسي لعدد من التطورات، مما ألقى بظلال الشك على قدرة الفيزياء القائمة على أسس رياضية على الكمال، وقد برهن النمساوي كيرت غودل عام 1931 عبر نظرية “عدم الاكتمال” على أن أي نظرية رياضية لا بد أن تحتوي على عناصر لا تقبل البرهنة من خلال النظرية ذاتها. ويلخص الفلكي جون بارو هذه الحقيقة بقوله إن العلم مبني على الرياضيات، ولا يمكن للرياضيات أن تكتشف الحقيقة كلها، فلا يمكن للعلم أن يكتشف الحقائق كلها.

لماذا كل هذه الضجة إذن؟
في الفصل الأخير من كتابه، يتساءل كولز عن سر الشهرة الكبرى التي تحيط بهوكينغ في الأوساط العامة، وذلك بالرغم من تواضع موقعه في الوسط الأكاديمي. ففي شهر ديسمبر من عام 1999، نشرت مجلة “عالم الفيزياء” Physics World نتائج استطلاع طُلب فيه من 130 من كبار فيزيائيي العالم تسمية خمسة فيزيائيين يرون أنهم أفضل من قدم إسهامات مهمة في مجال الفيزياء، وقد جاء أينشتاين على رأس القائمة بحصوله على 119 صوتا، تلاه إسحاق نيوتن، ثم جيمس كلارك ماكسويل، نيلز بور، وفيرنر هايزنبرغ، وجميعهم كانوا من الأموات. ولم يحل هوكينغ أولاً في قائمة الأحياء بعد الخمسة الأوائل، بل كان هانز بيث صاحب هذا الشرف، والطريف أن هوكينغ لم يحصل إلا على صوت واحد من بين 130 إجابة، مع أنه من أكثر الفيزيائيين شهرة في العالم اليوم!

يرد كولز هذه الشهرة الطاغية إلى ما تلعبه وسائل الإعلام من دور في صياغة الرأي العام، فصورة هوكينغ على هيئة رجل مقعد على كرسيه المدولب، والذي يتواصل عبر جهاز حاسوب صمم خصيصاً لمحاكاة صوته الخافت، لعبت دوراً في تحويل الرجل إلى أسطورة، ويمكننا أن نستشهد هنا بالهالة التي أحاطت أينشتاين في منتصف القرن العشرين لكونه ذاك العبقري الذي قلب موازين العلم، بالرغم من عجز رجل الشارع العادي عن فهم حقيقة تباطؤ الزمن مع تزايد السرعة التي جاءت بها نظرية النسبية، بل إن محاولة أينشتاين الأخيرة قبل وفاته بإصدار “نظرية كل شيء” كانت محط اهتمام الصحفيين حتى قبل صدورها، وما لبثت مسودة النظرية أن انتشرت بمجرد إعلانه عنها، إلى درجة تعليق صاحب أحد متاجر لندن صفحاتها الست على واجهة متجره الزجاجية كي يراها المارة، مع أنه لم يفهم منها شيئا!

وفي تقرير لصحيفة إندبندنت بتاريخ 11 أكتوبر 2011 تحت عنوان “العالم المجنون بستيفن هوكينغ”، يقول كولز إن العلماء الفيزيائيين يتداولون في جلساتهم الخاصة نفس النتائج التي جاء بها استبيان المجلة، إلا أنهم يعترفون بأنه من الصعب انتقاد هوكينغ علناً، لأن النقد سيُفسر تلقائيا على أنه غيرة وتحاسد بين الأقران[2].

ويقول أستاذ علم الفلك في كلية كوين ماري في لندن برنارد كار، وهو صديق هوكينغ، إنه يقر بأن هوكينغ فيزيائي عظيم إلا أن القول إنه أعظم العلماء بعد أينشتاين هو مبالغة، وهذا يعود إلى شهرته الجماهيرية، حسب قوله.

أما المحرر في مجلة عالم الفيزيائيين بيتر رودجرز فيقول إن هناك فرقا بين وجهات النظر داخل مجتمع الفيزياء وخارجه، ففي الداخل يُعترف بهوكينغ لكونه أنجز بعض الأعمال المهمة، إلا أنه لا يقترب من منزلة نيوتن، أما في الخارج فهو مشهور جدا بسبب كتابه المشهور “موجز تاريخ الزمن” الذي بيعت منه أكثر من 10 ملايين نسخة وتحول إلى مسلسل تلفزيوني.

وتقول صحيفة إندبندنت إن مراجعات المختصين لكتابه عند ظهوره لم تكن مشجعة، لكن الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت نشره هي التي جعلته أيقونة، خصوصا مع تركيز الناشرين على أنه كتاب علمي مبسط ومفهوم وأنه يحمل رؤى علمية تكشف ألغاز الكون وتتنبأ بفتح آفاق المستقبل، إلا أنه -بحسب الصحيفة- من الكتب التي يشتريها الناس دون أن يقرؤوها بل لتكون جزءا من مكتبة المنزل الاستعراضية.

أوباما يكرّم هوكينغ في البيت الأبيض

وتميل الصحيفة إلى القول إنه لولا إعاقة هوكينغ البدنية ما وصل إلى هذه الشهرة، حيث تهافت عليه منتجو الأفلام وصار نجما تلفزيونيا وهوليوديا، وظهر في مسلسلات “ستار تريك” و”سمبسونز” و”نظرية الانفجار العظيم”، وتلقى وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1982، وأجرى مناقشات مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 1998، ثم تلقى وسام الحرية من الرئيس الأميركي باراك أوباما في 2009 أمام كاميرات العالم، وقدمت هوليود أخيرا سيرته في الفيلم العالمي “نظرية كل شيء” عام 2014 الذي حاز على جائزة أوسكار من بين خمس ترشيحات، بينما كان معظم زملاء هوكينغ يعملون بصمت على وضع نظريات ذات نتائج عملية تستحق التقدير، في حين لم تثبت فرضياته النظرية حتى اليوم.

قد لا نبالغ إذن في القول إن اختيار هوكينغ لعبارة “معرفة عقل الإله” لم تكن أكثر من فرقعة إعلامية، فبعد حصوله على أعلى درجات النجومية أصبح هوكينغ خبيراً في دور اللغة في لفت الأنظار، و��كفي أنه اعترف بنفسه أنه وضع تلك العبارة في ختام كتابه الجماهيري لزيادة أرباح الكتاب وأنه لو حذفها لانخفضت الأرباح إلى النصف[3].

 

اعتراف هوكينغ
لم يكن اعتراف هوكينغ باختياره لتلك العبارة التسويقية هو الأهم، فقد اعترف أيضا بأن الأبحاث في علوم الفيزياء والرياضيات لا يمكن أن تكتمل، تصديقا لمبدأ عدم الاكتمال لغوديل الذي أشرنا إليه، وهو ما صرح به في محاضرة بعنوان “غوديل ونهاية الفيزياء” عام 2002[4].

وكان هوكينغ قبل ذلك قد أشعل الأوساط العلمية ووسائل الإعلام بتصريحات تؤيد نظرية-إم M-theory معتبرا أنها ستكون مقدمة لنظرية كل شيء، بينما رد عليه عشرات العلماء بأن نظرية-إم ليست سوى رؤية فلسفية لا يمكن اختبارها، وأن مجرد الإيمان باحتواء الحقائق كلها في قانون نهائي شامل هو مقولة غير علمية.

وإذا كان اعتراف هوكينغ بالفشل ينم عن تواضع يُحسب له، فمن العجيب أن يصر الكثير ممن انبهروا بكتبه الجماهيرية على المضي قدماً في سبر أغوار الكون وكشف أسرار الوجود عبر الرياضيات وحدها، فهذه ليست سوى استعادة لمحاولات فيزيائيي العقلانية الكلاسيكية في استبدال الرياضيات بالوحي، وهي أفكار أكل عليها الزمان وشرب.

والأعجب من ذلك أن البروفيسور هوكينغ نفسه لم يتخلى عن الكثير من رواسب تلك الأفكار البالية، ومن أهمها رؤيته للوعي والوجود القاصرة على إطار المادة، وهو ما أكده في مقابلة لصالح صحيفة الغارديان [15 مايو 2011] عندما قال “أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر سيتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته. لا توجد جنة أو آخرة للحواسيب المعطلة؛ هذه قصة خيالية للأشخاص الذين يخافون من الظلام”[5].

وهذه النظرة التبسيطية للإنسان تنم عن جهل واضح بالوعي البشري وبثنائية العقل والجسم، فالوعي ما زال من أسرار العلم التي لم تُحل، وتشبيه العقل بالكمبيوتر ليس سوى انتكاسة لوجهات النظر المادية القديمة حول آلية عمل العقل البشري، فحتى لو قصرنا العقل والوعي على الدماغ المادي فنحن أمام كيان يتمتع بقدرات استثنائية على المعالجة المتوازية، وليست المتسلسلة كما تفعل كل الآلات “الذكية”.

ومما يغيب عن أذهان قراء هوكينغ غير المختصين أن معظم أطروحاته التي تثير الضجة الإعلامية هي أفكار فلسفية لا علمية، وهي في أحسن حالاتها تُناقَش ضمن أطر فلسفة العلم، بينما يزعم هو في مقدمة كتابه “التصميم العظيم” أن “الفلسفة ماتت… وعلماء الطبيعة باتوا هم حملة شعلة الاكتشاف في رحلتنا نحو المعرفة”، وكأنه يوهم قراءه بأن ما يطرحه من آراء إلحادية هي من نتائج العلم المثبتة بالتجربة والرياضيات، مع أن نظرياته العلمية نفسها عن الثقوب السوداء لم تثبت بعد، فضلا عن الفلسفية.

لذا يختتم الفيزيائي كولز كتابه قائلا “قد يتحقق الفيزيائيون عند وضع نظرية كل شيء من قصورها أيضاً عن بلوغ ذلك الهدف، وعندئذ قد يعمد علماء الكونيات إلى السعي وراء أسس ميتافيزيقية قد تكون مرضية أكثر مما عثروا عليه حتى الآن”.

ولكن للأسف، توفي البروفيسور هوكينغ في سن السادسة والسبعين قبل أن ينجح في فهم “عقل الإله”، وقبل أن تبلغ جرأته الاعتراف بوجود ذاك الإله الذي عجز هوكينغ عن الإحاطة بأسرار خلقه.


الهوامش

[1] يجمع العلماء اليوم على ردّ كافة القوى الموجودة في الطبيعة إلى أربع قوى رئيسة، هي الكهرطيسية، النووية القوية، النووية الضعيفة والجاذبية.

[2] http://www.independent.co.uk/news/science/the-crazy-world-of-stephen-hawking-9250150.html

[3] هوكينغ، الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ترجمة: حاتم النجدي، دار طلاس، ص38

[4] http://www.damtp.cam.ac.uk/events/strings02/dirac/hawking/

[5] https://www.theguardian.com/science/2011/may/15/stephen-hawking-interview-there-is-no-heaven

مشكلة الشر ووجود الإله (2 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

بعد تبيين الأصل التاريخي وأساس الاستشكال الذي بنيت عليه “معضلة الشر” في المقال السابق؛ فإن اللازم الآن تبيين جوانب الشبهة وما يقدمه الإيمان من حلول في سبيل فهمها.

مفهوم الشر فلسفيًّا
هل يعد وجود الشر  ذاتيًّا محضاً أم أن وجوده ظرفيٌّ بحسب الواقع المحيط به؟

ينبغي الإشارة إلى أن هذه التقسيمات تعود في أصلها إلى مسألة تحديد مفهوم الشر من حيث كونه ذاتيًّا محضًا أو نسبيًّا يتحقق بتبعيته لطرف آخر سابق عليه.

لايبنتز

بالعودة إلى فهم الفيلسوف الألماني لايبنتز (ت 1716م)  للشر نرى أنه قد صنَّفه ضمن أنواع ثلاثة، أولها: الشر  الميتافيزيقي (المجرَّد) ويقصد به النقص التام في وجود المخلوقات بسبب تناهيها إضافة لكونها ناقصة بالمقارنة مع وجود الله، ثم الشر الطبيعي وتدخل فيه الآلام الجسمانية والكوارث الطبيعية، وثالثها: الشر الأخلاقي الكامن في الخطيئة[1]، وحين ينظر في مسألة الشرين الطبيعي والأخلاقي فإنهما بالضرورة يدخلان تحت الشر المجرد أي النقص المتحقق فيهما، ويشار إلى أن الليبراليين وسعوا من إطار الشر الأخلاقي ليتضمَّن أي أذية للآخرين في حريتهم أو منعهم من تحقيق رغباتهم شرًّا أخلاقيًّا[2].

يرى ابن قيم الجوزية (ت751ه) أن أحوال الموجودات بأسرها لا تخرج عن حالات أربع هي: حالة الخير المطلق، أو الشر المطلق، أو حالة التنازع بين الخير والشر فيكون الخير إما مستوياً مع الشر أو راجحًا عليه أو العكس، أو حالة عدم القيمة، فلا يكون فيه خير أو شر، ويتحقق القسم الأوّل بوجود الخالق فقط والذي هو خير محض، ولا يوجد من بقيّة الأقسام في وجودنا إلّا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة، أي ما كان “خيره راجحًا على شرّه”، وأمّا الشر المحض الذي لا خير فيه فلا حقيقة له لأنه عدم محض[3].

 

وجود الله ووجود الشر
أبدأ هذه الفقرة بالسؤال المعهود: هل يتعارض وجود الشر مع وجود الإله؟

يؤكد الإلحاد –كما تقدَّم في الجزء الأوَّل- على عدم إمكانية اجتماع وجود إله قادر رحيم مع وجود الشرور –كالتي نراها على الأقل-.

بينما يؤكد علماء الدين الإسلامي ورجال اللاهوت من الأديان الأخرى على عدم التعارض أصلاً، ويقدمون في سبيل ذلك حججًا عديدةً لتبيين ضعف المنطق الإلحادي وتناقضه، سواء من حيث أساس اعتراضه، أو في تفسير حقيقة الإشكال وتأويله.

ثمة سؤال يمكن تقديمه في هذا المعرض مفاده: هل يجب على الإله الخيِّر القادر أن يمنع الشر[4]؟

ويمكن الاعتراض على هذه الصيغة “الله قادرٌ على كل شيء” بالعديد من المغالطات المنطقية والمناقشات التي لا تتعدى باب اللعب باللفظ، فأسئلة من قبيل: هل يسَعُ اللهَ خلق صخرة يعجز عن حملها، أو هل يقدر الله على أن يخلق إلهًا مثله، أو هل بإمكانه رسم مربعٍ مستديرٍ ، هي أسئلة تناقض ماهية الشيء في ذاته، “فالصخرة مهما بلغ حجمها متناهية، وقدرة الله غير متناهية، والإله ليس مخلوقًا بالضرورة، فلا يصحّ منطقيًا افتراض إله مخلوق، والمربَّع لا يكون دائرة بالضرورة، فلا يصحّ افتراض اجتماعهما”[5].

وبالمحصِّلة فإن كمال القدرة الإلهية إما أن يعني: القدرة على فعل كل شيء وإن كان ضمن دائرة الاستحالة المنطقية أو فعل الأشياء الممكنة منطقيًّا فقط، وبما أنَّ تصوُّر المستحيل ممكن لأنه عمل ذهني غير واقعي إلا أن وقوعه في الوجود أمر غير ممكن لتناقضه مع شروط الوجود أوَّلاً، ولأن القدرة الإلهية -حسب ما يقرره علماء العقائد- لا تتعلَّق بغير الممكن منطقيًّا، فتكون اعتراضات الإلحاد في جوهرها عن تناقض وجود الشر مع وجود الإله “مخادعات لفظيّة لا يمكن أن يكون لها وجود في غير عالم اللغة”[6]؛ لأنَّ سماح الله بوجود الشرّ في ملكه لا يلزم منه الانتقاص من قدرته، فالشر البشري ناتج عن حريَّة الاختيار  بين فعل الخير والشرّ؛ والقول بوجوب زواله يحتوي على تناقض منطقي، لأن الله قد وهب البشر حريّة الإرادة لامتحان إلهي أفعالهم، ولا تتعلّق قدرة الإله -على كمالها- بإزالة هذا الشرّ لأنه من غير المنطقي أن يمتحن الله عباده بالخير والشرّ ثم يجبرهم على فعل الخير دون الشر أو العكس [7]، وهو ما أشار الله إليه في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [الروم:41] فجعل الفساد (أي الشرور الأخلاقية) عائدة إلى اختيارات الناس وأفعالهم، ولعله من المفيد الإشارة إلى أن التعلل بالشر الأخلاقي في نفي الإله غير مجدٍ.

بلانتينغا

في هذا المعرض يجدر الإشارة إلى رأي الفيلسوف الأمريكي اللاهوتي ألفن بلانتينغا (وُلد عام 1932) القائل: إنّ حريّة الإرادة عند الإنسان من أهم المسوّغات العقلية لنفي التناقض المدّعى بين وجود الإله الكامل مع وجود الشر؛ إذ إنّ الشر الأخلاقي نتيجة لممارسة الإنسان لاختيارات إرادته الحرّة، فالشر هنا ضريبة لازمة ومنطقيّة ومرضيّة لنعمة الإرادة الحرّة؛ وبذلك ينتقض الاعتراض على عدل الله أنّه يسمح للشر بالوجود، فلا معنى لوجود كائن حر يملك إرادة الاختيار ضمن الطبيعة البشريّة المحضة، ثم هو لا يفعل إلّا نوعًا واحدًا من الأفعال، فالمخلوقات الحرّة تزلّ أحيانًا وتفعل الخير أحيانًا، ولا يمكن أن تكون هذه الاختيارات ضد وجود قدرة الله الكليّة ولا ضد خيريّته؛ لأنّه ليس بالإمكان أن يُمنع وقوع الشر الأخلاقي إلّا بمنع إمكانية الخير الأخلاقي[8].

 

الشر المادِّي والمجَّاني؟
ينقل د. حسن المرسي عن ريتشارد دوكينز قوله في أن الشر  لا يمكن أن ينفي أو يثبت وجود الإله[9]،  ولذلك مال العديد من رموز الإلحاد إلى تكثيف الاسشتهاد بما سمّوه (الشر المجاني) أي الألم الذي لا فائدة خلفه، وله مثالان شهيران هما: “الموت البطيء لغزالة في حريق داخل غابة، واغتصاب طفلة ثم قتْلها على يد عشيق أمّها”[10] إذ إن على “الإله العليم، كامل الخيريّة أن يمنع وقوع كلّ معاناة شديدة إلّا أن يؤدّي المنع إلى تفويت خير أعظم من هذه المعاناة أو السماح لشر يوازيها أو يربو عليه، وبالنتيجة فإن ذلك واقع فلا يوجد –إذن- إله قدير، عليم، كامل الخيريّةِ”[11].

ثمة عدة مسالك يمكن التصدي بها لمشكلة الشر بأنواعها إجمالاً وتفصيلاً، “كالدفاع الإيماني الذي يفسر الشر على ضوء الحكمة الإلهية والعناية الربانية، أو بيان سبب العجز عن الإجابة على السؤال كليًا أو جزئيًا: للقصور المعرفي للإنسان، أو البحث في السؤال والعمل على تعديله[12]“.

وعلى ضوء التكامل بين هذه المناهج يشير عدد من الباحثين في نقد الإلحاد إلى أهمية السؤال عن الشر المجاني بصيغة: هل هناك شر مجاني فعلاً؟

إنّ مقتضى البحث العقلي أن يصار أولاً إلى البحث عن البناء المنطقي للحجة المقدَّمة لنقض وجود الإله وهي (الشر المجاني موجود، وعليه  ينفي وجوده وجودَ الإله)؛ وبما أنه لا يمكن لأحد إثبات قطعية (الشر المجاني) في الظواهر المضروبة لذلك، وبعبارة أخرى، نسأل: هل يعجز الإله أن يجعل وراء كلّ ما يبدو شرًا مجانيًا، حكمةً وتعويضًا؟

قول الإلحاد هنا منحصر بمنع وجود الحكمة أو إثباتها التي نفترضها للإله، فإنّ العقل لا يمنع من وجود هذه الحكمة وهذا التعويض للمبتلى؛ فيسقط اعتراضه، وإذا قال إنّ هذا الأمر ممتنع عقلًا؛ طولب بالدليل العقلي، ولا دليل؛ فيظهر بذلك قُصور فهمه لكمال الألوهيّة. فتنقلب المعادلة من:

الترتيب الآتي: 1. وجودُ الشرّ المجاني أمر يقينيٌّ، 2. وجود الإله فرضية بحاجة إلى بحث، 3. وجود الشرّ المجاني حجّة على نفي وجود إله؛ 4. إذن لا وجود لإله.

إلى: 1. الأدلّة المادية والعقلية تثبت وجود الإله، 2. وجود الشرّ المجاني فرضية بحاجة إلى بحث، 3. الإيمان بالإله يقتضي الإيمان بكماله وعدله وحكمته فيكون قادراً على جعل ما يبدو شرًا مجانيًا حكمةً وخيرًا، 4. إذن لا وجود لشرّ مجانيّ[13].

 

فرويد

وقفة أخيرة
في خضم المناقشات المنطقيَّة في مسألة الشر قلّما يتنبّه الباحثون إلى البحث عن مصدر الاستشكال، فبما أن العقل البشري قاصر في إدراك خصائص المحيط الخاص به فإنه بالقفز إلى القطع في إحدى أهمِّ المسائل الوجودية يختزل ظاهرة الشر دون الفهم الكامل لكل جزئياتها. فما مردُّ هذا الاستعجال؟

يشير مقال ما بعد الحداثة في موسوعة السبيل إلى تطوُّر الآراء والظروف التي مرت بها الذهنية الغربيَّة، ولعل من أبرز ما يُستشهد به هنا قول الفيلسوف روجيه غارودي في كتابه “البنيوية فلسفة موت الإنسان” نقلاً عن فرويد بأن نظريته في التحليل النفسي ألحقت بكبرياء البشرية ثالث إذلال كبير لها، وذلك بعد الثورات العلمية على يد كوبرنيكوس التي أنهت كون النص الديني المركز الذي تقاس إليه الأمور، ثم رؤية داروين التي حوَّلت الإنسان إلى حيوان بيولوجي يصارع من أجل البقاء[14].

وهكذا ظهرت العدمية التي أفرزت مظاهر اللامعنى وغياب الثبات ورفض معنى الإله الخالق وتأطير القيمة، فالوجود خالٍ في خاتمة المطاف من المعنى، ولعل هذا التصوُّر هو ما نراه في اللامبالاة والظلم البشري وعدم المسؤولية في أحداث عظيمة كالأحداث المستمرة في سورية منذ سبع سنوات.

إن حالة “غياب المعنى” التي يعيشها الملحد تدفع للتساؤل: لمَ يبحث الملحد عن المعنى وراء الشر أو الخير؟ فالإيمان بـألا قيمة للوجود تدفع حتماً لتفسير أحداث الوجود بذات الرؤية التي فُسِّرت به بدايته، أي “العشوائية والمادية”، فتفسير الشر الذي يحدث في العالم -ضمن هذه الرؤية- يجب ألا يعدو تحليلاً كتحليل رؤيتنا للوحة الموناليزا مثلاً، وك��لك الحروب والأعاصير والكوارث المادية، لأن التفاعل مع الألم الطاغي في هذه الظواهر لا يستند إلى قيمة أخلاقية وإنَّما إلى رؤية عدمية، وهذا بحد ذاته تناقض صارخ.

ومن هنا فإن التعامل مع مشكلة الشر بحسب الرؤى المختلفة في تفسيرها عائد إلى رؤيتين، أولهما: عدّه جزءًا من النظام الكوني المتصف بالنقص في ذاته لكونه حادثاً والإله وحده الكامل. والثاني: النظر الديني إلى الشر على أنه ابتلاء واختبار في هذه الظواهر ويستلزم منا البحث عن الحكمة التي يقتضيها فعل الله وعدله، وفي الحالتين ليس ثمة ما يُتَوجّه به لنفي وجود الله أصلاً.

إذن فالسؤال المهم حقًّا هو: لمَ كان الوجود أصلاً؟ والبحث في أصل هذا السؤال سيقود الملحد إلى الانهيار حتمًا.[15]


الهوامش

[1] ينظر تاريخ الفلسفة، فريدريك كوبلستون، المركز القوم للترجمة، ترجمة سعيد توفيق، ط1، 2013، ج4 ص437.

[2] ينظر ملف مشكلة (الشر) على شبكة (معابر) الفلسفية، من مقال ندى الحاج، تأمُّلٌ في الشر الإنساني، http://www.maaber.org/issue_october03/perenial_ethics1.htm

[3] ينظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد بدر الدين، دار الفكر، ط1، 1978، ص 181-182، ويقارن بـ مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 98، 99.

[4] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 112.

[5] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص115.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 114.

[7] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص115.

[8] ينظر محاورة جاري كينتغ مع ألفن بلانتينغا بعنوان: هل الإلحاد لا عقلاني، ترجمة: د. عبد الله الشهري، نشر مركز براهين، ص5، وينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص120، نقلاً عن كتابي ألفن بلانتنجا: الله، الحرية والشر، وكتابه: The nature of necessity

[9] ينظر الكتاب الإلكتروني الجواب عن مشكلة الشر، مقال د. حسن المرسي، انفكاك الجهة بين وجود الخالق ومسائل الحكمة والخير والشر، 131، 132

[10] نقلاً عن ويليام رو، ينظر د. سامي عامري، مشكلة الشر ووجود الله، ص 146.

[11] ينظر المصدر السابق ص146-147.

[12] ينظر المصدر السابق 147.

[13] ينظر المصدر السابق، ص 151، 152.

[14] البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1979، ص12-14.

[15] استفدت الخاتمة الأخيرة: من مدونة (أنا مسلم، أنا أفكر) وسقت ملخِّصًا بعضًا من نقدها لمسألة الشر على الرابط: https://iammuslimiamagainstatheism.blogspot.com.tr/2013/10/blog-post_20.html

مشكلة الشر ووجود الإله (1 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

تعود القيمة المحورية لقضية الشر إلى التصور المركوز في الأذهان عن عدالة الله وقدرته ورحمته، ولذا فإن مشاهد القتل والتهجير والآلام التي تحدث يوميًّا داعيةٌ ولا ريب إلى التساؤل عن الحكمة الإلهية في وجود هذه الآلام، ولعل نظرة سريعة إلى أحداث الثورة السورية وكمية الدماء البريئة التي أريقت ظلماً عدواناً جعلت مقولة “لمَ خُلِق هذا الشر؟” أهم أسئلة الناس المكلومة.

أطفال قُتلوا بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

ويمكن القول إن الإلحاد ودعاته يجعلون هذا السؤال -المتسرّب عن التعرُّض للشدائد- أداةً للتشكيك بجدوى الإيمان أو صحته من الجذور، ولذا فإن “مُشكلة الشَّرّ” في الغرب اليوم أهمّ شُبهة إلحاديّة تستخدم في المناظرات بين الدينيين والإلحاديين، حيث يراها الإلحاديون “البرهان” الذي يُغِيرُ على قواعد اعتقاد المؤمنين فيأتي عليها، إذ لا جدوى من الإيمان بوجود الإله الذي لا يمنع الظلم عن عباده ومخلوقاته[1]، فحجة وجود الشر في نظر الملاحدة هي “الصخرة” التي تَتَحَطَّم عليها حجج الإيمان، كما يرى الشاعر الألماني الملحد جورج بوخنر[2]، ذلك لأن “الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي، إلا أنَّ الفلاسفة يؤمنون أنّ أهم تحدٍّ جادٍّ لإثبات وجود الله في الماضي والحاضر والمستقبل، هو مشكلة الشر”[3].

إن هذا السؤال القديم الحديث حول مشكلة الشر هو أحد أسئلة الوجود التي حار فيها الإنسان ولم يجد فيها إجابة حاسمة، ولعل المفترض باللاديني أن لا يتكئ مرتاح البال بعد أن رمى بها في ملعب الديني، إذ إن أسئلة الوجود تقض مضجع الجميع، وهذا ما يجعلنا نرجح نظرية الإيمان على غيرها، فعلى الرغم مما يطرح عليها من الأسئلة إلا أنها دافعة إلى الاطمئنان واليقين العقلي أكثر مما سواها، وهكذا طبيعة المعارف الإنسانية؛ فإن إيجاد جواب معملي فيها أمر غير ممكن إلا أن اليقين يبنى فيها على الاتساق وعدم التناقض وتقديم الرؤية التفسيرية الشاملة لهذا الكون.

ملاحظة قبل البَدْء
اسمح لي سيدي القارئ أن أشير بدايةً إلى أن وجود الشر (المطلق أو النسبي) لا ينفي بأيِّ وجه من الوجوه المنطقية أو العلميَّة “وجود الإله”.

وذلك لأن إثبات وجود الإله لا يعتمد مطلقًا على جريان الخير أو الشر في الموجودات وإنما يعتمد على إثبات خلق الكون وإنشائه من عدمٍ على نحو متسق منظَّم يثبت وجود منظِّمٍ له، وبذلك تعد مسألة الخير أو الشر طارئة على ما بعد تحقق الوجود، وإن كان ثمة دليل يمكن به نفي وجود الإله فهو إثبات نشوء الكون ذاتيًّا بأي طريق كان إلا عن طريق موجدٍ له سبَّب حدوثه.

وأقصى ما يمكن التوقف عنده في مسألة وجود الشر عند المسلم إنما هو بحث الحكمة من وجود الله، ولدى  إثارة الشبه في عدل الله ورحمته وقدرته على النحو الذي يفصله أربابه.

وإن المثير ههنا حقًّا أن غالبية علماء اللاهوت المسيحي لم يبحثوا في بنية الشر وإنما اكتفوا في الدفاع عن اتصاف الله بالخيرية، وإثبات أن ما يجري من الشر خارج عن نطاق الخيرية الإلهية وأن الأب قدَّم ابنه –تعالى الله عن ذلك- ليتمكن من تخليص الناس من مشكلة الذنوب والبلايا التي تتبع انتشارها، بينما كان علماء الكلام المسلمين يبحثون “ماهية الشر” ضمن مباحث الحسن والقبح وتفرعاتهما التي تتطرق لموضوع الإيلام والأذى الذي يصيب المخلوقات، فكانت دراسات علماء الكلام والفلاسفة المسلمين أعمق وأجدى، من حيث الإشارة إلى بنية موضوع الشر والتسليم بواقعيته والسعي البارز لتنزيه الله عن النقائص ومحاولة استخلاص الحكمة من وجود هذه الشرور المنتشرة في الأرض.

لذا كان أقصى ما يمكن إنتاجه في تاريخ الشك عند فلاسفة المسلمين ما قدمه أبو العلاء المعري أو ابن الراوندي من شكوكٍ وشبهات في الحكمة من هذه الشرور، بينما أنتجت الثقافة الغربية الثائرة على المسيحية نقداً شاملاً لكل ما يتسم بالميتافيزيقية (الغيبية) مثل ماركس ونيتشه[4]، وعدمية محضة لا تتقبل القيمة المجردة للأشياء في هذا الوجود.

أصل السؤال
تعود الصياغة المنطقيّة الأولى لهذه المسألة -بحسب ما نقل الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم (ت1776م)- إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور (ت270ق.م) فيما عُرف بمعضلة أبيقور وملخَّصُها الآتي:

أبيقور

إذا كان الإله كُلِّيَّ القدرة والعلم والخير فإنَّ الشر لا يمكن أن يوجد في خلقه، إذ إنَّ هذه الصفات الثلاث لا تجتمع في إله حكيم متصرف ثم يغفل عن وجود الشر في العالم، وبما  أن الشر موجود فذلك يعني أن الإله ليس كلي العلم، إذ لا يعرف ما يجري في خلقه من الشرور، أو أنه يعلم حصول ذلك إلا أن قدرته ناقصة فلا يستطيع رفع الشرور والآلام عن عباده، أو أنه يعلم الشر ويستطيع رفعه، إلا أن يريد له الاستمرار فتكون خيريته ناقصة، وعلى أيٍّ من هذه النواقص فإنه لا يمكن أن يكون إلهًا، لتحكُّم النقص فيه[5].

فما المقصود بالشر ههنا؟

يمكن اختزال الشر ضمن نوعين: “الشر الطبيعي” الذي لا يد للإنسان في إنشائه كالتشوُّه الخَلْقي والكوارث الطبيعية كالبراكين والأعاصير والزلازل، و”الشر الأخلاقي” الذي توصف به أفعال الإنسان ومبادئه من حيث الأذى والضرر كالعدوان والقتل والتعذيب وكل ما يؤلم الآخرين.

وسؤال الإلحاد ينصبُّ في البحث عن أنه كيف يمكن لله الرحيم أن يأذن بوجود هذا الكم من الشرور في عالمه أو يخلقه أصلاً؟

أساس الاستشكال
يستند الإلحاد في الاستدلال على رؤاه بجملة العلوم الماديَّة التي تستند في نتائجها إلى “النزعة التجريبيَّة” ولذا فإن أساس اعتماد الإلحاد في الاستدلال بالشر  على عدم وجود الإله ناتج عن فهم محدودٍ للإله فهو كامل العلم والقدرة والخيرية دون البحث في صفاته الأخرى من العدل والإرادة والحكمة.

أضف إلى ذلك سيدي الكريم أن الإلحاد لا يقدم تصوُّرًا يبين المقصود من “الشر” بوضوح، فهل “الشر” مفهوم مطلق أم نسبي، وهل قيمته ذاتية أم نسبية، وهل وجود الشر طاغٍ على وجود الخير، ثم هل يمكن للشر أن ينفي وجود الإله بحد ذاته؟

إن كلمتي “الشر والخير” في ذاتهما تدلان على عَرَضٍ خارجيٍّ يدل على نسبة بين شيئين، أي أن الحكم منتزَع من حيث التحقق أولاً وارتباط المحيط به ثانياً، فثورة بركان ما شَرٌّ على أهل المنطقة الواقعة بالقرب منه إلا أن فائدته للتربة مثلاً خير للأجيال اللاحقة، وكذلك “الموت” فإن فناء مليارات الجراثيم قد يكون شرًّا بالنسبة لها إلا أنها ذلك خير بالنسبة للكائنات التي تتأذى منها، وكذلك وجود السم في الأفعى فإنه خير بالنسبة لها إلا أنه شر بالنسبة لمن يلدَغ به، ومن ثم فإن وجود الشيء ليس ذا كفاية للحكم على قيمته من حيث الخير والشر.

وإذا تدبرنا ذلك فإن وجود هذه الثنائية في الكون بحد ذاتها محض خير، فانتفاء الخير يجعل من الوجود شرا محضاً وانتفاء الشر يجعل من الدنيا دار سعادة محضة وبذلك لا يمكن التوصل إلى معاني التفاضل والخيرية بين الناس أو إدراك المعاني الكبرى كالباطل والحق، وبذلك يكون وجود الشر ضرورياً لتدعيم معنى الخير، ووجود الباطل ضروريًّا لتدعيم معنى الحق.

ومن ثم يتوارد السؤال الآتي:

هل يمكن الحكم بالشر النسبي على وجود الإله؟
يشير د. سامي عامري إلى أن السؤال عن مشكلة الشر بحد ذاته يحوي دلالة أخلاقية لا مادية[6]، ولعل استشكال “الشر” في أصله دليل على تحقق الإيمان بالله في فطرة البشر، وهو الأمر الذي أكّده العديد من أئمة الإلحاد، ولعل أبرزهم العالم الأحيائي “أنتوني فلو” الذي كان يرى أن شبهة الشر كانت السبب الأول في إلحاده[7].

وبما أن المادة وتفرعاتها تعد أساس الإلحاد فإن الاستشكال الأخلاقي تجاه الشر يناقض الغاية التي قُدِّمت لأجلها، أي نفي وجود الإله وتصوير الكون على أنه محض مادة؛ وذلك لأن عقل الإنسان الذي تفاعل مع هذا السؤال جوهر غير مادي يرى للحياة قيمة ومعنى، إذ “لو كان الإلحاد حقًا، لما كان علينا أن نتوقع أن يكون الخير هو الرئيس أو أكثر أصالة من الشر، بل الواجب أن لا يكون هناك قِسما الخير والشر أصلاً”[8].

يُتبع..


الهوامش

[1] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي العامري، ص17-20، حيث نقل عدداً من المقولات في هذا الخصوص، تبيِّن مدى اهتمام الإلحاد بمقولة الشر.

[2]  Randy Alcorn: If God Is Good: Faith in the Midst of Suffering and Evil (Colorado Springs, Colo.: Multnomah Books, 2009), p.11

[3] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص19 نقلا عن كتاب رونالد ناش، الإيمان والعقل، ص177.

[4] معضلة الشر بين علم الكلام والفلسفة، د. محمد بوهلال، ص35.

[5]  (David Hume. Dialogues Concerning Natural Religion, part 10) نقلا عن مقال د. هشام عزمي، وجود الشرور في العالم، مجلة منتدى التوحيد، العدد المعنون بـ الجواب عن مسألة الشر، ص14.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 65، 62.

[7] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 56.

[8] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، 58، 59، نقلاً عن دافيد بيك.

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (3 من 3)

محمد عدنان شيط

 

بعد استعراض أهم فرضيات الأكوان المتوازية على تنوعاتها واختلافاتها، نأتي إلى استعراض مجموعة من الاستنتاجات والردود على هذه الفرضيات.

وسنناقش فيما يلي أهم الاستنتاجات التي تستحق التوقف والنقد:

1- الملاحظ أن جميع هذه الفرضيات تؤدي إلى أنه مع هذه الأعداد الكبيرة جداً للأكوان المفترضة، فإنه ليس غريباً أن يوجد كون واحد ككوننا تنشأ فيه حياة وتكون مناسبة لكائنات ذكية تكتشف قوانين هذا الكون، وهذه هي فكرة المبدأ البشري.

2- فكرة الأكوان المتعددة قامت في أساسها على الاحتمالية الموجودة في ميكانيكا الكم، وهذا يقودنا إلى سؤال هام وهو: هل ما ينطبق على العالم الذري وتحت الذري يمكن أن ينطبق على العالم المشاهد والمحسوس أمامنا، ففكرة تواجد الإلكترون في مكانين في آن واحد كما في العالم الذري هل يمكن أن يحدث مثيل لها في عالمنا المشاهد على مستوى الأجسام الكبيرة؟ فضلاً عن أن تحدث في أكوان كبيرة جداً تقاس فيها المسافات بسرعة الضوء؟

3- مع كل اكتشاف علمي أو عند ظهور أي نظرية جديدة يسارع بعض المسلمين -من الشيوخ وعلماء الدين- لإنزال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على هذه النظريات، وهذا أمر لسنا مضطرين إليه، فهذه النظريات لم يتم إثباتها علمياً، والغالب أنه لن يتم حتى إثباتها في المستقبل المنظور على أقل تقدير.

4- يقول فيلسوف العلوم الشهير كارل بوبر: “إن معيار الوضعية العلمية لنظرية ما هو إمكانية تكذيبها أو تفنيدها أو اختبارها”[1] وبمعنى آخر لكي نقول عن نظرية إنها علمية يجب أن تخضع للاختبار والتكذيب، والعكس صحيح، وهذا يقودونا إلى التساؤل حول الأكوان المتعددة: هل هناك دليل على وجود هذه الأكوان؟ وهل هذه الفرضيات يمكن اختبارها علمياً حتى نتبين صحتها من خطئها؟

روجر بينروز

5- يقول روجر بينروز الرياضي الإنكليزي الملحد وصديق ستيفن هوكينغ: “ما معنى أن تقول عن شيء إنه موجود وأنت لن تستطيع من حيث المبدأ ملاحظته؟”[2]، وانطلاقاً من هذا الكلام فأين هي آثار الأكوان المتعددة في كوننا حتى نستنتج ونلاحظ وجودها؟ بينما تبدو آثار الله تعالى ظاهرة في كونه ودالة على عظيم صنعه وقدرته، ويلاحظها الصغير والكبير ويدركها العامي البسيط والعالم المتعمق، وقديماً قال أعرابي بسيط لبيب:” البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير؟”.

6- تنص “شفرة أوكام” على وجوب اختيار التفسير الأقل تعقيداً عندما توجد عدة تفسيرات لظاهرة ما، ومن هذا المنطلق فأمام التصميم الدقيق Fine Tuning لهذا الكون لدينا اختياران؛ إما الاختيار بين إله واحدٍ خالق لهذا الكون أو بين مجموعة فرضيات الأكوان المتعددة، ولا شك أن الاختيار الأقل تعقيداً والأمثل هو وجود الإله.

7- وجود شيء ما رياضياً لا يعني وجوده فيزيائياً أو واقعياً؛ وهذا ينطبق بالطبع على فرضية الأكوان المتعددة، فإثباتها رياضياً لا يعني إثبات وجودها الفيزيائي كما يفترض عالم الكونيات تيغمارك [انظر المقال الثاني من هذه السلسلة]، فالرياضيات تحتوي مثلاً على الأعداد العقدية وعلى اللانهاية، فهل هذه أشياء يمكن أن توجد على أرض الواقع؟ كما أن الرياضيات يمكن تشبيهها بلغة لفهم الكون، وعندما يتعلم أحد الأشخاص لغة ما كالفرنسية على سبيل المثال فهو يتعلمها ليفهم ما يقوله الفرنسيون عن أشياء موجودة بالفعل، إلا أنه إذا صنع كلمة في ذهنه مستخدماً الحروف الفرنسية فهذا لا يعني أن الكلمة الجديدة ستكون موجودة واقعيا بالفعل. وفكرة تيغمارك ليست جديدة، وإنما تعود في أصلها إلى حوالي خمسة قرون قبل الميلاد مع الفيثاغوريين الذين اعتقدوا “أن البنى الرياضية هي في أساس الأشياء جميعها جواهر”[3] ثم اعتبر أفلاطون أن الرياضيات جوهر الأشياء جميعا[4]، وما فعله تيغمارك هو أنه طبق الفكرة السابقة وأدخلها على فرضيات الأكوان المتعددة.

8- من الجدير بالملاحظة أن فرضيات الأكوان المتعددة بنيت على فرضيات علمية أخرى لم يتم إثباتها علمياً حتى الآن؛ وقد حصل هذا مع بعض تنبؤات نظرية التوسع الكوني، ونظرية الأوتار، وتفسيرات العوالم المتعددة في ميكانيكا الكوانتم لهيو إيفريت وغيرها.

9- هل يمكن القول إن فرضية الأكوان المتوازية نوع من الفلسفة أو الميتافيزيقا؟ والجواب الراجح هو نعم، حيث يقول بول ديفيز: “إن فكرة الأكوان المتعددة أو الوقائع المتعددة (multiple realities) بقيت في دوائر الفلسفة لقرون غير أن التبرير العلمي لها هو أمر جديد”[5]، فالعلماء المعاصرون من الملحدين خاصة تلقفوا هذه الفكرة الفلسفية التي وردت بتصورات مختلفة من عدد من الفلاسفة مثل ليبنتز ووليام جيمس وغيرهما، وحاولوا أن يلبسوها لباس العلم بطريقة ما، فالفكرة أصلها فلسفي وتدخل في إطار النقاشات الفلسفية.

أخيراً حتى لو سلمنا جدلاً بوجود هذه الأكوان المتعددة اللانهائية، أو ذهبنا بعيداً إلى أن العلم سيثبت يوماً ما بطريقة ما وجود هذه الأكوان، فهنا يُطرح سؤال بديهي: من أنشأ كل هذه الأكوان؟ ومن أين كانت نقطة الانطلاق؟ ومع هذا السؤال تعود الحلقة المكررة إلى بدايتها ويعود الملحدون إلى ترديد نفس الأسطوانة المشروخة عن نشأة هذا الكون الواحد وعن كيفية نشأة الحياة على الأرض، وتبدأ أحاديث الصدفة والعشوائية ويبقى الملحدون يدورون في هذه الحلقة المفرغة، حتى إن ظنوا أنهم وسعوها بافتراضات عجيبة مثل افتراض الأكوان المتعددة اللانهائية!


الهوامش

[1] غنار سكربك نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة،2012، ص883

[2] Paul Davies ,mind of god,Simon&Schuster,1992 p.191

[3]غنار سكربك نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة،2012، ص65

[4] المصدر السابق، ص116

[5] http://www.nytimes.com/2003/04/12/opinion/a-brief-history-of-the-multiverse.html?pagewanted=all

 

مصادر تمت الاستفادة منها في أجزاء السلسلة:
-لقاءات تلفزيونية ومحاضرات لدكتور باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة اليرموك في الأردن.

-عبد الله العجيري، شموع النهار، تكوين للدراسات والأبحاث، 2016.

-عمرو الشريف، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، 2014.

-ستيفن هوكينغ، تاريخ موجز للزمان، دار التنوير، 2016.

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (2 من 3)

بعد الحديث في المقال السابق عن أولى فرضيات الأكوان المتعددة وهي تفسير العوالم المتعددة في ميكانيكا الكم، نتابع هنا الحديث عن أهم تلك الفرضيات، تمهيدا لنقدها.

هيو إيفريت

فبعد فرضية هيو إيفريت، جاء ديفيد دويتش الفيزيائي البريطاني صاحب كتاب نسيج الواقع أو الحقيقة (the fabric of reality)، وبناء على فرضية إيفريت طرح دويتش فرضية تقول إن الأكوان المتعددة نشأت دفعة واحدة مع بعضها، ويُشبّه دويتش هذا الأمر بوجود مكتبات لانهائية العدد مليئة بنسخ من الكتب التي تشترك مع بعضها بنفس محتوى الصفحة الأولى ولكن تختلف في بقية المحتويات.[1]

ويقول دويتش إن “افتراض أن الديناصورات لم تنقرض، وأنها أسست حياة ذكية وحضارات، ليس مجرد خيال. بل هذا بلا شك موجود؛ حيث تقوم الديناصورات بتطوير المدن وبناء المسابر الفضائية والكمبيوترات المبنية على الرقائق المصنعة من السيليكون لأن هذا الأمر تخبرنا به قوانين الفيزياء…. وهذا الأمر يحصل في كون تكون فيه الذرات بحجم القطط”.[2]

الفارق بين فرضيتي إيفريت ودويتش أن الثاني لم يقل بالتشعب أو الانشقاق الذي قال به إيفريت، واعتمد على ما يسمى فكرة التواريخ البديلة (alternative histories)، حيث يشرح دويتش الفرق بافتراض وجود كتابين يتحدث كل منهما عن قصة بطل يريد اجتياز أحد الأنهار، فهو في أحد الكتابين يجتازه سباحة، وفي الآخر يجتاز النهر من فوق أحد الجسور، فلكل كتاب طريقة مختلفة، أي تكون النهاية متطابقة بينما تختلف التفاصيل، وعند إعادة دمج التفاصيل مع بعضها نعود إلى نفس البداية المتطابقة أيضاً، أما إيفريت فتختلف عنده النهاية مع التفاصيل ولا يمكن العودة إلى بداية أولى متطابقة.

وهناك فرضية أخرى تعود إلى نظرية التضخم الكوني (Cosmic inflation) التي طرحها العالم  الأمريكي آلان غوث، والتي جاءت بدورها كمحاولة للتغلب على المشاكل الموجودة في نظرية الانفجار العظيم (Standard big bang theory)، مثل مشكلة الأفق والتسطح وعدم وجود أقطاب مغناطيسية مفردة وغيرها من المشاكل. ويجدر بالذكر أن نظرية التضخم الكوني بنيت بدورها على نظرية أخرى لم يتم إثباتها علمياً حتى الآن وهناك اعتراضات عليها.

في البداية تفترض نظرية التضخم الكوني أنه بعيد بداية الانفجار العظيم وعند  ثانية من زمن بداية هذا الانفجار، مر الكون بمرحلة تضخم هائل وبسرعة أكبر من سرعة الضوء نفسها -سرعة الضوء تساوي حوالي 300000 كم في الثانية- واستمر هذا الأمر حتى مدة   من زمن البداية، وبعد هذه المدة تابع الكون توسعه ولكن بنسب أقل.

طورت النظرية من عدد من العلماء الذين افترضوا أنه في المراحل الأولى من فترة التضخم البالغة السرعة وُلدت أكوان عدة [3]، وسُمي هذا النموذج بالتضخم الأبدي (Eternal inflation).

المصدر: Yinweichenl/wikipedia

وبناء على نظرية التضخم الكوني اقترح الفيزيائي الروسي الأصل أندريه ليندا نموذج التضخم العشوائي، حيث يكون فيه الكون ذاتي التولد مكونا من أجزاء مختلفة، كل جزء منها يبدو ككون صغير ومستقل عما يحدث في بقية الأجزاء.

ومن الفرضيات الأخرى للأكوان المتوازية الفرضية المعتمدة على نظرية الأوتار (String theory)، حيث تفترض الأخيرة أن الجسيمات الذرية وتحت الذرية ليست جسيمات نقطية عديمة الأبعاد (أي نقاط صغيرة ذات بنية داخلية)، وإنما هي حلقات صغيرة مصنوعة من أوتار تتحرك وتهتز، وهذه الأوتار لها 10 أبعاد أو 11 بعدا حسب النموذج المستخدم من نظرية الأوتار، وهذه الأبعاد تنتج لنا عدد كبيراً من الأكوان قد يصل إلى ، وفقا لحسابات البريطاني ستيفن هوكنغ، وبعض هذه الأكوان مشابه جداً لكوننا الحالي.[4]

ووصل الأمر أخيرا بعالم الكونيات ماكس تيغمارك ليقول إن أي افتراض رياضي لوجود كون يعني أن هذا الكون موجود بالفعل في مكان ما؛ فالوجود الرياضي لشيء ما حسب رأيه معادل لوجوده الفيزيائي!

لي سمولين

بل وصل الأمر بآخرين -كالفيزيائي الأمريكي لي سمولين- إلى تطبيق بعض مبادئ نظرية التطور الداروينية على الأكوان المتوازية، فأدخل مفاهيم الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء على الأكوان التي تتكيف لتبقى![5] ويعدّ سمولين وغوث من العلماء الذين يرون إمكانية نشأة كون جديد داخل ثقب أسود ويتوسع إلى نطاق جديد في “الزمكان” لا يمكننا الوصول إليه.

هنا نصل الى استعراض أهم الفرضيات حول الأكوان المتعددة، وفي المقال القادم إن شاء الله أتحدث عن أعم الاعتراضات والردود على هذه الفرضيات.

 


الهوامش

[1] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc,Hoboken,New Jersey,2009 p.63

[2] Ibid p.62

[3] Rupert Sheldrake, The science delusion,Hodder&Stoughton.,Uk company,2013 p.94

[4] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.167

[5] Ibid pp.189-190

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (1 من 3)

محمد عدنان شيط

 

تصور أيها القارئ الكريم أن هناك كونا آخر انتصر فيه عبد الرحمن الغافقي بمعركة بلاط الشهداء وسيطر على باريس عاصمة فرنسا، وتصور أنه في كون ثالث اكتشف المسلمون أمريكا بدلاً من الإسبان فنجى السكان الأصليون من الإبادة، وتخيل أن كونا آخر انتصر فيه نابليون في معركة واترلو ليهيمن بعدها على القارة الأوروبية بدلاً من أن يقضي آخر حياته منفياً في إحدى الجزر النائية.

لعلها أفكار غريبة وجميلة في آنٍ واحد وتفتح المجال لتخيلات واسعة، لكن الواقع يقول إنه لا يكفي أن تكون الفكرة جميلة أو غريبة كي نصدقها؛ فضلاً عن أن تصدقها الاختبارات العلمية، ومن أشهر هذه الأفكار الغريبة فرضية الأكوان المتعددة أو المتوازية (Parallel or Multiverse Universes).

ربما طرحت هذه الفرضية من قبل الملحدين للهروب إلى الأمام، في محاولتهم لتفسير الضبط الدقيق الموجود في الكون وتفسير المبدأ الإنساني، فهذا المبدأ ينص على أن هذا الكون بقوانينه وبثوابته الفيزيائية الدقيقة جداً معدّ لحياة ذكية تنشأ في هذا الكون، ولو أن ثابتاً واحداً اختلف اختلافاً طفيفاً لما كنا اليوم موجودين.

لنأخذ مثالاً واحداً عن هذه الثوابت، وهو الجاذبية، فلو كانت أقوى بقدر ضئيل جداً مما هي عليه الآن لانهار الكون على نفسه، ولو كانت أضعف بقليل مما هي عليه لما تجمع أي شيء على بعضه ولبقي الكون فراغاً مبعثراً.

ستيفن هوكينغ

أحد أشهر الملحدين ستيفن هوكينغ فسر هذا الضبط الدقيق في الكون بوجود أكوان متوازية، ونفى خلق الكون من إله؛ حيث قال في كتابه “التصميم العظيم”: إن الضبط الدقيق في قوانين الطبيعة يمكن تفسيره بوجود الأكوان المتعددة… إن مفهوم تعدد الأكوان يمكنه أن يفسر الضبط الدقيق للقانون الفيزيائي دون حاجة لوجود خالق محسن يقوم بخلق الكون لمصلحتنا”[1]

وإحدى الطرق الأخرى للهروب من البحث عن تفسير مقنع للمبدأ الإنساني هي القول إن هذا أمر طبيعي وعادي جداً، كما قال مارتن ريس عالم الفلك: “إذا كان هناك مخزون كبير من الألبسة لن يفاجئك العثور على بذلة تناسبك. وإذا كانت هناك أكوان كثيرة وكل كون تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام فسيكون هناك واحد؛ حيث توجد مجموعة من الأرقام الملائمة للحياة، ونحن في هذا الواحد.”[2]

و قبل  الشروع بالحديث عن ماهية فرضيات الأكوان المتوازية لا بد من إشارة صغيرة إلى أنه لو نظرنا إلى المبدأ الإنساني من وجهة نظر إسلامية فما هو إلا مبدأ التسخير الذي ذكره الله تعالى في عدة مواضع من القرآن  الكريم؛ حيث قال تعالى في سورة لقمان: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}، وقال تعالى في سورة الجاثية: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، فهذا الكون مسخر ومعد لقدوم الإنسان له ليحاول سبر أغواره واكتشاف أسراره، والأهم من هذا بالطبع التعرف على خالق الكون من خلال الكون نفسه وقوانينه وعظمة خلقه وحسن وروعة صنعه.

أما فرضية الأكوان المتعددة فهي ليست نظرية علمية وإنما استنتاجات ونماذج مختلفة تولدت عن مجموعة من النظريات الفيزيائية والكونية الأخرى التي دفعت بعض العلماء –خاصة الملحدين- للقول إننا نعيش في عوالم أو أكوان متعددة. وظهرت هذه الفكرة في وقت مبكر مع قصص الخيال العلمي قبل أن تُؤخذ بعين الاعتبار في الأوساط العلمية، ويؤكد هذا جون غريبين أحد أشهر المبشرين بهذه الفرضية في كتابه “بحثاً عن الأكوان المتعددة”.[3]  حيث تحدثت عدة روايات عن الأكوان المتعددة بطرق مختلفة، منها رواية “الرجل في القلعة العالية” للكاتب فيل ديك الصادرة عام 1962، والتي تفترض تاريخاً بديلاً تنتصر فيه دول المحور (ألمانيا، اليابان، إيطاليا) في الحرب العالمية الثانية بدلاً من انتصار الحلفاء (أمريكا، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي).

أهم الفرضيات
نبدأ بأقدم هذه الفرضيات، فكما هو معروف في ميكانيكا الكم (الكوانتم) فإن الجسيمات الذرية وتحت الذرية يتم التعامل معها على أساس احتمالي يخضع لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ  (Uncertainty principle)، حيث تصبح القيم متغيرة.

ويتضح هذا الأمر خاصة عند فهم تجربة الشقين[4]، ففي محاولة تفسير هذا التصرف الغريب الذي تقوم به الجسيمات الذرية وتحت الذرية  جاء تفسير كوبنهاجن، والذي كان أول من طرحه هو الفيزيائي الدانماركي الشهير نيلز بور، فقال إنه لا مجال للحديث عن الإلكترون أو حالته قبل أن نتمكن من رصده.

في مقابل هذا التفسير طرح الفيزيائي الأمريكي هوف إيفريت الثالث ما عرف بعدها باسم تفسير العوالم المتعددة لفيزياء الكوانتم (The many-worlds interpretation of quantum physics) أو المعروف باختصار MWI، فتاريخ هذه الأكوان يبدأ من نقطة واحدة ثم تحصل تشعبات أو تفرعات أو انشقاقات (splitting) مثل شجرة تبدأ بجذع واحد ثم تتشعب منها أغصان أخرى إلى ما لا نهاية.

ووفقاً لهذا التفسير فحالة الجسيمات الذرية متغيرة دائماً لوجود عدد لا نهائي من الأكوان، فهي مثلاً تتصرف في أحد الأكوان كجسيم وفي الكون الآخر كموجة، والفارق بين تفسير كوبنهاجن لبور وتفسير العوالم المتعددة لإيفريت يتضح جلياً في مثال قطة شرودينغر الشهيرة[5] التي لا يعرف هل هي حية أم ميتة، فوفقاً لتفسير كوبنهاجن فإننا لا نستطيع بلورة نتيجة نهائية لحالة القطة قبل أن نفتح الصندوق الموجودة فيه، بينما تفسير إيفريت يقول إن القطة حية وميتة في آن واحد ولكن كل حالة في كون مختلف، فهي حية في كون وميتة في كون آخر.[6]

ومن فرضية إيفريت هذه بدأت تخرج الفرضيات الأخرى حول الأكوان المتعددة، والتي سنتابع في المقال القادم إن شاء الله استعراضاً موجزاً لأهمها.

 


الهوامش

[1] ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص198

[2] بيل برايسون موجز تاريخ كل شيء تقريباً، ترجمة أسامة محمد إسبر، مكتبة العبيكان،2014 ص34

[3] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.29

[4] https://www.youtube.com/watch?v=9xsVDyz3nMo

[5] https://www.youtube.com/watch?v=AQrCgFz4zEE

[6] جون غريبين، البحث عن قطة شرودينغر، ترجمة فتح الله محمد إبراهيم الشيخ، كلمات عربية للترجمة والنشر،2009 ص257 بتصرف