image_print

رحلة مع الغزالي في المنقذ من الضلال

يعدّ أبو حامد محمد الغزالي (450- 505 ه) أحد أهم العلماء في تاريخ الإسلام ممن امتدّ تأثيره قرونًا طويلة بعده، وما يزال بأفكاره ومؤلفاته حاضرًا في العالم الإسلامي في مختلف الموضوعات والعلوم، خاصةً العلوم العقلية في جانبي علم الكلام والفلسفة، أو علوم التزكية كالأخلاق والتصوف، أو في الاجتهاد الفقهي والأصولي من خلال دوره في نقل علم أصول الفقه عن المدرسة الشافعية وتطويره فيه.

إنّ المتأمّل لما تركه الغزالي من كتب سيلاحِظ –لا ريبَ- التنوّع الواسع في موضوعات كتبه وعددها الكبير، فلا يوازي كتبه من -حيث الكمّ- سوى عدد قليل من العلماء، إلا أن أهمّ من ذلك الكمّ هو المنهجية التي أوصلت الغزالي إلى اتباع مدرسة التصوّف التربويّ –بعيدًا عن التصوف الوجوديّ الفلسفي الذي يمثّل الحلاج والششتري نماذج راسخة فيه- سبيلًا للجمع بين العقل والقلب، أو ما يعرف في حقل الدراسات الفكرية بـ “البرهان والعرفان”، وذلك بهدف البرهنة على ما يراه حقيقة لا يمكن إدراكها بالعقل بعيدًا عن عيشها بالذوق، فينتصر بذلك للتصوف الملهَم أو الكشف اللدنّي، معتبرًا إياه الغاية من العلوم، والسبيل الذي تنجو به الأقدام من مزالق الضلال؟

لكن كيف حدث ذلك؟

إن كنت قد وصلت في قراءة المقال إلى هذه النقطة، فإني أدعوك لأن تكمل قراءة ما تبقّى منه لتضع يدكَ على أهم مفاصل الرحلة، أقصدُ رحلة الغزالي التي وصلتنا في كتابه المميّز، “المنقذُ من الضلال والموصلُ إلى ذي العزّة والجلال”.

بين يدي الرحلة، إشارة لا بد منها

يرى نيل ديغراس تايسون أن الغزالي كان سببًا في انهيار الحضارة الإسلامية، وذلك من خلال ادعاءات عريضة أولها محاربة “الفلسفة” وليس آخرها افتراؤه على الغزالي بأن “الرياضيات” من عمل الشيطان، ولذا لا بدّ من تحريمها، ومع تحريمها تراجع المسلمون في العلم وتوقفت عجلة الاختراعات.. وبالتالي انهارت الحضارة الإسلامية!. (1)

وأسرد لك ههنا ملاحظة سريعة، وهي أنّ الغزالي رحمه الله لم يحرّم الفلسفة بإطلاقها، بل كان يحرص على التعمّق في كل علمٍ يطّلع عليه، ويدعو لذلك استكمالاً لضرورات المنهج العلمي، وأن الموقف الذي تشدّد فيه الغزالي لم يكن الفلسفة الطبيعيّة “علوم الطبيعة والفيزياء والكيمياء والطبّ” أو التحليليّة “المنطق” و”سائر العلوم الإنسانية” وإنما تشدّد في آراء بعض الفلاسفة التي تناقِض دين الإسلام في صفات الإله وخلق الوجودِ من العدَم، فكان يرى أن أقوال ابن سينا والفارابي في هذه المسائل كفرٌ يخالف شرعَ الله ونصّه..

وهنا أنتهز الفرصة لأؤكّد أن الفلسفة التي يدّعي لفيفٌ من مناهضي الدين أن الغزالي أنهاها لا تدخل في حقل الفلسفة بمنظورهم أصلاً، لأنها في رأيهم داخلةٌ في جملة الأوهام والخرافات، فوقوف الغزالي ضدها يجب أن يحسَب له لا عليه.

إن الأساس الذي يبني هؤلاء موقفهم من الغزالي ليس مضمونَ فكره وإنّما أساسه، فبما أنه أعلى من شأن العقل تحت سطلة النصّ الإلهي فإن ذلك يعني موتًا للعقلانية التي لا تعتمد على النصوصِ، في محاكاةٍ لما كان عليه الحال من صراع بين الكنيسة والعلم في إرهاصات النهضة وما بعدها في أوروبا، وبالتالي فإنهم يتبنّون نموذج الصراع الأوروبي بين “الدين والعلم” ولا ينطلقون في فهم الغزالي وعصره من منطلقات منهجيّة، فهم بكل اختصار يرون أن ما يُعتَبَر تقدّمًا في أوروبا ضروريٌّ ليكون معيارًا للتقدّم في تاريخ المسلمين، وبالتالي فقد أصبح كتاب “تهافت الفلاسفة” ومن قبله “مقاصد الفلاسفة” للإمام الغزالي بالنسبة لهؤلاء محطة مفصلية حقًا؛ ليس لأن الغزاليّ يزاوج فيهما -ببراعة لم يُسبَق إليها- بين منهجيّة الفلسفة ودقة العلم، بل لأنهم يعتبرون التهافتَ النقطة التي بدأ فيها هدمُ انتشار العقائد المشوّهة عن الله جل في علاه بناءً على آراء فلسفيّة مأخوذة من التراث الفلسفيّ اليوناني، وبذلك حُمّل الغزاليُّ وحدَه مسؤولية انحطاط الفكر العلمي العقلاني في الحضارة الإسلامية في هذه العصور اللاحقة –بحسب رأي هؤلاء- دون الوقوف على الأسباب السياسيّة والاجتماعيّة والسياقات التاريخيّة التي أظهرت فيما بعدُ تطوّرات الدول الغربية بفعل الاستعمار وحركة الكشف الجغرافيّة.

محطّات رحلة الغزالي

لا يمكن فهم أيّ مفكّر دون معرفة الظروف التاريخية والسياسيّة والاجتماعيّة التي عاشها وتأثّر بها؛ فالمفكّر ابن عصره، يؤثّر فيها ويتأثر بها، فكيف إن كان هذا المفكّر هو الغزالي، الذي كان له مقامٌ عالٍ لدى هرم الدولة، ونذر نفسه لمتابعة تيّارات الفكر المختلفة وكشف تحريفاتها وفضح الباطل الذي جاءت به.

لقد تميز عصر الغزاليّ باضطرابات سياسيّة ودينيّة وفكريّة حادّة، وكثير من مواقفه وكتبه ارتبطت بما يجري في عصره سواء كانت من صراعات الأسرة السلجوقية، أو تمرّد الحركات الباطنية، بموازاة تعصّب المدارس السُّنّية ومعاداتها فيما بينها، واشتعال الفِتَنِ بين السُّنة وطوائف الشيعة، إلى جانب وقوع أكبر حوادث العصر في زمنه أي انطلاق الحملات الصليبيّة التي ما زالت بعض آثارها مستمرّة حتى اليوم.

يشرح لنا الغزالي، اقتحامه لجّة هذه الأحداث منذ عنفوان شبابه حتى بلوغه الخمسين من العمر، فيتفحّص عقائد الفرق، ويتعمّق في آراء كل طائفة، وكيف لا وهو الذي يقول: “قد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وُضعتا في جِبِلّتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلّت عني رابطة التقليد، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا” (2)

ولنقف عند شخصيّة الغزالي العميقة، يجب أن نعلم أنه إلى جانب ذكائه الحادّ فقد تتلمذَ على يدِ أهم علماء عصره، وكان من أبرزهم الإمام أبو المعالي الجويني الملقّب بـ “إمام الحرمين”، وقد كانت سعة اطلاعه وشدة ذكائه وشهرته في مناظراته سببًا في أن يوكّله “نظام الملك” وزير الدولة السلجوقية في عهد السلطانين “ألب أرسلان” وابنه “مَلِك شاه” بإدارة المدرسة النظاميّة في نيسابور..

لكن مهلاً، هل ترى أن الغزالي قد وصل إلى مراده؟

شهرة واسعة، وكتبٌ كثيرة، ومديرٌ لمدرسة ضخمةٍ بمقدراتها وأوقافها التي تساوي ميزانية جامعة مرموقة في هذا الزمان، وعلماءُ مرموقون ينتقلون من مختلف البلاد للجلوس بين يديه والسماع منه والعمل في مدرسته، كل هذا وهو لم يتجاوز بعدُ الخامسة والثلاثين، ألا يكفي كلّ هذا الغزاليّ الطَموح ليتوقف عنده..

في حقيقة الأمر فإن هذه الأجواء كانت الباعث لأن يمرّ الغزاليّ بأزمة روحيّة وفكريّة عصفت باستقراره النفسي، وهو في قمّة شهرته وأوج إنتاجه العلمي، وهنا نراه قبيل وفاته بسنوات قليلة –رحمه الله- يبتدرُ الكتابة بطريقة غير معهودة في ذلك العصر، فيسردُ أزمته بشكل أقرب للمذكّرات الشخصيّة والسيرة الذاتيّة بأمانة شديدة في كتابه “المنقذ من الضلال”.

أزمة الغزالي، معالمُ الضياع وخطوات اليقين

لندع الغزالي يقودُ دفّة الحديث، فهو أدرى بما عايشَ ورأى.

يذكر رحمه الله أن منشأ الأزمة جاء من تكرُّر سؤاله نفسه في تصدُّره التدريس، هل ذلك لله أم لغيره؟

نقدّر أن الأمر أخذ وقتًا وصراعًا منه، لكنه في ختام الأمر يقرّ بأن تدريسَه لم يكن خالصًا لوجه الله “بل كان باعثه ومحركه طلب الجاه وانتشار الصيت” وقاده هذا الجواب لأن يشعر بأنه بات “على جرفٍ هارٍ وأنه قد اقترب من النار”

عندما رأى الغزالي هشاشة حياته الروحيّة ترك منصبه المرموق، وانطلق للحج ومن مكّة اتجه إلى بلاد الشام بين دمشق والقدس فيعتزل الناس قرابة 10 سنوات في زاوية صغيرة في الجامع الأموي سنين عديدة، ليخرج من هناك بكتابه وسفره العظيم “إحياء علوم الدين” الذي يعيد قراءة العلوم الإسلامية المختلفة من مدخل روحانيٍّ نقديٍّ لأزمات تلك المرحلة، مبتدئًا الكتاب بالحديث عن العلم منتقدًا فيه علماء الدنيا، ومميّزًا بينهم وبين علماء الآخرة الذين يعتزلون المكاسب الدنيوية وظلّ السلاطين.

كتاب المنقذ من الضلال لصاحبه الغزالي

لا تقف أزمة الغزالي في “المنقذ” عند النطاق الروحي والنوايا الأخلاقية، بل تنتقل إلى أسس الفكر ذاته، فتغدو المسألة أكثر من معضلةٍ شخصيّة وأزمة روحيّة، متحوّلةً إلى هجمة شكٍّ يمكنها أن تهزّ أفكار أرسخ العلماء، فتدفعه لفحص أسس معرفته وعقائده.

هذا ما يذكره الغزالي الذي وصل للشكّ بكلّ شيء، فشكّ في الوجود الخارجي من حوله، وفي صحة الوسائل المستخدمة في العلوم الدينية والفكرية –سابقًا بذلك رينيه ديكارت في الشك بعدة قرون- ليصل بعدَ حوارات مطوّلة مع الذات إلى تأكيد أن العالِم ينطلق بالشك إلى المعرفة اليقينية على ضوء أدلّة العقل والإلهام الإلهي.

لعلّ أجمل ما في حوارات الغزالي صراحتُه، فهو لا يتوقف عند إلقاء الشبهات أمام الأديان الأخرى، بل يواجه نفسه بالشبهات ليبحث عن الحق، فعلى سبيل المثال حين يرى أن تديّن المجتمعات مغروس في أنفس الأطفال بفعل الآباء والأمهات، فإنه لم يتوقف هنا عند ضرب المثل باليهود والنصارى، وإنما ذكر إلى جانبهم المسلمين، لكنه يدعم هذا الاشتباه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) [أخرجه البخاري] ومن هنا يرى أن التحرك لطلب الحقيقة مغروس في الفطرة الأصلية، وأن حقيقة العقائد العارضة آتٍ عن التقليد سواء للآباء أو المعلّمين وأن الحق يكون في البحث عن اليقين بالدليل.

يتجه الغزالي لعلاج الشكّ من خلال البحث عن حقائق الأمور، فـ “العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنُه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنًا لليقين مقارنة لو تحدّى بإظهار بطلانه – مثلاً – من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكًّا وإنكارًا” (3).

هنا يندفع الغزالي لتفتيش علومه، فكل ما خالف القاعدة السابقة يستبعده واحدًا تلو الآخر حتى يصل إلى نقض معارف الحواسّ وصولاً لبعض أفكار العقل الذي قد يخيّل للإنسان ما ليس بحقيقة كأنه حقيقة كرؤى الأحلام.

استمرت رحلة الشك شهران، إلا أن الغزالي وصل إلى اليقين الذاتي بدءًا من نفسه ثم وجود خالق له بفضلِ “نور قذفه الله تعالى في الصدر” (4)

صفوة القول، إن المنهج الشكي عند الغزالي يرتكز على محورين اثنين في تحقيق اليقين، أولهما، الإلهام الإلهي الذي يخصّ الله به عباده المتقين، وثانيهما: العلمُ اليقيني المبنيّ على الدليل، وهذه القاعدة –أي الثانية- كانت منهج الغزالي في تعلّم العلم، فهو القائل: “علمت يقيناً: أنّه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقفُ على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمَهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيدَ عليه، ويجاوز درجته فيطّلع على ما لم يطّلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدّعيه من فساده حقًّا”. (5)

رحم الله الغزاليّ وعلماء المسلمين، ونفعنا بهم أجمعين.


الإحالات والمصادر:

(1) نيل ديغراس تايسون، يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=pYn0uafJP-k

(2) المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي، تعليق: د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة، د.ت.ن. ط. ص: 110.

(3) المصدر السابق، ص: 111.

(4) المصدر السابق، ص: 115.

(5) المصدر السابق، ص: 126.

قراءة في كتاب “لماذا الدين ضرورة حتمية؟”

تمحورت كثير من كتابات د. هيوستن سميث اللاهوتي الأمريكي وأستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية، حول الأزمة الروحية الحاضرة لإنسان عصر الحداثة وما بعدها، وقدم في كتب متعددة دراسات نقدية وفلسفية واجتماعية وتاريخية تشرح ملامح تلك الأزمة وما أنتجته من تصور مادي للعالم يقلص وجود الإنسان ويحرمه من كل أبعاده الروحية، وما يتبع ذلك من اختناق روحي وفقدان للأمل وسيطرة للمادية والفردية والاستهلاكية والأنظمة القانونية المتنكرة للقيم الدينية والسياسات الحكومية المجردة من المبادئ الأخلاقية مشبهاً ذلك بنفق مظلم حبس فيه إنسان الحداثة الفاقد للإيمان.

نقصد في المراجعة الآتية التعرض لأحد أهم كتبه، “لماذا الدين ضرورة حتمية”[1]، باحثين عن أهم الأفكار التي نطقت بها كتاباته المدافعة عن الدين في وجه انبعاثات الإلحاد وامتداداته.

من هو د. هيوستن سميث؟
هو أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب مؤلّف “أديان العالم” أحد أكثر الكتب مبيعا ورواجا في الولايات المتحدة وعدة دول أخرى، وقد دافع في كتاباته ومحاضراته عن ضرورة وجود الدّين في حياة البشرية مؤكّدًا أنه الطريق الحتمي لمواجهة طغيان المادة وانحطاط الأخلاق، وركّز على في كتابه هذا على “بيان روح وحكمة أديان العالم وفلسفتها وجوهرها المشترك، ومخاطر عصر العلم والحداثة في ابتعاده عن الإيمان وخوائه الروحي الذي أغرق الغرب في نفق المادية المظلم وسجن الفردانية والأنانية التعيس.” كما يُلخّص ذلك مترجم الكتاب.

هيوستن سميث كاتب كتاب "لماذا الدين ضرورة حتمية؟"

هيوستن سميث

أعرب المؤلّف عن رفضه الشديد لفكرة انحصار النجاة بالديانة المسيحية التي تتردّد كثيرا في أوساط البروتستانتية، معتبرا إيّاها جهلا ذريعا بحقيقة ما يتضمنه معنى الدين الحقيقي من عُمق روحيّ أصيل، فقد أكسبت دراسة الكاتب للأديان الوضعية والسماوية آفاقًا متعددة في فهم دور الدين وضرورته في مواجهة التيارات المادية في الحضارة المعاصرة

أهمّ أفكار الكتاب:
ينطلق الكتاب من مقولة عالم الأحياء البريطاني “جوليان هوكسلي”[2] حوالي منتصف القرن الماضي أنّه عما: “قريب سيصبح من المستحيل لأي رجل أو امرأة ذكيّ ومتعلّم أن يعتقد بوجود الله كما هو من المستحيل اليوم الاعتقاد بأنّ الأرض مسطّحة” ومن ثمّ يبدأ بتفكيك هذه المقولة، ويؤكّد في سياقاته المختلفة قضية “لماذا الدين ضرورة حتمية؟”.

يشير الكاتب إلى أن الفكر المادي لا يتجاوز النظر فيما هو مادي محسوس إلى ما هو معنوي مُجرّد، وأنه يشبه إلى حدّ بعيد قدرات العقل في مراحل الإنسان الأولى حيث يسهل عليه استيعاب المفاهيم المادية ويصعب عليه إدراك المجرّد والمعنوي، إضافة إلى أن مقولة “جوليان” تتضمن الأفكار الثلاثة التي تقلقه –حسب تحليل مؤلّف الكتاب- وهي: نقد النظرية الداروينية، والاستدلال على أنّ الكون تمّ تصميمه بدقة عظيمة غير متناهية، والقبول بإمكانية أن يتدخّل الله في التاريخ.[3]

في معرض حديثه عن نظرية داروين، يقول الدكتور هوستن سميث: “في الواقع هناك نقاش مشتعل بشراسة بين العلماء أنفسهم حول نظرية دارون، وتغذّي ذلك النّقاش تعليقات مثل: “فريد هويل” المشهور اليوم، الذي يقول إنّ فرصة الاصطفاء الطبيعي لإنتاج إنزيم واحد تماثل فرصة أن يؤدي إعصار يهبّ على فناء صناعة إلى إنتاج طائرة بوينغ747، فنراه وغيره من العلماء متراصّين في دعم الداروينية عندما يظهر الدّين في الصورة.

الحاجة إلى بديل
لا شكّ أننا نحتاج إلى بديل، يحدث المؤلف قارئيه عن توماس تشارلمز الذي كان يلقي خطبه في الكنيسة، فتحدث في إحداها عن حادثة جرت معه عندما كان على متن عربة خيول تسير بهم في طريق جبلي، فعندما وصلت العربة إلى طريق ضيّق على حافة منحدر شديد، بدأ الحوذيّ (سائق العربة) بضرب خيوله بالسوط بشدة، الأمر الذي بدا لـ “تشارلمز” عملا خطيرا، لكن قائد العربة أوضح له أنّه كان عليه فِعْل ذلك ليصرف انتباه الخيول عن الخطر المُحدِق بهم في ذلك الطريق. إنّ لذع السياط جعلتهم ينشغلون بشيء آخر يُفكّرون به.

ينقل هيوستن عن تشارلمز قوله: إنّ الأمر لا يختلف بالنسبة للبشر. إنّ الناس لا يتخلّون أبدا عن عاداتهم المألوفة السيّئة بقوّة العقل ولا بقوة الإرادة، إنّهم يحتاجون إلى شيء جديد يُفكّرون به ويستجيبون له”، يعقب هيوستن في معرض استدلاله عن رأيه بأنه بدلًا من تضييع الوقت في تفنيد نظريات فرويد مثلا، فإنّ في فهم روعة البديل الآخر ما يُغنينا عن ذلك تماما كما فعلت لذعات السياط بالخيول.

بين التصوّر التقليدي والتصور المادي للعالم
هنا يستفيض هيوستن في الحديث عن مساوئ فكرة البديل إذا كان أسوأ من المستعاض عنه: فـ”إذا سعى شخص ما إلى صُنع مصيدة للفئران أفضل من المصائد المتوفّرة حاليا فإنّ هدفه مفهوم ومحترم ولا نملك إلاّ أن نرجو له التوفيق. ولكن إذا سعى أحدنا إلى صُنع مصيدة للفئران أسوأ من الموجود، فإنّ مسعاه قد يحتاج إلى تفسير يُقدّمه لنا طبيب نفساني. إذا نقلنا هذه الاستعارة إلى ساحة الإيمان بالغيبيات، فإنّ المعنى هو التالي: سواء كان التصور التقليدي للعالم حقا أم باطلا فإنّه تصوّر واضح وقابل للفهم على نحو شفّاف. أمّا التصوّر العلمي للعالم فإنّه ليس كذلك، لأنّه طالما أقصى العلة الأولى والنهائية من حسابه مطلقا، فإنّه يضعنا أمام طريق مسدود بشأن أسئلة ليس لديها أي إجابة عنها.” هنا يعلّق المترجم على هذا الكلام شارحا: لدينا تصور قديم للعالم  يعطينا إجابة عن كل شيء. سواء آمن به العلميون أم لم يؤمنوا، لا يحق لهم أن يطالبونا باستبداله إلاّ إذا كانوا بصدد إعطائنا تصورا أفضل منه.

لا يخفى أنّ هدف الكتاب الرئيسي هو تبيين قُصور التفسير المادي العلمي للعالم واقتناع صاحبه أنّ التفسير التقليدي (الديني) للعالم هو التفسير الأصحّ. فقد سعى الكاتب لحشد البراهين والنماذج الشاهدة على صحّة ما ذهب إليه.

فقد شبّه النظرة العلمية المادية للعالم بهذه الصورة في الحكاية الآتية:

تصوّر نفسك في بيت شعبي من طابق واحد في شمال الهند، وأنت أمام شباك زينة يُطلّ على منظر مدهش لجبال الهمالايا؛ إنّ ما فعلته الحداثة، في الواقع، مُشابه تماما لكونك تقوم بإسدال ستارة أمام تلك النافذة حتى مقدار بوصتين فقط فوق عتبتها وأرضيّتها. عندما أُمِيلت أعيُننا نحو الأسفل أصبح كلّ ما يُمكننا أن نراه الآن من الفضاء الخارجي هو الأرض التي بُنيَ عليها البيت.

في تشبيهنا هذا تُمثّل الأرض العالم الماديّ، ولكي نُعطي الأمور حقّها عندما تستحق ذلك بجدارة، نقول: إنّ العلم قد أظهر لنا العالم رائعا جدا بشكل لا يُصدّق. ولكن مع ذلك فإنّ هذا العالم الذي يظهر لنا، ليس جبل ايفريست.

إي إف سكيوماخر (من موقع جودريدز)

في موضع آخر ينقل حكاية عن دليل الحائر للكاتب “إي إف سكيوماخر” تحدث فيها عن تيهه وضلاله الطريق بينما كان يُشاهد معالم مدينة موسكو في العهد الستاليني. وبينما كان يبحث مرتبكا محتارا في خريطته، اقترب منه مرشد سياحي وأشار بأصبعه على الخريطة ليُبيّن له المكان الذي كانا يقفان فيه، فاعترض “سكيوماخر” قائلا:

– “ولكن أين تلك الكنائس الكبيرة التي نراها حولنا؟؟”

– أجابه المرشد السياحي بكل جفاف: “إنّها ليست مبيّنة على هذه الخريطة، نحن لا نُظهر مواضع الكنائس على خرائطنا.”

– “ولكن هذا غير صحيح، إنّ الكنيسة الموجودة هناك في زاوية الشارع، نجدها مُشارا إليها في الخريطة.” أصرّ “سكيوماخر” معترضا.

– أجابه المرشد السياحي: “أوه، هذه كانت كنيسة فيما سبق، أمّا الآن فهي متحف.”

ويُواصل “سكيوماخر” قائلا: حالتنا تشابه هذه القصة تماما. إنّ أغلب الأشياء التي اعتقد بها معظم البشرية، لا تظهر على خريطة الحقيقة التي حَصَلْتُ عليها من تعليمي في جامعة أكسفورد، أو لو ظهر شيء من تلك العقائد على الخريطة فإنّه يظهر كإشارات إلى متاحف، أي إلى أشياء اعتقد بها الجنس البشري في عهد طفولته (قبل أن ينضج)، ثمّ عندما بلغت البشرية سنّ الرشد، لم يَعُد الناس يؤمنون بها (صاروا ينظرون إليها كآثار الأسلاف كما ينظرون لآثار القدماء في المتاحف)” !!

 إنّ الغرض من هذه الحكاية ومن الصورة التي سبقتها: أن نستحضر في أذهاننا حقيقة أن العلم “في عملية إمطارنا بالمنافع المادية والمعرفة الهائلة بالكون المادي الطبيعي “محا وأزال الأمور الفائقة على المادة، من خريطتنا للحقيقة”

عندما ينكر العلماء –الماديون المقتنعون بالمادية- وجود أيّ شيء سوى الأشياء التي يمكنهم أن يُشغّلوا أدواتهم العلمية عليها، يجب أن يُوضّحوا أنّهم إنّما يُعبّرون في هذا الأمر عن آرائهم الشخصية كأيّ شخص آخر، ولا يدّعون حجية العلم في رأيهم هذا. ومن جهة أخرى، يجب على المتديّنين ألاّ يتدخّلوا في العلم طالما كان علما أصيلا لم يُنمّق ويُزخرف بالآراء الفلسفية التي هي من حقّ كل شخص.

ملاحظات وتنويهات عامة
يتألف الكتاب من جزأين وخاتمة ويتضمن كل جزءٍ عدداً من الفصول، أما الفصل الأول فيقدم تمهيداً تاريخياً متبعاً فيه المراحل التاريخية الثلاث التي أوصلتنا للمرحلة الحاضرة، ملقياً الضوء على الإنجازات والإخفاقات في كل عصر، والفصل الثاني يصف الأبعاد الروحية للعالم الذي كان يعيش فيه الناس قبل أن تحولهم القراءة الخاطئة للعلم الحديث إلى النفق المظلم وهي العبارة التي استخدمها المؤلف كاستعارة رئيسة في هذا الكتاب. وصف هذا النفق المظلم وجوانبه الأربعة يحتل الجزء الأول من الكتاب.

أما الجزء الثاني من الكتاب فينظر للمستقبل الذي رمز إليه المؤلف بالنور في آخر النفق، حيث تلامس فصوله الأولى بعض التنبؤات، ثم تستقر على مهمتها الأساسية وهي وصف ميزات ومعالم الرواية الدينية الواسعة الثابتة غير المتغيرة. والاستراتيجية المتبعة هي المعالجة الواضحة والمباشرة.

لعل مما يلفت انتباه القارئ العربي في الكتاب هو كثرة استطراد الكاتب في سرد تجاربه الشخصية لأجل توضيح أفكاره ونتائجه التي يُريد الوصول إليها ممّا يجعل الفهم سهلا في بعض الأحيان و مستعصيا في أخرى.

يقوم الكتاب على منهج الاستعانة بالكتب في معظم الفصول والمباحث التي ألّفها؛ فيختار لكل فصل كتابا يدعم فكرته ومن خلال مناقشته للكتاب يُوصل رأيه بسهولة ويُسر. فهو يُضفي على النص ثراءً ويعرّف القارئ بعناوين جديدة.

تحدّث الكاتب كذلك عن مساهمة الإعلام والتعليم الجامعي والقانون في تكريس النظرة المادية للعالم، فهذه الفصول من الكتاب تُعطي فكرة مجملة عمّا وصل إليه التفكير في المجتمعات الغربية حول الدين والإيمان، وهي من بين أهم الفصول الواردة في الكتاب.

في خاتمة كتابه توجّه د. سميث بانتقادات، على شكل نداء، للعلميين الذين يعتبرهم مجرّد قلّة قليلة. ذكّرهم في ذلك بعظماء بينهم أفضل منهم يحترمون الدين ويولونه أهمية. فعليهم إذا أن يحترموا الدين كما يحترم المهتمون بالدين العلم موجهًا خطابه لهم “هذه القراءة الخاطئة للعلم هي المسؤول الأوّل والرئيس عن إدخالنا في النفق –أي نفق المادية المظلم-، لأنّها تُقلّل من شأن الفن والدين والحبّ ومعظم الحياة التي نعيشها على نحوٍ مباشر عندما تنكر قدرة تلك العناصر على أن تعطينا أية بصائر، نحتاج إليها لإكمال ما يمُدّنا به العلم. هذا الموقف يُشبه أن نقول إنّ أهمّ ما في الإنسان هيكله العظمي كما يظهر على لوحة الأشعّة السينيّة !. إنّ خروجنا من النفق يتطلّب من العلم أن يُشارك في مشروع المعرفة مع سائر المناهج والطرق المعرفيّة الأخرى بدرجة متساوية لا سيما مشاركته منهج المعرفة الذي يتّبعه “طالبو الله”.


[1]  الكتاب من ترجمة د. سعد رستم وقد ترجمه ترجمة رفيعة وأثراه بإضافة الهوامش والتعليقات الجانبية التي تسهّل على القارئ العربي عملية الاستيعاب والتعرّف على أسماء جديدة، وقد نشرت الكتاب دار الجسور الثقافية، سوريا.ط1، 2005.

[2]  جوليان هوكسلي(1887-1975) عالم أحياء بريطاني اشتهر بإيضاحه المفاهيم العلمية لعامة الناس، متخرّج من جامعة اكسفورد.

[3]   د.هوستن سميث: مصدر سابق، ص103.

الإلحاد بين القديم والجديد

كانت العقائد الدينية المنزّلة السليمة – وحتى المحرّفة- ذات دلالة واضحة وكافية على وجود بارئ للكون والإنسان، إلّا أنّ انغماس النّفوس الضعيفة في الترويج للباطل يحثّ الناس على التشبّث بروح التّمرد على الدين، مما يزيد حجم مخالفة البشرية لنداء فطرتها، ويسهم في ازدياد الإعراض عن آيات الله في كونه وجحده خالقًا بارئًا، مما يفسّر جزءًا من ظهور الملاحدة في كل عصر ينادون بأفكارهم الشّاذة والترويج لآرائهم المناقضة للمنطق، وممانعة الحقّ بإنكار وجود الله عزّ وجل والعمى عن رؤية آياته.

لقد أنزل الله عزّ وجل آياته تدعو إلى الحق، وسخّر رجالاً في كلّ عصر يحملون لواء الدفاع عن دينه، ويصدّون أفكار المتمرّدين على رسالات الأنبياء بالحكمة والموعظة الحسنة، منعًا لانتشار تُرّهاتهم بين الناس، وإيقافًا لتسرّب ضلالاتهم فتعمل على إفساد إيمانهم.

الإلحاد بين الصعود والخفوت
إذا أردنا أن نعود إلى أصل نشأة الإلحاد في البشرية، فإننا نجد أنّ المشكلات التي يواجهها الإنسان على مرّ العصور لطالما كانت تأخذ طابعاً أخلاقياً ينمّ عن وجود خلل عقدي في النفس البشرية، والإلحاد مشكلة عقدية من أعظم المشكلات التي واجهها العالم قديماً، ومازال يواجهها في العصر الحديث، وهو السبب الرئيس لجميع المشكلات الأخرى والاضطرابات التي تواجه العالم، ولم يستطع التقدّم الحضاري أن يجد حلاًّ نهائيا لهذه المشكلة، وقد كان للإسلام دور عظيم في معالجتها، فقد اعترف القرآن الكريم بوجود الدهريين وأمر المسلمين بحوارهم والردّ على شبهاتهم ، وسجّل صوراً من جدلهم فقال: {وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدّهرُ ومالهم بذلك من علمٍ إن هم إلا يظنّون* وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات ما كان حجّتهم إلاّ أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين}[ الجاثية: 24-25].

وقد سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أفكار وفلسفات إلحادية، تَمثّلها من افترى التناقض بين الدين والفلسفة والعلم والعقل، وتطوّرت الأفكار الإلحادية مع الزمن إلى أن تبلورت بشكل مختلف تماماً عن حالها الأول، حيث أنشئت منظمات ومؤسّسات وجمعيات ومنتديات تجمع مفكّري الإلحادي تحت  مسمّى مذاهب وتيارات، وتبنّت الإلحاد دول عظمى –كالاتحاد السوفييتي المنحلّ- حرمت رعاياها من اقتناء أيّ كتاب مقدّس، وعدّت كل من اقتناها مجرماً يعاقَب قانونًا، مما جعل الملحدين يأخذون نفساً في كل مصرٍ وقطر، ويحاربون الدين باسم العلم ومن ورائهم دولٌ ومؤسسات ترعى حقوقهم.

شعار الاتحاد السوفييتي متبني الإلحاد

وها نحن نرى اليوم أن ملفّ الإلحاد لم يطوَ كاملاً، بل يلاحَظ أن حضوره يتصاعد وأن انتشاره يزداد منذ ركوب رجالاته وداعميه ثورة التكنولوجيا الرقمية وانتشار شبكات التواصل واستغلالهم أزمات البشرية وكوارث العالم للدعوة إليه وتشويه مبدأ التديّن والإيمان بالغيب تحت غطاء العقلانية.

دعاوى قاصرة حول الإلحاد
تواجه المجتمعات تحدّي انتشار ظاهرة الإلحاد اليوم، ويعود سبب كبير لهذه الظاهرة إلى غياب اهتمام أكثر المفكرين والعلماء عن إدراك أغلب المستجدات حيال هذا الملف؛ بل إن كثيراً منهم لا يكاد يخرج تصوّره عن واقع الإلحاد اليوم عن أحد تصورين:

الأول منهما يتلخص في القول: إن الإلحاد ما هو إلا مشهد استثنائي في البشرية وشذوذ نفسي، وأنه قلّما نجد ملحداً في مجموع الجنس البشري، فهم –برأيهم- قلة ضئيلة لا تكاد تذكر نسبتهم إلى مجموع البشر، وقد يسانَد هذا القول ببعض المقولات التراثية؛ كمقولة الإمام الشهرستاني: “أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدّهرية”.

أما التّصور الثاني: فيقول إنّ الإلحاد ما هو إلا حالة اقترنت في العهد القريب بالحالة الشيوعية، ففي الوقت الذي تمددّت فيه الظاهرة الشيوعية تمددت فيه الظاهرة الإلحادية، وحين تقلصت الشيوعية تقلّص الإلحاد، وبالتالي يستغرب أصحاب هذا الوصف الاهتمام بملف الإلحاد في هذا الوقت الذي انحسرت فيه ظاهرة الشيوعية منذ سنوات.

وللإنصاف فإنّ الدول التي تحللت من قبضة الشيوعية شهدت عودة كبيرة للتدين وترك الإلحاد، ولكن دولًا أخرى شهدت تمدُّدًا وتصاعدًا في ظاهرة الإلحاد، وهذه الموجة تستدعي رصدها وتسليط الضوء عليها للحدّ من انتشارها، كما أن هذا التصور لا يمكن قبوله بشكلٍ مطلق إذا ما نظرنا إلى الإلحاد ببعدها التاريخي، إذ إنه موجود قبل وجود الشيوعية في الواقع وبعدها.

الإلحاد في الغرب قديماً وحديثاً
لقد كان الإلحاد عند الغرب ناتجاً عن سيطرة الفكر المادّي، ومع إقرارنا بأنّه لا تعارض بين الكشوفات العلمية وقضية الوجود الإلهي، إلا أن الإلحاد استقطب قطاعاً عريضاً من الفلاسفة والمفكّرين الغربيّين وشرائح من الجماهير منذ الجاهليّة اليونانيّة إلى العصر الذي نعيش فيه، ويعيد دارسو الفلسفة القديمة ظاهرة الإلحاد إلى الفيلسوف اليوناني ديموقريطس (460 -370 ق م) الذي أعاد تولد العوالم وموتها إلى الضرورة والصيرورة، دون أن تحتاج إلى خلق الإله لها، ولعلنا نجد أهميته بوصف كارل ماركس (1818-1883م) له، فهو أوّل عقل موسوعي بين اليونانيّين –بتعبيره-، أما لينين (1870-1924م): فيرى أنّه ألمع دعاة المادّيّة في العالم القديم.

كارل ماركس متبني الإلحاد

كارل ماركس

 لقد صار –الإلحاد- مع تطوّر الحضارة الغربيّة مذهباً فلسفيّاً، وبلغ ذروته مع الماركسيّة بمادّيتها الجدليّة والتاريخيّة التي هيمنت على أحزاب وحكومات ومجتمعات مثّلت أكبر ظواهر الإلحاد في التّاريخ الإنساني، إلى أن جاء سقوطها المدوّي أوائل العقد الأخير من القرن العشرين.

ولا يُنكر بحال من الأحوال بأنّ ولادة الإلحاد في الغرب كانت أقدم من الكنيسة، إلا أنه انتشر بشكل واضح وعلني بعد أن وضعت الكنيسة قيودها على عقول الشعب، وأحكمت علهم الضغوطات الدينية، ففي منتصف القرن الثامن عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر أصبح الإلحاد منهجاً وفلسفة يُبشّر بها على أيدي فلاسفة مختلفين بدؤوا بتحليل الظواهر العلمية والنفسية والاجتماعية بطريقة جديدة لا دور للخالق في هذه الظواهر.

ومع القرن العشرين انتشرت الفلسفات الوضعية التي يعدّ أوجست كونت (ت:1857م) المؤسّس الأول لها، فهي تتعامل مع الظواهر والوقائع المادية فقط وتتبنى شعار (ما لا يمكن رصده، لا وجود له) رافضة كل تفكير في الغيبيات وعلى رأسها الإله.

إلحاد متنامٍ بين الواقع والأسباب
لا بد من الإشارة إلى أنّ كثيرًا ممن ألحد من شباب العرب وشيبها في العقود الأخيرة لم يكن عن نتاج بحث وطول نقد وتفكير، وإنما انجرارًا مع التيّار أو ضياعًا مؤكّدًا لمن لا أساس علمي له أمام الشبهات الملقاة عليه، فالإلحاد المتصاعد لدى كثير من شباب العرب اليوم بعيد كلّ البعد عن دعاوى العقل والبحث، لأنه لم ينبع منهما بكل بساطة، وإنما كان مرآة لتقليد الغرب وانكسارًا أمام الشبهات.

عودة على وصف الإلحاد بأنه قليل وأهله “شرذمة” كما ورد في كلام الإمام الشهرستاني، إلا أنه لا يمكن القبول بهذا الوصف عن الإلحاد في المرحلة التاريخية القديمة له، إذ إن الواقع العقدي الذي نشهده اليوم مختلف تماماً عن واقع هذه المقولة، فانتشار الإلحاد في العالمَين الغربي والعربي واتساع خارطته يشي بأن أهله يزدادون وأنشطتهم تتصاعد وتأثيرهم ينمو في الواقع، فبحسب كتاب حقائق العالم الصادر عن CIA فإن نسبة معتنقي الإلحاد تجاوز 2،01%من مجموع الجنس البشري، ويمثل اللادينيون 9،66% وذلك بحسب إحصائية صدرت عام 2010م، هذا وفي الوقت الذي يمثّل فيه اليهود 0،22% فقط من مجموع البشر.

أما بالنسبة للعالم العربي فقد كانت نتائج الإحصائيات مخيفة بحسب ما أعلن معهد غالوب الدولي عام 2012م، بعد أن أجرى استطلاعًا في عدد من الدول العربية شمل ألوفًا من مختلف شرائح الشباب في هذه المجتمعات، أوضح أن نسبة الملحدين قاربت 6%من سكان المملكة العربية السعودية لتكون بذلك أول بلد عربي يتجاوز الإلحاد فيه نسبة 5% مقابل 75%من المتدينين و19% ممن يرون أنفسهم غير متدينين.

وبطبيعة الحال فإنّ هذه الأرقام تقفز سريعاً وبشكل كبير في أيامنا الحالية في عصر الانفتاح الالكتروني وتبادل الأخبار والعلوم والأفكار بسرعة لم يكن العقل الإنساني يتخيلها. إلا أن هذه الأرقام تؤكد بدورها أن ثمّة تغيراً كبيراً في طبيعة التوزيع الديموغرافي للملاحدة اليوم، وأن الإلحاد لم يعد تلك الحالة الشاذة في المشهد العقدي.

إن من أبرز الأسباب التي ساعدت في انتشار الإلحاد في تلك الفترة هي الظروف السياسية والاجتماعية، التي أودت بالشباب إلى إنكار وجود مدبر لهذا الكون، أو منشئ له، والمتهم هو الإسلام كما يدعي الفكر الإلحادي العربي، وعلى رأسهم من اتبع ايديولوجيات غربية إلى حد الماركسية، أو القلّة منهم التي قلدت الفئة الوجودية.

إنّ الإلحاد موجود بين البشر وليس بغريب عنهم؛ فهو ظاهرة قديمة متجددة تنمو تتطور بواقع الحال، ويجب أن نقرّ بوجودها إلا أنها حالةٌ غير شرعيّة لروح البشرية، وشذوذ عن الفطرة السليمة، ونشاز في تناغم الإنسان مع مطالب الروح، ولا بدّ من بذل الجهد في البحث عن أسباب هذه الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لمكافحتها.


المصادر والمراجع:

  • الله والإلحاد، القس الدكتور أمير ثروت، النشر p t w ، مطبعة سان مارك.
  • الإلحاد في الغرب، رمسيس عوض، سينا للنشر، القاهرة، الانتشار العربي، بيروت ط1،1997م
  • الإلحاد مشكلة نفسيّة، عمرو شريف،ط1 نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة، 1437ه/2016م
  • نظرات في الفكر الإلحادي الحديث، مشير عون.
  • الإلحاد في العصر الحاضر وموقف العقيدة الإسلامية منه، عبد العزيز المحمدي.
  • الملل والنحل، الشهرستاني، ت: محمد الكيلاني.

معجزة الخلق.. فيديو يصور للمرة الأولى طيّ الحمض النووي الريبي

على الرغم من وجود مقاطع فيديو كثيرة تمثّل عمليّة طيّ الحمض النووي الريبي (RNA)، إلا أنها ليست سوى نماذج تقديرية تولّدها الحواسيب مبنيّة –في مجملها- على التقديرات والافتراضات، مما يجعلها مليئة بالثغرات، إلا أن دراسة جديدة لفريق من جامعة نورث وسترن أظهرت فيديوهات تمثيلية دقيقة لكيفية طي جزيئات الحمض النووي الريبي حيث تلتئم الخلايا بعضها مع بعض بهدف أداء وظائف محددة، وذلك في إنجاز مذهل يمكن أن يساعد في تطوير علاجات للأمراض المرتبطة بالحمض النووي الريبي، بما في ذلك مرض ضمور عضلات العمود الفقري وفايروس كورونا الجديد.

في هذه الدراسة التي نُشرت في 15 يناير/كانون الثاني الجاري، في مجلة (Molecular Cell)، تمكّن العلماء من تطوير تقنية جديدة لتصوير مقاطع فيديو لـ”آر إن إيه” ‏-الجزيء الجيني الذي يخبر الخلايا عن كيفية بناء البروتينات- باستخدام البيانات التجريبية وخوارزمية حاسوبية،حيث طوّر فريق من الباحثين بقيادة جوليوس ب. لاكس برنامجًا حلل البيانات المتوفرة حول طي الحمض النووي الريبي أثناء تصنيعه، وذلك باستخدام أدوات حسابية لتنظيم هذه البيانات والكشف عن النقاط التي ينثني فيها الحمض النووي الريبي وما يحدث فيه بعد هذه العملية، لينتج الباحثون أول فيلم على الإطلاق يعتمد على البيانات حول كيفية طيات الحمض النووي الريبي كما تصنع بواسطة الآلات الخلوية، ومن خلال مشاهدة مقاطع الفيديو الخاصة بهذا الطي، اكتشف الباحثون أن الحمض النووي الريبي غالبًا ما ينثني بطرق مفاجئة مثل ربط نفسه في عقد- ثم فك الارتباط على الفور للوصول إلى بنيته النهائية.

وتُظهر مقاطع الفيديو الجديدة المذهلة كيف يتشابك “آر إن إيه” في عقدة غير منتظمة أثناء تشكلها ثم تفكيك نفسه في الثانية الأخيرة وذلك بطريقة أدهشت العلماء.

يقول لاكس: “يحدث الطي في جسمك أكثر من 10 كوادريليون مرة في الثانية” يحدث ذلك في كل مرة يتم فيها التعبير عن الجين في خلية، ومع ذلك فنحن لا نعرف سوى القليل عنها، تتيح لنا أفلامنا أخيرًا مشاهدة حدوث الطي للمرة الأولى “.

الحمض النووي الريبوزي
يقسم الحمض النووي لنوعين، أولهما الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين “دي إن إيه”(DNA)، الموجود في نواة الخلايا الحية، وثانيهما الحمض النووي الريبوزي “آر إن إيه” (RNA) الذي يوجد لدى ‏كل الكائنات الحية‎ ‎والفيروسات، إلا أنه لا توجد بنية مستقرة دائمة للحمض “آر إن إيه”، حيث يمكن له التسلسل ضمن عدد من البنى، ولوحظ أن لديه ما يزيد على 150 نوعا من الترابط، وتحتوي جينومات كثير من الفيروسات‎ على “آر إن إيه” فقط بصفته حاملا للمعلومات الوراثية، ‎وتوجد دراسات لاستخدام جزيئات “آر إن إيه” في العلاج وإنتاج اللقاحات؛ عبر استهداف الجينات الفيروسية لإسكاتها ومحاربة ‏العدوى والأمراض.

يقول جوليوس ب. لاكس قائد الفريق البحثي: “إن طي الحمض النووي الريبي عملية ديناميكية أساسية للحياة، كما أن الحمض النووي الريبي هو جزء مهم حقًا من التصميم التشخيصي والعلاجي، وكلما عرفنا المزيد عن تعقيدات وطي الحمض النووي الريبي، كان بإمكاننا تصميم العلاجات مستقبلاً بشكل أفضل”.

تصوير مقاطع الفيديو
استخدم الفريق من الحمض النووي الريبي في التجارب جزيء التعرف على الإشارة “إس آر بي” (SRP)- كنموذج، لكونه جزءًا أساسيًّا في عدد من أنواع الخلايا، ومن أجل تكبير كيفية بناء الخلايا لهذا الحمض النووي استخدم الفريق مواد كيميائية لإيقاف عملية البناء مؤقتا، ثم سجلوا كيفية تفاعل الجزيئات المكونة له داخل الخلية، وعن طريق التقاط البيانات الفردية طور الفريق ‏لقطات تتعلق بكيفية بناء الحمض النووي الريبي بشكل عام عبر الزمن‎.‎

لقد كانت هذه اللقطات بمنزلة إطارات فردية في حين ستصبح مقاطع الفيديو النهائية لتشكيل الحمض ‏النووي الريبي، بينما قامت الخوارزمية بشكل أساسي ‏بربط الإطارات الفردية معا في أفلام مصغرة وملء الفجوات بين الإطارات، وهنا لاحظ الفريق كيف أن تشابك الحمض النووي الريبي في عقد مربوطة سيجعل الجزيء كله عديم الفائدة.

يقول قائد الفريق البحثي يوليوس لاكس‎‎، في بيان صحفي  إن “الحمض النووي الريبي ‏لن يعمل بوجه صحيح إذا كان محاصرًا ممّا يعني وجود عقدة تعترض ‏شكله النهائي، وما كان مفاجئًا هو كيفية خروج أجزاء الحمض من هذا الفخ، وما نتج عنه من لدينا مقاطع فيديو عالية الدقة”.‏

الإلحاد ومبدأ التشويه

لا يُعَدّ الإلحاد الفرديّ ظاهرة طارئة على الفكر الإنسانيّ، إذ إنّه –بالرغم من ضعف انتشاره بشكلٍ عام في مختلف البلاد الإسلاميّة- موغِلٌ –كنزعات فرديّة- في التاريخ، بخلاف ظاهرة التديّن ذات الطابع الجماعيّ، إلا أنّه في شأنه التاريخيّ قديمٌ كشأن البحث والحديث في الإيمان والألوهيّة.

تتنوّع ركائز الإلحاد –بطبيعة الحال- بتنوّع الرؤى والسياقات والبواعث النفسيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالشخص المتوجّه نحو “الإلحاد”، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنّ انتشاره ظاهرةً متفشّيةً لم يرصَد تاريخيًّا إلا بالتوازي مع ظروف اجتماعيّة وتشوّهات معنوية ونفسيّة معينة، كما في انتشار ظاهرة الإلحاد والتفلّت من المعنى المطلق إلى النسبيّة المطلقة وظهورها في مدارس أدبية وفكريّة متعددة بالتوازي مع تصاعد الحروب مطلع القرن العشرين وانعكاساتها على الفكر البشري، أو كتسارع الوقوع في الشبهات مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة في قرننا الحالي المتوازية مع الكوارث البشرية والطبيعية في العقدين الأخيرين .

الإلحاد وتشويه اليقين
يلاحَظ من خلال متابعة وفحص مقولات الإلحاد –بما هو موقف معرفيّ رافض للإيمان بوجود إله- وجود سمات مشتركة في خطاب الإلحاد باعتباره عقيدةً للتبرّؤ من الدين والإيمان بالغيبيات، وأبرز هذه السمات هي تشويه مرتكزات الخطاب الإيمانيّ، بدءًا من تشويه مبدأ الألوهية والإيجاد من العدم، مرورًا بتشويه العلم باستغلال منجزاته وتأويلها في سبيل تدعيم الحجج العقلية المتناقضة لرفض الإله وصولاً إلى تشويه الأخلاق والمرجعية الدينيّة المشتركة لها، وذلك في إطار السعي لإضفاء مشروعيّة للإلحادِ، باختراع افتراضات أغرب من الخيال، كفرضية الأكوان اللانهائية.

يبدأ الإلحاد بتشويه الميتافيزيقا والإيمان بالغيبيات، وتوجيه النظر إلى التفكير المادّي، ووصف العالم الطبيعي بأنّه خارج عن نطاق الإيمان، وتشويه البراهين اليقينية لوجود الإله وإدخالها في حيّز الفرضيات، واقتراح بدائل أرضيّة/مادّيّة لها، ثم تدعيم هذه الفرضيّات بالتطبيع والترويج المستمر ليغدو الإيمان بوجود الإله وجهة نظر قابلة للدحضِ لا يقينًا معرفيًّا وروحيًّا، وبالتالي سلب المعرفة أحد أهمّ أسبابها اليقينيّة، أي سلبها القدرة على الترجيح؛ إذ إن اليقين سواءً كان دينيًّا أو علميًّا يستند على البراهين العقلية الخارجة عن نطاق الحسّ ذاته، وبذلك فإن رفضها ونقضها تمهيد لنقض العلم نفسه بنفسه.

لا تقتصر آثار تشويه اليقين عند قضيّة الإيمان بالله، بل يمتدّ الأمر لتشويه الوعي والعمل على صناعة وعي زائف بواقع الحياة ومنظومة العلاقات التي تحكمها، وهذا ما نراه ماثلاً أمامنا من خلال التأثر المتصاعد بالشخصيات “الخطابية” التي تظهر إعلاميًّا منافحة في الندوات عن الإلحاد بالتوازي مع الضخ المنظّم لأفكارهم في المسلسلات والسينما والروايات بهدف تطبيع الأجيال الناشئة معها والوصول إلى مجتمعات ضائعة، مشوّهة الفطرة، خائبة المسعى.

تشويه الأخلاق
حسنًا؛ إن استطاع الإلحاد تشويه العقل وإفساد مبادئه، فالطريق الآن أهوَنُ أمام هدف تشويه سلوك الإنسان، فقد تحطّم أو تخلخل الأساس الذي تستند إليه قِيَم السلوك، بتفريغ الدين من الالتزام بأوامره ونواهيه الأخلاقية، وهو ما نراه جليًّا بإلقاء اللوم في مآسي البشرِ الناتجة عن الحروب والفقر والفساد البشري على مضامين العقائد الدينيّة، وبالتالي دفع الناس إلى بغض الدين وحذف الإيمان بمصدره من سجلّ الحياة، أو دفعه إلى أضيق زواياه في حال كان تحقيق الهدف الأول مستحيلًا.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ههنا: في حال إزاحة الدين عن تصورات الفرد، فمن أين –إذن- يستمدّ الإنسان مبادئ تعامله مع الآخر، وطريقة عيشه مع نفسه ومن حوله؟

أَمِن العقل وحده؟ فعقول الناس لا تتناهى ولا تكاد تتفق دون سنَدٍ تنضبط إليه.

أم يُترَكُ الأمر على عواهنه دون مسار واضح فلا يُعلَم من المظلوم ولا الظالم، ولا يعرَف المذنبُ من البريء؟

يقرّ عامّة الملحدين بأن الطبيعة لا تخضع لحتميّة الخير أو الشر، فهي وجودٌ محضٌ محايدٌ لا يبالي بالبشر وتحوّلاتهم، ومن ثمّ فإنّ الإنسان –بحسب كهنوت الإلحاد- ليس إنسانًا أخلاقيًّا بطبعه، وإنما يتشكّل فهمه للعلاقات ومبادئها والأخلاق وآثارها ضمن المجتمع الذي ينشأ فيه.

هذا الادعاء ينطوي على تناقض داخلي يتجلّى بالنظر إلى مقدمة الكلام وخاتمته، فإن كانت الطبيعة أو المادة خالية من ثنائية الخير والشر، غير خاضعة لهما، فكيف يمكن القول بأن مصدر الأخلاق هو المجتمع الذي هو نتاج الطبيعة، فإذا ما كان الإنسان مادّةً أو ناتجًا عن مادّةٍ، فلماذا لا يتشكّل هو الآخر خاليًا عن ثنائية الخير والشر؟

وإذا ما كان مفهوم الأخلاق مستندًا إلى نسبية البشر وأفكارهم المتفاوتة، فإن ذلك يوصلنا إلى أن إصدار حكمٍ بتخطئة جهة ما أمر أقرب إلى الاستحالة، فيستوي نضال مانديلا بتعذيب سجّانيه، وجبروت هتلر بدماء مقتوليه، وهو ما اعترف به ريتشارد دوكنز بقوله: “داخل العالم الإلحادي المادي الحتمي لا يمكن تخطئة هتلر”[1]، ومن هنا نجد أنّ دوكنز يتّسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود بأيّ صفة قيميّة على الإطلاق، ففي هذا العالم لا يوجد شرّ ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرّحمة، ويقرّ في الوقت نفسه أنه من العسير جدًّا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينيّة[2].

ما البديل لأخلاق الوحي
إن المصدر المطلق للقيم والأخلاق الدينية هو الوحي أو الرسالة التشريعية العامة التي أنزِلت إلى الأنبياء لهداية البشر، ولذلك فإن القدر المشترك والقيم الثابتة فيها يمكن أن تستغرق التاريخ كله، وتصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، أما مصدر القيم النظرية فهو العقل أو العرف، ومن ثمَّ فإنه لا يستنكَر فيها تغيّرها من مجتمع لآخر ومن إنسان آخر.

وإذا كان الإنسان المؤمن بالإله يرى قوة الإلزام الأخلاقي في الوحي نابعة من وجود الله وإيمانه به، فإنّ قوة الإلزام في القيم البشرية لا تستند لمبدأ العدالة وإنما إلى السياق الذي يفرض نمطًا معينًا من الأفكار والتوجّهات لدى نخبة من الناس، حيث يستندُ الفَرض إلى السلطة من وجه، وإلى القوة من وجوه أخرى.

هذا البديل المشوّه عن “أخلاق الفطرة” ينتج لنا مآسي لا تكاد تنتهي، بدءًا من تشويه الفطرة، وإباحة كلّ شيء –كما يقول دوستويفسكي-[3]، وصولًا إلى عدم التخطئة ودعم الشذوذ وكل ما يمكن فرضه بمنطق القوة، دون استنادٍ للحق أو العدل، وذلك تحت يافطة المساواة التي تصنَّعُ صنعًا في مطابخ التوجيه والترويج والتطبيع.

إن مبادئ الأخلاق من الأمانة والرحمة والصدق والعطف على الضعيف قد أودعها الله في فطرة المرء وغريزته منذ لحظات تكوينه الأولى، ويأتي دور الدين ههنا ليشذّبها ويدعّمها، وهو ما أشار إليه خاتم الأنبياء بقوله: (إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق) التي هي جزءٌ أصيل من الرسالة الربانية للبشر.

بهذا يتضح لنا أن مصدر الأخلاق إلهيّ؛ لأن الأخلاق ظاهرةً واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ولعل في هذا الحجّة الأولى والعملية للدين، فالسلوك الأخلاقي إما أنه بلا معنى، وإما أن له معنى في ظل الإيمان بوجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن نُدْخِل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم، وأنّ الله موجود، بذلك يكون لسلوك الإنسان الأخلاقي معنىً وتبرير[4]

 ماذا بعد؟
ليس الأمر كما يشيع لدى بعض الناس، فقد يكون الإنسان ملحدًا وصاحب أفعال حسنةٍ وتعامل خلقيٍّ محترم بين الناس، إلا أنّ ذلك لا يستند –بالضرورة- إلى تشريعٍ إلحاديّ للأخلاق، وإنما إلى طَبْعٍ جبِل عليه المرء ذاته، أو إلى مؤثّرات أخرى، إذ إن التخطئة الأخلاقية في بنية الإلحاد أمر غير وارد، وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإلحاد بذاته ليس أخلاقيًّا ولا يمكن أن ينتج منظومة أخلاقيّة عادلة.

يصطدم الإلحاد –على الدوام- بأمرين لا مفرّ منهما، الإيمان بالإله والغيبيات، إضافة إلى رفض التعاليم الأخلاقية في الأديان، وذلك يقتضي هدم الأسس التي بني عليها الأمران، أي عقيدة الإيمان بوجود “الإله” المطلق، وذلك يوصلنا إلى التشويه الكامل لكل ما يمكن أن يجمع البشر.

إن الأصل في طبيعة الوجود الإنساني أنه لا وجود لأي انفصال بين الحياة والدين والأخلاق والواقع عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163] ومن ثمّ فإنه لا يمكن للوجود الإنساني ومعارفه أن يصل إلى سويّة النضج واليقين إلا باستناده على الإيمان بالخالق الذي أنشأ الوجود، ولا يمكن أن نصل إلى الخلاص الدنيوي إلا باتباع التعاليم الإلهية التي تحدّد لنا الأفق الحضاري الذي يجب أن نتحرّك فيه، وإلا غدا الوجود عبثيًا بانقطاعه عن الصلة بالله.


[1] ينظر الرابط الآتي: https://bit.ly/37GB22J

[2] نقلاً عن: الأخلاق والإلحاد، إسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

[3] إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح، على لسان “إيفان” الملحة في رواية الإخوة كارمازوف.

[4] ينظر: الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزة بيغوفتش، ص: 178.

“ما لَم تُحِط بهِ خُبرًا”.. حكمة الابتلاء

لا أذكر أنّي قرأت عن خبر مؤلم أو صادفت حدثاً مؤلماً إلّا تبادر إلى ذهني في الوهلة الأولى سؤال الحكمة من وجود الشر، أُصابُ بذهولٍ لحظيّ عند السماع بخبر حَدَث أو جريمةٍ قاسية ثُمّ أعود لأذكّر نفسي بأنّنا لسنا في دار العدل ولا في دار الجزاء، ومن هنا يظهر أمام كُلٍّ منّا مفترق طُرق؛ فإمّا إنكار وجود الله أمام ذهولنا بما يحدث من شُرور، وإمّا السعيُ بحثاً عن علمٍ نُحيلهُ إلى عمل فيزداد الإيمان بوجوده تعالى ويترسّخ أكثرَ بالألم.

ملحدٌ جاد ومؤمنٌ جاد
يقول سيّد قطب: “ولماذا؟ -في هذا المقام- سؤالٌ لا يسأله مؤمن جاد ولا يسأله ملحد جاد.. المؤمن لا يسأله لأنّه أكثر أدباً مع الله -الذي يعرفه بذاته وصفاته وخصائصه- وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشريّ وحدوده، وأنّه لم يُهيّأ للعمل في هذا المجال.. والملحد الجاد لا يسأله، لأنّه لا يعترف بالله ابتداءً، فإن هو اعترف بألوهيّته عرف معها أنّ هذا شأنُه سبحانه ومقتضى ألوهيّته، وأنّهُ {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:٢٣]، لأنّه وحده المُهيمن العليم بما يفعل.” [كُتيّب هذا الدين: ص ٨]

يؤسفني القول بأنّ هذا الكلام كان بديهياً أو فلنقل كان مُسلّماً به عند المسلمين في بدايات الإسلام، والقرآءة في السيرة تؤكِد على هذا، فكم من أحداث مؤلمة كان يقوم النبيّ -عليه الصلاة والسلام- من بعدها ليواصل تبليغ رسالته، يُؤذَى ويموت أهله ويُحارَب، يحزن، ثم تتنزل عليه آيات الله تخبره عمّا لاقاه الأنبياء من أقوامهم ومن أهلهم، بل ويخبره عمّا لاقاه من هم أقلُ مقاماً من الأنبياء، عن آسية زوجة فرعون والسحرة التائبين، وعن أصحاب الأخدود، وتبقى الآيات محفوظة إلى يومنا مؤكدةً لنا مِراراً أن لسنا في دار الجزاء، فالقصة انتهت في عالم الشهادة بعد أن أُحرِقَ أصحاب الأخدود، لكن ما يزال لها بقيّة في عالم الغيب.

مع طغيان المادة اليوم، ومع بدء عبادة الناس لأهوائهم ومقتنياتهم وأموالهم، لم تعُد هذه الحقيقة مفهومة، فمنتهى أحلام الناس في الدنيا، وفي أسوء الأحوال يفرض علينا هذا العالم الماديّ صورة العجوز الشائب المستلقي على سريره، يده بيد زوجته العجوز، ثُمّ في قمة الأمن، تخرج روحه.

هذه الخاتمة التي ما زال روّاد العلم وعبدة المادة يسعون للحصول عليها وإقناع الناس بأنّهم لابدّ أن يتقلبوا طوال حياتهم بين ألوان النعيم ثمّ يختمونها بذاك المشهد، لكن عَبَثاً، نرى بأعيُينا كلّ يوم بأنّ محاولاتهم تعطي نتائج عكسية، نراهم في قمة الرفاه الدنيويّ وفي قمة ما يزعمون بأنّها حرية، يُنهون حياتهم بأيديهم وهم في مقتبل أعمارهم، وإن عدنا لسؤال الشر، فإننا ندرك بأنّه مهما حاول الإنسان أن يجد اللذة الدائمة فإنّه لن يصل إليها، لا بتقنيات ولا بعلم، فذات علم الكيمياء الذي يسهم في صناعة الدواء، يسهم في صنع القنابل.

وبين المؤمن والملحد، أستحضر مشهداً لأُمٍ قُتل ابنها الصغير ورأته أمام عينيها مضرجاً بالدماء، وقد اختارت الصبر واستحضرت عدالة الله، فروح ابنها في عليين بين يدي الإله الرحيم العادل، الذي شقّ سمع طفلها وبصره في رحمها، ومتّعها به سنيناً وأخذه رحمةً لحكمةٍ يعلمها وحده، ووعدها إن صبرت بأن تلقاه في الجنة وبأن يُبنى لها فيها بيتٌ اسمه الحمد.

وهذا المشهد يدفعني للحديث عن اليُسرِ داخل عمق العُسر.

أشدّ قُرباً
يقول ابن الجوزي: “فالحقّ عزّ وجل علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه، يستغيثون به، فهذا من النعم في طيّ البلاء، وإنّما البلاء المحض، ما يشغلك عنه، فأمّا ما يُقيمكَ بين يديه، ففيه جمالك.

وقد حُكي عن يحيى البكّاء: أنّه رأى ربّه عزّ وجل في المنام، فقال: يا رب؛ كم أدعوك ولا تجيبني؟ فقال: يا يحيى؛ إنّي أُحب أن أسمع صوتَك.” [صيد الخاطر: ص ٦٠].

ويقول تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(٦)}[الشرح]، كم منّا أساءَ فهم الآية، وكأنّما بدّل (مع) بـ(بعد)، لكنّ الآية تقول أنّ اليُسر في داخل العُسر نفسه، فكم من لذة قرب لله ومناجاة له لم نستطع تحصيلها إلا عند الشدائد، ولرُبما لكُل إنسانٍ يؤمن بالله قصة مع سجدة أو خلوة في الألم، دعى الله فيها واستسلم بين يديه كأنّه أمامه حقًّا، فأبدله الله في تلك اللحظة بألمه الشديد لذّة لا تشبه لذّات الدنيا، فكانت الأصوات من حوله تغيب، والمكان من حوله يُنسى، وصار بين يدي الله حاضراً بقلبه قبل جسده، ثمّ بعد انقضاء الشدة حاول العودة إلى تلك اللذة في الرخاء فلم يستطع تحصيلها، ولا يخفى أيضاً أنّ العسر يحمل بداخله الكثير من اليُسر الذي يتجلّى في صورٍ كثيرة، لكن إن لم يكن العسر يحمل إلا لذة القرب من الله فهذا يكفي، ويكفينا قول ابن تيمية لتلميذه ابن القيّم عن حبسه في السجن : “مايصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بدلت ملء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، على ما سبّبوا لي فيه من الخير. ” [الوابل الصيّب].

المشهد الأخير
المشهد الأخير ليس هنا، حيث لا شيء يضمن العدل المُطلق، لا قانون ولا بشر ولا محاكم ولا مُنظمات، لا يمتلك العدل المطلق سوى الله، حيث يجمع الخلائق يوم القيامة، فلا يضيع حقُّ إنسان، بل ويقول صلى الله عليه وسلم: “لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء” [صحيح مسلم : (4/1997)]، فإذا كان حقُّ الشاة يُرد، فكيف بالبشر المظلومين، أو بمن قاسى أشدّ أنواع الألم، فلا بُدّ أن تُردّ الحقوق مهما صغرت، وسنرى حينها المجرمين يتساءلون مالِ هذا الكتاب لا يُغادرُ صغيرةً ولا كبيرة، فلا مهرب اليوم، حيثُ تشهد الخلائق، وتشهد أعضاء الإنسان على ما فعل، فإمّا نعيمٌ مقيم وإمّا شقاء{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف:٤٤]

فإنّ الإجابة عن سؤال الشر لا نحصل عليها بالشكوى ولا بالهروب من النور إلى ظلمات الدنيا أو ظلمات الإلحاد، وإنّما نحتاج إلى عودةٍ حقيقيةٍ إلى الكتاب الذي أخبرنا بالهدف من وجودنا، ثمّ الإيمان بما فيه، والعمل، العلم لا يكفي دون عمل يتبعه ودون دعاءٍ مُستمر لله  بتثبيت قلوبنا على دينه ، أمّا الجهل وعبادة الهوى والتثاقل عن العمل، فكُلٌ منها تؤدي إلى التيه والحسرة وعدم الحصول على شيء، لذا يجدرُ بنا العمل لنكون ممن قِيلَ فيهم “وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”. [رواه مسلم].

“قصة الإيمان”.. حوار بين الشيخ الموزون وحيران بن الأضعف

سنستعرض في هذا المقال الموجز أحد أشهر الكتب التأسيسية والمرجعية التي ظهرت في القرن العشرين ضمن مشاريع التصدي لموجة الإلحاد التي امتدت للعالم الإسلامي، ومؤلفه هو الشيخ اللبناني نديم الجسر رحمه الله.

“قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” كتاب جميل يبلغ عدد صفحاته 475 صحيفة، وهو يتحدث عن قصة خيالية شهدها ضريح الإمام البخاري في خرتنك قرب سمرقند، ويتضمن حوارا بين الشيخ الموزون السمرقندي وتلميذه حيران بن الأضعف البنجابي، الذي قصده ليتخلص بمساعدته من الشك الذي اعتراه وهو في جامعة بيشاور.

والشيخ الموزون نفسه عاش حالة الشك التي عاشها تلميذه حيران، لكنه تخلص منها بنصيحة من الشيخ حسين الجسر (والد المؤلف)، الذي نصحه بالتعمق بالفلسفة وعدم الاكتفاء بالقشور، وأبلغه أنه إن تعمَّق بها فسيجد اليقين، وهو ما حصل بالفعل.

اختار الشيخ الموزون في أماليه طريقة الحوار مع تلميذه حيران، وأخذ بيده بين أمواج الفلسفة حتى دفع عنه كل شك.

يقول حيران بن الأضعف: لما كنت أدرس في جامعة ييشاور كانت النفس مشوقة بفطرتها إلى المعرفة عن هذا العالم: ما هو؟ ومتى خلق؟ ومن خلق؟ فلا أقابَل إلا بالزجر فأهملت دروس الدين وأخذت أبحث في الفلسفة، ففصلت من الجامعة، فدلني أبي على الشيخ الموزون.

رحب الشيخ الموزون بحيران وطلب منه أن يتهيأ ويستعد ليبدأ معه رحلة العلم في الدين والفلسفة، وبدأ يحدثه عن الخلق، وعرض له آراء فلاسفة اليونان القدماء، ثم فلاسفة الإسلام بالمشرق والمغرب والأندلس في عهود الحضارة الإسلامية، ثم فلاسفة أوربا بوجه عام حتى عصرنا، وكان يعرض الآراء ويوضحها وينقدها ويوجهها، حتى تبدو مقاصدها وأهدافها.

تحدث الشيخ الموزون لتلميذه حيران عن قصه حي بن يقظان وهي قصة خيالية وضعها ابن طفيل في البحث عن الحق، وحدثه عن الغزالي مؤلف كتاب مقاصد الفلاسفة الذي بسط فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم بسطاً وافياً كأنه أحدهم، ورد على أرسطو في مسألة خلق العالم في كتابه تهافت الفلاسفة.

وحدّثه عن ابن رشد الذي كان مخالفا للغزالي عندما رد عليه في كتابه المشهور تهافت التهافت، ونصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بألا يأخذ بالاتهامات ضد ابن رشد لأنهم أخطأوا في فهمه، ذلك أنه كان معجباً بأرسطو إلى حد التقديس، بالإضافة إلى أغلاط الترجمة، فابن رشد لم يأخذ فلسفة أرسطو عن اليونانية، بل أخذها معرَّبة مخلوطة، وهو لم ينكر صفه الإرادة لله تعالى ولم يخرج عن المنطق السليم والإيمان الكامل، وهو كذلك لا يختلف مع الغزالي من حيث النتائج في شيء، حسب رأي المؤلف.

ثم تحدث عن أبي العلاء المعري الشخصية المتشائمة، الذي عاش حياته كفيف البصر، مشوه الوجه، مجبورا على العزلة، فكان من الطبيعي أن ينتج في نفسه الشك الذي لا يأتي في الحياة إلا من اختلاف الحظوظ، وشك المعري لم يكن في وجود الله، بل حيرته في القضاء والقدر، وحرية الإدارة، وحكمة الخلق، وحقيقة الروح.

وفي حديثه عن المعجزات التي فيها خرق النواميس، يرى أنها أدلة قوية ولكنها ليست أقوى من أدلة النظر العقلي الخالص التي تنتهي إلى الحكم الضروري القاطع بوجود الله ولكن البشر عاجزين عن الاستدلال بالنظر العقلي الخالص، فاقتضت الحكمة عند دعوتهم للإيمان بالله أن يخاطبوا بدليل المعجزة على يد الرسول الإنسان خرقاً يدل على الله ولكن لما ترقَّت الإنسانية في مدارج التفكير العقلي وأصبحت متهيأة للاستدلال بالنظر العقلي الخالص قضت حكمة الله بتفضيل الاستدلال بالألة العقلية القاطعة على الاستدلال بالمعجزة وهذا ما سلكة الوحي في القرآن واعتمده أكثر من المعجزات.

الأفكار المعاصرة

تشارلز داروين

وتحدث الشيخ عن داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، حيث يراه عالماً طبيعياً كبيراً، لكنه ليس بفيلسوف، وهو مؤمن بوجود الله، أما أصل الأنواع فإنه متردد في تحديدها، وأن الشيخ حسين الجسر مؤلف “الرسالة المحمدية” هو العالم الديني الوحيد الذي يقول بأن مذهب داروين لا يتعارض مع أحكام القرآن ولا مع الإيمان بوجود الله.

يقول الشيخ لحيران إن آيات القرآن تكاد تكون مقسمة بين الدعوة إلى الله و الإرشاد إلى دلائل وجوده ووحدانيته وجميع صفات كماله، والأحكام في العبادات والمعاملات، لكن أهم الأقسام وأعظمها هو القسم الأول لأن الإيمان بالله هو الأصل وهو الأساس لكل ما عداه.

وينصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بتعلم لغات الغرب إن كان يريد أن يكون مرشداً وداعياً إلى الله، وطلب منه أن يتأمل آيات القرآن ليطبقها على ما مر معه من أقوال الحكماء والفلاسفة، وبين له أن القرآن يتناول جميع الحجج العقلية والبراهين الساطعة التي قضى العلماء أعمارهم حتى توصلوا إليها.

ذكر الشيخ آيات الله في السماء والأرض فحدّث حيران عن مواقع النجوم والشمس كنجم من جملة النجوم، والتباعد والتناسب والأحجام والمنازل وعجائب النظام الباهر، وسأل حيران وهو متعجب كيف تقف هذه الأحجام والأوزان الهائلة في الفضاء بهذا التوازن العجيب؟ فرد عليه الشيخ بأن القرآن يجيبك في قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} وقوله: {إن الله يمسك السموات والأرض} فهل يكون القانون الدقيق المحكم أثراً من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

يشرح الشيخ الموزون كذلك موقع وطبيعة الأرض وباقي الكواكب الأخرى ويفسِّر أسباب عدم صلاحية الحياة فيها ويبين فضل الله ومنته علينا أن خلقنا على الأرض، فيسأل: {الشمس والقمر بحسبان} فلو كانت المسافة بين القمر والأرض أقل مما هي عليه أو أكثر فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوبة ودوراته المكتوبة ومنازله المقدرة أثر من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

وتحدث الشيخ لحيران عن عجب خلق الله في إنزال المطر والبحار والماء ونواميس الله في خلق الخلائق وجعلها بقدرته وحكمته تتلاقى ويفضي بعضها إلى بعض، وجعل الماء أصل الحياة.

شرح الشيخ بتفصيل لحيران التفسير العلمي والمنطقي الذي يتوافق مع آيات الله في بديع صنعه وأن لا مكان للمصادفة في تكوينها بقدر إبداع خلق الله.

وشرح له الطريقة العلمية لعملية تنفس النبات وفائدتها والأهمية الكبيرة لها في حياة الكائنات الأخرى، وسأله مجدداً هل هذا كله من أثر المصادفة، فرد حيران بأن خلق الله سبحانه أعظم من المصادفة.

أما الأرض فهي فندق كبير بناه الله وحماه وأودع فيه من كل الخيرات والنعم، فشرح لحيران كيف حاول العلماء تفسير الأرض وعناصرها ومكوناتها تفسير علمياً، وتحدث عن الذرات والإلكترونات والنترونات وما إلى ذلك من تناسق عظيم أبدعه الله. وانتقل بعد ذلك للحديث عن إبداع الخالق في خلق اللسان والأذن، وعمل القلب في جسم الإنسان.

ثم كتب الشيخ الموزون وصية لحيران، فأوصاه بالإيمان بالله على اعتبار أنه بلسم الصبر عند المصائب، وقارن بين حال الانسان والحيوان في هذه الدنيا وأن ما يميز الانسان هو الإيمان، وأن الحيرة والشك قد أصابته في شبابه كما أصابت حيران ودفعته للبحث وتزود بالعلم، وسرد سيرته لحيران ورحلته الطويلة في سبيل الوصول إلى الله بالمعرفة الحق ما بين الهند إلى طشقند، وأخذ يذكر فضل المشايخ عليه لمساعدتهم له ولهدايته إلى طريق الحق بالأدلة القرآنية، والشواهد العلمية إلى جانب الأدلة العقلية، وأخيراً أوصى الشيخ الموزون تلميذه حيران أن ينشر بين الناس قصة الإيمان بلسان الفلسفة والعلم والقرآن لعل الله يشرح بها للإيمان صدور الحيارى ويصلح بالهم ويهدي من يشاء منهم.

قنيبي والدحيح… أحد وجوه صراع العلمانية والدين

“لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا هذا الأمر واضح في القرآن.. جاء القرآن ليحول الدنيا من غاية إلى وسيلة”[1].

قبل مدة وجيزة رد الدكتور إياد قنيبي على إحدى حلقات الدحيح التي تتحدث عن فرضية الأكوان المتعددة ووضّح الفكرة الإلحادية في هذا الطرح. وعاد قنيبي مرة أخرى وبيّن بفيديو تفصيلي آخر لما يعرضه برنامج الدحيح من أفكار إلحادية ومادية، ومنذ ذلك الوقت انبرى الكثيرون للهجوم والرد عليه بكل السبل.

في هذا المشهد وما تلاه من ردود أفعال نحن لسنا فقط أمام دكتور جامعي وداعية إسلامي يرد على حلقة لشاب من مروجي pop-science  أو العلوم الشعبية عبر اليوتيوب؛ بل نحن أمام مشهد أوسع واستقطاب أكبر بين تيارين تزداد ملامحهما وضوحاً مع مرور الوقت. فما بين تيار إسلامي متمسك بدينه ويعلم دور العلم فلا يرفعه فوق قدره، ويؤمن بمركزية الآخرة في حياة الإنسان في جميع الجوانب، وبين تيار آخر يغلب عليه الطابع العلماني، وهو خليط يضم أطيافاً عديدة، منها من أعلن إلحاده ومنها من هو على وشك ذلك، ومنها من يعمل على هدم الدين من داخله، ومنها المنهزم حضارياً أمام التفوق المادي للغرب فهو وإن بقي على الإسلام إلا أنه يحاكم الإسلام على القيم الليبرالية والعلمانية مقتطعاً من الإسلام ما يناسب تلك القيم ورافضاً ما سواها بتأويل أو تدليس على الدين. وبين التيارين ربما نجد بعض من يصنفون أنفسهم أنهم حياديون أو غير مكترثين لهذا الصراع بالأصل.

هذا المقال لا يتكلم عن الدكتور قنيبي أو الدحيح بشخصيهما ولا يرد على أحد منهما وطرحه العلمي، وإنما هو عرض لبعض النقاط الرئيسية والملاحظات السريعة عن المشهد الأوسع والذي هو أحد أوجه المعركة المستمرة بين تياري الدين والعلمانية[i].

مسلمون يدافعون عن العلمانية أكثر من أصحابها!
“أين تجد واحداً من غير رجال الدين يقرأ شرحاً أو تفسيراً للكتب الدينية باللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الأناجيل؟ آهٍ. إن كل المسيحيين الشباب الذين يلفتون إليهم الأنظار ببراعتهم لا يعرفون إلا اللغة العربية والأدب العربي.. ولو حدثّهم أحد عن الكتب المسيحية محاولاً إقناعهم بالاحتجاج بها، فأنهم يجيبونه باستخفاف بأن هذه الكتب لا تستحق تقديرهم.  يا للمصيبة؟! نسي المسيحيون حتى لغتهم”.[2] [أسقف قرطبة ألفارو يرثي لوضع المسيحيين وهزيمتهم الحضارية أمام المسلمين في الأندلس].

أليس مستغرباً أن يصطفّ مسلمون للدفاع عن العلمانية أو أن يقفوا على الأقل بين بين؟ أليس مستغرباً أن يكون خطابهم شديداً قاسياً على إخوانهم المسلمين بينما ليناً رخواً أمام العلمانيين بل ومتبنّياً لخطاب العلمانية في بعض الأحيان؟ لكن هذا الاستغراب يقلُ إذا علمنا ما تعنيه الهزيمة الحضارية؛ إنها أسوأ أنواع الهزائم لأنها هزيمة نفسية من الداخل لا يستطيع بعدها من تلقّاها أن يرد كيد عدوه. بل ربما يتحول بعدها مدافعاً عن عدوه ومواجهاً لمن كانوا في الأمس إخوة الدين والعقيدة.

لكن رغم سوداوية هذا المشهد يجب أن ندرك أن هذا الأمر طبيعي، فلطالما تكرّر تقليد المغلوب للغالب. جاء في مقدمة ابن خلدون الفصل الثالث والعشرون:” فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزّيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده؛ والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه؛ أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب”[3].

إذن فالأمر مفهوم إلى حد ما. ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم أبداً هو حفلات جلد الذات اليومية التي يقوم بها بعض المسلمين أمام التقدم الغربي المادي والتي أقل ما يقال عنها أنها تعبّر عن عقدة نقص فادحة واهتزاز حقيقي في ثقتهم بعقيدتهم ودينهم.

نابليون (ويكيبيديا)

مسلسل الهزيمة الحضارية هذا لم يبدأ الآن بل هو مستمرٌ منذ اليوم الذي رست فيه سفن نابليون في مصر زارعاً فيها بذور العلمانية، والتي أنتجت بعد ذلك مفكّرين وكتاّباً مسلمين هُزموا حضارياً أمام سطوة الغرب وتحولوا لدعاة للقيم العلمانية رغم أنهم يعلمون علم اليقين مصادمتها مع الإسلام.

والآن بعد مرور كل هذه السنين على تلك الحملة المشؤومة ها هي ثمارها أينعت حنظلاً، وها هي قوافل من المسلمين تنتصر للقيم العلمانية.

وإن كان البعض يجد العذر في السابق مع بدايات القرن الماضي لانهزام بعض المفكرين حضارياً أمام الغرب فإن هذا الأمر الآن هو موضع ذمٍ بالفعل، فقد أثبتت الأيام أن التقدم المادي والعلمي ليس حكراً على العقول الغربية وها هي دول شرق آسيا، وأبرزها الصين واليابان، تضاهي التقدم المادي العلمي لدى الغرب، وربما في قادم الأيام ستسبقهم هذه الدول وأولها الصين.

ومن خلال فهم هذا الأمر يسهل استيعاب حقيقة أن للأمم دورات حضارية تعلو فيها وتتقدم ثم ما تلبث أن تتراجع وتنتكس. وعليه فالمسلمون ليسوا مضطرين لتبني عقائد الآخرين بما فيها العلمانية وتقليد طرائق عيشهم كي نلحق بتقدمهم العلمي المادي فلا رابط بين الأمرين.

المظلومية العلمانية وادعاء الإصلاح
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ( [سورة البقرة: 11]

يظن العلماني العربي نفسه غاليليو أو برونو القرن الحادي والعشرين المُضطهد الذي لا يستطيع أن يعبّر عن أفكاره، رغم أن العلمانيين أنفسهم يحتكرون معظم وسائل الإعلام ويبثون فيها ما يريدون ويروجون عبرها للإلحاد والشذوذ والإباحية ويدعون لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة بطرق مباشرة وغير مباشرة. لكن رغم هذا هم يحبون دائماً أن يظهروا بمظهر الحمل الوديع أمام الناس، فمن ينشر الأفكار الإلحادية تحت راية العلوم الشعبية يصورونه شاباً مبدعاً وهب نفسه للعلم لا يريد إلا أن يبسّطه للناس، ومن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة مستخدماً آيات وأحاديث بتدليس واضح لا يريد إلا النهضة بالمسلمين.

وهكذا يتحول هؤلاء إلى ما يشبه الملائكة الأبرياء وما يفعلونه يصبح إصلاحاً وهداية للمسلمين، وكل من ينتقد أو يتكلم عن حقيقة أفعالهم فهو مؤمن بنظريات المؤامرة ورجعيٌ محتدٌ!

العلمانية والعلموية العربيتان: ما الرابط بينهما؟
“إن جوهر العالمانية هو الانصراف إلى العالم كلياً أو جزئياً، وهذه النزعة المادية لا بد أن تؤدي إلى الانغماس في هذا العالم، مادةً وقوانين حاكمة”[4].

ربما العلمانية من أكثر الألفاظ المختلف على تعريفها منذ نشأتها وكلٌ يعرفها حسب فهمه، ولا يعنينا كثيراً هنا التعريف النظري لها ولكن القضية الجوهرية في العلمانية كما يبدو من سياقاتها عبر التاريخ هي التمركز حول الدنيا أو العالم وإنكار كل أِشكال الغيب أو الميتافيزيقا في حال التطرف العلماني الموصول بالإلحاد، أو على الأقل جعل أمور الغيب أموراً طقوسية ثانوية في حياة البشر لا تدخل في أمور حياتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

في السياق العربي نشأت العلمانية وتمّ الترويج لها مع قدوم الاحتلالات الأجنبية إلى البلدان العربية على أيدي بعض الكتّاب والمفكرين النصارى العرب. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن كان مشروع العلمانية العربية الرئيسي هو تنحية الإسلام عن الحياة العامة في المجتمعات العربية ونقد الإسلام والهجوم عليه بأي طريقة. ولهذا نجد العلمانيين العرب يقفون مع أي إيديولوجيا تناهض الإسلام في المنطقة متبنيين إياها بما فيها الاشتراكية والليبرالية.

أما العلموية -كما يعرّفها روجيه جارودي بعد أن يؤصل إلى أنها نوع من الأصوليات التوتاليتارية (الشمولية)- فهي:” المصادرة القائلة إن (العلم) يمكنه حل المسائل كلها. وإن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه، هو شيء غير موجود”[5]، فالعلمويون يقررون أن مصادر المعرفة حسية فقط وأن التجربة هي سبيل المعرفة الوحيد.

في السياق العربي كانت العلموية إحدى ثمار انتشار العلمانية، فالعلمانيون والعلمويون العرب بعضهم أولياء بعض منذ البداية حين أخذت أفكار الفلسفة الوضعية في الانتشار مع بدايات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نجد العلمويين والعلمانيين يتبادلون المواقع في الهجوم على الإسلام، فالعلمويون يمهدون الطريق للأفكار العلمانية الرئيسية، ويكمل العلمانيون الطريق بعدها في الهجوم على الإٍسلام.

إضاءات سريعة

الصورة النمطية للمسلمين على غلاف مجلة نيوزويك

– يحاول العلمانيون صنع صورة نمطية للمسلم على الشاشات وفي عقول الناس، فهو الإرهابي الجاهل الذي يحارب العلوم الدنيوية ويرفضها ويدعو للدروشة والخرافات؛ فكيف بعد هذا يأتي شيوخ إسلاميون تخرّجوا من أفضل الجامعات الغربية ليتحدثوا بأدلة علمية رصينة يردون بها على تشغيبات الملحدين والعلمويين؟ ألا يستدعي هذا نفيراً علمانياً عاماً؟

– بعض الإسلاميين -وعن حسن نية-لا يرون في بعض الخطابات العلموية نشراً للإلحاد، وهؤلاء لا يصح التقريع بهم ووضعهم في التيار المعادي للإسلام أبداً بل يُرد عليهم بالدليل والبرهان. ولكن على هؤلاء أيضاً أن يعلموا أن المختصّ بالأمر يدرك بعض العواقب مما قد لا يتنبه إليها غير المختص. فمن درس الملف الإلحادي وقرأ عن تاريخ الإلحاد لسنوات هو أدرى بطرق نشر الإلحاد من غيره.

– صنع العلمانيون قالباً فكرياً مشوهاً يطبقونه في كل حالات صراعهم مع الإسلاميين؛ فهم يدّعون أن كل إٍسلامي يتحدث بالأدلة عن شخص بأنه يروج لأفكار إلحادية أو علمانية فهذا يستلزم تكفيره تمهيداً لقتله بعد ذلك. وبهذا يظن العلمانيون أنهم من خلال شيطنة الخصم وتشويه صورته ينتصرون عليه.

– عندما يتحدث إسلاميون عن الخلفيات الإيديولوجية لبعض العلماء الغربيين الذين يحاولون إثبات أمور توافق الأيديولوجيا الليبرالية الغربية مثل الشذوذ والداروينية يهب العلمويين العرب مباشرة مؤكدين أن الأفكار المسبقة لا دخل لها في البحث العلمي. ولكن للمفارقة إذا كان المتحدث إسلامياً فهنا لا بد للعلمانيين أن يفرغوا كل حمولتهم الإيديولوجية المعادية للإسلام مستحضرين عقيدة وهوية مخالفهم دون أن يتطرقوا للأدلة العلمية.

– بعض الناس للأسف ينظرون لهذا الصراع بين العلمانية والدين من باب التسلية و”قصف الجبهات”، والأمر ليس هكذا أبداً، إنما هو صراع حق وباطل بل وقضية كل فرد وهدفه في الحياة بين أن يعرف غاية وجوده من خلال دين الإسلام وحقائقه الكبرى وبين أن يضيع في دوامات العلمانية والعدمية والغرق في الدنيا.


الهوامش

[1]  إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، دار المعرفة للنشر والتوزيع،2016، ص57

[2] زيجريد هونكه، الله ليس كمثله شيء، المركز القومي للترجمة،2010، ص82-83

[3] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار نهضة مصر،2017، الجزء الثاني، ص505

[4] سامي عامري، العالمانية طاعون العصر، مركز تكوين، 2017، ص71

[5]  روجيه جارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها، دار عام ألفين ،2000، 24

[i] العَلمانية بفتح العين وسيأخذ المقال بهذا اللفظ لانتشاره مع التنبيه إلى أن هناك من يعمد إلى اللفظ الخاطئ بكسر العين لربط العلمانية بالعلم وهذا تدليس واضح. هناك ألفاظ أخرى جيدة لترجمة كلمة Secularism مثل عالمانية، دنيوية، أو التمركز حول الدنيا والعالم المادي.

تهافت مروجي الإلحاد على مواقع التواصل

في كل زمان ومكان لا يكتفي أهل الباطل بما هم عليه من انحراف عن جادة الصواب، بل يعملون ليلا نهارا لنشر باطلهم وتزينيه في عيون الناس علّهم يلتحقون بركب الباطل وأهله، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، ولا يختلف أهل الإلحاد العرب عن باقي إخوانهم من أهل الباطل في كل مكان، فهم أيضاً لا يكتفون بإلحادهم بل يتجهون لنشره بين الناس والعمل على محاربة الأديان بأي طريقة يستطيعونها.

الملاحظ في حالة الملاحدة العرب أنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين في عرض أفكارهم: القسم الأول هم السذج وبسطاء التفكير ممن ألحدوا ولا يدرون شيئا عن الإلحاد أو عن الأديان الأخرى، فهم ركبوا موجة الإلحاد المنتشرة ويريدون دعوة غيرهم للإلحاد، ويبدو هذا من أحاديثهم وتصرفاتهم الغريبة في الفيديوهات، وهؤلاء لا يستحقون التوقف عندهم كثيراً. أما القسم الثاني فهم أذكى نوعاً ما ويعيدون اجترار شبهات المستشرقين ضد الإسلام أو حجج مشاهير الملاحدة مثل دوكينز وهاريس، ويعرضونها إما في حوارات مطولة يديرونها بين بعضهم أو من خلال فيديوهات مركزة ومكثفة جدا مع صور أو موسيقى تصويرية أو مقاطع من مسلسلات وأفلام، بالإضافة للسخرية والفكاهة المصطنعة على طريقة مشاهير اليوتيوبرز.

كل هذا أشبه ما يكون بالصدمات المتتالية لمحاولة إحداث أكبر خرق ممكن في عقل المتلقي، وخاصة إذا لم يكن يمتلك خلفية عقديّة قوية ليخرج من هذه الفيديوهات متسائلاً: هل هذا ديني حقاً؟ ما كل هذه الشبهات والتناقضات؟ فهم على طريقة من يلقي القنابل الضوئية والصوتية ثم يهرب وينتظر إحداث الضرر بعد حين!

وسأعرض فيما يلي بعض صفات وأقوال مروجي الإلحاد العرب لمعرفة طريقة تفكير هؤلاء ليسهل علينا الحد من خطرهم، فاليوم أصبح من السهل أن ينشر أهل الباطل ما يريدونه وأن يجدوا آذاناً صاغية تستمع إليهم ممن لا يملك العلم الكافي وأدوات النقد والتفكير الصحيح، فكل شيء أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة:

1- ادعاؤهم أن الدين ينتقل بالوراثة فلولا أنهم ولدوا في عائلات تعتنق الإسلام لما كانوا مسلمين، والقرآن يرد على هذا الأمر بعدة مواضع ويذم التقليد الأعمى، وأكتفي هنا بآية من سورة البقرة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

2- أغلب هؤلاء الملاحدة تحدثوا عما يمكن تسميته “طفولتهم الخارقة”، فهم منذ سنواتهم الأولى يطرحون الأسئلة الفلسفية العميقة عن الوجود والإله والجنة والنار والأنبياء ولا يجدون إجابات مقنعة عليها!

3- أغلبهم يحمل فكراً استئصالياً خطيراً لمخالفيهم، فهم يعيبون على أوروبا استقبالها للاجئين المسلمين ويصفونهم بالقنابل الموقوتة التي ستدمر أوربا وحرياتها في المستقبل، ولهذا فهم يدعون أوروبا لاستقبال اللاجئين من الملاحدة والمرتدين والشواذ فقط؛ يعني هم ملكيون أكثر من الملك. وهذا يوضح بعض جوانب الفكر الإلحادي بشكل عام، فهو فكر إقصائي واستئصالي، إذ لا يحمل مرجعاً ولا قيماً ومرجعيته الداروينية والبقاء للأقوى.

4- حديثهم عن أن الدين أمر ممل ومكرر، وأن خطب الجمعة والمواعظ والدروس الدينية تعيد نفس الكلام وتكرر نفس الآيات والأحاديث. والطريف أني سمعت من أحدهم يقول إنه لا يوجد في الدين تحديث update على عكس العلم الذي يقدم لنا دائماً اكتشافات وأشياء جديدة! وهؤلاء الملاحدة مثال واضح على عقلية القردة أو monkey brains التي أصابت إنسان ما بعد الحداثة والتي تبحث عن القفز السريع من أمر إلى آخر والتجديد المستمر حتى على حساب أية قيم أو مبادئ.

5-معظم هؤلاء الملاحدة يركزون هجومهم على الإسلام والمسلمين دون غيره من الأديان، وهذا يعود لسببين: الأول أن غالبيتهم نشأ في عوائل إسلامية، والثاني أن الإسلام هو الدين الحيوي الوحيد القادر على التفاعل مع حياة الناس في الحيز العام على عكس بقية الأديان التي أصابتها العالمانية بمقتل وأصبحت مجرد طقوس وعادات ومظاهر ثقافية مكانها دور العبادة والأعياد الموسمية.

6-وصف عموم المسلمين بالجهل العام بتاريخهم ودينهم وعدم قراءة كتب تراثهم وعقيدتهم، ومن يستمع لهذا الكلام يظن هؤلاء الملحدين وكأنهم تعمقوا في القرآن وقرأوا في كتب التفاسير فأدركوا معاني القرآن ثم عرجوا على كتب الحديث فدرسوا علومه ثم طافوا على كتب أصول الفقه والفقه المقارن والتشريع والتاريخ الإسلامي، ثم استنتجوا أن المسلمين لا يقرأون تراثهم وأنهم لو قرأوه لألحدوا! والحقيقة أن هؤلاء الملحدين معظمهم لا يدري شيئاً عن التراث الإسلامي ومعظم معلوماتهم نسخ وقص ولصق من غوغل يشكلون بها معظم بضاعتهم المزجاة التي يعرضونها على عوام الناس.

7- ربما لا يوجد مقطع فيديو لهؤلاء الملاحدة إلا وهو مليء بالسباب والشتائم والسفه، والمفارقة أن هؤلاء الملاحدة دائماً يتغنون بالعقلانية واحترام آراء المخالفين، وهذه ادعاءات فارغة تكذبها شتائمهم القبيحة وإسفافهم المتواصل في هذه المقاطع، هذا عدا تدخين التبغ والحشيش والخمور أثناء تقديم حلقاتهم، وهذا يكشف الكثير عن نفسيات وعقليات هؤلاء القوم.

8- تحدي الله تعالى بمنطق طفولي سخيف، فالعديد منهم برر إلحاده بأنه تحدى الله تعالى بأن يحرقه أو يميته إذا كفر بالله أو مزق ورقات من المصحف أو شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى لم ينتقم منهم! وبعضهم الآخر تحدث أنه دعا الله تعالى ولكن لم يستجب له. وهذه دلائل على عدم وجود الله تعالى على حسب ادعاءاتهم! وكأنهم يعتقدون أنه لو شتم طفلٌ صغير أباه في السوق فأجّل الوالد عقاب ابنه حتى عودتهما إلى المنزل فالأب غير موجود!

9- اتهام المؤمنين بالببغائية وتكرار الأقوال الجاهزة، ولكن هؤلاء الملحدين لا يحدثوننا عن ببغائيتهم وتكرارهم لحجج المستشرقين التي يلوكونها.

10- كلامهم مليء بادعاءات المظلومية والاضطهاد، فهم يلعبون على هذا الوتر الذي يوافق ويعجب العقلية الغربية التي تقف مع الأقليات في أي مكان وتعمل على دعمها بالباطل أو بالحق بأي طريقة، ولكن الواقع في بلادنا العربية يثبت أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أي حسيب أو رقيب، بينما الدعاة والمصلحون من المسلمين معظمهم في السجون أو مطاردون أو مضيق عليهم!

11- ترديد المغالطات المنطقية بشكل كبير وتوسيع قياسها بأكثر مما تحتمل، فكل رأي يخالفهم يعتبرونه مغالطة منطقية، ولو أخذنا بهذا الكلام على عمومه لأصبح كل العلم قائما على المغالطات المنطقية، فمثلا هناك قاعدة علمية تقول أن المعادن تتمدد بالحرارة ولو وسعنا مفاهيم المغالطات المنطقية كما يفعل ملاحدة اليوتيوب فسوف نقول عن هذه القاعدة إنها مغالطة التعميم لأننا لم نستقرئ جميع المعادن في الأرض وهذا مستحيل. وفي النقاشات المنطقية عملية الاستقراء الناقص لا تفيد اليقين.

في الختام يبقى الإلحاد المنتشر اليوم بين بعض الشباب العرب أشبه ما يكون بالموضة الفكرية، وهو غير قائم على أسس فكرية قوية بل ربما تأثيره لا يقارب تأثير الجانب الإلحادي للشيوعية في القرن الماضي والذي كان يستند إلى بعض المقومات والأسس الفكرية؛ وعلى هذا فإن الإلحاد اليوم قائم بشكل رئيسي على الضجة الإعلامية التي يحاول إحداثها، وهذا أمر مشاهد في مؤتمرات دعاة الإلحاد الجدد في الغرب وعلى خطاهم يحاول الملاحدة العرب الترويج لبضاعتهم الإلحادية بنسخة مكررة ورديئة.

لماذا انتشر الإلحاد بين المهاجرين السوريين؟

مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، أصبحت تداعياتها أكثر وضوحا على كافة الأصعدة، لا سيما التغيرات الاجتماعية الطارئة على السوريين الذين اضطرتهم الحرب إلى الهجرة.

فوفق إحدى الإحصائيات لمعهد بيو الأمريكي يبلغ عدد السوريين الذين هاجروا بسبب الحرب حوالي سبعة ملايين سوري؛ أكثر من مليون منهم اتجهوا نحو أوروبا وشمال أمريكا[1]. ومع بلوغ السوريين المهاجرين هذه الأعداد الكبيرة أصبحت هناك العديد من الظواهر التي تستحق الدراسة والتتبع كارتفاع نسب الطلاق بين الأزواج وحالة ضياع الهوية والتفكك الأسري، بالإضافة إلى الخوف على أطفالهم ومستقبلهم ووجود حالات من التنصّر والإلحاد وخلع الحجاب وغيرها من الظواهر، وسيركز هذا المقال على ظاهرة انتشار الإلحاد بين بعض السوريين المهاجرين، وخاصة من فئات الشباب.

 في البداية لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد إحصائيات أكيدة حول أعداد الملحدين بين المهاجرين السوريين، ولكن يبدو أن أعدد الملحدين في ازدياد سواء داخل سوريا أو خارجها.

وعند البحث عن الأسباب والدوافع لا بد من التأكيد أولاً على أن هذه المحاولة في البحث تفسيرية وليست تبريرية، وثانياً أن هناك أسبابا عامة قد تدفع إنساناً ما للإلحاد في أي مكان أو زمان، فضلا عن أسباب خاصة متعلقة بالبيئة الاجتماعية السورية وظروف نشأتها في العقود السابقة.

الصدمة الحضارية
يبدأ الإنسان المهاجر لحظة وصوله إلى الغرب بعقد المقارنات بين البلد المهَاجر إليه وبين بلده الأصلي، فالمعاينة عن قرب غير معاينة الشاشات. فشوارع الغرب نظيفة مرتبة، ومعاملهم تنتج أحدث التقنيات والآلات، وهم يختارون حكامهم بسلاسة ويعبرون عن آرائهم بكل حرية.

بالإضافة إلى هذه النظرة الاختزالية والأحادية للمشهد في الغرب ومع مقارنة هذه الأمور بأوضاع بلادنا؛ تحدث الصدمة الحضارية لدى البعض وخاصة إذا ترافق الأمر بهزيمة نفسية وجهل بالتاريخ و الحضارة أو إذا كان البعض لم يخرج من قريته أو مدينته في السابق ولا يدري إلا اليسير جداً عن باقي أنحاء العالم، وهنا يأتي الاستنتاج الخطير الذي يصل له البعض: هم متقدمون لابتعادهم عن الدين ونحن متأخرون بسبب ديننا فالحل إذا هو الإلحاد حتى نلحق بركب الحضارة والتقدم.

غياب التأسيس العقدي
هذا بحرٌ متلاطم الأمواج تتفرع منه معظم أسباب الإلحاد، لأن النفوس إذا لم تتشرب أسس العقيدة الصحيحة والإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله أصبحت معرضة لأن تعصف بها أي شبهة كبيرة كانت أو صغيرة.

يسمي الدكتور عبد الله الشهري هذا السبب بالقابلية للإلحاد، أي استعداد النفس لهذا الأمر وهذا مصطلح تمّ سكه على منوال مصطلح القابلية للاستعمار الذي تحدث عنه المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى.[i]

فلو تشربت النفوس أسس العقيدة الصحيحة بأن هذا الكون لم ينشأ من عدم وأن له خالقاً حكيماً وأن هذا الخالق الحكيم أرسل الرسل إلى البشر ليهدوهم سواء السبيل وأن خاتم هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أيده الله تعالى بالقرآن الكريم لما اهتزت النفوس مع كل شبهة جاء بها مستشرق أو ملحد من هنا أو هناك. 

الشهوات ملاعب الشيطان
الدين يحرم الخمر والزنا والشذوذ، وهذه أمور لا اختلاف عليها في الإسلام، وهنا يأتي دور الشيطان ليوسوس للإنسان وخاصة في البيئة الغربية التي تغوص في هذه الشهوات؛ الحل إذن بترك هذا الدين وحينها يصبح كل شيء مباحا، وبعد إتباع الملحد لشهواته الجسدية كيفما شاء فهو لا يحتاج لتأنيب الضمير أو الشعور بالوازع الديني، فهو استخدم حيلة نفسية كي لا يؤمن بالدين أصلاً الذي يحرم هذه الأمور.

هناك نوع آخر من الشهوة غير الشهوات الجسدية وهي شهوة حب الظهور والشهرة، وهذه الشهوة سهلة التحقق في عالم اليوم، فكل ما يلزم أدوات تصوير مناسبة واتصال بالإنترنت ومحتوى على طريقة من بال في بئر زمزم، وبعدها ينتشر المقطع انتشار النار في الهشيم ويصبح صاحبه من المشاهير!

العلموية وتأثيرها
قبل ثورات الربيع العربي انتشرت العديد من المواقع وصفحات الفيس بوك العلموية التي عملت على تروج الإلحاد والداروينية باسم العلم من خلال دس السم في العسل، فجعلت الدين والعلم ضدين لا يجتمعان، فإما أن يؤمن الإنسان بالدين فيكفر بالعلم وإما أن يؤمن بالعلم فيكفر بالدين، والحقيقة أن ادعاء هذه المواقع والقائمين عليها أنها لا تعادي الدين هو ادعاء تكذبه منشورات ومقالات هذه المواقع.

وقد تأثر الكثير من الشباب السوريين كما حال بقية الشباب العرب بما تنشره وتروج له هذه المواقع والصفحات ومثلت هذه المواقع محطة رئيسة على طريق إلحاد البعض.

الثورة السورية وأحداثها
مع اندلاع الثورة استحرّ القتل وبدأت سلسلة من المجازر والأحداث المأساوية وأصبحت صور القتلى والجرحى تملأ وكالات الأنباء، بل حتى الهاربون من جحيم الحرب لم يسلموا من الغرق أو الموت، وتأخر النصر على النظام المجرم وتناحرت فصائل الثورة فيما بينها وظهر تنظيم الدولة بوحشيته وإجرامه وتآمرت معظم دول العالم على إفشال الثورة.  ومع كل هذه المشاهد وُضع سؤال الشر على طاولة بحث الكثيرين وأصبح مدخلاً رئيساً للإلحاد.

في النهاية، قد لا يكون هناك سبب رئيسي واحد لإلحاد المرء بل قد تتضافر مجموعة عوامل وأسباب مع بعضها، ويترافق هذا مع الضخ الإعلامي من مسلسلات وأفلام أجنبية تدعو لأفكار إلحادية بالإضافة إلى الحملات الإعلامية الممنهجة لتشويه المسلم ووصفه بالإرهاب والرجعية والتخلف مما يشكل الأرضية الأولى لإلحاد المهاجرين، علما بأن هناك العديد من الملحدين في الداخل السوري الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للإعلان عن إلحادهم.


أهم المصادر

[1] http://www.pewresearch.org/fact-tank/2018/01/29/where-displaced-syrians-have-resettled/

https://newhumanist.org.uk/articles/4898/the-rise-of-arab-atheism 

 https://www.youtube.com/watch?v=q6boKunEG84