image_print

معجزة الخلق.. فيديو يصور للمرة الأولى طيّ الحمض النووي الريبي

على الرغم من وجود مقاطع فيديو كثيرة تمثّل عمليّة طيّ الحمض النووي الريبي (RNA)، إلا أنها ليست سوى نماذج تقديرية تولّدها الحواسيب مبنيّة –في مجملها- على التقديرات والافتراضات، مما يجعلها مليئة بالثغرات، إلا أن دراسة جديدة لفريق من جامعة نورث وسترن أظهرت فيديوهات تمثيلية دقيقة لكيفية طي جزيئات الحمض النووي الريبي حيث تلتئم الخلايا بعضها مع بعض بهدف أداء وظائف محددة، وذلك في إنجاز مذهل يمكن أن يساعد في تطوير علاجات للأمراض المرتبطة بالحمض النووي الريبي، بما في ذلك مرض ضمور عضلات العمود الفقري وفايروس كورونا الجديد.

في هذه الدراسة التي نُشرت في 15 يناير/كانون الثاني الجاري، في مجلة (Molecular Cell)، تمكّن العلماء من تطوير تقنية جديدة لتصوير مقاطع فيديو لـ”آر إن إيه” ‏-الجزيء الجيني الذي يخبر الخلايا عن كيفية بناء البروتينات- باستخدام البيانات التجريبية وخوارزمية حاسوبية،حيث طوّر فريق من الباحثين بقيادة جوليوس ب. لاكس برنامجًا حلل البيانات المتوفرة حول طي الحمض النووي الريبي أثناء تصنيعه، وذلك باستخدام أدوات حسابية لتنظيم هذه البيانات والكشف عن النقاط التي ينثني فيها الحمض النووي الريبي وما يحدث فيه بعد هذه العملية، لينتج الباحثون أول فيلم على الإطلاق يعتمد على البيانات حول كيفية طيات الحمض النووي الريبي كما تصنع بواسطة الآلات الخلوية، ومن خلال مشاهدة مقاطع الفيديو الخاصة بهذا الطي، اكتشف الباحثون أن الحمض النووي الريبي غالبًا ما ينثني بطرق مفاجئة مثل ربط نفسه في عقد- ثم فك الارتباط على الفور للوصول إلى بنيته النهائية.

وتُظهر مقاطع الفيديو الجديدة المذهلة كيف يتشابك “آر إن إيه” في عقدة غير منتظمة أثناء تشكلها ثم تفكيك نفسه في الثانية الأخيرة وذلك بطريقة أدهشت العلماء.

يقول لاكس: “يحدث الطي في جسمك أكثر من 10 كوادريليون مرة في الثانية” يحدث ذلك في كل مرة يتم فيها التعبير عن الجين في خلية، ومع ذلك فنحن لا نعرف سوى القليل عنها، تتيح لنا أفلامنا أخيرًا مشاهدة حدوث الطي للمرة الأولى “.

الحمض النووي الريبوزي
يقسم الحمض النووي لنوعين، أولهما الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين “دي إن إيه”(DNA)، الموجود في نواة الخلايا الحية، وثانيهما الحمض النووي الريبوزي “آر إن إيه” (RNA) الذي يوجد لدى ‏كل الكائنات الحية‎ ‎والفيروسات، إلا أنه لا توجد بنية مستقرة دائمة للحمض “آر إن إيه”، حيث يمكن له التسلسل ضمن عدد من البنى، ولوحظ أن لديه ما يزيد على 150 نوعا من الترابط، وتحتوي جينومات كثير من الفيروسات‎ على “آر إن إيه” فقط بصفته حاملا للمعلومات الوراثية، ‎وتوجد دراسات لاستخدام جزيئات “آر إن إيه” في العلاج وإنتاج اللقاحات؛ عبر استهداف الجينات الفيروسية لإسكاتها ومحاربة ‏العدوى والأمراض.

يقول جوليوس ب. لاكس قائد الفريق البحثي: “إن طي الحمض النووي الريبي عملية ديناميكية أساسية للحياة، كما أن الحمض النووي الريبي هو جزء مهم حقًا من التصميم التشخيصي والعلاجي، وكلما عرفنا المزيد عن تعقيدات وطي الحمض النووي الريبي، كان بإمكاننا تصميم العلاجات مستقبلاً بشكل أفضل”.

تصوير مقاطع الفيديو
استخدم الفريق من الحمض النووي الريبي في التجارب جزيء التعرف على الإشارة “إس آر بي” (SRP)- كنموذج، لكونه جزءًا أساسيًّا في عدد من أنواع الخلايا، ومن أجل تكبير كيفية بناء الخلايا لهذا الحمض النووي استخدم الفريق مواد كيميائية لإيقاف عملية البناء مؤقتا، ثم سجلوا كيفية تفاعل الجزيئات المكونة له داخل الخلية، وعن طريق التقاط البيانات الفردية طور الفريق ‏لقطات تتعلق بكيفية بناء الحمض النووي الريبي بشكل عام عبر الزمن‎.‎

لقد كانت هذه اللقطات بمنزلة إطارات فردية في حين ستصبح مقاطع الفيديو النهائية لتشكيل الحمض ‏النووي الريبي، بينما قامت الخوارزمية بشكل أساسي ‏بربط الإطارات الفردية معا في أفلام مصغرة وملء الفجوات بين الإطارات، وهنا لاحظ الفريق كيف أن تشابك الحمض النووي الريبي في عقد مربوطة سيجعل الجزيء كله عديم الفائدة.

يقول قائد الفريق البحثي يوليوس لاكس‎‎، في بيان صحفي  إن “الحمض النووي الريبي ‏لن يعمل بوجه صحيح إذا كان محاصرًا ممّا يعني وجود عقدة تعترض ‏شكله النهائي، وما كان مفاجئًا هو كيفية خروج أجزاء الحمض من هذا الفخ، وما نتج عنه من لدينا مقاطع فيديو عالية الدقة”.‏

الإلحاد ومبدأ التشويه

لا يُعَدّ الإلحاد الفرديّ ظاهرة طارئة على الفكر الإنسانيّ، إذ إنّه –بالرغم من ضعف انتشاره بشكلٍ عام في مختلف البلاد الإسلاميّة- موغِلٌ –كنزعات فرديّة- في التاريخ، بخلاف ظاهرة التديّن ذات الطابع الجماعيّ، إلا أنّه في شأنه التاريخيّ قديمٌ كشأن البحث والحديث في الإيمان والألوهيّة.

تتنوّع ركائز الإلحاد –بطبيعة الحال- بتنوّع الرؤى والسياقات والبواعث النفسيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالشخص المتوجّه نحو “الإلحاد”، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنّ انتشاره ظاهرةً متفشّيةً لم يرصَد تاريخيًّا إلا بالتوازي مع ظروف اجتماعيّة وتشوّهات معنوية ونفسيّة معينة، كما في انتشار ظاهرة الإلحاد والتفلّت من المعنى المطلق إلى النسبيّة المطلقة وظهورها في مدارس أدبية وفكريّة متعددة بالتوازي مع تصاعد الحروب مطلع القرن العشرين وانعكاساتها على الفكر البشري، أو كتسارع الوقوع في الشبهات مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة في قرننا الحالي المتوازية مع الكوارث البشرية والطبيعية في العقدين الأخيرين .

الإلحاد وتشويه اليقين
يلاحَظ من خلال متابعة وفحص مقولات الإلحاد –بما هو موقف معرفيّ رافض للإيمان بوجود إله- وجود سمات مشتركة في خطاب الإلحاد باعتباره عقيدةً للتبرّؤ من الدين والإيمان بالغيبيات، وأبرز هذه السمات هي تشويه مرتكزات الخطاب الإيمانيّ، بدءًا من تشويه مبدأ الألوهية والإيجاد من العدم، مرورًا بتشويه العلم باستغلال منجزاته وتأويلها في سبيل تدعيم الحجج العقلية المتناقضة لرفض الإله وصولاً إلى تشويه الأخلاق والمرجعية الدينيّة المشتركة لها، وذلك في إطار السعي لإضفاء مشروعيّة للإلحادِ، باختراع افتراضات أغرب من الخيال، كفرضية الأكوان اللانهائية.

يبدأ الإلحاد بتشويه الميتافيزيقا والإيمان بالغيبيات، وتوجيه النظر إلى التفكير المادّي، ووصف العالم الطبيعي بأنّه خارج عن نطاق الإيمان، وتشويه البراهين اليقينية لوجود الإله وإدخالها في حيّز الفرضيات، واقتراح بدائل أرضيّة/مادّيّة لها، ثم تدعيم هذه الفرضيّات بالتطبيع والترويج المستمر ليغدو الإيمان بوجود الإله وجهة نظر قابلة للدحضِ لا يقينًا معرفيًّا وروحيًّا، وبالتالي سلب المعرفة أحد أهمّ أسبابها اليقينيّة، أي سلبها القدرة على الترجيح؛ إذ إن اليقين سواءً كان دينيًّا أو علميًّا يستند على البراهين العقلية الخارجة عن نطاق الحسّ ذاته، وبذلك فإن رفضها ونقضها تمهيد لنقض العلم نفسه بنفسه.

لا تقتصر آثار تشويه اليقين عند قضيّة الإيمان بالله، بل يمتدّ الأمر لتشويه الوعي والعمل على صناعة وعي زائف بواقع الحياة ومنظومة العلاقات التي تحكمها، وهذا ما نراه ماثلاً أمامنا من خلال التأثر المتصاعد بالشخصيات “الخطابية” التي تظهر إعلاميًّا منافحة في الندوات عن الإلحاد بالتوازي مع الضخ المنظّم لأفكارهم في المسلسلات والسينما والروايات بهدف تطبيع الأجيال الناشئة معها والوصول إلى مجتمعات ضائعة، مشوّهة الفطرة، خائبة المسعى.

تشويه الأخلاق
حسنًا؛ إن استطاع الإلحاد تشويه العقل وإفساد مبادئه، فالطريق الآن أهوَنُ أمام هدف تشويه سلوك الإنسان، فقد تحطّم أو تخلخل الأساس الذي تستند إليه قِيَم السلوك، بتفريغ الدين من الالتزام بأوامره ونواهيه الأخلاقية، وهو ما نراه جليًّا بإلقاء اللوم في مآسي البشرِ الناتجة عن الحروب والفقر والفساد البشري على مضامين العقائد الدينيّة، وبالتالي دفع الناس إلى بغض الدين وحذف الإيمان بمصدره من سجلّ الحياة، أو دفعه إلى أضيق زواياه في حال كان تحقيق الهدف الأول مستحيلًا.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ههنا: في حال إزاحة الدين عن تصورات الفرد، فمن أين –إذن- يستمدّ الإنسان مبادئ تعامله مع الآخر، وطريقة عيشه مع نفسه ومن حوله؟

أَمِن العقل وحده؟ فعقول الناس لا تتناهى ولا تكاد تتفق دون سنَدٍ تنضبط إليه.

أم يُترَكُ الأمر على عواهنه دون مسار واضح فلا يُعلَم من المظلوم ولا الظالم، ولا يعرَف المذنبُ من البريء؟

يقرّ عامّة الملحدين بأن الطبيعة لا تخضع لحتميّة الخير أو الشر، فهي وجودٌ محضٌ محايدٌ لا يبالي بالبشر وتحوّلاتهم، ومن ثمّ فإنّ الإنسان –بحسب كهنوت الإلحاد- ليس إنسانًا أخلاقيًّا بطبعه، وإنما يتشكّل فهمه للعلاقات ومبادئها والأخلاق وآثارها ضمن المجتمع الذي ينشأ فيه.

هذا الادعاء ينطوي على تناقض داخلي يتجلّى بالنظر إلى مقدمة الكلام وخاتمته، فإن كانت الطبيعة أو المادة خالية من ثنائية الخير والشر، غير خاضعة لهما، فكيف يمكن القول بأن مصدر الأخلاق هو المجتمع الذي هو نتاج الطبيعة، فإذا ما كان الإنسان مادّةً أو ناتجًا عن مادّةٍ، فلماذا لا يتشكّل هو الآخر خاليًا عن ثنائية الخير والشر؟

وإذا ما كان مفهوم الأخلاق مستندًا إلى نسبية البشر وأفكارهم المتفاوتة، فإن ذلك يوصلنا إلى أن إصدار حكمٍ بتخطئة جهة ما أمر أقرب إلى الاستحالة، فيستوي نضال مانديلا بتعذيب سجّانيه، وجبروت هتلر بدماء مقتوليه، وهو ما اعترف به ريتشارد دوكنز بقوله: “داخل العالم الإلحادي المادي الحتمي لا يمكن تخطئة هتلر”[1]، ومن هنا نجد أنّ دوكنز يتّسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود بأيّ صفة قيميّة على الإطلاق، ففي هذا العالم لا يوجد شرّ ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرّحمة، ويقرّ في الوقت نفسه أنه من العسير جدًّا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينيّة[2].

ما البديل لأخلاق الوحي
إن المصدر المطلق للقيم والأخلاق الدينية هو الوحي أو الرسالة التشريعية العامة التي أنزِلت إلى الأنبياء لهداية البشر، ولذلك فإن القدر المشترك والقيم الثابتة فيها يمكن أن تستغرق التاريخ كله، وتصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، أما مصدر القيم النظرية فهو العقل أو العرف، ومن ثمَّ فإنه لا يستنكَر فيها تغيّرها من مجتمع لآخر ومن إنسان آخر.

وإذا كان الإنسان المؤمن بالإله يرى قوة الإلزام الأخلاقي في الوحي نابعة من وجود الله وإيمانه به، فإنّ قوة الإلزام في القيم البشرية لا تستند لمبدأ العدالة وإنما إلى السياق الذي يفرض نمطًا معينًا من الأفكار والتوجّهات لدى نخبة من الناس، حيث يستندُ الفَرض إلى السلطة من وجه، وإلى القوة من وجوه أخرى.

هذا البديل المشوّه عن “أخلاق الفطرة” ينتج لنا مآسي لا تكاد تنتهي، بدءًا من تشويه الفطرة، وإباحة كلّ شيء –كما يقول دوستويفسكي-[3]، وصولًا إلى عدم التخطئة ودعم الشذوذ وكل ما يمكن فرضه بمنطق القوة، دون استنادٍ للحق أو العدل، وذلك تحت يافطة المساواة التي تصنَّعُ صنعًا في مطابخ التوجيه والترويج والتطبيع.

إن مبادئ الأخلاق من الأمانة والرحمة والصدق والعطف على الضعيف قد أودعها الله في فطرة المرء وغريزته منذ لحظات تكوينه الأولى، ويأتي دور الدين ههنا ليشذّبها ويدعّمها، وهو ما أشار إليه خاتم الأنبياء بقوله: (إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق) التي هي جزءٌ أصيل من الرسالة الربانية للبشر.

بهذا يتضح لنا أن مصدر الأخلاق إلهيّ؛ لأن الأخلاق ظاهرةً واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ولعل في هذا الحجّة الأولى والعملية للدين، فالسلوك الأخلاقي إما أنه بلا معنى، وإما أن له معنى في ظل الإيمان بوجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن نُدْخِل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم، وأنّ الله موجود، بذلك يكون لسلوك الإنسان الأخلاقي معنىً وتبرير[4]

 ماذا بعد؟
ليس الأمر كما يشيع لدى بعض الناس، فقد يكون الإنسان ملحدًا وصاحب أفعال حسنةٍ وتعامل خلقيٍّ محترم بين الناس، إلا أنّ ذلك لا يستند –بالضرورة- إلى تشريعٍ إلحاديّ للأخلاق، وإنما إلى طَبْعٍ جبِل عليه المرء ذاته، أو إلى مؤثّرات أخرى، إذ إن التخطئة الأخلاقية في بنية الإلحاد أمر غير وارد، وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإلحاد بذاته ليس أخلاقيًّا ولا يمكن أن ينتج منظومة أخلاقيّة عادلة.

يصطدم الإلحاد –على الدوام- بأمرين لا مفرّ منهما، الإيمان بالإله والغيبيات، إضافة إلى رفض التعاليم الأخلاقية في الأديان، وذلك يقتضي هدم الأسس التي بني عليها الأمران، أي عقيدة الإيمان بوجود “الإله” المطلق، وذلك يوصلنا إلى التشويه الكامل لكل ما يمكن أن يجمع البشر.

إن الأصل في طبيعة الوجود الإنساني أنه لا وجود لأي انفصال بين الحياة والدين والأخلاق والواقع عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163] ومن ثمّ فإنه لا يمكن للوجود الإنساني ومعارفه أن يصل إلى سويّة النضج واليقين إلا باستناده على الإيمان بالخالق الذي أنشأ الوجود، ولا يمكن أن نصل إلى الخلاص الدنيوي إلا باتباع التعاليم الإلهية التي تحدّد لنا الأفق الحضاري الذي يجب أن نتحرّك فيه، وإلا غدا الوجود عبثيًا بانقطاعه عن الصلة بالله.


[1] ينظر الرابط الآتي: https://bit.ly/37GB22J

[2] نقلاً عن: الأخلاق والإلحاد، إسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

[3] إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح، على لسان “إيفان” الملحة في رواية الإخوة كارمازوف.

[4] ينظر: الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزة بيغوفتش، ص: 178.

“ما لَم تُحِط بهِ خُبرًا”.. حكمة الابتلاء

لا أذكر أنّي قرأت عن خبر مؤلم أو صادفت حدثاً مؤلماً إلّا تبادر إلى ذهني في الوهلة الأولى سؤال الحكمة من وجود الشر، أُصابُ بذهولٍ لحظيّ عند السماع بخبر حَدَث أو جريمةٍ قاسية ثُمّ أعود لأذكّر نفسي بأنّنا لسنا في دار العدل ولا في دار الجزاء، ومن هنا يظهر أمام كُلٍّ منّا مفترق طُرق؛ فإمّا إنكار وجود الله أمام ذهولنا بما يحدث من شُرور، وإمّا السعيُ بحثاً عن علمٍ نُحيلهُ إلى عمل فيزداد الإيمان بوجوده تعالى ويترسّخ أكثرَ بالألم.

ملحدٌ جاد ومؤمنٌ جاد
يقول سيّد قطب: “ولماذا؟ -في هذا المقام- سؤالٌ لا يسأله مؤمن جاد ولا يسأله ملحد جاد.. المؤمن لا يسأله لأنّه أكثر أدباً مع الله -الذي يعرفه بذاته وصفاته وخصائصه- وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشريّ وحدوده، وأنّه لم يُهيّأ للعمل في هذا المجال.. والملحد الجاد لا يسأله، لأنّه لا يعترف بالله ابتداءً، فإن هو اعترف بألوهيّته عرف معها أنّ هذا شأنُه سبحانه ومقتضى ألوهيّته، وأنّهُ {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:٢٣]، لأنّه وحده المُهيمن العليم بما يفعل.” [كُتيّب هذا الدين: ص ٨]

يؤسفني القول بأنّ هذا الكلام كان بديهياً أو فلنقل كان مُسلّماً به عند المسلمين في بدايات الإسلام، والقرآءة في السيرة تؤكِد على هذا، فكم من أحداث مؤلمة كان يقوم النبيّ -عليه الصلاة والسلام- من بعدها ليواصل تبليغ رسالته، يُؤذَى ويموت أهله ويُحارَب، يحزن، ثم تتنزل عليه آيات الله تخبره عمّا لاقاه الأنبياء من أقوامهم ومن أهلهم، بل ويخبره عمّا لاقاه من هم أقلُ مقاماً من الأنبياء، عن آسية زوجة فرعون والسحرة التائبين، وعن أصحاب الأخدود، وتبقى الآيات محفوظة إلى يومنا مؤكدةً لنا مِراراً أن لسنا في دار الجزاء، فالقصة انتهت في عالم الشهادة بعد أن أُحرِقَ أصحاب الأخدود، لكن ما يزال لها بقيّة في عالم الغيب.

مع طغيان المادة اليوم، ومع بدء عبادة الناس لأهوائهم ومقتنياتهم وأموالهم، لم تعُد هذه الحقيقة مفهومة، فمنتهى أحلام الناس في الدنيا، وفي أسوء الأحوال يفرض علينا هذا العالم الماديّ صورة العجوز الشائب المستلقي على سريره، يده بيد زوجته العجوز، ثُمّ في قمة الأمن، تخرج روحه.

هذه الخاتمة التي ما زال روّاد العلم وعبدة المادة يسعون للحصول عليها وإقناع الناس بأنّهم لابدّ أن يتقلبوا طوال حياتهم بين ألوان النعيم ثمّ يختمونها بذاك المشهد، لكن عَبَثاً، نرى بأعيُينا كلّ يوم بأنّ محاولاتهم تعطي نتائج عكسية، نراهم في قمة الرفاه الدنيويّ وفي قمة ما يزعمون بأنّها حرية، يُنهون حياتهم بأيديهم وهم في مقتبل أعمارهم، وإن عدنا لسؤال الشر، فإننا ندرك بأنّه مهما حاول الإنسان أن يجد اللذة الدائمة فإنّه لن يصل إليها، لا بتقنيات ولا بعلم، فذات علم الكيمياء الذي يسهم في صناعة الدواء، يسهم في صنع القنابل.

وبين المؤمن والملحد، أستحضر مشهداً لأُمٍ قُتل ابنها الصغير ورأته أمام عينيها مضرجاً بالدماء، وقد اختارت الصبر واستحضرت عدالة الله، فروح ابنها في عليين بين يدي الإله الرحيم العادل، الذي شقّ سمع طفلها وبصره في رحمها، ومتّعها به سنيناً وأخذه رحمةً لحكمةٍ يعلمها وحده، ووعدها إن صبرت بأن تلقاه في الجنة وبأن يُبنى لها فيها بيتٌ اسمه الحمد.

وهذا المشهد يدفعني للحديث عن اليُسرِ داخل عمق العُسر.

أشدّ قُرباً
يقول ابن الجوزي: “فالحقّ عزّ وجل علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه، يستغيثون به، فهذا من النعم في طيّ البلاء، وإنّما البلاء المحض، ما يشغلك عنه، فأمّا ما يُقيمكَ بين يديه، ففيه جمالك.

وقد حُكي عن يحيى البكّاء: أنّه رأى ربّه عزّ وجل في المنام، فقال: يا رب؛ كم أدعوك ولا تجيبني؟ فقال: يا يحيى؛ إنّي أُحب أن أسمع صوتَك.” [صيد الخاطر: ص ٦٠].

ويقول تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(٦)}[الشرح]، كم منّا أساءَ فهم الآية، وكأنّما بدّل (مع) بـ(بعد)، لكنّ الآية تقول أنّ اليُسر في داخل العُسر نفسه، فكم من لذة قرب لله ومناجاة له لم نستطع تحصيلها إلا عند الشدائد، ولرُبما لكُل إنسانٍ يؤمن بالله قصة مع سجدة أو خلوة في الألم، دعى الله فيها واستسلم بين يديه كأنّه أمامه حقًّا، فأبدله الله في تلك اللحظة بألمه الشديد لذّة لا تشبه لذّات الدنيا، فكانت الأصوات من حوله تغيب، والمكان من حوله يُنسى، وصار بين يدي الله حاضراً بقلبه قبل جسده، ثمّ بعد انقضاء الشدة حاول العودة إلى تلك اللذة في الرخاء فلم يستطع تحصيلها، ولا يخفى أيضاً أنّ العسر يحمل بداخله الكثير من اليُسر الذي يتجلّى في صورٍ كثيرة، لكن إن لم يكن العسر يحمل إلا لذة القرب من الله فهذا يكفي، ويكفينا قول ابن تيمية لتلميذه ابن القيّم عن حبسه في السجن : “مايصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بدلت ملء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، على ما سبّبوا لي فيه من الخير. ” [الوابل الصيّب].

المشهد الأخير
المشهد الأخير ليس هنا، حيث لا شيء يضمن العدل المُطلق، لا قانون ولا بشر ولا محاكم ولا مُنظمات، لا يمتلك العدل المطلق سوى الله، حيث يجمع الخلائق يوم القيامة، فلا يضيع حقُّ إنسان، بل ويقول صلى الله عليه وسلم: “لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء” [صحيح مسلم : (4/1997)]، فإذا كان حقُّ الشاة يُرد، فكيف بالبشر المظلومين، أو بمن قاسى أشدّ أنواع الألم، فلا بُدّ أن تُردّ الحقوق مهما صغرت، وسنرى حينها المجرمين يتساءلون مالِ هذا الكتاب لا يُغادرُ صغيرةً ولا كبيرة، فلا مهرب اليوم، حيثُ تشهد الخلائق، وتشهد أعضاء الإنسان على ما فعل، فإمّا نعيمٌ مقيم وإمّا شقاء{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف:٤٤]

فإنّ الإجابة عن سؤال الشر لا نحصل عليها بالشكوى ولا بالهروب من النور إلى ظلمات الدنيا أو ظلمات الإلحاد، وإنّما نحتاج إلى عودةٍ حقيقيةٍ إلى الكتاب الذي أخبرنا بالهدف من وجودنا، ثمّ الإيمان بما فيه، والعمل، العلم لا يكفي دون عمل يتبعه ودون دعاءٍ مُستمر لله  بتثبيت قلوبنا على دينه ، أمّا الجهل وعبادة الهوى والتثاقل عن العمل، فكُلٌ منها تؤدي إلى التيه والحسرة وعدم الحصول على شيء، لذا يجدرُ بنا العمل لنكون ممن قِيلَ فيهم “وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”. [رواه مسلم].

“قصة الإيمان”.. حوار بين الشيخ الموزون وحيران بن الأضعف

سنستعرض في هذا المقال الموجز أحد أشهر الكتب التأسيسية والمرجعية التي ظهرت في القرن العشرين ضمن مشاريع التصدي لموجة الإلحاد التي امتدت للعالم الإسلامي، ومؤلفه هو الشيخ اللبناني نديم الجسر رحمه الله.

“قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” كتاب جميل يبلغ عدد صفحاته 475 صحيفة، وهو يتحدث عن قصة خيالية شهدها ضريح الإمام البخاري في خرتنك قرب سمرقند، ويتضمن حوارا بين الشيخ الموزون السمرقندي وتلميذه حيران بن الأضعف البنجابي، الذي قصده ليتخلص بمساعدته من الشك الذي اعتراه وهو في جامعة بيشاور.

والشيخ الموزون نفسه عاش حالة الشك التي عاشها تلميذه حيران، لكنه تخلص منها بنصيحة من الشيخ حسين الجسر (والد المؤلف)، الذي نصحه بالتعمق بالفلسفة وعدم الاكتفاء بالقشور، وأبلغه أنه إن تعمَّق بها فسيجد اليقين، وهو ما حصل بالفعل.

اختار الشيخ الموزون في أماليه طريقة الحوار مع تلميذه حيران، وأخذ بيده بين أمواج الفلسفة حتى دفع عنه كل شك.

يقول حيران بن الأضعف: لما كنت أدرس في جامعة ييشاور كانت النفس مشوقة بفطرتها إلى المعرفة عن هذا العالم: ما هو؟ ومتى خلق؟ ومن خلق؟ فلا أقابَل إلا بالزجر فأهملت دروس الدين وأخذت أبحث في الفلسفة، ففصلت من الجامعة، فدلني أبي على الشيخ الموزون.

رحب الشيخ الموزون بحيران وطلب منه أن يتهيأ ويستعد ليبدأ معه رحلة العلم في الدين والفلسفة، وبدأ يحدثه عن الخلق، وعرض له آراء فلاسفة اليونان القدماء، ثم فلاسفة الإسلام بالمشرق والمغرب والأندلس في عهود الحضارة الإسلامية، ثم فلاسفة أوربا بوجه عام حتى عصرنا، وكان يعرض الآراء ويوضحها وينقدها ويوجهها، حتى تبدو مقاصدها وأهدافها.

تحدث الشيخ الموزون لتلميذه حيران عن قصه حي بن يقظان وهي قصة خيالية وضعها ابن طفيل في البحث عن الحق، وحدثه عن الغزالي مؤلف كتاب مقاصد الفلاسفة الذي بسط فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم بسطاً وافياً كأنه أحدهم، ورد على أرسطو في مسألة خلق العالم في كتابه تهافت الفلاسفة.

وحدّثه عن ابن رشد الذي كان مخالفا للغزالي عندما رد عليه في كتابه المشهور تهافت التهافت، ونصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بألا يأخذ بالاتهامات ضد ابن رشد لأنهم أخطأوا في فهمه، ذلك أنه كان معجباً بأرسطو إلى حد التقديس، بالإضافة إلى أغلاط الترجمة، فابن رشد لم يأخذ فلسفة أرسطو عن اليونانية، بل أخذها معرَّبة مخلوطة، وهو لم ينكر صفه الإرادة لله تعالى ولم يخرج عن المنطق السليم والإيمان الكامل، وهو كذلك لا يختلف مع الغزالي من حيث النتائج في شيء، حسب رأي المؤلف.

ثم تحدث عن أبي العلاء المعري الشخصية المتشائمة، الذي عاش حياته كفيف البصر، مشوه الوجه، مجبورا على العزلة، فكان من الطبيعي أن ينتج في نفسه الشك الذي لا يأتي في الحياة إلا من اختلاف الحظوظ، وشك المعري لم يكن في وجود الله، بل حيرته في القضاء والقدر، وحرية الإدارة، وحكمة الخلق، وحقيقة الروح.

وفي حديثه عن المعجزات التي فيها خرق النواميس، يرى أنها أدلة قوية ولكنها ليست أقوى من أدلة النظر العقلي الخالص التي تنتهي إلى الحكم الضروري القاطع بوجود الله ولكن البشر عاجزين عن الاستدلال بالنظر العقلي الخالص، فاقتضت الحكمة عند دعوتهم للإيمان بالله أن يخاطبوا بدليل المعجزة على يد الرسول الإنسان خرقاً يدل على الله ولكن لما ترقَّت الإنسانية في مدارج التفكير العقلي وأصبحت متهيأة للاستدلال بالنظر العقلي الخالص قضت حكمة الله بتفضيل الاستدلال بالألة العقلية القاطعة على الاستدلال بالمعجزة وهذا ما سلكة الوحي في القرآن واعتمده أكثر من المعجزات.

الأفكار المعاصرة

تشارلز داروين

وتحدث الشيخ عن داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، حيث يراه عالماً طبيعياً كبيراً، لكنه ليس بفيلسوف، وهو مؤمن بوجود الله، أما أصل الأنواع فإنه متردد في تحديدها، وأن الشيخ حسين الجسر مؤلف “الرسالة المحمدية” هو العالم الديني الوحيد الذي يقول بأن مذهب داروين لا يتعارض مع أحكام القرآن ولا مع الإيمان بوجود الله.

يقول الشيخ لحيران إن آيات القرآن تكاد تكون مقسمة بين الدعوة إلى الله و الإرشاد إلى دلائل وجوده ووحدانيته وجميع صفات كماله، والأحكام في العبادات والمعاملات، لكن أهم الأقسام وأعظمها هو القسم الأول لأن الإيمان بالله هو الأصل وهو الأساس لكل ما عداه.

وينصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بتعلم لغات الغرب إن كان يريد أن يكون مرشداً وداعياً إلى الله، وطلب منه أن يتأمل آيات القرآن ليطبقها على ما مر معه من أقوال الحكماء والفلاسفة، وبين له أن القرآن يتناول جميع الحجج العقلية والبراهين الساطعة التي قضى العلماء أعمارهم حتى توصلوا إليها.

ذكر الشيخ آيات الله في السماء والأرض فحدّث حيران عن مواقع النجوم والشمس كنجم من جملة النجوم، والتباعد والتناسب والأحجام والمنازل وعجائب النظام الباهر، وسأل حيران وهو متعجب كيف تقف هذه الأحجام والأوزان الهائلة في الفضاء بهذا التوازن العجيب؟ فرد عليه الشيخ بأن القرآن يجيبك في قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} وقوله: {إن الله يمسك السموات والأرض} فهل يكون القانون الدقيق المحكم أثراً من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

يشرح الشيخ الموزون كذلك موقع وطبيعة الأرض وباقي الكواكب الأخرى ويفسِّر أسباب عدم صلاحية الحياة فيها ويبين فضل الله ومنته علينا أن خلقنا على الأرض، فيسأل: {الشمس والقمر بحسبان} فلو كانت المسافة بين القمر والأرض أقل مما هي عليه أو أكثر فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوبة ودوراته المكتوبة ومنازله المقدرة أثر من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

وتحدث الشيخ لحيران عن عجب خلق الله في إنزال المطر والبحار والماء ونواميس الله في خلق الخلائق وجعلها بقدرته وحكمته تتلاقى ويفضي بعضها إلى بعض، وجعل الماء أصل الحياة.

شرح الشيخ بتفصيل لحيران التفسير العلمي والمنطقي الذي يتوافق مع آيات الله في بديع صنعه وأن لا مكان للمصادفة في تكوينها بقدر إبداع خلق الله.

وشرح له الطريقة العلمية لعملية تنفس النبات وفائدتها والأهمية الكبيرة لها في حياة الكائنات الأخرى، وسأله مجدداً هل هذا كله من أثر المصادفة، فرد حيران بأن خلق الله سبحانه أعظم من المصادفة.

أما الأرض فهي فندق كبير بناه الله وحماه وأودع فيه من كل الخيرات والنعم، فشرح لحيران كيف حاول العلماء تفسير الأرض وعناصرها ومكوناتها تفسير علمياً، وتحدث عن الذرات والإلكترونات والنترونات وما إلى ذلك من تناسق عظيم أبدعه الله. وانتقل بعد ذلك للحديث عن إبداع الخالق في خلق اللسان والأذن، وعمل القلب في جسم الإنسان.

ثم كتب الشيخ الموزون وصية لحيران، فأوصاه بالإيمان بالله على اعتبار أنه بلسم الصبر عند المصائب، وقارن بين حال الانسان والحيوان في هذه الدنيا وأن ما يميز الانسان هو الإيمان، وأن الحيرة والشك قد أصابته في شبابه كما أصابت حيران ودفعته للبحث وتزود بالعلم، وسرد سيرته لحيران ورحلته الطويلة في سبيل الوصول إلى الله بالمعرفة الحق ما بين الهند إلى طشقند، وأخذ يذكر فضل المشايخ عليه لمساعدتهم له ولهدايته إلى طريق الحق بالأدلة القرآنية، والشواهد العلمية إلى جانب الأدلة العقلية، وأخيراً أوصى الشيخ الموزون تلميذه حيران أن ينشر بين الناس قصة الإيمان بلسان الفلسفة والعلم والقرآن لعل الله يشرح بها للإيمان صدور الحيارى ويصلح بالهم ويهدي من يشاء منهم.

قنيبي والدحيح… أحد وجوه صراع العلمانية والدين

“لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا هذا الأمر واضح في القرآن.. جاء القرآن ليحول الدنيا من غاية إلى وسيلة”[1].

قبل مدة وجيزة رد الدكتور إياد قنيبي على إحدى حلقات الدحيح التي تتحدث عن فرضية الأكوان المتعددة ووضّح الفكرة الإلحادية في هذا الطرح. وعاد قنيبي مرة أخرى وبيّن بفيديو تفصيلي آخر لما يعرضه برنامج الدحيح من أفكار إلحادية ومادية، ومنذ ذلك الوقت انبرى الكثيرون للهجوم والرد عليه بكل السبل.

في هذا المشهد وما تلاه من ردود أفعال نحن لسنا فقط أمام دكتور جامعي وداعية إسلامي يرد على حلقة لشاب من مروجي pop-science  أو العلوم الشعبية عبر اليوتيوب؛ بل نحن أمام مشهد أوسع واستقطاب أكبر بين تيارين تزداد ملامحهما وضوحاً مع مرور الوقت. فما بين تيار إسلامي متمسك بدينه ويعلم دور العلم فلا يرفعه فوق قدره، ويؤمن بمركزية الآخرة في حياة الإنسان في جميع الجوانب، وبين تيار آخر يغلب عليه الطابع العلماني، وهو خليط يضم أطيافاً عديدة، منها من أعلن إلحاده ومنها من هو على وشك ذلك، ومنها من يعمل على هدم الدين من داخله، ومنها المنهزم حضارياً أمام التفوق المادي للغرب فهو وإن بقي على الإسلام إلا أنه يحاكم الإسلام على القيم الليبرالية والعلمانية مقتطعاً من الإسلام ما يناسب تلك القيم ورافضاً ما سواها بتأويل أو تدليس على الدين. وبين التيارين ربما نجد بعض من يصنفون أنفسهم أنهم حياديون أو غير مكترثين لهذا الصراع بالأصل.

هذا المقال لا يتكلم عن الدكتور قنيبي أو الدحيح بشخصيهما ولا يرد على أحد منهما وطرحه العلمي، وإنما هو عرض لبعض النقاط الرئيسية والملاحظات السريعة عن المشهد الأوسع والذي هو أحد أوجه المعركة المستمرة بين تياري الدين والعلمانية[i].

مسلمون يدافعون عن العلمانية أكثر من أصحابها!
“أين تجد واحداً من غير رجال الدين يقرأ شرحاً أو تفسيراً للكتب الدينية باللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الأناجيل؟ آهٍ. إن كل المسيحيين الشباب الذين يلفتون إليهم الأنظار ببراعتهم لا يعرفون إلا اللغة العربية والأدب العربي.. ولو حدثّهم أحد عن الكتب المسيحية محاولاً إقناعهم بالاحتجاج بها، فأنهم يجيبونه باستخفاف بأن هذه الكتب لا تستحق تقديرهم.  يا للمصيبة؟! نسي المسيحيون حتى لغتهم”.[2] [أسقف قرطبة ألفارو يرثي لوضع المسيحيين وهزيمتهم الحضارية أمام المسلمين في الأندلس].

أليس مستغرباً أن يصطفّ مسلمون للدفاع عن العلمانية أو أن يقفوا على الأقل بين بين؟ أليس مستغرباً أن يكون خطابهم شديداً قاسياً على إخوانهم المسلمين بينما ليناً رخواً أمام العلمانيين بل ومتبنّياً لخطاب العلمانية في بعض الأحيان؟ لكن هذا الاستغراب يقلُ إذا علمنا ما تعنيه الهزيمة الحضارية؛ إنها أسوأ أنواع الهزائم لأنها هزيمة نفسية من الداخل لا يستطيع بعدها من تلقّاها أن يرد كيد عدوه. بل ربما يتحول بعدها مدافعاً عن عدوه ومواجهاً لمن كانوا في الأمس إخوة الدين والعقيدة.

لكن رغم سوداوية هذا المشهد يجب أن ندرك أن هذا الأمر طبيعي، فلطالما تكرّر تقليد المغلوب للغالب. جاء في مقدمة ابن خلدون الفصل الثالث والعشرون:” فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزّيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده؛ والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه؛ أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب”[3].

إذن فالأمر مفهوم إلى حد ما. ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم أبداً هو حفلات جلد الذات اليومية التي يقوم بها بعض المسلمين أمام التقدم الغربي المادي والتي أقل ما يقال عنها أنها تعبّر عن عقدة نقص فادحة واهتزاز حقيقي في ثقتهم بعقيدتهم ودينهم.

نابليون (ويكيبيديا)

مسلسل الهزيمة الحضارية هذا لم يبدأ الآن بل هو مستمرٌ منذ اليوم الذي رست فيه سفن نابليون في مصر زارعاً فيها بذور العلمانية، والتي أنتجت بعد ذلك مفكّرين وكتاّباً مسلمين هُزموا حضارياً أمام سطوة الغرب وتحولوا لدعاة للقيم العلمانية رغم أنهم يعلمون علم اليقين مصادمتها مع الإسلام.

والآن بعد مرور كل هذه السنين على تلك الحملة المشؤومة ها هي ثمارها أينعت حنظلاً، وها هي قوافل من المسلمين تنتصر للقيم العلمانية.

وإن كان البعض يجد العذر في السابق مع بدايات القرن الماضي لانهزام بعض المفكرين حضارياً أمام الغرب فإن هذا الأمر الآن هو موضع ذمٍ بالفعل، فقد أثبتت الأيام أن التقدم المادي والعلمي ليس حكراً على العقول الغربية وها هي دول شرق آسيا، وأبرزها الصين واليابان، تضاهي التقدم المادي العلمي لدى الغرب، وربما في قادم الأيام ستسبقهم هذه الدول وأولها الصين.

ومن خلال فهم هذا الأمر يسهل استيعاب حقيقة أن للأمم دورات حضارية تعلو فيها وتتقدم ثم ما تلبث أن تتراجع وتنتكس. وعليه فالمسلمون ليسوا مضطرين لتبني عقائد الآخرين بما فيها العلمانية وتقليد طرائق عيشهم كي نلحق بتقدمهم العلمي المادي فلا رابط بين الأمرين.

المظلومية العلمانية وادعاء الإصلاح
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ( [سورة البقرة: 11]

يظن العلماني العربي نفسه غاليليو أو برونو القرن الحادي والعشرين المُضطهد الذي لا يستطيع أن يعبّر عن أفكاره، رغم أن العلمانيين أنفسهم يحتكرون معظم وسائل الإعلام ويبثون فيها ما يريدون ويروجون عبرها للإلحاد والشذوذ والإباحية ويدعون لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة بطرق مباشرة وغير مباشرة. لكن رغم هذا هم يحبون دائماً أن يظهروا بمظهر الحمل الوديع أمام الناس، فمن ينشر الأفكار الإلحادية تحت راية العلوم الشعبية يصورونه شاباً مبدعاً وهب نفسه للعلم لا يريد إلا أن يبسّطه للناس، ومن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة مستخدماً آيات وأحاديث بتدليس واضح لا يريد إلا النهضة بالمسلمين.

وهكذا يتحول هؤلاء إلى ما يشبه الملائكة الأبرياء وما يفعلونه يصبح إصلاحاً وهداية للمسلمين، وكل من ينتقد أو يتكلم عن حقيقة أفعالهم فهو مؤمن بنظريات المؤامرة ورجعيٌ محتدٌ!

العلمانية والعلموية العربيتان: ما الرابط بينهما؟
“إن جوهر العالمانية هو الانصراف إلى العالم كلياً أو جزئياً، وهذه النزعة المادية لا بد أن تؤدي إلى الانغماس في هذا العالم، مادةً وقوانين حاكمة”[4].

ربما العلمانية من أكثر الألفاظ المختلف على تعريفها منذ نشأتها وكلٌ يعرفها حسب فهمه، ولا يعنينا كثيراً هنا التعريف النظري لها ولكن القضية الجوهرية في العلمانية كما يبدو من سياقاتها عبر التاريخ هي التمركز حول الدنيا أو العالم وإنكار كل أِشكال الغيب أو الميتافيزيقا في حال التطرف العلماني الموصول بالإلحاد، أو على الأقل جعل أمور الغيب أموراً طقوسية ثانوية في حياة البشر لا تدخل في أمور حياتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

في السياق العربي نشأت العلمانية وتمّ الترويج لها مع قدوم الاحتلالات الأجنبية إلى البلدان العربية على أيدي بعض الكتّاب والمفكرين النصارى العرب. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن كان مشروع العلمانية العربية الرئيسي هو تنحية الإسلام عن الحياة العامة في المجتمعات العربية ونقد الإسلام والهجوم عليه بأي طريقة. ولهذا نجد العلمانيين العرب يقفون مع أي إيديولوجيا تناهض الإسلام في المنطقة متبنيين إياها بما فيها الاشتراكية والليبرالية.

أما العلموية -كما يعرّفها روجيه جارودي بعد أن يؤصل إلى أنها نوع من الأصوليات التوتاليتارية (الشمولية)- فهي:” المصادرة القائلة إن (العلم) يمكنه حل المسائل كلها. وإن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه، هو شيء غير موجود”[5]، فالعلمويون يقررون أن مصادر المعرفة حسية فقط وأن التجربة هي سبيل المعرفة الوحيد.

في السياق العربي كانت العلموية إحدى ثمار انتشار العلمانية، فالعلمانيون والعلمويون العرب بعضهم أولياء بعض منذ البداية حين أخذت أفكار الفلسفة الوضعية في الانتشار مع بدايات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نجد العلمويين والعلمانيين يتبادلون المواقع في الهجوم على الإسلام، فالعلمويون يمهدون الطريق للأفكار العلمانية الرئيسية، ويكمل العلمانيون الطريق بعدها في الهجوم على الإٍسلام.

إضاءات سريعة

الصورة النمطية للمسلمين على غلاف مجلة نيوزويك

– يحاول العلمانيون صنع صورة نمطية للمسلم على الشاشات وفي عقول الناس، فهو الإرهابي الجاهل الذي يحارب العلوم الدنيوية ويرفضها ويدعو للدروشة والخرافات؛ فكيف بعد هذا يأتي شيوخ إسلاميون تخرّجوا من أفضل الجامعات الغربية ليتحدثوا بأدلة علمية رصينة يردون بها على تشغيبات الملحدين والعلمويين؟ ألا يستدعي هذا نفيراً علمانياً عاماً؟

– بعض الإسلاميين -وعن حسن نية-لا يرون في بعض الخطابات العلموية نشراً للإلحاد، وهؤلاء لا يصح التقريع بهم ووضعهم في التيار المعادي للإسلام أبداً بل يُرد عليهم بالدليل والبرهان. ولكن على هؤلاء أيضاً أن يعلموا أن المختصّ بالأمر يدرك بعض العواقب مما قد لا يتنبه إليها غير المختص. فمن درس الملف الإلحادي وقرأ عن تاريخ الإلحاد لسنوات هو أدرى بطرق نشر الإلحاد من غيره.

– صنع العلمانيون قالباً فكرياً مشوهاً يطبقونه في كل حالات صراعهم مع الإسلاميين؛ فهم يدّعون أن كل إٍسلامي يتحدث بالأدلة عن شخص بأنه يروج لأفكار إلحادية أو علمانية فهذا يستلزم تكفيره تمهيداً لقتله بعد ذلك. وبهذا يظن العلمانيون أنهم من خلال شيطنة الخصم وتشويه صورته ينتصرون عليه.

– عندما يتحدث إسلاميون عن الخلفيات الإيديولوجية لبعض العلماء الغربيين الذين يحاولون إثبات أمور توافق الأيديولوجيا الليبرالية الغربية مثل الشذوذ والداروينية يهب العلمويين العرب مباشرة مؤكدين أن الأفكار المسبقة لا دخل لها في البحث العلمي. ولكن للمفارقة إذا كان المتحدث إسلامياً فهنا لا بد للعلمانيين أن يفرغوا كل حمولتهم الإيديولوجية المعادية للإسلام مستحضرين عقيدة وهوية مخالفهم دون أن يتطرقوا للأدلة العلمية.

– بعض الناس للأسف ينظرون لهذا الصراع بين العلمانية والدين من باب التسلية و”قصف الجبهات”، والأمر ليس هكذا أبداً، إنما هو صراع حق وباطل بل وقضية كل فرد وهدفه في الحياة بين أن يعرف غاية وجوده من خلال دين الإسلام وحقائقه الكبرى وبين أن يضيع في دوامات العلمانية والعدمية والغرق في الدنيا.


الهوامش

[1]  إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، دار المعرفة للنشر والتوزيع،2016، ص57

[2] زيجريد هونكه، الله ليس كمثله شيء، المركز القومي للترجمة،2010، ص82-83

[3] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار نهضة مصر،2017، الجزء الثاني، ص505

[4] سامي عامري، العالمانية طاعون العصر، مركز تكوين، 2017، ص71

[5]  روجيه جارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها، دار عام ألفين ،2000، 24

[i] العَلمانية بفتح العين وسيأخذ المقال بهذا اللفظ لانتشاره مع التنبيه إلى أن هناك من يعمد إلى اللفظ الخاطئ بكسر العين لربط العلمانية بالعلم وهذا تدليس واضح. هناك ألفاظ أخرى جيدة لترجمة كلمة Secularism مثل عالمانية، دنيوية، أو التمركز حول الدنيا والعالم المادي.

تهافت مروجي الإلحاد على مواقع التواصل

في كل زمان ومكان لا يكتفي أهل الباطل بما هم عليه من انحراف عن جادة الصواب، بل يعملون ليلا نهارا لنشر باطلهم وتزينيه في عيون الناس علّهم يلتحقون بركب الباطل وأهله، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، ولا يختلف أهل الإلحاد العرب عن باقي إخوانهم من أهل الباطل في كل مكان، فهم أيضاً لا يكتفون بإلحادهم بل يتجهون لنشره بين الناس والعمل على محاربة الأديان بأي طريقة يستطيعونها.

الملاحظ في حالة الملاحدة العرب أنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين في عرض أفكارهم: القسم الأول هم السذج وبسطاء التفكير ممن ألحدوا ولا يدرون شيئا عن الإلحاد أو عن الأديان الأخرى، فهم ركبوا موجة الإلحاد المنتشرة ويريدون دعوة غيرهم للإلحاد، ويبدو هذا من أحاديثهم وتصرفاتهم الغريبة في الفيديوهات، وهؤلاء لا يستحقون التوقف عندهم كثيراً. أما القسم الثاني فهم أذكى نوعاً ما ويعيدون اجترار شبهات المستشرقين ضد الإسلام أو حجج مشاهير الملاحدة مثل دوكينز وهاريس، ويعرضونها إما في حوارات مطولة يديرونها بين بعضهم أو من خلال فيديوهات مركزة ومكثفة جدا مع صور أو موسيقى تصويرية أو مقاطع من مسلسلات وأفلام، بالإضافة للسخرية والفكاهة المصطنعة على طريقة مشاهير اليوتيوبرز.

كل هذا أشبه ما يكون بالصدمات المتتالية لمحاولة إحداث أكبر خرق ممكن في عقل المتلقي، وخاصة إذا لم يكن يمتلك خلفية عقديّة قوية ليخرج من هذه الفيديوهات متسائلاً: هل هذا ديني حقاً؟ ما كل هذه الشبهات والتناقضات؟ فهم على طريقة من يلقي القنابل الضوئية والصوتية ثم يهرب وينتظر إحداث الضرر بعد حين!

وسأعرض فيما يلي بعض صفات وأقوال مروجي الإلحاد العرب لمعرفة طريقة تفكير هؤلاء ليسهل علينا الحد من خطرهم، فاليوم أصبح من السهل أن ينشر أهل الباطل ما يريدونه وأن يجدوا آذاناً صاغية تستمع إليهم ممن لا يملك العلم الكافي وأدوات النقد والتفكير الصحيح، فكل شيء أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة:

1- ادعاؤهم أن الدين ينتقل بالوراثة فلولا أنهم ولدوا في عائلات تعتنق الإسلام لما كانوا مسلمين، والقرآن يرد على هذا الأمر بعدة مواضع ويذم التقليد الأعمى، وأكتفي هنا بآية من سورة البقرة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

2- أغلب هؤلاء الملاحدة تحدثوا عما يمكن تسميته “طفولتهم الخارقة”، فهم منذ سنواتهم الأولى يطرحون الأسئلة الفلسفية العميقة عن الوجود والإله والجنة والنار والأنبياء ولا يجدون إجابات مقنعة عليها!

3- أغلبهم يحمل فكراً استئصالياً خطيراً لمخالفيهم، فهم يعيبون على أوروبا استقبالها للاجئين المسلمين ويصفونهم بالقنابل الموقوتة التي ستدمر أوربا وحرياتها في المستقبل، ولهذا فهم يدعون أوروبا لاستقبال اللاجئين من الملاحدة والمرتدين والشواذ فقط؛ يعني هم ملكيون أكثر من الملك. وهذا يوضح بعض جوانب الفكر الإلحادي بشكل عام، فهو فكر إقصائي واستئصالي، إذ لا يحمل مرجعاً ولا قيماً ومرجعيته الداروينية والبقاء للأقوى.

4- حديثهم عن أن الدين أمر ممل ومكرر، وأن خطب الجمعة والمواعظ والدروس الدينية تعيد نفس الكلام وتكرر نفس الآيات والأحاديث. والطريف أني سمعت من أحدهم يقول إنه لا يوجد في الدين تحديث update على عكس العلم الذي يقدم لنا دائماً اكتشافات وأشياء جديدة! وهؤلاء الملاحدة مثال واضح على عقلية القردة أو monkey brains التي أصابت إنسان ما بعد الحداثة والتي تبحث عن القفز السريع من أمر إلى آخر والتجديد المستمر حتى على حساب أية قيم أو مبادئ.

5-معظم هؤلاء الملاحدة يركزون هجومهم على الإسلام والمسلمين دون غيره من الأديان، وهذا يعود لسببين: الأول أن غالبيتهم نشأ في عوائل إسلامية، والثاني أن الإسلام هو الدين الحيوي الوحيد القادر على التفاعل مع حياة الناس في الحيز العام على عكس بقية الأديان التي أصابتها العالمانية بمقتل وأصبحت مجرد طقوس وعادات ومظاهر ثقافية مكانها دور العبادة والأعياد الموسمية.

6-وصف عموم المسلمين بالجهل العام بتاريخهم ودينهم وعدم قراءة كتب تراثهم وعقيدتهم، ومن يستمع لهذا الكلام يظن هؤلاء الملحدين وكأنهم تعمقوا في القرآن وقرأوا في كتب التفاسير فأدركوا معاني القرآن ثم عرجوا على كتب الحديث فدرسوا علومه ثم طافوا على كتب أصول الفقه والفقه المقارن والتشريع والتاريخ الإسلامي، ثم استنتجوا أن المسلمين لا يقرأون تراثهم وأنهم لو قرأوه لألحدوا! والحقيقة أن هؤلاء الملحدين معظمهم لا يدري شيئاً عن التراث الإسلامي ومعظم معلوماتهم نسخ وقص ولصق من غوغل يشكلون بها معظم بضاعتهم المزجاة التي يعرضونها على عوام الناس.

7- ربما لا يوجد مقطع فيديو لهؤلاء الملاحدة إلا وهو مليء بالسباب والشتائم والسفه، والمفارقة أن هؤلاء الملاحدة دائماً يتغنون بالعقلانية واحترام آراء المخالفين، وهذه ادعاءات فارغة تكذبها شتائمهم القبيحة وإسفافهم المتواصل في هذه المقاطع، هذا عدا تدخين التبغ والحشيش والخمور أثناء تقديم حلقاتهم، وهذا يكشف الكثير عن نفسيات وعقليات هؤلاء القوم.

8- تحدي الله تعالى بمنطق طفولي سخيف، فالعديد منهم برر إلحاده بأنه تحدى الله تعالى بأن يحرقه أو يميته إذا كفر بالله أو مزق ورقات من المصحف أو شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى لم ينتقم منهم! وبعضهم الآخر تحدث أنه دعا الله تعالى ولكن لم يستجب له. وهذه دلائل على عدم وجود الله تعالى على حسب ادعاءاتهم! وكأنهم يعتقدون أنه لو شتم طفلٌ صغير أباه في السوق فأجّل الوالد عقاب ابنه حتى عودتهما إلى المنزل فالأب غير موجود!

9- اتهام المؤمنين بالببغائية وتكرار الأقوال الجاهزة، ولكن هؤلاء الملحدين لا يحدثوننا عن ببغائيتهم وتكرارهم لحجج المستشرقين التي يلوكونها.

10- كلامهم مليء بادعاءات المظلومية والاضطهاد، فهم يلعبون على هذا الوتر الذي يوافق ويعجب العقلية الغربية التي تقف مع الأقليات في أي مكان وتعمل على دعمها بالباطل أو بالحق بأي طريقة، ولكن الواقع في بلادنا العربية يثبت أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أي حسيب أو رقيب، بينما الدعاة والمصلحون من المسلمين معظمهم في السجون أو مطاردون أو مضيق عليهم!

11- ترديد المغالطات المنطقية بشكل كبير وتوسيع قياسها بأكثر مما تحتمل، فكل رأي يخالفهم يعتبرونه مغالطة منطقية، ولو أخذنا بهذا الكلام على عمومه لأصبح كل العلم قائما على المغالطات المنطقية، فمثلا هناك قاعدة علمية تقول أن المعادن تتمدد بالحرارة ولو وسعنا مفاهيم المغالطات المنطقية كما يفعل ملاحدة اليوتيوب فسوف نقول عن هذه القاعدة إنها مغالطة التعميم لأننا لم نستقرئ جميع المعادن في الأرض وهذا مستحيل. وفي النقاشات المنطقية عملية الاستقراء الناقص لا تفيد اليقين.

في الختام يبقى الإلحاد المنتشر اليوم بين بعض الشباب العرب أشبه ما يكون بالموضة الفكرية، وهو غير قائم على أسس فكرية قوية بل ربما تأثيره لا يقارب تأثير الجانب الإلحادي للشيوعية في القرن الماضي والذي كان يستند إلى بعض المقومات والأسس الفكرية؛ وعلى هذا فإن الإلحاد اليوم قائم بشكل رئيسي على الضجة الإعلامية التي يحاول إحداثها، وهذا أمر مشاهد في مؤتمرات دعاة الإلحاد الجدد في الغرب وعلى خطاهم يحاول الملاحدة العرب الترويج لبضاعتهم الإلحادية بنسخة مكررة ورديئة.

لماذا انتشر الإلحاد بين المهاجرين السوريين؟

مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، أصبحت تداعياتها أكثر وضوحا على كافة الأصعدة، لا سيما التغيرات الاجتماعية الطارئة على السوريين الذين اضطرتهم الحرب إلى الهجرة.

فوفق إحدى الإحصائيات لمعهد بيو الأمريكي يبلغ عدد السوريين الذين هاجروا بسبب الحرب حوالي سبعة ملايين سوري؛ أكثر من مليون منهم اتجهوا نحو أوروبا وشمال أمريكا[1]. ومع بلوغ السوريين المهاجرين هذه الأعداد الكبيرة أصبحت هناك العديد من الظواهر التي تستحق الدراسة والتتبع كارتفاع نسب الطلاق بين الأزواج وحالة ضياع الهوية والتفكك الأسري، بالإضافة إلى الخوف على أطفالهم ومستقبلهم ووجود حالات من التنصّر والإلحاد وخلع الحجاب وغيرها من الظواهر، وسيركز هذا المقال على ظاهرة انتشار الإلحاد بين بعض السوريين المهاجرين، وخاصة من فئات الشباب.

 في البداية لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد إحصائيات أكيدة حول أعداد الملحدين بين المهاجرين السوريين، ولكن يبدو أن أعدد الملحدين في ازدياد سواء داخل سوريا أو خارجها.

وعند البحث عن الأسباب والدوافع لا بد من التأكيد أولاً على أن هذه المحاولة في البحث تفسيرية وليست تبريرية، وثانياً أن هناك أسبابا عامة قد تدفع إنساناً ما للإلحاد في أي مكان أو زمان، فضلا عن أسباب خاصة متعلقة بالبيئة الاجتماعية السورية وظروف نشأتها في العقود السابقة.

الصدمة الحضارية
يبدأ الإنسان المهاجر لحظة وصوله إلى الغرب بعقد المقارنات بين البلد المهَاجر إليه وبين بلده الأصلي، فالمعاينة عن قرب غير معاينة الشاشات. فشوارع الغرب نظيفة مرتبة، ومعاملهم تنتج أحدث التقنيات والآلات، وهم يختارون حكامهم بسلاسة ويعبرون عن آرائهم بكل حرية.

بالإضافة إلى هذه النظرة الاختزالية والأحادية للمشهد في الغرب ومع مقارنة هذه الأمور بأوضاع بلادنا؛ تحدث الصدمة الحضارية لدى البعض وخاصة إذا ترافق الأمر بهزيمة نفسية وجهل بالتاريخ و الحضارة أو إذا كان البعض لم يخرج من قريته أو مدينته في السابق ولا يدري إلا اليسير جداً عن باقي أنحاء العالم، وهنا يأتي الاستنتاج الخطير الذي يصل له البعض: هم متقدمون لابتعادهم عن الدين ونحن متأخرون بسبب ديننا فالحل إذا هو الإلحاد حتى نلحق بركب الحضارة والتقدم.

غياب التأسيس العقدي
هذا بحرٌ متلاطم الأمواج تتفرع منه معظم أسباب الإلحاد، لأن النفوس إذا لم تتشرب أسس العقيدة الصحيحة والإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله أصبحت معرضة لأن تعصف بها أي شبهة كبيرة كانت أو صغيرة.

يسمي الدكتور عبد الله الشهري هذا السبب بالقابلية للإلحاد، أي استعداد النفس لهذا الأمر وهذا مصطلح تمّ سكه على منوال مصطلح القابلية للاستعمار الذي تحدث عنه المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى.[i]

فلو تشربت النفوس أسس العقيدة الصحيحة بأن هذا الكون لم ينشأ من عدم وأن له خالقاً حكيماً وأن هذا الخالق الحكيم أرسل الرسل إلى البشر ليهدوهم سواء السبيل وأن خاتم هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أيده الله تعالى بالقرآن الكريم لما اهتزت النفوس مع كل شبهة جاء بها مستشرق أو ملحد من هنا أو هناك. 

الشهوات ملاعب الشيطان
الدين يحرم الخمر والزنا والشذوذ، وهذه أمور لا اختلاف عليها في الإسلام، وهنا يأتي دور الشيطان ليوسوس للإنسان وخاصة في البيئة الغربية التي تغوص في هذه الشهوات؛ الحل إذن بترك هذا الدين وحينها يصبح كل شيء مباحا، وبعد إتباع الملحد لشهواته الجسدية كيفما شاء فهو لا يحتاج لتأنيب الضمير أو الشعور بالوازع الديني، فهو استخدم حيلة نفسية كي لا يؤمن بالدين أصلاً الذي يحرم هذه الأمور.

هناك نوع آخر من الشهوة غير الشهوات الجسدية وهي شهوة حب الظهور والشهرة، وهذه الشهوة سهلة التحقق في عالم اليوم، فكل ما يلزم أدوات تصوير مناسبة واتصال بالإنترنت ومحتوى على طريقة من بال في بئر زمزم، وبعدها ينتشر المقطع انتشار النار في الهشيم ويصبح صاحبه من المشاهير!

العلموية وتأثيرها
قبل ثورات الربيع العربي انتشرت العديد من المواقع وصفحات الفيس بوك العلموية التي عملت على تروج الإلحاد والداروينية باسم العلم من خلال دس السم في العسل، فجعلت الدين والعلم ضدين لا يجتمعان، فإما أن يؤمن الإنسان بالدين فيكفر بالعلم وإما أن يؤمن بالعلم فيكفر بالدين، والحقيقة أن ادعاء هذه المواقع والقائمين عليها أنها لا تعادي الدين هو ادعاء تكذبه منشورات ومقالات هذه المواقع.

وقد تأثر الكثير من الشباب السوريين كما حال بقية الشباب العرب بما تنشره وتروج له هذه المواقع والصفحات ومثلت هذه المواقع محطة رئيسة على طريق إلحاد البعض.

الثورة السورية وأحداثها
مع اندلاع الثورة استحرّ القتل وبدأت سلسلة من المجازر والأحداث المأساوية وأصبحت صور القتلى والجرحى تملأ وكالات الأنباء، بل حتى الهاربون من جحيم الحرب لم يسلموا من الغرق أو الموت، وتأخر النصر على النظام المجرم وتناحرت فصائل الثورة فيما بينها وظهر تنظيم الدولة بوحشيته وإجرامه وتآمرت معظم دول العالم على إفشال الثورة.  ومع كل هذه المشاهد وُضع سؤال الشر على طاولة بحث الكثيرين وأصبح مدخلاً رئيساً للإلحاد.

في النهاية، قد لا يكون هناك سبب رئيسي واحد لإلحاد المرء بل قد تتضافر مجموعة عوامل وأسباب مع بعضها، ويترافق هذا مع الضخ الإعلامي من مسلسلات وأفلام أجنبية تدعو لأفكار إلحادية بالإضافة إلى الحملات الإعلامية الممنهجة لتشويه المسلم ووصفه بالإرهاب والرجعية والتخلف مما يشكل الأرضية الأولى لإلحاد المهاجرين، علما بأن هناك العديد من الملحدين في الداخل السوري الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للإعلان عن إلحادهم.


أهم المصادر

[1] http://www.pewresearch.org/fact-tank/2018/01/29/where-displaced-syrians-have-resettled/

https://newhumanist.org.uk/articles/4898/the-rise-of-arab-atheism 

 https://www.youtube.com/watch?v=q6boKunEG84

هل ثمة دور للعقل في الإيمان؟

هل هناك إيمان بناء على قناعات عقلية؟ أم الموقف من الدين هو مجرد استجابة للحالة النفسية أو الظروف المجتمعية؟ هذا سؤال اختلفت حوله الآراء المعاصرة، حتى ذهب بعضهم إلى إنكار دور العقل في الوصول إلى الإيمان، وذهب آخرون إلى قصر الإيمان على الأدلة العقلية بشروط خاصة!

إذا تطرقنا إلى المقولة الأولى، فإنّ الفكرة التي تقول باستحالة وجود الإنسان المتجرّد لاتباع الحق بناء على قناعة عقلية هي فكرة رسّختها الحداثة. الحداثة التي خلطت بين “الإنسان” و”الآلة”، فصارت معايير دراسة كل منهما متشابهة إلى حدّ كبير، وبما أنّ معالجة المعطيات بشكل علمي محض دون أي انفعال أو قلق أو مشاعر هي من خصائص “الحاسوب” لا “الإنسان”، صار القول بالتجرّد العلمي في تداول الآراء محض خرافة عند هؤلاء؛ لأنّهم يحاكمون الإنسان بمعايير الحاسوب، فحتى نقول إنّ الإنسان قد اختار رأيا ما بقناعة تامّة وعن تجرّد ينبغي نزعه عن الإنسان الذي فيه وتحوله إلى حاسوب عندهم، وبما أنّ هذا مستحيل فإذن يستحيل وجود الإنسان المتجرّد! أي أنّهم نفوا إمكان الإيمان بناءً على قناعة عقلية لسوء تصوّرهم للقناعة العقلية، والظنّ بأنّها تستلزم التجرّد العلمي المحض كالحواسيب، ومن ثمّ أنكروا تحقق ذلك في الإنسان.

وهذا الاستنتاج وهمٌ من أوهام بعض الحداثيين، والصواب أنّ القناعة العقلية عند الإنسان مفهوم مغاير للسلوك العلمي عند الحاسوب (إن جاز التعبير)؛ فحاسوب السيارة ذاتية القيادة مثلا يعالج المعطيات التي تصله من الكاميرات والمجسّات الأخرى ويتخذ قرار الانعطاف إلى اليمين، وهذا القرار هو قرار علمي محض مبني على حسابات علمية، لم تخالطه رغبات وأشواق وانطباعات ذاتية، بل لا وجود لهذه “الذات” الواعية للفعل ككلّ، بل هي مجموعة أجهزة مترابطة ميكانيكيّا وتعمل معًا.

أما الإنسان فهو كائن عقلاني مشاعري، أي أننا لو أخذنا السلوك نفسه، فهو يتخذ قرار الانعطاف كقائد للسيّارة خوفًا من الاصطدام، وهذا “الخوف” شعور، ولكنه منسجم انسجامًا تامّا مع القرار العقلاني الذي يقضي بأنّ أحكمَ الاختيارات هو الانعطاف لاستمرار مسيرة السيارة وقضاء مصالح الشخص وعدم تخريبها عند الارتطام بالحاجز. فهذا سلوك عقلاني، وهو في نفس الوقت مختلط بالمشاعر، أي أن وجود الانفعال الشعوري لم يكن متعارضًا مع كونه خيارًا عقلانيّا.

وهناك طرف آخر يقصُر الإيمان على الأدلة العقلية الصرفة، فهو يتعامل مع مسألة الإيمان كما لو كانت معادلة رياضية، أو كما لو كان الإيمان يأتي بالإخضاع والإفحام العلمي بعد بيان الأدلة ببساطة! وهذا وهمٌ أيضًا؛ فقد ذكر القرآن أشخاصًا تيقّنوا من الحقيقة ولكنهم ببساطة جحدوها {وجحدوا بها واستیقنتها أنفسهم ظُلمًا وعُلوّا}، فالتيقّن العلمي من صحة هذه الحقيقة لم يُنشئ إيمانًا بالضرورة، بل عارض ذلك النزوعُ النفسي الظالم المستكبر. ولهذا كتبتُ يومًا: “فليس الإيمان معادلة رياضية تقتنع بها العقول فتلتزمها، وإنما هو حقيقة نفسية يوفّقُ الله إليها من استجاب لنداء العقل والفطرة ولم يطمسْه باتّباع الهوى والشهوات”.

أمّا الطرف الأول الذي ينفي أي دور للاقتناع العقلي في تحديد الموقف من المسائل الدينية، ويحيلها كلها إلى الظروف الاجتماعية والحالات النفسية، فالتديّن عندهم محض اختيار عاطفي أو تأثّر بالمحيط المجتمعي، وهذا ناتج عن كون معظم الناس ينحازون إلى آرائهم في الدين لأسباب نفسية أو اجتماعية.

ولكن هذا الانحياز اللاعقلاني ليس ضربة لازب، وللعقل دورٌ عند الكثير من البشر، ولولا ذلك لَما خاطب القرآن الناس بالبراهين والبينات، ولَما ذمّ اتباعهم الأعمى لعادات المجتمع دون أن يعقلوا، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ}، ولَما وصف اللهُ نبيّه صلى الله عليه وسلّم بأنّه “برهان” والقرآنَ بأنه “مبين” {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}، ولَما قال للكافرين {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}، ولَما قال حكاية عن الكفار {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ}، ولَما قال للناس {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وآياتٌ كثيرة غيرها، وإنما ذكرتُ الآيات لأنّ من ينكر دور العقل في الموقف من الدين ويزعم أنه محض اختيار عاطفي مؤمنٌ بالقرآن، فها هو القرآن ينكر أن يكون الموقف من الدين مجرّد اختيار عاطفي لا دور للعقل فيه.

فاتخاذ المواقف من الدين بناء على التفكير العقلاني والقناعة العقلية أمر أكّده القرآن وأكدت عليه تجارب الكثير من البشر الذين خالفوا مجتمعاتهم وضعفَهم النفسي واتخذوا موقفهم من الدين بناء على القناعة العقلية. ولو نفينا دور هذه القناعة العقلية في اتخاذ الموقف من الدين لكنّا نكذّب القرآن ونزعم أنه يخاطب بشرا وهميين ويطالبهم بالمستحيل؛ إذ هم بحسب زعمنا آنذاك كائنات جبرية تحكمها ظروفها الاجتماعية والمادية وانفعالاتها النفسية!

ولكن من جهة أخرى فمفهوم هذه القناعة العقلية والعقل عموما لدى الإنسان هو كما ذكرتُ بعيد كل البعد عن أن يكون معادلة رياضية، فالتفكّر في محاسن شريعة الإسلام مثلا والأخلاقيات التي يدعو إليها ومحبّة هذا الدين بناء على هذا “التفكر” هو ممارسة عقلية بكل معنى الكلمة، حتى لو امتزجت بها المشاعر، فالآيات والهدايات القرآنية تدخل إلى نفس الإنسان من جميع منافذ التلقّي لديه؛ تخاطب تلك الفطرة القديمة العميقة في داخله فتحرّك وجدانه لمحبة هذا الدين، كما تخاطب عقله المفكر الواعي الذي يدرك قبح الشرك واللامعنى وفساد فكرة عدم وجود خالق لهذا الكون العظيم ولهذه الحياة البديعة وفساد الأخلاق الوضعية وغير ذلك من الأمور، لو تفكّر فيها محيّدا أهواءه قدر الإمكان.

علمًا أنّ مسألة الإيمان مسألة مركّبة تتألف من عناصر عديدة كالصدق في طلب الحق، وتتأثر بعوامل أخرى كالظروف المجتمعية والحالة النفسية وغير ذلك. ولكنْ في القلب من هذه العناصر جميعا يكمن “العقل” بمفهومه الرحب الذي عرضه القرآن، لا بمفهومه المنطقي الذي عرضه الفلاسفة، ولا بمفهوم “الإثبات العلمي الملزِم” الذي يسيطر على بعض المعاصرين اليوم.

وقديمًا تنبّه علماء المسلمين إلى هذا المفهوم الرحب للعقل، فقد سئل الحكيم الترمذي عن العقل فقال: “وسألتم عن العقل، فالعقل نور ومعرفة في الرأس ومعتمَلُه في الصدر على عيْنَي الفؤاد، وإنما سُمّي عقلا لأنّه يعقلُ به نفسه وجوارحَه عن الانتشار ومجاوزة الحدود إلى ما يشينه، فإنّ النفس إذا انبسطتْ شوّشت التدبير وأفسدت، فهذا النورُ عِقال النفس عن ذلك” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف ربط العقل بالإرادة وأعطاه بُعده القيمي الأخلاقي، ولم يعطِه تعريفًا منطقيّا صرفًا معزولا عن طبيعة الإنسان.

ويوضّح محمد بن إبراهيم الوزير في إحدى قصائده كيف أنّ الإيمان له عدة عوامل ومداخل إلى نفس الإنسان، العقل منها ولكنه ليس المدخل الوحيد للإيمان، والعوامل النفسية منها ولكنها ليست الوحيدة:

مواهبٌ من يقينٍ غير ممكنة .. للخلق تهجُمُ في يُسرٍ وتهوينِ

ووارداتٌ من الإيمان ليس تُطيق النفسُ جحدَ هدًى منها وتبيينِ

تكون عند وقوع الخارقات وعند الفكرِ منها وبالإخبات واللينِ

وبالتضرّع عن ذلّ ومسكنةٍ .. تَمكَّنَ العبدُ منها أيّ تمكين

    فتأمّل أبياته هذه، وكيف جمع بين الدليل الحسّي والفكر من جهة، وبين الإخبات والتضرع من جهة أخرى، فالأول مسلك عقلي محض للإيمان، والثاني مسلك نفسي.

وقد سئل الحكيم الترمذي عن الإيمان فقال: “وسألتَ عن الإيمان من المواهب ومن المكاسب، فالإيمان فعلُ العبد، يُقال: آمنَ يؤمنُ إيمانًا، ولو لم يكن من المكاسب لم يستحقّ الثواب، فأما الذي نال به الإيمان فالعقل فهو مواهب، وقبولُ العبد وطمأنينة نفسه إلى ما جاء به العقل وأورده على قلبه مكاسب وبه استحقّ الثواب” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف لم يجد تعارضًا بين النظر العقلي وطمأنينة النفس، وجعل الإيمان نتيجة للجانبين معًا، وكيف أنه رغم إقراره بأنّ الإيمان طمأنينة النفس لم ينكر الدور الجوهري للتفكير العقلي في حصول الإيمان.

“الشك العبثي” قاطرة جيل ما بعد الثورات إلى المجهول

في جولة سريعة بين منصات التواصل الاجتماعي وفي داخل المجموعات التي يبثّ فيها الشباب همومهم بعيدًا عن الخطاب المسجدي التقليدي، يعرضون شكوكهم فيها بحرية، ولا سيما أن هذه المنصات تضمن لهم حرية الكلام طالما أنهم متسترون خلف حجاب الاسم المستعار؛ إذ إنّنا ما زلنا نعاني من صعوبة في تفهم عرض النظريات المغايرة، ويتسرع بعض منّا بإطلاق الأحكام على منكري ما نعتقده بأنهم طلّاب شهرة، أو جهّال، فحزمة التهم جاهزة على الدوام، متنقّلين بين طرفين “نحن، هم”، وتبقى محاولات إزالة البُعد المفترض “بيننا” و”بينهم” خجولة.

هذا الشباب المثقل بالهموم التي أفرزها تحويل بوصلة ثوراتهم، التحويل الذي أتى على كل مقدّس بدأً من الإنسان وليس انتهاءً بالعقائد والمسلّمات، ليجد الشباب أنفسهم وسط فوضى الاغتراب وضياع الانتماء وسقوط القدوات، وفريسة لعذابات لا تنتهي، يقف العقل أمامها حائرًا عن استيعابها، فضلًا عن إيجاد أجوبة للأسئلة الوجودية التي يكرّرها الشباب اليوم، تبدأ من وجود الله، ولا تنتهي عند أسئلة الغاية والمعنى.

هذه الأسئلة وإن كانت تنشط في خضم الأزمات فإنها ليست بالجديدة، فمذ وجد الإنسان على هذه الأرض وهو لا يألو جهدًا في البحث عن المعنى والغاية -وليست نشأة الفلسفة ببعيدة عن هذا المعنى من البحث- يعيش البعض ويمضي وهو مسلّم مقلّد، ويثور البعض على التقليد ويجعل من ثورته قاعدة انطلاق في رحلة البحث عن الحقيقة والغاية، كما فعل الإمام أبو حامد الغزالي الذي يُعَدُّ المقعد للفلسفة الشكوكية في كتابه “المنقذ من الضلال”، وكما فعل الفيلسوف ديكارت أبو الفلسفة الحديثة في كتابه” تأملات ميتافيزيقية”، وكما فعل مصطفى محمود في “رسالة إلى صديقي الملحد” و”رحلتي من الشك إلى الإيمان” وغيرها، فهؤلاء وجِدت لديهم دوافع الشك ومحركاته وهذا ما يلزم على الإنسان العاقل أن يحذوه، أن يقابل شكوكه بالبحث شرط أن يؤمن بداية بإمكانية بلوغ المعرفة، هذه الأوضاع قسمت الشباب العربي اليوم إلى:

من اهتزّت ثوابته، وهو مؤمن بإمكانية المعرفة والوصول إلى الحقيقة وأن لكل سؤال لا بدّ من جواب، فهو مدرك أنه أمام رحلة بحث ليست سهلة، فحالة الشك عنده حال مؤقتة تعتمد على أسس واضحة، فالغاية هي الوصول إلى يقين لا يداخله شك، وهو ما اصطلح على تسميته “الشك المنهجي”، وبين من اتخذ قراره بالإنكار مُغلقًا بذلك الباب على مناقشة الشكوك لأنه اختار وانتهى، وبين من اتخذ من الشك غاية وهو ما اصطلح على تسميته فلسفيًا بالشك المذهبي أو الشك الريبي، ومع التغيير الذي أعاد تشكيل المصطلحات بما في ذلك مصطلح “الشك” ومع ما أضفى إليه التيار العبثي أمكننا أن نسميه اليوم “الشك العبثي”.

صناعة الشك (الشك لأجل الشك)
الحديث عن جيل تعامل مع الشكوك على أنّها محركة للبحث والتنقيب وبالتالي جيل مؤمن بإمكانية الوصول إلى المعرفة هو حديث عن جيل يقف قبالة الجيل الذي شهد التيارات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة، تتمثل بحالة فوضى المفاهيم وعبثية الكون والحياة، أو عدميتها والتي تركت مسحة على كل جوانب الحياة، في العمارة والأدب والفن والفكر، في رد فعل على الآثار التي خلّفتها الحداثة، وهو الملمح الذي أشارت إليه الأستاذة هبة رؤوف عزت في تقديمها لكتاب الحداثة السائلة، بقولها إن الحداثة غيرت مقومات العيش الإنساني وأعادت تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معان أكثر اقترانًا بالرأسمالية في مراحلها المتتالية، بالتالي أعادت طرح “ماذا تعني الإنسانية وما هي خصائصها”[1].

فإذا كانت الحداثة تطرح أسئلة الغاية والمعنى لتصل إلى الحقيقة والمعرفة، مؤلهة العقل ومجنّبة ما هو غيبي، لتحرير الإنسان من سلطة ما وراء الطبيعة، ناقلة بذلك الإنسان من سلطة الغيب إلى سلطة الأشياء، فإن تيارات ما بعد الحداثة تتسم بأنها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراغماتية، بل عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.[2]

وهي في إنكارها الجدوى والغاية والقيمة تنكر وجود خالق كتحصيل حاصل، فطالما أنه لا وجود للقيمة أصلًا فكيف يمكن أن تكون هنالك قيمة لوجود إله، وتنكر بالتالي وجود وسائل للمعرفة، فما بعد الحداثة نسبية لا تثق بالعقل وتجعل من المستحيل على أي فرد أن يعتقد في مستقبل أفضل أو وجود حل للمشكلات المجتمعية الرئيسية ويبدو البحث بوعي في التغيير والسياسة بشكل عام فاقدًا لكل معنى.[3]

 ويمكن القول إن الشك العبثي هو أحد مفرزات الثورة على كلّ المسلمات، فلم يعد الشك حالة طارئة مؤقتة، وقاطرة للعبور إلى المعرفة والتخلص من سلطة الوساوس بل صار صنعة بحد ذاته، تبدأ القصة بعرض القوالب الصلبة لنار التجديد، فكلّ شيء قابل لإعادة النظر، كل مقدس يمكن إعادة النظر إليه لتتكون لدينا بذلك وجهات نظر، فالإيمان والكفر وجهتا نظر، والشذوذ والعلاقة الطبيعية وجهتا نظر، وتأييد القاتل وتأييد المقتول وجهتا نظر، الفتح والاحتلال وجهتا نظر، الإنسانية برمتها أعيد تعريفها لتصبح المتناقضات وجهات نظر.

البيئة التي ينشط فيها الشك العبثي
تعتبر الانتكاسات الإنسانية وطغيان ثقافة القوة وإخضاع القوي للضعيف، وغياب العدالة، والتقلبات الزمانية والمكانية والاجتماعية التي تطرأ على حياة الفرد فجأة، أضف إلى ذلك تعدد التيارات الفكرية والانفتاح على المعتقدات الدينية السماوية منها والوضعية، جميعها تدفع بالفرد لسلك بداية طريق المساءلة عن القضايا الكبرى التي تمسّ خلق الإنسان والخالق والعالم الخارجي، وفي ظل هيمنة المؤسسات المشيخية والتي تحرّم الأسئلة من أصلها فضلًا عن أن تناقشها، أمكننا أن تنبأ بأن مرحلة ما قبل الانفتاح الذي شهدته العشرية الأخيرة أخرج هذه التساؤلات من قمقمها، فهي موجودة خاملة، وما عادت الإجابات الكلاسيكية مقنعة وشافية لها.

لا تكمن مشكلة الشباب اليوم في انجراراهم وراء الفلسفة العدمية أو التشاؤمية أو غيرها، فبالرغم من أن هذه التيارات تركت آثارها على كل جوانب الحياة، إلا أن هذه الآثار لم تتأصل في جيل اليوم، يحاول البعض تقمصها لكنه لا ينجح في ذلك، إما بسبب غياب الرؤية الواضحة لما يريد، فلربما يلزمه إعادة ترتيب لحياته، وتنظيم أسئلته ليتمكن من إيجاد أجوبة لها، أو بسبب تبعيته لمنظومة دينية أو خلفية اجتماعية تشكّل لديه حالة من الانتماء، فالحديث ليس عن الجيل الذي اتخذ قراراه بإنكار الغاية إنما عمن يتخبط بين النظريتين، ويجد أن الإقرار بوجود صانع يبقى خيارًا منطقيًا يرجّحه على عبثية الكون، فالإقرار بوجود الصانع قاعدة، إذ يتركز البحث عنده لا على وجود الخالق بل على الحكمة، هو فقط يريد أن يدرك الحكمة من كل شيء، ويجعل من إدراكها شرطًا لئلا يختار العبث على المنطق، فلو سأل لم خلقنا الله وقلت له “لنعبده”، قال “ولم نعبده”، وهو يفترض أنه بالحدس والتجربة يستطيع إدراك الحكمة من كل شيء، وهنا مربط الفرس، إذ أن العقل بما أوتي من أدوات؛ له محطّات يقف عندها وهذا مثبت بالتجربة والبرهان، فنظرية مكيانيكيا الكم التي حطمت نظريات الفيزياء التقليدية تنقض اليوم ما توصل إليه العلم البارحة. يقول الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتر ليوين في حديثه عن الفيزياء الكمية “من المستحيل استيعاب فيزياء الكم وهذا أغرب ما فيها، ولا تسألني حتى لماذا، لا تسألني كيف ستثبتها وكيف تعمل لأن هذا السؤال ممنوع، كل ما يمكننا قوله إنه على ما يبدو هذه هي الطريقة التي يمشي بها الكون”[4].

بهذا المنطق يمكن القول إن الحكمة من خلق الخلق لا تستطيع أن تصل لأبعد مما صرّح به الخالق نفسه، فهنا أنت تجهد العقل ليعمل خارج النطاق المسموح له، والانشغال بالبحث عن الحكمة وراء كل شيء لا يؤدي إلى نتائج مفيدة دائمًا، يستطيع الشباب اليوم أن يجد توازنه بين الواقع السوداوي الذي يعيشه وبين البحث عن الحكمة، باقتناعه أولًا بإمكانية الوصول إلى المعرفة، واقتناعه أن لكل سؤال لا بدّ من جواب، عدا تلك الأسئلة التي يقف العقل عندها، فما وجده كان به، وما لم يبلغه سلّم بما وصله عن الخالق.

___________________________________________

الهوامش

[1] سيولة الحداثة

[2] مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، جميل حمداوي
https://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/

[3] جورج لارين، الأيدولوجيا والهوية الثقافية الحداثة وحضور العالم الثالث، ص 207

[4] لقاء لصالح ناشيونال جيوغرافيك https://www.youtube.com/watch?v=KYUR9x0tzLQ

هل الملحد ملحد حقاً؟

هل يكفي رفع لافتة أو التباهي بشعار ليقطع هذا بالانبثاق عنهما أو الالتزام بمقتضاهما؟ وهل يصح التسليم بصدق الموقف إن أعلن أحدهم أنه يؤمن أو لا يؤمن؟ يتشبّث بعضهم بوصف “الإلحاد”، فيحبسون وعيهم في مقولات منسوجة بعناية خشية أن يتخطوْها إلى آفاق الإيمان. ترتهن النزعة الأيديولوجية في هذا المنحى لمقولات صارمة تفرض سطوتها على العقل والقلب، لكن بأي شيء يؤمن أحدهم في أعماقه إن أعلن أنه “لا يؤمن”؟

عقيدة رفض الاعتقاد
إن بلغ رفضُ الاعتقاد مرتبةً اعتقادية ألا تكون هذه “عقيدة رفض الاعتقاد”، أو ديناً يعلن التبرّؤ من الدين؟ فالذين يتباهون بالتنصل من “الدين”، يتقمصون ملامح اعتقادية يفرّون عبرها من المعتقد إلى المعتقد. وإذ يضيقون ذرعاً بالمقدس فإنهم ضالعون في التقديس، فلا تبقى مساحة المقدس في وعي الإنسان شاغرة بأي حال. إنهم يقدسون قناعات وشعارات، ومقولات وأنظمة، أو يعظمون وجوهاً وأسماء، ولو على طريقة الذين طمسوا الدين من حولهم ثم نحتوا الأصنام بأحجام شتى لماركس وإنجلز ولينين، فنصبوها في الميادين والمكاتب والمنازل، وجعلوا “المانيفستو” كتاباً مقدساً في هيئته وهيْبته وطبعوا منه نسخاً مجهرية لتغدو تعاويذ مثل تذكارات المزارات الدينية.         

ولو أزيحت المقدسات جميعاً من الوعي، فقد يكون الإنسان ذاته هو الذي تألّه، مثل إشارة أحدهم التلقائية إلى رأسه كناية عن تعظيم شأنه وتقديس اختياراته. قد نرى في انشغال بعضهم الدائم بوجود الله في مسعى النفي والنقض، كنايةً عن صراع مع إيمان مكبوت في الأعماق، وهو كبت تساهم فيه ثقافة عصر تأخذ بالألباب كل مأخذ وتهيمن على الوعي من حيث لم يحتسب، فيرى الإنسان نفسه في مركز الكون وإن كان لا يُرى بالعين المجردة من رؤوس الجبال. يميل إنسان الحاضر إلى تأكيد ذاته، وتضخيمها، والتعالي بها، وتصويرها ذاتياً على نحو صنمي ونرجسي، حتى يتطلّع بعضهم لأن يشغَل بنفسه موقع الألوهية وإنْ بصفة لا شعورية، فلا يرى شيئاً يعلوه سوى منظومة ضوابط وقوانين وأعراف صاغها البشر أنفسهم وقد لا يترددون في تجاوزها. أي شعور يخامر أحدهم لدى التمرد على مرتبة المخلوق والسعي إلى مناجزة خالقه؟ أليس هو الإنسان ذاته الذي يتضعضع إزاء مديره في العمل، أو يتقلص في حضرة المخالفة المرورية، أو تعلو صرخاته في عيادة الأسنان؟

لا تأتي الحالات على لون واحد، فبعضهم يتخذون الإلحاد سبيلاً لأنّ أسئلة ظلت معلقة في وعيهم بلا إجابات مقنعة. ومأزقهم أنّ اقتناع أحدهم من عدمه لا يقضي دوماً بالصحة أو البطلان، فالاقتناع لا يحصل من الناس جميعاً بالمقولة الواحدة على منسوب محدد أو بكيفية واحدة. وقد يحصل الاقتناع بما هو هش أساساً أو متناقض للغاية، وهذا ضمن ملابسات تدفع بوعي زائف. ولا يخضع الاقتناع للعقل “المحض” وحده، بل هي حالة يتفاعل إنتاجها مع الوجدان، فملابسات الواقع والشحنات المعنوية والمؤثرات المصاحبة، وبعضها غير ملحوظ أساساً، تغري بالاقتناع بخيارات لا مصلحة فيها. ولا يندر أن يقتنع البشر بالشيء ونقيضه، وفقاً لمُدرَكات ومؤثرات ومشارب وأفكار مسبقة وتحولات نفسية واجتماعية وثقافية متضافرة، فكيف إن اتسمت المرحلة الراهنة بتحولات متسارعة وهزات جسيمة وأزمات طاحنة وتضعضع البنى القيمية التقليدية؟ إنّ العقل الذي يحتج به أحدهم، هو ذاته الذي يتفنن خبراء التسويق والترويج والدعاية و”حرب الأفكار” في استمالته وإخضاعه والهيمنة عليه، لدفعه إلى قناعات واهية وشراء ما لا يحتاج وانتخاب الفاسدين. وإن “قرر” بعضهم العدول عن الإيمان لأنّ أسئلة بقيت عالقة في وعيهم، فهل سيعني هذا أنّ اختيارهم النقيض يجيب على الأسئلة جميعاً بصفة متماسكة ومتسقة؟ ألا يمكن افتراض أنّ منطق “عجز النقيض” الذي يبرر به بعضهم الإلحادَ، من شأنه تسويغ الإيمان بالأحرى. فهل الإلحاد قادر أساساً على تقديم رؤية كونية شاملة ومتماسكة ذات قدرة تفسيرية سابغة حقاً؟ وهل يفسر الإلحاد لصاحبه الوجودَ بما يحتويه، تفسيراً منسجماً ومتماسكاً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟      

يستبطن الإلحاد روحاً عدمية، تصرّ على نفي ما فوقها وما وراءها وما يعقبها، ومن تفاصيلها مثلاً أنها تنفي النبوات وتقدح بالرسالات، وتحطِّم تاريخ المؤمنين وتنزع عنه الشرعية وتُنكر مغزاه الرسالي وجدواه القيمية، ولا يغدو ذلك كله، إن تم الاعتراف به أساساً، سوى تروس في حركة تاريخ يفقد معناه ودورات في عجلة زمن يؤول من عدمية إلى عدمية، وعناصر عابرة في تدافع بشر لا ينتظرهم حساب على ما قدموا. تفرض رؤى الإلحاد على الإنسان تعبئة فراغ كبير أحدثته، كي يتملّص من عدميتها، وقد يمضي بمعتقده “الجديد” هذا إلى التألّه إن فعل، عبر تقديس ذاته وتمجيد عقله وتعظيم انفعالاته، ومن المألوف أن يمنح هذه الحظوة لمن يعدّهم دون غيرهم طلائع الفكر وفلاسفةَ البشر ورواد التاريخ.

يتجلى تأليه الذات في تعبيرات فجة جاء بمثلها أحدهم في برنامج عربي للفرجة بقوله “هنا الله”، وأشار إلى عقله بعد أن انعطف الحديث إلى الدين. وكيف يَقوى المتسامرون على مناقشة المتحدث الجسور عبر البث المباشر؟ ومن بوسعه مقاومة الاعتداد بالعقل؟ يجوز التساؤل إن كان جليس الشاشة يعني “عقله” الذي يترنح بأثر شراب متخمر، أو تمسك بخطامه شهقة من مسحوق أبيض، ثم يخامره النعاس كل ليلة بما يكبح قدراته التحكمية على الأقل؟

ملحد يكبت إيمانه
يرفع بعضهم لافتة الإلحاد بما يملي عليهم كبت إيمانهم. إنهم يؤمنون في أعماقهم، لكنهم يطمرون إيمانهم ويحجبونه بعيداً كي لا يزعزع موقفاً بات سمة من سمات تصوّرهم لهويتهم الذاتية وحضورهم في الوسط المجتمعي. قد تتهيأ فرصة ما تتحرر فيها روح مؤمنة من قفصها في لحظة وعي داهمة بالحقيقة؛ لحظة تنقشع فيها حُجُب كثيفة تراكمت على الأسماع والأبصار.          

يبدو بعض “الملحدين” أوفياء حقاً لإيمان عميق يكبتونه، إن أعادوا النظر في حقائق الوجود المرئية وباشروا تشغيل عقولهم بلا تحفظات، أو تأرجحت بهم طائرة في الأجواء، أو علا بهم الموج في عرض البحر، أو خفقت قلوبهم في انتظار خبر مصيري بين يدي طبيب يعكف على تشخيص حالة مُريبة، أو احتضنوا بين أذرعهم مواليدهم الأوائل الذين هم آية من آيات الله تعالى.

إغراء الهالة المجيدة 
ترسم خطابات رائجة، هالةً إيحائية مجيدة حول من يُعلن إنه “ملحد”، وهذا بقصد منها أو بدون قصد. فليس نادراً أن يقع ربط الإلحاد بالاشتغال الفكري والتألق العقلي والتفرد الذاتي والاعتداد بالرأي، وهي سمات محجوبة في هذه الخطابات عن المؤمن والمتدين وقد يُرمَيان بنقيضها.           

ما يسمى بفرسان الإلحاد الأربعة

بات نفر من متحدثي “البرامج الدينية” ينظرون بعين العطف إلى مَن يقولون إنهم “ملحدون”، وليس نادراً أن يصبّ المتحدثون أنفسهم سوط القسوة على “المتدينين” ويُشبعونهم غمزاً ولمزاً بدوافع تبدو للوهلة الأولى إرشادية وإصلاحية. تمنح المفارقة انطباعاً يتضافر عبر مضامين بعض تلك البرامج، بأنّ “الملحد” مثقف رصين ينطلق من نظر عقلي وتقدير قيمي وحس نقدي وموقف عصري، ولدى الحديث عنه بمنطق يبتغي الإقناع والاستمالة؛ يقع التطرق إلى أفكار العالم وأساطين الفلسفة واستعراض العضلات الفكرية، أما “المتدين” فليس نادراً أن يطارده أولئك المتحدثون بلغة إيحائية ذميمة تزدري هيئته وتستقبح مسلكه وتستخف بثقافته وتستهين بتحصيله، ضمن تصورات رائجة تقوم على قوالب نمطية ذميمة وأحكام مسبقة تعميمية، بصرف النظر عن مدى صلتها بالواقع.         

ليس بعيداً عن ذلك يأتي خطاب لوبي الإلحاد متقمصاً رداء “العلمية” و”العقلانية”، فيراهن بهذا على غواية الذين تسحرهم مقولات تمجيد الذات واختياراتها وتقديس العقل وتفضيلاته والتملص من معابد الدين إلى معابد العلم. وإن أوحى بعضهم باجتياز “رحلة فكرية معمقة” أوصلته إلى هذا الاختيار؛ فما يَسهُل اكتشافه أحياناً أنّ بعض الرؤوس محشوة بمقولات محبوكة أو شعارات أيديولوجية، تم تجهيزها مسبقاً في “لوبي الإلحاد” وأُعيد إنتاجها وتمريرها بما يتناغم مع نفسية الجماهير في هذه الحقبة. وقد تتكثف التأثيرات على وعي بعض الأفراد بصفة تعبئة أيديولوجية تحاكي في بعض صورها فنون غسيل الأدمغة.

في قراءة الحالة 
طورت اتجاهات شتى في فضاءات العالم، بما فيها النزعة الإلحادية، جماعات ضغط وتشكيلات ناشطة تستعمل أساليب متجددة من الكسب والإقناع والاستمالة، وتجد في هذا دعماً سخياً من نزعات سائدة ونفسيات رائجة وأنماط تفكير تتغذى مما يسمى “ثقافة العصر”، كما تجسدها الصناعات الإعلامية والثقافية والفنية.        

إنّ نفسية إنسان الحاضر مشحونة أساساً بمقولات الانعتاق ورفض الانصياع ونبذ الهيمنة العلوية أو التوجيه الفوقي، كما أنّ افتتان الفرد في زمن التصوير والتشبيك والبث بقدراته الذاتية على الحضور العام والتأثير والإسماع والإزعاج قد يغريه بالاستنتاج أنه في مركز الحالة وشريك في صناعتها. تضغط هذه التحولات والمتلازمات على وعي أجيال الحاضر بمؤثرات نفسية، بعضها غير ملحوظ أساساً، وبجهود دعائية محبوكة بعناية تفتن إيمانها وتسليمها. وما استجد أيضاً؛ أنّ أصوات المجتمع جميعاً تحوز اليوم فرصة الإسماع وإحداث الضجيج كما لم يحدث من قبل، مهما قلّ المنتسبون إلى كل صوت منها، وبهذا تعيد المجتمعات اكتشاف التفاصيل المتنوعة الكامنة تحت سطحها بعد أن تجاوزت التحولاتُ مركزيةَ التعبير عن المجتمع واحتكار قنواته.       

والواقع أنّ حالات الشك والإلحاد بصورتها الفردية أو الجماعية، لم تغب يوماً عن المجتمعات ولو كانت مُسلِمة، حتى تمددت الشيوعية مثلاً في ثنايا عربية في ما مضى، ومعها مذاهب وفلسفات غير متصالحة مع الإيمان، بل شارك وكلاؤها المحليون في الإمساك بزمام الحكم طوعاً أو كرهاً، ومنها عدن، عاصمة الشطر الجنوبي من بلاد الحكمة والإيمان. لكنّ اللافتة الحمراء في التطبيق العربي لم تفرض دوماً التنصل من الدين، بل اشتهر عن قيادة الحزب الشيوعي السوداني ريادة المساجد مثلاً، وقيل في بلاد الشام إنّ الانتماء الأحمر قد لا يتجاوز القشرة بينما يبقى الجوهر على فطرته، وعبّر بعضهم عن ذلك بوصف طريف شاع في النصف الأول من القرن العشرين، هو “شيوعي فجلة”!

على أنّ الإلحاد، في منحى الإفصاح الجديد عن ذاته في المجتمعات العربية والمسلمة، يتناغم مع نزعة تحدي النسق الثقافي المرجعي للمجتمعات. يستقوي المنجرفون مع الحالة بالشبكات الاجتماعية مثلاً وبتطبيقات مدنية تتيح الانتظام وتكثيف الحضور وتضخيم الأثر. ولا يبتعد ذلك في نفسيته وتمظهره عن تجارب أخرى متضافرة، كإعلان التمرد على الشعائر الإسلامية والصدام مع الحس الديني العام، من قبيل جماعة المجاهرة بالفطر في رمضان أو سلوك التعري التنديدي وغيرها، ويوظف المتحدثون والناشطون في الترويج لهذه النزعات تطبيقات صاعدة في المجتمع المدني والفضاء الشبكي حول العالم.

وفي التعبير الراهن عن نزعة الإلحاد إفصاح مهم عن حيرة أجيال عربية ومسلمة مسّها طائف من “ما بعد الحداثة”، التي تفصم العلاقة بين الدال والمدلول، وتمضي بمنحاها النسبي في إسالة المعايير وتقويض القيم والمبادئ من داخلها بما يُفضي إلى عدميتها. تأتي التفاعلات على البنيان الاجتماعي فتنزع الوصف والمعنى حتى عن المفاهيم التأسيسية المتعلقة بالأسرة والزواج والذكورة والأنوثة والأمومة والأبوة، لتصبح هذه جميعاً ألفاظاً غير محددة الفحوى فتحتمل طائفة، لا نهائية تقريباً، من النماذج والحالات في التطبيق الواقعي.          

وما ينبغي الإقرار به أنّ مناهج التعليم ومضامين الإرشاد ليست مصممة لاستيعاب متغيرات جارفة، وقد لا تنجح المدرسة بصورتها الراهنة في تمكين الأجيال من الإبحار وسط أمواج متلاطمة، فضلاً عن قدرة المضامين الإعلامية والإرشادية المتاحة على النهوض بالدور وسط انشغالها بأولوية “مكافحة التطرف والإرهاب”. كما تعجز وفرة من الخطابات الرائجة في الفضاء الديني عن استيعاب التفاعلات الجارية في مجتمعات الحاضر، ومنها ما يتلبس الظاهرة الكبرى المسماة بالعولمة من تداعيات عميقة تداهم الأمم من حيث لم تحتسب.

تبرير الإلحاد بالسلوك 
يتذرّع بعضهم بأسماء ساطعة من الماضي والحاضر اختارت الإلحاد لما عايشته في محيطها من استعمال مُسيء للدين. وما يتم تقديمه، عادة، بمثابة سبب أحادي ساذج لإلحاد شخص ما، يبقى جديراً بالبحث والفحص. فمن المألوف أن يميل الإنسان إلى تأويل بواعث اختياراته وسلوكه بعلة فريدة لا تبديل لها، مع استبعاد تضافر أسباب أخرى محتملة خلف الحالة، لكنّ تشخيص السبب أو الأسباب ليست مهمة سهلة كما لا يُقطَع بصحة التأويل الذي يأتي من صاحب الموقف ذاته أو ممن يعرفونه، بل قد يكون الإتيان بها من صاحب الموقف أو مَن شايعوه سردية تبريرية لمسلكه.   

أما تأويل الإلحاد بسلوك مشين محسوب على “أهل الإيمان”، فيفرض استدعاء المنطق ذاته في الاتجاه العكسي، أي إمكان تأويل الإيمان ذاته بسلوك ذميم محسوب على “أهل الإلحاد”، وشواهده لا تنقطع كما في مجزرة الكنيسة في تكساس (5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017). غاية القول في هذا الشأن أنّ المنزع الانتقائي للبواعث يُظهِر هشاشة منطقها، فانتقاء حالة أو حالات مخصوصة لا ينفي ما سواها أساساً ولا يجعلها سابغة أو ممثلة شرعية للواقع ككل.

ثم تصرّ بعض الخطابات على تبرير نزعة الإلحاد بحالات التشدد والتوحش المتذرعة بالدين أو تسويغها بما يقع من وجوه الحالة الدينية ومتصدريها. تبدو هذه اندفاعة متوقعة تحت سطوة الاستعمال الديني المُسيء، الذي يبقى قائماً في كل زمن ومجتمع، لكنها تعزز الاستنتاج بأنّ هذا “الإلحاد” المُعلن إنما هو موقف نفسي ووجداني في الأساس وليس فكرياً وعقلانياً بالأحرى. تتجاهل هذه الذرائع، مثلاً، أنّ معظم المسلمين المتدينين ينبذون “داعش” مثلاً، علاوة على أنهم أبرز ضحاياها، كما أنّ جماعات التشدد الديني من طوائف شتى لا تحظى بغطاء الأغلبية المتدينة منها غالباً. 

ثم، ألا يستدعي الرضوخ لهذا المنطق تشديدَ النكير على “الحرية” لمجرد أنّ الثنائي الماكر بوش وبلير أحرق العالم الإسلامي بحروب استعملت هذه القيمة المجيدة ذريعة لخوضها؟ وما الذي سيبقى من قيم أساسية سامية ومقولات جوهرية نبيلة في عالمنا، إن تمت الإطاحة بها بذريعة سوء الاستعمال الذي مورس بحقها جميعاً بلا هوادة، ومنها قيم الثورة الفرنسية مثلاً التي تم استعمالها غطاء لفظائع الاستعمار؟     

إنّ السلوك الاستعمالي لدين أو لقيمة أو لفكرة لا يصحّ حُكماً عليها، وإن أظهر التسليمُ بهذا الباعث أنّ النزعة الإلحادية المعنية تشكّلت أساساً من موقف نفسي أو نفور جامح أو عقدة ما مترتبة إزاء حالة أو شخص أو سلوك، ثم مضت تالياً إلى شرعنة ذاتها بمقولات عقائدية تبريرية لها. وقد لا يكون هذا الموقف سوى حدث رمزي أو نفسي أو قشة قصمت ظهر صاحبها بعد تراكمات حملها أحدهم في عقله ووجدانه؛ دفعته إلى تأويلات داخلية مخصوصة وأحكام صارمة وتبريرها بمنطق قطعي تبسيطي عبر ربط القناعة المعلنة بحدث ظاهر لا مراء فيه، من قبيل فظائع “داعش” أو شطط بعض متصدري المنابر الدينية.     

وأيا كانت البواعث، فلا غنى عن الترفق في وصف مقامات الفعل الذهني والشعوري الذي يخامر الأفراد في زمن الاضطراب والتشنج والصدمات، الذي تجزع فيه الأنفس وتطيش فيه العقول، والحذر واجب من دمغ الحائرين في موسم مخصوص بوصمة المروق من الدين، علاوة على مشروعية التشكك بعمق الالتزام بمقولة الإلحاد، التي يتباهى بها بعض الذين يكبتون إيمانهم.