قنيبي والدحيح… أحد وجوه صراع العلمانية والدين

محمد عدنان شيط


“لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا هذا الأمر واضح في القرآن.. جاء القرآن ليحول الدنيا من غاية إلى وسيلة”[1].

قبل مدة وجيزة رد الدكتور إياد قنيبي على إحدى حلقات الدحيح التي تتحدث عن فرضية الأكوان المتعددة ووضّح الفكرة الإلحادية في هذا الطرح. وعاد قنيبي مرة أخرى وبيّن بفيديو تفصيلي آخر لما يعرضه برنامج الدحيح من أفكار إلحادية ومادية، ومنذ ذلك الوقت انبرى الكثيرون للهجوم والرد عليه بكل السبل.

في هذا المشهد وما تلاه من ردود أفعال نحن لسنا فقط أمام دكتور جامعي وداعية إسلامي يرد على حلقة لشاب من مروجي pop-science  أو العلوم الشعبية عبر اليوتيوب؛ بل نحن أمام مشهد أوسع واستقطاب أكبر بين تيارين تزداد ملامحهما وضوحاً مع مرور الوقت. فما بين تيار إسلامي متمسك بدينه ويعلم دور العلم فلا يرفعه فوق قدره، ويؤمن بمركزية الآخرة في حياة الإنسان في جميع الجوانب، وبين تيار آخر يغلب عليه الطابع العلماني، وهو خليط يضم أطيافاً عديدة، منها من أعلن إلحاده ومنها من هو على وشك ذلك، ومنها من يعمل على هدم الدين من داخله، ومنها المنهزم حضارياً أمام التفوق المادي للغرب فهو وإن بقي على الإسلام إلا أنه يحاكم الإسلام على القيم الليبرالية والعلمانية مقتطعاً من الإسلام ما يناسب تلك القيم ورافضاً ما سواها بتأويل أو تدليس على الدين. وبين التيارين ربما نجد بعض من يصنفون أنفسهم أنهم حياديون أو غير مكترثين لهذا الصراع بالأصل.

هذا المقال لا يتكلم عن الدكتور قنيبي أو الدحيح بشخصيهما ولا يرد على أحد منهما وطرحه العلمي، وإنما هو عرض لبعض النقاط الرئيسية والملاحظات السريعة عن المشهد الأوسع والذي هو أحد أوجه المعركة المستمرة بين تياري الدين والعلمانية[i].

مسلمون يدافعون عن العلمانية أكثر من أصحابها!
“أين تجد واحداً من غير رجال الدين يقرأ شرحاً أو تفسيراً للكتب الدينية باللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الأناجيل؟ آهٍ. إن كل المسيحيين الشباب الذين يلفتون إليهم الأنظار ببراعتهم لا يعرفون إلا اللغة العربية والأدب العربي.. ولو حدثّهم أحد عن الكتب المسيحية محاولاً إقناعهم بالاحتجاج بها، فأنهم يجيبونه باستخفاف بأن هذه الكتب لا تستحق تقديرهم.  يا للمصيبة؟! نسي المسيحيون حتى لغتهم”.[2] [أسقف قرطبة ألفارو يرثي لوضع المسيحيين وهزيمتهم الحضارية أمام المسلمين في الأندلس].

أليس مستغرباً أن يصطفّ مسلمون للدفاع عن العلمانية أو أن يقفوا على الأقل بين بين؟ أليس مستغرباً أن يكون خطابهم شديداً قاسياً على إخوانهم المسلمين بينما ليناً رخواً أمام العلمانيين بل ومتبنّياً لخطاب العلمانية في بعض الأحيان؟ لكن هذا الاستغراب يقلُ إذا علمنا ما تعنيه الهزيمة الحضارية؛ إنها أسوأ أنواع الهزائم لأنها هزيمة نفسية من الداخل لا يستطيع بعدها من تلقّاها أن يرد كيد عدوه. بل ربما يتحول بعدها مدافعاً عن عدوه ومواجهاً لمن كانوا في الأمس إخوة الدين والعقيدة.

لكن رغم سوداوية هذا المشهد يجب أن ندرك أن هذا الأمر طبيعي، فلطالما تكرّر تقليد المغلوب للغالب. جاء في مقدمة ابن خلدون الفصل الثالث والعشرون:” فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزّيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده؛ والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه؛ أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب”[3].

إذن فالأمر مفهوم إلى حد ما. ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم أبداً هو حفلات جلد الذات اليومية التي يقوم بها بعض المسلمين أمام التقدم الغربي المادي والتي أقل ما يقال عنها أنها تعبّر عن عقدة نقص فادحة واهتزاز حقيقي في ثقتهم بعقيدتهم ودينهم.

نابليون (ويكيبيديا)

مسلسل الهزيمة الحضارية هذا لم يبدأ الآن بل هو مستمرٌ منذ اليوم الذي رست فيه سفن نابليون في مصر زارعاً فيها بذور العلمانية، والتي أنتجت بعد ذلك مفكّرين وكتاّباً مسلمين هُزموا حضارياً أمام سطوة الغرب وتحولوا لدعاة للقيم العلمانية رغم أنهم يعلمون علم اليقين مصادمتها مع الإسلام.

والآن بعد مرور كل هذه السنين على تلك الحملة المشؤومة ها هي ثمارها أينعت حنظلاً، وها هي قوافل من المسلمين تنتصر للقيم العلمانية.

وإن كان البعض يجد العذر في السابق مع بدايات القرن الماضي لانهزام بعض المفكرين حضارياً أمام الغرب فإن هذا الأمر الآن هو موضع ذمٍ بالفعل، فقد أثبتت الأيام أن التقدم المادي والعلمي ليس حكراً على العقول الغربية وها هي دول شرق آسيا، وأبرزها الصين واليابان، تضاهي التقدم المادي العلمي لدى الغرب، وربما في قادم الأيام ستسبقهم هذه الدول وأولها الصين.

ومن خلال فهم هذا الأمر يسهل استيعاب حقيقة أن للأمم دورات حضارية تعلو فيها وتتقدم ثم ما تلبث أن تتراجع وتنتكس. وعليه فالمسلمون ليسوا مضطرين لتبني عقائد الآخرين بما فيها العلمانية وتقليد طرائق عيشهم كي نلحق بتقدمهم العلمي المادي فلا رابط بين الأمرين.

المظلومية العلمانية وادعاء الإصلاح
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ( [سورة البقرة: 11]

يظن العلماني العربي نفسه غاليليو أو برونو القرن الحادي والعشرين المُضطهد الذي لا يستطيع أن يعبّر عن أفكاره، رغم أن العلمانيين أنفسهم يحتكرون معظم وسائل الإعلام ويبثون فيها ما يريدون ويروجون عبرها للإلحاد والشذوذ والإباحية ويدعون لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة بطرق مباشرة وغير مباشرة. لكن رغم هذا هم يحبون دائماً أن يظهروا بمظهر الحمل الوديع أمام الناس، فمن ينشر الأفكار الإلحادية تحت راية العلوم الشعبية يصورونه شاباً مبدعاً وهب نفسه للعلم لا يريد إلا أن يبسّطه للناس، ومن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة مستخدماً آيات وأحاديث بتدليس واضح لا يريد إلا النهضة بالمسلمين.

وهكذا يتحول هؤلاء إلى ما يشبه الملائكة الأبرياء وما يفعلونه يصبح إصلاحاً وهداية للمسلمين، وكل من ينتقد أو يتكلم عن حقيقة أفعالهم فهو مؤمن بنظريات المؤامرة ورجعيٌ محتدٌ!

العلمانية والعلموية العربيتان: ما الرابط بينهما؟
“إن جوهر العالمانية هو الانصراف إلى العالم كلياً أو جزئياً، وهذه النزعة المادية لا بد أن تؤدي إلى الانغماس في هذا العالم، مادةً وقوانين حاكمة”[4].

ربما العلمانية من أكثر الألفاظ المختلف على تعريفها منذ نشأتها وكلٌ يعرفها حسب فهمه، ولا يعنينا كثيراً هنا التعريف النظري لها ولكن القضية الجوهرية في العلمانية كما يبدو من سياقاتها عبر التاريخ هي التمركز حول الدنيا أو العالم وإنكار كل أِشكال الغيب أو الميتافيزيقا في حال التطرف العلماني الموصول بالإلحاد، أو على الأقل جعل أمور الغيب أموراً طقوسية ثانوية في حياة البشر لا تدخل في أمور حياتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

في السياق العربي نشأت العلمانية وتمّ الترويج لها مع قدوم الاحتلالات الأجنبية إلى البلدان العربية على أيدي بعض الكتّاب والمفكرين النصارى العرب. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن كان مشروع العلمانية العربية الرئيسي هو تنحية الإسلام عن الحياة العامة في المجتمعات العربية ونقد الإسلام والهجوم عليه بأي طريقة. ولهذا نجد العلمانيين العرب يقفون مع أي إيديولوجيا تناهض الإسلام في المنطقة متبنيين إياها بما فيها الاشتراكية والليبرالية.

أما العلموية -كما يعرّفها روجيه جارودي بعد أن يؤصل إلى أنها نوع من الأصوليات التوتاليتارية (الشمولية)- فهي:” المصادرة القائلة إن (العلم) يمكنه حل المسائل كلها. وإن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه، هو شيء غير موجود”[5]، فالعلمويون يقررون أن مصادر المعرفة حسية فقط وأن التجربة هي سبيل المعرفة الوحيد.

في السياق العربي كانت العلموية إحدى ثمار انتشار العلمانية، فالعلمانيون والعلمويون العرب بعضهم أولياء بعض منذ البداية حين أخذت أفكار الفلسفة الوضعية في الانتشار مع بدايات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نجد العلمويين والعلمانيين يتبادلون المواقع في الهجوم على الإسلام، فالعلمويون يمهدون الطريق للأفكار العلمانية الرئيسية، ويكمل العلمانيون الطريق بعدها في الهجوم على الإٍسلام.

إضاءات سريعة

الصورة النمطية للمسلمين على غلاف مجلة نيوزويك

– يحاول العلمانيون صنع صورة نمطية للمسلم على الشاشات وفي عقول الناس، فهو الإرهابي الجاهل الذي يحارب العلوم الدنيوية ويرفضها ويدعو للدروشة والخرافات؛ فكيف بعد هذا يأتي شيوخ إسلاميون تخرّجوا من أفضل الجامعات الغربية ليتحدثوا بأدلة علمية رصينة يردون بها على تشغيبات الملحدين والعلمويين؟ ألا يستدعي هذا نفيراً علمانياً عاماً؟

– بعض الإسلاميين -وعن حسن نية-لا يرون في بعض الخطابات العلموية نشراً للإلحاد، وهؤلاء لا يصح التقريع بهم ووضعهم في التيار المعادي للإسلام أبداً بل يُرد عليهم بالدليل والبرهان. ولكن على هؤلاء أيضاً أن يعلموا أن المختصّ بالأمر يدرك بعض العواقب مما قد لا يتنبه إليها غير المختص. فمن درس الملف الإلحادي وقرأ عن تاريخ الإلحاد لسنوات هو أدرى بطرق نشر الإلحاد من غيره.

– صنع العلمانيون قالباً فكرياً مشوهاً يطبقونه في كل حالات صراعهم مع الإسلاميين؛ فهم يدّعون أن كل إٍسلامي يتحدث بالأدلة عن شخص بأنه يروج لأفكار إلحادية أو علمانية فهذا يستلزم تكفيره تمهيداً لقتله بعد ذلك. وبهذا يظن العلمانيون أنهم من خلال شيطنة الخصم وتشويه صورته ينتصرون عليه.

– عندما يتحدث إسلاميون عن الخلفيات الإيديولوجية لبعض العلماء الغربيين الذين يحاولون إثبات أمور توافق الأيديولوجيا الليبرالية الغربية مثل الشذوذ والداروينية يهب العلمويين العرب مباشرة مؤكدين أن الأفكار المسبقة لا دخل لها في البحث العلمي. ولكن للمفارقة إذا كان المتحدث إسلامياً فهنا لا بد للعلمانيين أن يفرغوا كل حمولتهم الإيديولوجية المعادية للإسلام مستحضرين عقيدة وهوية مخالفهم دون أن يتطرقوا للأدلة العلمية.

– بعض الناس للأسف ينظرون لهذا الصراع بين العلمانية والدين من باب التسلية و”قصف الجبهات”، والأمر ليس هكذا أبداً، إنما هو صراع حق وباطل بل وقضية كل فرد وهدفه في الحياة بين أن يعرف غاية وجوده من خلال دين الإسلام وحقائقه الكبرى وبين أن يضيع في دوامات العلمانية والعدمية والغرق في الدنيا.


الهوامش

[1]  إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، دار المعرفة للنشر والتوزيع،2016، ص57

[2] زيجريد هونكه، الله ليس كمثله شيء، المركز القومي للترجمة،2010، ص82-83

[3] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار نهضة مصر،2017، الجزء الثاني، ص505

[4] سامي عامري، العالمانية طاعون العصر، مركز تكوين، 2017، ص71

[5]  روجيه جارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها، دار عام ألفين ،2000، 24

[i] العَلمانية بفتح العين وسيأخذ المقال بهذا اللفظ لانتشاره مع التنبيه إلى أن هناك من يعمد إلى اللفظ الخاطئ بكسر العين لربط العلمانية بالعلم وهذا تدليس واضح. هناك ألفاظ أخرى جيدة لترجمة كلمة Secularism مثل عالمانية، دنيوية، أو التمركز حول الدنيا والعالم المادي.

تهافت مروجي الإلحاد على مواقع التواصل

محمد عدنان شيط


في كل زمان ومكان لا يكتفي أهل الباطل بما هم عليه من انحراف عن جادة الصواب، بل يعملون ليلا نهارا لنشر باطلهم وتزينيه في عيون الناس علّهم يلتحقون بركب الباطل وأهله، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، ولا يختلف أهل الإلحاد العرب عن باقي إخوانهم من أهل الباطل في كل مكان، فهم أيضاً لا يكتفون بإلحادهم بل يتجهون لنشره بين الناس والعمل على محاربة الأديان بأي طريقة يستطيعونها.

الملاحظ في حالة الملاحدة العرب أنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين في عرض أفكارهم: القسم الأول هم السذج وبسطاء التفكير ممن ألحدوا ولا يدرون شيئا عن الإلحاد أو عن الأديان الأخرى، فهم ركبوا موجة الإلحاد المنتشرة ويريدون دعوة غيرهم للإلحاد، ويبدو هذا من أحاديثهم وتصرفاتهم الغريبة في الفيديوهات، وهؤلاء لا يستحقون التوقف عندهم كثيراً. أما القسم الثاني فهم أذكى نوعاً ما ويعيدون اجترار شبهات المستشرقين ضد الإسلام أو حجج مشاهير الملاحدة مثل دوكينز وهاريس، ويعرضونها إما في حوارات مطولة يديرونها بين بعضهم أو من خلال فيديوهات مركزة ومكثفة جدا مع صور أو موسيقى تصويرية أو مقاطع من مسلسلات وأفلام، بالإضافة للسخرية والفكاهة المصطنعة على طريقة مشاهير اليوتيوبرز.

كل هذا أشبه ما يكون بالصدمات المتتالية لمحاولة إحداث أكبر خرق ممكن في عقل المتلقي، وخاصة إذا لم يكن يمتلك خلفية عقديّة قوية ليخرج من هذه الفيديوهات متسائلاً: هل هذا ديني حقاً؟ ما كل هذه الشبهات والتناقضات؟ فهم على طريقة من يلقي القنابل الضوئية والصوتية ثم يهرب وينتظر إحداث الضرر بعد حين!

وسأعرض فيما يلي بعض صفات وأقوال مروجي الإلحاد العرب لمعرفة طريقة تفكير هؤلاء ليسهل علينا الحد من خطرهم، فاليوم أصبح من السهل أن ينشر أهل الباطل ما يريدونه وأن يجدوا آذاناً صاغية تستمع إليهم ممن لا يملك العلم الكافي وأدوات النقد والتفكير الصحيح، فكل شيء أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة:

1- ادعاؤهم أن الدين ينتقل بالوراثة فلولا أنهم ولدوا في عائلات تعتنق الإسلام لما كانوا مسلمين، والقرآن يرد على هذا الأمر بعدة مواضع ويذم التقليد الأعمى، وأكتفي هنا بآية من سورة البقرة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

2- أغلب هؤلاء الملاحدة تحدثوا عما يمكن تسميته “طفولتهم الخارقة”، فهم منذ سنواتهم الأولى يطرحون الأسئلة الفلسفية العميقة عن الوجود والإله والجنة والنار والأنبياء ولا يجدون إجابات مقنعة عليها!

3- أغلبهم يحمل فكراً استئصالياً خطيراً لمخالفيهم، فهم يعيبون على أوروبا استقبالها للاجئين المسلمين ويصفونهم بالقنابل الموقوتة التي ستدمر أوربا وحرياتها في المستقبل، ولهذا فهم يدعون أوروبا لاستقبال اللاجئين من الملاحدة والمرتدين والشواذ فقط؛ يعني هم ملكيون أكثر من الملك. وهذا يوضح بعض جوانب الفكر الإلحادي بشكل عام، فهو فكر إقصائي واستئصالي، إذ لا يحمل مرجعاً ولا قيماً ومرجعيته الداروينية والبقاء للأقوى.

4- حديثهم عن أن الدين أمر ممل ومكرر، وأن خطب الجمعة والمواعظ والدروس الدينية تعيد نفس الكلام وتكرر نفس الآيات والأحاديث. والطريف أني سمعت من أحدهم يقول إنه لا يوجد في الدين تحديث update على عكس العلم الذي يقدم لنا دائماً اكتشافات وأشياء جديدة! وهؤلاء الملاحدة مثال واضح على عقلية القردة أو monkey brains التي أصابت إنسان ما بعد الحداثة والتي تبحث عن القفز السريع من أمر إلى آخر والتجديد المستمر حتى على حساب أية قيم أو مبادئ.

5-معظم هؤلاء الملاحدة يركزون هجومهم على الإسلام والمسلمين دون غيره من الأديان، وهذا يعود لسببين: الأول أن غالبيتهم نشأ في عوائل إسلامية، والثاني أن الإسلام هو الدين الحيوي الوحيد القادر على التفاعل مع حياة الناس في الحيز العام على عكس بقية الأديان التي أصابتها العالمانية بمقتل وأصبحت مجرد طقوس وعادات ومظاهر ثقافية مكانها دور العبادة والأعياد الموسمية.

6-وصف عموم المسلمين بالجهل العام بتاريخهم ودينهم وعدم قراءة كتب تراثهم وعقيدتهم، ومن يستمع لهذا الكلام يظن هؤلاء الملحدين وكأنهم تعمقوا في القرآن وقرأوا في كتب التفاسير فأدركوا معاني القرآن ثم عرجوا على كتب الحديث فدرسوا علومه ثم طافوا على كتب أصول الفقه والفقه المقارن والتشريع والتاريخ الإسلامي، ثم استنتجوا أن المسلمين لا يقرأون تراثهم وأنهم لو قرأوه لألحدوا! والحقيقة أن هؤلاء الملحدين معظمهم لا يدري شيئاً عن التراث الإسلامي ومعظم معلوماتهم نسخ وقص ولصق من غوغل يشكلون بها معظم بضاعتهم المزجاة التي يعرضونها على عوام الناس.

7- ربما لا يوجد مقطع فيديو لهؤلاء الملاحدة إلا وهو مليء بالسباب والشتائم والسفه، والمفارقة أن هؤلاء الملاحدة دائماً يتغنون بالعقلانية واحترام آراء المخالفين، وهذه ادعاءات فارغة تكذبها شتائمهم القبيحة وإسفافهم المتواصل في هذه المقاطع، هذا عدا تدخين التبغ والحشيش والخمور أثناء تقديم حلقاتهم، وهذا يكشف الكثير عن نفسيات وعقليات هؤلاء القوم.

8- تحدي الله تعالى بمنطق طفولي سخيف، فالعديد منهم برر إلحاده بأنه تحدى الله تعالى بأن يحرقه أو يميته إذا كفر بالله أو مزق ورقات من المصحف أو شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى لم ينتقم منهم! وبعضهم الآخر تحدث أنه دعا الله تعالى ولكن لم يستجب له. وهذه دلائل على عدم وجود الله تعالى على حسب ادعاءاتهم! وكأنهم يعتقدون أنه لو شتم طفلٌ صغير أباه في السوق فأجّل الوالد عقاب ابنه حتى عودتهما إلى المنزل فالأب غير موجود!

9- اتهام المؤمنين بالببغائية وتكرار الأقوال الجاهزة، ولكن هؤلاء الملحدين لا يحدثوننا عن ببغائيتهم وتكرارهم لحجج المستشرقين التي يلوكونها.

10- كلامهم مليء بادعاءات المظلومية والاضطهاد، فهم يلعبون على هذا الوتر الذي يوافق ويعجب العقلية الغربية التي تقف مع الأقليات في أي مكان وتعمل على دعمها بالباطل أو بالحق بأي طريقة، ولكن الواقع في بلادنا العربية يثبت أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أي حسيب أو رقيب، بينما الدعاة والمصلحون من المسلمين معظمهم في السجون أو مطاردون أو مضيق عليهم!

11- ترديد المغالطات المنطقية بشكل كبير وتوسيع قياسها بأكثر مما تحتمل، فكل رأي يخالفهم يعتبرونه مغالطة منطقية، ولو أخذنا بهذا الكلام على عمومه لأصبح كل العلم قائما على المغالطات المنطقية، فمثلا هناك قاعدة علمية تقول أن المعادن تتمدد بالحرارة ولو وسعنا مفاهيم المغالطات المنطقية كما يفعل ملاحدة اليوتيوب فسوف نقول عن هذه القاعدة إنها مغالطة التعميم لأننا لم نستقرئ جميع المعادن في الأرض وهذا مستحيل. وفي النقاشات المنطقية عملية الاستقراء الناقص لا تفيد اليقين.

في الختام يبقى الإلحاد المنتشر اليوم بين بعض الشباب العرب أشبه ما يكون بالموضة الفكرية، وهو غير قائم على أسس فكرية قوية بل ربما تأثيره لا يقارب تأثير الجانب الإلحادي للشيوعية في القرن الماضي والذي كان يستند إلى بعض المقومات والأسس الفكرية؛ وعلى هذا فإن الإلحاد اليوم قائم بشكل رئيسي على الضجة الإعلامية التي يحاول إحداثها، وهذا أمر مشاهد في مؤتمرات دعاة الإلحاد الجدد في الغرب وعلى خطاهم يحاول الملاحدة العرب الترويج لبضاعتهم الإلحادية بنسخة مكررة ورديئة.

لماذا انتشر الإلحاد بين المهاجرين السوريين؟

محمد عدنان شيط


مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، أصبحت تداعياتها أكثر وضوحا على كافة الأصعدة، لا سيما التغيرات الاجتماعية الطارئة على السوريين الذين اضطرتهم الحرب إلى الهجرة.

فوفق إحدى الإحصائيات لمعهد بيو الأمريكي يبلغ عدد السوريين الذين هاجروا بسبب الحرب حوالي سبعة ملايين سوري؛ أكثر من مليون منهم اتجهوا نحو أوروبا وشمال أمريكا[1]. ومع بلوغ السوريين المهاجرين هذه الأعداد الكبيرة أصبحت هناك العديد من الظواهر التي تستحق الدراسة والتتبع كارتفاع نسب الطلاق بين الأزواج وحالة ضياع الهوية والتفكك الأسري، بالإضافة إلى الخوف على أطفالهم ومستقبلهم ووجود حالات من التنصّر والإلحاد وخلع الحجاب وغيرها من الظواهر، وسيركز هذا المقال على ظاهرة انتشار الإلحاد بين بعض السوريين المهاجرين، وخاصة من فئات الشباب.

 في البداية لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد إحصائيات أكيدة حول أعداد الملحدين بين المهاجرين السوريين، ولكن يبدو أن أعدد الملحدين في ازدياد سواء داخل سوريا أو خارجها.

وعند البحث عن الأسباب والدوافع لا بد من التأكيد أولاً على أن هذه المحاولة في البحث تفسيرية وليست تبريرية، وثانياً أن هناك أسبابا عامة قد تدفع إنساناً ما للإلحاد في أي مكان أو زمان، فضلا عن أسباب خاصة متعلقة بالبيئة الاجتماعية السورية وظروف نشأتها في العقود السابقة.

الصدمة الحضارية
يبدأ الإنسان المهاجر لحظة وصوله إلى الغرب بعقد المقارنات بين البلد المهَاجر إليه وبين بلده الأصلي، فالمعاينة عن قرب غير معاينة الشاشات. فشوارع الغرب نظيفة مرتبة، ومعاملهم تنتج أحدث التقنيات والآلات، وهم يختارون حكامهم بسلاسة ويعبرون عن آرائهم بكل حرية.

بالإضافة إلى هذه النظرة الاختزالية والأحادية للمشهد في الغرب ومع مقارنة هذه الأمور بأوضاع بلادنا؛ تحدث الصدمة الحضارية لدى البعض وخاصة إذا ترافق الأمر بهزيمة نفسية وجهل بالتاريخ و الحضارة أو إذا كان البعض لم يخرج من قريته أو مدينته في السابق ولا يدري إلا اليسير جداً عن باقي أنحاء العالم، وهنا يأتي الاستنتاج الخطير الذي يصل له البعض: هم متقدمون لابتعادهم عن الدين ونحن متأخرون بسبب ديننا فالحل إذا هو الإلحاد حتى نلحق بركب الحضارة والتقدم.

غياب التأسيس العقدي
هذا بحرٌ متلاطم الأمواج تتفرع منه معظم أسباب الإلحاد، لأن النفوس إذا لم تتشرب أسس العقيدة الصحيحة والإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله أصبحت معرضة لأن تعصف بها أي شبهة كبيرة كانت أو صغيرة.

يسمي الدكتور عبد الله الشهري هذا السبب بالقابلية للإلحاد، أي استعداد النفس لهذا الأمر وهذا مصطلح تمّ سكه على منوال مصطلح القابلية للاستعمار الذي تحدث عنه المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى.[i]

فلو تشربت النفوس أسس العقيدة الصحيحة بأن هذا الكون لم ينشأ من عدم وأن له خالقاً حكيماً وأن هذا الخالق الحكيم أرسل الرسل إلى البشر ليهدوهم سواء السبيل وأن خاتم هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أيده الله تعالى بالقرآن الكريم لما اهتزت النفوس مع كل شبهة جاء بها مستشرق أو ملحد من هنا أو هناك. 

الشهوات ملاعب الشيطان
الدين يحرم الخمر والزنا والشذوذ، وهذه أمور لا اختلاف عليها في الإسلام، وهنا يأتي دور الشيطان ليوسوس للإنسان وخاصة في البيئة الغربية التي تغوص في هذه الشهوات؛ الحل إذن بترك هذا الدين وحينها يصبح كل شيء مباحا، وبعد إتباع الملحد لشهواته الجسدية كيفما شاء فهو لا يحتاج لتأنيب الضمير أو الشعور بالوازع الديني، فهو استخدم حيلة نفسية كي لا يؤمن بالدين أصلاً الذي يحرم هذه الأمور.

هناك نوع آخر من الشهوة غير الشهوات الجسدية وهي شهوة حب الظهور والشهرة، وهذه الشهوة سهلة التحقق في عالم اليوم، فكل ما يلزم أدوات تصوير مناسبة واتصال بالإنترنت ومحتوى على طريقة من بال في بئر زمزم، وبعدها ينتشر المقطع انتشار النار في الهشيم ويصبح صاحبه من المشاهير!

العلموية وتأثيرها
قبل ثورات الربيع العربي انتشرت العديد من المواقع وصفحات الفيس بوك العلموية التي عملت على تروج الإلحاد والداروينية باسم العلم من خلال دس السم في العسل، فجعلت الدين والعلم ضدين لا يجتمعان، فإما أن يؤمن الإنسان بالدين فيكفر بالعلم وإما أن يؤمن بالعلم فيكفر بالدين، والحقيقة أن ادعاء هذه المواقع والقائمين عليها أنها لا تعادي الدين هو ادعاء تكذبه منشورات ومقالات هذه المواقع.

وقد تأثر الكثير من الشباب السوريين كما حال بقية الشباب العرب بما تنشره وتروج له هذه المواقع والصفحات ومثلت هذه المواقع محطة رئيسة على طريق إلحاد البعض.

الثورة السورية وأحداثها
مع اندلاع الثورة استحرّ القتل وبدأت سلسلة من المجازر والأحداث المأساوية وأصبحت صور القتلى والجرحى تملأ وكالات الأنباء، بل حتى الهاربون من جحيم الحرب لم يسلموا من الغرق أو الموت، وتأخر النصر على النظام المجرم وتناحرت فصائل الثورة فيما بينها وظهر تنظيم الدولة بوحشيته وإجرامه وتآمرت معظم دول العالم على إفشال الثورة.  ومع كل هذه المشاهد وُضع سؤال الشر على طاولة بحث الكثيرين وأصبح مدخلاً رئيساً للإلحاد.

في النهاية، قد لا يكون هناك سبب رئيسي واحد لإلحاد المرء بل قد تتضافر مجموعة عوامل وأسباب مع بعضها، ويترافق هذا مع الضخ الإعلامي من مسلسلات وأفلام أجنبية تدعو لأفكار إلحادية بالإضافة إلى الحملات الإعلامية الممنهجة لتشويه المسلم ووصفه بالإرهاب والرجعية والتخلف مما يشكل الأرضية الأولى لإلحاد المهاجرين، علما بأن هناك العديد من الملحدين في الداخل السوري الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للإعلان عن إلحادهم.


أهم المصادر

[1] http://www.pewresearch.org/fact-tank/2018/01/29/where-displaced-syrians-have-resettled/

https://newhumanist.org.uk/articles/4898/the-rise-of-arab-atheism 

 https://www.youtube.com/watch?v=q6boKunEG84

هل ثمة دور للعقل في الإيمان؟

شريف محمد جابر


هل هناك إيمان بناء على قناعات عقلية؟ أم الموقف من الدين هو مجرد استجابة للحالة النفسية أو الظروف المجتمعية؟ هذا سؤال اختلفت حوله الآراء المعاصرة، حتى ذهب بعضهم إلى إنكار دور العقل في الوصول إلى الإيمان، وذهب آخرون إلى قصر الإيمان على الأدلة العقلية بشروط خاصة!

 إذا تطرقنا إلى المقولة الأولى، فإنّ الفكرة التي تقول باستحالة وجود الإنسان المتجرّد لاتباع الحق بناء على قناعة عقلية هي فكرة رسّختها الحداثة. الحداثة التي خلطت بين “الإنسان” و”الآلة”، فصارت معايير دراسة كل منهما متشابهة إلى حدّ كبير، وبما أنّ معالجة المعطيات بشكل علمي محض دون أي انفعال أو قلق أو مشاعر هي من خصائص “الحاسوب” لا “الإنسان”، صار القول بالتجرّد العلمي في تداول الآراء محض خرافة عند هؤلاء؛ لأنّهم يحاكمون الإنسان بمعايير الحاسوب، فحتى نقول إنّ الإنسان قد اختار رأيا ما بقناعة تامّة وعن تجرّد ينبغي نزعه عن الإنسان الذي فيه وتحوله إلى حاسوب عندهم، وبما أنّ هذا مستحيل فإذن يستحيل وجود الإنسان المتجرّد! أي أنّهم نفوا إمكان الإيمان بناءً على قناعة عقلية لسوء تصوّرهم للقناعة العقلية، والظنّ بأنّها تستلزم التجرّد العلمي المحض كالحواسيب، ومن ثمّ أنكروا تحقق ذلك في الإنسان.

    وهذا الاستنتاج وهمٌ من أوهام بعض الحداثيين، والصواب أنّ القناعة العقلية عند الإنسان مفهوم مغاير للسلوك العلمي عند الحاسوب (إن جاز التعبير)؛ فحاسوب السيارة ذاتية القيادة مثلا يعالج المعطيات التي تصله من الكاميرات والمجسّات الأخرى ويتخذ قرار الانعطاف إلى اليمين، وهذا القرار هو قرار علمي محض مبني على حسابات علمية، لم تخالطه رغبات وأشواق وانطباعات ذاتية، بل لا وجود لهذه “الذات” الواعية للفعل ككلّ، بل هي مجموعة أجهزة مترابطة ميكانيكيّا وتعمل معًا.

    أما الإنسان فهو كائن عقلاني مشاعري، أي أننا لو أخذنا السلوك نفسه، فهو يتخذ قرار الانعطاف كقائد للسيّارة خوفًا من الاصطدام، وهذا “الخوف” شعور، ولكنه منسجم انسجامًا تامّا مع القرار العقلاني الذي يقضي بأنّ أحكمَ الاختيارات هو الانعطاف لاستمرار مسيرة السيارة وقضاء مصالح الشخص وعدم تخريبها عند الارتطام بالحاجز. فهذا سلوك عقلاني، وهو في نفس الوقت مختلط بالمشاعر، أي أن وجود الانفعال الشعوري لم يكن متعارضًا مع كونه خيارًا عقلانيّا.

    وهناك طرف آخر يقصُر الإيمان على الأدلة العقلية الصرفة، فهو يتعامل مع مسألة الإيمان كما لو كانت معادلة رياضية، أو كما لو كان الإيمان يأتي بالإخضاع والإفحام العلمي بعد بيان الأدلة ببساطة! وهذا وهمٌ أيضًا؛ فقد ذكر القرآن أشخاصًا تيقّنوا من الحقيقة ولكنهم ببساطة جحدوها {وجحدوا بها واستیقنتها أنفسهم ظُلمًا وعُلوّا}، فالتيقّن العلمي من صحة هذه الحقيقة لم يُنشئ إيمانًا بالضرورة، بل عارض ذلك النزوعُ النفسي الظالم المستكبر. ولهذا كتبتُ يومًا: “فليس الإيمان معادلة رياضية تقتنع بها العقول فتلتزمها، وإنما هو حقيقة نفسية يوفّقُ الله إليها من استجاب لنداء العقل والفطرة ولم يطمسْه باتّباع الهوى والشهوات”.

    أمّا الطرف الأول الذي ينفي أي دور للاقتناع العقلي في تحديد الموقف من المسائل الدينية، ويحيلها كلها إلى الظروف الاجتماعية والحالات النفسية، فالتديّن عندهم محض اختيار عاطفي أو تأثّر بالمحيط المجتمعي، وهذا ناتج عن كون معظم الناس ينحازون إلى آرائهم في الدين لأسباب نفسية أو اجتماعية.

    ولكن هذا الانحياز اللاعقلاني ليس ضربة لازب، وللعقل دورٌ عند الكثير من البشر، ولولا ذلك لَما خاطب القرآن الناس بالبراهين والبينات، ولَما ذمّ اتباعهم الأعمى لعادات المجتمع دون أن يعقلوا، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ}، ولَما وصف اللهُ نبيّه صلى الله عليه وسلّم بأنّه “برهان” والقرآنَ بأنه “مبين” {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}، ولَما قال للكافرين {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}، ولَما قال حكاية عن الكفار {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ}، ولَما قال للناس {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وآياتٌ كثيرة غيرها، وإنما ذكرتُ الآيات لأنّ من ينكر دور العقل في الموقف من الدين ويزعم أنه محض اختيار عاطفي مؤمنٌ بالقرآن، فها هو القرآن ينكر أن يكون الموقف من الدين مجرّد اختيار عاطفي لا دور للعقل فيه.

    فاتخاذ المواقف من الدين بناء على التفكير العقلاني والقناعة العقلية أمر أكّده القرآن وأكدت عليه تجارب الكثير من البشر الذين خالفوا مجتمعاتهم وضعفَهم النفسي واتخذوا موقفهم من الدين بناء على القناعة العقلية. ولو نفينا دور هذه القناعة العقلية في اتخاذ الموقف من الدين لكنّا نكذّب القرآن ونزعم أنه يخاطب بشرا وهميين ويطالبهم بالمستحيل؛ إذ هم بحسب زعمنا آنذاك كائنات جبرية تحكمها ظروفها الاجتماعية والمادية وانفعالاتها النفسية!

    ولكن من جهة أخرى فمفهوم هذه القناعة العقلية والعقل عموما لدى الإنسان هو كما ذكرتُ بعيد كل البعد عن أن يكون معادلة رياضية، فالتفكّر في محاسن شريعة الإسلام مثلا والأخلاقيات التي يدعو إليها ومحبّة هذا الدين بناء على هذا “التفكر” هو ممارسة عقلية بكل معنى الكلمة، حتى لو امتزجت بها المشاعر، فالآيات والهدايات القرآنية تدخل إلى نفس الإنسان من جميع منافذ التلقّي لديه؛ تخاطب تلك الفطرة القديمة العميقة في داخله فتحرّك وجدانه لمحبة هذا الدين، كما تخاطب عقله المفكر الواعي الذي يدرك قبح الشرك واللامعنى وفساد فكرة عدم وجود خالق لهذا الكون العظيم ولهذه الحياة البديعة وفساد الأخلاق الوضعية وغير ذلك من الأمور، لو تفكّر فيها محيّدا أهواءه قدر الإمكان.

    علمًا أنّ مسألة الإيمان مسألة مركّبة تتألف من عناصر عديدة كالصدق في طلب الحق، وتتأثر بعوامل أخرى كالظروف المجتمعية والحالة النفسية وغير ذلك. ولكنْ في القلب من هذه العناصر جميعا يكمن “العقل” بمفهومه الرحب الذي عرضه القرآن، لا بمفهومه المنطقي الذي عرضه الفلاسفة، ولا بمفهوم “الإثبات العلمي الملزِم” الذي يسيطر على بعض المعاصرين اليوم.

    وقديمًا تنبّه علماء المسلمين إلى هذا المفهوم الرحب للعقل، فقد سئل الحكيم الترمذي عن العقل فقال: “وسألتم عن العقل، فالعقل نور ومعرفة في الرأس ومعتمَلُه في الصدر على عيْنَي الفؤاد، وإنما سُمّي عقلا لأنّه يعقلُ به نفسه وجوارحَه عن الانتشار ومجاوزة الحدود إلى ما يشينه، فإنّ النفس إذا انبسطتْ شوّشت التدبير وأفسدت، فهذا النورُ عِقال النفس عن ذلك” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف ربط العقل بالإرادة وأعطاه بُعده القيمي الأخلاقي، ولم يعطِه تعريفًا منطقيّا صرفًا معزولا عن طبيعة الإنسان.

    ويوضّح محمد بن إبراهيم الوزير في إحدى قصائده كيف أنّ الإيمان له عدة عوامل ومداخل إلى نفس الإنسان، العقل منها ولكنه ليس المدخل الوحيد للإيمان، والعوامل النفسية منها ولكنها ليست الوحيدة:

مواهبٌ من يقينٍ غير ممكنة .. للخلق تهجُمُ في يُسرٍ وتهوينِ

ووارداتٌ من الإيمان ليس تُطيق النفسُ جحدَ هدًى منها وتبيينِ

تكون عند وقوع الخارقات وعند الفكرِ منها وبالإخبات واللينِ

وبالتضرّع عن ذلّ ومسكنةٍ .. تَمكَّنَ العبدُ منها أيّ تمكين

    فتأمّل أبياته هذه، وكيف جمع بين الدليل الحسّي والفكر من جهة، وبين الإخبات والتضرع من جهة أخرى، فالأول مسلك عقلي محض للإيمان، والثاني مسلك نفسي.

    وقد سئل الحكيم الترمذي عن الإيمان فقال: “وسألتَ عن الإيمان من المواهب ومن المكاسب، فالإيمان فعلُ العبد، يُقال: آمنَ يؤمنُ إيمانًا، ولو لم يكن من المكاسب لم يستحقّ الثواب، فأما الذي نال به الإيمان فالعقل فهو مواهب، وقبولُ العبد وطمأنينة نفسه إلى ما جاء به العقل وأورده على قلبه مكاسب وبه استحقّ الثواب” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف لم يجد تعارضًا بين النظر العقلي وطمأنينة النفس، وجعل الإيمان نتيجة للجانبين معًا، وكيف أنه رغم إقراره بأنّ الإيمان طمأنينة النفس لم ينكر الدور الجوهري للتفكير العقلي في حصول الإيمان.

“الشك العبثي” قاطرة جيل ما بعد الثورات إلى المجهول

عاتكة عمر


في جولة سريعة بين منصات التواصل الاجتماعي وفي داخل المجموعات التي يبثّ فيها الشباب همومهم بعيدًا عن الخطاب المسجدي التقليدي، يعرضون شكوكهم فيها بحرية، ولا سيما أن هذه المنصات تضمن لهم حرية الكلام طالما أنهم متسترون خلف حجاب الاسم المستعار؛ إذ إنّنا ما زلنا نعاني من صعوبة في تفهم عرض النظريات المغايرة، ويتسرع بعض منّا بإطلاق الأحكام على منكري ما نعتقده بأنهم طلّاب شهرة، أو جهّال، فحزمة التهم جاهزة على الدوام، متنقّلين بين طرفين “نحن، هم”، وتبقى محاولات إزالة البُعد المفترض “بيننا” و”بينهم” خجولة.

هذا الشباب المثقل بالهموم التي أفرزها تحويل بوصلة ثوراتهم، التحويل الذي أتى على كل مقدّس بدأً من الإنسان وليس انتهاءً بالعقائد والمسلّمات، ليجد الشباب أنفسهم وسط فوضى الاغتراب وضياع الانتماء وسقوط القدوات، وفريسة لعذابات لا تنتهي، يقف العقل أمامها حائرًا عن استيعابها، فضلًا عن إيجاد أجوبة للأسئلة الوجودية التي يكرّرها الشباب اليوم، تبدأ من وجود الله، ولا تنتهي عند أسئلة الغاية والمعنى.

هذه الأسئلة وإن كانت تنشط في خضم الأزمات فإنها ليست بالجديدة، فمذ وجد الإنسان على هذه الأرض وهو لا يألو جهدًا في البحث عن المعنى والغاية -وليست نشأة الفلسفة ببعيدة عن هذا المعنى من البحث- يعيش البعض ويمضي وهو مسلّم مقلّد، ويثور البعض على التقليد ويجعل من ثورته قاعدة انطلاق في رحلة البحث عن الحقيقة والغاية، كما فعل الإمام أبو حامد الغزالي الذي يُعَدُّ المقعد للفلسفة الشكوكية في كتابه “المنقذ من الضلال”، وكما فعل الفيلسوف ديكارت أبو الفلسفة الحديثة في كتابه” تأملات ميتافيزيقية”، وكما فعل مصطفى محمود في “رسالة إلى صديقي الملحد” و”رحلتي من الشك إلى الإيمان” وغيرها، فهؤلاء وجِدت لديهم دوافع الشك ومحركاته وهذا ما يلزم على الإنسان العاقل أن يحذوه، أن يقابل شكوكه بالبحث شرط أن يؤمن بداية بإمكانية بلوغ المعرفة، هذه الأوضاع قسمت الشباب العربي اليوم إلى:

من اهتزّت ثوابته، وهو مؤمن بإمكانية المعرفة والوصول إلى الحقيقة وأن لكل سؤال لا بدّ من جواب، فهو مدرك أنه أمام رحلة بحث ليست سهلة، فحالة الشك عنده حال مؤقتة تعتمد على أسس واضحة، فالغاية هي الوصول إلى يقين لا يداخله شك، وهو ما اصطلح على تسميته “الشك المنهجي”، وبين من اتخذ قراره بالإنكار مُغلقًا بذلك الباب على مناقشة الشكوك لأنه اختار وانتهى، وبين من اتخذ من الشك غاية وهو ما اصطلح على تسميته فلسفيًا بالشك المذهبي أو الشك الريبي، ومع التغيير الذي أعاد تشكيل المصطلحات بما في ذلك مصطلح “الشك” ومع ما أضفى إليه التيار العبثي أمكننا أن نسميه اليوم “الشك العبثي”.

صناعة الشك (الشك لأجل الشك)
الحديث عن جيل تعامل مع الشكوك على أنّها محركة للبحث والتنقيب وبالتالي جيل مؤمن بإمكانية الوصول إلى المعرفة هو حديث عن جيل يقف قبالة الجيل الذي شهد التيارات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة، تتمثل بحالة فوضى المفاهيم وعبثية الكون والحياة، أو عدميتها والتي تركت مسحة على كل جوانب الحياة، في العمارة والأدب والفن والفكر، في رد فعل على الآثار التي خلّفتها الحداثة، وهو الملمح الذي أشارت إليه الأستاذة هبة رؤوف عزت في تقديمها لكتاب الحداثة السائلة، بقولها إن الحداثة غيرت مقومات العيش الإنساني وأعادت تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معان أكثر اقترانًا بالرأسمالية في مراحلها المتتالية، بالتالي أعادت طرح “ماذا تعني الإنسانية وما هي خصائصها”[1].

فإذا كانت الحداثة تطرح أسئلة الغاية والمعنى لتصل إلى الحقيقة والمعرفة، مؤلهة العقل ومجنّبة ما هو غيبي، لتحرير الإنسان من سلطة ما وراء الطبيعة، ناقلة بذلك الإنسان من سلطة الغيب إلى سلطة الأشياء، فإن تيارات ما بعد الحداثة تتسم بأنها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراغماتية، بل عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.[2]

وهي في إنكارها الجدوى والغاية والقيمة تنكر وجود خالق كتحصيل حاصل، فطالما أنه لا وجود للقيمة أصلًا فكيف يمكن أن تكون هنالك قيمة لوجود إله، وتنكر بالتالي وجود وسائل للمعرفة، فما بعد الحداثة نسبية لا تثق بالعقل وتجعل من المستحيل على أي فرد أن يعتقد في مستقبل أفضل أو وجود حل للمشكلات المجتمعية الرئيسية ويبدو البحث بوعي في التغيير والسياسة بشكل عام فاقدًا لكل معنى.[3]

 ويمكن القول إن الشك العبثي هو أحد مفرزات الثورة على كلّ المسلمات، فلم يعد الشك حالة طارئة مؤقتة، وقاطرة للعبور إلى المعرفة والتخلص من سلطة الوساوس بل صار صنعة بحد ذاته، تبدأ القصة بعرض القوالب الصلبة لنار التجديد، فكلّ شيء قابل لإعادة النظر، كل مقدس يمكن إعادة النظر إليه لتتكون لدينا بذلك وجهات نظر، فالإيمان والكفر وجهتا نظر، والشذوذ والعلاقة الطبيعية وجهتا نظر، وتأييد القاتل وتأييد المقتول وجهتا نظر، الفتح والاحتلال وجهتا نظر، الإنسانية برمتها أعيد تعريفها لتصبح المتناقضات وجهات نظر.

البيئة التي ينشط فيها الشك العبثي
تعتبر الانتكاسات الإنسانية وطغيان ثقافة القوة وإخضاع القوي للضعيف، وغياب العدالة، والتقلبات الزمانية والمكانية والاجتماعية التي تطرأ على حياة الفرد فجأة، أضف إلى ذلك تعدد التيارات الفكرية والانفتاح على المعتقدات الدينية السماوية منها والوضعية، جميعها تدفع بالفرد لسلك بداية طريق المساءلة عن القضايا الكبرى التي تمسّ خلق الإنسان والخالق والعالم الخارجي، وفي ظل هيمنة المؤسسات المشيخية والتي تحرّم الأسئلة من أصلها فضلًا عن أن تناقشها، أمكننا أن تنبأ بأن مرحلة ما قبل الانفتاح الذي شهدته العشرية الأخيرة أخرج هذه التساؤلات من قمقمها، فهي موجودة خاملة، وما عادت الإجابات الكلاسيكية مقنعة وشافية لها.

لا تكمن مشكلة الشباب اليوم في انجراراهم وراء الفلسفة العدمية أو التشاؤمية أو غيرها، فبالرغم من أن هذه التيارات تركت آثارها على كل جوانب الحياة، إلا أن هذه الآثار لم تتأصل في جيل اليوم، يحاول البعض تقمصها لكنه لا ينجح في ذلك، إما بسبب غياب الرؤية الواضحة لما يريد، فلربما يلزمه إعادة ترتيب لحياته، وتنظيم أسئلته ليتمكن من إيجاد أجوبة لها، أو بسبب تبعيته لمنظومة دينية أو خلفية اجتماعية تشكّل لديه حالة من الانتماء، فالحديث ليس عن الجيل الذي اتخذ قراراه بإنكار الغاية إنما عمن يتخبط بين النظريتين، ويجد أن الإقرار بوجود صانع يبقى خيارًا منطقيًا يرجّحه على عبثية الكون، فالإقرار بوجود الصانع قاعدة، إذ يتركز البحث عنده لا على وجود الخالق بل على الحكمة، هو فقط يريد أن يدرك الحكمة من كل شيء، ويجعل من إدراكها شرطًا لئلا يختار العبث على المنطق، فلو سأل لم خلقنا الله وقلت له “لنعبده”، قال “ولم نعبده”، وهو يفترض أنه بالحدس والتجربة يستطيع إدراك الحكمة من كل شيء، وهنا مربط الفرس، إذ أن العقل بما أوتي من أدوات؛ له محطّات يقف عندها وهذا مثبت بالتجربة والبرهان، فنظرية مكيانيكيا الكم التي حطمت نظريات الفيزياء التقليدية تنقض اليوم ما توصل إليه العلم البارحة. يقول الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتر ليوين في حديثه عن الفيزياء الكمية “من المستحيل استيعاب فيزياء الكم وهذا أغرب ما فيها، ولا تسألني حتى لماذا، لا تسألني كيف ستثبتها وكيف تعمل لأن هذا السؤال ممنوع، كل ما يمكننا قوله إنه على ما يبدو هذه هي الطريقة التي يمشي بها الكون”[4].

بهذا المنطق يمكن القول إن الحكمة من خلق الخلق لا تستطيع أن تصل لأبعد مما صرّح به الخالق نفسه، فهنا أنت تجهد العقل ليعمل خارج النطاق المسموح له، والانشغال بالبحث عن الحكمة وراء كل شيء لا يؤدي إلى نتائج مفيدة دائمًا، يستطيع الشباب اليوم أن يجد توازنه بين الواقع السوداوي الذي يعيشه وبين البحث عن الحكمة، باقتناعه أولًا بإمكانية الوصول إلى المعرفة، واقتناعه أن لكل سؤال لا بدّ من جواب، عدا تلك الأسئلة التي يقف العقل عندها، فما وجده كان به، وما لم يبلغه سلّم بما وصله عن الخالق.

___________________________________________

الهوامش

[1] سيولة الحداثة

[2] مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، جميل حمداوي
https://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/

[3] جورج لارين، الأيدولوجيا والهوية الثقافية الحداثة وحضور العالم الثالث، ص 207

[4] لقاء لصالح ناشيونال جيوغرافيك https://www.youtube.com/watch?v=KYUR9x0tzLQ

هل الملحد ملحد حقاً؟

حسام شاكر


هل يكفي رفع لافتة أو التباهي بشعار ليقطع هذا بالانبثاق عنهما أو الالتزام بمقتضاهما؟ وهل يصح التسليم بصدق الموقف إن أعلن أحدهم أنه يؤمن أو لا يؤمن؟ يتشبّث بعضهم بوصف “الإلحاد”، فيحبسون وعيهم في مقولات منسوجة بعناية خشية أن يتخطوْها إلى آفاق الإيمان. ترتهن النزعة الأيديولوجية في هذا المنحى لمقولات صارمة تفرض سطوتها على العقل والقلب، لكن بأي شيء يؤمن أحدهم في أعماقه إن أعلن أنه “لا يؤمن”؟

عقيدة رفض الاعتقاد
إن بلغ رفضُ الاعتقاد مرتبةً اعتقادية ألا تكون هذه “عقيدة رفض الاعتقاد”، أو ديناً يعلن التبرّؤ من الدين؟ فالذين يتباهون بالتنصل من “الدين”، يتقمصون ملامح اعتقادية يفرّون عبرها من المعتقد إلى المعتقد. وإذ يضيقون ذرعاً بالمقدس فإنهم ضالعون في التقديس، فلا تبقى مساحة المقدس في وعي الإنسان شاغرة بأي حال. إنهم يقدسون قناعات وشعارات، ومقولات وأنظمة، أو يعظمون وجوهاً وأسماء، ولو على طريقة الذين طمسوا الدين من حولهم ثم نحتوا الأصنام بأحجام شتى لماركس وإنجلز ولينين، فنصبوها في الميادين والمكاتب والمنازل، وجعلوا “المانيفستو” كتاباً مقدساً في هيئته وهيْبته وطبعوا منه نسخاً مجهرية لتغدو تعاويذ مثل تذكارات المزارات الدينية.         

ولو أزيحت المقدسات جميعاً من الوعي، فقد يكون الإنسان ذاته هو الذي تألّه، مثل إشارة أحدهم التلقائية إلى رأسه كناية عن تعظيم شأنه وتقديس اختياراته. قد نرى في انشغال بعضهم الدائم بوجود الله في مسعى النفي والنقض، كنايةً عن صراع مع إيمان مكبوت في الأعماق، وهو كبت تساهم فيه ثقافة عصر تأخذ بالألباب كل مأخذ وتهيمن على الوعي من حيث لم يحتسب، فيرى الإنسان نفسه في مركز الكون وإن كان لا يُرى بالعين المجردة من رؤوس الجبال. يميل إنسان الحاضر إلى تأكيد ذاته، وتضخيمها، والتعالي بها، وتصويرها ذاتياً على نحو صنمي ونرجسي، حتى يتطلّع بعضهم لأن يشغَل بنفسه موقع الألوهية وإنْ بصفة لا شعورية، فلا يرى شيئاً يعلوه سوى منظومة ضوابط وقوانين وأعراف صاغها البشر أنفسهم وقد لا يترددون في تجاوزها. أي شعور يخامر أحدهم لدى التمرد على مرتبة المخلوق والسعي إلى مناجزة خالقه؟ أليس هو الإنسان ذاته الذي يتضعضع إزاء مديره في العمل، أو يتقلص في حضرة المخالفة المرورية، أو تعلو صرخاته في عيادة الأسنان؟

لا تأتي الحالات على لون واحد، فبعضهم يتخذون الإلحاد سبيلاً لأنّ أسئلة ظلت معلقة في وعيهم بلا إجابات مقنعة. ومأزقهم أنّ اقتناع أحدهم من عدمه لا يقضي دوماً بالصحة أو البطلان، فالاقتناع لا يحصل من الناس جميعاً بالمقولة الواحدة على منسوب محدد أو بكيفية واحدة. وقد يحصل الاقتناع بما هو هش أساساً أو متناقض للغاية، وهذا ضمن ملابسات تدفع بوعي زائف. ولا يخضع الاقتناع للعقل “المحض” وحده، بل هي حالة يتفاعل إنتاجها مع الوجدان، فملابسات الواقع والشحنات المعنوية والمؤثرات المصاحبة، وبعضها غير ملحوظ أساساً، تغري بالاقتناع بخيارات لا مصلحة فيها. ولا يندر أن يقتنع البشر بالشيء ونقيضه، وفقاً لمُدرَكات ومؤثرات ومشارب وأفكار مسبقة وتحولات نفسية واجتماعية وثقافية متضافرة، فكيف إن اتسمت المرحلة الراهنة بتحولات متسارعة وهزات جسيمة وأزمات طاحنة وتضعضع البنى القيمية التقليدية؟ إنّ العقل الذي يحتج به أحدهم، هو ذاته الذي يتفنن خبراء التسويق والترويج والدعاية و”حرب الأفكار” في استمالته وإخضاعه والهيمنة عليه، لدفعه إلى قناعات واهية وشراء ما لا يحتاج وانتخاب الفاسدين. وإن “قرر” بعضهم العدول عن الإيمان لأنّ أسئلة بقيت عالقة في وعيهم، فهل سيعني هذا أنّ اختيارهم النقيض يجيب على الأسئلة جميعاً بصفة متماسكة ومتسقة؟ ألا يمكن افتراض أنّ منطق “عجز النقيض” الذي يبرر به بعضهم الإلحادَ، من شأنه تسويغ الإيمان بالأحرى. فهل الإلحاد قادر أساساً على تقديم رؤية كونية شاملة ومتماسكة ذات قدرة تفسيرية سابغة حقاً؟ وهل يفسر الإلحاد لصاحبه الوجودَ بما يحتويه، تفسيراً منسجماً ومتماسكاً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟      

يستبطن الإلحاد روحاً عدمية، تصرّ على نفي ما فوقها وما وراءها وما يعقبها، ومن تفاصيلها مثلاً أنها تنفي النبوات وتقدح بالرسالات، وتحطِّم تاريخ المؤمنين وتنزع عنه الشرعية وتُنكر مغزاه الرسالي وجدواه القيمية، ولا يغدو ذلك كله، إن تم الاعتراف به أساساً، سوى تروس في حركة تاريخ يفقد معناه ودورات في عجلة زمن يؤول من عدمية إلى عدمية، وعناصر عابرة في تدافع بشر لا ينتظرهم حساب على ما قدموا. تفرض رؤى الإلحاد على الإنسان تعبئة فراغ كبير أحدثته، كي يتملّص من عدميتها، وقد يمضي بمعتقده “الجديد” هذا إلى التألّه إن فعل، عبر تقديس ذاته وتمجيد عقله وتعظيم انفعالاته، ومن المألوف أن يمنح هذه الحظوة لمن يعدّهم دون غيرهم طلائع الفكر وفلاسفةَ البشر ورواد التاريخ.

يتجلى تأليه الذات في تعبيرات فجة جاء بمثلها أحدهم في برنامج عربي للفرجة بقوله “هنا الله”، وأشار إلى عقله بعد أن انعطف الحديث إلى الدين. وكيف يَقوى المتسامرون على مناقشة المتحدث الجسور عبر البث المباشر؟ ومن بوسعه مقاومة الاعتداد بالعقل؟ يجوز التساؤل إن كان جليس الشاشة يعني “عقله” الذي يترنح بأثر شراب متخمر، أو تمسك بخطامه شهقة من مسحوق أبيض، ثم يخامره النعاس كل ليلة بما يكبح قدراته التحكمية على الأقل؟

ملحد يكبت إيمانه
يرفع بعضهم لافتة الإلحاد بما يملي عليهم كبت إيمانهم. إنهم يؤمنون في أعماقهم، لكنهم يطمرون إيمانهم ويحجبونه بعيداً كي لا يزعزع موقفاً بات سمة من سمات تصوّرهم لهويتهم الذاتية وحضورهم في الوسط المجتمعي. قد تتهيأ فرصة ما تتحرر فيها روح مؤمنة من قفصها في لحظة وعي داهمة بالحقيقة؛ لحظة تنقشع فيها حُجُب كثيفة تراكمت على الأسماع والأبصار.          

يبدو بعض “الملحدين” أوفياء حقاً لإيمان عميق يكبتونه، إن أعادوا النظر في حقائق الوجود المرئية وباشروا تشغيل عقولهم بلا تحفظات، أو تأرجحت بهم طائرة في الأجواء، أو علا بهم الموج في عرض البحر، أو خفقت قلوبهم في انتظار خبر مصيري بين يدي طبيب يعكف على تشخيص حالة مُريبة، أو احتضنوا بين أذرعهم مواليدهم الأوائل الذين هم آية من آيات الله تعالى.

إغراء الهالة المجيدة 
ترسم خطابات رائجة، هالةً إيحائية مجيدة حول من يُعلن إنه “ملحد”، وهذا بقصد منها أو بدون قصد. فليس نادراً أن يقع ربط الإلحاد بالاشتغال الفكري والتألق العقلي والتفرد الذاتي والاعتداد بالرأي، وهي سمات محجوبة في هذه الخطابات عن المؤمن والمتدين وقد يُرمَيان بنقيضها.           

ما يسمى بفرسان الإلحاد الأربعة

بات نفر من متحدثي “البرامج الدينية” ينظرون بعين العطف إلى مَن يقولون إنهم “ملحدون”، وليس نادراً أن يصبّ المتحدثون أنفسهم سوط القسوة على “المتدينين” ويُشبعونهم غمزاً ولمزاً بدوافع تبدو للوهلة الأولى إرشادية وإصلاحية. تمنح المفارقة انطباعاً يتضافر عبر مضامين بعض تلك البرامج، بأنّ “الملحد” مثقف رصين ينطلق من نظر عقلي وتقدير قيمي وحس نقدي وموقف عصري، ولدى الحديث عنه بمنطق يبتغي الإقناع والاستمالة؛ يقع التطرق إلى أفكار العالم وأساطين الفلسفة واستعراض العضلات الفكرية، أما “المتدين” فليس نادراً أن يطارده أولئك المتحدثون بلغة إيحائية ذميمة تزدري هيئته وتستقبح مسلكه وتستخف بثقافته وتستهين بتحصيله، ضمن تصورات رائجة تقوم على قوالب نمطية ذميمة وأحكام مسبقة تعميمية، بصرف النظر عن مدى صلتها بالواقع.         

ليس بعيداً عن ذلك يأتي خطاب لوبي الإلحاد متقمصاً رداء “العلمية” و”العقلانية”، فيراهن بهذا على غواية الذين تسحرهم مقولات تمجيد الذات واختياراتها وتقديس العقل وتفضيلاته والتملص من معابد الدين إلى معابد العلم. وإن أوحى بعضهم باجتياز “رحلة فكرية معمقة” أوصلته إلى هذا الاختيار؛ فما يَسهُل اكتشافه أحياناً أنّ بعض الرؤوس محشوة بمقولات محبوكة أو شعارات أيديولوجية، تم تجهيزها مسبقاً في “لوبي الإلحاد” وأُعيد إنتاجها وتمريرها بما يتناغم مع نفسية الجماهير في هذه الحقبة. وقد تتكثف التأثيرات على وعي بعض الأفراد بصفة تعبئة أيديولوجية تحاكي في بعض صورها فنون غسيل الأدمغة.

في قراءة الحالة 
طورت اتجاهات شتى في فضاءات العالم، بما فيها النزعة الإلحادية، جماعات ضغط وتشكيلات ناشطة تستعمل أساليب متجددة من الكسب والإقناع والاستمالة، وتجد في هذا دعماً سخياً من نزعات سائدة ونفسيات رائجة وأنماط تفكير تتغذى مما يسمى “ثقافة العصر”، كما تجسدها الصناعات الإعلامية والثقافية والفنية.        

إنّ نفسية إنسان الحاضر مشحونة أساساً بمقولات الانعتاق ورفض الانصياع ونبذ الهيمنة العلوية أو التوجيه الفوقي، كما أنّ افتتان الفرد في زمن التصوير والتشبيك والبث بقدراته الذاتية على الحضور العام والتأثير والإسماع والإزعاج قد يغريه بالاستنتاج أنه في مركز الحالة وشريك في صناعتها. تضغط هذه التحولات والمتلازمات على وعي أجيال الحاضر بمؤثرات نفسية، بعضها غير ملحوظ أساساً، وبجهود دعائية محبوكة بعناية تفتن إيمانها وتسليمها. وما استجد أيضاً؛ أنّ أصوات المجتمع جميعاً تحوز اليوم فرصة الإسماع وإحداث الضجيج كما لم يحدث من قبل، مهما قلّ المنتسبون إلى كل صوت منها، وبهذا تعيد المجتمعات اكتشاف التفاصيل المتنوعة الكامنة تحت سطحها بعد أن تجاوزت التحولاتُ مركزيةَ التعبير عن المجتمع واحتكار قنواته.       

والواقع أنّ حالات الشك والإلحاد بصورتها الفردية أو الجماعية، لم تغب يوماً عن المجتمعات ولو كانت مُسلِمة، حتى تمددت الشيوعية مثلاً في ثنايا عربية في ما مضى، ومعها مذاهب وفلسفات غير متصالحة مع الإيمان، بل شارك وكلاؤها المحليون في الإمساك بزمام الحكم طوعاً أو كرهاً، ومنها عدن، عاصمة الشطر الجنوبي من بلاد الحكمة والإيمان. لكنّ اللافتة الحمراء في التطبيق العربي لم تفرض دوماً التنصل من الدين، بل اشتهر عن قيادة الحزب الشيوعي السوداني ريادة المساجد مثلاً، وقيل في بلاد الشام إنّ الانتماء الأحمر قد لا يتجاوز القشرة بينما يبقى الجوهر على فطرته، وعبّر بعضهم عن ذلك بوصف طريف شاع في النصف الأول من القرن العشرين، هو “شيوعي فجلة”!

على أنّ الإلحاد، في منحى الإفصاح الجديد عن ذاته في المجتمعات العربية والمسلمة، يتناغم مع نزعة تحدي النسق الثقافي المرجعي للمجتمعات. يستقوي المنجرفون مع الحالة بالشبكات الاجتماعية مثلاً وبتطبيقات مدنية تتيح الانتظام وتكثيف الحضور وتضخيم الأثر. ولا يبتعد ذلك في نفسيته وتمظهره عن تجارب أخرى متضافرة، كإعلان التمرد على الشعائر الإسلامية والصدام مع الحس الديني العام، من قبيل جماعة المجاهرة بالفطر في رمضان أو سلوك التعري التنديدي وغيرها، ويوظف المتحدثون والناشطون في الترويج لهذه النزعات تطبيقات صاعدة في المجتمع المدني والفضاء الشبكي حول العالم.

وفي التعبير الراهن عن نزعة الإلحاد إفصاح مهم عن حيرة أجيال عربية ومسلمة مسّها طائف من “ما بعد الحداثة”، التي تفصم العلاقة بين الدال والمدلول، وتمضي بمنحاها النسبي في إسالة المعايير وتقويض القيم والمبادئ من داخلها بما يُفضي إلى عدميتها. تأتي التفاعلات على البنيان الاجتماعي فتنزع الوصف والمعنى حتى عن المفاهيم التأسيسية المتعلقة بالأسرة والزواج والذكورة والأنوثة والأمومة والأبوة، لتصبح هذه جميعاً ألفاظاً غير محددة الفحوى فتحتمل طائفة، لا نهائية تقريباً، من النماذج والحالات في التطبيق الواقعي.          

وما ينبغي الإقرار به أنّ مناهج التعليم ومضامين الإرشاد ليست مصممة لاستيعاب متغيرات جارفة، وقد لا تنجح المدرسة بصورتها الراهنة في تمكين الأجيال من الإبحار وسط أمواج متلاطمة، فضلاً عن قدرة المضامين الإعلامية والإرشادية المتاحة على النهوض بالدور وسط انشغالها بأولوية “مكافحة التطرف والإرهاب”. كما تعجز وفرة من الخطابات الرائجة في الفضاء الديني عن استيعاب التفاعلات الجارية في مجتمعات الحاضر، ومنها ما يتلبس الظاهرة الكبرى المسماة بالعولمة من تداعيات عميقة تداهم الأمم من حيث لم تحتسب.

تبرير الإلحاد بالسلوك 
يتذرّع بعضهم بأسماء ساطعة من الماضي والحاضر اختارت الإلحاد لما عايشته في محيطها من استعمال مُسيء للدين. وما يتم تقديمه، عادة، بمثابة سبب أحادي ساذج لإلحاد شخص ما، يبقى جديراً بالبحث والفحص. فمن المألوف أن يميل الإنسان إلى تأويل بواعث اختياراته وسلوكه بعلة فريدة لا تبديل لها، مع استبعاد تضافر أسباب أخرى محتملة خلف الحالة، لكنّ تشخيص السبب أو الأسباب ليست مهمة سهلة كما لا يُقطَع بصحة التأويل الذي يأتي من صاحب الموقف ذاته أو ممن يعرفونه، بل قد يكون الإتيان بها من صاحب الموقف أو مَن شايعوه سردية تبريرية لمسلكه.   

أما تأويل الإلحاد بسلوك مشين محسوب على “أهل الإيمان”، فيفرض استدعاء المنطق ذاته في الاتجاه العكسي، أي إمكان تأويل الإيمان ذاته بسلوك ذميم محسوب على “أهل الإلحاد”، وشواهده لا تنقطع كما في مجزرة الكنيسة في تكساس (5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017). غاية القول في هذا الشأن أنّ المنزع الانتقائي للبواعث يُظهِر هشاشة منطقها، فانتقاء حالة أو حالات مخصوصة لا ينفي ما سواها أساساً ولا يجعلها سابغة أو ممثلة شرعية للواقع ككل.

ثم تصرّ بعض الخطابات على تبرير نزعة الإلحاد بحالات التشدد والتوحش المتذرعة بالدين أو تسويغها بما يقع من وجوه الحالة الدينية ومتصدريها. تبدو هذه اندفاعة متوقعة تحت سطوة الاستعمال الديني المُسيء، الذي يبقى قائماً في كل زمن ومجتمع، لكنها تعزز الاستنتاج بأنّ هذا “الإلحاد” المُعلن إنما هو موقف نفسي ووجداني في الأساس وليس فكرياً وعقلانياً بالأحرى. تتجاهل هذه الذرائع، مثلاً، أنّ معظم المسلمين المتدينين ينبذون “داعش” مثلاً، علاوة على أنهم أبرز ضحاياها، كما أنّ جماعات التشدد الديني من طوائف شتى لا تحظى بغطاء الأغلبية المتدينة منها غالباً. 

ثم، ألا يستدعي الرضوخ لهذا المنطق تشديدَ النكير على “الحرية” لمجرد أنّ الثنائي الماكر بوش وبلير أحرق العالم الإسلامي بحروب استعملت هذه القيمة المجيدة ذريعة لخوضها؟ وما الذي سيبقى من قيم أساسية سامية ومقولات جوهرية نبيلة في عالمنا، إن تمت الإطاحة بها بذريعة سوء الاستعمال الذي مورس بحقها جميعاً بلا هوادة، ومنها قيم الثورة الفرنسية مثلاً التي تم استعمالها غطاء لفظائع الاستعمار؟     

إنّ السلوك الاستعمالي لدين أو لقيمة أو لفكرة لا يصحّ حُكماً عليها، وإن أظهر التسليمُ بهذا الباعث أنّ النزعة الإلحادية المعنية تشكّلت أساساً من موقف نفسي أو نفور جامح أو عقدة ما مترتبة إزاء حالة أو شخص أو سلوك، ثم مضت تالياً إلى شرعنة ذاتها بمقولات عقائدية تبريرية لها. وقد لا يكون هذا الموقف سوى حدث رمزي أو نفسي أو قشة قصمت ظهر صاحبها بعد تراكمات حملها أحدهم في عقله ووجدانه؛ دفعته إلى تأويلات داخلية مخصوصة وأحكام صارمة وتبريرها بمنطق قطعي تبسيطي عبر ربط القناعة المعلنة بحدث ظاهر لا مراء فيه، من قبيل فظائع “داعش” أو شطط بعض متصدري المنابر الدينية.     

وأيا كانت البواعث، فلا غنى عن الترفق في وصف مقامات الفعل الذهني والشعوري الذي يخامر الأفراد في زمن الاضطراب والتشنج والصدمات، الذي تجزع فيه الأنفس وتطيش فيه العقول، والحذر واجب من دمغ الحائرين في موسم مخصوص بوصمة المروق من الدين، علاوة على مشروعية التشكك بعمق الالتزام بمقولة الإلحاد، التي يتباهى بها بعض الذين يكبتون إيمانهم.


ملحد يكبت إيمانه

حسام شاكر


أي رجفة هذه التي تسري في بدنك قبل إغماض عينيك على الوسادة؟ هل أرهبتك كلماتٌ سطّرتَها في منافحتك الأخيرة عن “الإلحاد”، الذي تزعم أنك به مؤمن؛ فخشيتَ معها غضبَ الله عليك؟

رفقا بنفسك، نَمْ هانئا، وأسلِم قلبك النابض لبارئه، فلن تعبث به صدفةٌ كالتي افترضْتَها في مقطعك الذي أحرز الإعجابات. ألم تَغْفُ في أمسِك ثم أفقتَ عليه يواصل خفقانه الدؤوب؛ كما فعل بلا هوادة منذ أن احتواك جَوْفُ أمِّك الدافئ؟ 

أرأيت؟! لم تكن صدفة أنت، بل انبثقتَ مثلي عن أم رؤوم، وأطلقتَ صيْحَتَكَ الأولى في دنيا البشر، واتخذتَ سبيلَك في الدهر عجبا، فمضيْتَ نحو الْتِقامِ صدرٍ حانٍ كأنك تعرفه من أمد بعيد. من علّمك أنتَ فنّ الالتقام قبل أن تُبصِر كيفيّته؟

نَم قريرَ العين، ولا تُنهِك عقلَك بتأويل اشتغاله المُعجِز، أو بإدراك روحٍ تحتويها أنت؛ ومعها ترقى عن أن تتقزّم في كتلة لحم ودم، هي المحسوس منك؛ أو مجرد جذع يمضي على ساقين صوب مرافعة جديدة تُشغِلكَ عن التفكّر. أنت برهانُ “التجاوز” الذي رفضتَ التسليمَ به في مرافعتك، فما يكون أمرُ روحك “المتجاوزة” لقميصها على وجه اليقين؟ وهل يقنَعُ عقلُك بأنه كتلة نخاعية محسوسة وحسب؟ سَلْه، إذن، ما يكون هو تحديدا، قبل انهماكك بتشغيله كي تترافع أنت بنفي خالقه، أم سيباشر عقلُك نفيَ ذاته لأنه لم يدركها خالصةً محددة على وجه اليقين أيضا؟

سَلْ قلبَك يا عزيزي إن أعياك عقلُك الذي زاد الفلاسفةَ من قبلك رهَقا لما حاولوا تحديد كنهه! وما يكون القلبُ هذا أساسا في حقيقته على وجه اليقين؟ أو سَلْ فؤادك، إن شِئت، عمّا ألجأك إلى الأعلى يوم أن تأرجحت بك المجنّحةُ بين طبقات الغمام، أو لمّا تقاذف الموجُ مركبَك الصغير، أو لحظةَ الارتطام المفاجئ على الطريق السريعة.. وقد استبدّ بك الهلع في حضرة مشاهد خاطفة تعاقبت على وَعيِك، مُختزِلةً حياتك التي كانت دون شاشة عرض.

أتذكُر لحظتَك المفصلية؟ لمّا انخلع قلبُك، وأطبق الجَزَعُ على صدرك، وتحشرجت الكلمات في جوفك، وارتقت عيناك صوب سماء تعلوك، ترقّبا لما سيبوح به الطبيب بمعطفه الذي بدا لك كفنا يوشك أن يحتويك، ثم جاءك ذو النظارة السميكة بابتسامة هدّأت من روعك ومنحتك أملا بحياة جديدة، بعد كشْفِه على ما حسبتَها أوراما تضخّمت في أحشائك، ثم إنك تهاوَنتَ وقتها مع لسانك المنطلِق بالحمد والتسبيح، وقد تحرّر لحظةً من كبتٍ مديد؛ أثقله عن أن يبوح بما احتبستَه أنت في أعماقك.

أتذكُرُ صباحا ربيعيا مشرقا، ضمَمْتَ فيه وليدَتك الأولى بين ذراعيك برفق، ولم يستَقِم في عينيك الدامعتيْن أنّ هذا الكائن الإنساني النابض بدفء هو محض صدفة شكّلته الطبيعة بذاتها؟ تفتحت الورود من حولك، وأمسكتَ بخيط يُفضي إلى سرّ كبير، ثم صرفتَ وجدانَك في المساء عن مراجعة التفكير في قوانين الطبيعة التي عنها تترافع، وكيف لها أن تكون بلا مقدِّمات مؤسِّسة لنتائجها ومسبِّبات مُوجِدة لأسبابها. وكيف للخلقِ أن ينتظم في الوجود، بالأحرى، بلا قوانين لانتظامه وسنن مركوزة فيه، فمن نظَمَها عبرَه وركَزها فيه إذن؟

أما التمثالُ البديع الدقيق فقد أخذ بك كلّ مأخذ، لمّا استوقفَك وسط الميدان السياحي، فأدركتَ عظمة صانعه من دقة تشكيله التي تشبه البشر، فلما فاجأتْكَ رمشةُ جفنيْه ورعشةُ كفّيْه عاجلتَهُ أنت بكبْح انشغالك بمن نحَتَه، وأسرعتَ بدسِّ يدك في جيبك لتَخرُجَ مرتجفةً بقطع المال، وألقيْتَ بالنقود إلى فتى بارع انتحل هيئة التمثال المعدني الذي أذهلك، ثم انصرفتَ ولم تعقِّب. ها أنتَ أفصحتَ وقتها عن إيمان في أعماقك بصنعة النسخة الجامدة المقلدة، في ما بقيتَ تجادل في صنعة الأصل النابض الذي جُعِلَت هي على منواله، فعقدتَ لسانك عن إبداء الإعجاب به.. لمّا تحرّك ونطق. أتؤمن بإلحادِك حقا؟!

ثم إِنّ صنعة الروبوت قد أبهرتك من بعدُ أيما إبهار، لمّا تسامَرتَ مع إنسانٍ آلي، برز لك بعينين واسعتين بمحاذاة قامتك المنتصبة، وبادرَك بالتحية. تودّدَ إليك المصنوعُ العجيب اللامع ليعرض خدماته عليك كما اختزنها فيه صانعوه تماما؛ بلا زيادة. وأدركتَ وقتها تهافُتَ منطقٍ جادلتَ به من قبل. ألم تسألهم في المعرض التقني عن البلد الذي أنتجه؟ والشركة التي ابتدعته؟ لعلك لم تلحظ وقتها أنّ الكائن الودود لا يجادلك في حقيقة خِلقته وصحّة نسبته، فما زلنا عاجزين عن تصنيع كائن أكثر تعقيدا، يناهز مرتبتنا، فيقوى على إنكار صنعته ونفْي وجود من ركّبه وبرمجَه.

وإن تحقّق هذا التطوير في زمن آتٍ فسيتجلى الابتكار الموعود بُرهانَ اقتدارٍ فذّ للصانعين والمطوِّرين، وقد تبتسم مختبرات التطوير من أعماقها إن رصدَتْ ثقافة الإنكار والنفي والتعالي تسري بين كائنات آلية متكاثرة من حولها. فكيف لا تكون خِلقة البشر دالّةً على عظمة خالقهم؟ أليسوا هم من يتألّهون في الأرض ولا يتواضعون لربهم، حتى تبارى بعضهم في مناجزة العلي القدير بنفي وجوده كليّةً أو التطلّع إلى التمرّد الساذج عليه؟ إنها مرافعاتنا المذهلة، نحن البشر، من منصّاتنا الغائرة في نقطة لا تُرى من عمق الفضاء، يُقال لها الأرض.

هي أرضٌ ينبسط فوقها سرّنا الكبير، الذي يمنحنا رشفةَ الشعور بأننا مركز كونٍ نعجز عن استجماع حقائقه الفسيحة وإدراك أبعاده المنطوية في حُجُب الغيب. نحسب أننا مركزه دون أن تقوى تصوّراتنا على تجاوز خبراتنا المتحققة حصرا مما جرّبناه وأبصرناه. وإن بقينا عاجزين عن معاينة هذه الفضاءات المجهولة، أو التلصّص على دقائق فحواها واستراق السمع إلى عوالمها والوقوف على قوانين تسييرها ونظُم تشغيلها؛ فكيف بنا نجادل في محاولة تصوّر خالقها ومدبِّرها جميعا؟ ومن بوسعه منا، أساسا، إدراك ذات الخالق إن عجَزنا عن تصوّر بعض المخلوق ابتداءً؟ وأي تعالٍ هذا الذي يتملّكنا، في محاولتنا لنحت إلهٍ تأسره خبراتنا الأرضية القاصرة؛ التي تعجز عن مفارقة أقفاصها الذهنية ابتداءً؟

يطوي الغيبُ عوالمَ منثنية في دواخلنا، وفي كائنات دقيقة من حولنا، ومن لم يعترف بعدُ بخِلقةِ بعوضة يطاردها فتتحايل عليه في رقاده لترتشف من دمه؛ فلا سبيل له للإقرار بما دونها من عوالم غير مرئية، وبما فوقها من أسرار المجرّات التي نسبح في ركن منها دون دراية بالوجهة.

هل أدركتَ -عزيزي- سرّ كلماتٍ أتمتمُ بها مبتسما.. كلما حدّثتني في منافحاتك الجريئة عن نفي الخِلقة والخالق؟! فإني ما أدركتُ أحدَهم يبرع مثلك في اعتصار عقله الملهَم، وحشد حججه الأخّاذة، وتركيب مقولاته المنمقة، وتشغيل لسانه المنطلق، وتنسيق عرضه المبهِر؛ إلا وأدركتُ في هذا كله عظمةَ هذه الصنعة البديعة العجيبة، التي هي نحن، بكل ما يعنيه أحدنا أن يكون إنسانا. ألا يحق لفؤادي أن يهتف في حضرتك المهيبة من أعماقه الغائرة، وأن ترضخ شفتايَ للحقيقة التي أراها ناطقةً فيك، فتباشر البوح الكبير: ..سبحانك، ما أعظمك، ما أبدع هذه الخِلقة، سبحانك يا الله.

كيف تتعامل مع ابنك المراهق إذا أبدى ميولا إلحادية؟

ديما مصطفى سكران


لقد كبر الأبناء والبنات وصاروا يطرحون الأسئلة ويبدون تشككهم في المسلمات، لذا قد تسمعهم ينتقدون المعتقدات الدينية ويبدون نوازع لإنكارها، وقد يصل الأمر بهم إلى إعلان ميلهم للإلحاد. والردود على شبهاتهم هذه موجودة بغزارة في بطون الكتب وفضاءات الانترنت في إطارها العلمي المجرد، لكن ما ينقصها غالبا هو أن ترشد الأهل لكيفية التعامل مع أبنائهم في مواقف مشابهة نفسيا وعاطفيا حتى لا يفاقموا المشكلة ويفشلوا في احتواء الابن أو الابنة في هذه المرحلة.

ننصحك بالانتباه لهذه النقاط عند تعاملك مع ابنك الذي يبدي ميلا للإلحاد:

1. لا تصب بالذعر
كثيرون حين يسمعون أبناءهم يأتون بمثل هذا الكلام يتملكهم الذعر ويفقدون رباطة جأشهم، فتأتي استجاباتهم انفعالية ومنفِّرة للابن المرتبك أساسا، لذا كن هادئا وأنت تتلقى بوادر من هذا النوع، وإياك أن تستسلم للمخاوف.

2. اعرف أن العدائية دليل خوف
تذكر أنه سيكون مذعورا أكثر منك بأضعاف، وليست انفعاليته إلا دليلا على خوفه من مستقبل علاقته مع محيطه. إنه يحاورك بغضب، أو يلجأ للاستهزاء من أجل كبت خوف كبير بداخله من الرفض. لقد تملكته هذه الشكوك الجديدة، وهو عاجز عن كبتها، ويعرف أنه لا بد من المواجهة الآن، ولذا فإنه يستعد لها بكثير من الانفعال والعناد، اللذين يشجع بهما نفسه على الصمود أمام رفض الآخرين له، لذا احتو انفعاله وتفهم أن حدته فعل استباقي دفاعي.

3. لا تتعامل مع شكوكه على أنها انحراف سلوكي
قد ينفع الغضب والخصام والمقاطعة لو كان المراهق قد سرق أو أتى سلوكا مشينا، أما الشكوك فليست بالضرورة ذنبا يتوجب العقاب، بل هي ناتجة عن موقف فكري يستحق أن يعطى حقه من الإصغاء والنقاش، فلا تعاقبه عليها.

4. لا تتهمه ولا تسطح أسباب شكوكه
يسارع الأهل عند مواجهتهم لموقف كهذا إلى البحث عن تفسيرات لتغير ابنهم المفاجئ، ليلقوا بها على التتالي في وجهه، عوضا عن التعامل مع المسألة الحالية. فيخبرونه أنه ضل لأنه صاحب المجموعة الفلانية أو استمع إلى المضلل الفلاني أو لأنه يريد الاستسلام لشهواته، وفي هذا تسطيح للمسألة وتجاهل للمشكلة الحالية في سبيل البحث عن شماعة لإلقاء اللوم عليها.

5. لا تخش الفضيحة، ابنك أهم
ويخشى البعض الفضيحة، فيلجؤون لتهديد الابن أو حرمانه من المصروف أو توعده بالعقوبة للضغط عليه لإخفاء أمر شكوكه عن الناس. قد تتم لملمة الأمر بهذا الشكل مؤقتا، لكن هذه الطريقة هي الطريقة الأسرع لخسارته.

6. لا تحول الأمر إلى فضيحة
وفي حين يسعى بعض الأهل إلى إبقاء الأمر طي الكتمان، يسارع البعض الآخر بسبب ذعرهم إلى الاستعانة بأي كان من أجل استشارته أو لتغيير رأي ابنهم، كإمام المسجد في الحي، أو العم الأكبر، أو صديق الوالد، مما يحول المسألة إلى فضيحة تصعب لملمتها، وتؤدي إلى تدخل أيادٍ كثيرة في هذا الأمر وإفساده إما بنصائح غير رشيدة أو بالضغط على الابن أو الدخول معه في حوارات انفعالية من قبل أشخاص غير مؤهلين لاستيعاب الموضوع.

7. أعطه الأمان
يجب أن يكون لأي ابن علاقة قوية مع أحد أفراد أسرته أبا كان أو أختا أو عما، علاقة تتسم بالحب غير المشروط، وبالأمان غير المهدد بأي شيء، وبالثقة المطلقة. يجب أن يكون المراهق قادرا على أن يقول لهذا الشخص أي شيء، وحين أقول أي شيء فأنا أعني تماما أي شيء، مهما كان، دون أن يهز هذا الشيء هذه العلاقة، حتى لو كان اعترافا بجريمة قتل، أو ميولا شاذة، وحتى ولو كان كفرا بواحا.

الكثير من الأبناء لا يتكلمون عن شكوكهم منذ البداية لأنهم خائفون من ردة فعل الآخرين، لأنهم موقنون بأنهم سيفقدون مكانتهم كأبناء مدللين أو ستهتز صورتهم كأشخاص صالحين، لذا يجب ألا يكون لهذه المخاوف وجود حتى يستطيع الابن أن يفصح عن ما يدور بخلده من شكوك بدون خوف.

8. أبق حبل الود بينكما
إن أساس الحوار نفسي وعاطفي قبل أن يكون عقلانيا، فنحن سنميل لرفض فكرة ما إذا صدرت عن شخص نكرهه، وسيكون تقبلنا لها أفضل بكثير لو صدرت عن شخص نحبه، لذا أبقِ حبل الود بينكما ليكون قادرا على سماعك بقلب مفتوح.

9. تذكر أن الأمر لا يبدأ الأمر فجأة
هناك الكثير من الإشارات التي يرسلها الأبناء تدل على تغير توجههم الفكري، والتي يجب تلقيها باهتمام. ومن يفاجؤون بتحول أبنائهم إلى الإلحاد فلقد فوتوا على أنفسهم محطات كثيرة كان بإمكانهم أن يغيروا فيها السكة مبكرا، لذا أعط سمعك وقلبك لابنك، وشجعه على الكلام، ولا تستهن بأسئلته، ولا تنه النقاشات الدينية معه بسرعة معتبرا أنك أديت مهمتك بحجة أسكتته. أعطه الفرصة ليتكلم عن كل ما يؤرق إيمانه أولا بأول، فكثيرا منها ما كان ليتعاظم لاحقا لو وجد الجواب الشافي منذ البداية.

10. أصغِ كثيرا ولا تقاطعه
ابنك ليس بحاجة الآن إلا لشخص يسمعه، هناك عاصفة من الأفكار تدور في رأسه، يحتاج أن يشارك هذه الأفكار والمشاعر مع شخص آخر، فإن لم يجد لديك أذنا صاغية بها فسيبحث عمن يسمعه غيرك، ممن قد يشجعونه. اسمعه، أنصت باحترام، مهما كان الكلام مستفزا، انظر في عينيه وأبد رغبتك في أن تعرف ما يجول بخاطره، دعه يكمل حتى تفرغ جعبته تماما وينفس عن كل مشاعره. حاول أن تشاركه شكوكه التي تجدها منطقية، وابحث عن نقاط اتفاق معه لتؤيد بعضا من كلامه، تحلَّ بالصبر مهما بدا الكلام غير منطقي، فقد تكون الفكرة واضحة في ذهنه، ولكنه عاجز عن إخراجها لغويا بشكل مرتب، ساعده على ذلك بطرح الأسئلة، واستوضح منه بهدوء.

11. لا ترد على شكوكه مباشرة
في ردك المباشر رسالة قوية تنبئ عن رفضك الكلي والمسبق لما يقوله، بل يجب أن يشعر محاورك أنك تنظر إليه بندية، وأن بضاعته الفكرية ثمينة ومقدرة تماما كبضاعتك، فإذا كنت تريد الرد فأعط نفسك على الأقل هنيهات من هز الرأس والهمهمة  قبل أن تصوغ كلامك، أو أجله تماما حتى جلسة أخرى. من الضروري أن يشعر أنك سمعته جيدا وأن كلامه يستحق التفكير.

12. لا تستسهل الرد
إن كنت قليل الاطلاع فلا تستسهل الرد من معلوماتك المحدودة، ابحث في بطون الكتب وفضاءات الانترنت، وابذل جهدا كبيرا في الإتيان بردود مقنعة. لا تستخف بعقله، وسيكون رائعا لو اقترحت عليه أن تبحثا معا عن الحجج التي تفند شكوكه، ناقشاها سويا، استبعدا ما لا تريانه مقنعا معا، ضعا علامات استفهام، واستخلصا الحجج الأكثر إقناعا.

13. الجأ للمختصين
إن كنت ممن ليست لديه الأهلية الكافية للرد على الشبهات، فمن الأفضل دوما اللجوء إلى المختصين ذوي الخبرة، إما للتزود منهم بالمعلومات ، أو لإدخالهم في النقاشات شرط أن يوافقوا أولا على شروطك التي تجعل جو النقاش وديا وآمنا للطرف الآخر.

14. لا تستعجل وتقبل أن يبقى الأمر غير محسوم
لا تتعامل مع إزالة شكوك ابنك على أنها مهمة مستعجلة يجب الخلاص منها بأسرع وقت، فهذه الأمور تأخذ وقتا قد يطول ويقصر، وعليك أن تتحلى بطول النفس. لذا تقبل أن تبقى الكثير من الأمور أثناء نقاشكما غير محسومة، واسعَ تدريجيا لبناء أرضية مشتركة لحواركما. جيد مثلا كبداية أن تتفقا على أن للكون خالقا، جيدا جدا أن تتفقا على صحة تواتر القرآن. كلما كانت هذه القاعدة أكبر كانت النقاشات اللاحقة أكثر جدوى, لذا اجعل أساسيات الدين هدفك وغض طرفك عن الأمور الثانوية، فإذا بقيت هذه غير محسومة فالأمر طبيعي ويحتاج إلى وقت.

15. أبقيا علاقتكما طبيعية
استمر بإظهار الحب والدعم النفسي، تابعا ممارسة النشاطات وخوض الأحاديث المرحة، حافظا على علاقتكما دافئة. إنها مجرد أفكار، والشباب الآن قابعون تحت ضغط وتشويش فكري رهيبين، لكنه ابنك الحبيب وليس عدوك. لا تسخط عليه فترى كل ما فيه أصبح قبيحا، ولا تحرمه من الحب وحضن الأسرة، لأنك إن فعلت فسيبحث عن وسط آخر يتقبله. أخبره أنك لن تتخلى عنه نهائيا مهما حصل.

16. لا تحول الأمر إلى مسألة كرامة
قد تشفى الشكوك لاحقا، وقد تتعافى القناعات، ولكن جرح الكرامة الغائر سيكون أقوى من نداء الحق، فالدوافع النفسية للسلوك أقوى دوما من الدوافع العقلانية. لذا فإن جراحه التي سببتها له أثناء نقاشاتكما العنيفة ستمنعه لاحقا من إعلان تراجعه، بل قد تدفعه إلى مجاهرة أكبر من أجل الانتقام لنفسه والتنفيس عن غضبه وخيبته.

17. اتفقا على أن الشك مرحلة مؤقتة
اتفقا على أن الإنسان عاجز عن الوصول للحقيقة المطلقة، وإن كان يطالبك بالشك بمعتقداتك، فطالبه بأن يستمر في ممارسة شكه مع قناعاته الجديدة، وبأن يبقي قلبه وعقله مفتوحين دوما لتقبل أي زاوية جديدة للنظر، فمثلما كان الإيمان في حياته مرحلة مؤقتة قد يكون الشك كذلك مرحلة مؤقتة قد تمر لتصبح من الماضي ما دمت قد أحسنتَ تفادي المطبات النفسية والعاطفية.

18. تذكر أنك لا تهدي من أحببت
إذا عجزت عن إحداث التغيير الذي تتوخاه، فتذكر أنك لن تكون أفضل من الأنبياء، فهذا نبي الله نوح لم يستطع أن يكون سببا في هداية ابنه، وهذا عم النبي أبو طالب مات على الكفر وسيدنا محمد يدعو للإسلام في كنفه. اصبر واحتسب، وادع له بالخير دوما، فلربما يعود إيمانه بعد الشك أقوى مما كان، ولربما يهديه الله لاحقا، ليعود إلى حضنك بعد أن أبقيت أبوابك مفتوحة له دوما.

البشرية بين عبثية اللادين وطمأنينة الدين

عبد الرحمن إبراهيم العسل

_________________________________

سنتناول حاجة البشرية إلى الدين من منطلقين، الأول تفكيكي يثبت فشل التيارات والقوانين الوضعية المختلفة في إدارة العالم والإنسان بشكل يحفظ للإنسان إنسانيته، والثاني تركيبي يؤكد أن النزعة الدينية مكوّن صميمي من مكونات الإنسان ولا يمكنه الفكاك منها.

المنطلق التفكيكي

تتسم الطبيعة البشرية بثنائية أساسية لا يمكن اختزال الإنسان في أي واحدة منهما، وهي امتداد لثنائيات كبرى تحكم هذا الكون.. الخالق والمخلوق، الوجود والعدم!
هذه الثنائية هي الطبيعي (المادي)، غير الطبيعي (غير المادي).
يمكن رصد الطبيعة المادية للإنسان في حاجته للطعام والشراب والنوم، فالإنسان في هذه الحالة مشترك مع جميع الكائنات الحية في هذا الجانب.

أما ما يميزه عن الكائنات الأخرى والذي يُكمّل ثنائيته التي تُعبر عن جوهره الإنساني فهي مكوناته غير المادية (حسه الأخلاقي- احتياجه لما هو أعلى منه- حسه الجمالي …).

حاولت الفلسفة المادية اختزال الإنسان في مكونه الطبيعي فقط! وهذا أدى إلى إحداث شرخ في إنسانية الإنسان وسأحاول في هذا القسم طرح فكرة الاختزال هذه في إطارها العام وتجلياتها العامة بما يكفي لمحاولة عرض فكرة فشلها في تفسير الإنسان في إطارالمادة وحدها.

العالم بلا مرجعية
المرجعية هي الأساس الذي يتكئ عليه الإنسان وينطلق منه في تفسير العالم وتفسير نفسه..اختلاف هذا الأساس يؤدي بالضرورة إلى اختلاف رؤيتنا للعالم.

عاشت أوروبا في العصور الوسطى تحت حكم الدين المتمثل في الكنيسة، وكان حكمها شموليًا يشمل مناحي الحياة جميعها (الدينية، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية) متمثلًا برجالها الفاسدين واستغلالهم لسلطة الدين لتحقيق أهوائهم وشهواتهم ورغباتهم.

والصراع الشديد بينها وبين العلم الطبيعي -لمخالفته العديد من التصورات الدينية- وظهور تشارلز داروين وكتابه “أصل الأنواع” الذي أدى إلى نتائج فلسفية ودينية نعيش تأثيرها حتى وقتنا الحاضر. ونحن لسنا في صدد ذكر أسباب ظهور هذه التيارات بالتفصيل فهذا يحتاج إلى بحث مستقل.. لكن في ظل هذه الظروف الصعبة كان لا بد من ثورة تؤدي إلى فصل هذه الكنيسة عن الحكم.

جاءت تيارات الاستنارة والحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية وكلها تيارات فكرية وفلسفية تمحورت حول طرد الكنيسة (الدين) عن الحكم. بعد هذا الطرد كان لا بد من إيجاد مرجعية- غير الدين- يقف عليها الإنسان لينطلق منها في تفسير نفسه وتفسير العالم.

في بداية الأمر اعتبر الإنسان نفسه المرجعية النهائية وأنها كامنة فيه، ثم انتقلإلى أن الطبيعة هي مركز الكمون والمرجعية النهائية.. ثم ظهرت الفلسفات الطبيعية الجديدة التي اعتبرت أنه لا يوجد مرجعية مطلقة ونهائية وأن كل الأمور نسبية..

إن إطلاق مفهوم فصل الدين عن الدولة يمكن تقبله في الفترة الأولى لظهور هذا الاتجاه، قبل أن تتحول العلمانية إلى أيديولوجية شاملة تسعى لفصل الدين عن الحياة ونزع القداسة عن العالم.

تقوم فكرة الأديان جميعها على وجود مرجعية متجاوزة للكون والطبيعة، وهذه المرجعية هي في الغالب العام (الله سبحانه وتعالى) فقامت أفكار الحداثة على إلغاء هذه المرجعية كمنطلق لفصل الدين عن الدولة وبالتدريج فصله عن الحياة.

إلغاء هذه المرجعية يؤدي إلى حالة من التشتت وعدم الاستقرار، لأنه يجب وضع مرجعية أخرى يتكئ عليها الإنسان في تفسير نفسه والطبيعة وكل شيء حوله.. بعد إلغاءالمرجعية المتجاوزة اعتبر الإنسان نفسه مرجع في البداية إلى أن انتهى إلى اعتبارالطبيعة هي المرجعية النهائية وانتهى إلى السيولة في المرجعية. وتجلت هذه الظاهرة في اعتراف نيتشه إلى أنه يجب التخلص من ظلال الإله (أي المرجعية النهائية والمطلقات بشكل عام) وإلى أنه لا يوجد حقيقة وأن كل الأمور نسبية وكل الأمور خاضعة للقياس.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في وصف هذه الحالة:
“عند إلغاء المرجعية المتجاوزة (الله) تظهر بالضرورة المرجعية الكامنة -أي إماالإنسان وإما الطبيعة- هي المرجعية النهائية، عندما تحدث هذه المرجعية يحدث ما يلي: يصبح الإنسان المرجعية الكامنة، لكن لأنه لا يوجد مركز خارجه نحتاج إلى تفسير الإنسان في إطار كلي، وسوف نراه في الإطار الكلي الوحيد الممكن (الطبيعة، الزمان، المادة، الآن وهنا) ويبدأ تفسيره من هذا المنظور.. الإنسان الذي يعتبر مركز الكون هو جزء من الطبيعة المادة، وبما أنه جزء منها فهو لا يختلف عنها لأنه لا يوجد مرجعية أخرى، وبالتدريج ينتقل مركز الكُمون من الإنسان إلى الطبيعة، ونبدأ في تفسير الإنسان في الطبيعة (دوافعه الطبيعية، قوانين الجاذبية، رغباته الجسدية) ونبدأ بالبحث عن المكونات المشتركة بينه وبين الكائنات غير الإنسانية الأخرى أي الحيوانات وغيرها “[1].
من الواضح أن إلغاء المرجعية المتجاوزة المفسرة للإنسان والحياة يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الجزء غير المادي منه وبالتالي اختزاله في الجانب المادي فقط، عند هذا الإلغاء تظهر تفسيرات للإنسان على وزن إن هو إلا.. فماركس يُفسره على أنه عنصراقتصادي.. وهيجل يقول: إن هو إلا حتمية تاريخية.. و فرويد يقول: إن هو إلا رغبات جسدية!
وهكذا بعد إلغاء المرجعية سوف نحتاج إلى مرجعية أخرى ونبدأ بالبحث عنها.. نلغي الجانب الغير مادي في الإنسان ونعتبره المرجع، ثم لأنه يتكون من(مادة طبيعية) نعتبر الطبيعة هي المرجع.. ثم ننتهي إلى أنه لا يوجد مرجعية مطلقة!

العلاقات بعد إلغاء المرجعية
إن الكائنات البشرية مخلوقات ناقصة محتاجة إلى خالقها..هذه الحاجة تشمل حاجته إلى توضيح كيف يجب أن يتعامل الإنسان مع الطبيعة والكون.. ومن باب أولى معرفة الأسس التي يجب أن تقوم عليها علاقته بالإنسان.
بعد إنكار هذه الحاجة عن طريق إلغاء المرجعية المتجاوزة كان ولا بُدّ من حدوث خلل في المنظومة التعاملية مع الطبيعة وبين البشر أنفسهم.
هذا الخلل تجلى في انتشار العلاقات القائمة على أساس براغماتي نفعي تعاقدي لا على أساس الإنسانية المشتركة بين البشر.. حتى في علاقة الإنسان مع الطبيعة! فمتى ما تم إلغاء وجود الله من الحاجات البشرية سيتم بالضرورة إلغاء الهدف من وجودنا- القائم على الحفاظ على الطبيعة وإعمارها- وسيتم إفشاء الدمار فيها وهذا ما حدث!

في هذه العلاقات التعاقدية تسقط كل الأسس التراحمية الإنسانية التي تربط الابن بوالديه، والإنسان بأخيه الإنسان، وتسود العلاقة المادية التي تُحوّل الإنسان إلى شيء يتبع توظيفه للفائدة المادية فقط.
حتى علاقة الإنسان بالطبيعة علاقة منفعة غير متبادلة، ففي سبيل التقدم المزعوم ضحّى الإنسان بالطبيعة، ونحن لسنا بصدد دراسة الآثار المدمرة لهذا التقدم على الطبيعة من احتباس حراري، وتآكل طبقة الأوزون، و…، فهذا يحتاج لبحث مفصّل وطويل ومستقل! لكن الخلاصة أنه بعد إلغاء المرجعية المتجاوزة لم يعد هناك رادع للإنسان لإفشاء الخراب في الطبيعة، حتى بقاؤه فيها لم يكن رادعًا له كي لا يدمرها!

التقدم ضد الإنسان [2]
لا يستطيع أحد إنكار التقدم المادي والتكنولوجي الذي حققته الحضارة الغربية منذ الثورة الصناعية وحتى وقتنا الحاضر..لكن هذا التقدم كان باتجاه المادة فقط وعلى حساب إنسانية الإنسان، فمع التقدم الهائل الذي تحقق وسهولة الحياة ومعدلات الدخل المرتفعة نجد أن أكثر نسب الانتحارفي العالم هي في الدول الأوروبية (المتقدمة)، بالمقابل نجد أقل نسب الانتحار في الدولالتي تصنف على أنها دول العالم الثالث ومنها الدول العربية.

ومعدلات الجرائم وإدمان الكحول والانهيارات العصبية وانتشار الإباحية.. كل هذه سُبليسعى إليها الإنسان للهروب من عالم المادة ولو بإثارة رخيصة.

“إن الأيدلوجية المسيطرة -المادية- تكبت الشخصية أكثر وأكثر فهي توجه الإنسان لحياة آلية وفقًا لخطة (نوم-قطار-عمل) وهي خطة تمنح مستوى معينًا من المعيشة لكنها تحرم الإنسان من الخبرة والإثارة الحقيقتين. كل شيء مجهز مسبقًا، حتى الإجازات منظمة ومخططة وصاحب الشأن لا يستطيع أن يُغير أي شيء. ولهذا السبب يحتاج معظم الناس غريزيًا إلى الهرب من أنفسهم ليجربوا أنواعًا من الإثارة الرخيصة. وتجد هذه الإثارة في الأفلام الإباحية”[3].

وإذا نظرنا إلى نسب الانتحار مقارنة مع معدلات الدخل المرتفعة في بعض الدول المتقدمة، فإن ليتوانيا تتصدر معدلات نسب الانتحار في العالم في التحديث الأخير لمنظمة الصحة العالمية لعام 2018 حيث بلغت نسبة الانتحار   31.9 لكل 100 ألف نسمة، في الوقت الذي بلغت فيها نسبة الدخل للفرد في عام 2014 إلى 15,430  دولار أمريكي!

واحتلت روسيا في المرتبة الثانية بنسبة 31% لكل 100 ألف نسمة وفي عام 2014 بلغت نسبة الدخل للفرد 13,220 دولار أمريكي.

وبلغت نسبة الانتحار في فرنسا 17.7% لكل 100 ألف نسمة والدخل للفرد بلغ 42,960 دولار!
وفي سويسرا بلغت 17.2% لنفس العدد من السكان[4] وفي المقابل كان دخل الفرد 88,120 دولار
لعام 2013 [5].

والسؤال المطروح في ظل هذه الأرقام المرعبة.. ما الذي يجعل الفرد الغربي يتجه نحو الانتحار في ظل التقدم الكبير الذي يعيشه؟!

الخلاصة التي أود الانتهاء إليها من هذا القسم أن الإنسان عندما حاول التخلص من الحكم المستبد الذي كان يسلبه إنسانيته وحقه في التفكير والتأمل والتعبير، لم يعد إلى الأساس الصحيح الذي يجب أن يعود إليه،
بل انتقل من شكل يسلبه إنسانيته إلى شكل يسلبه إنسانيته أيضًا لكن بشكل مختلف عن سابقه!

المنطلق التركيبي

ما هو الدين؟
ما يُميز الدين عن غيره من الأنظمة الوضعية أن مصدره متجاوز للعالم الطبيعي.
“اقترحت تعاريف كثيرة لبيان معنى الدين، يؤخذ في غالبها أنها متأثرة بموقفه االسابق أو تفسيرها للظاهرة الدينية ذاتها لكن الذي تتفق عليه هذه التعاريف غالبًاأنه لا بُد في الدين ليكون دينًا من وجود ذات مفارقة متعالية يتوجه إليها المتدين”أو أنه “إقرار الإنسان الواعي بأن حياته ومصيره متعلقان بكائن متعالٍ عنه وعن العالم والتعبير عن هذا الإقرار الواعي في نطاق حياة الفرد والمجتمع”[6].

ضرورة الدين الفطرية
إن الحاجة إلى الخضوع والتذلل لشيء متعالٍ أيًا كان هي حاجة فطرية تولد مع الإنسان من غير اختيار منه وبطبيعة الحال لن يستطيع الفكاك منها حتى لو ادعى ذلك.. وحتى لو حاول اختزال نفسه في فلسفات وضعية طبيعية مادية وحاول تفسير نفسه من خلالها.

“الفكرة الدينية تُعبر عن حاجات النفس الإنسانية في مختلف ملكاتها ومظاهرها حتى أنه كما صُح أن يعرف الإنسان بأنه حيوان مفكر أو أنه حيوان مدني بطبعه، يسوغ لنا كذلك أن نعرفه بأنه حيوان متدين بفطرته”[7].

ويقول عبد الله العجيري: “الواقع يشهد بأن نزعة الإيمان بالله تعالى ونزعة التدين مكون صميمي في الإنسان، ومن دلائل ذلك: ظهور مقتضى هذه الفطرة واستيقاظها عند الشدائد والكوارث، فما أن تقع بالإنسان بلية ومصيبة كبرى إلا واعتمل في نفسه معنى لا يستطيع دفعه بأن ثمة قوة عليا بمقدورها استنفاذه والدفع عنه، ووجد من حاله طلبًا وإلتجاءً لربه أن يخلصه من هذه البلية”[8].

إن نزعة التدين هذه موجودة في فطرة الإنسان، وأزعم أنه من أهم تجليات هذه النزعة تظهر في الملاحدة لأن الملحد لا يكتفي فقط بإنكار وجود الله وإنكار الأديان ويكمل حياته بعد ذلك! بل يصبح شغله الشاغل هو محاربة الدين، ولنا في ريتشارد دوكينز أكبر مثال.

وهذا تفسير عظيم لقوله تعالى: “وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ” فالإنسان لا يمكنه الفِكاك من هذه النزعة.. بل وفي محاولة لإشباع هذه النزعة ظهرت ما تسمى بكنائس الملحدين!

الدين مطلب لإنقاذ الإنسان
كما تبين في القسم الأول من هذا البحث أنه مهما تقدم الإنسان من الناحية المادية لن يستطيع تغيير هيكلية الإنسان المركبة (روح، مادة) وإن محاولة التغيير هذه تنتج عنها كوارث من الناحية الإنسانية.

تغذية وإثراء الجانب الروحي لا يتم عن طريق فلسفات وضعية إنما يحتاج إلى مصدرمفارق للطبيعة، ومن أعلم بشؤون الحاجة الروحية للإنسان سوى خالق هذا الإنسان؟!

“فالإنسانية دائمًا في حاجة إلى التدين وهي في كل أحوالها مفتقرة إليه؛ فالدين غذاء الروح وبلسم الحياة، ومسكن النفس ومصدر الطمأنينة ومنبع الراحة والسكينة، فحاجة الإنسانية إليه فوق كل حاجة، وفاقتها إليه تعلو كل فاقة”[9].

في الدين توجد علاقة واضحة مع الطبيعة فهي وجدت لنا لخدمتنا، سخرت لنا.. وإنه من مهام وجودنا هو الحفاظ عليها وتعميرها.. بنائها على الوجه الذي يريده خالقها لها أن تكون، “لأنه جعل هذا هو امتحاننا، جعل إصلاح العالم الاختبار الذي علينا أن نجتازه.. الله لا يزيف لنا الواقع كي يجعلنا نرضى به.. بل إنه يجعل من إعادة بنائه هي المهمة التي كلفنا بها”[10].

الحياة في ظل الدين تسود العلاقات فيها تحت مبدأ”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيهما يحب لنفسه” علاقات تراحمية أساسها الإنسانية المشتركة، على عكس الحياة المادية التعاقدية الخالية من أي جانب تراحمي حتى مع أقرب الناس إلينا!”وضرورة التدين ليست مقتصرة على الفرد الإنساني فقط وإنما شاملة للفرد والمجتمع معًا؛ فكما أن الفرد الإنساني يعد التدين مطلبًا جوهريًا لحياته؛ فكذلك المجتمعات الإنسانية لا يصلح حالها، ولا يستقر وضعها ولا تتعمق فيها معاني الإنسانية وتشبع في جنباتها المشاعر الروحية بين أفرادها إلا بالدين”[11].

“إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة لا تقف عند هذا الحد، فليست كل مهمتها أنها المبعث القوي لتهذيب السلوك وتصحيح المعاملة وتطبيق قواعد العدل، ومقاومة الفوضى والفساد, بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثرًا في كيان الجماعة. ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط منالمحبة والتراحم لا يعدله رباط آخر من الجنس أو اللغة أو الجوار أو المصالح المشتركة”[12].

وبهذا أرى أنه لن ينقذ العالم من هذا الكابوس الأليم للإنسانية إلا بالعودة إلى الاعتراف أن الإنسان كائن مركب لا يمكن اختزاله. وأنهلا يمكن أن توجد قوانين وضعية قادرة على تنظيم حياة الإنسان كما يفعل الدين، الدين الصادر عن خالق هذا الإنسان.

______________________________________________________________

الهوامش

[1]منهجية التعامل مع الفكر الغربي، عبد الوهاب المسيري- الجزء الثالث/ الدقيقة 20

[2] الإسلام بين الشرق و الغرب، علي عزت بيجوفيتش ص125

[3]نقله عزت علي بيجوفيتش في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب ص129

[4]https://bit.ly/2QCiJ3W

[5]https://bit.ly/2DkciP2

[6] موقع السبيل :https://bit.ly/2K2prOa

[7]الدين، محمد الدراز ص98

[8] المستوى الأول من صناعة المحاور ص87

[9]المستوى الأول من صناعة المحاور ص229

[10]ألواح و دسر، أحمد خيري العمري ص114

[11]المستوى الأول من صناعة المحاور ص229

[12]نفس المصدر ص101

كيف نواجه موجة الإلحاد الجديد؟

عرابي عبد الحي عرابي


قد يكون هذا العنوان أحد أقصر الأسئلة المتعلقة بقضية الإلحاد وأوسعها!

تدور حول قضية الإلحاد عشرات الحوارات والمناظرات والمؤتمرات، وتعلن كثير من الشخصيات العلمية الشهيرة السير في فلكها، مما يشير إلى محورية البحث في هذه القضية والحديث عنها، وبطبيعة الحال فإن النقاشات العلمية عن الإيمان والإلحاد لا تنبني على أساس الشبهات والردود، بل إن هذه القضايا في ذاتها معضلات عميقة ذات جذور ضاربة في تاريخ الإنسانية، وبالمقابل فثمة من يميل إلى عدِّها قضايا مجردة لا ترتبط بالبحث العلمي بل هي اختيارات إنسانية عميقة([1]).

وعلى الرغم من الإقرار بكونها قضايا وجودية تتعلق البشرية بها، إلا أن نفي الدليل العلمي على إثباتها ترحيل قسري نحو المجهول الفكري، فنفي دليل وجود الله مثل نفي أزلية المادة والتطور، فَلِمَ نُرجّح صحة اعتناق أحد الجانبين ونخطِّئ نقيضه!

أي إلحاد نقصد؟
ثمة أنواع عدَّة للإلحاد:

1- الإلحاد الوثوقي (القطعي): و هو الذي يعتقد صاحبه بعدم وجود الخالق، وبالتالي يتنكَّر لكل الأديان والنبوات.

2- الإلحاد المُتَرَدِّد، (الـلاأدري): ولا يعتقد صاحبه الإيمان بالخالق أو إنكاره، ويحتجُّ لذلك بعدم كفاية الأدلة في أيٍّ من الرأيين، فهو (متوقِّف) ههنا لا يميل.

3- الإلحاد المَرِن، (الربوبية): وهو الإيمان بوجود ربٍّ لا مُتصرّف، فلا ينكر صاحبه وجود خالق للكون إلا أنه ينكر صلته بهذا الكون، فالخالق بذلك “خلق العالم ثم تركه”، وبالتالي فهو منكر للدين الإلهي والنبوات.

يدور الجواب هنا عن مواجهة (الإلحاد الجديد) الذي يتزعمه تيَّار من العلماء الغربيين، كما هو الحال مع خطاب عدد من كبار الكُتَّاب المُلحدين.

حيث يمكن التأريخ لهذه الظاهرة مع بدايات القرن الجديد، إثر هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2002، والتي ابتدأت مع سلسلة من الكتب لعل من أهمها كتاب سام هاريس (نهاية الإيمان: الدين والإرهاب ومستقبل العقل) ويذكَر أنه حظي بمبيعات مليونية وظل في قائمة الكتب الأفضل مبيعًا مدة 9 أشهر تقريبًا -بحسب تصنيف النيويورك تايمز-، وقد أعقبه صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري (مانفستو الإلحاد)، ليظهر في عام 2006 أشهر كُتُبِ كَهَنَةِ الإلحاد الجديد، أي ما سمّاه ريتشارد داوكنز بـ (وهم الإله) الذي بيعت منه ملايين النسخ، ثم لحقه كتاب (الله، الفرضية الفاشلة) للفيزيائي فيكتور ستنجر،  إضافةً لكتاب الفيزيائِيَّيْن الشهيرين ستيفن هوكينج وليوناردو ملودينوو (التصميم العظيم، إجابات جديدة عن أسئلة الكون الكبرى) الصادر في عام 2010([2]).

أبرز مزايا “الإلحاد الجديد”
1- النزعة العدائية: وهي السمة الأبرز التي ينتهجها كهنة الإلحاد الجديد تجاه الدين، فلا يمكن القبول بوجوده، بل ثمة ضرورة ملحة لمواجهته ونقده وتفنيده أينما ظهر، “فقد ذهبت أيام الإلحاد المؤدب” ، ولذلك فقد غدت السخرية من الأديان ووصفها بكل مقيت أمرًا طبيعيًّا، بل إن الساحة العلمية باتت مسرحًا لمهاجمة العلماء الذين يقرون بوجود خالق للكون، فقد وصف الملحد (بي زي مايرز) العالمَ فرانسيس كولنز رئيس مشروع الكشف عن الجينوم البشري، بأنه: “مهرِّج، يؤمن بفكرة الخلق، وأنه ضد النظريات العلمية، وأن طريقة تفكيره في العلم كالقمامة”.

داوكنز
(David Shankbone)

2- الدعم المالي الواسع والانتشار الإعلامي: لم تعد دعاوى الإلحاد مقتصرة على خطاب القلم، فقد أضحى الانتشار الإعلامي أحد أهم سمات الإلحاد الجديد وذلك بانتقاله من ساحة الخطاب الفكري إلى النهج التبشيري أو الدعوي، ولا أدل على ذلك من إنشاء المؤسسات المؤثرة مثل مؤسسة ريتشارد داوكنز لدعم العقل والعلم والتي أسسها في عام 2006، ومشروع “عقل” الذي أسسه سام هاريس وزوجته في 2007، وذلك لتكون –بتعصب واضح- منبرًا داعيًا له، إضافة لطبع مئات الكتب -المنكرة للأديان والخالق- التي بيعت منها ملايين النسخ، إضافة لتخصيص كتب تبشيرية إلحادية موجَّهة للأطفال، والدعوات العامة للتطبيع مع الإلحاد وإنكار الأديان سواء بدعوة الملحدين إلى الاستعلان أو نشر الإعلانات الصريحة أو عبر تمرير الأفكار الإلحادية في أعمال فنية ذات شهرة واسعة([3]).

3- الاطمئنان للاختيار الإلحادي: “إن كان للإلحاد الجديد من ملمح معنوي يقيم صلب سائر الملامح الأخرى فهو ملمح الثقة، أو “الاطمئنان” حيث يبدي الملحد الجديد ثقة تامة بقراره في الإلحاد، وفي مسؤوليته تجاه الرسالة التي يحملها للعالم، فالإلحاد هو الخيار الذي لا يسع عاقلاً أن يتجاهله”([4]).

ما السبيل إذن لمواجهة الإلحاد الجديد؟
إن تسطيح القضية الإلحادية حجر عثرة في فهم الإلحاد ونقده، فاختزال أسباب الإلحاد وظهوره إلى جزئيات تفصيلية –مثل ردّه إلى كون الملحدين طلاب شهرة أو أنهم مرضى نفسيون- ليس سبيلاً قويمًا أو سلوكًا موضوعيًّا، وقد يرتد هذا على الإيمان المتردِّد بالسوء وزيادة الشك، فكم تجد من الشباب المتحمس أو الأئمة والخطباء أو غيرهم يتّكئ في نقد الإلحاد على كلمات عاطفية لا ترقى لدرجة النقد المتّزن ويعتمد على معلومات مغلوطة خالية عن التمحيص والتثبُّت، فحين يقال: إن الملحدين وحدهم من يتمسك بنظرية التطور وإن العلم نقض نظرية التطور ونفض يديه منها، فاعلم أن المتحدث إما مخادعٌ لمن يخاطبُ، أو أنه حاطب بليلٍ لا يميز بين صحة ما يسمع وما هو عليه الحال.

“والحق أن هذه النظرية شديدة الحضور والسطوة في المجتمعات الغربية –العلمية وغيرها- بل هي النظرية المقبولة في أغلب الدوائر الأكاديمية هناك، وقوائم المؤمنين بها من الأكاديميين طويلة جدًّا مقارنة بغيرها من النظريات”.

لقد سمَّى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري الحداثة الغربية بالحداثة الداروينية؛ نظرًا لتحكم القضية المادية والإيمان بتبعات هذا التطور على مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغربية([5]).

الإيمان أكثر عقلانية من الإلحاد
إن التركيز على كون الإيمان بالخالق ذا مصداقية منطقية وعقلية مقارنة مع الإلحاد، يعد بالنسبة لي فاتحة للتعامل معه؛ فيمكن البدء بهذه النقطة (ذاتيًّا وإعلاميًّا ودعويًّا ومجتمعيًّا… إلخ)، فالحجج الأبرز للإلحاد تدور حول (عدم عقلانية الدين) أو (عدم عقلانية الإيمان بالخالق)، فما البديل الذي يقدمه الإلحاد في الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل: (ما مصدر وجود العالم)، (ما مصدر وجود البشر)، (كيف ظهرت الحياة)، (ما هي القيم) (كيف ينبغي التعامل مع الآخر)؟

لقد فسّر الإلحاد (القديم) و(الجديد) هذه القضايا بناءً على (مادِّيَّة الكون) مع وصف هذه المادية بأنها ذاتية.

وبناءً على هذا، فقد ظهر الكون تلقائيًّا، بلا صنع صانع له، وكذلك ظهرت الحياة ذاتيًّا من المادة الطبيعية عبر تطورها المستمر، ولا حاجة لفهم شيء اسمه روح أو عالم آخر غير العالم المادي الذي نعيشه، وبالمختصر: لا إله ولا حاجة للإيمان بأي من مقولات الأديان([6]).

ستيفن هوكنغ

وبما أن المنطلق الأساس لمقولات الإلحاد قائم على أساس المادة الناشئة تلقائيًّا، أو (الخلق الذاتي) كما يقول ستيفن هوكنغ في كتابه: (التصميم العظيم)([7]) أو بمنطق الصدفة بناء على فرضية الأكوان المتعددة التي يميل إليها ريتشارد داوكنز([8])، ولا يخفى أن الإيمان بمنطق الصدفة في استحقاق وجود كوننا من بين مئات مليارات الأكوان، وتخصيص الأرض ليمكن استنبات الحياة فيها من بين مئات مليارات الكواكب والنجوم في هذا الكون، فرضية لا يمكن منحها أي نسبة يقين صادقة عقلًا، ويمكن الاستشهاد ببرهنة (القرد اللامتناهية) التي أجرتها جامعة بليموث البريطانية عام 2003 لحساب الاحتمالية الرياضية والتي تنصُّ على أننا لو تركنا قردًا لعدد لا متناهٍ من السنين  يضرب على آلات الطباعة فهل سيتمكن من إنتاج نص أدبي كقصيدة مثلاً، فكان الناتج أن ستة قرود اخُتبروا لمدة شهر فلم يكتبوا كلمةً واحدةً ذات معنى([9])، فَقِسْ على ذلك نسبة احتمال قُدرةِ الصدفة على خلق إنسان واحد، فما بالك بخلق حياة موّارة في الأرض بل خلق كون كامل، إن هذاسخفٌ لا يستحق التأثُّر به بعد التفَكُّر فيه.

الواجب الفردي
ليس من الممكن أن نلتمس من جميع الناس البحث في أدلة الاعتقاد التي ترد على الإلحاد، إلا أن الأقل المتاح الذي نستطيع طلبه من عموم الأفراد أن يفعل كل واحدٍ منهم ما بوسعِه، فلعلَّ موقفًا أو حجةً أو دليلاً يُذكرُ أمام إنسان واعٍ لها قد تُغيّرُ تفكيره تجاه الإلحاد ومفرزاته، ولعل هذا الواجب الفردي على المسلم يرتكز على نقاط كثيرة؛ منها:

1- تثقيف الفكر بقراءة الكتب العلمية التي تناقش الإلحاد ومستنداته، والاطلاع على المناقشات التي يقوم بها الدعاة الدينيون (مسلمون وغيرهم) والعلماء الغربيون الأكاديميون مع الملحدين، والاستفادة من الحجج التي يقدمونها في نقد أسس الإلحاد.

2- الحذر من (التفاعل المعرفي الخاوي) فأسس الإلحاد وظروف التحوُّل إليه تختلف بحسب الشبهات التي تثار والشكوك التي تبحَث، خاصة وأن الأسئلة التي يقدمها الملحدون تصدر عن مقولات علمية تجريبية في الظاهر، مما يدفعنا للتعمق في فلسفة إنتاج العملية المعرفية وسبل الاستدلال بها.

3- التحصين الأسري للأفراد بالعلم والأدلة المنطقية والمناقشات المناسبة لعقول الأطفال والكبار وتفهيمهم الأسباب التي تدفع الإعلام والأفراد لنشر الإلحاد.

4- التأسيس الصحيح لرؤى الأفراد عَقَدِيًّا مع الحث على البحث فيها، فإن الثقة العمياء بالمكتسبات التقليدية ستدفعهم يومًا إلى الانفتاح على أي فكرة مخالفة حال نقض الطرف الآخر لها، والمشكلة الحقيقية أن حالة الثقة هذه ليست ناشئة عن معطًى ح��يقي وإنما هي حالة تقليدٍ عاطفية قابلة للانهيار مع التماسِّ الأوَّل مع الإشكالات المقابلة.

الواجب المؤسساتي
إذا كان العمل الفردي كافيًا بنسبة ما للأفراد المتفرقين، فإن هذا يوجب وجود العمل المؤسساتي لـ (عموم الأمة) في إنتاج المعرفة (الإيمانية) اليقينية والدفع عنها الشبهات التي تعترضها من قبل (الآخر) أيًّا كان منهجه، فما الذي يجب أن تقوم به هذه المؤسسات في حال وجودها؟ سنوجز الإجابة بما يلي:

1- تجديد لغة الاستدلال الديني وأسلوبه ومرتكزاته: فإن كان التفكر المحض في الماضي دافعًا للإيمان في حق كثيرين، إلا أنه الآن قد لا يفي، فلا بد من التحول من الاتكاء على مقولات (علم الكلام) الجوهرية، إلى إنتاج خطاب (برهاني) يعتمد على منتجاتنا العلمية ومنتجات مؤسسات العلم الأكاديمية أيًّا كانت توجهاتها الإيديولوجية؛ بل لا بد –في حال شُكِّلت مثل هذه المؤسسات- من الانتقال من التلقِّي المعرفي إلى الإنتاج، لئلا نكتفي بكوننا مستَقَرًّا للمنتَج أو مستخدمين له لا غير لدعم رؤيتنا في نقد ما نراه داعيًا للإلحاد([10]). ولا نغفل في هذا السياق عن التذكير بضرورة القراءة الفلسفية المعاصرة وفهم سياقات الاستدلال الإلحادي والإيماني، للخلوص إلى أسلوب الفريقين وإمكان التعامل معهما بكفاءة، فمن أبرز الوجوه الغربية التي تواجه الموجة الإلحادية الجديدة (بناء على التعاطي الفلسفي) الفيلسوف وليام لان كريغ -أستاذ الفلسفة في كلية تالبوت اللاهوتية وجامعة هيوستن-  والحائز على الدكتوراة في فلسفة الدين من جامعة برمنغهام عن دراسته للبرهان الكوني (الكوزمولوجي) على وجود الله عند المتكلمين المسلمين الكندي والغزالي والمتكلم اليهودي العربي الفيومي- عبر “البرهان الكوزمولوجي الكلامي” حيث طوّر البرهان الوجودي (الكوني، أو الكوزمولوجي) على وجود الله بدعم المنطق الحديث؛ بناء على دراساته الموسَّعة لعلم الكلام الإسلامي([11]).

2- الانتقال من حال الرد إلى النقد: فليست قضية الإيمان بالخالق أمراً هامشيًّا وإنما هي أساس التعاطي مع الوجود كله، والتوقف عند الرد معضلة توحي بالانهزام والفراغ العلمي؛ إذ إن “التيار الإلحادي تيار هدمي؛ يسعى أفراده إلى هدم التصورات الدينية دون أن يقدموا فلسفتهم الخاصة للوجود، ومتى ما سعوا في ذلك فمن السهل ملاحظة حالة التعجل والسطحية والحيدة عن مواضع الإشكال، وهو ما يكشف عن مشكلات كثيرة تعصف بهذا الخطاب”([12]).

إن النسق الإلحادي عمومًا يوقع نفسه في العديد من المآزق العقلية التي لا ينبغي المرور عليها دون التوقف عندها وتناولها تشريحيًّا والتشهير بها، كمسألة القيمة الأخلاقية، والإرادة الإنسانية الحرة، والموقف من أساس وجود الكون ذاتيًّا بالصدفة، وقضية الوعي والإدراك، ومعضلات تناقضات نظرية التطور([13]).

في الختام لا بد من الإشارة إلى بعض الحالات الفردية والمؤسسات ذاتية التمويل (غير الربحية) التي أسهمت في الرد على الإلحاد الجديد بالمنطوق العربي أو بالترجمة إليه، ولعل أشهرها محاضرات د. عدنان إبراهيم، ومن أشهرها سلسلة “مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد”. فعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى عدنان إبراهيم إلا أنه من المتابعين الجيدين لتطور الإلحاد في الساحة الغربية،إضافة لمحاولات طبيب الجراحة المصري د. عمرو شريف، في كتبه، مثل: خرافة الإلحاد، الإلحاد مشكلة نفسية، رحلة عقل، كيف بدأ الخلق.

أما في جهة المؤسسات فقد ظهرت بعضها –قريبًا- على نطاق ضيق، ومنها تجربة مركز (براهين)، ومركز (دلائل)، ومركز (تكوين)، ومركز (الفتح) للبحوث والدراسات، حيث اعتمدت ترجمة الكتب العلمية الغربية التي تنقد الإلحاد إلى اللغة العربية مع نشر الكتب العربية ذات المحتوى الرصين في الحقل ذاته، مع العمل على نشر دوريات إلكترونية في كل ما يرتبط بموضوعات الإلحاد، إضافة لقنوات فعّالة على يوتيوب تتوزع أعمالها بين الترجمة والإنتاج.


الهوامش

([1] )  ينظر مقال همام يحيى على مدونات الجزيرة: محاربة الإلحاد، المشروع الفاشل، http://blogs.aljazeera.net/blogs/2016/10/31/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%84 ، وينظر أيضًا سلسلة أحمد خيري العمري حيث يرى أن لا دليل علمي على وجود الله في سلسلته (أنتي إلحاد) الحلقة الثانية youtube.com/watch?v=7X7yvc0gBdk.

([2] )  عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الإلحاد، مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين، السعودية، ط2، 2014. ص 19- 28. وللتوسع في التعرف على متزعمي حركة الإلحاد الجديد ينظر هذا التقرير المترجم (3 أجزاء): https://www.sasapost.com/atheism6/ https://www.sasapost.com/atheism7/ https://www.sasapost.com/atheism8/

([3] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 29- 42.

([4] ) عبد الله بن سعيد الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء، بيروت، ط1، 2014، ص 16- 17.

([5] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 120- 121. وينظر مقال المفكر عبد الوهاب المسيري: حداثة داروينية أم حداثة إنسانية، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2009/10/10/%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

([6] ) عمرو شريف، رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط4، 2011، ص 21.

([7] ) ينظر ستيفن هوكنغ، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عيّاد، دار التنوير، بيروت، ط1، 2013. ص 215- 217، وينظر رد البروفيسور جون لينكس على ستيفن هوكينج: https://www.youtube.com/watch?v=LALhUZiZg5s

([8] ) ينظر مقال الغارديان الذي يذكر هذه المقولة التي ذكرها ريتشارد في حوار له مع ستيفن واينبرج: Richard Dawkins, told the eminent biologist: “If you discovered a really impressive fine-tuning … I think you’d really be left with only two explanations: a benevolent designer or a multiverse.”، https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2008/dec/08/religion-philosophy-cosmology-multiverse وينظر  بعض مقاطع يوتيوب ومحاضراته مترجمة عن الإنكليزية إلى العربية: https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI ، https://www.youtube.com/watch?v=H0A320svRB4

https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI]

([9] ) ينظر [ميليشيا الإلحاد: 134، 135] ومقالة أفردته قناة (بي بي سي) عن تجربة جامعة بليموث البريطانية: http://news.bbc.co.uk/2/hi/3013959.stm ، ومقالة على موقع “الباحثون السوريون” عن مبرهنة القرد اللامتناهية: http://www.syr-res.com/article/1605.html

([10] ) ينظر: مقال همّام يحيى محاربة الإلحاد.. وتنويهه على وجوب تمتع هذه المؤسسات برأس مال حر ورسالة أكاديمية تسمح بتعدد الآراء.

([11] ) ينظر محاضراته المترجمة في يوتيوب عن تطويره لهذا الدليل وكيفية استخدامه في الرد على الإلحاد: https://www.youtube.com/watch?v=bMxhl5F7QII، وهنا حوار عن هذا الدليل: https://www.youtube.com/watch?v=ZN3cBItb2S0.

([12] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد:148.

([13] ) للتوسع في هذه القضايا ينظر ميليشيا الإلحاد: 148- 175، وخرافة الإلحاد: 278- 314.