image_print

لماذا نعود إلى الله في لحظاتنا الحرجة؟

إيمان محمد

 

في أحلك اللحظات التي مررت بها خلال سنوات الثورة السورية التي مضت، وفي التجارب القاسية التي عايشتها أو شهدتها ومازلت، كانت تلفتني مسألة كبيرة، تدفعني للتساؤل والتأمل والتفكير، ما الذي يدفع الإنسان لذلك الاتصال العميق بالله؟ ولماذا في أشد اللحظات الحرجة يسأله، مهما كان بعيداً عنه في حياته العادية؟ ولماذا يعود إليه عندما يصبح وحيداً في زنزانة منفردة، أو جريحاً في مشفى ميداني، أو منزوياً على سريره ينتحب بعد أن فقد عزيزاً؟ ما ماهية الاتصال بالله؟ ولماذا يُعبد؟ هل الأمر تابع لملء فراغ نفسي؟ أو طمأنة عقل عجز عن إجابات لتساؤلاته فقبل بالتسليم بفكرة وجود إله؟

والحقيقة الأولى في هذا الأمر أن الله تعالى جل جلاله غني عن العالمين، لا تنفعه عبادة خلقه له، كما أنه لا يضره تركهم عبادته. قال تعالى: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” [فاطر: 15].

فهو الغني عن سائر الخلائق، وهو العظيم الرحيم، حين يأمرهم بعبادته فلأنه يريد لهم الخير والصلاح، فالعباد في حاجة دائمة لله لا تنقطع، فكل عبادة يقدمها الإنسان فثمرتها عائدة إليه، وتصبّ في صالح دنياه وآخرته، وترفعه عند الله، وتثقل ميزانه. قال تعالى في كتابه الكريم: “ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم” [النمل: 20].

والعبادة لله تابعة لطبيعة مهمة الإنسان على الأرض، والغاية من خلق الإنسان، وعاقبة ذلك كله في الدنيا والآخرة.

ليست العبادة فقط لجلب طمأنينة النفس وسكينة الروح، فالإنسان بفطرته دائماً ما يشعر بالحاجة لله، كما أن شعوراً بالخواء والضياع ينتابه في حال فكر أن الكون يمكن أن ينشأ من دونه. قال تعالى: “حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين”. [يونس: 22].

وفي هذا نماذج نلمسها في واقعنا لكثير ممن قضوا حياتهم في معاص ولهو وغياب شبه كامل عن حقيقة عبوديتهم، نجدهم في لحظات الشدة والكرب يعودون فطرياً لله ويلتجئون إليه بالدعاء والرجاء ليخلصهم مما ابتلوا به، وحتى إن كانت تلك ردود فعل وقتية تزول بزوال الأسباب، إلا أنها دلالات واضحة عن حقيقة النفس البشرية ونزوعها للفطرة السليمة في اللحظات العصيبة، فتسلم نفسها لله، وتعود إليه وكأنما تعترف أن لا مخلص لها إلا هو.

أما المؤمن ففي لحظات الشدة يتذوق حلاوة لم يذقها سواه، وقد حدثني أحد الإخوة الذين ذاقوا تجربة الاعتقال عن سعادة وجدها في منفردته، فقال:

“قد تعجبين من كلامي لكنني أصدقكِ القول، لقد كانت السويعات التي قضيتها في تلك المنفردة، وقد انقطعت أسباب الرجاء إلا بالله، وأظلمت الدنيا حولي، وضاقت، كانت أسعد لحظات قضيتها في حياتي، فقد فُتح لي باب الدعاء، وبدأت ألهج لله تقرباً وحباً ورجاء، وشعرت بقرب لم أشعر به طوال حياتي، وبسكينة عجيبة وأنس بالله كبير، لقد خرجت حينما فرّج الله عني وكأنما ولدت من جديد”.

عبادة الله كرامة وتكريم
أما وقد شهدنا في عصرنا هذا كل أنواع الظلم، ورأينا بأعيننا كيف يذل العبد للعبد، وكيف تُمتهن كرامته، وكيف تغيب إنسانيته، ليكون سلعة بلا أدنى قيمة، بل كيف تذل الشعوب تحت سوط الاستعباد، وكيف تتلاشى الإنسانية تحت جور القهر والظلم، لابد أن نفكر في الأسباب التي تدفع الإنسان لاستعباد أخيه الإنسان، والأسباب التي تدفع المستعبد لقبول الاستعباد، سنجد الإجابة واضحة، فكلما تعمق معنى الحرية والكرامة في نفس الإنسان ازدادت مقاومته للذل والقهر، ولنا أن نتذكر قول الصحابي ربعي بن عامر لرستم قائد جيش الفرس معبراً عن الإسلام في كلمات موجزة: “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

فتلك هي رسالة الإسلام الحقيقية وجوهر دعوته، تخليص الناس من العبودية للبشر، ودعوتهم لعبادة رب البشر وخالقهم جل جلاله، وفي هذا قمة السمو والرفعة والكرامة، فعباد العباد أذلاء إلى يوم الدين، لأنهم محكومون بالأهواء البشرية، أما عباد الله فهم محكومون بعدالته وعظمته ورحمته.

هل فسر القدماء “الحجارة من سجيل” بأنها ميكروبات الجدري؟

أحمد دعدوش

 

انتصر أحد الدعاة الجدد مؤخرا للرأي القائل بأن الطير الأبابيل التي أرسلها الله إلى جيش أبرهة هي البعوض أو الذباب، وأن الحجارة التي أبادتهم لم تكن سوى ميكروبات الجدري، وعندما حاججه أحدهم بأن هذا التأويل الحداثي لا ضرورة له، رد الداعية بالقول إن هذا التأويل قد سبق إليه القرطبي والفخر الرازي وغيرهما من القدماء وليس من بدع المعاصرين، وظن أنه ألقمه بذلك حجرا.

والعجيب أن أولئك المفسرين القدماء لم يقولوا بما زعمه الداعية، فالقرطبي رحمه الله نقل على عادته ما اجتمع تحت يديه من روايات، وسرد منها عشرات الأقوال المنقولة -كما يُفترض- عن قريش التي شهدت الواقعة والتي تنص على أن الطير كانت ضخمة، حتى قال البعض إن لها رؤوسا كرؤوس السباع، مع إجماعهم على أن الحجارة كانت حقيقية.

ومن بين تلك الأقوال الكثيرة، ذكر القرطبي روايتين عن الجدري، وقد ذكرهما معظم المفسرين أصلا، غير أن كلتيهما لم تخرجا إلى القول بأن الحجارة هي الميكروبات وأن الطير هي الحشرات.

ففي الأولى يقول عكرمة: “كانت ترميهم بحجارة معها فإذا أصاب أحدهم خرج به الجدري. وكان أول يوم رُؤي فيه الجدري. ولم ير قبل ذلك اليوم، ولا بعده.”

وفي الثانية يروى عن ابن عباس قوله “كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، فكان ذلك أول الجدري”.

فعكرمة وابن عباس لم يأتيا برواية تخالف ظاهر النص، فالطير هي الطير، والحجارة هي الحجارة، غير أنها تصيب من يُقذف بها بالجدري فيموت.

أما الفخر الرازي فنقل في كتابه “التفسير الكبير” رواية عكرمة نفسها عن ابن عباس، وقال “وهو قول سعيد بن جبير”، ثم قال “وكانت تلك الأحجار أصغرها مثل العدسة وأكبرها مثل الحمّصة. واعلم أن من الناس من أنكر ذلك”.

ثم ناقش الرازي رحمه الله مذهب إنكار صغر حجم الحجارة على طريقة أهل الكلام، وهو من أئمتهم، غير أنه اختتم بالقول “واعلم أن ذلك جائز على مذهبنا إلا أن العادة جارية بأنها لا تقع”، أي أنه أجاز عقلا أن يكون حجم الحجر صغيرا وأن يكون قاتلا ولو أنه كان بذلك مخالفا للعادة.

ولعل الرازي كان يقصد بعضا من المعتزلة أو الفلاسفة، وهؤلاء مذهبهم معروف في تقديم العقل، غير أني لم أجد من يقول منهم إن الحجارة هي الجدري وإن الطير هي البعوض ليخرج بذلك عن الخوارق، وإن قالوا هذا فلا يغير ذلك شيئا في مذهب الجمهور، فالجنوح نحو تقديم العقل كان موجودا منذ عصر السلف، إلا أنه لم يكن سوى بدعة من بدع الفرق وليس رأيا معتمدا لدى علماء السنة.

ونضيف إلى ما سبق رواية نقلها الطبري في تفسيره عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث أن أول ما رُؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي بها مُرار الشجر: الحرمل والحنظل والعُشر ذلك العام.

أي أن الراوي هنا لم يجنح إلى إنكار الحادثة الخارقة للعادة، واكتفى بذكر ما استجد في جزيرة العرب من أمراض ونبات، ولعله لم يربط أصلا بين المرض وحادثة الطير، ولو كان كذلك فما علاقة هذه الحادثة بظهور الشجر المرّ أيضا؟

محمد عبده

التأويل المعاصر
الظاهر إذن أن تأويل الحجارة بالجدري نفسه لم يأت به أحد قبل الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية المتوفى مطلع القرن العشرين، والذي كان أقرب إلى المعتزلة من غيرهم، فاكتشاف الميكروبات أصلا ظهر في عصره، ولعله وجد في ظهور الجدري في عام الفيل -كما مر بنا في الروايات السابقة- مبررا للأخذ بقول المنكرين للخارقة، فقال في تفسيره “فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات. فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه. وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالمكروب- لا يخرج عنها”.

واللافت أنه اعتذر بعد ذلك بالقول “ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها.. فلله جند من كل شيء”. فالشيخ محمد عبده رحمه الله لا ينفي عن قدرة الله ظهور تلك الخارقة، غير أنه يميل -كالمعتزلة قديما والحداثيين حديثا- إلى الأخذ بما جرت عليه العادة من الظواهر والسنن.

سيد قطب

وقد أبدع سيد قطب رحمه الله في الرد على الشيخ محمد عبده، فرجّح أن يكون دافع الشيخ لاقتراح هذا التأويل هو ما كان شائعا في عصره من “الطوفان العلمي الحديث”، حتى اعتاد صرف ما نص عليه القرآن إلى واقع العقلية العلمانية الحديثة.

ونظرا لطول النص الذي سنقتبسه من كتابه “ظلال القرآن”، فسنجتزئ منه أهم السطور، حيث قال قطب “ونحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الأستاذ الإمام -صورة الجدري أو حصبة من طين ملوث بالجراثيم- أو تلك التي جاءت بها بعض الروايات من أن الحجارة ذاتها كانت تخرق الرؤوس والأجسام وتنفذ منها وتمزق الأجساد فتدعها كفتات ورق الشجر الجاف وهو “العصف”، لا نرى أن هذه الصورة أو تلك أدل على قدرة الله، ولا أولى بتفسير الحادث. فهذه كتلك في نظرنا من حيث إمكان الوقوع، ومن حيث الدلالة على قدرة الله وتدبيره، ويستوي عندنا أن تكون السنة المألوفة للناس، المعهودة المكشوفة لعلمهم، هي التي جرت فأهلكت قوما أراد الله إهلاكهم، أو أن تكون سنة الله قد جرت بغير المألوف للبشر، وغير المعهود المكشوف لعلمهم”.

وقال أيضا “ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين لها -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقة… وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر”.

ثم اعتبر قطب رحمه الله أنه لا حاجة إلى قبول الروايات التي تصف أحجام الطير وأشكالها وصفا مثيرا، والتي تشي بأن عنصر المبالغة مضاف إليها، لكن وقوع الحادثة الخارقة هو الأصح لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب، فقد كان الله سبحانه يريد أن يحفظ البيت الحرام ليكون مثابة للناس وأمنا، وأن يجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال، حتى يمتن بها على قريش بعد بعثة النبي الذي ولد في نفس العام بإنزال سورة الفيل.

ثم يقول بحجة واضحة إن المألوف في الجدري أو الحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده، فهذه الأمراض لا تسقط الجسم عضوا عضوا، ولا تشق الصدر عن القلب.

بعد كل هذا، يؤسفني أن يدلس الداعية الجديد على قرائه غير المختصين ليلصق بالمفسرين القدماء ميوله “الاعتزالية” في التأويل بعيدا عن الخوارق، وليس ذلك لتبرير منهجه الذي لا يرى حاجة للالتزام بالقدماء أصلا، بل لتقريع من يقبل بالتراث ويرفض تأويل الشيخ محمد عبده، إذ تبين لنا أن ما فعله الداعية لا يعدو كونه نقلا متسرعا عن تراث المفسرين، وأن الميل إلى رفض الخوارق كان موجودا لدى المعتزلة والفلاسفة قديما ولا حاجة لنا إلى إنكار أقدميته لإثبات تهافته.

البروفيسور جيفري لانغ.. من الإلحاد إلى الإسلام

لانا خياطة قطان 

ولد جيفري لانغ عام 1954 لأسرة مسيحية كاثوليكية، وقد عُمِّد وتلقى تعليمه في مدرسة كاثوليكية، ومُنح تثبيتًا دينيًّا على أنه كاثوليكي[1]، ترعرع مع أخوته الأربعة، بين يدي أم رؤوم، ممرِّضة كاثوليكيَّة ملتزمة، عرفها أبناؤها بالقوَّة والصَّبر والإرادة، ووُصفت بأنها قدِّيسة حقًا، وأبّ مدمن خمر عصبيّ فظّ، أشبع الجو العائلي بالعنف والضياع النفسي، وزرع الأسى في قلب طفل عاش طفولته رعبًا من أنَّ أباه سيقتل أمَّه ضربًا يومًا ما.

كان جيفري يعيش في شَرَك عقدٍ من الذنوب من جهات مختلفة، ذنب كراهيَّته لأبيه بسبب عنفه مع أمه، وذنب أنه ربما هو سبب هذا الغضب الموجَّه ضد أمه، وأقسى ذنب على الإطلاق هو ضعفه أمام أبيه حيال إيذائه لأمه.

وفي السنوات الست الأخيرة من عمرها، أصيبت أمه بانهيارٍ عصبي، وماتت في المستشفى، ثم توفي والده بعدها بعام.. وهنا لا بدَّ أن نذكر أنَّ شكَّه بوجود الله بدأ منذ حداثة سنِّه، عندما كان يصلِّي لكي يزيح الله والده من حياتهم، إلَّا أنَّ والده ظلَّ موجودًا.[2]

كان جيفري متوقد الذكاء، كثير الشك والجدل، فالشَّك من روح العصر الذي يعيش فيه، حتى طال المؤسّسات الدِّينيَّة، فلم يستطع مدرس التَّربية الدِّينيَّة، رغم أنَّه كان كاهنًا متمرِّسًا حقًّا أن يقنع طلابه بأنَّ الله موجود حقًّا، وبما أنَّ جيفري كان مولعًا بالرياضيَّات والمنطق، كان جدله في  فكرة بسيطة تتمثَّل في أنَّ مناقشة علم الوجود ليست برهانًا كافيًا على الوجود، فكان جزاؤه الطَّرد من الفصل ورسوبه في المادَّة، وأصبح ملحدًا في نظر جميع المحيطين به. ومع سيادة روح الشَّكِّ والفوضى والحرب والموت والدَّمار؛ فاغتيال كينيدي ومارتن لوثر كنغ ومخزى الرئيس نيكسون والشَّغب العرقي، ومذبحة فيتنام الغريبَّة، وكل الشغب والفوضى آنذاك، كان يعزِّز الشَّكَّ والتَّساؤل لديه.

وكان يتساءل: لماذا خلق الله هذا العالم العنيف النَّاقص؟ لماذا جعلنا نزَّاعين للإجرام قابلين للفساد؟ لماذا لم يضعنا في السماء منذ البداية بطبيعة غير قابلة للغواية؟ لماذا يعذِّب الأقوياء الضُّعفاء؟[3]

كان الإلحاد أقل رعبًا من كل تلك الأفكار التي تلاحقه حول عقوبة الله للجميع إلا فئة قليلة، وفكرة الخطيئة الموروثة، وإحساسه بغياب العدل الإلهي، وهكذا أصبح جيفري ملحدًا بشكل صريح في عمر الثَّامنة عشرة[4]، ولم يستطع أحد إقناعه بوجود إله، واستمر على ذلك فترة اثنتي عشرة سنة تقريبًا، مع حفاظه على معتقدات الآخرين، لم يكن يعتبر نفسه باحثًا في تلك الفترة من حياته، بالرَّغم من أنَّه كان يبحث دون أن يعي ذلك.[5]

أمَّا عن حياته الاجتماعيَّة، فقد انساق في بداية دراسته الجامعيَّة وراء أصدقاء من اتِّجاهات مختلفة، “ملحدين، يهود، بروتستانت”، ثمَّ بدأ يتجه في السَّنوات الأخيرة إلى “الهندوس والبوذيين”، وبدا له فيما بعد أنَّ تلك الصداقات كانت نموذجًا محددًا في صداقاته، يتطلَّع إلى أفكارهم بشأن الدِّين، وكان إصغاؤه أكثر من كلامه، فلم يضع معتقداته عقبة في طريق صداقاته.

وأمَّا عن حياته العلميَّة والمهنيَّة والعائليَّة؛ فقد أكمل دراسته الجامعيَّة في قسم الرياضيَّات في جامعة كونيتيكت، ثمَّ تزوج بعدها زواجًا نفعيًّا، حيث اتَّفقا على أنَّه يمكن إنهاؤه في أيّ فترة، ورحل مع زوجه إلى لافاييت الغربيَّة (إنديانا) لكي يتابعا دراستهما في جامعة بردوPurdue University [6]، وتمَّ طلاقهما بعد ثلاث سنوات بناءً على طلبها. ثمَّ تابع دراسته إلى أن تخرَّج سنة 1981م، وبقي في نفس الكليَّة محاضرًا حيث درَّس فيها فصلًا واحدًا.[7]

انتقل عام 1982م إلى مدينة سان فرانسيسكو الكبيرة، للتَّدريس في جامعتها، وهي أقدم جامعة يسوعيَّة في أمريكا[8]. وفي أولى محاضراته في هذه الجامعة تعرَّف على شاب وسيم أنيق وثري اسمه محمود قنديل، من أصل سعودي، وتوطَّدت علاقته به بأن عرَّفه على عائلته؛ أخوته (عمر وراجية قنديل)، واتَّخذوه صديقًا مقرَّبًا لها، عاش معهم أوقاتًا سعيدة جدًا، وكان جيفري يناقشهم في بعض الأحيان في الدِّين فيجيبون عن تساؤلاته، فوجد أنَّ أفكارهم الدِّينية تتبع ميثولوجيا محدَّدة وأساساً منطقيًّا معينًّا، وفي يوم أهدوه نسخة من القرآن الكريم مع بعض الكتب عن الإسلام، وبعد أن وجد في القرآن ما وجد، شعر بالانقياد إلى طريق واحد لا ثاني له، فاتَّجه إلى مسجد الكلية ليسأل بعض الأسئلة[9]، وإذ به يسلم وينطق بالشَّهادتين.[10]

تزوَّج من راجية قنديل أخت صديقه محمود، وعاش مع عائلته وبناته الثَّلاث (جميلة وسارة وفاتن) في كنساس، حيث عمل أستاذًا في قسم الرِّياضيَّات في جامعتها، إلى أن استقال مؤخرًا من عمله[11]، ومازال يرفل في سلام وسكينة الإسلام.

عانى في الفترة الأخيرة من أزمات قلبيَّة جعلته ينقطع عن العمل وعن التَّواصل مع النَّاس[12]، وقدَّم الكثير من المحاضرات واللقاءات عن الإسلام، وكانت له عدَّة مؤلفات، ساهمت في تكوين حصيلة من الأدبيَّات الإسلاميَّة المهمَّة في المجتمع الغربيّ.


الهوامش

الكاتبة مساعد العميد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

[1] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 22.

[2] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 31-33.

[3] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[4] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 24. ورد في كتاب ضياع ديني أنه أصبح ملحدًا في سن السادسة عشرة من عمره. انظر: كتاب ضياع ديني، ص: 34.

[5] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 34.

[6] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 26.

[7] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 28.

[8] المرجع السابق، ص: 30.

[9] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[10] المرجع نفسه، ص: 43.

[11] زغلول النجار. قصة إسلام العالم الأمريكي جيفري لانغ، برنامج أفلا يعقلون، سلسلة الإعجاز العلمي، 22 سبتمبر 2012، رابط المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=2LU0x9qG-CE

[12] في رسالة الكترونية أرسلها جيفري لانغ إلي بتاريخ 23 مارس 2017، أخبرني فيها أنه تعرض في ديسمبر 2016، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب خلال أربع وعشرين ساعة، اثنتان منها كانتا حالات حرجة.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

 

إبراهيم إسماعيل

 

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

 

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الكندي وابن مسرة

إبراهيم إسماعيل

 

يرى بعض الباحثين أن الحركة الفكرية لمدارس علم الكلام الأولى هي الأب الشرعي للفلسفة الإسلامية، التي استقت فيما بعد من ينابيع أخرى على رأسها فلسفة اليونان، بينما يرفض آخرون هذا الرأي لأن علم الكلام –بحسب رأيهم- قد يشحذ الذهن، ويطور مهارة الجدل، غير أنه لا يقود للتفكير العقلي المنظم، ويستشهد هذا الفريق بالصراع بين الفلسفة وعلم الكلام، بالرغم من تبني علم الكلام للكثير من المصطلحات والمفاهيم الفلسفية، حيث كان ذلك كنوع من تبادل الأسلحة بين المتعارضين.

وثمة رأي آخر يرى أن الفلسفة الإسلامية ماهي إلا فلسفة يونانية بلسان عربي، زينت بأفكار أخلاقية أملاها الإسلام، لكن هذه الإضافات لا تبدل جوهرها، ولعل هذا أقرب الآراء للاعتدال، فالفلسفة اليونانية استمرت في المحيط العربي، مع ملامح جديدة للفكر الإسلامي، بيد أن هذه الملامح غارقة وسط الاقتباسات الكثير لأفكار اليونانيين، على أنه لا بد من القول إن الفكر لا يمكن أن يحتفظ بطابعه الأصلي عند انتقاله إلى بيئة أخرى.

موقف المسلمين من الفلسفة اليونانية
لم يكن الفكر اليوناني الذي بدأ بالدخول في المجال الإسلامي في بدايته صريح التعارض مع الإسلام، فقد ترجمت في البداية العلوم الفلسفية الطبيعية، والمنطقية، والأخلاق، واستقبلت البيئة الإسلامية ذلك بالترحاب، ولم يشتد الصراع بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية إلا عند ترجمة الكتب التي تتعرض للمشاكل الميتافيزيقية كالألوهية، ولم يتقبل علماء الكلام أن يكون النبي في كفة، مقارنة مع الفيلسوف في الكفة الأخرى، وأكثر ما أثار ثائرة علماء الدين المحافظين، ما فهموه من إمكان الاستغناء عن الوحي للحصول على معرفة مؤسسة من العقل وحده، والحقيقة أن التدليل على أحقية ما جاء به الرسول، بالقول إنه يمكن الوصول إلى مثله من طريق العقل، يعد في ذاته عملاً محموداً في نظر عالم الدين المتفتح الذي يسره أن يجد مبادئ دينه لا تعارض العقل، ولا تقف في سبيل الفكر، لكن هذا العالم المتفتح يؤكد على خصوصية النبوة فهي منحة إلهية لمصطفًى مختار، أطلعه مباشرة على الحقيقية، بصورة لا تحتمل شكاً ولا ارتياباً، والرسول ناقل أمين للحقائق الإلهية، ولو أمكن الفيلسوف فعل ذلك، فما من حاجة لمبلغ عن الله، وهنا جوهر المشكلة، حيث تبرز الحاجة لمعرفة مصدر أساس المعرفة أهو الدين أم العقل، وهذا الإشكال يوهم أن الدين لا يساير العقل، بل يخالفه، وهذا قول باطل بشهادة الدين نفسه، إن المشكلة تكمن في:

1- مدى وثاقة ما يوحى إلى النبي.

2- مدى أحقية العقل في مناقشة التعاليم والأفكار الدينية، بعد فرض صحتها.

3- أيهما أولى بأن يكون له اليد الطولى؟ الدين؟ أم الفلسفة والفكر الحر؟

للبحث في النقطة الأولى يتطلب التعرض لحقيقة النبوة ووظيفتها وضرورتها، وطبيعة الوحي، وأدلة إمكانياته، وبراهين صدقه…

والبحث في النقطة الثانية يستوجب عرض الأفكار والمبادئ والتعاليم ومدى قدرة العقل على تعليلها أو نقدها أو شرحها شرحاً يرضي الفكر، ويريح النظر، وينتج عن ذلك مشكلة التأويل التي قد تنتج فرقاً كثيرة، ومشكلة التأويل هي التي مكنت الفلاسفة المسلمين من التفكير في التوفيق بين الدين والفلسفة.

وقد يبدو غريباً أن يعمل الفكر ضمن تعاليم أصبحت عقيدة، ويوصف مع ذلك فكرها بالحر، وهنا نقول إن الحرية الفكرية المطلقة وهم وخيال، فالفكر لا يأتي من لا شيء، وثورة الفكر على مذهب معين تنتهي بالوقوع ضحية لمذهب آخر، وأشد الملاحدة ثورة على مبدأ الألوهية يقع فريسة لإلهه هو الذي اتخذه من الطبيعة أو الإنسان أو الحيوان ويشمل ذلك ذاته نفسها، ولنا أن نتأمل أن شك ديكارت بكل ما سبقه من أفكار وعقائد جعلته حبيساً لفكر مذهبه، الذي هو خليط من مذاهب أخرى، وليس مبتكراً سبقه العدم.

حتى الموقف اللاأدري بالرغم من عدم تحيزه لفكرة معينة، لا يمكن وصفه بأنه ينم عن حركة فكرية طليقة، لأنه أحجم عن ممارسة إيجابية فعالة، وبالتالي فحرية الفكر نسبية، تكثر أو تقل، تبعاً لاستعداد الفكر لرؤية الحلول الممكنة لمشكلة ما، ووجود الحلول لا يمنع الفكر من مناقشتها وقبولها.

لوحة تخيلية لمعبد أكروبوليس في أثينا من القرن التاسع عشر

استيعاب ومقاومة الفكر اليوناني
وجدت الفلسفة اليونانية مقاومة في المحيط الإسلامي، لا باعتبارها تمثل فكراً حراً منزها، بل لأنها تباين الروح الإسلامية، ونجد هناك من تابعها وجعل لها اليد الطولى، ومن أعجب بها وسعى إلى التنسيق بينها وبين الدين، ولقد كتب أحدهم كتاباً جمع فيه أحاديث في مكانة العقل، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن الأحاديث التي تتحدث عن العقل ليست دعوة للفلسفة اليونانية، فهذا من الخلط.

وفي القرآن آيات تدعو إلى التفكير والتبصر والتأمل في صنع الله، وهذه من مواضع اعتزاز المسلمين بتبني الإسلام وتشجيعه للفكر البناء الهادف غير المتحيز، وللأسف فقد أصيب الإسلام من بعض أنصاره المتزمتين، وليتهم أدركوا أن محاربة الفكر المنحرف لا تكون بإخفائه بقدر ما تكون بإظهار عواره وكشف تهافته.

لقد كانت قضية العلاقة بين العقل والوحي، وبالتالي بين الحكمة والنبوة، أو الدين والفلسفة، أو العقل والنقل، قضية حاضرة في المحيط الإسلامي، وقد حاول المفكرون أن يظهروا التوافق بين المصدرين، لكن معظمهم أخطأ حينما ظن التوفيق بين الدين والعقل، يعني التوفيق بين الإسلام والفلسفة اليونانية.

وبالرغم من اتفاق فلاسفة الإسلام على وحدة الحقيقة الدينية والفلسفية إلا أنهم تباينوا من حيث تقديمهم لأحد الجانبين على الآخر، فقد قدم الكندي الوحي على الفلسفة، بينما سوّى الفارابي وابن سينا بينهما تقريباً، وكان لابن رشد رأي باستقلالهما من دون تعارض.

صور التوفيق بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي
اتخذت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة صوراً شتى، فمنها ما أولى العناية للتركيز على الغاية، كبيان غاية الأخلاق في الفلسفة والدين من حيث سعادة الإنسان، ومنها ما تناول بالمقارنة العامة الخطوط الأساسية لكل من الدين والفلسفة –رغم اختلاف منهجيهما- ومنها ما صدر على هيئة رسائل تشرح سبل وصول الفكر الحر النزيه للحقائق الكبرى التي نادى بها الدين الحق، ومنها ما تبنى إلباس بعض المصطلحات والمبادئ الفلسفية ثوباً دينياً كما يظهر في نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا، ومنها ما اتخذ صورة الرمز والقصص المفضي إلى نفس الغاية من إثبات لقدرة العقل على الوصول إلى الحقائق التي دعا لها الدين، كقصة ابن طفيل “حي بني يقظان” وغيرها كما سيأتي معنا.

1- محاولة الكندي (185 – 256هـ / 801-870م)
كان الكندي فيلسوف العرب الأول الذي واجه لأول مرة الفلسفة اليونانية في المحيط الإسلامي، حيث خالف أرسطو في نقطة الخلق والرعاية واتصال الله بالعالم وإحاطته علماً بذلك، فقد كان أرسطو يرى أن لا علاقة بين الله والعالم إلا في جانب العلة الأولى التي بدأ بها الحركة والحياة في العالم، وبعد ذلك لا يليق بالمحرك أن يتصل بالعالم، وكأنه لم يبق للإله إلا التأمل في ذاته.

فحيث قال أرسطو بقدم العالم، قال الكندي بحدوثه، وحيث يقطع أرسطو الصلة بالله والعالم بعد ذلك، يحتفظ الكندي بتأكيد دوام الصلة والرعاية، ويستند الكندي في كثير من آرائه للقرآن للترجيح.

مؤلفاته
يلاحظ أن أغلب مؤلفات الكندي متصلة بالعالم الطبيعي وظواهره، ولم تظفر المسائل الميتافيزيقية برسائل كثيرة من إنتاجه، ولعل ذلك راجع لعدم قناعة الكندي بمعالجات الفلسفة اليونانية لهذه القضايا، لا سيما وأن الإسلام قد حسم هذه المشكلات الميتافيزيقية كأصل الكون، وحقيقة الخلق المباشر، والعناية الإلهية، وغيرها.

كما كان الكندي عالم كلام على مذهب المعتزلة، وهو بذلك مقتنع بالأدلة العقلية بشقيها المأثور الموجود في الوحي، وما أنتجته قرائح المتكلمين اهتداء بإرشاد القرآن، لذلك فكان للدين وللوحي والنبوة مكانة ترجح ما يأتي عبرها، على ما يأتي من سواها من فلسفات.

مهد الكندي للفلسفة في المحيط الإسلامي، وجعل الاشتغال بها ضرورة، لكنه لم يرجح آراء الفيلسوف على ما يأتي به النبي، ولم يفضل ما يأتي عن طريق الفلسفة على ما يأتي به الدين.

موقف الكندي من النبوة
لم يقصر الكندي وسائل المعرفة على الحس والعقل، بل أضاف إليهما الإشراق الذي تمثل قمته النبوة، ويؤكد أن هذا العلم خاص بهؤلاء الذين اصطفاهم الله، وهذا الاصطفاء ينأى أن يكون ما يأتي به هؤلاء مكتسباً بالبحث والدراسة، فلو أراد الفيلسوف الإجابة عن ذات الأسئلة التي طرحت على الرسل؛ فلن يتمكن من الإجابة عليها بمثل الوضوح الذي أجاب به الأنبياء، ويمثل لذلك برد الوحي على سؤال (من يحيي العظام وهي رميم؟) فكانت خلاصة الآيات تبين أن العظام قد وجدت بالفعل، بعد أن لم تكن، وعليه فمن الممكن إذا صارت رميماً أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، وإن تساوى الأمران بالنسبة لله تعالى، فالقوة التي ابتدعت، يمكن أن تعيد ما أبادت، إن هذا من أعظم الأجوبة برأي الكندي، وهو ما حجبت عنه العقول الجزئية، ويوضح الكندي لرواد الفلسفة أن النبوة ليست إلا مظهراً من مظاهر العناية الإلهية بهذا الكون.

ويظهر لنا أن الكندي أعلى من صوت الدين، وعليه فلم يفكر بالتوفيق بين الطرفين إلا بعد أن تيقن أن الفلسفة الحقة كما عرفها: “علم الأشياء بحقائقها” (علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة…) لذلك فصلتها قوية بالدين، فعلم الأشياء بحقائقها هي خلاصة المهمة التي جاء بها الرسل، وبالتالي فقد جمع الكندي بين الدين والفلسفة الحقة على أهداف وحقائق واحدة، ويرفض الكندي من وسم اقتناء الفلسفة بمعنى علم الأشياء بحقائقها بالكفر، ويرى أن دراستها واجبة على أن تسير في ركاب الدين، وأن تخدمه بإخلاص، عبر إثباتها بالأدلة العقلية ما جاء به الرسل، لتنتهي بعد كفاحها إلى ما انتهى إليه الدين، في الحقائق الكبرى المتصلة بالإله والعالم، وبقية الغيبيات.

 

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

محاولة ابن مسرة (268-319هـ)
عاش ابن مسرة في القرن الثالث الهجري، وبينه وبين الكندي نصف قرن تقريباً، عاش في الأندلس، وتر��د إلى الشرق، واشتغل بالجدل والمناقشات الكلامية، وتجمع المصادر أن له لساناً يتوصل به إلى مراده مهما بعد، وتذكر أنه اتهم بالزندقة، ويعزى لابن مسرة نقل الفلسفة الممزوجة بالغنوص إلى الأندلس، ويعزى له تأسيس نظام باطني أدبي تحمل كلماته معاني غامضة لا يعيها إلا أعضاء مدرسته، وأنه كان مبعوثاً لتأسيس حزب فاطمي في الأندلس، وتذكر المصادر أنه زار البصرة ومكة والمدينة.

رسالة الاعتبار
أرسل تلميذ لابن مسرة رسالة لأستاذه يقول فيها إنه قرأ في بعض الكتب أنه “لا يجد المستدل بالاعتبار من أسفل العالم إلى الأعلى إلا مثل ما دلت عليه الأنبياء من الأعلى إلى الأسفل”، طالباً من أستاذه ابن مسرة شرح ذلك، فكتب رسالته المسماة رسالة الاعتبار، فبين في مطلعها أن العقول نور من نور الله، في فهم أوامره، تتفق مع الصفات التي أوحى الله بها لأنبيائه، ففي كل أرض وسماء ما يدل على الله، فالعالم كتاب يقرأه المستبصرون، ويستشهد بآيات التفكر في السموات والأرض الواردة في القرآن، لينتهي إلى أن كل ما خلق الله موضوع للفكرة، ومطلب للدلالة، وما يزال المعتبرون يتصعدون في العالم وخلائقه من الأسفل إلى الأعلى لينتهوا إلى ما وصف الأنبياء من الآيات العلا، فإذا فكروا أبصروا، وإذا أبصروا وجدوا الحق واحداً كما حكى الرسل، وكما وصفوا الحق سبحانه، فالاعتبار يشهد للنبأ ويصدقه (أي أن التفكير يصدق الوحي)، والنبأ يوافق الاعتبار ولا يخالفه، وبذلك تفضي القلوب إلى حقائق الإيمان، ويمثِّل ابن مسرة لكلامه بالنظر إلى النبات، فهو عود لا حياة فيه، لكن الغذاء يندفع من أسفل إلى أعلى، ويتوزع على الأجزاء المختلفة من عود وقشر وورق وثمر وغيره، هذا مع أن طبيعة الماء التحرك إلى أسفل، غير أنه يرى الغذاء يصعد، مما يدل على أن الصعود لم يصدر عن طبيعة الماء، فالنار وحدها من بين العناصر تتحرك إلى الأعلى، لكن الماء والنار ليس من طبيعتهما التقسيم والتفصيل على النحو الذي نراه في النبات من حيث الشكل والطعم والرائحة، ولا يكفي أيضاً لتفسير ذلك ضم سائر العناصر من هواء وتراب، لاتحاد ذلك في كل النبات، مع تباين الأخير وتعدد صنوفه، وجميع هذه العناصر تعد أضداداً لا تأتلف من نفسها، فلا بد لها من مؤلف يردها بقوته إلى ما هو خلاف طبيعتها، أي من التنافر إلى التآلف، يجب أن يكون المؤلف قوة أكبر من الطبيعة، وترتقى همة الباحث إلى أعلى فيطوف الكواكب والسموات ليتبين له أن كل ذلك مسخر منقاد، فالمفكر هنا يجوب أسفل العالم باحثاً عن مصدر التأثير والتسخير، وما يزال يحلق صعوداً إلى قمة الوجود، مسجلاً ملاحظاته في ضعف النفس الإنسانية وما يعتريها من شيخوخة وتحطم ومفارقة للبدن، ليبين أن عالم النفس لا يصلح لتفسير مظاهر التدبير والانسجام، ثم يترقى للوصول إلى الجانب العقلي الذي يمتاز بالشمول والإحاطة والصفاء والبساطة، لكنه خاضع لمؤثرات خارجية تعلو عليه ولا يعلو عليها، ويكمل ابن مسرة مشواره لينتهي إلى مبدأ متعال، لا مثال له، ولا نهاية له، ولا بدء له، ولا جزء له، ولا غاية له، فتعالى الملك الأعلى.

فجاء خبر النبوة من جهة العرش نازلاً إلى الأرض، فوافق الاعتبار الصاعد من جهة الأرض إلى العرش سواء بسواء، ويختم ابن مسرة بالتأكيد على ضرورة البحث العقلي الهادف، ويذم من يرفض أن يكون للعقل مجال في هذا الميدان مستشهداً بقوله تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا}.

بين محاولتي ابن مسرة وابن طفيل
كتب ابن طفيل قصة “حي بن يقظان” وجعلها وسيلة فنية ضمنها آرائه ومذهبه الفلسفي، وهي قصة تتحدث عن رضيع وضعته أمه في صندوق في البحر، فاستقر على شاطئ جزيرة خالية من البشر، فتبنته غزالة وأرضعته، ونما حي وراح يلاحظ ويتأمل فعرف كيف يقوم بحاجات نفسه، حتى وصل –بطريق الفلسفة- إلى إدراك أرفع الحقائق في الطبيعة وما وراءها، وحاول الوصول إلى بالله، فاعتزل في مغارة وصام أربعين يوماً متوالية، محاولاً التأمل ليتصل بالله، حتى أدرك ما أراد، وحينها لقي رجلاً تقياً اسمه أبسال جاء من جزيرة مجاورة، فعلمه الكلام، واكتشف أبسال أن طريق حي الفلسفي فيه تفسير للدين الذي يعتقده، إلى نهاية القصة، ويمكننا أن نستخرج منها بعض الأفكار التي أراد ابن طفيل تضمينها:

1- تدرج العقل في سلم المعرفة ابتداء من المحسوسات الجزئية المفرقة، إلى الأفكار الكلية العامة.

2- قدرة العقل على إدراك وجود الله، بدون أي مساعدة تعليمية أو تربوية، لأن تأمل مظاهر الوجود، تدل على الموجد.

3- مع التسليم بقدرة العقل، لكنه لو تجاوز حده يصيبه الكلل والعجز، كمحاولة تصور العدم المطلق أو الأزلية المطلقة وما يشبهها.

4- العقل مصدر إلزام خلقي، ندرك عبره أسس الفضائل، ونخضع له شهوات الجسد.

5- الناس متفاوتون في الإدراك، فهناك خاصة يكاشفوا بدقائق الحِكم، وعامة يخاطبون على قدر عقولهم.

عاش ابن طفيل في القرن السادس الهجري، وحياته لا تشبه حياة ابن مسرة بكثرة التنقلات، فقد كانت حياته مستقرة، ولعل ما يجمع الرجلين حب التأمل، لكن هدوء حياة ابن طفيل منحته قدرة أكبر على التأمل الهادئ، فرسالة الاعتبار كانت إجابة صريحة على سؤال محدد من تلميذ لم يستطع الاجتماع بأستاذه، وأما قصة ابن طفيل فتدرجت بالاستدلال من المحسوس إلى ما وراءه، فحي يبحث عن حقيقة النفس مع موت مرضعته، وبدأ يصعد حتى أدرك الفاعل المنزه عن الحس وأثره في كل شيء، والقصة لا تقتصر على الحس، بل كأنها تشير إلى العقل والإلهام والفيض، وتبين القصة اختلاف الأسلوب الموجه للعامة والوارد على لسان الأنبياء، عن أسلوب الفلاسفة والصوفية، فالأنبياء بينوا الحقائق، بينما كاشف الآخرون، لذلك أدرك أحد شخصيات القصة خطأه حين أراد تعليم الناس الحقيقة عارية عن التمثيل، فالحكماء والمصلحون بعد الرسل لم يعطوا للناس إلا ما ينفعهم ويحصل لهم السعادة.

مسكويه بتبع نفس السبيل
كان أحمد بن يعقوب -الملقب بمسكويه- يرى أن كل نوع يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يتعقد ويترقى حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، قبل صورة الحيوان، وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً يترقى حتى يصل مرتبة قريبة من مرتبة الإنسان، والإنسان نفسه لا يزال يترقى ويزداد ذكاء وصحة في التفكير حتى يتعرض به لأحد المنزلتين، إما أن يديم النظر في الحقائق لتلوح له الأمور الإلهية، وإما أن تأتيه تلك الأمور من الله من غير سعي منه، وصاحب المنزلة الأولى هو الفيلسوف، والثانية هو النبي، ويصدق أحدهما الآخر، لاتفاقهما في تلك الحقائق.

بين النبي والفيلسوف
تجب الإشارة إلى أن اتفاق الفيلسوف والنبي على ما لديهما من حقائق قد فهم عند البعض تسوية مطلقة بينهما، بل عد بعضهم الفيلسوف أرقى لأنه جاهد وكافح وتأمل وتفكر، بينما وصلت الحقائق للنبي وهو في دعة وراحة، والحقيقة أن تلاقي الفيلسوف والنبي في عرض الحقائق، لا يعني تساويهما، فشؤون النبوة وأحكام الشريعة فهذا مما لا يدركه الفيلسوف وحده، لكنه أسرع إلى تفهمه إذا عرضت عليه.

والفكرة التي أراد الفلاسفة التركيز عليها هي إمكان الوصول إلى الإيمان بوجود الله عن طريق التأمل الصحيح، والحقيقة أن هذا الإيمان العقلي يؤيده الشرع، لكن الوصول لهذه الحقيقة لا يقتضي الاستغناء عن النبوة، لأن الفئة القادرة على التأمل الصحيح بمثابرة وإخلاص نادرة، والنبوة رسالة لكافة الناس، هذا عدا عن أمور التشريع التي أسلفنا ذكرها، وهي مما يأتي به النبي.

وفي الخلاصة نجد أن أغلب الفلاسفة المسلمون كانوا أوفياء لعقيدتهم، ويمكننا تفهم أقوالهم، وما من داعٍ لإساءة تأويلها.

تجديد الفكر العربي الإسلامي (محاولات ومقترحات)

إبراهيم إسماعيل

 

إن الفكر والنظر لا حد له، فهو طواف، محلق تارة، وهابط تارة أخرى، محلل في موقف، مركب في آخر، وثمرة كل ما مر اتساع في آفاق المعرفة الإنسانية بالكون والإنسان وبمصدر وجودهما جل جلاله، وهذا يعني أن العقل البشري متيقظ، يراقب تقدم الفكر الإنساني فيقيم ويوجه.

والتقدم الفكري حصيلة للوثبات العقلية والروحية التي وثبها الذهن والفؤاد، لكنها لا تستوي بين أمة وأخرى، فقد تسجل وثبة فكرية كبرى لأمة ما في زمن معين، مع بقاء أمم غيرها دون هذه الوثبة لأجيال طويلة أو قصيرة تبعاً لدرجة الحيوية والإيجابية التي يتمتع بها موقف هؤلاء أو نظرة أولئك، وإذا كان الحال كذلك فالحضارات تنتفع بما تستورد، وتتبادل فيما بينها عبر التأثير والتأثر لكننا نرى أن إثبات ذلك لا يكون إلا بمستندات ووثائق، وليس بمجرد أدنى شبه.

قضية التجديد
في كلامنا عن قضية التجديد، لا بد من أن نحذر من إساءة فهم “التجديد” كما حصل لفريقين، أحدهما: متعصب ومتشدد ومتقوقع، وآخر متطرف تهوي به ريح التطرف إلى مكان سحيق غريب عن تراثه ومقومات ذاته.

فالفريق الأول تزعجه فكرة التجديد في شتى صورها، فيقاومها في كل مستوى، وكأن الحياة عنده صبت في قوالب جامدة، وعند التحليل النفسي لموقف هؤلاء يبدو لنا أنهم لا ينزعجون من التجديد حقيقة إلا لأن التجديد يتطلب جهداً وكفاحاً ليسوا على استعداد لبذله أو الخوض فيه، فأيسر ما لديهم وأكثر الأمور راحة أن يحرصوا على الموروث، وكأن أسلافهم قد أدوا عنهم ما كان من المفروض أن يؤدوه هم.

ولسوء الحظ أن سلاح هؤلاء الفتاك هو الدين نفسه، حيث يسلطونه على دعاة التجديد فلا ينتفعون بشيء من جهود المجددين ولو عادت بالنفع على المجموع، وأبسط حيلهم في جعل الدين سلاحاً وصف كل جديد بالبدعة، ومن حيلهم كذلك التوحيد بين الشخص والمبدأ، فإن عارضت شخصاً منهم عدك عارضت المبدأ الذي يدعي أنه يمثله، وخلط بين شخصه وبين المبدأ الذي يدين به، والخلط بين الأشخاص والمبادئ من أسوأ الأمور، وهي التي أثمرت في المسيحية صكوك الغفران، والاعتراف، ومحاكم التفتيش، وغيرها من معالم الخزي في تاريخ البشرية.

والإنصاف يدعونا للقول إن هذا الفريق لا يشكل أغلبية، ولا يتفق جميع أفراده في الدافع والغاية، فبعضهم ينطلق من إخلاص غير محروس بالوعي، فيخلطون ويعممون الأحكام دون روية، وبعضهم يعي كل شيء وهو يقظ لما حوله،  ويقظته لمركزه ونفوذه الذي يتمتع به أكمل تمتع، لذلك يرى في التجديد تهديداً لمصلحته، أو مساساً بالمبدأ والدين الذي يمثله، إذ يسوي بينهما كما أشرنا قبل قليل.

مخطوطات تراثية إسلامية في تمبكتو (الأناضول)

أما الفريق المتطرف فيقتات على الفكر الجاهز المعد له بعقول وجهود الآخرين، وهو قلما يعرف تراثه، وبالتالي لا يحمل له أي تقدير، ولا يعنيه في قليل أو كثير، بل لو استطاع الاستغناء عن لغته وتبنى لغة أخرى لفعل، خروجاً من جلده وبني جلدته، وحباً بكل غريب وجديد.

ويرى هذا الفريق أن فكرة إحياء التراث، أو تجديد الفكر بعد إحياء التراث؛ عبثاً لا طائل منه، وجهل هذا الفريق بالتراث حجر عقبة في سبيل تقدير قيمته.

ولا شك أن كلا الفريقين –المتعصب المتقوقع، والمتطرف المتهور- يجانب الحق، ويجاوز الحكمة، فالمتعصب يبعد عن باله أن هناك فرقاً هائلا بين الإتيان بشرع جديد، والإتيان بفهم جديد، وليتهم أدركوا أن التجديد في الفهم لا في الشرع.

إن طبيعة الإسلام تسمح بنماء الفكر وتطوره نتيجة للاحتكاك بين أفراد المجتمع، وبين المجتمع نفسه والمجتمعات الأخرى، حيث يسمح الإسلام بتعدد مصادر المعرفة بحسب الموضوع المدروس، فمن كان له قلب حسب التعبير القرآني، أي كانت له بصيرة نفاذة يمكنه بالظفر بالمعرفة عن طريق الحدس أو الإلهام، وفي الطبيعة وجه القرآن لإدامة النظر في آياتها، والتأمل في مواطن الاتساق والإحكام فيها، ونفس الأمر بالنسبة للتاريخ، ولو لم توجد في الإسلام مبررات التفكير ومزاولته، لما تمكن فلاسفة الإسلام أن يجمعوا بينه وبين الفلسفة.

 

بين الإصلاح الديني والتجديد الفكري

لا بد لنا من التفريق بين الإصلاح الديني وبين تجديد الفكر الإسلامي وإن كان بينهما عموم وخصوص، ولنا أن نتذكر ما قام به الإمام الغزالي في القديم، وفي الحديث محاولات السيد جمال الدين الأفغاني، حيث تهدف دعوته لإيقاظ الوعي، وبعث العقلية المتحررة بالأمة، ومحمد عبده الذي سعى لتقديم التراث في ضوء العصر والظرف، وثمة محاولات إصلاحية أخرى تفند شبه الخصوم، وتبرز العناصر الثمينة في التراث الإسلامي كمحاولات العقاد وتوفيق الحكيم من بوابة الأدب، وقد تطلع الأدب يومها إلى ثورة فكرية كاملة.

محمد إقبال

محاولة محمد إقبال
وأما عرض التجديد الفكري عرضاً فلسفياً فنجده لدى الفيلسوف والشاعر المسلم محمد إقبال، حيث يعد كتابه في تجديد الفكر الديني في الإسلام وثيقة متضمنة تصور إقبال ومقترحاته للقضية.

ومما لاحظه إقبال أن التفكير الإسلامي اتجه اتجاهاً مبايناً للتفكير اليوناني، بالنسبة للمثل الأعلى، فمثل اليونان الأعلى تحكمه فكرة التناسب فشدتهم إلى الوجود المتناهي في الخارج بحدوده الواضحة، بينما هي في الفكر الإسلامي تحصيل السعادة بالوصول إلى اللامتناهي، ويستوحي إقبال فكرته من الآية {وأن إلى ربك المنتهى}، فالمنتهى الأخير يجب ألا يبحث في الأفلاك، ويربط إقبال بين التاريخ وبين المصطلح القرآني {أيام الله}، لينبه على أنه ثالث مصادر المعرفة، لذلك يؤكد على النظر في عواقب الأمم الخالية، والاعتبار بتجارب الناس في الماضي والحاضر، ويؤكد إقبال على وحدة الأصل الإنساني {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة}، ويرى أن التركيز على الحقيقة الأساسية المتصلة بحركة الحياة والكون كما وردت في القرآن الكريم، هيأت قدرة المسلم على النظر إلى التاريخ باعتباره حركة جمعية مستمرة بوصفه تطوراً في الزمان حقيقياً، وفكرة التغيير المستمر لا تعني تجاهل الثبات والدوام اللذان تتصف بهما المبادئ من حيث المثال، لا من حيث التعين والتحقق في صورها الجزئية في الواقع، ولذلك فالتغير لا يمتد للقيم الأصلية التي تجد منتهاها في الباري جل وعلا.

وبناء على ما مر، يرى إقبال أن التجديد يجب أن يتحقق فيه التوفيق بين مراتب الدوام والتغير، بما يستتبع من توافق في الفكر والسلوك، والنظر والعمل، فلا يقول المسلم أنه جدد فكره الإسلامي بتبنيه فكراً غير إسلامي، فهذا عين التبديد، ومن الاحتمالات التي وضعها إقبال حين طالب بإعادة النظر في التراث العقلي للمسلمين، أن يظهر غناء هذا التراث بحيث لا يحتاج أي إضافة، أو نكون نحن أضعف من وضع هذه الإضافة.

والتجديد الإسلامي في الفكر ينبغي أن ينزع القشور الجافة التي أدت للجمود، ويكشف عن الحقائق الأصلية كالحرية والاتحاد والمساواة وغيرها من المثل العليا.

ويبين إقبال أن الحقيقة التي يكشفها العقل المحض لا قدرة لها على إشعال جذوة الإيمان القوي، فذلك لا يفعله إلا الدين، فالدين أسبق إلى التجربة من العلم، وهما أي الدين والعلم يتحريان الوصول إلى اليقين.

ومما أشار له إقبال من مباينة الفلسفة اليونانية للروح القرآنية استشهاده بالاعتبار الحسي في القرآن، لذلك عاب على المعتزلة تصورهم أن الدين نسق من المعاني المنطقية العقائدية، متجاهلين أنه حقيقة حيوية، فلا يمكن للفكر أن يستقل تماماً عن الواقع المتحقق في عالم التجربة.

وخلاصة ما أراده إقبال توضيحه لفكرة دوام احتفاظ الإسلام ببذور التجديد، هذا مع تحفظات لنا على مواضع من معالجات إقبال بطبيعة الحال.

زكي نجيب محمود

محاولة زكي نجيب محمود
ومن محاولات معالجة قضية التجديد الفكري والفلسفي ما قام به الدكتور زكي نجيب محمود الذي يؤكد أن أبرز مشاكل حياتنا الثقافية الراهنة هي كيفية المواءمة بين الفكر الإنساني الحديث وبين تراثنا الأصيل، فلا يمكننا تجاهل الفكر الوافد تماماً، وإلا انفلتنا من عصرنا أو انفلت عصرنا منا، وتراثنا فيه ذاتنا، وبدونه تفلت عروبتنا أو نفلت منها.

ولعل أبرز حجج الإقناع بضرورة تجديد الفكر العربي الإسلامي لمن يتخذون صانعي التراث قدوات لهم، هي إبراز موقف الأقدمين، ولنا أن نتأمل محاولات الموائمة بين الوحي والعقل، أو بين الدين والفلسفة، فالأقدمون حين غزاهم الفكر الأجنبي تكيفوا مع مقتضيات الفكر في عصرهم وظهر نشاطهم الإيجابي وإن اختلفت نتائجهم، لكنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي متجاهلين ما وفد من فكر وحضارة، ولم يتلاشوا في أمواج هذا المد الفكري الوافد، وإنما بحثوا عن نسق فكري يضم حقائق ما جاءهم من دين مع ما وفد عليهم من فكر، وحالنا اليوم كحال أسلافنا، فالعالم اليوم موزع بين فلسفات مختلفة حوى كل منها الغث والثمين، والضار والنافع، ولا يغني أي منها على حدة، فثمة من يدين لفلسفة تدين للعلم ولا تعبأ بالإنسان، وثمة من يتبنى فلسفة تكاد تؤله الإنسان، وفلسفة أخرى تهتم بالإنسان من حيث النظم، ويمكننا أن نساير الفلسفة المعتنية بالعلم ونضيف لها فلسفة الإنسان، ونهتم بالإنسان مع اعتباره خليفة للإله، ونضيف لمن اقتصر على العلاقات والنظم الاجتماعية الاهتمام بالفرد ومسؤوليته أمام ربه وضميره.

وخلاصة ما مر؛ محاولة ليحتوي النظام الفلسفي المقترح محاسن سائر النظم ويتجنب مساوئها، ويذكر الكاتب أن أهم ما يميز الذوق الفلسفي العربي قيامه على مبدأ الثنائية، أي الاختلاف في الرتبة في مثل الخالق والمخلوق، الروح والمادة، العقل والجسم، المطلق والمتغير، الأزلي والحادث.

فمراعاة مبدأ الثنائية هذا يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لنظرات فلسفية تتعلق بالإنسان والأخلاق والمعرفة، وهذا يوصلنا إلى صيغة نرتضيها في شتى الميادين، فبذلك تتم لنا نظرات عن الطبيعة والكون والإنسان والقيم، فالنظرة الثنائية تميز بين إله خالق وعالم مخلوق بشراً كان أو وغيره، ثم تميز في عالم المخلوق بين البشر وبقية الكائنات، لامتلاك البشر الإرادة الحرة التي توجب تحمل الأمانة والمسؤولية، وهذا ينقلنا إلى نظرية في الأخلاق تعارض تأسسها على المنفعة، بل تدعو لإقامتها على أساس الواجب، فهذه نظرة أخلاقية وليدة للنظرة الكونية التي قامت على مبدأ الثنائية.

ومن مميزات هذه ال��ظرة الثنائية -بحسب المؤلف- أنها تمكن من سد الفجوات الموجودة في المذاهب الفلسفية السائدة في المحيط غير الإسلامي، حيث تعوزها النفثة الروحية، والرقة الإنسانية، وصون كرامة الإنسان، حيث تمكننا من الجمع بين العلم وكرامة الإنسان.

يرى الدكتور جعفر أن الوقفة الفكرية للأستاذ زكي نجيب محمود تسد الفوات الموجود في المذاهب الفلسفية السائدة في غير بلادنا، وتحقق الجمع بين التطور العلمي وكرامة الإنسان، وهذا ما أعيا الحضارة الأوربية، ولا بد من الإشارة أن الدكتور جعفر لا يوافق على بعض ما ذهب إليه الأستاذ زكي ويعقب عليه، لكنه ساق ما رأى أنها محاولة جيدة في تجديد الفكر الإسلامي، لكنه يرى أنها تشترك مع محاولة محمد إقبال في جزئيتها فهي لم تستفد من النظرة المتكاملة لميادين الفكر الإسلامي الأربعة (علم الكلام، أصول الفقه، التصوف، الفلسفة الإسلامية) فقد حصرت رؤية إقبال نظرتها في الميدان الصوفي الفلسفي، ورؤية زكي على نقيضها فهي عقلية تهاجم النزعة الصوفية.

مقترح للتجديد
بعد سوق تجربة الأستاذين إقبال وزكي، يؤكد محمد كمال جعفر أن التجديد الفكري ينبغي أن ينبثق من الإسلام، شرط أن يكون هذا الانبثاق نتيجة لاستعراض واستيعاب الفكر الإسلامي في ميادينه الأربعة، وفي ضوء القرآن والسنة الصحيحة، فسلامة النظم الفكرية تقاس بمقدار وفائها بالأغراض الجوهرية للحياة الإنسانية، وأخص خصائص هذه الحياة؛ معرفة الإنسان لمكانة وجوده، ومركزه من العالم، والهدف الذي وجد لأجله، والرسالة التي ينتظر منه أداؤها، والنهاية التي تنتظره، أي الأصل والكينونة والمصير، والأسباب التي دعت محمد كمال جعفر لدعوته لانبثاق التجديد في نسقنا الفكري والفلسفي من الإسلام، راجع للميزات في الإسلام نفسه، والتي منها:

أولاً: اتساع النظرة
التي تشكل في مجموعها النظام الفلسفي المكتمل بجانبه الفيزيقي والميتافيزيقي، لأنه نظرة تستوعب المعرفة بالله وبالكون والإنسان، وكمثال لذلك لنعرض نظرة الإسلام للتاريخ ونقارنها بالأنساق الفكرية التي قامت على أساس نظرتها للتاريخ وتفسيرها الفلسفي لمساره، وسنقارن ذات النظرة مع الديانات الأخرى، غير أننا سنقتصر على نظرة وضعية وأخرى دينية في هذا السياق.

نظرة الماديين إلى التاريخ
ونقصد بوصف مادي وطبيعي هنا، كل مذهب يستبعد من التاريخ أو من حياة الأفراد والجماعات أي عنصر يجاوز الإنسان، أو يرتبط بمبدأ روحي أو إلهي، وبذلك يدخل المذهب الإنساني في نطاق هذا الوصف -مع علمنا بتفرعات المذاهب المادية والطبيعية والإنسانية-، فوقائع التاريخ عند هؤلاء تتم في عالم أرضي مغلق، وربما كان أوضح مثال للتفسير المادي للتاريخ هو التصور الماركسي أو الشيوعي، حيث يتضمن نقاطاً أساسية منها: أن الناس وحدهم صناع التاريخ الحقيقيون، ويقصد بالناس الشعوب ولا سيما الطبقة الكادحة، وأن الإنتاج المادي والوضع الاقتصادي أساس التطور الاجتماعي، وأن صنع الشعب للتاريخ ليس بمحض إرادة واختيار بل رهن للظروف وفي مقدمتها حالة الإنتاج، وأن تقدم البشرية المادية يعني دوراً أكبر للشعب في صنع التاريخ، وأن الحتمية التاريخية لا يمكن أن تتخلف.

ما سبق يعني أن التاريخ من ألفه إلى يائه يعتبر سجلاً لتفاعل الإنسان مع الطبيعة وواقعها الملموس، ولو أخذنا بهذا المبدأ فهذا يعني أن الأديان وأصحابها صوراً تعبيرية عن ظروف مادية، وبذلك نلاحظ أن هذه النظرة المقيدة بحدود المادة لا تشبع طموح الإنسان وشعوره بتساميه على العالم المحسوس، وتعجز عن تفسير المواهب بما لا يتجاوز حدود المادة.

نظرة اليهودية والمسيحية إلى التاريخ
وضعت اليهودية أنموذجاً للتاريخ على يد شراحها يتلاءم مع أقلية تعد نفسها مختارة ومضطهدة بين شعوب الأرض، واستند الأنموذج لفكرتين الأولى تمييز بين التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوي، والثانية الارتباط بالماضي والمستقبل لضمان قبول الفكرة من كل مضطهد، بالرغم من أن أصل الفكرة كان مقصوراً على اليهود فقط.

ويقتضي هذا النموذج التاريخي أن مجال التقديس محصور على حياة الشعب اليهودي المحاط بالعناية الإلهية، المبشر بعذاب أعدائه، الموعود بيسوع مخلص، والمنتظر لمجده، وأما تاريخ غيرهم فعادي لا قداسة فيه، ونفس هذه العناصر تبناها القديس أوغسطين في المسيحية من خلال مفهوم مدينة الله، والمسيحية تنظر للقرون قبل المسيح على أنها فترات تمهيد وإعداد لظهوره، وبظهوره تجسد الوجود الإلهي عن طريق الحلول، وهنا يدخل الإله في التاريخ، ثم تأتي فكرة الفداء لتبدأ فترات الوعد الإلهي الخاص بالخلاص النهائي للبشر.

فنظرة المسيحية للتاريخ تركز على حركته أو ديناميكيته التي تعتمد على سلطان الله، وتتجه لتحقيق غايتها عبر المجتمع الديني، وفكرة الحلول جعلت للتاريخ معنى، وتجعل ما فوق التاريخ داخل في التاريخ ذاته، لكن المعنى المسيحي للتاريخ يحصر الإنسان في دائرة الديانة المسيحية، فالتاريخ بدون المسيحية يفقد معناه تماماً.

نظرة الإسلام إلى التاريخ
يرى الإسلام غاية من الخلق تتجلى بمعرفة الله وعبادته، وغاية للخلق في الإفصاح عن مكامن الصفات، والتعبير عن الطاقات والملكات والظفر بالنهاية بما يتلاءم مع الطاقات والصفات، وهذه غاية ثنائية ينظر لها فردياً وينظر لها جماعياً، ويرى الإسلام أن ثمة اساساً ثابتاً لمجموعة من القوانين التي يخضع لها التاريخ يمكن من خلالها تفسيره وربط العلة بالمعلول “سنة الله”، فدمار الأمم وانهيار الدول له تبرير موضوعي في القرآن، ونفس الأمر للفرد، فقارون وهامان وفرعون والمصلحون نماذج بشرية توضح قوانين وسنن إلهية، فالثبات التاريخي في الإسلام هو في القانون الإلهي وهو الذي يمنح التاريخ وحدته، وهو ما يمكن الباحث من فهم التاريخ وتعليل حوادثه، فالانتكاسة المادية يمكن دراسة أسبابه التاريخية وتعليل ذلك عقلياً وفوق كل ذلك القانون الإلهي أو السنة الإلهي، فللتاريخ معنى دون الحاجة للحلول والاتحاد، ونفس الأمر ينطبق على الانتعاش المادي والروحي، فثمة مقومات موضوعية وراءها خلفية من حكمة إلهية، والإنسان الذي يصنع تاريخه إنما يفعل ذلك باستمداده طاقاته وملكاته التي هي من صنع الله، فالجانب الإلهي غير مباشر، وهناك دور مباشر خفي لا يحسه إلا ذوو البصائر.

فكما للأمم أيام وليال، لله أيامه ولياليه التي يسفر فيها انتصار مبادئه وقوانينه تحقيقاً لوعده أو وعيده، ومصطلح أيام الله، وردت في الماضي والحاضر في نصوص القرآن، ونظراً لتخلل الأثر الإلهي في التاريخ ونظراً لحتمية القانون الإلهي نرى ابن خلدون يسمي كتابه العبر، فنظر الإسلام للتاريخ تحمل بذور الانتماء للتراث، والتنبؤ بالمستقبل في أقرب صور موضوعية للطاقة البشرية، ولا تغفل الحاضر.

ثانياً: تغذية النزعة التفاؤلية
فالنظم الفكرية التي اتخذت صفة الدين فيما بعد كالبوذية مثلاً، نظرتها للعالم في خصائص مثل التعاسة والحزن والامتلاء بالآلام والعبور والانتقال والخداع والخلو من الروح والمعنى، وسبب ذلك أن العالم عابر لا قرار له، فهو فيض مستمر للحوادث المتتابعة، أي أنه عابر زائل.

وهنا برز سؤال عن الألم والمعاناة والشقاء والتعاسة والسبل للخلاص من ذلك، والخلاصة أن التجهم والعبوس وقسوة الصورة القاتمة تخيم على الكون في نظرة البوذية، وهي لا تقل تشاؤمنا عن كثير من المذاهب الحديثة التي تجعل الحياة داء شفاؤه العدم.

بينما يرى الإسلام أن الحياة لو كانت نمطاً واحداً لما وجدت فرصة لاختبار معادن الناس واستخراج طاقاتهم، والمحن تصقل النفس الإنسانية وتستثير مقومات صمودها وبذلك تسترد ابتسامتها رغم المحن، والحياة مليئة بروعة الوفاء، وصور البطولة، وسحر النغم، وجمال القبة الزرقاء، فإغفال ذلك ليس نزيهاً.

وقصر فترة الحياة مدعاة لاغتنام كل ثانية بكل مفيد يطور الحياة، فهي نظرة تتسامى على اتجاهات الانغماس والإسفاف في النظر للحياة، ومن الواضح أن التشاؤم عائد لعدم الاعتقاد في إله مدبر يرعى خلقه.

وينبه الإسلام أن في المصائب أوجه خير خافية {لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم}، بل ينبه أهل البلاء قبل نزوله ليوطنوا أنفسهم ويستعدوا له {ولنبلونكم بشيء من الخوف…وبشر الصابرين}

فالخير والشر في نظر الإسلام وسيلتي ابتلاء {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، فالأصل أن لا تنال من الإنسان شدة، ولا يطغيه رخاء، فهو يسعى في ثقة دون بطر ولا كبر.

ثالثاً: ربط العلم والفكر والأخلاق
ربط العلم بالأخلاق صمام الأمان الذي يحفظ الحضارة الإنسانية، ويصون الكرامة البشرية، وللأسف فالعلم التجريبي اليوم لا تعنيه القيم ولا يهمه الإنسان، لذلك لا يدرك حقيقة الإنسان ومكانته.

رابعاً: تأصيل الذات وربطها بالمبدأ الأعلى
فلكل الناس اعتقاد حتى الملحد منهم حيث يعتقد فساد الاعتقاد، فهو اعتقاد سلبي، ومعلوم أن الأفكار حول الإله تتفاوت ضعة وسمواً في تاريخ البشر، ولذلك نرى ضرورة انبثاق التجديد من الإسلام لأن فكرة الألوهية تفوق ما سبقها وما تلاها من أفكار، فنحن نستبعد الأنماط البدائية لأنها انحرافات ضاربة في القدم بعكس من يراها الأصول الأولى لفكرة الألوهية،  فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يكن وجوده صدفة، بل له خالق يرعى خلقه.

وفي صفات الإله نجد أن الروح الدينية الناضجة في الفترة الكلاسيكية اليونانية، مع استبعادها الملامح الخيالية عن الآلهة؛ فقد احتفظت بصفات مثل التشخص والتفكير والشعور والحياة الروحية على النمط البشري، فالشبه بين الإله والإنسان أساس لقيام علاقة بينهما، ومع أرسطو تلاشت عناصر الإيجابية والتأثير الذي ينبغي أن يكون للإله، واختفت بذلك مبررات التقرب والتأسي بما يرسم من مبادئ أو يسن من قوانين، فأجل عمل للإله عند أرسطو هو التأمل لذلك جعل التأمل قمة السعادة لأن الإنسان يتشبه بالإله، وفي اليهودية والمسيحية اختلط المفهوم السماوي بإضافات متدرجة بعدت عن الأصل، فصفات يهوه تقريبا هي صفات اليهود، ومعضلة التثليث في المسيحية، مع تعميم الذنب والخطيئة، من أعظم التصورات الخاطئة، ولم تكن صفات الكمال المطلقة، مع التنزيه عن مشابهة الحوادث، إلا في تصور الإسلام.

وفي ختام هذا المبحث يؤكد الدكتور جعفر على ضرورة تبادل العون بين المناهج المختلفة لطالب التجديد، وينبغي الوعي باستعمال كل منهج في جانبه فالمنهج التجريبي يصلح للتجارب الحسية، لكن لا ينبغي تعميمه لتناول موضوعات لا تتصل بالمعطيات الحسية ولا سيما المتصلة بالجانب الم��تافيزيقي، فتبادل العون بين المناهج يعتبر عاملاً أساسياً لإثراء الحياة الفكرية.

وآخر ما يؤكد عليه الدكتور جعفر في هذا الباب ضرورة أن يوضع بالحسبان أن النظام الفلسفي الجديد ينبغي أن ينبع من صميم بيئتنا وفي إطار يدل على عمق إدراكنا لذواتنا وحقيقتنا الإنسانية، وهذا يقتضي تتبع العناصر الأصلية في تراثنا حول النموذج الإنساني واستكمالها أو تعديلها، ولا بد من مراعاة معالجة مشاكلنا الحقيقية، لا المشكلات المفتعلة البعيدة عن واقعنا.

الأصالة في الفكر الإسلامي

إبراهيم إسماعيل

 

تعرفت على الدكتور محمد كمال جعفر رحمه الله أثناء اشتغالي على بحث الماجستير، وأسفت لأني لم أسمع قبلاً باسمه. وبالرغم من أنه قامة علمية وفكرية إسلامية وله العديد من المؤلفات الرصينة، إلا أنه غير معروف حتى لدى بعض أساتذتي مع أنهم في نفس تخصصه العلمي.

حاولت حينها التعرف أكثر على الرجل، فلم أجد سيرة ذاتية له، وكان مما علمته أنه حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج العريقة، وأنه عمل أستاذاً في كلية دار العلوم بمصر، وعمل كذلك رئيساً لقسم العقائد والأديان في جامعة قطر في ثمانينيات القرن الماضي، ووجدت أن العلامة القرضاوي ذكره بخير وأثنى عليه في سيرته “ابن القرية والكتاب”، وللرجل كتابات جادة بأسلوب سلس قلما يبرع به مؤلف، غير أنه كما لاحظ الأستاذ محمد يوسف عدس رحمه الله –مترجم كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش- يكاد لا يذكره أحد اليوم، وهو الذي كانت تفيض حياته بالحيوية والنشاط الفكري، ولطالما أشار إليه الباحثون في رسائلهم الجامعية، وهو نفسه أشرف على ما يقرب من ثلاثين رسالة جامعية، وناقش رسالة الدكتور محمد عمارة وأجازه، ومقال الأستاذ عدس عنه يستحق التأمل في تقصيرنا بحق هذه القامة العلمية التي غيبها الموت، لكن نتاجها باق يمكن الإفادة منه في كل وقت[1].

ومن خلال مطالعاتي لبعض كتبه أحببت المساهمة بنشر بعض معالجاته لبعض المواضيع، واخترت القضية التي صدَّر بها كتابه “في الفلسفة الإسلامية: دراسة ونصوص“، حيث بدأ في التحقق من أصالة الفكر الإسلامي الذي تعرض لهجوم من بعض المستشرقين، حيث استخفوا به ورأوا أنه جامد لا يتطور، أو أنه عرضة للتغيرات المستمرة، لكن بعض هؤلاء الدارسين أنصف فلاحظ أن أسلوب العرب في البحث أكبر ما يكون في إطار الرواية والوصف، لذلك احتل التاريخ والجغرافيا المقام الأول في أدبهم، وبصفتهم أصحاب ملاحظة دقيقة ومفكرين مبدعين فقد أتوا بأعمال رائعة في حقلي الرياضيات والفلك، ونجحوا في وضع قواعد اللغة من صرف ونحو بشكل محكم.

عقيدة القدر
على أن بعض تصورات الغربيين عن واقع الفكر الإسلامي لم يكن دقيقاً وربما شابه التناقض، ومثال ذلك ما ذهب إليه أ. ميلر الذي ادعى أن جمود الحياة الفكرية عند المسلمين ناتج عن موقف سلبي نتيجة لعقيدة القدر، هذه العقيدة التي قيدت الحياة الفكرية بقيود حديدية ثقيلة يصعب التخلص منها، وبذلك يتجاهل الكاتب الجانب الحق لعقيدة القدر التي تمنع تعثر طاقات الإنسان التي يمكن أن تتحطم على صخرة العناد والحقد على طبقات المجتمع، أو تشوش الذهن ليتصور خلو النظام والأحكام من الغاية والهدف. نعم هناك من أساء فهم هذه العقيدة وبرر عبرها مظالمه وخموله.

لكن ذلك لا يعود لجوهر العقيدة، وليت ميلر وأمثاله تأملوا فترة النشاط الفكري الإسلامي في قرون عديدة في ظل عقيدة القدر، فهي لم تحد من نشاطهم أو تقلل من جهودهم، بل إن الاحتجاج بهذه العقيدة لم يكن إلا في عصور الانحطاط والجمود حيث وفرت للهمم المتقاعسة والعقول الجامدة خير ملاذ، وأما في العصور الزاهية فكانت عوناً على اعتدال الإنسان، ومشجعاً على احتمال النوائب لاستئناف الكفاح.

العنصرية
والحقيقة التي ينبه لها الدكتور جعفر أن أصول هذه النزعة عند بعض الباحثين الغربيين، مردها عنصرية عبر عنها أرنست رينان بزعمه أن العقلية العربية عقلية جزئيات، لا تعي سوى المنثورات المتباعدة، ولا يمكنها استنباط قضايا عامة أو قوانين كلية أو نظم شاملة، فهذا وقف على العقل الآري الذي ينزع بفطرته إلى التأليف والتركيب، وبالتالي الإحاطة والشمول وإدراك الكليات بكل دقة وإمعان، حسب زعمه.

ويتوقف الدكتور جعفر مع رأي ابن خلدون الذي قد يشكل مبرراً لآراء بعض المستشرقين عن العرب، فقد أشار ابن خلدون إلى أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم، إلا في القليل النادر، وبعض هذا القليل عربي في قبسته، لكنه عجمي في مرباه ومشيخته، ويضيف ابن خلدون: “إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الفساد”، ويفهم من كلام ابن خلدون أن من كان هذا شانه فلا ينتظر منه إبداع في الفكر أو العلم.

وسبق أن دافع بعض الباحثين عن كلام ابن خلدون وأنه لم يقصد ما ذهب إليه المستشرقون، فالعلوم تكثر في الحضر لأنها صناعة، والعرب حينها أبعد عن الصناعات لأنهم أقرب إلى البدو، وأكثر الحضر في ذلك الوقت من العجم؛ ولهذا كان أكثر حملة العلم منهم، وأن ابن خلدون كان يقصد بالعرب البدو الرحل منهم، والحقيقة أن هذا التعليل كما يرى الدكتور جعفر لا يعفي ابن خلدون من الشطط في الحكم الجائر المعمم بحق العرب، وكان عليه أن يحدد ألفاظه بدقة ويشرح غرضه بصراحة، وإذا سلمنا بأن ابن خلدون قصد البدو لا كل العرب، فكيف نسلم له في حكمه أن العرب إذا تغلبوا على أوطان اسرع إليها الفساد؟! هذا بالرغم من أن التاريخ يشهد ببطلانه وتهافته، فكثير من الحواضر التي فتحها العرب ازدهرت ونمت فيها الحضارة، ولنا أن نقارن قرطبة في عهد العرب ثم في العهد الذي بسط الأوربيون سلطانهم عليها، فمن الجامعات والمكتبات والمعامل إلى محاكم التفتيش التي يشيب لها الولدان.

ويتابع الدكتور جعفر أن الحضارة العربية الإسلامية نفسها كانت ضحية لهجمات غشوم من أجناس متعددة كالتتار وغيرهم، ويكفي أن نتصور ما حل ببغداد في أزهى عصورها على يد المغول، حيث أحرقت مكتباتها وتلون ماء النهر من مداد هذه الكتب.

بدو من الجزيرة العربية

لذلك فالعرب بالإسلام كانوا دعاة عمران وحضارة لا حرباً عليها، والحقيقة أن ما بينه الدكتور جعفر يمكن أن يعارض بالقول إن ابن خلدون كذلك قصد بعض القبائل العربية البدوية التي هاجرت في الفترة التي عاش بها من المشرق للمغرب وعاثت فساداً في بعض المناطق التي حلت بها، وهي ذات الفترة التي عاش بها ابن خلدون وشهد على انحطاط الواقع حينها، ونحن نتفق مع الدكتور جعفر في إشارته لعدم تحديد ابن خلدون وضبطه لعباراته في هذا المجال.

العرب والفكر
وبالعودة لموضوع الفكر الإسلامي في رأي يعض الغربيين، فقد ادعوا أنه مجدب لأنه لم ينتج فلسفة أو نظاماً فكرياً شاملاً كما فعل اليونان، والفكر عند العرب لم يعرف إلا بعد ترجمة الفكر اليوناني، ويفسرون ذلك بأن طبيعة الدين الإسلامي لم تكن مشجعة على التفكير، لأن الأحكام والأفكار في الإسلام حاسمة، يتلقاها المعتقدون بها دون مناقشة، ويسلمون بها دون التعليق عليها، ويستشهدون بالحديث “تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا” وفهموا أن هذا الحديث ينهى عن التفكير في الإلهيات التي تشكل جزءاً هاماً من الفلسفة.

ويوضح الدكتور جعفر أن هذا الحديث يأمر بالتفكير في الجزء الأول، وينهى عنه في الجزء الثاني، فالأول تفكير في الخلق والكون والظواهر الكونية، والثاني في الذات الإلهية، فالحديث لا ينهى عن التفكير لكنه يوجهه ويرشده ولا يحجر عليه، فالحديث دعوة لعدم تبديد الطاقات في محاولة استكناه الذات الإلهية واستيعاب طبيعتها المقدسة لأن ذلك ليس في متناول العقول، ولن يخرج الإنسان منه بنتيجة، ولم يكتف الحديث بذلك، بل وجه للوجهة الصحيحة التي ينبغي التركيز عليها، ولعلنا إن تأملنا الحشد الفلسفي الضخم الذي تناول جانب الذات لم يخرج بنتائج حاسمة أو يقينية، بينما تطورت العلوم حين توجهت إلى ظواهر الكون.

وقبل ذلك فلا يمكن لأحد أن يتهم القرآن الكريم –أوثق المصادر الإسلامية- بمعاداة الفكر أو تقييده وتحريمه، بل إنه لم يعف أحداً من مزاولته، ويعرض الدكتور جعفر أمثلة متعددة لذلك، منها سوق حجج المخالفين بكل دقة وأمانة، والرد عليها بالمنطق السليم وقوانين الفطرة السليمة، ويبين أن القرآن مليء بما يثير الانتباه وينشط العقل ويدعو إلى التحليل والتفكير والنقد، وينهى عن التقليد والانصياع الأبله.

وبالعودة لكلام بعض الغربيين حول غياب النظام الفلسفي عند العرب قبل الإسلام، وبعده حتى ترجمت كتب اليونان، يبين الدكتور جعفر أن ذلك لا يعود لطبيعة العقلية العربية لأنها أثبتت لاحقاً قدرتها على الإبداع وإثراء الفكر البشري بما قدمت من إنتاج، لكن الظروف العربية لم تكن تتطلب نظاماً فلسفياً كاملاً فحياة التنقل والرحلة لم تشكل مجتمعاً متكاملاً تتبلور في الرؤى الفلسفية العامة، فالحِكَم والخبرات العملية التي اكتسبوها في حياتهم أدت دورها بنجاح عندهم، وأرضت مطالبهم، وسدت حاجاتهم القريبة، وحين ظهر الإسلام تطلبت المرحلة نمطاً يظهر فيه السلوك والعمل أكثر من ظهور النظر، فالدعوة بمراحلها الأولى كانت بحاجة إلى نخبة من القادة العمليين الذين يطبقون الدين ومثله أكثر من مزاولة التأمل المجرد.

وكلام الدكتور جعفر هذا ذكرني بالتفريق الذي ساقه العلامة دراز في كتابه “الدين” بين الدين والفلسفة، وخلاصته أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما، وغايتها المعرفة، ومطلبها فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به، وغايته الإيمان، ومطلبه روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

ثم يشير الدكتور جعفر لتبدل الحال العربي نتيجة لدخول أقوام إلى الإسلام من أديان أخرى ولا يتصور أن ينسوا معتقداتهم في يوم وليلة، ومع إثارة الشبهات من أعداء الإسلام، حمل ذلك علماء الإسلام على اللجوء للأدلة العقلية لتفنيد الشبهات بالأدلة العقلية، وهنا تفتقت الطاقة العقلية في المحيط الإسلامي بإنتاج علم الكلام الذي يمكن أن يتلمس فيه أصالة الفكر الإسلامي، فعلم الكلام في صورته الأولى نتج عن الظروف الطبيعية للمجتمع حينذاك، قبل ترجمة الفكر اليوناني أساساً.

إن أحد أبرز أسباب النظرة الغربية المشوهة عن الحضارة الإسلامية كما يقرر الدكتور جعفر؛ سببها شعورهم بالعلو والتفوق والتعالي، وهو ما حدا بالمستشرق ج. ل. سترنج بأن يعلق على رفض ياقوت الحموي –صاحب معجم البلدان- تصديقه لقصة الفارس الساحر البغدادي بقوله: يندر جداً أن يبدو ياقوت بهذا التعقل وهذه الرصانة!

وبالعودة للفكر في السياق الإسلام يلاحظ أن المؤلفين المسلمين حملت كتبهم طابعاً فيه أسلوبان، تخصصي تفصيلي استقصائي في موضوع محدد، وموسوعي يستعرض ألواناً عديدة لكنها مترابطة، مما يعني أن الفكر الإسلامي قادر على التحليل والتركيب ويثبت كفاءته في تناول الجزئيات ثم يربط بين المتفرقات ويصوغ النظم والقوانين والمفاهيم والمناهج العامة.

ومثل ذلك حال الفلسفة الإسلامية أي النمط الفكري الذي انطلق في البيئة الإسلامية ابتداء من الكندي في المشرق إلى ابن رشد بالمغرب، وإسلاميتها هنا محط نقاش بلا شك، وإن كنا نتساهل في ذلك باعتبارها جزءاً من الحصيلة الفكرية لأفراد عاشوا في أرض الإسلام، وتنسموا أريج الحرية التي أتاحها، وكتبوا باللغة التي نزل بها كتابه، لذلك فلا حرج من وصفها بالإسلامية بهذا المعنى، وإن لم يعن أن هذه الفلسفة تمثل بالضرورة وجهة نظر الإسلام الخالصة، أو أنها ثمرة المسلمين وحدهم.

وقد اجتمع لهذه الفلسفة ما اجتمع لغيرها من النظر العام والكلي الشامل، والموضوعات والمشاكل التي يتصدى لها، كقضايا الألوهية والخلق، وأهم ما سعت له التوفيق بين النقل والعقل، بين سبيل الحكمة وسبيل الشريعة، كما تناولت قضايا فلسفية كبرى وخرجت بنظريات عامة عن الوجود والمكان والمادة والزمان والحركة والحياة والمعرفة والسعادة وغيرها.

وهذا الاستيعاب ناتج عن كون الفلسفة في ذلك الزمن أم العلوم، ولم تنفصل عنها الكثير من العلوم كما هو حال عصرنا، لذلك كانت موسوعية.

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

وأما ميادين الفكر الإسلامي فيمكن تلمسه في أربعة ميادين متميزة:

أولها: علم الكلام، فهو الميدان الذي شهد باكورة عقلية من بواكير الفكر الإسلامي، وفيه نظرات لا يعوزها العمق الفلسفي.

وثانيها: أصول الفقه، الذي حوى القواعد المنهجية والتحاليل المنطقية مما يجعلها ذات طابع فلسفي، مما يبين مقدار العقل على التنظيم والتقسيم والتحليل والتركيب في مجالي الاستنباط والاستقراء، فهو علم يحمل الخصائص المعيارية التي تجعله بالنسبة للتشريع بمثابة المنطق للفلسفة، لذلك سبق المسلمون الغرب باكتشاف المنهج الاستقرائي.

وثالثها: التصوف، الذي له ثلاثة جوانب أحدها عملي والثاني وجداني والثالث نظري فكري من خلال مقولات تحوي نظرات للقضايا الغيبية والنفسية والأخلاقية.

ورابعها: في مجال الفلسفة، وهنا نلتقي مع من عكف على الفلسفة اليونانية بالرغم مما صاحبه من أخطاء فكرية.

لذلك من يختزل الفكر الإسلامي بهذا الأخير (مجال التفاعل مع الفلسفة اليونانية) فلن يصل إلى تقييم سليم ولا بد له من النظر لهذه الميادين الأربعة.

والفلسفة في السياق الإسلامي، نقدت الفلسفة اليونانية، كنقد منطق أرسطو مثلا، حيث اتبع الفلاسفة المنهج الاستقرائي بديلاً للقياس، وإن سموه بنفس الاسم أي القياس، وقد يكون من الممكن اعتبار قضية قِدم العالم كما عالجتها الفلسفة الإسلامية نقطة التميز عنها في الحالة الغربية التي تتردد بين من يقول بالحدوث ومن يقول بالدهرية، ولعل ابن سينا أول من طرح قضية التفريق بين واجب الوجود، وممكن الوجود، وبين ما عليه الوجود في الواقع بالنسبة لما سوى “واجب الوجود”، حيث يمكننا على رأي ابن سينا أن نلاحظ أن ما سوى “واجب الوجود” إذا نظر إليه في نفسه كان “ممكن الوجود”، وإذا نظرنا إلى حقيقة وجوده بالفعل، وتعلق هذا الوجود بـ”واجب الوجود” كان واجب الوجود بغيره، تمييزاً له عن واجب الوجود بنفسه، فوجوده هنا لا بد أن يكون أثراً لغيره وهو “واجب الوجود” وهذا تصور لم يعرف في السياق الغربي.

ولا شك أن الفلسفة الإسلامية كما اشتغل أعلامها كانت مادة للاستفادة من طرف الفلسفة المدرسية المسيحية، وقد درس عدد من الباحثين نماذج من ذلك كالمقارنة بين توما الأكويني وابن رشد، وبين ابن عربي واسبينوزا، على أن إثبات هذا التأثير ليست غايته إرضاء مشاعرنا، بل لنكشف عن حقائق مطمورة في ثنايا الفكر الأوربي صريحة النسب للمسلمين، فانتقال الأفكار إذن دليل على أن الفكر لا يعرف السدود ولا الحدود، والحديث هنا عن التأثير والتأثر في إطاره المعقول وليس كما حوله البعض لحمى تسمى التأثير والتأثر، حيث انقلب هذا المفهوم إلى مرض لا يتخلصون منه، ويحكمون به بمجرد التشابه، ونحن لا نقبل بإثباته إلا مع ثبوت صلات تاريخية فعلية توثقها المستندات.

 


[1] انظر كلام الأستاذ عدس كاملاً من خلال هذا الرابط
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=528970333806821&id=172634092773782

هل يساعدنا التقدّم على فهم أفضل للدين؟

شريف محمد جابر

كثيرًا ما نسمع من بعض المشتغلين بتأويل النصّ الديني، بعلم أو بغير علم، دعاوى مفادها أنّ علينا نبذ التفسيرات التراثية القديمة للنصوص الدينية، وأن نفهم القرآن على ضوء معطيات الحضارة الحديثة؛ فنحن –كما يقولون– نمتلك اليوم أدوات علمية وتطوّرا كبيرا يؤهّلنا إلى فهم النص الديني بشكل أفضل ممّا فهمه القدماء. فهل الأمر كما يقولون؟ وهل يسري مفهوم “التقدّم” على كل شيء من علوم الإنسان بما في ذلك علم الوحي؟

أعتقد أنّ الأزمة الكبرى التي يعيشها أصحاب دعوة نبذ التراث والاقتصار على الخبرات الحديثة لفهم النصّ القرآني وفقا لمعطيات الحضارة المعاصرة كما يقولون، أنّ كل هذا الكلام البرّاق الذي يلوكونه هو كلام غير علمي، لأنّهم مهووسون بفكرة تقول: إنّ التقدّم يؤدي بنا دائما إلى الأفضل. وفكرة التقدم هذه هي أيديولوجية معاصرة صاحبتْ النهضة الحديثة في العلوم، حيث كان الملاحَظ في مختلف المجالات العلمية أنّ التقدّم يؤدي إلى التحسين دوما، كما يحدث في الطب والهندسة والتكنولوجيا والفيزياء وغيرها من العلوم. ففي الطبّ مثلا، لا يسع أحدًا أن يعود لكتب الإغريق أو ابن سينا ويجعلها مقدّمة على أحدث الخبرات الطبّية المعاصرة! لكن الشيء الذي غفل عنه هؤلاء أنّ طبيعة النصّ الديني والبحث في التراث عموما لا تنطبق عليها قاعدة التقدّم بهذا الاطّراد الذي عمّموه على كل شيء. وتحديدًا في مسائل الدين، فمصدر الدين هو الوحي، والوحي ثابت لا تغيّر فيه ولا تبديل.

ومن ثم فإنّ معرفة مضامين الوحي ومعانيه لدى الطبقة التي نزل بلغتها وفي أحداث عايشتها، والتي سمعتْ تفسيره من الرسول صلى الله عليه وسلّم، تكون معرفة مضامين الوحي لدى هذه الطبقة أكثر موثوقية من معرفته لدى طبقة جاءت بعدها بأكثر من ألف عام، مع افتقادها للملكة اللغوية ولمعايشة نزول الوحي وللتلقّي عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن هنا تكون المعادلة مختلفة عن معادلة العلوم الطبيعية، بحيث يستلزم الباحث الجادّ الذي يريد معرفة معاني الوحي أن يعود إلى الوراء بحثًا عن أنقى المصادر لمعرفة مضامين الوحي، وأي قفزة تقدّمية إلى الأمام هي في هذا السياق قفزة غير موضوعية ولا تفضي إلى معرفة أصيلة وجادّة.

حجر رشيد

إنّ هذا المسلك في معرفة مضامين النصّ الديني يشبه إلى حدّ ما ما يجري في بعض العلوم الإنسانية الأخرى. خذ مثلا اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة، فلم يكن بالإمكان فهمها جيّدا لولا العثور على حجر رشيد عام 1799م من قبل أحد جنود المجرم الكبير نابليون في مصر، فقد جمع الحجر ثلاثة نصوص منها الهيروغليفية واليونانية القديمة، ليتم بعد ذلك فك رموز اللغة المصرية القديمة بواسطة هذا الحجر. ولم تسعف العلماء كل العلوم الحديثة في فهم تلك اللغة بقدر ما أسعفهم مسار عكسي إلى الماضي، وأعني به حجر رشيد والنص اليوناني القديم الذي فيه!

وكذلك في فهم النصّ القرآني، فقد كان أهل السنة منذ القرون الأولى مدركين للقيمة العلمية لنصوص السنّة ونصوص الصحابة والتابعين في فهم القرآن وبيان مفاهيمه الشرعية، لأنّ التوجّه إلى الماضي هنا له قيمته العلمية في الوصول إلى المعاني التي يحملها النصّ القرآني.

مقارنات
وليقارن القارئ مثلا بين تفسير الطبري (310 هـ) وتفسير البيضاوي (685 هـ) ليدرك بوضوح أنّ هذه القفزة التي تزيد عن 350 عامًا لم تقدّم شيئا أفضل لفهم النصّ القرآني، بل كانت قاصرة عن تفسير الطبري الذي يتوفر على ثراء معرفي هائل وتحديدا لجمعه مواد علمية تعود إلى فترة نزول القرآن والفترة التي تلاصقها، بالإضافة إلى يُسر أسلوبه، ولذلك فإنّ قيمته العلمية –عند علماء الشرق والغرب بلا منازع– أكبر من قيمة تفسير البيضاوي رغم أنه أقدم منه.

إنّ هذا الكلام لا يعني عدم الاستفادة من التقدّم، ولكنه في علوم القرآن والشريعة عموما يكون في الأدوات الإجرائية، التي لا تقدّم دينًا جديدا ولكنها توضّح الرؤية وتنظّم الأفكار وقد تستنبط الجديد الذي لا يناقض القديم المجمَع عليه. ومن ذلك مثلا ما قام به الشيخ صالح الشامي في كتابه “معالم السنة النبوية”، فقد أفاد من تطور أدوات الطباعة وطرق الفهرسة الحديثة واجتماع كل نصوص الحديث لديه بسهولة شديدة بفضل تطوّر علوم العصر، فأفاد من ذلك كله وتمكّن من حصر نحو 4000 حديث تعود إليها كلّ السنة النبوية بقيمها وأحكامها، بعد حذف المكرر والضعيف وما يفيد نفس المعنى أو الحكم. وكذلك ما فعله الشيخ محمد عبد الله دراز حين قدّم منظومة الأخلاق القرآنية –النظرية والعملية- في رسالة علمية مع مقارنتها بالفلسفات الأخلاقية الحديثة والإفادة من العلوم الإنسانية التي درسها في فرنسا، دون أن يدفعه ذلك لتحريف معاني الشرع أو يبتدع دينا جديدا.

لماذا يبدو الخطاب الديني متناقضا؟

هادي صلاحات

 

تبرز إحدى أكبر المشاكل التي يواجهها المتلقي للخطاب الديني في التناقض الكبير فيما يتلقاه، فأحدهم يدعي أنّ الحجاب عادة جاهلية، وآخر يشكك بصحة السُنّة.. ناهيك عن داعش ونهجها.

ويتلقى الناس كافة المتناقضات مُغلفة بغلاف الدين، فكيف يمكن اجتماع كل هذه المتناقضات؟ ليكون الدين مجرد غلاف يمكن أن يحوي أي شيء، حتى كاد صحيح الدين أن يصبح ضبابياً، فكل ثابت من ثوابت الإسلام يظهر أحد ما ليخالفه، وبطريقة إقناع قد تبدو منطقية.

الجواب ببساطة أنّ الدين جملة علوم قائمة بذاتها؛ وبالتالي ففي كل علمٍ من علوم الدين يجب اتباع المنهج العلمي للوصول لنتائج صحيحة. وأما حمل الألقاب الأكاديمية، أو إصدار بعض الكتب، فلا تخوِّل صاحبها ليُفسر ويُفتي كيفما شاء، إن لم يتبع منهجاً علمياً قويماً.

فقد أصبح كل من تمكن من الظهور على الشاشات مفتياً ومفسراً وفقيهاً، وباستغلال جهل العامة (أي من غير ذوي الاختصاص) يُمكن إقناعهم بأي شيء، فبانعدام العلم عند المتلقي، يصعب عليه تمييز المنهج العلمي القويم، بالتالي يصبح أي شيء ممكناً، ويمكن التوصل لأي نتيجة يريدها صاحب الخطاب الديني.

وهذا أمر طبيعي يمكن إيجاده حتى في العلوم التجريبية البحتة، فبغياب المنهج العلمي القويم يمكن أن يكون ناتج تفاعل الهيدروجين والأكسجين هو ثاني أكسيد الكربون (مثلاً) وليس الماء، وذلك بالتلاعب بظروف إجراء التجربة ومكوناتها (أي بما يخالف المنهج العلمي)، وبالتالي سيقتنع المتلقي أنّ ثاني أكسيد الكربون ينتج عن تفاعل الهيدروجين والأكسجين.

مما سبق يتضح أنه وبغياب العلم المسبق تزداد أهمية مصادر المعلومات، إذن ما العمل؟ كيف يتعين علينا نحن العامة اختيار مصدر معلوماتنا الشرعية والدينية؟

أظن أنّ الخطوة الأولى هي بناء أساس علمي بسيط وضروري -لا يستلزم الاختصاص- مما لا يسع المسلم جهله، قائم على تعريف المسلمين بأساسيات دينهم وتثبيتها في نفوسهم، فرغم كل محاولات التضليل والتمييع، تبقى ثوابت الدين العامة واضحة المعالم فلا داعي لعلم متخصص لتعلم أنّ الصلاة أو الحجاب هي أحد فرائض الدين، ومن ينادي بغير ذلك فهو شاذ عن القاعدة ويحتاج كلامه إلى نظر.

لكن ما الذي يدعو الشباب للانقياد خلف الأقوال الشاذة دون التأكد من مدى صحتها وسلامة نهجها؟

أحد أهم الأسباب لذلك هو إغفال الشباب للمكانة العلمية للمتلقّى عنه؛ فللعلماء مراتب واختصاصات يكمّل كل منها الآخر، وهناك الدعاة الذين ليس بالضرورة أن يكونوا أصحاب علم. وأخيراً هناك الدخلاء على العلم الشرعي، وهم من يتخذون الدين وسيلة للحصول على المال أو الشهرة ونحوه، فمنهم من يتخذ الآراء الشاذة سبيلاً لتحقيق الشهرة، ومنهم من يرضخ لإرادة أصحاب وسائل الإعلام، أو يكون أداة في يد أصحاب النفوذ والسلطة وما إلى ذلك. وفي كثير من الأحيان يشمل ذلك أئمة المساجد؛ ليكونوا مجرد أشخاص درسوا في كليات تقبل أقل شروط القبول بغية الحصول على وظيفة، وفي هذه الحالة هم موظفون وحسب، ليسوا مصدراً للعلم الشرعي ولا أهلاً للخطاب الديني.

التقليد والتجديد
يتهم الشباب الخطاب الديني بالضعف، فمع حال أئمة المساجد آنفي الذكر، وفي ظل ما تعانيه الأمة من انهزام وما يقوم به الإعلام من تزييف للحقائق، وما يعانيه الشباب من جهل بالعلم الشرعي وغياب للاستعلاء الإيماني، أصبح الشباب يهرولون نحو كل من يدّعي التجديد. فيأتي مدّعو التجديد هؤلاء فيُسمّون الخطاب الديني بـ”الخطاب التقليدي”، ويميعون الدين ويضيعونه، في محاولتهم لأسلمة قيم الرأسمالية والعلمانية والعولمة، مستغلين انجذاب الشباب إليهم لدسّ ما يحلو لهم من أفكار.

وهؤلاء الداعون للتجديد أصحاب خطابٍ ومخاطَبين، يُعاملون الدين معاملة العلوم التجريبية؛ فيفترضون أنّ الدين يتقدم بمرور الوقت، وعليه فيجب استحداث اساليب جديدة لأنَّ كل قديم عفا عليه الزمن. وهؤلاء قد نسوا -أو تناسوا- أنّه من الطبيعي -بالعموم وليس بالإطلاق- وبمرور الزمن أن يقل فهمنا للوحي المُنزل منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، بسبب قلة العلم بأسباب النزول وبعلوم اللغة وغيرها من ضروريات فهم الوحي من جهة، وضعف منظومة تعليم العلم الشرعي -المشار لها سابقاً- من جهة أخرى.

ولنعد لما يتعلق بالادعاءات الشاذة؛ حيث يتوجب على المسلم المهتم بهذه الادعاءات مقارنتها بما لديه من ثوابت عامة وأساس علمي -تمت الإشارة لضرورته فيما سبق- وإنّ الحق سيكون جلياً من خلال قوة الحجج ومدى انسجامها مع الوحي سواء لدى صاحب الادعاء أو من يردُّ عليه.

وبالتالي إن ثبت أنّ أحدهم يعاني الجهل ويتحدث فيما لا يفقه، أو أنه يستخدم التدليس والخداع لإثبات رأيه، فهذا كفيل بإسقاط ادعاءاته المستقبلية مباشرة بسقوط المنادي بها. وبالمقابل إن وجِد آخر ثبت أنه يتبع منهجاً علمياً موضوعياً ويحيل الأمور لأهل الاختصاص، فهذا كفيلٌ بجعله ثقة للأخذ عنه.

هذا وليس كل غريب على العوام غريب على العلماء، وهنا يكمن الفرق بين الادعاءات الضالة المضللة، وبين صحيح الدين غير المألوف لدى العامة. ففي الحالة الأولى؛ يكون الادعاء مثيراً للجدل ويستهجنه العلماء ويردون عليه، ويصدر من أدعياء العلم؛ وأما الحالة الثانية، فهي العكس تماماً. وبالعودة لتفاعل تكوّن الماء، فإنّ “خليط” الأكسجين والهيدروجين -وبنفس النسب- يُستخدم في اللحام ومعالجة المواد الحرارية، أمر قد يستغربه العوام لكنه بديهي لأهل الاختصاص.

والتثقف العام بالدين لا يمنع أن تجول في بال المسلم أسئلة وشبهات، لكن المهم هو محاولته إيجاد الإجابات من المصادر الصحيحة؛ فلا يتعرف على دينه من خلال شبهات المُضللين، وعلى السؤال أن يقترن بيقين وجود الإجابة، فيكون سؤالاً بغرض طلب العلم، لا بغية مهاجمة الدين أو التشكيك به. لكن هل هذا يعني عدم وجود مسائل جزئية خلافية؟

بالطبع لا، فالعلوم الإنسانية عموماً فيها أمور خلافية؛ فإذا كان علم كالمحاسبة -وهو أقرب العلوم الإنسانية للعلوم البحتة لتعامله مع أرقام وكميات- فيه اختلافات شاسعة تتجسد في المرونة العالية والخيارات الكثيرة التي توفرها المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، فكيف بالعلم الشرعي الذي يضبط كافة نواحي الحياة للفرد المسلم؟!

لكن الخطاب التجديدي يتخذ فكرة الخلاف ذريعة لجعل كثير من أمور الدين خلافية حتى الثوابت منها؛ فتطغى على العوام النسبية السفسطائية المطلقة والمفضية إلى العدمية، فتُسلب الحقائق قيمتها وتصبح ثوابت الدين “وجهات نظر”.

وأما الخلافات السائغة فتُترك للعلماء، فلا يصح أن يتجادل العامّة، بأمور اختلف فيها أهل الاختصاص. وعلى المسلم ألا ينشغل إلا بما يفيده ويَمضي في حياته فيما يحقق الخير له ولأمته، دون الانشغال فيما لا يفقه أو فيما لا يساعده على العمل والتأثير والإنجاز.

وختاماً؛ فإنَّ الله تعهد هذا الدين بالحفظ، مهما بلغت محاولات تمييعه وتضييعه، ومهما اشتد الحكّام سطوة واشتدت أبواقهم خنوعاً. ويكمن واجبنا في تحري الحق وعبادة الله على مراده، سائلين الله أن يرزقنا علماءً يسعون إلى الحق دون غايات مضمرة أو محاباة لأي أحد، لا يقصدون تعنتاً ولا تساهلا بل يتحرون مراد الله سبحانه، ويقدمون نموذجاً للخطاب الشرعي الصحيح، يسعون لنشره ليكونوا منبراً للحق منارةً للهدى.

الصلاة وسيلة تغيير

إيمان محمد

 

كنا نناقش يومها سُبل التّغيير، وكأننا نبرم بين بعضنا اتفاقاً عاماً نلزم أنفسنا به كتعهد طوال العام، على أن يكون هذا التعهد يحمل الأثر الواضح في الحياة، أي على أرض الواقع، وكان ما طرحته تلك الفتاة يبدو عادياً لوهلة، إلا أنه كان حقيقة مميزاً وعميقاً إلى أبعد حد ممكن.

ففي الحين الذي أعلنت إحداهن الرغبة في زيادة حصّتها العلمية، وقررت أخرى الاهتمام برعاية أسرة يتيمة، وتحدثت ثالثة عن التبرع بنقود للفقراء والمساكين، قالت هي بأنها تريد أن تركز على أمر واحد فقط لا غير، وهو أن تجعل صلاتها أفضل.

قد يتراءى لنا جميعاً أنه عملٌ عادي، له أثر شخصي وخاص بها، ولكن فهمها لأبعاد الصلاة وتأثيرها في الحياة كان المحور والأساس.

بداية لقد انطلقت الفتاة من فهمها الصادق لقوله تعالى: “إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم” [الرعد:11]. فكان تغيير ما بالنفس هو المحور والانطلاقة لكل شيء، وقد ربطت تغيير ما بالنفس بالصلاة وقد فهمت تماماً أن التغيير يحتاج قوة، والقوة لا يمكن أن تستمد إلا بالصلة المتينة بالله سبحانه وتعالى، وهذا ما تفعله الصلاة.

لم تكن إشارتها لتحسين الصلاة مرتبطة بالأمور الظاهرة كالحركات والسكنات وحسب، بل تعداه إلى تأثير الصلاة في الحياة، وقد استحضرت سريعاً  آية وعتها وفهمت من خلالها أيضاً دور الصلاة في التغيير، قال تعالى: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ” ]العنكبوت: 45[.

كيف للصلاة أن تنهى عن الفواحش إن لم تصدق هذه الصّلة، فتعمل في النفس عمل التطهير من الذنوب، وتعمل أيضاً عمل الوقاية من ارتكابها، فيكون الارتباط الوثيق للمسلم بالله، وهو يتمعن الإنسان في النداء، ويسارع إليه كمحتاج باحثٍ عن من يسمعه فيلبيه، وهو مؤمن بأنه لن يخيبه، ويتوضأ لا ليتجدد خمس مرات في اليوم نظافة وحسب، بل ليستشعر في قلبه ذلك الطهر، وتساقط ذنوبه مع كل قطرة ماء تتساقط على جسده مطهّرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟”، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: “فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهن الخطايا”؛ متفق عليه.

تفكير جديد
قالتها في تلك اللحظة ودفعتنا لأن نعيد التفكير في المسألة من جديد.

كيف للصلاة حقاً أن تحفظنا، وتغيّرنا لنغير ما حولنا، كيف لها أن تستعيد الإنسان من الفجوة الحاصلة بينه وبين واقعه، فتبنيه البناء الصحيح. إن الإشكالية الكبرى التي وقع فيها المسلمون في صلاتهم كونهم  لا يصلّون الصلاة التي أمر الله بها عباده المؤمنين، هم يصلون وحسب، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن صلاتهم هذه صحيحة.

قال تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ” [المؤمنون:1-2[، والخشوع ليس بالضرورة ذرف للدموع أو البكاء، بل هو تدبر متواصل ومستمر للقرآن، وتفاعل حقيقي مع الله في علاقة تربط المسلم به تعالى، كما تربطه بالمجتمع وبالكون ككل.

الصلاة التي تتصل فعلاً بالله، والتي تغيّر القلب، وتحيي العقل والروح، فينعكس ذلك كله على الأفعال، على الحياة والسلوك، فالذين لا تتصل قلوبهم بالصلاة لا يمكن أن تشكل صلواتهم رادعاً لهم عن الخطأ، وفقط أولئك الذين تعلموا من كل تفصيل في الصلاة عبرة ودرساً يجعلهم أفضل، هم الذين طبقوا الإسلام بأفضل وسيلة ممكنة.

من جعلوا فترة ما بين التكبيرة والتسليمتين مفتاحاً للتغيير، واستجابوا لنداء الله حين قال في كتابه العزيز: “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي” ]طه: 14[. فكانت الصلاة إحياء الروح باستمرار ذكر الله، وحضور الإيمان في قلب الإنسان المؤمن.

ولعل شيئاً ما في داخل كل منا يميل بإصرار للاتّصال بالله تعالى بطريقة أو بأخرى، حاجة قوية تدفعنا لنجمع الدعاء وهو خطابنا له، والقرآن وهو خطابه لنا في عبادة واحدة.

حركات وسكنات تمثّل كل منها دعوة إلى حياة الاستقامة، وتربية عليها، تناغم كامل كلّي يأخذ المسلم إلى عالم آخر في أيّ بقعة من العالم كان، وفي أيّ ظرف أو حال، فهي الأمن والسكن، والملجأ والراحة، والكهف الذي نلبث فيه قليلاً ثم ننطلق عبره إلى العالم بروح مختلفة.

يلخص ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: “أرحنا بها يا بلال”، وكأنما فيها طلب الراحة المطلقة من ضجيج الحياة وما يتحمله صاحب الرسالة فيها من كدّ وتعب وعناء.

هي راحة منذ سماع التكبيرة الأولى للأذان، وحتى الوضوء فالتكبير للصلاة، فأداء للصلاة على تمامها حتى التسليمتين.

راحة بتوزيع أوقاتها على الليل والنهار لتكون الحارس الأهم الذي يحصّن المسلم من الوقوع في المهالك، ولذلك كان الحث مستمراً على الاهتمام بها وعدم التفريط فيها.
قال ﺗﻌﺎﻟﻰ: “فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا” [النساء: 103]، ﻭقال تعالى: “حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى” [البقرة: 238]، وكفى للصلاة أهمية أنها كانت آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته المسلمين حين قال: “ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺍﻟﺼﻼﺓ، ﻭﻣﺎ ﻣﻠﻜﺖ ﺃﻳﻤﺎﻧﻜﻢ”. حديث صحيح، غير أن الأمة حين غُيّبت أخذت ظاهر الوصية في صلاة شكلية، وتناست الجوهر فغاب الأثر، وحين تستعيد صلاتها ستعود لتحيي الموات بإذن الله.