image_print

لماذا يهتم الله تعالى بتصرفات الإنسان الحقيرة؟!

محمد الريس


يطرح الكثير من الشباب اليوم سؤالاً عن تضاؤل حجم الإنسان بالنسبة للكون، ويجدون بذلك صعوبة في استيعاب سبب اهتمام الله بتصرفات الإنسان الحقيرة.

يقولون إن الله “ترك” الكواكب والنجوم والحيوانات والنباتات والجبال والأنهار وأخذ “ينشغل” بتصرفات الإنسان الدقيقة ويحاسبهم عليها، فحرّم على الرجل النظر إلى المرأة وحرّم على المرأة كشف جزء من شعرها، وحرّم على كليهما أن يقولا كلاماً فاحشاً أو يكذبا كذبةً صغيرةً أو يغتابا أحداً، فلماذا كل هذا الانشغال بما لا قيمة له؟!

وللجواب على هذه التساؤلات سنلخص الرد في النقاط الآتية:

أولا: الله كرم الإنسان عندما خلقه بسجود الملائكة، ثم استخلفه على الأرض، فالإنسان يمتلك عقلاً ووعياً وإدراكاً، وسُخِّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، من ماءٍ وهواءٍ وشمسٍ وقمر، ونباتٍ وحيوان، فلذلك خاطب الله في كتابه الإنسان، وقد قال الشيخ الشعراوي في ذلك: “لقد جعل الله تعالى كل شيء مسخراً للإنسان، فمن الذي سخَّر للإنسان الشمس وهي أقوى منه وأكبر؟ ومن جعلها في خدمته وهي تستطيع أن تفني البشرية إذا غيّرت مسارها أو بُعدها عن الأرض؟ لقد جعل الله تعالى كل شيء من مخلوقاته مسخَّراً لما فوقه، فالجماد مسخّر لخدمة ما فوقه من نبات وحيوان وإنسان، والمسخِّر هو الله تعالى، فالشمس والقمر والأرض كلها مسخَّرة لخدمة النبات والحيوان والإنسان، فلا تستطيع الشمس مثلاً أن تقول: سوف لا أشرق غداً، ولا تستطيع الأرض أن تقول: لا أنبتُ الحبَّ. والنبات مسخَّر لما فوقه من الحيوانات والإنسان، فالحيوان يستطيع أن يأكل ما يشاء ويحطم ما يشاء ولا يستطيع النبات منعه، والنبات مسخَّر للإنسان فلا يستطيع منع الإنسان من تحطيمه وأكله لأنه مسخَّرٌ للإنسان، فلا يملك دفع الإنسان عنه. والحيوان هو أرقى من النبات، لأن الله تعالى منحه القدرة على الحركة والدفاع عن نفسه، ومع ذلك فإنه مسخَّر للإنسان، فإن فرساً أو بعيراً رغم قوتهما يقودهما طفل، والإنسان أرقى من كل ما سبق بعقله وفكره واختياره رغم صغره وضعفه، فإذا كان كل شيء مسخَّراً للإنسان فهل الإنسان غاية الحياة؟ أم أنه مسخَّرٌ لما فوقه وهو الخالق العظيم، ومسخَّر لعبادته كما أخبر الله تعالى بقوله: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. [قبسات من خواطر الشيخ الشعراوي في التفسير والإعجاز: ص21-22].

ثانيا: الله خالقُ النفس البشرية والعالمُ بها والخبيرُ بما يصلحها وما يشقيها، حلل لنا الطيبات وحرّم علينا الخبائث، فما من عملٍ أحلَّه إلا وبه سعادتنا دنيوياً وأخروياً، وما من عملٍ حرّمه إلا وبه شقاؤنا دنيوياً وأخروياً، والاختبار العملي لما قلناه هو القاعدة التالية المنسوبة للفيلسوف كانط: “إذا أردت أن تعرف صفة من الصفات هل هي خير أم شر فعممها”، فخذ مثلاً الخمر وتصوّر أن جميع الناس يشربونه وجميعهم ذاهبٌ عقله وفاقدٌ وعيه وحسه، فيتكلم شاربها بما لا يفقه ويتصرف بما يشينه، فيعجز كل العجز عن إدارة أموره، ثم تصور مجتمعاً بأكمله قد صار هكذا حاله فهل يملكُ إلى النهضة من سبيل؟ وهل يأمن على مواطنيه ألا يقتل بعضهم بعضاً ويغتصب ذكورهم إناثهم وتسود فيهم السرقة والاعتداء وغير ذلك؟!

ثم خذ العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، فابنِ في مخيلتك أن الجميع يصل إليها بمنتهى السهولة، فيتحول الإنسان الواعي العاقل الراشد إلى حيوانٍ بثوب إنسان يمارس الجنس مع كل من تطوله يداه، وقارن هذه الصورة مع الحياة المستقرة الهانئة التي يوفرها الزواج، فيتحمّل كلا الزوجين الواجبات المناطة به، ويحصل على الحقوق المناطة بغيره، فيدرك ما له وما عليه، فلا علاقاتٍ كعلاقات الحظيرة، ولا أطفالٍ ينتهي بهم المطاف على قارعة الطريق، فمقارنة سريعة توصلك إلى الحق إذ كما قال المتنبي: “وبضدها تتبين الأشياء”.

وليزداد يقينك، عمم جميع الأحكام التي أنزلها الله من تحريم الخمر والزنى إلى الكذب والخداع وشهادة الزور وصولاً إلى الغيبة والنميمة، وعلى الناحية الأخرى من فرض الصلاة والزكاة والصيام إلى أن تعبد الله وحده فتدعوه وحده وتتوجه إليه وحده وتسبح بحمده وتتوكل عليه ولا تستعين إلا به. وإذا فاتتك الحكمة من أحد الأحكام وغاب عنك الغرض منه، فاسأل من تثق بعلمه ودينه ورجاحة عقله فعنده الجواب الشافي لك.

إذن كان أمر الله بنزول شريعةٍ مُفصِّلةٍ مُنظِّمة لجميع أحوال الإنسان في مقاله وفعاله، لأنه خليفة الله في الأرض أولاً، ولأن أقواله وأفعاله إما أن يتبعها نفعاً له ولأسرته ومجتمعه أو يتبعها ضراً لهم جميعاً وذلك في الحياة الدنيا، أما في الأخرة فلا ينفع ولا يضر إلا نفسه.

ثالثا: وخالق الكون بإحكامٍ وإتقان لم ينصرف إلى الإنسان وحده ويحصي أعماله، في حين ترك جميع مخلوقاته الأخرى دون تدبير، بل هو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو الذي {يمسك السموات والأرض أن تزولا} [فاطر: 41]، ولكنّا وجدنا شمساً تشرق كل يوم، ووجدنا هواءً ومياهً وطعاماً، فظننا أنها موجودات بشكل تلقائي، ولم نبحث عمن أوجدها، والمسخِّر لها لنا، فكان عاقبة ذلك أن جحدنا هذه النعم.

“إن كل الأجناس في هذا الكون من جماد ونبات وحيوان وحتى أجهزة الإنسان تعمل بقدرة الله تعالى، قال تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29]. فالنبات يؤدي مهمته في الحياة بكل دقة بقدرة الله تعالى، فالبذرة التي نضعها في الأرض ونضع عليها الماء تنبت بإذن الله، وكل نبات يمتص من الأرض ما يجعله صالحاً لمهمته من الأشكال والألوان والمذاق، كلها تأتي من أرض واحدة وماء واحد، لقد وضع الله تعالى في النبات خاصية الاختيار من مواد الأرض بما يلائم النبات ليتم انسجام النبات مع الكون ومهمته. وكذلك الحيوان ينسجم في مهمته مع الكون سواء ذلك الذي اختصه الله سبحانه لخدمة البشر، أم ذلك الذي لم يسخِّره ولم يخضعه لإرادة الإنسان كالمفترس منها، أما الإنسان ففيه أجزاء غير خاضعة لإرادته وهي منسجمة في مهمتها، تؤدي وظيفتها تلقائياً، فالتنفس يتم بإرادة الله تعالى والقلب ينبض بإرادة الله تعالى دون أن نحس به، إنها في هذا منسجمة مع الكون انسجاماً كاملاً.” [قبسات من خواطر الشيخ الشعراوي في التفسير والإعجاز: ص19-20].

وأخيراً فإن صغر الإنسان مقارنةً بالكون لا يلغي حقيقة أفضلية الإنسان على الجماد وإن عَظُم، والنبات وإن عَلا، والحيوان وإن عَبَد، وذلك إن أصلَح وأتقى، وأن جميع ما خلقه الله في الأرض مسخّرٌ للإنسان، فهو العاقل المفكّر الذي يقارن بين المتناقضات فيعلم ما يصلحه وما يشقيه، وذلك إذا كان منهج الله إمامه، أما إذا كان إلهه هواه، فحينها ينحدر ويهبط إلى ما دون البهيمة.

ومما يدركه كل عاقلٍ أن الأشياء لا تُقاس بأحجامها وإنما بقيمتها، فقطعة صغيرة نفيسة نادرة من الألماس قد تحدث حرباً بين قبيلتين وتردي قتلى وجرحى، ولكن صخرة حجرية مهما كبر حجمها فإنها لا يمكن أن تؤدي إلى مجرد عراكٍ بين طفلين.

مارتن لوثر الإسلام

حسام شاكر


مَن سيكون “مارتن لوثر الإسلام” يا ترى؟ هو سؤال تنشغل به خطابات توحي بأنّ “لوثرية الإسلام” حتمية تاريخية قادمة لا محالة. تبلغ الحماسة ببعضهم حد تحديد اسم ذلك المسلم الموعود، الذي سيخوض معركة الإصلاح الديني وسيربحها أيضاً، فيجعلون ممن يستوقفهم أو يروق لهم من “الناقدين” أو “الإصلاحيين” المسلمين؛ حامل لقب لوثري محتملاً، على طريقة الألماني مارتن لوثر، الذي يقع هذه الأيام الاحتفال بانطلاق إصلاحاته قبل نصف ألفية.

لوثرية الإسلام
تشي مقولة “لوثرية الإسلام” بنزعة مركزية أوروبية فاقعة، فهي تتخذ من التجربة التاريخية الأوروبية نموذجاً للسياق الإسلامي الذي يقع تجريده من توقّع القدرة الذاتية على التجديد المتلاحق، وفق حتمية لوثرية لا فكاك منها تقريباً في تلك الخطابات، دون أن يوحي القوم باعتراضات على هذا المنحى التعسفي.

وفيرة هي العناوين الصحفية والتعليقات الإعلامية والمقالات والكتب في أوروبا التي استشرفت الآتي ومنحت ذاتها حق اقتراح اسم هذا الذي سيحظى بلقب “مارتن لوثر الإسلام”. تزايَد التلويح بهذا الوصف في مواقف وتعليقات وأعمال أوروبية متكاثرة منذ منعطف الحادي عشر من (سبتمبر/أيلول) 2001، عندما تفاقم النظر إلى الدين الإسلامي في أوساط أوروبية وغربية على أنه خطر وتهديد، أو مشكلة بشكل أو بآخر. لم تتواضع بعض الوجوه المسلمة التي تم خلع اللقب عليها من أحدهم في أوروبا، بل طارت به وتحدّثت به بفخر على الملأ، واعتبرته شهادة استحقاق وجدارة من “أوروبا والغرب”. ومن المفهوم أن يمنح البريق اللوثري حافزاً لعدد أوفر ممن يخوضون “مراجعات تجديدية” و”مقاربات إصلاحية” ضمن النطاقات المسلمة. وإن استبعد أولئك مسألة “المهدي المنتظر” فإنهم بمقولة “مارتن لوثر الإسلام” يضعون “المهدوية” في عباءة “اللوثرية” تقريباً.

من القسط القول إنّ السمات الإنسانية العامة حاضرة في التجربة اللوثرية، فهي تتجلى مثلاً بميلاد الأفكار الإصلاحية وكيفيات استقبالها ومقاومتها وتفاعلاتها ومآلاتها وعواقب تطبيقاتها المتعددة. لكنّ ذلك على قيمته المُلهِمة وعظاته الوفيرة لا يقضي بإغفال أنّ “اللوثرية” هي تجربة أوروبية أساساً، بل ألمانية ابتداء على وجه التحديد، وأنها ابنة العصر الوسيط المتأخر والتجربة الكنسية، وأنّ مقاربتها الدينية موجهة ضد السلطة الاستغلالية في الأساس متمثلة بكهنوت روما، فهي من هذا الوجه ثورة ضد سلطة مهيمنة وليست مجرد مراجعات دينية في الأروقة أو تنظير على المنابر. وإن تجاهلت نزعة البحث عن “مارتن لوثر الإسلام” هذه الحقيقة فإنها تقود بالتالي إلى استنتاجات مضللة للغاية بالمنظور المنهجي.

فالإسلام لا يقوم على نظام كهنوتي في الأصل، وإن لم تغب عن واقع المسلمين حالات سلطوية غير مرئية تحاكي الكهنوت وقد تباشر تنصيبه رسمياً تحت ستار مقولات مثل ولاية الفقيه أو ولاية الأمر، أو بالمبالغة في تعظيم العلماء والشطط في النزعة المشيخية، علاوة على سطوة تقاليد وتأويلات غير سوية على النص الديني المرجعي.

يبدو واضحاً أنّ كهنوت روما في زمن لوثر وفي السياق الألماني بوضوح، استعمل سلطة الحكم وهيْمن عليها، بينما يشهد واقع العالم الإسلامي اليوم علاقة معاكسة تقريباً في كثير من أرجائه المركزية، فسلطة النظام تستعمل الدين بطرق فظة ولو من وراء ستار، ولا تتوانى عن التحكم الشامل بالمرجعيات العلمية والمشيخية وبمواقع الفتوى والإرشاد وباحتواء الفضاء الديني ورموزه عموماً. ويُضاف إلى ذلك تضافر قدرات التحكم الأوروبية والأمريكية بالوجهة الدينية في العالم الإسلامي، كما يتجلى بوضوح منذ عهد بوش الابن وحتى عهد ترامب علاوة على الجهود الأوروبية المتعددة في هذا السياق. والحديث في هذا الصدد يدور حول “حرب أفكار” تتسارع عواصفها وتتلاطم أمواجها تحت مقولات مثل “مكافحة الإرهاب والتطرف” و”تجديد الخطاب الديني” و”المراجعات”، و”تصحيح الفهم”، وإن لم تشمل جميع ما يأتي تحت هذه العناوين بالطبع.

وللتقمص اللوثري مفارقاته التي تبلغ مبلغها لدى حالمين بانتزاع لقب “مارتن لوثر الإسلام” في عاجل الأمر أو آجله، إذ يرتمي بعضهم في أحضان سلطات مهيمنة ويأكلون على موائد الاستبداد المتخمة ويظهرون على شاشاته الملونة، دون الكف عن إطلاق مقولات إصلاح الدين وتجديده “بشجاعة” وخوض المراجعات “الجريئة” بلا تردد. ثم يتضعضع هؤلاء ويظهرون للعيان في منتهى الجبن والخوار والمداهنة إزاء سلطة النظام؛ الذي يمضي في اكتساح المجال الديني على طريقة لا تبتعد في روحها عن نهج البابا ليو وطغمة الاستبداد الديني التي تصدى لها لوثر قبل خمسمائة سنة.

سطوة المركزية الأوروبية
لا يُبصِر الباحثون في أوروبا عن “مارتن لوثر الإسلام” مخزون التجديد الكامن في هذا الدين، ولا يطيب لهم الاعتراف بحقيقة تحرّر النص الإسلامي المرجعي من الهياكل السلطوية؛ وإن تَضافَر حوله تحريفُ الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

عكف لوثر على تمكين الجمهور من قراءة النص عبر الترجمة عن لغة الكنيسة الرسمية، لكنّ المسلمين المتجاوزين في الأصل للوسيط الكهنوتي تحرروا ابتداء من هذا العائق إلى درجة يستسهل بها بعضهم الإقدام على التأويل وحتى الفتوى بلا ضوابط منهجية، وهي حالة يَصعُب تصوّرها حتى في البروتستانتية التي بعثها لوثر.

وما يجري في أوروبا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مع الملف الديني الإسلامي يسير في الواقع باتجاه محاولة إنتاج حالة من التقنين والمأسسة والهيكلة، التي تسعى لتجاوز ما تُعتَبر “مشكلة” عدم وجود كنيسة في الإسلام. وتتصاعد الشكاوى في الأقاليم الأوروبية من أنّ مواقع الإمامة والخطابة والإرشاد الديني الإسلامي منعتقة من ضوابط واشتراطات يفرضها الانخراط في السلك الديني الرسمي كما عليه الحال في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية ومعظم البروتستانتية. فما الذي ستقدمه التجربة اللوثرية في هذا السياق الإسلامي المنعتق أساساً من البابوية والكهنوتية والتراتبية اللاهوتية؟

وإن منح لوثر جمهوره ألوان الحياة وروح السعادة وفتح باب الزواج للمنخرطين في السلك الديني؛ فما بوسعه أن يمنح المسلمين من هذا المتحقق لديهم ابتداء؟ إنه غيض من فيض التساؤلات التي يجدر إثارتها إزاء مقولة “لوثرية الإسلام” التي تجنح إلى إسقاط الماضي الكنسي الأوروبي على المستقبل الإسلامي، وقد يُفهَم ضمناً من بعض الخطابات أنّ التجربة الغربية بلغت بالتاريخ نهايته وأنها مستغنية اليوم عن المقاربات الإصلاحية الجوهرية، رغم الاختلالات الجسيمة التي تنتصب في حقول شتى في واقع التطبيق البشري المتمحور حول التجارب الأوروبية – الغربية.

وإذ يخلب البريق اللوثري الأنظار؛ فإنّ منحى التقمص لا تستوقفه تساؤلات مشروعة؛ مثلاً عن ضراوة المخاضات التي ستترافق مع “اللوثرية الإسلامية” إياها، وهل يُرجى لهذا الإصلاح أن يُنعش نهضة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحاكي تجربة أوروبا الاستعمارية وتزاحمها في التوسع الاقتصادي والصناعي والإنتاجي والسياسي والاستراتيجي ضمن عالم الحاضر والمستقبل؟ أم أنّ غاية المطلوب لدى بعضهم لا تتعدى تفكيك الإسلام ببريق الشعار اللوثري وإخضاعه لقراءات أوروبية يقع إسقاطها عليه دون أن يقوى على المنافسة في عالم متنوع؟ وهل يأمل القوم حقاً من مقولة “اللوثرية الإسلامية” أن يُتاح التوسع في نشر المصاحف الشريفة حول العالم بألسن الأمم جميعاً لتناهز “الكتاب المقدس” الذي هو أوسع الكتب طباعة ونشراً وتوزيعاً بفضل اللوثرية أساساً؟

السياقات اللوثرية ومآلاتها
يبقى الانشداد إلى تجربة مارتن لوثر (1483 – 1546) مفهوماً، خاصة في الذكرى مرور خمسمائة سنة على عريضته التي غيّرت وجه أوروبا وتركت تفاعلاتها وتأثيراتها وبصماتها حاضرة في العالم. تقول الرواية إنّ اللاهوتي الألماني الشاب عمد يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1517 إلى تثبيت وثيقة من 95 بنداً بالمطرقة على باب كنيسة القصر في فيتنبرغ الألمانية، فأوجعت طرقاته روما الرازحة تحت غطرسة البابا ليو، الذي أعماه الجشع المادي عن تعاليم المسيح عليه السلام.

لكنّ فهم الرواج الذي تحقق لحركة الإصلاح هذه لن يتحقق دون إدراك سياقاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يصح النظر إلى شجاعة لوثر بمعزل عن حفاوة الجمهور المحلي بأفكاره المركزة التي صبّها في عريضته ورسائله.

قاد لوثر ثورة عارمة بقوة الأفكار التي لامست حاجات قائمة أساساً في مجتمعات أوروبا التي أخضعها الاتجار البشع بالدين، وأثقلتها الطقوس الجوفاء، واستغرقت في التبرّك شبه الوثني بعظام القديسين على حساب روح الإيمان والتعاليم. ظهر لوثر في مجتمعات شاحبة تستعذب الفقر والفاقة والحرمان وتدفع بعصارة قوتها إلى كهنوت روما المنشغلة بمراكمة الثروة وتشييد البنيان الشكلية من بيع صكوك الغفران ونشر ثقافة التعاويذ.

سدّد لوثر ضربات موجعة للكنيسة، حتى خلال محاكمته المشهودة التي خرج منها منتصراً، وأنجز نقلة جوهرية بتحرير الوعي الديني من ربقة الكنيسة إلى نص “الكتاب المقدس” مباشرة، رغم أنّ ترجمته الخاطفة للنص ليس بوسعها أن تبرأ من التحيزات التي هي سلطة ضمنية، وإن حرَم الكهنوتَ الكاثوليكي بذلك احتكار سلطة تأويله. أقدم لوثر على خطوة جسورة لتمكين الجماهير من فهم “النص المقدس” بأن أنجز ترجمة “العهدين القديم والجديد” من اليونانية إلى الألمانية، وتجنّدت المطبعة المبتكرة آنذاك في خندق لوثر وأسعفته في ��لذيوع الجماهيري.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً

تحدّى لوثر الكنيسة وجها لوجه، لكنه أتاح للدين فرصة البقاء ضمن حضور متجدد مؤهل للعبور إلى العصر الحديث والتعايش مع الحداثة أو حتى تهيئة الأجواء لبعض شروطها، مثل الحرية والديمقراطية ومقولة الامتثال للضمير التي ألحّ عليها، علاوة على تأثيراته المتعددة في الكاثوليكية ذاتها وإن لم يقع الاعتراف بها.

لم يكن ذلك إصلاحاً في النطاق اللاهوتي وحده، بل هي بالأحرى ثورة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحققت لأوروبا التي انعطفت إلى زمن جديد بفعل جملة من العوامل والمتغيرات التي لم تقتصر على اللوثرية. وقد اتسع تأثير هذه الحركة الإصلاحية حتى تجاوز أتباع كنائسها المتعددة اليوم نصف مليار إنسان، لكنّ انتشارها العالمي لم يأتِ فقط بقوة الأفكار والتعاليم بل تحقق عبر تفاعلات الواقع وملابساته، بما فيها التوسع الاستعماري مثلاً. ومن الإنصاف القول إنّ مارتن لوثر قدح شرارة الإصلاح تلك، لكنّ الافتتان بتجربته يصرف النظر عادة عن ثغراتها ومآلاتها التي لم تكن وردية تماماً، ويجوز الافتراض بأنه إصلاح لم يكتمل إذ بقي وفياً للإطار العام للتقليد الكنسي في كثير من سماته.

دشّن لوثر مسيرته الإصلاحية بتعليق عريضته الشهيرة المشتملة على 95 نقطة موجزة، ولو جاءت في زماننا لما تردد في إطلاقها عبر حزمة تغريدات في “تويتر”، وستحظى على الأرجح بوفرة من الإعجابات وإعادة التغريد أسوة بشغف الجماهير حول كنيسة فيتنبرغ بالبنود الثورية التي علّقها.

لكنّ عريضة لوثر ينبغي عليها اليوم قبل أن تقارع سلطة الكهنوت أن تقود حركة إصلاح في منظومة الحداثة التي وقع تحنيط قيمها ومقولاتها واستغلال قدراتها المتراكمة بأساليب ذات وقع مدمر على الإنسان والعالم. سيكون على مارتن خوض نضال جديد للتبرؤ من مسالك وتقاليد وممارسات تذرعت بالبروتستانتية أيضاً خلال ضلوعها في التمدد الاستعماري والمشروع الصهيوني والتفرقة العنصرية والحمى النازية والجشع الرأسمالي وصور متعددة من الشرور، التي لا تنفي الوجوه الإيجابية التي دفعت بها أيضاً وإن لم تكن مكتملة.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً. إنها نزعة تستدرج أصحابها إلى الوقوع في قبضة المحاكاة الرمزية لتجربة تنتمي في الواقع إلى ذيول العصر الأوروبي الوسيط، وإن ظلت دروسها وعظاتها شاخصة للمتأملين حتى اليوم، ضمن رصيد التجارب البشرية التي ما زالت تتراكم وتتفاعل.

خيارات الإسلاميين لتجاوز أزمة الحداثة

عبد السلام بوقدير


أصدر المفكر الجزائري د. عبد الرزاق بلعقروز في عام 2013 كتابه القيم “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي”، ووضع في خلاصة نقده للمفكرين العرب الذين حاولوا الخروج من أزمة الخطاب الإسلامي عبر استعارة أدوات ما بعد الحداثة من الغرب، وقدم قراءة واعية لفكر إسماعيل الفاروقي وطه عبد الرحمن باعتبارهما نموذجين ناضجين لتجاوز أزمات الغرب وإحياء الحضارة الإسلامية، مركزا على مسائل الحداثة وأزمة الحقيقة والتعارف والعقلانية والكونية.

يتساءل الكاتب: ما الذى يملكه الخطاب الإسلامى المعاصر من أجل الإسهام فى التحولات المعاصرة؟ وهل يؤسس هذه الخطاب رؤاه الفكرية منفصلا عن خطاب الحداثة وما بعدها؟

ويقول بلعقروز إن مُمكنات الخروج من نفق الطور الحداثي المُظلم، وإصلاح العطب في هذا المشروع لن تكون ممكنة دون إعادة تفعيل التوجيه الديني وقيم الإيمان في بناء الإنسان وملء العالم بالمعنى من جديد، لأنه لا فتوحات ممكنة تلوح سوى بأربعة شروط، وهي:

1- أن يستفتح الإنسان من جديد، من أجل أن يفتح اللّه له، ويعيد ترتيب الصّلة معه، لأن الذات دون إيمان ودون معنويات تنتج أنماط الحياة التي لا تُطاق.

2- أن ينتهي الإنسان عن غيه وظلمه وتخريبه للعالم، أي تدمير المعنى والعالم المحسوس.

3- أن يحذر من السقوط في أزمات المشروع الحداثي الغربي، لأنه لن يثْمر إلا عودة المآزق وفقدان الأمن الوجود ونَسْبنة المعرفة واختزالها في المصلحة، واختلال التوازن القيمي، ومن ثم الوصول إلى العَمى الوجودي والعبث السُّلوكي والتَّخريب للأرض.

4- التَّفكير في الارتقاء إلى مستوى الحدث الحضاري من أجل فهم هذه المشكلة بعمق، أي فهم الحداثة الغربية بعمق والكشف عن الفقر المعنوي والأخلاقي الذي ينخر أساساتها، وإعادة ترتيب سُلّم القيم الضائعة وبلورة نموذج إدراكي جديد للعالم.

ويرى المفكر الجزائري أننا لم نتعامل مع الحداثة في طورها الغربي بشكل ناضج بعد، فنحن فاقدون للرؤية والمنهج والإرادة، كما أننا لم نفهم الحضارة الإسلامية بعمق وشمول حتى نبحث في تراثنا المعنوي والأخلاقي الضخم ونفسّره من جديد.

ويعتبر أن النهضة تبدأ بإعداد قادة في الفكر من أجل إنجاز وظيفة الفهم المزدوج للحضارة الغربية وأسسها بعمق، وفهم الحضارة الإسلامية بعمق أيضا.

ويسعى في كتابه إلى رصد جوانب الاجتهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر الساعية إلى بلورة رؤى فاعلة مستقلة عن سياق الحداثة.

ومن مباحث الكتاب المهمة أنه بيّن حدود النظريات التواصلية الغربية التي تأثر بها الفكر العربي المعاصر، وشدد على الحاجة إلى الأخذ بالرؤية التَّعارفية التي اقتبسها من قوله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، مستندا في الأساس إلى المبدأ القرآني لرؤية الإنسان للوجود من خلال التوحيد، فوحدانية الله هي أساس كل شيء، ومن ثم انفصال الذات الإلهية عن الإنسان والعالم المخلوق دون حلول ولا اتحاد، وتأتي بعد ذلك الرؤية التعارفية بناء على مفاهيم: التَّكريم الإنساني {ولقد كرمنا بني آدم}.، ووِحدة الإنسانية (دون تمييز عرقي)، والاختلاف التّكاملي (وليس التفاضلي العنصري).

وفي نقده لأزمة الحقيقة والقيمة، يشرح بلعقروز كيف هيمنت الاتجاهات الارتيابية على الفلسفة الغربية فيما بعد الحداثة، ثم استعرض أفكار إسماعيل الفاروقي التي تتجاوز هذه الاتجاهات وتؤسس الرؤية على وحدة الحقيقة والقيمة والحياة، وتستمدها من وحدانية الله.

أما أزمة العقلانية فقد عرضها المؤلف في فكر محمد أركون، ثم استعرض نقد طه عبد الرحمن لأركون الذي فضح افتتانه بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ومحاولته تطبيقها على المعرفة الإسلامية، حتى في نصوصه المقدّسة، حيث كشف طه أن ادعاءات أركون لا ترقى إلى تصورات الفقهاء، ويقول إنه لو كانت مذاهب الفقهاء فعلا امتدادا لتناحُرات السّياسيين لما اختصّت بالوفاء لشروط الاستدلال والبناء النّسقي، فالسّلطة لا تخاطب العقل بل تتوسل العاطفة.

وفي الفصل الخامس والأخير، ينقد المؤلف طرح “الفلسفة الكونية” لدى المثقفين الحداثيين العرب، ويطرح البديل المتمثل في “الفلسفة المقارِنة” التي تدرك العالم بالمعنى الاختلافي، معتبرا أن الفلسفة الكونية تؤدي للانغراس في أنماط فكرية أخرى لا تخرج من عمق معاناتنا ولا تستجيب لمشكلاتنا.

غزل الفقهاء المسلمين

عبد اللطيف المحيمد


الصورة النمطية التي يُنظر فيها إلى العالِم المسلم هي صورة الجدية، وتناول الأمور بشكل رسمي، فلم يعتد المسلمون وغيرهم من عالِم الشريعة أن يتناول في حياته أموراً ربما يعتقد أنها من اللهو وإضاعة الوقت! إلا أن المتأمل لحال العلماء الربانيين يلحظ جيداً ذلك الجانب الآخر في حياته، بعيداً عن الفقه وتشعباته، وعلم الكلام ومقالاته، وبعيداً عن الوعظ والإرشاد، والترغيب والترهيب، بل هي الحياة الشخصية للعالم المسلم بما فيها من أدب وشعر ولهو وغيره.

والنقطة التي أود تسليط الضوء عليها في هذا المقال هي: موقف العلماء المسلمين من شعر الغزل خاصة، لما فيه من خصوصية في النفوس، وتأثير على الروح، لا سيما وأن غالبهم قد عايش البيئة العربية التي اتخذت من الشعر صناعة لها، وأقاموا له الأندية والأسواق الأدبية، بل كان عندهم ما يعرف بالنسيب، وهو أن يبدأ الشاعر قصيدته بمطلع غزلي يتغزل فيه بمحبوبته، حقيقة كانت أو وهماً، ولن أتكلم عن حال العرب مع شعر الغزل قبل الإسلام لكثرة ما كتب عنه، ولكنني أتكلم عن شعر الغزل في صدر الإسلام، وموقف علماء المسلمين منه عبر العصور، وهذا موضوع لم يُطرَق كثيراً.

ولا يشك عاقل في تلك الحالة النفسية التي يشعر بها الإنسان إذا قيل له: إن العالم الفلاني يمتهن شعر الغزل ويتغزل بالنساء. فهذه الحالة النفسية تتمثل بنوع من الشبهة التي ترتسم في مخيلته، ومن استغراب وتساؤل حول كون هذا العالم أصابه العشق والحب، واكتوى بناره، حتى أصبح العالِم المسلم الذي يقتحم هذا المجال من الفن والأدب والشعر موضع شبهة عند العوام وطلبة العلم، ولا يسلم من الغمز واللمز، إلا أننا سنحاول البحث عن حقيقة هذا الأمر، وسنجلي الصورة كما عرفها العلماء الربانيون، وكما أخذوها من الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولذلك قال الشيخ علي الطنطاوي: “قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين وقد سقط إليه عدد من مجلة الرسالة، فيه مقالة لي في الحب: ما لك والحب؟ وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب أو يعرضوا للغزل، إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزه الله نبيه عن الشعر، وترفّع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرح الشافعي أنه يزري بهم، ولو لا ذلك كان أشعر من لبيد…” [انظر: من غزل الفقهاء، ص: 5].

الغزل في عهد النبوة والخلفاء
لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم الشعر، ولم يتخذه صنعة، وقد نزهه الله عن أن يكون شاعراً، ونفى عنه الشعر وصنعته في القرآن الكريم، فقال: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}، وقد حمل ذلك بعض الفقهاء على محمل أن الشعر قبيح، ولذلك نزه الله نبيه عنه.

إلا أن المتأمل للآيات الكريمة التي تكلمت عن الشعر يجد أن الله تعالى نفى عنه الشعر لا لقبحه وإنما في مقابلة التهمة التي اتهم المشركون بها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اتهموه بأنه شاعر، وأنه هو من قال القرآن الكريم، لينفوا بذلك أنه كلام رب العالمين، قال تعالى: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} [الأنبياء، 5]، وقال: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور، 30].

ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع للشعر، وكان يستدل به، بل استمع لكعب بن زهير وهو يلقي شعر الغزل بين يديه، ولم ينكر عليه فعله، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الفجر ثم جلس، فجاءه كعب فسلم عليه وألقى قصيدة طويلة فيها مدح للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان مطلعها غزلي بحت، فقال فيها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ         متيَّم إثرها لم يُفْدَ مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا          إلا أغنُّ غضيضُ الطرف مكحول

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة             لا يشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت               كأنه منهل بالراح معلول

وهذا غزل صريح، فيه ما فيه من التشبيه، ثم يسترسل كعب بنسيبه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يسمع وينصت، ولم ينهره أو يسكته، بل كان مهتماً فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول له: لو قلت كذا وكذا، فدل ذلك على أنه كان ينصت.

ولا يحتج محتج بأن هذه القصة ضعيفة ولم تثبت فأكثر المحدثين على ثبوتها، بل بعض الفقهاء ألف كتباً في صحتها، كالشيخ إسماعيل الأنصاري الذي كتب “القول المستجاد في صحة قصيدة بانت سعاد”، وكذلك الدكتور سعود الفنيسان كتب “توثيق قصيدة بانت سعاد في المتن والإسناد”.

وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتمثل بشعر الغزل، وأن ابن عباس كان يجلس مع عمر بن أبي ربيعة، وهو شاعر الغزل المعروف والمشهور به، فكان يسمع منه، ويروي للناس شعره، ويتمثل به.

الغزل عند العلماء المسلمين
والأمثلة على ذلك كثيرة، وهي تبين موقف علماء من الأمة من هذه القضية بشكل قاطع، وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي في كتابه “من غزل الفقهاء” أمثلة على ذلك، فنقل عن الحسن البصري أنه كان يتمثل في مجالسه بقول الشاعر:

اليوم عندك دلها وحديثها                وغداً لغيرك كفها والمعصم

وانظر كيف يتكلم الحسن البصري عن دلالها، وحديثها، ولم يجد حرجاً في ذلك.

كما نقل عن سعيد بن المسيب أته سمع مغنياً يغني:

تضوَّع مسكاً بطن نعمان إن مشت            به زينب في نسوة خفرات

فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ سماعه، ثم راح يعارض هذا البيت بأبيات رائعة، فقال فيها:

وليست كأخرى أوسعت جيب درعها        وأبدت بنان الكف للجمرات

وعالت فتات المسك وخفاً مرجلا          على مثل بدر لاح في الظلمات

وقامت تراءى يوم جمع فأفتنت              برؤيتها من راح من عرفات

ومن الفقهاء الشعراء عروة بن أذينة، وهو فقيه محدث وشيخ الإمام مالك رحمه الله، وقد نقل عنه الكثير من شعر الغزل، ومنه:

إن التي زعمت فؤادك ملها            خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فبك الذي زعمت بها وكلاكما            يبدي لصاحبه الصبابة كلها

وهي قصيدة طويلة، من عيون قصائد الغزل العربي، ولما سمعها أبو السائب المخزومي حلف أنه لا يأكل بها طعاماً إلى الليل، وكأنه لما سمعها أكل وشرب، فاكتفى بها واستغنى عنهما.

وكان إمام المدينة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود شاعراً متغزلاً، وهو من الفقهاء السبعة للمدينة المنورة، وكان يقول شعر الغزل، ومنه:

شققت القلب ثم ذررت فيه             هواك فليم فالتام الفطور

تغلغل حب عشمة في فؤادي           فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب            ولا حزن ولم يبلغ سرور

وكان ابن المسيب إذا لقي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقول له: أأنت الفقيه الشاعر؟ فيقول: لابد للمصدور من أن ينفث، فلا ينكر عليه ابن المسيب.

ومن شعره أيضاً:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم        ولامك أقوام ولومهم ظلم

ونمَّ عليك الكاشحون وقبلهم             عليك الهوى قم نم لو نفع النم

وزادك إغراء بها طول بخلها          عليك وأبلى لحم أعظمك الهم

فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة       على إثر هند أو كمن سقي السم

ألا من لنفس لا تموت فينقضي          شقاها ولا تحيا حياة لها طعم

ومن الفقهاء الشعراء الغزليين أبي السعادات أسعد بن يحيى السنجاري، وهو من فقهاء الشافعية، ومن شعره الغزلي:

وهواك ما خطر السلو بباله           ولأنت أعلم في الغرام بحاله

ومتى وشى واش إليك بأنه             سال هواك فذاك من عذاله

ومنهم أيضاً الشيخ الشهرزوري الصوفي، ومن غزله:

فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفة              عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري

وغابت شموس الوصل عني وأظلمت         مسالكه حتى تحيرت في أمري

ومنهم الإمام ظهير الدين الأهوازي، ومن شعره:

وإني لأبدي في هواك تجلدا              وفي القلب مني لوعة وغليل

فلا تحسبن أني سلوت فربما             ترى صحة بالمرء وهو عليل

ومنهم إمام الصوفية في زمانه أبو القاسم القشيري، وهو فقيه كبير، ومفسر ومحدث، فقال:

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا              ورأيت كيف تكرر التوديعا

لعلمت أن من الدموع محدثاً           وعلمت أن من الحديث دموعا

ومن شعره:

ومن كان في طول الهوى ذاق لذة           فإني من ليلي لها غير ذائق

وأكبر شيء نلته من وصالها               أماني لم تصدق كخطفة بارق

وكذلك القاضي عبد الوهاب المالكي، وهو فقيه مالكي مشهور، وكان من شعره وغزله:

ونائمة قبَّلتها فتنبهت                       وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد

فقلت لها إني فديتك غاصب               وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها وكفّي عن أثيم ظلامة              وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد

فقالت قصاصاً يشهد العقل أنه           على كبد الجاني ألذ من الشهد

فباتت يميني وهي هميان خصرها      وباتت يساري وهي واسطة العقد

فقالت ألم تخبر بأنك زاهد؟               فقلت: بلى، ما زلت أزهد في الزهد

وأما القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز، الفقيه الشافعي، فمن غزله:

ما لي ومالك يا فراق                 أبداً رحيل وانطلاق

 يا نفس موتي بعدهم                 فكذا يكون الاشتياق

ومنهم أيضاً المؤرخ والفقيه الكبير ابن خلكان، ومن شعره:

أنا والله هالك               آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي         قد أقامت قيامتي

وأما الفقيه الظاهري محمد بن داود الظاهري فقد كان يتغزل ويقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي             وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمد من ثق�� الهوى ما لو أنه              يصب على الصخر الأصم تهدما

ومن فقهاء الشافعية الإمام أبي الفضل الحصكفي، ومن شعره:

أشكو إلى الله من نارين واحدة              في وجنتيه وأخرى منه في كبدي

ومن سقامين سقم قد أحل دمي              من الجفون وسقم حل في جسدي

وبذلك نرى أن العلماء المسلمين عاشوا حياتهم بكل جوانبها، ودل ذلك على أن شعر الغزل من المباحات، ما دام صاحبه قد اجتنب المحرمات، وهذا ما نقله الشيخ الطنطاوي رحمه الله، وهناك غيرهم الكثير، إلا أن المقام ليس للتطويل، بل للتدليل.

مؤلفات المسلمين في الغزل
لم يهمل العلماء المسلمون شعر الغزل بل كانوا يهتمون كثيراً بأخبار العشاق والمحبين، وأشعارهم، وأحوالهم، بل إنهم ألفوا في ذلك مؤلفات، فابن حزم كتب كتابه “طوق الحمامة” وهو في أخبار العشق والمحبين وأشعارهم، بل قد ملأه وحشاه من شعره الغزلي الذي كتبه هو، وابن حزم هو من هو في العلم والفقه، وصاحب كتاب المحلى الشهير.

وقال في خاتمته لما خاف الشبهة من متعصبيه: “وأنا أعلم أنه سينكر بعض المتعصبين علي تأليفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته، وما أحل لأحد أن يظن فيَّ غير ما قصدته، قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم” [طوق الحمامة، ص: 322].

وألف ابن القيم كتابه “روضة المحبين ونزهة المشتاقين” وهو سفر كبير فيه أخبار العشاق وأشعارهم وقصصهم، بل إنه قال: “والشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاقي سنة ماضية وسعي مشكور” [انظر: روضة المحبين، ص: 518].

وألف الجاحظ رسالة في العشق والنساء، وكتب الكندي رسالته المسماة بالزهرة، وهي في الحب والعشق وما شابهه، وألف ابن أبي حجلة ديوان الصبابة، وهو فقيه حنبلي، كما ألف داود الأنطاكي كتابه “تزيين الأسواق في أخبار العشاق”، نقل فيه الكثير من شعر الغزل، وكذلك ألف محمد صديق خان وهو العالم الهندي الكبير كتابه “نشوة السكران من صبهاء تذكار الغزلان”، والشيخ علي الطنطاوي ألف رسالته “من غزل الفقهاء”.

كما تكلم الغزالي عن شعر الغزل وأباحه، فقال الغزالي في الإحياء: “فأما النسيب وهو التشبيه بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر.. والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن، وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة، فإن نزله فلينزله على من يحل له من زوجته وجاريته، فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل”.

الحجاب.. إخفاء لجمال المرأة أم العكس؟

محمد الريس


إن من أحكام الإسلام ما يرتبط بالفرد ومنها ما يرتبط بالمجتمع، إذ لا يستقيم الفرد السقيم بالمجتمع الصحيح، ولا يستقيم الفرد الصحيح بالمجتمع السقيم. فالنهي عن الشرك بالله وشرب المسكرات وأكل لحم الخنزير وإضاعة الصلاة والإفطار في رمضان هو مما يتعلق بالفرد تعلقاً مباشراً، أما النهي عن القتل والربا والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم والغيبة والنميمة والكذب فهو متصل بالمجتمع اتصالاً مباشراً. ومعنى هذا الذي نقول: إما أن تكون عاقبة فعل النهي واجتناب الأمر على الفرد أو تكون على المجتمع.

هل الحجاب يرتبط بالفرد أم بالمجتمع؟
“إنه لا يرتبط بالفرد إذ ليس خلعه بفعلٍ شنيع يضرني، ولا يتعلق بالمجتمع إذ إنني حرة ولا أضر غيري أو أرتكب جرماً بعدم ارتداءه، وبالتالي فهو ليس حكماً شرعياً بل مما جرت عليه العادة”، هذا ما تبرره لنفسها غير المتحجبة وهذا ردي على تبريرها: إن من الأخلاق ما ترتبط بالرجل ارتباطاً وثيقاً ومنها ما يرتبط بالأنثى ارتباطاً شديداً، فالشجاعة والتضحية والكرم والإيثار مطلوبين عند كلا الجنسين، لكن لا أحد ينكر أنهم بالرجل أولى وألزم، أما الحياء والعفاف والاحتشام فهم رغم أن كلا الجنسين مطالب بهم، فهم بالأنثى أولى وألزم.

ولا يمكن لعاقل أن يحصر الحياء والعفاف والاحتشام بلبس الحجاب، فيصف كل من تلبسه بالصفات التي ذكرت، ويجرد كل من تخلعه من الصفات ذاتها. ولكنه ينطوي على قدر كبير من تلك الصفات، ومن هنا كان ارتباطه بالفرد.

أما ارتباطه بالمجتمع، فمن المعلوم بداهة وعلماً أن الرجل يُثار بالبصر وأن المرأة تُثار بالسمع واللمس، لذلك يندر أن ترى رجلاً يشتكي من زوجته عدم إسماعها له الكلمات الغرامية، بل يشتكي من عدم اهتمامها بملابسها أو شعرها أو ما شابه. وكذلك قلما تجد امرأة تشتكي من زوجها عدم ارتدائه ملابس جميلة أو تصفيف شعره، بل تشتكي من عدم محادثته لها كلاماً رقيقاً وإبقاء مشاعره مكتومةً دون إفصاح. لذلك إذا أردنا مجتمعاً سليماً فلا بد من ارتداء المرأة للحجاب لقطع الطريق على العازب من الوقوع في الزنى وعلى المتزوج من نبذ زوجته والزهد فيها، وكذلك لابد من كتم أفواه الذكور عن أحاديث يقصد من ورائها إيقاع الفتيات واللعب بعواطفهن وابتزازهن في أغلى ما يملكن.

والآن، هل الحجاب يخفي جمال المرأة؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نسأل عمّن يكون الإخفاء؟

الإخفاء يكون عن كل من ليس من محارم المرأة، وهي ليست مطالبة بإظهار جمالها للغادي والرائح وإنما حجبه، وهذا واجبها تجاه نفسها وتجاه المجتمع، وقبلهما تجاه الذي بيده ملكوت السموات والأرض.

إن قولنا إن الحجاب يخفي جمال المرأة هو كقولنا إن عدم إيقاع الشاب بالفتاة واللعب بعواطفها عن طريق الكلام المعسول يخفي بلاغة كلامه وقوة بيانه! فالأول واجبها تجاهه لخلق مجتمع سليم، والثاني واجبه تجاهها لذات الغرض وهو أن نخلق مجتمعا صحيحاً نظيفاً لا يكون “الشاطر” فيه من يفتن الآخر ويوقع به.

إذن مما سبق ندرك أننا لم نقصد أن ترتدي الفتاة حجاباً لتغطي شعرها في حين ترتدي بنطالاً أضيق من مقاسها، وتضع مكياجاً ملفتاً لنظر من يراها على بعد مئة متر! وإنما قصدنا أن يكون الستر والاحتشام منهجها، فتراعي أن تكون ملابسها لا تكشف ولا تصف ولا تشف ولا تلفت الانتباه. ومن تبرر إظهارها كامل مفاتنها عن طريق المكياج والملابس الضيقة والملونة والكاشفة عن جزء من جسدها بأن “الله جميل يحب الجمال”، فلتعلم بأن الجمال الذي يحبه الله يكون فيما أباحه لعباده لا فيما نهاهم عنه، وهو في الملابس بأن ترتدي ثوباً نظيفاً مكوياً مرتباً.

أخيراً، قد يكون هنالك من قرأ مقالي دون أن يعيه إذ دخل عليه وهو يريد أن يقرأ ما يوافق شهوته لا ما يخالفها، وهذا من لم أخاطبه في مقالي، إذ اتخذ من هواه إلهًا، فهو مستعد في سبيل اتباع هذا الإله والتهرب من أمر الله تأويل النصوص القرآنية على غير سياقها ونسف الأحاديث الصحيحة، إذ أصبح ما يخالف هواه كجبلٍ جاثمٍ على قلبه فهو لا يريد إلا التخلص منه وإبعاده عن تفكيره، وذلك إرضاءً لضميره!

كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

إبراهيم إسماعيل


يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عقيدة التثليث[16].


[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247

الحجاب والعبودية

آلاء بهجت الحاجي


في خضم كل الحملات التي تدعو لتغطية الثمرة المكشوفة وحفظ الجوهرة المكنونة من مرضى القلوب وعبيد الشهوات، وتختزل الكثير من معاني تدين المرأة في تغطيتها لجسدها أو كشفه؛ تتجلى ضرورة النظر للباس المرأة في الإسلام ضمن كليات الشرائع المفروضة التي تحقق معنى العبودية لكل من أسلم نفسه لله ودان بهذا الدين.

فحديثنا عن لباس المرأة قبل أن يكون حجبا للأنوثة وإظهارا للإنسانية التي تستطيع المرأة من خلاله ممارسة نشاطها المجتمعي، إنما هو تحقيق لعلاقة العبودية بينها وبين الله وعهد منها بالتزام هذا الدين القيم، في عالم جل ما يحارب من أجله هو إسقاط نظرة الإنسان لنفسه على أنه عبد مستخلَف، ويغرس فيه أنه المركز والسيد الآمر الناهي.

والخطاب الذي يشجع المرأة على اللباس الساتر لأجل حفظ المجتمع من الفساد والانحراف، وحفظ جسد المرأة، قد يغفل علاقة العبودية لله التي تكرم المرأة، وتدفعها للالتزام باللباس الساتر ضمن جملة الفرائض التي تقوم بها لتحقيق أسمى درجات الحرية وهي عبادة الله فوق ما سواه.

فلا يكون سيماء المرأة في الإسلام -كما أسماه الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله- له معنى إن كان تابعا للمخلوق ومصلحة المخلوق قبل أن يكون تابعا لله، وبهذا تسمو العلاقة روحيا بهذا اللباس الذي هو منظومة قيم قبل أن يكون قطعة قماش [سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، د.فريد الأنصاري، منشورات ألوان مغربية،الرباط، 2003م].

إعلانات السجائر حاولت استقطاب المرأة عبر التركيز على تحررها

وما تحرير المرأة من تلك العبودية ومن منظومة القيم إلا فرض قيم أخرى عليها وتسويق عبودية جديدة لغير مستحقيها، فصيحات الأزياء وممولوها يستغلون بشكل خفي أو بآخر عبر الدعاية والتسويق دعاوى تحرير المرأة من ذكورية الأديان التي تفرض عليها الستر والتغطية، مفسرين ذلك بضرورة اختيار المرأة للباسها بعيدا عما يفرضه الدين الذي جاء لحجب الأنثى وإضفاء السيطرة الذكورية عليه.

لكن هذه الدعوات تواجَه بازدواجيتها المكشوفة؛ فكيف تدّعي أن على المرأة اختيار ما تلبسه وهي لا تختار ما تلبسه بل يفرضه عليها السوق؟ وكيف تبتعد عن ذكورية الأديان واختيارهم لما تلبسه إذا كان مصممو الأزياء العالميون ذكورا أيضا؟ هل تُعطى المرأة في عالمنا رفاهية اختيار صيحات الأزياء المسوقة؟ هل تساءلنا يوما عن القيم الأخلاقية التي يتبناها أصحاب شركات الأزياء العملاقة ديور وسان لوران وجافنشي وغيرها؟

إسلام السوق
والحجاب غير بعيد عن كل ذلك، فمؤخرا بات صيحة ووجها آخر لسيطرة قيم السوق الاستهلاكية كما يقول صاحب كتاب (إسلام السوق) “فالحجاب نقل إلى سياق استهلاكي سرعان ما سيدمغه بقيمه ومعاييره الخاصة وسيدخل في صراع مع الأصل الإسلاموي الذي يرفض فكرة موضة الأزياء ويعده تعبيرا عن حالة الاغتراب الثقافي وتبذيرا ومصدرا للإغراء” [إسلام السوق، باتريك هايني، ترجمة عومرية سلطاني، الطبعة الأولى، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015م، ص72].

وانتشار “الفاشينيستا” المحجبة أيضا التي هي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يعبر عن حالة “الاستلاب الحضاري” التي نراها ويجر أسئلة حول مقياس العبودية المطروح أعلاه وما إذا كان هو معيار التزامنا بالفرائض أم أن تديننا أصبح أيضا حسب السوق، فخضوع المرأة المحجبة بزيها الذي يفترض فيه الاحتشام لمخيالات أصحاب دور الأزياء ما هو إلا وجه آخر من اتباع قيم المخلوقين التي فرضوها عن طريق ادعاء التحرر وفك القيود، والتحكم بالعبودية بدل أن تتوجه لمستحق العبودية وصاحب الخلق والأمر. [فلسفة الزي الإسلامي، أحمد الأبيض، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ص26].

أصبح التبارز العالمي الآن مكشوفا في تسليعه للجسد عموما وجسد المرأة خصوصا وتبذله في التكشف والتغيير والتجمل والتجديد والنضارة والتخليد، مما يعيدنا للحديث عن فلسفة الجسد وفهمنا لهذا الكيان المخلوق وتكريم الله له بنفح الروح الآدمية فيه ارتقاء به عن مستوى الحيوان، ويجرنا لفهم العلاقة بينه وبين الستر والكشف على مدى التاريخ الإنساني، وكيف نظر الدين إلى هذا الجسد باعتباره أمانة ومسؤولية ووسيلة للعمران وعنصرا من عناصر الاستخلاف، لا ميدانًا للتفاضل العقيم.

إن الحجاب كقيمة إسلامية مرتبط بتعاملنا معه وقبولنا أو رفضنا لتطويعه وسيولته وفقا للحداثة التي أذابت العالم، ولو أن الحجاب لا يعني القبح وإهمال المظهر لكنه أيضًا لا يجعل المرأة أجمل كما تروّج بعض الخطابات، ولم يُفرض ليجعلها أجمل أصلًا إن كان معيار الجمال هو ما تنشره الحداثة وتجر الناس كالقطعان إليه، وطرح هذا الخطاب للفتيات -الصغيرات منهن خصوصا- عدا عن كونه مغايرًا للحقيقة، لكنه أيضا يصادم ما يغزوهن الإعلام  به من تصوير مغاير للجمال والقبح، وهنا يكون البقاء للأقوى خطابيا والأكثر تأثيرًا وتكرارًا. وربما لا يسع المقام الآن الحديث عن القيم الجمالية بعد أن مَسختها الحداثة وصار كل ما يُسوّق ويشيع جمالًا بغض النظر عن أي ذوق أو خلق.

أخيرًا أقول إن نظرتنا للحجاب وأهميته في تنمية الفضيلة في المجتمع وارتقاء التعامل الإنساني بين الرجل والمرأة، لا يجب أن تقل أهمية عن نظرتنا له على أنه شريعة إسلامية تحقق أسمى درجات الانقياد والإيمان، وربما كان على الخطاب الإسلامي توجيه دعوته والموازنة بين مستويات الخطاب، وألا تكون دعوتنا مجرد ردة فعل عن بعض الظواهر التي نراها والتي ربما ولدت تأثيرًا سلبيا لم يُقصد.

الحجاب والأخلاق

إيمان محمد


تعرف الأخلاق اصصلاحاً على أنها القواعد المنظمة لسلوك الإنسان، والتي تتحكم في أفعاله، وردود أفعاله التي تصدر عنه، فإما أن تكون حسنة فيكون الإنسان ذا أخلاق حسنة، وإما أن تكون سيئة فيكون الإنسان ذا أخلاق سيئة.

وتعتبر الأخلاق معياراً للسلوك الإنساني الذي يضبط ويحكم ويوجه، وبالقدر الذي يلتزم فيه الإنسان أو المجتمع بضوابط الأخلاق تستقيم حياته، وهي في الشرع مرتبطة بما أقره الإسلام وارتضاه للإنسان، وبما وجهه إليه الدين بما يصب في مصلحة الإنسان الدنيوية والأخروية.

ولكن بعض المفاهيم في الأخلاق تغدو أحياناً مسألة غير ثابتة، فهي تتغير بتغير الزمن وتوافد الأفكار، وقد تظل بعض المفاهيم غير واضحة بسبب ابتعاد الإنسان عن التواصل الحقيقي مع القرآن والسنة، وعن فهمه الحقيقي للدين، فعالمنا التي يجمع داخله كل أنواع التناقضات الفكريّة والقيمية،  والذي ينفتح لا إرادياً وبسرعة هائلة على ما ينتجه العالم ككل من أفكار، يحاول أن يتشبث بما يعهده، معتقداً أن هذا الحيّز هو حيز الأمان، فالأفكار التي تنشأ عليها الأفراد والجماعات، والتي لا تتعرض لغربلة أو تصفية، تستوطن مكانها ولا تبرح، وتصبح وكأنها الدستور الأوحد الذي لا يمكن مخالفته بأي شكل.

ويبقى موضوع الحجاب له الأولوية وتبقى فيه الإشكالية بين أخذ ورد، فهو في عرف كثيرين رمز للعفة والأخلاق، مقترن بها لا ينفك عنها، وبالتالي فكثير من المسلمات المحجبات وكثير من المسلمين يعتقدون أن كل محجبة عفيفة ولابد أن تكون خلوقة وصاحبة فضيلة، فقط لأنها ترتدي الحجاب، وعلى العكس من ذلك فبعض المسلمات اللواتي لا يلتزمن بالحجاب، قد يعتقدن أن كل محجبة تتخذ من حجابها ستراً لتغطي به على مشكلاتها الأخلاقية، وبأنها تدعي الفضيلة مجرّد ادعاء، وتتباهى بمظهرها على أنه رمز للإيمان والتقوى، وليس في هذا عدلٌ ولا إنصاف، بل حكم خارجي تابع لما نشأ عليه كل طرف، وما ألفه كل اتجاه.

إن أحكمنا العقل وتأملنا قليلاً سنكتشف أنه لا معنى لكل ما يروج له كل من الفريقين ضد الآخر، فالحجاب ليس وساما للأخلاق تضعه المحجبة لتنسبه لنفسها دوناً عن سواها، ومن ناحية أخرى فإن نزعه أو الامتناع عن ارتدائه ليس دلالة التزام مؤكد بأن الطهارة والأخلاق في الباطن لها، وللبقية رياء وسُمعة، الأمر مختلف حقاً!

الظاهر والجوهر
لا يمكن بحال من الأحوال أن يقدم أحدنا لآخر أوسمة طهر أو أن ينزعها عنه ما دمنا نصدّق أن الجوهر للإيمان في القلب، ولأنه في القلب فلا يمكن أن يطّلع عليه إلا الله، ولذلك فالتقييم على أساس الجوهر فحسب لا معنى له ولا قيمة، تماماً كما أن التقييم باعتبار الشكل فقط لا معنى له ولا قيمة، فكيف بالإمكان معرفة الصواب؟ وما المعنى الذي يجب أن ندركه في تشريع الحجاب؟

وتُجمع كل شعوب الأرض على أسس أخلاقية عامة، تتفق عليها، وتتوافق، كالرحمة والعدل ومساعدة الضعفاء وحماية الإنسان من أذى الإنسان، وحين نبحث في الأخلاق وارتباطاتها بالبشر علينا أن ننحي الزيّ أو الشكل أو اللون، لنجد هالة من الارتباطات الوثيقة التي تجمع شعوب الأرض على أخلاق وقيم متقاربة، تصب في حرية وكرامة الإنسان، وفي حياة المسلم ترتبط الأخلاق بالإيمان، الإيمان الذي يجمع طهارة الظاهر والباطن، ويربط القول بالعمل، والفكر بالسلوك، وبالتالي فالمسلمة التي ترتدي الحجاب إيماناً ويقيناً بأهميته، وينعكس حجابها على سلوكها وأخلاقها وأفعالها، فهي تعزز سمة أخلاقية مميزة في مجتمعها.

الحجاب بكل تأكيد لا يساعد المرأة نفسها في صون نفسها وحسب بل هو أداة حصانة للمجتمع ككل، يمنع أعين الغرباء من الاقتراب، وغرائزهم من التعدّي، فلم تُخلق المرأة لتكون يوماً أداة للترفيه عن الرجال، بل هي إنسان يحمل كل صفات الكرامة والإنسانية وإعمار الأرض، وفيها كل صفات الحياة طالما التزمت بما يحييها.

قال تعالى في سورة الأنفال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

وقال تعالى واضعاً أسساً اجتماعية تربوية فريدة من نوعها في سورة النور: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

المجتمع أولا
لقد وضع الإسلام ليس للمرأة فقط بل للمجتمع ككل قواعد وضوابط لازمة لأجل أن يسير على إيقاع منضبط، فالالتزام بها يؤمن له الحماية والوقاية والأمن، والتعدي سينتج سلسلة من المشكلات والأزمات التي تسيء للمخالف وتجعله عرضة أكثر للأذى، كما تأخذ في في دوامتها كل من ينساق بلا وعي خلف ضخ الأفكار المشوهة والتشويش الذي لا يتوقف عن الانتشار كلما ابتعد المسلم عن مقاصد دينه وشريعة ربه.

لا يمكن للحجاب أن يكون معركة المرأة وحدها من أجل رفعة الأخلاق في المجتمع وسموها فيه، فللرجل دور مهم في ذلك، وهو العنصر المشارك بفاعلية في تعزيز الفضائل أو هدمها، وهو المطلوب منه غض البصر وحفظ الفرج، والمساهمة الحقيقية الفاعلة في اتباع ما أراده الله من خير للإنسان ذكراً كان أو أنثى.

الأخلاق لا تقترن بزيّ من الأزياء لكن الحجاب يعززها ويسهم في ترسيخها.

لابد أن نفرِّق هنا بين أهمية الحجاب كوسيلة مهمة لبناء مجتمع آمن سوي، وبين من يعبث بهذه الوسيلة، ويسيء إليها عندما يستخدمها واجهة تغطي مشكلاته الأخلاقية، وبين من يستهتر بها وينفي أهميتها وضرورتها.

لابد أن ندرك أن الإسلام لم يأتِ بشيء إلا وفيه مصلحة الفرد والمجتمع على حد سواء، وحياة عزيزة مصانة كريمة، في ظل تشريع يحترم الإنسانية ويكرّمها. لنا أن نبحث ونتخيل ونقارن كل الافتراضات الممكنة، سنجد الاستقرار والطمأنينة الحقة للنفوس في الضبط والالتزام الفاعل للشخصية المسلمة.

فإذا شعرت كل مسلمة أنها تُسهم بحجابها الذي ترتديه وتؤمن بفضله وأهميته في حضارة مجتمعها ونهوضه، ستختلف النظرة السطحية، وسيتجاوز كونه مجرد زي أو قطعة قماش إلى رمز فاعل ومؤثر ومساهم في التربية العامة والبناء، ومن أجل خير المجتمع يخاطبه الله بما يرفعه، ويرتقي أولئك الذين يستجيبون، فيسمعون ويطيعون.

كيف يدربنا الصوم على التغيير؟

زكاء مردغاني


يقيس علماء إدارة الموارد البشرية نجاح المؤسسات بمعيار جوهريّ؛ هو قدرة هذه المؤسسة نظاماً وميزانيّةً على “تدريب العاملين فيها”، وهو معيارٌ  يُحدّد نجاحها الآني والمستقبليّ، إذ لا يمكن لمؤسسةٍ لا تُدرّب أعضاءها أن تتطوّر، فضلا عن أن تبقى واقفةً على قدميها، وإذا صحّ أن نعدّ الإسلام مؤسسةً كبيرةً نظامها الداخليّ موقّعٌ من الذات الإلهيّة، وصحّ أن نعايرها بمعايير المؤسسات الإنسانيّة، فإنّ “التدريب” فيها يبهرنا بأنّه “مجاني”، “منظّم ومحدّد”، “شاملٌ لجميع أعضاء المؤسسة”، وأنّ آليّاته قادرةٌ على إعادة إحياء المؤسسة إن تعثّر أعضاؤها في الطريق.

إنّ التدريب الذي يقدّمه النظام الداخليّ الإلهيّ (ولله المثل الأعلى) للمسلمين لمدّة شهرٍ واحدٍ من كلّ عام هو الصيام الذي نزعم هنا أنّه ليس إلا تدريباً للمسلم على أن يكون مسلماً حقّاً، إذ إنّ حقيقة المسلم هي الحقيقة التي يعيشها الصائم في الشهر العظيم، فإذا عاش المسلم بحقيقته شهراً من كلّ عام، عاشت فيه هذه الحقيقة بقيّة العام، فالصيام يحول الأفكار التي يتلقّفها المسلم من الكتاب والسنة، ويحفظها في عقله، ويؤمن بها في قلبه تحويلها إلى حياة عمليّة يعيشها بجسمه وروحه فترقى بذلك من أن تكون معارف مجردة إلى أن تصبح معارف محسوسة ملموسة حيّة، تلك الآليّة التي ارتأتها الحكمة الربانيّة لتدريب المسلم على معاني الإشراق الإلهي على النفس الإنسانية.

وإذا كان الأمر كما نقول، فما هي حقيقة المسلم التي يدرّبه شهر الصيام عليها؟ والتي تتجلّى واضحةً فيه و هو صائم؟ لاستجلاء ذلك، سنحاول فيما يلي تتبع المعاني التي يتدرّب المسلم عليها في هذا الشهر، والتي ينبغي أن يخرج المسلم بعد الالتزام بالصيام لشهر كامل، يخرج متقناً لها عامَه كاملاً.

1- العبودية والمساواة، إذ يتساوى الناس كلّهم في ذلك الفقر الإجباري، وتكون الأمة كلها على حالة نفسية واحدة يستوي فيها الفقير بالغنيّ، يجوع فيها الغنيُّ تماماً كما يجوع الفقير، شأنُ الصيام في ذلك شأن الصلاة والحج في تحقيق المساواة، ليدرك الناس الحقيقة الإنسانية الخالدة «الخلق كلهم عباد الله» ويتحقق في نفوسهم معنى العبودية الصحيح! ويتعمّق هذا المعنى في النفوس حين يخرج الناس ليجتمعوا في صلاة التراويح، فيستوون بين يدي ربّهم يركعون ويسجدون.

2- مراقبة الله، فالصّوم عبادةٌ سريّةٌ لا يطّلع على حقيقتِها إلّا الله، وهو عبادةٌ تستقصي الطاقة حدّ الوسع، فالصّائم يجوع ويعطش ويترفّع عن شربة ماءٍ أو لقيمةٍ صغيرةٍ استجابةً للأمر الإلهي، لا رقابةَ عليه في ذلك إلّا استحضار أنّ الله هو الرقيب.

3- تربية الإرادة، فالصائم يمتنع بإرادته عن شهواته الجسدية، فتتدرّب فيه القدرة على الاختيار بين الحق والباطل، وتنمو فيه إرادة الخير، والقدرة على الاستجابة لوازعها في نفسه. والمرتبة التي يرتقي إليها الصائم في تكوين الإرادة هي أعلى منزلة يمكن أن تبلغها إرادة المرء حين تكون شهواته منقادة لفكره، ورغباته مذعنة للحس الديني فيه.[1]

إنّ كون الصيام عبادةٌ سريّةٌ بين العبد وربه يعمّق معنى الحريّة في الالتزام بهذه العبادة بعيداً عن أيّ سلطةٍ اجتماعيّة تماماً كما يعمّق معنى المراقبة للّه في السرّ قبل العلن، وهذه الحريّة في الاختيار، والإرادة الخاضعة للفكر لا للحس هي الحرية الحقيقية التي ينضبط بها المسلم، ليكون حرّاً عبداً لله وحده.

4- الرحمة، فالإنسان إذا صام يومه كاملاً، صياماً يمتنع فيه امتناعاً باتا عن أي غذاء يدخل جوفه، حتى استنفد طاقته، صارت نفسه قادرةً على الإحساس بغيره ممن يجوع لفقره، وأصغى لصوت ضميره الذي يوجّهه إلى الصدقة ومد يد العون لأخيه الفقير الجائع بنفسه لا بإرادته. ومن هنا جاءت صدقة الفطر ترجمةً عمليّةً سلوكيّةً لانغراس هذا المعنى في نفس المسلم، وكانت فرضيّتها على جميع المسلمين تأكيداً لارتباط خُلُقِ العطاء بالمسلم الرحيم الذي يسلم الناس من لسانه ويده، وتمتدّ يده بالخير وتمسك عن الشرّ استجابةً للوازع الإيمانيّ في داخله.

كلُّ ما ذكرنا من المعاني يندرجُ تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «كُلّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلّا الصّيام فإنّه لي، وأنا أجزي به، والصّيامُ جُنّة، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتلَه، فليقل: إنّي امرؤٌ صائمٌ، والذي نفس محمدٍ بيده، لَخَلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسكِ، للصّائمِ فرحتانِ يفرحُهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربّه فرح بصومه» [رواه البخاري]، فقوله عليه السلام “الصيام جُنّة” أي وقاية، وقايةٌ للإنسان من شرور نفسه و وقايةٌ للمجتمع من شروره الداخليّة، وإنّ الصائم لا يسبُّ أحداً و لا يقاتله، ذلك أنّه قد تحققت في نفسه معاني القرب من الله والمعية الإلهية، فهو أرقى من النزول إلى مراتب الشر البشريّ، لذلك فهو يجيب بقوله «إني امرؤ صائم» يعني أنا فوق أن أجيبك.

وفي الحديث إشارة لطيفة تستوقفنا فالحبيب صلى الله عليه وسلم يقسم بأنّ تلك الرائحة المنبعثة من فم الصائم هي عند الله أطيب من ريح المسك، ليؤكد قرب الصائم من ربه وارتقائه إلى تلك المراقبة اليومية السامية.

فليكن لنا من مراقبة الله صدقةً مخفيّةً لا تعلم شمالُنا فيها شيئاً عمّا أنفقت يمينُنا، وليكن لنا من العبوديّة إقبالٌ إلى التراويح في المساجد نتأمّل في إقبال القلوب كلّها إلى ربٍّ واحد، وليكن لنا من تربية الإرادة توبةٌ نصوحةٌ نُقلع فيها عن الذنوب، ونجاهد أنفسنا و هواها، ونجتهد في ضبط ألسنتنا التي يكبُّ النّاس على وجوههم في جهنّم من حصائدها، ولنأخذ الكتاب بقوّةٍ تلاوةً واستماعاً و فهماً وتأمّلاً حتى يرسخ خلق الرّحمة في قلوبِنا، فنبلغ يوم الجائزة وقد اجتزنا التدريب ناجحين، ويبقى من أثر رمضان ما يجعل حياتنا كلّها كرمضان.


[1] الرافعي؛ مصطفى صادق: وحي القلم ، ط مؤسسة الرسالة 2000 ، ج 2 ص 349، (بتصرف).

لماذا فُرض الحجاب؟

أحمد دعدوش


منذ بزوغ شمس الإسلام وحتى انحسار الاحتلال الأوربي عن بلاد المسلمين في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، لم ينقل لنا التاريخ أي حادثة تدل على أن حجاب المرأة قد تسبب لها في يوم من الأيام بأي مشكلة. وإذا كان التراجع الحضاري الذي استكان إليه المسلمون في القرون الثلاثة الأخيرة قد منح أعداءهم فرصة التعرض لقيمهم ومقدساتهم، فإن قضية “تحرير” المرأة ما زالت إحدى أهم مداخل الغزو الثقافي التي يراد من خلالها خلخلة التماسك الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، ونسف قيمه الأثيرة التي تغوص في وجدان المسلم العادي.

من أجل ذلك، كان جسد المرأة المسلمة -قبل عقلها- هدفا مركزيا لسهام الغزو، وإذا كان الحجاب هو العائق الأول في طريق الوصول إليها، كان لا بد من اصطناع ثقافة متكاملة تحمل على عاتقها نسف الحجاب من اللاوعي الإسلامي، بدءا بإشاعة الشكوك حول حكمه الشرعي وعلته وغايته، ثم ربطه الدائم بكل الصور المنفرة، في سعي دؤوب لتنميط صورته على أنه الوجه السافر لكل ما هو مقيت ومنفر.

وما إن اكتملت فصول هذه الحملة التي تتخذ من حقوق الإنسان والديمقراطية غطاء لها، حتى اجتمعت بين أيدينا مجموعة من الدعاوى التي يحاول بها أصحابها التشكيك في علة فرض الحجاب على المرأة. ويمكن للمطلع أن يلاحظ أن بعضها يناقض البعض الآخر، إذ يصعب الجمع بينها في منظومة واحدة، إلا أن الهدف من إثارتها وتكرارها قد يكون هو مجرد الاكتفاء بنسف حرمة الجسد وثقافة العفة والشرف، وهو أمر كفيل بزعزعة بنيان المجتمع.

وفي هذه العجالة، سنعرض لأهم ما يتداوله أعداء الحجاب من شبهات حول علة هذا الفرض الذي أجمع عليه المسلمون، مع مناقشة كل منها بما يسمح به المقام.

أوهام العلمانيين حول علة الحجاب
1- “أن الحجاب فُرض لتمييز الحرائر عن الإماء”، ويستدلون بقوله تعالى: “ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ” (الأحزاب: 59)، فقد ذهب الكثير من الفقهاء والمفسرين إلى أن الحجاب (أي الخمار والجلباب) كان خاصا بالحرائر دون الإماء، فاستغل البعض هذا الحكم ليزعموا أن الحجاب لم يعد حكما واجبا اليوم، إذ انتهى عهد الرق ولم تعد هناك حاجة للتمييز.

والحقيقة أن هذه العلة ليست الوحيدة في فرض الحجاب أصلا، وأنها ليست محل إجماع أيضا، فبعض الفقهاء رأى عدم التمييز بين الحرة والأمَة، مثل ابن حزم والنووي، وأجمعوا جميعا على أن الأمة تتحجب إذا كانت شابة أو جميلة، فالإعفاء من الخمار والجلباب كان تخفيفا عمن تضطر للعمل والخدمة ممن لا يكترث لها الرجال.

2- “أن الحجاب فُرض لتربية المرأة والحفاظ على أخلاقها من الانحراف”، ويتشدق أصحاب هذا الرأي دائما بأمثلة لا تحصى عن فتيات محجبات غير أخلاقيات، في مقابل فتيات يتمتعن بالأخلاق العالية دون أن يضعن الحجاب على رؤوسهن.

وقد يكون الحجاب من لوازم الحشمة التي ينبغي أن تنشأ عليها الفتاة في سن المراهقة، لكن نصوص الوحي لم تعلل فرض الخمار والجلباب بالتربية نفسها، بل نستنتج من الآيات -كما سيأتي لاحقا- أن العلة الأبرز هي حماية المرأة من الأذى، وبغض النظر عن أخلاقها، فالحجاب إجراء احترازي لحماية الرجل من الفتنة، ولحماية المرأة من مضاعفات هذه الفتنة.

3- “أن الحجاب أداة سياسية، ابتكرها الإسلاميون للتلويح بها في وجه خصومهم”، ويتبع ذلك إطلاق مصطلحات من قبيل “ثقافة الحجاب” و”مؤسسة الحجاب”!

ويبدو أن أصحاب هذه الحجة لا يمضون في عرضها إلى أبعد من ذلك، بل لا يملكون من الأدلة عليها إلا دعوة الناشطين الإسلاميين في عالم السياسة إلى الحجاب، دون أن يلحظوا أن هؤلاء الحركيين يهتمون أيضا بالدعوة إلى الصلاة والصوم وغيرها من أحكام الإسلام، فضلا عن الدفاع عن الأوطان، ولكن العجيب هو أن أيا من هذه الدعوات لم يحظ بذلك الاهتمام العلماني الذي حظي به الحجاب.

علاوة على ذلك، لا ينتبه أصحاب هذه النظرية إلى أن الحجاب يستند إلى نص قرآني يتداوله المسلمون منذ أربعة عشر قرنا، فما المبرر إذن لتحميله بعدًا سياسيًا لا يمتد إلى ما هو أبعد من بضعة عقود، حين بدأت الحركات الإسلامية بالتشكل؟ بل ما هي العلة التي يرون أنها السبب في التزام ملايين المسلمات في مجتمعات لا تصل إليها أنشطة تلك الحركات الإسلامية؟

4- “أنه فُرض على المرأة لاضطهادها من قبل الرجال”، والدليل الذي يتمسك به أصحاب هذه النظرية هو اقتصار الحجاب على المرأة دون الرجل، إذ يدفعهم ذلك لافتراض استغلال “طبقة” الفقهاء من الرجال لبعض النصوص وتفسيرها على نحو يرسخ نظرتهم الظالمة للمرأة.

والعجيب في الأمر هو تجاهل هؤلاء للحال الذي كانت عليه النساء في عصر نزول هذه النصوص، إذ نزلت آية الحجاب قبل وجود “طبقة الفقهاء”، والتزمت بها النساء فور سماعهن بها.

أخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: “إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح متعجرات كأن على رؤوسهن الغربان”. وورد الحديث بأكثر من رواية بعضها في صحيح البخاري.

وليس في الحديث أي دليل على اضطهاد أو إكراه من جنس لآخر، بل لم يكن للفقهاء هنا أي دور في تفسير هذه الآية التي تنص بوضوح على وجوب الخمار، إذ بادرت النساء على الفور بتنفيذ أمر الله فور علمهن به، لكونه أمرا من الله تعالى لا من الرجال.

أما عن كون هذا الحكم خاصا بالمرأة دون الرجل، فهذا مما لا يحتاج إلى كبير جهد لبيان علته، فلا يختلف اثنان على أن الرجل يفتتن بكل ما يظهر من جمال المرأة، في الوقت الذي تضع فيه المرأة وسامة الرجل في درجات ثانوية، تأتي بعد اهتمامها بشخصيته وعلمه وماله وغير ذلك، ومن المألوف أن يقترن الرجل بمن تصغره سنا، وأن تصرف المرأة جل وقتها لإخفاء معالم الشيخوخة حفاظا على مكانتها في قلب الرجل، دون أن يكلف الرجل نفسه عناء ذلك.

5- “أنه وسيلة لعزل المرأة المسلمة في الغرب عن مجتمعها العلماني ولتمييزها عن غيرها من النساء”. ولا يمضي أصحاب هذه النظرية أيضا إلى ما هو أبعد من ذلك، بل يكتفون بضرورة انصهار النساء جميعا في بوتقة واحدة، إذ يرون أن الرجل المسلم لا يختلف في مظهره عن غيره من الرجال، مما يعني ضرورة إجبار المرأة المسلمة أيضا على عدم ظهورها بما يميزها عن غيرها من النساء.

ويتابع هؤلاء بافتراض كون الحجاب رمزا دينيا، ثم يلحقونه بافتراض آخر يماثله عند الرجل المسلم وهو إطلاق لحيته، ومن ثمّ فإن كلا الرمزين يُعدان إشارة إلى كون من يلتزم بهما من “طبقة رجال الدين”، ولا يمكن للطبقات الأخرى من المجتمع أن تشترك مع هؤلاء في المظهر.

لكن هذا التصور نابع من موقف الغرب من الدين أولا، ومن مفهومه الخاص لدور الدين ورجاله ثانيا. فالموقف الغربي من الدين قائم على تاريخ طويل من الصراع والنضال ضد اضطهاد الكنيسة، وهذا مما لم يعهد له المسلمون مثيلا في تاريخهم.

أما مفهوم طبقة رجال الدين فقائم أيضا على خصوصية الدين المسيحي في المجتمع الأوربي، إذ لا يوجد الدين هناك إلا مع وجود مؤسسة كنسية يديرها رجال ونساء منتدبون لهذه المهمة، وهم طبقة من الرهبان والراهبات الذين نذروا حياتهم للدين دون غيره، فلا يمكن الجمع بين هذه المهمة وبين غيرها، بل لا يسمح لأفراد هذه الطبقة بممارسة مهماتهم خارج نطاق المؤسسة. وهذا تصور لا نجد مثيله أيضا في الإسلام، فليست هناك مؤسسة دينية ولا تنظيم ديني للعاملين فيها، بل هناك مساجد للعبادة والعلم، وعلماء لا يختلفون عن غيرهم سوى بقدراتهم العقلية والنفسية وبهمتهم لطلب العلم، وعلمهم متاح للجميع طلباً وبذلاً. أما الالتزام بالدين في مظاهره وسلوكه وعقيدته فهو أمر مطلوب من كل المسلمين دون تمييز، فإعفاء اللحى واجب على كل الرجال، كوجوب الحجاب على كل النساء. [انظر مقال هل هناك مؤسسة دينية في الإسلام؟].

6- “أن الحجاب في ذاته ليس بالأمر المهم، بل هو مجرد أداة ضغط يتلاعب بها الإسلاميون لإبرازها عند الحاجة، مستهدفين بذلك إثارة القلاقل وصرف الأنظار عما هو أهم”. وقد يلاحظ كل من قُدر له الاطلاع على كتابات هذا النوع من الكتاب أن الأمور المهمة لديهم هي التي تتعلق بالوضع الاقتصادي للمجتمع، أما إذا ارتفع مستوى الاهتمام قليلا عن المادة فإن الأهمية لا تتعدى حقوق المرأة الأخرى من ضرورة رفع الظلم عنها، وتعليمها، ومساواتها التامة بالرجل.

وإذا كان الإسلام هو أولى بالدعوة لإحقاق الحق ورفع الظلم ونشر العلم، فإن الخلط هنا ليس قاصرا على مفهوم هؤلاء للمساواة الذي لا يراد منه تحويل المرأة إلى رجل كما يُخيل إلى البعض، ولا حتى العبث بأنوثتها، بل إن ترتيب الأمور على هذا النحو من الأهمية لا يقوم لديهم على أكثر من تصورهم العلماني للحياة، فالحوار هنا لا يصح أن يظل حبيس وجهات النظر حول المهم والأهم، ما لم نتفق أولاً على تصور واضح لوجود حياة أخرى بعد هذه الدنيا أو لا، فالحديث عن البطالة والفقر يبدو أنه مجرد شغب وصرف للأنظار عن هذه القضية.

ولو أن المفاضلة كانت بين موت المرأة جوعاً وبين حجابها، فلا خلاف في أن الشريعة تضع حفظ النفس أولاً، لكن الاهتمام بالحجاب والعفة وتماسك المجتمع لا يكون أصلاً على حساب محاربة الفقر، بل قد يكون مكملا له وصارفا للفقراء وغيرهم عن الانشغال بالشهوات.

 

لماذا فُرض الحجاب إذن؟
وردت آيات وجوب الحجاب في القرآن الكريم بوضوح لا يرقى إليه شك، ويمكن جمعها على النحو الآتي:

(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31).

(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60).

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) (الأحزاب: 53).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).

ولفهم هذه الآيات، نقف عند معاني بعض ما جاء فيها من مفردات:

-الجلباب: أصل مادة جلبب يفيد الجمع والإحاطة، والجلباب هو ما يتغطى به، وقد يطلق على القميص والخمار والرداء والإزار، وهو ثوب واسع للمرأة أوسع من الخمار ودون الرداء تغطي به رأسها وصدرها وظهرها، أو ما تضعه فوق ثيابها.

-الخمار: أصل الخمر ستر الشيء، والخمار ما يستر به، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.

-الجيب: هو ما قُطع وسطه، وجيب القميص ما ينفتح على النحر (الياقة).

-الضرب: وضع الشيء على الشيء.

-الإدناء: يقال أدنيت أحد الأمرين من الآخر أي قاربت بينهما، وإدناء المرأة ثوبها عليها أي أرخته وتسترت به.

ويبدو أن مصطلح الحجاب المتداول اليوم لم يرد في القرآن، فالوارد هو الخمار والجلباب، أما الحجاب فكان يُقصد به حجب المرأة بشخصها عن الرجال، أي عدم احتكاكها بهم، وعدم إبراز ما يدل على شخصها إذا اضطرت للخروج، وهذا أمر خاص بنساء النبي تحديداً لكونهن أمهات للمسلمين جميعا.

وبالعودة إلى الآيات الكريمة التي وردت في شأن لباس المرأة، نرى أنها جاءت في سياق غض البصر وحفظ الفرج، ويؤكد ذلك أيضا ما جاء بعدها من آيات تفصل آداب الاستئذان قبل الدخول، والحث على الزواج والإعفاف.

وعليه، فإن العلة الأولى للحجاب (الخمار والجلباب)، هي إحصان المرأة وحفظ كرامتها بتغطية ما يثير شهوة الرجال من زينتها، وذلك بستر سائر بدنها خلا الوجه والكفين (استنادا إلى أحاديث نبوية)، مع التأكيد على أن العفة تناط أولا بالتربية وتزكية النفوس لكلا الجنسين كما قال تعالى: “ولباس التقوى ذلك خير”، فيما تأخذ تغطية الزينة حكم الإجراء الاحترازي لدرء الفتنة، والتي لا تُقصر على ضعاف النفوس فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره، فالغريزة الجنسية يستوي فيها العقلاء مع العامة، والتاريخ حافل بقصص الخيانة الزوجية على جميع المستويات.

الغاية إذن هي مساواة المرأة بالرجل لا تمييزها عنه، فلما اختصت الزينة والفتنة بأحدهما أكثر من الآخر، كان لا بد من مواءمة الأحكام للفروق القائمة بينهما، ليلتقي كل منهما في إطار الضرورة بما يضمن التقاء إنسان بإنسان، دون أن يشوب العلاقة ما يهبط بها إلى دركات الشهوانية المقيتة.

بناء على ما سبق، فمن الذي ينظر إلى المرأة على أنها جسد؟ ومن الذي يقصر فكره ونشاطه على ما يجب كشفه أو ستره من جسدها؟ أتراه ذاك الذي يعترف بحقيقة غريزته ويبني عليها حكما يلزم به نفسه ليحترم إنسانية المرأة، وينصرف من خلاله عن التدني إلى مستوى التطلع إلى غاية شهوانية، أم هو الذي يصر على نفي وجود تلك الغريزة وهو يعلم مكانها في نفسه، ثم يحكم على الرجال بضرورة التنزه عنها، مصرا على إخراج النساء اللاتي بقين مئات السنين في خدورهن، وطرح غطائهن الذي لم يُثِر أي مشكلة طوال تلك القرون، فيأمر الرجال بالنظر دون شهوة، والنساء بالاختلاط دون اعتراف بوجود أي نزوة؟

لقد رافقت الحشمة صورة المرأة منذ خُلقت وعاء للجمال والفتنة، فإذا كان هذا الغطاء الذي لا يمنع المرأة عن مزاولة أعمالها والتمتع بحقوقها قد وقف حائلاً في وجه بعض من الرجال عن التمتع بزينتها، فلنبدأ إذن بإعادة صياغة أسئلتنا من جديد، ولنتحلّ بالجرأة في تحديد الطرف الذي لا يرى من المرأة إلا جسدها ثم يتظاهر بالدفاع عن حريتها عبر كشف ما استتر منه.