image_print

الحجاب.. إخفاء لجمال المرأة أم العكس؟

محمد الريس


إن من أحكام الإسلام ما يرتبط بالفرد ومنها ما يرتبط بالمجتمع، إذ لا يستقيم الفرد السقيم بالمجتمع الصحيح، ولا يستقيم الفرد الصحيح بالمجتمع السقيم. فالنهي عن الشرك بالله وشرب المسكرات وأكل لحم الخنزير وإضاعة الصلاة والإفطار في رمضان هو مما يتعلق بالفرد تعلقاً مباشراً، أما النهي عن القتل والربا والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم والغيبة والنميمة والكذب فهو متصل بالمجتمع اتصالاً مباشراً. ومعنى هذا الذي نقول: إما أن تكون عاقبة فعل النهي واجتناب الأمر على الفرد أو تكون على المجتمع.

هل الحجاب يرتبط بالفرد أم بالمجتمع؟
“إنه لا يرتبط بالفرد إذ ليس خلعه بفعلٍ شنيع يضرني، ولا يتعلق بالمجتمع إذ إنني حرة ولا أضر غيري أو أرتكب جرماً بعدم ارتداءه، وبالتالي فهو ليس حكماً شرعياً بل مما جرت عليه العادة”، هذا ما تبرره لنفسها غير المتحجبة وهذا ردي على تبريرها: إن من الأخلاق ما ترتبط بالرجل ارتباطاً وثيقاً ومنها ما يرتبط بالأنثى ارتباطاً شديداً، فالشجاعة والتضحية والكرم والإيثار مطلوبين عند كلا الجنسين، لكن لا أحد ينكر أنهم بالرجل أولى وألزم، أما الحياء والعفاف والاحتشام فهم رغم أن كلا الجنسين مطالب بهم، فهم بالأنثى أولى وألزم.

ولا يمكن لعاقل أن يحصر الحياء والعفاف والاحتشام بلبس الحجاب، فيصف كل من تلبسه بالصفات التي ذكرت، ويجرد كل من تخلعه من الصفات ذاتها. ولكنه ينطوي على قدر كبير من تلك الصفات، ومن هنا كان ارتباطه بالفرد.

أما ارتباطه بالمجتمع، فمن المعلوم بداهة وعلماً أن الرجل يُثار بالبصر وأن المرأة تُثار بالسمع واللمس، لذلك يندر أن ترى رجلاً يشتكي من زوجته عدم إسماعها له الكلمات الغرامية، بل يشتكي من عدم اهتمامها بملابسها أو شعرها أو ما شابه. وكذلك قلما تجد امرأة تشتكي من زوجها عدم ارتدائه ملابس جميلة أو تصفيف شعره، بل تشتكي من عدم محادثته لها كلاماً رقيقاً وإبقاء مشاعره مكتومةً دون إفصاح. لذلك إذا أردنا مجتمعاً سليماً فلا بد من ارتداء المرأة للحجاب لقطع الطريق على العازب من الوقوع في الزنى وعلى المتزوج من نبذ زوجته والزهد فيها، وكذلك لابد من كتم أفواه الذكور عن أحاديث يقصد من ورائها إيقاع الفتيات واللعب بعواطفهن وابتزازهن في أغلى ما يملكن.

والآن، هل الحجاب يخفي جمال المرأة؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نسأل عمّن يكون الإخفاء؟

الإخفاء يكون عن كل من ليس من محارم المرأة، وهي ليست مطالبة بإظهار جمالها للغادي والرائح وإنما حجبه، وهذا واجبها تجاه نفسها وتجاه المجتمع، وقبلهما تجاه الذي بيده ملكوت السموات والأرض.

إن قولنا إن الحجاب يخفي جمال المرأة هو كقولنا إن عدم إيقاع الشاب بالفتاة واللعب بعواطفها عن طريق الكلام المعسول يخفي بلاغة كلامه وقوة بيانه! فالأول واجبها تجاهه لخلق مجتمع سليم، والثاني واجبه تجاهها لذات الغرض وهو أن نخلق مجتمعا صحيحاً نظيفاً لا يكون “الشاطر” فيه من يفتن الآخر ويوقع به.

إذن مما سبق ندرك أننا لم نقصد أن ترتدي الفتاة حجاباً لتغطي شعرها في حين ترتدي بنطالاً أضيق من مقاسها، وتضع مكياجاً ملفتاً لنظر من يراها على بعد مئة متر! وإنما قصدنا أن يكون الستر والاحتشام منهجها، فتراعي أن تكون ملابسها لا تكشف ولا تصف ولا تشف ولا تلفت الانتباه. ومن تبرر إظهارها كامل مفاتنها عن طريق المكياج والملابس الضيقة والملونة والكاشفة عن جزء من جسدها بأن “الله جميل يحب الجمال”، فلتعلم بأن الجمال الذي يحبه الله يكون فيما أباحه لعباده لا فيما نهاهم عنه، وهو في الملابس بأن ترتدي ثوباً نظيفاً مكوياً مرتباً.

أخيراً، قد يكون هنالك من قرأ مقالي دون أن يعيه إذ دخل عليه وهو يريد أن يقرأ ما يوافق شهوته لا ما يخالفها، وهذا من لم أخاطبه في مقالي، إذ اتخذ من هواه إلهًا، فهو مستعد في سبيل اتباع هذا الإله والتهرب من أمر الله تأويل النصوص القرآنية على غير سياقها ونسف الأحاديث الصحيحة، إذ أصبح ما يخالف هواه كجبلٍ جاثمٍ على قلبه فهو لا يريد إلا التخلص منه وإبعاده عن تفكيره، وذلك إرضاءً لضميره!

كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

إبراهيم إسماعيل


يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عقيدة التثليث[16].


[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247

الحجاب والعبودية

آلاء بهجت الحاجي


في خضم كل الحملات التي تدعو لتغطية الثمرة المكشوفة وحفظ الجوهرة المكنونة من مرضى القلوب وعبيد الشهوات، وتختزل الكثير من معاني تدين المرأة في تغطيتها لجسدها أو كشفه؛ تتجلى ضرورة النظر للباس المرأة في الإسلام ضمن كليات الشرائع المفروضة التي تحقق معنى العبودية لكل من أسلم نفسه لله ودان بهذا الدين.

فحديثنا عن لباس المرأة قبل أن يكون حجبا للأنوثة وإظهارا للإنسانية التي تستطيع المرأة من خلاله ممارسة نشاطها المجتمعي، إنما هو تحقيق لعلاقة العبودية بينها وبين الله وعهد منها بالتزام هذا الدين القيم، في عالم جل ما يحارب من أجله هو إسقاط نظرة الإنسان لنفسه على أنه عبد مستخلَف، ويغرس فيه أنه المركز والسيد الآمر الناهي.

والخطاب الذي يشجع المرأة على اللباس الساتر لأجل حفظ المجتمع من الفساد والانحراف، وحفظ جسد المرأة، قد يغفل علاقة العبودية لله التي تكرم المرأة، وتدفعها للالتزام باللباس الساتر ضمن جملة الفرائض التي تقوم بها لتحقيق أسمى درجات الحرية وهي عبادة الله فوق ما سواه.

فلا يكون سيماء المرأة في الإسلام -كما أسماه الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله- له معنى إن كان تابعا للمخلوق ومصلحة المخلوق قبل أن يكون تابعا لله، وبهذا تسمو العلاقة روحيا بهذا اللباس الذي هو منظومة قيم قبل أن يكون قطعة قماش [سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، د.فريد الأنصاري، منشورات ألوان مغربية،الرباط، 2003م].

إعلانات السجائر حاولت استقطاب المرأة عبر التركيز على تحررها

وما تحرير المرأة من تلك العبودية ومن منظومة القيم إلا فرض قيم أخرى عليها وتسويق عبودية جديدة لغير مستحقيها، فصيحات الأزياء وممولوها يستغلون بشكل خفي أو بآخر عبر الدعاية والتسويق دعاوى تحرير المرأة من ذكورية الأديان التي تفرض عليها الستر والتغطية، مفسرين ذلك بضرورة اختيار المرأة للباسها بعيدا عما يفرضه الدين الذي جاء لحجب الأنثى وإضفاء السيطرة الذكورية عليه.

لكن هذه الدعوات تواجَه بازدواجيتها المكشوفة؛ فكيف تدّعي أن على المرأة اختيار ما تلبسه وهي لا تختار ما تلبسه بل يفرضه عليها السوق؟ وكيف تبتعد عن ذكورية الأديان واختيارهم لما تلبسه إذا كان مصممو الأزياء العالميون ذكورا أيضا؟ هل تُعطى المرأة في عالمنا رفاهية اختيار صيحات الأزياء المسوقة؟ هل تساءلنا يوما عن القيم الأخلاقية التي يتبناها أصحاب شركات الأزياء العملاقة ديور وسان لوران وجافنشي وغيرها؟

إسلام السوق
والحجاب غير بعيد عن كل ذلك، فمؤخرا بات صيحة ووجها آخر لسيطرة قيم السوق الاستهلاكية كما يقول صاحب كتاب (إسلام السوق) “فالحجاب نقل إلى سياق استهلاكي سرعان ما سيدمغه بقيمه ومعاييره الخاصة وسيدخل في صراع مع الأصل الإسلاموي الذي يرفض فكرة موضة الأزياء ويعده تعبيرا عن حالة الاغتراب الثقافي وتبذيرا ومصدرا للإغراء” [إسلام السوق، باتريك هايني، ترجمة عومرية سلطاني، الطبعة الأولى، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015م، ص72].

وانتشار “الفاشينيستا” المحجبة أيضا التي هي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يعبر عن حالة “الاستلاب الحضاري” التي نراها ويجر أسئلة حول مقياس العبودية المطروح أعلاه وما إذا كان هو معيار التزامنا بالفرائض أم أن تديننا أصبح أيضا حسب السوق، فخضوع المرأة المحجبة بزيها الذي يفترض فيه الاحتشام لمخيالات أصحاب دور الأزياء ما هو إلا وجه آخر من اتباع قيم المخلوقين التي فرضوها عن طريق ادعاء التحرر وفك القيود، والتحكم بالعبودية بدل أن تتوجه لمستحق العبودية وصاحب الخلق والأمر. [فلسفة الزي الإسلامي، أحمد الأبيض، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ص26].

أصبح التبارز العالمي الآن مكشوفا في تسليعه للجسد عموما وجسد المرأة خصوصا وتبذله في التكشف والتغيير والتجمل والتجديد والنضارة والتخليد، مما يعيدنا للحديث عن فلسفة الجسد وفهمنا لهذا الكيان المخلوق وتكريم الله له بنفح الروح الآدمية فيه ارتقاء به عن مستوى الحيوان، ويجرنا لفهم العلاقة بينه وبين الستر والكشف على مدى التاريخ الإنساني، وكيف نظر الدين إلى هذا الجسد باعتباره أمانة ومسؤولية ووسيلة للعمران وعنصرا من عناصر الاستخلاف، لا ميدانًا للتفاضل العقيم.

إن الحجاب كقيمة إسلامية مرتبط بتعاملنا معه وقبولنا أو رفضنا لتطويعه وسيولته وفقا للحداثة التي أذابت العالم، ولو أن الحجاب لا يعني القبح وإهمال المظهر لكنه أيضًا لا يجعل المرأة أجمل كما تروّج بعض الخطابات، ولم يُفرض ليجعلها أجمل أصلًا إن كان معيار الجمال هو ما تنشره الحداثة وتجر الناس كالقطعان إليه، وطرح هذا الخطاب للفتيات -الصغيرات منهن خصوصا- عدا عن كونه مغايرًا للحقيقة، لكنه أيضا يصادم ما يغزوهن الإعلام  به من تصوير مغاير للجمال والقبح، وهنا يكون البقاء للأقوى خطابيا والأكثر تأثيرًا وتكرارًا. وربما لا يسع المقام الآن الحديث عن القيم الجمالية بعد أن مَسختها الحداثة وصار كل ما يُسوّق ويشيع جمالًا بغض النظر عن أي ذوق أو خلق.

أخيرًا أقول إن نظرتنا للحجاب وأهميته في تنمية الفضيلة في المجتمع وارتقاء التعامل الإنساني بين الرجل والمرأة، لا يجب أن تقل أهمية عن نظرتنا له على أنه شريعة إسلامية تحقق أسمى درجات الانقياد والإيمان، وربما كان على الخطاب الإسلامي توجيه دعوته والموازنة بين مستويات الخطاب، وألا تكون دعوتنا مجرد ردة فعل عن بعض الظواهر التي نراها والتي ربما ولدت تأثيرًا سلبيا لم يُقصد.

الحجاب والأخلاق

إيمان محمد


تعرف الأخلاق اصصلاحاً على أنها القواعد المنظمة لسلوك الإنسان، والتي تتحكم في أفعاله، وردود أفعاله التي تصدر عنه، فإما أن تكون حسنة فيكون الإنسان ذا أخلاق حسنة، وإما أن تكون سيئة فيكون الإنسان ذا أخلاق سيئة.

وتعتبر الأخلاق معياراً للسلوك الإنساني الذي يضبط ويحكم ويوجه، وبالقدر الذي يلتزم فيه الإنسان أو المجتمع بضوابط الأخلاق تستقيم حياته، وهي في الشرع مرتبطة بما أقره الإسلام وارتضاه للإنسان، وبما وجهه إليه الدين بما يصب في مصلحة الإنسان الدنيوية والأخروية.

ولكن بعض المفاهيم في الأخلاق تغدو أحياناً مسألة غير ثابتة، فهي تتغير بتغير الزمن وتوافد الأفكار، وقد تظل بعض المفاهيم غير واضحة بسبب ابتعاد الإنسان عن التواصل الحقيقي مع القرآن والسنة، وعن فهمه الحقيقي للدين، فعالمنا التي يجمع داخله كل أنواع التناقضات الفكريّة والقيمية،  والذي ينفتح لا إرادياً وبسرعة هائلة على ما ينتجه العالم ككل من أفكار، يحاول أن يتشبث بما يعهده، معتقداً أن هذا الحيّز هو حيز الأمان، فالأفكار التي تنشأ عليها الأفراد والجماعات، والتي لا تتعرض لغربلة أو تصفية، تستوطن مكانها ولا تبرح، وتصبح وكأنها الدستور الأوحد الذي لا يمكن مخالفته بأي شكل.

ويبقى موضوع الحجاب له الأولوية وتبقى فيه الإشكالية بين أخذ ورد، فهو في عرف كثيرين رمز للعفة والأخلاق، مقترن بها لا ينفك عنها، وبالتالي فكثير من المسلمات المحجبات وكثير من المسلمين يعتقدون أن كل محجبة عفيفة ولابد أن تكون خلوقة وصاحبة فضيلة، فقط لأنها ترتدي الحجاب، وعلى العكس من ذلك فبعض المسلمات اللواتي لا يلتزمن بالحجاب، قد يعتقدن أن كل محجبة تتخذ من حجابها ستراً لتغطي به على مشكلاتها الأخلاقية، وبأنها تدعي الفضيلة مجرّد ادعاء، وتتباهى بمظهرها على أنه رمز للإيمان والتقوى، وليس في هذا عدلٌ ولا إنصاف، بل حكم خارجي تابع لما نشأ عليه كل طرف، وما ألفه كل اتجاه.

إن أحكمنا العقل وتأملنا قليلاً سنكتشف أنه لا معنى لكل ما يروج له كل من الفريقين ضد الآخر، فالحجاب ليس وساما للأخلاق تضعه المحجبة لتنسبه لنفسها دوناً عن سواها، ومن ناحية أخرى فإن نزعه أو الامتناع عن ارتدائه ليس دلالة التزام مؤكد بأن الطهارة والأخلاق في الباطن لها، وللبقية رياء وسُمعة، الأمر مختلف حقاً!

الظاهر والجوهر
لا يمكن بحال من الأحوال أن يقدم أحدنا لآخر أوسمة طهر أو أن ينزعها عنه ما دمنا نصدّق أن الجوهر للإيمان في القلب، ولأنه في القلب فلا يمكن أن يطّلع عليه إلا الله، ولذلك فالتقييم على أساس الجوهر فحسب لا معنى له ولا قيمة، تماماً كما أن التقييم باعتبار الشكل فقط لا معنى له ولا قيمة، فكيف بالإمكان معرفة الصواب؟ وما المعنى الذي يجب أن ندركه في تشريع الحجاب؟

وتُجمع كل شعوب الأرض على أسس أخلاقية عامة، تتفق عليها، وتتوافق، كالرحمة والعدل ومساعدة الضعفاء وحماية الإنسان من أذى الإنسان، وحين نبحث في الأخلاق وارتباطاتها بالبشر علينا أن ننحي الزيّ أو الشكل أو اللون، لنجد هالة من الارتباطات الوثيقة التي تجمع شعوب الأرض على أخلاق وقيم متقاربة، تصب في حرية وكرامة الإنسان، وفي حياة المسلم ترتبط الأخلاق بالإيمان، الإيمان الذي يجمع طهارة الظاهر والباطن، ويربط القول بالعمل، والفكر بالسلوك، وبالتالي فالمسلمة التي ترتدي الحجاب إيماناً ويقيناً بأهميته، وينعكس حجابها على سلوكها وأخلاقها وأفعالها، فهي تعزز سمة أخلاقية مميزة في مجتمعها.

الحجاب بكل تأكيد لا يساعد المرأة نفسها في صون نفسها وحسب بل هو أداة حصانة للمجتمع ككل، يمنع أعين الغرباء من الاقتراب، وغرائزهم من التعدّي، فلم تُخلق المرأة لتكون يوماً أداة للترفيه عن الرجال، بل هي إنسان يحمل كل صفات الكرامة والإنسانية وإعمار الأرض، وفيها كل صفات الحياة طالما التزمت بما يحييها.

قال تعالى في سورة الأنفال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

وقال تعالى واضعاً أسساً اجتماعية تربوية فريدة من نوعها في سورة النور: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

المجتمع أولا
لقد وضع الإسلام ليس للمرأة فقط بل للمجتمع ككل قواعد وضوابط لازمة لأجل أن يسير على إيقاع منضبط، فالالتزام بها يؤمن له الحماية والوقاية والأمن، والتعدي سينتج سلسلة من المشكلات والأزمات التي تسيء للمخالف وتجعله عرضة أكثر للأذى، كما تأخذ في في دوامتها كل من ينساق بلا وعي خلف ضخ الأفكار المشوهة والتشويش الذي لا يتوقف عن الانتشار كلما ابتعد المسلم عن مقاصد دينه وشريعة ربه.

لا يمكن للحجاب أن يكون معركة المرأة وحدها من أجل رفعة الأخلاق في المجتمع وسموها فيه، فللرجل دور مهم في ذلك، وهو العنصر المشارك بفاعلية في تعزيز الفضائل أو هدمها، وهو المطلوب منه غض البصر وحفظ الفرج، والمساهمة الحقيقية الفاعلة في اتباع ما أراده الله من خير للإنسان ذكراً كان أو أنثى.

الأخلاق لا تقترن بزيّ من الأزياء لكن الحجاب يعززها ويسهم في ترسيخها.

لابد أن نفرِّق هنا بين أهمية الحجاب كوسيلة مهمة لبناء مجتمع آمن سوي، وبين من يعبث بهذه الوسيلة، ويسيء إليها عندما يستخدمها واجهة تغطي مشكلاته الأخلاقية، وبين من يستهتر بها وينفي أهميتها وضرورتها.

لابد أن ندرك أن الإسلام لم يأتِ بشيء إلا وفيه مصلحة الفرد والمجتمع على حد سواء، وحياة عزيزة مصانة كريمة، في ظل تشريع يحترم الإنسانية ويكرّمها. لنا أن نبحث ونتخيل ونقارن كل الافتراضات الممكنة، سنجد الاستقرار والطمأنينة الحقة للنفوس في الضبط والالتزام الفاعل للشخصية المسلمة.

فإذا شعرت كل مسلمة أنها تُسهم بحجابها الذي ترتديه وتؤمن بفضله وأهميته في حضارة مجتمعها ونهوضه، ستختلف النظرة السطحية، وسيتجاوز كونه مجرد زي أو قطعة قماش إلى رمز فاعل ومؤثر ومساهم في التربية العامة والبناء، ومن أجل خير المجتمع يخاطبه الله بما يرفعه، ويرتقي أولئك الذين يستجيبون، فيسمعون ويطيعون.

كيف يدربنا الصوم على التغيير؟

زكاء مردغاني


يقيس علماء إدارة الموارد البشرية نجاح المؤسسات بمعيار جوهريّ؛ هو قدرة هذه المؤسسة نظاماً وميزانيّةً على “تدريب العاملين فيها”، وهو معيارٌ  يُحدّد نجاحها الآني والمستقبليّ، إذ لا يمكن لمؤسسةٍ لا تُدرّب أعضاءها أن تتطوّر، فضلا عن أن تبقى واقفةً على قدميها، وإذا صحّ أن نعدّ الإسلام مؤسسةً كبيرةً نظامها الداخليّ موقّعٌ من الذات الإلهيّة، وصحّ أن نعايرها بمعايير المؤسسات الإنسانيّة، فإنّ “التدريب” فيها يبهرنا بأنّه “مجاني”، “منظّم ومحدّد”، “شاملٌ لجميع أعضاء المؤسسة”، وأنّ آليّاته قادرةٌ على إعادة إحياء المؤسسة إن تعثّر أعضاؤها في الطريق.

إنّ التدريب الذي يقدّمه النظام الداخليّ الإلهيّ (ولله المثل الأعلى) للمسلمين لمدّة شهرٍ واحدٍ من كلّ عام هو الصيام الذي نزعم هنا أنّه ليس إلا تدريباً للمسلم على أن يكون مسلماً حقّاً، إذ إنّ حقيقة المسلم هي الحقيقة التي يعيشها الصائم في الشهر العظيم، فإذا عاش المسلم بحقيقته شهراً من كلّ عام، عاشت فيه هذه الحقيقة بقيّة العام، فالصيام يحول الأفكار التي يتلقّفها المسلم من الكتاب والسنة، ويحفظها في عقله، ويؤمن بها في قلبه تحويلها إلى حياة عمليّة يعيشها بجسمه وروحه فترقى بذلك من أن تكون معارف مجردة إلى أن تصبح معارف محسوسة ملموسة حيّة، تلك الآليّة التي ارتأتها الحكمة الربانيّة لتدريب المسلم على معاني الإشراق الإلهي على النفس الإنسانية.

وإذا كان الأمر كما نقول، فما هي حقيقة المسلم التي يدرّبه شهر الصيام عليها؟ والتي تتجلّى واضحةً فيه و هو صائم؟ لاستجلاء ذلك، سنحاول فيما يلي تتبع المعاني التي يتدرّب المسلم عليها في هذا الشهر، والتي ينبغي أن يخرج المسلم بعد الالتزام بالصيام لشهر كامل، يخرج متقناً لها عامَه كاملاً.

1- العبودية والمساواة، إذ يتساوى الناس كلّهم في ذلك الفقر الإجباري، وتكون الأمة كلها على حالة نفسية واحدة يستوي فيها الفقير بالغنيّ، يجوع فيها الغنيُّ تماماً كما يجوع الفقير، شأنُ الصيام في ذلك شأن الصلاة والحج في تحقيق المساواة، ليدرك الناس الحقيقة الإنسانية الخالدة «الخلق كلهم عباد الله» ويتحقق في نفوسهم معنى العبودية الصحيح! ويتعمّق هذا المعنى في النفوس حين يخرج الناس ليجتمعوا في صلاة التراويح، فيستوون بين يدي ربّهم يركعون ويسجدون.

2- مراقبة الله، فالصّوم عبادةٌ سريّةٌ لا يطّلع على حقيقتِها إلّا الله، وهو عبادةٌ تستقصي الطاقة حدّ الوسع، فالصّائم يجوع ويعطش ويترفّع عن شربة ماءٍ أو لقيمةٍ صغيرةٍ استجابةً للأمر الإلهي، لا رقابةَ عليه في ذلك إلّا استحضار أنّ الله هو الرقيب.

3- تربية الإرادة، فالصائم يمتنع بإرادته عن شهواته الجسدية، فتتدرّب فيه القدرة على الاختيار بين الحق والباطل، وتنمو فيه إرادة الخير، والقدرة على الاستجابة لوازعها في نفسه. والمرتبة التي يرتقي إليها الصائم في تكوين الإرادة هي أعلى منزلة يمكن أن تبلغها إرادة المرء حين تكون شهواته منقادة لفكره، ورغباته مذعنة للحس الديني فيه.[1]

إنّ كون الصيام عبادةٌ سريّةٌ بين العبد وربه يعمّق معنى الحريّة في الالتزام بهذه العبادة بعيداً عن أيّ سلطةٍ اجتماعيّة تماماً كما يعمّق معنى المراقبة للّه في السرّ قبل العلن، وهذه الحريّة في الاختيار، والإرادة الخاضعة للفكر لا للحس هي الحرية الحقيقية التي ينضبط بها المسلم، ليكون حرّاً عبداً لله وحده.

4- الرحمة، فالإنسان إذا صام يومه كاملاً، صياماً يمتنع فيه امتناعاً باتا عن أي غذاء يدخل جوفه، حتى استنفد طاقته، صارت نفسه قادرةً على الإحساس بغيره ممن يجوع لفقره، وأصغى لصوت ضميره الذي يوجّهه إلى الصدقة ومد يد العون لأخيه الفقير الجائع بنفسه لا بإرادته. ومن هنا جاءت صدقة الفطر ترجمةً عمليّةً سلوكيّةً لانغراس هذا المعنى في نفس المسلم، وكانت فرضيّتها على جميع المسلمين تأكيداً لارتباط خُلُقِ العطاء بالمسلم الرحيم الذي يسلم الناس من لسانه ويده، وتمتدّ يده بالخير وتمسك عن الشرّ استجابةً للوازع الإيمانيّ في داخله.

كلُّ ما ذكرنا من المعاني يندرجُ تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «كُلّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلّا الصّيام فإنّه لي، وأنا أجزي به، والصّيامُ جُنّة، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتلَه، فليقل: إنّي امرؤٌ صائمٌ، والذي نفس محمدٍ بيده، لَخَلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسكِ، للصّائمِ فرحتانِ يفرحُهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربّه فرح بصومه» [رواه البخاري]، فقوله عليه السلام “الصيام جُنّة” أي وقاية، وقايةٌ للإنسان من شرور نفسه و وقايةٌ للمجتمع من شروره الداخليّة، وإنّ الصائم لا يسبُّ أحداً و لا يقاتله، ذلك أنّه قد تحققت في نفسه معاني القرب من الله والمعية الإلهية، فهو أرقى من النزول إلى مراتب الشر البشريّ، لذلك فهو يجيب بقوله «إني امرؤ صائم» يعني أنا فوق أن أجيبك.

وفي الحديث إشارة لطيفة تستوقفنا فالحبيب صلى الله عليه وسلم يقسم بأنّ تلك الرائحة المنبعثة من فم الصائم هي عند الله أطيب من ريح المسك، ليؤكد قرب الصائم من ربه وارتقائه إلى تلك المراقبة اليومية السامية.

فليكن لنا من مراقبة الله صدقةً مخفيّةً لا تعلم شمالُنا فيها شيئاً عمّا أنفقت يمينُنا، وليكن لنا من العبوديّة إقبالٌ إلى التراويح في المساجد نتأمّل في إقبال القلوب كلّها إلى ربٍّ واحد، وليكن لنا من تربية الإرادة توبةٌ نصوحةٌ نُقلع فيها عن الذنوب، ونجاهد أنفسنا و هواها، ونجتهد في ضبط ألسنتنا التي يكبُّ النّاس على وجوههم في جهنّم من حصائدها، ولنأخذ الكتاب بقوّةٍ تلاوةً واستماعاً و فهماً وتأمّلاً حتى يرسخ خلق الرّحمة في قلوبِنا، فنبلغ يوم الجائزة وقد اجتزنا التدريب ناجحين، ويبقى من أثر رمضان ما يجعل حياتنا كلّها كرمضان.


[1] الرافعي؛ مصطفى صادق: وحي القلم ، ط مؤسسة الرسالة 2000 ، ج 2 ص 349، (بتصرف).

لماذا فُرض الحجاب؟

أحمد دعدوش


منذ بزوغ شمس الإسلام وحتى انحسار الاحتلال الأوربي عن بلاد المسلمين في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، لم ينقل لنا التاريخ أي حادثة تدل على أن حجاب المرأة قد تسبب لها في يوم من الأيام بأي مشكلة. وإذا كان التراجع الحضاري الذي استكان إليه المسلمون في القرون الثلاثة الأخيرة قد منح أعداءهم فرصة التعرض لقيمهم ومقدساتهم، فإن قضية “تحرير” المرأة ما زالت إحدى أهم مداخل الغزو الثقافي التي يراد من خلالها خلخلة التماسك الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، ونسف قيمه الأثيرة التي تغوص في وجدان المسلم العادي.

من أجل ذلك، كان جسد المرأة المسلمة -قبل عقلها- هدفا مركزيا لسهام الغزو، وإذا كان الحجاب هو العائق الأول في طريق الوصول إليها، كان لا بد من اصطناع ثقافة متكاملة تحمل على عاتقها نسف الحجاب من اللاوعي الإسلامي، بدءا بإشاعة الشكوك حول حكمه الشرعي وعلته وغايته، ثم ربطه الدائم بكل الصور المنفرة، في سعي دؤوب لتنميط صورته على أنه الوجه السافر لكل ما هو مقيت ومنفر.

وما إن اكتملت فصول هذه الحملة التي تتخذ من حقوق الإنسان والديمقراطية غطاء لها، حتى اجتمعت بين أيدينا مجموعة من الدعاوى التي يحاول بها أصحابها التشكيك في علة فرض الحجاب على المرأة. ويمكن للمطلع أن يلاحظ أن بعضها يناقض البعض الآخر، إذ يصعب الجمع بينها في منظومة واحدة، إلا أن الهدف من إثارتها وتكرارها قد يكون هو مجرد الاكتفاء بنسف حرمة الجسد وثقافة العفة والشرف، وهو أمر كفيل بزعزعة بنيان المجتمع.

وفي هذه العجالة، سنعرض لأهم ما يتداوله أعداء الحجاب من شبهات حول علة هذا الفرض الذي أجمع عليه المسلمون، مع مناقشة كل منها بما يسمح به المقام.

أوهام العلمانيين حول علة الحجاب
1- “أن الحجاب فُرض لتمييز الحرائر عن الإماء”، ويستدلون بقوله تعالى: “ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ” (الأحزاب: 59)، فقد ذهب الكثير من الفقهاء والمفسرين إلى أن الحجاب (أي الخمار والجلباب) كان خاصا بالحرائر دون الإماء، فاستغل البعض هذا الحكم ليزعموا أن الحجاب لم يعد حكما واجبا اليوم، إذ انتهى عهد الرق ولم تعد هناك حاجة للتمييز.

والحقيقة أن هذه العلة ليست الوحيدة في فرض الحجاب أصلا، وأنها ليست محل إجماع أيضا، فبعض الفقهاء رأى عدم التمييز بين الحرة والأمَة، مثل ابن حزم والنووي، وأجمعوا جميعا على أن الأمة تتحجب إذا كانت شابة أو جميلة، فالإعفاء من الخمار والجلباب كان تخفيفا عمن تضطر للعمل والخدمة ممن لا يكترث لها الرجال.

2- “أن الحجاب فُرض لتربية المرأة والحفاظ على أخلاقها من الانحراف”، ويتشدق أصحاب هذا الرأي دائما بأمثلة لا تحصى عن فتيات محجبات غير أخلاقيات، في مقابل فتيات يتمتعن بالأخلاق العالية دون أن يضعن الحجاب على رؤوسهن.

وقد يكون الحجاب من لوازم الحشمة التي ينبغي أن تنشأ عليها الفتاة في سن المراهقة، لكن نصوص الوحي لم تعلل فرض الخمار والجلباب بالتربية نفسها، بل نستنتج من الآيات -كما سيأتي لاحقا- أن العلة الأبرز هي حماية المرأة من الأذى، وبغض النظر عن أخلاقها، فالحجاب إجراء احترازي لحماية الرجل من الفتنة، ولحماية المرأة من مضاعفات هذه الفتنة.

3- “أن الحجاب أداة سياسية، ابتكرها الإسلاميون للتلويح بها في وجه خصومهم”، ويتبع ذلك إطلاق مصطلحات من قبيل “ثقافة الحجاب” و”مؤسسة الحجاب”!

ويبدو أن أصحاب هذه الحجة لا يمضون في عرضها إلى أبعد من ذلك، بل لا يملكون من الأدلة عليها إلا دعوة الناشطين الإسلاميين في عالم السياسة إلى الحجاب، دون أن يلحظوا أن هؤلاء الحركيين يهتمون أيضا بالدعوة إلى الصلاة والصوم وغيرها من أحكام الإسلام، فضلا عن الدفاع عن الأوطان، ولكن العجيب هو أن أيا من هذه الدعوات لم يحظ بذلك الاهتمام العلماني الذي حظي به الحجاب.

علاوة على ذلك، لا ينتبه أصحاب هذه النظرية إلى أن الحجاب يستند إلى نص قرآني يتداوله المسلمون منذ أربعة عشر قرنا، فما المبرر إذن لتحميله بعدًا سياسيًا لا يمتد إلى ما هو أبعد من بضعة عقود، حين بدأت الحركات الإسلامية بالتشكل؟ بل ما هي العلة التي يرون أنها السبب في التزام ملايين المسلمات في مجتمعات لا تصل إليها أنشطة تلك الحركات الإسلامية؟

4- “أنه فُرض على المرأة لاضطهادها من قبل الرجال”، والدليل الذي يتمسك به أصحاب هذه النظرية هو اقتصار الحجاب على المرأة دون الرجل، إذ يدفعهم ذلك لافتراض استغلال “طبقة” الفقهاء من الرجال لبعض النصوص وتفسيرها على نحو يرسخ نظرتهم الظالمة للمرأة.

والعجيب في الأمر هو تجاهل هؤلاء للحال الذي كانت عليه النساء في عصر نزول هذه النصوص، إذ نزلت آية الحجاب قبل وجود “طبقة الفقهاء”، والتزمت بها النساء فور سماعهن بها.

أخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: “إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح متعجرات كأن على رؤوسهن الغربان”. وورد الحديث بأكثر من رواية بعضها في صحيح البخاري.

وليس في الحديث أي دليل على اضطهاد أو إكراه من جنس لآخر، بل لم يكن للفقهاء هنا أي دور في تفسير هذه الآية التي تنص بوضوح على وجوب الخمار، إذ بادرت النساء على الفور بتنفيذ أمر الله فور علمهن به، لكونه أمرا من الله تعالى لا من الرجال.

أما عن كون هذا الحكم خاصا بالمرأة دون الرجل، فهذا مما لا يحتاج إلى كبير جهد لبيان علته، فلا يختلف اثنان على أن الرجل يفتتن بكل ما يظهر من جمال المرأة، في الوقت الذي تضع فيه المرأة وسامة الرجل في درجات ثانوية، تأتي بعد اهتمامها بشخصيته وعلمه وماله وغير ذلك، ومن المألوف أن يقترن الرجل بمن تصغره سنا، وأن تصرف المرأة جل وقتها لإخفاء معالم الشيخوخة حفاظا على مكانتها في قلب الرجل، دون أن يكلف الرجل نفسه عناء ذلك.

5- “أنه وسيلة لعزل المرأة المسلمة في الغرب عن مجتمعها العلماني ولتمييزها عن غيرها من النساء”. ولا يمضي أصحاب هذه النظرية أيضا إلى ما هو أبعد من ذلك، بل يكتفون بضرورة انصهار النساء جميعا في بوتقة واحدة، إذ يرون أن الرجل المسلم لا يختلف في مظهره عن غيره من الرجال، مما يعني ضرورة إجبار المرأة المسلمة أيضا على عدم ظهورها بما يميزها عن غيرها من النساء.

ويتابع هؤلاء بافتراض كون الحجاب رمزا دينيا، ثم يلحقونه بافتراض آخر يماثله عند الرجل المسلم وهو إطلاق لحيته، ومن ثمّ فإن كلا الرمزين يُعدان إشارة إلى كون من يلتزم بهما من “طبقة رجال الدين”، ولا يمكن للطبقات الأخرى من المجتمع أن تشترك مع هؤلاء في المظهر.

لكن هذا التصور نابع من موقف الغرب من الدين أولا، ومن مفهومه الخاص لدور الدين ورجاله ثانيا. فالموقف الغربي من الدين قائم على تاريخ طويل من الصراع والنضال ضد اضطهاد الكنيسة، وهذا مما لم يعهد له المسلمون مثيلا في تاريخهم.

أما مفهوم طبقة رجال الدين فقائم أيضا على خصوصية الدين المسيحي في المجتمع الأوربي، إذ لا يوجد الدين هناك إلا مع وجود مؤسسة كنسية يديرها رجال ونساء منتدبون لهذه المهمة، وهم طبقة من الرهبان والراهبات الذين نذروا حياتهم للدين دون غيره، فلا يمكن الجمع بين هذه المهمة وبين غيرها، بل لا يسمح لأفراد هذه الطبقة بممارسة مهماتهم خارج نطاق المؤسسة. وهذا تصور لا نجد مثيله أيضا في الإسلام، فليست هناك مؤسسة دينية ولا تنظيم ديني للعاملين فيها، بل هناك مساجد للعبادة والعلم، وعلماء لا يختلفون عن غيرهم سوى بقدراتهم العقلية والنفسية وبهمتهم لطلب العلم، وعلمهم متاح للجميع طلباً وبذلاً. أما الالتزام بالدين في مظاهره وسلوكه وعقيدته فهو أمر مطلوب من كل المسلمين دون تمييز، فإعفاء اللحى واجب على كل الرجال، كوجوب الحجاب على كل النساء. [انظر مقال هل هناك مؤسسة دينية في الإسلام؟].

6- “أن الحجاب في ذاته ليس بالأمر المهم، بل هو مجرد أداة ضغط يتلاعب بها الإسلاميون لإبرازها عند الحاجة، مستهدفين بذلك إثارة القلاقل وصرف الأنظار عما هو أهم”. وقد يلاحظ كل من قُدر له الاطلاع على كتابات هذا النوع من الكتاب أن الأمور المهمة لديهم هي التي تتعلق بالوضع الاقتصادي للمجتمع، أما إذا ارتفع مستوى الاهتمام قليلا عن المادة فإن الأهمية لا تتعدى حقوق المرأة الأخرى من ضرورة رفع الظلم عنها، وتعليمها، ومساواتها التامة بالرجل.

وإذا كان الإسلام هو أولى بالدعوة لإحقاق الحق ورفع الظلم ونشر العلم، فإن الخلط هنا ليس قاصرا على مفهوم هؤلاء للمساواة الذي لا يراد منه تحويل المرأة إلى رجل كما يُخيل إلى البعض، ولا حتى العبث بأنوثتها، بل إن ترتيب الأمور على هذا النحو من الأهمية لا يقوم لديهم على أكثر من تصورهم العلماني للحياة، فالحوار هنا لا يصح أن يظل حبيس وجهات النظر حول المهم والأهم، ما لم نتفق أولاً على تصور واضح لوجود حياة أخرى بعد هذه الدنيا أو لا، فالحديث عن البطالة والفقر يبدو أنه مجرد شغب وصرف للأنظار عن هذه القضية.

ولو أن المفاضلة كانت بين موت المرأة جوعاً وبين حجابها، فلا خلاف في أن الشريعة تضع حفظ النفس أولاً، لكن الاهتمام بالحجاب والعفة وتماسك المجتمع لا يكون أصلاً على حساب محاربة الفقر، بل قد يكون مكملا له وصارفا للفقراء وغيرهم عن الانشغال بالشهوات.

 

لماذا فُرض الحجاب إذن؟
وردت آيات وجوب الحجاب في القرآن الكريم بوضوح لا يرقى إليه شك، ويمكن جمعها على النحو الآتي:

(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31).

(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60).

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) (الأحزاب: 53).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).

ولفهم هذه الآيات، نقف عند معاني بعض ما جاء فيها من مفردات:

-الجلباب: أصل مادة جلبب يفيد الجمع والإحاطة، والجلباب هو ما يتغطى به، وقد يطلق على القميص والخمار والرداء والإزار، وهو ثوب واسع للمرأة أوسع من الخمار ودون الرداء تغطي به رأسها وصدرها وظهرها، أو ما تضعه فوق ثيابها.

-الخمار: أصل الخمر ستر الشيء، والخمار ما يستر به، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.

-الجيب: هو ما قُطع وسطه، وجيب القميص ما ينفتح على النحر (الياقة).

-الضرب: وضع الشيء على الشيء.

-الإدناء: يقال أدنيت أحد الأمرين من الآخر أي قاربت بينهما، وإدناء المرأة ثوبها عليها أي أرخته وتسترت به.

ويبدو أن مصطلح الحجاب المتداول اليوم لم يرد في القرآن، فالوارد هو الخمار والجلباب، أما الحجاب فكان يُقصد به حجب المرأة بشخصها عن الرجال، أي عدم احتكاكها بهم، وعدم إبراز ما يدل على شخصها إذا اضطرت للخروج، وهذا أمر خاص بنساء النبي تحديداً لكونهن أمهات للمسلمين جميعا.

وبالعودة إلى الآيات الكريمة التي وردت في شأن لباس المرأة، نرى أنها جاءت في سياق غض البصر وحفظ الفرج، ويؤكد ذلك أيضا ما جاء بعدها من آيات تفصل آداب الاستئذان قبل الدخول، والحث على الزواج والإعفاف.

وعليه، فإن العلة الأولى للحجاب (الخمار والجلباب)، هي إحصان المرأة وحفظ كرامتها بتغطية ما يثير شهوة الرجال من زينتها، وذلك بستر سائر بدنها خلا الوجه والكفين (استنادا إلى أحاديث نبوية)، مع التأكيد على أن العفة تناط أولا بالتربية وتزكية النفوس لكلا الجنسين كما قال تعالى: “ولباس التقوى ذلك خير”، فيما تأخذ تغطية الزينة حكم الإجراء الاحترازي لدرء الفتنة، والتي لا تُقصر على ضعاف النفوس فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره، فالغريزة الجنسية يستوي فيها العقلاء مع العامة، والتاريخ حافل بقصص الخيانة الزوجية على جميع المستويات.

الغاية إذن هي مساواة المرأة بالرجل لا تمييزها عنه، فلما اختصت الزينة والفتنة بأحدهما أكثر من الآخر، كان لا بد من مواءمة الأحكام للفروق القائمة بينهما، ليلتقي كل منهما في إطار الضرورة بما يضمن التقاء إنسان بإنسان، دون أن يشوب العلاقة ما يهبط بها إلى دركات الشهوانية المقيتة.

بناء على ما سبق، فمن الذي ينظر إلى المرأة على أنها جسد؟ ومن الذي يقصر فكره ونشاطه على ما يجب كشفه أو ستره من جسدها؟ أتراه ذاك الذي يعترف بحقيقة غريزته ويبني عليها حكما يلزم به نفسه ليحترم إنسانية المرأة، وينصرف من خلاله عن التدني إلى مستوى التطلع إلى غاية شهوانية، أم هو الذي يصر على نفي وجود تلك الغريزة وهو يعلم مكانها في نفسه، ثم يحكم على الرجال بضرورة التنزه عنها، مصرا على إخراج النساء اللاتي بقين مئات السنين في خدورهن، وطرح غطائهن الذي لم يُثِر أي مشكلة طوال تلك القرون، فيأمر الرجال بالنظر دون شهوة، والنساء بالاختلاط دون اعتراف بوجود أي نزوة؟

لقد رافقت الحشمة صورة المرأة منذ خُلقت وعاء للجمال والفتنة، فإذا كان هذا الغطاء الذي لا يمنع المرأة عن مزاولة أعمالها والتمتع بحقوقها قد وقف حائلاً في وجه بعض من الرجال عن التمتع بزينتها، فلنبدأ إذن بإعادة صياغة أسئلتنا من جديد، ولنتحلّ بالجرأة في تحديد الطرف الذي لا يرى من المرأة إلا جسدها ثم يتظاهر بالدفاع عن حريتها عبر كشف ما استتر منه.

هل فُرض الحجاب لتمييز الحرة عن الأمَة فقط؟

أحمد دعدوش


نص القرآن الكريم على وجوب تغطية المرأة لجسدها بالخمار والجلباب في سورتي النور والأحزاب، واستنبط كثير من الفقهاء والمفسرين من الثانية حكما بعدم وجوب التغطية على الأمَة (المملوكة)، ثم جاء بعض المعاصرين ليزعم أن انتفاء وجود الرق اليوم يسقط الحكم عن الحرائر.

سنناقش في هذا المقال الحكم نفسه، ثم نرد على المزاعم السابقة التي تسعى لإسقاط وجوب الخمار والجلباب، أو ما يسمى اليوم بالحجاب.

تقول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].

ومع أن الآية لا تشير صراحة إلى التمييز بين الحرائر والإماء، لكن اتفاق الكثير من الصحابة على هذا التفسير دفع معظم الفقهاء إلى تبنيه، حيث نُقل عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يمنع الإماء من التقنع (أي تغطية الرأس بالجلباب أو الخمار) ويطالبهن بعدم التشبه بالحرائر، وصحح هذه الأحاديث البيهقي والألباني.

إلا أن هذا التمييز يجب أن ينضبط بتوضيحات يغفل عنها الكثيرون، وسنوضحه في النقاط الأربع الآتية:

أولا: الهدف من التمييز هو حماية الحرائر من الأذى، قال السعدي في تفسيره [ص 672]: “{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُن أنهن غير عفيفات فيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن وظن أنهن إماء فتهاون بهن من يريد الشر”.

لكن هذا لا يعني أن التعرض للإماء جائز ومرخص فيه، إذ يقول محمد الأمين الشنقيطي “وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ تَعَرُّضَ الْفُسَّاقِ لِلْإِمَاءِ جَائِزٌ بل هُوَ حَرَامٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُنَّ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض… وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَمْرِ الْحَرَائِرِ بِمُخَالَفَةِ زِيِّ الْإِمَاءِ لِيَهَابَهُنَّ الْفُسَّاقُ، وَدَفْعُ ضَرَرِ الْفُسَّاقِ عَنِ الْإِمَاءِ لَازِمٌ، وَلَهُ أَسْبَابٌ أُخَرَ لَيْسَ مِنْهَا إِدْنَاءُ الْجَلَابِيبِ” [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 6/245].

ثانيا: التفريق بين الحرة والأمة في اللباس ليس أمرا مجمعا عليه، ولم يثبت في التفريق بينهما دليل صحيح صريح، فقال كثير من العلماء إن عورة الأمة كعورة الحرة، وإن علة الحجاب هي منع الفتنة وليس الحرية (نقيض الرق)، فقال ابن قدامة في المغني: “وسوّى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن} الآية، ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة، والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة، فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعي، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكر افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر؛ لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها، قال أحمد بن حنبل في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة”.

ورأى آخرون أن علة الحجاب كون المرأة أنثى بالغة، وأن التمييز بين الحرة والأمة هو حكمة من الحِكم وليس العلة، وحِكم فرض الحجاب كثيرة، ومنها أن ذلك أطهر لقلوب النساء والرجال، كما قالت الآية {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ{ [الأحزاب:53]، ومنها أيضا تطهير المجتمع المسلم عن أسباب الرذيلة، فإذا انتفت بعض الحِكم لا يزول الحُكم كما اتفق الفقهاء، فالحُكم الفقهي لا يدور مع الحكمة بل يدور مع العلة وجودا وعدما.

وجاء في كتاب “النوادر والزيادات” للقيرواني نقلا عن أشهب: “وكره مالك خروج الأمة متجردة، قال: وتُضْرب على ذلك”.

كما قال النووي في [منهاج الطالبين، ص 204] “وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَم”، وأضاف شارح الكتاب الهيتمي في “تحفة المحتاج”: “لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأُنُوثَةِ، وَخَوْفِ الْفِتْنَةِ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْإِمَاءِ يَفُوقُ أَكْثَرَ الْحَرَائِرِ جَمَالًا؛ فَخَوْفُهَا فِيهِنَّ أَعْظَم”.

وكان ابن حزم يعارض بشدة التمييز بين الحرة والأمة، فقال في كتابه المحلى: “وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، فكل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما”.
ثم قال: “وقد ذهب بعض من وهل (أي غفل) فى قول الله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن، ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذى هو إما زلة عالم أو وهلة فاضل عاقل أو إفتراء كاذب فاسق، لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمَة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق. وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق. ولهذا وشبهه: وجب ألا يُقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام”.

ووافقه بذلك الشيخ الألباني فقال في كتابه حجاب المرأة المسلمة: “ولا يخفى ما في ذلك من فتح باب الفساد، مع مخالفة عمومات النصوص التي توجب على النساء إطلاق التستر، وعلى الرجال غض البصر”.

ورأى الألباني أن تمييز الحرائر عن الإماء لا دليل عليه من كتاب أو سنة ومخالف لعموم قوله تعالى {ونساء المؤمنين} [الأحزاب: 59]، فقد قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام فى شأن النساء: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ} [الأحزاب: 50] ثم قال تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [الأحزاب: 52]، فثبت دخول الإماء والحرائر فى لفظ النساء كما في قوله تعالى: {ونساء المؤمنين}.

وهذا ما سبق أن قال به أبو حيان الأندلسي في تفسيره [البحر المحيط، 7/ 250]: “والظاهر أن قوله: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر؛ فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح”.

وقال الألباني أيضا إن الحجاب يعم كل النساء لعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: “إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا.. وأشار إلى وجهه وكفيه” [رواه أبوداود وهو حسن لغيره].

واستدل القائلون بهذا الرأي بقول ابن جريج: “قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى دُرَّاعَةٍ ؟! قَالَ: نَعَمْ، أُخْبِرْتُ أَنَّ الْإِمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَبَعْدَهُ كُنَّ لَا يُصَلِّينَ حَتَّى تَجْعَلَ إِحْدَاهُنَّ إِزَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا مُتَقَنِّعَةً أَوْ خِمَارًا أَوْ خِرْقَةً يُغَيَّبُ فِيهَا رَأْسُهَا” [مصنف عبد الرزاق]، أي أن رأسها عورة.

لذا رأى أصحاب هذا الرأي أن الفعل الذي فعله الفاروق رضي الله عنه ليس بالنص الملزم، وأنه ضرورة وقتية لحالة معينة [كتاب حجاب المرأة المسلمة، ص 90-94].

ثالثا: شكل التمييز ليس متفقا عليه بين العلماء الذين أقروا به، فالبعض تساهل وجعل عورة الأمَة كعورة الرجل، والبعض تشدد وجعل الأمر متعلقا بكشف وجهها فقط، والبعض قال إن ما يباح كشفه للأمة هو ما ينكشف عادة أثناء الخدمة، مثل رأسها ورقبتها وذراعيها.

رابعا: حتى القائلين بالتفريق بين الحرة والأمة استنادا إلى فعل عمر رضي الله عنه، فقد أجمعوا على عدم إطلاق تجرّد الأمة من الحجاب دون ضوابط.

ففرّق بعضهم بين الأمَة البَرْزَة (التي تبرز كثيراً كالرجل لجلب الماء مثلا أو لممارسة أعمال أخرى تتطلبها الخدمة)، وبين الأمة الخَفْرَة (التي لا تخرج من البيت كثيرا).

كما فرَّق ابن قيم الجوزية بين إماء الاستخدام والابتذال، وبين إماء التسرّي (ملك اليمين)، وأبدى تعجبه ممن يرى أصلا في التمييز بين الحرة والأمة مبررا للنظر إلى الإماء الجميلات، وأوضح أن عدم حجب الأمة ليس للتمتع بالنظر إليها -كما أساء البعض الفهم- بل للتخفيف عنها وتسهيل عملها، فقال في كتابه [إعلام الموقعين، 2/46]: “وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمَة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرّم الله هذا وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}. لم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى، 15/372]: “ثبت في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب}، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن. والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز”، ثم قال: “وكذلك الأمة إذا كان يُخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها. وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجاباً، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها. وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عاماً على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنةٌ وجب المنع من ذلك، كما لو كانت في غير ذلك”.

ونستنتج من كلام ابن تيمية أن عدم احتجاب الإماء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان من باب القياس على القواعد من النساء، لأن الشائع في ما قبل الإسلام أن الرقيق كانوا يُجلبون  من أفريقيا للخدمة والعمل، ولم تكن الإماء محل فتنة، ولكن بعد الفتوحات ودخول النساء الأسيرات في الرق تغير الحال عما كان عليه في عصر الفاروق، ولم تعد بعض الإماء للخدمة ممن لا يكترث لهن الرجال، فيقول ابن تيمية “وأما الإماء التركيَّات الحِسان الوجوه، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكنَّ كالإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجب عليها أن تستر كل بدنها عن النَّظر” [الشرح الممتع،2/157-158 ].

خلاصة
نستنتج مما سبق أن التمييز بين الحرة والأمة ليس علة أصلا للحجاب، بل هو إحدى الحكم المتعلقة به، بل هو موضع خلاف أصلا، وقد أوضحنا في مقال “لماذا فُرض الحجاب؟” علة وحِكم فرض الحجاب، فالآية التي ورد فيها فرض الخمار (الحجاب بلغة اليوم) لا تشير إلى أي تمييز، ولا تجعل من عدم تعرض النساء للأذى حكمة ولا علة، وهي التي يقول فيها ربنا جل وعلا: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ…} [النور: 30].

إذن فانتهاء عصر الرق لا يعني انتهاء فرض الحجاب، وانتفاء احتمالية الأذى لا يؤدي إلى سقوطه أيضا كما يحاجج البعض اليوم. والله أعلم.

علماء السلاطين وتحريف مفهوم الطاعة

الهادي حافظ


لعل من أسوأ أنواع أعداء الحق هم النوع المصاب بداء العجز عن القيام بواجبه، ولكنه يريد لتلك العدوى أن تتسرب لمن حوله، فهو كحامل فيروس خطير يأبى إلا أن يعممه على الجميع.

وهذا النوع أقرب لمريض نفسي يحلل قدراته الانهزامية أكثر من بساطة الفعل الذي عليه أن يقوم به، ومن أشد ذلك النوع خطرا هو الذي يلبس ثوب الدين لعجزه ويطلق مبررات يلبسها أدلة شرعية مقطوعة من سياقها، كالعالم الموالي لنظام استبدادي من أجل مصلحة شخصية، فما إن يراك تتكلم عن تقصير النظام وظلمه حتى يخاطبك بالكلام عن وجوب طاعة ولي الأمر، فيدلس عليك حين يقول لك حقيقة ثابتة ولكنه يغفل أو يتغافل عن ما بين السطور لتلك الحقيقة، فكما هو معروف أن قطع الكلام أو المعنى من سياقه يضر به ويشوش على العوام من أمثالي الذين لا يعلمون بقية ما أُخفِيَ عليهم من الحقيقة.

فلنقم بجولة سريعة لنرى ما هو كامن وراء الحقيقة التي يرفع هؤلاء: “طاعة ولي الأمر واجبة”. طبعا نتفق على وجوبها ولكن لا نتفق على كيفيتها، فلنرجع لكيفية تطبيق الصحابة رضوان الله عليهم لها، لنجد أنه في عهد النبوة كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون أوحي أم مشورة؟ ولما جاء الصديق رضي الله عنه قال في أول خطبة له: يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم.

ثم الفاروق رضي الله عنه يروى عنه أنه قال يوما في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا، فعاد مرتين، أو ثلاثا، قال بشير بن سعد: لو فعلت قومناك تقويم القدح، قال عمر: أنتم إذن أنتم! ومن هنا نعلم أن الطاعة لا تعني النفاق والخوف من الحاكم وإخفاء الحقائق عليه، وإعانته على نفسه، وإعانته على الظلم، وتصوير له الأشياء على غير حقيقتها، وجعله يظن أنه خُلِق ليسود هذا الشعب. بل العكس، فيروى عن معاوية رضي الله عنه بعد أن اعترض أحد الناس على كلام قاله في خطبة، فقال هو معلقا على ذلك “أيها الناس إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيأتي قوم يتكلمون فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم”.

ففي الحديث “هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراءُ، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض”.

يقال أن عمر بن هبيرة الفزاري لما ولي على العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري وجماعة من العلماء وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم “إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟ فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وبهذه المسلمات والمفاهيم نهضت شعوب وأمم عبر التاريخ وساد العدل وقامت الدول والحضارات عبر العالم، فالكل يعرف قوة القانون الذي تتابع رؤساء سابقين في الولايات المتحدة وحتى الرئيس الحالي والرئيس السابق في فرنسا وفي بريطانيا وسجن رئيسة كوريا الجنوبية السابقة باك غن هيه.

فهنا نعلم أن الطاعة الحقيقية هي التي تجعل المرء يراقب الحقيقة ويذكّر بها من حاد عنها أيا كان، رئيسا وزيرا والدا أخا صديقا، لتسير الناس على هدى وبصيرة من أمرها، بعيدا عن زيف المتمصلحين والمقتاتين على آلام الشعوب من أجل مكاسب شخصية، وجبنا وخوفا من بطش الحاكم.

هوامش على مسألة الترحم على الملحد

الهادي حافظ


بقدر وضوح الحق عبر العصور، بقدر كثرة الدخن الحائم به في هذا الزمان! فكلما هبت عاصفة على أرض عقول شبابنا في هذا الفضاء الأزرق أبانت للأسف عن اتكائها على جذوع بالية توشك أن تسقط إن لم تتعهدها أمطار الإيمان وريّ تصحيح المفاهيم والمسلمات الإيمانية.

ومن أشد تلك الجذوع وهْنًا هو ما أبانت عنه حادثة موت الفيزيائي البريطاني الملحد ستيفن هوكينغ مؤخرا، فمن الغرابة أن تجد شابا ضرب في صغره على حفظ آيات الوعيد في المشركين، ومع ذلك يَقسم لمن كان يجحد وجود الخالق من رحمة الخالق في الآخرة الذي أختص بها الموحدين. والأغرب أن تجد من يحاضر ويعتلي المنابر باسم العلم يردد دعاء الرحمة في حق من كان ينكر صاحب الرحمة.

قرأت ذلك في تدوينة للدكتور عدنان إبراهيم هداني الله وإياه، كما قادتني موجات هذه الفضاء إلى قراءة ومحاورة من تربى على مبادئ القرآن وضرب على حفظه ومع ذلك يُفهم من كلامه أن الإسلام ليس شرطا للجنة، وهذا أمر في غاية الخطورة أعاذنا الله ويحتاج إعادة صيانة لمرتكزة المفاهيم..

عدنان إبراهيم

طبعا تدوينة الدكتور عدنان وأمثاله هي السوسة التي نخرت في جذوع مسلمات شبابنا حتى استطاعت أن توصل ضوء الحضارة الزائف إلى أماكن في عقول شبابنا كانت في السابق حكرا على نور القرآن الخالد! فحدث الخلل للأسف وتاهت عقول في فيافي “نورانية” الحضارة المعاصرة!

الحادثة كشفت عن حالة مرضية يتداخل فيها عجز أجهزة متعددة، من خلل في مفهوم حصر الرحمة في الأخرى على أهل التوحيد أو بعبارة أدق صدق الوعيد بالنار لمن لم يمت على التوحيد، ثم خلل في مفهوم العلم هل هو من الشخص لكي يعتد له به أم يرجع إلى قدرات منحها الله له بفضله -والحالة التي بين أيدينا أكبر شاهد- وخلل آخر متعلق بالفضول الزائد أو “الترشة” في الدخول بين الرب وحكمه العادل في عباده ويخشى على صاحبها إن لم يتدارك.

الخلل الأول
روي في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم “العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع”، وكثيرة هي أحاديث طلب العلم وكفى بكلمة الافتتاح إقرأ من مثال على ذلك.

وبالتالي لا خلاف في تحفيز الإسلام على طلب العلم، بل إن الإسلام لم يأت سوى بمرجحين اثنين: العلم والتقوى! فجعل التقوى عملة الآخرة الوحيدة، وترك العلم بدلالته الواسعة قسما بين أهل الدنيا وهو السلالم التي تتفاضل أبناء البشر بمختلف أديانهم وأجناسهم بها، وما ذاك إلا لرحمته تعالى بخلقه، فلو ربط العلم بالإسلام لعاش غير المسلمين في شقاء هنا وهناك أو لأسلم الناس جميعا وكان ذلك إكراها لهم: {لا إكراه في الدين}.

أذكر ذات مرة أنني كنت في مكتبة جامعية أحاول أن أراجع بعض الدروس -على كسلي- وفجأة جلست على طرف الطاولة الآخر متبرجة وأخرجت دروسها وبدأت في المراجعة! فما كان من الشيطان إلا أن قال لي وأنا الذي تربيت على ربط العلم بالتقوى حيث حفظت في الصغر: “شكوت إلى وكيع سوء حفظي… فأرشدني إلى ترك المعاصي”. بدأ عليه لعنة الله يحاول أن يدخل من باب أن ما تراه عيني يناقض مسلمتي، يريد أن ينسف المسلمة بالواقع: مافي البصيرة بما يرى البصر! ولكن الله سلم حين قاد الخاطر إلى أن العلم بمفهومه الواسع وخاصة ما يتعلق بتطور الحياة لم يربط بالإيمان لكي لا يكون في ذلك إجبارا للناس على الإسلام، وأن العلم الدنيوي وضع في الوسط من الجميع ويختلف نفعه باختلاف حامله، مثله مثل الشراب والإناء! فقد يصلح الشراب ويفسد الإناء فيفسد الشراب! ثم إن التي أمامي قد يكون أذن لها في تحصيل العلم رأفة ورحمة بعيال ستعيله ربما انتظرها لسنوات.

ولكن المسلم خاصة لا يراد منه إلا أن يكون كالشراب الصالح في الإناء النظيف! ولو كان متعلمو الأمة وخاصة في العلوم المعاصرة بتلك الميزة لكنا في مقدمة الأمم!

ومما حز في نفسي مرة وأنا في حصة لأستاذ لعب الشيب برأسه وقد أتاه الله علما ولكنه لما أراد أن يعطي مثالا على الرشاقة في درس عن مشكلة السمنة، لم تسعفه ذاكرته أمام طلابه في ذكر غير الفنانة هيفاء وهبي!

فرضي الله عن الفاروق حين يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل.

الخلل الثاني
ذكر العلم وكأنه من صاحبه، فأصحابه يقرئهم السلف السلام حين كانوا إذا رأوا نعمة على شخص قادتهم للمنعم ولا يحجبهم نورها الظاهر على المنعَم عليه عن مانحها، فما روي عنهم سوى: آتاه الله علما، وأوتي فهما، وفتح الله عليه.

الخلل الثالث
والأخطر حيث يلعب البعض دور “حبة الفلجة” بين حكم الخالق العادل على مخلوقه، ويصور له الشيطان أنه أرحم حشىً، حين يدخل في الرحمة من أخرجه الرحمن منها أعاذنا الله، ففي الموسوعة الفقهية “اتفق الفقهاء على أن الاستغفار للكافر محظور، بل بالغ بعضهم فقال: يقتضي كفر من فعله”، ونقل الإجماع كذلك النفراوي في شرحه للرسالة، وهذا الذي عدوه مبالغة، نص عليه الجصاص الحنفي، القرافي المالكي وأيده ابن أمير حاج الحنفي وغيرهما. وأصحاب هذا الطرح يقرئهم الصديق رضي الله عنه السلام حيث أجاب ابنه وفلذة كبده أنه لو كان التقى به في غزوة بدر لقتله تقربا إلى الله.

ويقرئهم السلام عبد الله بن عبيد الله بن أبيّ حين وقف على باب المدينة يريد أن يقطع رأس أبيه، فعلى كل من وجد في قلبه ترددا وعدم طمئنية بحكم الله إذا صدر أن يتدارك قبل فوات الأوان.

وكل علم لا يزيد إلى الله قربا فصاحبه كالآلة التي ينتفع بها ولاتنتفع بسر نفعها! والحقيقة التي لاتقبل النقاش هي أن كل من لم يؤمن بالحبيب صلى الله عليه وسلم لا مطمع له بالنجاة والرحمة، فلا أقل من حين غلبتنا أهواؤنا نحن معشر المسرفين فلم نستطع أن نطبق الإسلام بأفعالنا فإيانا وإيانا أن لا نعيشه بقلوبنا!

ثم إيانا أن ينفذ إلى صورته المنطبعة في قلوبنا انبهارنا من أي شيء ليغير في قاعدة بياناتها ويجعل فيها: لوحة تحكم غير الإسلام! لا قدر الله.

رزقنا الله الثبات على الحق ووفقنا للعيش بالإسلام وللإسلام ونجانا من الفتن ماظهر منها وما بطن، وعجل الله بالفرج عن أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

كيف يصان التدين من الانحراف؟

إبراهيم إسماعيل


للإجابة على هذا السؤال أتذكر مقولة لأبي الحسن العامري في كتابه “الإعلام بمناقب الإسلام” خلاصتها أن بعض الناس قد يفعل فعلاً يقصد به الوصول إلى الحسنة، لكنه يضل طريقها لأنه لم يدرك شروطها، بينما يرتكب الفجار السيئات استجابة لنزعة الشر التي دعتهم إليها نفوسهم الأمارة بالسوء، وبالنتيجة يجتمع الفريقان في بعدهم عن فعل الحسنات، وإن كانت المفارقة بأن قصد الفجار تعاطي الشر عمداً وعن علم ودراية.

فما الذي أدى بطالبي الحسنات إلى أن يجتمعوا في النتيجة مع من قصد عدم فعلها وهم الفجار؟

تبدو الإجابة سهلة، إنه الظن، لقد ساروا في طريق يظنون أنه يودي بهم إلى الحسنات، لكن الظن لا يغني من الحق شيئا، وليس بعد العلم إلا الظنون والتخمينات، وهذا هو عين الجهل.

لقد ظن نفر من المسلمين أن بعض الأفعال التي يمكن لهم أن يفعلوها قد تقربهم إلى الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم خطأ تفكيرهم، ونهاهم عن المضي فيه.

فقد جاء في البخاري أن ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”.

هذه الظنون هي التي أدت بالبشر إلى اختراع الرهبنة، ذلك النظام الذي لم يكتبه الله، فنلاحظه موجودا في كثير من الديانات التي انحرفت عن جادة الصواب، فهي ترى في تعذيب النفس وحملها على المشاق غير المحتملة في الحالة الطبيعية، كالنوم على الأشواك، أو دوام حمل الأثقال، مظنة الحصول على الرضا الإلهي أو الانسجام النفسي.

إن العبادة لا تكون إيجابية إلا إن أديت بطريقتها الصحيحة، والعابد ليس مرجعاً علمياً للناس بل العالم هو المرجع، يشهد لهذا الحديث الذي حدثه النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم أراد التوبة، فقد ظن العابد أن لا توبة له، بينما بين له العالم أن باب التوبة مفتوح [رواه مسلم].

إذن فأول ما يحفظ التدين من الانحراف هو التدين على علم، أي الخضوع للدين كما تقرر تعاليمه وقيمه كما أنزلها الله بالضبط، والأمر الآخر لصيانة التدين من الانحراف أن تبقى النصوص الدينية هي معيار صوابية التدين من عدمه، لأنها ظاهرة معروفة يمكن إدراك الخطأ والصواب حين عرض السلوك عليها، ولا يتم تجاوزها إلى الشعور والوجدان، فللعبادة لذة لكن الفعل الذي ينتجها منضبط بالنص، غير أنه يمكن أن يستمر الشعور باللذة الروحية مع تجاوز النص، ثم تصبح الملذات الروحانية وتفاعل الشعور الديني معها هو معيار الخطأ والصواب، حينها قد ينظر للنصوص على أنها قشور، وللمشاعر على أنها الثمار الحقيقية، وهذه من نظريات التعددية الدينية الهدامة، التي ترى أنه بالإمكان التركيز على التصوف كدين عالمي يتجاوز الأديان، ويكون البديل عنها.

لذلك نقول: النص يضبط، والمشاعر لا ضابط لها، لذا فإن التدين يبدأ بالانحراف حين يدور مع المشاعر لا مع النصوص، إن التدين الصحيح ينطلق من النصوص، ثم ترافقه النصوص كمعيار لصوابية فعله على طول الطريق، لا يتجاوزها بحال، فإن اختل أحد الأمرين، سيخطئ المتدين طريق الحسنات لتجاوزه شروطها، وسيجتمع مع الفجار من حيث النتيجة وهي الابتعاد عن الفعل الصواب، ولا يميزه عن الفاجر سوى أن الفاجر نوى الخطأ وقصده أساساً.