image_print

من ملامح الإعجاز القرآني: مظهر جلال الربوبية

محمد الريس


يترك القرآن الكريم أثراً في نفس المثقف والعامي، سواء الذي علم التفسير وفهم أبعاد آيِ القرآن أو الذي اقتصر فهمه على معاني بضع آياتٍ وغابَ عنه تفسير معظمها، وأبعد من ذلك ترى أن القرآن قد أحدث خشوعاً ورهبةً في قلوب الشيوخ والشبان والأطفال[1] فلا يقع كلامه على أسماعهم إلا وتراهم خاشعين متأملين، ثم يظهر لكَ هذا الإعجاز ظهوراً واضحاً جليَّاً عندما تعلم أن هناك من الغربيين[2] الذين لا يفقهون اللغة العربية ولا يجيدونها لم يكد يقع كلامُ الله على أسماعهم حتى يسيطر عليهم الخشوع وتنهال منهم الدموع.[3]

وتتساءل في نفسك لم؟ فيأتيك الجواب بعدَ شيءٍ من التأمل: لأنه كلام الله خالقُ النفس البشرية العالمُ بها وبأسرارها، العارف كيف يحدث فيها خشوعاً ورهبانيةً وكيف يجعلها تذل وتخضع، فلا تكاد تجد كلاماً يرجعها إليه إلا وتقبلُ عليه إقبالاً لا إدبار بعده، وذلك إن لم يخالطها كبرٌ يُطغي أو هوىً يُعمي، وهذا الإقبالُ عينه تجده عند المسلمين الجدد الذين لم يجدوا لحياتهم معنىً إلا عندما اعتنقوا الإسلام وأقبلوا على القرآن، فهم لا يغبطون المسلمين العرب على شيء كما يغبطونهم على كون لغتهم هي لغة القرآن الكريم.

إنه كلام الله النازل من السماء، العارفُ طريقه إلى القلب، وحق له ذلك إذ لم يتلوث بطينية البشر.

ولعل الشيخ سعيد البوطي هو أول من تطرق لهذا الإعجاز بهذا اللفظ في كتابه من روائع القرآن، وإن كان الشيخ محمد الغزالي قد تطرق له معنىً في كتابه نظرات في القرآن عندما أدرجه تحت الإعجاز البياني.

يقول البوطي إذا أردت لمس هذ الإعجاز حقيقةً فانظر إلى الآيات التي يتكلم فيها الله عزّ وجلّ عن ذاته آمراً أو ناهياً أو مخبراً، فإذا تأملت فيها، رأيتها تتسم بجلال الربوبية وصفات الألوهية، ولم تجد فيها أي معنى من المعاني البشرية والصفات الإنسانية. إليك بعضها:

{فَورَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا} [مريم: 68 – 72].
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى} [طه: 14 – 17].

أمّا إنّ الطبع لغلّاب، وليقم أي فرعون من الفراعنة المتألهين أو المتجبرين، ثم ليجرب أن ينطق بمثل هذا الكلام الذي يتنزل من عرش الربوبية ويغمر النفس بالرهبة والجلال، فإن لسانه سيدور في فمه على غير هدى، وإذا تكلم فسيأتي بكلام يكشف بعضه بعضا فيه محاولة التمثيل وليست فيه صنعته إذ هو مما لا يسلس القياد فيه لتصنّع ولا لتمثيل.

وانظر، فقد صوّر الله لنا بمحكم بيانه المعجز ألوهية فرعون الزائفة، وكلامه الذي حاول أن يبثّ فيه دعوى ألوهيته وربوبيته، وصوّر لنا من خلال ذلك كيف أن كلامه جاء تكذيبا لطموحه وربوبيته الزائفة. وذلك عندما قال عنه:

{وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ} [القصص: 38]. [من روائع القرآن: ص157-159].

إنه يدعي أنه رب ولا إله غيره ثم يبحث عن الأسباب والوسائل التي تمكنه من الصعود إلى السماء!

أيُّ إلهٍ هذا الذي يعجز عن الوصول إلى نتيجةٍ ما دون الأخذ بأسبابها؟!

ثم يقول “لعلّي” فهو يرجو! وطالما يرجو فإنه غير مستيقنٍ من قدرته على تحقيق ما يريد!

أيخرج من رب هكذا كلام؟ أم يكون إله بهذا الحال الذي يستجلب الشفقة والتعاطف؟

إنها الطبيعة البشرية التي تحول بين العبد ودعواه الكاذبة، وتظهر حقيقته وتكشف خباياه مهما ألبس نفسه من أثواب الكبرياء والتجبر والألوهية.

وأختم بما حدث مع الوليد عندما التقى بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، فالحقُّ ما شهدت به الأعداءُ: روي أن الوليد بن المغيرة -وهو من زعماء الكفر في مكة- جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، واستمع إلى ما يتلو من هذا القرآن فلما أنصت وتدبر، كأنما رق له قلبه، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه وقال له:

يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوك إياه، فإنك أتيت محمداً وملت إلى دينه…!

قال الوليد مستنكراً عرض المال عليه: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً.

قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك، فيعلمون أنك مكذب له وكاره.

قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر، ولا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن.

والله ما يشبه الذي يقوله محمد شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.

وغضب أبو جهل لهذه الشهادة، وعاد مُلحَّاً على الوليد: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟

فقال الوليد: دعني أفكر.

وفكر الوليد، ثم أراد أن يُسكتَ صوت الحق الخافت الذي يخرج من نفسه هامساً في أذنه أن ذلك كلام الله خالقك، فقال: هذا سحر.

وفي هذا الحوار نزل قوله عز وجل: {كلا إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر، سأصليه سقر} [المدثر: 17-26].

_____________________________________________________

[1] https://www.youtube.com/watch?v=eKq_Xk62gIE

[2] https://www.youtube.com/watch?v=yM7AHoao61I

[3] https://www.youtube.com/watch?v=0VEj85Nuj8E

 ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (3 من 3)

فداء ياسر الجندي


نتابع في هذا المقال الثالث والأخير، ما بدأناه في المقالين السابقين من مراجعة لكتاب (السيرة مستمرة)، ونخصص هذا المقال لبيان بعض ما نحسبه أخطاء أو عثرات وقع فيها الدكتور أحمد خيري العمري.

يقول العمري في مقدمة الكتاب: “كان التسييس واحدة من أهم الكوارث التي منيت بها السيرة في نسختها المعاصرة السائدة”[1]، كوارث؟ هكذا بجرة قلم ينتقد العمري كل من كتب في السيرة المعاصرة لأنها تحوي “كوارث”، وكأنه يريد أن يقول للقراء: لا تقرؤوا السيرة عند غيري فقد جئتكم بسيرة صافية لا كوارث فيها، ولم يأت العمري بدليل واحد على تلك الكوارث،  بل لم يأت بدليل على “أهم الكوارث” برأيه، وهي تسييس السيرة، وهي تهمة عممها على كل من كتب السيرة، وزعم أنه حسب هذا التسييس “يبدو الرسول عليه الصلاة والسلام مؤسسا لحزب أو حركة سياسية سرية في المرحلة المكية”، ويؤكد ذلك من جديد في الصفحة 177 فيقول: “الدعوة إلى الإسلام لم تكن حركة حزبية تسيرها قرارات حزبية صارمة، كما يحلو للبعض تصويرها والترويج لها”، ولنا أن نتساءل: من هم هؤلاء “البعض” كتاب السيرة المعاصرة؟ فلدينا مثلاً الخضري والصلابي والمباركفوري والبوطي والغزالي وطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب الكيلاني وأبو الحسن الندوي وغيرهم كثير، ولم نجد أحداً منهم قد قال أو ألمح أو أشار إلى إن رسول الله كان “مؤسسا لحزب سري في مكة”.

مصطفى العقاد، مخرج أم مؤرخ؟
يقول العمري “يعتبر المخرج الراحل مصطفى العقاد صاحب فيلم الرسالة أفضل كاتب سيرة معاصر”، وهذا زعم غير صحيح إطلاقاً، فالعقاد رحمه الله لم يكن كاتب سيرة إنما كان مخرجاً، وفيلم الرسالة، رغم أنه كان في زمنه اختراقا وإنجازاً عظيماً، لأنه أول إنتاج سينمائي بتقنيات هوليودية يتناول السيرة النبوية، وكان له تأثير إيجابي عندما عرض في الغرب، غير أن العقاد ليست له أي يد في انتقاء وكتابة مادته التاريخية، ولاننصح إطلاقاً بأن يكون هذا الفيلم مرجعاً تاريخيا لمن يريد دراسة السيرة، لأن هذا الفيلم على جودته يحوي كثيراً من الأخطاء التاريخية المتعلقة بالسيرة النبوية، ليس هذا مجال تعدادها ونقدها. 

لماذا انتصر المسلمون في الفتوحات
يزعم  العمري أكثر من مرة في ثنايا سيرته، أن انتصار الفتوحات الإسلامية كان سهلاً بسبب ضعف الفرس والروم، ويقول في الصفحة 36 عن حرب الروم والفرس: “كان ذلك مؤشراً لاندلاع حرب دامت قرابة العشرين عاماً، بين الإمبراطوريتين بين عامي 572 و591 ميلادية، وقد مهدت هذه الحرب لحرب أخرى لاحقة، ستنهك الطرفين على نحو يسهل لقوة جديدة ثالثة أن تكسرهما معاً”، ويكرر هذا الزعم في الصفحة 413 فيقول عن الفرس: “ولم يكونوا يعرفون أن حالة الحرب المستمرة بينهم وبين البيزنطيين تجعلهم منهكين على نحو يفسح المجال للقوة الجديدة التي كانت لم تظهر بعد”، ويكفينا تفنيداً لهذا الزعم أن نقول للعمري: دلنا على معركة واحدة فقط من معارك الفتوحات، كان فيها عدد المقاتلين المسلمين يصل إلى ربع عدد المقاتلين من الروم أو الفرس، وعندها سنصدق هذا الزعم، ألا ما أسعد المستشرقين والمغرضين بما تقول.

ما هكذا تكون السيرة “مختلفة”
أول جملة في تعريف العمري لكتابه هي أنه ينقلك للسيرة “على نحو مختلف تماما عن كل ما عرفته عن السيرة سابقاً”، وويبدو أنه حتى يثبت أن سيرته (مختلفة)، لم يفوت فرصة في أن يحشد فيها تعبيرات حديثة، السيرة في غنى عنها، لأن في لغتنا ما يكفينا، من ذلك مثلاً وصفه لميله صلى الله عليه وسلم إلى العزلة قبل بدء الوحي بأنه كان  “خياراً تكتيكياً استراتيجياً”، وعنونة أحد فصول الكتاب: “قريش على صفيح ساخن”، وفصل آخر: “الأوائل: سيكولوجيا وسيسولوجيا”،  ووصف إسلام سيدنا عمر بأنه كان (بيضة القبان) وتكراره المستمر لمصطلح “كاريزما النبوة”، وكل ذلك يهون أمام استخدامه مصطلحاً لا يمكن قبوله في سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام، بل لا يمكن قبوله في لغتنا العربية، وهو مصطلح تحاول الأمم المتحدة فرضه في أدبياتها على شعوب العالم، لتنسف كل الأسس التي قامت عليها المجتمعات الإنسانية والقيم والحضارة، وذلك من خلال التلاعب بأهم وأعمق وأخطر الخصائص النفسية للفرد الإنساني سواء كان ذكراً أم أنثى، وهو مصطلح (الجندر Gender)، ولن نخوض هنا في معنى هذا المصطلح، ولكن نقول باختصار إنه يفصل بين الخصائص الفيزيولوجية وبين الخصائص النفسية للذكورة والأنوثة، وغايته النهائية تحويل الشذوذ الجنسي إلى مفهوم مقبول، وقد أثار هذا المصطلح  اعتراضات كثيرة عند طرحه لأول مرة في مؤتمر القاهرة للسكان عام 1994،  لذلك فإن إدخال هذه اللفظة إلى لغتنا أمر غير مقبول إطلاقاً، وعلينا أن نرفض إدخاله قواميسنا واستخدامه في لغتنا، ويصبح ممجوداً ومرفوضاً بشكل أكبرإذا تم استخدامه في السيرة النبوية مهما كان سياق هذه الاستخدام، لذلك لا ندري ما هو مسوغ قول العمري في الصفحة 100 عن علاقته عليه الصلاة والسلام بالسيدة خديجة: “فدورها كان عابرا للجندر Gender وتمييزاته وفروقه”، فليس من المقبول إطلاقاً أن يقوم العمري بالترويج لهذا المصطلح الدخيل المرفوض في كتاب يتناول سيرته عليه الصلاة والسلام، ولا في أي كتاب آخر، مهما كان السياق والقصد، علماً بأن السياق أيضاً مرفوض تماماً، فما هكذا نتحدث عن علاقة نبينا عليه الصلاة والسلام بأمنا خديجة رضي الله عنها.                    

دلائل النبوة أم كاريزما النبوة؟
ذكرنا آنفاً أن من  المصطلحات التي استخدمها العمري لتكون سيرته (مختلفة تماماً) مصطلح (كاريزما النبوة)، مستبدلاً به ما درج كتاب السيرة على استخدامه مثل فضائل النبوة وشمائل النبوة وغيرها، وجعل هذا المصطلح عنوانا لفصل من سيرته، يتحدث فيه  بشكل أساسي عن أسباب الجاذبية التي كان يتمتع بها عليه الصلاة والسلام، فتجعله مؤثراً فيمن حوله، محبباً إلى كل من يراه أو يسمع منه، وذكر من ذلك صدقه وأمانته عليه الصلاة والسلام، وشرع فيما يشبه تحليلاً نفسياً لا نراه لائقاً بمقام النبوة، ولا نريد الخوض فيه، ولكن الذي عجبنا منه أن العمري لم يتطرق في هذا الفصل إلى ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم حول ذلك، وهو قوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وقوله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، وفي كلام الله وتفسيره ما يغني عن قول كل قائل في أسباب جاذبيته عليه الصلاة والسلام.

أبو الحسن الندوي

الوحي هو مصدر علم الأنبياء
يقول العمري في الصفحة 47: “لقد عمل الرسول الكريم على نفسه وسلوكه وأخلاقه على نحو جعله يكون مؤهلاً لاحقاً لأعظم أمانة تحملها بشر على الإطلاق، أمانة الرسالة الأخيرة”، ولعمري إن مثل هذه العبارة قد تقال في طالب تخرج للتو من الجامعة (فعمل على نفسه) ليكون متفوقاً في مهنته، أما قول ذلك في نبي اصطفاه الله تعالى ليبلغ رسالته فأمر غير مقبول ولا يليق بمقام النبوة، ونرد هنا بما يقول العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن الكريم)[2]: “إن أول وأهم ما يمتاز به معشر الأنبياء، أن العلم الذي ينشرونه بين الناس، والعقيدة التي يدعون إليها، والدعوة التي يقومون بها، لا تنبع من ذكائهم أو حميّتهم أو تألمهم بالوضع المزري الذي يعيشون فيها أو من شعورهم الدقيق الحساس، وقلبهم الرقيق الفياض، أو تجاربهم الواسعة الحكيمة، لاشيء من ذلك، إنما مصدره الوحي والرسالة التي يصطفون لها ويكرمون بها، فلا يقاسون أبداً على الحكماء أو الزعماء أو المصلحين، وجميع أصناف القادة التي جربتهم البشرية، وتاريخ الإصلاح والكفاح الطويل، والذي هو نتيجة بيئتهم وغرس حكمتهم وصدى محيطهم ورد فعل لما يجيش به مجتمعهم من فساد وفوضى، والقول الفصل في ذلك قول القرآن على لسان سيد الرسل صلى الله عليه وسلم: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} وقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}، وقوله تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك}.

صدق الندوي، نعم، قول الله هو القول الفصل، وبناء على ذلك فإنه من غير المقبول واللائق، وكدت أقول إنه من قلة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، أن نتكلم عنه بعيداً عن تلك الحقيقة، حقيقة أن مصدر دعوته عليه الصلاة والسلام وكل ما يتعلق بها هو الوحي، وليس خبرته العملية أو ما مر به من حوادث،  فليس من المقبول أن يقول العمري مثلاً: “حرب الفجار وحلف الفضول كانا مثل درس عميق لا بد أنه عليه الصلاة والسلام استوعبه عن الحرب والسلام.. الحرب ليست أول الحلول حتماً لكن السلام عندما يأتي يجب أن يكون عادلا.. بدهيات ربما لا يمكن الوصول لها إلا بعد أن تمر بتجربتي الحرب والسلام”.[3]

من كان متصلاً بالوحي لا يحتاج دروساً وتجارب، ماذا كانت تجربته عليه الصلاة والسلام عندما وصل المدينة فأقام دولة؟ صدق سبحانه إذ قال له: {وعلمك مالم تكن تعلم}، وماذا كانت تجربة نبي الله موسى عندما ناداه الله تعالى ليلاً من جانب الطور؟ قد تربى في قصر فرعون كابن له، ثم عمل راعياً للغنم ثمان سنوات في المنفى، فناداه الله تعالى ليلاً من جانب الطور وأرسله إلى أعظم دولة في زمانها، وأشد الملوك سطوة على الأرض في زمانه، وليس من المقبول أن يقال في حقه عليه الصلاة والسلام: “هذا الصدق مع النفس هو الأساس لكل تلك الرحلة التي أهلته عليه الصلاة والسلام ليكون الرسول الخاتم”[4]، فالأساس هو الوحي ورعاية الله له، الله الذي قال له: {فإنك بأعيننا}، ولا يقبل أن يقال: “كان خيار الحبشة موفقاً”[5]، وهل كانت له عليه الصلاة والسلام خيارات غير موفقة وهو الذي “لا ينطق عن الهوى”؟، ولا يقبل أن  يقال: “ثمة صراع في داخل ذلك العالم المحمدي، صراع في داخل نفس أكمل البشر؟ نعم لأنه لم يصبح أكمل البشر إلا بوجود صراع كهذا”، ونقول: بل أصبح أكمل البشر لأن الله تعالى اصطفاه وأرسله وأوحى إليه وصنعه على عينه.

وهكذا، فإن المتصفح لسيرة العمري سيجد الكثير من أمثال هذه العبارات التي تتحدث عنه صلى الله عليه وسلم، بما لا يتناسب مع مقام النبوة ومفرداتها.

هجرة الحبشة والهجرات المعاصرة.. هل تصح المقارنة؟
يقول في التعليق على هجرة الحبشة، مقارناً إياها بهجرة المسلمين اليوم إلى بلاد الغرب: “ترى هل فكروا وهم يهاجرون اليوم أن دينهم سيضيع هناك، تراهم فكروا كما نفكر بأن أولادهم سيكبرون في الغربة معوجي اللسان، تراهم تصوروا ولو لوهلة أن هناك من المسلمين في أجيال لاحقة سيتداول فتاوى تحرم ما أمرهم به الرسول يوم قال لهم أن يذهبوا إلى من لا يظلم عنده أحد”[6]، ما هذه المقارنة العرجاء؟ لقد هاجر المسلمون آنذاك هجرة مؤقتة من أرض الكفر وفرارا من العذاب وحفاظاً على الدين، وعادوا عندما أمنوا على دينهم في أول فرصة سنحت لهم، وقد كانت عودتهم فرحة كبرى لرسول الله، حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال مبتهجاً عندما رجعوا يقودهم جعفر بن أبي طالب، “والله ما أدري بأيّهما أفرح؟! بفتح خيبر أم بقدوم جعفر”[7]، وكان أول عمل قام به جعفر أن كان أحد القادة الثلاثة الذين خاضوا غزوة مؤته واستشهدوا فيها، أما الفتوى التي يتحدث عنها العمري، فهي موجهة لغير المضطرين، الذين يتركون بلاد الإسلام  طمعاً في جنسية أو جواز سفر، فيذوبون هناك، وإن نجحوا في الحفاظ على دينهم وتراثهم فقل وداعاً للجيل التالي ومن بعده، أهؤلاء يقارنهم العمري بسيدنا جعفر وصحبه؟

أبو طالب يريد الذهاب إلى النار!
يقول العمري في سياق الحديث عن مشهد احتضار أبي طالب: “عملياً كان أبو طالب واعياً تقريباً أنه يريد أن يذهب إلى النار فقط ليرضي أباه”[8]، ونقول:  وهل كان أبو طالب يؤمن أصلاً بوجود جنة ونار؟ وأي عاقل يصدق أنه لو كان حقاً يؤمن بالنار فلن يقول كلمة تنقذه منها وأنه سيقذف نفسه فيها للأبد من أجل رضى أبيه الميت؟ وهل كان أبو طالب يعتقد أن أباه سيبلغه موقفه هذا؟ 

 ثم يذكر العمري ما رواه الشيخان: “فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك”، ولا يذكر بقية الحديث وهي: فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}!

لماذا السعي لمخالفة الغير؟
يلاحظ من يقرأ كتاب العمري، جنوحاً في بعض المواقف إلى التمسك بما يخالف الآراء المعتمدة والمثبتة بروايات صحيحة ونذكر أطرافاً من ذلك بإيجاز:

  • يعتمد الكتاب رواية لا تصح، تقول إنه كان من المسلمين من ارتد في مكة لعدم تصديقهم بحادثة الإسراء والمعراج وحاربوا مع المشركين في غزوة بدر، ويعتمد في ذلك على حديث عن السيدة عائشة، ولكنه حديث منكر، وعلى حديث في مسند أحمد، ولكن ذاك الحديث لا يدل على ارتداد أحد، بل يدل على إصرار نفر ممن كانوا كفاراً أصلا على كفرهم بعد الحادثة.[9] علماً بأنه لم يصلنا اسم واحد من أسماء هؤلاء المرتدين المزعومين.
  • كما يعتمد الرأي الشاذ في قوله تعالى {نون والقلم وما يسطرون}، والذي يقول إن نون هنا ليست من الحروف المقطعة بل تدل على الحوت، والآثار الواردة بهذا التفسير لا يصح منها شيء، وهل يكون سياق مطلع السورة إذن هكذا: (حوت والقلم وما يسطرون)؟ ويربط ذلك بشكل فيه الكثير من التمحل بحادثة سيدنا يونس في بطن الحوت.
  • يبرر سرية الدعوة في مكة بأنها كانت بشكل أساسي لتجنب السخرية، رغم أن المعلوم والذي يتفق عليه المؤرخون وكتّاب السير أن السبب الأول لسرية الدعوة هو اتقاء بطش كفار قريش، وهل حصلت هجرتان إلى الحبشة خوفا من السخرية أم من البطش؟
  • يخالف جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى {عم يتساءلون عن النبأ العظيم}، فيرده إلى نبأ كانت قريش تحدس به[10] ولكن لم تكن تعرف ما هو، والنبأ العظيم حسب أقوال الغالبية العظمى من المفسرين، وحسب الكثير من الآثار والنقول، هو القرآن الكريم أو البعث والحساب، وليس حدثاً تنتظره قريش.
  • خلت سيرة الدكتور العمري من الكثير من أخبار الصحابة في العصر المكي، وهي أخبار لا بد منها لتكون السيرة مكتملة، ولتعطي صورة واضحة عن الأحداث، وكتب السيرة عادة لا تخلو من مثل تلك الأخبار لأنها جزء لا يتجزأ من أحداث السيرة.

وأخيراً، فلا نعلق على ما في الكتاب من احتمالات “أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد فكر بهذا، أو تذكر هذا، أو ربط هذا بهذا”[11]، ونترك الفتوى في جواز الكتابة في هذه الاحتمالات من عدمه لأهل العلم، ولكن في ضوء ما رأيناه من مآخذ على الكتاب، نهمس في أذن الصديق الدكتور أحمد خيري العمري ونقول له: ما هكذا تستمر السيرة!

__________________________________________________

الهوامش

[1] السيرة مستمرة، ص 12

[2] النبوة والأنبياء في ضوء القرآن الكريم، لأبي الحسن الندوي، طبعة بيروت، ص 43-44

[3] السيرة مستمرة، ص 80

[4] السيرة مستمرة، ص 90

[5] المصدر السابق ص 255

[6] المصدر السابق ص 265-266

[7] رواه الحاكم وصححه

[8] السيرة مستمرة، ص 315

[9] مسند الإمام أحمد، حديث رقم 3546، وفي بصه قول الكافرين: “نحن لا نصدق محمداً بما يقول فارتدوا كفاراً”، فالنص يدل بوضوح على أنه أصلا لم يكونوا مؤمنين لما سمعوا رواية الحادثة منه صلى الله عليه وسلم وأنهم ارتدوا إلى كفرهم بعد سماعهم معجزة الإسراء وإثباتها لهم بوصف المسجد الأقصى من قبل رسول الله، فارتدوا إلى كفرهم بدل أن يؤمنوا,

[10] السيرة مستمرة، ص 413

[11] السيرة مستمرة ص 15

 ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (2 من 3)

فداء ياسر الجندي


نتابع في هذا المقال ما بدأناه في مقالنا السابق، حول الرد على تشكيك الدكتور أحمد خيري العمري بوقوع حادثة انشقاق القمر، وقد بينا في المقال الماضي أن الحادثة متواترة وهناك إجماع من كل المفسرين عليها وأن زعم العمري بأن إنكارها كان (سائدا ومتداولاً) منذ عهد التابعين لا أساس له من الصحة.

وقد توقفنا عند قول العمري: “أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك شاهد عيان من الصحابة إلا شاهد واحد فقط هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي واحد آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر؟”[1]
وقلنا إن هذا هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ووعدنا قراءنا الكرام ببيان ذلك في مقالنا هذا.

تشكيك في رواية عبد الله بن مسعود
نقول بعد الاتكال على الله: هذا الاستغراب فيه تشكيك في الرواية كلها، ولا يفهم منه إلا أنه اتهام لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه بأنه متوهم أو ملفق أو (حاشاه) كاذب؟ حتى لو فرضنا جدلاً أن الحديث لم يروه إلا سيدنا عبد الله بن مسعود، وذلك لأسباب عديدة:

أولها: أن طرق رواية الحادثة عن ابن مسعود رضوان الله عليه، متواترة، فقد أخرج الحديث  البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن، كل منهم بأسانيد عديدة صحيحة تصل لسيدنا ابن مسعود، فلا يمكن التشكيك إطلاقاً في نسبة الحديث إلى سيدنا عبد الله بن مسعود، فالتشكيك في الحديث تشكيك في صحابي جليل.

وثانيها: أن سيدنا ابن مسعود قال في نص الحديث: (كنا مع رسول الله) فقوله هذا الذي وصلنا بالتواتر عنه رضي الله عنه دليل على أن الحادثة شهدها جمع من الناس وليس ابن مسعود وحده.

وثالثها: أن كثيرا من الأحاديث والحوادث شهدها عدد  من الصحابة وأحياناً جموع منهم، ولكنها لم تصل إلينا بسند صحيح إلا من صحابي واحد أو اثنين، لأسباب عديدة، مجال بحثها علم مصطلح الحديث،[2] فهل يريد العمري منا أن نشكك بكل حديث حضره جمع ولم يروه إلا صحابي واحد حتى لو كان سنده ورواياته في غاية القوة إلى الصحابة مثل هذا الحديث؟ وحتى لو رواه صحابة كثر بعضهم عن بعض؟

ولأن هذا الأمر الأخير لا يخفى على العمري، فقد تابع التشكيك فقال: “كل من ذكر الأمر من الصحابة في أحاديث أخرى، ذكروها على ما يبدو نقلاً عن ابن مسعود، أو ربما سواه، لكن لا نعرف بالضبط”[3]

دعونا نلاحظ لغة التشكيك في السطر السابق، (على ما يبدو، ربما، لا نعرف بالضبط)، ونقول: بل نعرف بالضبط، نعرف أن الصحابة إن نقلوا عن بعضهم فنقلهم لا نشك فيه، سواء كان عن ابن مسعود أو عن غيره، ونعرف أن هناك روايات أخرى للحديث عن صحابة آخرين، منهم ابن عمر وحذيفة بن اليمان وجبير بن مطعم، ونعرف أن الصحابة تناقلوا هذه الحادثة في حياته عليه الصلاة والسلام وحياة الصحابة من بعده فما أنكرها أحد.

التشكيك في إجماع الصحابة
يتابع العمري تشكيكه فيقول: “أنس بن مالك (وحديثه متفق عليه)، لم ير انشقاق القمر في مكة لأنه كان في المدينة، وكان عمره يوم جاء الرسول عليه الصلاة والسلام مهاجراً عشر سنوات فقط، والحادثة حدثت قبل الهجرة بسنوات، (وأنس بن مالك هو الوحيد الذي قال إن انشقاق القمر قد حدث بعد طلب المشركين آية)، ابن عباس ذكر أيضاً الحادثة[4]وكذلك ابن عمر، وكلاهما لم يحضرا الأمر، (لعدم ولادة الأول في تلك الفترة، وصغر سن الثاني)”[5].

وهذا تشكيك آخر في الحديث لا أساس له من الصحة، هل يريد العمري أن يشكك في رواية ثلاثة من كبار الصحابة، لأنهم لم يشهدوا الحادثة بأنفسهم؟ لماذا رووها إذن؟ هل اخترعوا الحادثة من بنات أفكارهم أم سمعوها من الصحابة المهاجرين؟ ومن قال لك إن ابن عمر لم يشهد الحادثة عندما كان طفلاً؟ وهل أضاف أنس بن مالك بنفسه أن الحادثة حدثت بعد طلب المشركين؟ أم سمع ذلك من غيره من الصحابة؟ الصحابة يروي بعضهم عن بعض، ولا نشك أبدا في أنهم  قد سمعوها من صحابة آخرين، بل إن رواية كل من هؤلاء الثلاثة، ابن عمر وابن عباس وأنس  وغيرهم وبأقوى الأسانيد إلى كل منهم بالإضافة لرواية ابن مسعود، دليل على أنها كانت رواية مسلماً بها وشائعة بين الصحابة في عهد النبوة، ولو مشينا على منهج العمري، فعلينا أن  نشكك في حديث بدء نزول الوحي الذي روته السيدة عائشة، فهي حادثة حدثت قطعاً قبل أن تولد.

للمزيد عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها انشقاق القمر، يرجى العودة إلى مقال نبوة محمد في موسوعة السبيل.

أين بقية نص الحديث الشريف؟
يتابع العمري تشكيكه، ليوهم القارئ من جديد أن الحديث الشريف منقول عن صحابي واحد هو ابن مسعود، فيسقط عشرات الروايات الصحيحة الأخرى،  وينفي أن المشركين طلبوا آية فانشق القمر كما جاء في روايات أخرى متفق عليها، فيقول: “كل ما قاله ابن مسعود هو أن النبي كان مع مجموعة من المؤمنين في منى، وأن القمر انشق، وأن الرسول قال لهم اشهدوا، فقط، لا شيء آخر”[6].

كلا، هناك شيء آخر هام  قاله ابن مسعود في روايتي البخاري ومسلم، تجاوزه العمري هنا، وهذا نص لفظ مسلم: “بينما نحن مع رسول الله، إذا انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”[7]، وأهمية هذه الرواية الصحيحة التي التي تجاهلها العمري، أنه قال بعد أن أشبع الحادثة تشكيكاً: “لا نكذب حديث عبد الله بن مسعود أو أي من الصحابة الكرام الذين نقلوا الأمر عنه”، وهذا أمر عجيب، يطرح الشك بعد الشك، ثم يقول: لا نكذب! ويبرر ذلك برأي هو من أشد ما جاء به تهافتاً، وهو قوله بعد ذلك: “الصحابي الجليل رأى ظاهرة وسماها هو انشقاق القمر، قد تكون خسوفاً وقد تكون انعكاساً للقمر على الغيوم”[8]. نستطيع الآن أن نفهم لماذا حذف العمري قول عبد الله بن مسعود: “فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”، لأن هذه الإضافة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما رآه ابن مسعود وغيره كان انفلاقاً  للقمر، ولم يكن كسوفاً أو انعكاساً على الغيم، وعشرات الروايات الصحيحة التي وردت للحديث، عن ابن مسعود وعن غيره،  فيها واحد من لفظين: (انشق شقتين) أو (انفلق فلقتين)، وأن الجبل كان بين الفلقتين، فكيف استنتج العمري أن ما حصل كان كسوفاً؟ هل نصدق من شاهدوا الحادثة عيانا ونقلوها لنا بأصح الألفاظ وأدق الأسانيد؟ أم نصدق  العمري الذي لم يشاهدها ويزعم اليوم رجماً بالغيب  أن الأمر كسوف أو انعكاس ضوء؟

ثم يزيد من تشكيكه فيقول: “ولاشي مما رواه ابن مسعود شاهد العيان الوحيد باعتبار أن الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين، يدل على أنه عليه الصلاة والسلام قال إن هذا انشقاق للقمر”. تكرار ثم تكرار ثم تكرار للإصرار على أن الحادثة  ما شاهدها إلا صحابي واحد، وهذا غير صحيح قطعاً، فهو يناقض نفسه عندما يقول (الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين)، من هم الآخرون الذين نقل عنهم الصحابة؟ أليسوا صحابة أيضاً؟ ولماذا يشترط أن يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: “هذا انشقاق القمر؟”، هل قال موسى هذه العصا قد شقت البحر أم ألقاها ورأى الناس المعجزة؟ هل قال عليه الصلاة والسلام: هذه أصابعي ينبع منها الماء فيسقي جيشاً، أم فعل المعجزة ورآها الناس؟ ما هذا الشرط العجيب الذي لم نسمع بمثله قبل العمري!

(حس بديهي) يجعل الانشقاق كسوفاً
يختم العمري كلامه عن الحادثة فيقول: “أن تفسر حديثاً صحيحاً بطريقة تتوافق مع القرآن الكريم، ومع الحس البديهي، لا يعني أبداً أن تكذبه”.

ونقول: عجيب أنه بعد أن يلقي كل تلك الشكوك،  يكرر مرة أخرى أنه لا يكذب الحديث، (ولا تخفى دلالة هذا التكرار!)، أما قوله إن  تفسيره يتوافق مع القرآن الكريم،  فإن كان العمري يقصد زعمه أن قوله تعالى “اقتربت الساعة وانشق القمر” هو “استخدام الفعل الماضي للدلالة على ما سيحدث يوم القيامة”[9]، وهو مشابه في الحديث عن يوم القيامة  لقوله تعالى “وأزلفت الجنة للمتقين”، وقوله تعالى “ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد”، وقوله تعالى “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا”، فقد أخطأ خطأ كبيراً، ولن تنطلي هذه الخدعة على أحد، وذلك لأن الآيات التي استشهد بها على استخدام الماضي للمستقبل، في كل منها دلالة قاطعة على أنها تتكلم عن يوم القيامة، فيها نفخ في الصور، وإزلاف للجنة، وحوار بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذه الدلالة القاطعة شرط يجب أن تتوفر حتى نصرف الزمن الماضي إلى المستقبل، وهو ما لا يتوفر في آية سورة القمر.

وإن كان يقصد ما زعمه من أن الله لم يذكر تلك المعجزة إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، بينما ذكر معجزة موسى وغيرها  مرات عديدة،[10] رغم تكرر الطلب من كفار قريش بطلب المعجزات، وأن ذلك يلقي بالشك على الحادثة، فنقول: تلك حجة أوهى من أن يرد عليها، بل هي حجة لك لا عليك، الله تعالى قد ذكر معجزة الإسراء  مرة واحدة أيضا، ولم يكررها، وهل نكذب الخبر الصادق لأنك وحدك (من بين كل كتاب السيرة والمحدثين والعلماء والمفسرين) تظن أن الحادثة لو وقعت لكان على الله أن يكرر ذكرها كلما طلب الكفار آية؟!

وأما قوله إن تفسيره يتوافق مع (الحس البديهي)، فلا ندري ما المقصود بذلك، هل المقصود استنتاجه بعد خمسة عشر قرناً أن ما حدث كان كسوفاً أو ظلا للقمر على الغيوم، رغم أن كل من رأى بأم عينه وروى الحادثة قال إن هذا (انشقاق) أو (انفلاق)؟ ومتى كان (الحس البديهي) بديلاً عن الخبر الصادق واللفظ الواضح والدليل القاطع والسند شبه المتواتر والنص القرآني؟

تناقض صارخ في اعتماد الرويات
 لقد استغرق العمري ثمان صفحات من سيرته في محاولة نراها فاشلة تماماً للتشكيك في حادثة قطعية الثبوت برأي المحدثين والمؤرخين[11]، ، ولنا هنا سؤالان للعمري:

الأول: لماذا استغرقت ثمان صفحات من كتابك تحاول التشكيك في هذه الحادثة الصحيحة شبه المتواترة، وفي الوقت نفسه قبلت رواية أن الطير الأبابيل نقلت مرض الجدري لمكة، وقبلت رواية أخرى منقطعة واهية،  لدعم رواية الجدري الواهية، وهي أن  السيدة عائشة رأت في طفولتها سائق الفيل وسائسه أعميين في مكة،[12] رغم أن هذه الرواية   في غاية الضعف، أسانيدها منقطعة،  ولم ترد في أي من كتب الصحاح والسنن، ولم يروها أي صحابي آخر، أين توافق هذه الروايات مع القرآن الكريم في سورة الفيل؟ وأين توافقها مع (الحس البديهي)؟ هل فات (الحس البديهي) أن الجدري لو جاء مع الطيور لانتشرت العدوى في أهل مكة، وأن رؤية السيدة عائشة لسائق الفيل وسائسه في مكة عندما كانت طفلة أمر أقرب إلى الخيال، لأن ذلك معناه أن السائس والسائق امتد بهما العمر أكثر من خمسين سنة بعد حادثة الفيل، ولكن لم يرهما أحد من أهل مكة فيروي رؤيتهما سوى طفلة صغيرة رأتهما بعد أن بلغا من الكبر عتياً! وكيف تقبل رواية منقطعة عن السيدة عائشة عندما كانت طفلة وتبني عليها، وترفض رواية صحيحة متفقاً عليها، وصلتنا بسند قريب من التواتر عن الفتى ابن عمر حول انشقاق القمر، تؤيدها عشرات الروايات الأخرى، بحجة أنه كان طفلاً؟ أهذا هو المنهج التاريخي الذي بنيت عليه سيرتك؟  رواية واهية منقطعة لا تتوافق مع القرآن ولا مع الحس البديهي، تقبلها وتثبتها وتمر عليها مرور الكرام وكأنها حقيقة واقعة، ورواية قاطعة مثبتة تتوافق مع القرآن الكريم وأجمع على صحتها العلماء والمحدثون والمفسرون، تحشد لها شكوكاً واهية لا قيمة لها في ميزان العلم والتحقيق والتاريخ والتفسير؟ هذا التناقض يعطي فكرة عن المنهج الانتقائي المتاقض الذي اتبعه العمري في اختيار الروايات التاريخية التي بنى عليها سيرته المستمرة.

الثمرة المرة للتشكيك 
السؤال الثاني وهو الأهم، وهو الذي من أجله كتبنا هذا المقال والذي قبله في تفنيد تشكيك العمري في حادثة انشقاق القمر: ما تأثير هذا التشكيك على فئة من الشباب الناشئ الذي لم يطلع على علم مصطلح الحديث،  ولم يراجع الحادثة في المراجع التاريخية وكتب الحديث، ولم يطلع على ما جاء في كتب التفسير، هل سيعود من قراءة بحثك هذا إلا بشك في كلام المفسرين للقرآن الكريم، وشك في دلالة الآيات القرآنية، وشك في ضبط الصحابة الكرام وعدالتهم، وشك في طريقة رواية الحديث ووصوله إلينا؟
نعم، هذه الثمرة المرة  هي محصول تشكيك العمري في تلك الحادثة، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، ومن أجل هذه النتيجة المؤسفة، بسطنا القول في تفنيد تلك الشكوك في هذا المقال والذي قبله، لأن الموضوع ليس مجرد حادثة نثبتها أو ننفيها، بل موضوع تشكيك في الصحابة والحديث والمحدثين والرواة والمفسرين.
لم ينته الكلام عن سيرة العمري المستمرة، ولنا معها وقفة ثالثة وأخيرة، فانتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.

_________________________________________

الهوامش

[1] السيرة مستمرة، ص 245

[2] من ذلك باختصار شديد، التحري الشديد للمحدثين في التحقق من صحة الحديث بحيث يسقطون أي سند فيه انقطاع أو  شك، ومنها أن المكثرين من رواية الحديث من صحابة رسول الله، هم أولئك الذين كانوا شباباً على عهده عليه الصلاة والسلام، وامتد بهم العمر بعد انتقاله للرفيق الأعلى، وكانوا ممن يجلس للتدريس والرواية، وسيدنا عبد الله بن مسعود واحد من هؤلاء.

[3] السيرة مستمرة، ص 245

[4] وحديث ابن عباس أيضاً  متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.

[5] السيرة مستمرة ص 245

[6] السيرة مستمرة، ص 246

[7] صحيح مسلم، حديث رقم 288

[8] السيرة مستمرة، ص 246

[9] السيرة مستمرة، ص 243

[10] السيرة مستمرة، ص 241 وما بعدها

[11] قد بسطنا القول حول  قطعية ثبوت الحادثة ذلك في المقال السابق، ويمكن مراجعة ما نقله ابن كثير في تفسيره لسورة القمر من عشرات الروايات والأسانيد

[12] السيرة مستمرة، ص 36

ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (1 من 3)

فداء ياسر الجندي


“ينقلك الكتاب إلى سيرته عليه الصلاة والسلام حتى نهاية المرحلة المكية، لكن على نحو مختلف تماما عن كل ما عرفته عن السيرة سابقاً”.

هذا ما يذكره الدكتور أحمد خيري العمري في تعريفه عن كتابه “السيرة مستمرة”، كما جاء على الغلاف الخلفي للكتاب، وقد صدق فيما قال، فقد وجدنا في الكتاب بعد مراجعته اختلافات كثيرة عما عرفته كتب السيرة السابقة، لأننا لم نعرف كتاب سيرة يشكك في أحداث وصلتنا بروايات متواترة، ويفاضل بين الروايات بمعايير لا تستند إلى مدى صحة روايتها، ويهمل الكثير من أخبار الصحابة الضرورية لاكتمال صورتها، ويستخدم مصطلحات حديثة في غير مكانها، وغير ذلك مما سنعرض له في سلسلة من المقالات، نبدؤها بهذه المقالة التي نتناول فيها شيئاً من منهج العمري في اعتماد الأحداث التي وضعها في كتابه.

المنهج التاريخي
من أبجديات الكتابة في السيرة النبوية، أن ترجيح الحوادث واعتمادها يقوم على مدى صحة سند روايتها،  ولكن نهج العمري في اعتماد الروايات لم يكن حسب ضعفها وقوتها،  فنراه يقبل أحداثاً رواياتها غاية في الضعف، ويشكك في روايات قد يصل سندها حد التواتر، مثال الحالة الأولى حادثة مشاركته صلى الله عليه وسلم في حرب الفجار عندما كان صبياً، فيقول العمري عنها:
“ورغم أن رواية مشاركة الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الحرب بالنبل (جمع الأنبال أو رميها) هي رواية ضعيفة سنداً ويرفضها أغلب محققي السيرة، فإنها منطقية جداً في سياقها” (ص 77). 

وفي الوقت نفسه،  يأتي لروايات وحوادث وصلت إلينا بروايات صحيحة أو متواترة، فيبذل جهده ليشكك فيها أو ينفيها، مستنداً إلى تأويلات لا يؤيدها تاريخ ولا رواية ولا لغة ولا منطق، وأفضل مثال على ذلك حادثة انشقاق القمر، والتي سنتناول كيف تعامل معها العمري في الأسطر التالية.

بين تواتر الحادثة ووجوه التفسير
حاول العمري التشكيك في وقوع هذه الحادثة، بانياً تشكيكه على نقاط واهية باطلة، نستعرضها بعونه تعالى ونبين بطلانها واحدة بعد الأخرى.

من أهم النقاط التي يبني عليها العمري شكوكه هي محاولة الخلط بين أمرين: الأول حادثة انشقاق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني تفسير قوله تعالى {اقتربت الساعة وانشق القمر}، وتمسكه بقول ضعيف مرجوح هو أن الآية الكريمة رغم أنها بصيغة الماضي فالمقصود بها أن الانشقاق سيحصل في المستقبل. 

وللرد على ذلك، نقول بعد الاتكال على الله: أما حادثة انشقاق القمر، فقد أجمع على حدوثها العلماء والرواة والمحدثون وكتاب السير.

يقول ابن كثير في فصل من كتابه البداية والنهاية، عنوانه “انشقاق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم”: “وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها،ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله”، ثم يقول بعد أن يذكر عشرات الروايات والأسانيد والطرق لتلك الحادثة: “فهذه طرق متعددة قوية الأسانيد تفيد القطع لمن تأملها”[1].

وعلى هذا المنوال سار جمهور المفسرين والمحدثين، وسنجد مثل ذلك في كتبهم وتفاسيرهم، وفي صحاح الحديث، فلا يوجد كتاب من صحاح الحديث، كالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهما، إلا وفيه باب أو فصل عنوانه (انشقاق القمر)، يثبتون فيه ما ورد من أحاديث وأسانيد عن هذه الحادثة.

وأما تفسير الآية الكريمة {اقتربت الساعة وانشق القمر}، فإن الغالبية العظمى من المفسرين يرون أن المقصود بها انشقاقه في حياته صلى الله عليه وسلم، في تلك الحادثة بالذات، وأضاف بعضهم وجوهاً أخرى لتفسير الآية، ولكن من ذكر تلك الوجوه بيّن أنها مرجوحة ضعيفة، وأنها حتى لو ثبتت فهي لا تتعارض مع وقوع حادثة الانشقاق في حياته، أي لم يربط هؤلاء القلة الحادثة الحقيقية بالوجوه الضعيفة لتفسير الآية، فمدار إثبات الحادثة على تواتر الرواية، وتفسير الآية يؤكدها على أصح الأقوال، ولا ينفيها إن أخذنا بالأقوال الضعيفة.

هل تؤيد أقوال المفسرين تشكيك العمري؟
مع كل ما سبق، ينقل العمري أقوالاً لبعض المفسرين ليشكك في حادثة انشقاق القمر بناء على الرأي الضعيف الذي ذكرناه، وسنعرض ما نقله بالتفصيل عن خمسة من المفسرين، لنرى إن كان فيها حقاً ما يشكك في تلك الحادثة[2]:

أولاً: العز بن عبد السلام
نقل العمري[3] عنه ما يلي: “{اقْتَرَبَتِ} دنت، سميت ساعة لقرب الأمر فيها، أو لمجيئها في ساعة من يومها. {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} اتضح الأمر وظهر يضربون المثل بالقمر فيما وضح وظهر، أو انشقاقه انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما سمي الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه، أو ينشق حقيقة بعد النفخة الثانية، أو انشق على عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عند الجمهور”.

هذا ما نقله العمري من تفسير العز، ولكن الذي لم ينقله العمري أن العز بن عبد السلام نقل بعد ذلك حديث عبد الله بن مسعود للدلالة على أن رأي الجمهور هو الأقوى، فقال: “قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين بمكة قبل مخرج الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة، شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا سحر القمر.” [4]

في حين لم يأت العز بأي دليل على القولين الأولين، مما يعني أنه يؤيد رأي الجمهور، ثم يتابع العز فيقول في تفسير الآية التالية من سورة القمر {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، فيقول: “(وإن يروا آية) أي انشقاق القمر أو أي آية رأوها أعرضوا عنها”[5]. وهذا دليل على أن العز يؤيد رأي الجمهور، ولا ينفي ذلك أنه أتى بأقوال أخرى في تفسير الآية، فقد جاء بها للأمانة العلمية ثم رجح قول الجمهور.

إذن، الدكتور العمري لم ينقل كل ما قاله العز في تفسير مطلع سورة القمر، ولم ينقل أنه جاء بالدليل على رأي الجمهور، ولم ينقل تفسير الآية الثانية التي تبين بوضوح أنه يؤيد الجمهور، ليوهم القارئ أن العز يؤيد الرأي القائل بأن مطلع سورة القمر يتحدث عن يوم القيامة.

ثانياً: النيسابوري
 نقل العمري عن النيسابوري في تفسيره ما يلي:  “وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر، وصيغة الماضي على عادة إخبار الله وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك”.

فلما رجعنا إلى تفسير النيسابوري، وجدنا أن العمري قد انتزع هذه الأسطر من سياقها، وهذا قول النيسابوري كاملا، وقد وضعنا خطاً تحت ما نقله العمري، يقول النيسابوري: “انْشَقَّ الْقَمَرُ: في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين. وعن ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. هذا قول أكثر المفسرين. وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك، وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر. وأيضا إنه سبحانه جعل انشقاق القمر آية من الآيات لرسوله، ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب. وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي”.[6]

إذن النيسابوري جاء بالأحاديث من الصحيحين، والتي تثبت حدوث الواقعة، وأكد أن هذا رأي الجمهور وأنه يوافقهم، ثم جاء بشبهة بدأها بقوله (وقال بعضهم..)، ثم رد على الشبهة رداً مفحماً وأكد أنه ممن يرى أن الانشقاق حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العمري نقل الشبهة فقط من تفسير النيسابوري، ولم ينقل رأيه الذي سبقها، ولم ينقل رده عليها، وأترك للقراء تسمية هذا الفعل الذي فعله العمري!

ثالثاً: السمعاني
بعد أن أقر العمري بأن السمعاني يؤيد رأي الجمهور، نقل قوله لرأي المخالفين، وما نقله العمري عن السمعاني هو ما يلي: “ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، وأيضاً لو كان ثابتاً لرواه جميع الناس ولأرخوا له تاريخاً، لأنهم أرخوا لما دون ذلك من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي ينشق وذلك يوم القيامة، ويقال معنى انشق القمر أي انكسف”.

 ومرة أخرى ينتزع العمري جملاً من سياقها، وبالرجوع إلى تفسير السمعاني نجد أن العمري حذف جملة من أول الكلام تدل على أن السمعاني جاء بهذا الكلام على أنه شبهة، وهاكم قول السمعاني كاملاً كما في تفسيره، وقد وضعنا خطأ تحت الكلام الذي اقتطعه العمري من قول السمعاني ونقله في كتابه:
“فإن قيل ابن عباس لم يكن رأى انشقاق القمر، فكيف تصح روايته؟ وأما ابن مسعود فقد تفرد بهذه الرواية، ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، وأيضاً لو كان ثابتاً لرواه جميع الناس ولأرخوا له تاريخاً، لأنهم أرخوا لما دون ذلك من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي ينشق وذلك يوم القيامة، ويقال معنى انشق القمر أي انكسف، والجواب أنه قد ثبت انشقاق القمر بالرؤية الصحيحة، رواه ابن مسعود وجبير بن مطعم شهدا بالرؤية، ورواه ابن عباس وابن عمر وأنس، وروى بعضهم عن بعض عن عبد الله بن عمرو (بن العاص)، ومن المحتمل أنه روى عن رؤية، وقد كان ابن مسعود روى هذا عن رؤيته ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا اتفاقاً منهم، ثم الدليل القاطع على ثبوته الآية، وقوله إن معناه سينشق القمر، قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية، ولا يجوز إلا بدليل قاطع، ولأن الله تعالى قال: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)، وهذا دليل على أنهم قد رأوها، ولأنه سماه آية، وإنما يكون آية إذا كانت في الدنيا، لأن الآية هنا بمعنى الدلالة والعبرة، وقوله إن الناس لم يروا، قلنا يحتمل أنه كان في غفلة الناس، أو تستر عنهم بغيم، وقد رد الله تعالى الشمس ليوشع بن نون، ولم ينقل أنه أرخ لذلك أيضاً، وقد ذكر في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة، فقال بعضهم: سلوا السفّار الذين يقدمون فإن كان سحرنا فلا يقدر أن يسحر جميع الناس، فقدم السفار فسألوهم فقالوا إنهم قد رأوا”[7].
فانظر عزيزي القارئ كيف حذف العمري مطلع الكلام “فإن قيل…” لأن كلمة (فإن قيل) تدل على أنه قول غير معتمد، وأن السمعاني جاء به ليرد عليه، كما أنها جملة شرطية، فحذف العمري الشرط حتى لا يأتي بجوابه، وجوابه كما رأينا أعلاه يأتي بعد الكلام الذي نقله العمري مباشرة، فالعمري نقل الشبهة التي ساقها السمعاني، ولم ينقل رده الواضح المفحم عليها، فماذا نسمي ذلك الفعل من العمري؟

رابعاً: الماوردي
نقل العمري عن الماوردي الأقوال المعروفة في تفسير الآية[8]، وترجيحه لرأي الجمهور، ومن بينها قول للحسن البصري بأن المقصود بالآية: ينشق يوم القيامة، أورده الماوردي غير مسند، ولم نعثر عليه مسندا في أي مرجع آخر، لذلك لا تصح نسبة هذا القول للحسن البصري، ولا يصح استشهاد العمري به كأحد التابعين الذين يرون هذا الرأي.

خامساً: القرطبي
ذكر العمري أخيراً أن مثل تلك الأقوال قد نقلها القرطبي، ولكنه لم يذكر أن القرطبي قال بعد نقلها: “قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول، أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل”، ثم يفند القرطبي بعد ذلك الشبهات.

خلاصة القول: لا يوجد مفسر واحد خرج عن الإجماع على أن معجزة انشقاق القمر حدثت في عهده صلى الله عليه وسلم، وكل ما في الأمر أن بعضهم نقل قولاً ضعيفاً في تفسير قوله تعالى (وانشق القمر)، ثم رد عليه.
 وهكذا نرى أن العمري قد نقل لنا الشبهات، وتجاهل تفنيد العلماء لها،  ليقول لنا بعد ذلك: “من المهم التذكير بأن إنكار حدوث الانشقاق فعلياً في مكة في عهد الرسول ليس بدعة معاصرة يقولها المتأثرون بالغرب، كما نتهم عادة، بل هو أمر كان موجوداً ومطروحاً ومتفاعلاً معه مذ عصر التابعين وما بعدهم، صحيح أنه لم يكن القول السائد، ولكنه كان موجوداً ومنقولاً ولم يتهم أحد بإيمانه جراء ذلك”.

وصلنا بيت القصيد فوجدناه دون أساس
هذا هو إذن بيت القصيد الذي أراد العمري أن يصل إليه بهذه النقول المبتورة، وهو أن إنكار حادثة الانشقاق (كان موجوداً ومطروحاً ومتفاعلاً معه منذ عصر التابعين وما بعدهم)، ولكن هيهات، قد رأينا أن كل ما جاء به من أدلة على ذلك لا يصح إطلاقاً، وأن إنكار الانشقاق لم يكن موجوداً، ولامطروحاً ولاسائداً ولا متفاعلاً معه، وأن الإجماع على وقوع هذه الحادثة المتواترة لا شك فيه عند أي صحابي أو تابعي أو محدث أو مفسر.
وبعد أن يصل العمري إلى بيت قصيده، يعود ليقول: “ولكن مرة أخرى، أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك (شاهد عيان) من الصحابة إلا صحابي واحد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر..”.

هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ونترك الرد عليه إلى المقال القادم بعونه تعالى.

_________________________________________________________

الهوامش

[1] البداية والنهاية، الجزء الثالث، ص 118 طبعة مكتبة المعارف – بيروت 1991

[2] لم يذكر الدكتور العمري مصادر نقله (الكتاب والصفحة) عن أولئك المفسرين الخمسة في هامش كتابه، فتتبعنا ذلك وأثبتناه في هامش هذا المقال

[3] تناول الدكتور العمري حادثة انشقاق القمر في كتابه (السيرة مستمرة) على مدى تسع صفحات، بين الصفحة 240 و 248، وكل ما ننقله في الأسطر التالية عن تلك الحادثة من كتابه  موجود ضمن تلك الصفحات

[4] تفسير القرآن للإمام العز بن عبد السلام، الجزء الثالث، ص 245 طبعة المملكة العربية السعودية 1415

[5] المصدر السابق

[6] تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري، المجلد السادس، ص 216 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 1996

[7] تفسير القرآن، لأبي المظفر السمعاني، المجلد الخامس، ص 306 – 307 طبعة دار الوطن، الرياض، 1997

[8] النكت والعيون، تفسير الماوردي، الجزء الخامس، ص 409 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (2 من 2)

محمد الريس


إنَّ أشق ما يواجه الكاتب هو أن يكتب مقالاً عما كُتِبت فيه كتبٌ ومجلدات، وأن يعمد إلى أعظم كتابٍ في الكون فيتحدث عنه، وهو الكتاب الذي اعترف ببلاغته وقوة بيانه الكافر قبل المؤمن، وقد قيل: “إن الحق ما شهدت به الأعداء”.

الكتاب الذي أعجز الإنس والجن وكان وما زال حجة عليهم، متحدياّ لهم منذ قرابة أربعة عشر قرناً وإلى يومنا هذا ثم إلى يوم القيامة.

وما أدراني بأن ذلك سيستمر إلى يوم القيامة؟ إن الذي جعلني متيقناً من كلامي إنما هو نزول القرآن على العرب وتحديهم بأن يأتوا بسورةٍ من مثله وهم أهل اللغة العربية وأهل البلاغة والبيان، فعجزوا وحق لهم أن يعجزوا وهو كلام خالق الكون. فعندما يعجز أهل الشيء عن أمرٍ ما أفنتوقع من غير أهله سوى العجز؟!

تناولت في المقال السابق صورتين من صور الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، وهما: خطاب العامة وخطاب الخاصة، وإقناع العقل وإمتاع العاطفة. والآن سأتطرق إلى وجهين آخرين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، أولهما: القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى، وثانيهما: البيان والإجمال.

القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى
تقرأ كتاباً فتصل إلى إحدى فقراته وتقول مستنكراً: هلّا أوضحها بمزيدٍ من التفصيل، بحججٍ وبراهين، أو بأرقامٍ وإحصائيات، أو بدأها بتمهيدٍ أو ختمها باستنتاجٍ ولم يجعلها مبتورةً لا تشبع عقل القارئ ولا تروي قلبه. وتصل إلى فقرةٍ أخرى فتقف عندها ضجراً متسائلاً: لم كل هذا الإسهاب والتفصيل وقد وصلتني الفكرة من السطر الأول؟ أيريد أن يزيد عدد صفحات كتابه أو كلمات مقاله؟ أم يريد أن يطلعنا على غزارة علمه وسعة ثقافته؟ أم ينظر إلينا نظرةً دونيةً فيعتقد بأننا لا نفهم إلا إذا شرح وعاد وزاد؟!

ولن تجد كتاباً يوصل إليك المعاني المرادة دون إسهابٍ في مكانٍ وبترٍ في مكانٍ آخر، ويجمع بين دفتيه كلا الغايتين -القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى- على تمامهما إلا الكتابُ الذي أنزله الله عز وجل على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. “ضع يدك حيث شئت من المصحف وعد ما أحصته كفّك من الكلمات عدّاً، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجاً عن الدفتين وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟ فكتاب الله -كما يقول ابن عطية- “لو نُزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد”. بل هو كما وصفه الله {كتابٌ أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}. [هود: 1]” [النبأ العظيم، ص142 ].

البيان والإجمال
إن الناس في هذه الحياة إما أن يحددوا مقصدهم في حديثهم بدقة فلا يُفهم من كلامهم أي معنىً آخر غير الذي بيّنوه، أو يكون منهجهم بالحديث مع الناس قاعدة “إن اللبيب من الإشارة يفهم” فيتحدثون بشكلٍ مجملٍ يجعل كلامهم غامضاً عن الذي تلقاه، فلا يفهمه على وجهه الذي أرادوه.

أما أن يجتمع بيانٌ وإجمالٌ في كلامٍ واحدٍ، فهذا لا تجده إلا في القرآن الكريم، إذ تقرأ آيةً واحدةً فتجد أن معناها وصلك دون أدنى تعبٍ وتظنُّ بأن لا معنىً لها سوى ما قد وصلت إليه، فتقرأها في يومٍ ثانٍ وإذا بك تعثر على معنىً ثانٍ، وتقرأها في كتابٍ في تدبر القرآن فيطرح الكاتب معنىً ثالثاً ورابعاً وخامساً لها! 

“ومثالٌ بسيطٌ على ذلك، اقرأ قوله تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212] وانظر هل ترى كلاماً أبين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة. فإنك لو قلت في معناها:

  • إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت.
  • ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد، أصبت.
  • ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت.
  • ولو قلت: إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت.
  • ولو قلت: يرزقه رزقاً كثيراً لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت.

فعلى الأول يكون الكلام تقريراً لقاعدة الأرزاق في الدنيا، وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقاً لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين.

وعلى الثاني يكون تنبيهاً على سعة خزائنه وبسطة يده جل شأنه.

وعلى الثالث يكون تلويحاً للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسراً وفقرهم غنى من حيث لا يظنون.

وعلى الرابع والخامس يكون وعداً للصالحين: إما دخولهم الجنة بغير حساب، وإما بمضاعفة أجورهم أضعافاً كثيرةً لا يحصرها العد.

ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العجاب.” [النبأ العظيم، ص147، 148].

أخيراً اعلم أن القرآن الكريم لو لم يعجز العرب لما أحجم أبا سفيان عن تجنيد جيش من شعراء الجزيرة وأدبائها لمعارضة القرآن -رغم تحدي القرآن المستمر للكفار على الإتيان بسورةٍ من مثله- في حين جدّ في تأليف جيش من عشرة آلاف مقاتل يخاصم النبي وحزبه، كما قال العلامة هبة الدين الحسيني، وقد كانت كلفة الخيار الأول أخف عليهم مالاً وجهداً، ولكنها لمّا أعجزتهم لم يجدوا من الخيار الآخر بدُّ.

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (1 من 2)

محمد الريس


في كل زمانٍ ومكانٍ يدّعي أناسٌ النبوة، وقد قيل: “إن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم”، وهذا أول ما يدل على صدقه في دعواه للنبوة، ثم يأتي بالمعجزة، والتي تتحدى القوم فيما نبغوا فيه.

وفي هذا لجوابٌ عن سؤال: لِمَ لم تكن معجزة النبي موسى في الطب ومعجزة النبي عيسى في السحر! والجوابُ أن قومَ موسى برعوا في السحر فجاءت معجزته أن انقلبت عصاه إلى حيةٍ فإذا هي تلقف ما يأفكون، وبرع قوم عيسى بالطب فجاءت معجزته بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.

والأمر ذاته بالنسبة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد جاء قومه بمعجزة القرآن الكريم متحدياً لهم بالإتيان بسورةٍ واحدة مثله في عصرٍ كانت العرب فيه أمة البلاغة والفصاحة، فكان التحدي حجة عليهم. وهذا المعنى -مجيء المعجزة بما نبغ فيه القوم- أشار إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وقد انبهر مشركو قريش ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه، لكن استكبارهم واعتراضهم على كون حامل القرآن فقيرٌ يتيمٌ ليس بسيِّدٍ ولا بارزٍ في قومه جعلهم يرفضون الإيمان به.

ويلتمس بلاغة القرآن كل من قرأه، فهو بليغ الكلامِ، عظيم الوقعِ في النفس، لا فيه حشوٌ مملٌ ولا نقصٌ معيب، ولكن القليل من يُدرك وجوه هذا الإعجاز، فسأركز في هذا المقال على صورتين منه:

خطاب العامة وخطاب الخاصة
إن أشق ما يعانيه الخطيبُ هو أن يوكل إليه مهمة إلقاء حديثٍ إلى جمهورٍ نصفه من العوام ونصفه الآخر من المثقفين، فلا يعلمُ أيُضَمِّن حديثه بالسهل البسيط الذي يألفه العوام ويمقته المثقفون، أم بالبليغ المعقّد الذي يهواه المثقفون وتعجزه عقول البسطاء، إذ لكل فئةٍ خطابٌ يناسبها، وإن أي خطيبٍ يريد التواصل مع جمهوره أو مؤسسةٍ تريد التواصل مع عملائها، فإن أول خطوةٍ يخطوانها هي دراسة الجمهور بالنسبة للخطيب ودراسة العملاء بالنسبة للمؤسسة فيحددان عمر الجمهور/العملاء وجنسهم ومستواهم الثقافي والاقتصادي وجميع ما يتعلق بهم، ليختاروا بعد ذلك الحديث الذي يأتي على مقاسهم فيأثر بهم ويحدث ردة فعل إيجابيةٍ عندهم.    

“فأما أن جملة واحدة تُلقَى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقَدَّرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمِّه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوى على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. مُيسَّرٌ لكل من أراد {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر} [القمر: 22]” [النبأ العظيم: 143].

“انظر إلى قوله تعالى، وهو يلفت النظر إلى النار وفوائدها في حياة الإنسان: {أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 70-73].

فإن “مقوين” التي هي جمع مقوٍ تأتي بمعنى النازل في القواء، أي الصحراء، وتأتي بمعنى الجائع، وتأتي بمعنى المستمتع.

فأما الأعرابي الذي يعيش في البيداء فيتبادر إلى ذهنه المعنى الأول، ذلك أن النار تعتبر متعة كبرى للمقيمين في الصحراء، إذ بها تتعارف منازلهم، ويضيئون ما حولهم. ومن حولها يتكامل ناديهم. وأما الرجل العادي من أهل المدينة فيتبادر إلى فكره المعنى الثاني، إذ إن أعظم فوائدها عندهم يتمثل في كونها وسيلة لا بد منها لإنضاج الطعام وتحضيره، فهي متاع ضروري هام للمقوين أي الجائعين. وأما المعنى الثالث فهو عبارة عن بطاقة مفتوحة مع تطورات العصر والأزمنة، فما من لون من ألوان المتعة والفائدة التي تهتدي إليها المدنية أو العلم من النار وخصائصها إلا ويستوعبه قوله تعالى في وصفها: {متاعاً للمقوين} وهذا المعنى مما يمكن أن يفهمه الرجل العصري للآية دون أي تكلف في فهمها أو تأويل.” [أبحاث في القمة، محمد سعيد البوطي، ص229، 230].

إقناع العقل وإمتاع العاطفة
إنك إذا أردت علماً تغذي به عقلك ويرشدك إلى الحق فحينها تلجأ إلى الكتب، وإذا أردت مشاعراً تغذي بها روحك وتحرك بها عواطفك فحينها تلجأ إلى الشعر والروايات.

إما إذا أردت كلاماً يتضمن علماً تنتفع به ومشاعراً تملؤ بها قلبك فهذا ما لا تجده على أتمه عند أي بَشرٍ كان، فإذا وجدت حكيماً يأتيك بالجملة العلمية المتضمنة المشاعر العميقة فإنك ستجده بجملٍ أخرى يلقي إليك الحكمة ولا يبالي أمتضمنةً مشاعراً أم غير متضمنة، وكذلك الأمر إذا وجدت شاعراً يعطيك البيت العاطفيّ المتضمن حكمة عظيمة فإنه سيلحقه بأبياتٍ كثرٍ مليئةٍ بالعواطف لا يبالي أفيها حكمةٌ أم لا سبيل لها إلى عقلك.

“أَمَا إنَّ أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً واحداً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقاً وأزهاراً وأثماراً معاً، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.

فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟

ذلك الله رب العالين. فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معاً يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت:

  • ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
  • أوَ لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟

أقرأ مثلاً قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] وانظر:

  • الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}.
  • وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله “أخيه” وقوله: “بالمعروف” وقوله “بإحسان”.
  • والامتنان في قوله: “تخفيف من ربكم ورحمة”.
  • والتهديد في ختام الآية.

ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار. ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحداً حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضداد المتنافرة.” [النبأ العظيم: ص143، 145، 146].

هذان وجهان من وجوه بلاغة القرآن الكريم. وهي المعجزة التي أُلفت فيها كتبٌ ومجلداتٌ، فقد كتب فيها مصطفى صادق الرافعي ومحمد الغزالي ومحمد دراز وسعيد رمضان البوطي وسيد قطب ومحمد الشعراوي، وقد سبقهم في ذلك الإمام الخطابي وفخر الدين الرازي وابن أبي الأصبع، أما أول من ألف في ذلك فقد كان الجاحظ في كتابه “نظم القرآن”.

وقد عجز المقال عن أن يتضمن أكثر من وجهين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، لذلك سأتبعه بآخر يتطرق إلى وجهين آخرين من هذا الإعجاز.

لماذا يهتم الله تعالى بتصرفات الإنسان الحقيرة؟!

محمد الريس


يطرح الكثير من الشباب اليوم سؤالاً عن تضاؤل حجم الإنسان بالنسبة للكون، ويجدون بذلك صعوبة في استيعاب سبب اهتمام الله بتصرفات الإنسان الحقيرة.

يقولون إن الله “ترك” الكواكب والنجوم والحيوانات والنباتات والجبال والأنهار وأخذ “ينشغل” بتصرفات الإنسان الدقيقة ويحاسبهم عليها، فحرّم على الرجل النظر إلى المرأة وحرّم على المرأة كشف جزء من شعرها، وحرّم على كليهما أن يقولا كلاماً فاحشاً أو يكذبا كذبةً صغيرةً أو يغتابا أحداً، فلماذا كل هذا الانشغال بما لا قيمة له؟!

وللجواب على هذه التساؤلات سنلخص الرد في النقاط الآتية:

أولا: الله كرم الإنسان عندما خلقه بسجود الملائكة، ثم استخلفه على الأرض، فالإنسان يمتلك عقلاً ووعياً وإدراكاً، وسُخِّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، من ماءٍ وهواءٍ وشمسٍ وقمر، ونباتٍ وحيوان، فلذلك خاطب الله في كتابه الإنسان، وقد قال الشيخ الشعراوي في ذلك: “لقد جعل الله تعالى كل شيء مسخراً للإنسان، فمن الذي سخَّر للإنسان الشمس وهي أقوى منه وأكبر؟ ومن جعلها في خدمته وهي تستطيع أن تفني البشرية إذا غيّرت مسارها أو بُعدها عن الأرض؟ لقد جعل الله تعالى كل شيء من مخلوقاته مسخَّراً لما فوقه، فالجماد مسخّر لخدمة ما فوقه من نبات وحيوان وإنسان، والمسخِّر هو الله تعالى، فالشمس والقمر والأرض كلها مسخَّرة لخدمة النبات والحيوان والإنسان، فلا تستطيع الشمس مثلاً أن تقول: سوف لا أشرق غداً، ولا تستطيع الأرض أن تقول: لا أنبتُ الحبَّ. والنبات مسخَّر لما فوقه من الحيوانات والإنسان، فالحيوان يستطيع أن يأكل ما يشاء ويحطم ما يشاء ولا يستطيع النبات منعه، والنبات مسخَّر للإنسان فلا يستطيع منع الإنسان من تحطيمه وأكله لأنه مسخَّرٌ للإنسان، فلا يملك دفع الإنسان عنه. والحيوان هو أرقى من النبات، لأن الله تعالى منحه القدرة على الحركة والدفاع عن نفسه، ومع ذلك فإنه مسخَّر للإنسان، فإن فرساً أو بعيراً رغم قوتهما يقودهما طفل، والإنسان أرقى من كل ما سبق بعقله وفكره واختياره رغم صغره وضعفه، فإذا كان كل شيء مسخَّراً للإنسان فهل الإنسان غاية الحياة؟ أم أنه مسخَّرٌ لما فوقه وهو الخالق العظيم، ومسخَّر لعبادته كما أخبر الله تعالى بقوله: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. [قبسات من خواطر الشيخ الشعراوي في التفسير والإعجاز: ص21-22].

ثانيا: الله خالقُ النفس البشرية والعالمُ بها والخبيرُ بما يصلحها وما يشقيها، حلل لنا الطيبات وحرّم علينا الخبائث، فما من عملٍ أحلَّه إلا وبه سعادتنا دنيوياً وأخروياً، وما من عملٍ حرّمه إلا وبه شقاؤنا دنيوياً وأخروياً، والاختبار العملي لما قلناه هو القاعدة التالية المنسوبة للفيلسوف كانط: “إذا أردت أن تعرف صفة من الصفات هل هي خير أم شر فعممها”، فخذ مثلاً الخمر وتصوّر أن جميع الناس يشربونه وجميعهم ذاهبٌ عقله وفاقدٌ وعيه وحسه، فيتكلم شاربها بما لا يفقه ويتصرف بما يشينه، فيعجز كل العجز عن إدارة أموره، ثم تصور مجتمعاً بأكمله قد صار هكذا حاله فهل يملكُ إلى النهضة من سبيل؟ وهل يأمن على مواطنيه ألا يقتل بعضهم بعضاً ويغتصب ذكورهم إناثهم وتسود فيهم السرقة والاعتداء وغير ذلك؟!

ثم خذ العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، فابنِ في مخيلتك أن الجميع يصل إليها بمنتهى السهولة، فيتحول الإنسان الواعي العاقل الراشد إلى حيوانٍ بثوب إنسان يمارس الجنس مع كل من تطوله يداه، وقارن هذه الصورة مع الحياة المستقرة الهانئة التي يوفرها الزواج، فيتحمّل كلا الزوجين الواجبات المناطة به، ويحصل على الحقوق المناطة بغيره، فيدرك ما له وما عليه، فلا علاقاتٍ كعلاقات الحظيرة، ولا أطفالٍ ينتهي بهم المطاف على قارعة الطريق، فمقارنة سريعة توصلك إلى الحق إذ كما قال المتنبي: “وبضدها تتبين الأشياء”.

وليزداد يقينك، عمم جميع الأحكام التي أنزلها الله من تحريم الخمر والزنى إلى الكذب والخداع وشهادة الزور وصولاً إلى الغيبة والنميمة، وعلى الناحية الأخرى من فرض الصلاة والزكاة والصيام إلى أن تعبد الله وحده فتدعوه وحده وتتوجه إليه وحده وتسبح بحمده وتتوكل عليه ولا تستعين إلا به. وإذا فاتتك الحكمة من أحد الأحكام وغاب عنك الغرض منه، فاسأل من تثق بعلمه ودينه ورجاحة عقله فعنده الجواب الشافي لك.

إذن كان أمر الله بنزول شريعةٍ مُفصِّلةٍ مُنظِّمة لجميع أحوال الإنسان في مقاله وفعاله، لأنه خليفة الله في الأرض أولاً، ولأن أقواله وأفعاله إما أن يتبعها نفعاً له ولأسرته ومجتمعه أو يتبعها ضراً لهم جميعاً وذلك في الحياة الدنيا، أما في الأخرة فلا ينفع ولا يضر إلا نفسه.

ثالثا: وخالق الكون بإحكامٍ وإتقان لم ينصرف إلى الإنسان وحده ويحصي أعماله، في حين ترك جميع مخلوقاته الأخرى دون تدبير، بل هو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو الذي {يمسك السموات والأرض أن تزولا} [فاطر: 41]، ولكنّا وجدنا شمساً تشرق كل يوم، ووجدنا هواءً ومياهً وطعاماً، فظننا أنها موجودات بشكل تلقائي، ولم نبحث عمن أوجدها، والمسخِّر لها لنا، فكان عاقبة ذلك أن جحدنا هذه النعم.

“إن كل الأجناس في هذا الكون من جماد ونبات وحيوان وحتى أجهزة الإنسان تعمل بقدرة الله تعالى، قال تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29]. فالنبات يؤدي مهمته في الحياة بكل دقة بقدرة الله تعالى، فالبذرة التي نضعها في الأرض ونضع عليها الماء تنبت بإذن الله، وكل نبات يمتص من الأرض ما يجعله صالحاً لمهمته من الأشكال والألوان والمذاق، كلها تأتي من أرض واحدة وماء واحد، لقد وضع الله تعالى في النبات خاصية الاختيار من مواد الأرض بما يلائم النبات ليتم انسجام النبات مع الكون ومهمته. وكذلك الحيوان ينسجم في مهمته مع الكون سواء ذلك الذي اختصه الله سبحانه لخدمة البشر، أم ذلك الذي لم يسخِّره ولم يخضعه لإرادة الإنسان كالمفترس منها، أما الإنسان ففيه أجزاء غير خاضعة لإرادته وهي منسجمة في مهمتها، تؤدي وظيفتها تلقائياً، فالتنفس يتم بإرادة الله تعالى والقلب ينبض بإرادة الله تعالى دون أن نحس به، إنها في هذا منسجمة مع الكون انسجاماً كاملاً.” [قبسات من خواطر الشيخ الشعراوي في التفسير والإعجاز: ص19-20].

وأخيراً فإن صغر الإنسان مقارنةً بالكون لا يلغي حقيقة أفضلية الإنسان على الجماد وإن عَظُم، والنبات وإن عَلا، والحيوان وإن عَبَد، وذلك إن أصلَح وأتقى، وأن جميع ما خلقه الله في الأرض مسخّرٌ للإنسان، فهو العاقل المفكّر الذي يقارن بين المتناقضات فيعلم ما يصلحه وما يشقيه، وذلك إذا كان منهج الله إمامه، أما إذا كان إلهه هواه، فحينها ينحدر ويهبط إلى ما دون البهيمة.

ومما يدركه كل عاقلٍ أن الأشياء لا تُقاس بأحجامها وإنما بقيمتها، فقطعة صغيرة نفيسة نادرة من الألماس قد تحدث حرباً بين قبيلتين وتردي قتلى وجرحى، ولكن صخرة حجرية مهما كبر حجمها فإنها لا يمكن أن تؤدي إلى مجرد عراكٍ بين طفلين.

مارتن لوثر الإسلام

حسام شاكر


مَن سيكون “مارتن لوثر الإسلام” يا ترى؟ هو سؤال تنشغل به خطابات توحي بأنّ “لوثرية الإسلام” حتمية تاريخية قادمة لا محالة. تبلغ الحماسة ببعضهم حد تحديد اسم ذلك المسلم الموعود، الذي سيخوض معركة الإصلاح الديني وسيربحها أيضاً، فيجعلون ممن يستوقفهم أو يروق لهم من “الناقدين” أو “الإصلاحيين” المسلمين؛ حامل لقب لوثري محتملاً، على طريقة الألماني مارتن لوثر، الذي يقع هذه الأيام الاحتفال بانطلاق إصلاحاته قبل نصف ألفية.

لوثرية الإسلام
تشي مقولة “لوثرية الإسلام” بنزعة مركزية أوروبية فاقعة، فهي تتخذ من التجربة التاريخية الأوروبية نموذجاً للسياق الإسلامي الذي يقع تجريده من توقّع القدرة الذاتية على التجديد المتلاحق، وفق حتمية لوثرية لا فكاك منها تقريباً في تلك الخطابات، دون أن يوحي القوم باعتراضات على هذا المنحى التعسفي.

وفيرة هي العناوين الصحفية والتعليقات الإعلامية والمقالات والكتب في أوروبا التي استشرفت الآتي ومنحت ذاتها حق اقتراح اسم هذا الذي سيحظى بلقب “مارتن لوثر الإسلام”. تزايَد التلويح بهذا الوصف في مواقف وتعليقات وأعمال أوروبية متكاثرة منذ منعطف الحادي عشر من (سبتمبر/أيلول) 2001، عندما تفاقم النظر إلى الدين الإسلامي في أوساط أوروبية وغربية على أنه خطر وتهديد، أو مشكلة بشكل أو بآخر. لم تتواضع بعض الوجوه المسلمة التي تم خلع اللقب عليها من أحدهم في أوروبا، بل طارت به وتحدّثت به بفخر على الملأ، واعتبرته شهادة استحقاق وجدارة من “أوروبا والغرب”. ومن المفهوم أن يمنح البريق اللوثري حافزاً لعدد أوفر ممن يخوضون “مراجعات تجديدية” و”مقاربات إصلاحية” ضمن النطاقات المسلمة. وإن استبعد أولئك مسألة “المهدي المنتظر” فإنهم بمقولة “مارتن لوثر الإسلام” يضعون “المهدوية” في عباءة “اللوثرية” تقريباً.

من القسط القول إنّ السمات الإنسانية العامة حاضرة في التجربة اللوثرية، فهي تتجلى مثلاً بميلاد الأفكار الإصلاحية وكيفيات استقبالها ومقاومتها وتفاعلاتها ومآلاتها وعواقب تطبيقاتها المتعددة. لكنّ ذلك على قيمته المُلهِمة وعظاته الوفيرة لا يقضي بإغفال أنّ “اللوثرية” هي تجربة أوروبية أساساً، بل ألمانية ابتداء على وجه التحديد، وأنها ابنة العصر الوسيط المتأخر والتجربة الكنسية، وأنّ مقاربتها الدينية موجهة ضد السلطة الاستغلالية في الأساس متمثلة بكهنوت روما، فهي من هذا الوجه ثورة ضد سلطة مهيمنة وليست مجرد مراجعات دينية في الأروقة أو تنظير على المنابر. وإن تجاهلت نزعة البحث عن “مارتن لوثر الإسلام” هذه الحقيقة فإنها تقود بالتالي إلى استنتاجات مضللة للغاية بالمنظور المنهجي.

فالإسلام لا يقوم على نظام كهنوتي في الأصل، وإن لم تغب عن واقع المسلمين حالات سلطوية غير مرئية تحاكي الكهنوت وقد تباشر تنصيبه رسمياً تحت ستار مقولات مثل ولاية الفقيه أو ولاية الأمر، أو بالمبالغة في تعظيم العلماء والشطط في النزعة المشيخية، علاوة على سطوة تقاليد وتأويلات غير سوية على النص الديني المرجعي.

يبدو واضحاً أنّ كهنوت روما في زمن لوثر وفي السياق الألماني بوضوح، استعمل سلطة الحكم وهيْمن عليها، بينما يشهد واقع العالم الإسلامي اليوم علاقة معاكسة تقريباً في كثير من أرجائه المركزية، فسلطة النظام تستعمل الدين بطرق فظة ولو من وراء ستار، ولا تتوانى عن التحكم الشامل بالمرجعيات العلمية والمشيخية وبمواقع الفتوى والإرشاد وباحتواء الفضاء الديني ورموزه عموماً. ويُضاف إلى ذلك تضافر قدرات التحكم الأوروبية والأمريكية بالوجهة الدينية في العالم الإسلامي، كما يتجلى بوضوح منذ عهد بوش الابن وحتى عهد ترامب علاوة على الجهود الأوروبية المتعددة في هذا السياق. والحديث في هذا الصدد يدور حول “حرب أفكار” تتسارع عواصفها وتتلاطم أمواجها تحت مقولات مثل “مكافحة الإرهاب والتطرف” و”تجديد الخطاب الديني” و”المراجعات”، و”تصحيح الفهم”، وإن لم تشمل جميع ما يأتي تحت هذه العناوين بالطبع.

وللتقمص اللوثري مفارقاته التي تبلغ مبلغها لدى حالمين بانتزاع لقب “مارتن لوثر الإسلام” في عاجل الأمر أو آجله، إذ يرتمي بعضهم في أحضان سلطات مهيمنة ويأكلون على موائد الاستبداد المتخمة ويظهرون على شاشاته الملونة، دون الكف عن إطلاق مقولات إصلاح الدين وتجديده “بشجاعة” وخوض المراجعات “الجريئة” بلا تردد. ثم يتضعضع هؤلاء ويظهرون للعيان في منتهى الجبن والخوار والمداهنة إزاء سلطة النظام؛ الذي يمضي في اكتساح المجال الديني على طريقة لا تبتعد في روحها عن نهج البابا ليو وطغمة الاستبداد الديني التي تصدى لها لوثر قبل خمسمائة سنة.

سطوة المركزية الأوروبية
لا يُبصِر الباحثون في أوروبا عن “مارتن لوثر الإسلام” مخزون التجديد الكامن في هذا الدين، ولا يطيب لهم الاعتراف بحقيقة تحرّر النص الإسلامي المرجعي من الهياكل السلطوية؛ وإن تَضافَر حوله تحريفُ الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

عكف لوثر على تمكين الجمهور من قراءة النص عبر الترجمة عن لغة الكنيسة الرسمية، لكنّ المسلمين المتجاوزين في الأصل للوسيط الكهنوتي تحرروا ابتداء من هذا العائق إلى درجة يستسهل بها بعضهم الإقدام على التأويل وحتى الفتوى بلا ضوابط منهجية، وهي حالة يَصعُب تصوّرها حتى في البروتستانتية التي بعثها لوثر.

وما يجري في أوروبا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مع الملف الديني الإسلامي يسير في الواقع باتجاه محاولة إنتاج حالة من التقنين والمأسسة والهيكلة، التي تسعى لتجاوز ما تُعتَبر “مشكلة” عدم وجود كنيسة في الإسلام. وتتصاعد الشكاوى في الأقاليم الأوروبية من أنّ مواقع الإمامة والخطابة والإرشاد الديني الإسلامي منعتقة من ضوابط واشتراطات يفرضها الانخراط في السلك الديني الرسمي كما عليه الحال في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية ومعظم البروتستانتية. فما الذي ستقدمه التجربة اللوثرية في هذا السياق الإسلامي المنعتق أساساً من البابوية والكهنوتية والتراتبية اللاهوتية؟

وإن منح لوثر جمهوره ألوان الحياة وروح السعادة وفتح باب الزواج للمنخرطين في السلك الديني؛ فما بوسعه أن يمنح المسلمين من هذا المتحقق لديهم ابتداء؟ إنه غيض من فيض التساؤلات التي يجدر إثارتها إزاء مقولة “لوثرية الإسلام” التي تجنح إلى إسقاط الماضي الكنسي الأوروبي على المستقبل الإسلامي، وقد يُفهَم ضمناً من بعض الخطابات أنّ التجربة الغربية بلغت بالتاريخ نهايته وأنها مستغنية اليوم عن المقاربات الإصلاحية الجوهرية، رغم الاختلالات الجسيمة التي تنتصب في حقول شتى في واقع التطبيق البشري المتمحور حول التجارب الأوروبية – الغربية.

وإذ يخلب البريق اللوثري الأنظار؛ فإنّ منحى التقمص لا تستوقفه تساؤلات مشروعة؛ مثلاً عن ضراوة المخاضات التي ستترافق مع “اللوثرية الإسلامية” إياها، وهل يُرجى لهذا الإصلاح أن يُنعش نهضة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحاكي تجربة أوروبا الاستعمارية وتزاحمها في التوسع الاقتصادي والصناعي والإنتاجي والسياسي والاستراتيجي ضمن عالم الحاضر والمستقبل؟ أم أنّ غاية المطلوب لدى بعضهم لا تتعدى تفكيك الإسلام ببريق الشعار اللوثري وإخضاعه لقراءات أوروبية يقع إسقاطها عليه دون أن يقوى على المنافسة في عالم متنوع؟ وهل يأمل القوم حقاً من مقولة “اللوثرية الإسلامية” أن يُتاح التوسع في نشر المصاحف الشريفة حول العالم بألسن الأمم جميعاً لتناهز “الكتاب المقدس” الذي هو أوسع الكتب طباعة ونشراً وتوزيعاً بفضل اللوثرية أساساً؟

السياقات اللوثرية ومآلاتها
يبقى الانشداد إلى تجربة مارتن لوثر (1483 – 1546) مفهوماً، خاصة في الذكرى مرور خمسمائة سنة على عريضته التي غيّرت وجه أوروبا وتركت تفاعلاتها وتأثيراتها وبصماتها حاضرة في العالم. تقول الرواية إنّ اللاهوتي الألماني الشاب عمد يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1517 إلى تثبيت وثيقة من 95 بنداً بالمطرقة على باب كنيسة القصر في فيتنبرغ الألمانية، فأوجعت طرقاته روما الرازحة تحت غطرسة البابا ليو، الذي أعماه الجشع المادي عن تعاليم المسيح عليه السلام.

لكنّ فهم الرواج الذي تحقق لحركة الإصلاح هذه لن يتحقق دون إدراك سياقاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يصح النظر إلى شجاعة لوثر بمعزل عن حفاوة الجمهور المحلي بأفكاره المركزة التي صبّها في عريضته ورسائله.

قاد لوثر ثورة عارمة بقوة الأفكار التي لامست حاجات قائمة أساساً في مجتمعات أوروبا التي أخضعها الاتجار البشع بالدين، وأثقلتها الطقوس الجوفاء، واستغرقت في التبرّك شبه الوثني بعظام القديسين على حساب روح الإيمان والتعاليم. ظهر لوثر في مجتمعات شاحبة تستعذب الفقر والفاقة والحرمان وتدفع بعصارة قوتها إلى كهنوت روما المنشغلة بمراكمة الثروة وتشييد البنيان الشكلية من بيع صكوك الغفران ونشر ثقافة التعاويذ.

سدّد لوثر ضربات موجعة للكنيسة، حتى خلال محاكمته المشهودة التي خرج منها منتصراً، وأنجز نقلة جوهرية بتحرير الوعي الديني من ربقة الكنيسة إلى نص “الكتاب المقدس” مباشرة، رغم أنّ ترجمته الخاطفة للنص ليس بوسعها أن تبرأ من التحيزات التي هي سلطة ضمنية، وإن حرَم الكهنوتَ الكاثوليكي بذلك احتكار سلطة تأويله. أقدم لوثر على خطوة جسورة لتمكين الجماهير من فهم “النص المقدس” بأن أنجز ترجمة “العهدين القديم والجديد” من اليونانية إلى الألمانية، وتجنّدت المطبعة المبتكرة آنذاك في خندق لوثر وأسعفته في ��لذيوع الجماهيري.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً

تحدّى لوثر الكنيسة وجها لوجه، لكنه أتاح للدين فرصة البقاء ضمن حضور متجدد مؤهل للعبور إلى العصر الحديث والتعايش مع الحداثة أو حتى تهيئة الأجواء لبعض شروطها، مثل الحرية والديمقراطية ومقولة الامتثال للضمير التي ألحّ عليها، علاوة على تأثيراته المتعددة في الكاثوليكية ذاتها وإن لم يقع الاعتراف بها.

لم يكن ذلك إصلاحاً في النطاق اللاهوتي وحده، بل هي بالأحرى ثورة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحققت لأوروبا التي انعطفت إلى زمن جديد بفعل جملة من العوامل والمتغيرات التي لم تقتصر على اللوثرية. وقد اتسع تأثير هذه الحركة الإصلاحية حتى تجاوز أتباع كنائسها المتعددة اليوم نصف مليار إنسان، لكنّ انتشارها العالمي لم يأتِ فقط بقوة الأفكار والتعاليم بل تحقق عبر تفاعلات الواقع وملابساته، بما فيها التوسع الاستعماري مثلاً. ومن الإنصاف القول إنّ مارتن لوثر قدح شرارة الإصلاح تلك، لكنّ الافتتان بتجربته يصرف النظر عادة عن ثغراتها ومآلاتها التي لم تكن وردية تماماً، ويجوز الافتراض بأنه إصلاح لم يكتمل إذ بقي وفياً للإطار العام للتقليد الكنسي في كثير من سماته.

دشّن لوثر مسيرته الإصلاحية بتعليق عريضته الشهيرة المشتملة على 95 نقطة موجزة، ولو جاءت في زماننا لما تردد في إطلاقها عبر حزمة تغريدات في “تويتر”، وستحظى على الأرجح بوفرة من الإعجابات وإعادة التغريد أسوة بشغف الجماهير حول كنيسة فيتنبرغ بالبنود الثورية التي علّقها.

لكنّ عريضة لوثر ينبغي عليها اليوم قبل أن تقارع سلطة الكهنوت أن تقود حركة إصلاح في منظومة الحداثة التي وقع تحنيط قيمها ومقولاتها واستغلال قدراتها المتراكمة بأساليب ذات وقع مدمر على الإنسان والعالم. سيكون على مارتن خوض نضال جديد للتبرؤ من مسالك وتقاليد وممارسات تذرعت بالبروتستانتية أيضاً خلال ضلوعها في التمدد الاستعماري والمشروع الصهيوني والتفرقة العنصرية والحمى النازية والجشع الرأسمالي وصور متعددة من الشرور، التي لا تنفي الوجوه الإيجابية التي دفعت بها أيضاً وإن لم تكن مكتملة.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً. إنها نزعة تستدرج أصحابها إلى الوقوع في قبضة المحاكاة الرمزية لتجربة تنتمي في الواقع إلى ذيول العصر الأوروبي الوسيط، وإن ظلت دروسها وعظاتها شاخصة للمتأملين حتى اليوم، ضمن رصيد التجارب البشرية التي ما زالت تتراكم وتتفاعل.

خيارات الإسلاميين لتجاوز أزمة الحداثة

عبد السلام بوقدير


أصدر المفكر الجزائري د. عبد الرزاق بلعقروز في عام 2013 كتابه القيم “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي”، ووضع في خلاصة نقده للمفكرين العرب الذين حاولوا الخروج من أزمة الخطاب الإسلامي عبر استعارة أدوات ما بعد الحداثة من الغرب، وقدم قراءة واعية لفكر إسماعيل الفاروقي وطه عبد الرحمن باعتبارهما نموذجين ناضجين لتجاوز أزمات الغرب وإحياء الحضارة الإسلامية، مركزا على مسائل الحداثة وأزمة الحقيقة والتعارف والعقلانية والكونية.

يتساءل الكاتب: ما الذى يملكه الخطاب الإسلامى المعاصر من أجل الإسهام فى التحولات المعاصرة؟ وهل يؤسس هذه الخطاب رؤاه الفكرية منفصلا عن خطاب الحداثة وما بعدها؟

ويقول بلعقروز إن مُمكنات الخروج من نفق الطور الحداثي المُظلم، وإصلاح العطب في هذا المشروع لن تكون ممكنة دون إعادة تفعيل التوجيه الديني وقيم الإيمان في بناء الإنسان وملء العالم بالمعنى من جديد، لأنه لا فتوحات ممكنة تلوح سوى بأربعة شروط، وهي:

1- أن يستفتح الإنسان من جديد، من أجل أن يفتح اللّه له، ويعيد ترتيب الصّلة معه، لأن الذات دون إيمان ودون معنويات تنتج أنماط الحياة التي لا تُطاق.

2- أن ينتهي الإنسان عن غيه وظلمه وتخريبه للعالم، أي تدمير المعنى والعالم المحسوس.

3- أن يحذر من السقوط في أزمات المشروع الحداثي الغربي، لأنه لن يثْمر إلا عودة المآزق وفقدان الأمن الوجود ونَسْبنة المعرفة واختزالها في المصلحة، واختلال التوازن القيمي، ومن ثم الوصول إلى العَمى الوجودي والعبث السُّلوكي والتَّخريب للأرض.

4- التَّفكير في الارتقاء إلى مستوى الحدث الحضاري من أجل فهم هذه المشكلة بعمق، أي فهم الحداثة الغربية بعمق والكشف عن الفقر المعنوي والأخلاقي الذي ينخر أساساتها، وإعادة ترتيب سُلّم القيم الضائعة وبلورة نموذج إدراكي جديد للعالم.

ويرى المفكر الجزائري أننا لم نتعامل مع الحداثة في طورها الغربي بشكل ناضج بعد، فنحن فاقدون للرؤية والمنهج والإرادة، كما أننا لم نفهم الحضارة الإسلامية بعمق وشمول حتى نبحث في تراثنا المعنوي والأخلاقي الضخم ونفسّره من جديد.

ويعتبر أن النهضة تبدأ بإعداد قادة في الفكر من أجل إنجاز وظيفة الفهم المزدوج للحضارة الغربية وأسسها بعمق، وفهم الحضارة الإسلامية بعمق أيضا.

ويسعى في كتابه إلى رصد جوانب الاجتهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر الساعية إلى بلورة رؤى فاعلة مستقلة عن سياق الحداثة.

ومن مباحث الكتاب المهمة أنه بيّن حدود النظريات التواصلية الغربية التي تأثر بها الفكر العربي المعاصر، وشدد على الحاجة إلى الأخذ بالرؤية التَّعارفية التي اقتبسها من قوله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، مستندا في الأساس إلى المبدأ القرآني لرؤية الإنسان للوجود من خلال التوحيد، فوحدانية الله هي أساس كل شيء، ومن ثم انفصال الذات الإلهية عن الإنسان والعالم المخلوق دون حلول ولا اتحاد، وتأتي بعد ذلك الرؤية التعارفية بناء على مفاهيم: التَّكريم الإنساني {ولقد كرمنا بني آدم}.، ووِحدة الإنسانية (دون تمييز عرقي)، والاختلاف التّكاملي (وليس التفاضلي العنصري).

وفي نقده لأزمة الحقيقة والقيمة، يشرح بلعقروز كيف هيمنت الاتجاهات الارتيابية على الفلسفة الغربية فيما بعد الحداثة، ثم استعرض أفكار إسماعيل الفاروقي التي تتجاوز هذه الاتجاهات وتؤسس الرؤية على وحدة الحقيقة والقيمة والحياة، وتستمدها من وحدانية الله.

أما أزمة العقلانية فقد عرضها المؤلف في فكر محمد أركون، ثم استعرض نقد طه عبد الرحمن لأركون الذي فضح افتتانه بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ومحاولته تطبيقها على المعرفة الإسلامية، حتى في نصوصه المقدّسة، حيث كشف طه أن ادعاءات أركون لا ترقى إلى تصورات الفقهاء، ويقول إنه لو كانت مذاهب الفقهاء فعلا امتدادا لتناحُرات السّياسيين لما اختصّت بالوفاء لشروط الاستدلال والبناء النّسقي، فالسّلطة لا تخاطب العقل بل تتوسل العاطفة.

وفي الفصل الخامس والأخير، ينقد المؤلف طرح “الفلسفة الكونية” لدى المثقفين الحداثيين العرب، ويطرح البديل المتمثل في “الفلسفة المقارِنة” التي تدرك العالم بالمعنى الاختلافي، معتبرا أن الفلسفة الكونية تؤدي للانغراس في أنماط فكرية أخرى لا تخرج من عمق معاناتنا ولا تستجيب لمشكلاتنا.

غزل الفقهاء المسلمين

عبد اللطيف المحيمد


الصورة النمطية التي يُنظر فيها إلى العالِم المسلم هي صورة الجدية، وتناول الأمور بشكل رسمي، فلم يعتد المسلمون وغيرهم من عالِم الشريعة أن يتناول في حياته أموراً ربما يعتقد أنها من اللهو وإضاعة الوقت! إلا أن المتأمل لحال العلماء الربانيين يلحظ جيداً ذلك الجانب الآخر في حياته، بعيداً عن الفقه وتشعباته، وعلم الكلام ومقالاته، وبعيداً عن الوعظ والإرشاد، والترغيب والترهيب، بل هي الحياة الشخصية للعالم المسلم بما فيها من أدب وشعر ولهو وغيره.

والنقطة التي أود تسليط الضوء عليها في هذا المقال هي: موقف العلماء المسلمين من شعر الغزل خاصة، لما فيه من خصوصية في النفوس، وتأثير على الروح، لا سيما وأن غالبهم قد عايش البيئة العربية التي اتخذت من الشعر صناعة لها، وأقاموا له الأندية والأسواق الأدبية، بل كان عندهم ما يعرف بالنسيب، وهو أن يبدأ الشاعر قصيدته بمطلع غزلي يتغزل فيه بمحبوبته، حقيقة كانت أو وهماً، ولن أتكلم عن حال العرب مع شعر الغزل قبل الإسلام لكثرة ما كتب عنه، ولكنني أتكلم عن شعر الغزل في صدر الإسلام، وموقف علماء المسلمين منه عبر العصور، وهذا موضوع لم يُطرَق كثيراً.

ولا يشك عاقل في تلك الحالة النفسية التي يشعر بها الإنسان إذا قيل له: إن العالم الفلاني يمتهن شعر الغزل ويتغزل بالنساء. فهذه الحالة النفسية تتمثل بنوع من الشبهة التي ترتسم في مخيلته، ومن استغراب وتساؤل حول كون هذا العالم أصابه العشق والحب، واكتوى بناره، حتى أصبح العالِم المسلم الذي يقتحم هذا المجال من الفن والأدب والشعر موضع شبهة عند العوام وطلبة العلم، ولا يسلم من الغمز واللمز، إلا أننا سنحاول البحث عن حقيقة هذا الأمر، وسنجلي الصورة كما عرفها العلماء الربانيون، وكما أخذوها من الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولذلك قال الشيخ علي الطنطاوي: “قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين وقد سقط إليه عدد من مجلة الرسالة، فيه مقالة لي في الحب: ما لك والحب؟ وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب أو يعرضوا للغزل، إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزه الله نبيه عن الشعر، وترفّع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرح الشافعي أنه يزري بهم، ولو لا ذلك كان أشعر من لبيد…” [انظر: من غزل الفقهاء، ص: 5].

الغزل في عهد النبوة والخلفاء
لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم الشعر، ولم يتخذه صنعة، وقد نزهه الله عن أن يكون شاعراً، ونفى عنه الشعر وصنعته في القرآن الكريم، فقال: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}، وقد حمل ذلك بعض الفقهاء على محمل أن الشعر قبيح، ولذلك نزه الله نبيه عنه.

إلا أن المتأمل للآيات الكريمة التي تكلمت عن الشعر يجد أن الله تعالى نفى عنه الشعر لا لقبحه وإنما في مقابلة التهمة التي اتهم المشركون بها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اتهموه بأنه شاعر، وأنه هو من قال القرآن الكريم، لينفوا بذلك أنه كلام رب العالمين، قال تعالى: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} [الأنبياء، 5]، وقال: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور، 30].

ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع للشعر، وكان يستدل به، بل استمع لكعب بن زهير وهو يلقي شعر الغزل بين يديه، ولم ينكر عليه فعله، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الفجر ثم جلس، فجاءه كعب فسلم عليه وألقى قصيدة طويلة فيها مدح للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان مطلعها غزلي بحت، فقال فيها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ         متيَّم إثرها لم يُفْدَ مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا          إلا أغنُّ غضيضُ الطرف مكحول

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة             لا يشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت               كأنه منهل بالراح معلول

وهذا غزل صريح، فيه ما فيه من التشبيه، ثم يسترسل كعب بنسيبه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يسمع وينصت، ولم ينهره أو يسكته، بل كان مهتماً فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول له: لو قلت كذا وكذا، فدل ذلك على أنه كان ينصت.

ولا يحتج محتج بأن هذه القصة ضعيفة ولم تثبت فأكثر المحدثين على ثبوتها، بل بعض الفقهاء ألف كتباً في صحتها، كالشيخ إسماعيل الأنصاري الذي كتب “القول المستجاد في صحة قصيدة بانت سعاد”، وكذلك الدكتور سعود الفنيسان كتب “توثيق قصيدة بانت سعاد في المتن والإسناد”.

وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتمثل بشعر الغزل، وأن ابن عباس كان يجلس مع عمر بن أبي ربيعة، وهو شاعر الغزل المعروف والمشهور به، فكان يسمع منه، ويروي للناس شعره، ويتمثل به.

الغزل عند العلماء المسلمين
والأمثلة على ذلك كثيرة، وهي تبين موقف علماء من الأمة من هذه القضية بشكل قاطع، وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي في كتابه “من غزل الفقهاء” أمثلة على ذلك، فنقل عن الحسن البصري أنه كان يتمثل في مجالسه بقول الشاعر:

اليوم عندك دلها وحديثها                وغداً لغيرك كفها والمعصم

وانظر كيف يتكلم الحسن البصري عن دلالها، وحديثها، ولم يجد حرجاً في ذلك.

كما نقل عن سعيد بن المسيب أته سمع مغنياً يغني:

تضوَّع مسكاً بطن نعمان إن مشت            به زينب في نسوة خفرات

فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ سماعه، ثم راح يعارض هذا البيت بأبيات رائعة، فقال فيها:

وليست كأخرى أوسعت جيب درعها        وأبدت بنان الكف للجمرات

وعالت فتات المسك وخفاً مرجلا          على مثل بدر لاح في الظلمات

وقامت تراءى يوم جمع فأفتنت              برؤيتها من راح من عرفات

ومن الفقهاء الشعراء عروة بن أذينة، وهو فقيه محدث وشيخ الإمام مالك رحمه الله، وقد نقل عنه الكثير من شعر الغزل، ومنه:

إن التي زعمت فؤادك ملها            خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فبك الذي زعمت بها وكلاكما            يبدي لصاحبه الصبابة كلها

وهي قصيدة طويلة، من عيون قصائد الغزل العربي، ولما سمعها أبو السائب المخزومي حلف أنه لا يأكل بها طعاماً إلى الليل، وكأنه لما سمعها أكل وشرب، فاكتفى بها واستغنى عنهما.

وكان إمام المدينة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود شاعراً متغزلاً، وهو من الفقهاء السبعة للمدينة المنورة، وكان يقول شعر الغزل، ومنه:

شققت القلب ثم ذررت فيه             هواك فليم فالتام الفطور

تغلغل حب عشمة في فؤادي           فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب            ولا حزن ولم يبلغ سرور

وكان ابن المسيب إذا لقي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقول له: أأنت الفقيه الشاعر؟ فيقول: لابد للمصدور من أن ينفث، فلا ينكر عليه ابن المسيب.

ومن شعره أيضاً:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم        ولامك أقوام ولومهم ظلم

ونمَّ عليك الكاشحون وقبلهم             عليك الهوى قم نم لو نفع النم

وزادك إغراء بها طول بخلها          عليك وأبلى لحم أعظمك الهم

فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة       على إثر هند أو كمن سقي السم

ألا من لنفس لا تموت فينقضي          شقاها ولا تحيا حياة لها طعم

ومن الفقهاء الشعراء الغزليين أبي السعادات أسعد بن يحيى السنجاري، وهو من فقهاء الشافعية، ومن شعره الغزلي:

وهواك ما خطر السلو بباله           ولأنت أعلم في الغرام بحاله

ومتى وشى واش إليك بأنه             سال هواك فذاك من عذاله

ومنهم أيضاً الشيخ الشهرزوري الصوفي، ومن غزله:

فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفة              عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري

وغابت شموس الوصل عني وأظلمت         مسالكه حتى تحيرت في أمري

ومنهم الإمام ظهير الدين الأهوازي، ومن شعره:

وإني لأبدي في هواك تجلدا              وفي القلب مني لوعة وغليل

فلا تحسبن أني سلوت فربما             ترى صحة بالمرء وهو عليل

ومنهم إمام الصوفية في زمانه أبو القاسم القشيري، وهو فقيه كبير، ومفسر ومحدث، فقال:

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا              ورأيت كيف تكرر التوديعا

لعلمت أن من الدموع محدثاً           وعلمت أن من الحديث دموعا

ومن شعره:

ومن كان في طول الهوى ذاق لذة           فإني من ليلي لها غير ذائق

وأكبر شيء نلته من وصالها               أماني لم تصدق كخطفة بارق

وكذلك القاضي عبد الوهاب المالكي، وهو فقيه مالكي مشهور، وكان من شعره وغزله:

ونائمة قبَّلتها فتنبهت                       وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد

فقلت لها إني فديتك غاصب               وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها وكفّي عن أثيم ظلامة              وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد

فقالت قصاصاً يشهد العقل أنه           على كبد الجاني ألذ من الشهد

فباتت يميني وهي هميان خصرها      وباتت يساري وهي واسطة العقد

فقالت ألم تخبر بأنك زاهد؟               فقلت: بلى، ما زلت أزهد في الزهد

وأما القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز، الفقيه الشافعي، فمن غزله:

ما لي ومالك يا فراق                 أبداً رحيل وانطلاق

 يا نفس موتي بعدهم                 فكذا يكون الاشتياق

ومنهم أيضاً المؤرخ والفقيه الكبير ابن خلكان، ومن شعره:

أنا والله هالك               آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي         قد أقامت قيامتي

وأما الفقيه الظاهري محمد بن داود الظاهري فقد كان يتغزل ويقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي             وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمد من ثق�� الهوى ما لو أنه              يصب على الصخر الأصم تهدما

ومن فقهاء الشافعية الإمام أبي الفضل الحصكفي، ومن شعره:

أشكو إلى الله من نارين واحدة              في وجنتيه وأخرى منه في كبدي

ومن سقامين سقم قد أحل دمي              من الجفون وسقم حل في جسدي

وبذلك نرى أن العلماء المسلمين عاشوا حياتهم بكل جوانبها، ودل ذلك على أن شعر الغزل من المباحات، ما دام صاحبه قد اجتنب المحرمات، وهذا ما نقله الشيخ الطنطاوي رحمه الله، وهناك غيرهم الكثير، إلا أن المقام ليس للتطويل، بل للتدليل.

مؤلفات المسلمين في الغزل
لم يهمل العلماء المسلمون شعر الغزل بل كانوا يهتمون كثيراً بأخبار العشاق والمحبين، وأشعارهم، وأحوالهم، بل إنهم ألفوا في ذلك مؤلفات، فابن حزم كتب كتابه “طوق الحمامة” وهو في أخبار العشق والمحبين وأشعارهم، بل قد ملأه وحشاه من شعره الغزلي الذي كتبه هو، وابن حزم هو من هو في العلم والفقه، وصاحب كتاب المحلى الشهير.

وقال في خاتمته لما خاف الشبهة من متعصبيه: “وأنا أعلم أنه سينكر بعض المتعصبين علي تأليفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته، وما أحل لأحد أن يظن فيَّ غير ما قصدته، قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم” [طوق الحمامة، ص: 322].

وألف ابن القيم كتابه “روضة المحبين ونزهة المشتاقين” وهو سفر كبير فيه أخبار العشاق وأشعارهم وقصصهم، بل إنه قال: “والشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاقي سنة ماضية وسعي مشكور” [انظر: روضة المحبين، ص: 518].

وألف الجاحظ رسالة في العشق والنساء، وكتب الكندي رسالته المسماة بالزهرة، وهي في الحب والعشق وما شابهه، وألف ابن أبي حجلة ديوان الصبابة، وهو فقيه حنبلي، كما ألف داود الأنطاكي كتابه “تزيين الأسواق في أخبار العشاق”، نقل فيه الكثير من شعر الغزل، وكذلك ألف محمد صديق خان وهو العالم الهندي الكبير كتابه “نشوة السكران من صبهاء تذكار الغزلان”، والشيخ علي الطنطاوي ألف رسالته “من غزل الفقهاء”.

كما تكلم الغزالي عن شعر الغزل وأباحه، فقال الغزالي في الإحياء: “فأما النسيب وهو التشبيه بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر.. والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن، وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة، فإن نزله فلينزله على من يحل له من زوجته وجاريته، فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل”.