image_print

الكوثر من سورة الكوثر

لا يخفى أن القرآن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الباقية إلى يوم القيامة، وأن الله تحدى به أهل الفصاحة والبيان، فحول العرب الأقحاح، فتحداهم أن يأتوا بمثله ثم بعشر سور، ثم بسورة مثله، فما استطاعوا له، ولما علموا عجزهم وأصروا على كفرهم اتهموا النبي بالسحر والجنون!

واليوم يأتي أحدهم فيدعي المطاعن في القرآن، ويكأنه تبين له ما لم يتبين لأفذاذ اللغة قبله، ولإن سألته مسألة في الآجرومية ربما لم يجد جوابا.

وروى الخطابي قال: سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: سأل رجل بعض العلماء عن قول الله عز وجل: {لا أقسم بهذا البلد} فأخبر أنه لا يقسم ثم أقسم به في قوله: {والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا} فقال له ابن سريج: أي الأمرين أحب إليك؛ أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ قال: لا بل اقطعني ثم أجبني. فقال له: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزًا، وعليه مطعنًا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجهلت، فلم ينكروا ما أنكرت، ثم قال له: إن العرب قد تُدخل “لا” في أثناء كلامها وتلغي معناها، كقول الشاعر: في بئر لا حور سرى وما شعر. يريد في بئر حور سرى وما شعر(1).

فكانت هذه المقالة المقتصدة في العبارة، لتفتح للقارئ نافذة على بعض بلاغة القرآن فلا يغتر بكل ناعق، ولأن الوقوف على بلاغة القرآن هو وقوف على موطن الإعجاز فيه، ولا يخفى ما في هذا من رسوخ الإيمان في القلوب، وهو ما نحتاجه في قلوبنا وقلوب أبنائنا اليوم في ظل انتشار الشبهات وتسلط الشهوات.

وسنتناول في هذه المقالة أقصر سور القرآن آيًا وكلمات، ألا وهي سورة الكوثر، فهي على قلة ألفاظها وقصر جملها كاسمها كوثر في المعاني، كوثر في البلاغة.

أولا: في سبب نزولها:
قيل نزلت في العاص بن وائل وقيل في غيره(2)، ذلك أنهم وصفوا النبي ﷺ بالأبتر حين مات ولده عبد الله -أي أنه إذا مات انقطع ذكره- فأنزل الله هذه السورة.(3)

ثانيا: في معاني مفرداتها:
الكوثر: “فَوْعَل من الكثرة وهو المفرط في الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر.”(4)، وفسر الكوثر في السورة بتفاسير عديدة لعل أعمها وأقربها أنه الخير الكثير كما روي عن ابن عباس.(5)

النحر: طريقة الذبح الخاصة بالإبل، “ونحر البعير ينحره نحرا: طعنه في منحَرِه حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر”(6)

الشانئ: المبغض، قال ابن فارس: “الشِّينُ وَالنُّونُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْبِغْضَةِ وَالتَّجَنُّبِ لِلشَّيْءِ.”(7)

الأبتر: “البَتْرُ: قَطعُ الذَّنَب ونحوه إذا استأصَلْتَه”(8) ثم “قيل لمن لا عقب له أبتر، على الاستعارة، حيث شبه الولد والأثر الباقي بالذنب”(9)

ثالثا: مختصر تفسير السورة:
إنا آتيناك -أيها الرسول- الخير الكثير، ومنه نهر الكوثر في الجنّة. فأدّ شكر الله على هذه النعمة، فصل له وحده واذبح. إن مبغِضك هو المنقطع أثره، المقطوع من كل خير.

رابعا: في أساليب البلاغة فيها:
1- ذكر فخر الدين الرازي رحمه الله في تفسيره أن هذه السورة بمثابة المقابلة للسورة التي قبلها سورة الماعون، لأن سورة الماعون وصف الله تعالى فيها المنافق بأربعة أمور: البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الزكاة، فذكر الله تعالى في هذه السورة في مقابلة البخل “إنا أعطيناك الكوثر” أي الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة “فصل” أي فدم على الصلاة، وفي مقابلة الرياء “لربك” أي لرضاه لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون “وانحر” وأراد به سبحانه التصدق بلحوم الأضاحي.(10)

2- استعمال ضمير الجمع الدال على العظمة في قوله “إنا”: ففيه تعظيم الواهب سبحانه والإشعار بالامتنان بعطاء عظيم وتشريف بذلك للموهوب له وهو النبي ﷺ.(11)

3- تصدير السورة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم “إن” وذلك لتحقيق الخبر الآتي والاهتمام به.(12)

4- مجيء الفعل بصيغة الماضي الدالة على تحقق الوقوع وفي ذلك مزيد تأكيد وفيه دلالة على أن المتوقع من عطاء الكريم في حكم الواقع.(13)

5- قوله: (أعطيناك) “لم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف فلما قال (أعطيناك) علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلا بل هي محض الاختيار والمشيئة.”(14)

ويدل على ذلك أيضا تقديمه الإعطاء على الأمر بالعبادة، فيدل ذلك كله على تشريف النبي ﷺ وأن الاختيار والعطاء إنما هو بمجرد الفضل والإحسان من الله تعالى من غير موجب.

6- إسناد الفعل إلى المبتدأ “إنا” وفي تبيين هذا يقول الرازي: “أنه بنى الفعل على المبتدأ وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنه لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصير مشتاقا إلى معرفه أنه بماذا يخبر عنه، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة..
وذلك كقول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له -ولله المثل الأعلى- :أنا أعطيك، أنا أكفيك
وذلك لكون الموعود به عظيما -وهو الكوثر- فعظمه يورث الشك في الوفاء به، فكان إسناده إلى متكفل عظيم يزيل هذا الشك ويدحضه”.(15)

7- حذف موصوف الكوثر وهو أبلغ في العموم لما فيه من عدم التعيين، وفرط الإيهام والشياع والتناول على طريق الاتساع.(16)

8- الإتيان بالصفة التي تدل على المبالغة “الكوثر” وهي كما سبق المفرط في الكثرة، وهي كما فسرها ابن عباس الخير الكثير، ونقل الرازي في معناها 15 قولا(17) منها قول ابن عباس وذكر القرطبي فيها 16 قولا(18) منها ما يختلف مع ما عدده الرازي فيكون مجموعها 23 قولا، وقال صاحب البحر المحيط أن ابن النقيب ذكر في تفسيره 26 قولا(19) ولم أستطع الوقوف عليها، وكلها ترجع إلى معنى الخير الكثير كالنهر في الجنة والحوض وكثرة علماء الأمة وكثرة الاتباع والأشياع والنبوة والمقام المحمود والقرآن والإسلام.

9- تعريف الكوثر بالألف واللام “المعروف بالاستغراق لتكون لما يوصف بها شاملة ولإعطاء معنى الكثرة كاملة”.(20) وفي كل هذا التأكيد وهذه المبالغة تشريف للنبي ولأمته بهذا العطاء الجزيل، وتسلية لقلب النبي ﷺ في ظل ما أصابه من أذى المشركين.

10- استخدام الفاء في قوله: (فصل) التي تفيد التعقيب وعدم التراخي ففيه “التنبيه على أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي”.(21)

11- الفاء التي تفيد السببية من جهتين:”أحدهما: جعل الأنعام الكثيرة سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته”(22)، “والثاني: سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له إنك أبتر فقيل له كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم”.(23)

12- فن المذهب الكلامي، أو كما ذكره ابن النقيب باسم الاحتجاج النظري، “وهو أن يذكر المتكلم معنى يستدل عليه بضرب من المعقول”(24)، تستنتج فيه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة، ففي هاتين الآيتين مقدمتان ونتيجة، فلما كان الشكر على مقادير النعم، ولما أمر الله تعالى نبيه بشكر هذه النعمة بالصلاة التي هي قوام الأعمال البدنية، نحر الإبل التي هي سنام الأعمال المالية -وإنما خص الإبل لأنها أعز أموال العرب، وفيه إشارة إلى الانقطاع عن الدنيا ولذاتها-، دل ذلك أن عطية الكوثر تعدل جميع العطيات(25)

13- التعريض بحال المشركين ممن كانت عبادته ونحره لغير الله تعالى، في قوله: (لربك)، أي مخلصا له في صلاتك وذبحك.(26)

14- وضع المظهر موضع المضمر: فلم يقل: فصل لنا وانحر، وإنما أظهر بلفظ الرب وهو نوع من الإطناب في الكلام، “ذلك أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين.”(27) “فأغنى هذا المعنى عن استعمال صيغة من صيغ الحصر، للدلالة على وجوب إفراد الله عز وجل بالصلاة والنسك.”(28)

15- الالتفات: من ضمير المتكلم في (إنا أعطيناك) إلى ضمير المخاطب في (لربك)، وهي من أمهات أبواب البلاغة، “فلما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من علو، فوقع الالتفات إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب، والإقبال لما يفيد من تحبيب”(29)، وفي إضافة رب لضمير المخاطب تشريف للنبي وتسلية له بأن الله يرأف به ويربيه.

16- إيجاز الحذف: ذلك أن تقدير الكلام فصل لربك وانحر له “فحذف اللام الأخرى لدلالته عليها بالأولى.”(30)

17- التوكيد الجاري مجرى القسم في قوله: (إن شانئك هو الأبتر).

18- الاستئناف الذي يفيد التعليل: فقوله: (إن شانئك…) استئناف معلل لقوله: (فصل…)، ففيه حث للنبي ودعوة له بالإقبال على الطاعة وعدم الاكتراث لأمر شانئه فهو الأبتر.

19- عدم ذكر اسم الشانئ: وإنما ذلك ليتناول كل من كان في مثل حاله(31)، وفيه تحقير له أيضا.

20- ترك التوجه له بالخطاب، وإنما ذكره بصيغة الغائب، فلم يقل: يا شانئ النبي أنت الأبتر أو ما شابهه، وفي ذلك امتهان له وتحقير لشأنه أيضا.

21- “أن الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة، فقال: (إن شانئك هو الأبتر) وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم”.(32)

22- قصر القلب المستفاد من ضمير الفصل “هو”: لأن ضمير الفصل أفاد حصر صفة الأبتر في الموصوف شانئ النبي واختصاصه بها، فكأنه يقول: هو الأبتر لا أنت.(33)

23- تعريف الخبر بالألف واللام: “الدالة على حصول هذا الموصوف له بتمامه”.(34)

24- الإتيان بالصفة على أفعل التفضيل بدلا من اسم المفعول(35): فلم يقل مبتور ولكن قال أبتر، ويدل ذلك على مبالغة استحقاق الموصوف لهذه الصفة.

25- أسلوب الحكيم: “وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن الأحق غير ما عناه بكلامه… وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير”(36)

26- الاستعارة: في قوله: (الأبتر) كما سبق، فشبه الذكر الحسن والخير بالعقب.

27- الطباق: في (الكوثر) و(الأبتر) “لأن الكوثر الخير الكثير والأبتر المنقطع عن كل خير”.(37)

28- إيجاز القصر: فعلى قصرها احتوت معاني جمة غزيرة، كما ذكرنا في تفسير الكوثر.

29- السجع(38): في خاتمة الآيات (الكوثر، انحر، الأبتر).

30- عدم التصنع والتكلف: فـ”مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل” فهي “خالية من تصنع من يتناول التنكيت، وتعمل من يتعاطى بمحاجته التبكيت”.(39)

* محمد هاني أحمد الواو


[إعجاز القرآن](48):1

[تفسير الطبري](697-701/24):2

[أسباب النزول للواحدي](494-495):3

[الكشاف](806/4):4

[البخاري:4966]:5

[لسان العرب](195/5):6

[مقاييس اللغة](217/3):7

[العين](117/8):8

[روح المعاني](247/30):9

[تفسير الرازي](117/32):10

[تفسير الرازي](121/32):11

[تفسير الرازي](122/32):12

[إعجاز سورة الكوثر للزمخشري](57):13

[المرجع12]:14

[الرازي](121-122/32)بتصرف،وانظر[المرجع13]:15

[المرجع13]،وانظر[دقائق التفسير،ابن تيمية](312/5):16

[الرازي](124-128/32):17

[تفسير القرطبي](520-522/22):18

[البحر المحيط](556/10):19

[المرجع13]:20

[الرازي](129/32):21

[مقدمة تفسير ابن النقيب](254)”مطبوع باسم الفوائد المشوق لابن القيم”:22

[الرازي](131/32):23

[مقدمة تفسير ابن النقيب](136):24

[إعراب القرآن،للدرويش](598/10):25

[المرجع22]:26

[المرجع23]:27

[معارج التفكر](658/1):28

[نظم الدرر](290/22):29

[إعجاز سورة الكوثر](58):30

[المرجع22]:31

[الرازي](134/32):32

[التحرير والتنوير](576/30):33

[دقائق التفسير](314/5):34

[المرجع34]:35

[التحرير والتنوير](577/30):36

[التفسير المنير](831/15):37

[المرجع30]:38

[إعجاز سورة الكوثر](60):39

أم على قلوب أقفالُها؟

تعددت القوانين والأنظمة ويبقى دستور الحياة واحد، دستور إلهيٌ قائم على أساس تربوي وأخلاقي يرمي بالأساس إلى توجيه الخَلق للصراط المستقيم  وإشراق غسق الانحلال عن العقيدة والدعوة السمحة واللينة المليئة بالبراهين الشافية لأسئلة النفوس البشرية إلى الاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، فكان من رحمة الإله وحكمته أن أنزل آيات القرآن الكريم التي تُنزل السكينة على الصدور، المُضمدة للجراح  والحاملة بين أحضانها: أصول الفقه، الإعجاز (العلمي، البياني، الغيبي، والتشريعي)، والعظة والعبرة من الأقوام السالفة[1].

حيث تعددت أساليب الدعوة في القرآن الكريم فمنها ما يخاطب الألباب ومنها ما يخاطب الأفئدة، فكان من أهمها أسلوب الترغيب والترهيب، الذي أكده المفسرون، فهذا الزمخشري ينص على أن “من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار”، ويذكر ابن كثير أنه “كثيراً ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن…فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة، وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة، وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا؛ لينجع في كل بحسبه”[2]، فتمّثل هذا الأسلوب بآيات الوعد التي تُحفز في  نفس المؤمن الحماسة للشروع بفعل الأوامر المُكَلَّف بها ليحوز على الثواب الدنيوي والآخروي كما عَهِد له سبحانه في قرآنه العظيم فقال تعالى في سورة الدخان: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ(53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ(54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ(55)لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيم(56) فَضْلا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(57)}.

كما أنّ هذه الآيات المباركة تُوثِّق رباط الوداد بين العبد وربه لإنها تبعث في خافقه الشعور بالرضا الُمنطلق من طبيعة العلاقة الرابطة بين الله والمؤمن المبنية على عماد العطاء الرباني المعنوي والمادي للعبد الأوَّاب كثير الطاعات، بالإضافة إلى جعلها المسلم حليمًا على حاله أياً كان وزاهداً في ترف الدنيا ومتاعها لأنه مُتيّقن بالفوز العظيم من اللطيف الكريم وأنّه لا يُضيع أجر المحسنين، فكان هناك الكثير من الأمثلة على آيات الوعد لأشخاص صبروا وأطاعوا الله فبشرهم بأنّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا وما سيتمتعوا به من شراب وطعام لا مثيل له في الحياة الدنيا، فهذا جزاء العمل الصالح المُصَدّق باليقين (ومَن أحسنُ منَ اللهِ حُكماً لِقَومٍ يوقنون (المائدة(50)}.[3].

وهكذا يجب أن يكون ظن العبد بربه أنه الرحيم المعطاء مع عدم تعتيمه على الجانب الآخر الذي صرف الله تعالى الأنظار إليه بآيات الوعيد المُلاصقة لآيات التبشير لردع استمالة أهواء بني آدم للشهوات ولاستقامة  زيغ قلوبهم عن الحق، مثلما جاء بسورة الدخان التي تحدثنا عنها مُسبقا فهي لم تقتصر فقط على ذكر البُشريَات فقال تعالى عز وجل: ( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ(47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48))، فهذه الآيات العظيمة لها وَقعٌ خاص في الروح فهي تُثير الوجل والرعب فيها عندما تصدح و تتردد في المسامع مما يجعل الإنسان الحائد عن الطاعات المُنغمس بالمعاصي والذنوب يُفكر بالرجوع والإنابة إلى الله والعزم على التوبة النصوحة التي ستُنجيه من هذه الأهوال العظيمة الواصفة  لعذاب أهل النار وشرابهم ودركاتهم وكيفية نمط حياة الخلود في جهنم وبئس المصير، فهذا المضمون الخطير والمخيف الذي أنذرت به الآيات ليستدرك كلٌ منا نفسه ويَهُم بتصحيح ذاته سواء أكان ملتزما فيزداد التزاما وطاعةً واتقاناً للعبادات ليلوذ بالفرار من الدنو من هذا العقاب  إلى الفردوس الأعلى بإذن الله ورحمته، فإن لم يكن كذلك أي كان مُنقاداً وراء الشهوات ومُنحلاً عن الطاعات فيستذكر عاقبته الوخيمة والعياذ بالله، لذا يجب على الإنسان التفكر بآيات الوعد والوعيد والسعي لأخذ كل الدروس  المُستفادة منها والناصحة له مع الإطلاع على القصص القرآني الذي رافق العديد والعديد من آيات التبشير والتنبيه  لتعلم البشرية جمعاء أن وعد الله حق وأن ما أرسله مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام لم يكن سدى أوعبثا. [4]

فنرى نماذجا جما لمن أعموا أعينهم وصموا آذانهم عن الآيات ولم يأخذوا بالحكمة والدرس الذي تشير إليه،  فمنهم من نال وعيده  لأنه لم يذعن لها  ولم يؤمن بها كمن استهزؤوا بالبعث ومآل من لا يصدق به؛ لذا على الإنسان المسلم القويم  الحرص على عدم تجاهل آيات الوعيد وعليه أن يستنهض الهمة للأعمال الصالحة كي لا يكون من النادمين الذين كانوا  يمترون بوعيد الله الحق يوم لا ينفع فيه بيع ولا خُلّة ، وليكن حاله كحال الصحابة  رضيَ الله عنهم عندما  أنصتوا إلى الآيات القرآنية التي تتحدث عن العذاب  حيث وَجِلَت قلوبهم منها وزادتهم إيمانا كما قال تعالى : {إِنَّما المُؤمِنون الّذينَ إذا ذُكِرَ اللّه وَجِلَت قُلُوبُهُم وإذا تُلِيَت عليهم آياتُهُ زادَتهُم إيماناٌ}[5].

وبالحديث عن أهمية آيات الوعد والوعيد والدروس المُستفادة منها يتوجب على الإنسان الموازنة بينها فلا يجوز أن يكتفي بالقليل من الطاعات التي يظن بها أنه ضمن الفوز الأعظم بل يجب عليه المواظبة والإكثار من الأعمال الصالحة ما دام به نبض، محبةً لله و إقبالاً عليه وبالمقابل لا يجعل علاقته بالله علاقة خوف ورهبة شديدة تجعله  ينظر إلى الله بأنه شديد العقاب فقط، بل عليه أن يكون وسطاً بين رغبته برحمة الله وكرمه وجناته العُلا وبين رهبته من العزيز الجبار ذي البطش الشديد،  فروى الترمذي من حديث أنس: إني النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف». (الترمذي)[6]، فنسأل الله دائماً الثبات والطاعة، فقال عز وجل: (يُثّبتُ اللهُ الذين آمنوا بالقَول ِالثّابت في الحياةِ الدّنيا و فِي الآخِرةِ و يُضِلُ اللهُ الظّالمينَ ويَفعلُ اللهُ ما يشاء ( (سورة ابراهيم (27))[7].

وبعد هذه الكلمات المُطَولة والحروف التي حاولت جاهدة إصابة المُرام  الذي كان مفاده  أن ” لا مندوحة من التسليم بأن الكفار والمشركين والمنافقين والظالمين والمكذبين لا تلحق بهم شفاعة، ولا يكون لهم عفو، لما أكّده القرآن من وعد ووعيد. ولن يخلف الله وعده، سواء في الجنة أم في النار” (فرد، 2014م) [8] ، ولا جرم أنّ الكلمات حملت بين طياتها مدى أهمية هذه الآيات الكريمة وغايتها العظيمة التي أتضح  لنا من خلالها كم هي كبيرة  محبة الله لنا و رحمته الواسعة  بنا  حيث ولّى وجوهنا شَطرَ كل ما هو صالح لحياتنا في الدنيا والآخرة عن طريق سوره وكلماته التي تُرّتل في كل بيت مسلم مؤمن بالله تعالى مع أنه هو الغني عنا ونحن الفقراء إليه، فإن أراد الفرد منا أن يكتشف مطالب القرآن و مُراده عليه أن  ينفض النقع عنه الذي كساه بسبب طول الهجران ثم يتلوه حق تلاوته حتى يكون من الفائزين  (الُّذين آتيناهُمُ الكتابَ يتلونَهُ حقَّ تلاوتِهِ أولئكَ يؤمنون به ومن يكفر بهِ فأولئك هم الخاسرون (البقرة (121))[9].

 وقال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ, وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ, وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرّ…) (البخاري) [10]،  فلا يقرأه كلمحٍ بالبصر دون أن يفقه جماله الكامن  وإعجازه النادر على مر العصور والأزمان  كي لا يكون من الخاسرين.

لذا فلتحرص أخي المسلم على التفكر بالقرآن وفهم وتطبيق أوامر الله عز وجل التي وردت فيه، كما قال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (سورة محمد (24))[11]، واضعاً نُصب عينيك السعي وراء رضا الله  لأن التجارة مع الله لم ولن تبور لأنه لا يخلف الميعاد ، ولتكن مخافة الله تاجاً على رأسك فلا تتبع الشهوات ولا تلتفت إلى تشريعات البشر التابعة لهواهم (والله يريد أن يتوبَ عليكم ويريدُ الذين يتبعون َ الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً (سورة النساء آية (27))[12].

* آلاء الحسامية


  د.فضل حسن عباس. (1991). إعجاز القرآن الكريم [1]

 دراسات قرآنية . (22 4, 2012). تم الاسترداد من اسلام ويب: https://www.islamweb.net/ar/article/174203 [2]

  أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي،. (1999). الكتاب الحاوي في تفسر القرآن الكريم. لبنان: دار الكتب العلمية [3]

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي،. (1999). الكتاب الحاوي في تفسر القرآن الكريم. لبنان: دار الكتب العلمية [4].

سورة الأنفال آية رقم(2) [5]

محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي [6].

سورة ابراهيم آية (27) [7]

 الشيخ عارف هنديجاني فرد. (2014م). الوعدُ والوعيدُ في القرآن الكريم. لبنان: جمعية القرآن الكريم [8].

سورة البقرة (121) [9]

 محمد بن اسماعيل البخاري. (بلا تاريخ). صحيح البخاري برقم  5427.[10]

  1. سورة محمد اية (24)

  [12]  سورة النساء آية رقم (27)

إعجاز حتى في الوعد والوعيد

إنَّ أكثر ما ميز القرآن على مر العصور والدهور هو إعجازه وإتقانه، فكل كلمة فيه لم توضع سدىً، بل كل ناظر فيه سليم القلب والمنهج لا يغلق الدفة إلا وقد عجب من التنزيل الرباني المحكم و خر مقرًا بتنزه القرآن عن كل عائبة وشائبة الصقها به جاحد مغتر.

وها نحن الآن أمام خبر السماء الصادق نتدارس جزئية فيه وفصلا من فصوله نرى معها فصولا من عظمة ربٍ خلق كل شيء فقدره، وسنأخذ آيات الوعد والوعيد نموذجا.

هَلُم نلتقط طرف الخيط من قول ابن تيمية: “كلما كان الناس للشيء أحوج كان الرب به أجود”، وتمثل ذلك في كثرة البراهين التي تجيب حاجتنا للإيمان بربانية القرآن، بل أقصد لتطمئن قلوبنا![1]

سنتطرق إن شاء الله لآيات الوعد والوعيد بالتركيز على عدة نقاط مختصرة تجمع المستفاد منها، وإيلاء أهمية أكبر لآيات الوعيد لأنها هي من قد يُظن بها السوء. فاستمتع وتدبر فإنه قول ثقيل[2]. ولخصنا ذلك في المحاور الآتية:

التربية الأخلاقية للفرد
ميزان العدالة والقانون ومطرقة القاضيلم تقُم أمة أو دولة أو حتى بيت قط إلا على قانون يُؤَطرها و ينظمها، فإن افتتنوا بصنيع حمورابي فديننا هو الآخر أتى بهيكل تشريعي على هيئة خطاب إلهي لعباده مستعملا الوعد والوعيد للترهيب وللترغيب عملا بثقافة المكافأة والتهديد، التي دائما ما اسْتُعملت لزجر وخلق الحافز لنيل المراد، هذا لطبيعة الخطاب القرآني الموجه لكافة الأفهام فالبعض بإقناع عقله يفهم والآخر باستعطاف قلبه يعلم، أيضا ترفع هذه الآيات شأن كل من تحلى بالأخلاق الحسنة، نفع بها نفسه ومحيطه والأهم أنه اكتسب محبة ربه عز وجل فقارن ما ارتضينا لأنفسنا بهذا المقياس السماوي فالرافع الخافض فيه هو الخلق، وبه تُشَيد شخصية المؤمن المتعفف فهو يدرك أنه من العادون إن لم يحفظ فرجه فأمِنا شره وحُفظت الأعراض، وقلبه معلق بجنات المكرمون وذلك إن صان الأمانة وأقام الشهادة[3]، والأكثر أنه متصدق فيُطعم المسكين من الجوع، فيُبطل الله بوعده وتوعده وعدَ الشيطان[4].

انظر وتأمل ماذا يُؤمل من الوعظ بالوعد ومما يُنذر الوعيد فآياته تعالى لم تنزل إلا رسمًا للحدود ودرءًا للفساد والإفساد فقد قال سبحانه: “وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ”[5]، وقال تعالى:”مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا”[6]ـ فالهدف ليس الخلود في النار بل تنظيم دين الناس ودنياهم.[7]

جعل الرهبة لمن يستحقها
يدور معظم الخطاب القرآني حول توحيد الله ورد الفضل له في كل شيء فحتى آيات الوعيد قد نزلت لإنذار الناس ممن يستحق اتقاء عذابه و الحذر من غضبه، ولا نجادل في كونه رحيمًا وهو القائل: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ”[8] لكن هذا الترهيب يبخس العدو قيمته ويقلب الرعب بردًا وسلامًا على قلوبنا، فقد صدق من نطق قائلا: “الله ابعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد[9]“، فلا خوف إلا منه سبحانه”فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي”[10].

ومما لفت نظري أن لهذا أثر جلل على سلوك الأفراد فقد جاء في قوله تعالى: “قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ”[11]. فهذا أدل الدليل على أن خشيته تنزع من المؤمن هيبة الأعداء والخوف منهم وهذا نتاج لآيات الوعيد في سلوكهم وطمعهم في ما حملت آيات الوعد لهم[12].

السمو في الوعد والوعيد
عند استرسالنا في إثبات ربانية مصدر القرآن فإننا عادةً ما نستحضر الإعجاز البلاغي و العلمي وغيرها وهذا إن دل على شيء فلن يدل إلا على قوة الحجة وتعدد البراهين “قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ[13]، لكن ما نغفله هو اللغة القرآنية المتعالية عن خطابنا رغم أنها موجهة لنا نحن، فالقرآن راقٍ حتى في وعده ووعيده فتدبر قوله :”لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”[14]، هاهو التوعد والوعيد بالعذاب ثم بعدها مباشرة رحمة :” أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”، تهديد يخلع القلوب ثم يليه خطاب فيه استئناس وإرشاد كلام رب منتقم لكنه رحيم، عزيز لكنه حليم، فهذا ملخص ما ذكره د. إياد قنيبي في مقطع له بعنوان “علوية الخطاب القرآني”. فالقرآن يتعالى على النفس البشرية الانفعالية في التهديد والتوعد وتعاقب الكلام على نفس المنوال[15]. حقا إن لله طرائق بعدد أنفس الخلائق.

الوعد والوعيد في بعض الكتب “المقدسة”
والآن دعنا نعقد مقارنة سريعة في أصغر تفاصيل القرآن والكتب الأخرى (كالكتاب المقدس) لندرك عمق الاعتراف بنعمة الإسلام. فما هدف الوعد والوعيد فيها؟

الكتاب المقدسفي الكتاب المقدس: أحببت هنا الاستشهاد بقول ألبير بايه بعد دراسته المتقنة في هذا الشأن :”لنوجز حصيلة ما تقدم من دراستنا. إنها حصيلة بسيطة، لا أخلاق إنجيلية. فمن جهة أولى، توجد في الإنجيل أفكار متناقضة تتصل بما ندعوه اليوم الأخلاق النظرية. ومن جهة أخرى يوجد مذهب أخلاق عملية”[16]، فأين إذن وعد الإنجيل وتوعده من بث الأخلاق في النصراني وتربيته؟ وتجد في الإنجيل” فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً, طِفْلاً وَرَضِيعاً, بَقَراً وَغَنَماً, جَمَلاً وَحِمَاراً[17]، ونظائر مثل هذا في الإنجيل أكثر من أن تحصى، لكن حسبنا ما سبق مثالا بارزًا فليست كل الأديان يهدف وعدها ووعيدها إلى الإحسان والعدل والصدق وبناء شخصية مؤمنين يوصَفون بما وُصف به الأنصار-رضي الله عنهم- يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع[18]. فلهذا أضْحت (نصوص الجزاء في المسيحية) مُثلا لم ولن يكن لها أي رصيد واقعي في معاملات النصارى لمخالفتها الحس الطبيعي للإنسان.[19]

فكل لبيب جمع بين العلم والعدل حتما سيتبصر نور القرآن في ظلام الإنجيل لكن “وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ”[20].

المخاطب بالوعد والوعيد
مما لا ريب فيه أن الوعد والوعيد موجه لعامة الناس للشاب الصغير والشائب الكبير، لكننا نجد في القرآن تلك الصبغة الإلهية المفقودة في أغلب الكتب “المقدسة”، فالوعيد في القرآن يشمل حتى النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدا أن الحديث عن الله هو محور القرآن ومن الشواهد المعضدة لهذا قوله جل ثناؤه: “وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا”[21]والخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم فكرامته عند الله إذن مشروطة بعبادته وتوحيده، وقد قال تعالى”قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ”[22]، وفي الآية المخيفة “وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً[23].

 فحتى النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم من الوعيد وهذا لا يُبخس من كرامته شيئا فيَكفيه أنه رسول رب العزة جميعا، لكن قد نسأل أين وجه الإعجاز في أن يخاطب الرسول هكذا؟ الإجابة هي أن هذا الدين يتمحور حول تعظيم الله المستحق لا لشخص محمد صلى الله عليه وسلم، بشكل حصري عند الإسلام[24].

فهذا أبسط الدليل وكفاية لمن أراد الهداية لحقيقة ربانية القرآن، تنزيل العزيز الرحيم، فالمركزية له والولاء له لا لأحد من عباده، عكس ما يأتي به مدعو النبوات الكاذبة وأصحاب السير الذاتية.

فقارن هذا بذاك لتستشعر حجم الهوة واستمع لقول ابن تيمية رحمه الله:”فالإعجاز في المعنى أكبر وأعظم من الإعجاز في اللفظ وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه”[25]. حين يجتمع جمال المبنى بسداد وجلال المعنى!

تكرار الوعد والوعيد
عند قراءتك القرآن فلن تخطئ عينك التكرار فيه وخاصة للوعد والوعيد. فهل سيحمل لنا القرآن حِكما أخرى كما عودنا؟ فدعنا، تحريا للإجابة، نتمعن في آياته فربما[26] يعود علينا التفكير بالربح.  

  • بلاغيا: القرآن حتى وإن كرر وعده ووعيده ففي كل مرة أسلوب، وكل تارة إبهار، وكل كرة إعجاز يُفْحَم به المتحدي، يقول ابن تيمية “وليس في القرآن تكرار محض بل فوائد في كل خطاب”[27]، بل ويُستعصى على الكاتب الإبداع فيما قد سبق الكتابة فيه.

وعلق د. سامي عامري على هذا بقوله “فالمحافظة على أعلى درجات البلاغة عند تناول نفس الموضوع مرات متتالية ليس مألوف صناعة الأدب فإن التكرار فاضح لعجز الشاعر عن المحافظة على ما أصاب من الفصاحة”[28]، لكن القرآن استثناء في كل المحاسن.   

  • تربويا: لا يجب أن نغفل عن طبيعة القرآن فهو كتاب هداية وإرشاد فالتكرار ملمح من ملامح التربية الربانية للنفوس، عملا بالقاعدة ما تكرر تقرر، وأيضا لإقامة الحجة على من سفه نفسه. والتذكير لازم في كل صفحات القرآن “ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[29]. فما عدنا نعلم أيجب استغراب فن التكرار في القرآن أو استغراب من يَسْتغربها؟

متى نزل الوعد والوعيد ومتى غاب؟
القرآن الكريملا يُنزل الله حكما أو ينسخه أو يفعل ما شاء هو أن يفعل إلا وتعتريه حكمة عظيمة، كطريقة التنفيذ أو موعده مثلا، أخفاها عز وجل وفتح لها باب الاجتهاد أو أبانها إن شاء، فحتى إفشاء أو التستر على الحكمة حكمة !كيف لا “وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ”[30]، ولنا في توقيت حضور آيات الوعد والوعيد وفي توقيت غيابها عبرة، فقد تأخر الوحي عدة مرات، عند حادثة الإفك لم تنزل أية واحدة، إبان شهر كامل تتوعد بالعقاب لمن افترى على السيدة عائشة -رضي الله عنها- فلو كان القرآن من عند الرسول لكتب مسرعا تقديسا لنفسه ودفع السوء عنها مستعجلا!وذرني أزيدك من الشعر بيتا، لم تنزل آية واحدة لينتقم -النبي- لنفسه ويشمت ويشتم ويتوعد للكفار عند فتح مكة فقد أمِن مكرهم ويقول د. قنيبي”كان مُتوقعا لو كان من تأليفه أن يهجوهم ويسبهم هو الآن سلم من أداهم ومع ذلك..”[31] فقد همش القرآن الموضوع واستفاض في الحديث عن المنافقين وأهل الكتاب بعد اقتضاب في الحديث عن الكفار. فهنا غاب الوعيد حين كان متوقعا (لو كان القرآن بشريا) وحضر للتوعد للكفار فيما يتعلق بحق الله قال تعالى: “ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ”[32]، ولا تتفاجأ إن عَلمت أن مثل هذا الوعيد نزل والصحابة بسببه يُعذبون. فمما سبق يتضح أن القرآن يسمو عن الانفعال البشري وأن حق الله مقدَم على كل شيء. وبهذا يقطع القرآن الشك ودعوى بشرية القرآن بيقين أنه فرقان الحق[33]وأنه حبل الله[34]الممدود من السماء. فهل من متسلق[35]؟

وبهذا نختم رحلة التعلم من الوعد والوعيد وأحسب أن ما تقدم ولو قل لكنه كفى[36]. هاهو القرآن يرُد كيد الكائد في نحره فكل من استفهم الوعد والوعيد أتاه الرد البليغ “تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ”[37]. لهذا سيجد القرآن دائما صدى له في نفوس من ماثلوه لصريح العقل ولو أن هناك من آمن بدون نظم أي دليل أو ترتيب كلام، فأي مجد أبلغ من هذا نبتغي؟ !فإنزال الوعيد إذن هو عين العدل[38] لمن تعلق بقشة ظنها ستحجب نور الشمس.  

 

* بلخروف شعيب


[1]  اقتباس غير مباشر من حوار القرآن.

[2] اقتباس غير مباشر من سورة  المزمل الآية الخامسة.

[3] اقتباس غير مباشر من سورة المعارج الآيات:29-35.

[4] يقصد به الفقر كما جاء في القرآن.

[5] النساء 14 .

[6] النساء 147.

[7] من متعة التدبر ص:137

[8] الاعراف 156

[9] من خطاب ربعي بن عامر أمام رستم والقصة وجدتها في كتاب أولويات الحركة الإسلامية ص:135.

[10]  البقرة 150.

[11]المائدة 23.

[12]  من متعة التدبر ص:145.

[13]  الأنعام. 149

[14] المائدة . 73 

[15] من فيديو علوية الخطاب القرآني.

[16] مقتطف من براهين النبوة  ص:485 .

[17] صموئيل الأول  15 :3.

[18] مقتطف من كتاب أولويات الحركة الإسلامية  ص:74

[19] مقتطف من براهين النبوة ص:490 بتصرف يسير.  

[20] يونس 101.

[21] الإسراء 39.

[22] الزمر 13.

[23] الإسراء 75.

 [24] من فيديو علوية الخطاب  القرآني.

[25] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح الجزء الخامس ص:435.

[26] يُقصد بهذا الظن اليقين !

[27]  مجموع الفتاوى  408 /140.

[28]  براهين النبوة ص:227 .

[29]  الذاريات 55.

[30] الجاثية 37.

[31]  في مقطع له بعنوان علوية الخطاب القرآني بتصرف يسير .

[32]  الأنعام 93 .

[33]  ارتأينا إدراج هذا الاسم للسخرية من تلك المحاولة البائسة ونقصد محاولة تحدي القرآن.

[34] انظر قائمة أسماء القرآن لابن تيمية في كتاب أسماء القرآن وأسماء سوره ص:30 .

[35]  أسلوب اقتبسناه من مقال لإبراهيم السكران في كتاب شموع النهار الصفحة الأخيرة.

[36]  مستَلهم من حديث الرسول الصحيح:”ما قل وكفى خير مما كثر وألهى”.

[37] يوسف  111.

[38] من براهين النبوة  ص:35.

نداء الفطرة

إن الحيرة التي تضطرم في خلدك، والشتات الذي يعيث في عقلك، والتيه الذي تتيه فيه ويتيه فيك، والدوامة النفسية التي تقتات عليك، ما هي إلا رغبتك في المعرفة والوصول ولمس الحقيقة.

“رغبتك” تلك التي تجتاحك رغماً عن إرادتك، تقيمك من مقعدك، تزعج مرقدك، تحركك وتدفعك اتجاه بوصلة المعرفة لئلا تهوي إلى الهاوية فتُسحق وتهلك وتدوسك الدنيا ثم ترميك في غياهب الغياهب، فتتيه فوق تيهك، وتختنق وتغرق في لجة الظلام، ولجّة التيه، وتعجز عن لمس خيط من خيوط النور لأنك ستكون غائب في الغياهب منسي، لأنك لن تكون شيئاً يُذكر ولا يُرى، “رغبتك” في الوصول لإيمان كلّي لا تشوبه الشوائب، ولا تزعزعه النوائب، إيمان محفوف بالتسليم واليقين! 

“رغبتك” تلك ماهي إلا فطرتك التي فطرك الله عليها، فطرة أنك مخلوقٌ ضعيف تبحث دائماً عن إله يرحم ضعفك، يرمم تآكلك، يسد فقر وخواء روحك، تعبده وتعود إليه في وهنك، وهذا دأب البشر منذ أول الخليقة “تلبية نداء الفطرة”.

معنى الفطرة
الفطرة هي الخِلقة والهيئة السليمة المستقيمة التي لا عيب فيها وهي الجبلّة التي جُبل الناس عليها، أي أن الإنسان مجبول على التوحيد والعبادة ومهيأ نفسياً، أو بمعني آخر هي الوجدان الحي والغريزة الربانية التي تسير منطق العقل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوّدانه أو يُنصرّانه أو يُمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل ترى فيها من جدعاء) [رواه البخاري ومسلم في الصحيحين].

فلا يوجد بشري بخِلقة وفطرة غير سليمة أو معوجّة، ولو تجرد الإنسان من الهوى والكبر والعناد لاتبع سبيل فطرته السليمة ففي الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء، وإن أتتهم الشياطين فاجتاتهم عن دينهم) [صحيح مسلم].

ولقد تناول موضوع الفطرة المفكرين والفلاسفة بكثرة، فيقول جان جاك روسو على لسان قس الجبل لتلميذه “عش طويلاً… لا تصغي إلا لنداء البراءة، تذكر أن الوقاية من الطبيعة تضر المرء أكثر من معاكستها” [نداء الفطرة، ص 24].

فلو عاكست فطرتك وكبت مركب هواك فلن تجد له شاطئ ولا مرفأ ولعمري إنك ستغرق في غيك وتتيه في التيه أكثر ويقول أيضاً “كنت في حال من الحيرة والشك تلك التي يراها ديكارت ملازمة لكل باحث عن الحقيقة، وهي حالة نادراً ما تطول لما يصاحبها من قلق وعناء نفساني فلا يمكث فيها إلا من ساءت أخلاقه وخارت نفسه..” [نداء الفطرة، ص 26].

إليك خليل الله إبراهيم عليه السلام لمّا نادته فطرته فراح يلبيها ويتفكر ويبحث عن إلهه، فطرته التي جعلته يستنكر عبادة الأحجار والكواكب وغيره مستشعراً أن له رب واحد وإله عظيم لا يأفل ولا يغيب.. وها هو قد وصل، وإليك نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام لمّا اعتكف في غاره يتفكر تأبى نفسه السجود لصنم..  وقد وصل.

يقول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون} (الروم: 30) 

يقول سيد طنطاوي في الوسيط: أي: إذا كان الأمر كما ذكرت لك _ أيها الرسول الكريم _ من بطلان الشرك فاثبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله تعالى وحده، وأقبل على هذا الدين الذي أوحاه الله إليه بدون التفات عنه أو ميل إلى ما سواه.

قال صاحب الكشاف: قوله: فأقم وجهك للدين حنيفاً أي فقومه وعدله غير ملتفت عنه يميناً أو شمالاً وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوّم له وجهه مقبلاً عليه.

والمراد بالفطرة الملّة أي ملّة الإسلام والتوحيد أو المراد بها قابلية الدين الحق والتهيؤ النفسي لإدراكه…. أي اثبت أيها الرسول الكريم على هذا الدين الحق والزموا أيها الناس فطرة الله وهي ملة الحق التي فطر الناس عليها وخلقهم قابلين لها.

يقول ابن القيم رحمه الله “والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه وفطرة عملية وهي هذه الخصال، حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحى والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء، قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (رواه مسلم)، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن.

فكما أنك مفطور على تلبية حاجات بدنك وعلى حب الخير وعلى فضائل الأخلاق كالصدق والبرّ والتقوى والوفاء والتعاون. فإنك مفطور على الرجوع لله تعالى وتوحيده متبتلاً إليه مصغياً للنور الذي في قلبك.

هلمّ نلبي النداء
لعمري إنك لمؤمن ومصدق لكنك كما قلنا تائه تحسب مرة أنك قد وصلت وعرفت وأخرى تساورك الشكوك فتقف متحيراً تنظر وتتفكر وتقرأ الكون بكل جوارحك تركض هنا تهرول هناك…. تتعثر، تقوم، تعرج، تلهث، تصرخ، تكاد تلمس الحقيقة وهنا.. ههنا الامتحان ولا تجزع فهذا دأب الناس والأنبياء الذين تنزلت عليهم الرسالة حتى، فإبراهيم الخليل عليه السلام سأل ربه ليطمئن قلبه وموسى عليه السلام كذلك.

وكل إنسان يفتر ويبتعد ثم يبتعد أكثر يذوب وينصهر في بهرجة الدنيا وخداعها يتعب ويذوي لكنه يحتاج أن يعود إلى الله تعالى فطرته تحثه أن يعود فيعود بقلب أشعث، أغبر، كدر، خجلاً من هيأته كثيراً فيحوم ويحوم كي لا يعود رغم رغبته الجامحة في العودة والتعبد، لكن أين؟ لا بد لك أن تعود وتلبي نداء فطرتك كي تسكن وتستكين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره صحيح رواه الترمذي.

فتقف آنذاك بأكدارك وأوزارك، بأسقامك وآلامك، مطأطئ الرأس، جافي النفس، رافعاً يديك خجلاً وأملاً، خجلاّ من نفسك أملاّ برحمته، فتقول وتشرح وتدعو، تتندى عيناك، تنهمر، فتغسل روحك، عمق روحك، فلا تقوم إلا منتشٍ، رافع الرأس، خفيف الحمل، مضاء البصيرة، مرتاح السريرة.. هذا والله أول الوصول للسبيل فما بالك بآخره!!

يامن يرى مدّ البعوض جناحها            في ظلمة الليل البهم الأليلِ

ويرى نياط عروقها في جسمها            والمخ في تلك العظام النحّلِ 

أغفر لعبدٍ تاب من زلاته                  ما كان منه في الزمان الأولِ

وهنا أقول يالهنائي وهناؤك إن تتبعنا النور الذي في دواخلنا ووصلنا السبيل حيث لذة الوصول ونيل المنال، الوصول للحق والحقيقة لحظة أنك تستشعرها في قرارة نفسك وكلك يقينٌ مطلق، لحظة أنك ستصل معها إلى نفسك وتجدها فتعرف أنك عبداً لربٍ عظيمٍ تشعر بحضوره في حركاتك وسكناتك وأي كرمٍ وإحسانٍ ذاك!

يقول الشيخ علي الطنطاوي: “سيظل الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتصلوا بالله ويفكروا دائماً في أنه معهم وأنه يراهم ويسمعهم هنالك تصير الآلام في الله لذة والجوع بالله شبعاً والمرض صحة والموت هو الحياة السرمدية الخالدة، هنالك لا يبالي الإنسان أن لا يكون معه أحد لأنه بكون مع الله” [من حديث النفس، ص149].

* بيان باشا

يا بنيّ اركب معنا.. أبٌ كريم وابن كافر

أمواج عاتية صاخبة تضرب بقاع الأرض، رعبٌ ووجلٌ يزلزلان القلوب، وسفينة نجاة واحدة تشق وجه الماء. هناك كان الأب العطوف على ظهر المركب يدعو الله وحده ويوجه المسير لما رأى فلذة كبده في الماء يبحث عن أيّة بارقة أمل يتعلق بها. ناداه مشفقاً ملهوفاً ليركب معهم ولا يصيبه ما أصاب الكافرين فيهلك معهم في الدنيا والآخرة، فكان رد الصبي الغافل أن سيلجأ لجبل يحميه، رد الأب سريعاً راجياً لابنه النجاة. لكن قضاء الله أسكت الولد العاق وغيبه الموج القاتل إلى غير رجعةٍ أبدا.

قصةٌ مهولة تدور أحداثها أمامنا في سورة هود كأننا نشاهدها صوتاً وصورة [1]. كلنا قرأ القصة وتأثر بها، لكنني لم ألمس العواطف العميقة فيها حقاً إلا بعدما رزقني الله نعمة الأمومة وأحسست بالمسؤولية العظيمة الملقاة على كاهلي ممزوجة بمشاعر الحب والشفقة والرأفة التي يودعها الله تبارك وتعالى فينا. فهمت لوعة نوح عليه السلام لما علم أن ابنه هلك مع الكافرين واختار لنفسه سبيلهم إلى آخر لحظة.

نوح، أحد أولي العزم من الرسل الذي مكث يدعو قومه تسعمئة وخمسين سنة لا يكل ولا يمل ولا يدع درباً للدعوة إلا سلكه، يفجع بابنه لا يؤمن به ولا يوقن بالله حتى وهو يرى عذابه الموعود بعينيه،{قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43].

كيف يمكن ذلك؟ هل يعقل أن يكفر ابن النبي الذي اصطفاه الله لرسالته وأيده بوحيه؟ في القصة دروس عظيمة وعبر للتأمل قد تشق على النفس لأول وهلة، لكنها سرعان ما تولد سكينة وطمأنينة تنسجم مع حقيقة الإيمان والعبودية لله جلَّ وعلا.

إنهم أبناؤنا
تعلمنا قصة نوح عليه السلام مبدأً أساسياً ومهماً في التربية وهو انفصال الابن عن والديه عملاً وتوجهاً، وتحمله لمسؤولية اختياراته ونفسه أمام ربه سبحانه وتعالى، فكُفر ابن نوح عليه السلام لا يعكس بأي حال نقصاً في تدين نوح أو التزامه بما أمره مولاه تعالى، إنما هو كافرٌ اختار لنفسه درباً لم يملك أبوه إنقاذه منه.

طفل صغير محاط بملابس والدته كناية عن التربية الوقائيةكثيراً ما يدخل الآباء والأمهات دون إدراك منهم متاهة اجتماعية مرسومةً لهم تنتهي بتوطين نفوسهم على خدعة أن أبناءهم ملكٌ شخصي لهم لا يحق لهم الانفصال عنهم أبداً. ولهذا شواهد كثيرة، تبدأ منذ الطفولة لما تجبر الأم صغارها على ارتداء ما يعجبها من الثياب، وتصرّ على مساعدتهم في كل صغيرةٍ وكبيرة من شؤونهم. وكذلك يستمر الحال ويتفاقم حتى تصير مسؤوليات الأبناء كلها ملقاة على عاتق الأم ويغيب حق نفسها عليها. قد تواسي نفسها بأنها مثال للتفاني وبأن أبناءها سيردوا لها الجميل لاحقاً، لكن عظم هذه الأخطاء يظهر بعد سنين حين تتحول هذه الأم التي كانت المشفقة الحنون إلى أم زوجٍ أو زوجة شديدة الغيرة لا تستطيع أن ترى سعادة لأبنائها بعيداً عنها، كأن زواجهم صدمها بحقيقة أنهم ليسوا جزءاً منها!

لا أقول هنا أن كل الأمهات كذلك، لكن غياب معاني الإيمان وإعطاء النفس حقها وتجديد النية لله في العمل  والتجرد له يؤدي لهذه العاقبة مع الأسف. فمهمات التربية عظيمة ومجهدةٌ فعلاً، وقد ترى الأم نتيجتها في حياتها وقد لا تراها، فهي في ذلك تعمل وتجدُّ مبتغية وجه الله والدار الآخرة، لا منتظرة من أبنائها حمداً ولا شكوراً. فهم في نظرها أمانة من الله عندها وفرصة لتستكثر من الخير لآخرتها عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة.

إضافة إلى ذلك، فإن إمساك النفس عن التدخل في مهمات الأبناء وتصويبهم على الدوام قد يكون أصعب من العمل نفسه، خصوصاً مع ما عوّدنا عليه مجتمعنا وما صدرته لنا وسائل الإعلام من صور نمطية وتوقعات خيالية سواء عن دورنا التربوي أو عن حقوقنا على أبنائنا. فكثير من الآباء والأمهات يستثقلون ترك الابن يدرس بمفرده ويجد نتيجة عمله في الامتحان ويفضلون الإشراف بنفسهم على تدريسه ليكون الأول بين زملائه.

ومن المؤكد أن الأم ليست وحدها من تقع في هذا الخطأ، فكم من آباء عاقبوا أبناءهم بـ”الغضب” والطرد لما رفضوا دخول التخصص الذي أرادوا أو الزواج ممن اختاروا.

وأشبِّه هذا الخطأ التربوي بالمتاهة الاجتماعية لأن دخولها سهل لا يتطلب جهداً، إنما مجرد اتباع التيار، لكن النجاة منها تحتاج تحليلاً لما يدور فينا من أفكار وما تسبب في تكوينها على مر السنين إلى أن صرنا على ما نحن عليه اليوم. فكم من رسائل وصور تراكمت فينا حتى رسخت مبادئ وتوقعات مغلوطة صارت جزءاً من فكرنا وسلوكنا دون أن ندرك. وفي هذا المعنى يقول د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي أنه ينبغي أن نعي ما يردنا من مدخلات، ومن الضروري أن لا نترك مفاتيحنا في يد أهل الإعلام أو الإنترنت أو المجالس اليومية أو غيرهم، وذلك بتدريب النفس على مهارة التوقف والتفكير والعقل والتدبر [2].

ابن ضال لوالدين مستقيمين
قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].

أب وابنه يتبادلان أطراف الحديث وقت الغروبفرغم أهمية ما ذكرت من إعطاء النفس حقها وإمساكها في بعض المواضع عن تقويم خيارات الأبناء لتتدرب على انفصالهم عنها وتنمي استقلاليتهم وتحملهم لمسؤولية خياراتهم، فإن ذلك لا يعني أن على الأبوين أن ينسحبا من حياة أبنائهم ويتركا لهم الحرية المطلقة في كل الأمور، بل المراد تحقيق التوازن بين الإشراف والانسحاب. ومن المهم كذلك تأصيل المرجعية الحق في نفوس الأبناء ليعلموا ما العمل الذي يرضي الله وفيه سعةٌ للاختيار مما لا يرضيه تبارك وتعالى. يقول د. ابراهيم الخليفي أن علينا تعليم أبنائنا أنهم في كل لحظة مخيرين ليتعلموا مقارنة البدائل و تمييز الحق واختيار الفاضل ولو كان مراً على المفضول ولو كان حلواً [3].

ولذلك خطوات تبدأ بوعي الأبناء بحقيقة الوجود فهم ولدوا ليخلدوا بين انتقالات من ذر لرحم لدنيا لبرزخ لآخرة، وأن أمامهم في هذا الخلود السرمدي فرصةً قصيرةً ذهبية للعمل يتبعها الجزاء. والعدة للعمل هي معرفة ما يرضي الله سبحانه وتعالى وبناء الخيارات عليه [3].

والمهمة تختلف بحسب المرحلة العمرية للابن، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كخ كخ، ارم بها، أما علمتَ أنَّا لا نأكل الصدقة” [متفق عليه]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الحسن بن علي بنفسه ويصوب له سلوكه برفق ولين وهو بعد طفلٌ صغير.

أما إن كان الأبوان قائمين بما عليهما تجاه نفسهما وأبناءهما ثم كتب الله لأحد هؤلاء الأبناء الضلال فهذا لا يطعن في الوالدين البتة. ولعل ذلك من أهم الدروس المستفادة من قصة نوح عليه السلام مع ابنه الكافر، فضلال الولد لا يدل على تقصير والده. وللدكتور إياد القنيبي كلمة طيبة في هذا المعنى يقول فيها إن الشيطان قد يأتينا من باب الصدق ومحاسبة النفس في حال النوازل حتى يجرنا إلى الإحباط واليأس [4].

إن انحرف ابنك أو ابنتك فلتحاسب نفسك ولتراجع سلوكك وتربيتك له ولتدارك الأمر ولتصلح فيما تبقى، لكن لا تشعر بالفشل أو القلق فتصير غير قادر على التعامل بحكمة مع هذا الابن أو إخوته. ورغم صعوبة تقبل فكرة أن ابناً لك قد يكون ممن لم يشأ الله أن يهديهم, تذكر{إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبت} [القصص:56]، فاخضع لإرادة الله واقبل أن له سبحانه قدراً نافذاً قدّره قبل خلق الخلائق [4].

كلهم آتيه يوم القيامة فرداً
شخص يقف وحيدًاورغم ثقل وصعوبة حقيقة الأمر على الآباء والأمهات الحريصين على نفع أبنائهم، إلا أنها تبعث في النفس راحة وطمأنينة إلى عدل المولى سبحانه ورحمته بنا. فكلنا محاسبٌ عن نفسه مسؤول عن ذاته فقط، والله يملك هدايتنا وحسابنا جميعاً، فإن أدى المرء ما عليه أمام مولاه، كان أجره على العمل لا على نتيجته. يقول تبارك وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] فأعمالنا ستعرض عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة [5]، ولم تذكر الآية نتيجة العمل أو ثمرته. فالمجاهد يثاب بخوضه غمار المعركة لوجه الله انتصر على العدو أم لم ينتصر، وقد قال سيد قطب رحمه الله: “الدعاة إلى الله أجراء عند الله أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم، وليس عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير فذلك شأن صاحب الأمر ولا شأن الأجير” [6]. وسبحان الله كم يبعث الاستسلام له من راحة في النفس فهو سبحانه المتحكم بالخلق مالك نواصيهم، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، و{مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلعَبِيدِ} [فصلت: 41].

ولذا كان رد نوح عليه السلام استسلاماً لإرادة مولاه سبحانه وانقياداً لقضائه لما علم حقيقة الأمر فقال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47]. فيعلم العبد بذلك حده ومنتهى قدرته.

فلله الحمد كم في كتابه الكريم من عبر وفوائد، نسأل الله أن نكون ممن يعيها وينتفع بها. جعلنا الله أن نكون من أهل القرآن العالمين بمعانيه العاملين بما فيه، إنه قريب مجيب، بيده الخير وإليه يرجع الأمر كله سبحانه رب العالمين.

* تسنيم راجح


المصادر:

[1] سيد قطب، في ظلال القرآن

[2] د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، مقالة بعنوان: ألف باء العلوم – الحلقة الثانية: موجز فقه التفكير والعقل / الجزء الأول. موقع مركز مكاني.

https://makany.world/

[3] د. ابراهيم الخليفي، مادة مرئية بعنوان: موسوعة الأسرة – كيف نعلم أبناءنا تحمل المسئولية https://www.youtube.com/watch?v=Wv6LOzJqneU

[4] د. إياد القنيبي، مادة مرئية بعنوان: ابني الضال مشروع حياتي. https://www.youtube.com/watch?v=PKMvQc-LUeU

[5] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم

[6] سيد قطب، معالم في الطريق

خُذها ولا تخف

كتاب الله عز وجل المنزل على نبيه لا تنفدُ معانيه ولا كنوزه، وإنما يفيض دائماً على من تدبّره وقرأه وألزم نفسه فهم آياته، ولذا قال حبرُ الأمّة رضي الله عنه ابنُ عباس: “إنَّ القرآنَ ذو شُجون وفنون لا تَنقضِي عجائبُه ولا تُبلَغُ غايتُه”.[1]

إلّا أنَّ كتابَ العزيزِ عزيزٌ كمُنزلِه سبحانه وتعالى. {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} ]فصلت: 41[، فما كلُّ من يقرأُ القرآن يُفتَحُ له بابُ الفهمِ والعطاء، وما كلُّ من أراد فهم مرادِ الله عزَّوجل من كتابه أُعطِيَ سُؤلَه، إذ إنَّ العزيزَ لا يرضى إلّا بأعزِّ أوقاتك ورغباتِك حتّى يعطيَك من عزِّه وأنوارِه.

يقول الحقُّ سبحانه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ]محمد: 24] كيفَ إذاً بتدبُّر قصص الأنبياء وأحوالهم وما طرأ لهم في دعواتهم من عقباتٍ وامتحانات، فليست قصصُهم وقائع تاريخية كتبها أحدُ المؤرِّخين في مرجعٍ من مراجعِ التاريخ القديم للتسلية، إنّما هي عِبَرٌ ساقها الله لنا في كتابه الحكيم كي نسقطَها على واقعِنا الحيّ ونعملَ بمضمونِها.

ولذا قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}] يوسف: 111[.

وقال تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120[.

ثمّ ما أحسنَ حديثنا عن أولي العزم من الرسل[2] عليهم السلام الذين جدُّوا في سبيل إعلاء كلمة الله وإنجاح دعوتهم المباركة، ولعلّ سيدنا موسى عليه السلام أحد أكثر الرّسل الذين طرق ذكرُهم وخبرُهم سمْعَنا، فمن قصة قذفه في اليمّ إلى تكليم الخالق سبحانه له، إلى قصة موعده مع السحرة وهزيمته لهم وما جرى له في “مدين”[3]، وإلى ما يقرؤه المسلمون في كل يوم جمعة عن قصته عليه السلام مع سيدنا الخضر وما حوته هذه القصة وهذه السورة المباركة من دروس جمّة.

إلا أنّ صدى قصة بدء “التكليف” بالرسالة يبقى متردِّداً في أذهان المسلمين على اختلاف أعمارهم وأحوالهم، فما منّا أحدٌ إلا قد سمع بقصته عليه السلام وما أراه ربُّه سبحانه من الآيات الكبرى والمعجزات المبهرة في اللقاء الأول.

عصا موسى
يقول سبحانه وتعالى في ذكر قصة سيدنا موسى عليه السلام: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى{17} قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى{18} قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى{19} فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى{20} قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى{21} وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى{22} لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى{23}}] طه: 17-23.[

وعلاوة على ما تحويه هذه الآيات من إخبارٍ بقصة سيدنا موسى عليه السلام وما أيده به اللهُ عزّ وجل من آيات كبرى لنصرته في دعوتِه، فهي تضم بين سطورها دروساً تربويّة عظيمة أدّب اللهُ بها نبيه عليه السلام وعلّمه بها حقيقة الدنيا ومتاعها، تهييئاً له لمهمته الدعوية التي وُجِّهَت لرأس الإفساد في الأرض وقتَها (فرعون).

فبعد هولِ اللقاء بين موسى (الإنسان) والرب سبحانه وتعالى، خاطب اللهُ عزّ وجل نبيَّه بخطابٍ وُديّ لتخفيف هول الموقف على سيدنا موسى فقال له {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} فما كان من سيدنا موسى إلا أن أجاب ربَّه {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}.

فما هذه العصا إلا (دنيا) موسى النبي عليه السلام، فهي تعينه في سيره وفي عمله وفي حاجاته المختلفة، فأراد الحقُّ سبحانه أن يبينَ لمصطفاه حقيقة هذه “الدنيا” التي بين يديه فأتاه الأمرُ مباشرةً: {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى}، فما كان من العبد إلّا أن يطيعَ ربَّه: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} وهنا أدرك سيدنا موسى  عليه السلام مراد ربِّه في تعريفه حقيقة الدنيا ومتاعها فما هي إلا {حَيَّةٌ تَسْعَى}.

وحقيقةً، كلُّ ما سوى الله فالالتفات إليه والانشغال به عن اللهِ كالحيّة المهلكة لك، فهو ما أراد الله أن يريَه عبدَه الذي هو بصدد الاصطفاء لتبليغ رسالة الفطرة والتوحيد، وانت خبيرٌ أنَّ الدعوة إلى الله لا تتمّ إلا باصطفاءٍ من الله وإذن. قال تعالى: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}  ]الأحزاب: 46[.

الفهم الخاطئ لمعنى الزُّهد
فهل أمر اللهَ عزّ وجل رسوله عليه السلام بأن يتجرد من الدنيا كلها بمتاعها وبما فيها وأن يملأ وقته بذكر الله وعبادته فقط بعيداً عن الدنيا؟

إنّه لمعيبٌ أن يفهمَ القارئُ القصةَ على هذا النحو، ولذا تابع الله كلامه مبيّناً: {قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى}، فما إنْ عرِف النبيُّ الكريم حقيقة الدنيا وأنها حيّةٌ مهلكة تنفث السم فيمن تعلّق بها وكانت في قلبه حتّى أمره الله عزّ وجل أن يأخذ دنياه مرةً أخرى، لكنْ هذه المرّة {وَلا تَخَفْ}.

فإنّ الإنسان لا يُخشى عليه من الدُّنيا إذا عرف حقيقتَها الخبيثة المخبّأة خلف زينتها، وبذا تغدو الدنيا في يدِ الإنسان لا في قلبِه فما الدنيا ومتاعها محرمة على الإنسان المسلم، على العكس تماماً إنما الدنيا قد جُعِلَتْ للإنسان المسلم، ألم تسمعْ قولَه تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ]الأعراف: 32[.

الجمع بين الدِّين والدُّنيا
إذن، ما يضرُّ الشاب المسلم أن يكون متعلّماً من علوم الدنيا (الرياضيات والفيزياء والجغرافيا والطب)؟ ألم يأمر النبيُّ الكريم السيدةَ الشفاءَ –رضي الله عنها- أن تعلمَ زوجَه حفصة من علوم الطب والكتابة؟[4]

وما يضرُّه أن يكون ذا مالٍ كثير وقد علم أن ثروة عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه- قد بلغت ما يساوي 1088 مليون دولار، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة؟[5]

أو ما يعيبُ الشاب المسلم أن يتعلم اللغات والثقافات وقد سمع أمر النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود فتعلمها في نصف شهر؟ [6]

وما يعيبه أن يروِّحَ عن نفسه ساعة من النهار، وقد قرأ عن نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أنه كان يسابق زوجه عائشة ويلاعبها ضاحكاً؟ [7]

ففي حين تقرأ قوله سبحانه وتعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور} ]الحديد: 20[، تسمع أمرَه لعباده بأخذ الأسباب الدنيوية من علوم ومال وقوة عسكرية: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} ]الأنفال: 60[.

وأنت خبيرٌ أن القوة اليوم في عصرنا هي: المال والعلوم على اختلاف أنواعها (اقتصادية، طبيعية، عسكرية).

الدُّنيا سبيلٌ لنصرةِ المسلم
ثم إن قصة عصا موسى لم تقِفْ هنا، فما إن جُمِعَ السحرةُ لميقاتِ يومٍ معلوم ووقعت المعركة التاريخية بين السحرة وبين النبي الكريم حتى عادت “عصا” موسى إلى واجهة القصة!

فجاء الأمرُ من البارئ عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون} ]الأعراف: 117[

إنَّ اللهَ عزّ وجل أمر نبيه في الموقفين بإلقاء عصاه، فحينما كان غير مدرك لحقيقة دنياه التي بين يديه خشي منها وولى هارباً، {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} ]النمل: 10[، ثمّ ما إن فهم حقيقة دنياه وأخرجها من قلبه وسخرها في سبيل دعوته إلى الله عزوجل حتى صارت “عصاه” سبباً لفوزه وهزيمتِه لسحرةِ فرعون.

{قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} ]طه: 68-69[، فالدنيا (العصا) هي ذاتُها لكنَّ موقف القلب منها مختلف.

إنَّ هذه المعاني العميقة والدروس المنيرة قد علّمها البارئُ سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، كيف لا وقد نزلت هذه الآيات الكريمات على قلبه الشريف!

ثم ما لبث نبيُّنا الكريم أن علّمها لأصحابه -رضوان الله عليهم- فما كان صحابة نبينا بعيدين عن الدنيا، جهلاء بعلومها أو فقراء رثةً ثيابهم فارغة عقولهم إلا من العبادة ورعي الأغنام كما يُصوَّرُ لنا اليوم، بل على العكس تماماً، فها هو “القارئ المُقرِئ” سيدنا عبد الله بن مسعود كان أنيقا يُعرَف بريحة طيبه وعطره بين الصحابة [8]، وها هو سيدنا خالد بن الوليد الذي كان سيفا للإسلام وقائداً عسكريّاً لا يُبارَى بشهادةِ العدوِّ والصّديق[9]، ومعلومٌ لديك أنّ صحابة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كانوا زعماء الإعلام أو (الميديا) وقتَها [10].

أما عن المال والتجارة، فحدِّث ولا حرج، فحدِّث مثلاً عن الصحابة المبشرين بالجنة الذين كان معظمهم ذوو ثرواتٍ هائلة تقدَّر بملايين ومليارات الدولارات كعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم.

ربانيَّة لا رهبانيَّة
فما إسلامُنا دينُ فقرٍ وبُعدٍ عن الدنيا وأهلها أو عزوفٍ عن الزواج ولزومٍ لمحراب المسجد، إنما هو ترشيدٌ لهذه الدنيا التي بين أيدينا وسعيٌ لتسخيرِها خدمةً للبشرية وفي سبيل إعلاء كلمة الله عزوجل ودعوة الناس إلى سبيل الحق ودين الفطرة وعندها تسعد البشرية جمعاء بدين الله في الدنيا والآخرة، فهذا النوع من الرهبنة غير مقبول في دينِنا الربانيّ.

عَنْ أنَس بِنْ مالِك رضي الله عنه قال: “إنَّ رهطًا من الصحابَةِ ذهبوا إلى بيوتِ النَّبِيِّ يسألونَ أزواجَهُ عن عبادتِهِ فلمَّا أُخبِرُوا بها كأنَّهُم تقالُّوها أي : اعتبروها قليلةً ثُمَّ قالوا : أينَ نحنُ مِن رسولِ اللَّهِ و قد غَفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ و ما تأخَّرَ ؟ فقال أحدُهُم : أما أنا فأصومُ الدَّهرَ فلا أفطرُ و قال الثَّاني : و أنا أقومُ اللَّيلِ فلا أنامُ و قال الثَّالثُ : و أنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلمَّا بلغ ذلك النَّبيَّ بيَّنَ لهم خطأَهم و عِوَجَ طريقِهِم و قال لهم : إنَّما أنا أعلمُكُم باللَّهِ و أخشاكم له و لكنِّي أقومُ و أنامُ    وأصومُ و أفطِرُ و أتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي”[11].

 واللهُ تعالى أعلم.

* طارق صوان
هذا المقال هو الفائز بالجائزة الرابعة في مسابقة “باحثو المستقبل”


الهوامش

[1]  أخرجه الطبري في مقدمة تفسيره {70،67} عن ابن مسعود بنحوه

[2]  هم خمسةٌ، وهم أكثر الأنبياء معاناةً مع أقوامهم وصبراً على أذاهم، وما تبوّؤا تلك الدّرجة وما استحقوا تلك الصّفة إلا بسبب ما قدّموه وما بذلوه وما تحمّلوه من أقوامهم من الأذى والتعذيب والصدِّ عن دين الله، ومنعهم من إيصال دعوتهم للناس، وتبليغها كما أمرهم الله سبحانه وتعالى، وقد ذكرهم العلماء بالتّفصيل، وبيّنوا مراتبهم وهم: خاتم النّبيين سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام، وأنبياء الله نوح، وموسى، وإبراهيم، وعيسى عليهم أفضل الصّلاة والتّسليم.

[3]  ]القصص: )22-28[ (

  [4]  سنن أبي داود {ج4/342}

[5]      قال الحافظ ابن حجر في {الفتح}: {حميع تركة عبدالرحمن بن عوف ثلاثة آلاف ألف ومئتي ألف {3،200،000} }، وهو ما يعادل 1088  مليون دولار.

  [6]   انظر الإصابة في تمييز الصحابة {ج1/561}

 [7] انظر كتاب السنن الكبرى للنسائي حديث {7711}

  8 نجوم في فلك النبوة ص 82

[9]  انظر كتاب {الفتوح العربية الكبرى} للمستشرق والمؤرخ البريطاني هيو كينيدي

[10]  نقصد تزعمهم الشعر العربي وبراعتهم فيه والذي كان الوسيلة الإعلامية وقتها، ومن شعراء الصحابة البارزين: حسان بن ثابت- كعب بن مالك-      عبد الله بن رواحة رضوان الله عليهم 

[11]  انظر البخاري {1975}، ومسلم {1159}

تدبّر آيات الدّعاء في الفاتحة

يعاتب الله تعالى عباده عتاباً يرتعد له الجنان على تولّيهم عن تدبّر هدي البيان الّذي فيه صلاحهم ونجاتهم، فيقول في محكم تنزيله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[1]. وممّا لا شكّ فيه أنّ قراءة سورة كسورة الفاتحة سُمّيت بأمّ القرآن[2] سبعة عشر مرّة في اليوم واللّيلة دليل على أهمّيتها البالغة بما فيها من فيض لا ينضب، وكنوز لا تفنى، وأنّ فيها صلاح الدّنيا والآخرة.

يقول د. ناصر العمر في فضل سورة الفاتحة: “وفيها تحقيقُ التَّوجُّه إلى اللهِ تعالى بكمال العبوديَّة له وحده؛ بإثبات استحقاقِه لها؛ لتفرُّده بالرُّبوبيَّة؛ والإقرار له بالألوهيَّة، وسؤاله الهدايةَ إلى طريق المُنعَم عليهم، القائمينَ له بالعبوديَّة التَّامَّة، ومجانبة طريق المغضوب عليهم والضَّالِّين”[3].

فالأولى بنا أن نجاهد أنفسنا على تدبّر ما جاءت به هذه الآيات العظيمة الّتي اختُصّت بها أمّة خير البشر سيّدنا محمد ﷺ من مقاصد وآداب فيها صلاح أمرنا، وشفاء صدورنا، وتحقيق كمال عبوديّتنا لله تعالى[4].

معنى التّدبّر

التّدبّر في لسان العرب: هو التّأمّل والتّفكّر على مهل، والنّظر في العاقبة[5]، والمراد بتدبّر آيات الدّعاء هو ما أورده الشيخ عبد الرّحمن حبنّكة: “والتّدبّر هو التفكّر الشّامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة”[6]. وأساس التّدبّر هو الإخلاص والسّعي وراء الصّواب، وقد يطلق التّدبّر على العمل كما أورد د. خالد اللّاحم: “قد يطلق التّدبّر على العمل لأنّه ثمرته، وللتلازم القويّ بينهما كما في قول عليّ بن أبي طالب: “يا حملة القرآن، أو يا حملة العلم؛ اعملوا به فإنما العالم من عمل بما عَلِم”[7]. وقال الحسن البصريّ: “وما تدبّر آياته إلّا باتّباعه”[8].

قواعد التدبّر

لتدبّر آيات الدّعاء في سورة الفاتحة علينا أن ننظر إلى السّورة بشكل كامل، وأن نتفكر في أوجه العبر والمقاصد التي ترمي إليها في بدايتها، وجوهرها ونهايتها، ويجب علينا مراجعة ما ذكره أئمة الإسلام من تفاسير مختلفة ومفاتح وقواعد تعيننا على تدبّر هذه الآيات العظيمة.

قسّم علماء القرآن قواعد التّدبّر إلى قواعد تدبّر قلبي، وقواعد تدبّر عقليّ.

التّدبّر القلبي

من قواعد التّدبّر القلبيّ لآيات الدّعاء في سورة الفاتحة التّفاعل مع الآيات وتحريك القلب والمشاعر، وسؤال الله سبحانه أن يجعلنا من القوم المهتدين عند ذكرهم والاستعاذة به عند ذكر أحوال القوم الضّالّين[9].

روي عن سيّدنا محمّد ﷺ في حديث حذيفة بن اليمان أنّه: “كان يقرأ القرآن مترسّلاً: إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ”[10]. قال د. اللّاحم في التّدبّر القلبيّ لآيات الدعاء في سورة الفاتحة: “وهو التّفاعل مع آيات الهداية إلى الصّراط المستقيم، وهو صراط الّذين أنعم الله عليهم أن فتح لهم أبواب كتابه، ويسّر لهم العيش في رحابه، فعندما تقرأ الفاتحة فأنت تدعو الله تعالى أن يرزقك حبّ كتابه العظيم ليحصل لك بذلك الغوص في أعماقه والنّجاة به في الحياة الدّنيا والآخرة”[11].

وقال إبراهيم السّكران: “فإذا نطقت بجملة {إِيَّاْكَ نَعْبُدُ} تهاوت أمام ناظريك كلّ المألوهات من دون الله.. {إِيَّاْكَ نَعْبُدُ} هي جوهر مشروع صلاحك وقاعدة نهضتك ومعيار تقدّمك، وخطة تنميتك”[12].

وتدبّر آيات الهداية في الفاتحة فيه استذكار لواحد من أهداف قراءة القرآن الكريم وهو مناجاة الله سبحانه، والاستعانة به على أن يرشدنا الطّريق السّويّ[13]، وفيها تفكّر في حال أولئك القوم الصّالحين الّذين ضرب الله مثلهم في أمّ الكتاب، والاستعاذة بالله تعالى ممن سَلك مسلك من سمعوا القول فلم يعملوا به فغضب الله عليهم، ومن تنكّبوا عن السّير على صراطه المرشد فكانوا من القوم الضّالّين.

التّدبر العقلي

من قواعد التّدبّر العقلي: النّظر فيما ورد من أسباب نزول[14]، والتفكّر في التّفاسير المختلفة[15]، واستخلاص رسائل القرآن الكريم[16].

النّظر فيما ورد من أسباب نزول:
أورد السّيوطيّ أنّ: “الأكثرون ذهبوا على أنّ سورة الفاتحة مكّيّة، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}[17][18]. واستدلّ من قال إنّها نزلت بالمدينة بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف، وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، والطّبراني في الأوسط من طريق مجاهد بن أبي هريرة: “رنّ إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب، وأنزلت بالمدينة”.

وذهب بعضهم إلى أنّها نزلت مرّتين مرّة بمكّة، ومرّة بالمدينة، مبالغةً في تشريفها[19]، وأنّها نزلت من تحت كنز العرش[20].

وعلى القول الأول، فإن سبب نزول سورة الفاتحة يعود إلى حادثة وقعت بين رسول ﷺ وورقة بن نوفل، فيقول أبو ميسرة إن “رسول الله ﷺ كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمّد، فإذا سمع الصّوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، قال: فلما برز سمع النّداء: يا محمّد، فقال: لبّيك، قال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثمّ قال: قل: الحمد لله ربّ العالمين، الرّحمن الرّحيم، مالك يوم الدّين، حتّى فرغ من فاتحة الكتاب”[21].

جاءت سورة الفاتحة على الهيئة المتعارف عليها في السّور المكية، إذ ذكرت أهمّ الأسس في العقيدة الإسلامية وطرق تأسيسها في نفوس المسلمين، وفيها دعوة إلى توحيد الله، والاستعانة به على الثّبات في خوض رحلة الصّراط المستقيم، وأنّها ضمّت عنصرين أساسيّين من عناصر الرّؤيا القرآنية، وهي إثبات أنّك مكلّف بالخلافة، وأنّ لديك تخويلاً منه عزّ وجلّ للعمل، ومهما كان ومهما حصل ستظلّ تثني عليه، لأنّك تعلم أنّه أعطاك كلّ مقوّمات الاستخلاف في الأرض والتّغيير وأسبابهما[22].

التفكّر في التّفاسير المختلفة
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}:
ذكر ابن كثير أنّ العبادة في اللّغة مأخوذة من الذّلّة. وفي الشّرع هي ما يجمع كمال المحبّة والخضوع والخوف. وقُدّم المفعول وكُرّر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلّا إيّاك، ولا نتوكل إلّا عليك، وهذا هو كمال الطّاعة[23].

ويقول ابن عاشور في تفسير آيات الدّعاء في سورة الفاتحة: “نبّه الله تعالى قراء كتابه وفاتحي مصحفه إلى أصول التّزكيّة النفسيّة بما لقّنهم أن يبتدئوا بالمناجاة التي تضمّنتها سورة الفاتحة من قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إلى آخر السّورة. فإنّها تضمّنت أصولاً عظيمة: أوّلها التّخلية عن التّعطيل والشّرك بما تضمّنته {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، الثّاني: التّخلّي عن خواطر الاستغناء عنه بالتّبرّؤ من الحول والقوّة تجاه عظمته بما تضمّنته {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، الثّالث: الرّغبة في التّحلّي بالرّشد والاهتداء بما تضمّنته {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، الرّابع: الرّغبة في التّحلّي بالأسوة الحسنة بما تضمّنته {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، الخامس: التّهمم بسلامة تفكيرهم من الاختلاط بشبهات الباطل المموّه بصورة الحق، وهو المسمّى بالضّلال، لأنّ الضّلال خطأ الطّريق المقصود بما تضمّنته {وَلاَ الضَّالِّينَ}. وقد فسّر الصّوفيّة العبادة بأنّها فعل ما يرضي الرّب، والعبوديّة بالرّضا بما يفعل الرّب”[24].

وذكر ابن القيم في الاستعانة: “والاستعانة تجمع أصلين: الثّقة بالله والاعتماد عليه”[25]. وقال ابن تيمية: “تأمّلت أنفع الدّعاء فإذا هو في سؤال الله العون على مرضاة الله، ثمّ رأيته في الفاتحة، في {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين}”.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
وهو الدّعاء الذي اختاره الله لنا، أن نسأله الإرشاد والتوفيق في متابعة نهجه ونهج رسوله –وهو الصّراط المستقيم– الّذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الله الّذي لا يقبل من العباد غيره. وبكلمة المستقيم إيماءة إلى أنّ الإسلام واضح الحجّة، قويم المحجة، لا يهوى أهله إلى هوة الضّلالة[26].

وللهداية أنواع منها: توفيق الله. وهي على نوعين: هداية عامّة: وهي هداية الخلق لما ينفعهم ويصلح شؤونهم. وهداية خاصّة: وهي الهداية إلى الحقّ، إلى الإسلام والإيمان[27]. ومن الصّفات التي تقودك إلى الهداية: الاعتصام بحبل الله، وطاعة الله ورسوله واتّباع سنّته وهديه، والصّبر واليقين [28].

وإنّ المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع شؤونه كلّها، حتّى في الدّوام على ماهو متلبّس به من الخير للوقاية من التّقصير فيه أو الزّيغ عنه[29].

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}:
هدي الّذين أفيضت عليهم النّعم كاملة، وهم خيار الأمم السابقة من الرّسل والأنبياء[30] والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين[31]، لا طريق من علموا الحقّ ولم يعملوا به وجحدوه، فغضب الله عليهم، وهم اليهود، ومن سار على منهاجهم وطريقهم. ولا طريق الضّالين الذين لا علم عندهم، يعملون بلا علم، يعبدون الله على جهل، وهم النّصارى، ومن سار على شاكلتهم[32].

وهناك قوم حرمهم الله تعالى من الهداية والعياذ بالله، فهم من اتّصفوا بصفات منها: الكفر، الظّلم، الفسق، الخيانة، الكذب، والإسراف[33]. وهناك بعض الأمور والعبادات التي تعين على تجاوز الصّراط نذكر منها: ملازمة بيوت الله تعالى، مسامحة النّادم، قضاء حوائج المسلمين، والشّفاعة لهم[34].

استخلاص الرسائل
الفاتحة تعني: الفتح، وهو إزالة حاجز عن مكان مقصودٌ وُلُوجُه[35]، فكانت استفتاحيّة للغوص في كنوز كتاب الله. واستهلال الفاتحة بحمد الله سبحانه والثناء عليه كما أورد الزّركشي رحمه الله هو سرّ من أسرار الألوهيّة[36]، ويمثّل الكلّية الأولى في التّصور الإسلاميّ، ويقرّر حقيقة العلاقة بين العبد وربّه[37].

يعلّمنا الله سبحانه في سورة الفاتحة آداب الدّعاء وأصول مخاطبة العظماء بمدحه بداية والثّناء عليه، وذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، ثمّ إقرار مقام عبوديّتنا له وهو أشرف مقامات كمال المحبة والخضوع والخوف، ثم سؤاله التّوفيق والإلهام إلى طريق الحقّ والثّبات عليه، لأنّنا دائماً في حاجة واضطرار إلى مقصود هذا الدّعاء، وهو جاء بعد تمجيد الله سبحانه والتوسّل إليه بعبوديتنا له، فالدّاعي به حقيق بالإجابة[38].

وفي آيات الدّعاء في سورة الفاتحة معانٍ جليلة، فيها إقرار بإخلاص العبادة لله تعالى، ورفض الاستعانة إلّا به، وسؤاله مجانبة طريق المغضوب عليهم والضّالّين.

وبعد ذكر فضائل ودلالات آيات الدّعاء في سورة الفاتحة، حريّ بنا أن نجتهد في تدبّر مقاصدها خير اجتهاد، وبأن ننتهج منهج من أنعم الله عليهم بالفوز بخيريّ الدّنيا والآخرة.

قال رسول الله ﷺ: “اقرَؤوا، يقولُ العبدُ {الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: حمدني عبدي. يقولُ العبدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أثنى عليَّ عبدي. يقولُ العبدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: مجَّدني عبدي. يقولُ العبدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فَهذِهِ الآيةُ بيني وبينَ عبدي ولعبدي ما سأل. يقولُ العبدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فَهؤلاءِ لعبدي ولعبدي ما سألَ”[39].

* فرح الترك
هذا المقال هو الفائز بالجائزة الثالثة في مسابقة “باحثو المستقبل


الهوامش

[1] سورة محمد، 24.

[2] كتاب أحكام القرآن، الإمام الشّافعي، ص74.

[3] كتاب تدبّر سورة الفاتحة، ناصر العمر، ص 14.

[4] كتاب تدبّر سورة الفاتحة، مرجع سابق، ص21.

[5] معجم المعاني الجامع.

[6] كتاب قواعد التّدبّر الأمثل لكتاب الله، عبد الرّحمن حسن حبنّكة الميدانيّ، ص10.

[7] كتاب مفاتح تدبّر القرآن والنّجاح في الحياة، خالد اللّاحم، ص21.

[8] مصنف عبد الرزاق: (5984).

[9] مفاتح التّدبّر، مرجع سابق، محاضرة 1.

[10] رواه مسلم.

[11] كتاب مفاتح تدبّر القرآن والنجاح في الحياة، مرجع سابق، ص30.

[12] كتاب الطّريق إلى القرآن، إبراهيم السّكران، ص61.

[13] كتاب مفاتح تدبّر القرآن والّنجاح في الحياة، مرجع سابق، ص48.

[14] كتاب قواعد التّدبّر الأمثل لكتاب الله، مرجع سابق، ص96.

[15] مفاتح التّدبّر، فاضل سليمان، محاضرة 2.

[16] مفاتح التّدبّر، مرجع سابق، محاضرة 4.

[17] سورة الحجر، 87، مكّيّة.

[18] كتاب الإتقان في علوم القرآن، الإمام السّيوطيّ، ص60.

[19] كتاب تنبيه الغافلين، أبو اللّيث السّمرقندي، ص318.

[20] كتاب الإتقان في علوم القرآن، مرجع سابق، ص60.

[21] كتاب العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر، ص224.

[22] سلسلة كيمياء الصّلاة، عالم جديد ممكن، أحمد خيري العمري، ص39.

[23] مختصر تفسير ابن كثير، ص23.

[24] تفسير التّحرير والتّنوير، الطّاهر بن عاشور، ص152.

[25] كتاب مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، ابن القيّم، ص13.

[26] تفسير التحرير والتّنوير، مرجع سابق، ص200.

[27] كتاب تأمّلات في سورة الفاتحة، عبد الله بصفر، ص91.

[28] كتاب تأمّلات في سورة الفاتحة، مرجع سابق، ص 98.

[29] تفسير التّحرير والتّنوير، مرجع سابق، ص191.

[30] تفسير التّحرير والتّنوير، مرجع سابق، ص199.

[31] مختصر تفسير ابن كثير، مرجع سابق، ص24.

[32] كتاب تدبّر سورة الفاتحة، مرجع سابق، ص59.

[33] كتاب تأمّلات في سورة الفاتحة، مرجع سابق، ص96.

[34] كتاب تأمّلات في سورة الفاتحة، مرجع سابق، ص109.

[35] تفسير التّحرير والتّنوير، مرجع سابق، ص130.

[36] كتاب البرهان في علوم القرآن، الإمام الزّركشيّ، ص118.

[37] كتاب في ظلال القرآن، سيّد قطب، ص16.

[38] كتاب تقريب مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، مرجع سابق، ص25.

[39] صحيح النّسائي.

فضل الداعية وآدابه في القرآن

الحمد لله الذي خصَّنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة والسلام على صاحب الوجه الأزهر، سيدنا محمد الزَّكِيِّ الأطهر.

نَعَمْ، نِعَمُ الـمُقَفَّى ليس تُحصى        وتلخيص المقالة فيه أجدرْ

لأن الأُفْــق مهما قُلــتُ فيـه       من الزهر الدراري، فهي أكثَرْ

وفضلُ البحر لم يُدرِكهُ وصف         وَعَدُّ الموجِ مِنْهُ ليس يُحصَرْ[1]

وبعد، فإن الله سبحانه وتعالى خَصَّ هذه الأمة بخصائص تميزها عن سائر الأمم، فخَصَّنا تعالى بما شرَّف الله به المرسلين، وبما هو سبب رئيس لحفظ الدين، ألا وهو الدعوة إلى الله رب العالمين، وهي -بعد الأنبياء- وظيفة العلماء والمصلحين، وأحسن الأقوال إلى السميع العليم، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

أولا: تعريف الدعوة إلى الله

عرَّفها الشيخ محمد أبو الفتح البَيَانُوني بأنها: “تبليغ الإسلام للناس، وتعليمه إياهم، وتطبيقه في واقع الحياة”[2].

وجمع الشيخ في كتابه “المدخل إلى علم الدعوة” مجموعةً من التعاريف، اختار بعدها هذا التعريف ودلَّل على رجاحته وأَسْهَب، فأُحِيلُكم عليه خشية الإطالة[3].

ثانيًا: حكم الدعوة إلى الله

أ-في حق الأنبياء: فرض عين؛ لقوله تعالى: )يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( [المائدة: 67].

ب-في حق غيرهم: فرض كفاية؛ لقوله تعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [آل عمران: 104]، “فقَد حَوَتْ هَذِهِ الْآيةُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: وجوب الْأمْرِ بالمعروف والنهي عَن الْمُنْكَرِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ إذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ”[4].

وهي آكد في الوجوب الكفائي في حق العلماء لقوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ( [البقرة: 159، 160]، “وهذه الآيةُ وإن كانت نازلةً في أهل الكتاب، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله”[5]، ولكن إن ترتَّبَ على العالِم ضرر لا يستطيع تحمله، فعندئذ يجوز له أن يترك الدعوة لقوله تعالى: )لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا( [البقرة: 286].

ثالثًا: مكانة وفضل الداعية

أ-الداعي في أعلى المراتب عند الله، لقوله تعالى: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( [فصلت: 33].

ب-الدعوة وظيفةُ أشرف الخلق وأنبلهم، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: )يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا( [الأحزاب: 45، 46].

ج-القيام بالدعوة علامة على الإيمان، بل هي الفارق بين الإيمان والنفاق، قال تعالى: )الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ( [التوبة: 67] ثم قال بعد ذلك: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [التوبة: 71] قال القُرطُبي رحمه الله: “فَجَعَلَ تَعَالَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَخَصَّ أَوْصَافِ الْمُؤْمِنِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ”[6]

د-الداعي من خِيار الناس، لقوله تعالى: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [آل عمران: 110] “فهذه الآية الكريمة أفادت معنيين: الأول: خَيرِيَّةُ هذه الأمة، والثاني: أنها حازت هذه الخيريَّة لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”[7]، وفي الأثر: “قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الناس خير؟ قال: «خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ»”[8].

رابعًا: شروط وأخلاق وآداب الداعية

أ-الإخلاص لله
وهو أن تجعل دعوتك لله، لا لأمر من أمور الدنيا، فهكذا كانت دعوةُ الأنبياءِ عليهم السلام، يقول تعالى على لسان سيدنا هود عليه السلام: )يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ( [هود: 51]، وقال تعالى على لسان ذلك الرجل الصالح: )اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ( [يس: 21]، “فهم ليسوا يَدْعُون الخَلق طَمَعًا فيما يُصِيبُهم منهم من الأموال، وإنما يَدْعُون نصحا لهم، وتحصيلا لمصالحهم”[9]، ولسانُ حالِ كلِّ واحدٍ منهم: )إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ( [هود: 88].

ب-العلم
لقوله تعالى: )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( [يوسف: 108]؛ “أي: على علم ويقين”[10].

“وقد أمر الله به وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( [محمد: 19]، فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العلم شرطٌ في صحة القول والعمل”[11].

قال ابن تيمية رحمه الله: “فَلَا بُدَّ من هَذِه الثَّلَاثَة: العلمُ، والرِّفقُ، وَالصَّبْرُ؛ العلمُ قبل الْأَمر وَالنَّهْي، والرِّفقُ مَعَه، وَالصَّبْرُ بعده، وإن كَانَ كلٌ من الثَّلَاثَة لَا بُدَّ أن يكون مُسْتَصْحَبًا فِي هَذِه الأحوال”[12].

وهنا يجب التنويه على أن “مَنْ عَلِمَ مسألةً وجَهِلَ أخرى فهو عالمٌ بالأولى جاهلٌ بالثانية، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما عَلِم دون ما جَهِل، ولا خلاف أن من جَهِل شيئاً أو جَهِل حكمه أنه لا يدعو إليه، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة. وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقَدْر الذي يعلمه”[13].

ج-العمل بما يدعو إليه
قال تعالى على لسان سيدنا شعيب عليه السلام: )وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ( [هود: 88]، “أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتَكِبه”[14]

وقال تعالى: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( [فصلت: 33]، “أي: هو فِي نَفْسِهِ مُهْتَدٍ بِمَا يَقُولُهُ، فَنَفْعُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وليس هو مِنَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَأْتُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَأْتُونَهُ، بَلْ يَأْتَمِرُ بِالْخَيْرِ وَيَتْرُكُ الشَّرَّ وَيَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى”[15].

وهذا الشرطُ ضروريٌ؛ لأن الناس تقتدي بالأعمال أكثر من الأقوال “ومما يدل على ذلك أن البخاري بوَّب بابًا قال فيه: (باب الاقتداء بأفعال النبي r)، ثم ساقَ الحديث: اتَّخَذَ النَّبِيُّ r خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: «إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ»، فَنَبَذَهُ، وَقَالَ: «إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.

قال ابن بطال: (فدَلَّ ذلك على أن الفعل أبلغ من القول)”[16]

وقد وبَّخ الله تعالى بني إسرائيل لأنهم يأمُرون بالبر ولا يفعلونه، وذلك في قوله تعالى: )أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ( [البقرة: 44]، يقول السعدي رحمه الله: “وهذه الآية وإن كانت نزلت في سببِ بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ(، وليس في الآية أنَّ الإنسان إذا لم يَقُم بما أُمِرَ به أنه يَتْرُكُ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمرُ غيرِه ونهيُه، وأمرُ نفسِه ونهيُها، فَـتَرْكُ أَحَدِهِما، لا يكون رخصةً في ترك الآخر”[17].

“وَقَالَ سَعِيدُ بْنَ جُبَيْرٍ: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَصَدَقَ، مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شيء!”[18]

د-الصبر
لقوله تعالى: )يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ( [لقمان: 17]، قال ابن كثير رحمه الله: “عَلِمَ أَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَهُ مِنَ النَّاسِ أَذًى، فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ. وَقَوْلُهُ تعالى: )إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ( أَيْ: إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى أَذَى النَّاسِ لَمِنْ عَزَمِ الْأُمُورِ”[19]

“إن الصبر للداعي أشد ضرورة له من غيره، لأنه يعمل في مَيْدَانَين؛ ميدانُ نفسه، يجاهدها ويحمِلُها على الطاعة ويمنعها من المعصية، وميدانُ خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة إلى الله، ومخاطبةِ الناس، فيحتاج إلى قدْرٍ كبير من الصبر في الميدانَيْن، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمل الأذى، فإن فَقَدَ الصبر قَعَدَ أو انسحب من الميدان وحَقَّ عليه الحساب وفاته الثواب”[20]

ه-و-الحكمة والموعظة الحسنة
لقوله تعالى: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ( [النحل: 125]، “جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخَلق؛ فالمستجيبُ القابلُ الذكيُّ الذي لا يعاند الحق ولا يَأبَاه: يُدعى بطريق الحكمة؛ “يعني بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلم الأشياء بحقائقها”[21].

والقابلُ الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.

والمعاندُ الجاحد: يُجَادَل بالتي هي أحسن”[22].

ومن مظاهر الحكمة، التدرج في الدعوة، “ففِيمَا يُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ ابْنَهُ عَبْد الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَا تُنَفِّذُ الْأُمُورَ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي لَوْ أَنَّ الْقُدُورَ غَلَتْ بِي وَبِكَ فِي الْحَقِّ. قَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَعْجَلْ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَرَّمَهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّي أَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملةً، ويكون من ذا فتنة”[23].

ز-اللين والرفق
قال تعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ( [آل عمران: 159]، “أي: لو كنت سيء الْكَلَامِ، قَاسِيَ الْقَلْبِ عَلَيْهِمْ لَانْفَضُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوكَ”[24].

وقال تعالى: )وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ( [العنكبوت: 46] “فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى فرعون في قوله: )فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى( [طه: 44]”[25].

وذكر القرطبي رحمه الله قولاً في سبب وصف ملكة سبأ كتابَ سيدنا سليمان عليه السلام بــ)كَرِيمٌ( كما في قوله تعالى: )قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ( [النمل: 29]: “وَقِيلَ: وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ، لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ لِينِ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُسْنِ الِاسْتِعْطَافِ وَالِاسْتِلْطَافِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَضَمَّنَ سَبًّا وَلَا لَعْنًا، وَلَا مَا يُغَيِّرُ النَّفْسَ، وَمِنْ غَيرِ كَلَامٍ نازلٍ وَلَا مُسْتَغْلَقٍ، عَلَى عَادَةِ الرُّسُلِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”[26].

* عبد الله مرهف سقا
هذا المقال هو الفائز بالجائزة الثانية في مسابقة “باحثو المستقبل”


فهرس المصادر والمراجع

  • أحكام القرآن للجصاص، ط دار الكتب العلمية 1994م.
  • الاستقامة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط جامعة الإمام محمد بن سعود 1403ه.
  • أصول الدعوة، د. عبدالكريم زيدان. ط مؤسسة الرسالة ناشرون 2002م.
  • تفسير ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، ط دار الكتب العلمية 1419ه.
  • تفسير البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، ط دار طيبة 1997م
  • تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي المعروف بالخازن، ط دار الكتب العلمية 1415ه.
  • تفسير السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، ط مؤسسة الرسالة 2000م.
  • التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، ط دار ومكتبة الهلال 1410ه.
  • الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، ط دار الكتب المصرية 1964م.
  • ديوان الإمام المؤرخ الأديب ابن حبيب الحلبي، ط دار الكتب العلمية 2017.
  • المدخل إلى علم الدعوة، محمد أبو الفتح البيانوني، ط مؤسسة الرسالة 2014م.
  • مسند أحمد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، ط عالم الكتب 1998م.
  • مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، 1994م.
  • الموافقات، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، ط دار ابن عفان 1997م.

الهوامش

[1] الأبيات من ديوان الإمام المؤرخ الأديب ابن حبيب الحلبي صـ110، ط دار الكتب العلمية 2017.

[2] “المدخل إلى علم الدعوة” للشيخ محمد أبو الفتح البيانوني صـ 17.

[3] انظر المصدر السابق صـ 14-19.

[4] انظر أحكام القرآن للجصاص، ط العلمية (2/ 37).

[5] انظر تفسير السعدي (ص: 77).

[6] تفسير القرطبي (4/ 47).

[7] أصول الدعوة د. عبدالكريم زيدان (ص: 348).

[8] مسند أحمد (6/ 432).

[9] تفسير السعدي (ص: 556).

[10] تفسير السعدي (ص: 406).

[11]انظر مقومات الداعية الناجح، سعيد القحطاني، صـ15.

[12] الاستقامة (2/ 233) لشيخ الإسلام ابن تيمية.

[13] انظر أصول الدعوة د. عبدالكريم زيدان (ص: 353).

[14] تفسير البغوي (4/ 196).

[15] انظر تفسير ابن كثير (7/ 164).

[16] مقومات الداعية الناجح، سعيد القحطاني، صـ323.

[17] انظر تفسير السعدي (ص: 51).

[18] انظر تفسير القرطبي (1/367-368).

[19] تفسير ابن كثير  (6/ 302).

[20] انظر أصول الدعوة، د. عبدالكريم زيدان (ص: 397).

[21] انظر تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل (3/ 107).

[22] انظر التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم (ص: 359).

[23] الموافقات (2/ 148).

[24] تفسير ابن كثير ط العلمية (2/ 130).

[25] تفسير ابن كثير ط العلمية (4/ 526).

[26] تفسير القرطبي (13/ 191).

الترغيب والترهيب في القرآن الكريم

من أساليب خطاب الدعوة إلى الله تعالى في كتابه: الترغيب والترهيب ، ولهما آثار مختلفة في نفس المدعوّ. وقد شغل ذلك فكري فترة غير قصيرة، لاهتمامي بتحليل الخطاب الدعوي السائد، فهناك مَن يُركِّز على الترغيب برحمة الله وصولاً إلى تقبُّل التفريط بالواجبات، وهناك مَن يُركِّز على الترهيب من غضب الله، فيُقنِّط من رحمته ويُعرِّض مستمعيه لقلق نفسي. فوجدت أن عليَّ أن أُؤصِّل الموضوع من القرآن، ورأيت في مسابقة “باحثو المستقبل” منصَّة ملائمة لعرض بحثي، عسى أن ينفعنا الله به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.

أولاً: الترغيب

لغةً: رَغِبَ ورغَّب في الشيء إذا جَعَله يحرص عليه(1).

واصطلاحًا: ما يُشوِّق إلى الاستجابة وقَبول الحق والثبات عليه(2)، فهو وعد يصحبه إغراء بمتعة آجلة مؤكَّدة مقابل القيام بعمل صالح ابتغاء مرضاة الله(3).

والمتدبِّر للقرآن يجد الحثَّ على مختلف الأعمال الصالحة، فالله يعِد المحسنين من عباده بالتوفيق في الدنيا، وبالنعيم في الآخرة. وأهم ما رغَّب به القرآن: عبادة الله تعالى، وطاعة النبي r، واتباع القرآن، والصلاة والزكاة، والإيمان باليوم الآخر، والجهاد في سبيل الله، والتوبة، والحِسبة، وتقوى الله، والجنة، والصبر(4).

  1. الترغيب بعبادة الله تعالى:
    إن جوهر دعوة الأنبياء عليهم السلام هو توحيد الله تعالى وتنزيهه ودعوة الناس لعبادة ربهم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21-22].

 قال السعدي(5): “وهذا أمر عام بالعبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وتصديق خبره، فأمرهم بما خلقهم له، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]”(6).

  1. الترغيب بالصلاة والزكاة:
    لهذَين الركنَين أهمية بالغة في حياة المسلم، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ} [البقرة: 110]. والصلاة أقوى أسباب الاتصال بين العبد وربه، وإيتاء الزكاة تُوثِّق الصلة بين الأغنياء والفقراء ثم بينهم وبين الله تعالى.
  2. الترغيب بالإيمان باليوم الآخر:
    لا تتحقَّق حقيقة الإيمان بالله إلا بالإيمان باليوم الآخر لتلازم المبدأ والمعاد. قال تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].
  3. الترغيب بالتوبة:
    أخبر تعالى عباده بسعة كرمه وحثَّهم على الإنابة والتضرُّع إليه، ونهاهم عن اليأس من رحمته، فيدفعون وساوس الشيطان التي ترد على فكرهم لتُبعدهم عن طاعة الله تعالى وتُهلكهم. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]. لذلك نجد أن روح الدعوة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كي لا ينزلق الناس إلى الإسراف في المعاصي والذنوب.
  4. الترغيب بالجنة:
    يُرغِّب الله تعالى عباده بجنات الخلد ويُعزِّز في نفوسهم حبَّها، فشَوْقُهم إليها يدفعهم للتفاني والتضحية بما يملكون للحصول على وعد الله لهم، فتسهل عليهم الصعاب وتهون أمامهم المشقات، في سبيل الجزاء الموعود من ربهم. قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72].

قال الصابوني(7):”جناتٍ وارفة الظلال، تجري من تحت أشجارها الأنهار لابثين فيها أبدًا، لا يزول عنهم نعيمها، ولهم فيها منازل يطيب العيش فيها في جنات الخلد، قصور من اللؤلؤ والياقوت، ورضوان الله أكبر من ذلك كله”(8).

ثمرة الترغيب: الرجاء برحمة الله
هي النتيجة المرجوّة من تكرار أسلوب الترغيب برحمة الله في القرآن الكريم، وتفاعل القلب مع هذه المؤثرات فيمتلئ أملاً بتوبة الله ومغفرته رغم كل ما يقترفه العبد من تقصير وجرأة على المعصية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

والرجاء عبادة قلبية تظهر آثارُها على إيمان المسلم وسلوكه، فأعمال القلوب كما يقول ابن القيم(9): “أفْرَضُ على العبد من أعمال الجوارح، وعبوديَّةُ القلب أعظَمُ من عبوديَّة الجوارح”(10).

وتظهر آثار الرجاء على إيمان المسلم وسلوكه:

فمِن آثارِه الإيمانية: إظهار العبودية والحاجة إلى ما يرجوه من ربه ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفةَ عين. والرجاء يبعث المؤمن على مقام الشكر، فكلما اشتد رجاؤه وحصَل له ما يرجوه ازداد حُبًّا لله تعالى وشكرًا له ورضي به وعنه.

ومن آثاره السلوكية: أن أهله أكثر الناس تأسِّيًا بالنبي ﷺ، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. ومَن رجى الله حسُن ظنه به، وحُسن الظن يرفع درجة العبد عند ربه، قال النبي r: “يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي” متفق عليه.

ثانيًا: الترهيب

لغةً: التخويف، ويُقال: رهب الشيء، أي خافه(11).

واصطلاحًا: ما يُحذِّر من عدم الاستجابة أو رفض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله(12)، أو هو تهديد بعقوبة تترتَّب على اجتراح ذنب نهى الله عنه، أو التهاون بأداء فريضة أمر الله بها(13).

والمتأمِّل في القرآن يُلاحظ الترهيب من المعاصي والآثام التي لا يرضاها الله لعباده، فيتوعَّد الله كل ضالٍّ بالخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة. ويُحذِّر الله في كتابه من: الكفر بالله ومعصيته ومعصية رسوله r، وإنكار اليوم الآخر وقيام الساعة، واتباع الشيطان، واتباع الهوى، والظلم، وأكل الربا، والنفاق، ورمي المحصنات، ونار جهنم(14).

  1. الترهيب من الكفر بالله تعالى:
    رهَّب تعالى من الكفر بالله وعدم الإيمان به؛ لأنه من المعاصي التي لا تُغتفر، والكفر بالله أعظم الكفر؛ لأنه كفر بكتبه ورسله وملائكته وآياته ونعمه، وكل ما أراده الله معتمد على إثبات وجوده ووحدانيته. لهذا نجد الوعيد ترهيبًا لكل مَن كفر بالله فيتجنَّب الناس الكفر به. قال تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [الملك: 6-8].
  2. الترهيب من الظلم:
    قال تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [البقرة: 270]، وقال النبي r: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” أخرجه مسلم. وقال البغوي(15): “ما للظالمين من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله يوم القيامة”(16).
  3. الترهيب من اتباع الهوى:
    ورد النهي عن اتباع هوى النفس لأنه يؤدي إلى غير النهج القويم، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50]. قال السعدي: “لا يوجد أحد أضل منه بعمله هذا، فمن اتَّبع هواه كان من أضل الناس وأشقاهم”(17).
  4. الترهيب من قيام الساعة:
    إنه اليوم الذي يشيب فيه الولدان، حين يخرج الناس من قبورهم للحساب، وتتكلَّم الجوارح فاضحة أعمال صاحبها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1-2].
  5. الترهيب من نار جهنم:
    ورد الترهيب من نار جهنم في القرآن بصيغ مختلفة وبألفاظ متعدِّدة منها: النار، السعير، سقر، الحريق وغيرها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. قال الطبري(18): “فالله يُرشدنا إلى حفظ أنفسنا وأهلينا ووقايتها من النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، ثم يُحذِّرنا من وقودها التي يوقد عليها المـُعرِضون عن شرع الله والحجارة، ثم يصف زبانية جهنم بأوصاف مخيفة: غلاظ شداد لا يخالفون أمر الله فيما يأمرهم به”(19).

ثمرة الترهيب: الخوف من الله
مع رحمة الواسعة فإن الله لا يُرَدّ بأسُه عن المجرمين، قال تعالى: {فإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147]، وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} [الحجر: 49-50]، قال الشوكاني(20): “لَمَّا أمر رسوله بأن يُخبر عبادَه بهذه البشارة العظيمة أمرَه بأن يذكر لهم شيئًا مما يتضمَّن التخويف حتى يجتمع الرجاء والخوف ويتقابَل التبشيرُ والتحذيرُ ليكونوا راجين خائفين”(21).

والمؤمن كلما رأى آيات الله في الكون، يزداد خوفه من عظمة الله، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، ولا يغترَّ بعمله الصالح مهما زاد، قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]. وقال تعالى: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 3]، قال ابن كثير(22): “شَدِيدِ الْعِقَابِ لمـَن طغى وآثَر الحياةَ الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى.. يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضعَ متعددةٍ من القرآن ليبقى العبدُ بين الرجاء والخوف”(23).

الخاتمة
تبيَّن لنا في البحث مدى التوازن الدقيق بين الترغيب برحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، والترهيب من غضبه وعذابه الذي يستحقُّه كلّ مَن أعرض عن الهدى. والجدير بالمؤمن العاقل أن يُوازن بين رجائه بعفو الله وغفرانه دون تقصير بالواجبات، وبين الخوف من غضب الله وعقابه دون يأسٍ أو قنوطٍ. وبذلك تقوم العلاقة الروحية المتوازنة بين العبد وربّه جل شأنه.

قال ابن القيم: “لا بدَّ للعبد في سيره إلى الله من الجمع بين ثلاثة أركان، والعبادة كالطائر، فالحُبّ بمنزلة الرأس، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأسُ والجناحانِ فالطائرُ جيد الطيران، ومتى قُطِعَ الرأسُ مات الطائرُ، ومتى فُقِدَ الجناحانِ فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر”(24).

* خالد خضر بيضون 
هذا المقال هو الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة “باحثو المستقبل”


الهوامش

(1) الجوهري إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، تحقيق، :أحمد عبد الغفور عطار (رغب) :  1/137، دار العلم للملايين، بيروت- لبنان، الطبعة الرابعة 1990 م.

(2) عبدالكريم زيدان، أصول الدعوة، مكتبة الانجلو المصرية القاهرة ، 1395 ه – 1975 ص/ 670.

(3) أحمد علوش، الدعوة الاسلامية اصولها ووسائلها، دار الكتب اللبنان، بيروت، 1987 م، ص/257.

(4) كفايت همداني، الترغيب والترهيب في السياق القرآني، مجلة القسم العربي، جامعة بنجاب، لاهور- باكستان، العدد الثاني والعشرون، 2015 م، ص/ 98.

(5) عبد الرحمن بن ناصر السعدي الناصري التميمي، هو الشيخ العلامة أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر السعدي الناصري التميمي، ويعرف اختصاراً ابن سعدي، ولد في 7 أيلول 1889م وتوفي في 24 كانون الأول 1956م.

(6) ابن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2002، ص/ 45.

(7) مُحمَّد علي الصَّابُونيّ: أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة في العصر الحديث، ومن المتخصصين في علم تفسير القرآن، وهو مؤلف كتاب صفوة التفاسير، ولد في حلب عام 1930م، وتوفي في 15 شباط 2015م.

(8) محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، دار القرآن الكريم بيروت، المجلد الأول، ص/ 548.

(9) ابن القيم: هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي المشهور باسم “ابن قيّم الجوزية” أو “ابن القيّم”. هو فقيه ومحدّث ومفسَر وعالم مجتهد وواحد من أبرز أئمّة المذهب الحنبلي في النصف الأول من القرن الثامن الهجري. ولد في 7 صفر 691ه وتوفي في 13 رجب 751ه.

(10) ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، دار علم الفوائد، المجلد الثالث، ص/ 1148.

(11) خليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين (رهب): 4/47.

(12) عبدالكريم زيدان، أصول الدعوة، مكتبة الانجلو المصرية القاهرة ، 1395 ه – 1975 ص/ 670.

(13) زياد العاني، أساليب الدعوة والتربية في السنة النبوية، رسالة ماجستير،كلية العلوم الإسلامية جامعة بغداد، 1995 م: 212.

(14) كفايت همداني، الترغيب والترهيب في السياق القرآني، مجلة القسم العربي، جامعة بنجاب، لاهور- باكستان، العدد الثاني والعشرون، 2015 م، ص/ 104.

(15)  الحافظ البغوي هو إمام حافظ وفقيه ومجتهد، واسمه الكامل “أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي”، ويلقب أيضاً بركن الدين ومحي السنة. أحد العلماء الذين خدموا القرآن والسنة النبوية الإسلامية، دراسة وتدريساً، وتأليفاً، توفي سنة 516ه.

(16) الحافظ البغوي، تفسير البغوي، دار طيبة، المجلد الأول، ص/ 335.

(17) ابن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2002، ص/ 724.

(18) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، مفسّر ومؤرّخ وفقيه، ولُقِّبَ بإمام المفسرين، ولد بآمُل عاصمة إقليم طبرستان سنة 224ه وتوفي سنة 310ه في بغداد.

(19) الإمام الطبري، تفسير الطبري، مؤسسة الرسالة، المجلد السابع، ص/ 330.

(20) محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الملقب بـبدر الدين الشوكاني، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها، ومن كبار علماء اليمن ولد في هجرة شوكان في اليمن 1173 هـ ونشأ بصنعاء، وولي قضائها سنة 1229 هـ ومات حاكمًا بها في سنة 1250 هـ.

(21) محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير، دار المعرفة، الطبعة الرابعة 1428ه -2007م، ص/ 763.

(22) هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضَوْ بن درع القرشي الحَصْلي، البُصروي، الشافعي، ثم الدمشقي، مُحدّث ومفسر وفقيه، ولد بمجدل من أعمال دمشق سنة 701 هـ، وتوفي سنة 774ه.

(23) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار ابن حزم، ص/ 1634.

(24) ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين 1 /514.

فتور العبادات بعد شهر الصيام.. دعوة لشد الهمم في كل الشهور

بين حزن الفراق وفرحة العيد ودَّعنا منذ أيامٍ قليلة شهر الخير والبركة والصيام والقيام، شهر رمضان الذي منَّ الله به علينا ليمنحنا فرصة الاقبال على بابه وتجديد صلتنا به تبارك وتعالى. رمضان الشهر المبارك الذي تصفد فيه الشياطين وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار. وكم من مذنب فينا ومخطئ انتهز تلك الأيام والليالي ليجتهد لآخرته ويقدم لنفسه راجياً عفو مولاه الكريم، فلما بلغ العيد استشعر الفرح برحمة ربه، وحقَّ له {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]. وها نحن أولاء الآن أمام اختبار العودة لروتين الحياة المعتادة، فهل نحافظ على مكاسب الشهر الفضيل بعد أن تركتنا روحانياته؟ أم نرجع إلى نقطة البداية ونكون كمن عبد أياماً معدودات لا ربَّ كل الأزمنة والأوقات جلَّ وعلا؟

مراجعة للنفس بعد رمضان

لو أن شريكين دخلا تجارة ضخمة وضعا فيها كل أموالهما، أليس من الطبيعي لهما أن يحددا مواعيد للمحاسبة المكشوفة وتقييم الربح والخسارة كل مدة؟ ألا نتوقع منهما دقةً عالية في محاسبة بعضهما خوفاً من أي خطأ أو تفريط؟ فإن كان التجار يحرصون على مراقبة معاملاتهم وهم جلَّ ما يخشون خسارته مالٌ قليل في ميزان الله، فكيف بنا ونحن نتاجر بأنفسنا ونعرضها لاحتمال شقاء أبدي لا قدر الله؟ فكلنا في بيع وشراء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها” [رواه مسلم].

وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله: إن رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي. وموسم هذه التجارة جملة النهار وشريكه نفسه فليحاسبها على الفرائض أولاً ثم النوافل وليستقصي حالها أمام المعاصي. وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها فينبغي أن يتقي غبينة النفس ومكرها في كل ساعة من النهار [1]. قال تبارك وتعالى: {يا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَّا قَدَّمَت لِغَدٍ, وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ} [الحشر:18]، أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم [2].

ولما كان رمضان موسماً للاجتهاد في العبادة؛ كان حرياً بنا أن نختلي بأنفسنا بعده فنقيم ما قدمناه وبأي حال خرجنا منه لنكون على بينة وبصيرة من أنفسنا ولا نقع في فخ الفتور بعد الشهر الكريم. وقد قسم ابن القيم رحمه الله محاسبة النفس بعد العمل إلى ثلاثة أنواع: أحدها محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وثانيها المحاسبة على كل عمل كان تركه خيراً من فعله، وثالثها المحاسبة على أمر مباح أو معتاد، لِمَ فعله؟ وهل أراد به وجه الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به [3].

وأرى والله أعلم أننا بعد رمضان بحاجة لاستحضار أنواع المحاسبة الثلاث السابقة. فلنسأل أنفسنا إن كنا أدينا الصيام على الوجه الذي يرضي الله تعالى عنا. هل أمسكنا جوارحنا عما لا يرضي الله؟ هل كان صيامنا حجة لنسرف في الطعام والشراب ونثقل أجسادنا بما لا ينفعها؟ هل أدينا صلواتنا بخشوعها وآدابها؟

ومن ثم لنتفكر في ترتيب أولوياتنا في رمضان، هل أعطينا كل ذي حق حقه؟ أم انشغلنا عن أصحاب الحقوق علينا من ولد أو زوج أو والدين بحجة أن الصيام أرهقنا؟

أما في نوع المراجعة الثالث فلنتفكر في مفهوم العادات والعبادات لنعلم إن كان عملنا لله أم اتباعاً للعرف المعتاد. هل صمنا لله حقاً أم لأن الصيام جزءٌ من روتين عائلتنا السنوي؟ هل صلينا التراويح ابتغاء مرضاته سبحانه أم لأن الناس حولنا صلوا والروحانيات الرمضانية كانت لطيفة فصلينا؟ هل ابتغينا من السحور اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أم أنه تقليدٌ أعاد ذكريات من الطفولة فحسب؟

هل تتحول عباداتنا إلى عادات؟

إن المكاشفة السابقة تفتح أمام النفس باباً من التفكر في كثير من العبادات المفروضة والتي صارت تؤدى بدون تفكر أو تدبر..

فلما فصل الناس علاقتهم بربهم عن بقية جوانب حياتهم تحولت كثير من عباداتهم إلى عادات اجتماعية أو ثقافية، بينما المسلمون الأولون عرفوا معنى العبادة فكانوا عباداً لله حقاً وكان وصف العبودية جلياً في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات..إذ كانوا لا يتحركون ولا يسكنون إلا ويستشعرون رضا الله حتى أصبح ذاك الشعور محور تحركهم [4].

وموضوع تحول العبادات إلى عادات طويل وذو مسببات متعددة لن أفصلها في هذا الموضع، لكنني أورده لأنه من أهم أسباب الفتور العبادي بعد رمضان، وقد يكون مما يغفل المرء عنه. فقد يستشعر المسلم فراغاً أو بعداً مفاجئاً عن درب الإيمان بعد انقضاء رمضان وانصراف الناس عن المساجد والجماعات ولا يدري ما السبب، وقد يجد نفسه فجأة لا يندفع لقيام الليل كما كان في التراويح، وقد يكون السبب أنه إنما أتى بالطاعات في رمضان للتقليد والتماشي مع الجو المحيط الذي دفعه للصوم والصلاة وربما إنهاء ختمة أو أكثر من القرآن، بينما قلبه لم يستشعر حقيقة القرب من الله ولم يختلِ بمولاه في دعاء ولا قيام. وهذه حالٌ منتشرة شائعة في كثير من المسلمين الذين لم يتربوا إلا على ظاهر العبادات دون فهم لبها ومقاصدها، فاعتادوا التعامل مع العبادات المفروضة كقائمة من المهام اليومية التي ننهيها لنستريح منها ثم نفرغ للحياة الدنيوية، فلا الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولا الصوم يهذب النفس ولا تلاوة القرآن تولد الخشية والرجاء.

ومما يزيد الوضع سوءاً اليوم التفريغ الممنهج للعبادات والشعائر من معناها بواسطة وسائل الإعلام العلمانية، فرمضان لديهم موسمٌ لشراء الفوانيس والملابس التقليدية وتحضير وصفات الطعام المبتكرة والإبداع في تزيين البيوت وتجميلها، هذا عدا عن استغلال الشهر لتسويق المنكرات وجعله موسماً للمسلسلات والبرامج الهزلية، فكيف لمن فتح لهذه المدخلات باباً إلى نفسه أن يستثمر رمضان أو أن يتغير بالعبادة فيه؟

استراحة المحارب؟

قد يقول قائل هنا: جميل، لكن كل ما سبق لا ينطبق علي. لقد اجتهدت لله فعلاً في رمضان، وتوجهت له مجاهداً نفسي وشهواتي، لكنني الآن آخذ استراحة المحارب بعد أن قطعت شوطاً متعباً في التقرب إلى الله.

وللرد على ذلك أقول: تقبل الله منا ومنكم صالح العمل والطاعات، وله الحمد أن وفقنا لما عملنا، وسبحانه ما أعلمه بنفوسنا فهو الذي جعل لنا عيداً بعد شهر الصيام لنفرح ونحتفل بما عملنا ونروح عن أنفسنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “للصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه” [رواه مسلم]. فالفرح في العيد عبادة في ذاته، لكننا مع الفرح نستشعر منة الله علينا أن وفقنا لطاعته فهو الغني ونحن الفقراء إليه، فلا يتسلل إلينا وسواس من الشيطان أن نمن على أنفسنا بما قدمناه ونضيّع لأجله أياماً وليالي في بعدٍ عن الله سبحانه، فكم ممن أحبط عمله باتباعه بالمعاصي. فالترويح مقبول إن لم يضيع ما بناه المسلم قبله، والحياة كلها مضمار للعمل والطاعة في كل أيامها وشهورها. وسبحان القائل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].

ويروى عن الحسن البصري قوله “ياابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك”.

جنةٌ بديعة وإعصار فيه نار

قال تبارك وتعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266].

في الآية مثلٌ واضح جليٌ يصوره تبارك وتعالى، فهذا رجل له جنة بديعة فيها من خير الشجر والثم، ثم لما صار كبيراً ضعيفاً في أمس الحاجة لماله أتى جنته إعصار محرق أفناها، وله وأطفال ضعفاء لا يقدرون على إعانته. يقول ابن عباس: إن الآية ضربت مثلا للعمل، يبدأ المرء فيعمل عملا صالحًا، فيكون مثلاً للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات، ثم يسيء في آخر عمره، فيتمادى على الإساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الإعصار الذي فيه النار التي أحرقت الجنة مثلا لإساءته التي مات وهو عليها. فالجنة التي هي عيشُه وعيش ولده احترقت، فلم يستطع أن يدفع عنها من أجل كبره، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن جنتهم من أجل صغرهم. وكذلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئًاً  لأن باب التوبة يغلق بالموت [5]. ولا احد يدري متى ساعته أو أي يوم يكون آخر أيامه، نسأل الله حسن الختام.

ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله أن يثبت قلوبنا على دينه [رواه الترمذي بإسناد حسن]، فنحن لا نملك أن نؤجل الطاعات أو الإنابة إلى الله لأن الهداية بيده سبحانه، فلا نعلم إن أعرضنا عنها اليوم أن الله سيمن علينا بها غداً، فهو تبارك وتعالى القائل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. فالله جلّ وعلا أملك لقلوب عباده منهم, وهو يحول بينهم وبينها إذا شاء, حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر, أو أن يَعِي به شيئًا, أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته [5].

نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بهدايته فيمن هدى، وأن يثبت قلوبنا على طاعته إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

والحمدلله رب العالمين.

تسنيم راجح
أخصائية بالتغذية العلاجية في سانت لويس وعضو في أكاديمية التغذية الأمريكية


المصادر:

[1] أبو حامد الغزالي. إحياء علوم الدين

[2] ابن كثير. تفسير القرآن العظيم

[3] ابن قيم الجوزية. إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان

[4] د. محمد أبو الفتح البيانوني. تحول العبادات إلى عادات وأثره في حياة المسلمين

[5] تفسير الطبري