image_print

العقيدة بين الحقيقة والواقع

تعود أهمية العقيدة إلى جانبين، المضمون الذي تحتويه والأثر الناتج عنها، فهي الموجّه الذي يحرّك الفرد ويحكم على توجّهاته في كثير من الأحيان، كما أنها تتحكّم بسلوكه وتحدّد هويته، وحين تتحوّل العقائد إلى مجموعة من الطقوس الشكلية والمشاعر الوجدانية التي لا صلة لها بواقع الحياة، فإنها تغدو –إلى جانب الدين- ضعيفة الأثر في حياة النّاس وواقعهم.

ومن هنا فقد حاول منظّرو الفكر الحداثي الغربي استغلال ضعف العقائد في نفوس المسلمين للتأثير على الصّلة بين الدّين والواقع، وذلك من خلال التّرويج لفكرة أنّ الواقع مُستقلّ عن العقيدة ومحكوم بأسباب وروابط أخرى لا علاقة لها بالدّين، فكانت النّتيجة أن أصبحت حياتنا خاضعة للأهواء وللشّهوات، وأصبح الفساد والانحراف أكثر انتشارًا داخل مُجتمعاتنا وتحوّل واقع حياتنا إلى تضارب في القيم باتّباع منهج الله تارة وباتّباع مناهج إنسانيّة وفكريّة متعدّدة تارة أخرى.   

إن ما نحتاجه اليوم من أجل تصحيح مسارنا هو إعادة إحياء المفهوم الصّحيح للعقيدة وربطها بواقع الحياة حتّي يسترجع الدّين مكانته الطّبيعيّة داخل مُجتمعاتنا المُسلمة.

مفهوم العقيدة، بداية تصحيح المسار
يقول الإمام محمود شلتوت: إن “العقيدة هي الجانب النّظري الذّي يُطلب الإيمان به أوّلًا وقبل كلّ شيء إيمانًا لا يرقى إليه شكّ، ولا تؤثّر فيه شبهة، ومن طبيعتها: تضافر النّصوص الواضحة على تقريرها وإجماع المُسلمين عليها من يوم ابتدأت الدّعوة مع ما حدث بينهم من اختلاف بعد ذلك فيما وراءها، وهي أوّل ما دعا إليه الرّسول، وطلب من النّاس الإيمان به في المرحلة الأولى من مراحل الدّعوة، والشّريعة هي النُّظم التي شرّعها الله أو شرّع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربّه، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون، وعلاقته بالحياة، وقد عبّر القرآن عن العقيدة بالإيمان وعن الشّريعة بالعمل الصّالح، والعقيدة في الوضع الإسلامي هي الأصل، التّي تُبنى عليه الشّريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثمّ فلا وجود للشريعة في الإسلام إلاّ بوجود العقيدة، كما لا ازدهار للشريع إلاّ في ظلّ العقيدة، ذلك أنّ الشريعة بدون العقيدة عُلُوٌّ ليس له أساس، فهي لا تستند إلى تلك القوّة المعنويّة التّي توحي باحترام الشّريعة، ومراعاة قوانينها، والعمل بموجبها دون الحاجة إلى معونة أيّ قوّة من خارج النّفس”(1).

نفهم من ذلك كلّه أنّ العقيدة هي منهج للحياة وليست كلمة تُقال بلا التزام وبها يَبنى الفرد تصوّراته في الحياة وبها يأخذ مواقف واضحة ممّا يدور حوله من مُتغيّرات ومنها تنبثقُ سُلوكيّاته اليوميّة وبها تنتظم حياة المُجتمعات في مُختلف المجالات، وعندما تضعف العقيدة في نفوسنا أو يُصيبها الانحراف يفقِد الدّين أثره داخل المُجتمع ويُصبح في عزلة عن الواقع.

فبمُقتضي العقيدة يعلم الفرد منّا أنّ للحياة هدفًا وغاية أصلها عبادة الله وتعمير الأرض عملاً بقوله تعالى:” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”(2)، وكلّ حركة يقوم بها الإنسان تدخل في مجال العبادة إذا كان يبتغي بها رضوان الله.

ولكن حين ضعفت العقيدة في نفوسنا أصبحت سُلُوكيّاتنا في الحياة خارجة عن مسارها التّعبّدي، فقد أصبح الصّدق أمرًا محمودًا وإن لم يُوجد فلا بأس بذلك فلم يَعُد الصدق من العبادات، وأصبحت الأمانة أمرًا جميلاً وإن لم تُوجد فلا بأس فهي لم تعُد من العبادات، وأصبح الوفاء بالوعد من المواعظ الجميلة وإن لم يَلتزم بها أحد فلا بأس، وهكذا صار بناء الإسلام محض أمنيات ومواعظ عابرة بلا أخلاق أو قيم يلتزُم بها الفرد على أنّها عبادة يأمُر بها الشّرع النّابِع من العقيدة.

من المعلوم الآن أنّ مفهوم فصل العقيدة عن الواقع هو نتيجة لفِكر دخيل عن ثقافتنا الإسلامية، ولنا أن نتساءل كيف وصل الغرب إلى هذا المفهوم وما هي نظرته الحقيقيّة للعقيدة؟ 

فصل الدّين عن الحياة في الغرب
كانت المسيحيّة هي العقيدة المُنتشرة في الغرب والتّي يؤمن بها أغلب أفراد المجتمعات الغربية، ولا يخفى أن هذه العقيدة أصابها الانحراف فانعكس ذلك سلبًا على حياة النّاس ممّا أدّى –إثر أحداث وتطوّرات عديدة- إلى إبعاد سلطة الدّين وفصله عن الحياة عندهم.

كانت بداية هذا الانحراف على يد قسطنطين عندما قام بمزج المسيحيّة بالوثنيّة من أجل صبغ عقيدة ما تبقّى من الإمبراطوريّة الرّومانيّة بنمط واحد، كما يقول المُستشرق ليوبولد فايس واصفًا المسيحيّة: “لم تكن تملك أن تبسط سُلطانها على الإمبراطوريّة الكبيرة التّي تحكم بمُقتضى القانون الرّوماني، والتّي كان الدّين فيها مظهرًا خاويًا من الحقيقة. فلمّا فرض قسطنطين المسيحيّة على الإمبراطوريّة في القرن الثالث ميلادي، لم يفرضها إلاّ عقيدة وجدانيّة لا تحكم الواقع بتشريعها الرّبّاني. فقد كان حتّى في عالم العقيدة البحتة يمزج الوثنيّة بدين الله”(3).

قسطنطين ووالدته هيلانة تحولا إلى قديسين في نظر المسيحيين (Brosen)

وعندما تحوّلت فيما بعد السّلطة المُطلقة للكنيسة التّي تُمثّل الدّين الذي أصابه التّحريف وأُدخل فيه أساطير باطلة، شهدت أوروبا حربًا بين الكنيسة والعلماء والعلم ووقفت هذه السّلطة الدّينيّة في وجه كلّ حركة داعية إلى الفكر الحرّ والتطوّر خوفًا من أن يُزيل العلم سُلطانها التّقليدي القائم على الخُرافات والأكاذيب والجهل. ومن ثمّ فإن الكنيسة أعلنت معاداتها للحركة العلميّة والحضاريّة في أوروبا التّي هي بدروها كانت في كثير من مواقفها معادية لسُلطان الكنيسة والدّين، واستمرّ التّباعد بين الحياة الواقعيّة والدّين الذّي تُمثّله الكنيسة.

و لنُضف إلى ذلك الميراث اليوناني القديم القائم على خُرافة أنّ الآلهة لا يُحبّون الخير للإنسان ولا يُحبّون له المعرفة لأنّه إن اكتسبها فسوف يُصبح مُنافسًا لها، وأن المعرفة لا تؤخذ إلاّ غصبًا منها، وأنه لا يتحققّ الخير للإنسان إلاّ عن طريق الكُره والعداء لها، وبقيت هذه الفكرة في الذهن الجمعي للإنسان الأوروبي الحديث، وهو ما عبّر عنه الفيلسوف البريطاني جوليان هكسلي بقوله: “الجهل والعجز فقط هما اللّذان يُخضعان الإنسان لله، فإذا زادت معرفته وقوّته فلا موجب إذن لفكرة الله، وما يرتبط بها من عبادات وليكن الإنسان هو الله”(4).

ومن هنا صار الله رويدًا رويدًا منسيًّا في قلب الإنسان الأوروبي وتلاشى سُلطان الدّين على المشاعر والسّلوك، وبدأ الفرد عندهم بعبادة الطّبيعة ومن ثمّ وصل بهم الأمر إلى جعل الإنسان مركزًا للكون وتأليهه بالفعل بدلاً من الله، وذلك بعدما اكتشف قوانين الطبيعة وأصبح مالك القوّة الصّناعية والإنتاجية والعلمية، ظنّا منه أنّه لم يعُد في حاجة إلى الله.

لقد أصبحت الفكرة السّائدة في أوروبا أنّ الإنسان المُتقدّم والمُسيطرة على الكون بعلمه ومعرفته ينبغي عليه أن يكون عقله الإنساني هو المقياس في كلّ شئ، فما وافق عليه العقل فهو الصّواب وما خالفه فباطل وخُرافات، وينبغي عليه أيضًا أن يكون هو المُشرّع لحياته لأنّه أدرى بما يحتاجه فلا يحتاج لشريك يُشرّع له كيف تكون طريقة عيشه.         

وعندما أصبح الإنسان المُشرّع والمُسيطر على كلّ شيء بدأت الصراعات تتفاقم بينه وبين الإنسان الآخر الذّي يرى أنه يجب أن يخضع له، وتفاقمت الصراعات بينه وبين الجماعة والدّولة، وبينه وبين القيم السّائدة في مُجتمعه.     

ما ذكرناه هنا هو حقيقة انفصال الدّين عن الحياة بطريقة موجزة في أوروبا، وكانت البداية بانحراف في العقيدة وفقدانها لأثرها العملي في حياة الإنسان. وما نستغربه اليوم هو مُحاولة البعض من بني جلدتنا بأن يجلبوا هذه المراحل التّي عاشتها أوروبا إلى مُجتمعاتنا والمُساهمة في ترويج الفساد العقائدي المُتمثّل اليوم في الفكر الحداثي ظنًّا منهم أنّه طريق النّهوض والتّغيير، والذّي يجعل الفرد منّا في صراع مع قيمه وثقافته الإسلاميّة ويجعل صلته بدينه تُصبح ضعيفة ويخفت نور العقيدة داخلنا، وهذا ما نُسمّيه اليوم بـ “معركة العقيدة” في واقعنا المُعاصر.

معركة العقيدة
إذا أردنا طمس هويّة مُجتمع ما والتّغيير من مبادئه وفكره وطريقة حُكمه على الأشياء، فإنّنا نحتاج إلى تهوين عقيدته وتمييع مبادئه التّي تُعتبر المنبع الأوّل لسُلوكه وأخلاقه ومنها يَرسُم لنفسه منهاجه ونظامه في الحياة. وهذا أصل الصّراع الذّي يحدُث اليوم داخل مُجتمعاتنا، سواءً عن طريق أطراف خارجيّة أو داخليّة، فهي معركة العقيدة التّي تُعتبر اللّبنة الأولى في بناء المُجتمعات المُسلمة، فإن خَفَت نورها وأصبحت انتماءً مُجرّدًا بلا عمل ولا التزام، فإنّنا سنرى مُسلمين من بنى جلدتنا يرون في الشّريعة الإسلاميّة مجرد وجهات نظر يمكن رفضها وتفضيل قوانين إنسانية أخرى مكانها، وسنرى مُسلمين مثلنا يَقبلون بالمعاصي والفواحش على اختلاف أصنافها ويضعُونها في خانة الحرّيّات الشّخصيّة. ومن أراد إحكام قبضته على أيّ مُجتمع فليُقدّم له عقيدة بلا روح ولا نور وليُحاول بعد ذلك صياغته وفق القالب الذّي يُرضي مصالحه ويخدم أهدافه.

فمثلاً اليوم في ظلّ موجة التّطبيع مع الكيان الصّهيوني المُتسارعة، فالهدف منها فرض الواقع على الشّعوب المُسلمة وجعلهم يَقبلون بالتّطبيع بعد ضمان خيانة السّلطات الحاكمة لأماناتها. ولن تصمُد هذه الشّعوب إلاّ بفضل عقيدتها التّي مازالت تتّقد في القُلوب، لأنّ فلسطين هي من صُلب الإيمان وتستمدّ شرعيّتها من الإسلام ويُعتبر الدّفاع عنها ولو بالكلمة جهاد ودين وحفاظ على كيان هذه الأمّة. فلنحذر اليوم من التخدير البطيء للشعوب ولتُحافظ على نور عقيدتها الخافتة لأنّها إن انطفئت وقُطِعت الصّلة كُليًّا بين الدّين والواقع، فإنّنا سنرى الشّعوب نفسها ترضخ للتّطبيع وتُهرولُ إليه!

ختامًا لا بد من التأكيد على أنّ انحراف العقيدة والتّهوين منها لن يقودنا إلّا إلى فساد الحياة، إذ العقيدة ليست محض صلة شعورية بين العبد وربّه مُنقطعة عن الواقع والوجود بل هي البوصلة الحقيقيّة للحياة وبها يَبنى الإنسان سُلوكه وتوجّهاته في مُختلف المجالات، وفي ظلّ التخلّف العقديّ الذّي نعيشه اليوم فإنّنا لم نعد نعتمد القرآن والسنّة كمرجعيّة في كلّ أمر من أمور حياتنا. فالقاعدة هنا تَقول بأنّنا كُلّما صلحت عقيدتُنا، فإنّنا سنقترب أكثر من الكتاب والسنّة ومن حياة الصّحابة رضي الله عنهم، وبالتّالي سينصلُحُ سُلوكياتنا وتصوّراتنا في واقع الحياة، والمطلوب منّا ههنا أن نعمل على تصحيح علاقتنا بالقرآن والسنّة النّبويّة ولننظر أين نحن منهما في واقعنا العملي!


الهوامش:

(1): الإسلام عقيدة وشريعة، الإمام محمود شلتوت، دار الشروق للنشر، الطبعة 18، 2001، ص: 11-13.

(2): سورة الذاريّات، الآية 56.

(3): جاهليّة القرن العشرين، محمد قطب، دار الشروق للنشر، 1993، ص: 64.

(4): المصدر السّابق، ص: 65.

كونوا معَ الصّادقين

لا تأتي أهمّية القدوة من كونها النبراس الذي يضيء لنا في عتمات الضياع فحسب، بل تمتاز بأنها تعلّمنا كيف تنيرُ حياتنا بعمل القلب الحقيقيّ الذي ينعكس نوره على سلوك الجوارح.

يركن المرء إلى القصص ليستلهم منها الدروس والعِبر، فيتعلمها ثُمّ يحيلها إلى عملٍ، وربما تلهمنا قصص الناجحين كيفية الخروج من الصعوبات بأحسن مِمّا كنا عليه.

مع كعب بن مالك
لا تنطلق هذه الكلمات من قصص أحد الناجحين المُعاصرين، وإنّما يغوص بنا مئات السنين إلى الوراء حيثُ العُظماء الذين ربّاهُم خيرُ الخلق بتعاليم الوحي الإلهي العليم بالنفس البشريّة.

يروي لنا كعب بن مالك حكايته، بدءًا من مبايعته في العقبة واشتراكه في معارك النبي صلى الله عليه وسلم، وصولا إلى تخلفه عن غزوة تبوك.

وهنا نقف قليلاً، فنستحضر مشهداً لإنسانٍ مسلم قد أذنَب ذنباً في حق الله وفي حق نفسه، فنراه في تلك اللحظة يبدأُ جَلداً بهذه النفس مُتناسياً أنّها تُصيب و تُخطئ، و أنّه إن أخطأَ اليوم فقد أصابَ قبله و يستطيع أن يرجع عن ذنبه طالما أنّه حيّ، فكثيرٌ منا حينما يُذنب يبدأُ بمحاسبة نفسه حساباً غير مُنصف، مما يجعله يغرس قدميه أكثر في وحل الذنب، فالندم مطلوبٌ، وكذلك محاسبة النفس مطلوبةٌ، إلا أن جلدها وتناسي ما فعلت من خير لا يُصلحها بل قد يزيد الأمر سوءًا.

يقول كعب: “وأَقُولُ في نَفْسى: أَنا قَادِرٌ علَى ذلِكَ إِذا أَرَدْتُ، فلمْ يَزلْ يَتَمادى بي حتَّى اسْتمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأَصْبَحَ رسولُ الله ﷺ غَادياً والْمُسْلِمُونَ معَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازي شيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَم أَقْض شَيْئاً، فَلَمْ يزَلْ يَتَمادَى بِي حَتَّى أَسْرعُوا وتَفَارَط الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِل فأَدْركَهُمْ، فَيَاليْتَني فَعلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذلِكَ لي”.

ألا تشعر أيها القارئ ههنا بالصدق الشديد مع النَفس، كأنّنا نرى إنساناً يحمل همةً للذهاب إلى الغزو، ثُمّ يؤجّل، تُحدثه نفسه أن يذهب مِراراً، ثُمّ يتراجع، يصدق في نيّته، ولكنّهُ في ذات الوقت لم يشرع بالعمل وِفقاً لما نَوى.

ساعةُ الصدق
جاء المتخلفون إلى الرسول -عليه الصلاة و السلام- يعتذرون إليه، وهنا يُكمل كعباّ حديثه فيقول: “فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قدْ أَظِلَّ قَادِمَاً زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنج مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً ذَلك جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ يعْتذرُون إِليْه وَيَحْلفُون لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وثمَانين رَجُلا فَقَبِلَ منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكلَ سَرَائرَهُمْ إِلى الله تعَالى. حتَّى جئْتُ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسَّم تبَسُّم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ: تَعَالَ فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ، فقالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلا، وَلَكنَّني وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذبٍ ترْضى به عنِّي لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى الله، واللَّه ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك.

قَالَ: فقالَ رسولُ الله ﷺ: أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ”

يقف المخلّفون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون عن تخلّفهم، فيقبل علانيته ويوّكلُ سريرته إلى الله، فلا يُعاتب، فالعتابُ لم يكُن إلا من نصيب من لم يعتد الرسول هذا الأمر منه، وها هو كعبٌ يجلس بين يدي رسول الله، يرى النبي يتبسم تبسّم المُغضب له ويُعاتبه، فتضطرم نيران الندم في قلب كعب، فهو ليس كغيره مِمّن تخلفوا.

في تلك اللحظات الصعبة، بعدما رأى كعب قبول الرسول اعتذار وحُجج المُخلفين، يظهر معدنه الأصيل، وقد عهدناه صادقاً مع نفسه في بداية الحديث ومن يصدُقُ مع نفسه لابُدّ أن يصدق مع غيره، فها هو يعترف بأن لا حُجةَ له أبداً، ولأن الله أراد لقصتهِ أن تحيا، أنزلها في وحيٍ محفوظ، تُرددَ على ألسنة البشر إلى يومنا هذا.

يقول له الرسول: فقُم حتى يقضيَ اللهُ فيك، فيتبعه رجالٌ من بني سلمة يقولون له: “واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذنْبتَ ذَنْباً قبْل هذَا، لقَدْ عَجَزتَ في أنْ لا تَكُون اعتذَرْت إِلَى رَسُول الله ﷺ بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفُون فقَدْ كَانَ كافِيَكَ ذنْبكَ اسْتِغفارُ رَسُول الله ﷺ لَك. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤنِّبُوننِي حتَّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إِلى رسولِ الله ﷺ فأَكْذِب نفسْي، ثُمَّ قُلتُ لهُم: هَلْ لَقِيَ هَذا معِي مِنْ أَحدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لقِيَهُ مَعَكَ رَجُلان قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ، قَال قُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بْنُ الرَّبِيع الْعَمْرِيُّ، وهِلال ابْن أُميَّةَ الْوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدا بدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي”

حتى ضاقت عليهم الأرض
هُنا يبدأُ البلاءُ الكبير، وتتوالى الدروس واحداً تلوَ الآخَر، وتنقل إلينا مشاهدها مُستشعرين عِظمَ تربية سيدنا محمدٍ -عليه الصلاة و السلام- لنفوسِ أصحابه.

يستكمل كعب فيقول: “وَنهَى رَسُول الله ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثلاثَةُ مِن بَين من تَخَلَّف عَنهُ، قالَ: فاجْتَنبَنا النَّاس أَوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرت لِي في نَفْسي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ، فَلَبثْنَا عَلَى ذَلكَ خمْسِينَ ليْلَةً. فأَمَّا صَاحبايَ فَاستَكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنتُ أَخْرُج فَأَشهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحدٌ”

إن حصول الذنب لا يعني القعودَ عن العمل والاستغراق في الندم، لقد ضاقت الأرض بما رحبت على كعب، إلا أن ذلك لم يمنعه من شهود الصلاة مع المسلمين والطواف في الأسواق، والسعي في طلب الرزق، وإن كان يعلمُ بأنّ الله لم يقضي فيه أمراً بعد، إلا أنه مدركٌ أن لابُدّ من القيام، بل إن حُبّه يُظهرُ لرسول الله نَدمه، ويصف لنا هذا في بقوله:

“وآتِي رسولَ الله ﷺ فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسِي: هَل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِّ السَّلامِ أَم لاَ؟ ثُمَّ أُصلِّي قَريباً مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتى إِذا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ الْمُسْلمينَ مشَيْت حَتَّى تَسوَّرْت جدارَ حَائط أبي قَتَادَةَ وَهُوَا ابْن عَمِّي وأَحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فَو اللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قتادَة أَنْشُدكَ باللَّه هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ الله وَرَسُولَه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فَسَكَتَ، فَعُدت فَنَاشَدتُه فَسكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ”

وبينما هو كذلك يُبتلى بابتلاءٍ جديد فيطلبهُ نبطيٌّ من نبط أهل الشام فيدفع له كتاباً من ملكِ غسان يقول فيه: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك، فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا “

يظهر أمثال هذا الملك في لحظات ضعفنا، يعرِضُ علينا مالاً أو منصباً أو فِردوساً أرضياً يدّعيه و يُغرينا به في صورٍ كثيرة، فيأتي من منافذ وأبواب قد لا نتخيلُها، إلا أنه حتماً بلاء وامتحان، فإن كانَ القلبُ فارغاً سقطَ في الاختبار، و إن كان قلباً مُمتلئاً بمحبة الله و صادقاً اجتاز البلاءَ بقوّةٍ كما فعل كعب.

يؤمر المخلّفون الثلاثة باعتزال نسائهم، ومع اشتدادِ الأمرِ عليهم تضيق الأرضُ أكثر فأكثر، ويوقنون أن لا ملجأ من الله إلا إليه مع كُلِ بلاءٍ يُصيبهم، وتكملُ الليالي الخمسون و هم في حالهم هذا، يظهرُ النورُ فجأةً.

أبشِر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك
يقول كعب: “ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صباحَ خمْسينَ لَيْلَةً عَلَى ظهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الْحال الَّتي ذكَر اللَّهُ تعالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فخرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ رسولُ الله ﷺ النَّاس بِتوْبَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِين صَلَّى صَلاة الْفجْرِ”

يُكمل كعب حديثه عن مشهد التوبة و القارئُ للحديث يفرحُ لفرحه و كأنّهُ بين الناسِ يُهنئ كعباً، و كأنّهُ في مجتمع الصحابة يفرح لما يستحقُ الفرحَ حقاً “وانْطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونني بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُون لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللهِ رضي الله عنه يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وهَنَّأَنِي، واللَّه مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَان كَعْبٌ لاَ يَنْساهَا لِطَلحَة”

لنقف عند هذه الجملة: “وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة”، ففي مثل هذه المواقف أيضاً تظهرُ محبةُ الناس للشخص بأبسط الأفعال وقد يُفاجَأ الإنسان بوقوفِ أشخاصٍ معه يفرحون لفرحه و يُؤازرونه، فكأنّ طلحة كان يشعر بما شعر به كعب و كان يعدُّ الأيّام عدًّا معه، فمُصافحة طلحة لكعب قد تكون عملاً بسيطاً، إلّا أنّه ينبئ عن حُبٍ يكنه المسلم لأخيه، فكعبٌ لم ينسَ الموقف هذا، بل هو يتذكره و يرويه لنا واصفاً تأثيره فيه.

أمّا المشهد الأهم، فهو الذي كان كبعث الحياة في قلب شخص، وذلك حين تأكد كعب أنّ بشارته قد جاءت من الله:

“فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: وَهوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور “أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ ولَدَتْكَ أُمُّكَ” فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول اللَّهِ أَم مِنْ عِنْد الله؟ قَالَ: لاَ بَلْ مِنْ عِنْد الله، وكانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر، وكُنَّا نعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ”

وهنا، لا شيء يُقالُ أمامَ هذا المشهد العظيم.

وينتهي الحديث بقوله: “يَا رَسُولَ الله إِن الله تَعَالىَ إِنَّما أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وَإِنْ مِنْ تَوْبَتي أَن لا أُحدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً ما بَقِيتُ، فو الله مَا علِمْتُ أَحَداً مِنَ المسلمِين أَبْلاْهُ اللَّهُ تَعَالَى في صدْق الْحَديث مُنذُ ذَكَرْتُ ذَلكَ لرِسُولِ الله ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهِ مَا تَعمّدْت كِذْبَةً مُنْذُ قُلْت ذَلِكَ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفظني اللَّهُ تَعَالى فِيمَا بَقِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ حَتَّى بَلَغَ: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ حَتَّى بَلَغَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:117-119]

يا لعظم العمل القلبيّ الذي نزلت لأجله آياتٌ من الله، فالقصة بدأت بتخلّف كعب عن غزوة تبوك وانتهت برفعه إلى درجة الصادقين في آياتٍ تُتلى في قُرآنٍ قد تكفلَ اللهُ بحفظه تشهدُ على صدق هذا الصحابيّ، آياتٌ وأحاديثَ عظيمة نستلهم منها النجاح والفلاح الذي يبدأ في الدنيا ويستمر للدار الآخرة.

هذا الصدق يبدأ بأن نكون صادقين مع أنفسنا، مُنصفين بالتعامل معها، مدركين ضعفنا وبأنّ الضعف الذي نواريه ونخجل منه هو من يرفعنا إن فهمناه وأحسنّا التعامل معه، وأن نكونَ صادقين مع غيرنا وإن ظننا لوهلةٍ أنّ الكذب يُنجي وتوفرت أمامنا سُبُل الكذب، ونتعلم أنّ البلاء قد يدل على محبة الله لعبده فحاشاه تعالى أن يُعذّب عباده، إنّما يبتليهم ليُمحصهُم ويُطهر قلوبهم و يُخرجَ أفضل ما فيهم.

فلنلجأ لمداواة نفوسنا بالوحي.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } يونس.

مرجعية الأخلاق بين الفردانيّة والدين

من البدهيّ أن يكون للإنسان مرجعيّة يستمدّ منها مفاهيمه ويَبني من خلالها تصوّراته التّي تنبثق منها سُلوكيّاته، وبها يُصدر أحكامًا ومواقف حول الأحداث التّي تعترضُه، ومن الطبيعي أن اختلاف المرجعيّات يُنتج مفاهيم مُتباينة ومُتناقضة، وسينعكس ذلك على سُلُوكيّاتنا داخل مُجتمعاتنا.

في ظلّ واقعنا الذّي يَشْهد موجةً مُتسارعة للتّحديث الهادف لطمس الهويّة الإسلاميّة واجتثاثها من نُفوس المُنتمين إليها، فإنّنا نُلاحظ تكوّن تيّارٍ اجتماعيّ يجعلُ الغرب مرجعيّته في الحياة، ممّا إنعكس ذلك على مُختلف جوانب حياتنا اليوميّة. ولعلّ من أبرز هذه الانعكاسات هو التغيّرات التي طرأت على مفهوم الأخلاق، ومن هنا أصبح هنالك تساؤل جديد فيما بيننا حول مرجعيّة الأخلاق: هل هي الدّين وفق المنهج الإسلامي أم هي العقل وفق منهج الفردانيّة والتمركز حول الذات؟

مرجعية الأخلاق، بحثٌ عن الجواب
يُجيبنا عن هذا التّساؤل الدّكتور عبد الوهّاب المسيري فيقول:” كيف يُمكن للعقل في إطار العقلانيّة الماديّة أن يفرّق بين ما هو أخلاقي وبين ما هو غير أخلاقي؟ فالعقل إذا كانت مرجعيّته النهائية الطبيعة، أي المادة، وهو قادر على اكتشاف مبدأ السببيّة العامّة في الأشياء والدوافع الغريزيّة في الإنسان، التّي تؤكّد الحتميّات الماديّة الخارجيّة، وتنكر ضمنًا استقلاليّة الإنسان وحركته، علمًا بأنّ العقل المادي المحض يوجد داخل حيّز الماديّة فحسب، وقد وصفه أحد المُفكّرين بأنّه لا يشع نورًا، وإنّما هو موصل جيّد للنور أو الظّلام”(1) فإن العقل المادّي ههنا سيبقى وحده عاجزًا عن أن يصل للمفهوم الصّحيح للأخلاق، بل قد يجعل من الباطل والظُلم خُلُقًا يُدافع عنه!

ولنضرب مثالاً قريبًا على ذلك، فعندما بلغ انتشار فيروس كورونا ذروته وتدَهور الوضع الاقتصادي العالمي، قرّرت الحكومة الأمريكيّة -استنادًا إلى العقل الاقتصادي- التخلّي عن الكبار في السنّ وذوي الاحتياجات الخاصّة لأنّهم لا يُمثّلون قوّة إنتاجيّة في المجتمع وفي المُقابل منح الأوليّة في الرّعاية الصحيّة لباقي أفراد المُجتمع بسبب التّكلفة الباهظة للمُعدّات الصّحيّة، إذ إن العقل المادي المُحايد لا يُحابي أحدًا، فهو لا يرى إلاّ مصلحته الآنية الضيّقة المُستندة على الأرقام والإحصائيّات ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامّة.

إن الخلاصة من هذا كلّه أنّ الدّفع بالأخلاق عن كلّ مرجعيّة دينيّة هو دفعٌ بها نحو أخلاق الجاهليّة العمياء.

 ولنا أن نتساءل هنا: كيف وصل الغرب إلى مفهوم “الأخلاقي” وما هي مرجعيّته في ذلك؟ وكيف انعكس هذا المفهوم على مُجتمعاتنا المُسلمة وما هي حقيقة نظرة الإسلام للأخلاق؟

فلسفة الأخلاق في الغرب
كان مصدر الأخلاق في أوروبا هو الدّين المتمثّل في الدّيانة المسيحيّة التّي تعرضت لتحريف حقائقها فكانت النّتيجة الحتميّة الابتعاد عن المفهوم الصّحيح للأخلاق لأنّها قرينة للعقيدة ومُنبثقة منها، وعندما احتكّ الغرب فترة الحروب الصّليبيّة بالمُسلمين ودخلوا بُلدانًا إسلاميّة ومكثوا فيها، استفادوا من الأخلاق الإسلاميّة فقد لاحظوا سلوكيات أخلاقية متعددة لديهم كالأمانة عندما يترك التجّار دكاكينهم للصّلاة مفتوحة ثمّ يعودون إليها ولم ينقص منها شيء، ولاحظوا أخلاق الأخوّة والتّعاون والمحبّة والرّحمة بين أفراد المُجتمع الواحد، إضافة إلى إتقان ونشاط واجتهاد العامل المُسلم في عمله، وتعلّموا أيضًا معنى الوفاء بالعهد خاصّة في تعامُلهم مع صلاح الدّين الأيّوبي، و لنضف إلى ذلك كلّه الرّوح الرّومانيّة القديمة التي كانت تتميّز بالنّشاط و النّظام و التّحسين في عالم المادة و الإنتاج، و من هذا المُنطلق الدّيني و الرّوماني تكوّنت مجموعة من الفضائل والأخلاق الكريمة في الغرب بقيت مُنتشرة بينهم لأنّهم لاحظوا منفعتها داخل مُجتمعاتهم ومدى أهمّيتها في تنظيم حياتهم. ولا ننسى أيضًا تأثير الفلسفة اليونانيّة على حصيلة الأخلاق الأروبيّة حيث أصبحت قائمة على التّفرقة بين النّظريّة والتّطبيق، فتحوّلت الأخلاق إلى نظريّة في عالم المُثل وبقي الالتزام بها وتطبيقها مُرتبطًا بالظّروف و محكومًا بالضّرورات.

ففي السياسة أصبحت القاعدة العامّة “الوسيلة تُبرّرُ الغاية” وأصبح هنالك نوع من المكر والخداع واستغلال النّفوذ من أجل تحقيق مصالح حزبيّة أو شخصيّة ضيّقة، وتحوّلت السياسة الخارجيّة إلى فكر استعماري هدفه السيطرة على الدّول الأخرى واستنزاف خيراتها عن طريق الحروب المُدمّرة ومُساندة المُستبدّين والظّالمين حفاظًا على مصالحهم. فعلى سبيل المثال تمّ عقد اتّفاقيّة سريّة سنة 1916 بين فرنسا و بريطانيا و روسيا عُرفت باسم اتّفاقيّة “سايكس بيكو” هدفها إقتسام الدّول العربيّة الواقعة شرقي المتوسّط، و تمّ الاتّفاق على أن تقوم فرنسا بالاستلاء على غرب سوريا و لبنان و ولاية أضنة، و أن تقوم بريطانيا بالاستيلاء على منطقة جنوب و أواسط العراق بما فيها مدينة بغداد و كذلك ميناء عكا و حيفا في فلسطين، و أمّا روسيا فمن حقّها الدّفاع عن مصالح الأرثوذكس بالأماكن المُقدّسة بفلسطين. و من الأمثلة أيضًا السياسة الخارجيّة التّي تنتهجها الإدارة الأمريكيّة في تعاملها مع عالمنا العربي الإسلامي، حيث أصدر “مركز القرن الأمريكي الجديد” بحثًا جديدًا بعنوان “التّكيّف الإستراتيجي” وردت فيه التوصيّات التّالية التّي تعتمدها أمريكا: أ- حماية أمن حلفاء أمريكا و رعاية السّلام العربي الإسرائيلي، ب- نشر القيم الأمريكيّة و أسلوب الحياة الأمريكية، ت-محاربة الإرهاب، ث- الوصول الآمن للنّفط، ج-دعم الأنظمة العربيّة المُستقرّة و لو كانت ديكتاتوريّة، ح- التّمييز بين الأفراد و الحركات المعادية للقيم الأمريكيّة و بين من يقبلونها (2).

سيغموند فرويد

وفي الاقتصاد قامت الرّأسماليّة على الرّبا والاستئثار بالثّروات وعلى الجشع والأنانيّة ونهب المواد الخام من الشّرق من أجل الرّبح المادي مع الحرص على  إغراق أصحاب هذه المواد في الفقر والتخلّف والجهل  مع تصدير لهم المفاسد والملذّات وأدوات الزّينة والملابس من أجل تحقيق الرّبح المادّي، وفي الجنس أصبح هنالك انفصال عن الأخلاق أساسه التّفسير الحيواني للإنسان ولا غرابة من أن نجد الفيلسوف فرويد يقول:” إنّ الإنسان لا يُحقّق ذاته بغير الإشباع الجنسي وكلّ قيد من دين أو أخلاق أو مُجتمع أو تقاليد هو قيد باطل ومدمّر لطاقة الإنسان وهو كبت غير مشروع”(3).

وبذلك أصبح الجنس عمليّة بيولوجيّة لا علاقة لها بالأخلاق، ولا ننسى أيضًا المثليّة الجنسيّة حيث أصبحنا نشاهد في الغرب مراسيم زواج بين طرفين من نفس الجنس باسم الحرّية الزّائفة. وقد وقع هذا التحوّل الأخلاقي تدريجيًّا ولم يبق من الأخلاق إلاّ فضائل محدودة في التّعامُلات اليوميّة، والسؤال المطروح هنا كيف انعكس ذلك على مُجتمعاتنا المُسلمة؟!

الأخلاق الغربية، انعكاسات وآثار
بسبب انبهار المسلمين بالتقدّم العلمي والمادي في الغرب، وظن كثيرٍ من المؤثرين فيهم بأن سبيلنا للنّهوض هو التّقليد الأعمى للغرب، فقد صار المسلمون يقلّدونهم في كلّ شيء، إلاّ في تطبيق شروط التقدّم والتّطوير العلمي! فقد أصبحنا نشهد انفصالاً بين الإسلام والواقع، ففي السّياسة أصبحت الفكرة السّائدة إذا أردت مُمارسة السّياسة فعليك ترك القيم والمبادئ الأخلاقيّة واستبدالها بالنّفاق والكذب والخداع والغشّ، وأصبح الحُكم عندنا غاية هدفُها تلبية غريزة السّلطة في نُفوسنا وتحوّلت السّياسة إلى سبيل لخدمة المصالح الذّاتيّة وبيع الذّمَم كالقبول بالذلّ وخدمة المصالح الغربيّة وبيع الوطن من أجل البقاء في الحكم، وفي الاقتصاد أصبح همّنا الرّبح المادّي وتحقيق الثّراء الفاحش حتّى عن طريق السّرقة من المال العام والظّلم والسّلب والاحتيال والرّشوة والتّعامُل بالرّبا ولم يعُد هنالك وزنٌ لكلمة “المال الحرام”، وفي الجنس انتشرت بيننا الميوعة، وبات يُطلق اليوم على الزّنا “علاقة حبّ” وأصبحت الزّانيات يُطلق عليهنّ ” الأمّهات العازبات” وأصبح التعرّي دليل على الرّقيّ والثقافة وأصبح الشّذوذ حريّة وجب القبول بها. ورغم هذا الفساد الأخلاقي مازال منّا من يقول أنّ للغرب فضائل مثل الصدق والأمانة والعدل والإتقان والجودة في العمل ولو التزمنا بها سنُصبح مثلهم، ولكنّنا تناسينا أنّ هذه الفضائل نفسها لا يخلوا منها مُجتمع، حتّى في الجاهليّة حيث كان العرب يتّسمون بالشجاعة والصّدق والكرم، وفي المُقابل كان الظلم والفساد والكُفر مُنتشراً بينهم، وما حافظ الغرب على هذه الفضائل إلاّ في حدود القوميّة والمنفعة من أجل استقرار مُجتمعاتهم وحُسن تنظيمها، وأمّا خارجها وعند تعارض المصلحة فلن تكون لهذه الأخلاق قيمة وخير مثال على ذلك الإساءة التّي حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في فرنسا، فمن الأخلاق احترام الآخرين وخاصّة الأنبياء، وعدم السّخرية منهم وترويج الأكاذيب حولهم، ولكنّهم في المُقابل يُعاقبون من يسخر من مسؤول حكومي عندهم لأنّه قد يتسبّب ذلك في عدم الاستقرار وتفقد حكومتهم هيبتها داخل مُجتمعهم!

علم قوس قزح لتأييد حقوق المثليين والشواذ

 

مفهوم الأخلاق في الإسلام
إنّ المُسلم الذي يلتزم بالأخلاق الفاضلة إنما يطيع الله ويسعى لنشرها في واقع النّاس وتطبيقها، وسعيُه هذا عبوديّة لله، فالأصل أنه لا وجود لانفصال بين الإسلام والواقع عملاً بقوله تعالى:” قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ”(4).

ففي السياسة نرى أن كلّ مسؤول مُطالب بتحقيق العدل والإصلاح ومُحاربة الفساد مُلتزمًا في ذلك بالمنهج الإسلامي عملاً بالقاعدة التّي أرساها الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث قال له والي خراسان إنّ شعبها لن يُصلحه إلاّ السيف والسّوط، فكان جواب عمر له: ” كذبت، بل يُصلحهم العدل والحقّ فابسط ذلك فيهم واعلم أن الله لا يُصلح عمل المُفسدين”(5).

وفي الاقتصاد نرى أن كلّ مُسلم مُطالب بمُقاطعة المال الحرام والالتزام بالصّدق والأمانة وحُسن الأداء عملاً بقوله صلّي الله عليه وسلّم:” التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”(6)، وفي العلاقة بين الجنسين فإننا مُطالبون بالعفّة ونقاوة السّريرة وبغضّ البصر والسّتر والحياء في القول والفعل وفي اللّباس عملاً بقوله تعالى:” قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ” (7).

إن أخلاق الإسلام واضحة وعلينا أن نكون مُخلصين فيها لله وحده وما تشهده مُجتمعاتنا من أزمة القيم والمبادئ هو بسبب تخلُّفنا نحن عن ديننا وبداية الإصلاح تكون بتصحيح المفاهيم وبمُجاهدة النّفس على الالتزام بمنهج الإسلام.


الهوامش:

(1): حوار حول التّراث والحداثة، د. نعمان عبد الرزاق السامرائي، سلسلة كتاب الأمة، الطبعة الأولى، 2015، ص: 80.

(2): المسلمون و الحضارة الغربية، د. سفر عبد الرحمن الحوالى، الطبعة التمهديّة،2018، ص: 38.

(3): جاهليّة القرن العشرين، محمد قطب، دار الشروق للنشر، 1993، ص: 175.

(4): سورة الأنعام، الآية 162-163.

(5): الدولة في الإسلام، خالد محمد خالد، دار ثابت للنشر، الطبعة الأولى، 1981، ص: 109.

(6): تحفة الأحوذي، كتاب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، الحديث رقم: 1209، ج4- ص” 335.

(7): سورة النور الآية 30-31.

 

  

  

آداب الحوار في القرآن.. حوار موسى والخضر نموذجًا

اقـتضت حكمة الله أن يجعل البشرية أمماً وشعوباً ليتعارف بعضها على بعض، وقـد حثـّنا في مواضع كثيرة من قرآنه العظـيم على طلب العـلم، كما أمرنا بنشر الحق الذي نزل على رسوله الكريم، وعند تدبّر النصوص القرآنية إجمالاً فإنه لن يخفى على عاقل ما أتى به القـرآن من أساليب يمكننا أن نستعملها لتنفـيذ هذه الأوامر، إلا أن أكثر ما نراه فيها هو أسلوب الحوار الذي عجّت به القصص التي أوردها الله في كلامه المنزل.

وإذا أردنا إدراك أهمية ومكانة هذا الأسلوب في الخطاب القرآنـي، فما علينا إلا أن نقف عند الحوارات العظيمة التي تجلّي لنا حقائق الإيمان من خلالها، مثل حوار الله مع ملائكته قبل خلق آدم عليه السلام، ثمّ حـوار الله مع إبلـيس عندما أبى السجود لمن خُلق من طين، وحوار الله مع آدم وحواء بعدما فعل ما نهاه الله عنه، وغير ذلك الكثير من الحوارات التي استعملها الأنبياء في هداية أقوامهم لطريق التوحيد.

الحوار في اللغة مأخوذٌ من الحـَور، وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة هي المجاوبة، والتحاور معناه التجـاوب، نقول عن مجموعة أنهم يتحاورون أي بمعنى يتراجعون الكلام1، وأما الحوار في الاصطلاح فمضمونه يشير إلى النقاش المتبادَل بأسلوب أدبيّ محسّن، فهو بذلك جزءٌ من الأدب وأسلوب من أساليبه، “وهو يعني مراجعة الكلام بطريقة مؤدبة وبألفاظ حسنة فيها نوع من الود والحب“2.

موسى والخضر أحداثٌ مسطورة في القرآن
تبدأ القصة بخُطبةٍ لموسى في بني إسرائيل، دفعت أحد الناس ليسأله بعدها، “من أعلم الناس” فأجـاب موسى: أنا، فعـتب الله عـليه وأوحى إليه أن له عـبداً في مجـمع البحرين هو أعلم منه، فقال موسى: يا ربّ وكيف لي به؟ فأمره الله أن يأخذ حوتاً فيجعله في سلّة وحيثما يفقد الحوت فإن مكان فَقده هو مكانُ وجود الخضر، وحين يجده فعليه أن يصحبه ليستفيد من علمه.

تقصّ آيات القرآن في سورة الكهف هذه الحادثة بما فيها من تفاصيل

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا  (82). [الكهف: 60- 82]

فوائد وعبرٌ
لقد عرّفنا هذا الحوار الدائـر بين موسى والعبد الصالح الذي انطلق موسى من أجله برحلته المثيرة، وكابد فيها العـناء والجهـد، ليصل إلى أسمى الغايات وهي غاية طلب العلم، فقد عرض موسى على الخضر أن يتبعه بكل أدب وتواضع نبوي عظيم بعـد أن أقـر على نفسه بعـدم المعرفة وعلى الخضر بالعـلم وهذا ما دلـت عليه الآية (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً).

وتحثنا هذه الآيات على ضرورة الصبر في طريق العلم الشـاق، وهذا يظهر لنا شيئًا من الطبيعة البشرية التي خُلقنا عـليها، وهي أن الإنسان لا يستطيع تحمل رؤية الظواهـر التي لا يحيط علـمه بها، وميله للتعجّل في إطلاق الأحكام عليها قبل التحقـيق في مضامينها والبحث في السياق المحيط بها والإمعان فيها، وهو ما جرى مع موسى عليه السلام عندما رأى أفعال الخضر الثلاثة.

عرّجت الحوارات على سمة النسيان، حيث هي جزء من نقائص الطبيعة البشرية، وتوضّح الآيات لنا أن النسيان تذكيرٌ بضعفنا وحاجـتنا إلى الله تعالى على الدوام.

ورد هذا النقص في موضعين ضمن القصة، الأول عندما نسي خادمُ موسى أن يخـبره بهروب الحـوت من السلّة ومضيّه في طريق البحر، والثاني عندما نسي موسى عهده مع الخضر بأنه سيصبر على ما يراه مما لم يحط به خبراً.

لقد عجّت الآيات بآداب وأخلاقـيات ليست غريبة على دين الإسلام، فنجد أن التواضع في طلب العلم وترك الاعتراض على المعلم في مقدمتها، ووجوب الوفاء بالعهود، والاعتذار عند مخالفتها كما فعل موسى، ويمكننا أن نفهم من الحوار الذي أعقب بناء الخضر للجدار القول بوجوب ضيافة المرتحلين، فقـد بدا على موسى الاستغـراب من عـدم ضيافة أهـل القرية لهم.

لا شك في أن القرآن يذخر بالكثير من الحقـائق والأخلاقـيات التي وردت بأساليب عـدة إلا أننا نجد أن القـرآن قد تميّز -ويكاد يتفـرّد- بكثرة اعتماده على أسلوب الحوار وتعليمه للناس ودوره في إيصال المعاني السامية، حيث يمكن من خلالها ترسيخ قيم الإسلام في نفوس أهله وترتقي بهم إلى أعلى مستويات الحضارة.


المراجـــــع

  • معجم لسان العرب
  • الخفاجي، مصطفى فاضل كريم، عقيل محمد صالح، ((مفهوم الحوار مع الآخر وأهميته في الفكر الإنساني))، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، 2017، المجلد 7، العدد :4.
  • ابن الأثير، النهاية، الجزء الثاني، الصفحة 356.
  • كلمات القرآن، الشيخ حسنين محمد مخلوف.
  • تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مج3، الصفحة 99.
  • تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار الفكر، الجزء 3 الصفحة 22.
  • التفسير المنير، الزحيلي، الجزء 16، الصفحات 11 و12.

أسلوب مؤمن آل فرعون في الدّعوة

تعرّف الدعوة بأنها بذل الجهود المتنوعة والمحاولات المتعددة لتبليغ القضية التي يؤمن بها الإنسان لغيره من الناس، وكذلك حال الدعوة إلى دين الإسلام، فإنّه يجب على المسلم بذل الجهود لتبليغ ما اشتمل الإسلام من عقيدة وشريعة وأخلاق للناس، وحثهم على تطبيقه والاستقامة على صراطه، فيكون لهم الفوز في الدنيا والثواب في الآخرة.

إن الدعوة للإسلام دعوة هادفة لها غاية ومساعٍ وأساليب، أما الغاية فتبليغ الناس الإسلام على اختلاف مراتبهم وتنوع أقسامهم، وأما المساعي فتكون بمختلف الأدوات التقنيّة والوسائل المساندة المتاحة التي تحقق للداعي كفاءة عالية في التبليغ، وأما الأسلوب فهو الحال المقنع عقلاً وعاطفة ويملك التأثير في المدعوّين بسموه ووضوحه.

لقد أخبرنا الله أنّ الدعوة إلى دينه من أشرف الأعمال عنده، فقال في كتابـــه العزيز: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

وقد امتدح الله هذه الخصلة في عباده، بدءًا بالأنبياء وصولاً لمن يسلك طريقهم، فقال {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46] وبلّغ أمته بقوله {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وقد وضّحه النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله (مَنْ دَعَــا إِلَى هُدىً كانَ لهُ مِنَ الأجْر مِثلُ أُجورِ منْ تَبِعهُ لاَ ينْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا)[1].

القرآن وأساليب الدعوة
وضّح الله عزّ وجلّ لنا أســاليب مختلفة للدعوة إليه في أكثر مـن موضع فـي القرآن الكريم، ولعلّ أسلوب مؤمن آل فرعون الّذي ذكره الله عزّ وجلّ في سورة غافر خير نموذجٍ يقتدى به للدّعوة إلى الخالق عزّ وجلّ.

قف معي عند سرد الله لقصته بدءًا من قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَـــاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّـــكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} حتى تصل إلى قوله {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}  [غافر: 28- 44].

حين تقرأ هذه الآيات فإنها ستأخذ بيدي ويدك لخطوط عامة مهمّة في الدعوة إلى الله:
وأول ما تنبئنا به هو أن الدّاعي الحكيم من يتكتّم حتى يختار الوقت والمكان المناسبين اللّذين يمكن للمتـلقّي أن يستجيب له مـن خلالـهما، فالنّبي صلّى الله علـيه وســلّم مكث الثّلاث السّــنوات الأولى في مكّة دون أن يجاهر  بالدّعوة إلى أن جاء الوقت المناسب بأمر الله فأعلن عن دعوته، ثم انتشرت حتى استجاب له البشر من كلّ فجٍّ عميقٍ، وكذلك مؤمن آل فرعون فقد أخبرنا الله عـزّ وجلّ أنه كان كاتماً لإيمانه إلى أن أتى الوقت المناسب فأظهر إيمانه وراح يدافع عن المؤمنين {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28]

أما الأسلوب الثاني المستفاد فهو محاورة المتلقّي ودفعه بفطرته وعقله السّــليم للتراجع عن أفكاره ومعتقداته الخاطئة، وقد اســتخدم صلّى الله عليه وسلّم هذا الأسلوب مرارًا، فانظر إليه صلّى الله عليه وســلّم حين يسأل الصحابة (أتدرون من المفلس) وهنا يتناقش الصحبُ الكرام فيه، حتى يمنحهم الرسول صلى الله عليه وسلم معنىً غاب عن عقولهم فالمفلس من “يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، وقدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ”[2]

وكذلك فعل مؤمن آل فرعون، حيث تساءل عن سبب توجههم لقتل موسى عليه السّلام، حين قال لهم: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}

إلى جانب التساؤل، فقد علمنا الله أسلوب التذكير بالنعم، فما من عبد إلّا وقد أنعم الله عليه بنعمٍ لا تعدّ ولا تحصى (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [النحل: 18] فعلى الدّاعي أن يكون دائم التّذكير بفضل الله ونعمه على العباد أجمعين.

 لقد كان لقوم فرعون الملك العظيم والسّلطة الواسعة، وقد راح مؤمن آل فرعون يذكّرهم بأنّ الله أنعم عليهم بهذا الملك والظّهور في الأرض بالكلمة النّافذة والجاه العريض فلا بد من مراعاة هذه النّعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله[3]   قال تعالى: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا} [غافر: 29]

فإن لم يجد الدّاعي تلك الاستجابة بالتّذكير بنعم الله فعليه “أن يطرق القلوب بإيقاعٍ آخر لعلّها تحسّ وتستيقظ وترتعش وتلين، فيذكّرها بمصارع الأحزاب قبلهم فهي شاهدةٌ ببأس الله في أخذ المكذبين والطّغاة”[4]

وقد ذكّر مؤمن آل فرعون قومه بذلك، {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} [غافر]

الترغيب والتودّد بابًا للدعوة
إن كان ضرب الأمثلة والتحاور بالاستفهام هما المدخل العقليّ فإنّ التودّد والّلين مدخلان للقلب، فمهمّة الدّاعي أن يفتح القلوب لا أن يغلقها، وقد أخبر الله نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم أن يدعوَ بالّلين والرّحمة وحسـن الخلق وأن يبتعد عن الفظاظة وقسـوة القلب قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159] وأمر موسى وهارون عليهما السّلام أن يدعُوَا فرعون بالقول الّلين قال تعالى {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)[طه] وعن عائشة رضي الله عنها عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال : (إنّ الله يحبّ الرِّفق في الأمر كلّه)[5] وكذلك مؤمن آل فرعون قد دعاهم بالّلين وذلك بمخاطبته لهم بقوله (يا قوم) والّتي تكرّرت خمس مرّاتٍ في القصّة.

وإلى جانب ترهيب المتلقّي وضرب الأمثلة له، فإن على الداعية أن يرغّب ويبيّن الأجر الكبير في اتّباع أوامر الله وهدي نبيّه ليس له جزاءٌ إلّا الجنّة والله تعالى قد رغّبنا مرارًا في القرآن كما قال (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133]

لقد دعا مؤمنُ آل فرعون قومه إلى النّجاة ورغّبهم بثواب الله على الأعمال الصّالحة، ووصف لهم فساد الدنيا وبقاء الآخر {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)}[غافر]

التوكّل في البَدء والختام
على المرء أن يلزم نفسه بالتوكّل على الله في كل كلماته وحركاته وسكناته، فالداعية حين يقوم بضرب الأمثلة ويذكر الترغيب والترهيب ويتودّد لمن يسمعه بشتى الأساليب، فإن عمله لن يكون خالصًا لله إلا بكمال التوكّل عليه، إذ لا يستطيع أحدٌ أن يهدي  أحداً إلّا بإرادة الله ومشيئته، وهذا حال النّبي صلّى الله عليه وسلّم الذي قال الله له (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56] وهذا مؤمن آل فرعون حين جهر بإيمانه أعلن في مواجهة فرعون وملئه بلا تردّدٍ ولا تلعثم أنه مؤمن وأنه قد فوّض الأمر لله وقد ذكر لهم أنهم سيذكرون كلماته في يوم لا تنفع فيه الذّكرى والأمر كلّه إلى الله {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44]

إنّ الدّعوة إلى الله من أحبّ الأعمال عند الله وهي أمرٌ للأنبياء ومن تبعهم وقد ذكر الله في كتابه آيات تدلّ على أساليب ومناهج الدّعوة إليه ومنها أسلوب مؤمن آل فرعون في دعوة قومه الّتي يمكن أن نستنبط منها خطوات عمليّة في الدّعوة إلى الله، إذ على الدّاعي أولاً أن يستغلّ الوقت المناسب للدّعوة وأن يطرح الأسئلة ويضرب الأمثلة التي تخاطب العقل وتقنع المتلقّي ولا ينسى الأسلوب اللّطيف اللّين في دعائه وتحفيز وتشويق من يدعوه من خلال تبيين الجزاء العظيم في اتباعه وأخيراً التوكّل على الله وتفويض الأمور إليه.


[1] أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، رقمه: 2674

[2] أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، رقمه: 2581.

[3] تفسير ابن كثير

[4] من كتاب (في ظلال القرآن) صفحة 3874

[5] أخرجه البخاري في صحيحه، رقمه: 5678

تدبُّر الدعاء في كلام الله

يعدّ الدعاء أحد أهم مظاهر العبودية التي تربط العبد بخالقه ورازقه، وتترجم حاجة المخلوق لله تعالى وثقته به، فالمرء يلتجئ لربه بالدعاء في الشدة والرخاء، واثقًا بالإجابة والعطاء، ومتأكدًا من سعة فضل الخالق وإجابته، ليحقّق بذلك شكلا من أشكال العبودية القلبية الواثقة بالله تعالى.

يعرّف اللغويون الدعاء بأنه تعبير عن الطلب، وهو قريب من معناه الشرعي، حيث يقصد بالدعاء طلب العبد ربه عز وجل العناية واستمداده منه العون، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتبرؤ من الحول والقوة، واستشعار الذلة البشرية.

الدعاء والعبادة
الدعاء أساس العبادة وسر قوتها وروح قوامها؛ لأن الداعي إنما يدعو الله وهو عالم يقينًا أنه لا أحد يستطيع أن يجلب له خيرًا أو يدفع عنه ضرًّا إلا الله جلّ وعلا، وهذه هي حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة أعظم منهما، فقد وردَ عن النعمان بن البشير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ قوله تعالى “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم”[غافر: 60]، فتساءل الناس “أي ساعة ندعو؟ فنزل قوله تعالى في سورة البقرة {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186]).

وليس بعيدًا عن ذلك وصف الله لعباده المقربين منه في سورة الفرقان، وذكر أنهم يتضرعون إلى الله بالنجاة من عذاب النار، {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} [الفرقان: 65]، فهم يطلبون من الله أن يصرف عنهم العقاب والعذاب وَجَلًا منه وحَذَرًا، حيث إنهم لشدة ورعهم وخوفهم من الله تعالى توقعوا دخول النار، وأيقنوا أن أعمالهم لا تكفي لتجنبها، فتضرعوا إلى ربهم بالدعاء أن يصرفها عنهم بشكل دائم مستمر.

يتابع تعالى وصف عباده بقوله {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: 74]، حيث يستمدّ منه ضرورة الدعاء في الشؤون الدنيوية، حيث يرى المؤمن زوجته وولده يطيعون الله، ويحسنون عبادته، ولا يجرون عليه الجرائر، ويسألون الله أن يجعلهم أئمة التقوى يقتدي بهم من خلفهم.

إن الدعاء دليلٌ على توكّل المسلم على ربه واستمراره في اللجوء إليه، وسرّ التوكل على الله هو اعتماد القلب عليه وحده، فالداعي يستعين بالله، ويفوّض أمره له، وهو وسيلةٌ لعلوّ الهمة، فالداعي يلجأ إلى ركن شديد، يستعين به على كافة أموره، وهو باب لمناجاة العبد ربه، وباب للخشوع والخضوع لله، وهو عبادة دالة على الإيمان بالله، واعتراف بربوبيته وأسمائه وصفاته واستحقاقه للعبادة.

ومن الأدعية الجامعة للخير قوله تعالى في سورة البقرة {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 204]، فقد جمعت الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فالحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية وسعة في الرزق وعلم نافع وعمل صالح وثناء جميل، والحسنة في الآخرة فهي دخول الجنة والأمن يوم الفزع ويسر الحساب يوم العرض والنجاة من النار، والتوفيق لاجتناب المحارم والآثام، و”من أعطي قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار”.

العبدُ وضرورة الدعاء
يقال: “إذا أردت أن تخاطب الله فادعه”، وهذا مفهومٌ من قوله تعالى {ادعوا ربكم تضرّعًا وخفية} [الأعراف: 55]، وهذا طلب من الله بأن نلجأ إليه ونظهر له الانكسار والخضوع.

يذكر الله لنا في خواتيم سورة البقرة -على لسان المؤمنين- دعاءهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}.

هذه الآيات تدفعنا للتفكّر في ضرورة الدعاء للإنسان لينقّي نفسه من أكدار الذنوب، فطلب العفو والمغفرة والرحمة تتضمن الوقاية من شر الذنوب والإقبال على رضا الله تعالى، والرحمة تشمل الإحسان والفضل والبر، وتعني النجاة من الشر والفوز بالخيرات، والنصر على الأعداء يعني التمكين والقدرة على إعلان العبادة وإظهار الدين، ولذا نرى أن خاتمة الآية كانت اعترافًا بولاية الله تعالى عليهم فهو الناصر والكافي والمعين والمجيب، وذلك بمثابة التعليم للخلق كيفية الدعاء.

وفي المقام ذاته وعد تعالى بقوله “قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد”، فإن تساءلنا من هم جاءنا الجواب بأنهم {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} [آل عمران: 15- 16]، وذلك من جوامع الدعاء، ففيه طلب المغفرة من الله، والإقرار والشهادة بالعبودية لله تعالى، وطلب الوقاية من النار وعذابها.

إن حاجة الإنسان للدعاء كحاجته لأن يحيا بكرامة، ففيه الخطاب المباشر مع الله، والحبل المتين الذي يشعر الإنسان به قوة الصلة بخالقه، ولذلك كان الدعاء طريق وصول العبد لربه، ولا بدّ فيه من تضرع القلب لله تعالى والوجل بين يديه والتواضع له والقنوت في محرابه، وسؤاله سؤال الموقن بإجابته.


المراجع:
تفسير الطبري.
تفسير ابن كثير.

 

 

 

نبراسٌ لغدٍ مشرق.. وقفة مع خواتيم سورة البقرة

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت” ما أعظمها من قاعدة هادية للحياة كلها، وكيف لا يكون ذلك وهي من كلام العزيز العلّام.

هذه الكلمات جزء من الآيات المباركات التي ختم الله بها سورة البقرة، والتي وصفت بأنها “تكفي الإنسان من كل شر إذا صحبها في صباحه ومسائه”، وهي التي فُتِح لها بابٌ من السماء لم يفتَح من قبلُ قطّ، لينزل منه ملاكٌ كريم يبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: “أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أُعطِيتَه”(1)

تزخر خواتيمُ سورة البقرة بقواعد حياتية مهمة، ومعانٍ عظيمة يجب أن تقوم عليها حياة المؤمن الحق، خاصة الشباب الذي يجب أن ينشأ وقلبه معلّق بالإيمان.

بشائرُ وقواعد للحياة
إذا ما حاولنا الإبحار في بطون التفاسير لنفهم معاني هذه الآيات فإننا سنجد خيراً كثيراً، أوّله أن هذه الآيات تمتلئ بمعاني الرحمة حتى أنّ آية “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” جاءت لتطمئن قلوب المؤمنين بأن آية “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله” قد رُفعَ حكم العمل بها، ومن ثم فقد انغرست الطمأنينة في قلوب الصحب الكرام بعد طول اضطراب، فقد مرت الأيام والليالي عليهم يتساءلون قائلين: من ينجو من عقاب الله على الوساوس والأفكار التي تخالط القلب أحيانا وهي خارجة عن سيطرتنا في أحايين كثيرة (2)

وثاني بشائر هذه الآيات نراه في مضامين قوله تعالى: “وقالوا سمعنا وأطعنا” ففيه درسٌ لنا يعلمنا ضرورة تغليب طاعة الله على هوى النفس، وقبول أوامره وتنفيذها مع الشعور بالتقصير عن توفية حمد نعم والثناء على آلائه، فلا نكون جاحدين أو منكرين، فالغفران لا يأتي إلا بالخضوع والاستسلام لأمر الله (3) فهلمّوا نفعل ذلك.

وثالث هذه القواعد نراه في قوله تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” ففيه رحمة عظيمة تأخذ بأيدينا إلى التبصُّر بسرّ التشريع الربّاني، فالأصل في الأوامر والنواهي أنها غذاء للأرواح، ودواء للأبدان، فالله تعالى أمر العباد رحمة وإحسانًا لهم، وهذه الآية تعالج النفوس المؤمنة حتى لا يخدعها شيطانها بعجزها، وتطمئن إلى رحمة الله وعدله وتتلقّى خلافة الله لها في الأرض، وتؤمن بأنّ خالقها أعلم بحالها ولا يكلفها بما يزيد عن طاقتها، فتهمّ للسعي والعمل دون أن تستثقل تكاليفه، كما أن فيها استنهاض لعزيمة المؤمن للقيام بتكاليفه وهو يحس برحمة الله به وأنه لا يكلفه بشيء يعجزه فمهما اشتد عليه أمر فإنه يعلم أن هذا من ضعفه هو لا من صعوبة التكليف الربّاني (4)

رابعًا: لو أيقن المؤمن بأنه مسؤول عن نفسه، وأن كل نفس لن تنال إلا ما كسبت، وأنها لن تحمل إلا ما اكتسبت، وأنه راجع إلى ربه فرداً بصحيفته الخاصة وأعماله، وأنه لن تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأنه لا ينفع المؤمن أياً من كان.

حينها سيدرك الناس أن كلام البشر وأفعالهم يجب أن لا تؤثر عليهم وأنه ينبغي أن لا يلتفت إليها ما دام الإنسان مؤمنًا بالحق مدافعًا عنه حتى وإن عودي من الناس كلهم.

إن أبسط مثال على ذلك ما يحدث لنا جميعًا، فجميعنا يخضع لامتحانات الدراسة عبر الانترنت ولا رقيب علينا سوى الله، فهل ترضى بأن تغش وتضيع حق الله وتنسى مراقبته لك كما يفعل كل من حولك؟ أم تثبت وتعلم أنك ستحاسب يوم القيامة فرداً لا ينفعك كلام الناس ولا نظرتهم ولا درجاتك كلها.

خامساً: لنقف قليلاً عند الأدعية التي تملأ الآيتين، هنا يتمثّل لنا حال المؤمنين الصادقين، حيث افتقارهم وضعفهم والتجاؤهم لربهم، ولا ريب في ذلك فهو وليهم وإلههم منذ أوجدهم وأنشأهم كما أن نعمه متصلة متوالية ولا حصر لها (5) وفي هذا صفعة قوية لمن يوهمون الناس بأنهم كائنات خارقة فهذا ينادي في الناس أطلق قدراتك الكامنة وهذا ينادي فيهم أخرج الوحش الذي بداخلك ليقلب الدنيا رأسا على عقب!

أي وحش هذا وأي قدرات تلك التي إن لم يعنه بها الله انقلبت وبالاً عليه!

ففي قول المتنبي:

إذا لم يكن عون من الله للفتى                   فأول ما يقضي عليه اجتهاده

وعليه فإن على الإنسان أن لا يسلّم لهذه الشعارات الخادعة عقيدته، فهي شعارات خواء، يبيع بها أصحابها الوهم..

إن طبع الإنسان وجبلّته مبنيّة على الضعف، فقد “خلق الإنسان ضعيفاً” (6) وقد تمثّل الإمام ابن تيمية هذه الحال فكتب في وصيته لتلميذه ابن القيم:

أنا الفقير إلى رب السماوات          أنا المسكين في مجموع حالاتي (7)

وفي دعائهم “ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا” طلب بالعفو والسماح من الله، وفيه أدب بالغ لا تبجّح فيه أو تعالٍ عن الطاعة والتسليم أو الضلال عن قصد وقد رفع عن المسلمين الخطأ والنسيان رحمة من الله بهم، فالمذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء على الدوام: عفو الله عنه فيما بينه وبينه، والستر عن عباده، فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في الذنب الذي يهلكه (8)

خلاصة الكلام
لقد عاش صحابة رسول الله وأبناؤهم في هدي القرآن ونوره، ولا عجب في ذلك، فقد علمنا عنهم أنهم لا ينتقلون من آية لأخرى حتى يتموا ما بها من أحكام وتدبّر وأعمال وأخلاق، ومن ثمّ فقد انعكس القرآن واقعًا في حياتهم وخُلُقًا في سلوكهم، وأقاموا أجيالاً قوية تعبُد الله على حق.

وهنا نسأل ونتساءل:

متى يعود شباب المسلمين إلى القرآن لينهلوا من معانيه ويتخلّقوا بأخلاقه وتستنير حياتهم ويكونوا خير أمة لخير كتاب!

هلموا لنقرأ القرآن ونتدبّر آياته، ففي آيتين من القرآن وجدنا مبادئ تزخر بمعاني الرحمة والموازنة بين الضعف والقوة والافتقار لله والمسؤولية.

فإذا ما طبّق المسلم هذه المعاني فقط من حياته لَعَلَمَ وعايَنَ كيف يكون التغيّر بالقرآن وآياته.. جعلنا الله وإياكم من أهل القرآن حقًّا وأصحابه صدقًا وبلّغنا شفاعته يوم الدين.


المصادر:

[1] أخرجه مسلم (806)، والنسائي(912) باختلاف يسير.

[2] تفسير ابن كثير(28/570)

[3] في ظلال القرآن (16/343)

[4] في ظلال القرآن (27/344)

 [5] تفسير السعدي ص (208)

[6] يراجَع مادة (المخلوقية والضعف) من مادة فقه النفس د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

[7] مدارج السالكين (2/470)

[8] تفسير السعدي (1/324)

مفاتيح رحلة بناء الروح.. تأمّلات في قصّة نبي الله نوح

أيّها الشابّ المسلم، إنّك الآن تخطو نحو مهمّة عظيمة، وهي أن تكون نسيج نفسَك لتنسجَ بخيوط من ذهب مستقبل أمّةٍ كريمة.
وكي تضمن أن تسلّم لنفسك البوصلة لتهديك نحو السبل القويمة، يجب أن تكون نفسك موافقة لمراد الله تعالى بأن تكون نبراساً يُستضاءُ به لا أن تكون فريسةً لصنوف الجهل التي تغزو هذا الكوكب.

وإن سألت عن رحلتك أين مبتدأها ومنتهاها، فاعلم أنّ الرحلة تبدأ من الدّاخل للخارج، لا من الخارج للدّاخل، فإن أردتّ قطع الصعابِ بالنور، فيجب أن تكون نجماً وضّاءً لا كوكبًا غائبًا، فكلّ إناء بما فيه ينضح، والنّبيه من يفحص ما حوله وينخلُه فيأخذ ما يبنيه، ولا يسمح لما يهدمه من التغلغل إليه.

 رحلة النهوض تبدأ من الذات، إذ إنّ من كان عاجزاً عن إدارة ذاته فهو عن أيّ شيء سواها أعجز.

اربط الحزام، لتبدأ الرحلة نظرياً، ثم اخلُ بينك وبين نفسك واسأل هل أطبّق قواعد البناء على نفسي فعليّاً أم لا؟

منبع قواعد الإدارة والقيادة
خير قواعد للإدارة تبدأ من آيات الذّكر الحكيم، فإن تشابهت الطرق وتحيّرتَ بين القويم والأقوم، فخذ الآتي قاعدة لك: إن كلّ أمر إِنْ لم يكن ربّانيّ المنبع يجفّ، والهديُ الذي يستقي نورَه من اللهِ يكون أهدى وأَدْوَم، فقواعد الدرب تتجلّى من ملازمة فهم آيات القرآن الكريم إذ قال الله تعالى: {إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وآيات الله التي تعطينا خريطة إدارة الذّات نبعٌ دفّاق، إذ أنّها في كلّ مرّة تقدّم فهماً جديداً لمن اختار أن يكون خليفة الأرض كما أراده الله تعالى، فلا يزعزعه سرور ولا يزلزله حزن أو دمع؛ إذ إنّ من امتلك همّة التغيير فَقِهَ علّة الوجود، وأسلَم نفسه لمراد صاحب الفضل والجود.

ركائز رحلة الذات
ترتكز رحلة إدارة الذات ومعالجة الروح على محورين أساسيين، المحور الأول هو “ركائز الانطلاق” والثاني “أساليب المواجهة”

أما ركائز نقطة الانطلاق فتعتمد على الاستعداد النفسي: أي امتلاك القابلية لإيجابية التغيير، وامتلاك الرغبة في التطوير، طالما أنّ الإنسان مستقر في حفظ الله العلي القدير، إضافة إلى نبذ كلّ شيء لا يكون على مراد الله، لتكون النهاية مشرقة لا يعتريها الألم والفشل، ويدل على ذلك قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  *وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود:36-37]

إضافة إلى الاستعداد النفسي فإنه لا بدّ من تعزيز التفكير الإيجابي وذلك بامتلاك القناعة الدّاخلية بضرورة المتابعة في هذا التغيير، والجزم بأنّك طالما مستمدّ ثقتك من الله تعالى فالمآل إلى خير بإذن الله، مع الأخذ بالحسبان بأنّ الظروف قد لا تسمح لك دوماً أن تتخطى الصعاب وكأنك تسير على بساط من حرير، فإن لم تكن القوّة نابعة من ثقتك بالله تعالى فلن يكون منحى المواجهة يسيرًا. وتذكر وأنت في هذا المقام قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [هود:38-39]

أما المحطة الثانية فهي مواجهة تحدّيات منتصف الطريق في الرحلة وذلك يحتاج من المؤمن أن يبني استراتيجية للسير عليها ويكون أولاً بالبدء من نقطة سليمة: وهنا ينبغي أن نعرف ما يضرّنا في المرحلة القادمة وما ينفعنا، لنبتعد عمّا يُساهم برجوعنا للوراء ونصحب ما يعضد نيّة الانطلاق وهدف الوصول معنا حيث يقول تعالى في كتابه الكريم: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]

إضافة إلى الاستراتيجية فإن على المؤمن الإقرار بالقوّة الفاعلة في المُنطلَق والمآل: إذ إنّ العون يُستقى من فضل الله تعالى، وكلّ مرحلة يقطعها الإنسان وهو مقرٌّ بهذه المسلّمة فإنه يرتقي بفؤاده نحو السموّ. ونستصحب ههنا قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود:41]

وإلى جانب ما تقدّم فإن على المرء إزالة المعتقدات التي تقف حائلاً في وجهه نحو هدفه: إذ إنّ التمسّك بأهل الفضل والفهم يسمو بالأرواح والعقول، والميل لجهة القلب إن لم يكن ممّا يرضي الله تعالى فإنه سيعيد الإنسان إلى الجهة التي أراد الابتعاد عنها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المعتقد قد يكون فكرة صنعها الإنسان من بنيان ذي قواعد هشّة إلا أن طول الاعتياد جعله مسلّمة لا تقبل النّقاش ولا التغيير، وكذلك العلاقات قد تكون علاقة لزوم واعتياد إلا أن رحلة التغيير قد تتطلب من الإنسان الابتعاد عنهم لشدة الاختلاف وافتراق المصير.

تذكر أن الله في القرآن صوّر لنا حوار نوح مع ولده والعاصفة ترفع منسوب المياه وابنه يبتعد عنه دون التفات، فقال لنا: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *  وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *  قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [هود:42-43-44-45-46-47]

نهاية الرحلة بداية لطريق جديد
إن المؤمن –كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كيّسٌ فطِن”، فإذا ما آنس ناراً أو حكمة أو علمًا وأدبًا اختار المضيّ نحوه بهمّة قويّة، ومَن كان هذا دأبه فإنه الله لا يضيّعه، خاصة إن كانت الخطوات في هذا الطريق مرافقة لصفاء النيّة.

إن خشيتَ –أيها المؤمن- أن يصيبك وهن أو ضعف خلال الرّحلة، فدواء ما يعتري الرحلة من وهن أو تعثّر متجذّر في الثّقة بالله واستحضار نيّة الانطلاق والعزم على المضيّ والاستمرار.

وتأتي النهاية لتمسح ما كان عائقاً في العزم على التغيير، وطالما غيّرت نفسك واتّبعت ألف باء المسير، فأبشِر بوصول بهيّ وعقل مدرك فطنٍ ذكيّ.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود:48]

أخبرنا عن رحلتك
إن بنيت يوماً سفينة التغيير، فشارك من حولك بها، وتكلم عن طريق الرحلة وكيفية إدارة ذاتك نحو السموّ، لعلّها تكون إلهاماً لكثير ممّن عزم على التغيير نحو الأفضل إلا أنه لم يلتقِ بأخٍ من أقرانه يحكي له عن مسارات الطريق.

مبادئ من عَبَق أم مبادئ من ورق؟

تعتبر الحياة المكونة من توازن القيم والمبادئ والأخلاق والعمران الأساس للنهضة وبناء الحضارة المستمرة، فلا يمكن أن تقوم النهضة الحقيقية دون أساس أخلاقي ينصف الفقير والمظلوم والضعيف، كما أنه لا يمكن أن تتقدّم الحياة في ظل الاضطراب والحقد الداخلي المتبادَل، ولذا فإن المجتمع يسمو بمواطنيه وأخلاقهم وقيمهم ومبادئهم وما يقدمونه من إسهامات فاعلة لتحقيق الاستقرار، لذلك يجب التمسّك بالمبادئ والقيم والصفات النبيلة والإنسانية والاخلاق الحسنة والعمل على نشرها بين الناس حتى تترسخ هذه المبادئ وتمنع من انتشار القيم المفسدة له.

إنّ روح الإنسان كشجرةٍ وارفة الظلال ومبادئها الجذور، وإنّ من الجذور لممتدّة في الأرض عمراً من نور، وإنّ من الجذور جذورًا أصابها الضعف فاستقرت في الأرض لا تظهر، وإنّ المبدأ ميزان حرارة الإيمان، وعلى كل مؤمن أن يظهر الخير من نفسه، ولا يجعل روحه ضائعة في الخذلان والندم، وشتّان بين نقيّ المبادئ وبين مشوبها.

التثبيتُ منّةٌ من الله
لنحملَ بيدنا مقاييس نورانيّة علّها تعطي كلّ واحد منّا إجابة: هل أنا من يُثبت دوماً في أرض الصلاح القدم؟

إنّ التمسّك بالمبادئ يحتاج إلى تثبيت من الله تعالى، وهو مصداق قول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74]، والتثبيت بحدّ ذاته يتطلّب صلة راسخة مع الله، تسقي فسيلة الروح حتى تغدو شجراً يبثّ نقي الأوكسجين في بيئة القضيّة، ويمتصّ كلَّ غاز سامٍّ يُنفثُ ممن اختاروا أن يكونوا للفساد رعيّة.

ولذلك كان رسول الله ﷺ يُكثر من دعاء: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك) وقد ذكرته زوجه أم سلمة رضي الله عنها عندما سألها شهر بن حوشب يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ؟ قالَت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ؟ قالَ: ((يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ.)) فتلا معاذٌ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [الإسراء: 74]. [حديث صحيح، رواه الترمذي]

كيفَ تُنحَت المبادئ
إن مقياس المبدأ ينطلق من الشريعة الغرّاء لا من موافقتها للأهواء، وبما أن الشريعة ليست ثوباً يُفصّل، ولا مصفوفة يُقرّب فيها ما نحبّ وما لا يعجبنا يُقصى ويُؤجّل، فإن الإقرار بعلوّها والتسليم لها والتمسّك بتعاليمها بداية الطريق للثباتِ على المبادئ التي أقرتها.

إن المبدأ هويّة الإنسان، ولذا نرى كثيرًا من الناس يسقطون عند العاصفة الأولى ويتغير منهم الحال، بينما نرى آخرين راسين ثابتين كالجبال.

قد نرى أحدهم في حال اليسر ينافح عن تحريم الربا إلا أنه حين اهتزّ مركب تجارته لجأ للاقتراض بفوائد عالية!!

إنه يحدّث مفاهيمه بحسب الواقع المحيط به. وقد وصف الله تعالى الناس الذين تموج بهم الفتنة منذ الصدمة الأولى فقال عنهم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ} [الحج:11]

كما أن آيات القرآن رسمت لنا الخطوط الدقيقة للدنيا، ووضعت الطريق الذي يأخذنا إلى الحقيقة.. فالدنيا بوصف القرآن مساحة ممتلئة بالفتن التي يكسوها البريق، {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد:20] ولا بد لنا أن نعرف حقيقتها أولاً لنقيس مبادئنا عليها.

وهنا يأتي دورنا في الالتجاء إلى الله وطلب الثبات منه، إذ الثبات على المبدأ ليس جهداً شخصياً وإنّما هو مدد ربّاني{يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27]، ولذلك فإن لزوم القرآن والسنة هو الطريق الآمن للحفاظ على الرصيد الإيماني.

تحديد نقطة الضّعف ورحلة العلاج
نقطة الضعف هي بوابة الدّخول للنهاية، فإن لم تُعالَج منذ البداية، فإن الإنسان سيستمر في الغوص بالخطأ والبعد عن المراد الإلهي، ومن ثمّ فإن الأولى أن يبدأ الإنسان بتحديد نقاط قوّته ونقاط ضعفه وتحديد مساره والنّظر في الدّافع والغاية.

عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) [حديث صحيح، رواه البخاري]

لقد بشّر رسول الله ﷺ المتمسّكين بالإسلام ومبادئه، فقال مخاطباً الصحابة الكرام عمّا سيعتري الناس في الأزمان التالية لزمنهم: ((إِنَّ مِنْ ورائِكُم زمانُ صبرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فيه أجرُ خمسينَ شهيدًا منكم)) [حديث صحيح، صحيح الجامع].

قد يختلفُ الزمان والمكان، إلا أنّ استهداف الإسلام ومبادئه لا يكون إلا بالنفوذ إلى الحلقات الضعيفة في أنفسنا وقلوبنا، ومن ثم فإنه حريٌّ بنا أن نقوّي صلتنا بالله وأن لا نكون سببًا في ضعف الإسلام وقيمه في قلوب الناس وعيونهم ،فشتّان بين من تختار روحه التصحّر وبين من تختار روحه أن تكون غيثًا تنشر الخير لمن اختار السعادة

قبساتٌ من نورِ الدعاء

يقتبسُ الإنسان المفردات والألفاظ من تفاعله مع الآخرين ومن الكتب ومن أقوالٍ سمعها من مكانٍ ما، وبذلك يستطيع صياغة الأحاديث، لكن إن كان حديثه خاصًّا مع خالقه، فما المصدر لصياغة الكلام؟
لقد أودع الله صيغاً لهذا الحديث في القرآن، وقام الأنبياء وسائر الناس باتباعها ولعلّ أبرز النماذج عن الحديث بين المؤمن وبين الله هو الدعاء، الذي أفردت له آياتٌ من القرآن توضّح لجوء الناس والأنبياء إليه، وتعلم الإنسان أسس مخاطبة الله من خلاله.

هنا ينبغي أن نعي فكرةً هامةً وهي أن صيغة الدعاء ليست مهمة بقدر أهمية السبب الذي نعتمد من خلاله على هذه الصيغة دون غيرها وما جاء فيها من معانٍ وقيم، وكيفية تحقيق الغاية منها بعيداً عن ترديدها اللفظي فقط.

افتتاح الدعاء لله
يردد المصلّون كل يوم سورة الفاتحة حوالي سبع عشرة مرة بندائهم الله تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 5]، طالبين منه أن ينور دربهم بالاستقامة والهداية، هذا الرجاء الكبير ينطوي على ما يريده الإنسان من الإرشاد والوعي والفكر النيّر على أصعدة الحياة كلها كالدراسة والعمل وتكوين الشخصية ومواجهة المشاكل ..الخ.

هنا يجب أن نقول: إنّ التعمّق بالبحث عن الصراط المستقيم يفضي إلى آفاقٍ بعيدة مركزها اتباع مسار الدين الذي لا اعوجاج فيه، إلا أننا قبل أن نصل إلى ذلك علينا أن نعلن (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: 1] ثناءً وشكراً للخالق على نعمه وخيره  -وبلا شك ذلك واجبٌ على كل مؤمن-، وهنا يحلق الدعاء بعيداً عن مفهوم الرجاء المتعارف عليه ليصل إلى بحر الامتنان، حيث نجد أدعية التيسير والتوفيق التي يلفظها الناس تعبيراً على شكر بعضهم بعضاً وهذا ما يدفع المدعوّ له للاستمرار في البذل والعطاء، فكما أن الله يُحمد فيزيد النعم فإنّ الله قد غرس في الإنسان سمة البذل عندما يدعو له الآخرون، فعندما يرى دعوة من أحد كتبها الله له فقد يسارع إلى مزيدٍ من الإنجازات تدفع الحياة والإنسانية قدماً.

هنا ننوه أن كلمات الدعاء بلغت من الشأن ألا تكون كلمةً حسنةً بمثابة صدقة فقط بل إنّها تشجع على الإبداع وتقوّي الإيمان بفعل الأفضل دوماً.

الدعاء دافع للصبر والرضا
نرى في الدعاء فضيلة لا بد من الوقوف عندها، وهي قدرته على إدارة الحياة ودفعنا لالتماس فرص جديدة بعد الوقوع بالأخطاء أو تقصيرٍ في الأعمال، فالمؤمن عندما يقف متحيراً يلجأ إلى الله لعلمه أن الدعاء له يطمئن قلبه ويدفعه للابتعاد عن الحيرة، وهذا ما جاء في آخر آيةٍ من سورة البقرة (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ )، [البقرة: 286]حيث يؤول معناها إلى طلب المؤمن من الله عدم المؤاخذة في نسيان فرضٍ ما، أو عدم تأدية عملٍ مطلوب منه بوجهه الشرعي، ولا ينطوي هذا الدعاء على هذه الفكرة المهمة فحسب، بل إنّ الإنسان إذا نظر في الشيء بإمعان لأبدع في استخدامه وهكذا الدعاء ففيه “العون” والمدد، ابتداءً بالتوجيه للصواب من الأمور وانتهاء ببث الطمأنينة في القلب.

لا يقتصر التمثيل لهذا من نهاية سورة البقرة بل ينطبق على أكثر من صيغة دعاء وردت في القرآن الكريم ونشاهد هذا التداخل الفريد في استخدام نفس كلمات الدعاء بصيغها المعهودة في أكثر من دعاء ولأغراضٍ عديدة أمثال دعاء السفر والأكل وقبيل النوم وعند الصباح ودعاء الوتر وفي خطبتي الجمعة والعيد .. إلخ .

الدعاء وحياة المجتمع
من ناحيةٍ أُخرى نجد العديد من القضايا الاجتماعية عولجت في بعض صيغ الدعاء، كالآيات التي تتحدث على بر الوالدين، حيث دلّت على أن الدعاء بالرحمة للوالدين من البر إليهما، وجاءت صيغة الدعاء مزامنةً لصيغة الطلب والأمر (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، فالدعاء للوالدين جزء من برهما، والرحمة جزءٌ من رضا الله، فبرهما والدعاء لهما تحقيق للرحمة التي أمرنا الله بها.

وردت في القرآن –أيضًا- آياتٌ كثيرة تضمّنت أدعية متتابعة لأفكارٍ مختلفة وبالإمعان بالنظر نجد تأكيد الله على استجابته للدعاء أو بالمجمل أن الله سريع الاستجابة ومن أبرز تلك الآيات دعاء موسى لله حين أمره بالذهاب إلى فرعون في سورة طه [الآيات:25-36] (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي *وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) وما جاء بعد ذلك في قوله تعالى (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) [طه: 36]

الدعاء معونة للحياة والإنسان
لنتوقّف هنا أمام الهدف والمعنى السامي من الدعاء وهو كونه عوناً للإنسان، وجرعة قوية المفعول لتقوية الإيمان وترسيخه، حيثُ يكون أداةً شرعها الله وشجع عليها لتؤدي بمشيئة الله إلى تفريج الكربات أو تحقيق الآمال، وبالتالي يمكن القول إنّ العودة إلى الله ربما تبدأ باللجوء إليه والتضرع له.

يحمل الدعاء طابع الاستمرارية وهذا ما يشجع الناس على استدامة القيام به، ففي القرآن حمل دعاء سيدنا إبراهيم عندما طلب من الله جعل مكة آمنةً من الخوف وسفك الدماء معظم الاوقات وأن يمن الله على أهلها بالخيرات ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ ) فحفظها الله قبلةً للمسلمين جميعاً، وتأكدت رغبة إبراهيم عليه السلام حين جعلت مكة حرمًا آمنًا بأمر الله.

لكن الإسقاط هُنا يعبر عن دعاء نبي وأدعية الأنبياء مستجابة في العادة فماذا عن استمرارية دعاء المسلم؟

حسناً، إن المسلم حين يدعو ابتغاءً لنيل شيءٍ من نعم الله فإنّ الله لن يخيبه ويقطع نعمته إلا ليختبره أو ليثبت ايمانه أو منعاً لفساد نفس الإنسان أو امتحانًا له، لكن نظراً لتحقيق أنواعٍ محددة من الدعاء غدا الدعاء مستمراً بطريقةٍ متفاوتة بين الناس.

لقد أرشد الله عباده من خلال نبيه الكريم ﷺ والقرآن الكريم إلى الأوقات المثالية للدعاء وأهمها وأشهرها شهر رمضان المبارك تحديداً ليلة القدر منه وعند إفطار الصائم، بالإضافة إلى يوم عرفة وسائر الأيام عند السحر من الليل وعند هطول المطر ويُستحب الدعاء عند السفر وأثناء السجود لكن لم يربط الله الدعاء بوقتٍ محدد بل قال ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ ) [البقرة: 186] تأكيداً على صلاحية الدعاء في أي وقت بعيداً عن ساعةٍ معينة وتذكيراً للعباد بأن الله قريبٌ يستجيب دون تحديد نقاط زمنية حصرية، أما الأوقات السابقة فهي أوقات تفضيلية للدعاء نظرًا لما تتضمن من رحمات وبركات إلهية.

سر الدعاء
لقد جاء عن النبي ﷺ أن “الدعاء مخّ العبادة” –رواه الترمذي- وهذا يدفعنا لقراءة هذه الصلة بين الإنسان وربه على ضوء مفهوم أوسع، ألا وهو العبادة التي ينال بها الإنسان رضا الله والمواظبة على طاعته، ومن آداب الدعاء أن يكون لعامة المسلمين كما قال أبو الأنبياء إبراهيم (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم: 41] وأن لا يدعى به في الإثم كقطيعة الرحم أو ما شابه ذلك، كما ينبغي أن لا يستعجل الإنسان إجابة الدعاء، حيث إن الله مستجيبٌ حتماً ولو بعد حين، وفي التأخير حكمة، ولعل في عدم الإجابة عطاءٌ يفوق الإجابة الفورية..

إن القيمة العظيمة للدعاء بيّنها الله في القرآن، وفي حال لم يتنبه المسلم إلى أهمية الدعاء لحياته من خلال تدبر كتاب الله فعلى الأقل يجب أن يفعله اقتداء بالأنبياء والصالحين حيث كان الدعاء دأبهم ومنهجاً يستخدمونه في حياتهم وهذا يدل على فهمهم لهذا المفهوم العظيم الذي شرعه الله.

خلاصة القول إنّ الرغبة في الدعاء دليل على تعلق القلب بالله ويقينه بالاحتياج المطلق له، لكن هذا الدعاء لا ينتقل ليكون علاقةً بين الخالق والمخلوق إلا إنْ تفكر الإنسانُ بالدعاء كأداةٍ فعالة يستخدمها في حياته ويدّخر بعضاً منها لآخرته