image_print

سيرًا على الأقدام .. من الأندلس إلى بغداد!

بحثتُ في برنامج الخرائط في شبكة الإنترنت عن المسافة بين إسبانيا والعراق، كانت النتيجة أن المسافة تزيد عن 5140 كيلومتر، فتساءلتُ، كم ستكون مدة المسير فيما لو أراد الإنسان قطعها ماشيًا بلا انقطاع، فكان تقدير برنامج الخرائط هو قرابة ست وثلاثين يومًا، يمرّ المرء فيها على عدد من البلدان.

تساءلت في نفسي والموقع يعرض لي المرور عبر القارة الأوروبيّة -وقد تماثلت لذهني صورة العلماء الرحّالة في طلب الحديث- تُرى هل مر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ بنفس المسار الذي أظهره البرنامج أم اختار بلدان شمال إفريقيا حتى يصل إلى غايته؟

يا لها من غاية جليلة تلك التي دفعَته ليواجه مخاطر السفر كل هذه المسافة ويتحمل المشقة والتعب يَحُثُّ الخُطى مواصِلًا السير مُصِرّا على الوصول إلى العراق مهما لاقى في رحلته ما لاقى!

ما قصة ذلك الأندلُسي العصامي، وما الكنز الذي سافر إلى العراق بهدف الوصول إليه، ومن أين أتى بذلك العزم، وتلك الشجاعة، وذلك الصبر؟  ولماذا لم يُؤْثِر الراحة بركوب راحِلة تُبلغه مرامَه كالحصان أو الجمل؟ كان ذلك سيفي بالغرض بكل تأكيد لقطع هذه المسافات الشاسعة؟

الرحلة إلى لقاء العلماء

عشرات الأسئلة الأخرى جاءت لذهني، إلا أن أكثرها إلحاحًا كان لماذا المشي بالذات، بمَ كان يحدث نفسه كلما قطع خطوة؟ وكيف كانت السعادة تغمره كلما اقترب من مراده الذي تهون المتاعب في سبيله؟

تلك التضحيات النبيلة والصبر العظيم كان في سبيل لقاء العلماء، فتمشي لأجل ذلك الأقدام آلاف الخطوات ولا تبالي، للقاء الإمام أحمد بن حنبل سافر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ من الأندلس إلى العراق ماشيًا على قدميه لهدف واحد، ألا وهو “طلب العلم”.

فرق شاسع بين حالٍ مضى كان يرحَل فيه آلاف الأميال للسماع على عالم جليل، وبين واقع اليوم في عام ألفين وواحد وعشرين، حيث يتوفّر مسند الإمام أحمد بنقرة واحدة على لوحة المفاتيح وفي أقل من ومضة!

يحدّثنا بقيٌّ عن نفسه ومعاناته في أسفاره، فليس له عيش إلا “ورق الكرنب الذي يرمى”، إلا أنه بالرغم من ذلك كله يقول: “سمعتُ مِن كُل مَن سمعت منه في البلدان ماشيًا إليهم على قدمي”، وقد صدَق -رحمه الله- فقد قيل عنه: إنه “لَمْ يُرَ راكِبا دابةً قَط”. (1)

لقد قطع بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ تلك المسافات كلها ليسمع من إمام السُّنَّة حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وحُقّ له ذاك! فما أدراك من هو أحمد، وهل أتاك حديث المحنة والفتنة التي وقف فيها شامخًا صابرًا راسخًا؟

هل أتاك صوت السوط حين يهوي على ذلك العالِم الجليل جَلدًا وظلمًا وتعذيبًا إلا أنه آثر تذوّق العذاب على أن يريح نفسه من ألمه وإن كان المقابل كلمة عابرة تعبّر عن غير ما يقتنع به.

الهمم الجليلة

لعلكم سمعتم أو قرأتم عن كثيرٍ من الأئمة الأجلاء من سلف الأمة، كسفيان الثوري، ويحيى بن معين، وشعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح.

لا شك أنك –أيها القارئ- سمعت شيئًا عن الإمام البخاري وصحيحه، لكن أَوَقفتَ يومًا على تفاصيل حياته ومحنته وصبره وتعبّده وزهده؟

يعرفُ طلبة العلم كتاب “سِيَر أعلام النبلاء” الذي يترجِم ويشرح ويسردُ الكثير عن شخصيات من العلماء والمحدثين والرواة في تاريخ المسلمين، لقد كان الهدف الأسمى لهذا العلم –أي التراجم- أن نميّز بين “النبلاء” الذين حفظ الله بهم هذه السُّنَّة المُشَرّفة، فتركوا الراحة وهاجروا من بلادهم ورحلوا في شتى أنحاء الأرض للوصول إلى الغاية الكبيرة في الاطمئنان عندما يقال: هذا “حديث صحيح”.

بالتأكيد فإنك قد رأيت هذه الكلمات مكتوبة ذات مرة تحت حديث ما، سواء في تويتر أو فيسبوك أو أي مكان آخر.. لقد كان ثمن هذه الكلمة الكثير الكثير، كالرحلة الجليلة لبَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ من الأندلس إلى بغداد..

صورة كتاب "سير أعلام النبلاء" وفيه سيرة بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ

همّة منذ الصغر

قد لا يكون الحضور الشبابي في أروقة التراث أمرًا عجبًا، فمع بدايات سنّ العاشرة –تقريبًا- بزغت أنجم علماء كثيرة، كالإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام سعد الدين التفتازاني وغيرهم الكثير من مفكري الإسلام وعلمائه، مما يفسّر عظمة العطاءات العلمية والمشروعات الفكرية التي قدمها الكثير من العلماء الأوائل؛ فقد كانت أعمارهم كلها تقريبا -إلا بضع سنين للنشأة الأولى- مبذولة للمحبرة والدواة.

جاء في “ترتيب المدارك” للقاضي عياض أن الإمام مالك جلس لتعليم الناس والفتيا وهو ابن سبع عشرة سنة، وعُرفت له الإمامة منذ ذاك (2).

لا يضرّهم من خذلهم

لقد بلغ من همم العلماء أنهم إذا أرادوا أن يحكموا على حديث ما بالصحة أو الضعف أن يتحروا ويبحثوا عن رواة هذا الحديث ويسافرون من بلد إلى بلد للسؤال عن حقيقتهم مهما كلفهم ذلك من مشقة وعناء! ثم يأتيكَ اليوم من يطعن في صحيح البخاري!

أنت يا من يرمي هذا الجبل بسيّئ الكلمات، سل عنه دواوين الخلود، فإن “كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيًا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدّتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، هم حفظة الدين وخَزَنته، وأوعية العلم وحملته، [..] لا يَضرُّهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، والمحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وإن الله على نصرهم لقدير” (3) ثم بعد كل هذا أتُراهُ أمرًا سهلًا أن أكتب عن علماء الحديث!

إن اللغة لترتبك في مخابئها حين أتحدث عن هذه الهمم، تحذرني من إخراجها بأسلوب ضعيف، بل إن القلم ليتقدّم خطوة ثم يتراجع عشرًا خوفًا من التقصير في الوصف، وهيبة من استخدام اللغة بمستوى لا يليق بتلك النفوس العظيمة، واستحياء من التقصير في حمل الأمانة، إنه حياء التلميذة من إهمالها علوم شيوخها وآبائها.


الإحالات

  1. سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، ج13، ص: 291.
  2. ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج1، ص58.
  3. شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغددي، ص: 28.

العلم المجرّد .. فتنة أم طوق نجاة؟!

ليس من الصدفة أن تبتدئ أوّل آيات القرآن نزولاً بالحثّ على القراءة، وأن تذكر أهم مزايا الإنسان، أي إمكانية العلم والتعلّم، فالله البارئ سبحانه: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 4-5]، وفضّله على سائر خلقه بهاتين المَلَكتين: العقل والعلم، فمن يرد الله به خيرًا يجعل له إلى العلم مسلكًا ويعبّد له طريقًا إليه، ومن لم يكن له في العلم باعٌ ولو أقل القليل، أُرسل في الدنيا يجمع منها ما يجمع، ثم يعود كأن لم يكن له منها نصيب، لا يغنيه جمعه المال دون علم ولا ينفعه عند الله.

إن أفضل العلم ما دل على الله، وعلى مراده من عباده، ويكون فاضلًا ما تبعه وخدمه وألحق به، ثم بعد ذلك يكون من العلم ما يعرف الناس به دنياهم ويتفاضلون فيها، وبه يعمرون أرضهم وديارهم.

ولعل القول إن موضوعًا كهذا قد طُرق مرات ومرات، ولكن ما تفجؤنا به الأيام مما يثير الدهشة من انسحاق للهوية ومن انحرافات مخزية يستلزم التذكرة كل حين، وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

العلم وسيلة والعبادة غاية

مكانة العلم بمختلف توصيفاته وتعريفاته لا تخرج عن كونه وسيلة للدلالة على الله وعلى مراده من خلقه، وطريق لتسخير مخلوقات الله في عمارة أرضه وتهيئتها ومن فيها لعبادته وفق منهج الله تعالى، فمناط الأمر كله ومرده إلى عبادة الله وحده وفقط، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56- 57]، فلما كان الخلق كله ابتداء متضمنا خلق الإنسان لعبادة الله وحده، لزم أن يكون كل ما سخر في الكون يؤدي وظيفة لهذه الغاية، سواء جعل للإنسان سلطانًا عليه أم لا، وسواء عرف تلك الوظيفة أم لم يعرف.

إن الإنسان لا يتسلط على ما حوله من مخلوقات إلا بسلطان العلم بأمر الله، لقوله تعالى:  {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]، ولو استعمل الإنسان سلطانه لشق طريقه نحو معرفة الله فبها ونعمت، فبذلك قد استخدم الوسيلة لتحقيق الغاية في المسار الصحيح، أما لو استعملها وفقا لهواه فإنه بذلك يخرج بها عن مراد الله.

إن وجود العلم أساسًا بهذه الكيفية وتسخيره لبني آدم هو إرادة الله، فلو أراد الله تعالى لأداة أخرى أن تستعمل للدلالة عليه بدلًا من العلم لما كان للعلم قيمة حينئذ، فهو يكتسب قيمته من شرف وعلوّ الغاية التي ارتبط بها وبالدلالة عليها، وإلا فلا قيمة له، فنجاح الإنسان في الوسيلة يقاسُ بقدر تحقيقه للغاية، وما دامت الغاية لا تُطلَب ولا تتحقّق فلا قيمة للأدوات، ولا نجاح حقيقي آنذاك يعتبر، لأن المنشأَ ماديٌ والهدف كذلك.

العلم وسيلة

فتنة العلم

وصل الوثوق بالعلم إلى حد يشبه طغيان الأساطير اليونانية حول آلهتها المزعومة، بل باتت نزعة العلموية “تقديس العلم” محورًا أساسيًّا في النقاشات، ورسمت حوله هالة تتجاوز حجمه الحقيقي، شأنه كشأن الكثير من الوسائل التي تحوّلت من الوسيلة لتحل محل الغايات.

إن ما يعقب تحول الوسيلة إلى غاية من المشكلات أكبر من المنافع التي قد تتأتى منها، ومن هذه المشكلات الطاغية في تحول العلم إلى قداسة ظاهرة أن سطوة هذا العلم على جهل الإنسان في أحيان كثيرة تجعل منه مرشدًا يُتبَع ومصدرًا يُتَزَوّد منه بعيدًا عن وحي الله، بدلًا من أن يخدمه ويفسره وييسر وصوله للناس.

وبدهي أن مثل هذا الانحراف يأتي من أصحاب الهويات المائعة المنجرفين خلف أفكار برّاقة تفسد العقل والدين، ولربما وجد بعضهم هويته الضائعة في نظرية علمية تسد جوع روحه، أو منهج تجريبي يقضي فيه عمره كما يقضى في غيره، وظيفة تؤدى كأي وظيفة عدا أن لها رونقا وبهرجًا خاصًا، ليس بالضرورة رسالة عظيمة وخدمة للبشرية أو حرصا على نفعها، كما أن أكثرهم في النهاية دمى تحركها أيدولوجيات أكبر، تصوغ مخرجات هذا العلم وتجاربه وفقا لمساراتها ومخططاتها.

إن ما لا يتوقع ههنا أن ينسحب ستار هذه السطوة على أصحاب الوحي أنفسهم، فنجد بعض الكتاب والمفكرين والمثقفين وبعض الدعاة أحيانًا ينجرفون إلى تصديق خرافات بعض هذه العلوم، ناهيك عن محاولة أسلمتها ونشرها بين الناس.

تعظم البلوى –بكل تأكيد- في أمر العامة، أو من يظنون العلم خيرًا كله، ولا يسعهم إلا تصديق ما يجيء من خلاله سواء كان صافيًا أو مشوبًا بأكاذيب وخرافات، فليس بوسع الجميع تمحيص ما يعرض عليه من الكلام، خاصة إذا ادّعى قائله استناده إلى مصادر علمية صحيحة ومحكمة، وتفنيد ما قد يرد فيه من شبهات بقصد وغير قصد يطعن أغلبها في صميم العقيدة ومبادئ الدين.

إن أدلجة المنتَج العلمي وإخراجه من سياقه المحض إلى سياقات أخرى تدعم نزعات تقديسية تواجه الدين، سواءً بمزج صحيحه ببعض الكذب، أو بتحوير الصحيح منه ليتلاقى مع الأكاذيب، فإنه سيأخذ أختام العلم التجريبي ودرجات التحكيم العالية فيصبح بعيدًا عن أي مجال لمناقشته أو رفضه، وما يلبث أن تُنشَر الفكرة وتُعمَّم وتكثر أدبياتها المرئية والمسموعة، بل وتسن لأجلها القوانين الدولية رغمًا عن جميع الناس، بغضّ النظر عن سحق الفطرة وتجريد الإنسان من بقايا إنسانيته، فيصير الحق باطلًا، ويصبح الوضع المعكوس الصورة الأمثل، وكل ذاك نابع من مغبة الافتتان بالعلم والنزعات التي تقدسه.

قليلُ العلم ضياع!

السرعة التي تطال كل شيء، إنها من أشد ما ابتلينا به في هذا الزمن، ومن آثارها ما انعكس على الرغبة في تحصيل العلم بطرق سريعة، بغير بذل كثير وقت أو جهد، ونجد لهذا صدى في البرامج التي تسمي نفسها (علمية) والتي تعرض لمواضيع وأفكار علمية بصورة مقتضبة ومختصرة وسريعة، بطرح وجهة نظر معينة هي ضعيفة على الأرجح وتخدم سياقًا معيَّنًا، أما المواضيع التي تتسم بالرصانة فلا تخلو من حشوها ببعض المغالطات والخرافات.

إن المشاهد الذي انتشى بفرقعة الموضوع العلمي الجديد داخل رأسه، لم يحصّل علمًا نافعًا في الحقيقة بحيث يمكنه الاستفادة منه أو إفادة غيره، فهي لا تعدو أن تكون فرقعات ترضي نشوتها الفضول لدينا، وعلى الأغلب يتم نسيان أكثرها بعد قليل من الوقت، ولكن ما لا يتم نسيانه هي تلك الشبهات التي مُرِّرَت بذكاء، وما علق بوعي المتلقّي ولا وعيه، وما ينشأ من تراكمات تشكل في النهاية تصورا كثرت فيه الانحرافات، يَقِلُّ معه إنكار المنكَر في أحسن الأحوال، هذا إن لم يكن من مؤيدي تلك الأفكار الجديدة المنحرفة والمنافحين عنها، كونها تقدم على أنها علمٌ محكمٌ تجريبيٌّ محايدٌ كما يُظَنّ.

إن من أخطر آثار هذه الانحرافات هو الانحراف العَقَديّ الذي ينتشر بين المسلمين، والذي يلاقي انتشارًا واسعًا، خاصة بين الأجيال الجديدة البعيدة كُلِّيًّا عن أي شكل من أشكال العلوم النافعة وتحصيلها، فتمثل هذه المصادر لهم منبع العلوم الرصين الذي لا يُرَدُّ ولا يُناقَش.

ليس ثمة عند المسلم شيء أثمن من عقيدته، وقد سخّر الله بعض الناس يفندون شبهات هؤلاء الناس الذين وقع نتيجة إفسادهم أناس كثيرون، فيبينون انحرافاتهم ومغالطاتهم.

ما يضر أحدنا لو حرم العلم كله وأتى الله بعقيدة كصفحة بيضاء، لهو يومئذ في مقام أعز من مقام العالم الضال المضِلّ، ولو جمع امرؤ العلم كله، ونشره في أرجاء الدنيا ثم أتى الله بعقيدة هُتِك رداؤها، فإنه حينها لفي خسران مبين، لا يغني عنه علمه من الله شيئا.

فالسلامة في العقيدة أرجى من كل علم، ومعرفة الله وحده تغني عن كلّ معرفة أنبتها المخلوق ولا تدل على الخالق، وإن لم يستطع أحدنا أن يفرز ما يتلقاه ويفنده ويميز النافع منه والضار، فعليه أن يبعد ذهنه عن التعرض لذلك كله، وألّا يأخذ العلم إلا ممن هم أهل للثقة، وبطرقه الصحيحة التي تبين له المسائل والأفكار من وجوهها كلها، فيعرف نفعها وضرها، فلا يخدع بما ينخدع به غيره.

هل يرتدي إبليس قرنيه دائماً؟

ثمة شيء أصعب من مواجهة العدو، إنّه توقّع زمن ومكان ظهوره، و إن كان الحديث عن أعدى أعدائنا –أي إبليس- فالصعوبة تكمن في التيقّن من وجوده أصلاً، فتخيّل معي حجم الخداع حين تكون ملقىً في شباكه تسيّرك وساوسه -أي في ميدان حربه عليك- لكن دون أن تعلم.

كما أنَّ للإنس لثاماً يتغطّون به فلا يعرفهم أحد، فإنّ للشيطان أشكالَ تنكّرٍ أخفى وأعظم، بعضها قد يصل في التمويه حدَّ الملائكية، وفي القرب منك حدَّ دواخل نفسك ونواياك، وصولاً إلى الدخول في أعماق قلبك.

لإبليس أبواب متفرقة، يدخل منها سويّاً أو بالتناوب، لحاجاتٍ نعلمها وأخرى قد لا نفهمها، أيّاً كانت تفاصيل أهدافه بالتحديد، فغايته المجملة العامّة واضحةٌ صريحة؛ (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص:82] وإنّا السّاعونَ لأن نكون ممّن أكّد ربّ السماء على ثباتهم قائلاً (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا) [الإسراء:65].

استُلهِم هذا المقال من تجارب اجتماعية وإنسانية حدّثني أصحابها بها أخيرًا، لافتين انتباهي إلى ذاتي وتجاربي أنا أيضاً، وإلى مرور أنفسنا الآدميّة بذات أشكال الخداع والمكر المتكررة، فكم يتلوّن ذاك الملعون بشتّى الهيئات والأشكال، حتى إننا لا نكاد نعلم أنّه هو إبليس عدوّ أبينا آدم الأول والأخير!

سنكشف في السطور اللاحقة بعضًا من وجوهه المختلفة متلبّساً بجرمه، وسنحاول تحليل بعض أشكال تحايلاته علّنا ألّا نسقط في وحلها مرةً أخرى.

التذكير.. بالضعف والتقصير

يدبُّ فينا العزم أحياناً كثيرةً على فعل بعض الأعمال الصالحة، والقربات النافعة، أو على تزكية أنفسنا وإصلاح أحوالنا، وإذ نحن كذلك يدهمنا هاجس أسود يسابق تلك الأفكار قائلاً: هل نسيت ما فعلت؟ كيف تحفظ القرآن وأنت تفعل ذنبَ كذا، وكيف ستصلّي وأنت ما زلت على هذه الحال؟

وسوسة إبليس

وما هي إلا ثوانٍ فتشتعل في العقل والقلب أفكارٌ ضالّة، وافتراضات فاسدة، توهم الإنسان بأنَّ مثل هذه القربات لا يفعلها إلا الصالحون الذين لا يشابه حالهم حاله، فتُيئسه تلك الهواجس من التوبة والأمل في الصلاح، وتجعل التقرّب إلى الله في فكره كجبلٍ عالٍ لا يبلغه إلّا كاملٌ لا يخطئ ولا يزلّ..

فلنقف ههنا، عند هذا الخاطر الخفي، لنواجهه بأن التوبة إنما شُرعت للعاصين والمقصّرين، فقد ورد في الحديث الصحيح؛ أن (الَلَّه أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ) [أخرجه الإمام مسلم في الصحيح برقم 2747].

كما أنَّ الطاعات والفضائل إنّما تُبدأ بالصبر على المحاولات المتكررة والمجاهدة، ولا ريب أن على هذه المحاولات أجرٌ يساوي أجر الإتقان أو يزيد عليه أضعافاً، فما كان الماهر في القرآن ماهراً إلّا بعد تعتعةٍ وجهاد ومقام تعلّم وضعف بلّغه ما بلغ، وفي هذا ورد عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولُه (الماهِرُ بالقرآنِ مع السفرَةِ الكرامِ البرَرَةِ، والذي يقرؤُهُ ويتَعْتَعُ فيهِ وهو عليه شاقٌّ لَهُ أجرانِ) [أخرجه الإمام البخاري في الصحيح برقم 4937] ومن هنا، فلنخاطب أنفسنا، أليس لنا في كلِّ طاعةٍ تعتعة، ومحاولاتٌ نسعى فيها للمستوى الأفضل وللوجه الذي يليق به سبحانه!

فإن أيقنت ذلك، واستوثقت من خداع هذا الوسواس، فاثبت لئلا لا تنطلي عليك حيله، ولا تكن ضحية التقليل من قدر سعيك أو التذكير بتقصيرك وذنبك فإنما ذاك من عمل إبليس ونفثه.

تكسير الثبات وزعزعة التوبة

تعهّد إبليس بكل استكبارٍ بتحقيق وعده الذي وجّهه لله تعالى مع سبق الإصرار والترصّد، ومن ثمّ فإنّه ليس ذاك العدوّ الذي تثنيه الخسارة أو تتعبه الانتكاسة، أنسيتَ وعده حين قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16].

إنَّ توبة أحدنا لا توقف إبليس، بل تزيده غيظاً وحقداً، وتزيدُ من همته في ردّنا على أعقابنا، فتجده يحيط بك من كل جانب، ويحاول الظهور من كل ثغرةٍ وباب، يريد سحبك لعهدك السابق، وذنبك الذي هجرت، فإذ به يكفّ عن تزيين الذنب مستبدلاً ذلك بتشويه هجرانه، بإيقاع العيوب والخطوب في توبتك، ويزيّن ذلك كلّه بهيئة ملائكيّةٍ جداً، على شكل وخزات ضميرٍ تُريك ذنبك من زاوية أخرى لا تتعرض للذّته وشهوتك إليه، فقد بات الوقت متأخراً الآن على هذه الحيل إن كانت التوبة صادقةً حقيقيّة!

إلا أنّ باب الضمير هذا يبدو مقنعاً أكثر فيجعلك تبدأ بالتساؤل، ما حال رفقة السوء الآن، ألن يؤثر فيهم هجراني المفاجئ لهم؟ ماذا عن تلك الفتاة ألن يَكسِر قلبها إغلاقي لمنافذ الحديث معها؟ ألم أكن شريكاً في الذنب؟ ..إلخ.

سيندفع إبليس ليجعلك تنسى عواقب الاستمرار في الذنب، وسيعظّم صعوبة تركه في نظرك بشتّى الطرق، وسيستطيع تبرير عودتك للذنب أو استمرارك مراراً وتكراراً…

سيسوّغ إبليس السرقة بحالك المعدم، وسيهوّن نهب المال العام بفساد الحكومات، ولا ننسى تلك الحيلة التي تجدي نفعاً مع كلِّ الذنوب؛ “انظر كيف يفعل الجميع ذلك”، وكأنه ينسى أنّ الله في عليائه يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103].

الطعن في نواياك

يعلم الماكر حرص المؤمن المستمر على الإخلاص، ويعلم دور النيّة كعاملٍ أساس في قبول العمل، لذلك فإنّ النيّة هدفٌ مهمٌّ له. ومن ثمّ قد يغرقك في جمال عملك الصالح حدّاً تلزم فيه الوسيلة وتنسى المتوسّل إليه.

إن أصعب الخسارات أن تضيّع عملك هباءً وتنثر جهاد الطريق في الهواء بسبب نيّةٍ متفلّتة، كعمل خيرٍ كان في بادئ الأمر لوجه الله ثم أصبح في نهايته ينتظر ثناء من قَرَأَ، وشُكرَ من استفاد، وصورة الناسك الصالح وحسن الذكر والمدائح، فألزِمنا اللهم مقعد صدقٍ وإخلاص لا نغادره حتى نلقاك.

في باب النيّة له أسلوبٌ -ينبغي ذكره- يعاكس الأسلوب الأوّل كلياً، ولعلّه أكثر ما يستخدمه مع المخلصين حقّاً والذين قد ينفعون الآخرين ويأخذون بأيديهم إلى الخير والهدى؛ إذ إنه يعلم حرصهم الشديد على الصدق وتثبيت نظرهم على الآخرة، فتجده يسدّ عن الناس باب نفعٍ من هؤلاء الصالحين حين يوسوس لهم بالنفاق والرياء، فتجدهم يمتنعون عن نصح الناس بترك ذنبٍ معين مخافة أن يكونوا قد فعلوه يوماً، أو بإمساك علمهم عن الآخرين مخافة أن يكون رياءً وكم دبّت هذه المخاوف في قلوب الكثيرين أحياناً وأحيانًا.

لا تكفّنّ عن تذكير نفسك بكيده الطويل المستمر، بإصراره على إضلالك وبمصلحته في ذلك، لا تخدعنّك أساليبه، إن أدركتَ الذنب فاعزم على هجره عزماً صادقاً، وإن هجرته فالزم موقفك، وارقد على بساط الآيات والذكر الحكيم فإن فيه شفاءً للصدور المتعبة السقيمة بأمراض الأبدان والقلوب، لا تلتفت فيدخل لك من ألف بابٍ وباب، ثبّت نظرك على من لأجله هجرتَ الذنب رغم لذّته، ومن لأجله سلكتَ طريقاً طويلاً، مهاجراً إليه، راجياً أن تبقى هجرتك إلى ما هاجرتَ إليه.

لا يرتدي إبليس قرنيه دائماً.. هذا ما يجب فهمه وقوله، إنه متلاعبٌ شرّير..  فاحذر كلّ الحذر يا عدوّه الأول والأخير.

عن الشاطبي الذي أحب

منذ سنوات طويلة جدًّا اقتنيت كتاب “الموافقات” للإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ)، وقد ازددت انتباهًا إليه وشغفًا به حين وجدت استشهادات شيخنا عبد المجيد الشاذلي رحمه الله به، فقد كان رحمه الله مالكي النشأة، وكان قد قرأ موافقات الشاطبي مرات عديدة وأولِع به ولعًا شديدًا، إلى درجة أنه كان يسرد بعض عباراته من الموافقات في محاضراته حفظًا.

وما زلت أذكر مدى تأثير تلك العبارات الشاطبية بالشاب الذي كنته، كان الشيخ يعالج إشكالات عصرية تتعلق بإقامة الدين وفهم الإسلام وكان يستأنس بكلام الشاطبي، فوجدت كلام الأخير كأنه سبائك من ذهب تنصبّ في عقلي وقلبي فتقربانه إلى برد اليقين، وما زلت أذكر تلك العبارة الشاطبية التي كان يصدح بها شيخنا: “الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة: بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يتحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة” [الموافقات، 407]، وقد شعرت بحاجتنا إلى مثل هذا الطرح، وإلى معالجته لإشكالات نشأت مع اجتياح العلمانية – فكرًا وتشريعًا – لبلاد المسلمين.

الشاطبي ومنهج فهم القرآن

لقد أعجبني الشاطبي كثيرًا في مباحث لها علاقة بالقرآن ولغته، في سياق مناقشة بعض الشبهات المعاصرة التي تحاول الطعن بكتاب الله، فوجدته ينشئ في قلبي برد اليقين، خاصةً في كلامه عن ضرورة اتباع معهود الأمّيِّين في لسانهم لفهم الشريعة، فقد كان هذا مفتاحًا مهمّا لي في فهم الخطاب القرآني وفهم اختلاف القراءات، وكتبت في ظلال هذا المعنى مقالًا بعنوان “القرآن ليس لغة برمجة.. والإنسان ليس حاسوبًا“، كان الفضل الأكبر فيه بعد الله إلى الإمام الشاطبي.

لا ينقضي الأمر ههنا، بل كانت قراءتي للإمام الشاطبي قبل ذلك قد فتحت لي أُفقًا كبيرًا في فهم قيمة الخطاب القرآني مقارنة مع الخطاب الكلامي والمنطقي البشري من خلال إحدى القواعد التي قررها واستخدمتها في مقال آخر.

وفي هذا العام، خصصت للشاطبي فصلًا في كتاب جديد أشتغل عليه، لأني وجدته من ضمن من قدّم جهدًا مهمّا في مجال فهم الخطاب القرآني وبيان تفرّده، ولعلي أستطيع إبراز شيء من هذه الجهود العظيمة التي تركها الرجل في كتابه “الموافقات”.

كتاب الشاطبي: الموافقات

روح التجديد

صحيح أن الشاطبي لم يعلن خروجه عن مسارات المدارس التقليدية سواء في الفقه (المالكية) أو العقائد (الأشعرية)، ولكنه كان مجددًا رغم اندراجه في سلك تلك المذاهب. ودعك ممن ينقُل عنه أنه مجرّد مقلّد، فالعبرة بمضمون ما قدّم من إنتاج علمي، فستجده مجدّدًا فيه وخارجًا عن التقليد، سواء في كلامه عن البدعة وما ثار حوله في زمنه ومخالفته لمشايخ عصره، أو في إبداعه الجديد في كيفية النظر إلى الشريعة وتقسيم المسائل والنظرات العميقة التجديديّة في فهم الشريعة وأصولها، ومن يقرأ بعض بحوثه في كتاب “الموافقات” يدرك أنه أمام عبقرية فذّة ورجل فتح الله عليه فتحًا عظيمًا.

ليس كل مخالف لأهل عصره فهو مذمومُ المذهب مقدوحٌ به، بل من نظر إلى أئمة الإسلام العباقرة المجددين المشار إليهم بالبنان سيجد أنهم كانوا مخالفين لأهل عصرهم في مسائل عديدة، وانظر إلى الإمام أبي حامد الغزالي؛ حيث كتب كتابه الفريد “إحياء علوم الدين” على نمط لم يُعهَد في الكتابات التقليدية، فقد مزج ما كان مُفردًا في علوم التصوف بما بلغ الإمامة به من علوم الفقه، ليقول للناس – كما صرّح في المقدمة – هذا هو مفهوم “الفقه”، فالفقه ليس ذلك العلم الذي تدرسونه جافًّا دون أن يتطرّق إلى مسائل القلب، فإنّ دلالة لفظ الفقه تحيل إلى فقه القلب.

وذكر الإمام كذلك في مقدمة الإحياء ألفاظًا انحرف مفهومها في عصره كالفقه والتوحيد وغيرها، فهل زعم أحد أنّه مذموم بذلك؟ وقد حُرقت كتب الغزالي في أقطار من الأرض قديمًا، ووقع في أخطاء ذُمّ عليها، ولكن هل أسقطه ذلك؟

وانظر إلى الإمام ابن تيمية، فقد نابَذ علماء عصره في مسائل، وسلك مسلكًا مخالفًا للحنابلة التقليديين في مناقشاته العقائديّة والكلاميّة، ولا أقول كان (رغم ذلك) بل كان بـ(ذلك) وغيره إمامًا مجدّدًا عظيمًا، ترك بصمته الواضحة على تاريخ الفكر الإسلامي، وأسس لمدرسة ما تزال حيّة في المناقشات الفكرية والدينية المعاصرة.

وانظر إلى الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، فرغم قلة شهرته مقارنة بالغزالي وابن تيمية، فقد كان الرجل منبوذًا في عصره من قومه الزيدية لأنه خرج عن مذهبهم، ولم يندرج مع ذلك في مذاهب أهل السنة التقليدية سواء في الفقه أو في العقائد. وقد اعتزل الرجل في جبال اليمن، وكتب في ضرورة الخروج عن منطق اليونان (الذي كانت دراسته مسألة شبه متفق عليها عند متأخري المذاهب المتصارعة في عصره) ونقد كبار أئمة أهل بلده، وانظر إلى مذهبه – رغم خروجه عن التقليد – كيف أثّر في أجيال بعده في اليمن كان لها أثرها الكبير في الفكر الإسلامي المعاصر، كمدرسة الصنعاني والشوكاني، إلى جانب أثره في بلاد الهند.

وستجد مثل هؤلاء كثيرًا من أئمة الإسلام، بل هذا هو حال معظم المجددين، لم يكونوا نمطيين في مسلكهم العلمي وفي تآليفهم، بل أسّسوا لعلوم وتفرّدوا بطرائق البحث وخطُّوا خططا جديدة. أما من اندرج ضمن مسالك السابقين ولم يضف جديدا في مفاتيح العلم وأبوابه فلم يرق إلى مراقيهم، وهذه هي طبيعة جميع العلوم.

رحم الله الإمام الشاطبي، وشكر الله من أعاد إحياءه في نفوسنا من علماء العصر، فقد جاءت لحظته التي انبعثت بها علومه لتمارس دورها في إحياء الأمة وتجديد دين الله في عقول الناس وقلوبهم، بعد أن ابتعدت الأمة عن هدايات الشريعة وسقطت قوتها الحضارية فاجتاحتها المذاهب العلمانية المختلفة وشوّهت منظومتها الفكرية والقِيميّة.

ويهدي الله من يشاء!

أشعرت نفسك ذات يوم غارقًا فيما يشبه الأجواء الصاخبة، ضائعًا في ظلمة حالكة السواد، تقف على طرق متفرقة، تحاول مرة تلو مرة العبور، فتفشل، ويذهب استنفار الطاقة هباءً، تعاني الأرق المستمر، وتشعر بأن شيئًا ما يكاد يقضّ عليك! إنها خصال ضلالة الطريق، حين تختار انجرافًا مع الهوى، واتباع الهوى من معوّقات الهدى، وهذا ما أفادنا به قول النبي صلى الله عليه وسلم (فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوًى متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه) [أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط وهو حسنٌ بشواهد أخرى].

لقد ساق الله لنا الهدى -التي هي الرسالة-، بالبيان البليغ عبر الرسل والأنبياء، طالبًا منا التسليم والانقياد، فمن أخذ بالتسليم لله أضفِيَ عليه صفة المتقين، كما في قوله تعالى: {ذٰلك الكتاب لا ريب ۛ فيه ۛ هدًى للمتقين} [البقرة: 2]، وهناك من أعرض عن دليل الهدى فأخلد إلى الهلاك؛ كما قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: 124].

إن الهداية التي تتحدث عنها هذه الآيات تشير إلى أنها سببٌ وشرطٌ مؤدٍّ لا موجبٌ للهداية الكاملة، بل قد ينتفي الهدى مع وجودها، فالله تبارك وتعالى أرسل الأنبياء هدىً للناس ولإرشاد الأمم السابقة إلى طريق الحق، أي أنهم كانوا أسبابًا للوصول إلى الهدى، لكنهم استحبوا الضلالة عليها.

إن وجود الدليل الإرشادي (القرآن) لا يعني بالضرورة وجود الاهتداء أو العمل بهذا الدليل، مما يؤكد على أنه هناك موانع أو استعدادات قلبية نفسية ذهنية يمكن أن تسهم في طبيعة التفاعل مع دليل الهدى، ولذلك تجد في دعوة الرسل؛ ما ذكره الله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون} [فصلت: 17]، أي أنهم فضّلوا اختيار الضلال والعناد عليه، وبالتالي فإن هناك عوامل لها الأثر الذي يقتضي رفض الرشاد.

ما سبب عدم اتعاظ البعض بالقرآن؟

يعود الأمر -بدايةً- إلى النفس البشرية؛ إذ لها الدور في اتعاظ البعض وعدم اتعاظ آخرين، صحيحٌ أن الإنسان يُخلَقُ سويَّ الفطرة لكن لا شيء يدوم على ما هو عليه دون المتابعة اليومية أو العناية المستمرة، حيث إن النفس تتأثر بالعوامل من حولها سريعًا، سواء كانت عوامل إيجابية أو سلبية.

والنفس البشرية تصل إلى مرحلة من الضلال بحيث لا يأتي لخاطرها الإنابة والتوبة، وذلك مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أذنب العبد نُكِتَ في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل منها، فإن عاد عادت حتى تعظم في قلبه، فذلك الران الذي قال الله:  {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14])، فإذا خُتِم على قلب العبد انتهى أمره، ومن ثمّ لا تستغرب إن صادفتَ أشخاصًا لا يعنيهم الدين من الأساس بل ينفرون منه نفورًا شديدًا.

إن القرآن لم يختص بأحد دون آخر، ولم ينزل على مؤمن دون كافر، بل أنزِل للناس كافَّةً، وهناك من اختار أن يكون من منزلة {أولئك على هدًى من ربهم} وهم الذين خصهم الله بالمنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة، وهناك من اختار منزلة {إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] وهؤلاء كفروا بالدليل الإرشادي وكان مصيرهم الضلال في الدنيا، وأعدت لهم جهنم في الآخرة.

إن الله سبحانه وتعالى جعل أمامنا طريقان بيّنان، الهداية أو الضلالة، ولكن السبب يعود إلى مباشرة العبد في الحكم علة نفسه، فالضال إنما هو ثمرة ضلاله وما ترتب على ذلك من الطبع والختم والران، والمتّقي إنما وصل لذلك بإرادته الحرة وسلوكه السبل التي تعين على الطاعة.

الزم طريق الهدى

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: “الزم طريق الهدى، ولا يضرّك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين” [الصواعق المرسلة، ابن القيم] فإن أصابك الضمور، والإحباط في تفردك، فلا تجعل نظرك إلا إلى السابقين من الأتقياء، واحرص على اللحاق بهم، وغضّ الطرف عمن سواهم من أهل الضلالة، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا، ولا تفكّر في الالتفات إليهم، فإنك متى التفت إليهم سقطت في فخ الانقياد لهم.

قال تعالى: {أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًّا على صراط مستقيم} [الملك: 22] فأيهما أولى بأن يتبّع؟ من يمشي في الضلالة، أم من يمشي مهتديًا؟ لا بد أن التائه في الضلال، الغارق في الكفر والمعاصي، يعيش وقد طمس على قلبه، لا يعرف للحق قرارًا، أما من يمشي على الصراط المستقيم فقد تخلل قلبه الإيمان والعمل بالحق.

تروي لنا السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يدعو: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)، قلت: (يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8]) [أخرجه الإمام أحمد في المُسند والترمذي في السنن بسند حسن]

من الطبيعي أن يبقى الإنسان في دوامة التقلب، فهو بشر يعافس الأخطاء والخطّائين بشكل مستمر، لكن أكثر ما يعينه على الثبات على الصراط المستقيم هو العزم على اجتناب المحرمات واتباع الهوى، وأن يبادر في فعل الخيرات، وأن يبادر لتنمية معرفته أكثر بخالقه والعظمة التي يتصف بها، ويتعلم كل علم يقربه من الله، كما قال تعالى : {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} [الزمر: 9].

إن طريق الوصول إلى الله يسير وسهل، لكنه يحتاج منك إلى الإرادة والمثابرة، والعزم على الثبات، وعدم التهاون، ومتى أردت المقابل لا تتهاون في أن تعمل أضعاف مضاعفة لأخذ ما تستحق.

ما هي عوامل النهضة المنشودة؟

يدعو الإسلام إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده الأخلاق الحسنة والمعاملات الطيبة، ويسهم المؤمن في بنائه بما يتصف به من أخلاق حميدة، وبما يؤثره مع غيره في نفوس أبنائه وأسرته، وذلك نابع من وعي الإنسان المؤمن بدوره في الحياة.

في حالة المسلمين المعاصرة، فإن المسلم الواعي مسكونٌ بهمّ النهوض الحضاريّ بمجتمعه وأمته من جديد، وتوحيد صفوف الناس من حوله للعمل بمبادئ الإسلام والاصطفاف حول شريعته، فالمجتمع عبارة عن تجمّع بشري يمتلك أفكاره ومبادئه الخاصة، وله صفاته وشخصيته التي تُمثله وتُحدد معالمه، وقد نَجد مجتمعات كثيرة زاخرة بأفرادها والمنتسبين إليها، إلا أنها فقدت الشخصية والتعاليم التي كانت سببًا في تطوره، وهذا عائد لانحلال أفكاره في ثقافة المجتمعات الغالبة.

الانفصال عن الهوية الإسلامية

هذا بكل اختصار ما نعيشه اليوم في مواجهة زحف الثقافة الغربية علينا وتقليدنا الأعمى لها، فقد أصبح الواحد منا يعيش في انفصال بين هويته الإسلامية التي يؤمن بها وبين نمط العيش الغربي الوافد عليه، بين نظام الحياة القائم المتصف بالعلمانية ونبذ الدين من مختلف القوانين المنظمة لحياة الأفراد، وبين تشريعات الدين الرباني، وهنا يَصْدق الوصف الإلهي الجلي على واقعنا حين يقول الله عز وجل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29].

ولو أجلنا النظر في هذا المثل الكريم لوجدنا أطرافًا منه في حياتنا، فالمبادئ والقيم الوافدة علينا المزيّنة بعناوين الحرية وقبول الآخر، مشاكسة للقيم الإسلامية التي تبيّن الحق والباطل والحلال والحرام وما يتوافق مع الفطرة ويرفضها.

كثير من المسلمين يجدون أنفسهم مشتتين بين مختلف الدعوات والقوانين الغربية، لا يدرون ماذا يأخذون منها وماذا يتركون، ضائعون بين نمط العيش الذي يتحوّل يومًا بعد يوم إلى باطل محضٍ، وفساد مكين في مختلف القطاعات، فغدا الحرام بشتى صوره في حياتنا حرية شخصية يجب احترامها، بل وعدم نقد تعلق الآخر واتصافه بها، وكأن الانتماء للإسلام بات صورة شكلية لا أثر عملي له في واقع الحياة.

يعلم الفرد المسلم في داخله حرمة الكثير من الكبائر كالربا والزنا والخمر والميسر والغش بمختلف أشكاله كالرشوة والتزوير والسرقة بمختلف أنواعها والخيانة والظلم في الأعراض والأموال والدماء إلخ.. إلا أن كثيرًا من المسلمين رغم ذلك يُقْبلون على مختلف هذه الحرمات مدفوعين بانبهارهم بالحداثة والحياة العصرية وتقليد المجتمعات الغربية وثقافتها الغالبة، ويبحثون لها عن التفاسير والتعليلات مُحاولين إقناع غيرهم بها.

وأما المثل الثاني في نفس الآية فهو يُمثل الفرد المخلص لربه والمُتمسك بمبادئ دينه فله رُؤية واضحة في الحياة وله مصدر واحد يستمد منه قوانين الحياة فلا يزيغ عنه ويُصبح كل تركيزه في أداء رسالته التي وُكل بها ويَشعر في داخله بسلام وراحة لوضوح معالم الطريق الذي يَسلكه، وبمثل هؤلاء الأفراد يستطيع المجتمع الحفاظ على كيانه وشخصيته من الطمس والضياع، ولو هلك جيل من أجيال هذا المجتمع فإنه سيُحافظ على مبادئه ومعالمه وسيحافظ على رسالته ودوره، وسيكون الجيل الجديد ملتزمًا بتعاليم الآباء والأجداد متمسكًا بثوابته.

وسائل النهضة

أشرنا في مقالٍ سابق إلى عاملي القدوة والقرآن في بناء المجتمع، وهنا نؤكد على أن التكامل مع هذين العاملين يبتدئ بالوسائل المناسبة لذلك، بدءًا من الإعلام، الذي يزيد قوة الكلمة وتأثيرها، بل إنه صار الوسيلة المُتاحة الأهم للسيطرة على العقول وصياغة أفكارها، فما إن يجلس أحد ما أمام التلفاز إلا وتوجّه له الرسائل إما بهدف تفريغه من القناعات المسبقة أو تعزيز بعضها أو إنشاء قناعات أخرى جديدة.

جميعنا يعلم أن الإعلام سلاح ذو حدّيْن، فعندما يستغله أهل الباطل فإنهم سيَسعون لنشر أفكارهم داخل المُجتمع وفرض نفوذهم مُحاولين طمس هوية المُجتمع وتغييرها وفق أهوائهم، وإشغال أفراده بتوافه الأمور وتغييبهم عن أهم قضاياهم ومشاكلهم ومنعهم من النهوض أو مُحاولة كسر قيود الجمود والجهل والتخلف.

وفي ظل انكماش أهل الحق وانعزالهم في مزاحمة أهل الباطل إعلاميا، فإنه لن يكون لهم تأثير في واقع الحياة، ولن يستطيعوا نشر الوعي واليقظة داخل المُجتمع، ولن يقدروا على تقويم سلوك الأفراد وتغييرها، فنحن نحتاج اليوم إلى صناعة الكلمة القوية والمؤثرة على أن تكون مُستمدة من روح القرآن ومبادئه، لإظهار الحق ونشر ثقافة القرآن داخل المجتمع، ومن أجل ذلك يجب توحيد الجهود المادية والعلمية حتى نتمكّن من صناعة مادة علميّة مُؤثّرة تجذب المُستمع والمشاهد لها وتُغيّر من نفسه.

و من الوسائل المُهمة أيضًا مُحاولة إقامة مجالس قرآنية داخل كل بيت، فعلى الأب والأم تأسيس حلقات تعليمية لدراسة القرآن وتدبّره، وحتى لو ظنّا أنهما بعيدين عن تعاليمه وجاهلين بعلومه فيُمكنهما اعتماد أحد كُتب التفسير المُتاحة والإقبال على كتاب الله مع أبنائهم والسعي لتلاوة الآيات آية آية، ومُحاولة فهم المُراد منها وكيفية تطبيقها، وفي هذا حفظ للأسرة وتوطيد للعلاقات داخلها وضمان تربية قرآنية سليمة للأبناء وطَبعهم على قيمه وأخلاقياته، ولا ننسى أيضًا أهمّيّة المجالس القرآنية المنظّمة داخل المساجد أو خارجها مع الحرص على فهم الآيات التي تُتلى فليس الهدف من القرآن حفظه بلا فهم ودراية وعمل والتزام بمبادئه أو تبيين المنهج العملي لمُختلف أحكامه.

ومن الوسائل أيضًا الحرص على تكوين المُسلم القائد والمؤثر من خلال الاستعانة بخبراء ومُختصين في مجال علم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم المُهتمة بتكوين شخصية الإنسان وتربيته على المبادئ المُثلى، ويُمكن للجمعيات الناشطة داخل المجتمع التكثيف من الدورات المجانية في هذا المجال، وفتحها للعموم وإيصالها للجميع، بهدف بناء الإنسان المُسلم القادر على تحمل المسؤوليات والمُبادر بالتغيير والمُستعد لخدمة رسالته في الحياة.

المجتمع ودوره في النهضة

إذا ما توفرت عوامل القدوة وتدبر القرآن والوسيلة الملائمة، فإننا بحاجة إلى عامل أخير، إنه العلاقات الاجتماعية، فقيمة كل مُجتمع مُرتبطة بأفكاره ومبادئه وأهدافه التي يحملُها ويُؤمن بها، فما نعيشه نحن اليوم هو توفر الفكرة والمبادئ المُتمثلة في الإسلام وشريعته، ولكن هل يُوجد في مُجتمعاتنا من يأخذها بقوة ويُقيمها في واقع الحياة؟ أم أننا أصبحنا مُجتمعًا يعيش على هامش الحياة يأخذ قيمه وتصوراته في الحياة من مصادر مُتناقضة؟

إن المعادلة الناجحة لنا هي الإسلام وشريعته مع وجود فئة مؤمنة به وعاملة بأركانه ومٌلتزمة به كمنهج للحياة مع إرادة الأفراد في النهوض وتطوير مُجتمعهم مع الانسجام والتوافق والتعاون بينهم والاستعداد لبذل أقصى الجهد من أجل تحقيق هذه الغاية، وأن تكون روح الأخوة جامعة بينهم لحمل أمانة الرسالة وتحقيق مبادئها، وهذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام عند بناء المجتمع بالمدينة بالمؤاخاة بين الأنصار والمُهاجرين فكانت علاقتهم متماسكة متينة، وبالتالي كان المجتمع على قلب رجل واحد من ناحية، وذو تصور واضح ومنهج واحد في الحياة من ناحية أخرى.

من جملة مُشكلاتنا اليوم انتشار الاحتقان الاجتماعي النابع عن التعصب، فكل فريق يُريد فرض رأيه على الآخر، وكلٌّ يرى نفسه الأحق بالاتباع وعلى الآخرين السماع له وتنفيذ أمره، وهذا المُجتمع المنقسم لن يكون قادرًا على تغيير مجرى التاريخ وصناعة مُستقبله، ونحن بأمس الحاجة اليوم لأن نعيش مفهوم الأخوة الإسلامية، وأن يكون هدفنا واحدًا نتشارك فيه جميعًا، وأن نكون مُنسجمين ساعين للتطور والعمل والتغيير وعلينا نبذ الدعاوي العصبية العمياء القائمة على الجنس والعرق والانتماءات الحزبية والطبقية، وألّا نقع في فخاخ أعداء الأمة الساعية لتفريقنا وتشتيتنا وإدخالنا في صراعات لا تزيدنا إلا هلاكًا وتخلّفًا، فنحن مُجتمع مُسلم ولن ننهض من جديد إلا بالعودة إلى الإسلام كمنهج كامل للحياة.

ولا ننسى أيضًا كيد أعداء الأمة الناهبين لثرواتنا والذين يتمنون استمرار حالة الركود والجمود عندنا، فهم يتبعون سياسة “فرق تسد”، فأعداؤنا يدرسون مُجتمعاتنا ويضعون الخطط اللازمة لتفتيتها، وأما نحن فما زلنا عاجزين عن التحرك للحفاظ على وحدتنا أو الدفاع عن المجتمع في وجه الانقسام والانحلال على الأقل، كما أننا مُطالبون بدراسة مُجتمعنا بطريقة علمية ووضع الاستراتيجيات المُناسبة للنهوض به وإخراجه من سجن التخلّف الذي يُلاحقنا منذ قرون.

خلاصة القول

وما نستخلصه هنا أن المجتمع يَحتوى في داخله على صفاته الذاتية التي يُمثلها أفراده الذين يقومون بتحديد شخصيته، ولا يكون ميلاد مجتمع ما إلا تلبية لنداء الفكرة التي يؤمن بها أفراده الذين اجتمعوا من أجل تحقيقها وجعلوا علة وجود مجتمعهم وغايته واستمراره قائمة على القيم والمبادئ التي اجتمعوا حولها وأنشأوا من أجلها مجتمعهم، وعندما يفقد الأفراد داخل المجتمع هذه المبادئ وتتشتت الأفكار والمفاهيم فإنهم سيدخلون مرحلة الجمود والخمول، وهذا إعلان واضح بزوال هذا المجتمع وانحلاله.

وإذا حاول أفراد المجتمع النهوض من جديد والدخول في حركة الحضارة وصناعة تاريخهم فعليهم الأخذ بعلة البقاء المُتمثلة في تحدي الواقع وتغييره ومواجهة مختلف الصعوبات المُنتظرة وتَحمّل المسؤولية وعدم الفرار منها لإعادة بناء شخصية مجتمعهم وترسيخ مبادئه، فلو كانت رغبة هذا التحدي ذات فاعلية قوية داخل نفوس الأفراد فستكون استجابتهم للتغيير والعمل والنهوض إيجابية، وفي المقابل إذا كانت القُوى التحفيزية ذات تأثير ضعيف داخل نفوس الأفراد فلن يكون هنالك تأثير على واقعهم.

الحضارة الإسلامية وعقدة الخواجة

لا يمكن أن نعتبر الحديث عن المركزية الغربية تَرَفًا فكريًّا قد يروق لمفكر ما ويرفضه غيره، إذ إن هذه المركزية النظرية قد غدت منذ أمد بعيدٍ أمرًا مسلّمًا به في الفكر الغربي ومفروضًا في وسائل الإعلام العالمية وغدت ظاهرة في الطابع اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثم فإن الحديث عنها مسؤولية نقديّة ينبغي تحمّلها وتبيانها وأداؤها.

أثناء قراءتي للكتاب “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لفت انتباهي ما مهّد به الكاتب كتابه حين قال: “باستثناء الغرب، فإنه ما من حضارة تمتلك كيمياء عقلانية، وكذلك الأمر بالنسبة للفن، فربما كانت شعوب أخرى تتمتع بحس موسيقي، غير أن الموسيقى المتكاملة عقلانيًّا وائتلاف الأصوات، كل ذلك لا يوجد إلا في الغرب” [الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية: ص 5-6]، بل إن كثيرًا من المثقفين الغربيين يرون أن الحضارات إنما جاءت ممهّدةً لقدوم الحضارة الغربية.

كيف تسللت هذه الفكرة؟

نجد هذه النظرة الأحادية والفكرة الإقصائية عند كثير من المستشرقين الذين درسوا الحضارات الأخرى، بمنهج عقلاني من جانب أو بعقدة النقص من جانب آخر، إلا أن هذه النظرة ليست حكرًا على الغرب وأهله، بل هي إرث يشترك فيه الكثيرون، فثمة أناس كثيرون –من بني جلدتنا وأفكارنا ومدننا- ينفون عن المسلمين الحضارة، بل ويصفونهم بأنهم أمة الجهل والتخلّف.

لنعد قليلاً إلى كتاب “وعود الإسلام” للمفكر الفرنس روجيه غارودي، حيث يقول فيه: “الغرب عارض، وثقافته مسخ فقد بترت من أبعاد جوهرية، ومنذ قرون ادعت هذه الثقافة بأنها تنحدر من إرث مزدوج: يوناني-روماني، ويهوديمسيحي، في الحقيقة لقد انبثقت أسطورة “المعجزة الإغريقية” لأن هذه الحضارة بُترت عمدًا من جذورها الشرقية. [وعود الإسلام، ص: 15].

بهذا القدر من التعمّد أيضًا، يحاول كثيرون قطع التاريخ الإنساني من سياقه ومحو التراكم الذي جرى فيه واقتلاعه من جذوره، في محاولة لتعزيز وتدعيم النظريات التي تحوم حول تفوق العرق الأبيض على باقي الأجناس الأخرى، والتأكيد على أن الإنسان الغربي هو الأكثر تطورًا من الناحية العقلية والنفسية.

أين الإنصاف؟

يلقى هذا الخطاب صدى متكررًا لدى المستلبين ذهنيًّا، كما أنه يلقى الرفض لدى الباحثين المنهمكين بالبحث في التاريخ الإنساني والمستشرقين المنصفين الذين يجدون في كشف الحقائق متعتهم، ومن هؤلاء نذكر المؤرخ الفرنسي “غوستاف لوبون” والألماني “شبنجلر” والبريطاني “كارين” وغيرهم.

غوستاف لوبون ممن أنصفوا الحضارة الإسلامية

غوستاف لوبون

قبل مدة من الزمن انتشر مقطع مصوّر لأحد المدونين الذين يبسّطون العلوم المعاصرة، تحدث فيه عن موضوع معين، وفي معرض حديثه قال: “لقد أسس فرنسيس بيكون المنهج التجريبي”، وفي هذا مصيبة لا تخفى!

قد يسلّم شخص لم يدرس التاريخ بهذا الأمر، إلا أنه بالنسبة لمن درس التاريخ وخاصة تاريخ العلوم -ليس بتاريخها الذي يراد له أي التاريخ الإغريقي وحسب-، بل التاريخ الإنساني، فإنه أمر عسير التقبّل؛ حيث يدرك أن فرنسيس بيكون لم يسبق أبداً العالم المسلم ابن الهيثم، بل العكس؛ إذ للعالم المسلم فضل السبق في المنهج التجريبي، ولا يحتاج ذلك منا سوى الرجوع إلى كتب القوم واستحضار الشهود، بل إن الأمر أبين من ذلك، فقد احتفلت اليونسكو بالعالم المسلم ابن الهيثم باعتباره مؤسس المنهج التجريبي.

يشير الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه “من تاريخ الإلحاد في الإسلام” إلى موضوعنا هذا، فيبدي رأيه لأولئك الذين يعتبرون أن المسلمون لم يخرجوا من عباءة الحضارة اليونانية وأنهم مجرد مقلدين، قائلاً – غفر الله له-: “يجب ألّا نُخدَع إذاً -بعد فشل الادعاءات- بتأثير الحضارة في الحضارات، بل يجب أن نقوّمه التقويم الصحيح على أساس أن لكل حضارة روحها الخاصة، وأن الاشتراك في التراث لا يدل على شيء بالنسبة إلى روح من يشتركون هذا التراث. لكن ليس معنى هذا أن الحضارة الإسلامية حضارة قائمة بذاتها تكون دائرة حضارة مغلقة، وإنما هي جزء من حضارة كبيرة، الحضارة العربية هي أهم جزء في هذه الحضارة الكبرى” [من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص 24].

ضياع الهوية الثقافية!

أعتقد أن فكرة الدكتور عبد الرحمن تغلق كل المنافذ على المتهافتين من مختلف الجهات –حيث يناقش هنا  آراء مؤرخين أوربيين لا آراء المتعلمين الجدد -كما يقول مالك بن نبي رحمه الله- سواء كانوا من الجانب الذي يقول: إن الحضارة الإسلامية نسخة من الحضارة اليونانية، أو الجانب الذي يرى أنها حضارة خرجت من اللا شيء.

مالك بن نبي

على كل حال، فإن ما يهمنا هنا هم أصحاب القول الأول الذي ينتشر في فضاءات الميديا ويقول به كثير من مبسطي العلوم في العالم العربي، وقد يتضاعف أثر هذا الأمر حين نرى بعض شباب المسلمين والعرب ينافحون عن هذه العقيدة وكأنهم أحد أبناء الأوربيين المتعصبين لأوطانهم وما حيك حولها من نظريات التمجيد للغرب، وربما احتقر هؤلاء ذواتهم وتاريخهم، حتى بات الواحد منهم يعلنها صراحة ويجاهر بعداءه لمجتمعه وأبناء بلده، فيحتقر كل شيء يذكره بنفسه فهو لا يريد اسم “مجيد” راغبًا عنه في أن يسمى بـ “جورج”، ولعله كان يرغب في أن يصبح ذات يوم صاحب شعر أشقر وعيون خضراء ووجه جميل، وحين لا يحدث ذلك يلعن صباحه ومساءه، ويفرغ حقده على نفسه وأبناء قومه.

الغزو الفكري

تظهر السذاجة –أو الجهل- التي يمارسها مبسطو العلوم سواءً عن إدراك واستثمار مربح، أو عن غفلة لا مقصودة، حين نقف عند تعريف الغزو الفكري: فهو –بحسب الشيخ عبد الرحمن حبنّكة الميداني- “كل فكرة أو معلومة أو منهج يستهدف صراحة أو ضمنًا تحطيم مقومات الأمة الإسلامية: العقَديّة والفكرية والثقافية والحضارية، أو يتحرى التشكيك فيه، والحط من قيمتها، وتفضيل غيرها عليها، وإحلال سواها محله، في برامج الإعلام والتثقيف، أو النظرة الكلية للدين والإنسان والحياة” [الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، مؤتمر الفقه الإسلامي في الرياض عام 1396ه، ص 507]

إذا ما تمعّنّا جيدا في المحتوى الذي ينشره بعض مبسطي العلوم الذين لا يؤمنون بالقيمة التي قدّمتها حضارتهم الإسلامية للبشريّة، فإننا نرى السير نحو تعزيز الغزو الفكري والسير لدعمه سيراً جاداً، ولهذا نقول: إن مبسّط العلوم يجني على نفسه -حين يمسي بمثابة العميل الفكري عن علم أو جهل- وعلى مجتمعه ودينه بتشكيك الناس في نظم المجتمع وتعاليم الدين، والأدهى من ذلك أنه يزيّف التاريخ فيعلي تاريخ الغرب المستحدَث، ويتغافل عن تاريخ الإسلام المبهر والعظيم، والذي لولاه لما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه، فلولا جهود الخوارزمي الرياضية –مثلاً- ما كتبتُ هذه الأسطر ولا قرأتَها أنت.

شواهد وأمثلةٌ

نستشهد بسبق المسلمين على العالم الغربي ببضع أسطر هي عندنا تعادل كتابًا، يقول روجيه غارودي في كتابه وعود الإسلام:  “وقد مارس العرب التلقيح ضد الجدري بإدخال قليل من قيح دمل متجرثم بمرض الجدري قليلًا، من شرطه في الجلد وذلك قبل ” جيينر  “Jennerبعشرة قرون، ودرس الطبيب الجراح الأندلسي أبو القاسم (المتوفي 1013) مرض السل في الفقرات ” مرض بوت “، قبل بيرسيفال بوت (1713-1788) بسبعة قرون ونصف ومارس ربط الشرايين في حالة البتر قبل امبرواز باريه Ambroise Paré (1517-1590)  بتسعة قرون.. لقد استند علماء الطبيعية الكبار في العصور الوسطى على أعمال العرب” [ص: 107]

إن كثيرًا من الناس لا يحب أن يسمع حقيقة كون الإسلام بانيًا لحضارة عظيمة، فهم لا يعرفون عنه سوى وجود بعض التنظيمات العنيفة التي يصوّرها الإعلام وكأنه المسيطرة على العالم الإسلامي، أما فلسفته وشريعته ونظمه السياسية والاقتصادية التي لا ينكر فضلها المنصفون من الغربيين، فإنهم يكادون لا يعلمون عنها شيئًا.

لقد بنى الإسلام مجتمعات متماسكة وقوية ودولًا تحكُم ولا تسيطر، وذلك مقابل الدولة العلمانية التي خنقت الإنسان وأمسكت بزمام الأمور وانتهت بمجتمعات هي أوهن من بيت العنكبوت، هذا ما لا يعرفونه أو يتجاهلونه.

إننا بحاجة لإعادة تشكيل العقل المسلم، وبرمجته بما يتناسب وتراثه العريق وتاريخه التليد، رغم أن الحال كما قال ابن خلدون: “المغلوب مولع بتقليد الغالب”.

القدوة والقرآن .. وأثرهما في نهضة المجتمع

اتصف المجتمع العربي قبل الإسلام بالجمود والبعد عن التقدم الحضاري المحيط به، ولم يسعَ أفراده للتغيير وتطويره، فأصبح مُجتمعًا بعيدًا عن روح الحضارة، لا يمتلك هدفًا واضحًا لوجوده، إلا أن النقلة العملية والروحية والفكرية لهذا المجتمع كانت عن طريق رسالة الإسلام التي أنتجت ميلادًا جديدًا له، فعلَّمَ العالم المعنى الحقيقي للحضارة، وأنار العقل الإنساني بمفاهيم ومبادئ جديدة أخرجته من ظلمات الجهل والظلم.

لنا أن نتساءل هنا: لماذا حقق المسلمون الأوائل هذه النقلة الناجحة داخل مُجتمعهم بينما يعايش المسلمون منذ قرون عدة التقهقر والتراجع الحضاري بالرغم من أننا نملك -مثل السابقين- الرسالة ذاتها ومفرداتها من القرآن والسنة النبوية، فما سر هذا التغيير الذي جرى على أيديهم ونرجو أن نراه واقعًا في حياتنا نُعايشه ونكون جزءًا منه؟!

حين يُشعِل الإيمان الشرارة!

إن طبيعة رسالة الإسلام هي التي تُقدم لنا الإجابة الواضحة عن هذا التساؤل، ومبدأ الرسالة الإسلاميّة هو الإيمان الذي يحيي الضمير الإنساني ويقذف فيه البصيرة لمعرفة الحق واتباعه والالتزام به، وقد كان هذا دور رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث نجح في إزالة غشاوة الجاهلية عن ضمائر العرب الذين آمنوا به وحرر نفوسهم من النزعات الضالة التي سيطرت عليهم، وعندما سرى نور الإيمان في كيانهم تغيّرت نظرتهم للحياة، وأصبحوا يعون دورهم والأمانة التي كلفوا بها لتحقيق الاستخلاف الإلهي في الأرض وحمل الرسالة للناس جميعًا، وهذا هو سر النقلة التي حدثت في حياة العرب ما بعد الإسلام.

حينما يفقد الإنسان يقظة الضمير والقوى النفسية التي تجعله يرتقي بنفسه وبمجتمعه، فإنه سيلجأ لإرضاء الباطل، وسيتقبله نظامًا لحياته وتتغلب عليه شهواته، وبذلك يرى نفسه ضعيفًا أمام مختلف تحديات الحياة، وبالتالي لن يقدر على حمل أعباء الرسالة، ولن يقدر من تغيير سلوكياته أو يكون مؤهّلًا لتغيير واقعه والنهوض به، ولنصل لهذه اليقظة في ضمائرنا فإن علينا تفعيل أدوات بناء المجتمع والنهوض الجديد.

القدوة الصالحة وغرسُ القيم في النفوس

عاش رسول الله صلى الله عليه سلم بالقرآن ومن أجل تحقيق مبادئه في واقع الحياة، وقد كان صلى الله عليه وسلم قدوة للصحابة في كل شيء، فكانت أخلاقه القرآن، يمشي بين الناس يلتزم بأحكامه ويأتمر بأمره وينتهي بنهيه مُلتزمًا بتعاليمه، ثابتًا على الحق راسخًا به، ولا أدلّ على ذلك شيء أكثر مما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما حاولت قريش مُداهنته وإيقافه عن دعوته والضغط عليه عن طريق طلب ذلك من عمه الذي يَكفله: (يَا عَم ، وَاَللهِ لَوْ وَضَعُوا الشمْسَ فِي يَمِينِي ، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتى يُظْهِرَهُ اللهُ ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ ، مَا تَرَكْتُهُ) [السيرة النبوية (ابن هشام)، (ج1/  266). ] إنها قوة الثبات على الحق والتضحية من أجله مهما حاولت الأطراف الأخرى تهوينه عن طريق تهديد أصحابه الداعين له ومُحاولة قمعهم وإغرائهم وتشويههم والكيد لهم ومُداهنتهم.

لقد كان صلى الله عليه وسلم وما زال وسيبقى إلى نهاية الحياة النموذج الذي يُقتدى به في فهم القرآن ومُختلف شؤون الحياة، وهذا عين ما نحتاجه اليوم في مُجتمعاتنا، أي أن يكون الدعاة والعلماء والمُصلحون عاملين ومُجتهدين قُدوة حقيقية للمجتمع المسلم، فيؤثرون في حياة الناس ويُظهرون لهم أخلاق الإسلام ومبادئه في سلوكياتهم وأقوالهم وقراراتهم، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يُداهنون الظالمين والمُستبدين والمُفسدين من حكام ومسؤولين في مُختلف المجالات، بل يكون هدفهم نصرة الحق والالتزام به ودعوة الناس له وتبيينه لهم مع مُعادات الفساد والباطل ومُقاومته.

من الواضح أن من أشدّ ما نعانيه في زماننا هذا هو غياب القدوة الحقّة من ناحية، وارتكاس كثير ممن تصدر للدعوة والتعليم الشرعي من ناحية أخرى، بل ربما يحق لنا القول: إن ما نعيشه اليوم هو فرع عن أزمة القُدوة، حيث أصبح عامة المُسلمين لا يثقون في مُفكريهم وعلمائهم ودُعاتهم، بل كيف يكون ذلك وأغلبهم يقف مع مصالح الطغاة، يفتون بما يوافق أهواءهم ويُنسي الناس جرائمهم، ويسكتون عن ظُلمهم وغيهم ويُحلون ما حرم الله ويُحرمون ما أحله الله، حتى أصبحنا نرى منهم من يُبارك للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين المسلمة، ويراه تحقيقًا للمصالح الاقتصادية وسبيلاً إلى السلام والتسامح الذي يأمر به الإسلام!!

ومن هنا ابتعد عامة المُسلمين عنهم، لا يسمعون لهم ولا يتبعون أوامرهم ولا يثقون فيهم، حتى أصبح الفرد منا يشعر بأن الدين أصبح تجارة دنيوية يتخذها البعض من أجل الشهرة وكسب المال زنيل الترف وتحقيق المصالح الدنيوية، ومع غياب الإخلاص والصدق في العمل وإصلاح مُجتمعاتنا، ترك ذلك كله أثرًا سلبيّا في حياة الأفراد الذين فقدوا الأمل في التغيير واستسلموا لواقعهم ورضوا به ولم يجدوا من يُوقظ ضمائرهم من جديد ويُعيد إشعال نور الإيمان المُنطفئ داخلهم.

إننا نحتاج اليوم إلى أفراد يأخذون بزمام المُبادرة ويقتحمون مُعترك الحياة وهم واثقون بدينهم ومُلتزمين به ويُقدمون الحلول البديلة لمشاكل مُجتمعاتهم على أن يكونوا هم البادئين بالعمل وبالالتزام بما يقترحونه من أفكار وبدائل وأن يكون هدفهم إيقاظ الهمم وإحياء الضمائر وإزالة غبار الجهل والجمود والتخلف عن نفوس باقي أفراد المُجتمع وليُحافظوا في ذلك على صدقهم وإخلاصهم لربهم ولدينهم، وإذا لم تنهض فئة منا من أجل إحداث تجديد داخل المُجتمع بالعودة لنبع الإسلام الصافي وإيجاد القدوة الصالحة فسنبقى في سُباتنا ونومنا ولن يتغير واقعنا.

من هو القدوة؟

من مشاكلنا اليوم أننا نعيش انفصالاً بين ما نؤمن به من مبادئ وقيم وبين ممارساتنا اليومية، فتجد الواحد منا ملتزمًا بصلاته داخل المسجد مُحافظًا على أوراده من الأذكار والقرآن وقد تراه خاشعًا لربه ولكن ما إن يغادر المسجد حتى يبدأ بأذية الناس بكلامه وبأفعاله، ويُبيح لنفسه المال الحرام، ويمتنع عن بذل المال في أوجه الخير رغم قدرته على ذلك، فمثل هؤلاء الأشخاص سيتركون أثرًا سلبيا داخل المجتمع، ويجعلون الآخرين يظنون أن المشكل في الإسلام لا في المسلمين الذين لا يطبقونه، فلا بد لنا من العمل على تصحيح أعمالنا وأن نُقيم حياتنا كما يُحبها الله أن تكون عن طريق مراجعة النفس وتزكيتها وتربيتها على الالتزام بدينها أينما كانت.

ليس بالضرورة أن تكون القدوة المُؤثرة من العلماء والدعاة بل يُمكن أن يُمثلها كل فرد مؤمن صادق يجعل نفسه قدوة لغيره ولمن حوله من أهله ومن أصدقائه ومن يتعامل معه عن طريق إظهار أخلاق الإسلام في حياته اليومية، فيكون صادقًا في كلامه، مُخلصًا في عمله، مُوفيًا بوعوده، مُلتزمًا بآداب دينه، فلا يسرق ولا يغش، ولا يخدع ولا يخون أحدًا، وبالتالي يستطيع كل واحد منا أن يُصبح مُؤثرًا في بيئته التي يعيش فيها كل حسب قُدرته واجتهاده.

إن السياسي الصادق والمُتمسك بدينه والمخلص له مع حرصه المُتواصل في تحقيق مصالح مُجتمعه ومُحاربة الفساد داخله سيكون قدوة لغيره من الساسة ومن أبناء مُجتمعه، وكذلك المُوظف النزيه المُجتهد والمُتقن لعمله الرافض لكل مظاهر الفساد في مؤسسته سيكون قدوة لزُملائه في العمل، والمُعلم الذي يبذل أقصى جهده والمُستشعر لقيمة الأمانة في تربية الناشئة وصقل مواهبهم وتطوير معارفهم العلمية سيكون قُدوة لمن حوله ولتلاميذه، والأب والأم المتمسكين بتطبيق تعاليم دينهم والباذلين لأقصى جهدهم في تعلم فنون التربية من أجل إنشاء جيل صالح سيكونون قُدوة لأبنائهم ولمن حولهم من الآباء والأمهات، وهكذا، فكل مسؤول أو راعٍ يجب أن يكون قدوة لمن يليه من الناس.

دور القرآن الكريم في حياتنا

بالقرآن نهتدي ونبدأ بناء طريقنا في النهضة، هذا ما يمكن البدء به في التعرّف لدور القرآن في حياتنا، إذ إننا لا يُمكن لنا إيجاد القدوات وبناء الإنسان المُصلح والمُؤثر داخل مُجتمعاتنا إلا عن طريق العامل الذي ينشئه والمُتمثل في القرآن الكريم، ومن ثمّ فإنه بجب علينا الانشغال به وفهم آياته وتدبرها والعمل بها، وهنا يظهر سر التغيير الذي أحدثه القرآن في المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين، فقد تأثروا به وغيّروا به من أنفسهم ونهضوا به وغيروا مجرى التاريخ به وبنوا حضارتهم به، فلماذا لم ننجح نحن مع أن القرآن هو هو ذاته، محفوظ من التحريف والتبديل؟

السر هنا يكمن في كيفية التعامل مع كتاب ربنا، ومن ثم فإن علينا أن نتعرف إلى حقيقة علاقتنا بالقرآن، لنرى إن كنا نُعطي أولوية له في أوقاتنا وساعات يومنا، فنخصص له وقتًا يوميا لمراجعته وتدبر آياته وفهمها؟ وهل نَحْتَكم إلى قوانينه ومبادئه وقيمه في تعاملاتنا اليومية؟

إن الإجابة واضحة للغاية، فقد أهملنا فقه العمل بكتاب الله، وضعفت علاقتنا به، فكانت النتيجة عموم الفوضى وتصاعد التخلف والضياع، وقد ذكرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بضرورة التمسك بالكتاب والعمل به وجعله منهاج حياتنا حتى نُحافظ على كيان مُجتمعاتنا وبقائها في الريادة، فَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِي قَالَ : (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ فَقَالَ : أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللهُ وَأَني رَسُولُ اللهِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِن هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسكُوا بِهِ ، فَإِنكُمْ لَنْ تَضِلوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا) [صحيح ابن حبان]

إن أول ما نحتاجه في منهج التعامل مع القرآن أن نستشعر به كأنه نزل علينا لتوّه، فهو كلام الله الموجه لنا، وأن نوقن بأن رب العالمين يُخاطبنا به ويُوجهنا به في مُعترك الحياة ويرسم لنا من خلاله طريق النجاح والتفوق، فيجب علينا إذًا أن نقبل على آياته آية آية مُحاولين تدبرها وفهم المُراد منها ومُجاهدة النفس بالإلتزام بتعاليمه ومُحاولة تربيتها على قيمه.

بالقرآن يُمكننا اكتشاف بواطن نفوسنا عن طريق عرضها على آياته وإصلاح عيوبها والانشغال بتزكيتها وتطهيرها من مختلف أسقام التخلف والكسل والجمود التي أصابتنا، وبالقرآن نتعرف على دورنا في الحياة وما علينا فعله من أجل تحقيق الخلافة في الأرض وإقامة العدل والمساواة فيها، وبالقرآن نتعرف على طبيعة علاقاتنا بمن حولنا وكيفية التعامل معهم من مسلمين وغير مسلمين ومن مُسالمين ومن مُحاربين لنا، وبالقرآن نتعرف عل ربنا ونتعلم مبدأ الطاعة المطلقة له وكيفية إقامة حياتنا كما يُحبها سُبحانه وتعالى أن تكون، وبالقرآن نتعرف على حقوقنا وواجباتنا في الحياة وكيفية الموازنة بينها ونتعرف أيضًا على حرياتنا وحدودها، فالقرآن منهج حياة كامل تنهض به الأمة جميعها إذا أقبلت عليه بصدق وأخلصت لربها في تعاملها معه.

إن الواجب علينا هو البدء بتدبر القرآن وألّا نُبرر سوء علاقتنا به بسبب قلة زادنا العلمي، فلنا الاستعانة بكتب التفسير المُتاحة للجميع، وأن نبحث في صفحاتها لفهم آيات كتاب ربنا وتعلّمها، ومن ثم يُصبح كل واحد فينا –رويدًا رويدًا- على علم ودراية بكلام الله وآياته، وبذلك تتطبّع النفس على فهمه والالتزام بقيمه، ومن ثم سنرى أثر التغيير في حياتنا اليومية، فالقرآن الكريم ليس لغزًا.. وما علينا إلا أن نقبل عليه وننهل من علومه وحِكمه ونستجيب لمبادئه.

 

 

احرص على ما ينفعك

يقف الإنسان أمام وسائل الإعلام مُتابعاً لما يحدث في هذا العالم، فكم حصد الوباء من أرواح، وكم هُجّر أشخاصٌ من أوطانهم، وما آخر الكوارث التي حصلت، وماذا عن أخبار الإلحاد والعالم الغربيّ الذي تنتكس فطرته شيئاً فشيئاً، ماذا عن التفاهة المنتشرة في مواقع التواصل، وعن ضياع الأجيال، ماذا عن الحروب، ثُمّ يتساءل، ما الذي عليّ فعلُه؟

في البداية لابُدّ أن نعلم بأنّنا نعيش على هذه الأرض لمدةٍ محدودة، وبأنّ مدة الإقامة ستنتهي مهما طالت، والله تعالى قد وزّع الابتلاءات على البشر، كُلٌّ حسبما يُطيقُه، وقد أعلَمَنا في كتابه بوضوح بأنّه تعالى لا يُكلّف نفساً إلا وسعها، ونتيجة الامتحان في تمايز الناس ما بين صابرٍ وشاكر، وساخطٍ وغافل.

مِمّا لا شكَ فيه، أنّ المسلم يهتم لأمر إخوانه المستضعفين، ويهتم لأمر أُمته في صلاحها وفسادها، ومن واجبه أنه لو كان يستطيع المساعدة أو الإصلاح بقدر استطاعته أن يفعل ما يستطيعه، وإن لم يستطع فعليه أن يتذكرهم في دعاءه.

ثُمّ ماذا بعد؟

بعد ذلك عليه أن يتذكّر الحقيقة التي تقول: إنّ كل بلاءٍ يقع بالمسلمين، ليس في قدرتك رفعه؛ فإنّ الله لن يسألك إن لم ترفعه[1].

وهنا، نستحضر قصة آل ياسر في بداية دعوة الإسلام، حيث كان المسلمون قلّة قليلة، يُخفونَ إسلامهم عن المشركين، قال جابر رضي الله عنه: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمّار وأهله وهم يعذَّبون فقال: (أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ، وَآلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ) [أخرجه الحاكم في المستدرك برقم: 5666]، والشاهد هنا بأنّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- قد أرجَأ أمرهم إلى الآخرة، فلم يكن حال المسلمين آنذاك يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم، وكذا أمرُ بلال بن رباح، وسؤال الصحابة للرسول -عليه الصلاة والسلام- ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصرُ لنا؟

ففي الحديث: عنْ أبي عبدِاللَّهِ خَبَّابِ بْن الأَرتِّ قَالَ: (شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟

فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [أخرجه البخاري في صحيحه برقم: 6943]

فالرسول -عليه الصلاة والسلام-  هنا يأمرهم بالصبر، ويُكرر على مسامعهم حقيقة البلاء في الدنيا، وحقيقة عدم بقاء الدُنيا على حالٍ واحد، حيث تتعاقب الأحوال مع مرور السنين، والأهم من ذلك أنّهم لم يتوقفوا عن العمل ولم يتراجعوا عن دينهم وعن الدعوة إليه رغم القلّة والضعف، ورغم أنّهم غرباءٌ بين الناس، والغربة مع الخوف ومع رؤية الإنسان للطريق الطويل المُظلم الذي لا يرى النور في آخره، كُلُّ هذا قد يُقعِد الإنسان عن العمل، ورُبّما يُقعِده عن الدعاء، وقد يدفعه للهرب بالاتجّاه والطريق المُعاكس للحق، حتى يدفع عن نفسه الشعور بالغربة، فيذهب إلى السراب يحسبه ماءً يروي به عَطشَه، حتى إذا جاءَهُ لم يجدهُ شيئاً.

هروبٌ إلى الله أم هروبٌ إلى الوهم؟

وسط هذه الظروف وأنواع البلاء المختلفة في الدين والدنيا، تتعدّدُ طرق هروب البشر، ما بين هاربٍ إلى الحقّ وهاربٍ إلى الباطل، إلا أنّ طريق الحقّ واحد، وطرق الباطل كثيرةٌ مُتعدّدة.

خُلق الإنسان وهو يُدرك بفطرته أنّ الدنيا هي ليست دار المقام، ففي داخله شيءٌ يُخبره أنّ هذا المكان لا يمكن تحصيل السعادة الكاملة فيه، وبأنه لابُدّ من الكدر والهمّ فيه، ومن هذا المُنطلَق، يبدأ الإنسان رحلته في الهروب.

بعض الناس يظنون أنّ النجاة تكون بتحصيل المال، أو بالهجرة إلى إحدى دول الأحلام، حيث اللذة التي لا تنتهي والانفتاح والأموال، ثمّ إن رحلوا إليها لا يلبثون إلا أن يعلموا بأنّها لم تُحقّق لهم فردوساً أرضيًّا كما ظنّوا فيعاودون الركض والهرب ويطلبون المزيد، يريدون رفع سقف اللذة، إلا أنه مهما ارتفع لا يجدون شيئاً يشفي مرادهم، إن هو إلا سرابٌ وغمٌّ وخوفٌ من فقدان الدنيا يؤرّقُ مضاجعهم.

وبعض الناس يهربون للشهرة ومواقع التواصل، وكذا حالهُم كحال مَن في المثال الأوّل، وليس بالضرورة أن تكون طُرق الهروب مُكلفةً كهذه، بل لعلّ كثيراً من الناس يهربون إلى إدمانٍ مجانيّ، يظنّونه هيّناً، وهو في حقيقته خطيرٌ جداً.

الهروب إلى السجائر، أو إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ، أو إباحية المقاطع الفاحشة، الهروب إلى الأفلام والمسلسلات ومجالس اللغو، أو إلى عيادات التجميل، إلى الألعاب الإلكترونيّة والأسواق، اللجوء إلى الأغاني، الإمعان في الاستهلاك والتعلّق بالبشر، يدمنون ذلك كله ويطلبون المزيد والمزيد منها، فلا تزيدهم إلا خوفاً من فقدان اللذّة، ولا تزيدهم إلا تعاسة حتى وإن كان ظاهرها السعادة، وطُرق الباطل لا تنتهي كما أسلفنا.

ولأنّ الإنسان بفطرته يبحث عن الجنّة، فالطريق الحقيقيُّ للوصول إليها واحدٌ فقط، جاء الرُسُل فوجّهوا البشر إليه، وهو طريق العمل والتعب والمُجاهدة، مُجاهدة النفس عِلماً وعملاً، عملٌ مستمرٌ يشمل أعمال القلوب والجوارح من خلال الطاعات وترك المعاصي بعد العلم بما لا يسع المسلم جهله من الدين، جدولٌ يوميٌّ يضعه الإنسان لنفسه فيه أقلّ القليل مِمّا ينبغي للمسلم فعله، وحينما يُردّد الأذكار يُدرك معانيها فلا ينسى الهدف من وجوده في الدنيا، ولا ينسى أنّهُ سيُحاسب عن كلّ دقيقة تمضي من وقته، وعن جميع تفاصيل عمله وعِلمه وماله وأهله ودوائره القريبة، وعن أمره بالمعروف وإنكاره للمُنكر ولو بقلبه.

يقول الله تعالى على لسان نبيّه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: ١٥٣]

هذه هي معركة الإنسان الحقيقيّة، سواء أَخرَج من تحت الأنقاض فاقداً أهله، أم دخل السجن مظلوماً، أم عاش حياةً مطمئنةً آمنة، أم عاش في أوضاعٍ اقتصاديّةٍ سيئة، فمعركة الإنسان أينما كان، في أن يختار طريق الهروب الصحيح، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: ٥٠].

الزم ثغرك

يقول عليه الصلاة والسلام: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تَقوم حتى يَغرِسَها، فليَغرِسْها) [أخرجه الإمام أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرَد]، من هنا نعلم بأنّ الله سيُحاسبنا على أدوارنا وأعمالنا، حتى وإن كانت الدنيا في أسوأ الأحوال، فحين تقوم القيامة أيختار الإنسان البكاء والتوجُّع على الأطفال الجرحى في الحروب في منشورٍ ما، ثُمّ يُغلق التطبيق لينتقل إلى مشاهدة فيلم، يحسبُه مُهدّئاً، أم يدعو للضعفاء في الأرض ثمّ ينتقل إلى معركته الحقيقيّة وميدان عَمله؟ أم هل يستمر بالشكوى من القرارات الظالمة من المسؤولين ومن سوء الأوضاع الاقتصاديّة، ثُمّ يهرب إلى سجائره، ويسوّغ هروبه؟ أم يترك أمر الظلم والظالمين لِله ويمضي في طريق الحقّ رغم جميع الظروف؟

وكذلك نقول في أوضاعنا الفكرية والسلوكية، عندما يتعرض الإنسان لانتكاسة الواقع والسلوك والفطرة، هل الواجب عليه أن يبقى في صراعٍ مع نفسه وقَلقٍ مستمر مِمّا يحُلّ من إشكالاتٍ في تفكير الشباب وعقائدهم وضياعهم لأوقاتهم، مع يأسٍ ودون عملٍ حقيقيّ في إصلاح نفسه، أم يحاول الإصلاح بقدر ما يستطيع وقد هدأَت نفسُه، وعَلِمَ أنّ هداية القلوب وإصلاح الأمم بيد الله، ويبدأ من مجاهدة النفس أولاً؟

لعل الأغلب يقول: نعم، لابُدّ أن من الانتقال إلى ميدان العمل، وهنا لا ندعو إلى عدم الاهتمام بشأن المسلمين، بل على العكس، يتألّمُ الإنسان لألمِ أخيه المُسلم، ويتألّم الإنسان لسوء الأحوال إجمالاً في بلاد المسلمين، لكنّنا الآن لا نملك حكمًا إسلاميًّا عادلاً صحيحاً في أغلب بقاع العالم، بل إن الواقع يقول إنّنا في حالة ضعف، وهنا لا يملك المسلم سوى أن يبذل بقدر استطاعته من السعي لتنمية فكره ووعيه ودعم نهضة الأمة وإن بعمله اليومي المستقيم إلى جانب اللجوء والدعاء، مع التسليم والإذعان بحقيقة توزيع البلاء على الناس من قِبَل الله تعالى، وبحقيقة أنّ الأُمم تضعف وتقوى ولا تبقى على حال، لأنّ الله هو الأعلمُ بما يحتمله عباده، وبما يُصلحُ به عِباده، وبأنّ هذه سُنّة الحياة.

أقتبس ههنا للأستاذ أحمد سالم إحدى نصائحه الثمينة، يقول: “إذا لم تُضع واجباً أوجبه الله عليك ينصرون به أو يخفف عنهم البلاء تخفيفاً حقيقياً فلا بأس عليك، ووالهم بقلبك ودعائك وواسهم بما تستطيع، ولا تنصرف عن غاياتك التي اخترتها لتخدم بها دينك.

وإني والله شهدت في العشرين سنة الأخيرة أناساً ينتقلون هكذا من حادثة إلى حادثة لا هم يؤثرون في تلك الوقائع تأثيراً ملموساً يقابل أوقاتهم وجهودهم التي ينفقونها، ولا هم صنعوا شيئاً حقيقياً في التحديات القريبة منهم التي كانوا مؤهلين بالفعل للتغيير والإصلاح فيها.

إياك أن يدخل لك واحد من الناس من هذا الباب فيلفتك عن عملك لدين الله فيما تحسن وبما تحسن فيحيلك إلى ثرثار تجعجع بلا طحين، لا أنت رفعت البلاء ولا أنت عملت لدين الله صالحة تقرب الناس إلى ربهم وتقربك إلى رضاه.”[2]

ولنا أن نزيد هنا ونقول أيضاً حتى الدوائر القريبة من أهلٍ وأصحاب، من بعد نُصح الإنسان لهم ومحاولاته المستمرة في الإصلاح بكافّة الطُرُق وبكُلّ ما يستطيع، وبالدعاء بعد بذل الأسباب؛ لن يُسألَ بعدها عن النتيجة، فالإنسان مسؤولٌ عن السعي فقط، ولا يملك أحدٌ قلوب العِباد، بل إنّ معركة كل إنسان الحقيقيّة تبدأ من تزكيته لنفسه.

والآيات التي تدور حول إصلاح النفس وتزكيتها أوّلاً كثيرة، نورِدُ بعضها ههنا، كقوله تعالى: {منِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] وقوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: ٦] وقوله جل في علاه: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} [الأنعام: ١٠٤].

فلا بُدّ إذن للإنسان أن يلزمَ ثغره مهما تغيرت الظروف وتعاقبت، ولا يهرب إلا باتجّاه الحقّ بعيداً عن الباطل.

مهما بدَت صور الباطل أسهل وأجمل وألذّ، ومهما حاول الأعداء من الجنّ والإنس تزيينها، فليعلم الإنسان أنّها راحةٌ كاذبة، ولذّةٌ مؤقتة، بل إنها تحمل ألماً شديداً في طيّاتها، وليتأكّد كذلك بأنّ طريق الحقّ وإن بدا صعباً، وإن كان يبعث الشعور بالغربة ففيه الراحة الحقيقيّة، وفيه اللذّة التي لا تنتهي ولا تموت “فأريحوا أنفُسكُم بالتعب”[3].


[1] . من جملة ما نشره أ. أحمد سالم، على قناته في تيلغرام.

[2] من منشورات أ. أحمد سالم في قناته على تيلغرام.

[3] مقولة للدكتورعبد الرحمن ذاكر الهاشمي.

حديث خالَف القرآن ظاهرُه، هيا لنردّه!

ليس من الغريب أن تنتشر في زمن السوشيال ميديا مقولات ردّ الأحاديث التي يخالف ظاهرها القرآن، وبالرغم من أن عرض المرويات الحديثيّة على كتاب الله الكريم للفحص والتمحيص له جذورٌ قديمةٌ نسبيًّا إلا أن أسباب جدّته وانبعاثه في هذا الزمن مرة أخرى لا يعود لأهل التخصّص، بل هو مما تعالت به أصوات الحداثيين وجمهرة المناهضين لمنهج المحدّثين، فصار ردّ الحديثِ المخالف لظاهر القرآن عمومًا منهجًا من مناهج الحكم على الحديث صحة وضعفًا متّبعًا لدى طيف واسعٍ من المفكرين المعاصرين، ووصل بانتشار تأثير السوشيال الميديا إلى أعداد كبيرة من الشباب الذين وقعوا في هذه القضية بلا وعي سديد أو استدلال قويم.

إنه زمن السرعة، هذا ما يوصف به عصرنا، طبعًا إلى جانب صفات أخرى كسرعة الوصول إلى المعلومة بضغطة زر، وإمكان تداول الآراء ونشرها، وكسب التعليقات وفتح النقاشات للجميع، ومن ثمّ فإنه يمكن لشخص في هذا العالم الافتراضي المفتوح أن يناقش حديثًا ما أمام جماهير افتراضيّة غفيرةٍ، فيقنعها بضرورة ردّه لأن ظاهره يوهم بمخالفة القرآن.

مخالفة الحديث للقرآن، مثال نظري وتطبيقي

فكرة نقد متن من الأصول النظرية والتطبيقية المهمة في علم الحديث، ومن المؤكد أنّ فقهاء الحنفية كان لهم نظرٌ خاصٌّ في ردّ الأحاديث التي خالفت القرآن والأصول الإسلامية الكبرى، وكانت تطبيقاتهم في هذا المجال مندرجة تحت مسمى “الانقطاع المعنوي”، كما أُلِّفت كتب عديدة لمحاولة فهم الأحاديث النبوية ونقدها ضمن الصور الكلية للدين مثل كتاب: “شرح معاني الآثار” للإمام الطحاوي، إلى جانب الكتب العديدة الأخرى التي أُلِّفت لإظهار التوافق بين الحديث وبين القرآن وعدم إمكان التعارض الجوهري بينهما..

هذا كلّه مما يدل على وجود إحساس عند علماء المسلمين بأن الحديث لا يمكن أن يخالف القرآن؛ وذلك لأن القرآن وحي من الله، إلى جانب الاعتقاد بأن الحديث صادر عن الرسول عليه الصلاة والسلام الخاضع لأمر الله ومراقبته في كل ما يتعلّق بتبليغ الوحي والرسالة، فإن حدث أن يكون ثمّة حديثٌ لا يمكن التوفيق بينه وبين القرآن، فقد نصّ العلماء على أن العقل يحكم برد الحديث المروي.

لكن مهلًا من يحكم، وكيف يحكم، وما المقصود بالمخالفة هنا؟ وهل ما نراه اليوم في البرامج الدينية، أو منشورات المجتمعات الافتراضية -كالفيسبوك وما شاكله- من ادعاءات بأن حديثًا ما مخالفٌ للقرآن وبالتالي يجب رده، هو الوسيلة لتطبيق القاعدة؟

ثمّة أثرٌ مرويٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن القيم في كتابه “المنار المنيف” يصحّ أن يكون تمثيلاً لما نحن بصدده، يقول الأثر: (الدنيا سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة).

عقّب ابن القيّم على هذا الأثر المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم بالآتي: “وَهَذَا مِنْ أَبْيَنَ الْكِذْبِ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ عَالِمًا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ لِلْقِيَامَةِ مِنْ وَقْتِنَا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة والله تعالى يقول: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 187] وقال الله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا اللَّهُ)”.

من المهمّ لفت الانتباه إلى أن ابن القيّم أوردَ هذه الرواية في الأحاديث الموضوعة في كتابه المشهور “المنار المنيف” ضمن الروايات التي حكم بوضعها “صريح القرآن”، علمًا أن كتابه هذا وُضِع في الأساس ليحويَ تطبيقات نظريّة وعمليّة لما اصطلِح عليه لدى علماء الحديث بـ (نقد المتن)، وهنا نلاحظ أن ابن القيّم نقد الحديث المذكور بعرض آيات كثيرة وأحاديث أخرى تخالفه معنىً وواقعًا، ورأى أنه لا وجه البتّة للتوفيق بين هذا الحديث وبين المرويات الأخرى من القرآن والأحاديث الصحيحة والواقع.

منهجيّة الردّ عند علماء الحديث

يجدر بنا الوقوف قليلًا عند هذه المسألة، فردّ الحديث ورفض العمل به خاضع لمنهجيّة دقيقة من دراسة الأسانيد والروايات والمتن، والقول بأن الحديث مخالفٌ للقرآن أمر ليس محكومٌ بالهوى، وكذلك فإن الحكم على الحديث خاضع لمنهجية أصولية وعلمية وليست ضربًا من التخمين أو إبداء الرأي الذي لا يستند إلى منهجية..

ردّ الحديثِ ليس أمرًا سهلاً شأنه كشأن منشورٍ تشاركه أو خطبة عصماء يوردها مقدّم تلفزيوني أو يوتيوبر شهير وهو يتباكى على تسرّب هذا الحديث إلى كليات الحديث الكبرى ولم يُنتَبَه إليه متناسيًا أن العلماء قاموا بتأليف كتب كثيرةٍ لغربلة ما نسبِ إلى ميراث السنّة النبوية من الأحاديث الموضوعة والمعلولة، وبالتأكيد فإنه هذا لا يعني أن العمل في هذا الحقل قد انتهى، إلا أنه في نفس الوقت لا يعني إتاحة المجال لغير المتخصصين ممن أراد أن يصدر أحكامه لمجرد أنه لأمر ما لم يفهم الصلة بينه وبين القرآن.

استفاض الإمام الشاطبي في أثره المشهور الباقي “الموافقات” في الحديث عن ارتباط السنة بالقرآن، أي أنها عائدة إلى الكتاب الإلهي، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما كان يسنّ سننه فإن هذه السنن لها أصل في الكتاب.

إنّ الإشكالية الأساسية هي في كشف هذه الرابطة التي قد تكون خفية في بعض الأحيان، وعدم إدراك شخص ما للعلاقة بينهما لا يعني انعدامها، وهذا ما تقرره القاعدة المشهورة (عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود).

خلطٌ كثير، وأخطاء منهجية

من يحاول أن يردّ حديثًا بناء على ادعاء أن الحديث يخالف القرآن قد يقع في الخلط بين نوعين من الأحاديث، أولهما: حديث مخالف للقرآن، أما النوع الثاني: فعدم ورود موضوع الحديث في القرآن مع وجود أصل له.

لنضرب على ذلك مثالا يتقنه الجميع، حيث لا يمكن لأحد رد أحاديث مواقيت الصلاة أو الأحاديث التي تتكلم عن تفصيلات الحج بدعوى أنها مخالفة للقرآن أو غير موجودة فيه، لأن الموضوع ببساطة أن الحديث فصل الأمر المُجمَل في القرآن.

ولزيادة في التفصيل، يجب التنبّه إلى أن من يحاول رد الحديث بناء على ادعاءات المخالفة يقعون في أخطاء عدة، يمكن إيضاحها في الآتي:

  1. الخطأ في فهم وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، فالرسول ليس بساعي بريد يوصل رسالة ثم يذهب، بل إنه مكلَّف بمهمة التبيين وذلك من خلال قول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] فالرسول عليه الصلاة والسلام مكلّف بالبيان، والبيان هنا نقل الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي، ويؤيد هذا قول السيدة عائشة لمَن سألها عن أخلاق الرسول، (كان خُلُقه القرآن) [أخرجه أحمد في المسند].
  2. الخطأ في الخلط بين الحديث والسنة، وهذا مما يقع فيه كثير من الناس، فالحديث هو الرواية لما قاله الرسول أو فَعَلَه أو قَرَّرَه، غير أن السنة ما رسمه النبي عليه الصلاة والسلام من الهدي والتصرّف ليحتذى ويقتدى به، فالسنة تشير إلى الأمر المطلوب فعله من قِبَل المؤمنين، وبتعبير آخر فإنّ في الحديث ما لا يكون سنّة، إلا أن كل ما في السنّة من الحديث، وهذا مما يعرف بالعموم والخصوص الوجهي لدى علماء الأصول، وعليه فإن الحديث أشمل من السنة لأن الحديث مصدر من مصادر السنة، كما أن هناك مصادر أخرى للسنة كعمل الصحابة.
  3. عدم إدراك طبيعة اللغة العربية، إضافة إلى عدم فهم خصوصية الأساليب اللغوية التي يستعملها النبي عليه الصلاة والسلام، فاللغة العربية بطبيعتها تعتمد على المجاز والأساليب البلاغية التي يجب ألّا تفهَم فهمًا ظاهريًّا محضًا، وهذا الأمر موجود في كثير من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، فكما أننا لا نفهم قوله عليه الصلاة والسلام: (رفقًا بالقوارير) [أخرجه البخاري] على ظاهره من دونِ الغوص في سياقه والمجاز الذي بُنيَ عليه، فكذلك يجب ألا نفهم: قوله (خُلِقَت المرأة مِن ضِلَعٍ) [متّفق عليه] على ظاهره؛ إذ إن أخذ كلا الحديثين ظاهريًّا دون فهم السياق والمرام سيوقعنا في إشكال واضح.

يضاف إلى ما تقدّم أن دعوى رد الحديث ليست دعوى قائمة على ملاحظة ظاهرية بمعنى أنها ليست قائمة على رد الحديث بمجرد أن العقل رأى اختلافًا ما، بل لا بد من فهم الحديث والآية ضمن كلية الموضوع الذي يوضحانه ويتكلمان عنه، ومن بعد ذلك يمكن فهم الحديث والآية في ضوء الصورة الكلية التي تنتج عن الدراسة، ومن ثم يكون إصدار الحكم، وعند ذلك يُقبَل الحكم على أنه حكم اجتهادي قد يصيب المرءُ فيه أو يخطئ.

نقدُ المتن أم نقدُ السند، ما المطلوب؟

ثمة خطأ شائع بين الذين يبادرون لرد الحديث لمخالفة ظاهره القرآن، وهو أن المحدثين لم يهتموا بنقد المتن كما اهتموا بنقد السند، ولذلك ينادون بأنه لا بد من عملية نقد جديدة لنقد المتن!.

إن قائل هذه العبارة –على الأغلب- لا يدرك ذهنية النقد أو الفكر النقدي الذي اتبعه المحدثون في دراسة الأحاديث والحكم عليها، ومع اعترافنا بأن الباب ما زال مفتوحًا لنقد الأسانيد والمتون ذاتها وفق الضوابط العلمية وأصول منهج علم الحديث، إلا أن نقد السند مُنبَنٍ في جزء منه على نقد المتن، فلكي يُعرَف أن شخصًا ما ثقة وضابطٌ -وفق تعريف المحدثين- لا بد أن تكون أحاديثه صحيحة، وهذا يقتضي أولًا غربلة ما رواه وفحصه، إلى جانب متابعة ما يصدُر عنه من مقولات وتصرفات على حدٍّ سواء.

من ناحية أخرى فإن النقد الحديثي ذاته بدأ مع عصر الصحابة، ومن الطبيعي أنه لم يكن في ذلك الوقت إسناد طويلٌ، وبذلك فقد انصبّت الجهود كلّها على نقد جوهر الكلام المرويّ، وقد قدمت السيدة عائشة رضي الله عنها أمثلة عديدة على نقد المرويات التي سمعتها، وقد جمع الإمام الزركشي كتابًا لطيفًا في هذا الموضوع سمّاه “الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة”.

ختامًا، إن مبدأ ردّ الحديث المخالف للقرآن ينتسبُ لمنهج أصيل وقاعدة مهمة في فهم الدين والسنة وفق الأصول العامة والصورة الكلية للدين، إلا أنه لا بد من تحقّق شروط معيّنة ومهمة حتى نحكم بهذه المخالفة، أهمها: تحقّق مفهوم المخالفة حقيقةً، ويظهر ذلك من خلال عدم إمكانية الجمع بين الحديث المذكور وبين الآية أو بين الصورة الكلية المستنبطة من الأدلة المختلفة، إضافة إلى وجود خلل حقيقيٍّ في السندِ الراوي لذلك الحديث، وهذا كله لا يتحقق إلا وفق جهد علمي رصين مع تدقيق وحذر شديدين، إضافة إلى التأكيد على خطورة رد الأحاديث تنفيذًا لأيدولوجيات معينة، والأجدر والحال هكذا أن يترَك هذا الأمر لأهله، فأهل مكة أدرى بشعابها..!