image_print

الشوق لرمضان.. أم السؤال عن معجون الأسنان؟

كلّما استحضرتُ قربَ الشهر الفضيل، وحاولت عيشَ أجوائه الدافئة في ذاكرتي أو مخيلتي، راودني تفصيلٌ تافهٌ أو عابر –ربما-، ولكنّني أجدُ فيه تفسيراً يمكن إسقاطه على كلّ تجاربنا المختلفة في رمضان.

كثُرت النكات في آخر الأيام على فكرة الأسئلة التي يطلب الناس فتواها من الشيوخ وعلماء الدين في أوائل أيام شهر رمضان، حتى اختصر كثيرون ذلك على الناس بنشر كل تلك الأسئلة -الساذجة المكررة- في صورة واحدة بجدول “يفطر أو لا يفطر”.

إلا أن السذاجة لا تقتصر على تلكَ الأسئلة، بل لعلّها تحدث في زوايا كثيرةٍ من أفعالنا في هذا الشهر المبارك الذي يبدأ سيناريو اشتياقنا له بالنصوص والعبارات، وربما في مواقف صادقةٍ أكثر، في احتياج الروح للقرب والتهذيب والتنقية حقًّا، ولكنّ هذا الصدق قد يتشابه مع صدق صاحب ذلك السؤال الذي جعلناه نكتةً، ربما إن فهمنا دافعَ سؤاله أكثر.

إنّنا نسأل الأسئلة في بعض الأحيان لا لرغبةٍ حقيقيّةٍ في الإجابات، وإنما لفكرة السؤال نفسه.. لأقرّبَ الوصف أكثر؛ فإنّنا قد نسأل عن حال بعض المعارف أحياناً دون رغبةٍ حقيقية بمعرفة أخبارهم، ولكن مخافة العتاب، أو إرضاءً للواجب، هذا ما يحدث بالضبط مع تصرفاتٍ -بتنا نسميها رمضانية- كثيرة، أن نُشعِر أنفسنا بأنّ واجباً علينا يُؤدّى، بأنّنا مهتمّون حقّاً برمضان والبداية جادّة.

ظلم تشبيه الـ ( 1 ) بالـ ( 11)

جُعِل الصوم مميّزاً عن باقي العبادات في تفاصيل مختلفة كجزائه القدسيّ سواءً من ريانٍ، أو ذاك الذي تركه الله له، وهو يجازي به، ولنا أن نتخيل حجم عطاء الكريم إن وعد.

كما أنّه مختلفٌ في توقيته الخاص، وحدانيّته وسط 11 شهراً آخر، وهنا بالذات قد نفسد من حيث نريد الإصلاح، فنأتي لنُشعِرَ أنفسنا بأن هذا الشهر هو الكنز المنتظر، ذو اليوم المختلف، والروتين الخاص فنقعُ في مأزقين معتادَين.

أولهما: لحظة ما بعد العاصفة، والعاصفة التي أقصد هي مآزق وعثراتُ وسقْطات الأشهر الإحدى عشر، عواصفُ الذنوب والأخطاء والوساوس التي لاقَينا سوء عاقبتها، وتعب المصير الذي آلت بنا إليه، تلك الموعودة بالإصلاح دائماً دون جدوى، إلى أن يخطر في البال طيف رمضان كشهابٍ رابح، ليبدأ الذهن في ترتيب مراسم التوبة والنسك والتهجد.

وهنا أستحضر مشهد السفينة في عباب البحر، يركبها المسافرون يواجهون أكثر لحظات الخطر والمشقّة (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ.. ) يخاطبون الله، يدعونه، يَعِدونه ويعدون أنفسهم بتغيّرٍ عظيم؛.. (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [يونس:22]، إلا أن عاقبة هذا الوعد معروفةٌ في أحيانَ كثيرةٍ للأسف..

ذاتُها حماسة صاحب السؤال التي تتلاشى بحلول أول مغيبٍ للشمس، أو بالأحرى تخمةِ أول إفطارٍ وليلةٍ رمضانية.. وقد تكون حماسةً تمتدّ بضعةَ أيّامٍ ثم تعودُ للغياب.

إفطار رمضان

أمّا المأزق الثاني: فهي تلك التفاصيل التي نضيفها على الجدول الرمضانيّ بمضضٍ في أوّل الأمر، والتي نحفظ مواعيدها متظاهرينَ بعدمِ الانتباه – فالجدول المُعَدُّ قد لا يتسع شيئاً سوى العبادة- وإذا بالجداول تتمزّق قبلَ أن تُخَطَّ على الورق، وإذا بتلك البرامج، والمسلسلات، وحتى السهرات تفرض جداولها بنفسها دون كلفةِ ترتيبٍ أو تنسيق. لنمحو بأيدينا ما ينفعُ الناس، ونتركَ الزبدَ الجفاءَ يملأ أيام رمضانَ الفضيل حتى يغرقها ونغرق.

وهنا نظلم هذا الشهر الواحد بأن جعلناه فارغاً مليئاً بكلّ ما يفرغنا أكثر، جاعلين إياه كـالـ ( 11) شهرًا مضى، وهو واحدٌ يزيدُ  على بقيّةِ عامٍ بأكملها.

مَن جَدَّ وَجدْ

سنكون متشائمين إن ذكرنا الأخطاء ولم نتطرّق للصحيح والمفروض، ولكنّ الغرض كانَ مباغتةَ الأخطاء واستعراضها في مشهدٍ استباقيٍّ تحليليّ، غايةُ مُناه أن لا نكرّرها، والله من وراء القصد.

لا مثالَ أوضح على الجدّ من عمله ﷺ  وعمل أهله وصحابته في هذا الشهر الكريم، من الدعوات اللحوحة، واستباق الخيرات، من تدبّر القرآن في الشهر الذي أنزل به ومن إحياء ليلة القدر على الوجه الدي يرضي الله (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) [القدر:2].

أناسٌ جَدّوا فوجدوا، فاستمرّوا، فكان رمضانهم موعداً مع قضاء الحاجات والكُرَب. أدركوا عظمة فكرةِ أن يكونَ في العام أيّامٌ تعدِلُ لحظات جمع الغنائم بعد المعارك الطاحنة، مواسمُ قرباتٍ وطاعاتٍ ورضا، القَدرُ والرزق، ابتلالُ العروقِ بعد شهور الظمأ، ثباتُ الأجر بعدَ الغفلة عن الصوم والتهذيب أيّاماً كثيرات.

يا إلهنا.. اشتقنا لرمضانَ حقًّا، فأصلح أنفسنا وأبعد عنها ضلالاتها فإنّك إن تَكِلنا إليها نهلك، اللهم سلّمنا لرمضان وسلّمه لنا وتسلّمه منّا متقبّلا.

 

الجمال بين القيمة والمقصد

“الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة سواء أكان ذلك في الماديات أم في المعقولات، وفي الحقائق أم في الخيالات.” هكذا عرفه المنفلوطي في نظراته، فهو يقيم الجمال على التناسب والائتلاف سواء كان ذلك في الأمور المادية أم العقلية أم الحقيقية أم الخيالية، فلولا تناسب الكون في أرضه وسمائه، وتعاقب ليله ونهاره، وتآلف أجزائه ومكوناته، ما أخذ بالألباب وجالت في جماليته العيون والأبصار وسُطرت في سبيل وصفه الدواوين والأشعار، ولولا انتظام النغمات وقوة إحكامها من غير نشاز، ما استقرت في الأفئدة ومالت إليها الأنفس، ولَمَجّتها الأسماع ونفرت منها الطباع!

إن الجمال قيمة مطلقة من حيث حبّ الناس له والسعي إلى إدراكه، فمن ذا الذي يوثر الصحراء المقفرة على الجنة الوارفة، أو من ذا الذي يفضّل السفح المقفر على الروض الناظر، والمنظر القبيح على الحسن، اللهم إلا فاقد العقل مخروم الفطرة!

جمال  الطبيعة

قيمة الجمال في المنظومة الاجتماعية

تعتري قيمة الجمال النسبية وتتنازعها الآراء عند تفعيلها، فليس كل ما تراه جميلًا يراه غيرك كذلك، ومردّ الأمر إلى الأذواق التي تتباين وتختلف عند بني البشر؛ ومن ثمّ فإن لهذه القيمة مقصدية عظمى إذا فُعّلت في المجتمع وأشيعت بين الناس، فبها تصاغ الأفكار وتؤطّر، وتساعد على وضعها في المسار الصحيح، وإذا عُدمت هذه القيمة في المنظومة الاجتماعية شاعت الأفكار الغريبة المستهجنة التي لا تنفع، “فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال يوحي للإنسان بأفكار، ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة المستهجنة”– كما يقول مالك بن نبي رحمه الله-.

حثّ الإسلام على التحلّي بالجمال وتطبيقها عمليًّا على أرض الواقع، دلّ على ذلك العديد من النصوص منها قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وقوله صلى الله عليه وسلم :(إنّ الله جميل يحبّ الجمال) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي]، ونداءات الدعوة التي يرفعها الله في كتابه العزيز للتفكر في آيات الكون الجميل الضارب في المجهول {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] وقوله: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]

والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام ماهي إلا صورة من صور الجمال المعنوي الذي يسمو بالفرد ويضعه مواضع الرفعة، ولعظم هذه القيمة نجد الشيخ عبد الله دراز -رحمه الله- يجعلها محوراً من محاور القرآن الثلاث الرئيسة، والتي تتمثل في الحق أو العنصر الديني، والخير أو العنصر الأخلاقي، والجمال أو العنصر الأدبي)

مقاصد الجمال

كل ما تقدّم يبيّن أنّ لقيمة الجمال مكانة عالية في الإسلام، وذلك لعظم المقاصد التي تحقّقها، والآثار الإيجابيّة المترتبة عليها، ونكتفي بذكر مقصد واحد من هذه المقاصد التي تحقّقها هذه القيمة، وهو إشاعة مشاعر الحب واللطف بين الناس؛ فكل من اتّصف بالجمال ظاهرًا وباطنًا، وسعى إلى إدراكه في حياته اليومية، تراه مفعمًا بمشاعر الحب واللطف، ساعيًا إلى نثر عبقهما بين الناس، مبتعدًا جهد الاستطاعة عن مظاهر الكره والعنف.

إن الهدف من بيان مقصدية الجمال في الشريعة الإسلامية والحياة، هو التأكيد على ضرورة العودة إلى تلك القيم الجمالية، والوقوف على آثارها التي ستشيعها في أنفسنا ومن حولنا، خاصة مشاعر الحب واللطف، حيث تُمحا ندوب الكره والعنف التي ضيقت وقتّرت وجه الحياة وأزّمت العلاقة بين الأحياء، ولعلها تزيد من فرص الحياة الكريمة والسعيدة بكل ما فيها من فرح.

إن مما يحزن الإنسان أن يرى الجمال وسيلة لإشاعة الباطل المعاصر بزخرفة أقواله وإلباس بطلانه بأجمل الحلل الخادعة، بينما يكون الحق الواضح نافرًا مشوّهًا بعيدًا عن الحسن، حتى أصبحت مشاهد القتل والعنف والحروب وغلظة الخطاب وكآبة الحال هي ما يميز أخبار المسلمين، ويصنع صورتهم في العالم، مع أن حقيقة الصورة المعروضة للدين أبهى من واقعنا المعاصر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في نفسه وحياته على القمّة من الجمال، وقد كان لا يرضى أن تظهر شعيرة من شعائر الدين أمامه إلا على أجمل صورها، فبلال رضي الله عنه لم يكن صاحب الرؤيا في الأذان إلا أنه استحق الصعود والبلاغ؛ لأنه الأندى صوتًا والأجمل أداءً، وكان دحية الكلبي رضي الله عنه مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض ملوك الأرض لجمال هيئته وروعة بيانه.

 

الإنسان بين السوبر واللامبالاة!

يتسارع عصرنا بكل تفاصيله، ولا يبدو أننا سنرى مخرجًا من أفكار هذا العصر إلا بالعودة للأصول، في ظل السعي المرهق للوصول إلى الإنسان “الأعلى” أو السوبر، الذي يستنفد جهده وروحه..

وهنا قد يسأل سائل: هل السعي للكمال خسارة؟!

سنعرّج على جواب هذا السؤال، عندما سنحلل أسباب السباق اللاهث، وطريقة ترتيب الأولويات، إلا أننا الآن سنقف عند جذور هذه الفكرة وتطوراتها، والمقابل لها في دين الإسلام.

نيتشه وفلسفة السوبرمان

الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، هو أحد ثلاثة فلاسفة تأثروا بفلسفة كانط، كان قد طالب بنوع جديد من الناس، وهذا النوع هو الإنسان الأعلى أو الإنسان المتفوق (Superman) أو الأوبامنش.

نيتشه

نيتشه

يذكر نيتشه في كتابه (هكذا تكلّم زرادشت) مقتبسات وشذرات فكرية تجسد دعوة رجل الدين الفارسي زرادشت الذي نزل يدعو الناس إلى الإنسان الأعلى (Superman)، أي الأرقى والأشجع من الإنسان الحالي والذي عايشه نيتشه.

عمومًا فالكتاب عبارة عن رواية أدبية بث فيها نيتشه أفكاره على لسان زرادشت، وقد اشتهر عن نيتشه أنه أعلن إلحاده، وأنه سعى بعد ذلك لإيجاد البديل عن الإيمان بالله، فجاء بفكرة الإيمان بالإنسان الكامل “السوبرمان” وجعلِه إلهاً جديداً للإنسانية.

يقدّم نيتشه في كتابه فكرة أنّ على الإنسان أن يكون شجاعاً وأن يعتاد الاعتماد على نفسه في كل الأمور مستبعدًا بذلك فكرة التوكّل الكلّيّة على الله، إذ ليس ثمة أحد قادر على مساعدة الإنسان لنفسه إلا نفسه، ومن ثمّ يدعوه لقطع الاعتماد على الله.

إن الإنسان بنظر نيتشه يجب أن يكون أشبه بشخص خارق ضدّ الصدمات من الناحية النفسية، إذ بنظره ليس بالضرورة أن يكون الأوبامنش أو السوبرمان قويًا جسديًا ولا ذكيًّا للغاية، ولكن من المفترض أن يكون السوبرمان متفوقًا نفسيًا، بأن يتمتع بنفسية غير قابلة للكسر.

يرى نيتشه أنّ واجب الحضارة هو خلق إنسان جديد، وهو الإنسان الأعلى (Superman)، أي الإنسان الصلب القوي والشجاع الذكي، والمستقل أخلاقياً عن القيم الدينية القديمة.

أين الخلل؟

ليس من المستغرب أن يتبادر إلى الذهن تساؤل عن مكمن الخطأ في هذه النظرية التي قدّمها نيتشه، ولربما نجد أحدًا يوائم بين هذه النظرية وبين السعي للكمال، ألا يتفق مع المفهوم الذي طالبَنا به شرعنا الحنيف بالسعي للكمال والوصول لنسخة أفضل منّا؟ ألا يتفق هذا الأمر مع المقولة المنسوبة للشيخ محمد الغزالي: (لا تقل اللهمّ خفّف حِمْلي، ولكن قل اللهمّ قوّ ظهري)؟!

إلا أن الجواب على ذلك، هو أنّ شرعنا الحنيف يدعونا إلى الرحلة نحو الكمال، حيث تستوجب منا الاعتماد على ركيزتين أساسيتين:

الركيزة الأولى: علاقة الإنسان بخالقه عزّ وجلّ، أما الركيزة الثانية: علاقة الإنسان بنفسه وبما حوله.

وقد كان هناك محاولات على مرّ العصور بالانسلاخ من أحد هاتين الركيزتين إلا أنّ من حاول حظي بمسيرة ونتيجة ناقصة.

ولا بدّ لمن فَقِهَ الركيزة الأولى وامتثَلَ لها على نحو صحيح أن تتولّد عنده الركيزة الثانية وفق منهج قويم.

محمد الغزالي

محمد الغزالي

وبالمقابل فإن في كلمة الشيخ الغزالي آنفة الذكر رسالة لطيفة لصاحب الهدف وهي أنّ الله لا يضع الثمار على غصن ضعيف، وإنما يضع الثمار على شجرة يؤمَل منها الخير، لذلك كان هذا القول دعوة للجدّ والمثابرة لا لجلد الذات ولا للسعي الماديّ المتجرّد من الروح، وهنا تكمن المفارقة بين نظرية نيتشه وهذا القول على سبيل المثال.

فنيتشه يدعو إلى شخص لا يعاني ولا يتألم، فهو يجرّد الإنسان من مشاعره ويجعله حائطاً أصمّ لا يُرى إلا التفوق، رغم أنّ التفوق يكمن في الرحلة ذاتها لا في الوصول، والتفوق يكمن بالحفاظ على التوازن بين الروح والجسد، فلا قيمة لأهداف خالية من الروح، ولا مدد لمركب لم يكن اللهُ وجهته الأساسية.

بين الإنسان السوبر والإنسان المسلم

إن جئنا لأشرف خلق الله سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم فإننا سنجده خلال رحلة الدعوة قد واجه الكثير من المحن والصعوبات، ولكن النقطة الأساسية هنا والتي يجب أن نبني عليها الاتجاه هو أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم ينطوِ على ذاته ويكفّ عن المحاولة، كما أنه في الوقت ذاته لم يطالِب من حولَه بأن يتجرّدوا من شعورهم في سبيل الوصول للتفوّق الذي يؤذي الروح، بل جعل الروح والعلاقة مع الله تعالى هي الأساس الذي تُبنى عليه ولادة الإنسان المتحلّي بالقيم والفضائل ومعمر الأرض بالخيرات.

فكان أن ربط النبيّ صلّى الله عليه وسلّم همّة الرعيل الأوّل بعزيمة ربّانية، لأنّ الذين يربطون جهدهم بتحقيق إنجازات محدودة فحسب يصيبهم الخور كثيرًا، وتجدهم كثيرًا ما يحتاجون إلى بداية عزم جديد، وقد تنكسر منهم العزائم، وتسكن إرادتهم بعد حدوث إنجازاتهم المحدودة، أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تعمَّد أن يربط إرادة أمته وعزائمهم بربهم، فكان اعتمادهم عليه سبحانه هو مصدر قوتهم، وتوكّلهم على قدرته هو المثبِّت لعزائمهم، فيقول في حديثه صلّى الله عليه وسلّم: (إن الله يحبّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافَها) [حديث صحيح: الصحيح الجامع]

بينما ألقى نيتشه على الإنسان ثقله الماديّ وجرّده من الجانب الرّوحي، مع العلم أنّ الجانب الرّوحي هو البراق الذي يعرج بالإنسان نحو سماوات الفضيلة والفهم والإدراك.

السوبرمان

ونجد هذا المعنى الأنقى، والتوجيه الأرقى جليّاً في محادثة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع الصحابي خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه، عندما جاء خبّاب إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يشتكي من أذى قريش لهم قبل الهجرة قال خبّاب رضي الله عنه: (شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [أخرجه البخاري].

إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم لم يطالب خبّاب بأن يكون سوبرمان، ولم يقل له أطلق العملاق الذي في داخلك، ولم يستغرب ضعفه وضعف المسلمين، ولم ينهره لبثّه الشكوى! وإنّما مرّر له مراده بتذكيره بمن لاقى الأشدّ فصبر.

لقد راعى النبي صلّى الله عليه وسلّم فيهم جانب الضعف الإنساني وطالبهم بالصبر، ثمّ طمأن قلب خباب بأن ذكّره بالرّابط الأهمّ وهو الله تعالى؛ إذ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر) فربطه بالله ولم يربط إتمام الأمر على عاتق الأفراد، فالمطلوب من الإنسان السعي والتوكّل على الله تعالى.

 

سر فرض الصيام في شهر مدارسة القرآن

 مثل كل طفل يعيش في مجتمعات المسلمين شدَّتْني منذ الصغر بعض المظاهر الرمضانية التي لا تراها إلا في هذا الشهر المبارك لاسيما إقبال المسلمين على تلاوة القرآن، في حلقات المساجد أو في البيوت أو في المواصلات العامة، حتى الباعةُ في محلاتهم تجد البائع مع كثرة أشغاله يقتنص الدقائق الفارغة ليمسك بمصحفه ويجلس ساكنًا يتلو كتاب ربه. وكنت أتساءل مستفهمًا أو مستنكرًا لماذا فقط في رمضان؟ وكانت الإجابة الحاضرة دائمًا أن رمضان شهر ابتداء نزول القرآن لهذا من الطبيعي أن تجد هذا الاحتفال بالقرآن في شهر القرآن، زد إلى ذلك الثواب الذي ينتظره كل مسلم ومسلمة من تلاوة كل حرف في كتاب الله، أليس ذلك كافيًا أن يتسابق الناس إلى تلاوة القرآن والاستزادة منه في هذا الشهر الكريم؟!

 لكن إذا علمنا أن الله فرض الصيام على أمة الإسلام في العام الثاني من الهجرة، في حين أن نزول القرآن كان قبل ذلك بزمان طويل يقترب من أربعة عشر عامًا، فإن ذلك يؤكد لنا أن الله اختار الشهر الذي أنزل فيه القرآن ليفرض فيه الصيام! ففي سورة البقرة يقول الله تعالى: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{ [البقرة: 185].

هنا ينبغي لنا أن نتساءل ما سر هذا الاختيار الإلهي؟ وما فائدة الجمع بين الصيام والقرآن في شهر واحد؟ هل يمكننا تلمّس حكمةٍ مَّا وراء ذلك؟

 من أهم فوائد ذلك -في تقديري- جمعُ أهم أدوات التغيير وأشدها تأثيرًا في النفس، حيث تتعاقب وتتجاور في مدة زمنية محدودة، حتى تكون أشد أثرًا في تهذيب النفس الإنسانية وصقلها وتغييرها إلى الأحسن عامًا بعد عام، تغييرًا يطول أمدُه ويقوى في النفس والمجتمع أثرُه.

القرآن وشهر الصيام

 وتفسير ذلك أن الإنسان إذا ارتكب ما يضره في دينه أو في دنياه من أمر حقير أو خطير فإنما يفعله لواحد من سببين: إما أنه يجهل طبيعة ما فعل وعاقبته، أو أنه خائر العزم أمامه مسلوب الإرادة في مواجهته.

فالإثم الديني أو الخطأ الدنيوي ينشأ إذن عن نوعين من الضعف: ضعف معرفة أو ضعف إرادة، وانفراد أحدهما كافٍ للوقوع في الخطأ، وقد يجتمع السببان فيكون الأمر أخطر والعلاج أصعب!

 وقد جمع الله في رمضان ما يعالج الأمرين معًا، فتلاوة القرآن تعالج الضعف المعرفي، والصيام يعالج ضعف العزم والإرادة والنكوص عن الاستمرار حتى التمام.

 لذلك كان من سنته صلى الله عليه وسلم مدارسة القرآن كل ليلة من ليالي الشهر الكريم مع جبريل -عليه السلام- ففي صحيح البخاري تقول السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أباها أسرَّ إليها (أنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي). [صحيح البخاري، رقم: 3624]

 هذه المعارضة هي التي سماها ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ مُدَارَسَة. ‏قَالَ عنها: (‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏جِبْرِيلُ،‏ ‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏ ‏الْمُرْسَلَةِ). [صحيح البخاري، رقم: 6]

 والمدارسة لا تعني مجرد التلاوة بل تعني كذلك التفهّم والتدبّر والمراجعة للحفظ والتثبّت من التأويل. وهذا للبديهة يثبت خطأ ما يفعله كثير من المسلمين اليوم إذا جاء رمضان، فيكون همُّ أحدهم أن يجيب عن سؤال: كم ختمة تلوت؟ وليس كم آية فهمت؟! فهي تلاوة حروف وكلمات وليست مدارسة معان وعظات.

إن المدارَسة لكتاب الله ولو كانت مرة واحدة في الشهر كله تورث المعرفة الحقة والعلم النافع، فما بالك إذا كانت مع عالم متخصص أو فقيهٍ متبحر! بهذه المدارسة المتعمقة يخطو الإنسان خطوة واسعة في سبيل التغيير نحو الأفضل، إذ المعرفة هي أول خطوة في تاريخ التغيير الطويل الشاق، وإلا فالجاهل متخبط لا يعرف أين يقف ولا يدري أين ينبغي أن يكون!

إرادة التغيير

 ثم تأتي الخطوة الثانية وهي تقوية الإرادة وشحذ العزيمة، فالتغيير الواعي الهادف ليس شيئًا سهلًا فهو يتطلب تغييرَ قناعات استقرت في الذهن، وهجرَ عادات تطبّعت بها النفس، ويتطلّب مفارقة أصدقاء الضلالة، والقطيعة بينك وبين أخلّاء الغواية، بل قد يتطلّب ما هو أخطر من ذلك من هجر البلدان ومفارقة الأوطان.

 إنك في رحلة تغيير كهذه تصعد ضدّ الجاذبية لا تهبط موافقًا لها؛ ولذلك كان الصيام.

إنه الوسيلة الأوثق التي ستصحبك في الجزء الثاني من الرحلة يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، إنه الدواء الناجع لضعف الإرادة وخوَر العزيمة وتذبذب النية.

  إنه ليس امتناعًا عن الطعام والشراب والشهوة فقط، بل إنه حفظ الأوقات ومخالفة العادات ومراقبة الخلوات. إنه رقابة ذاتية على كل خلجة من خلجات النفس وخطرة من خطرات الفكر وعلى كل حركة من حركات الجوارح.

 هذه الرقابة وهذا الانضباط يستمر يوميًّا ساعات طوال تصل في بعض البلدان إلى ثمان عشرة ساعة أو تزيد، ثم تتكررهذه الرقابة الصارمة طيلة ثلاثين يومًا هي أيام الشهر المبارك، إذا أحسن المسلم استغلالها وفهم المعنى الحقيقي للصوم فيها، فبأي إرادة ماضية يخرج بها من شهر كهذا!

في مقال بعنوان: كم تحتاج من الوقت لتغيير عادةٍ مَّا ـ العلم يخبرك ـ (How Long Does It Take to Break a Habit? Science Will Tell You)، وهو منشور بالإنجليزية على موقع Lifehack يقول الكاتب ما ملخصه:

تنشأ العادة من عملية تتألف من التحفيز والفعل والمكافأة. والزمن اللازم لتكوين العادة الجديدة يستغرق واحدًا أو ثمانية وعشرين يومًا أو شهرًا أو اثني عشر أسبوعًا. ثم يخلص إلى قول مستخلص من إحدى الدراسات يؤكد أن العادات تتفاوت في المدة اللازمة لتغييرها واستبدال أخرى بها، وأن المدة تتراوح بين 18 إلى 254 يومًا، على حسَب تأصل العادة في الإنسان ومدى صلابة إرادته وعزيمته ثم قوة العوامل المحفزة له على تغييرها. ( 1)

فرصة لا تعوّض

في رمضان نجد العوامل الثلاثة ـ بل وأكثر منها ـ مجتمعة: التحفيز والفعل والمكافأة. وزيادة على ذلك الوعي والمعرفة التي ينبغي أن تسبق كل فعل وذلك بمدارسة القرآن. وفيه المحفّز الدنيوي والأخروي، فهذه جموع المسلمين تصوم معًا وتفطِر معًا، إذا دعاه أحدهم إلى معصية أو عامله بسوء خلق قال له بسهولة ويسر شديدين: إني صائم. 

ثم فيه من الإحسان ما يسد حاجة المحتاج فهو خير انطلاقة لشحيح الموارد وقليل ذات اليد للارتقاء في الدين والدنيا معًا! وفي رمضان يوجد الفعل والعمل أيضًا وهما هنا التعبّد لله بالصيام بما تشتمل عليه من جميل الآداب وكريم الخصال. وفي رمضان أيضًا توجد المكافأة وأَعْظِمْ بها من مكافأة! فهي فرحة عند الفطر وفرحة عند لقاء الرب، وهو باب الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، وهو ثواب هائل لا يعلم عظمه إلا الله فالصيام له سبحانه وهو يجزي به.

 فانظر من عاداتك أشدَّها إرهاقًا لكاهلك وتأثيرًا على حاضرك ومستقبلك واعزم على تغييرها لأفضل منها الآن، نعم الآن، فهذا أوان ذلك!

 أعدَّ برنامجك الرمضاني واجعل فيه مدارسة القرآن ليلًا عادة لك فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مع عالم مُجيد إن استطعت، أو مع صديقك، أو أهل بيتك، أو وحدَك ليكون أنيسُك فقط كتاب الله ففيه كل الخير.

وحاول أن تستخلص درسًا عمليًّا تطبقه نهارًا حتى تكون ممن إذا علموا عملوا، واعزم على ذلك حتى ختام الشهر الكريم لتتكون لديك –كذلك- عادات عديدة عميقة الأثر في النفس والحياة، منها حسن التعامل مع كتاب الله والحرص على فهمه لا مجرد تلاوته، ثم عادة الانتفاع بالمعرفة وتحويلها إلى عمل نافع، ثم أمورًا لا تحصيها يصلِحُها القرآن في نفسك وقلبك وحياتك وواقعك، ويشد الصيام في سبيل ذلك من أزرك، فتقوى على مواصلة الطريق إلى هدفك المنشود مهما كثرت في سبيل ذلك المعوقات وتكاثرت العقبات. 


الهوامش:

انظر المقال كاملًا على الرابط التالي:

http://www.lifehack.org/667495/how-long-does-it-take-to-break-a-habit

المصعَد معطِّل استخدم السلّم

اعتدنا عند الحديث عن حلّ الأزمات أو معالجة الصدمات والمطبّات، ذكرَ سبيلَينِ، أحدهما: الصواب والآخر الخطأ.

على سبيل المثال: عند تعرضك لضائقةٍ ماليّة فإنك تمتلك خِيار “اليمين”، وهو تحصيل المال بالحلال، أما الآخر أي “اليسار” فهو الاحتيال والسرقة، فكأنّنا عند نقطة الأزمة نرسم طريقين ولنا حرية سلوك الذي نريده منهما تبعاً لما نملك من مبادئ أو قيم.

هذا الشكل والمشهد هو المنطق والصواب دونما شكّ، لكنّنا في هذا المقال سنخوض في بُعدٍ أوسعَ في السبيل الصائب، حيث سنكتشف أنَّ بعد مفترق الطرق واختيارِ صحيحها هناكَ سُلّمٌ، سيطرحُ علينا سؤالاً مهماً؛ وهو هل نصعده بتدرّجاته، أم أنّ مصعداً إلى الحلِّ الأخير مباشرةً هو الأجدى؟

مفهوم الخطة العلاجية

علم المداواة أو ما يسمى بـ (Therapeutics) هو علم مختلف عن علم الدواء، يتناول ما يسمى بالخطة العلاجية (guideline) لكل مرضٍ؛ حيث تترتّب في هذه الخطة كل الأدوية التي تذكر في علم الدواء (pharmacology) وفق خطة وهيكليّةٍ محددة قد يأخذ تشكيلها عشرات السنوات من الدراسات المخبرية والسريريّة، ليكون النتاجُ ترتيبَ هذه الأدوية والسلوكات العلاجية بدقّة، حيث يتم تفصيل بأيّها نبدأ وما الخيار الثاني وهكذا. وتبعاً لذلك يظهر مفهومٌ بديهيّ في هذا العلم يسمّى خط العلاج الأول (First line treatment) [1] والذي قد يكون ملهماً حتى على الصعيد الإنسانيّ إن أطلنا فيه النظر.

اتبع إرشادات الخطة العلاجية

هذا المفهوم يُحتّم على الطبيب أو الصيدلاني اختيار دواءٍ أو علاجٍ محدّدٍ ما قبل أيّ خياراتٍ أخرى لأسباب كثيرة، منها أن هذا العلاج هو الأقلُّ من حيث آثاره الجانبية أَو مضاعفاته مثلاً، أو أنه الأجدى ماديّاً مقارنةً مع حجم المشكلة الصحية، قد يكون السبب أيضاً كون هذا العلاج هو الخيار الذي لاقت عليه أغلب الحالات المدروسة استجاباتٍ جيّدة دونَ غيره، ولذا فإن البداية به قد توفّر عناء تجريب علاجات أخرى مع هامش فرصة نجاحٍ كبيرة.. والأسبابُ كثيرة ومتنوعة.

الخطة العلاجية للحياة الإنسانية

حياة الفرد منّا داخلَ جسده لا تختلف كثيراً عنها في الخارج، فمن عظيمِ خلق الله أن جعل من هيكلية وتشريح أجسادنا عالماً فرضَ على دارسيه قروناً من الزمن للتعامل معه ووضع القوانين لفهم حاجاته ومعالجة أسقامه.

إنّه لمنَ الجميل أن يتفكّر الإنسانُ منّا، بأن كثيراً من القوانين في علمٍ ما قد تكون ملهمةً في مجال آخر وسياقٍ مختلفٍ، ولو أنّنا نتعامل مع المشكلات الحياتيّة بطريقة علم المداواة المذكورة لبضع دقائق من التفكير لوجدنا أنها منطقية جداً، بل إنّنا نمارسها في أوقاتٍ كثيرة ولكن ليس ضمن المسميّات ذاتها.

هناك الكثير من الخيارات حتى في سبيل الحلال، فوحدة وجهته واستقامة مراده لا تفرض غياب التدرّجات في السبيل لهذا المراد! بعض الحلول الحلال مرهقةٌ للنفس مستنزفة لها، وقد نكون قادرين على بلوغ نتيجتها نفسها بوسيلةٍ أيسر، والمؤمن كيّسٌ فطن، يدرك أن هذا الدينَ أكثر ما يحثُّ على الاستثمار في الإنسان دون التواءات مرهقة، وبأكثر الطرق وضوحاً.

وهذا المنظور ليس منظوراً شخصيّاً أو جديداً على هذا الدين، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) [أخرجه البخاري في صحيحه]. وقد قيل في شرح ذلك أن هذا إنّما كان في المعاملات والحياة العاديّة لا العبادات، وهذا غاية المنطق، فإنما جعلت العبادات -ونخصُّ النوافل منها- زيادةً في القرب والاتّصال مع البارئ جلَّ وعلا، يزيد فيها العبد ما شاء ما دام في إطار الوارد والصحيح.

تحوي سورة النساء مثالين حيّين متتاليين لما نقول، يظهر فيهما أمرُ الله بالتدرج، أولهما إصلاح المرأة الناشز فيقول الله جلَّ في علاه {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ، ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]

يلي ذلك مثال الطلاق، حيث إن أول ما يتبادر للذهن عند ذكره قوله ﷺ: {أبغض الحلال إلى الله الطلاق} [أخرجه أبو داود وابن ماجه في السنن، وضعّفه جماعة من المحدّثين كالألباني]، أي أنّه حلالٌ إلا أنه ليس الخيار الأوّل ولا الثاني ولا سواه ما دام قبله مساحة ومجالٌ متسعٌ للحلول التي قد تدفعه أو لا تضطر الشخص للوصول إليه، وما دام هناك ظروفٌ مختلفة للحالة فإنه قد يتغيّر من حكمه أو الضرورة إليه. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35]

التدرُّج دون قفزات أو مصاعد

إنّنا إذ نتحدث عن التدرّجِ في الحلول لكل أزمةٍ أو ضيقةٍ أو حتى قضيّةٍ حياتية، فإنّنا لا نقصد اختيار الأيسر منها والأكثر وضوحاً فقط باختيار الدرجات الأولى. وإنما هناكَ مقصدٌ وغايةٌ أكبرُ وأعظم وهيَ التدرُّج في الأسباب والوسائل والأهداف لبلوغ أقصاها على أسسٍ ثابتةٍ ومعطياتٍ صحيحة، تجعل بلوغ الغاية أو الحلّ بلوغاً حقيقيّاً سليماً.

ولعلَّ المثالَ خيرُ ما يشرحُ الفكرة ويوضحها، ولا مثالَ أهدى من كلام ربٍّ هو الأعلم بحيثيّات النفوس وما هو خيرٌ لها؛ إذ يقول تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ففي هذه الآية رسالةٌ لطيفةٌ ومنهجيّة بناء عظيمة لا تقتصر على أهمية الشورى فحسب، بل في هيئة التدرّج ذاتها، فالنبي ﷺ مؤيدٌ بالوحي، وهو أرجح الناس عقلاً، إلا أنّ هذا الترتيب سيجعل حتى إقبال المؤمنين على أمره ﷺ أكثرَ ثباتاً، وهنا يقول الإمام ابن كثير رحمه في تفسير ذلك: “يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط” فكأن الخطوة الأولى تأصيلٌ وتثبيتٌ لما يليها.

استخدِم السلّم

السبيل الصحيح واسعٌ متعدّدُ الوسائل، وكونه الغاية لا يوجب اتّباع أعقد الوسائل، ولا آخر الحلول مباشرةً، بل أكثرها عقلانيةً وبتدرّج وأنيّةٍ. فالسلالم لا تُعبَر في حلِّ المشكلات من أعلى درجاتها إلى أسفلها، بل من أقرب الدرجات إلى أعلاها على هونٍ ورويّة. وإنه لا يُقفَز إلى الحل الأخير مباشرةً ما دام قبله ما يهوّن الوصول إليه ويجعله وصولاً ثابتَ الخطو أصيلاً.

هيَ الحياةُ، فيها سبلٌ لا تحصى ولا تعدّ، وإنّ السبيل الواحد ليحوي من الطرق والتفاصيل ما يجعله مدينةً بل خريطةً معقّدة.

 نسأل الله دوماً سدادَ سلوكنا إياها، وهدايتنا لعبورها بأوضح الطرق، وأحسن النتائج، بعيدين عن عمّا تَشابه أو فَتَن، مستعيذين بالله من الضبابيّات وتخبّط المسير.


[1] https://www.cancer.gov/publications/dictionaries/cancer-terms/def/first-line-therapy

 

تشويه الحجاب.. من فرض إلهي إلى موضة!

يمثّل حجاب المرأة المسلمة في الواقع المعاصر حالة من التحدّي للفلسفات المادية والأنماط الفكرية المعادية للفطرة والدين، ومن ثم فإن مساعي كبيرة تبذل لتفريغه من كونه فريضة إلهية، وتطعيمه بالفكر الليبرالي أو النسوي.

ما هو الحجاب؟

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أن الحجاب في اللغة یعني: “الحجب”، أو “المنع”، أمّا في معناه من حيث الحكم الشرعي فهو ستر المرأة المسلمة جسدها عن الرجال غیر المحارم، فيكون الفعل نفسه تحجّبًا، أما “الرداء الذي ترتدیه المرأة لتغطّي به جسدھا كاملاً مع وجهها أو من دونه” فهو الحجاب المطلوب.

ثمة ضدٌّ للحجاب، وهو السّفور أي الكشف، وقد عرّفه الفقهاء بأنه: “كشف المرأة لوجھھا”، إلا أن دلالة هذه الكلمة تطوّرت اليوم فباتت تشیر لمعنى آخر، وهو: التبرج الفاحش والاختلاطُ المنفلت من أي ضابط شرعي.

 لعلنا ندرك أن تطور الدلالة في الكلمة يوضّح المراحل التي تدهورت فيها فریضة الحجاب في أذھان المسلمین! فالسفور الذي یعني كشف المرأة لوجھھا مع حفاظھا على باقي جسدھا مستوراً، صار ھیناً أمام مظاھرِ الموضة المختلفة التي باتت تصنّف تحت يافطة الحجاب الیوم.

وفي هذا الإطار فإنه من المھم التأكيد على أنّ إنزال الكلمات منازلھا، وذكرها بمعانیھا الصحیحة، له دور كبیر في انعكاس ما یترتب علیھا من أفعال، فإنّ التي ترتدي الخلیع والضیق الذي یوضح تفاصيل جسدھا ویتنافى مع مواصفات الحجاب الشرعي – حتى إن وضعت غطاءً صغیراً على شعرھا – فلو أنها سُمّیت كما في الحدیث “كاسیة، عاریة” لكان ذلك أصحّ وصفاً وأبلغ أثراً في النفوس.

ومردّ هذا إلى أن المصطلح في الوعي الإسلامي بوابة لتنظیم الفكر، وأداة لتقویمه، وآلة لتحصینه ضد الغزو المقنّع الذي یتخلّل في ثنایا العبارات المجملة للنفاذ إلى ثقافة المجتمع سواءً أكان ذلك في باب العقیدة أو الشریعة أو القیم الأخلاقیة”[1] ومن هنا لا غرابة أن نجد التي تحتشم وترتدي الحجاب الشرعي يطلق عليها وصف “رجعیة” أو “متشددة” وغیر ذلك من الأوصاف، وكلما زاد التكشّف وإبراز المرأة لمفاتنھا ألصِقت بھا أوصاف التحضر والتقدم والمدنیة.

الحجاب

وقفات مع تاریخ الحجاب

بعد نزول الآیات التي فرضت الحجاب على المرأة المسلمة تدریجیًّا، بدأ عھد جدید في لباس المرأة المسلمة أمام الرجال الذین لا یعدّون محارم لھا، ففي عصر النبوة، أي في الجیل الذي نزل فیه الوحي كان تطبیق الشرائع الربانیة أمراً مباشراً وسریعاً، حيث تقول أمنا عائشة رضي ﷲ عنھا: (یرحم ﷲ نسوة المھاجرين، لما أنزل ﷲ: {ولیضربن بخمرھن على جیوبھن} شققن مروطھن فاختمرن بھا). [أخرجه البخاري، برقم:4480[

ثم تتابعت السنون على الأمة الإسلامیة ومرت بھا الأھوال والخطوب الكثیرة عبر1200 عام من عمرھا حتى سقوط الدولة العثمانية آخر دول جامعة للمسلمین عام 1924م، فكانت فريضة الحجاب طوال ھذه القرون عقیدة ثابتة، فالحجاب بشروطه الواضحة فرضٌ على المرأة المسلمة، وأن ما اختلف علیه هو كشف الوجه والكفین والقدمین، فقال بعضھم بجواز كشفھا إذا أمنت الفتنة وقال البعض بوجوب تغطیتھا، أمّا عن حال أغلب المسلمات في البلاد الإسلامیة منذ النبوة ونزول آیات الحجاب وحتى نھایات القرن التاسع عشر فكانت غالبیتھن تغطین جمیع أجسادهن بما فیها الوجه، أي أنھن كُن یرتدین حجاباً یشابِه ما نصطلح على تسمیته الیوم نقاباً، ولم یكن ھناك خلاف ولا شبھة ولا جلبة حول أمر الحجاب! إلا ما ھو معروف ومفھوم في مسألة كشف الوجه والكفین وبعض المسائل المتعلقة بالعجائز والرقيق.

الحجاب في شكله المعاصر

من فريضة ربانية في السابق إلى خيار يمكن للمرأة رفضه أو ارتداءه أو تغيير شكله بناءً على ما  تملیه علیھا تيارات الأفكار والموضة.

ينبغي علینا النظر في طبیعة الفترة التي بدأت فیھا زعزعةُ فریضة الحجاب، وتحدیداً مع أواخر حملة نابلیون على مصر نھایات القرن الثامن عشر، إذ أنتجت تلك الحملة أجیالًا “مُفرنسة” بسبب البعثات الدراسیة إلى فرنسا، ومع نھایات القرن التاسع عشر أخذت دعوات العلمانیة تطلق من أفواه المسلمین “المتفرنسین” وكان أول تلك الدعوات في مسألة المرأة ھي دعوات الشیخ “رفاعة رافع الطھطاوي” الذي كان شیخ البعثة المصریة إلى فرنسا، حيث عاد متأثراً بما رآه في المجتمع الفرنسي، لیثیر قضیة تحریر المرأة في مصر، ثم “مرقُص فھمي” الذي أصدر كتاب “المرأة في الشرق” وتحدث فیه صراحة – من ضمن ما تحدث- عن ضرورة التخلي عن الحجاب الإسلامي وإنهاء ارتدائه، ومن ثم سار العديد من العلماء والمشايخ على خطى “الطھطاوي”.

أمّا “قاسم أمین” تلمیذ “محمد عبده” فھو الاسم الأبرز في قائمة الأسماء التي كان لھا الدور كبیر في زعزعةِ فریضة الحجاب وإثارة قضیة تحررِ المرأة بوجهها المتمرد، من خلال أول كتاب أصدره وھو كتاب “تحریر المرأة” الذي نشره عام 1899 وقال فیه على سبیل المثال “الشریعة لیس فیھا نص یوجب الحجاب على الطریقة المعھودة وإنما ھي عادة عرضت علیھم من مخالطة بعض الأمم؛ فاستحسنوھا، وأخذوا بھا، وبالغوا فیھا، وألبسوھا لباس الدین كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدین[2]

ثم أصدر كتابه “المرأة الجدیدة” عام 1900م و كان أكثر صراحة فیه مما قبله، حيث أراد به الإشارة إلى أن نموذج المرأة الأوروبیة بلباسھا ونظام حیاتھا وأنه ھو التطور والتقدم الذي ینبغي على المرأة المسلمة أن تتبعه، وكان لكتبه صدىً كبير في الشام أیضًا فواجه معارضة شدیدة من الشیوخ والدعاة فيها كما كان الحال داخل مصر وخارجھا.

لن ننسى التوقف عند “سعد زغلول” الذي عیّن رئیسًا لوزراء مصر في عشرینات القرن الماضي فكان المنفذ الأمين لأفكار “قاسم أمین”، فكانت زوجته “صفیة زغلول” من أوائل من نزعن الحجاب وأسفرن عن وجوھھن في مصر، أمّا ضربة البدایة المجتمعیة لتھوین الحجاب في مصر فكانت أثناء استقبال “سعد زغلول” حين عاد من منفاه، إذ نُصب سرادق للنساءِ وآخر للرجالِ فتوجّه “سعد زغلول” نحو صالون النساء وسحب من وجه “ھدى شعراوي” حجابھا فصفقت ھُدى وتبعتھا النساء في خلع الحجاب بعد ذلك.

وفي ذات الوقت في تركیا التي كانت مركز آخر دولة إسلامیة فكان لمصطفى كمال أتاتورك صولات وجولات في إنهاء حضور تعاليم الإسلام بعد إلغاء الخلافة العثمانیة عام 1924م، فكان من ضمن حملته لتغریب تركیا وعلمنتھا، إصدار قانون یمنع ارتداء الحجاب في الأماكن الحكومية، وفي إیران قام “رضى بھلوي” الذي تم تنصیبه عام 1926 بإلغاء الحجاب الشرعي، وقامت زوجته بمبادرة كشف رأسھا في احتفال رسمي.

لقد تتابعت القوانین والدعوات لخلع الحجاب والتشكیك في فرضیته من قبل الحكومات وأصحاب الفكر التغریبي العلماني ورموزه منذ نھایات القرن التاسع عشر واستمرت في القرن العشرین في تونس والجزائر وأفغانستان وألبانیا وروسیا ویوغسلافیا والصومال ومالیزیا وغالب الدول الإسلامیة التي تم استعمارھا.

الحجاب المعاصر

كیف وصل الحجاب إلى ھذه النقطة؟

إن الناظر لحال حجاب المرأة المسلمة الیوم، يظهر له البون الشاسع بین حجاب عدد كبیر من المسلمات وبين الحجاب الشرعي الذي فرضه ﷲ عز وجل، إذ كانت كل المراحل السابقة التي ذكرناھا مباركة ومدعومة من قبل الاستعمار، وحتى بعد خروج المحتل من الدول الإسلامیة فقد خرج بجسده تاركا أفكاره ومدارسه موجودة ومتحركة عبر الحكومات التي جاءت بعده، وفي الفكر الذي زرعه في المجتمع، ثم كان الدور الآخر الكبیر لوسائل الإعلام المرئیة التي تصور المرأة الناجحة في حیاتھا على أنھا ھي التي تخلع حجابھا وتضیق ملابسھا وتقصرها، ومع تكثیف الحملة الإعلامیة ومناھج التربیة والتعلیم البعیدة عن المنھج الإسلامي، والمتوافقة مع نظام السوق الرأسمالي الذي یفرض سلطته على الفرد -الھش نفسیا- لیجعل اللحاق بالموضة -أیاً كان شكلھا وتعارضھا- مع شرع ﷲ أمراً إلزامیاً.

ومع ظھور وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت التواصل وأسهمت في تصاعد إفراز الأفكار العلمانیة والنسویة، وصلنا إلى نتیجة أن الحجاب تحول من كونه فرضاً ثابتاً في عقیدة المسلمة وھویتھا إلى قطعة قماش، تضعھا على رأسھا إن شاءت وتنزعھا متى أرادت.

وبات مسألة من السھل إطلاقُ الشبھات حول الحجاب، مثل القول بأن النقاب لیس من الإسلام، وإلا فإنّ تزعزع فریضة الحجاب في القلوب لم یكن إلا مع مطلع القرن الماضي، وما قبله من التاريخ فقد كان لزامًا على المرأة المسلمة أن تلتزم فيه بحجابها؛ لأنه أمر ربھا أولاً، ولتحقق مرضاته بأداء ما افترضها عليها آخرًا.

[1] د. سامي عامري، العالمانیة طاعون العصر، ص: 14

[2] قاسم أمين، تحرير المرأة، ص: 92.

هل يفرض الإسلام مفهوما خاصًّا عن الوطن؟

كرّس الإسلام في منظومته الفكرية والثقافية والعقدية مفهوم تعلّق الإنسان بوطنه وبأرضه، واحتسب من قُتِل دون أرضه وعرضه وماله شهيدًا، فكان الحفاظ على الأرض والدفاع عنها جزءًا من مهامّ المسلم، إلا أن السؤال الذي قد يتبادر للأذهان: هل حدّد الإسلام في نصوصه أبعاد الوطن الجغرافية والسياسية؟ وهل يتنافى المفهوم المعاصر للدولة الوطنية مع مقاصد الشريعة الإسلاميّة؟

الدولة الوطنيّة، حكاية النشأة

دارُ البلديّةِ في مونسترَ حيثَ جرى توقيعُ معاهدةِ سلامِ وستفالْيا والتي كانت البداية للمفهوم الحديث للدولة الوطنية وقدمت مفهوم الوطن بشكله الحديث

دارُ البلديّةِ في مونسترَ حيثَ جرى توقيعُ معاهدةِ سلامِ وستفالْيا. (المصدر ويكيبيديا)

    بعد أن حصدت الحروب الطائفية المسيحية مئات ألوف الأرواح في أوروبا، خاصة حرب الثلاثين عاما التي دامت من العام 1618 إلى العام 1648 ميلادي، انخفض عدد سكان ألمانيا من الذكور بمقدار 30 ٪ في المتوسط وانخفض ذكور أراضي براندنبورغ إلى قرابة النصف، بينما انخفض الذكور في الأراضي التشيكية بحوالي الثلث.

اضطرت تلك الإمبراطوريات المسيحية المتناحرة إلى توقيع اتفاقية مونستر التي كانت جزءًا من صُلح ويستفاليا سنة 1648م، حيث أقرت الاتفاقية بالسيادة التامة للدولة على أراضيها وعلى شعبها وعلى التابعين لها في الخارج مثل الدبلوماسيين وأفراد الجيش، بالإضافة إلى تحمل الدولة مسؤولية كل ما ينجم عن مواطنيها والتابعين لها كالقيام بأعمال عدوانية ضد دولة أخرى.

كان أهمّ في الاتفاقية النصّ على الاعتراف بالحدود الثابتة للدول أو ما يعرف بالحدود السياسية للدولة، ومن هنا كانت اتفاقية ويستفاليا البداية للمفهوم الحديث للدولة الوطنية، المتمثلة بالأرض ذات الحدود الجغرافية المحددة والثابتة والمعترف بها، والتي تدير شؤون المواطنين المنتمين إليها حكومة أو سلطة تنفيذية، تضمن لهم حقوقهم ومشاركتهم في الشأن العام مقابل واجبات عليهم، وهذا النموذج من الحكم أو الدولة بات يعرَف باسم الدولة “الويستفالية”.

إقحام الدولة الويستفاليّة في العالم الإسلامي

    قبل انهيار الدولة العثمانية، كان شكل الدول في العالم الإسلامي يستند إلى المفهوم التقليديّ للإمارات والسلطنات والإمبراطوريات التاريخيّة، فالحكم حكم أسرة، والأرض تتوسّع بتمدد الجيش، وتنحسر رقعة الدولة مع تمدّد الدول والإمبراطوريات الأخرى، وهكذا كان شكل الحكم في العالم عمومًا منذ بزوغ عهود الممالك والإمبراطوريات، وكانت على هذا النسق ممالك المسلمين كالدولة الأموية، أو العباسية التي تعرض العالم الإسلامي في عهدها للانقسام فصار من الطبيعي أن تكون هناك دولتان أو ثلاث أو أكثر من ذلك تحكم مساحات شاسعة من بلاد المسلمين وتسعى في الوقت ذاته للتوسع من خلال الفتوحات في أراضي غير المسلمين بالإضافة إلى سعي كل واحدة منها إلى ضم الدول الإسلامية الأخرى لتتوحد تحت لوائها، مثل دولة المماليك والدولة العثمانية في ظل الصراع الذي كان قائمًا بينهما.

لم يكن هذا العهد من التاريخ ينظر للوطن بمفهوم الأرض الجغرافية في الدرجة الأولى، وإنما كان مفهوم الوطن مرتبطًا بالعقيدة وسعة الأمة الإسلامية، فلم تكن القومية أو اللغة الفيصل في تعريف الوطن، ولم تكن الدول الإسلامية تعتبر حدودها الجغرافية حدودًا سياسية ثابتة.

في عصر الاحتلال الأوروبي لبلاد المسلمين وغيرهم من القوميات والأراضي، أقحمت القوى المحتلّة الكبرى مفهوم الدولة “الويستفالية” في الأراضي التي احتلّتها من الدولة العثمانية وغيرها، فتقاسمت فرنسا وبريطانيا منطقة المشرق العربي ضمن حدود معيّنة نصت عليها اتفاقية “سايكس-بيكو” سنة 1916. أما المغرب العربي، فقد عينت فرنسا الحدود الفاصلة بين الدول المغاربية من خلال اتفاقيات ومعاهدات متفرقة، كمعاهدة “لالة مغنية” سنة 1845 والتي رسمت بموجبها الحدود بين الجزائر والمغرب من طرف فرنسا؛ وبذلك تحولت الجغرافيّة العربيّة إلى دول مفككة ومتنازعة فيما بينها بسبب صراعات سياسية وحدودية وطائفية تركتها القوى المستعمرة، وارتبط مفهوم الوطن في أذهان المسلمين أولاً بالحدود المرسومة والخطوط المتكسرة التي رسمها المستعمر لتفكيك بلاد المسلمين وتجزئتها.

هل يرفض الاجتهاد تثبيت حدود الدولة؟

    لم يأتِ في الإسلام مفهوم محدّد للدولة أو الوطن كما أن القرآن والسنة النبوية لم تتعرض للحديث عن الحدود السياسيّة الثابتة، وبالتالي فإن الاجتهاد الفقهي المنضبط بمقاصد الشرع هو الطريق لفهم ذلك والحكم فيه.

لقد نص الله في القرآن على وحدة الأمة، واستدل العلماء على ذلك بالعديد من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]. ونهى عن الفرقة والتنازع بين الأفراد والطوائف لما في ذلك من فشل وتفكيك للأمة، مثل قوله تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]. كما أنّ هجرة النبي الكريم وصحابته رضوان الله عليهم وتركهم لبيوتهم وأرزاقهم وقومهم والأرض التي ولدوا فيها، واتخاذهم للمدينة المنورة موطنًا جديدًا لهم، يشير إلى أن الوطن في الإسلام مرتبط بالعقيدة، وأن مفهوم الأمة في الإسلام يرتبط بالاجتماع على الإسلام وقيمه لا الأعراق القومية، فـ “لو كان الولاء للأرض لما ترك النبي مكة، ولو كان الولاء للقبيلة لما قاتل قريشًا، ولو كان للعائلة لما تبرأ من أبي لهب، ولكنها العقيدة أغلى من التراب والدم”[1].

د. علي القره داغي

    إلا أن الاجتهاد لم يتوقف في مسألة تحرّك الحدود أو تثبيتها، وهنا يشير د. علي القره داغي إلى أنه “ليس هنالك إشكالية في المفهوم المعاصر للوطن ما دام الإسلام لم يحدد هذه المسألة، بشرط ألّا يتعارض هذا المفهوم مع المبادئ العامة في الشريعة الإسلامية، وألّا ننسى أن الجامعة الأساسية هي جامعة العقيدة”[2].

من هنا فإن الحدود الحالية برأيه مقبولة في إطار الاجتهاد الفقهي بحيث لا تترتب عنها مفاسد أكبر، ويمكن تعريفها بأنها تشابه من حيث التنظيم ما كان معمولا به في نظام الولايات سابقًا، بشرط أن يكون هناك تسهيلات أكبر بين الحكومات للتواصل والتراحم.

يمكن إضافة بعض الأفكار في هذا الإطار من خلال المقارنة بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي للإجابة عن سؤال، هل يمكن أن تحقق الدول العربيّة مفهوم الوطن الإسلامي؟

حرية التنقل ووحدة الشعوب

    يسمح لمواطني الاتحاد الأوروبي التنقل بين دول الا تحاد من دون الحاجة إلى تأشيرة أو جواز سفر، وقد تطلب بطاقة الهوية الشخصية في بعض الحالات لدواع أمنية، أما في الدول العربية فإن جواز السفر يعد “فريضة” حتى لو كان الزائر من دولة عربية أخرى، بل إن أغلب هذه الدول تلزم زائريها من الدول العربية الأخرى بالحصول على التأشيرة (فيزا) قبل دخول أراضيها.

الكثير من المناطق الحدودية بين الدول العربية تفرقت أسرها وعائلاتها وقبائلها جراء الحدود التي رسمها المستعمر، فباتت تلك المجتمعات العائلية مشتتة بين دولتين أو أكثر، يرون بعضهم البعض على بعد عشرات الأمتار، لكنهم لا يستطيعون الالتقاء منذ عقود، إذ بينهم خنادق وأسلاك شائكة وعسكر مستنفر.

الحقوق والواجبات

    داخل أي دولة من دول الاتحاد الاوروبي تطبق القوانين بمساواة بين مواطني تلك الدولة ومواطني دول الاتحاد الأخرى، عدا بعض الحلات الخاصة كعدم السماح للأجانب بالمشاركة في الانتخابات. ولكن قد يستطيع المواطن الإسباني –مثلا- التقديم على وظيفة في ألمانيا دون تفضيل الألمان عليه أو إعطائهم الأولوية قبله، فتطبق عليه نفس معايير الانتقاء مثله مثل الألمان، ولا تشترط عليه أية وثائق استثنائية كتأشيرة العمل، عدا بعض الشروط الضرورية مثل إتقان اللغة الألمانية. فضلا عن التسهيلات في مجالات أخرى مثل تنقل السلع بين دول الاتحاد دون أية رسومات جمركية، ومعاملة المستثمر الأجنبي من دول الاتحاد مثل أي مستثمر محلي، مما جعل الاتحاد الأوروبي أشبه بالوطن الواحد. لكن الدول العربية غالبا ما تطبق على المواطنين من الدول العربية الأخرى شروطًا توصف بـ”التعجيزية”.

الدفاع المشترك:

    على الرغم من أن معظم دول الاتحاد الأوروبي أعضاء في حلف الناتو، والذي مبدأه الأساسي هو الدفاع المشترك ضد أي عدوان يمس إحدى الدول الأعضاء، إلا أن دول الاتحاد الأوروبي تسعى منذ 60 عاما إلى تأسيس حلف عسكري أوروبي متكامل ومستقل من ناحية القدرة التسليحية والإستراتيجية، وفي سنة 2017 وقعت 23 دولة من دول الاتحاد الأوروبي على وثيقة “مبادرة التعاون المنظم الدائم”, وقد تم الانطلاق في تجسيد هذه المبادرة من خلال 34 مشروعا عسكريا مشتركا، مع تخصيص ميزانية 5.5 مليارات يورو سنويا، ما يبرهن مدى حرص دول الاتحاد الأوربي على قيام هذا المشروع على أرض الواقع. أما عن الدول العربية، فقد أبرمت معاهدة “الدفاع العربي المشترك” سنة 1950 تحت مظلة “جامعة الدول العربية” وما زال الواقع أمرًا آخر، وما فلسطين وهضبة الجولان السورية المحتلة إلا مثال عن ذلك، علمًا أن الشرع الإسلامي يوجب على الأمة الدفاع عن أي بلد مسلمٍ يقع تحت العدوان.

عَلَم حلف الناتو

   من خلال هذه المقارنة، يتبين جليا أن الوطن العربي بعيد كل البعد عما تقتضيه الشريعة الإسلامية، كما أن الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي لتوسيع مدى التحرك والاندماج بين مواطنيه ومصالحهم وخططهم المستقبلية يبين لنا مدى إمكانية تطويع مفهوم الدولة الحديثة “الويستفالية” بما يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في ظل الظروف الدولية الراهنة.


الهوامش: 

[1]القائل هو: أدهم شرقاوي

[2] في مقابلة له مع قناة الجزيرة، في برنامج ساعة صباح: https://mubasher.aljazeera.net/news/miscellaneous/2015/8/28/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86-%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85  

المصادر:

-مقابلة مع الشيخ الدكتور “علي القرة داغي” : مفهوم الوطن في الإسلام, 28 مايو2015, الجزيرة مباشر

-تقرير:  23 بلدا عضوا في الإتحاد الأوروبي يوقعون وثيقة للتعاون الدفاعي, 14 نوفمبر 2017, فرانس 24

-تقرير: الاتحاد الأوروبي يرفد مبادرة التعاون الدفاعي بمشاريع جديدة, 2019/05/08, أورونيوز

ما الطريق للتّوازن الاجتماعي؟

أصبحنا اليوم نعيش فوضى اجتماعيّة انعكست سلبًا على نمط حياتنا، ولم نعُد نرى مفهوم الأخوّة والوحدة والتّراحم بين أفراد المُجتمع، بل حلّ مكانه التفكّك والضّعف وطُغيان الأفراد أو الجماعات على بعضهم البعض، كُلٌّ يسعى لفرض فِكره ومبادئِهِ على الطرف الآخر وسحقه من الوُجود. 

إن الأنظمة الاجتماعيّة القائمة اليوم تُمثّل صراعًا بين نقيضَين:

فإمّا الفرد الذّي يقدّس ذاته، وله الحريّة المُطلقة في فعل ما يشاء بدون حدود أو قيود، وله أن يملك كيف ما شاء بدون ضوابط، وله أن يختار طريقة عيشه وميوله وفِكره ومُعتقداته كما يشاء، تحت مُسمّي الحرّية الشّخصيّة المُطلقة، ومع كلّ ذلك فإنه ليس للمُجتمع أن يقول له “هذا خطأ” أو “هذا صواب”، وليس للمُجتمع بأن يُحاول تقويم اعوجاجه أو ردعه، لإيمانه بأن لا وصاية لأحد عليه.

وإمّا النّظم القائمة على المُجتمع، حيث يُصبح لها كيان مُقدّس، ولا قيمة للفرد داخله، وعلى المُنتمين إليه أن يخضعوا لسُلطانه دونما اعتراضٍ أو انتقاد، وليس للفرد –كذلك- أن يقول “هذا خطأ” أو “هذا صواب” إذ بات لسلطة المُجتمع الوصاية في صياغة أفكار وعقائد وتصوّرات أفراده، وجعلهم جميعًا نسخًا من قوالب جاهزة.

وإنّنا لنجِد هذه الأنظمة في صراع داخل مُجتمعاتنا كلّ يدّعي أنّه يملك الحقّ المُطلق، فنتج عن ذلك وجود انقسامات، وتكوّن أطيافٍ مُتعدّدة ومُختلفة، تستوحي أفكارها ومبادئها في الحياة من الأنظمة الغربيّة الغريبة عن مبادئ ديننا والمُناقضة له، فالإسلام هو المنهج الذي جعله الله لنا صراطًا نُقيم به التّوازن بين الفرد والمُجتمع بلا إفراط أو تفريط.

صورة تعبر عن التعارض بين الفردانية والجماعية، والذي يحاول المقال الوصول إلى التوازن الاجتماعي بينهما

النّظام الاجتماعي الفردي
في ظلّ موجة الحداثة التّي تعيشها مُجتمعاتنا المُسلمة، ظَنّ البعض أنّ نهضة مُجتمعه لا يُمكن أن تحدُث إلاّ باتّباع الغرب، وذلك من خلال القطع مع كلّ موروث اجتماعي وفكري، وجعله من التّقاليد البالية، بدون القيام بعمليّة الفرز اللازمة للحفاظ على كلّ ذي قيمة بما يتناسب مع هدي الله والشخصيّة المطولبة من المُسلم.

لقد كانت النتيجة أن أصبحت حياة الأفراد مُرتبطة أكثر فأكثر بالفكر المادي، وأصبح هنالك جفاف في العلاقات، وتحوّلت الرّوابط الاجتماعيّة القائمة على التّعاون والتّعارف والجوار من جملة التّقاليد البائدة، وأصبح كلّ إنسان في المُدن المُعاصرة لا يشعر إلاّ بفرديّته، ولا يرى إلاّ مصلحته، وطغت عليه الأنانيّة.  

من المؤكد أن هذه النّزعة الفرديّة قد نشأت بعيدًا عن مبادئ الإسلام، ممّا أسفر عن غياب التّوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرّية والالتزام، فأصبح البعض اليوم مُتحلّلاً من الدّين والأخلاق والتّقالي، ومُنسلخًا من إنسانيّته باسم الحريّات الفرديّة، فبدأوا يُنادون بالترويج لأفعال قوم لوط الجنسيّة ونشر البغاء والزّنا ومُختلف أنواع المحرّمات من خمور ومخدّرات.

وبدأت المرأة المُتمتّعة بفرديّتها المطلقة تسعى إلى تحطيم الدّين والأخلاق والتّقاليد، ظنًّا منها أنّهم استُخدموا لإقصائها والتّضييق على دورها داخل المُجتمع بسبب سوء فهم الرّجل للدّين وسوء تطبيقه، حتّى وصل بها الأمر اليوم إلى المطالبة بالمُساواة المُطلقة مع الرّجل في كلّ شيء حتّى في الانحراف والتحلّل والإباحيّة.

يبدو أن ذلك كله خلّف انحلالاً مُدمّرًا داخل مُجتمعاتنا، وأدّى إلى تقطّع روابط المُجتمع والأسرة التّي كان تماسكها مُستمدًّا من قِيَم الإسلام وشريعته، فملامح العلاقات الاجتماعيّة قد تغيّرت وأصبح هنالك غياب لروح الألفة والاستئناس، وأصبحت الأنانيّة والانتهازيّة والنّفاق الاجتماعي والمصلحة الفرديّة هي القيم الطّاغية عندنا، وذلك بعدما انتشرت الأهواء والشهوات بانسلاخنا عن مبادئ ديننا، ولم تعُد روح الأخوّة والأمّة الواحدة جزءًا من العبادات في تفكيرنا الحداثي.

 وكذلك الأسرة التي أصبحت هشّة في نواتها، فقد تحوّل الرّجل إلى آلة عاملة، مُتحلّلاً من مسؤوليّاته من جهة، ومُتّبعًا لأهوائه ومُشبعًا لغرائزه من جهة أخرى، وكذلك انشغلت المرأة بنفسها وعملها ومُنافستها للرّجل ممّا أفقَد الأطفال روابط الحنان والحبّ والمودّة من الوالدين، ورُبّوا على تنشئة غير مُتوازنة، وبالتّالي نشأ جيل جديد في جوّ من الانحراف والانحلال.

يؤكّد على هذا المعنى الفيلسوف الأمريكي ول ديورانت فيقول:” ولما كان زواجهما [الرجل والمرأة في المجتمع الحديث] ليس زواجًا فقط بالمعنى الصحيح -لأنه صلة جنسية لا رباط أبوة- فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذي يقوم عليه، ومقومات الحياة، يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع، وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان، وتنتهي الغيرية الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط المساخر” (1).

النّظام الاجتماعي الجماعي
في المُقابل، نرى النّظام الجماعي الذّي لا يعترف بكيان الفرد أو أي قيمة له، حيث يرى أنه يستمدّ وجوده من المُجتمع الذّي يعيش فيه، ومن ثمّ فإن عليه الخضوع لسُلطانه دونما تردّد أو تفكير.  ويُعتبر أصل هذا النّظام مُستمدًّا من الفكر الغربي، حيث يقول الفيلسوف الفرنسي دوركهايم:” إنّ ضروب السّلوك والتّفكير الاجتماعيّة أشياء حقيقيّة توجد خارج ضمائر الأفراد، الذّين يُجبَرون على الخضوع لها في كلّ لحظة من لحظات حياتهم”(2)، فالفرد وفق هذه الرّؤية ليس له استقلاليّة اجتماعيّة، بل عليه القبول بما يجد من عقائد وسلوكيّات وأفكار وأنماط حياة داخل مُجتمعه حتّى إن كانت باطلة وفاسدة.

إميل دوركايم (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

من هذا المُنطلق نجد اليوم حكومات تسعى لتحطيم وجود الفرد الذي يختلف معها، فعلى سبيل المثال ما يحدث اليوم للأقليّة المُسلمة من “الأويغور” حيث أدخلت السّلطات الصّينيّة ملايين منهم لمُعتقلات كبيرة بهدف إعادة تأهيلهم وفقًا للرؤية الصّينيّة، وتجريدهم من كلّ مظهر أو مبدأ أو فكر إسلامي، وذلك بهدف محو هويّتهم وإخضاعهم لرؤية الدولة وفكرها.

يتجسّد هذا الفكر أيضًا داخل المُجتمع الفرنسي اتّجاه الأفراد المُسلمين، في مُحاولة لطمس هويّتهم وإخضاعهم عن طريق دعوة الاتّحادات الإسلاميّة؛ بهدف التّوقيع على ميثاق أصدرته الحكومة الفرنسيّة مؤخّرًا ينصّ على اعتناق قيم الجمهوريّة الفرنسيّة، وجعلها مرجعيّة المُسلمين الأولى، حيث يعتبر هذا الميثاق –على سبيل المثال- أي نقد للأفعال الجنسيّة غير الفطريّة أو انتقاد للسامية جريمة جنائيّة، وهنا يجد المُسلم نفسه في صراع داخل المجتمع الذّي يعيش فيه، فإمّا أن يستسلم له ويخضع لتوجّهاته في الحياة ويترك مبادئ دينه، وإمّا أن يسحق كيانه الفردي وتسلب حرّيته في الحياة باتّباع منهج الإقصاء والتّمييز السّلبي ضدّه.

نُلاحظ أيضًا داخل مُجتمعاتنا المُسلمة انتشار هذه النّزعة الجماعيّة، فعندما انتشر الفساد بيننا واعتدنا عليه، أصبحنا نرى كلّ مستمسك بمبادئ دينه، رافض للباطل والانحراف، مُتمرّدًا يسير عكس التيّار، بل أصبح عقبة بالنّسبة للمُجتمع المُتّبع لهواه، وبالتّالي صار يرى نفسه في صراع مع من حوله، ويتحوّل هذا الاختلاف أحيانًا إلى كُره وتنازُعٍ ينعكِسُ سلبًا على العلاقات الاجتماعيّة، وينجم عن ذلك انتشار القطيعة والحقد والاستهزاء والعزلة والتفكّك الاجتماعي.  

الطريق للتّوازن الاجتماعي
يقول العالم الشهير ابن خلدون: “إن المجتمعَ وعمرانَه لا يمكن أن يظهرا إلى الوجود من خلال تفرّق جهود الأفراد وتبعثرها، فالإنسانُ يدركُ بفطرتِه سبلَ عيشِه، ويدرك كذلك ضرورةَ تعاونِه وتماسكِه مع الجماعة، إذ ليس في مقدور كلّ إنسانٍ أن يوفرَ حاجاته لنفسه، إن ذلك يتطلبُ تماسكًا وتعاونًا بين الناس”(3)، فالمجتمع إذًا هو نتيجة اجتماع  عدد كبير من الضمائر الفرديّة، وللفرد داخله قيمته ووزنه وله تأثير في تكوّن هذه الجماعة، ولنا خير نموذج في سيرة رسول الله عليه أفضل الصّلاة والسّلام حيث قام أوّلاً بتربية وتزكية نفوس أصحابه، الذين آمنوا به واتّبعوه، وجمعهم تحت راية الإسلام وشريعته، رغم اختلاف أجناسهم وأعراقهم، فنجحوا ببناء مُجتمع مُتوازن ومُتماسِك، يجد فيه الفرد مرجعيّته الدّينيّة والفكريّة وكرامته الإنسانيّة، فكلٌّ يعرف حدوده، بما عليه من واجبات وما له من حقوق.

إنّ للمُجتمع تأثيره المُباشر على الفرد ويُمكنه إخضاع الفرد له، فإمّا أن يكون مُجتمعًا صالحًا مُتكوّنًا من ضمائر فرديّة صالحة في أغلبها، وفي حالة وجود أفراد مُنحرفين ومخدوعين باتّباع أهوائهم وشهواتهم ولا يُحدثون إلاّ الضّرر أين ما حلّوا، فإنّ من واجبات المُجتمع أن يكفّ أيديهم وينهاهم عن فسادهم، ويسعى لإيقافهم، حتّى لا يسقط الجميع في مُستنقع الضّلال والظّلم، عملاً بقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وإمّا أن يكون مُجتمعًا فاسدًا يُمثّله عدد كبير من الأفراد الذين أصابهم مرض الوهن والضّعف الأخلاقي، فيسعون إلى نقل فسادهم وانحرافهم لكلّ فرد  طاهر ما زال فيه صلاح، ويأخذون منه موقف العداء، فإمّا أن يشاركهم في فسادهم، وإمّا أن يتمّ سحقه وطمس كيانه الفردي.

صورة للقرآن والذي يمثل الطريق إلى التوازن الاجتماعي

وللفرد أيضًا نصيب من ذلك، فعندما وُجد الأنبياء ومن بعدهم الدّعاة والمُصلحون -الذّين هم أفراد- وجدوا أنفسهم داخل مُجتمعات عليلة توشك على الهلاك بسبب الفاسد الطاغي فيها، وقفوا بكلّ قوّة يدعون إلى الخير والصّلاح والعدل، وكانوا سببًا في تغيير مجرى التّاريخ وقاموا بواجبهم تجاه مُجتمعاتهم، وهذا ما علّمنا إيّاه رسول الإسلام صلّى الله عليه وسلّم بالحث على بذل النّفس نُصرة للحق وتحدّيًّا للظّلم ولو بالكلمة، فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ) [أخرجه الحاكم في المستدرَك].

في المُقابل فإنه عندما يصل فرد للسّلطة في مُجتمع صالح، ويغترّ بمنصبه فيستعلي ويتكبّر ويستبدّ، فإنّه سيسعى لفرض فكره وجبروته على المُجتمع، وسيُحدث فيه الفساد، ويُضيّع مصالح العباد؛ لأنّه لا يرى إلاّ نفسه، وسيسعى لتخدير عقول الناس لإبقائهم تحت سيطرته، غافلين عن حقوقهم وحرّيتهم.  

إن المعادلة هنا بسيطة للغاية، فلا وجود للفرد أو للمُجتمع في غياب أحدهما، فهما معًا يُمثّلان الكيان الإنساني، فمرّة يبرز المُجتمع، ومرّة يبرز الفرد بطريقة تفاعليّة مُشتركة نضمن بها وجود توازن بينهما.

إننا بحاجة لهذا المفهوم حتّى نخرج من ضيق الظلم والفساد الذّي أصاب مُجتمعاتنا، فعلى الأفراد أن يكونوا مسؤولين وواعين بدورهم، مُلتزمين بمبادئ دينهم، ساعين للتّغيير والنّهوض والعمل، وكذلك على المُجتمع -ككلّ- أن يعي بواجباته تجاه أفراده، وأن يقطع الطريق في وجه كلّ ظالم مُتكبّر مُستبدّ، وأن يكون أفراده جسدًا واحدًا نصرة للحقّ والعدل.


الهوامش:

(1): جاهليّة القرن العشرين لمحمد قطب، دار الشروق للنشر بتاريخ 1993، ، ص: 156.

(2): نفس المصدر السّابق، ص 160.

(3): جريدة الراية، مقال بعنوان ضوء أخضر.. «نحن» وليس «أنا».. قوّتنا في وَحدتنا للدكتورة لطيفة شاهين النعيمي بتاريخ 25 أكتوبر 2020.

 

تركه ما لا يعنيه

لا يختلف اثنان في أن حياتنا في هذه الدنيا قصيرة، فمهما طال عمر أحدنا فإنه سينتهي، ومما يروى في هذا الجانب أنه قيل لنوح عليه السلام -الذي عاش في دعوته 950 سنة-: يا أطول أنبياء الله عمراً كيف وجدت الدنيا؟ فقال كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر!

إن هذا الكلام ليس بمستغرَب إذ يقضي معظمنا ثلث عمره نوماً، ونصف الثلث الآخر، ما بين مأكلٍ ومشرب! فيخرج بهذا وقد ضاع نصف عمره ما بين نومٍ وأكلٍ وشرب! طبعًا إذا ما استثنينا ما نقضيه من ساعات يومياً على الانترنت من فيسبوك وانستغرام ويوتيوب، والمعذرة، قد أخطأت التعبير إذ قلت ما نقضيه، إذ إن التعبير الصحيح هو: ما نحرقه من ساعات دون أن نشعر!

ضياع العمر
انتشر على بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لعجوز أجنبي يختبره حفيده فيسأله عن توقعه لعمره الحالي فيجيبه ذلك العجوز 79 سنة أولاً ثم 89 ثانياً وما يزال يتوقع وحفيده يقول له أكبر من ذلك حتى يصل إلى عمره الحقيقي وهو 98 سنة! وإذ بالعجوز يكاد يُصعق غير مصدق لما يسمع، فينطلق شاتماً حفيده بأقبح الألفاظ..

إذا رجعنا إلى أنفسنا لأدركنا أن شبيه ذلك يحصل معنا، فكل منا يسأل نفسه هل مرت العشرون أو الثلاثون أو الأربعون سنة التي عاشها إلا كلمح البصر؟ إننا لا نكاد ندخل بعامٍ حتى نودعه، فعمرنا هذا يمضي مسرعاً ويكاد يأتي يوم معلناً فيه عن خروجنا من هذه الدار شئنا الخروج منها أم أبينا، أعددنا لهذا اليوم أم لم نستعد له!

ضرورة العمل الصالح
إن الإنسان في حياته القصيرة جداً إما أن يرفع أعمالاً صالحةً عسى أن ينجو بسببها يوم القيامة، أو يرتكب أفعالاً خبيثة ستكون وبالاً عليه يوم القيامة إن لم يتغمده الله برحمته، والإنسان الفالح هو الذي ينشغل بما يفيده وينفعه ويكون له حجةً في الدار الآخرة، فلا يحضر مجلس لهوٍ لا خير من ورائه، ولا ينصت إلى حديث فارغٍ يتفوه به أناسٌ ليس لحياتهم أي معنى، ولا يتبع النظرة الأخرى إلى ما لا يخرج منه بفائدة، إذ تبعد هذه الأفعال جميعها الإنسان عن الغاية التي خلقه الله من أجلها، ألا وهي العبادة الحقّة.

ومن الضروري التأكيد على أن العبادة لا تقتصر على صلاة العبد الفروض التي فرضها الله عليه في كل يوم، إلى جانب صوم رمضان، وأداء زكاة المال، وحج البيت الحرام، بل تتعدى العبادة ذلك كله إلى كل شيء، كأن يعمل الإنسان حتى يكون رزقه من عمل يده، ويحادث أباه وأمه ويبرّهما ويسليهما، وأن يتودد إلى أولاده ويربيهم ويلعبهم، وأن يصل رحمه، فالله يصل من وصلها ويقطع من قطعها!

ذلك كله هو من جوهر الحياة التي أرادها الله لنا، وهذه الأعمال وما كان على شاكلتها نرجو بفعلها -مقدمين رجاء الله عليها- أن تنجينا من أهوال يوم القيامة.

الانشغال بتوافه الأمور
جاء التوجيه النبوي من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، منبهاً إيانا أن نكون ممن تشغلهم توافه الأمور عما يجب عليهم أن يقفوا عنده وينظروا فيه، فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [أخرجه الترمذي في السنن وهو حديث حسن].

إن الإنسان الذي يقف عند كل ما لا يعنيه، فلا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا ويبحث فيها وبما ورائها مستفسراً وفاحصاً إياها، ناهيك عن ضياع عمره، فإنه لا يبقي لنفسه صاحباً، فإنه إن لم يزل يسأل هذا عن ذهابه، وذلك عن ماله، وتلك عن حياتها، وهؤلاء عن سبب اجتماعهم، فلن يكون أثقل على قلوبهم في هذه الدنيا من رؤية ذلك الشخص الذي لا يترك فرصة لأن يسأل سؤالاً أو يلقي مداخلةً إلا ويتعمق فيها كيف كانت أو ستكون وعن ماهيتها وغير ذلك!

سيتعِب هذا الرجل نفسه عندما يقوم أحدهم بفعل، أو يقول كلمةً فلا تعجب هذا الرجل، فيحمل على عاتقه تفسير هذا الفعل أو تلك الكلمة والبحث فيما وراءها، فيركّب لنفسه نظارة المحقق، مصوّباً بصره من خلالها إلى ما قيل وما فعل، يريد أن يكشف عن أبعادها، ونوايا صاحبها ومقاصده وأهدافه، فيتعب بذلك قلبه وعقله، فيهجر حياة السعادة والطمأنينة لييمّم وجهه شطر الاضطراب والقلق والتحليلات التي لا أول لها ولا آخر، إذ إن كلام الناس وأفعالهم لا تنتهي إلا بانتهائهم أنفسهم، أفكلما نطق أحدهم بكلمة أو صدرت منه حركةً أخذ هذا الرجل على عاتقه تحليلها؟ فأي حياة سيحياها إن عاش كذلك؟

ثم إن أخطاءه لا تقف عند أن ينفر الناس منه ويتعب نفسه وقلبه، بل تتعدى ذلك، فالإنسان الذي يعيش حياته فضولياً لا يترك مجلساً إلا ويذهب إليه، ولا حديثاً إلا ويشارك به، ولا اجتماعاً إلا ويحضره، ثم لا يترك فكرةً قد خطرت على باله إلا ويجريها على لسانه، ولا سؤالاً قد تحرك في عقله إلا ويطرحه، فيخرج من ذلك كله بإهدار وقته وربما عمره على ما لا طائل ولا منفعة من ورائه، وكما قال الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك”.

لقد أرشدنا ابن القيم إلى حقيقة إهدار الوقت قائلاً: “إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها” [الفوائد، ص31].

قال أحدهم: “لا تجعل أذنك مزبلةً للناس يرمون فيها ما معهم”، وفي قوله صوابٌ كبير؛ إذ إن الإنسان إما أن يسمع ما يفيده أو يسمع ما يضره، وإما أن يحضر مجلساً له به صلاح أو يحضر مجلساً يفسد به قلبه، وإما أن ينطق كلمةً ترفعه عند الله وعند الناس أو يتفوه بكلمة تكون وبالاً عليه وتضيق صدور الآخرين منه، وهنا نعيد ونقول: ماذا لو طبق قول الهادي صلى الله عليه وسلم “حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه”

هديُ الإسلام في التخلّص من الحسد

لو أراد أحدنا استقصاء جميع جرائم القتل والسرقة عبر التاريخ ثم نظر في أسبابها لأدرك أن المحرّك الرئيسيّ لمعظمها كان “الحسد”، ولو أننا راقبنا المعاصي الأولى التي ارتُكِبَت بعد خلق آدم لعرفنا أن محرّكها كان الحسَد من مقامِه لدى الله والتكبّر المتجذّرِ في النفس، فمعصية الشيطان بعدم السجود لآدم جاءت من هنا، وكذلك جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل تحرّكت بفعل الحسد، ثم إذا وضعنا التاريخ أمام أعيننا لنبحث في صفحاته عن رسالة الأنبياء إلى أقوامهم، وعن سبب كفرهم بها ونكرانهم لها رغم كل المعجزات الحسية والمعنوية التي رافقتها لعلمنا أن الحسد كان في مقدمتها، وآخر تلك الرسائل كانت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي نزلت على رجل قد عاش أربعين سنة في قومه، ولم يرَ أحدٌ منه سوى الصدق والأمانة والإخلاص، ثم لما جاءهم بدعوة النبوّة ورسالة الإسلام وكتاب الله البليغ متحديًا إياهُم بالإتيان بمثله، وهو الذي لم يعرِف طريق الدراسة والعلم بل لم يعرف طريق القراءة والكتابة وإنما العمل والتجارة، فما كان منهم إلا أن كذبوه.

لقد أعلنها طلحة النميري صراحة حين قال لمسيلمة الكذّاب: “أشهد أنك كذاب وأن محمداً صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر” أي أنه يفضّل أن يقوده كذاب منافق من قومه على أن يترأّسهم نبي صادق في الوحي إليه من غير قومهم.

لقد عرض القرآن الكريم اعتراضات الحاسدين وكلماتهم، وفنّدها بأنه لا وجه منطقي فيها وأن حججهم ومنبع اعتراضاتهم تدور على الحسد فلا هو فاسدٌ أو كاذب أو ساحر، وإنما يقولون: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 3] وهذا الموقف يشبه موقف اليهود عندما أعطى الله الملك لطالوت فخرجوا معترضين قائلين أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه!

علاج الحسد

أنواع الحسد ودرجاته
وإذا جئنا إلى الحسد الذي هو مراتبٌ أعلاها الإضرار باليد ثم العين فاللسان، فإن منبع الحسد الأساسي هو ألّا يكون لهذا الحاسد عملاً في هذه الحياة إلا النظر في ِنعَم غيره وإحصائها وتعظيمها وتجميلها ثم إدخالها إلى قلبه، والشعور بحبّه لها والخوف من فقدانها وحرمانه منها، إذ يجري مقارنات بين ما يملك غيره وما يملك هو متحسّراً على ما فاته مغتمّاً بما معه، والأسوأ من ذلك أنه لا ينظر إلى ما آتاه الله من فضله وما حرم به غيره، فذلك ليس من منهجه في الحياة.

إذن فالنظر في نعم الآخرين هو منطلَق الحسد، وقد تشعّب وتفرّع في وقتنا هذا مثله مثل جميع الطباع والأخلاق السيئة التي وجدت تربةً خصبةً لها فنبتت، ثم ماءً متدفّقاً فنمت، ثم سماداً كثيراً فقويت، وهنا فإني أقصد به وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديوهات التي لا يترك روادها نعمةً آتاهم الله إياها إلا أعلنوها، بل ويدّعون وجود نعمٍ لم يحصلوا عليها للتكبّر على غيرهم وإغاظتهم، وفي الإطار ذاته انتشرت بكثرة حسابات لأشخاص هدفهم الأساسي هو تصوير أنفسهم وهم يسافرون حول بلدان العالم ويأكلون ألذ الطعام ويزورون أجمل الأمكنة والعجيب أن متابعيهم يقدّرون بعشرات الملايين ولا تجدهم إلا متحسّرين على أنفسهم أن قد كتب الله لهؤلاء السعادة والسفر والتجوال ولم يكتبها لنا!

أين الخلل، وما العلاج؟
المشكلة الحقيقية أن المحصي لنعم غيره تجده معمياً عن مصائب أو نقائص غيره كما هو معمي عن النعم التي أسدلها الله عليه، جاهلاً أن الحياة لم تكمل لأحد وأنها ما زادت لأحد في جانب إلا نقصت له في جانبٍ آخر، وأنها طبعت على الأكدار والهموم فهي توزع منها بالتساوي على بني البشر، ولا يكون الاختلاف إلا بالأشكال التي تأتي بها، فذلك تأتيه على شكل فقر، وذاك على شكل مرض، وهذا على شكل جهل، وتلك على شكل عقم، إذ كما قال مصطفى محمود: “لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه ولَرَأَى عدل الموازين الباطنيّة برغم اختلال الموازين الظاهريّة ولما شعر بحسد ولا بحقد ولا بزهو ولا بغرور”.

مظاهر الفروقات الطبقية والمؤدية أحيانًا إلى الحسد

مرض اليوم الذي يبحث معظم الناس عن علاجه هو الشعور بالنقص والدونيّة وعدم الرضى عن النفس والذي يولَد بدوره اضطراباً وحزناً وغماً، ولا يتطلّب علاجه أكثر من أن يكون الإنسان راضياً بما آتاه الله من فضله شاكراً لهذه النعم مقدّراً لها عالماً بأنّ الكثير من خلق الله قد حرم منها، واضعاً كلام نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام نصب عينيه الذي كان بمثابة علاج لهذه الاضطرابات ألا وهو الحديث الشريف:

“انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم” [رواه مسلم]، كلمات قلائل أعلمنا بها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام تمثل علاجاً لواحد من أعظم أمراض هذا العصر الذي أدى إلى الانتحار في بعض الحالات وإلى نوبات من الاكتئاب في حالات أخرى.

وفي الوقت الذي وضع لنا ديننا علاجاً لهذا المرض، حثنا في الوقت نفسه على أن نتخذ من الرضى والقناعة والصبر منهجاً لنا في حياتنا، إذ لا بد للإنسان من منغصاتٍ تعترضه بين حين وآخر فإن لم يقابلها العبد بالرضى أو الصبر فقد شق طريقه نحو الضيق والضجر، والرضى هو أن ينظر العبد في المصيبة فلا يبحث إلا عن جوانب الخير فيها، أما الصبر فهو النظر بالمصيبة مع عدم الانتباه إلى ما تشتمل عليه من خير فيصبر الإنسان عليها منتظراً فرجاً من الله، وقد وضعها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه دستوراً لنا، فقال موصياً أبي موسى الأشعري: “أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر”