ماذا لو طُبِّق حديث: “لا يفرك مؤمن مؤمنة”؟

محمد الريس


عندما يبحث الرجل عن شريكة حياته، فإنه يمر من أجل ذلك بمراحل، أولها الرؤية الشرعية أو ما يوازيها، وفيها إما أن يحدث قبول نفسي للطرفين فينتقلان إلى مرحلة الخطوبة أو يجدان ضيقاً فتنتهي العلاقة قبل أن تبداً، وإذا كان أساس الرؤية الشرعية القبول النفسي فأساس الخطوبة القبول العقلي، ويحصل تبعاً لما يجري بينهما من نقاشات، تكشف لهما أفكار وآراء وطباع بعضهما، ولكن مثل الخطوبة كمثل كشّافٍ وجهته إلى نفقٍ ضخمٍ، فإنه يجعلك تبصر شيئاً ويخفي عنك أشياء، فترى الصورة العامة وتغيب عنك التفاصيل الدقيقة، فمهما أعمل أحدهما عقله فترة الخطوبة فلن يكشف جميع طباع وأخلاق وأفكار الطرف الآخر، ولكنها ستعطيه فكرةً عامةً عنه إن أعمل بها عقله وعطّل بها قلبه.

وبقدر ما يسعى الطرفين إلى كتم مشاعرهما فترة الخطوبة، بقدر ما تنفجر مشاعرهما وعواطفهما عند عقد الزواج، فهي مرحلة الحب والأحلام الوردية، وبها يجعل العاقدان لبعضهما البحر طحينةً! ويبدأ الاقتراب النفسي والجسدي، وينتهي عصر استخدام العقل! فكما قيل: “الحب يعمي ويصم”، فيرى المحب كوارث محبوبه هفوات، وهفواته حسنات، وحسناته معجزات!

فتكون علاقتهما ببعضهما كعلاقة الأم بولدها لا تراه إلا خير خلق الله، فأما حسناته فهي تصدر منه، وأما سيئاته فهي تُكاد عنه!

وقد أظهر العلم أن جسد العاقدين يفرز خلال هذه الفترة هرموناً يجعلهما لا يريان سوى إيجابيات وكمالات بعضهما وهو الهرمون ذاته الذي يفرز لدى الوالدين في علاقتهما مع أولادهما.

ولكن الحياة ليست بهذه اللطافة والوداعة وإنما يحكم الفرد فيها واجبات ومسؤوليات ويتخلل رحلة السير بها ضغوط ومشاق وصعوبات، لذلك فإن الحب والحياة الوردية يتنحيان جانباً عند الزواج وتبدأ المسؤولية تحكم! فيناط بكلا الزوجين واجبات عليهما الإتيان بها ويصبح لكل منهما حقوقاً على الآخر أن يؤديها له.

ولا نقصد بذلك أن الحب يذهب أدراج الرياح، بل هو يزداد ويتنامى مع الوقت، وإنما الذي قصدناه هو أن كلا الزوجين ينظر إلى الأمور بعين العقل، فيصبح أكثر واقعيةً في التعامل مبتعداً عن خيالات الشعراء التي كانت تجول عقله عند العقد!

وخلال هذه الفترة ومع طول المعاشرة تبدأ عيوب الطرف الآخر بالظهور، فما كان مخفياً صار اليوم ظاهراً، وما كان يُبرر له أصبح اليوم يُعاقب عليه! فتبدأ المشاكل والمنغصات من حينٍ لآخر، وتُكرر الأخطاء إذ كل منهما قد طُبع على نقصٍ يجاهد نفسه على تركه ولكنه لا يلبث أن يعود إليه، فهاهنا يأتي التوجيه النبوي الذي يريد للعباد خيراً ولحياتهم أمناً، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر” [رواه مسلم].

فلا ينبغي للزوج أن يبغض زوجته لطبعٍ كرهه فيها، بل يغض الطرف عنه مصوباً بصره نحو طباعها الحسنة، ورغم أن الحديث موجه للزوج إلّا أنه يشمل كلا الزوجين، ونعتقد أنه جاء بهذه الصياغة لأن كره الزوج قد يؤدي إلى الإضرار بها بتنغيصٍ أو شتمٍ أو ضربٍ أو طلاقٍ، ولأن الرجل يحكمه عقله أكثر من عاطفته فلا تشفع لها محبتها في قلبه لتجاوز أخطائها، بينما تغلب على المرأة عاطفتها فتشفع له محبته في قلبها لتجاوز أخطائه.

ومن لطائف الحديث أنه وصف الزوج والزوجة بالإيمان، وكأن في ذلك تنبيه للزوج بأنه يكفي الزوجة إيمانها لترضى عنها وتصبر على هفواتها وتعينها على تصحيح أخطائها، فتسيرا معاً في طريق الإيمان متحابين في الله تجاهدان نفسيكما على رعاية حق الله فيكما، فجاءت هذه الكلمة في هذا الموضع مهدئةً للنفس مريحةً للبال مطفئةً للغضب.

ولأن الإسلام دين كامل ذو منهج متكامل، فإنك لن تستفيد منه إن أنت أخذت بعضه وألقيت بعضه الآخر وراء ظهرك، وعملت بما وافق هواك وألغيت ما خالفها، وانقدت لما فهمت مغزاه وأدبرت عما لم تدرك حكمته، ومثال ذلك أنه يصعب جداً أن يستفيد من هذا الحديث من عطّل عقله وأعمل قلبه في فترة الخطوبة غافلاً عن تعاليم الإسلام في أن تكون هذه الفترة للتقييم العقلي فقط بعيداً عن أي عاطفة أو مشاعر، والسبب في أنه يصعب عليه الاستفادة منه هو أنه قد يكون فيها طباعاً يستحيل عليه احتمالها أو تكون سيئاتها تفوق حسناتها بمراحل أو أنها منافقةً تظهر إيماناً وتبطن كفراً، أو أنها مسلمةً ولكن لمّا يدخل الإيمان إلى قلبها! وكل ذلك كان يمكن أن يظهر له في فترة الخطوبة سواء ظهر له واضحاً أو بعد طول نظرٍ وفكر ولكنه كان مخمور العقل معمي القلب!

كما لا يمكن لزوجين أن يستفيدا منه إذا كان لا يعاشر الزوج زوجته بالمعروف فيرعاها ويحفظها وينفق عليها ويكرمها، وإذا كانت الزوجة لا تطيع زوجها بل تجعله نداً لها، ولا يجد منها حفظاً لنفسها وماله وأولادهما، فكيف يمكن ألا يبغضا بعضهما وتضيق نفوسهم وتجف منابع الحب في قلوبهم، وكل منهما قد نسي ما لغيره من حقوقٍ عليه متجاهلاً ما شرعه الله من أحكام في حق الزوج على زوجته وحق الزوجة على زوجها.

لذلك ها قد أوصلتكم إلى بداية الطريق، طريق الله الذي أنزل علينا شريعة، وأمرنا أن نلتزم بها ونأخذها كلها، وأن ندعوه في صلاتنا كل يوم سبعة عشر مرة -على الأقل- ألا يجعلنا من المغضوب عليهم وهم اليهود الذين علموا الحق ولم يعملوا به، بل ألقوه وراء ظهورهم، وجعلوا يمدون أيديهم إلى وراء ظهورهم فيأخذون منه ما يوافق هواهم ويتركون ما لا يروق لهم، وكل من كان هكذا حاله فقد حل عليه غضبٌ وسخطٌ من الله، فإما أن يستمر بذلك وينتظر هلاكه أو فلينته وينتظر رحمة الله القريبة من المحسنين.

 

رمضان.. عندما يشتاق الإنسان إلى معراجه الروحي

محمد الريس


في عالمٍ صار فيه حب المادة على أشده، فترى من يظن نفسه عبداً لله وواقعه لا يعبد سوى بطنه وفرجه، وترى الذين لا يقيّمونك إلا بما تزين به جسدك من لباس وتملؤ به معدتك من طعام، فإن كان لباسك دون “الماركات” وطعامك دون الإسراف فلن تجد منهم سوى الازدراء والاحتقار.

وأصبح الأكل لأجل اللذة لا لأن يكون حاجةً للاستمرار في الحياة، وتجد من يصفك بالرجعية إن أنت لم تعرف اسم تلك الأكلة! وتجد من يعيب عليك أن تحافظ على النعمة -بأن لا تبقي في طبق طعامك شيئاً- فذلك بزعمه ليس من التحضر!

وتجد من ينشئ قنوات على اليوتيوب غرضها الأساسي نشر تحديات لمن يأكل أكبر عدد من الوجبات! وترى متابعيها بالملايين، ومتابعو العلماء بالعشرات! وتجد الزوج الذي يشن حروباً على زوجته إن هي لم تطبخ، أو كانت الطبخة على غير ما يحب! وكأن الطعام قد أضحى قضية العالم وشغله الشاغل!

في هذا العالم الذي وصفته لك يأتيك رمضان، الشهر الذي يريد منك أن تضع لشهوات بطنك حداً، وتجعل لك من ذلك منهجاً، فلا تضبطها شهراً وتفلتها عمراً! يأتيك ويريد منك أن تترك رديء الأخلاق وتطلب أحسنها، فيصبح ذلك طبعاً من طباعك، وقد يظن أحدهم مخطئاً أن غاية الصيام هي الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فقط! غافلاً عن الحديث النبوي: “من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” [رواه البخاري]

ومما علينا إدراكه أنه يشقينا أن ننسى أنفسنا وحاجاتها لحساب أجسادنا ورغباتها، وأن ننظم الحياة من حولنا ونتركها خراباً في داخلنا، وأن ننبهر بالبرقع الخداع للأشياء ويغيب عنا أنها تقاس بجوهرها، وأن نحصر السعادة بملذاتٍ تأتي إلينا ناسين أن الرضى رضى النفس، وأنك لو ملكت كل ما وقعت عليه عيناك وأنت طامح للمزيد فلن تشم رائحة السعادة، وأنك لو أنت قنعت بما تملك فستعيش حياةً يحسدك عليها الملوك والأمراء.

وفي هذا المقام، لا غنى لنا عما قاله ابن القيم عن حقيقة الصوم: “أما الصوم، فناهيك به من عبادة تكفّ النفس عن شهواتها وتُخرجها عن شبَه البهائم إلى شبه الملائكة المقرّبين، فإنّ النفس إذا خُليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم، فإذا كفّت شهواتها لله، ضيَّقت مجاري الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عادتها وشهواتها، محبّة له، وإيثاراً لمرضاته، وتقرُّبا إليه، فيدع الصائم أحبّ الأشياء إليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه، فهو عبادة لا تُتصوّر حقيقتها إلا بترك الشهوة لله، فالصائم يدع طعامه وشرابه وشهواته من أجل ربه.

وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى، وبهذا فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الإضافة في الحديث فقال: “يقول الله تعالى: كلّ عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي”[رواه البخاري] حتى إنّ الصائم ليتصوّر بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضا الله.

وأيُّ حُسنٍ يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسِر الشهوة وتقمع النفس وتُحيي القلب وتُفرحه، وتُزهِّد في الدنيا وشهواتها، وتُرغِّب فيما عند الله، وتُذكّر الأغنياء بشأن المساكين وأحوالهم وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشهم فتُعطِّف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا له شكرا؟

وبالجملة، فعون الصوم على تقوى الله أمر مشهور، فما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصوم، فهو شاهد لمن شرعه وأمر به بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه إنما شرعه إحسانا إلى عباده ورحمة بهم، ولطفا بهم لا بُخلا عليهم برزقه ولا مجرّد تكليف وتعذيب خالٍ من الحكمة والمصلحة بل هو غاية الحكمة والرحمة والمصلحة وأنّ شرع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم ورحمته بهم” [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، 867-868]

وإنك في رحلتك الروحية في رمضان تسعى لأن تكون طيب النفس، حسن العشرة، سليم الصدر، واضعاً حديث الرسول عليه الصلاة والسلام نصب عينك عندما قال: “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق” [رواه البزار (9319)]، وعالماً جيداً ومدركاً لما قالته عائشة رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان خلقه القرآن” [رواه مسلم].

وإن القلب لا يجد سبيلاً إلى التزكية إلا بصيامه عمّا حرمه الله عليه من حسد وكبر وعجب وحقد وغيرها، ولا يجد جوّاً مناسباً يعينه على ذلك إلا الصيام الذي يقيد شهوات البطن والفرج، فاجعل لك في شهر رمضان منهجاً تسير عليه، ولتكن نيتك أن تزداد من الله قرباً، ولتجتهد ألا تضيعه بأن يكن نصيبك منه ترك مفطرات البطن والفرج مع التمادي باللسان والعين والأذن وصولاً إلى اليد وانتهاءً بالرجل!

جهاد النفس في رمضان

الهادي حافظ


أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك!

للباحثين عن جهاز كشف يمَكنهم أن يتعرفوا على أي نوع من النفوس ينطوون؛ أهي: الأمّارة بالسوء، أم اللوامة، أم المطمئنة؟ فما عليهم إلا أن يراقبوا أعمالهم في رمضان!

ففي كتاب لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله يحدد أعداء الإنسان الداخليين بالنفس، والشيطان، والهوى والدنيا. فالهوى والدنيا وسيلتان تستعملان حسب إغواء قائدي ركب رحلة الشر، وهما النفس والشيطان لعنه الله.

والشيطان -كفانا الله شره- ربما يضعف عمله بفعل التصفيد في شهر الخير -رمضان- لتتسلم النفس زمام رحلة الإرداء بالبشر، فيكون حال الناس في رمضان مرآة لنفوسهم!

مما يعزز ذلك ويؤيده -شيئا ما- ما يذكر من أحوال السلف في رمضان وكيف كانوا يتركون المباح للواجب، وخلاف الأولى للمندوب.. فيركضون في حقل فعل الخيرات ليعيش الجميع على مدار الشهر الفضيل في باحة من الخير: فمنهم سابق بالخيرات..وما ذاك إلا لصلاح نفوسهم.

بخلافي أنا وأمثالي فإننا للأسف ربما تساوى عندنا أَوَلى شهر الخير شطره إلينا أم ولى مدبرا عنا! فتجد الواحد منا بالكاد لا يفرق بين رمضان وغيره، فقد تراه ناشرا صورة لعارية على صفحته الذي لا يعلم متى تطوى، فتبقى الصورة حسابا جاريا من الذنوب بعده لاقدر الله، وقد تراه يتكلم في العلماء بما شاء غير آبه بحرمة عِلم ولازمان، وربما تساببنا السباب تلو السباب، وتجادلنا من أجل تزكية نفوسنا، {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء}.

ناسين أو متناسين قول الحبيب صلى الله عليه وسلم “فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم مرتين”.

أما مواعيد “العمة الفيفا” مقدسة، فإنها لم ولن تفقدنا حيث أمرتنا! وحتى لو جاء وقت المباراة متزامنا مع وقت عروج ملائكة الرحمن الذين سيسألون عنا: كيف تركتم عبادي؟ فيكون الجواب: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، فيفوتنا للأسف قطار تلك البشارة!

نعم يفوتنا للأسف قطار التشريف ذلك: وهم يصلون.. لأننا كنا حينها في المقاهي، وحسبك به من حرمان والعياذ بالله!

كل ذلك لتسليمنا العنان لأنفسنا الأمارة بالسوء، فعن النفس يخبرنا ابن القيم رحمه الله تعالى حين يقول: سبحان الله؛ في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان.

ومع ذلك أظل وأمثالي نصالحها ونهادنها بدل أن نناصحها، وكأنا ما قرأنا يوما إخبار الحسن البصري وقوله: إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه.

ثم نهيم نحن ونهيم في غفلة شديدة على حد تعبير أحد أعلام السلف رحمه الله وكأني به -يعنيني-وأمثالي: وما أحسب أحداً يفرغ لعيب الناس إلا عن غفلة غفلها عن نفسه، ولو اهتم بنفسه ما تفرغ لعيب أحد ولا لذمه.

فنرجو رغم كل ذلك أن لا نكون قد وصلنا إلى درجة أن يتتلمذ علينا إبليس لعنه الله! على حد تعبير الحسن البصري رحمه الله الذي قيل أنه رأى إبليس لعنه الله في المنام فقال له: كيفك مع عباد الله؟ فرد عليه ابليس لعنه الله: كنت أُعلم الناس الشر، فصرت أتعلم منهم!

فالبدار البدار، لنبادر عسانا نتدارك أنفسنا ولنحذر أن يمضي رمضان قبل أن نتعلم منه ونلحق بركب تلامذته، ولنحذر كذلك أكثر أن نكون ممن تتلمذ عليهم إبليس عليه لعنة الله.

وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسهُ * ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل

ونحذر من أعوان إبليس من الإنس الذين يقومون بالدور على أكمل وجه، حين لم يتركوا باب لهو ولا غواية إلا طرقوه، لإشغال الناس في هذا الشهر الفضيل: مسلسلات، برامج، سهرات، إثارة..
كل ذلك يبذل في الغالي والنفيس، لأجل هدف واحد: تضييع فرصة العتق من النار في رمضان على عوام المسلمين.

وصدق مولانا الكريم: {يريد الله أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

عبد اللطيف المحيمد


يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

الحجاب والمساواة

إيمان محمد


في الوقت الذي كنّا نتلقى السهام فيه من كلّ جانب، هناك في الداخل السوريّ، حيث لا يمكن لأحد أن يتكهّن من أين ستأتيه الضربة بالضبط كي تصيب في مقتل، وحيث لا يمكن لأحد تخمين نوع السّلاح الموجّه وتأثيره، كنت أتساءل عن الثوابت كيف كان بالإمكان التشبّث بها ضمن كل الظروف القاهرة إلى هذا الحد؟!

في الدراسات النفسية والاجتماعية دلالات واضحة على انحدار القيم وزعزعتها خاصة في وقت الحرب، وكنت أحاول مقارنة الجانب النظري بالواقع، وكان الحجاب من ضمن الثوابت التي شهدت زعزعتها في النفوس، الأمر الذي كان يستدعي التأمل والبحث.

اليوم، وبعد مرور سبع سنوات أثبتت المرأة فيها نفسها بشكل أكبر بكثير عن ذي قبل، وحضرت في كل المجالات حضوراً لم يشهد نظيراً في أية مرحلة سبقت، وأظهرت علماً وعملاً وفاعلية وإبداعاً فلم تحتج إلى دليل كي تثبت للمجتمع أنها مساوية له في التفكير والعقل والقدرة على الإنجاز والتعلّم والتطور، مساوية له في التكليف بما بُني الإسلام عليه من أركان ودعائم، وهي مثله تماماً في كونها مسؤولة أمام الله تعالى على الإهمال والتقصير، ومحاسبة على أخطائها في حقّه وحقّ كل ما جعله تحت رعايتها، فلماذا إذاً لا تتساوى معه في الشكل والهيئة، ولماذا كل هذا التشبّث بقطعة قماش؟ وقد كان السؤال مطروحاً بجلاء: هل الحجاب يحدّ من مساواة الرجل والمرأة؟

يفترض كثير من الناس أن الحجاب في الإسلام كان دافعاً ضد المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، ويعتبرون الحجاب قيداً كبيراً يحدّ من انطلاق المرأة ونزوعها نحو الحرية، ومعاكسة لحقها في أن تمارس دورها دون قيود في الشكل والمظهر.

وإذا تأملنا في الحقائق من زاوية موضوعية أشمل وأوسع، لوجدنا أن هناك مساواة في التكليف والعبادات والفاعلية والعمل حسب القدرة والاستطاعة لكل منهما، وسنجد مساواة في القدرات سواء كانت ذهنية أو اجتماعية أو نفسية أو علمية، تماماً كما نجد لكل منهما احتياج ومطلب للتعاون مع الآخر، في عملية بناء المجتمع وإصلاحه والرقي به.

المرأة تشترك مع الرجل في كل معنى إنساني أو اجتماعي، أو تربوي أو عقلي، لا يميزه عنها أي شيء ولا يتفوق عنها من تلك المعاني بشيء، ولا تقلّ هي بما تمتلكه من عقل في قيامها بالتكاليف التي أمرها الله بها، ولا بأنها مثله ستحاسب أمام الله على الخطأ والتقصير، وإنما الاختلاف هو في الشكل والتكوين، فقد تميزت المرأة بجمال الفطرة وجاذبيتها، مما يحرك الغرائز ويدفع لاحتياج آخر، فيكون الانجذاب لغة اتصال جديدة تحتاج أيضاً إلى مجرى صحيح ضمن شراكة مشروعة لتصب فيه، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة تحمل محورين، الأول في صيغة العمل والبناء، والآخر محور الانجذاب الفطري الذي يقود له تكوين المرأة وما تحمله من مفاتن، وفي انجذاب الرجال – على مستويات- لتلك المفاتن، والذي قد يخرج بصيغ سلبية تحمل الامتهان لكرامتها، وقد لا يحمل أية صيغة سلبية، حسب شخصية بناء الرجل وتعامله مع تلك الفتنة، وبالتالي فلا يمكن قياس ذلك ولا الحدّ منه بحال من الأحوال.

ولأن الإسلام قد دعا إلى المشاركة الفعالة بين الرجل والمرأة بما يخدمه ويسهم في ارتقاء الأمة ونهضتها، فقد جعل هناك شروطاً لتلك المشاركة لئلا تتحول عن غايتها ومغزاها، فتنحدر أو تمتهن حق المرأة في التكريم وصون الكرامة، أو تفسح المجال لأصحاب الغرائز غير المنضبطة من إيذائها بكل وسيلة ممكنة.

فكان الحجاب، لأنه الحاجز المنطقي الذي يحول بين تلك الغرائز غير المنضبطة وبين المرأة، فإن التزمت به حالت بينها وبين احتمالية الأذى، ودفعت من يخاطبها أو يتعامل معها إلى مخاطبة عقلها وإنسانيتها، ليكون التعاون والتكامل منضبطاً في أفضل صورة ممكنة.

وهذا بالضبط ما تشير إليه الآية الكريمة في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين}.

ومن هنا نستطيع أن نتلمس الحكمة الحقيقية من الحجاب، ألا وهي دفع الأذى عن المرأة، والدفع باتجاه تأسيس مجتمع سوي، لا تعدي فيه على الحقوق، ولا امتهان للكرامة، مجتمع مساواة في أعلى المستويات في العلم والعمل والفاعلية الحقة، وانضباط في أعلى المستويات لوضع حد لأية احتمالات ممكنة للتجاوزات السلبية وهذا من أرقى نظم الإنسانية وأعلاها.

هل الحجاب وسام أخلاق؟
كما ذكرنا سابقاً الحجاب هو حاجز للحيلولة دون إثارة الفتن والغرائز، فهو أداة لمنع الأذى أن يصيب المرأة، أو يحرّك السوء في النفوس، فيقع أذى على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وبالتالي فليس منطقياً بحال من الأحوال أن نقول بأنه وسام أخلاق وفضيلة لمن ترتديه، تماماً كما هو ليس دلالة انحدار أخلاقي لمن تنزعه، والشّواهد كثيرة بين النساء اللواتي جعلن من الحجاب غطاء لأفعال سوء، أو احتجبن ولم يقف الحجاب حائلاً بينهن وبين سوء أخلاقهن، كما هي كثيرة أيضاً لمحجبات كُنَّ على أعلى مستويات التميز والتقدم العلمي والعملي، فلم يقف الحجاب حائلاً بينهن وبين إثبات أنفسهن والارتقاء بعقولهن لمصلحة أمّة، والأمر هو ذاته لمن لم تحتجب، فما الغاية إذاً من الحجاب مادام لا يركز لفضيلة ولا ينفي رذيلة؟

الغاية هي كما ذكرنا إحاطة المجتمع بضوابط منطقية حكيمة تمنع أحد مسببات وقوع الأذى، وتحمي أفراده، سواء كانت المرأة أو الرجل، تحميهم من مزالق الفتنة ووقوع الفساد.

ولا يمكن لأحد أن ينكر كيف تكون النظرة لامرأة أظهرت مفاتنها، وتوجهت للمجتمع تخاطب فيه الفكر والعقل، كيف يتلقى بعض الذكور خطابها مهما كان علمياً أو عقلياً متوازناً، إنهم في الحقيقة لن يروا فيها سوى تلك الصورة التي أعجبتهم، وحركت فيهم الغريزة، ليلقوا تعليقاتهم عليها جزافاً، وينسفوا كل العلم والعقل الذي خاطبتهم به.

المعادلة واضحة في الإسلام، وهي: هناك حاجة وضرورة مُلحّة على أن تقوم المرأة على دورها المطلوب، وأن تعمل بفاعلية في كل مجال يوافق قدرتها وعلمها وطاقتها، وهناك شراكة على بناء المجتمع ونهضته، تنتظرها كي تتقدم وتثبت نفسها دون تحرج أو تردد، والمطلوب منها في حضورها الفاعل هذا أن تضبط الإيقاع عبر حجاب يصونها من عيونٍ ملوثة وأدمغة لا تعمل إلا باتجاه سلبي، وألا تسمح إلا بأن يخاطب منها العقل والروح، لا أن تخاطب كجسد في ميدان يتطلب الجدية في حمل الهم، والهمة في تحقيقه.

الثوابت في كل مرحلة قد تتزعزع، والمهم كيف نعمل العقل، ونحسن التعامل مع كل ما يحاول هدمها.

النبوة عند ابن حزم

إبراهيم إسماعيل


يرى ابن حزم أن مجيء الرسل ممكن، فواجب، ثم ممتنع، فهو يقع في حدود الإمكان قبل أن يبعثهم الله تعالى، ولكنه ينتقل بعد بعثهم إلى الوجوب والضرورة، وبناء على الخبر الصادق الذي جاء به خاتم الرسل بأنه لا نبي بعده؛ يقع مجيء الرسل بعد ذلك في حد الامتناع.

وفي بداية تناوله لقضية النبوة يستعرض أبرز حجج منكريها التي وصلت إليه، وهي بطبيعة الحال حجج صادرة عن مؤمن بالإله منكر للنبوة، وأبرز حججهم أن إرسال الرسل إلى أقوام قد يكذبونهم من العبث الذي لا يليق بالحكيم، وما يقال عن أن غاية إرسال الرسل إخراج الناس من الضلال إلى الهدى كان الأولى منه اضطرار عقولهم إلى الإيمان وزرع الهداية فيها.

ويرى ابن حزم أن حججهم متهافتة، فإرسال الرسل لا يستلزم محو الكفر والتكذيب، وجمع البشر على طاعة الباري، وكما كذب قوم الرسل، فقد صدقهم أقوام، وكما يقر منكرو بعث الرسل أن وجود الجحود بمشيئة الله، فكذلك إرسال الرسل بمشيئة الله وهي من دلائله التي خلقها ليدل بها على توحيده، كما إن قولهم باضطرار العقول إلى الإيمان مردود، فإرادة الله اقتضت ألا تدع الخلق بعد خلقهم، فإرسال الرسل من مظاهر العناية الربانية بالخلق.

ويؤكد ابن حزم أن أفعال الباري ليست لعلة، بخلاف أفعال جميع الخلق وأنه لا يقال في شيء من أفعاله تعالى أنه فعل كذا لعلة، فليس لأحد أن يقول لم خلق الإنسان ناطقاً وحرم الحمار النطق، وهكذا إذا بعث تعالى الأنبياء ليس لأحد أن يقول لم بعثهم، أو لم بعث هذا الرجل ولم يبعث هذا الآخر، ولا لم بعثهم في هذا الزمان دون غيره من الأزمان، ولا لم بعثهم في هذا المكان دون غيره من الأمكنة، تعالى الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

فالنبوة تقع في حد الإمكان وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة إلا أنه شاء ذلك فعلمهم العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له.

ثم يتحدث ابن حزم عن ضرورة النبوة فالنبوة –وما يرافقها من وحي- هي من الضرورات المعرفية للبشرية لتستقيم حياتها، فالبشر محتاجون للشرائع التي يأتي بها الأنبياء، وحياة البشر لا تستقيم بلا نبوة، والإقرار بوجود الخالق؛ يقتضي الإقرار بالنبوة، ذلك أن بعثة الله للرسل هي بعض دلائله التي خلقها تعالى ليدل بها على المعرفة به تعالى وعلى توحيده.

 وعن ضرورة النبوة للبشرية يمثِّل ابن حزم لذلك بالعلوم والصناعات التي لا يمكن أن يهتدي أحد إليها بطبعه دون تعليم كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها وتنوعها وعلاجها، فحتى تصل الإنسانية إلى معرفة ذلك تحتاج إلى تجارب تستغرق عشرات آلاف السنين، لأن ذلك يتطلب تجريباً واستقراءً لكل حالة وهذا يقطع دونه قواطع الموت والانشغال بشؤون الحياة والممات، ومثل ذلك الكثير من المعارف التي حصلت عليها البشرية، فلا سبيل إلى اختراع هذه المعارف وابتداء معرفتها بدون هداية، فهي لم تكن إلا بوحي من الله تعالى، ليخلص من ذلك إلى القول: أنه لابد من إنسان واحد فأكثر علَّمهم الله تعالى ابتداء كل هذا دون معلم عن طريق الوحي، وهذه وظيفة النبوة، وعليه فلا بد من نبي أو أنبياء بالضرورة . وهو هنا يؤكد أنه يتحدث عن بداية المعرفة وتشكيلها والهداية إليها، وليس تطويرها المتراكم.

وممن استفاد من حجة ابن حزم هذه لاحقا توما الأكويني، حيث أدخلها في علم الإلهيات عند المدرسيّين كما يقول آنخل بالنثيا -مؤلف تاريخ الفكر الأندلسي- وما ساقه ابن حزم عن ضرورة النبوة ومثَّل عليه بمعارف البشر العادية، فهو في أمور الدين الغيبية أشد ضرورة، وأكثر إلحاحاً، فالوحي هو مصدر المعرفة للدنيا ابتداءً، وللدين على الدوام.

وبما أن دعوى النبوة من الدعوات الجريئة، كان لا بدَّ لها من علامات تؤكد صدق مدعي النبوة، وقد أجمل ابن حزم براهين النبوة في أربع وهي:

1- اختراع الجوهر من العدم: كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

2- قلب الأعيان وإحالة الطبائع: كقلب العصا حية، وإحياء الموتى.

3- إحالة الأعراض التي لا تزول إلا بفساد حاملها: كسواد الزنجي فهذا لا يقدر عليه أحد دون الله.

4- إحالة الذاتيات: كمن سقى مريضاً ما يضر فيبرء.

 فمن أتى بأحد هذه البراهين، وجب الإيمان به والإقرار بنبوته، وهذه البراهين هي التي دعت اليهود للإقرار بنبوة موسى، وهي التي دعت النصارى للإقرار بنبوة موسى وعيسى، وبمثلها جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فوجب عليهم الإقرار بنبوته كما أقروا بالنبوات قبله.

ويلاحظ هنا أن ابن حزم يولي اهتماماً خاصاً بالمعجزة، فهي دليل على صدق مدعي النبوة وما سيترتب عليها لاحقاً من الخبر الصادق الذي جاء به النبي، ويؤكد ابن حزم أن اليقين بتصديق النبي من خلال المعجزة لمن شاهدها، هو في ميزان العقل كذلك عند من لم يشاهدها، لأنها نقلت بالتواتر ممن استشعرها ببدايات العقول وبدايات معارف النفوس وأقر أنه لا سبيل إلى إنكارها، وقضية اشتراط معاينة المعجزة لمن لم يشاهدها لا معنى له، لأن ذلك يعني أنه لا يصدق المرء إلا ما وقع تحت بصره وهذا مرفوض معرفياً.

ومما يلفت النظر في تأكيد ابن حزم على أهمية المعجزات في دعاوى الأنبياء، أنها رؤية معاكسة للاتجاه الذي سلكه بعض المعاصرين من التقليل من قيمة المعجزات أو تأويلها، ولعل ذلك راجع لسياق الخطاب مع الغرب الليبرالي، والبحث عن استيعاب مكتسبات التقدم والحداثة في خطاب هؤلاء المعاصرين.

ومن الأمور التي يشير لها ابن حزم استحالة أن يأمر نبي اتباعه بعدم الإيمان بنبوة غيره، لأنه بذلك يبطل نبوته، ذلك أن سبب تصديقه والإيمان بنبوته هو ما جاء به من برهان (معجزة)، فلو أمر أتباعه بعدم تصديق من يأتي بذات البرهان (المعجزة) فهذا يعني أنه يدعو لعدم التصديق بالبرهان الذي جاء به هو أيضاً.

ومن الفرضيات التي يسوقها ابن حزم لو أن اليهود استشهدوا مثلاً بحديث «لا نبي بعدي» على أنه لا نبي بعد موسى عليه السلام، ويجيب على هذه الفرضية أن اليهود لم يدعوا ذلك لموسى عليه السلام، لكن النبي الخاتم قال ذلك ومن تمام التصديق بخبره بعد اكتمال براهين نبوته الإقرار بامتناع النبوة بعده، وعليه فلن يظهر برهان من براهين النبوة بعده بوجه من الوجوه، لكن براهين النبوة ظهرت بعد موسى عليه السلام، فوجب على اليهود كما أقروا بنبوة موسى بناء على البراهين التي جاء به أن يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه جاء بذات البراهين.

وحديث ابن حزم عن امتناع النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم يذكرني بكلام الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، إذ يقول: آية ختم النبوة صدقتها الأيام المتتابعة فها قد مضت أربعة عشر قرناً وما نزل من السماء وحي. وقد حاول الاستعمار الأوروبي أن يضع يده على مخبول في الهند وآخر في إيران ليصنع منهما أنبياء يكابر بهما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهيهات هيهات فإن الأوروبيين أنفسهم احتقروا الرجل الذي صنعوه فما تبع أحدهم نبي الهند ولا نبي العجم، وبدأت اللعبة تنكشف ويفر عنها المستغفلون!

المعجزة والكرامة والسحر
العالم من جوهر وعرض، فالجواهر وتغييرها كما في النقاط الأربع السالفة، لا يمكن فعلها إلا بالمعجزة، وأما السحر فيمكنه إما تغيير الأعراض التي لا يفسد حاملها كتنفير الحيوان عن مكان ما فلا يقربه، أو التخييل بنمط من الخداع.

فالذي يأتي به الأنبياء عليهم السلام هو إحالة الذاتيات وهذه لا تثبت إلا لنبي، ولا يمكن لغير الأنبياء سواء كانوا سحرة أو فضلاء إحالة الذاتيات، بمعنى أن ابن حزم ينكر كرامات الأولياء، غير أنه يجيز أن تظهر المعجزة في غير شخص النبي تصديقاً له شريطة أن يكون ذلك في عصره وزمانه وليس بعد موته، كالجذع الذي ظهر فيه الحنين والذراع الذي ظهر فيه النطق والعصا التي ظهرت فيها الحياة وسواء كان الذي ظهرت فيه الآية صالحاً أو فاسقاً وذلك كنحو النور الذي ظهر في سوط الطفيل بن عمرو بن حممه الدوسي وبرهان ذلك أنه لم يظهر فيه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

فابن حزم يجيز أن تظهر المعجزة في غير نبي لكن في عصره لتكون آية لذلك النبي لكنه لا يجيز ظهورها بعد موت النبي لتكون آية له أيضاً، لما في تلك الدعوى من الإشكال والتلبيس لا سيما أن الله تعالى أخبرنا بأنه قد بين علينا الرشد من الغي.

ويؤوِّل ابن حزم بعض الروايات ومنها قصة الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وانفرجت الصخرة ثلثاً ثلثاً عندما ذكروا من أعمالهم بقوله: إن تكسير الصخرة ممكن في كل وقت ولكل أحد بلا إعجاز وما كان هكذا فجائز وقوعه بالدعاء وبغير الدعاء لكن وقع وفاقاً لتمنيه كمن دعا في موت عدوه أو تفريج همه أو بلوغ أمنيته في دنياه، ويسوق ابن حزم قصة حدثه بها حكم بن منذر بن سعيد أن أباه كان في جماعة في سفرة في صحراء فعطشوا وأيقنوا بالهلكة ونزلوا في ظل جبل ينتظرون الموت قال فأسند رأسه إلى حجر ناتئ فتأذى به فقلعه فاندفع الماء العذب من تحته فشربوا وتزودا، ويؤكد ابن حزم أن مثل هذا كثير لكنه ليس من جنس المعجزات.

من ملامح الإعجاز القرآني: مظهر جلال الربوبية

محمد الريس


يترك القرآن الكريم أثراً في نفس المثقف والعامي، سواء الذي علم التفسير وفهم أبعاد آيِ القرآن أو الذي اقتصر فهمه على معاني بضع آياتٍ وغابَ عنه تفسير معظمها، وأبعد من ذلك ترى أن القرآن قد أحدث خشوعاً ورهبةً في قلوب الشيوخ والشبان والأطفال[1] فلا يقع كلامه على أسماعهم إلا وتراهم خاشعين متأملين، ثم يظهر لكَ هذا الإعجاز ظهوراً واضحاً جليَّاً عندما تعلم أن هناك من الغربيين[2] الذين لا يفقهون اللغة العربية ولا يجيدونها لم يكد يقع كلامُ الله على أسماعهم حتى يسيطر عليهم الخشوع وتنهال منهم الدموع.[3]

وتتساءل في نفسك لم؟ فيأتيك الجواب بعدَ شيءٍ من التأمل: لأنه كلام الله خالقُ النفس البشرية العالمُ بها وبأسرارها، العارف كيف يحدث فيها خشوعاً ورهبانيةً وكيف يجعلها تذل وتخضع، فلا تكاد تجد كلاماً يرجعها إليه إلا وتقبلُ عليه إقبالاً لا إدبار بعده، وذلك إن لم يخالطها كبرٌ يُطغي أو هوىً يُعمي، وهذا الإقبالُ عينه تجده عند المسلمين الجدد الذين لم يجدوا لحياتهم معنىً إلا عندما اعتنقوا الإسلام وأقبلوا على القرآن، فهم لا يغبطون المسلمين العرب على شيء كما يغبطونهم على كون لغتهم هي لغة القرآن الكريم.

إنه كلام الله النازل من السماء، العارفُ طريقه إلى القلب، وحق له ذلك إذ لم يتلوث بطينية البشر.

ولعل الشيخ سعيد البوطي هو أول من تطرق لهذا الإعجاز بهذا اللفظ في كتابه من روائع القرآن، وإن كان الشيخ محمد الغزالي قد تطرق له معنىً في كتابه نظرات في القرآن عندما أدرجه تحت الإعجاز البياني.

يقول البوطي إذا أردت لمس هذ الإعجاز حقيقةً فانظر إلى الآيات التي يتكلم فيها الله عزّ وجلّ عن ذاته آمراً أو ناهياً أو مخبراً، فإذا تأملت فيها، رأيتها تتسم بجلال الربوبية وصفات الألوهية، ولم تجد فيها أي معنى من المعاني البشرية والصفات الإنسانية. إليك بعضها:

{فَورَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا} [مريم: 68 – 72].
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى} [طه: 14 – 17].

أمّا إنّ الطبع لغلّاب، وليقم أي فرعون من الفراعنة المتألهين أو المتجبرين، ثم ليجرب أن ينطق بمثل هذا الكلام الذي يتنزل من عرش الربوبية ويغمر النفس بالرهبة والجلال، فإن لسانه سيدور في فمه على غير هدى، وإذا تكلم فسيأتي بكلام يكشف بعضه بعضا فيه محاولة التمثيل وليست فيه صنعته إذ هو مما لا يسلس القياد فيه لتصنّع ولا لتمثيل.

وانظر، فقد صوّر الله لنا بمحكم بيانه المعجز ألوهية فرعون الزائفة، وكلامه الذي حاول أن يبثّ فيه دعوى ألوهيته وربوبيته، وصوّر لنا من خلال ذلك كيف أن كلامه جاء تكذيبا لطموحه وربوبيته الزائفة. وذلك عندما قال عنه:

{وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ} [القصص: 38]. [من روائع القرآن: ص157-159].

إنه يدعي أنه رب ولا إله غيره ثم يبحث عن الأسباب والوسائل التي تمكنه من الصعود إلى السماء!

أيُّ إلهٍ هذا الذي يعجز عن الوصول إلى نتيجةٍ ما دون الأخذ بأسبابها؟!

ثم يقول “لعلّي” فهو يرجو! وطالما يرجو فإنه غير مستيقنٍ من قدرته على تحقيق ما يريد!

أيخرج من رب هكذا كلام؟ أم يكون إله بهذا الحال الذي يستجلب الشفقة والتعاطف؟

إنها الطبيعة البشرية التي تحول بين العبد ودعواه الكاذبة، وتظهر حقيقته وتكشف خباياه مهما ألبس نفسه من أثواب الكبرياء والتجبر والألوهية.

وأختم بما حدث مع الوليد عندما التقى بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، فالحقُّ ما شهدت به الأعداءُ: روي أن الوليد بن المغيرة -وهو من زعماء الكفر في مكة- جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، واستمع إلى ما يتلو من هذا القرآن فلما أنصت وتدبر، كأنما رق له قلبه، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه وقال له:

يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوك إياه، فإنك أتيت محمداً وملت إلى دينه…!

قال الوليد مستنكراً عرض المال عليه: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً.

قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك، فيعلمون أنك مكذب له وكاره.

قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر، ولا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن.

والله ما يشبه الذي يقوله محمد شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.

وغضب أبو جهل لهذه الشهادة، وعاد مُلحَّاً على الوليد: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟

فقال الوليد: دعني أفكر.

وفكر الوليد، ثم أراد أن يُسكتَ صوت الحق الخافت الذي يخرج من نفسه هامساً في أذنه أن ذلك كلام الله خالقك، فقال: هذا سحر.

وفي هذا الحوار نزل قوله عز وجل: {كلا إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر، سأصليه سقر} [المدثر: 17-26].

_____________________________________________________

[1] https://www.youtube.com/watch?v=eKq_Xk62gIE

[2] https://www.youtube.com/watch?v=yM7AHoao61I

[3] https://www.youtube.com/watch?v=0VEj85Nuj8E

 ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (3 من 3)

فداء ياسر الجندي


نتابع في هذا المقال الثالث والأخير، ما بدأناه في المقالين السابقين من مراجعة لكتاب (السيرة مستمرة)، ونخصص هذا المقال لبيان بعض ما نحسبه أخطاء أو عثرات وقع فيها الدكتور أحمد خيري العمري.

يقول العمري في مقدمة الكتاب: “كان التسييس واحدة من أهم الكوارث التي منيت بها السيرة في نسختها المعاصرة السائدة”[1]، كوارث؟ هكذا بجرة قلم ينتقد العمري كل من كتب في السيرة المعاصرة لأنها تحوي “كوارث”، وكأنه يريد أن يقول للقراء: لا تقرؤوا السيرة عند غيري فقد جئتكم بسيرة صافية لا كوارث فيها، ولم يأت العمري بدليل واحد على تلك الكوارث،  بل لم يأت بدليل على “أهم الكوارث” برأيه، وهي تسييس السيرة، وهي تهمة عممها على كل من كتب السيرة، وزعم أنه حسب هذا التسييس “يبدو الرسول عليه الصلاة والسلام مؤسسا لحزب أو حركة سياسية سرية في المرحلة المكية”، ويؤكد ذلك من جديد في الصفحة 177 فيقول: “الدعوة إلى الإسلام لم تكن حركة حزبية تسيرها قرارات حزبية صارمة، كما يحلو للبعض تصويرها والترويج لها”، ولنا أن نتساءل: من هم هؤلاء “البعض” كتاب السيرة المعاصرة؟ فلدينا مثلاً الخضري والصلابي والمباركفوري والبوطي والغزالي وطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب الكيلاني وأبو الحسن الندوي وغيرهم كثير، ولم نجد أحداً منهم قد قال أو ألمح أو أشار إلى إن رسول الله كان “مؤسسا لحزب سري في مكة”.

مصطفى العقاد، مخرج أم مؤرخ؟
يقول العمري “يعتبر المخرج الراحل مصطفى العقاد صاحب فيلم الرسالة أفضل كاتب سيرة معاصر”، وهذا زعم غير صحيح إطلاقاً، فالعقاد رحمه الله لم يكن كاتب سيرة إنما كان مخرجاً، وفيلم الرسالة، رغم أنه كان في زمنه اختراقا وإنجازاً عظيماً، لأنه أول إنتاج سينمائي بتقنيات هوليودية يتناول السيرة النبوية، وكان له تأثير إيجابي عندما عرض في الغرب، غير أن العقاد ليست له أي يد في انتقاء وكتابة مادته التاريخية، ولاننصح إطلاقاً بأن يكون هذا الفيلم مرجعاً تاريخيا لمن يريد دراسة السيرة، لأن هذا الفيلم على جودته يحوي كثيراً من الأخطاء التاريخية المتعلقة بالسيرة النبوية، ليس هذا مجال تعدادها ونقدها. 

لماذا انتصر المسلمون في الفتوحات
يزعم  العمري أكثر من مرة في ثنايا سيرته، أن انتصار الفتوحات الإسلامية كان سهلاً بسبب ضعف الفرس والروم، ويقول في الصفحة 36 عن حرب الروم والفرس: “كان ذلك مؤشراً لاندلاع حرب دامت قرابة العشرين عاماً، بين الإمبراطوريتين بين عامي 572 و591 ميلادية، وقد مهدت هذه الحرب لحرب أخرى لاحقة، ستنهك الطرفين على نحو يسهل لقوة جديدة ثالثة أن تكسرهما معاً”، ويكرر هذا الزعم في الصفحة 413 فيقول عن الفرس: “ولم يكونوا يعرفون أن حالة الحرب المستمرة بينهم وبين البيزنطيين تجعلهم منهكين على نحو يفسح المجال للقوة الجديدة التي كانت لم تظهر بعد”، ويكفينا تفنيداً لهذا الزعم أن نقول للعمري: دلنا على معركة واحدة فقط من معارك الفتوحات، كان فيها عدد المقاتلين المسلمين يصل إلى ربع عدد المقاتلين من الروم أو الفرس، وعندها سنصدق هذا الزعم، ألا ما أسعد المستشرقين والمغرضين بما تقول.

ما هكذا تكون السيرة “مختلفة”
أول جملة في تعريف العمري لكتابه هي أنه ينقلك للسيرة “على نحو مختلف تماما عن كل ما عرفته عن السيرة سابقاً”، وويبدو أنه حتى يثبت أن سيرته (مختلفة)، لم يفوت فرصة في أن يحشد فيها تعبيرات حديثة، السيرة في غنى عنها، لأن في لغتنا ما يكفينا، من ذلك مثلاً وصفه لميله صلى الله عليه وسلم إلى العزلة قبل بدء الوحي بأنه كان  “خياراً تكتيكياً استراتيجياً”، وعنونة أحد فصول الكتاب: “قريش على صفيح ساخن”، وفصل آخر: “الأوائل: سيكولوجيا وسيسولوجيا”،  ووصف إسلام سيدنا عمر بأنه كان (بيضة القبان) وتكراره المستمر لمصطلح “كاريزما النبوة”، وكل ذلك يهون أمام استخدامه مصطلحاً لا يمكن قبوله في سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام، بل لا يمكن قبوله في لغتنا العربية، وهو مصطلح تحاول الأمم المتحدة فرضه في أدبياتها على شعوب العالم، لتنسف كل الأسس التي قامت عليها المجتمعات الإنسانية والقيم والحضارة، وذلك من خلال التلاعب بأهم وأعمق وأخطر الخصائص النفسية للفرد الإنساني سواء كان ذكراً أم أنثى، وهو مصطلح (الجندر Gender)، ولن نخوض هنا في معنى هذا المصطلح، ولكن نقول باختصار إنه يفصل بين الخصائص الفيزيولوجية وبين الخصائص النفسية للذكورة والأنوثة، وغايته النهائية تحويل الشذوذ الجنسي إلى مفهوم مقبول، وقد أثار هذا المصطلح  اعتراضات كثيرة عند طرحه لأول مرة في مؤتمر القاهرة للسكان عام 1994،  لذلك فإن إدخال هذه اللفظة إلى لغتنا أمر غير مقبول إطلاقاً، وعلينا أن نرفض إدخاله قواميسنا واستخدامه في لغتنا، ويصبح ممجوداً ومرفوضاً بشكل أكبرإذا تم استخدامه في السيرة النبوية مهما كان سياق هذه الاستخدام، لذلك لا ندري ما هو مسوغ قول العمري في الصفحة 100 عن علاقته عليه الصلاة والسلام بالسيدة خديجة: “فدورها كان عابرا للجندر Gender وتمييزاته وفروقه”، فليس من المقبول إطلاقاً أن يقوم العمري بالترويج لهذا المصطلح الدخيل المرفوض في كتاب يتناول سيرته عليه الصلاة والسلام، ولا في أي كتاب آخر، مهما كان السياق والقصد، علماً بأن السياق أيضاً مرفوض تماماً، فما هكذا نتحدث عن علاقة نبينا عليه الصلاة والسلام بأمنا خديجة رضي الله عنها.                    

دلائل النبوة أم كاريزما النبوة؟
ذكرنا آنفاً أن من  المصطلحات التي استخدمها العمري لتكون سيرته (مختلفة تماماً) مصطلح (كاريزما النبوة)، مستبدلاً به ما درج كتاب السيرة على استخدامه مثل فضائل النبوة وشمائل النبوة وغيرها، وجعل هذا المصطلح عنوانا لفصل من سيرته، يتحدث فيه  بشكل أساسي عن أسباب الجاذبية التي كان يتمتع بها عليه الصلاة والسلام، فتجعله مؤثراً فيمن حوله، محبباً إلى كل من يراه أو يسمع منه، وذكر من ذلك صدقه وأمانته عليه الصلاة والسلام، وشرع فيما يشبه تحليلاً نفسياً لا نراه لائقاً بمقام النبوة، ولا نريد الخوض فيه، ولكن الذي عجبنا منه أن العمري لم يتطرق في هذا الفصل إلى ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم حول ذلك، وهو قوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وقوله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، وفي كلام الله وتفسيره ما يغني عن قول كل قائل في أسباب جاذبيته عليه الصلاة والسلام.

أبو الحسن الندوي

الوحي هو مصدر علم الأنبياء
يقول العمري في الصفحة 47: “لقد عمل الرسول الكريم على نفسه وسلوكه وأخلاقه على نحو جعله يكون مؤهلاً لاحقاً لأعظم أمانة تحملها بشر على الإطلاق، أمانة الرسالة الأخيرة”، ولعمري إن مثل هذه العبارة قد تقال في طالب تخرج للتو من الجامعة (فعمل على نفسه) ليكون متفوقاً في مهنته، أما قول ذلك في نبي اصطفاه الله تعالى ليبلغ رسالته فأمر غير مقبول ولا يليق بمقام النبوة، ونرد هنا بما يقول العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن الكريم)[2]: “إن أول وأهم ما يمتاز به معشر الأنبياء، أن العلم الذي ينشرونه بين الناس، والعقيدة التي يدعون إليها، والدعوة التي يقومون بها، لا تنبع من ذكائهم أو حميّتهم أو تألمهم بالوضع المزري الذي يعيشون فيها أو من شعورهم الدقيق الحساس، وقلبهم الرقيق الفياض، أو تجاربهم الواسعة الحكيمة، لاشيء من ذلك، إنما مصدره الوحي والرسالة التي يصطفون لها ويكرمون بها، فلا يقاسون أبداً على الحكماء أو الزعماء أو المصلحين، وجميع أصناف القادة التي جربتهم البشرية، وتاريخ الإصلاح والكفاح الطويل، والذي هو نتيجة بيئتهم وغرس حكمتهم وصدى محيطهم ورد فعل لما يجيش به مجتمعهم من فساد وفوضى، والقول الفصل في ذلك قول القرآن على لسان سيد الرسل صلى الله عليه وسلم: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} وقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}، وقوله تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك}.

صدق الندوي، نعم، قول الله هو القول الفصل، وبناء على ذلك فإنه من غير المقبول واللائق، وكدت أقول إنه من قلة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، أن نتكلم عنه بعيداً عن تلك الحقيقة، حقيقة أن مصدر دعوته عليه الصلاة والسلام وكل ما يتعلق بها هو الوحي، وليس خبرته العملية أو ما مر به من حوادث،  فليس من المقبول أن يقول العمري مثلاً: “حرب الفجار وحلف الفضول كانا مثل درس عميق لا بد أنه عليه الصلاة والسلام استوعبه عن الحرب والسلام.. الحرب ليست أول الحلول حتماً لكن السلام عندما يأتي يجب أن يكون عادلا.. بدهيات ربما لا يمكن الوصول لها إلا بعد أن تمر بتجربتي الحرب والسلام”.[3]

من كان متصلاً بالوحي لا يحتاج دروساً وتجارب، ماذا كانت تجربته عليه الصلاة والسلام عندما وصل المدينة فأقام دولة؟ صدق سبحانه إذ قال له: {وعلمك مالم تكن تعلم}، وماذا كانت تجربة نبي الله موسى عندما ناداه الله تعالى ليلاً من جانب الطور؟ قد تربى في قصر فرعون كابن له، ثم عمل راعياً للغنم ثمان سنوات في المنفى، فناداه الله تعالى ليلاً من جانب الطور وأرسله إلى أعظم دولة في زمانها، وأشد الملوك سطوة على الأرض في زمانه، وليس من المقبول أن يقال في حقه عليه الصلاة والسلام: “هذا الصدق مع النفس هو الأساس لكل تلك الرحلة التي أهلته عليه الصلاة والسلام ليكون الرسول الخاتم”[4]، فالأساس هو الوحي ورعاية الله له، الله الذي قال له: {فإنك بأعيننا}، ولا يقبل أن يقال: “كان خيار الحبشة موفقاً”[5]، وهل كانت له عليه الصلاة والسلام خيارات غير موفقة وهو الذي “لا ينطق عن الهوى”؟، ولا يقبل أن  يقال: “ثمة صراع في داخل ذلك العالم المحمدي، صراع في داخل نفس أكمل البشر؟ نعم لأنه لم يصبح أكمل البشر إلا بوجود صراع كهذا”، ونقول: بل أصبح أكمل البشر لأن الله تعالى اصطفاه وأرسله وأوحى إليه وصنعه على عينه.

وهكذا، فإن المتصفح لسيرة العمري سيجد الكثير من أمثال هذه العبارات التي تتحدث عنه صلى الله عليه وسلم، بما لا يتناسب مع مقام النبوة ومفرداتها.

هجرة الحبشة والهجرات المعاصرة.. هل تصح المقارنة؟
يقول في التعليق على هجرة الحبشة، مقارناً إياها بهجرة المسلمين اليوم إلى بلاد الغرب: “ترى هل فكروا وهم يهاجرون اليوم أن دينهم سيضيع هناك، تراهم فكروا كما نفكر بأن أولادهم سيكبرون في الغربة معوجي اللسان، تراهم تصوروا ولو لوهلة أن هناك من المسلمين في أجيال لاحقة سيتداول فتاوى تحرم ما أمرهم به الرسول يوم قال لهم أن يذهبوا إلى من لا يظلم عنده أحد”[6]، ما هذه المقارنة العرجاء؟ لقد هاجر المسلمون آنذاك هجرة مؤقتة من أرض الكفر وفرارا من العذاب وحفاظاً على الدين، وعادوا عندما أمنوا على دينهم في أول فرصة سنحت لهم، وقد كانت عودتهم فرحة كبرى لرسول الله، حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال مبتهجاً عندما رجعوا يقودهم جعفر بن أبي طالب، “والله ما أدري بأيّهما أفرح؟! بفتح خيبر أم بقدوم جعفر”[7]، وكان أول عمل قام به جعفر أن كان أحد القادة الثلاثة الذين خاضوا غزوة مؤته واستشهدوا فيها، أما الفتوى التي يتحدث عنها العمري، فهي موجهة لغير المضطرين، الذين يتركون بلاد الإسلام  طمعاً في جنسية أو جواز سفر، فيذوبون هناك، وإن نجحوا في الحفاظ على دينهم وتراثهم فقل وداعاً للجيل التالي ومن بعده، أهؤلاء يقارنهم العمري بسيدنا جعفر وصحبه؟

أبو طالب يريد الذهاب إلى النار!
يقول العمري في سياق الحديث عن مشهد احتضار أبي طالب: “عملياً كان أبو طالب واعياً تقريباً أنه يريد أن يذهب إلى النار فقط ليرضي أباه”[8]، ونقول:  وهل كان أبو طالب يؤمن أصلاً بوجود جنة ونار؟ وأي عاقل يصدق أنه لو كان حقاً يؤمن بالنار فلن يقول كلمة تنقذه منها وأنه سيقذف نفسه فيها للأبد من أجل رضى أبيه الميت؟ وهل كان أبو طالب يعتقد أن أباه سيبلغه موقفه هذا؟ 

 ثم يذكر العمري ما رواه الشيخان: “فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك”، ولا يذكر بقية الحديث وهي: فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}!

لماذا السعي لمخالفة الغير؟
يلاحظ من يقرأ كتاب العمري، جنوحاً في بعض المواقف إلى التمسك بما يخالف الآراء المعتمدة والمثبتة بروايات صحيحة ونذكر أطرافاً من ذلك بإيجاز:

  • يعتمد الكتاب رواية لا تصح، تقول إنه كان من المسلمين من ارتد في مكة لعدم تصديقهم بحادثة الإسراء والمعراج وحاربوا مع المشركين في غزوة بدر، ويعتمد في ذلك على حديث عن السيدة عائشة، ولكنه حديث منكر، وعلى حديث في مسند أحمد، ولكن ذاك الحديث لا يدل على ارتداد أحد، بل يدل على إصرار نفر ممن كانوا كفاراً أصلا على كفرهم بعد الحادثة.[9] علماً بأنه لم يصلنا اسم واحد من أسماء هؤلاء المرتدين المزعومين.
  • كما يعتمد الرأي الشاذ في قوله تعالى {نون والقلم وما يسطرون}، والذي يقول إن نون هنا ليست من الحروف المقطعة بل تدل على الحوت، والآثار الواردة بهذا التفسير لا يصح منها شيء، وهل يكون سياق مطلع السورة إذن هكذا: (حوت والقلم وما يسطرون)؟ ويربط ذلك بشكل فيه الكثير من التمحل بحادثة سيدنا يونس في بطن الحوت.
  • يبرر سرية الدعوة في مكة بأنها كانت بشكل أساسي لتجنب السخرية، رغم أن المعلوم والذي يتفق عليه المؤرخون وكتّاب السير أن السبب الأول لسرية الدعوة هو اتقاء بطش كفار قريش، وهل حصلت هجرتان إلى الحبشة خوفا من السخرية أم من البطش؟
  • يخالف جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى {عم يتساءلون عن النبأ العظيم}، فيرده إلى نبأ كانت قريش تحدس به[10] ولكن لم تكن تعرف ما هو، والنبأ العظيم حسب أقوال الغالبية العظمى من المفسرين، وحسب الكثير من الآثار والنقول، هو القرآن الكريم أو البعث والحساب، وليس حدثاً تنتظره قريش.
  • خلت سيرة الدكتور العمري من الكثير من أخبار الصحابة في العصر المكي، وهي أخبار لا بد منها لتكون السيرة مكتملة، ولتعطي صورة واضحة عن الأحداث، وكتب السيرة عادة لا تخلو من مثل تلك الأخبار لأنها جزء لا يتجزأ من أحداث السيرة.

وأخيراً، فلا نعلق على ما في الكتاب من احتمالات “أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد فكر بهذا، أو تذكر هذا، أو ربط هذا بهذا”[11]، ونترك الفتوى في جواز الكتابة في هذه الاحتمالات من عدمه لأهل العلم، ولكن في ضوء ما رأيناه من مآخذ على الكتاب، نهمس في أذن الصديق الدكتور أحمد خيري العمري ونقول له: ما هكذا تستمر السيرة!

__________________________________________________

الهوامش

[1] السيرة مستمرة، ص 12

[2] النبوة والأنبياء في ضوء القرآن الكريم، لأبي الحسن الندوي، طبعة بيروت، ص 43-44

[3] السيرة مستمرة، ص 80

[4] السيرة مستمرة، ص 90

[5] المصدر السابق ص 255

[6] المصدر السابق ص 265-266

[7] رواه الحاكم وصححه

[8] السيرة مستمرة، ص 315

[9] مسند الإمام أحمد، حديث رقم 3546، وفي بصه قول الكافرين: “نحن لا نصدق محمداً بما يقول فارتدوا كفاراً”، فالنص يدل بوضوح على أنه أصلا لم يكونوا مؤمنين لما سمعوا رواية الحادثة منه صلى الله عليه وسلم وأنهم ارتدوا إلى كفرهم بعد سماعهم معجزة الإسراء وإثباتها لهم بوصف المسجد الأقصى من قبل رسول الله، فارتدوا إلى كفرهم بدل أن يؤمنوا,

[10] السيرة مستمرة، ص 413

[11] السيرة مستمرة ص 15

 ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (2 من 3)

فداء ياسر الجندي


نتابع في هذا المقال ما بدأناه في مقالنا السابق، حول الرد على تشكيك الدكتور أحمد خيري العمري بوقوع حادثة انشقاق القمر، وقد بينا في المقال الماضي أن الحادثة متواترة وهناك إجماع من كل المفسرين عليها وأن زعم العمري بأن إنكارها كان (سائدا ومتداولاً) منذ عهد التابعين لا أساس له من الصحة.

وقد توقفنا عند قول العمري: “أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك شاهد عيان من الصحابة إلا شاهد واحد فقط هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي واحد آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر؟”[1]
وقلنا إن هذا هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ووعدنا قراءنا الكرام ببيان ذلك في مقالنا هذا.

تشكيك في رواية عبد الله بن مسعود
نقول بعد الاتكال على الله: هذا الاستغراب فيه تشكيك في الرواية كلها، ولا يفهم منه إلا أنه اتهام لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه بأنه متوهم أو ملفق أو (حاشاه) كاذب؟ حتى لو فرضنا جدلاً أن الحديث لم يروه إلا سيدنا عبد الله بن مسعود، وذلك لأسباب عديدة:

أولها: أن طرق رواية الحادثة عن ابن مسعود رضوان الله عليه، متواترة، فقد أخرج الحديث  البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن، كل منهم بأسانيد عديدة صحيحة تصل لسيدنا ابن مسعود، فلا يمكن التشكيك إطلاقاً في نسبة الحديث إلى سيدنا عبد الله بن مسعود، فالتشكيك في الحديث تشكيك في صحابي جليل.

وثانيها: أن سيدنا ابن مسعود قال في نص الحديث: (كنا مع رسول الله) فقوله هذا الذي وصلنا بالتواتر عنه رضي الله عنه دليل على أن الحادثة شهدها جمع من الناس وليس ابن مسعود وحده.

وثالثها: أن كثيرا من الأحاديث والحوادث شهدها عدد  من الصحابة وأحياناً جموع منهم، ولكنها لم تصل إلينا بسند صحيح إلا من صحابي واحد أو اثنين، لأسباب عديدة، مجال بحثها علم مصطلح الحديث،[2] فهل يريد العمري منا أن نشكك بكل حديث حضره جمع ولم يروه إلا صحابي واحد حتى لو كان سنده ورواياته في غاية القوة إلى الصحابة مثل هذا الحديث؟ وحتى لو رواه صحابة كثر بعضهم عن بعض؟

ولأن هذا الأمر الأخير لا يخفى على العمري، فقد تابع التشكيك فقال: “كل من ذكر الأمر من الصحابة في أحاديث أخرى، ذكروها على ما يبدو نقلاً عن ابن مسعود، أو ربما سواه، لكن لا نعرف بالضبط”[3]

دعونا نلاحظ لغة التشكيك في السطر السابق، (على ما يبدو، ربما، لا نعرف بالضبط)، ونقول: بل نعرف بالضبط، نعرف أن الصحابة إن نقلوا عن بعضهم فنقلهم لا نشك فيه، سواء كان عن ابن مسعود أو عن غيره، ونعرف أن هناك روايات أخرى للحديث عن صحابة آخرين، منهم ابن عمر وحذيفة بن اليمان وجبير بن مطعم، ونعرف أن الصحابة تناقلوا هذه الحادثة في حياته عليه الصلاة والسلام وحياة الصحابة من بعده فما أنكرها أحد.

التشكيك في إجماع الصحابة
يتابع العمري تشكيكه فيقول: “أنس بن مالك (وحديثه متفق عليه)، لم ير انشقاق القمر في مكة لأنه كان في المدينة، وكان عمره يوم جاء الرسول عليه الصلاة والسلام مهاجراً عشر سنوات فقط، والحادثة حدثت قبل الهجرة بسنوات، (وأنس بن مالك هو الوحيد الذي قال إن انشقاق القمر قد حدث بعد طلب المشركين آية)، ابن عباس ذكر أيضاً الحادثة[4]وكذلك ابن عمر، وكلاهما لم يحضرا الأمر، (لعدم ولادة الأول في تلك الفترة، وصغر سن الثاني)”[5].

وهذا تشكيك آخر في الحديث لا أساس له من الصحة، هل يريد العمري أن يشكك في رواية ثلاثة من كبار الصحابة، لأنهم لم يشهدوا الحادثة بأنفسهم؟ لماذا رووها إذن؟ هل اخترعوا الحادثة من بنات أفكارهم أم سمعوها من الصحابة المهاجرين؟ ومن قال لك إن ابن عمر لم يشهد الحادثة عندما كان طفلاً؟ وهل أضاف أنس بن مالك بنفسه أن الحادثة حدثت بعد طلب المشركين؟ أم سمع ذلك من غيره من الصحابة؟ الصحابة يروي بعضهم عن بعض، ولا نشك أبدا في أنهم  قد سمعوها من صحابة آخرين، بل إن رواية كل من هؤلاء الثلاثة، ابن عمر وابن عباس وأنس  وغيرهم وبأقوى الأسانيد إلى كل منهم بالإضافة لرواية ابن مسعود، دليل على أنها كانت رواية مسلماً بها وشائعة بين الصحابة في عهد النبوة، ولو مشينا على منهج العمري، فعلينا أن  نشكك في حديث بدء نزول الوحي الذي روته السيدة عائشة، فهي حادثة حدثت قطعاً قبل أن تولد.

للمزيد عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها انشقاق القمر، يرجى العودة إلى مقال نبوة محمد في موسوعة السبيل.

أين بقية نص الحديث الشريف؟
يتابع العمري تشكيكه، ليوهم القارئ من جديد أن الحديث الشريف منقول عن صحابي واحد هو ابن مسعود، فيسقط عشرات الروايات الصحيحة الأخرى،  وينفي أن المشركين طلبوا آية فانشق القمر كما جاء في روايات أخرى متفق عليها، فيقول: “كل ما قاله ابن مسعود هو أن النبي كان مع مجموعة من المؤمنين في منى، وأن القمر انشق، وأن الرسول قال لهم اشهدوا، فقط، لا شيء آخر”[6].

كلا، هناك شيء آخر هام  قاله ابن مسعود في روايتي البخاري ومسلم، تجاوزه العمري هنا، وهذا نص لفظ مسلم: “بينما نحن مع رسول الله، إذا انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”[7]، وأهمية هذه الرواية الصحيحة التي التي تجاهلها العمري، أنه قال بعد أن أشبع الحادثة تشكيكاً: “لا نكذب حديث عبد الله بن مسعود أو أي من الصحابة الكرام الذين نقلوا الأمر عنه”، وهذا أمر عجيب، يطرح الشك بعد الشك، ثم يقول: لا نكذب! ويبرر ذلك برأي هو من أشد ما جاء به تهافتاً، وهو قوله بعد ذلك: “الصحابي الجليل رأى ظاهرة وسماها هو انشقاق القمر، قد تكون خسوفاً وقد تكون انعكاساً للقمر على الغيوم”[8]. نستطيع الآن أن نفهم لماذا حذف العمري قول عبد الله بن مسعود: “فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”، لأن هذه الإضافة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما رآه ابن مسعود وغيره كان انفلاقاً  للقمر، ولم يكن كسوفاً أو انعكاساً على الغيم، وعشرات الروايات الصحيحة التي وردت للحديث، عن ابن مسعود وعن غيره،  فيها واحد من لفظين: (انشق شقتين) أو (انفلق فلقتين)، وأن الجبل كان بين الفلقتين، فكيف استنتج العمري أن ما حصل كان كسوفاً؟ هل نصدق من شاهدوا الحادثة عيانا ونقلوها لنا بأصح الألفاظ وأدق الأسانيد؟ أم نصدق  العمري الذي لم يشاهدها ويزعم اليوم رجماً بالغيب  أن الأمر كسوف أو انعكاس ضوء؟

ثم يزيد من تشكيكه فيقول: “ولاشي مما رواه ابن مسعود شاهد العيان الوحيد باعتبار أن الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين، يدل على أنه عليه الصلاة والسلام قال إن هذا انشقاق للقمر”. تكرار ثم تكرار ثم تكرار للإصرار على أن الحادثة  ما شاهدها إلا صحابي واحد، وهذا غير صحيح قطعاً، فهو يناقض نفسه عندما يقول (الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين)، من هم الآخرون الذين نقل عنهم الصحابة؟ أليسوا صحابة أيضاً؟ ولماذا يشترط أن يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: “هذا انشقاق القمر؟”، هل قال موسى هذه العصا قد شقت البحر أم ألقاها ورأى الناس المعجزة؟ هل قال عليه الصلاة والسلام: هذه أصابعي ينبع منها الماء فيسقي جيشاً، أم فعل المعجزة ورآها الناس؟ ما هذا الشرط العجيب الذي لم نسمع بمثله قبل العمري!

(حس بديهي) يجعل الانشقاق كسوفاً
يختم العمري كلامه عن الحادثة فيقول: “أن تفسر حديثاً صحيحاً بطريقة تتوافق مع القرآن الكريم، ومع الحس البديهي، لا يعني أبداً أن تكذبه”.

ونقول: عجيب أنه بعد أن يلقي كل تلك الشكوك،  يكرر مرة أخرى أنه لا يكذب الحديث، (ولا تخفى دلالة هذا التكرار!)، أما قوله إن  تفسيره يتوافق مع القرآن الكريم،  فإن كان العمري يقصد زعمه أن قوله تعالى “اقتربت الساعة وانشق القمر” هو “استخدام الفعل الماضي للدلالة على ما سيحدث يوم القيامة”[9]، وهو مشابه في الحديث عن يوم القيامة  لقوله تعالى “وأزلفت الجنة للمتقين”، وقوله تعالى “ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد”، وقوله تعالى “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا”، فقد أخطأ خطأ كبيراً، ولن تنطلي هذه الخدعة على أحد، وذلك لأن الآيات التي استشهد بها على استخدام الماضي للمستقبل، في كل منها دلالة قاطعة على أنها تتكلم عن يوم القيامة، فيها نفخ في الصور، وإزلاف للجنة، وحوار بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذه الدلالة القاطعة شرط يجب أن تتوفر حتى نصرف الزمن الماضي إلى المستقبل، وهو ما لا يتوفر في آية سورة القمر.

وإن كان يقصد ما زعمه من أن الله لم يذكر تلك المعجزة إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، بينما ذكر معجزة موسى وغيرها  مرات عديدة،[10] رغم تكرر الطلب من كفار قريش بطلب المعجزات، وأن ذلك يلقي بالشك على الحادثة، فنقول: تلك حجة أوهى من أن يرد عليها، بل هي حجة لك لا عليك، الله تعالى قد ذكر معجزة الإسراء  مرة واحدة أيضا، ولم يكررها، وهل نكذب الخبر الصادق لأنك وحدك (من بين كل كتاب السيرة والمحدثين والعلماء والمفسرين) تظن أن الحادثة لو وقعت لكان على الله أن يكرر ذكرها كلما طلب الكفار آية؟!

وأما قوله إن تفسيره يتوافق مع (الحس البديهي)، فلا ندري ما المقصود بذلك، هل المقصود استنتاجه بعد خمسة عشر قرناً أن ما حدث كان كسوفاً أو ظلا للقمر على الغيوم، رغم أن كل من رأى بأم عينه وروى الحادثة قال إن هذا (انشقاق) أو (انفلاق)؟ ومتى كان (الحس البديهي) بديلاً عن الخبر الصادق واللفظ الواضح والدليل القاطع والسند شبه المتواتر والنص القرآني؟

تناقض صارخ في اعتماد الرويات
 لقد استغرق العمري ثمان صفحات من سيرته في محاولة نراها فاشلة تماماً للتشكيك في حادثة قطعية الثبوت برأي المحدثين والمؤرخين[11]، ، ولنا هنا سؤالان للعمري:

الأول: لماذا استغرقت ثمان صفحات من كتابك تحاول التشكيك في هذه الحادثة الصحيحة شبه المتواترة، وفي الوقت نفسه قبلت رواية أن الطير الأبابيل نقلت مرض الجدري لمكة، وقبلت رواية أخرى منقطعة واهية،  لدعم رواية الجدري الواهية، وهي أن  السيدة عائشة رأت في طفولتها سائق الفيل وسائسه أعميين في مكة،[12] رغم أن هذه الرواية   في غاية الضعف، أسانيدها منقطعة،  ولم ترد في أي من كتب الصحاح والسنن، ولم يروها أي صحابي آخر، أين توافق هذه الروايات مع القرآن الكريم في سورة الفيل؟ وأين توافقها مع (الحس البديهي)؟ هل فات (الحس البديهي) أن الجدري لو جاء مع الطيور لانتشرت العدوى في أهل مكة، وأن رؤية السيدة عائشة لسائق الفيل وسائسه في مكة عندما كانت طفلة أمر أقرب إلى الخيال، لأن ذلك معناه أن السائس والسائق امتد بهما العمر أكثر من خمسين سنة بعد حادثة الفيل، ولكن لم يرهما أحد من أهل مكة فيروي رؤيتهما سوى طفلة صغيرة رأتهما بعد أن بلغا من الكبر عتياً! وكيف تقبل رواية منقطعة عن السيدة عائشة عندما كانت طفلة وتبني عليها، وترفض رواية صحيحة متفقاً عليها، وصلتنا بسند قريب من التواتر عن الفتى ابن عمر حول انشقاق القمر، تؤيدها عشرات الروايات الأخرى، بحجة أنه كان طفلاً؟ أهذا هو المنهج التاريخي الذي بنيت عليه سيرتك؟  رواية واهية منقطعة لا تتوافق مع القرآن ولا مع الحس البديهي، تقبلها وتثبتها وتمر عليها مرور الكرام وكأنها حقيقة واقعة، ورواية قاطعة مثبتة تتوافق مع القرآن الكريم وأجمع على صحتها العلماء والمحدثون والمفسرون، تحشد لها شكوكاً واهية لا قيمة لها في ميزان العلم والتحقيق والتاريخ والتفسير؟ هذا التناقض يعطي فكرة عن المنهج الانتقائي المتاقض الذي اتبعه العمري في اختيار الروايات التاريخية التي بنى عليها سيرته المستمرة.

الثمرة المرة للتشكيك 
السؤال الثاني وهو الأهم، وهو الذي من أجله كتبنا هذا المقال والذي قبله في تفنيد تشكيك العمري في حادثة انشقاق القمر: ما تأثير هذا التشكيك على فئة من الشباب الناشئ الذي لم يطلع على علم مصطلح الحديث،  ولم يراجع الحادثة في المراجع التاريخية وكتب الحديث، ولم يطلع على ما جاء في كتب التفسير، هل سيعود من قراءة بحثك هذا إلا بشك في كلام المفسرين للقرآن الكريم، وشك في دلالة الآيات القرآنية، وشك في ضبط الصحابة الكرام وعدالتهم، وشك في طريقة رواية الحديث ووصوله إلينا؟
نعم، هذه الثمرة المرة  هي محصول تشكيك العمري في تلك الحادثة، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، ومن أجل هذه النتيجة المؤسفة، بسطنا القول في تفنيد تلك الشكوك في هذا المقال والذي قبله، لأن الموضوع ليس مجرد حادثة نثبتها أو ننفيها، بل موضوع تشكيك في الصحابة والحديث والمحدثين والرواة والمفسرين.
لم ينته الكلام عن سيرة العمري المستمرة، ولنا معها وقفة ثالثة وأخيرة، فانتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.

_________________________________________

الهوامش

[1] السيرة مستمرة، ص 245

[2] من ذلك باختصار شديد، التحري الشديد للمحدثين في التحقق من صحة الحديث بحيث يسقطون أي سند فيه انقطاع أو  شك، ومنها أن المكثرين من رواية الحديث من صحابة رسول الله، هم أولئك الذين كانوا شباباً على عهده عليه الصلاة والسلام، وامتد بهم العمر بعد انتقاله للرفيق الأعلى، وكانوا ممن يجلس للتدريس والرواية، وسيدنا عبد الله بن مسعود واحد من هؤلاء.

[3] السيرة مستمرة، ص 245

[4] وحديث ابن عباس أيضاً  متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.

[5] السيرة مستمرة ص 245

[6] السيرة مستمرة، ص 246

[7] صحيح مسلم، حديث رقم 288

[8] السيرة مستمرة، ص 246

[9] السيرة مستمرة، ص 243

[10] السيرة مستمرة، ص 241 وما بعدها

[11] قد بسطنا القول حول  قطعية ثبوت الحادثة ذلك في المقال السابق، ويمكن مراجعة ما نقله ابن كثير في تفسيره لسورة القمر من عشرات الروايات والأسانيد

[12] السيرة مستمرة، ص 36

ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (1 من 3)

فداء ياسر الجندي


“ينقلك الكتاب إلى سيرته عليه الصلاة والسلام حتى نهاية المرحلة المكية، لكن على نحو مختلف تماما عن كل ما عرفته عن السيرة سابقاً”.

هذا ما يذكره الدكتور أحمد خيري العمري في تعريفه عن كتابه “السيرة مستمرة”، كما جاء على الغلاف الخلفي للكتاب، وقد صدق فيما قال، فقد وجدنا في الكتاب بعد مراجعته اختلافات كثيرة عما عرفته كتب السيرة السابقة، لأننا لم نعرف كتاب سيرة يشكك في أحداث وصلتنا بروايات متواترة، ويفاضل بين الروايات بمعايير لا تستند إلى مدى صحة روايتها، ويهمل الكثير من أخبار الصحابة الضرورية لاكتمال صورتها، ويستخدم مصطلحات حديثة في غير مكانها، وغير ذلك مما سنعرض له في سلسلة من المقالات، نبدؤها بهذه المقالة التي نتناول فيها شيئاً من منهج العمري في اعتماد الأحداث التي وضعها في كتابه.

المنهج التاريخي
من أبجديات الكتابة في السيرة النبوية، أن ترجيح الحوادث واعتمادها يقوم على مدى صحة سند روايتها،  ولكن نهج العمري في اعتماد الروايات لم يكن حسب ضعفها وقوتها،  فنراه يقبل أحداثاً رواياتها غاية في الضعف، ويشكك في روايات قد يصل سندها حد التواتر، مثال الحالة الأولى حادثة مشاركته صلى الله عليه وسلم في حرب الفجار عندما كان صبياً، فيقول العمري عنها:
“ورغم أن رواية مشاركة الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الحرب بالنبل (جمع الأنبال أو رميها) هي رواية ضعيفة سنداً ويرفضها أغلب محققي السيرة، فإنها منطقية جداً في سياقها” (ص 77). 

وفي الوقت نفسه،  يأتي لروايات وحوادث وصلت إلينا بروايات صحيحة أو متواترة، فيبذل جهده ليشكك فيها أو ينفيها، مستنداً إلى تأويلات لا يؤيدها تاريخ ولا رواية ولا لغة ولا منطق، وأفضل مثال على ذلك حادثة انشقاق القمر، والتي سنتناول كيف تعامل معها العمري في الأسطر التالية.

بين تواتر الحادثة ووجوه التفسير
حاول العمري التشكيك في وقوع هذه الحادثة، بانياً تشكيكه على نقاط واهية باطلة، نستعرضها بعونه تعالى ونبين بطلانها واحدة بعد الأخرى.

من أهم النقاط التي يبني عليها العمري شكوكه هي محاولة الخلط بين أمرين: الأول حادثة انشقاق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني تفسير قوله تعالى {اقتربت الساعة وانشق القمر}، وتمسكه بقول ضعيف مرجوح هو أن الآية الكريمة رغم أنها بصيغة الماضي فالمقصود بها أن الانشقاق سيحصل في المستقبل. 

وللرد على ذلك، نقول بعد الاتكال على الله: أما حادثة انشقاق القمر، فقد أجمع على حدوثها العلماء والرواة والمحدثون وكتاب السير.

يقول ابن كثير في فصل من كتابه البداية والنهاية، عنوانه “انشقاق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم”: “وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها،ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله”، ثم يقول بعد أن يذكر عشرات الروايات والأسانيد والطرق لتلك الحادثة: “فهذه طرق متعددة قوية الأسانيد تفيد القطع لمن تأملها”[1].

وعلى هذا المنوال سار جمهور المفسرين والمحدثين، وسنجد مثل ذلك في كتبهم وتفاسيرهم، وفي صحاح الحديث، فلا يوجد كتاب من صحاح الحديث، كالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهما، إلا وفيه باب أو فصل عنوانه (انشقاق القمر)، يثبتون فيه ما ورد من أحاديث وأسانيد عن هذه الحادثة.

وأما تفسير الآية الكريمة {اقتربت الساعة وانشق القمر}، فإن الغالبية العظمى من المفسرين يرون أن المقصود بها انشقاقه في حياته صلى الله عليه وسلم، في تلك الحادثة بالذات، وأضاف بعضهم وجوهاً أخرى لتفسير الآية، ولكن من ذكر تلك الوجوه بيّن أنها مرجوحة ضعيفة، وأنها حتى لو ثبتت فهي لا تتعارض مع وقوع حادثة الانشقاق في حياته، أي لم يربط هؤلاء القلة الحادثة الحقيقية بالوجوه الضعيفة لتفسير الآية، فمدار إثبات الحادثة على تواتر الرواية، وتفسير الآية يؤكدها على أصح الأقوال، ولا ينفيها إن أخذنا بالأقوال الضعيفة.

هل تؤيد أقوال المفسرين تشكيك العمري؟
مع كل ما سبق، ينقل العمري أقوالاً لبعض المفسرين ليشكك في حادثة انشقاق القمر بناء على الرأي الضعيف الذي ذكرناه، وسنعرض ما نقله بالتفصيل عن خمسة من المفسرين، لنرى إن كان فيها حقاً ما يشكك في تلك الحادثة[2]:

أولاً: العز بن عبد السلام
نقل العمري[3] عنه ما يلي: “{اقْتَرَبَتِ} دنت، سميت ساعة لقرب الأمر فيها، أو لمجيئها في ساعة من يومها. {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} اتضح الأمر وظهر يضربون المثل بالقمر فيما وضح وظهر، أو انشقاقه انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما سمي الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه، أو ينشق حقيقة بعد النفخة الثانية، أو انشق على عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عند الجمهور”.

هذا ما نقله العمري من تفسير العز، ولكن الذي لم ينقله العمري أن العز بن عبد السلام نقل بعد ذلك حديث عبد الله بن مسعود للدلالة على أن رأي الجمهور هو الأقوى، فقال: “قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين بمكة قبل مخرج الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة، شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا سحر القمر.” [4]

في حين لم يأت العز بأي دليل على القولين الأولين، مما يعني أنه يؤيد رأي الجمهور، ثم يتابع العز فيقول في تفسير الآية التالية من سورة القمر {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، فيقول: “(وإن يروا آية) أي انشقاق القمر أو أي آية رأوها أعرضوا عنها”[5]. وهذا دليل على أن العز يؤيد رأي الجمهور، ولا ينفي ذلك أنه أتى بأقوال أخرى في تفسير الآية، فقد جاء بها للأمانة العلمية ثم رجح قول الجمهور.

إذن، الدكتور العمري لم ينقل كل ما قاله العز في تفسير مطلع سورة القمر، ولم ينقل أنه جاء بالدليل على رأي الجمهور، ولم ينقل تفسير الآية الثانية التي تبين بوضوح أنه يؤيد الجمهور، ليوهم القارئ أن العز يؤيد الرأي القائل بأن مطلع سورة القمر يتحدث عن يوم القيامة.

ثانياً: النيسابوري
 نقل العمري عن النيسابوري في تفسيره ما يلي:  “وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر، وصيغة الماضي على عادة إخبار الله وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك”.

فلما رجعنا إلى تفسير النيسابوري، وجدنا أن العمري قد انتزع هذه الأسطر من سياقها، وهذا قول النيسابوري كاملا، وقد وضعنا خطاً تحت ما نقله العمري، يقول النيسابوري: “انْشَقَّ الْقَمَرُ: في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين. وعن ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. هذا قول أكثر المفسرين. وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك، وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر. وأيضا إنه سبحانه جعل انشقاق القمر آية من الآيات لرسوله، ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب. وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي”.[6]

إذن النيسابوري جاء بالأحاديث من الصحيحين، والتي تثبت حدوث الواقعة، وأكد أن هذا رأي الجمهور وأنه يوافقهم، ثم جاء بشبهة بدأها بقوله (وقال بعضهم..)، ثم رد على الشبهة رداً مفحماً وأكد أنه ممن يرى أن الانشقاق حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العمري نقل الشبهة فقط من تفسير النيسابوري، ولم ينقل رأيه الذي سبقها، ولم ينقل رده عليها، وأترك للقراء تسمية هذا الفعل الذي فعله العمري!

ثالثاً: السمعاني
بعد أن أقر العمري بأن السمعاني يؤيد رأي الجمهور، نقل قوله لرأي المخالفين، وما نقله العمري عن السمعاني هو ما يلي: “ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، وأيضاً لو كان ثابتاً لرواه جميع الناس ولأرخوا له تاريخاً، لأنهم أرخوا لما دون ذلك من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي ينشق وذلك يوم القيامة، ويقال معنى انشق القمر أي انكسف”.

 ومرة أخرى ينتزع العمري جملاً من سياقها، وبالرجوع إلى تفسير السمعاني نجد أن العمري حذف جملة من أول الكلام تدل على أن السمعاني جاء بهذا الكلام على أنه شبهة، وهاكم قول السمعاني كاملاً كما في تفسيره، وقد وضعنا خطأ تحت الكلام الذي اقتطعه العمري من قول السمعاني ونقله في كتابه:
“فإن قيل ابن عباس لم يكن رأى انشقاق القمر، فكيف تصح روايته؟ وأما ابن مسعود فقد تفرد بهذه الرواية، ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، وأيضاً لو كان ثابتاً لرواه جميع الناس ولأرخوا له تاريخاً، لأنهم أرخوا لما دون ذلك من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي ينشق وذلك يوم القيامة، ويقال معنى انشق القمر أي انكسف، والجواب أنه قد ثبت انشقاق القمر بالرؤية الصحيحة، رواه ابن مسعود وجبير بن مطعم شهدا بالرؤية، ورواه ابن عباس وابن عمر وأنس، وروى بعضهم عن بعض عن عبد الله بن عمرو (بن العاص)، ومن المحتمل أنه روى عن رؤية، وقد كان ابن مسعود روى هذا عن رؤيته ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا اتفاقاً منهم، ثم الدليل القاطع على ثبوته الآية، وقوله إن معناه سينشق القمر، قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية، ولا يجوز إلا بدليل قاطع، ولأن الله تعالى قال: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)، وهذا دليل على أنهم قد رأوها، ولأنه سماه آية، وإنما يكون آية إذا كانت في الدنيا، لأن الآية هنا بمعنى الدلالة والعبرة، وقوله إن الناس لم يروا، قلنا يحتمل أنه كان في غفلة الناس، أو تستر عنهم بغيم، وقد رد الله تعالى الشمس ليوشع بن نون، ولم ينقل أنه أرخ لذلك أيضاً، وقد ذكر في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة، فقال بعضهم: سلوا السفّار الذين يقدمون فإن كان سحرنا فلا يقدر أن يسحر جميع الناس، فقدم السفار فسألوهم فقالوا إنهم قد رأوا”[7].
فانظر عزيزي القارئ كيف حذف العمري مطلع الكلام “فإن قيل…” لأن كلمة (فإن قيل) تدل على أنه قول غير معتمد، وأن السمعاني جاء به ليرد عليه، كما أنها جملة شرطية، فحذف العمري الشرط حتى لا يأتي بجوابه، وجوابه كما رأينا أعلاه يأتي بعد الكلام الذي نقله العمري مباشرة، فالعمري نقل الشبهة التي ساقها السمعاني، ولم ينقل رده الواضح المفحم عليها، فماذا نسمي ذلك الفعل من العمري؟

رابعاً: الماوردي
نقل العمري عن الماوردي الأقوال المعروفة في تفسير الآية[8]، وترجيحه لرأي الجمهور، ومن بينها قول للحسن البصري بأن المقصود بالآية: ينشق يوم القيامة، أورده الماوردي غير مسند، ولم نعثر عليه مسندا في أي مرجع آخر، لذلك لا تصح نسبة هذا القول للحسن البصري، ولا يصح استشهاد العمري به كأحد التابعين الذين يرون هذا الرأي.

خامساً: القرطبي
ذكر العمري أخيراً أن مثل تلك الأقوال قد نقلها القرطبي، ولكنه لم يذكر أن القرطبي قال بعد نقلها: “قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول، أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل”، ثم يفند القرطبي بعد ذلك الشبهات.

خلاصة القول: لا يوجد مفسر واحد خرج عن الإجماع على أن معجزة انشقاق القمر حدثت في عهده صلى الله عليه وسلم، وكل ما في الأمر أن بعضهم نقل قولاً ضعيفاً في تفسير قوله تعالى (وانشق القمر)، ثم رد عليه.
 وهكذا نرى أن العمري قد نقل لنا الشبهات، وتجاهل تفنيد العلماء لها،  ليقول لنا بعد ذلك: “من المهم التذكير بأن إنكار حدوث الانشقاق فعلياً في مكة في عهد الرسول ليس بدعة معاصرة يقولها المتأثرون بالغرب، كما نتهم عادة، بل هو أمر كان موجوداً ومطروحاً ومتفاعلاً معه مذ عصر التابعين وما بعدهم، صحيح أنه لم يكن القول السائد، ولكنه كان موجوداً ومنقولاً ولم يتهم أحد بإيمانه جراء ذلك”.

وصلنا بيت القصيد فوجدناه دون أساس
هذا هو إذن بيت القصيد الذي أراد العمري أن يصل إليه بهذه النقول المبتورة، وهو أن إنكار حادثة الانشقاق (كان موجوداً ومطروحاً ومتفاعلاً معه منذ عصر التابعين وما بعدهم)، ولكن هيهات، قد رأينا أن كل ما جاء به من أدلة على ذلك لا يصح إطلاقاً، وأن إنكار الانشقاق لم يكن موجوداً، ولامطروحاً ولاسائداً ولا متفاعلاً معه، وأن الإجماع على وقوع هذه الحادثة المتواترة لا شك فيه عند أي صحابي أو تابعي أو محدث أو مفسر.
وبعد أن يصل العمري إلى بيت قصيده، يعود ليقول: “ولكن مرة أخرى، أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك (شاهد عيان) من الصحابة إلا صحابي واحد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر..”.

هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ونترك الرد عليه إلى المقال القادم بعونه تعالى.

_________________________________________________________

الهوامش

[1] البداية والنهاية، الجزء الثالث، ص 118 طبعة مكتبة المعارف – بيروت 1991

[2] لم يذكر الدكتور العمري مصادر نقله (الكتاب والصفحة) عن أولئك المفسرين الخمسة في هامش كتابه، فتتبعنا ذلك وأثبتناه في هامش هذا المقال

[3] تناول الدكتور العمري حادثة انشقاق القمر في كتابه (السيرة مستمرة) على مدى تسع صفحات، بين الصفحة 240 و 248، وكل ما ننقله في الأسطر التالية عن تلك الحادثة من كتابه  موجود ضمن تلك الصفحات

[4] تفسير القرآن للإمام العز بن عبد السلام، الجزء الثالث، ص 245 طبعة المملكة العربية السعودية 1415

[5] المصدر السابق

[6] تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري، المجلد السادس، ص 216 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 1996

[7] تفسير القرآن، لأبي المظفر السمعاني، المجلد الخامس، ص 306 – 307 طبعة دار الوطن، الرياض، 1997

[8] النكت والعيون، تفسير الماوردي، الجزء الخامس، ص 409 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت