على طريقة الطنطاوي.. كيف نبسط الإسلام في ساعة؟

عابدة المؤيد العظم


قال الشيخ علي الطنطاوي مرة لتلاميذه: لو جاءكم رجل غير مسلم فقال لكم: إن لديه ساعة من الزمن يريد أن يفهم فيها الإسلام، فكيف تفهمونه الإسلام في ساعة؟

قالوا: هذا مستحيل، ولا بد له أن يدرس التوحيد والتجويد والتفسير والحديث والفقه والأصول، ويدخل في مشكلات ومسائل، لا يخرج منها في خمس سنين.

قال: سبحان الله، أما كان الأعرابي (البدوي) يقدُم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلبث عنده يوماً أو بعض يوم، فيعرف الإسلام ويحمله إلى قومه، فيكون لهم مرشداً ومعلماً، ويكون للإسلام داعياً ومبلغاً؟!

وعلاوة على ذلك، ألم يشرح الرسول الدين كله في حديث واحد، عندما سأله جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان؟ فلماذا لا نشرحه اليوم في ساعة؟ وعلى هذا الأساس وضع الطنطاوي كتابه المبسط الموجز “تعريف عام بدين الإسلام”، والذي نعيد إيجازه في هذا المقال.

وباختصار، كل ملة أو جمعية أو حزب لها مبادئ وأسس فكرية، ومسائل عقائدية تحدد غايتها وتوجه سيرها، وتكون كالدستور لأعضائها، فمن أراد أن ينتسب إليها نظر إلى هذه المبادئ، فإن ارتضاها واعتقد صحتها بفكره الواعي وبعقله الباطن ولم يبق عنده شك فيها، طلب الانتساب إلى الجمعية، فانتظم ووجب عليه أن يقوم بالأعمال التي يلزمه بها دستورها، ودفع رسم الاشتراك، وكان عليه بعد ذلك أن يدل بسلوكه على إخلاصه لمبادئها، ولا تصدر عنه أعمال تخالفها، بل يكون بأخلاقه وسلوكه مثالاً حسناً عليها وداعية فعلياً لها. وبناء على ذلك، سنوجز فيما يلي أهم مبادئ الإسلام والإيمان.

أسس الإسلام
تتلخص هذه الأسس في أن يعتقد المسلم أن العالم المادي ليس كل شيء، وأن الحياة الدنيا ليست هي الحياة كلها. فالإنسان كان موجوداً قبل أن يولد، وسيظل موجوداً بعد أن يموت، وهو لم يوجِد نفسه ولم توجده الكائنات من حوله، بل أوجده وأوجد هذه العوالم كلها من العدم إله واحد، هو وحده الذي يحيي ويميت، وهو الذي خلق كل شيء، وإن شاء أفناه.

وهذا الإله لا يشبه شيئاً مما في العوالم، قديم لا أول له، باق لا آخر له، قادر لا حدود لقدرته، عالم لا يخفي شيء عن علمه، عادل ولكن لا تقاس عدالته المطلقة بمقاييس العدالة البشرية، هو الذي وضع نواميس الكون التي نسميها قوانين الطبيعة، وجعل كل شيء فيها بمقدار، وحدّد من الأزل جزئياته وأنواعه، وما يطرأ على الأحياء وعلى الجمادات من تغيرات، ومنح الإنسان عقلاً يحكم به على كثير من الأمور، التي جعلها خاضعة لتصرفه، وأعطاه إرادة يحقق بها ما يختار، وجعل بعد هذه الحياة المؤقتة حياة دائمة في الآخرة فيها يُكافأ المحسن في الجنة، ويُعاقب المسيء في جهنم.

وهذا الإله واحد أحد، لا شريك له يُعبد معه، ولا وسيط يقرّب إليه ويشفع عنده بلا إذنه، فالعبادة له وحده خالصة بكل مظاهرها.

ولله مخلوقات مادية تُدرك بالحواس، ومخلوقات مغيبة عنا، بعضها جماد وبعضها حيّ مكلّف، ومنها الملائكة الخالصة للخير المحض، فهي غير مُكلّفة، وهناك ما هو مختلط، منه الصالح والطالح وهم الإنس والجن، فهم مُكلفون.

والله يختار ناساً من البشر، ينزل عليهم المَلَك بالشرع الإلهي ليبلّغوه البشر، وهؤلاء هم الرسل. وهذه الشرائع تتضمنها كتب وصحائف أُنزلت من السماء على هؤلاء الرسل، ينسخ المتأخر منها ما تقدّمه أو يعّله، وآخر هذه الكتب هو القرآن، وقد حُرِّفت الكتب والصحف قبله، أو ضاعت ونُسيت، وبقي هو سالماً من التحريف والضياع. وآخر هؤلاء الرسل والأنبياء هو محمد بن عبد الله العربي القرشي، خُتمت به الرسالات، وبدينه الأديان، فلا نبي بعده.

أركان الإسلام
والقرآن هو دستور الإسلام، فمن صدّق بأنه من عند الله، وآمن به جملةً وتفصيلاً سمي مؤمناً، والإيمان بهذا المعنى لا يطّلع عليه إلا الله، لأن البشر لا يعلمون ما في قلوب الآخرين، لذلك وجب عليه ليعدّه المسلمون واحداً منهم أن يعلن هذا الإيمان بالنطق بلسانه بالشهادتين، وهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

وإذا نطق المرء بهما صار مسلماً، أي مواطناً أصيلاً في دولة الإسلام وتمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلم، وقَبِل بالقيام بجميع الأعمال التي يكلفه بها الإسلام.

وهذه الأعمال (العبادات) قليلة، سهلة، ليس فيها مشقة بليغة، وليس فيها حرج.

أولها: أن يركع في الصباح ركعتين يناجي فيهما ربه، يسأله من خيره ويعوذ به من عقابه، وأن يتوضأ قبلهما؛ أي يغسل أطرافه، أو يغسل جسده كله، إن كانت به جنابة.

وأن يركع في وسطه أربعاً، ثم أربعاً، وأن يركع بعد غياب الشمس ثلاثاً، وفي الليل أربعاً (وتحديد وقتها وبيان كيفيتها يأتي لاحقاً).

هذه هي الصلوات المفروضة، لا يستغرق أداؤها كلها نصف ساعة في اليوم، لا يُشترط لها مكان لا تؤدَّى إلا فيه، ولا شخص معين (رجل دين) لا تصح إلا معه، ولا واسطة فيها، ولا في العبادات كلها، بين المسلم وربه.

الثاني: أن في السنة شهراً معيناً، يقدِّم فيه المسلم فطوره، فيجعله في آخر الليل بدلاً من أن يكون في أول النهار، ويؤخر غداءه إلى ما بعد غروب الشمس، ويمتنع في النهار عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء، فيكون في ذلك شهر صفاء لنفسه، وراحة لمعدته، وتهذيب لخُلقُه، وصحة لجسده، ويكون هذا الشهر مظهراً من مظاهر الاجتماع على الخير، والتساوي في العيش.

الثالث: أنه إذا فضل (زاد) عن نفقات نفسه ونفقات عياله مقدار من المال محدود، وبقي سنة كاملة لا يحتاج إليه، لأنه في غنى عنه، كُلّف أن يُخرج منه بعد انقضاء السنة، مبلغ 2.5 في المئة، للفقراء والمحتاجين، لا يحس هو بثقلها، ويكون فيها عونٌ بالغ للمحتاج، وركن وطيد للتضامن الاجتماعي، وشفاء من داء الفقر الذي هو شر الأدواء.

الرابع: الإسلام رتب للمجتمع الإسلامي عدة اجتماعات دورية، وأولى هذه المجالس تكون بمثابة مجالس الحارات (المساجد)، تُعقد خمس مرات في اليوم، مثل حصص المدرسة، فتؤدى صلاة الجماعة ويوثق كل عضو فيها عبوديته لله بالقيام بين يديه، ويكون من ثمارها أن يعين الأقوياء الضعيف، ويعلّم العلماء الجاهل، ويسعف الأغنياء الفقير. ومدة انعقادها ربع ساعة. فلا تعطل عاملاً عن عمله، ولا تاجراً عن تجارته، وإذا تم الاجتماع وتخلف عنه مسلم فصلّى في بيته، لم يُعاقب على تخلفه ولكن فاته ثواب حضوره.

وهناك أيضا اجتماع لمجالس الأحياء، يُعقد مرة في الأسبوع، هو صلاة الجمعة، ومدة انعقاده أقل من ساعة، وحضوره واجب على الرجال.

وأخيرا اجتماع كالمؤتمر الشعبي العام، يُعقد كل سنة في مكان معين، هو في الحقيقة دورة توجيهية ورياضية وفكرية، يكلف المسلم بأن يحضره مرة واحدة في العمر، إذا قدر على حضوره، وهو الحج إلى مكة المكرمة وما حولها.

أنواع العبادة
تعد الأركان الخمسة السابقة بمثابة العبادات الأصلية التي يُكلَّف بها المسلم، ولكن العبادة لا تقتصر عليها، فكل عمل نافع، لم يمنعه الشرع، يعمله المؤمن ابتغاء ثواب الله، يكون عبادة؛ فهو يأكل ليتقوى على الطاعة ويكون أكله بهذا القصد عبادة، وينكح ليعف نفسه وأهله فيكون نكاحه عبادة، وبمثل هذا القصد يكون كسبه المال عبادة، وإنفاقه على أهله عبادة، وتحصيله العلم والشهادات عبادة، وشغل المرأة بأعمال بيتها، وخدمة زوجها، ورعاية أولادها عبادة، وكل عمل مباح إن قصد فاعله قصداً فيه رضا الله كان عبادة. فالعبادة يتسع معناها حتى يشمل كل أعمال الإنسان النافعة، ويحيط بها كلها، ولعل هذا هو المعنى المقصود بقوله تعالى: {ومَا خَلقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56].

والمؤمن يستسلم لحكم ربه استسلاماً مطلقاً بلا تبرم ولا سخط، ولو لم يعرف الحكمة منه ووجه المنفعة، طالما كان مؤمناً بأن المتحكّم هو الخالق والعالم بوجوه الخير ومصاريف القَدَر.

وللعبادة روح وجسد، فروحها العقيدة التي دفعت إليها، والغاية التي عملت من أجلها، وجسدها عمل الجوارح، من لفظ اللسان، وحركات الجسم. فالصلاة مثلاً حركات وألفاظ، قيام وقعود، وركوع وسجود، وتلاوة وذكر وتسبيح، لكن هذا كله جسد الصلاة، فإن لم يكن الدافع إليه توحيداً صحيحاً وعقيدة سليمة، ولم يكن المقصود به امتثال أمر الله وطلب رضاه، كانت الصلاة جسداً ميتاً لا روح فيه.

ومن العبادات أن يمتنع المسلم عن أفعال معينة، وهي أفعال يُجمع عقلاء الدنيا على أنها شر، وأن الواجب الامتناع عنها، كالقتل بلا حق، والتعدّي على الناس، والظلم بأنواعه، والمسكر الذي يغيّب العقل، والزنا الذي يذهب الأعراض ويخلط الأنساب، والربا، والكذب، والغش، والغدر، والفرار من الخدمة العسكرية التي يراد منها إعلاء كلمة الله، ومنها بل من أشدها عقوق الوالدين، والحلف كاذباً، وشهادة الزور، وأمثال ذلك من الأعمال القبيحة الشريرة، التي تجتمع العقول على إدراك قبحها وشرها.

والله رحيم بعباده فإذا قصر المسلم في بعض الواجبات، أو ارتكب بعض الممنوعات، ثم تاب وطلب العفو فإن الله يعفو عنه، وإن لم يتب فإنه يبقى مسلماً معدوداً في المسلمين، ولكنه يكون عاصياً يستحق العقاب في الآخرة مؤقتا، فعذابه لا يدوم دوام عقاب الكافر إلى الأبد.

وقد يترك المسلم بعض الواجبات، أو يأتي بعض الممنوعات، وهو معترف بالوجوب والحرمة، فيبقى مسلماً، ولكنه يكون عاصياً، أما الإيمان فلا يتجزأ فلو آمن مثلاً بتسع وتسعين عقيدة، وكفر بواحدة فقط، كان كافراً.

وإذا أنكر بعض المبادئ أي العقائد الأصلية، أو شك فيها، أو جحد واجباً مجمَعاً على وجوبه، أو حراماً مجمَعاً على حرمته، أو أنكر ولو كلمة واحدة من القرآن، فإنه يخرج من الدين.

ولا يكون المرء مسلماً كاملاً حتى يسلك في حياته مسلك المسلم المؤمن فيتذكر في قيامه وقعوده، وخلوته وجلوته، وجدّه وهزله، وفي حالاتها كلها أن الله مطلع عليه، وناظر إليه، فلا يعصيه وهو يذكر أنه يراه، ولا يخاف أو ييأس وهو يعلم أنه معه، ولا يشعر بالوحشة وهو يناجيه، ولا يحس بالحاجة إلى أحد وهو يطلب منه ويدعوه، فإن عصى -ومن طبيعته أن يعصي- رجع وتاب، فتاب الله عليه. وهذا هو معنى الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الإيمان
الإيمان بالله يتضمن أربع قضايا، هي: أن الله موجود بلا موجِد، وأنه رب العالمين، وأنه مالك الكون المتصرف فيه، فهو يقدر الرزق والأجل، وبمشيئته وحده يمضي القضاء والقدر. وأنه الإله المعبود وحده لا يُعبد معه غيره.

والاعتقاد بوجود الله من الأمور البديهية التي تُدرك بالحدس النفسي قبل أن تُقبل بالدليل العقلي، فهي لا تحتاج إلى دليل، وإن كانت الأدلة على صحتها ماثلة في كل شيء، وأكثر من أن تستقصى، والعالِم الحقيقي لا يكون إلا مؤمناً، كما أن العامي لا يكون في الغالب إلا مؤمناً، أما الإلحاد فيبدو في أنصاف وأرباع العلماء، فنحن نشعر من أعماق قلوبنا بأن الله موجود، نلجأ إليه في الشدائد والملمّات بفطرتنا وغريزة التدين فينا، ونرى الأدلة عليه فينا وفي العالم من حولنا، فالعقل الباطن يؤمن بوجوده بالحدس، والعقل الواعي يؤمن بوجوده بالدليل [انظر مقال وجود الله].

والمسلم لا يكتفي من الحياة بأن يأكل ويشرب ويعمل ويتسلى، بل يسأل نفسه: من أين جئت؟ وإلى أين أسير؟ وما المبدأ؟ وما المصير؟ ينظر فيجد أن حياته لم تبدأ بالولادة حتى تنتهي بالموت، وأن الله هو الذي أوجد العوالم الظاهرة لنا والمغيّبة عنا، أوجدها من العدم، ووضع لها النواميس العجيبة، التي لم نكتشف إلى الآن إلا القليل منها.

والناس جميعاً، المؤمن منهم والكافر، إذا ألمّت بهم ملمّة ضاقوا بها ذرعاً ولم يجدوا لها دفعاً، لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات، قوة لا يرونها ولكن يشعرون بأرواحهم وقلوبهم وكل عصب من أعصابهم بوجودها، وبعظمتها وجلالها. يقع هذا لكثير من الطلاب أيام الامتحان، ولكثير من المرضى عند اشتداد الألم وعجز الطبيب. كلهم يعودون إلى ربهم، وعندما تغرق السفن، أو تشب النيران، أو يكون الخطر، تجد الملحدين يستغيثون بالله.

الآخرة
الاعتقاد بوجود الحياة الآخرة نتيجة لازمة للاعتقاد بوجود الله، فالإله لا يقرّ الظلم، ولا يدع الظالم بغير عقاب، ولا يترك المظلوم من غير إنصاف. ونحن نرى أن في هذه الحياة من يعيش ظالماً ويموت ظالماً لم يُعاقَب، فكيف يتم هذا ما دام الله موجوداً، والجواب أنه لا بد من حياة أخرى يكافأ فيها المحسن ويعاقب المسيء.

والدنيا دار بلاء، والامتحان فيها صعب، كما أن الالتزام فيها صعب، فالنفس البشرية طبعت على الميل إلى الحرية والانطلاق وراء اللذة، والدين يُقيّدها، فمن يدعو إلى الفسوق والعصيان يوافق طبيعتها؛ فدعاة الشر لا يتعبون ولا يبذلون جهداً، فلديهم كل ما تميل إليه النفس وما فيه متعة العين والأذن والقلب والجسد، ولكن التعب وبذل الجهد على دعاة الخير.

وأضرب مثلاً: إذا كنت مسافراً وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين: طريقاً صعباً صاعداً في الجبل، وطريقاً سهلاً منحدراً إلى السهل. الأول فيه وعورة وحجارة منثورة وأشواك وحُفر، يصعب تسلّقه ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: “إن هذا الطريق هو الطريق الصحيح الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة والغاية المقصودة”. والثاني معبّد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي والملاهي، ولكن عليه لوحة فيها: “إنه طريق خطر مهلك، آخره هُوَّة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد”، فأي الطريقين تسلك؟

لا شك أن النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، ولو ترك الإنسان نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكنّ العقل يوازن بين اللذة القصيرة التي يعقبها ألم طويل، وبين الألم العارض المؤقت الذي تكون بعده لذة باقية.

هذا هو مثال طريق الجنة وطريق النار؛ فطريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل إليه النفس، وفيه النظر إلى الجمال ومفاتنه والاستجابة للشهوة، وفيه أخذ المال من كل طريق، وفيه التحرر من القيود، أما طريق الجنة ففيه المشقات والقيود والحدود، وفيه مخالفة النفس والهوى، ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة اللذة الدائمة في الآخرة، بينما ثمرة اللذة العارضة في طريق النار الألم المستمر في جهنم.

والله وضع الطريقين أمامنا، فقال {وهديناه النجدين} [البلد:10]، ووضع فينا مَلَكة نفرّق بها بينهما، كما أقام على طريق الجنة دعاةً يدعون إليه، هم الأنبياء والعلماء. وأقام على طريق النار دعاةٌ يدعون إليه ويرغبون فيه، هم شياطين الإنس والجن.

وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية مهمته: {إنا سَنُلْقِي عليكَ قولاً ثقيلاً} [المزمل: 5]. فالأهداف العليا ثقيلة على النفس؛ وترك العالِم مجالس التسلية والاشتغال بالقراءة والتعليم ثقيل، وترك النائم فراشه والنهوض إلى صلاة الفجر ثقيل، وهجر الرجل زوجته وولده ومشيه إلى الجهاد ثقيل؛ لذلك تجد الطالحين أكثر من الصالحين، والغافلين أكثر من السالكين سبيل الرشاد، {وإن تُطع أكثر مَنْ في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116].

ولنفرض أننا عرضنا على شخص ما اتفاقية مدتها سنة، نحقق له فيها كل أحلامه، على أن نحكم عليه بالإعدام بعد انقضاء السنة، فهل يُعقل أن يوافق عليها؟ ألا يتصور أن الخوف من الإعدام المحقق سيسلبه لذة السنة كلها؟ فكيف ينسى بعضنا حقيقة الموت الذي سيكون النهاية الحتمية لحياة كل واحد منا مهما كانت ملأى بالملذات والشهوات؟ وكيف يرضى بعذاب الآخرة الدائم مقابل لذة زائلة؟

ماذا لو طبقنا قاعدة: “كفى بالمرء كذباً”؟

محمد الريس


إن بيوتاً كانت تلفها الطمأنينة والمودة من كل جانب أضحت خاويةً من أهلها، إذ مزقتها كلمة ألقاها عابر سبيل لم يلق لها بالاً، وتلك الصداقة التي استمرت أعواماً وعقود حتى صار أصحابها روحاً واحدة في جسدين قد أنهاها أحمقٌ لا يكاد يصل الكلام إلى أذنه حتى يجريه على لسانه أينما حل وارتحل.

بل إذا أردت أن تدرك كارثة الكلام بغير علمٍ أو تحقق، فما عليك إلا أن تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت بؤرةً لنشر الأكاذيب حتى أصبح المتابع (الفطن) لها يكذّب كل شيء متبعاً قاعدة “هذا الكلام خاطئ.. حتى تثبت صحته”، حيث راج على هذه المواقع اختلاق القصص وحبكها بطريقةٍ يستحيل تكذيبها حتى إذا صدقها الناس وذرفوا لها الدموع وأخذت موقعها في قلبهم ونشروها في كل موقع ونثروها في كل مجلس وأصبحت مدار حديثهم وغاية وعظهم، جاء أحدهم فبين لهم أنها خلاف الواقع وأنها لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فحينها يكون كأنما هز ثوابتهم ومد يده إلى عقائدهم!

وأدت هذه الإشاعات والأكاذيب والقصص المختلقة إلى محاولة بناء جدارٍ في وجهها يمنعها أن تكمل طريقها فتصل إلى المغفلين الذين ينثرونها يميناً وشمالاً، فكانت الحملات التي تهدف إلى التحقق من الأخبار لئلا ينخدع الناس ويصرفوا مشاعرهم فيما لا حقيقة له.

ومنها مشروع “فتبينوا” الذي رصد لحدث نيوزيلندا الإرهابي وحده 16 خرافة شائعة، ما بين أطفال نيوزيلندا يتعلمون الصلاة، واعتناق 350 نيوزيلندي للإسلام، واستقبال مسجد النور لأضعاف المصلين، ورسم القوات الجوية النيوزلندية للفظ الجلالة، وصورة أول شهيدة وصورة أخرى لمصحف ملطخ بالدماء، وغير ذلك من شائعات كانت بشاعة هذا الحادث والحقائق الواردة عنه في غنى تماماً عنها، بل إن نشر مثل هذه الأخبار ثم بيان زيفها من شأنه أن يجعل الناس تكذّب كل ما يرد من معلومات عن هذا الحادث صادقةً كانت أم كاذبة.

ولكي تدرك ضخامة الخرافات المنتشرة وتنوعها وتشعبها، فما عليك إلا أن تلقي نظرةً على التصنيفات الموجودة في أحد مواقع التصدي للخرافات، فستجد -فتبينوا مثالاً- أن الخرافات لا تقتصر على العلمية أو الدينية وإنما تتعداهما إلى الاجتماعية والطبية والتاريخية والفيزيائية بل وحتى الرياضية!

وتظهر خطورة ذلك عياناً في الأحاديث الموضوعة والمكذوبة التي ما زال البعض يتناقلها إلى اليوم، والتي لم تكن لتصل إلينا لو أن كل مسلم أخذ على عاتقه التحقق والتأكد من الحديث قبل نشره، وألا يجعل أذنه وعاءً لكل ما يتناقله الناس صدقوا به أم كذبوا.

وإذا أردت أن تعايش خطورة ذلك، فما عليك إلا أن تقرأ قصة أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك، وكيف تحولت حياتها من النعيم المقيم إلى الجحيم الخالص، فإليك إياها:

كان “يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني، ولا أشعر حتى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معي أم مسطح… فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليَّ رسول الله ﷺ تعني سلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا!… قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي… دخل علينا رسول الله ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يُوحى إليه في شأني، قالت فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: “أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه”، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}… فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت فلما سُري عن رسول الله ﷺ  سُري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما الله -عز وجل- فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله -عز وجل- وأنزل الله {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم…)}” [رواه البخاري].

وهذه عائشة رضي الله عنها قد برأها الله مما قالوا، فعادت السعادة والطمأنينة إلى حياتها، ولكن كيف تعود السعادة إلى بيوت وقع أناسٌ بأهلها فمزقوها وأبدلوها طلاقاً وفرقةً بعد قربٍ ولقاء، فلمحاربة ذلك كله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سَمِع”.

موقف الفكر الحداثي من السنة النبوية

عبد اللطيف المحيمد


سلك الحداثيون مع السنة النبوية مسلكهم مع القرآن الكريم ونزعوا عنها صفة القدسية، وقد استندوا في موقفهم هذا على الشبه التي تثار حول ظنية السنة النبوية وقلة المتواتر وكثرة الآحاد، واحتمالية الخطأ والرواية بالمعنى، والكذب والاختلاط الذي قد يطرأ على الرواة أثناء روايتهم للحديث الشريف، إضافة إلى الوضاعين والمتزندقين الذين أكثروا من الكذب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، متناسين الجهود الكبيرة التي وضعها أئمة السنة لحماية السنة من التحريف، والعلوم التي ابتكروها لضبط الرواية، كعلم المصطلح والرجال والعلل وغيرها.

يعرّف الحداثيون السنة عدة تعريفات، فمنها على سبيل المثال ما قاله حسن حنفي في كتابه “دراسات إسلامية” إن السنة هي “مجموعة من المواقف التفصيلية التي يتحدد فيها سلوك الإنسان، والذي تظهر فيه القدرة كمحك للسلوك، هي مواقف إنسانية مثالية، وتجارب بشرية نموذجية، يمكن الاحتذاء بها إذا أردنا مزيداً من التعيين والتحديد في الواقع” [ص 408].

محمد شحرور

وعرفها محمد شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن” بأنها “منهج في تطبيق أحكام أم الكتاب بسهولة ويسر، دون الخروج عن حدود الله في أمور الحدود، أو وضع حدود عرفية مرحلية في بقية الأمور، مع الأخذ بعين الاعتبار عالم الحقيقة، الزمان والمكان، والشروط الموضوعية التي تطبق بها هذه الأحكام، معتمدين على قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج” [ص 549].

والمتأمل لهذين التعريفين يدرك كيف وُصفت السنة بأنها فعل إنساني محض، وهم يلمحون بذلك على أنها ليست وحياً من الله سبحانه وتعالى، أو ليست نصاً مقدساً لا يحتمل التأويل، وهذا التعريف والفهم مخالف لما فهمه علماء الأمة من السنة النبوية، الذين يرون أنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة على وجه التشريع.

فالحداثيون يرون أن السنة مجرد وصف للواقع المعاش لا أكثر، فكل نص فيهما جاز تأويله، إذ أنهما وجدا ليواكبا نشأة المجتمعات وتطوراتها، فلابد من تأويل أي نص يخالف واقع المجتمعات، فالنص عندهم يخدم المجتمع وينقاد له، وليس العكس.

يقول شحرور “ومن هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية، بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو أمر أو نهي أو إقرار”، ثم أوضح فكرته بقوله “هذا التعريف كان سبباً في تحنيط الإسلام” [الكتاب والقرآن، ص 548].

فالحداثيون يرون أن التزام الأمة بظاهر السنة النبوية، وظاهر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى تشتت المسلمين، وإلى كارثة في الفقه والتشريع الإسلامي، وأدى إلى تحجير الإسلام وربطه بالبيئة البدوية والصحراوية التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما جعله مجرد تراث موروث لا قيمة له واقعاً في حياة الناس، ولذلك لم يستطع المسلمون تحرير حاضرهم من ماضيهم.

وأما عن موقف الحداثيين من حجية السنة النبوية، فهم يرون أن السنة لا تصلح للمحاججة بأدلتها لكونها ظنية وليست قطعية، حيث قال حسن حنفي في مقال له في مجلة اليسار الإسلامي: “ولم أستعمل الحديث الشريف تأييداً للقرآن حتى لا يعترض أحد الأدعياء برواية الحديث وسنده ودرجة صحته، وتضيع القضية في مماحكات العنعنة، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد شيء في الحديث لا يوجد أصله في القرآن، والاعتماد على القرآن وحده هو الرجوع إلى الأصل أولاً، وهو أوعى وأشمل وأكمل”.

وهو بهذا النص يشبه إلى حد كبير أقاويل وشبه القرآنيين الذين يسعون وراء تنحية السنة النبوية، ومحاولة الاعتماد على القرآن الكريم لوحده دون غيره، ولا شك أن هذا المنهج بان فساده، وضعفت حجته، إذ لا يستقيم الأخذ بالكتاب لوحده، إذ السنة لطالما كانت وظائفها تتراوح بين تأكيد ما جاء في القرآن أو شرح مجمله أو المجيء بحكم تنفرد به دون القرآن الكريم، وقد بين العلماء ذلك بالتفصيل في كتب أصول الفقه.

مناقشة المغالطات
تدور مغالطات الحداثيين حول عدة أمور، منها:

1ـ مغالطتهم في المعنى اللغوي للسنة، حيث يخلطون بين المعنى اللغوي وبين المعنى الشرعي للسنة النبوية، ويحاولون سحب المعنى اللغوي على المعنى الشرعي، فهم يرون أن المعنى اللغوي لمادة: سسن، تدور حول الحركة والتغير والجريان، بينما في معناها الشرعي تدل على الثبات والسكون والجمود، وهذا استدلال عجيب، فالسنة لها معان كثيرة جداً في اللغة، وحصرها بهذا المعنى الذي يخدم أفكارهم خيانة علمية، وما زال علماء الأصول واللغة لا يفهمون منها معنى واحدا بل معان متعددة، أخذوا منها ما يناسب السنة النبوية.

2ـ رفضهم التعريف المتفق عليه بين علماء الأمة، وقد بنوا رفضهم هذا على مغالطتهم الأولى، فرأينا كيف رفض محمد شحرور وحنفي تعريف العلماء، واعتبروه أداة لتحنيط الإسلام وجموده، والصحيح أن السنة بخلاف ذلك تماماً، ففيها من المرونة ما يواكب جميع العصور، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، ومع مرونتها حافظت على الأصالة الإسلامية.

3ـ انتقاصهم للسنة النبوية، وذلك بذريعة أنها أدت لتدهور الإسلام، وهذا يرد عليه كما قلنا في المغالطة الثانية، وبأن السنة شارحة ومبينة وموضحة لما جاء في القرآن الكريم.

4ـ قولهم بمرحلية السنة النبوية، وأن ما جاء فيها من أحكام خاص بتلك البيئة الصحراوية التي نزل فيها النبي، أما واقعنا فلا بد فيه من أحكام جديدة تناسب تطوره ومتغيراته اليومية، فالسنة حسب رأيهم تتغير وتتبدل ولا يجوز أخذ ظواهر الأحاديث وتطبيقها في كل مكان وزمان.

5ـ عدم اعترافهم بحجية السنة، معتمدين في ذلك على أنها لا تنهي خلافاً لكثرة الخلاف حول الأحاديث، وطرق ثبوتها، وصحتها وضعفها، وقد تبين ضعف هذه الشبهة بجهود العماء الكبيرة في تنقيح السنة، وبيان ضعيفها، والضوابط التي وضعوها للقبول والرفض والاستدلال والترجيح بين الأحاديث.

ولاشك أن كل ما سبق من تلاعباتهم بالألفاظ، فالقرآن لا يكتمل ويتضح إلا بالسنة، فلا مفاضلة بينهما إلا في حالة التعارض وتقديم الأدلة على بعضها، أما أن يتم رفض أحدهما كلياً فهذا غير وارد أبداً في الفكر الإسلامي، وغير مقبول.

وسبب رفضهم وموقفهم السلبي هذا من السنة أن السنة النبوية غالباً ما تكون واضحة، وليست كالقرآن الذي غالباً ما يحتمل وجوهاً عدة، لإجماله، ثم تأتي السنة الكريمة فتشرحه وتوضحه، وتفصل مجمله، ويدل على ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بعث ابن عباس رضي الله عنهما لمحاججة الخوارج قال له: “اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين أنا اعلم منهم بكتاب الله، في بيوتنا نزل، قال صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة”.

وبذلك بين لنا سيدنا علي رضي الله عنه أن لا سبيل إلى إنكار السنة، أو إغفال شأنها بين مصادر التشريع الإسلامي، خاصة وان الله سبحانه وتعالى في القرآن ـوهو المصدر الذي يعتمد عليه الحداثيونـ أكد على مكانة السنة، فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92].

وبذلك يتضح لنا أن من أراد هدم الإسلام التجأ إلى هدم السنة وإنكارها، وهذا جزء من قراءة أهل الحداثة للتراث الإسلامي، وأن التناقض قد لحق منهجهم هذا ببيان القرآن الكريم بضرورة ولزوم اتباع السنة، ووجوب الأخذ بها.


المصادر والمراجع
التلخيص في أصول الفقه، الجويني، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، 1417هـ- 1996م، بيروت.

الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنة النبوية، غازي الشمري، دار النوادر، بيروت، ط: 1، 1433هـ، 2012م.

الحداثة وموقفها من السنة النبوية، الحارث عبدالله، دار السلام، القاهرة، ط: 1، 2013م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دفاع عن السنة، محمد محمد أبو شهبة، دار الجيل، بيروت، 1411هـ، 1991م.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

مجلة اليسار الإسلامي، حسن حنفي، العدد الأول، 1401هـ.

لا قيمة للحضارة بدون أخلاق

محمد الريس


إذا أردت أن تعرف ما لمجتمعٍ من المكارم والعلو والعظمة فانظر إلى موقع الأخلاق في تشريعه وفي قلوب أفراده، فإن كان قوام تشريعه لا يولي أية قيمة للأخلاق ولا يحث على حسنها ولا ينهى عن سيئها فتلك أمة قد غرقت في المادية حتى خمرت، أما إن كان قرين تشريعه المنظومة الأخلاقية، فلا ينظر إلى عمل أحدهم حتى يكون سليم القلب طاهر الصدر لا يحمل حقداً ولا حسداً ولا عجباً ولا كبراً فتلك الأمة التي قد سمت وارتقت حتى بلغ أهلها المكرمات جميعها.

وإذا أردت أن تصل إلى درجة اليقين فيما نقول، فيكفي أن ننظر إلى أمة قد أمر أتباعها بأن يريحوا الذبيحة حين الذبح بأن تكون أداة الذبح حادةً بما يكفي كي لا تتألم قبل أن تموت! ثم لتقف لحظةً: ما الموضوع؟ إنه الذبح، وما الأمر؟ أن تكون أداة الذبح حادة، وما الغرض؟ أن تراح الذبيحة! ثم الأمر الآخر بألا يكون الذبح أمام باقي المراد ذبحهم! فهي تشعر كما نشعر فينبغي علينا أن نراعي شعورها، هذا كله وأنت تذبح فما بالك إذا جئت إلى تلك الأوامر التي توصي بألا تحمّل المواشي فوق طاقتها وأن تطعمها وتسقيها وألا تفجع أما بولدها وأن تنظر لها بعين الرحمة لا بعين القسوة.

ثم قارن مع أمةٍ أخرى قد صارت قلوب أتباعها كالحجارة أو أشد قسوة، وقد أصبحوا يلهثون وراء أهوائهم وشهواتهم دون أن يعودوا إلى ضمائرهم، فيفعلون ما يشتهون وإن ألحق فعلهم ضرراً بالغاً بما خلق الله، فلا مانع لديهم من أن يضعوا السمك الحي في الزيت المغلي ويتركونه وهو يتعذب ويتمزق قبل أن يموت أثناء مضغهم إياه، كل ذلك فقط لأنه يكون طازجاً لذيذاً إذا تم قليه وهو على قيد الحياة! ثم لا يمانعون أن يمزقوا أجساد الماعز ويقلعون صوفها بأمشاطٍ معدنية حادةٍ قاسيةٍ تاركين هذه الحيوانات بجراحٍ مفتوحة دون أدنى رعاية طبية أو رحمة إنسانية، وأحياناً يسكب على جراحها الكحول الحارق، وأحياناً يضرب العمال رؤوسها بالمطارق الحديدية لكي تُصرع، وأحياناً أخرى تجر الماعز إلى المسالخ من رجلٍ واحدةٍ قبل أن تشق حناجرها أمام بقية الحيوانات، كل ذلك لأجل بيعها بأسعارٍ باهظةٍ، وهذا ما كشفته منظمة “بيتا” المدافعة عن الحيوانات مؤخراً وما خفي أعظم!

هذه مقارنة سريعة عن الطريقة التي تعامل بها الحيوانات بين أمة تولي للأخلاق أهمية بل تعطي كل الأهمية للأخلاق وبين أمة لا يهمها سوى المادية والربح والأهواء.

ولننتقل إلى عالمنا ولنمدك بمقارناتٍ أخرى، فهذان أبوان صار ولداهما بعمر الخامسة عشر فلم يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يقطعوا عنهم مصروفهم آمرين إياهم بالذهاب إلى العمل، أي عمل! لكي يحصلوا على النقود ويصرفوا على أنفسهم فوالديهم لم يعودا يعترفان عليهم! بينما هذان أبوان آخران يصرفان على ولديهما ويحاولان أن يؤمنا لهما احتياجاتهما ولو على حساب أنفسهما فهم يعلمان أن ذلك هو حق ولديهما عليهما وليس تفضلاً من عند أنفسهم!

وعلى الصعيد المقابل، فهذان ابنان قد وصل الأمر بهما إلى المحاكم لتحكم بينهما ولتفض خلافهما، وما خلافهما إلا بادعاء كل واحدٍ منهما بأحقيته بأن يرعى أمه في بيته! في الوقت الذي تلقى فيه أمهات أقوام أخرين على قارعة الطريق.

والحديث في المقارنات يطول ويتسع وكي لا ينحرف المقال عن الهدف الذي وضع له سنقتصر على ما ذكر، ونأتي الآن إلى حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخبره الله عز وجل أن الغرض من الخلق هو العبادة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ولكنه مع ذلك لم يعطي الأفضلية للأكثر عبادةً أو للصائم نهاره القائم ليله، أو لذاك الذي لا تفوته دقيقة إلا ويكون ذاكراً لله فيها، بل أعطاها للذي يكون رحيماً ودوداً ليناً مع الخلق متمنياً لهم الخير والبركة لا يحمل في صدره شيء على أحد صانعاً للمعروف أينما حل أو ارتحل، فأعلنها ميزاناً لمن أراد أن يزن أعماله ويعلم مدى قربه من الله إذ قال: “إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً” [رواه الشيخان]

ولأن هذا الحديث يحمل أصلاً عظيماً من أصول الدين فسنعقبه بما قال فيه العلماء، بدءاً من الإمام النووي: “فيه الحث على حسن الخلق، وبيان فضيلة صاحبه، وهو صفة أنبياء الله وأوليائه”.

وقال الحسن البصري واصفاً جوهر الخلق الحسن: “حقيقة حسن الخلق بذل المعروف، وكف الأذى، وطلاقة الوجه”

أما القاضي عياض فشرح الخلق الحسن قائلاً: “هو مخالطة الناس بالجميل والبِشر، والتودد لهم، والإشفاق عليهم، واحتمالهم، والحلم عنهم، والصبر عليهم في المكاره، وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظ والغضب والمؤاخذة”.

وإليك قصة تبين لك مكانة الخلق الحسن في قلوب المسلمين: “عن أم الدرداء قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم! أحسنت خَلقي فحسن خُلقي، حتى أصبح.

فقلت: يا أبا الدرداء! ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق.

فقال: يا أم الدرداء! إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، والعبد المسلم يغفر له وهو نائم.

قلت: يا أبا الدرداء! كيف يغفر له وهو نائم؟

قال: يقوم أخوه من الليل فيجتهد فيدعو الله عز وجل، فيستجيب له، ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه” [الأدب المفرد: 82].

وهذا الفرق بين أمة قد قال الله في اتباعها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110].

وبين أمم قد قال الله في اتباعهم موجهاً خطابه لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علمٍ، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون؟} [الجاثية: 23].

الولاء والبراء.. جوهر قيام الأمم واستمرارها

زكاء مردغاني


لا بدّ للتجمّعات البشرية من رابطٍ يحوّلها إلى شعوب، رابطٍ يخلق بين الأفراد لحُمةً، وينزع شوكة الأثرة الفردانية؛ فيقوم الكل مقام الواحد، ويقوم الواحد مقام الكل في علاقةٍ يعكس عمقها مدى الترابط الذي يصنع من الشعب أمةً قادرةً على إقامة حضارة.

 كان ذلك الرابط هاجس ابن خلدون في محاولته الكشف عن مقومات الدولة السياسية، فذهب إلى أنّ “العصبيّة” جوهريّةٌ في العمق الأساسي لها، ولعلّها الرابط الذي يضمن انتظام الكتلة البشرية في بنيانٍ يصحُّ تسميته “دولة” حيث يلتحم الفرد بالجماعة، وتجري عليه أحكامهم وأحوالهم.[1] 

ذلك أنّ الحضارة كما أكد دارسو الحضارات “لا تقوم إلا على الحسّ الجماعيّ لا على الفردية بأية حال”، وأنّ الفكرة الحضاريّة “لا تكون إلا مُعصِّبة”[2].

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

ولأنّ الإسلام يحمل بين جنبيه مشروع حضارةٍ آتت أُكُلها دهراً واسعاً من الزمان، فقد قدّم لمعتنقيه هذا الرابط الذي أسّس للأمّة القادرة على صناعة الحضارة الإسلامية، عبر مفهوم “الولاء والبراء” في توازنٍ يحفظ “العدالة” و”المواطنة”، واعتدالٍ يضمن للأمة هويتها وإنسانيّتها، فالمسلمون “أمة من دون الناس” لكنّهم أمةٌ تتعايش مع الأخوة في الوطن تعايشاً قائماً على ثنائية الحق والواجب التي تقيم العدالة، كما أنّهم “يتعارفون” على الأمم والشعوب الأخرى وفق مبدأ جوهره أن “لا عدوان إلا على الظالمين”.

بدأ بناءُ الدولة الإسلاميّة في المرحلة المدنيّة، وكانت الوثيقة التي أنشأها رسول الله صلّى الله عليه وسلم أولَ دستورٍ تشريعيّ احتُكم إليه في التاريخ الإسلامي، ونصّ البند الأول في الوثيقة على وحدة الأمة الإسلامية مرتقياً بالولاء من الأسرة والقبيلة إلى الدولة الجديدة؛ فـــ”المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس”[3]، ولأنّ الحاجة ماسّةٌ للولاء مادّيّاً ومعنويّاً، فقد جعل الإسلام آنذاك التوريث بين المسلمين بعضهم بعضا من دون مراعاة الرحم، وهو حكمٌ نسخته الآية {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِيْ كِتَابِ الله إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ..” (الأنفال/75) حيث انتهت الحاجةُ المادّية لولاء الميراث ليبقى الجوهر المعنويّ الذي تأسس المجتمع المسلم عليه.

 كان ذلك عندما وُضِعَت اللبنة الأولى للمجتمع المسلم واقتضت المصلحة العليا للأمة أن يصبح المهاجرون والأنصار إخواناً، فينفكّوا عن العصبية للأهل والأقربين ويتحوّلوا إلى الولاء للأمة، {إِنَّ الَّذِين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (الأنفال/72)، واشتد الامتحان بالمؤمنين ليشدّد على الولاء للأمة الناشئة، في مقابل البراء من المخالفين في العقيدة ولو كانوا أولي قربى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. (التوبة/23).

وضع الإسلام بذلك الأساس المتين للمجتمع، وضمن الولاء الذي يُعصّب جماعة المسلمين، الولاء الذي هو الخطوة الأولى في حفر أساسات الحضارة،  ذلك أنّ الضامن الحقيقيّ لقيام الحضارة هو الولاء الجماعي الولاء القائم على عقيدة مركزية واحدة، تُمثّلها نخبةٌ رشيدة، وتمتدُّ في عمق الجماعة، وتتحد بالمصلحة لتقيم نظاماً اجتماعيّاً متماسكاً[4] والذي يلخّصه الحديث الشريف: “مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى” (البخاري)، بهذا الولاء تحوّلت الطبقة الأولى من المسلمين إلى عصبةٍ واحدة يجمعها هدفٌ واحد، ويضمّها نظامٌ اجتماعيٌّ موحّد، وتؤسّس لها عقيدةّ واحدةٌ، ولتعميق ذلك في المجتمع المسلم فُرِضَت فرائض ذات طابعٍ جماعيٍ بعضها اقتصادي مثّلته الزكاة والتي تضمن حقّ الفقراء في أموال الأغنياء للحفاظ على التوازن الاقتصادي، إضافةً إلى كونها مظهر ولاءٍ معنويّ مبنيّ على التراحم الذي يبدو في حده الأدنى فريضةً وفي حدوده العليا مندوباً كما في الصدقات، وفرائض ذات طابعٍ جماعيٍّ معنويّ مثّلتها الصلاة الجامعة في يوم الجمعة والتي هي الحد الأدنى من الاجتماع الذي يجدد فيه المسلمون ولاءهم الجماعيّ في المسجد الذي عرف بالجامع إبرازاً لوظيفته الجوهريّة، إذ ليست تختار اللغةُ مسمّياتها عبثاً، ومن ثم شجع الإسلام على الجماعة في الصلوات الخمس، ووعد المصلّي مع الجماعة بأضعاف ثواب الصلاة المفردة تأكيداً على الولاء الجماعي، وحثّ الإسلام على الجماعة في الأمور كلّها، كما بثّ في المجتمع أخلاق التعاون، والإيثار والتسامح وحسن الجوار والتناصح..

وتلوح عقيدة الولاء واضحة في الأحاديث الداعية إلى تلك الأخلاق، فالنصيحة “لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم” (البخاري)، و”من غشنا فليس منا” (مسلم)، و”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (البخاري)، و”كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” (مسلم)، و”عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:  “بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم” (متفق عليه).

فبالرغم من تأكيد الإسلام على العدل والإحسان في التعامل مع غير المسلمين إلا أنّ التركيز المباشر كان على العلاقة بين المسلمين أنفسهم، ما يؤكد أنها أخلاق يُراد لها أن تحكم المجتمع المسلم الذي توليه الخلاقيّة الإسلامية اهتمامها لإقامة الأمة المبتغاة، بل إن حديثاً مثل “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي” (أحمد وأبو داوود) يشير إلى تدخّل المندوبات الأخلاقية في عمق الخصوصية الفردية وتوجيهها وجهة مجتمعيّة قائمة على الولاء، فاختيار الصديق المؤمن واختيار الضيف التقي يشي بانحيازٍ عصبيّ للأمة، ولا يخفى ما للصديق من أثر على صديقه، لكن مع عدم تحريم أو منع مصاحبة غير المسلمين، تُحبِّذ المنظومة الأخلاقيّة المسلمة، إذن، أن يختار المسلم صاحبه من خيرة المسلمين انحيازاً للأمة، وتعميقاً لعلاقاتها الداخلية.

لم يقامر الإسلام ببنية الأمة الإسلامية في علاقاتها الداخلية ولا الخارجية، بل عُني بكل تفاصيلها معمّقاً الولاء الذي يعصّب أفراد الأمة الإسلامية، والذي يبرز في مواقف جوهريّة نستطيع أن نلخّصها في ثلاث نقاط مهمة:

1- الحب: في الحديث: “من أحبّ لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان” (أبو داود)، وهو حديثٌ يوجّه قلب المؤمن فيجعل محبته وبغضه وفعله كله من وراء سور الإيمان بالله، بل إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط الإيمان بمحبته عليه السلام فقال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (البخاري ومسلم)، وفي السياق نفسه يأتي حديث: ” ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.” (البخاري ومسلم).

ومع أنّ الأحاديث السابقة تظل في إطار كمال الإيمان فإنّ القرآن نصّ صراحة على أنّ حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله ينبغي أن يكون في قلب المؤمن فوق حبه لأهله ولدنياه، في لهجة تحذير لمن يخالف ذلك، يقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كَاْنَ آبَاؤكُمُ وَأَبْنَاؤكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوْهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَادٍ فِيْ سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِيْ القَوْمَ الفَاسِقِيْنَ} (التوبة/24)، يفهم من الآية أنّ حكم الفسق ينطبق على أولئك الذين لا يجدون في قلوبهم شعور الحب لله ولرسوله وللجهاد حباً يفوق حب الأهل والمال والولد.

2- النصرة: جاء في وثيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة: “أن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (كبيرة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن..” بهذا الميثاق ابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية وفق قاعدة اليد الواحدة، التي تحمي الجسد الواحد، وتردُّ عنه العدوان أياً كان، فالمؤمن لا ينصر كافراً على مؤمن حتى ولو كان ذلك الكافر ولده أي أقرب الناس إليه من رحمه، ولأنّ مسلمي المدينة كانوا قد انشقوا بإسلامهم عن عصبيّتهم القبليّة  مخلّفين وراءهم أهلا وإخواناً  كان لزاماً عليهم أن يُعلنوا ولاءهم الكامل لأمّتهم مؤكدين أنّ نصرهم لأبناء أمتهم قائمٌ ولو كان العدو في ذلك أحد أهلهم، وقد فرض القرآن التناصر بين المسلمين بل أكد على إسلاميّة أصله، قال سبحانه {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ فِيْ الدِّيْنِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} فبرغم أنّ الآية خاصّةٌ في مَن بقي في خارج المدينة من المسلمين ممّن لم يهاجروا فلم يدخلوا في حلف الدولة الجديدة إلا أنّها صريحةٌ في أنّ الدين رباطٌ يجمع الأمة في ولاءٍ أولي، لكنّ تمام الآية يوضح إقرار الإسلام ما يُعرف اليوم بمفهوم “المواطنة”، فالمؤمنون من المهاجرين والأنصار الذين أقاموا دولة الإسلام في المدينة المنورة أمة، لكنّهم كما نصّت الوثيقة النبويّة يتعايشون مع سواهم من المقيمين في المدينة وهم اليهود آنذاك، ولكلّ دينه الذي يقيمه، كما أنّ لكل فريق حقوقه وواجباته التي أوضحتها الوثيقة، والمسلمون ينصرون إخوانهم ممّن لا يشاركونهم المواطنة إذ لهم عليهم حق الدين، وولاء الأمة الواسعة، لكنّ هؤلاء لا يدخلون ضمن دولتهم كما هوا واضحٌ في الآية، ونصّها الكامل: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.(الأنفال/72)

3- البراء من غير المسلمين: يستطيع المتتبع للنصوص الواردة في الولاء أن يطمئن إلى أن البراء لا يخرج عن كونه أحد مظاهر الولاء، وليس شطراً موازياً فولاء المسلم للمسلمين يقتضي منه ضرورةً البراء من سواهم، وهو براءٌ قوامه عنصرين جوهريين هما عدم الحب وعدم النصرة، فالمسلم لا يعلّق قلبه بغير المسلمين إعجاباً وارتباطاً ولا ينصرهم على إخوانه.

والنصوص صريحةٌ في بيان ذلك: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة/22).

وجاء في صحيفة رسول الله أن المؤمن “لا ينصر كافراً على مؤمن”، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمَاً غَضِبَ اللهُ عَلِيْهِمْ} (الممتحنة/13).

قدّم الإسلام بفريضة “البراء” صيانة الحدود الخارجية للأمة، فالبراء هو الثغر الذي يحفظ للأمة هويتها ويحميها من انحرافاتٍ تودي إلى الميوعة الفكريّة أو الذوبان والتلاشي بله الانبهار المؤدي إلى غياب الثقة بالنفس في مقابل الآخر، بيد أنه حفظ للآخر حقوقاً مؤدّاة في ذمة المسلمين سواءٌ أكان هذا الآخر داخليّاً يعيش مع المسلمين في وطنٍ واحد كيهود المدينة الذين نصّت صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم على “أنّ بينهم وبين المسلمين النصر على من حارب أهل الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والبر دون الإثم.. وأنّ النصر للمظلوم”. أو كان ذلك الآخر من أصحاب العهد والميثاق فقد أوجب الإسلام حفظ العهود والمواثيق مع الشعوب الأخرى فنصّ القرآن صراحةً على أنّ المسلمين ينصرون إخوتهم في الدين ممّن لا يشاركونهم الوطن مستثنياً من ذلك أصحاب الميثاق{إِلَّا عَلَىْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ..}.

وليس يقدح في البراء أن يتزوج مسلمٌ كتابيّةً، أو أن يتعايش المسلمون مع شركائهم في الوطن، فيبيعون ويشترون منهم، ويعدلون ولا يظلمونهم،  ويجاورونهم فيتهادون ويتزاورون على أن يبقى الأمر كلّه لله وهو ما حفظته وثيقة الرسول صلى الله عليه وسلّم: “وأنّه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإنّ مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله”.

ولعلّ لنا بعد هذه الإلمامة أن نختم بقول مصطفى صادق الرافعي: “لو سُئلتُ ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألتُ: كم عدد المسلمين؟ فإن قيل: ثلاثمئة مليون، قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمئة مليون قوة”.

_______________________________________

الهوامش

[1] عبد الرحمن بن خلدون: تاريخ ابن خلدون- المقدمة، تح: خليل شحادة، دار الفكر بيروت 2001، ج2 ص427.

[2] بتول جندية: على عتبات الحضارة، بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار ص 43

[3] إسماعيل بن عمر بن كثير: السيرة النبوية، مكتبة المعارف، بيروت، د.ت

[4] ينظر في بيان ذلك: على عتبات الحضارة ص43

ماذا لو طُبِّق حديث: “لا يفرك مؤمن مؤمنة”؟

محمد الريس


عندما يبحث الرجل عن شريكة حياته، فإنه يمر من أجل ذلك بمراحل، أولها الرؤية الشرعية أو ما يوازيها، وفيها إما أن يحدث قبول نفسي للطرفين فينتقلان إلى مرحلة الخطوبة أو يجدان ضيقاً فتنتهي العلاقة قبل أن تبداً، وإذا كان أساس الرؤية الشرعية القبول النفسي فأساس الخطوبة القبول العقلي، ويحصل تبعاً لما يجري بينهما من نقاشات، تكشف لهما أفكار وآراء وطباع بعضهما، ولكن مثل الخطوبة كمثل كشّافٍ وجهته إلى نفقٍ ضخمٍ، فإنه يجعلك تبصر شيئاً ويخفي عنك أشياء، فترى الصورة العامة وتغيب عنك التفاصيل الدقيقة، فمهما أعمل أحدهما عقله فترة الخطوبة فلن يكشف جميع طباع وأخلاق وأفكار الطرف الآخر، ولكنها ستعطيه فكرةً عامةً عنه إن أعمل بها عقله وعطّل بها قلبه.

وبقدر ما يسعى الطرفين إلى كتم مشاعرهما فترة الخطوبة، بقدر ما تنفجر مشاعرهما وعواطفهما عند عقد الزواج، فهي مرحلة الحب والأحلام الوردية، وبها يجعل العاقدان لبعضهما البحر طحينةً! ويبدأ الاقتراب النفسي والجسدي، وينتهي عصر استخدام العقل! فكما قيل: “الحب يعمي ويصم”، فيرى المحب كوارث محبوبه هفوات، وهفواته حسنات، وحسناته معجزات!

فتكون علاقتهما ببعضهما كعلاقة الأم بولدها لا تراه إلا خير خلق الله، فأما حسناته فهي تصدر منه، وأما سيئاته فهي تُكاد عنه!

وقد أظهر العلم أن جسد العاقدين يفرز خلال هذه الفترة هرموناً يجعلهما لا يريان سوى إيجابيات وكمالات بعضهما وهو الهرمون ذاته الذي يفرز لدى الوالدين في علاقتهما مع أولادهما.

ولكن الحياة ليست بهذه اللطافة والوداعة وإنما يحكم الفرد فيها واجبات ومسؤوليات ويتخلل رحلة السير بها ضغوط ومشاق وصعوبات، لذلك فإن الحب والحياة الوردية يتنحيان جانباً عند الزواج وتبدأ المسؤولية تحكم! فيناط بكلا الزوجين واجبات عليهما الإتيان بها ويصبح لكل منهما حقوقاً على الآخر أن يؤديها له.

ولا نقصد بذلك أن الحب يذهب أدراج الرياح، بل هو يزداد ويتنامى مع الوقت، وإنما الذي قصدناه هو أن كلا الزوجين ينظر إلى الأمور بعين العقل، فيصبح أكثر واقعيةً في التعامل مبتعداً عن خيالات الشعراء التي كانت تجول عقله عند العقد!

وخلال هذه الفترة ومع طول المعاشرة تبدأ عيوب الطرف الآخر بالظهور، فما كان مخفياً صار اليوم ظاهراً، وما كان يُبرر له أصبح اليوم يُعاقب عليه! فتبدأ المشاكل والمنغصات من حينٍ لآخر، وتُكرر الأخطاء إذ كل منهما قد طُبع على نقصٍ يجاهد نفسه على تركه ولكنه لا يلبث أن يعود إليه، فهاهنا يأتي التوجيه النبوي الذي يريد للعباد خيراً ولحياتهم أمناً، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر” [رواه مسلم].

فلا ينبغي للزوج أن يبغض زوجته لطبعٍ كرهه فيها، بل يغض الطرف عنه مصوباً بصره نحو طباعها الحسنة، ورغم أن الحديث موجه للزوج إلّا أنه يشمل كلا الزوجين، ونعتقد أنه جاء بهذه الصياغة لأن كره الزوج قد يؤدي إلى الإضرار بها بتنغيصٍ أو شتمٍ أو ضربٍ أو طلاقٍ، ولأن الرجل يحكمه عقله أكثر من عاطفته فلا تشفع لها محبتها في قلبه لتجاوز أخطائها، بينما تغلب على المرأة عاطفتها فتشفع له محبته في قلبها لتجاوز أخطائه.

ومن لطائف الحديث أنه وصف الزوج والزوجة بالإيمان، وكأن في ذلك تنبيه للزوج بأنه يكفي الزوجة إيمانها لترضى عنها وتصبر على هفواتها وتعينها على تصحيح أخطائها، فتسيرا معاً في طريق الإيمان متحابين في الله تجاهدان نفسيكما على رعاية حق الله فيكما، فجاءت هذه الكلمة في هذا الموضع مهدئةً للنفس مريحةً للبال مطفئةً للغضب.

ولأن الإسلام دين كامل ذو منهج متكامل، فإنك لن تستفيد منه إن أنت أخذت بعضه وألقيت بعضه الآخر وراء ظهرك، وعملت بما وافق هواك وألغيت ما خالفها، وانقدت لما فهمت مغزاه وأدبرت عما لم تدرك حكمته، ومثال ذلك أنه يصعب جداً أن يستفيد من هذا الحديث من عطّل عقله وأعمل قلبه في فترة الخطوبة غافلاً عن تعاليم الإسلام في أن تكون هذه الفترة للتقييم العقلي فقط بعيداً عن أي عاطفة أو مشاعر، والسبب في أنه يصعب عليه الاستفادة منه هو أنه قد يكون فيها طباعاً يستحيل عليه احتمالها أو تكون سيئاتها تفوق حسناتها بمراحل أو أنها منافقةً تظهر إيماناً وتبطن كفراً، أو أنها مسلمةً ولكن لمّا يدخل الإيمان إلى قلبها! وكل ذلك كان يمكن أن يظهر له في فترة الخطوبة سواء ظهر له واضحاً أو بعد طول نظرٍ وفكر ولكنه كان مخمور العقل معمي القلب!

كما لا يمكن لزوجين أن يستفيدا منه إذا كان لا يعاشر الزوج زوجته بالمعروف فيرعاها ويحفظها وينفق عليها ويكرمها، وإذا كانت الزوجة لا تطيع زوجها بل تجعله نداً لها، ولا يجد منها حفظاً لنفسها وماله وأولادهما، فكيف يمكن ألا يبغضا بعضهما وتضيق نفوسهم وتجف منابع الحب في قلوبهم، وكل منهما قد نسي ما لغيره من حقوقٍ عليه متجاهلاً ما شرعه الله من أحكام في حق الزوج على زوجته وحق الزوجة على زوجها.

لذلك ها قد أوصلتكم إلى بداية الطريق، طريق الله الذي أنزل علينا شريعة، وأمرنا أن نلتزم بها ونأخذها كلها، وأن ندعوه في صلاتنا كل يوم سبعة عشر مرة -على الأقل- ألا يجعلنا من المغضوب عليهم وهم اليهود الذين علموا الحق ولم يعملوا به، بل ألقوه وراء ظهورهم، وجعلوا يمدون أيديهم إلى وراء ظهورهم فيأخذون منه ما يوافق هواهم ويتركون ما لا يروق لهم، وكل من كان هكذا حاله فقد حل عليه غضبٌ وسخطٌ من الله، فإما أن يستمر بذلك وينتظر هلاكه أو فلينته وينتظر رحمة الله القريبة من المحسنين.

 

رمضان.. عندما يشتاق الإنسان إلى معراجه الروحي

محمد الريس


في عالمٍ صار فيه حب المادة على أشده، فترى من يظن نفسه عبداً لله وواقعه لا يعبد سوى بطنه وفرجه، وترى الذين لا يقيّمونك إلا بما تزين به جسدك من لباس وتملؤ به معدتك من طعام، فإن كان لباسك دون “الماركات” وطعامك دون الإسراف فلن تجد منهم سوى الازدراء والاحتقار.

وأصبح الأكل لأجل اللذة لا لأن يكون حاجةً للاستمرار في الحياة، وتجد من يصفك بالرجعية إن أنت لم تعرف اسم تلك الأكلة! وتجد من يعيب عليك أن تحافظ على النعمة -بأن لا تبقي في طبق طعامك شيئاً- فذلك بزعمه ليس من التحضر!

وتجد من ينشئ قنوات على اليوتيوب غرضها الأساسي نشر تحديات لمن يأكل أكبر عدد من الوجبات! وترى متابعيها بالملايين، ومتابعو العلماء بالعشرات! وتجد الزوج الذي يشن حروباً على زوجته إن هي لم تطبخ، أو كانت الطبخة على غير ما يحب! وكأن الطعام قد أضحى قضية العالم وشغله الشاغل!

في هذا العالم الذي وصفته لك يأتيك رمضان، الشهر الذي يريد منك أن تضع لشهوات بطنك حداً، وتجعل لك من ذلك منهجاً، فلا تضبطها شهراً وتفلتها عمراً! يأتيك ويريد منك أن تترك رديء الأخلاق وتطلب أحسنها، فيصبح ذلك طبعاً من طباعك، وقد يظن أحدهم مخطئاً أن غاية الصيام هي الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فقط! غافلاً عن الحديث النبوي: “من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” [رواه البخاري]

ومما علينا إدراكه أنه يشقينا أن ننسى أنفسنا وحاجاتها لحساب أجسادنا ورغباتها، وأن ننظم الحياة من حولنا ونتركها خراباً في داخلنا، وأن ننبهر بالبرقع الخداع للأشياء ويغيب عنا أنها تقاس بجوهرها، وأن نحصر السعادة بملذاتٍ تأتي إلينا ناسين أن الرضى رضى النفس، وأنك لو ملكت كل ما وقعت عليه عيناك وأنت طامح للمزيد فلن تشم رائحة السعادة، وأنك لو أنت قنعت بما تملك فستعيش حياةً يحسدك عليها الملوك والأمراء.

وفي هذا المقام، لا غنى لنا عما قاله ابن القيم عن حقيقة الصوم: “أما الصوم، فناهيك به من عبادة تكفّ النفس عن شهواتها وتُخرجها عن شبَه البهائم إلى شبه الملائكة المقرّبين، فإنّ النفس إذا خُليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم، فإذا كفّت شهواتها لله، ضيَّقت مجاري الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عادتها وشهواتها، محبّة له، وإيثاراً لمرضاته، وتقرُّبا إليه، فيدع الصائم أحبّ الأشياء إليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه، فهو عبادة لا تُتصوّر حقيقتها إلا بترك الشهوة لله، فالصائم يدع طعامه وشرابه وشهواته من أجل ربه.

وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى، وبهذا فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الإضافة في الحديث فقال: “يقول الله تعالى: كلّ عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي”[رواه البخاري] حتى إنّ الصائم ليتصوّر بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضا الله.

وأيُّ حُسنٍ يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسِر الشهوة وتقمع النفس وتُحيي القلب وتُفرحه، وتُزهِّد في الدنيا وشهواتها، وتُرغِّب فيما عند الله، وتُذكّر الأغنياء بشأن المساكين وأحوالهم وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشهم فتُعطِّف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا له شكرا؟

وبالجملة، فعون الصوم على تقوى الله أمر مشهور، فما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصوم، فهو شاهد لمن شرعه وأمر به بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه إنما شرعه إحسانا إلى عباده ورحمة بهم، ولطفا بهم لا بُخلا عليهم برزقه ولا مجرّد تكليف وتعذيب خالٍ من الحكمة والمصلحة بل هو غاية الحكمة والرحمة والمصلحة وأنّ شرع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم ورحمته بهم” [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، 867-868]

وإنك في رحلتك الروحية في رمضان تسعى لأن تكون طيب النفس، حسن العشرة، سليم الصدر، واضعاً حديث الرسول عليه الصلاة والسلام نصب عينك عندما قال: “إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق” [رواه البزار (9319)]، وعالماً جيداً ومدركاً لما قالته عائشة رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان خلقه القرآن” [رواه مسلم].

وإن القلب لا يجد سبيلاً إلى التزكية إلا بصيامه عمّا حرمه الله عليه من حسد وكبر وعجب وحقد وغيرها، ولا يجد جوّاً مناسباً يعينه على ذلك إلا الصيام الذي يقيد شهوات البطن والفرج، فاجعل لك في شهر رمضان منهجاً تسير عليه، ولتكن نيتك أن تزداد من الله قرباً، ولتجتهد ألا تضيعه بأن يكن نصيبك منه ترك مفطرات البطن والفرج مع التمادي باللسان والعين والأذن وصولاً إلى اليد وانتهاءً بالرجل!

جهاد النفس في رمضان

الهادي حافظ


أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك!

للباحثين عن جهاز كشف يمَكنهم أن يتعرفوا على أي نوع من النفوس ينطوون؛ أهي: الأمّارة بالسوء، أم اللوامة، أم المطمئنة؟ فما عليهم إلا أن يراقبوا أعمالهم في رمضان!

ففي كتاب لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله يحدد أعداء الإنسان الداخليين بالنفس، والشيطان، والهوى والدنيا. فالهوى والدنيا وسيلتان تستعملان حسب إغواء قائدي ركب رحلة الشر، وهما النفس والشيطان لعنه الله.

والشيطان -كفانا الله شره- ربما يضعف عمله بفعل التصفيد في شهر الخير -رمضان- لتتسلم النفس زمام رحلة الإرداء بالبشر، فيكون حال الناس في رمضان مرآة لنفوسهم!

مما يعزز ذلك ويؤيده -شيئا ما- ما يذكر من أحوال السلف في رمضان وكيف كانوا يتركون المباح للواجب، وخلاف الأولى للمندوب.. فيركضون في حقل فعل الخيرات ليعيش الجميع على مدار الشهر الفضيل في باحة من الخير: فمنهم سابق بالخيرات..وما ذاك إلا لصلاح نفوسهم.

بخلافي أنا وأمثالي فإننا للأسف ربما تساوى عندنا أَوَلى شهر الخير شطره إلينا أم ولى مدبرا عنا! فتجد الواحد منا بالكاد لا يفرق بين رمضان وغيره، فقد تراه ناشرا صورة لعارية على صفحته الذي لا يعلم متى تطوى، فتبقى الصورة حسابا جاريا من الذنوب بعده لاقدر الله، وقد تراه يتكلم في العلماء بما شاء غير آبه بحرمة عِلم ولازمان، وربما تساببنا السباب تلو السباب، وتجادلنا من أجل تزكية نفوسنا، {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء}.

ناسين أو متناسين قول الحبيب صلى الله عليه وسلم “فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم مرتين”.

أما مواعيد “العمة الفيفا” مقدسة، فإنها لم ولن تفقدنا حيث أمرتنا! وحتى لو جاء وقت المباراة متزامنا مع وقت عروج ملائكة الرحمن الذين سيسألون عنا: كيف تركتم عبادي؟ فيكون الجواب: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، فيفوتنا للأسف قطار تلك البشارة!

نعم يفوتنا للأسف قطار التشريف ذلك: وهم يصلون.. لأننا كنا حينها في المقاهي، وحسبك به من حرمان والعياذ بالله!

كل ذلك لتسليمنا العنان لأنفسنا الأمارة بالسوء، فعن النفس يخبرنا ابن القيم رحمه الله تعالى حين يقول: سبحان الله؛ في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان.

ومع ذلك أظل وأمثالي نصالحها ونهادنها بدل أن نناصحها، وكأنا ما قرأنا يوما إخبار الحسن البصري وقوله: إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه.

ثم نهيم نحن ونهيم في غفلة شديدة على حد تعبير أحد أعلام السلف رحمه الله وكأني به -يعنيني-وأمثالي: وما أحسب أحداً يفرغ لعيب الناس إلا عن غفلة غفلها عن نفسه، ولو اهتم بنفسه ما تفرغ لعيب أحد ولا لذمه.

فنرجو رغم كل ذلك أن لا نكون قد وصلنا إلى درجة أن يتتلمذ علينا إبليس لعنه الله! على حد تعبير الحسن البصري رحمه الله الذي قيل أنه رأى إبليس لعنه الله في المنام فقال له: كيفك مع عباد الله؟ فرد عليه ابليس لعنه الله: كنت أُعلم الناس الشر، فصرت أتعلم منهم!

فالبدار البدار، لنبادر عسانا نتدارك أنفسنا ولنحذر أن يمضي رمضان قبل أن نتعلم منه ونلحق بركب تلامذته، ولنحذر كذلك أكثر أن نكون ممن تتلمذ عليهم إبليس عليه لعنة الله.

وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسهُ * ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل

ونحذر من أعوان إبليس من الإنس الذين يقومون بالدور على أكمل وجه، حين لم يتركوا باب لهو ولا غواية إلا طرقوه، لإشغال الناس في هذا الشهر الفضيل: مسلسلات، برامج، سهرات، إثارة..
كل ذلك يبذل في الغالي والنفيس، لأجل هدف واحد: تضييع فرصة العتق من النار في رمضان على عوام المسلمين.

وصدق مولانا الكريم: {يريد الله أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

عبد اللطيف المحيمد *


يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

* عبد اللطيف المحيمد: باحث في مقارنة الأديان من العراق

الحجاب والمساواة

إيمان محمد


في الوقت الذي كنّا نتلقى السهام فيه من كلّ جانب، هناك في الداخل السوريّ، حيث لا يمكن لأحد أن يتكهّن من أين ستأتيه الضربة بالضبط كي تصيب في مقتل، وحيث لا يمكن لأحد تخمين نوع السّلاح الموجّه وتأثيره، كنت أتساءل عن الثوابت كيف كان بالإمكان التشبّث بها ضمن كل الظروف القاهرة إلى هذا الحد؟!

في الدراسات النفسية والاجتماعية دلالات واضحة على انحدار القيم وزعزعتها خاصة في وقت الحرب، وكنت أحاول مقارنة الجانب النظري بالواقع، وكان الحجاب من ضمن الثوابت التي شهدت زعزعتها في النفوس، الأمر الذي كان يستدعي التأمل والبحث.

اليوم، وبعد مرور سبع سنوات أثبتت المرأة فيها نفسها بشكل أكبر بكثير عن ذي قبل، وحضرت في كل المجالات حضوراً لم يشهد نظيراً في أية مرحلة سبقت، وأظهرت علماً وعملاً وفاعلية وإبداعاً فلم تحتج إلى دليل كي تثبت للمجتمع أنها مساوية له في التفكير والعقل والقدرة على الإنجاز والتعلّم والتطور، مساوية له في التكليف بما بُني الإسلام عليه من أركان ودعائم، وهي مثله تماماً في كونها مسؤولة أمام الله تعالى على الإهمال والتقصير، ومحاسبة على أخطائها في حقّه وحقّ كل ما جعله تحت رعايتها، فلماذا إذاً لا تتساوى معه في الشكل والهيئة، ولماذا كل هذا التشبّث بقطعة قماش؟ وقد كان السؤال مطروحاً بجلاء: هل الحجاب يحدّ من مساواة الرجل والمرأة؟

يفترض كثير من الناس أن الحجاب في الإسلام كان دافعاً ضد المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، ويعتبرون الحجاب قيداً كبيراً يحدّ من انطلاق المرأة ونزوعها نحو الحرية، ومعاكسة لحقها في أن تمارس دورها دون قيود في الشكل والمظهر.

وإذا تأملنا في الحقائق من زاوية موضوعية أشمل وأوسع، لوجدنا أن هناك مساواة في التكليف والعبادات والفاعلية والعمل حسب القدرة والاستطاعة لكل منهما، وسنجد مساواة في القدرات سواء كانت ذهنية أو اجتماعية أو نفسية أو علمية، تماماً كما نجد لكل منهما احتياج ومطلب للتعاون مع الآخر، في عملية بناء المجتمع وإصلاحه والرقي به.

المرأة تشترك مع الرجل في كل معنى إنساني أو اجتماعي، أو تربوي أو عقلي، لا يميزه عنها أي شيء ولا يتفوق عنها من تلك المعاني بشيء، ولا تقلّ هي بما تمتلكه من عقل في قيامها بالتكاليف التي أمرها الله بها، ولا بأنها مثله ستحاسب أمام الله على الخطأ والتقصير، وإنما الاختلاف هو في الشكل والتكوين، فقد تميزت المرأة بجمال الفطرة وجاذبيتها، مما يحرك الغرائز ويدفع لاحتياج آخر، فيكون الانجذاب لغة اتصال جديدة تحتاج أيضاً إلى مجرى صحيح ضمن شراكة مشروعة لتصب فيه، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة تحمل محورين، الأول في صيغة العمل والبناء، والآخر محور الانجذاب الفطري الذي يقود له تكوين المرأة وما تحمله من مفاتن، وفي انجذاب الرجال – على مستويات- لتلك المفاتن، والذي قد يخرج بصيغ سلبية تحمل الامتهان لكرامتها، وقد لا يحمل أية صيغة سلبية، حسب شخصية بناء الرجل وتعامله مع تلك الفتنة، وبالتالي فلا يمكن قياس ذلك ولا الحدّ منه بحال من الأحوال.

ولأن الإسلام قد دعا إلى المشاركة الفعالة بين الرجل والمرأة بما يخدمه ويسهم في ارتقاء الأمة ونهضتها، فقد جعل هناك شروطاً لتلك المشاركة لئلا تتحول عن غايتها ومغزاها، فتنحدر أو تمتهن حق المرأة في التكريم وصون الكرامة، أو تفسح المجال لأصحاب الغرائز غير المنضبطة من إيذائها بكل وسيلة ممكنة.

فكان الحجاب، لأنه الحاجز المنطقي الذي يحول بين تلك الغرائز غير المنضبطة وبين المرأة، فإن التزمت به حالت بينها وبين احتمالية الأذى، ودفعت من يخاطبها أو يتعامل معها إلى مخاطبة عقلها وإنسانيتها، ليكون التعاون والتكامل منضبطاً في أفضل صورة ممكنة.

وهذا بالضبط ما تشير إليه الآية الكريمة في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين}.

ومن هنا نستطيع أن نتلمس الحكمة الحقيقية من الحجاب، ألا وهي دفع الأذى عن المرأة، والدفع باتجاه تأسيس مجتمع سوي، لا تعدي فيه على الحقوق، ولا امتهان للكرامة، مجتمع مساواة في أعلى المستويات في العلم والعمل والفاعلية الحقة، وانضباط في أعلى المستويات لوضع حد لأية احتمالات ممكنة للتجاوزات السلبية وهذا من أرقى نظم الإنسانية وأعلاها.

هل الحجاب وسام أخلاق؟
كما ذكرنا سابقاً الحجاب هو حاجز للحيلولة دون إثارة الفتن والغرائز، فهو أداة لمنع الأذى أن يصيب المرأة، أو يحرّك السوء في النفوس، فيقع أذى على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وبالتالي فليس منطقياً بحال من الأحوال أن نقول بأنه وسام أخلاق وفضيلة لمن ترتديه، تماماً كما هو ليس دلالة انحدار أخلاقي لمن تنزعه، والشّواهد كثيرة بين النساء اللواتي جعلن من الحجاب غطاء لأفعال سوء، أو احتجبن ولم يقف الحجاب حائلاً بينهن وبين سوء أخلاقهن، كما هي كثيرة أيضاً لمحجبات كُنَّ على أعلى مستويات التميز والتقدم العلمي والعملي، فلم يقف الحجاب حائلاً بينهن وبين إثبات أنفسهن والارتقاء بعقولهن لمصلحة أمّة، والأمر هو ذاته لمن لم تحتجب، فما الغاية إذاً من الحجاب مادام لا يركز لفضيلة ولا ينفي رذيلة؟

الغاية هي كما ذكرنا إحاطة المجتمع بضوابط منطقية حكيمة تمنع أحد مسببات وقوع الأذى، وتحمي أفراده، سواء كانت المرأة أو الرجل، تحميهم من مزالق الفتنة ووقوع الفساد.

ولا يمكن لأحد أن ينكر كيف تكون النظرة لامرأة أظهرت مفاتنها، وتوجهت للمجتمع تخاطب فيه الفكر والعقل، كيف يتلقى بعض الذكور خطابها مهما كان علمياً أو عقلياً متوازناً، إنهم في الحقيقة لن يروا فيها سوى تلك الصورة التي أعجبتهم، وحركت فيهم الغريزة، ليلقوا تعليقاتهم عليها جزافاً، وينسفوا كل العلم والعقل الذي خاطبتهم به.

المعادلة واضحة في الإسلام، وهي: هناك حاجة وضرورة مُلحّة على أن تقوم المرأة على دورها المطلوب، وأن تعمل بفاعلية في كل مجال يوافق قدرتها وعلمها وطاقتها، وهناك شراكة على بناء المجتمع ونهضته، تنتظرها كي تتقدم وتثبت نفسها دون تحرج أو تردد، والمطلوب منها في حضورها الفاعل هذا أن تضبط الإيقاع عبر حجاب يصونها من عيونٍ ملوثة وأدمغة لا تعمل إلا باتجاه سلبي، وألا تسمح إلا بأن يخاطب منها العقل والروح، لا أن تخاطب كجسد في ميدان يتطلب الجدية في حمل الهم، والهمة في تحقيقه.

الثوابت في كل مرحلة قد تتزعزع، والمهم كيف نعمل العقل، ونحسن التعامل مع كل ما يحاول هدمها.