image_print

لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء!

لن نحتاج لوقت طويل من التفكير لندرك أن وجه العالم قد تغيّر، وأنه قد عمّ الفساد الأرض بما كسبت أيدي الناس، فلم يتبقَّ سوى ثلة من المسلمين هنا وهناك يسعون لإصلاح ما فسد بأيدي الناس، لكنهم –لقلتهم- باتوا كالغرباء، – فقد أتى الزمان الذي يُعيّر فيه المؤمن بإيمانه كما كان يعيّر الفاجر بفجوره، فأصبح المؤمن لا يدري إلى أين يهربُ بدينه وماذا يصنع فرارًا من الفساد الذي قد ساد المجتمع.

يميل الإنسانُ بطبعه إلى الاجتماع بالناس، والأنس بهم وبحديثهم فلا يقوى على أن يعيش منعزلاً وحيداً، ولكنه في الوقت نفسِه يتأثر بمن يخالط ويعيش معه، فمن جالَس جانس، ومن شاهد معصية ينكرها في المرة الأولى، فإنه يكاد يألفها في المرة الثانية أو الثالثة أو العاشرة! ويمتد أثر ألفة المعاصي التي يراها المؤمن ليلاً ونهاراً إلى فؤاد الإنسان وبيته وعمله، وترافقه في حله وترحاله، حتى تصبح مما لا ينكَر ومما قد فرض على الناس أمراً واقعاً لا مهرب منه.

هل يدعونا الإسلام للعزلة؟

هذا الشرّ الذي قد ساد المجتمع دفع بقلة قليلة إلى أن ينعزلوا ويحتملوا في سبيل ذلك ما يقاسونه من الوحدة والوحشة، حيث إن ما يسلّيهم هو أن أنسهم في وحدتهم بالله، وأنه معهم وملجأهم أين ما حلّوا واستقروا.

بالرغم من ذلك فإن الإنسان بحاجةٍ إلى من يشاركه الطريق الذي يسير به، فينهض به لحظة وقوعه في الزلَل ويكون داعمًا له ليصل إلى حال صلاحه؛ إذ إن الشيطان أقرب للواحد منه إلى الاثنين، وكذلك إنما يأكل الذئب من الفرائس القاصية الضعيفة، والجماعة رحمة وعصمة للإنسان، وقد جاء التوجيه الإلهي يحثنا عليها، إذ قال الله عز وجل موصياً نبيه عليه الصلاة والسلام: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، وقد أوصى الله عز وجل نبيه المعصوم بأن يكون مع الجماعة الصالحة التي تستقيم عندما يفسد الناس، فكيف الحال بمن هم دون النبي عليه الصلاة والسلام إن لم يلازموا الجماعة؟

ترسيخ الواقع بيد الجماعة

ولأنّ القصص أكثر رسوخاً في عقل الإنسان من الكلام المجرد، فلنقف عند القصة التي حدثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بها، إذ قال:

“كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب. فأتاه فقال: إنه قتل تسعاً وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجلٍ عالمٍ فقال: إنه قتل مائة نفسٍ فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلِق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوءٍ” [متفق عليه]

تؤكد لنا مقولة هذا العالِم الذي آتاه الله العلم والفقه والبصيرة الواجب اتباعه في زماننا، فهو لم يقل لسائله بأن عليك أن تذهب إلى الجبال فتبحث لك فيها عن كهفٍ وتعتزل الناس جميعهم وتعبد الله وحدك حتى تلقاه وحدك، بل قال -بما فتح عليه الله-: بأن عليه أن يذهب إلى بلادٍ ينتشر فيها الصلاح والتقوى كأحد أهمّ سماتها وحتى أصبح الغريب فيها والملامُ هو من يعصي ويفجر لا كأرضك التي كنت فيها والتي قد ساد فيها الفساد والفجور والشر حتى صار يعاب المؤمن بإيمانه ويمدح الفاجر بفجوره.

لقد أقر الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك العالم على توجيهه، وهذه هي الخطوة الأولى لمن أراد التوبة، لأن من بقي في بيئته نفسها، وهو يريد إصلاح نفسه، فإنه يوشك أن يعود إلى ما كان عليه، وقد لا يتطلب الأمر أن يهاجر التائب من أرض إلى أرض، بل يكتفي بأن يهجر رفاق السوء المحاطين حوله من كل جانب، ويستبدلهم بآخرين يعينونه على طاعة الله ومرضاته، فرفاق السوء هم العائق الأول في طريق التوبة، ويظهر لنا ذلك عياناً، فنرى ذلك الذي أراد أن يترك الخمر أو الزنا، لكنه لم يشأ أن يتخلى عن رفاقه السابقين، فيستمرون بملء رأسه بأفكارهم قائلين له: عش شبابك، فإنك لن تحيا حياتك إلا مرةً واحدة، ولا تحرم نفسك من شيء! وبأنه يمكن له عندما يشيخ أن يتوب! متجاهلين أن من شب على شيء شاب عليه، وأن من يحرم نفسه من هذه الشهوات في هذه الدنيا القصيرة ثم تعقبه كل الخيرات في الآخرة خير له من أن يتبع نفسه هواها في هذه الرحلة القصيرة ثم لا يكون له في الآخرة من خلاق.

وإن عرفوا بأن أفكارهم الفاسدة لن تؤثر به فإنهم لا يزالون يهزؤون به ويعيرونه بـ”المشيخة” حتى يعود إلى ما كان عليه بل ربما إلى أسوأ مما كان عليه!

حين يعم السوء!

إن حال الأشخاص الذين أشرنا إليهم آنفًا مع صديقهم، كحال ذاك الثعلب الذي وقع حجر على ذيله فقطعه، فعندما رآه ثعلب آخر مقطوع الذيل سأله لم قطعت ذيلك؟ فأجابه بأنه يشعر بالسعادة وكأنه طائر بالهواء وأن يا لها من متعة! فجعل الثعلب الآخر يقطع ذيله، فلما شعر بألم شديد ولم يجد متعة مثله، سأله: لماذا كذبت علي؟

قال: إن أخبرتَ الثعالب بألمك، فإن ذلك لن يدفعهم ليقطعوا ذيولهم، بل سيسخرون منا، ومن هنا ظلت الثعالب تخبر كل من تراه بمتعتها في العيش دون ذيل، حتى أصبحت غالب الثعالب بلا ذيل! وحين كانوا يرون ثعلباً بذيل سخروا منه!

إن حال كثير من المجتمعات في زمننا هذا كحال تلك الثعالب، فلعموم الفساد وتغير الأهواء، صار الناس يعيرون الصالحين بصلاحهم! ويتخذونهم مادةً للاستهزاء والسخرية، ومن ثمّ فإنه لا بدّ لكل من أراد صلاحاً وتوبةً وحال من حوله كتلك المجتمعات، فإن عليه أن يهجر موطن الشر والسوء إلى موطن الخير والتقوى، فالانغماس في مجتمع المعصية كفيل بالوقوع فيها وألفتها، وحين يكون ذلك، تصعب التوبة، أو تكاد تكون أقرب للمستحيل، والعياذ بالله.

الفلسفة الدينية و”نظرية المؤامرة”

إن كنت مؤمنًا بالله تعالى وما جاء في كتابه المقدس، فأنت حتمًا ستؤمن بالتآمر على دينك الحق، وإن لم تكن مؤمنًا، فأعتقد أنك لست بحاجة لقراءة هذا المقال.

بهذه البساطة، أختزل جدالًا طويًلا بين من يعتقد بوجود خطط من قبل أطراف قوية –دولٍ ومنظّمات- لتحقيق مصالحها على حساب الأطراف الضعيفة، وبين المنكرين لوجود هذه الخطط.

نقصد ههنا أولئك الذين يسمون هذه الظاهرة بـ “نظريات المؤامرة” التي تهدف -كما يبدو- لإخضاع البشر والسيطرة عليهم كما يروج لها، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنه لا يعني أن كل نظرية هي حقيقة بغض النظر عن سخافتها، وأيضًا لا يعني إنكار جميع ما يندرج تحت نظريات المؤامرة.

إبليس وآدم .. من هنا كانت البداية!

لأوضح المسألة دعونا نرجع للبداية، أي إلى فجر تاريخ الوجود البشري، حيث نشأت عداوة بين آدم عليه السلام وإبليس، حيث يحدثنا الله عمّا دار بينهما في قرآنه الكريم.

يقول الله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36]. لقد جاءت عداوة الشيطان لآدم عليه السلام بسبب تكريم الله له بسجود الملائكة له، حيث قال إبليس -كما أخبر الله تعالى- {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62].

لقد وعد من إبليس بأن يسعى لإضلال أغلب ذرية آدم عليه السلام كي يثبت أن ابن آدم لا يستحق الخلافة في الأرض ولا الجنة من بعدها، ليأتي تحذير الله تعالى آدم وزوجه وذريته ليرشدهم {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه: 123].

أصرّ الشيطان على وعده وموقفه، بل إنه وضّح مخططه وأدواته، فيقول كما ذكر الله تعالى {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء: 119].

الضلال ثم الأماني ثم الأمر وكأنه المعبود والولي من دون الله تعالى، فيرد الله تعالى عليه {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64].

ويحذر الله بني آدم من تولي الشيطان وعبادته مبينا هدفه {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27].

كما يخبر لله تعالى كيف يتنصل إبليس من أوليائه يوم القيامة {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].

إن هذه الآيات القليلة تدل على حقيقة وجود بني آدم على الأرض والخطر المحدق بكل فرد منهم بغض النظر عن إيمانه أو دينه؛ فالله تعالى قد حذر جميع بني آدم من إبليس، ووعد المؤمنين بالمفازة من العذاب. فإن كنا نعرّف المؤامرة بأنه مخطط لجماعة تهدف لتحقيق أمر ضد مصلحة الجموع مدفوعة بأحقاد أو أطماع خفية، سنجد أن كل مقومات المؤامرة موجودة في مخطط إبليس وزبانيته وأعوانه من البشر ضد بني آدم على هذه الأرض. وهي أكبر مؤامرة مستمرة منذ البداية وحتى النهاية ولن تتوقف إلا بقيام الساعة، حين يصبح الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى. ويبقى مصطلح (نظرية) المضاف للمؤامرة مرتبطًا بإيمان العبد بالله. فإن كان مفتونًا بعمل الشيطان وأولياؤه، قال إنها نظرية بلا دليل، وإن كان يؤمن بالله تعالى والآخرة، استطاع أن يميز الحق وسط الضلال السائد.

إنها خطة وليست تصرفًا ساذجًا

لا يمكن لعموم هذا الضلال العام المتصاعد أن يكون عشوائي الظهور بسبب حالات فردية أو صنيعةً لأهواء النفس فقط، أي أن الأمر لا يقتصر على وسوسة الشيطان لأفراد لا شأن لهم فحسب، بل إن الأمر يتعدى ذلك للإنابة، فالهدف عظيم عندما يكون جميع بني آدم إلا قليلا منهم، وهو بكل تأكيد يستوجب الجهد والمتابعة في تحقيق ما خطط له مسبقًا. ولن يقصّر أولياء الشيطان جهدًا في تحقيق مراده، باستخدام كل الأدوات المتاحة من علوم وتكنولوجيا ومعرفة سيكولوجية في التأثير على قناعات العامة وتغيير ثقافتهم وتصرفاتهم بما يرجح الكفة لإنكار الوجود والسببية، والتعلق بالأنانية والصدفية من باب تهيئتهم لقادم أعظم.

حقًّا، من كان يظن أن عداوة الشيطان للإنسان تقتصر على إفساد عمله الشخصيّ فقط فهو واهم، فمن الناس عبيد للشيطان، منكرون للإله الأوحد، وقعوا على عقد بيع أرواحهم بالدم ليكسبوا نعيم الدنيا وما فيها من شهوات زائلة. وطبعًا ذلك لا يكون إلا بمقابل، كالترويج للفاحشة أو الإلحاد مثلًا فذلك يجعل الناس أقرب لتولي الشيطان. فلا يتوقف فساد عبد الشيطان عند نفسه فقط بل يتعدى ذلك لفتنة الآخرين واستمالتهم نحو ولاء جديد بعد إلحاد، يكونون فيه جميعًا عونًا للشيطان في تحقيق مخططه على البشرية.

إذًا فإن مسألة التآمر على البشر محسومة في القرآن، وإن خفيت خيوطها، فلا يعني ذلك أنها لا تحاك ضدهم. وما يظهر من عُقد الحياة بلا شك هو من تلبيس إبليس مستعينًا بمن والاه من بني آدم كي يحكم هو فيهم حتى تحين الساعة.

وهنا فإني لست أسعى لتفنيد أو تأكيد أيٍّ من نظريات المؤامرة المنتشرة في مختلف الفضاءات والتيارات، إلا أني أبتغي توضيح الصورة الأكبر لمن يتبع دين الله ويؤمن بالحساب والعاقبة.

الثبات في وجه الفتنة

نحتاج فعلًا للثبات على الدين في مواجهة مؤامرة إبليس ومن والاه وفتنة الحياة؛ إذ إن الاقتناع بأن هذا العالم تحكمه الإنسانية وخير البشرية دون مؤثر ما، إنما هي فكرة ساذجة للغاية تخالف واقع الحياة المزري والمتردي في معظم البلاد التي خضعت للاستعمار في القرون الأخيرة، فهي تعاني من الديكتاتورية والفساد واضطهاد الشعوب.

وهي نفس الفكرة الساذجة في حال تصديق الحرية المطلقة المزعومة في الدول المتقدمة، فحرق راية “ألوان الطيف” الخاصة بالمثليين تواجَه بقسوة بالغة كالسجن لـ ١٠ سنوات، وكذلك فإن إدراج كلمة (صانع) في بحث نظرية التطور سبب كافٍ لرميه وصاحبه في غياهب التصنيف والإقصاء والسخرية، وكذلك فإن مجرد التشكيك في عدد ضحايا الهولوكوست وإن كان مبنيًّا على نتائج علمية ومخبرية كفيل بأن يعاني من المحاكمة –كما جرى مع روجيه غارودي سابقًا- وأن تسحب الشهادات العلمية من صاحبها.

يحق للمؤمن الواقعي أن يرفض نظرية المؤامرة بدون أدلة، لكنه يجب أن يكون واقعيًّا أكثر في لمس الشر المتزايد في بقاع الأرض بما يثبت اقتراب قيام الساعة على شرار الناس، والكثير من هؤلاء قطعًا لا يعملون بشكل فردي لأطماع شخصية، بل عصبة كبيرة منهم مجتمعة في عملها وهدفها أنت ودينك، وكل ذلك إرضاء لإبليس الذي وعدهم بالخلود كما وعد أباكم آدم عليه السلام.

ما دمت مؤمنًا يا أيها الإنسان، فأنت هدف أوّلي ومهم أكثر من الملحدين، لأنك ما زلت تذكر الله، والله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].

الالتزام بين الواقع والتصورات

إن الحديث عن أي موضوع أو قضية يقتضي الإحاطة والإلمام بالصورة الكاملة لها، ووضعها ضمن محددات وسياق يوضح معالمها بشكل ينزع أي لبس محتمل عنها، وإلا غدت منزوعة المعنى، مشوّهة المبنى.

بكل تأكيد فإن الأمر يصبح ذا خطورة أكثر إن كانت هذه الصورة المجتزأة -أو المبعَّضة- تضرب في صميم عقيدة الفرد منا، بحيث يختل ميزان الثوابت والمتغيرات عنده أو يعيش بتصور أجوف ضبابيّ على أساس أنه الصواب الذي لا غبش فيه!.

يظهر هذا جليًّا في التصورات المغلوطة عن الالتزام والتدين –عمومًا- التي قد يؤمل بها بعضنا البعض أحيانًا، فتراه مقبلًا بشعلة حماس متقدة، متصوِّرًا أن مجرد التدين سيفتح له أبواب الرزق ويكفيه مؤنة السعي والطلب، حتى إذا ما شُرع الباب أمامه و وأبانت الطريق عن وعورتها ولَّى مدبرًا كأنما سيق مكرها إليها!.

ومن المعلوم أن الإنسان -بطبعه- عندما يذوق حلاوة شيء ما، بعد لغوب طويل أصابه، تجده يسارع لاقتسام ما ذاقه مع من يحبهم أو من يرتعون في ذات الوسط الذي خرج منه! فتزدحم الكلمات والعبارات في فمه، محاولاً جاهدًا اختيار أجملها وأطيبها لسحبهم إليه؛ لكن كل العبارات قد لا تسعفه لبلوغ مرامه، وهذا كما قال د.فريد الأنصاري رحمه الله راجع إلى كون أن “كل حقائق الذوق في الحسيات والمعنويات لا تُدرَك إلا بالتجربة؛ فلتدرك الحقيقة كما أُدركها أنا، يجب عليك أن تذوق أنت أيضًا”، ولتوضيح الفكرة يضرب رحمه الله مثالًا بالموت، فالإنسان لا يذوق الموت ويدرك حقيقته إلا عندما يموت. ويمكن بالتالي أن يقاس على ذلك سائر الحقائق، والالتزام أحدها!

إلا أن هذا الأمر مما قد لا ينجح صاحبنا المذكور في إيصال تصور واضح عنه، كما أنه من حرصه الشديد قد يلجأ إلى تلميع الحقيقة وإلباسها ثوبًا من الرخاء والراحة على نحو مبالغ فيه حتى يكاد يصور الالتزام وكأنه الجنة التي لا يظمأ الإنسان فيها ولا يعرى ولا يشقى!

لا تجعل الحقيقة عضين

إن الصورة الكاملة لواقع الالتزام، أكبر من اختزالها في الراحة والطمأنينة وغيرها من العبارات التي تشعل فتيل الرغبة في التدين واللحاق بركب السرور والحبور، وكأنه التعويذة السحرية لحل سائر مشاكل الحياة!

فيكون الدافع والمحرك ابتداءً هو تحصيل اللذة الحاضرة والسكينة الأزلية-المزعومة-، دونما نظر إلى ما تمليه معطيات الواقع المتشعبة الذي يقتضي المجاهدة و”أن تذوق كل نفس حظها من الابتلاء وحظها من المحنة، لأن المحنة أشبه ما تكون بالنار التي تبرد الحديد وتصفي الذهب” [فريد الأنصاري، خُلُق الصبر: مادة مرئية].

فالصورة الكاملة -إذًا- تشمل الراحة كما تشمل ضرورة المجاهدة والسعي، و إلا سيكون المآل الحتمي لهذا التصور المجتزأ هو سهولة ترك الفرد-المتديّن الجديد- للطريق عند أول صدمة تهدد راحته لأن رياحها أتت على غير ما أمِل فيه.

إن الالتزام في مجمله خضوع وتسليم لما أمر الله به عز وجل عباده من ذكر أو أنثى، وهو بناء قوامه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] لذا إن حصل وتصدّرت للحديث عنه، فأخبر مستمعك الحقيقة كاملة ولا تجعلها عضين، فالواقع سيمحق كل ما حرصت على زرعه بداخله، فحري بك أن تبسط للطرف المقابل الحقائق على وجه غير منمَّق، ودع مسطرة الصدق تأخذ مجراها، فإن صدق جاء مجرورًا مكبّلًا باحثًا عن رشفة لا تظمأ روحه وراءها ولا تشقى.

أما أن تزيف الحقيقة له ظنًّا منّك أنّك مددته بطوق النجاة، فأنت في الحقيقة لم تزد على أن سلّمته لأمواج الأوهام تتلقّفه، وحملته على قارب مخروق متهالك مآله الغرق! حيث إنك زرعت مفاهيم مغلوطة في ذهنه، وسرت مدفوعًا بعاطفة لا عقال لها، أما ما تسمّيه رفقا ورحمة به-ريثما يعتاد – فهو تصوّر أجوف سرعان ما ستكشف الأيام نقصه وعورته.

مظاهر من الخطاب المجتزأ

ثمة الكثير من المظاهر التي تظهِر لنا آليات اجتزاء الخطاب الدعوي المحسّن لضرورة الالتزام، من خلال اختزاله ضمن شعارات أو صورٍ تجمّل وتيسّر من الحياةِ في إطار الالتزام، أعرض بعضها في الآتي:

تفاءل.. ستجد

يضيرنا كلنا رؤية شخص ساغب لاغب، متعب الروح وذابل المحيّا؛ بل كل يحاول تعزيته ومواساته قدر المستطاع، وهناك من يحاول –لشدة حرصه- اغتنام الفرصة وسحب الناس من طريق الضلال إلى سبيل الرشاد، فيملأ وسطه الدعوي بعبارات من قبيل (حاشا، أتدعوه ولا يستجيب؟)، أو (تفاءل ستجد)!

واللبس هنا ليس في جمال التفاؤل أو السعي لمنع الناس منه، فليس ثمة إشكال في أن يتفاءل الإنسان ويوقن بالاستجابة؛ وإنما في الطبيعة التي تكسو هذا التفاؤل والصورة الوردية التي لا ينفك المرء عن تصويرها وزرعها في نفوس الناس من حوله.

إن التفاؤل مطلوب، لكن من الحري على الإنسان والداعية أن يضعه ضمن صورة واضحة الملامح!، فالتفاؤل بالشر -على غير السائد- الأصل فيه الاعتقاد بأن هذا الشر مهما بلغ مداه ظاهره الشقاء والعذاب، وباطنه الرحمة مما يفضي إلى قبوله ومحاولة التكيّف معه وإن لم تظهر بوادر الخير والحكمة الكامنة فيه.

أما التفاؤل السائد بمعناه السطحي المتفلّت من عقال الواقعية، المحمل بالآمال والأمنيات التي لا حدود ولا سقف لها، فسرعان ما يهوي بصاحبه إلى وادٍ سحيق! وبهذا بدل أن ينقذ صاحبه، فإنه يسحبه من فجٍّ إلى فج أعمق.

بالحجاب أجمل!

من المظاهر الشائعة الأخرى -على سبيل المثال- أن بعض الفتيات -على سبيل الحصر والتمثيل لا التعميم- من حرصهن ورغبتهن في بث حب الحجاب في قريناتهن قد يُبدين حقائق عنه منافية للمنطق، وفطرة الأنثى التي تقضي برغبتها في إبداء زينتها، وحقيقة أنها أجمل بدون الحجاب!

يمكن أن نتفهّم جوهر رؤيتهن هنا، إنهن يحاولن بهذا الشكل إقناع الفتاة بما يكذِّب بصرها وما تراه وتجده في نفسها، حتى إن حصل واقتنعت هذه الفتاة بالحجاب، فهي –في كثير من الأحيان- حقيقة لم تلتزم تسليمًا وتحقيقًا لعبوديتها، وإنما لأنها وجدت فيه ما يوافق هوىً عندها.

وبهذا يكون الخطاب موافقًا لهوى الإنسان، وغير محكوم بضوابط تقيه الانفلات من دائرة المعقولية، وبدل أن تحتكم التشريعات للمسطرة الإلهية، فإنها تحتكم لما يمليه هوى الإنسان. فينأى الخطاب عن معيار “ولا يُعبَد الله إلا بما أمر وشرع لا بأهواء الناس وموضاتهم” [فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة]

الحجاب وفي الدعوة إليه قد يكون هناك تصور خاطئ عن الالتزام

بين الجهل والعاطفة و”الأنا”

إن التصدر للحديث عن تفاصيل مفصلية في حياة الفرد الآخر، يوجب على المتصدّر أن يسأل نفسه بصدق: هل كلامي وتقديمي للموضوع مبني على علم أم جهل؟ إذ أنه من الجدير الإشارة إلى أن الإنسان حال خوضه غمار الإقناع عليه أن يكون ملمًّا بالقدر الكافي من العلم! فلا تكفي هنا أنصاف المعلومات أو أشباهها، فيجد نفسه في المحصلة يسد الثغرات بالمتاح حتى يتمم البناء، فالجهل يمكن اعتباره أول عوامل هذا الخطاب المجتزأ، ثم تأتي العاطفة غير المنضبطة سببًا ثانيًا، حيث تُلجئ المخاطِب إلى رفع سقف النعيم على نحو مهوَّل فيه بما يتناسب مع رغبة الآخر وأهوائه، أملًا في أن تستقيم رؤيته مع الوقت ولو من باب الاحتمال وهو ما قد يحصل، كما قد لا يحصل لو باحتمال ١٪.

أما المعول الرئيسي في اتساع الفجوة بين التصور والواقع فهو حب الظهور على حساب الدين! واتخاذه جسرًا لبلوغ المآرب الدنيوية وحشد الجموع بإلقاء عبارات تدغدغ مشاعر المتلقي مع التركيز على ترسيخ أنّ “الدين يُسْرٌ”! ولذا فإن التجرد والصدق عامل مهم في اكتمال منظومة بناء الرؤية الواضحة.

استقم كما أُمِرت .. لا كما تريد

في المحصّلة نجد أن خطاب الالتزام البعيد عن الإحاطة بكامل الصورة، أقرب إلى كونه خطابًا أجوف يُسكِن الفرد في برج عاجي محفوف بالأمنيات والأماني، ومن ثم يغدو نزوله إلى أرض الواقع شاقًّا ومضنيًا، بل ربما تأتي النتائج ضمن شكل عكسي يقضي بأن كل ملتزم أو متدين تعيس يفضي به أخيرًا إلى التساؤل: ما الذي دفعني للالتزام؟ بل حتى إن كانت النوايا سليمة في الأصل غير أن: الغاية لا تبرر الوسيلة؛ لأن الثمن غال.

الإسلام وفقه إعمار الحياة

إن الهيكل التراتبي لفقه العمارة في الإسلام، يقدّم أساسَي الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، على عمارة المسجد الحرام، قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 19]؛ فمنزلة عمارة النفس بالله في سلّم الوحي، أفضل حتى من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فما بالك بمن جعل من العمران أو تأسيس الحضارة، مقصدًا قرآنيًّا!.

لقد اعتنى القرآن عناية بالغة بقضية عمارة النفس بالله والاستسلام له، فلا تكاد تجد موضعًا، إلّا وفيه ذكرًا لقضايا متعددة من دلائل وحدانية الله واثبات اليوم الآخر وقصص الأنبياء، والأهم ربط التشريع والعبادات والمعاملات في القرآن برابط واحد يجمع كل هاته المواضيع ببعضها، وهو عمارة النفس بالله والخضوع له، أما الحضارة والعمران فهي أثر ثانوي يتحقق تباعًا، لا كما يحتج كثير اليوم، على وجوب تقديم العمارة قبل تحقيق التزكية والتربية، بناء على قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 61]، إذ الواقع أن العمارة هنا جاءت في سياق الامتنان الإلهي، ثم الأمر بالاستغفار والتوبة، نظير نِعم الله لا الكفر والجحود، وهي لم تأت في سياق الحثّ والطلب، أو كونها مقصدًا قرآنيا لتحقيق الاستخلاف، ولو كان تحقيق الاستخلاف بمحض العمارة والبناء المادّي، لما أنزل الله عقابه على أمم غابرة، كانت أشد قوة، وبرعت أيّما براعة في استخراج الأرض وعمارتها، إذ أمرنا بالسير فيها والنظر في عاقبتهم، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 30].

الرسول بين هداية الحيارى وإقامة الحضارة

تسللت عديد المفاهيم الليبرالية الفجة إلى الداخل المسلم، ثم تلقفها العامة بحسن نية، رغم ما تحمله من تلوث فكري عميق، إذ يتم التصدير لنا، أن أهم وظيفة ومُنجز قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أنه باعث لحضارة إسلامية من عمق البدو والصحراء! وليس باعتباره رسول الله إلى الناس جميعًا، جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وفضلا على أنه ما لتأسيس دولة الإسلام، من الأهمية الشرعية والسياسية، وكذا تحصيل أسباب القوة، إلا أنّ ذلك لا يجب أن يتخطى سلّم أولويات الوحي، فتأسيس دولة الإسلام وحضارته، هو تَبَع للغاية الكبرى وهي التبليغ عن الله وهداية الخلق، وليس العكس.

تحت الاستخدام المهول للأدوات الناعمة لهذا العصر، الممزوج بشيء من الغرائز الإنسانوية، تمّ النفخ في قضية الحضارة والعمران وتحميل معاني القرآن ما لا تحتمل، وطبعًا تحت أثر تعظيم الحضارة المادية والمغالاة فيها، تسرب في اللاوعي الجمعي، الاعتداد بالحضارة الغربية والانبهار بها، حتى صارت قِبلة وهمّ شباب المسلمين اليوم، ولا يعلم كثير من الناس أن هذا الانقلاب الفكري والمفاهيمي، يعزز في الداخل المسلم قبل الخارج، ويبعث فيه رسالة سلبية، مفادها: طالما أن إقامة الحضارة المادية هي الغاية في نهاية المطاف! فما الذي يجعل الداخل المسلم لا يفِد للآخر الغربي؟ وما الذي يجعل الآخر لا يستغني عن الإسلام، طالما حقّق مراده وغايته المتركزة حصرا في الحضارة المادية؟

جواب ذلك، أنّ أوّل ما يجب أن تعلّق به القلوب وتوطّن عليه، إحياء النفس الجمعية للمسلمين والاعتزاز بها، والتأكيد على أن الحضارة الغربية، مجرد حياة بهيمية منحطة ومادية بائسة، تجهل أعظم مطلوب وهو العلم بالله، ينطبق عليها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12]، كما أن أبلغ ما ترسّخ به العقول، هو أن معيار خيرية الأمم عند الله عز وجل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}]آل عمران: 110[، أما أصحاب الحضارات، المنبَهَر بهم، فقد قال الله فيهم: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم} [آل عمران: 110]، وأنّ ما ننشده من حضارة كمسلمين، هي الحضارة التي تعلي ما أعلاه الإسلام وتخفض ما أخفضه، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

الطريف في الأمر، أنه ورغم ما حفِلت به الأطروحات المغرضة، من تطويع للنصوص وخطابات حداثية سيّالة، لم يتحقق منها شيء!، وأنى لهم أن يحققوا شيء؟ إذ كيف لمن يشعر بهزيمة من الداخل أن ينهض؟

في هذا يقول بن نبي في كتابه دور المسلم: “لماذا استطاع ذلك أولئك الأعراب الفقراء في عهد محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الأمة الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها؟ فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطباتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بمركب النقص، فلماذا لم يشعروا بمركب النقص؟، لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم”[1].

مالك بن نبي

علاوة على ذلك فإن المتأمل لما يقدمه القرآن من هدايات وتصورات من جهة، وما تقدمه كثير من الأطروحات المحايدة بزعم أصحابها، من جهة أخرى، يرى تباينًا صارخًا، فالأطروحات المغرضة لا تنفك تصدّر لنا أنّ غاية المدنية هي تحقيق الرفاه للبشرية، بينما نقرأ في القرآن: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7]، فالغاية مما حبانا الله إياه من نعم، إنما هو الابتلاء، فهل نغير مقتضى الوحي وفحواه ليتوافق مع مزاجنا الليبرالي، أم نفتش في دوافعنا عمّا يرجعنا إلى حاضرة القرآن ومآرب الوحي؟

الاستهداء بالقرآن

الدعوة لاستنطاق مقاصد القرآن وفق مراد الله، وما يتطلب مبدأ عبوديته، ليست سذاجة في التصور، ولا سطحية في الطرح، ولا باقي الإطلاقات الصحفية غير المسؤولة، والحث على عمارة النفس بالله أولا والاستسلام له، قبل تأسيس الحضارة والعمران، ليست دعوة إلى التقوقع والانكفاء على الذات، فالإسلام لا يدعو إلى السلبية والانسحاب من الحياة العامة، بل على العكس فقد ضاعف الأجر على العمل، وحثّ على الضرب في الأرض والمشي في مناكبها، قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]، لكن الانتفاع الحسي من متاع وماديات، هو ما شغل الإنسان عن مراد الله ووحيه، فأصبح يفتّش في القرآن عمّا يوافق انتفاعه وهواه، مغلبا جزأه المادي عن الروحي، رغم أنّ داخل ذات هذا الإنسان شعث، يورثه كل حين شعورا بالتيه والوحدة وفقدان معنى الحياة، ولا يجبر هذا الشعث ويسده، إلا الإقبال على الله والقرآن.

إن هذا الدواء ثابت بنص الكتاب، قال تعالى: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71]، فالقرآن لا يعطينا بيانا شافيا في التصور الصحيح لقضايا جوهرية كهاته فحسب، بل يلهمنا كيفية التصرف معها، وبيان حالنا ومآلنا إزاءها، فسبحان القائل في كتابه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 39].

إن العبودية الخالصة – إذًا- هي أم المقاصد وغايتها، وقصد القراّن إلي تحصيل العلم وحصول الإيمان والعمل الصّالح هي أسس هذا المقصد، وقصده إلى إيجاد الوازع، والتذكير، والوعظ، والإحسان، والصبر، هي أعظم ما يُتوصّل به إلا إقامة تلك الأسس، وذلك المقصد، وتلك هي عناصر المنظومة المقصدية في القراّن.


[1]مالك بن نبي، دور المسلم، دار الفكر، دمشق-سورية، الطبعة الأولى (1991) ص49

فلسفة التفرّد في الإسلام

أبتدئ مقالي هذا بالسؤال الآتي: هل هناك أسمى من رسالة الإسلام لكي تصل عموم البشر وتخرجهم من الضلال إلى الهداية والنور؟

بالنسبة لنا –نحن المسلمين- فإننا لا نظن بغير ذلك. لكن هل يبرر لهذه الغاية النبيلة أن تعمّم عبر إغواء الناس بمن يعظّمونهم ويقتدون بأفعالهم وقراراتهم؟ ومن يقرأ في حادثة ابن مكتوم الأعمى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد أن الجواب “لا”، حتى إن كان ذلك يعني الوصول لأعداد غفيرة في وقت قصير ودخولهم الإسلام جميعًا، فلم تشفع غاية الرسول في دعوة أشراف مكة ليتبعهم أهلها، في دفع العتاب الرباني على عبوسه وإعراضه عمن قصده في السؤال ليهتدي إلى دين الله بنية صادقة.

ولعلّ الحكم في هذا، أن دخول هذا الدين يبدأ بتزكية النفس أولاً من الاتباع، اتباع الشهوات والهوى وما ينطوي فيهما من رجاء وابتغاء في الآخرين، فذلك جوهر تسليم الأمر كله لله تعالى، في رد الشر وجلب الخير.

هي العبودية الأمثل والأجدر للاعتناق، لأنها تحترم مشيئة الإنسان فتدعوه بمخاطبة عقله وإجابة أسئلته ومن ثم تستميل الإيمان في قلبه حتى يبلغ اليقين. إنها ليست عبودية رِقٍّ تسلب الإنسان حريته، بل عبودية رُقِيٍّ تضبط النفس البشرية وتهذبها بما يتوافق مع تكليفها.

عِبَرٌ لا بدّ منها!

نمرّ على هذه الحادثة التي خلّدها الله تعالى في كتابه العزيز، ونغفل عن ماهية تفرد كل إنسان في اختياره المكفول له حتى يلقى حسابه.

إن كل طفل يولد، يتعلّم مفتاح الحرية في كلمة (لماذا؟)، ويستمر الأطفال بممارسة هذه الحرّيّة في السؤال حتى يتوقف بعضهم في مرحلة ما، أهمّ الأسئلة بدأت بهذه الكلمة، وأعظم الاكتشافات نتجت عنها.

لماذا سقطت التفاحة؟ وكأن التفاح لم يسقط قبل ذلك من شجرته! إنه استفهام السببيّة الذي يُظهِر حرية عقلك في التفكير، ويدل على أنك لست خاضعًا لفهم من حولك، والذي يمكن أن يكون قاصرًا أو منحرفًا أو متقاعسًا ومؤدٍّ لعللٍ عديدة أخطرها أنه ليس هناك قدرة على الالتزام بمتطلبات التغيير أو حتى الرغبة في ذلك.

يمكننا أن نرى انعكاس أبعاد هذا الهدي الرباني في قصة الأعمى على ما وصلنا إليه من ضعف في هويتنا الإسلامية. ولا أقول بسبب قوة التأثير، بل هو ضعف حقيقي بدرجات متفاوتة تصل للافتتان التام.

أتباع الثقافة الغالبة

هم فئة يدينون في تصرفاتهم لما يملى عليهم بشكل غير مباشر، فيتابعونهم عبر التقليد والإجابة عن سؤال المظهر لديهم، كيف يلبسون؟ ماذا يأكلون؟ كيف يتكلمون؟ من يصادقون وينصرون؟.

يظنون أنهم عبيد لله تعالى ويدينون بحقه وعلى صراطه المستقيم فيما يفعلون لكنهم تابعون للمؤثرين حاملي لواء الثقافة المشوهة من الغرب على أنها جزء من حضارته. وأدهى من ذلك اعتقادهم أنهم أحرار في خياراتهم ومتفردين في اتخاذها.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، يا معلّمنا وقدوتنا لو كنت بيننا اليوم، فكيف نقول ونوضحُ لجنابك –حتى- أصغر خيارات المسلمين في حياتهم؟

تضع بعض الفتيات الطلاء على أظافرهن، وتخالف لون البنصر عن بقية الأصابع. تسأل إحداهن لماذا اخترت ذلك؟ فتقول: لا أعلم، قد رأيت هذا الشكل على أظافر غيري فأعجبني، ففعلت! فإن أعلمتها أن هذا الفعل يعرف أساسًا بـ(Femme Flagging)  في الثقافة الغربية بأنه كان سائدًا كإشارة بين الشاذين والشاذات لرغبتهم في ملاقاة نفس الجنس، فحينها –قد- تشعر بالخجل.

بمثال آخر، فإنك قد تتكلّم مع أحد الفتيان، فيحدّثك بفخر عن عمل قام به ثم يتبعها بحركة (Dabbing)، فتسأله لماذا اخترت هذه الحركة تحديدا فيقول: لا أعلم، حركة رائعة يفعلها الجميع. فإن أعلمته أنها إشارة رمزية لتدخين الحشيش بين مغنّي الراب، لربما شعر بالخجل.

والشعور بالخجل -على الأقل- أمر محمود؛ إذ إنّه مرتبط بالهوية الدينية ويضعها فوق الاعتبار. أما أولئك الذين ينكرون المعلومة، ويستخفّون بضررها، ويحفظون القاعدة الفقهية القائلة: “الأصل في الأشياء الإباحة” دونما تحرٍّ في البحث، فإن مفتاح الحرية لديهم يتحوّل من (لماذا)؟ إلى (لِمَ لا)؟ في كل جديدٍ طارئٍ مستحدَث.

بكل تأكيد فإن هناك فرق بين السؤالين ولو بدا ظاهرا الحرية فيهما، إلا أنّ الأول متحفِّظٌ والثاني متحرر. وبينما يتحقق الأول من الموانع والضوابط، نجدُ الثاني دافعًا للترغيب بالمنفعة واللذة كيفما اتفق. وهؤلاء “المتحررون” من الضوابط أولُ من يسارع لاتهام المحافظين بالتشدّد، وشعارهم في الحياة لكل بدعة جديدة أن “الدين يسر” وأن مضمون الرسالة الإسلامية العقدية أهم من هذه الشكليات المرمّزة. ولو أنك اقترحت عليهم جدلًا تزيين الأظافر بشعار الحزب النازي، أو حيَّيْتَهم بتحية هتلر، لرأيت الزجر والتشدد في الهوية الإنسانويَّة المستحدَثة!

حين يتحوّل التهديد الناعم إلى وحشٍ شرس!

تهديد الهوية الإسلامية هنا تحديدًا ليس في اتباع المسلم للسمت العام المتحرر وتعرضه للزلل في السلوكيات الناجمة عنه، فكل امرئ –غير معصوم- ضعيف أمام المغريات وقد يقع في الأخطاء، وإنما التهديد هنا بارتضاء التبعية وما تبطنه من قناعات قد تتعارض مع الإسلام دون التثبّت منها، بحيث يتأثر تدريجيًّا بأفكار ما بعد الحداثة التي يهمين على محتوى قنوات التواصل الاجتماعي، والتأثر بالبيئة الخصبة لترويج الاستهلاكية واللحظات الآنية والسخرية.

فوق ذلك، نرى أولئك وجوه الإعلام الافتراضي المؤثرين -ممن يرسّخ هذا الفكر- يسعون لإضفاء طابعهم الشخصي المتفرّد في كل أمر عن علم ودون علم، وفي أحيان كثيرة يصبح رأيهم بمثابة التشريع لمتابعيهم.

إن المفارقة هنا أن القول السديد عند غالبية المؤثرين يفصّل على قياس سعة قبول المتابعين، فلا أحد يريد أن يخسر متابعيه. وفي غياب المرجعية الدينية وتحت وطأة اعتناق هذا الفكر اللقيط والمضطرب ذاتيًّا، سواء من المؤثر أو المتابع، لا مناص من انتقاد الإسلام بنفس كيفية التشكيك في جزئيّات العقيدة والعبادات والمعاملات، وتغليب أجزاء على بعضها؛ وهكذا يغدو من الطبيعي الإيمان بأن الله الرحيم سيدخل الملحد الخلوق الجنة! وأن في بعض مناسك الحج مظاهر وثنية يجب أن تلغى! وأن الاقتراض مع وجود أضرار الربا تَحِلُّ للمحتاج! وغير ذلك مما يقدّمه هؤلاء المؤثرون، وكل هذا على فرض أن المؤثر الجاهل يقدِّم فكره بحسن نية، فكيف لو كان مدفوعًا لتغيير فكر المتابعين؟!.

إن المصيبة الحقيقية تكمن في أن عمل المؤثر على المنصات الافتراضية معرّضٌ دائمًا للاستغلال من قبل أجندات كثيرة تخدم مصالح الساعين لإفشال أي محاولة نهضويّة أو إصلاحية في مجتمعاتنا، وتلك المصالح التي تقتضي تغيير فكر العامة في إنشاء انطباعات بديلة، واستحسان بِدَعٍ جديدة، وتبنّي آراء غريبة …إلخ، بما يمتلكون من أساليب إعادة التوجيه وإحكام السيطرة.

وهذا الأمر مارسته الشركات الرأسمالية في الإعلانات بصفاقة قبل أن تعتمده الحكومات. إذ ما معنى أن يدعو لاعب رياضي محبيه لأكل الدجاج المقلي، ورقائق البطاطس المهدرج زيتها، وأن يشربوا المياه الغازية المحلّاة في الوقت الذي يمتنع هو عن ذلك لدواعي الصحة واللياقة؟

وفيكَ انطوى العالَم الأكبر

هناك شيء ما في فطرة الإنسان يدفعه في قرارة نفسه للاعتقاد بأنه مميز ومتفرد كبصماته. أليس عجيبًا أن نتشابه في الأسس التشريحية للأجساد ونتمايز في تفاصيل البصمات البيولوجية؟ وكأن الله تعالى يقول لك إنك متفرد لديه، فلا تظننّ نفسك نكرة بين الناس.

إنّ تَفرّد الإنسان في فلسفة الوجودية يكمن في حريته التامة في التفكير والاختيار والإرادة، دون قيود مادية أو معنوية، ولعل ذلك ما يلتبس على البعض فينزع صفة التفرّد عن العبودية لله في الإسلام، مستندين على تلقين الله الدين لعبده. لكن في ذات الوقت هذه الحرية التامة (الخيالية) تقتضي عدم التأثر بحوافز وأحكام ومنافع… إلخ مما يجعل وجودها في الإنسان يعدُّ ضربًا من الخيال، لأنه مجبول على حب الشهوات، ويُسأل عما يفعل، ويحتاج لوجود الآخرين.

إن ذلك يقودنا إلى أن حرية الإنسان تحتاج لأن تكون مقيدة بشكل أو بآخر كي تكون واقعية؛ أي أن تكون متأثرة بضوابط معيّنة سواء بتعاليم الدين أو القانون أو العرف الاجتماعي أو غير ذلك. وهنا نستطيع أن نقول: إن تفرد المرء لا يتعارض مع الحرية المقيدة إن كان من يفرض القيود ذو حرية تامة مطلقة.

يتمثل هذا التفرّد –في الإسلام- بحرية المرء في مقاومة هوى النفس. بمعنى آخر، حتى لو وحّدنا الدين على الناس جميعًا لبقي كل إنسان متفردًا في عمله الصالح وتقربه لله تعالى؛ لا يطغى عمل عبد على آخر، ولا يجزى عبد دون الآخر، ولا يؤاخذ عبد بعمل الآخر.

وهذا هو التفرّد الحقيقي القيّم بمعزل عن التفرّد الظاهري في خيارات الناس وتصرفاتها المتأثرة ببعضها البعض. وهو ما يحقِّقُه الله تعالى لكل عبد وضع دينه نصب عينيه في تفكيره وخياراته، وابتغى مرضاة ربه في عمله.

مقاصد القرآن بين عمارة النفوس بالله وتأسيس الحضارة

تمثّل مقاصد القرآن الكريم المدخل السليم للتعريف بالدين الإسلامي تعريفًا صحيحًا لا يشوبه التشويه، وتوضيحه بشكل كامل بما يرفع عنه أي نقص أو خلل أو زلل؛ إذ إن مقاصد القرآن هي الكاشفة لحقائق الإسلام ومعالمه، والمرشدة إلى معانيه وقيمه، والموضحة لغاياته وآفاقه. بل إن التعريف بدين الإسلام إنما يعتمد –لينجح- على التصور الصحيح لمقاصد القرآن الكريم نفسه، وإدراك غاياته ومعانيه، ومعرفة أهدافه ومراميه.

وهذا يعني أنه إذا كانت المعرفة بمقاصد القرآن الكريم صحيحة وسليمة كانت المعرفة بالإسلام نفسه صحيحة وسليمة، وإذا كانت المعرفة بمقاصد القرآن ضعيفة ومختلة كانت المعرفة بالإسلام نفسه ضعيفة ومختلة، ولعل هذا هو ما حدا بالإمام الشاطبي لوصف القرآن بأنه: “كلّية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه” وأنه يللزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها “أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي؛ نظرًا وعملًا”[1]، ومن ثمّ كان الاهتمام بمقاصد القرآن الكريم، تعيينًا وإدراكًا وتوضيحًا وبيانًا، ضروريًّا لفهم الإسلام نفسه ومعرفة حقيقته، ثم تبليغ دعوته ورسالته للناس تبليغا يوافق مقصود الشارع ويحقق مراده من رسالته التي أنزلها رحمة للعالمين.

لماذا مقاصد القرآن؟

قد يتساءل أحدهم: لماذا تولون المقاصد في القرآن الأهمية البالغة؟

وهذا مما لا شكّ فيه، سؤال حقٍّ، فالمقاصد -بغض النظر- عن كونها تحقق مراد الله تعالى وغايته أو غرضه من إنزال كتابه الكريم، فإنها كذلك إيضاح أو تعليل للأحكام الشرعية في القرآن وبيان الحِكم منها، وقد أورد الله سبحانه وتعالى في كتابه آيات كثيرة في هذا الصدد، أحيانا معلّلا فيها أفعاله والغاية منها، كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 11]، وقوله: {إِنا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن للْخَائِنِينَ خَصِيما} [النساء: 115]، وقوله” {وَمَاأَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107]، وأحياناً أخرى معللًا فيها أحكامه، كما في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ…} إلى قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، ومقاصد القرآن تختلف من جهة عن محاوره، ومن جهة أخرى عن مقاصد الشريعة، حيث إن مقاصد القرآن، هي ما يستنطقه المفسّر من غايات وحِكم وعلل وأغراض من القرآن، أما المحاور فهي محتوى ومواضيع السور والآيات، وأما مقاصد الشريعة ففضلا عن أن الأصولي يستنبطها من كتب الفقه وأصوله، هي أيضًا تتعلق بمجال الأحكام والتشريع في القرآن، فهي جزء منه وتابعة له[2].

والمؤمن الحقيقي، لا يجري لاهثًا خلف كل مطلب شرعي، طلبا للحِكمة والمقصد منه، إنما يذعن ويستسلم، قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، ولم يحتفِ العلماء بعلم المقاصد، إلا لتوضيح استجابة التشريع للنوازل اللامتناهية، التي غالبًا ما تكون على الثغور وتخوم البلدان التي دخلت الإسلام حديثًا، حيث أن إعمالهم للمقاصد، لاسيما مقاصد القرآن منها، وحسن استثمارهم لها، صحّح توظيف العديد من النصوص القرآنية، وعصم جل اجتهاداتهم من الوقوع في فساد تنزيل الأحكام.

إنّ لتغييب مقاصد القرآن عند المفسرين، مفسدتين عظيمتين، كما نص على ذلك الشاطبي في كتابه الموافقات، أما الأولى فهي: “اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده”[3]، وأما الثانية فهي “أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها …. مع أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا “[4]، كما أن لتجاوز ضوابط المقاصد، والتي من أهمها: وجوب تطابقها مع مبدأ العبودية، مفاسد كثيرة، فميزان المقاصد مضبوط بالمراد الإلهي، لا بمدى موافقته لضغوط الواقع.

إنّ توظيف المقاصد على غير وجهها الصحيح ولّد انفلاتًا في التأويل، مما يستدعي من العاملين في حقل المقاصد ضبطا دقيقا، ومن ذلك ما قرّره طه جابر العلواني (ت1437ه/ 2016م) عن مقاصد القرآن، بوصفه “العمران” مقصدًا قرآنيا، يأتي مباشرة بعد التوحيد والتزكية[5]، وهذا ما يتعارض مع مراد الوحي، كما أنّ البعد الاجتماعي والعناية بالقضايا الحضارية في تناول مقاصد القرآن، لدى محمد رشيد رضا (ت 1354ه/ 1935م) في كتاب الوحي المحمدي،كانت حاضرة وبشدة، مما يطرح تساؤلات عدة أهمها: هل جرْد هؤلاء للمقاصد، كان قائمًا على استقراء وحصر، أم  فقط مجرد جمع لما يُتوهم عن جهود المراجعة والإصلاح والتجديد؟

الواقع أنه، لم يخل استنباط بعض المفسرين المتأخرين للمقاصد، من التأثر بالمنطلق الفكري، الذي يجعل الباحث يركز على المقاصد التي تخدم توجّهه، ويهمل الباقي، لكن العلماء المتقدمين كأبي حامد الغزالي (توفي: 505ه) ومن خلال كتابه جواهر القرآن، لم يطوّع النص الديني ليوافق السائد في عصره، بل كان استنباطه لمقاصد القرآن مطابقا لمبدأ العبودية ومراد الوحي، حيث ذكر ثلاثة مقاصد للقرآن مهمة وهي: 1-تعريف المدعو إليه، 2- تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إليه، 3-تعريف الحال عند الوصول إليه، وذكر ثلاثة مقاصد متمة وهي: 1-تعريف أحوال المجيبين للدعوة، 2-حكاية أحوال الجاحدين، 3-تعريف عمارة منازل الطريق.

عمارة النفوس بالله أم المعارف البانية للعمران!

نتساءل هنا: هل ينبغي علينا الاختيار بين عمارة النفوس بالله، أم عمارة المعارف العمرانية، وهل علينا أن نختار بينهما؟

أزعم أنه إذا وُفّقنا في معرفة وتقديم ما قدمه القرآن من قضايا جوهرية ومصيرية، وتأخير ما أخّره وزهّد فيه من أمور أخرى، زال توهّم التعارض بين كثير مما استشكل علينا من قضايا ومسائل، وانجلى حجم التمايز بينها!.

بداية، فإن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، لم يأت على ذكر الغاية من الخلق وإرسال الرسل في موضع وحيدٍ مجمل، يفتح لتعدد الفهوم مجالاً، بل وضّح ذلك في أكثر من موضع، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وللباحث الجاد “إبراهيم السكران” في كتابه مآلات الخطاب المدني تعليق آسر، عن آية الغاية من خلق الجن والإنس، حيث يقول: “والحقيقة أن كتاب الله لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية، بل حسمها بشكل يقيني واضح صريح، وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغة حاصرة، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}]الذاريات: 56[“[6]، فإذا كان المطلب الشرعي الرئيس هو العبادة، والمتضمّنة معرفته وعمارة النفس به سبحانه، كون تمام عبادته  متوقفًا على مدى معرفته سبحانه وتعالى، فما موقع بناء الحضارة والعمران في قائمة المطالب الشرعية للقرآن وسلم الوحي؟ وهل هناك تعارض بينها وبين المطلب الرئيس للوحي وهو العبادة؟

لم يحصل لنا توهم التعارض بين تحقيق العبودية، وبين إقامة الحضارة والعمران، إلا عندما غفلنا عن المعنى الحقيقي للعبودية وفقدنا الإحساس به، فالعبودية هي كل ما يرتضيه الله سبحانه وتعالى من أقوال أو أفعال، والتي عمودها معرفة الله وعمارة النفس به، عمارةً تؤسس لبناء حضارة وتشييد عمران، هذا الأخير الذي قال فيه الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) في كتابه المفردات، بأن العِمارة نقيض الخراب، ويعرّفه ابن خلدون على أنه التساكن والتنازل في مصر أو حلة للأنس بالعشير، واقتضاء الحاجات لما فيه من طباعهم من التعاون على المعاش[7].

لقد تضمَّن القرآن الكريم مقاصد وأهدافًا متعددة، كتصحيح العقيدة والتوحيد، حيث إنا نلحظ في كلِّ دعوة الأنبياء عليهم السلام، الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالألوهية، وحينما بعث الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته إلى الناس كافة بتوحيد الله، وتصحيح عقيدة الناس ومعتقداتهم الباطلة المبنية على الشرك والأوهام وعبادة الأصنام؛ لأن ذلك مدخل أساسي إلى إصلاح النفوس وتزكيتها.

إلى جانب ذلك فقد قصد القرآن إلى توجيه الناس إلى حُسن عبادة الله، وجعل الله القرآن منبع الهداية ونور المتقين، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16] وقال تعالى:  {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9، 10] ولا ريب في أنه ما من طريق لحصر مقاصد القرآن الكريم، إذ إنه كلُّه حكم وأسرار ولطائف ربانيَّة، تتوق النُّفوس إلى النَّهَل من معينه والاسترشاد بأحكامه وقيَمه ومبادئه العظيمة.


[1] الشاطبي، الموافقات، دار ابن عفان، ط1، 1997، ج 4، ص 114.

[2]زمرد، فريده، بين مقاصد التفسير والنقد التفسيري، دارالحديث الحسنية/الرباط مقال صادرعن الكاتبة في مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، 4 شعبان 1436 / 23 أيار 2015م

[3]الشاطبي، الموافقات، دار بان عفان، الطبعة الأولى 1997، السعودية، ج 4، ص 06

[4]الشاطبي، المرجع نفسه، دار بان عفان، الطبعة الأولى 1997، السعودية، ج 4، ص 100

[5]العلواني، طه جابر، مقاصد الشريعة، بيروت: دارالهادي، 2001 م، ص 135

[6]إبراهيم بن عمر السكران، مآلات الخطاب المدني، دار الوعي، الرياض، الطبعة الأولى، 1435هـ (ص 54)

[7] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية، 1408 هـ، 1988، ص53

علمنة الإسلام المشروع الفاشل

كان الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي رجلًا غنيًّا، يمتلك الكثير من القرى والأراضي، لكنه لم يكن كأمثال النبلاء والأغنياء الروس، فقد عُرف عنه عطفه على الفقراء والمعدومين، فبنى لهم المدارس والكنائس، اقتناعًا منه بأن سعادته تنبع من سعادة الآخرين.

رغم كل هذا فقد وصل الأديب الروسي إلى منزلق خطير للغاية، حيث وصل به الأمر إلى التفكير في الانتحار، إلا أنه ضعُف أمام الموت، وعاش كئيبًا لفترة طويلة من حياته هائمًا لا يعرف لنفسه طريقًا واضحًا، فكان يصرخ “يا إلهي رحمتك، أنقذني، أرني الطريق”، واستمرّ على حاله هذه حتى اختار في النهاية أن يخرج من الكنيسة الأرثودوكسية وأن تتبعه لعنات رجال الدين إلى قبره، وقبل موته بفترة ليست بالقصيرة بدأ جديا يقترب من الإسلام، بل أصبح مدافعًا عنه، وكتابه “حكم النبي محمد” شاهد على هذا، كما  كان بينه وبين الشيخ محمد عبده علاقة صداقة وتبادل للرسائل ومناقشات مختلفة، إلى أن مات، ويقال إنه أسلم بحسب ما اشتُهِر عنه، فقد طلب ليو تولستوي ألّا يقرأ عليه أي قسيس وألا يدفن في مدافن المسيحين وألا يوضع على قبره صليب ودُفن كما يدفن المسلم.

قصة هذا الأديب الروسي مع الإسلام مثال واحد فقط من قصص العظماء مع هذا الدين العظيم، الذي ما إن يعرفه المرء حقًّا حتى تسكن روحه إليه وتذوب جوارحه فيه، وهذا ما حدث مع الكثير من المثقفين الأوربيين؛ ولو أنهم لم يسلموا إلا أنهم ظلوا يكنون للإسلام الاحترام الكبير.

ليو تولستوي (مصدر الصورة ويكيبيديا)

وإذا ما عدنا إلى بلاد المسلمين وجدنا قومًا يرون في تعاليم هذا الدين تناقضًا، وفي سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم رجعية، وقرأنا أنهم يطالبون بتجديد الدين ووضع تفسير جديد للقرآن الكريم دون ضوابط تقيم الحقّ؛ ومراجعةً للتاريخ الإسلامي واعتذارات عما فعله الصحابة والمسلمون من فتوحات. وللسخرية، فإن هؤلاء في نظر البعض “قواد التنوير”.

الإسلام الجديد أو الإسلام الإنساني

في 1933 ظهر البيان الإنسانوي الأول على يد روي سيلرز وريمون براغ، وتحدث هذا البيان عن دين جديد وعرَّف الإنسانوية باعتبارها حركة دينية تهدف إلى التعالي وتجاوز الأديان السابقة ذات الأصل الإلهي [إبراهيم بن عبد الله الرماح، الإنسانوية المستحيلة، ص22]، وفي خمسينات وسيتنات القرن العشرين، بدأت موجات هذا الفكر تصل إلينا بشكل لافت، وكان من تجليات الوصول، ظهور كتابات إنسانية أو إنسنة عربية؛ ويقصد بالأنسنة ما هو مرتبط تاريخيا بفترة عصر النهضة في إيطاليا، والأنسنة تعني عمومًا جعل الإنسان موضوع كل شيء ومرجع كل شيء، انطلاقًا من الفكر الإغريقي  المعروف بتمجيده للإنسان.

كتب الكثيرون أمثال حسن حنفي ومحمد أركون وسيد قمني -وغيرهم كثيرون- بأقلامهم أفكار المستشرقين، وحاولوا تطبيق فكر الأنسنة على الإسلام، واستغلوا جهل الناس فاعتبروا نقلهم إنجازات شخصية،  وفي هذا الصدد يقول  الدكتور أحمد إدريس الطعان: “تلقف بعض الباحثين العرب النظريات الفلسفية الوضعية حول الأديان وطفق بعضهم يعرضها  بين المسلمين على أنها من إبداعها مستغلا في ذلك جهل السواد الأعظم  من الأمة باللغات الأجنبية” [أحمد  إدريس الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم، ص: 314].

وعلى خطى العَلمانيين الغربيين الذين استطاعوا تحرير الأوربيين من قيود الدين وحصر النصرانية والرجوع بأوربا نحو الوثنية كما يذكر الدكتور عبد المجيد الشرفي في كتابه (لبنات) [ص 54] “أصبحت العلمانية تعني -حسب موقع كل طرف- إما التحرر من قيود الدين وسلطة رجاله، وإما انحسار النصرانية والرجوع إلى الوثنية” سار بعض المفكرين المعجبين بالفكر الغربي، وعلى رأسهم محمد أركون، الذي لا ينفك طيلة كتابه “القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني” يذكر المستشرقين وكتبهم حول القرآن وحول الإسلام، وهو ينطلق حسب قوله من أفكارهم ويطبق ما وصلوا إليه من معارف وطرق تحليلية وخاصة “الفيلولوجيا” على النص القرآني وعلى التراث والمجتمع الإسلامي عمومًا.

يقول: “لقد حاولت أن أطبق النظريات الأنثربولوجية للعالمين كاردينير ولينتون على دراسة الفكر والمجتمع والسياقات الإسلامية” [ص: 43]

وطبعًا -كما واضح ومعروف- فإن استخدام هذه الطرق والمناهج في التحليل والتأويل لا تؤدي إلى تفريغ النص الديني من محتواه فحسب، بل إلى إزالة القدسية عنه وتحويله من كتاب إلهي ووحي إلى كتاب تاريخي -حسب أركون-، وبالتالي إضفاء صبغة بشرية على القرآن وتعاليمه وهو ما يعني عدم قدسيتها وإمكانية تكذيبها ووضعها جانبًا على الهامش كما حدث مع الإنجيل مثلاً.

وكما كتب “لودفيج فويرباخ” عن ظاهرة الدين أو كون الدين اختراعًا بشريًّا، أعاد حسن حنفي وكرّر ذلك في كتابه “التراث والتجديد” [ص 127-130] فيقول: “إن الله لفظة نعبر بها عن صرخات الألم وصيحات الفرح، إنه تعبير إنشائي أكثر منه وصفًا خبريًّا، هو رد فعل على حالة نفسية” ونحسب أن المعنى واضح في هذا الكلام، ومثل هذا نراه في كتابات فويرباخ وتلميذه ماركس وغيرهم، فالله ليس سوى سلوة للضعفاء والمساكين، والجنة ليست سوى تعويض عن جحيم الأرض وألمها، وهكذا دواليك.

إذًا، نرى هنا ونكتشف أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مفكرين ينتمون للإسلام، يسعون وبكل الوسائل إلى إفراغه من كل قيمة إلهية مقدّسة، وتحويله إلى ترانيم وكلمات جوفاء تقال في الاحتفالات، وهم يأملون أن يتنازل الشيوخ عن تمسكهم بالشرع والفقه، كما حدث وتنازل الباباوات والقساوسة، وعوض أن نسعى لإدخال العالم في الإسلام يقولون: لماذا لا ندخل الإسلام في العالم كما حدث مع المسيحية؟!

إسلام على المقاس

في الحقيقة يصعب تحقيق ما يصبو إليه العلمانيون العرب وذلك لوجود اختلاف تام بين الإسلام، والذي لا يمكن أن نطلق على لفظ  “الدين” –بمعناه الغربي المضيّق- لكونه يتجاوز هذا الإطار الضيق، وينطلق ليمسّ مجالات الحياة البشرية جميعها، وبذلك يتجاوز النظرة المادّيّة للدين؛ كما أن الإسلام ذاته يقدّم رؤية مختلفة لكل من الدنيا والآخرة بخلاف ما عليه الدين المسيحي، حيث إن من تعاليمه ما يحمل مبادئ أولية للعلمانية “دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر” وهنا فإن الإسلام يرفض هذا التقسيم، ففي نص القرآن: {لله ما في السموات والأرض} [البقرة: 284] و{إن الحكم إلا لله} [يوسف: 40]، وبذلك فأي فكرة تبيح فصل منهج الدين عن مختلف المجالات اليومية -كالسياسة مثلا- فإنها قطعًا لا مستند صريح لها في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية.

يبقى الأمر إذًا محصورًا أمام العلمانيين في محاولة علمنة حياة المسلمين وبالتالي علمنة تديّنهم -لا دينهم-، وهذا حدث بالفعل ونجح بمقدار هائل، وذلك راجع بالأساس لثقافة التي يتلقفها المسلمون من قنوات الاتصال مع الغرب، وكذا لسيطرة الفكر الليبرالي على الحياة العامة، كما أن تأثير الاقتصاد مما لا يمكن إغفاله.

إن التعامل اليوم بمبادئ الليبرالية والبراغماتية خاصة توقع المسلم ضحية لانفصام خطير، فهو من جهة يؤمن بدين يقر بوجود الأخلاق والمبادئ السامية، ومن جهة أخرى فإن كل ما حوله معلمَن يتجاوز هذه المبادئ ويعوضها بمبادئ أرضية. وهنا يختار مكرها أو دون أن يشعر العلمنة والطريق الليبرالي أو الأخلاق الرأسمالية، ولعل الأمر يذكرنا بالحركة البروتستانتية التي حللت المعاملات الربوية، وانقلب الدين المسيحي من دين يشجع على الرهبنة إلى دين يحفز على الاستثمار والربح، وهذه كانت اللبنة الأولى للفكر الرأسمالي، [يُراجَع: ماكس فيبر، أخلاق البروتستانية وروح الرأسمالية] فيرى ماكس –في كتابه- أن الإسلام لم يشجع على التجارة لإيمان المسلمين بأن الرزق بيد الله وأن كل شيء يرجع إليه، وهو بذلك أخطأ كما ما يزال الكثيرون يخطئون في هذه النقطة، فالإسلام لم يدعُ للتواكل والكسل البتّة، بل حثّ على العمل والاتجار ضمن ضوابط الشرع والمرحمة، والدليل أن معظم الصحابة كانوا تجارًا؛ والرسول صلى الله عليه وسلم اتّجر قبل البعثة، والذي وقع فيه ماكس فيبر هو ربطه الإسلام بدعوة من دعوات “المرجئة” –إحدى الفرق الإسلاميّة غير المنضبطة والقديمة-.

نخلص من هذا إلى أن الحديث عن علمنة الإسلام غير ممكن إلا باختراع تعاليم جديدة له وقراءات شاذة، وما دون ذلك فإن الأمر بالغ الاستحالة.

قراءات شاذة

على ضوء ما تقدّم فإنه ليس من الغريب أن نرى اليوم نسخًا مستَحْدَثَةً -من مسمّى الإسلام- تبيح كل المحرمات وتدافع عنها؛ نسخًا تسوق لحِلّ الزنا وتدعو الناس إلى الإقبال عليها بدعوى أنها مما لم يحرم الله ولا رسوله وإن حصل وحرمها فإن ذلك حكم خاصّ بزمانه لا أكثر.

نرى اليوم (إسلامًا) يجعل  كل إنسان –مهما بلغ من فساد عقيدته ودينه- مسلمًا، بل  مهما كانت ديانته ولو عبد الحجر والشجر وسجد للشمس، إسلاماً نخاف أن نصبح في يوم على فتوى تبيح الصلاة بالترانيم أو بشعر عنترة وقيس!!

يتكئ دعاة الإسلام الجديد أو إسلام السوق الجديد على تأويلات شخصية لآيات القرآن تعتمد تجديداً للخطاب الديني ونشراً للتسامح برأيهم، وهذا أمر حسن -ظاهرًا- فمن هذا الذي يرفض التسامح؛ إلا أن  التسامح المقبول ليس الذي يعمد إلى لي عنق الآيات لتناسب أهواء الناس وأفكارهم، فالإسلام لم يأتِ ليساير هوى الناس بل جاء ليضادّ أهواءهم البشرية الناقصة، وكذلك سيبقى، ومن هنا فإن التلاعب بمعاني الآيات ليس انتصارًا للتنوير كما يظن ويتوهم من  يلقب بالمفكر الإسلامي، بل هو تغيير للدين وإحداث دين جديد لا علاقة له بالدين الإسلامي الحقيقي،  وإن كان هدفهم التسامح فتاريخنا مليء – بفضل الله- بالتسامح مع الآخر بناء على توجيهات الدين ونصوصه، ومن ثم فإننا لا نحتاج خطاباً يغير ملامحه ليرضي نزوات مختلفة مبنية على جهل طافح بأحكام الشرع الحكيم.

محمد شحرور

من المضحك والمبكي -في آنٍ معًا- أن إحدى الممثلات المصريات خرجت بتفسير جديد لقوله تعالى {وأما بنعمة ربك فحدِّث} [الضحى: 11] وادّعت بأنّ ظهور بعض أجزاء الجسم بشكل ملفت أمرٌ لا مشكلة فيه، بل هو مقبول ومرغوب به، وذلك عملاً -بحسب ادعائها- بهذه الآية، وهذا التفسير يذكّرنا بمنهجية القراءات المعاصرة للقرآن والتي كان أحد أبرز أبطالها المهندس المتوفّى محمد شحرور، ولعلّ هذا التفسير بناء على منهجه مقبولٌ!

ينسب لسيدنا علي قوله لابن عباس حينما كان متوجها لمناقشة الخوارج (لا تُخاصِمهم بالقرآن؛ فإنَ القُرآن حمَّال أوجه، تقول ويقولون، ولكن حاجِجهم بالسنَة؛ فإنَّهم لن يَجدوا عنها مَحيصًا) [الدر المنثور، السيوطي، ج1، ص:40] ورغم وجود عددٍ من العلماء شككوا بصحة نسبة هذه المقولة عن علي رضي الله عنه، إلا أن مغزاها صحيح، فإن تأويلات القرآن قد تنفتح إلى ما لا نهاية في حال عدم اللجوء للسنة النبوية التي فسرت القرآن، وإلا فإن الإنسان سيجد نفسه في ربوع إسلام آخر، وهذا ما وقع فيه للأسف جماعة من المسلمين يلقبون أنفسهم بـ”القرآنيين” وهم غير مدركين –أو لعل الأرجح أنهم مدركون- لكونهم حين يقدمون هذه التجديدات والرؤى فإنهم يؤسسون لدين جديد مختلف عن الإسلام الذي أنزل الله، وبالتالي فإن عمليتهم هذه، عملية إنزال للسماء -كما قال ماركس-.

خلاصة القول

إن البحث في الدين والتساؤل فيه بهدف فهمه حق لجميع الناس إذا كانت الغاية الوصول للحق لا إثارة الشبه، ومن ثم فإنه كذلك لا يحق لهؤلاء المتسائلين أو الباحثين منع الناس من انتقادهم والتعبير عن رأيهم بحرية وبهذا تتقدم الأفكار في الأمم.

إنا نرى أن من يدعو لغير ما عُرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو لا يدعو إلى دين الله، فعوض أن يدعو العالم لاتباع للإسلام يدعو الإسلام لاتباع العالم، ولو كان هذا العالم وتعاليمه باعتراف حتى أشد الملحدين يسير بالإنسان نحو الهاوية، والإسلام لم يأتِ ليساير أهواء الناس وخيالهم -كما قلنا- بل العكس، فقد تحدى قريشًا وأخلاقها وقلب مفاهيمها وهذا ما شجع الصحابة الذين كانوا قد ملوا مدنية قريش المزيفة، وهو الذي ما زال يشجع الكثيرين على اعتناقه، كونه يخلصهم من الزيف والوهم لأنه جاء بالعلم وباليقين.

من مظاهر العبودية في حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام

لم يعتمد القرآن الكريم أسلوبًا واحدًا لإيصال رسالته إلى الناس، بل تعدّدت أساليبه وتنوعت، فهو حينًا يعتمد أسلوب الحوار، وحينًا آخر يعتمد أسلوب ضرب المثل، وتارة يعتمد أسلوب التربية النفسية والتوجيه الخلقي، إلى غير ذلك من الأساليب التي لا تخفى على من تأمل وتدبر كتاب الله العزيز.

لقد كان أسلوب القصة من الأساليب التي اعتنى القرآن الكريم بها عناية خاصة؛ لما فيها من عنصر التشويق، وجوانب الاتعاظ والاعتبار. وقد ألمح القرآن إلى هذا في أكثر من آية من ذلك قوله تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} [الأعراف:176]، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين اعتماد القرآن أسلوب القصص، تحقيقاً لمقاصد وأغراض عديدة.

العيش تسليمًا لله

لقد كانت قصةُ نبي الله إبراهيم عليه السّلام أطول القصص القرآنية بعد قصة نبيه موسى عليه السّلام، وقد نزلت آياتها مبكرًا في المرحلة المكيّة واستمر نزولها حتى أواخر المرحلة المدنيّة، وهذا يعني أن قصة إبراهيم التي أخذت هذه المساحة الكبيرة في القرآن الكريم لها، وأخذت هذه المدة في نزول الوحي، وسميت سورة في القرآن باسمه هي سورة إبراهيم، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، كلّ ذلك يؤكد أن لها دورًا كبيرًا في تحقيق أهداف القرآن الكريم ومقاصده.

قف عند قوله تعالى: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37] –على سبيل المثال- متأمِّلاً- وتخيل أحدًا ما يأخذ طفله الرضيع وزوجته ليتركهما وحدهما في صحراء جرداء قاحلة، لا ماء فيها ولا زرع، ولا بشر يستأنس بهم، ولا وجود لشيء يعد مقومًا من مقومات الحياة بين أيديهم، ثم يغادرهم ويذهب دون شرح أو توضيح.

هذا ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث ذهب بزوجته هاجر ورضيعها إسماعيل إلى صحراء مكة في الموضع الذي تفجرت فيه زمزم، فقد تركهما وحيدين دون راعٍ أو مؤنس، امتثالًا لأمر ربه تعالى، في صورة من صور التسليم المطلق، ثم مضى في طريقه تاركًا لهم قليلًا من الماء والزاد، فتسأله هاجر ثلاثًا: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس؟! فلم يلتفت إليها. فقالت هاجر: آلله أمرك بهذا؟ فيرد عليها عليه السلام: نعم. فتقول المؤمنة بربها في غير تردد ولا قلق: إذن لا يضيعنا. [أخرجه البخاري في صحيحه].

انصرف نبي الله إبراهيم عليه السلام وهو يدعو ويقول: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [سورة إبراهيم:37-38].

هكذا فقط: آلله أمرك بهذا؟ فيرد: نعم. إذًا لا حاجة لنقاش أو تبرير. الله أمرك بهذا، فلا إجابة سوى السمع والطاعة. إبراهيم ينفذ ما أمره به ربه دون تردد، وزوجه معه لم تناقشه حتى في فعله. مهما بلغت المشقة، والحيرة من خفاء الحكمة في الأمر، ولكن التجرّد من حول المرء إلى حول الله وقوته أكبر وأمكن، ويقينهم في الله أعلى وأعظم.

الإقرار بالفداء

في موقف آخر يظهر عظمة التسليم نرى إبراهيم عليه السلام يبثّ لولده أمر الله بتقديمه قربانًا، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }، [الصافات: 102].

لقد قال له ولده: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكففْ عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء، فتراه أمّي فتحزن، وأَسْرِعْ مرّ السكين على حَلْقي؛ ليكون أهون للموت عليّ، فإذا أتيت سارَة فاقرأ عليها مني السلام; فأقبل عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه، حتى استنقع الدموع تحت خدّه، ثم إنه جرّ السكين على حلقه، فلم تَحِكِ السكين، وكأنّ ضرب الله صفيحة من النحاس عليها، هنا نودي يا إبراهيم (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) بالحق فالتفت فإذا بكبش، فأخذه وخَلَّى عن ابنه، فأكبّ على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بُنَيّ وُهِبْتَ لي; فلذلك يقول الله: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [تفسير الطبري بتصرف].

إن إبراهيم هنا -بعد الاختبار الأول- يختبره اختبارًا ثانيًا ليكون في مآله خيرٌ للبشرية وإبطالٌ لعادة التقرّب بدماء البشر، ومرة أخرى يحقق إبراهيم العبودية الكاملة لله تعالى ومعه ابنه، فيمتثلان للأمر دون اعتراض أو مناقشة. (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) أسلما أمرهما لله واتفقا على التفويض إليه، وبالفعل لما باشر إبراهيم الذبح، ناداه ربه: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا). وتلك قصة الفداء المعروفة.

ذلكم مثالين من أمثلة كثيرة في قصة إبراهيم عليه السلام، وهي وحدها غنية بالأمثلة، وقد وردت في عدة سور كالبقرة وآل عمران والأنعام وهود وإبراهيم والحجر والنحل ومريم والأنبياء والحج والشعراء والعنكبوت والصافات والزخرف والذاريات والنجم. وفي أكثر هذا المواضع أمثلة على ما ذكرنا. ولما رأينا من هذه الأمثلة فإن العبودية لله تكون بالانقياد والطاعة التامة لأوامره سبحانه، وما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام دون اعتراض أو مناقشة، حتى لو خفيت الحكمة من وراء الأمر، فسلم لله تسلم.

أن يترسّخ الإيمان في القلوب!

يقول الصحابي الجليل جندب بن عبد الله رضي الله عنه: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن)، وذلك في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا). [صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه] -ومعنى حزاورة: جمع الحزور، وهو الغلام إذا اشتد وقوي وحزم- أي أنهم كانوا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم بالقدوة والمشاهدة والإرشاد والتطبيق العملي أصول دينهم وعقائده، فيأخذون منه الأصول التي ينبني عليها بعد ذلك، وينقادون لأمره صلى الله عليه وسلم انقيادا تاما وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ثم يحفظون ما تيسر من آيات القرآن الكريم  ما يقوى ويزداد به إيمانهم.

وبالتأكيد فإنه ليس المقصد هنا التقليل من أهمية حفظ القرآن الكريم وتعلمه، وإنما التنبيه إلى ضرورة وجود خطوة مهمة تسبقه، وهي ترسيخ الإيمان واليقين بالله في القلب، فذلك جوهر العقيدة، ومن هنا تنبعث العبودية الكاملة لله تعالى والانقياد المطلق لأوامره فكرًا وممارسةً، وتعلّم ذلك أدعى إلى التمسك بما يجيء في كتابه سبحانه وتعالى وعدم رفضه أو النأي عنه، أو الصد عن ما قد يشكل على أفهامنا منه، ولنا في تطبيق العبودية لله خير مثل، أزكى الناس وأعلاهم منزلة، الأنبياء المختارون من قبل الله عز وجل، ففي سِيَرهم جميعًا كل الهدي للعبودية الصحيحة الكاملة كما يريد الله تعالى منا، والمطالع لسيرهم لن يعدم أن يتنبه للأمثلة والعبر، حيث يقول الله تعالى: {لقدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ]سورة يوسف: 111] وهذا ما تظهره لنا حقيقةً مواقف نبي الله إبراهيم –التي عرضناها-، فاللهم انفعنا بذلك يا أكرم الأكرمين.

الحجاب والحياة المعاصرة .. هل يجتمعان؟

تتم أدلجة العقول وتغيير نظرتها للأمور بعبارات بسيطة أحيانًا لا نُلقي لها بالاً، يكفي أن تُردّد بكثرة مع مؤثرات جذابة ليقتنع سامعها أنها حق، إن لم يحاول تحليل ما يقال أوغاب عنه المراد منه.

ثمة شعارات تُرفع حديثاً توجّه للفتيات المسلمات حول الحجاب، ومع ترديدها بكثرة تتحول إلى غطاءٍ لتمرير الشبهات، وتَظهر تلك الشعارات مُنصفة للمسلمة المحجبة ومدافعة عنها، وآخذة على عاتقها تغيير فكرة نمطية أُقحمت عنوة في العقول، بأن المحجبة مُنعت بحجابها من دخول مضمار العمل والنجاح، فتُردُّ تلك الفكرة بظهور المرأة بمظهر محبب لدعاة التحرر، بغطاء على الرأس مع تَخلٍّ بسيط إلى شبه تام عن جملة من أحكام و فروض الإسلام بشكل واضح، وأصبح  شعار حقٍّ مثل “الحجاب لا يمنع المرأة من الحياة” يحمل الباطل في طياته، عندما كان المقصود منه تحرير المرأة نفسها، ليتحول الحجاب لقطعة قماش تغطي الشعر فتكون الفتاة قد أدت بذلك ماعليها ولا مانع بعدها من التهاون في فروض الإسلام الأخرى ولا من فعلها ماتشاء من تَزيُّنٍ وتمثيل و رقص وغناء وعرض للأزياء.

اختزال مفهوم الحجاب بقماش

تلك الشعارات التي تُرفع بلا إدراك لمفهوم الحجاب الحقيقي أو محاولة تجاهله، ومع احتفاء البعض بكل فتاة محجبة بحجاب مخالف للحجاب الشرعي وضوابطه نجحت في تصدّر الأخبار وكأنها انتصرت للمسلمة، ومع صرف النظر عن إن كان نجاحها ممزوجا بشبهة، فإن في ذلك اختزال شديد لمفهوم الحجاب والستر، فكأنه مثل القول بأن الصلاة عبارة عن حركات رياضية للترويح عن النفس، ولكن يضاف لحركاتها الفروض والأحكام؛ الذي يؤثر نقصان واحد منها بصحتها وقبول الله لها من عبده، فالشرط الأول لقبولها هو الإيمان بالله إيماناً لا يخالطه شكٌّ، ومن ثم طهارة البدن والملبس والمكان، والتستر واستحضار النية واستقبال القبلة، وأركان الصلاة وضوابطها من فرض وواجب ومستحب ومكروه وناقض للصلاة.

فالإسلام دين متكامل ومنظومة شاملة من آمن بالله لزمه تصديق واتباع كل ماجاء به الإسلام، ولذا لا يمكن حصر الحجاب بالقماش على الرأس وصرف التركيز عن ضوابطه وشروطه، من سَتر لكامل الجسد بملابس فضفاضة لاتشفّ ولا تَصِفُّ، وعدم إظهار التزين والتعطر، مع الالتزام بأحكام لا تقل أهمية لتحقيق العفة والتحلي بالحياء، مثل عدم الميل بالمشي وخفض الصوت وعدم الخضوع بالقول والالتزام بغض البصر وضوابط الاختلاط بالرجال وبقية الفروض والأحكام.

مفهوم فرض الحجاب

لا يوجد دافع أكبر لتشجيع الفتاة على ارتداء الحجاب والثبات عليه من دافع التسليم لأمر الله الذي آمنت به إيماناً تاماً، فالتزَمَت بما فرضه الله عليها تحقيقاً لعبوديته وخضوعاً لشرعه وقانونه، فما الحجاب إلا فرض فرضه الله سبحانه وتعالى على المرأة واختصها به من دون الرجل، والمقصد من تطبيقه التزام العابد بأمر المعبود الواحد الأحد، وما يأتي من تفسيرات أخرى لمقاصد الحجاب هو من باب الاستحسان والاستئناس ولا ينوب عن المقصد والدافع الرئيسي الذي يجب أن يُزرَع في قلوب الفتيات منذ نعومة أظفارهنّ.

والله خالق النساء والرجال، العالم بأحوال النفس ونقاط ضعف البشر ومايترتب من إطلاق للشرور والمظالم والمفاسد بالاستسلام للأهواء، التي هي من أبواب الشيطان، كما يعلم الواسع علمه كل شيء طبيعة الرجل الفطرية وميل المرأة للتزين وإظهار المحاسن والمفاتن، وبعضهن ممن يتعمدن لفت الأنظار، وما يتبع ذلك من فتنة لها و للرجال، فجاء الحجاب حاجباً لأهواء نفسها وضابطاً لها، وحاجباً لغيرها عن أذيتها، فأحل الله للإنسان التمتع بما يحب ويهوى ضمن شروط وضوابط حتى يأمن ظلم نفسه وغيره ولا تصبح أفعاله كأفعال البهائم بل أفظع، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:59].

كما جاء ليحفظ طهارة القلوب فيقي بذلك من فساد الأفراد والذي يؤدي بدوره إلى تفكك الأسرة والمجتمع، مثلما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53].

هل الحجاب عائق للمرأة؟

إن نظرنا لحكم الحجاب والستر من منظور غربي مادي تحرري عالماني نسوي، الذي يربط العمل والنجاح بأمور معينة ومادية وبدخول سباق العمل مع الرجال ومزاحمتهم، والمسارعة لكسب الأموال وتحقيق الشهرة، ومساواة المرأة بالرجل في كل شيء حتى اضطرت المرأة لتثبت قدراتها بعمل ما يخالف فطرتها، فسنجد الحجاب والحياء والعفة عائقاً بلا شك، وهذا ما ترمي إليه هذه الشعارات التي تدافع عن الحجاب فتحاول أن تثبت صحة فرض الحجاب بنجاح المرأة المسلمة بما يناسب المفهوم الغربي المادي البعيد عن الإسلام فيقعون ويُوقعوا غيرهم بالشبهات.[1]

ولكن إن جعلنا نظرتنا ومقياسنا للأمور منطلقاً من المفهوم الإسلامي للحياة الدنيا والمقصد منها، والمنظور الشرعي للعمل والنجاح، فلن نرى الحجاب الشرعي إلا تكريماً للمرأة ورِفعة لها من شهوة بنظر ضعيفي النفس إلى كيان ذي مشاعر وعقل وحكمة، وحمايةً لها من استغلال جسدها في تحويله إلى سلعة لجلب الأموال، ومحافظة على أنوثتها التي تحاول فتيات الغرب اليوم التخلص منها ليستطعن العمل بسلام بين الرجال، فإما أن تتخلى عن العمل، أو أن تجد نفسها مضطرة للإذعان بأنها عبارة عن جسد ومفاتن، أو أن تلجأ لتتشبه بالرجل فتخفي ضعفها بخشونة الأفعال والكلام وارتداء ملابس الرجال وتصبح أول من تنتقد النساء الأخريات إرضاء لزملاء عملها من الرجال لتثبت لهم أنها أصبحت واحدا منهم[2].

رضى الله أم رضى النفس والعباد؟

لربما أصبحت المجالات التي تحمي المرأة وضعفها البنيويّ وتناسب طبيعتها الأنثوية وتضع ضوابط للاختلاط بين الجنسين قليلةً، مقارنة بالجامعات المختلطة والعمل المختلط وحتى بعض المدراس والدورات، التي أصبح ظاهرها كثرة الفساد بسبب التهاون بالضوابط، وإن كان هذا الظاهر يقنع المرء بأن البدائل قد نفذت للاستعاضة عن دخول أبواب الفتن بما هو آمن على دينه، وخاصة للمحجبة المقيمة في بلاد الغرب، الذي كل ماسنحت له الفرصة يزيد من القيود على الفتاة المسلمة ويضعها في كثير من الأحيان بين خياري العمل أو الحجاب، إلا أنه لا يمكن أن توجد ذريعة للتهاون بالحجاب والستر والأحكام والضوابط الإسلامية، و من يتحرى رضى الله فستقنع نفسه بمجالات الخيرالمتاحة-وإن قَلَّت- والتي تقلل من الاختلاط وتعين المرأة والرجل على الالتزام بالضوابط.

ولأن النفقة على الأسرة والكسب واجب على الرجل، وهذا لا يحدث إلا بالخروج، فلا يمكن القول بأن على الرجل أن يبتعد عن العمل ويفسح المجال للمرأة، ولأن الأصل للمرأة القرار في المنزل وعدم وجوب الإنفاق، فيَسهُل عليها البحث عمّا يختص بالنساء أو ما يكون عدد النساء فيه يفوق الرجال، أو الدراسة والعمل من المنزل، وإن اضطرت للخروج للعمل أو الدراسة وجب عليها الالتزام بالضوابط الشرعية، وتسأل الله الإعانة والهدى والتيسير.

إن الالتزام بالحجاب الشرعي وبالإسلام عامة في ظل الفتن والشبهات الكثيرة ليس بالأمر اليسير، ولذا كان دخول الجنة في حديث رسولنا الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بفعل الإنسان لما يكره ويكابد: (حُجِبتِ النَّارُ بالشَّهواتِ وحُجِبَتِ الجنَّةُ بالمكَارِهِ) [متفق عليه]، فالأولى مجاهدة النفس والتغلب على الشهوات والابتعاد قدر الإمكان عن مواطن الفتن.

وذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز كيف كره المسلمون فرض الله القتال عليهم: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، فأشد مايكره الإنسان أن يوضع في موضع يعلم فيه بأنه إما قاتل أو مقتول، ولكن الله تعالى ذكرهم بأن الأمر انقياد وطاعة لا إرضاء لما تحب النفس وتكره، وهناك خير في الأمر هُم لا يعلمونه ولا يدركونه، وذلك عندما كانت الدنيا هي متاع الغرور ماتلبث أن تفنى، والجنة هي المأوى، وماعند الله خير وأبقى.


مراجع للاستزادة أكثر في فرض الحجاب

  • – لماذا فُرض الحجاب؟ أ. أحمد دعدوش، موقع السبيل:

https://al-sabeel.net/7163-2/

  • – إشراقة يسيرة في حِكَم ومقاصد الحجاب، زياد بن أسامة بن عبد الله خياط، موقع المحاورون:

https://almohaweron.com/wp-content/uploads/2019/03/.pdf

[1]   ليس انتقاصا من النجاح، ولكن للتركيز على عدم ربط قيمة الحجاب وإثبات حجته بفعل المرأة، فإن نجحت رُفع من قيمة الحجاب وإن فشلت بالمفهوم الغربي اُرجع السبب لإعاقة الحجاب لها، كما لا يصح أن يقاس الإسلام وعظمته بفعل الأفراد.

[2]

Catalyst. (2020, february 5). Catalyst. Retrieved from https://www.catalyst.org/research/women-in-male-dominated-industries-and-occupations/#:~:text=%20Women%20working%20in%20male-dominated%20industries%20face%20a,mentoring%20and%20career%20development%20opportunities.%2010%20More%20

Kristin Haltinner, N. L. (2018, February 28). MDPI Open Access Journals. Women in Male-Dominated Domains, 2.1. Women in Engineering. Retrieved from https://www.mdpi.com/2076-0760/7/3/32/htm

 

على شفا جرف هارٍ

هل جربت أن تعيش طمأنينة من ورق، تتسارع فيها دقات قلبك منذرة بشقاء قريب!

شبَح الخوف يطوف بك أينما خرجت وحيثما ولّيتَ وجهك، وقد تكون وحيدًا، فتظن أنك بين أحضان الجموع ستغدو أكثر استقرارًا. تهجر عهدك وتنسى غايتك، وترمي بنفسك بعيدًا عما خلقت لأجله، مؤمّلًا إياها أنك -في الغد- بين الجموع قد تشفى، وأنك في الغد ستحررها، ثم تأتي ساعة الوفاء فإذا بك ما زلتَ غريقًا، وأكثر غربة عنها، ولا شيء غير الحسرة يملأ فؤادك!

حسرة التنازلات والسقوط في سبيل الظفر بشيء من السكينة، تطرق فكرك كلماته تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 4] فتوقن أنك تسلك سبيلًا غير الذي تأمل الوصول إليه، وتعلم في قرارة نفسك أنك لن تصل؛  لأنك وضعت طمأنينتك على أعتاب أبواب موصدة  لا تُفتَح  إلا بمزيد من التنازلات.

على أعتاب ماذا لو؟

في كل مرة تهمس لنفسك (ستكون الأخيرة ولن أعود)، سأكذب للمرة الأخيرة، وسأحلف للمرة الأخيرة، سأغش وســ…، وما إن تفتح الباب حتى تَلِجَهُ فتغنم شيئًا من السمّ على هيئة اللذة، فتردّد فرِحًا على عجل: ها قد وصلت وظفرت، ولم يذهب بذلي سدىً.

لكنك لا تلبث يسيرًا حتى يطاردك شبح “ماذا لو؟”

ماذا لو تركني زوجي؟، وماذا لو اغتربت وقُدّر علي أن أعيش وحدي؟ ماذا لو توفي والداي؟ ماذا لو افتقرت واحتجت؟ فتتراءى أمامك سيناريوهات الغد المؤلم  – وإن لم يكن قد وُجِد بعدُ-  وتبدأ مع كل سيناريو رحلة التفكير  والخوف مما هو آت، فينسيك الشيطان ذكر ربك، حتى تجد أنك شقي بما لديك، وأنك تعلقت بإفراط ووضعت طمأنينتك على شفا جُرف هارٍ من الشقاء!

إذا زاد ضرّ

مجبولون نحن على التعلّق بمن حولنا من الناس وما نحبه ونتذكره من الأماكن. ضحِكُ الصغار في الأرجاء، رائحة شاي البيت، وتفاصيل لا تكاد تنتهي، نستظلّ بظلّها كي لا نُضِلّ في عالم يعجّ بالمادّية حتى النخاع!  نخبر العالم بها: إنّنا سعداء!. لكن هل نحن حقـًّا سعداء؟

هل فكرت فيما قد يحدث لحياتك وأنت ترى عقارب ساعات الألم والفقد تدقّ قريبًا من بيتك؟ أي شعور سيملأ أركان روحك وأنت تقف أمامها كسبع عجاف لا غيث بعدها ولا تقدر على صدّها أو ردّها؟

ترى هل هو  شعورٌ بالشلل والشقاء، أم تراه  حزمة من الرضا مع صوت متحشرج  يردّد  (أمر المؤمن كله له خير)؟ [أخرجه مسلم]

إن كان الشلل واللاحراك هو أول احتمال طرق ذهنك، فـلا ضير؛ إذ إن ضعفك طبيعي وما عليك إلا أن تقبله، لكنّ الفيصل ها هنا هو محاولة استدراكه، ولـك أن تعتبره نذيرًا جاءك محذّرًا إياك، فإن زادك من الطمأنينة قليل حين جعلت نفسك أسيرة مستعبدة لما حولها ولم تعلِّمها أنّ: التعلق إذا زاد ضرّ!

هل إلى الحرية من سبيل

لا أحد ينكر أن الاستعباد والأسر كرب عظيم، يحملك من سعة الرضا إلى ضيق السخط، لا سيما إن كانت أغلالك من صنع يديك، أغلال محملة بشحنة من الرفض التام للألم، فيصبح كل تحدّ أو امتحان -مهما صغر- بمنزلة النازلة والقشة التي تقصم ظهر البعير وتنتهي بالعتب على ما جاءت به الأقدار.

هنا حق لنا أن نسأل كل مستعبد أسير “أما اكتفيت”؟

وتحضرني عبارة قالها د. عبد الرحمن ذاكر: “إذا خفتَ أن تفعل فقد فعلت ما تخاف”، لذا تحرّك واعلم أنك بينك وطمأنينتك مسافة الترك، ستقرصك مرارة التخلّي وينزف قلبك، وستسمع أنين روحك!

لكن هذه المرة سيكون أنين التماثل للشفاء، جرّب أن تخطو بصدق، وليكن زادك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]

وإذا اخترت المكوث فلا أزيد على أن أقول لك: إن الفطام يصعب بقدر التأجيل.