image_print

الكتاب بين النبذ والاكتفاء

كنت أسمع وأقرأ لأصحاب الوعي ومن زكوا نفوسهم فترقّيت في فهم الوحي ودوره في الإصلاح والتربية، حين يقررون أن كتاب الله يغني عن كل ما سواه، فيؤمن القلب أنه هذه الرؤية حق، ثم ألتفت فأجد من حولي ينقضون تلك الرؤية عملا وقولا، ولست بمعزل عنهم، فقدماي مبتلتان من ذلك السيل العارم يبتغي إزاحة الحق ليظل وحيدا بعيدا مطرودا من الساحة..

كانوا يسألون وكنت معهم أدير فكري إذا ما قيل دعوا الباطل وما شابهه وإن تزين ببعض الحق وبعض الجميل؛ فأتساءل ما البديل؟

حاجتنا إلى القرآن في زمن الترفيه

جال ذهني في بداية الأمر، أن الرسوم الكرتونية بأشكالها، المسلسلات والأفلام وغيرها من مواد الترفيه وشغل الوقت، قد ابتدعها من يحتاجها.. لقد كانوا فعلا في حاجة إلى ما يملأ فراغ قلوبهم، ربما تحمل قِيَمًا ما، تعّرف بثقافة ماضية، تذّكر بآداب منسية، وربما لشغل الفراغ الذي لابد أن يُشغل ويُقضى..

وتذكرت حين كنا ندَرس تلك الآداب والقصص الذي كان بدايتها من هناك، وكنا نحاول أن نثبت كعادتنا أننا لم نتأخر عنهم، فقد كانت لدينا المقامات والرسائل الأدبية وأدب الرحلات والسير والتراجم وهي من جنس القصة. لكن ذلك يبدو الآن على خلاف ما كانت عليه حقيقة الأمر.

لقد كان لدينا نحن ما يملأ ذلك الفراغ، ما لو حملناه في قلوبنا لامتلأت حقا، ولانشغلت بالشغل النافع والفكرة المضيئة والمتعة الراقية، كان لدينا ما يكفينا لو عشناه كما عايشه ذاك الرعيل الأول.

إن الإنسان الذي اقتضت الحياة أن يمضي باذلا جهدا أيا كان نوعه ليقيم به عيشه، وليكون جزءًا من الحركة الدائرة في الحياة، ولا بد للإنسان أن يبحث في نهاية يومه أو أسبوعه عما يريح عقله ويجم فؤاده، فيصنع لنفسه ألوانًا من الفنون تبهج قلبه المتعب والراكض أبدًا إلى متعة وراء أخرى..

وفى محاولات الفهم، بدا لي الوحي حاضرًا في مقابل ما كان قائما في الشعوب والثقافات، في مقابل اللهو والأساطير والغناء وما إلى ذلك.

لاريب أن القرآن كتاب هداية، لكنه كتاب أُنْسٍ كذلك بما فيه من قصص، وعلم وإشراقات وقرب. القرآن يدعوك أن تعود إليه إذا فرغت من شغلك فتنصب قدميك بين يدي الملك وتتلوه بحب وإخبات فيرتاح قلبك ويهنأ..

وليس المعنى هنا نفي ما هو مباح من ألوان الفنون، لكن القصد أن تتشبّع جنبات روحك أولا من ذلك النبع الرقراق، وأن تتضلع من مائه العذب فلا يأتي غيره إلا وقد نلت غذائك ونمت أوردة فكرك وتغذت بما يليق بها.

فإذا اطلعت على ما سواه بزينته وبهرجه الخالب للأعين والعقول، كان اطلاعك عليه محددا بقدر ذلك الفراغ اليسير الذي توجده بشريتك وتجول فيه حواسك الظاهرة، فما يقدر أن يصيب منك كثيرا. كما أن ما تستروح به النفس مما سوى الكتاب أدبا أو فنا أو ما دون ذلك لن يكون بعيدا عنه، ستجد النفس تقبل على ما تشبهه وما يتوافق معه وما لا يهدم الأساس الذي تبينه من خلاله، فما تركض قليلا وتتذوق من تلك الثمار التي علمت طيبها إلا وجدت نفسك تقبل من جديد على الحق متلهِّفًا نشِطًا.

القرآن هدايةً في قضايا الوجود

لقد كان الناس قبل القرآن يضعون تصورات خاصة لهم، يؤلفون أشعارا ويخترعون مقاييسا، ويقررون قيما وعادات وسننا يتبعونها، فنزل الكتاب ليعيدهم إلى الحق وإلى الرشد وإلى التصور الصحيح. جاء القرآن ليقدم لهم ما هم في حاجة شديدة إليه من تعريف بخالقهم وبما يجب عليهم في هذه رحلة الحياة القصيرة، وما الذي ينتظرهم بعدها، جاء القرآن ليضع برسالته الخاتمة الملامح العامة لكل قضية في الوجود. لذلك كان الكتاب حينها يجب ما كان قبله، تلقفه من آمن به موقنا أن فيه الكفاية وأن به الرشد وأنه العاصم من كل زيغ. وفى المقابل كان فريق الجاحدين يتواصون باللغو فيه وبإشغال الناس بالزيف والباطل والأساطير الملهية كي لا ينفذ إلى القلوب أثره ولا يمتد إليهم نوره وهداياته.

ولم ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم بباطلهم، بل كان منشغلا بتلقي الوحي وتبليغه، وكذلك من حملوا بعده الرسالة، لم يتحيروا كيف يعرضون أنوار الكتاب لمن هو في شغل عنه، ولم يخلطوا ما فيه من حق ببعض الزينة المتكلفة لكي يقبل من يعجبهم اللهو والباطل. فقد كان إيمانهم أن الحق ناصع وأن أنواره تجذب إليه أصحاب الصدق والفهم يحجزهم عن الوقوع في ذلك الشرك الواقع في زماننا.

وليس أدل من أثر اتباع المبطلين وتلمس وسائلهم ومحاولة السير في ركابها من أن الحق يخفت أثره في القلوب حتى تكاد أن تأكلها الريبة أو أنها تتفلت وتأخذ من الكتاب ما تشاء وتدع ما تشاء، فإن الخطوة الواحدة تتبعها خطوات ومنازل حتى تنزلق الأقدام وتخالف الطريق. وإن النفس تألف ما عوّدتها عليه، فإن عُودت على اللهو وعلى التماس النفع والحكمة والراحة فيما هو معروض بجميل الألوان والأقوال مما ألّفه البشر وأنتجوه شرقا وغربا، ألِفت ذلك وصار أنسها ومتعتها الغالبة فيه، وصار الكتاب ثقيلا، ترى بينه وبينها بعد المشرقين.

ولقد كان القرآن يومئ إلى ذلك كثيرا ليفهم خاصيته تلك من يعملون العقول ويقدحون الفكر في معانيه فيكتفون به في سد فاقة القلوب القلقة المتوثبة، قبل أن يتطلعوا إلى المعروض هنا وهناك. فتراه يذم من أعرضوا عن الكتاب ممن أوتوه قبلنا، ثم يعرض بصورة صريحة المقابل لذلك، ويوضح مؤدى هذا الترك عليهم، لقد انشغلوا بغيره من الباطل! فلا يترك أحد الحق إعراضا ورغبة عنه وتفلتا مما يحمل المرء عليه إلا كان له بديل من الباطل يستقي منه ويخوض فيه:

﴿وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِیقࣱ مِّنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ. وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتۡلُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَیۡمَـٰنَۖ… ﴾[البقرة : ١٠١، ١٠٢]

القرآن أساسًا وطريقًا لبناء الذات

ولقد فهم الجيل الأول هذه المعادلة جيدا، فامتثلوها أحسن امتثال، فلم يخلطوا مع القرآن غيره في بنائهم الذاتي، حتى إذا ما استوى العود وشب قويا وكان له غذائه الدائم، ربما نظر هنا أو هناك ترويحا بلا تعلُّق أو وجد دائم يسمح باختراق الأساس المتين.

 ولو تصفحنا أوراق تاريخنا وتتبعنا ما جاء بعد جيل البناء من انحرافات هنا وهناك، وما تداخل من ثقافات أنتجت فرقا ومذاهب عقدية شتي أوغلت في البعد عن الأصل، لوجدنا أنها اغتذت في الأصل غذاء مختلطا، وأن بعضها ما اكتفى وما تضلع بالكلام الأعلى الذي يمد النفس بحاجاتها صغرت أو كبرت، فكان ما كان من بحث مضن لا تظفر منه النفس ولا الآخرين بشيء.

ستبقى للنفوس رغباتها في اللهو قليلا أو كثيرا، لكنها إن رُوضت على ألا تلهو قبل أن تأخذ حظها من ماء الحياة ومن طيبات المعاني وجميل اللفظ والكلام، وألا يكون ما تتروح به مما يسقط النفس ويودى بها، فسيبقى أثر اللهو محدودا تغسله مرة بعد مرة تلك الغدوات التي لا تنقطع إلا بانقطاع الوريد، فهنيئا لمن رام خير النفس فروّضها لما فيه فلاحها وطمأنينتها الحقة.

التدين المغشوش والتدين الأخلاقي

ثمة تعبير للشيخ محمد الغزالي استعمله في عدة مواقع من كتبه وهو (التديُّن المغشوش)، وعندما استعمل هذا المصطلح فإنه كان يشير إلى ذلك النوع من الممارسات الدينية التي لا تنعكس على سلوك المرء أخلاقا فيقول: “عندما يتحول التدين إلى حركات بدن، وإتقان شكل، فإن حقيقته تضيع وغايته تبعد أو تتلاشى. المعنى الأصيل للتدين أن يكون حركة قلب، ويقظة فكر، أما المراسم الجوفاء والصورة الشاحبة فلا دلالة لها على شيء، ومن عجز عن تصحيح قلبه ولبّه فهو عما سواهما أعجز، ويوم يتولى عملا ما في المجتمع فسوف يكون نموذجا للفشل لأنه لن يدفع تيارات الحياة إلى حيث يجب، بل ستدفعه هذه التيارات إلى حيث تشاء. وهنا الهزيمة الشنعاء للدين والدنيا”. [من كتاب علل وأدوية] وفي مكان آخر تناول أثر هذا التدين المغشوش قائلا: وهذا “التدين المغشوش يقدم الهزيمة ويصنع التخلف، ويحس الناس معه بالحرج” [من كتاب الغزو الثقافي يمتدّ في فراغنا].

كيف نميّز التديّن المغشوش؟

يمكن القول إن التدين المغشوش هو ذلك النوع من التدين والسلوكيات الدينية الطقوسية والتي تمارس في أوقات معينة مع إغفال الواجبات الأخرى، وعليه فإن التدين لا يقوم بوظيفته في الفرد والمجتمع بل يؤدي إلى عكس ذلك، إذ إن صاحب التدين المغشوش ينظر إلى الدين إما على أنه طقوس شكلية تؤدى دون غايات، أو أنه ينظر إليه من منظور الربح فيلجأ إلى القيام بالأعمال التي يظن أنها –حسب رأيه- تكسبه حسنات فيكثر منها مع إغفاله لواجبات أخرى.

التديّن المغشوش بتصوري يلعب دورا مهما في إبعاد قسم من الناس عن الدين، ذلك أنه يقدم لهم أنموذجا غير سليم وغير صحي عن الدين، فإن لم يؤدِّ المتدين ما ينتظر منه من سلوك أخلاقي، فإن اللوم سينصب على الدين عبر ادعاء أن الدين لم يوفر له أرضية للتصرفات الأخلاقية، غير أننا ندرك من خلال قراءة آيات القرآن أن عمل الخير واجب المؤمن الأول، وهنا نتساءل ما البديل؟

كلنا يحفظ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [أخرجه أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد]. وهذا الحديث يحمل بعدا مهما في بيان غاية الدين وهي إتمام بناء الأخلاق. وإن صح لنا استخدام هذا التعبير التدين الأخلاقي فإنه يمكن القول بأن التدين الأخلاقي هو السلوك الديني القائم على ملاحظة الواجب الأخلاقي.

التدين الأخلاقي ليس طريقة جديدة في فهم الدين، بل هو تعبير عن حالة الإحسان التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المشهور، وهذه الحالة تقتضي وعيا تاما بالله، إضافة إلى وعي بأهمية واجب فعل الخير مع الله عبر استظهار عبوديتنا له، وفعل الخير مع الإنسان، وأخيرا فعل الخير مع العالم من حولنا من حيوانات وطبيعة جعلها الله أمانة في يدنا.

الأخلاق والدين .. توأمان لا ينفصلان ووجهان لحقيقة واحدة

ثمة اعتقادات وتصرفات خاطئة تقوم على النظر إلى الدين وفق منطق السوق، فتسعى وراء ما تعتقد أنه سيكسبها حسنات أو ثواب أكثر، وهذا يؤدي إلى أن يغيب عن منطقها ونظرها بعض الواجبات المهمة، وهذا عائد إلى عدم إدراك الشخص لهرم الواجبات وتراتبية الأعمال وعلاقاتها. وهنا يأتي الحديث عن الأخلاق في الدين، حيث تمثل هذه الناحية نقطة مهمة. فالأخلاق تعبر عن الشعور بالواجب في داخل كل واحد منا، والشعور بالواجب يقتضي أن يتجاوز الإنسان نفسه، بتعبير آخر فإن جوهر الأخلاق الدينية ضد الأنانية، لأن الأنانية تقتضي التمركز حول الذات، فلا حديث عن كرم أو محبة أو شفقة أو إيثار، أما جوهر الأخلاق الإسلامية القائم على التجاوز يعني أن يتجاوز الإنسان نفسه لينظر بعين الواجب إلى ما حوله، لذلك فإن فعل الخير غير محدود، فكلما فعلت خيرًا فثمة خير آخر يمكن فعله، وهذا الأمر مرتبط بعدة أمور أهمها معرفة الله ومحبته فكلما عظم هذا الأمر في قلب الإنسان كبرت عنده دائرة الخير، وفي ضوء هذا الأمر نفهم مسارعة أبي بكر رضي الله عنه للتصدق بماله كله أثناء الحاجة، إلا أن التديُّن قد ينفصل عن الأخلاق.

فقد يكون التزام صورة من صور التدين في بعض الأوقات منافياً للواجب الأخلاقي كما لو قام شخص بكثير من النوافل في وقت عمله في حين أن واجب الوقت لديه قد يكون أولى من تلك النوافل فقد يكون ثمةَ رجل غنيٌّ يكثر من بناء المساجد وهو يستغلُّ عُماله في مصنعه بأبخس الأجور بل إنهم رغم الأجر في وضع يحتاجون فيه لأموال من الزكاة.

 في الظاهر هذه الأعمال تبدو محمودة، لكن ولأن ظرف زمانها يقتضي فعل غيرها فقد انتفت عنها -برأيي- صفة الكمال الأخلاقيّ، فإذا عرفت الأخلاق بأنها حسن التعامل، فإن حسن التعامل يحتاج إلى تقدير للزمان والمكان والأشخاص، وإن لم يكن ثمة تقدير حكيم لهذه الأشياء فقد انتفت صفة كمال الأخلاق عنها.

ولعلنا نجد في بعض الأحاديث النبوية ما يدل على ذلك أو يلمح إليه فعن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية وكانت عند عثمان بن مظعون قالت: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاذة هيئتها، فقال لي يا عائشة، ما أبذ هيئة خويلة؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، امرأة لا زوج لها يصوم النهار، ويقوم الليل فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها وأضاعتها، قالت: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون فجاءه، فقال:” يا عثمان، أرغبت عن سنتي؟” قال: فقال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: “فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم”) [أخرجه البخاري في الصحيح ومسلم في الصحيح والنسائي في السنن].

إن تصرف الصحابي ورغبته في العبادة الكثيرة كان في غير موضعه لأنه أدى إلى تقصير أخلاقي في جانب مهم، ونفهم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أن فعل الصحابي ليس في محله وأنه مُنافٍ لسنته عليه الصلاة والسلام، وأن سنته هي حسن التعامل وأن لكل مقام مقال ولكل ظرف زماني ومكاني خلق وفعل يجب القيام به وفي بعض الأحاديث رأينا الرسول يخفف من صلاته -التي نوى أن يطيل بها- لأنه يسمع بكاء الطفل، وفي هذا إشارة إلى أن الواجب الأخلاقي يفرض اعتبارات لا بد من اعتبارها والسير على أسسها.

 

أثر العبادات في أخلاق الإنسان

أهم وصف للإنسان المؤمن هو العبودية، فهو عبدٌ لله، لأنه يقوم بالعبادات على اختلافها وتنوعها، إذ إن العبادات طريقٌ يقرب الإنسان من الله تعالى، ولكن هذه الوظيفة المهمة للعبادات مقترنة بتحقيق أهدافها، ذلك أنه لكل عبادة هدف أخلاقي وهذا الهدف يتم الوصول إليه على مراحل عبر وعي الإنسان به وعبر محاسبته وبذله الجهد.

ثمة آيات وأحاديث تناقش الوظيفة الأخلاقية للعبادات، وفي نفس الوقت تحذر من عدم الاهتمام بهذه الأهداف الأخلاقية، ففي عبادة الصلاة المفروضة التي تتكرّر خمس مرات في اليوم والليلة يقول الله تعالى عن أثرها الأخلاقي: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]، وفي الصيام يقول الله تعالى عنه  {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:  183] فالتقوى درجة أخلاقية وروحيّة يُنتَظَر من الصائم الوصول إليها، وفي أحاديث أخرى يشير النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهمية أن ينتبه الإنسان لغايات الكمال الأخلاقي المقصود من العبادات فقال -على سبيل المثال-: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع صيامه وشرابه). [أخرجه البخاري في الصحيح] وقال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) [أخرجه النسائي وابن ماجه في سننهما]، وهذا الحديث الأخير مهم في بيان أن العبادة لا تؤدي مبتغاها الإيماني ما لم تحقق هدفها في التكامل الأخلاقي.

هذه الأحاديث تخبرنا أن للعبادات روحًا تشكِّل سلوك الإنسان الفاضل، وأنه كما يجب الاهتمام بأداء الجانب الظاهريّ المفروض من العبادة فإنه لا بد من العناية بالوصول إلى الأثر الروحي لها والمتمثل في أهداف التكامل الأخلاقي.

على سبيل الختم

الأخلاق الفاضلة هي ثمرة الدين وأحد أهم غاياته، وكما أن الشجر قد يثمر وقد لا يثمر، فإن التدين قد يثمر وقد لا يثمر، ومن أجل إثمار شجرنا لا بد من بذل الجهد، فالله تعالى يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا} [العنكبوت: 69]

إن تديننا وسلوكنا يعكس فهمنا للدين، غير أن ذلك في الوقت نفسه يشرح للناس الكثير عن الدين الذي نؤمن به، لذلك فإن التدين المغشوش مسؤول عن كثير من المشاكل التي نعيشها سواءً في حياتنا الفردية أو في حياتنا الاجتماعية.

رمضان فرصة لتجديد العهد مع القرآن

تمتلئ الحياة بالتقلبات والتغيرات، وفي بعض الأحيان ينغمس الفرد منا في معتركها وتملأ وقته حتى يغفل عن بعض التزاماته الدينية، ويبدأ بالشعور بالبعد رويدا رويدا عن ربه وعن مناجاته حتى يعتاد قلبه على ذلك، ومن ثم تصبح هنالك فجوة بين الإنسان المسلم وتعاليم دينه، فيترك ذكر الله وورده القرآني وتدبّر معانيه من أجل العمل به، ويغفل عن إقامة صلاته والحفاظ على أركانها والخشوع فيها، ويهجر مجالس الذكر، وكل ذلك بعلة الانشغال بمسؤوليات الحياة من عمل وحياة زوجية وأسرية، مما يؤدى إلى ضعف الصلة بيننا وبين ديننا، وبالتالي ينعكس ذلك سلبا على حياتنا اليومية بطول الزمن واعتيادنا على هذا النسق من الحياة، فتصبح تعاملاتنا وأقوالنا وأفعالنا وتفكيرنا بعيدة كل البعد عن منهج الله ومخالفة له.

ولعل من الحكمة التي شرعها الله لنا بجعل مواسم طاعات متفرقة في كل عام لإيقاظ القلوب من غفلتها ونفض الغبار عن نفوسنا وبعث روح الإيمان فيها من جديد وتجديد العهد في علاقتنا مع ربّنا ومع ديننا ومع سنة رسولنا صلوات الله عليه وسلامه ويظهر ذلك في الحديث النبوي الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزَّ وجلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا) [أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو ضعيف]

رمضان موسم الطاعات

ها نحن اليوم في أيام شهر كريم نادى الله فيه عباده المؤمنين قائلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فهنا يُذكّرنا الله عز وجل بأنّ الصيام عبادة كتبها علينا وعلى من قبلنا من الأمم وفي هذا إشارة لانتماء البشرية إلى ركب عظيم من الأنبياء والرسل ومن تبعهم من الصالحين والمصلحين وما نحن إلا وارثين لمشعل الإيمان مطالَبين بإقامته في واقع الحياة والدفاع عنه ضد كل من يسعى لإخماد نوره، فعلى المسلم أن يعتز بتاريخه وبدينه ويستعظم هذا الانتماء وأن يكون خير خلف لخير سلف، إذ إنه من المخجل أن نكون من أتباع هذا الركب العظيم من أفضل خلق الله ومن أتباع خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام وأن يكون واقعنا متسمًا بالجمود والتخلف والضعف والفوضى في كل ميادين الحياة!

ومن المحزن أن نجد مسلمين يشعرون بالخجل بسبب انتمائهم الديني وفي المقابل يتمنون أن يكونوا من أبناء الحضارة الغربية متناسين تاريخ هذه الحضارة المُتّسم بالإبادة والاستعمار والعنصرية والظلم الذي يمارسونه إلى اليوم ضد الأقليات المسلمة داخل أوطانهم أو خارجها، بل هؤلاء يُبيحون الفواحش ويَتفنّنون فيها، مُشوّهين بذلك الفطرة الإنسانية، فيُبيحون الزنا ويَعتبرُونه علاقة حب، ويُبيحون المثلية ويعتبرونها حرية شخصية وفطرة إنسانيّة، ويُبيحون الربا ويعتبرونه ربحًا اقتصاديًّا، ولا يرون حرجًا في قتل الأبرياء واغتصاب الأراضي ونهب الخيرات من أجل مصالحهم العليا وبقاء هيمنتهم! فأيّ الفريقين أحق بالخجل من تاريخه وانتمائه؟!

وفي المقابل نجد في تاريخنا رسلًا وأنبياء وأتباعهم المصلحين واجهوا الظالمين والمستبدين من أجل إعلاء كلمة الحق ونشر العدل والمساواة في الأرض وجاهدوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم وأفنوا حياتهم في محاربة الجهل والخرافات والفسق والفجور من أجل إقامة قِيَم العلم والطُّهر والحياء مكانها! فيا ليتنا كمسلمين نعي هذه الحقيقة و لا ننخدع بالثقافة الغربية المُزيّنة اليوم بغطاء التقدّم العلمي والتّكنولوجيا ورفاهية الحياة.

حقيقة التقوى

في هذه الآية أيضا تذكير للمؤمنين بغاية الصيام المتمثلة في التقوى، فقد قال رجلٌ لأبي هريرة رضي الله عنه: (ما التقوى؟ فقال: أما سلكت طريقًا فيه شوك؟ قال: نعم، قال: ما فعلت؟ قال الرجل: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، فقال أبو هريرة: ذاك التقوى) [أخرجه البيهقي في الزهد الكبير]، فما بال الناس والحكّام، وأين هم من حقيقة التقوى اليوم، بل أين هم من دينهم؟! وأين العلماء الربانيين الذين يصدعون بالحق ويعظونهم ويذكرونهم وينهونهم ويأمرونهم بالمعروف بلا مداهنة أو ملامسة لإرضائهم؟! بل أين المسلم الصادق الذي لا يرضى بجور الحاكم وميله عن الحق وترك تعاليم الدين وعدم الحكم بشرعه فيرفضه ولا يكتفى بالصمت والخضوع له ويرفض العيش تحت طائلة الجبن والخوف؟!

فالتقوى بكل بساطة كما بيّنها أبو هريرة هي جبل النفس على ترك المحرمات والمعاصي مع الإقبال على الطاعات والعبادات، فمن التّقوى تحقيق العدل والمساواة والدّفاع عن المظلومين، ومن التّقوى حماية المُقدّسات الإسلاميّة والجهاد في سبيل الله ورفض مُداهنة أعداء الأمّة والتّطبيع معهم، ومن التّقوى الأكل الحلال وإتقان العمل الذّي أوكِل إلينا، ومن التّقوى أداء الأمانات سواء كانت أمانة الدّين أو الحُكم أو العلم، ومن التّقوى الحفاظ على الآداب الإسلاميّة سواء كان ذلك من النّاحية الأخلاقيّة كالحياء والصّدق والشجاعة والكرم والعفّة أو من النّاحية الظاهريّة كستر العورات ولبس الحجاب بشروطه الكاملة، ومن التّقوى تربية الأبناء والإحسان للزوجة وبناء أسرة تقوم على الإسلام وقيمه، فالتّقوى هي فعل كلّ أمر يُحبّه الله ورسوله والمُسابقة في القيام به مع ترك كلّ أمر يبغضه الله ورسوله، ولنسأل أنفسنا في كلّ عمل نقوم به هل اتّقينا الله فيه أم لا؟!

  ونحن اليوم مع انتشار الفتن في كل مكان حتى داخل بيوتنا عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي والتلفاز نحتاج في هذا الشهر الكريم إلى تجديد العهد مع كلام ربّنا حتّي نُحيي نُفوسنا من جديد فهو المنبع الصّافي الذّي به تُعالج الضّمائر وتستقيم على منهج الصّلاح والفلاح.

تجديد العهد مع القرآن

يتميز شهر رمضان بنزول القرآن فيه حيث يقول لنا الله عز وجل : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، فطريق الهداية ومعرفة الحق والتفريق بينه وبين الباطل يكون بالرجوع إلى كتاب الله، فهو منهج الحياة وهو العدل المطلَق الذي لا جور ولا ظلم فيه وهو الأساس الذي يجب أن تبنى بها حياتنا ومجتمعاتنا، فعندما ابتعدنا عن كلام ربنا وتركنا العمل به وانشغلنا بغيره فقدنا البوصلة الحقيقة المرشدة لطريق النجاح والفلاح والتحضر، وأصبحنا نتخبّط في مسالك الجاهلية ونتحاكم إلى أهوائنا، ولم تعد مبادئ القرآن هي التي نحتكم إليها سوى في حياتنا اليومية أو في قوانينا التي تنظم مجتمعاتنا المسلمة، ويا لها اليوم من فرصة بأن نتفرغ في هذا الشهر الكريم لكلام ربنا ونجدّد العهد معه، وأن نعرض أنفسنا عليه ونتلقّاه كأنه نزل لتوهّ يخاطبنا به ربنا، حتى نقوم اعوجاج أنفسنا ونتدبر آياته ونغوص في مفاهيمه، لعلنا نقتبس من نوره وهداه، ونخرج من هذا الشهر بهيئة نفسية مؤمنة جديدة، ونغير من حياتنا ونقيمها وفق القرآن ومنهجه وشريعته لا وفق الميولات والشهوات.

ومن أشد انحرافات الأنفس تعلق القلب بالشهوات أو بالسلطة أو بالمال أو بحب الدنيا وتعظيم مظاهرها الزائفة ولن يطهر نفوسنا من هذه الآفات إلا القرآن الكريم الذي هو شفاء ورحمة لنا مصداقًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وتعليقًا على هذه الآية يقول الإمام بن عاشور [في تفسيره]: “أومأ وصف القرآن بالشفاء إلى تمثيل حال النفوس بالنسبة إلى القرآن، وإلى ما جاء به بحال المعتل السقيم الذي تغير نظام مزاجه عن حالة الاستقامة فأصبح مضطرب الأحوال خائر القوى فهو يترقب الطبيب الذي يدبر له بالشفاء، ولا بد للطبيب من موعظة للمريض يحذره بها مما هو سبب نشء علته ودوامها، ثم ينعت له الدواء الذي به شفاؤه من العلة، ثم يصف له النظام الذي ينبغي له سلوكه لتدوم له الصحة والسلامة ولا ينتكس له المرض، فإن هو انتصح بنصائح الطبيب أصبح معافىً سليمًا، وحيي حياة طيبة لا يعتوره ألم ولا يشتكي وَصَبًا، وقد كان هذا التمثيل لكماله قابلا لتفريق تشبيه أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها، فزواجر القرآن ومواعظه يشبه بنصح الطبيب على وجه المكنية، وإبطاله العقائد الضالة يشبه بنعت الدواء للشفاء من المضار على وجه التصريحية، وتعاليمه الدينية وآدابه تشبه بقواعد حفظ الصحة على وجه المكنية، وعبر عنها بالهدى، ورحمته للعالمين تشبه بالعيش في سلامة على وجه المكنية. ومعلوم أن ألفاظ المكنية يصح أن تكون مستعملة في حقائق معانيها كما هنا، ويصح أن تجعل تخييلا كأظفار المنية، ثم إن ذلك يتضمن تشبيه شأن باعث القرآن بالطبيب العليم بالأدواء وأدويتها، ويقوم من ذلك تشبيه هيئة تلقي الناس للقرآن وانتفاعهم به ومعالجة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بتكرير النصح والإرشاد بهيئة المرضى بين يدي الطبيب وهو يصف لهم ما فيه برؤهم وصلاح أمزجتهم فمنهم القابل المنتفع ومنهم المتعاصي الممتنع”، فيا ليتنا نكون في هذا الشهر من القابلين المُنتفعين بالقرآن الكريم، وليكن هذ هدفنا!

اغرس القرآن في نفوس أبنائك

وكم نحن بحاجة اليوم في هذا الشهر خاصة بتجديد العهد مع مجالس القرآن في بيوتنا حتى نغرس في نفوسنا أولاً ونفوس أبنائنا وأهلنا ثانيا قيم القرآن، وأن نفتح في ما بيننا حوارات بنّاءة نناقش فيها كيفية العمل بالقرآن في واقعنا وكيفية إصلاح النفس والمجتمع والعودة إلى منهج الله، بدلا من إضاعة أوقاتنا في نقاشات تافهة لا معنى لها أو الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعية طوال اليوم، والإقبال على البرامج التلفزية من أفلام ومسلسلات، و يمكننا أيضا فتح باب البحث والتعلم من أجل فهم كلام ربنا بالعودة للتفاسير وأهل العلم الموثوق بهم وتبيين الحقائق وترك الجهل وأخذ الدين عن علم ووعي بحقائقه لا عن طريق الوراثة والجمود، فيا لها من نعمة عظيمة أن ننير بيوتنا بكلام ربنا، وأن نربي أبناءنا على القرآن بدلا من أن نترك المواد الإعلامية هي التي ترسم لهم طريقة حياتهم والانحراف بهم عن الصراط المستقيم وأن نُحصّنهم ونُحصّن أنفسنا من الشبهات وليكن رمضان فرصة لنا بأن نقيم بيوتنا وفق ما يرضي الله ورسوله فهنيئًا لمن اغتنم هذه الفرصة وأقام الدين في أسرته وجعله هو الدستور الذي ينظم حياتهم!

ولن يكون تجديد العهد مع القرآن وتدبره والعمل به بعد هجراننا له بالأمر الهين بل يحتاج منا لبذل الجهد والصبر عليه ومجاهدة النفس به حتى يصبح كلام الله هو المرجع العمليّ لنا في كل شيء في كل جزئيّات حياتنا اليومية وفي المجالات الكبرى من حياة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ومن حِكَم الصيام أن يُعلّمنا هذه القيم ويُدرّبنا عليها، فلنغتنم هذه الفرصة ولنجعل هدفنا في رمضان هو تجديد العهد مع القرآن.

حاجتنا إلى الفقه في الدين

لا يكاد المتابع لما يجرى على أرض الواقع أو الساحات الافتراضية يلتقط أنفاسه من توابع قضية أو جدل ما حتى تصدمه أخرى بما لم يتخيل، وكل قضية تلقي بظلالها على قناعات الناس وتتداخل تداخلا وثيقا مع ما يؤمنون به ويقيمون به أساس حياتهم، وأخص ما يحدث فيه التأثر سلبا وإيجابا هو رؤية الناس لأحكام دينهم وشعائره وما فيه من ضوابط وتزكية وأوامر.

ولقد رأينا من يهاجمون دينهم صراحة لا يصدّهم بقية خشية ولا مراعاة، ومن يتبعون الهوى في صورة دين لا يخالف ما اعتادوا عليه ولا يقف أمام تطلعاتهم، ثم رأينا ذلك الصنف المتردد المتابع الذي تشده كلمة من هنا ويجذبه رأي من هناك، وعلى حسب ما في القلب من إيمان أو مرض يكون اختياره وقبوله لما يرى ويسمع.

إن الاختلاف في مسائل الدين الفرعية مما جبل الله الناس عليه، لكن الذي عليه أغلب الناس اليوم وتدور عليه النقاشات هو ما يتعلق بركائز كانت أولى بالاتفاق مما يصدق فيها تحذير الله لنا: {ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، وإن أحد أهم جوانب حماية الدين للمسلمين حفظه من أن تنفصم عراه ويتفرق في مسائل العلم كما اختلف الذين من قبلهم، هو الفقه في الدين، وفهم مسائله فهما دقيقا، ولذلك دعا الله طائفة من المؤمنين أن يتفقهوا في دينهم وأن يكونوا رسلاً إلى أقوامهم في الإنذار والتبليغ عن الله، فقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

وقد يبدو لنا في عصر انفتاح الفضاءات وسيل المعلومات المتدفق بلا توقف وكتب العلم المعروضة على الناس بلا ثمن أن الجميع قد أصاب من العلم شيئا، وأن كل أحد قرأ بعض السطور أو استمع لبعض الشروح يمكنه أن يقطع برأي أو ينفرد بفتوى أو بترجيح، لكن الأمر غير ذلك بل هو أعمق وأدق. إن سهولة تحصيل العلم في زمننا تتيح لكل من أراد أن يلتحق ببرنامج أو يقرأ كتابا أن يفعل وقد يحصل على أوراق تثبت براعته أو حصوله على مفاتيح علم ما، لكنك إذا جئت تستمع إليه أو تقرأ ما يدعو إليه وجدت اعوجاجا وميلا لا يشي بفهم فضلا عن براعة. وإن زماننا الذي بلغت به الغواية حدها الأكبر وعلا فيه الزبد حتى فتن به من فتن ليتوجب فيه على من يقرأ أن يفهم ومن يتعلم أن يفقه، حتى يكون ذا بصيرة تعينه على أن يتبين مهاوي الطريق أمامه فيتجنب مصائد الغواية ويحاذر المسالك المؤدية إليها.

ماهية الفقه في الدين

يعرف غالب الناس أن الفقه هو معرفة أحكام الشرع، وقد ضبط العلماء حقيقة الفِقْهِ بأنَّه العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة المُكتَسَبة من أدلَّتها التفصيلية بالاجتهاد، والفقه في أصل اللغة يعني الفهم أو دقيق الفهم إلا أنه صار علما على أحد علوم الدين وفرع من فروع الشريعة لأنه يحتاج نظرا واجتهادا في تنزيل النص على الواقعة وسياقاتها، ولا يكون ذلك إلا بفهم النصوص الشرعية واستخراج الأحكام من مجموعها بما يتوافق مع قواعد الدين وكلياته الكبرى.

ولا يقتصر الفهم على ما في الشريعة من أحكام عامة أو تفصيلات فقهية، بل إن أعظم من ذاك هو فهم الدين فهما كليا يتصور به مراد الخالق وما يرضى به وما لا يرضى به، ويتوصل به إلى فهم مقاصد الشريعة العامة ومراتبها وأنواعها، ويرافقه بصر بالواقع وإدراك بما يجري فيه بما يمكن من معرفة مآلات الأمور وتقدير تبعات الكلمة وخطرها، فلا يلبس حينها على المتعبد شيطان ولا يزري بالعالِم سلطان.

فالفقه في معناه اللغوي يوحي بالقدرة على استخدام ما هو ظاهر وحاضر من النصوص والوقائع الشرعية للتوصل إلى حكم كان غائبا عن الأذهان أو غير ظاهر بصورة صريحة لغير المتفقهين. لذلك كان الفقيه في علمه أيا كان هو من يعرف العلم بأدلته ولديه نظر متسع يأخذ من الأصول الكلية والمبادئ الكبرى ليوضح للناس ما خفي عنهم، ولذلك وجه الله المؤمنين إلى رد الأمر لأصحاب العلم والفقه: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء:59]وقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]

 من هو الفقيه؟

ولا يكون صاحب العلم فقيها حتى تكون لديه مَلَكَة العمل مع النصوص والنظر فيها، واستخراج ما فيها من أحكام ومقاصد ودقائق، فهو يجمع النصوص ويستخرج منها الحكم ويعلم الاستثناءات وما يجرى عليه الحكم والقياس وما لا يقع عليه صورة الحكم ولا يصح وقوعه تحته.

وإن نظرة أولية لكتب الفقه بتفريعاته وأصوله ترسم للمطلع عليها صورة للفقيه المسلم والكيفية التي كان علمه فيها، فلا يقتصر على المسائل التفصيلية التي يسأل عنها الناس، بل إن علمه وفهمه لكتاب الله وسنة نبيه أدّيا به إلى استخلاص قواعد الاستدلال واستنباط الأحكام ومقاصدها وموضعها في أبواب العلم الشرعي، وكيف قاده هذا التخصص ليضع أصولا عامة وقواعد فقهية كلية أو غالبة صارت تعرف بعد ذلك بأصول الفقه.

لقد كان نظر الحسن البصري واسعًا حين عرّف الفقيه بأنه “الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه، الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم” [أخرجه نعيم بن حمّاد في مسنده] وقد تبعه الإمام الغزالي في ذلك فبين أن مفهوم الفقه شامل لكل ما يحصل به الإنذار والتذكير بالآخرة بحيث تكون الفتاوى والأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات جزءًا من الفقه في الدين لا تقتصر عليه ولا تختص وحدها به.

فقه العالم

لا يترك الشيطان وظيفته في إضلال الناس وإشباع غرائزهم، وكما يزين للغافلين عن ربهم وعن أنفسهم، يزين لمن أوتوا حظا من العلم، فيوحي إليهم بمكر خبيث ويلبس عليهم بحسب ما وصلوا إليه من علم، فله كيد خاص بهم، إذ يلّبس وحيه ثوب النصيحة للناس مرة، وثوب مراعاتهم والإحسان إليهم مرة أخرى، ويوقعه في الإثم وقبول الظلم حينًا بدافع المصلحة وفقه الواقع وفي فتح باب الشبهات والشهوات بدافع الضرورة والحرص على المصالح حينا آخر.

إن العالم أشد الناس حاجة إلى الفقه بمعناه الواسع الذي لا يختص بواقعه الآني فحسب، بل يجب أن تبصر عينه المستقبل القريب والبعيد، وتربط الأسباب بالنتائج ربطا مستمدا من كتاب ربه، فيبلغ الناس بلاغا يعيد إليهم رشدهم ويبصرهم بعاقبة كل أمر ولوازم كل اختبار.

وآية الفقه أن يزاوج العلم العمل وأن تصدق أعمال الإنسان في الأرض أقواله، فتحصل له المجاهدة والكبد الذي تستخرج به معادن الانسان القّيمة وتصفى به شوائبها، فإذا تحدث فعن واقع خبرة، وإذا نصح فمن حب وإشفاق، وإذا أفتى فعن خشية وإخلاص، ولا يكون ذلك لمن غاية علمه كلمات يقرأها ولا يستصحبها معه دينا تدور حياته عليه وتصطبغ به.

ولكي يكون العالم أو المتعلم على قدر حقيقي من الفقه، لابد له من أن يرد النبع بإخلاص وصدق، لا بتشكك وتغليب للهوى، فيقرر المسألة في نفسه ثم يقلب في النصوص ينتقى منها ما يوافق فهمه أو ميله، فذاك محروم من علم شريف خص الله به المقبلين عليه المعظمين لشرعه، الراغبين في نشر شريعته وبيان منهجه لعموم الناس.

فقه المتعلم

أما وقد فتحت للناس منصات للتأثير والتأثر لم تعد للعلماء فيها الكلمة الأخيرة وصارت بضائع الأفكار مزينة ومعروضة للصغير والكبير، للمتعلم والجاهل، فإن واجب الوقت ليس فقط لمن يرد تلك المنصات، بل لكل من آتاه الله عقلا يعقل به، أن يتعلم كيف يتلقى كل ما يرد عليه وما يمر إلى قلبه وعقله. فيقرأ بفهم ويرجع إلى من هم أفقه منهم فيسأل ويبحث، ويبني عقله بناء معرفيًّا صحيحًا بحيث يستطيع أن يضع التصور اللائق بكل مسألة، وأن يرتب ما يرده من أخبار ومصادر حسب ما ينبغي لا حسب ما يقرره صاحب تلك المقالة أو ذاك. لذلك فإن المتعلم على سبيل النجاة، والمقبل على ربه-وكلنا كذلك- واجبه الأول أن يعرف أصول دينه ومصادره، وأن يعرف كيف يرد الأمر إلى صاحب الأمر وكيف وعن من يتلقى قبل أن يتشرب عقله الشبهات ويخبط خبط عشواء يظن نفسه على هدى وهو أبعد ما يكون عنه ويرى أهل الدليل على هوى لأنهم يخافونه ويردون عن دينهم السهام..

نسأل الله أن يفقهنا في ديننا وأن يرزق هذه الأمة بالفقهاء العاملين الذين يدركون مواضع الخلل فيسدونها بعلمهم وفقههم.

تعزيز الرابطة مع الله

كنت أتحدث مع صديقة لي منذ فترة تبثني همومها وتشكو كثرة مشاعرها السلبية هذه الفترة، وأنها تعاني من فتور في علاقتها مع الله وتناشدني أن أساعدها في أن تعود إلى ذلك الشعور الجميل للرابطة مع الله التي كانت تشعر بها.

قالت: كيف لنا أن نحافظ على هذه الرابطة؟ كيف لنا أن نحافظ على علاقتنا مع الله عز وجل وأن نشعر به في كل وقت؟ ألا يحدث لك مثل ذلك الفتور؟

قلت لها: طبعاً، لا أحد على هذا الكوكب لم يمر بذلك الفتور، فنحن بشرٌ، وهذا حال الإنسان، إننا دومًا في حالة متذبذبة بين الكمال والانحطاط، بين حالة تجلٍّ وحالة شعور بلا شيء، ونحاول دائما أن نجاهد أنفسنا.

طمأنينة المناجاة .. ابحث عن مفتاح قلبك

ثمة بعض الأمور التي نستطيع فعلها لحل مثل تلك المشكلة، فلكل إنسان مفتاحه، رغم أننا مختلفون جدًّا من حيث القدرة على التواصل مع الله عز وجل، وشعورُنا بالقرب أو البعد يتبع عدة عوامل.

أفضل السبل أمامنا تنطلق من العودة إلى القرآن الكريم، دستور حياتنا لنتعرف إلى حلّ تلك الحالة، فلو نظرت إلى الطريقة القرآنية في معالجة هذا الأمر، سترى أن الله عز وجل استخدم -مع بعض الناس- أسلوب الترغيب، فأولئك الذين يشدهم هذا الامر ويحدِث فرقًا في حياتهم يختلفون بفكرهم وطريقة استيعابهم للأمور عن صنف آخر من الناس، فمثلًا سيتغير أحدهم بمجرد سردٍ عن ما أعدّ الله في الجنة من نعيم.

تخيل ذلك الشخص الذي لم يجد من الدنيا ما يسره كثيرا، ولكنه صابر على كل حال، وتأتي كلمات الله عز وجل، فكيف تأتيه؟ عندما يبشره الله عز وجل بأن للمؤمنين في الجنة قصورًا وبيوتًا، وأشجارًا وحقولًا ومزارع وأنهارًا من عسل…الخ، بل كل ما تطيب الأنفس به، فهذا ولا شك، دافع للصبر لدى بعض الناس، بل لعله إكسير الصبر بالنسبة لهم، وهذا ما يبقيهم على ما هم عليه.

في أحوال أخرى نرى أناسًا آخرين، يرتبطون بعلاقتهم مع الله بما يسمعون من خطاب الترهيب، فبعضهم يخشى العذاب أكثر من رغبته في الثواب، حيث إن  فكرة الخوف من الحساب تسيطر على أفكاره وأحواله، لقد ذكر الله جل وعلا أصناف العذاب في الآخرة، وبيّن أبدية العذاب للكفار، وشدته على مختلف الأصناف، وكيف أنهم سيبقون في ذلك المكان الموحش المقفر السيئ الذي لا يشتهي ولا يتمنى أي إنسان أن يكون فيه، وهذا رادع أو مقوّم أساسي لبعض الناس في علاقته مع الله.

في المقابل يستطيع بعض الناس أن يشعر بتلك الصلة مع الخالق عبر مناجاته مباشرة دون حجاب، وهو ما حدّثنا الباري عنه حين قال {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِم} [آل عمران: 191]، فأولئك يشعرون بحلاوة التحدث مع الله وبثه همومهم والتحدث معه بما في صدورهم.

فقه الإيمان بالله

ثمة باب آخر مميز -اكتشفته حديثا عن طريق القراءة- وهو باب مهم جدا- ورأيت أن كثيرًا من الدعاة يشجع عليه، وهو باب دراسة الدين نفسه، والتعرف على أبواب  معينة في الدين نفسه، بهدف فهم حقيقة الإسلام والإيمان، كما في أركان الإيمان، فإن معظمنا يعرفها ويرددها حفظًا بسهولة، ولكن هل فكرنا في دراستها وتبيُّن معانيها مثلًا؟ ما معنى الإيمان بالله؟ ما معنى ذلك؟ وهل يندرج تحت مسمّى الإيمان بالله البحث عن معاني أسماء الله الحسنى الواردة في الأحاديث.

 عن تجربة شخصية، فإنني حينما بدأت بدراسة هذه الأسماء، انتابني شعور عظيم من الهيبة والإجلال والإيمان، مما لا أستطيع وصف الشعور الذي شعرت به.

حين تدرس هذه الأسماء بشكل حقيقي، فإن لكل اسم منها شعور مختلف وطريقة تعاطٍ مختلفة مع الواقع، ونظرة مختلفة لما وراء هذا الاسم، وقد كان وقع بعض الأسماء التي مررت بها كبيرًا فترك أثرا بالغًا في نفسي وتصرفاتي بل كلما استحضرته، كاسم الله “المتجبر” و”المقدر”، كما ينتابني شعور إجلال بإحاطة الله وقدرته على كل شيء حين أقرأ قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 39] فهذه الأسماء تزيد اليقين في قلبي بأن الله معي وسوف يصدّ عني.

واقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُواۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}، [الحج: 38] وكذا اقرؤوا قوله: {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ} [النساء: 147] وتتبادر الأسئلة والخواطر عند النوازل، فيأتي اسم الله “الحليم” و”الصبور”، ألا يبعث ذلك كله الفخر والعزة والسعادة في قلوبكم، ألا يقرّ في القلب بعد ذلك أن الله صاحب الكمال المطلق وأنه يدبر الأمر على أكمل ما يكون.

 أتذكر وصف أحد الدعاة -فك الله أسره- وهو يردّد كلمة معينة عندما يتحدث عن الله عز وجل فيقول: وقد قال لنا صاحب الشريعة، وقد فرض لنا صاحب الشريعة، وإن صاحب الشريعة لا يرضى بكذا، .. إلخ. فاستشعرت معنى كلمة صاحب الشريعة، نعم إن الله صاحب الشريعة، فلا أحد يملك أن يقول لي ماذا وكيف ولماذا إلا صاحب الأمر كله، الله جل وعلا.

اجعل إيمانك رفيق وقتك

قررت خلال دراستي البسيطة لباب من أبواب العقيدة، أن أستحضر معاني الإيمان، وكنت قد اشتريت كتابًا كان قد أوصى به أحد الدعاة جزاهم الله خيرًا خصصه للحديث عن الملائكة وأحوالهم، في سلسلة جميع فيها أبواب الإيمان كالإيمان بالملائكة والقضاء والقدر والآخرة، وعندما قرأت الكتاب باستحضار إيماني المطلق بوجود الملائكة، واستحضار مواقف  النبي صلى الله عليه وسلم معهم، مثل حينما رأى سيدنا جبريل مرتان على هيئته الأصلية بأجنحته الهائلة التي تغطي السماء والأرض معًا، ومثل قصة ملك الجبال الذي كان سيطبق الأخشبين على من في المكان بكلمة واحدة من النبي صلى الله عليه وسلم، كل هذا كان له أثر كبير في صدري.

عندما تفكّر أن هنالك مَلَكًا للمطر يفتح السماء ويغلقها بأمرٍ من الله عز وجل، وبأن هنالك ملائكة في كل سماء تصعد بالأخبار وتنزل بالأوامر، حينما تتوقّف لبرهة وتتذكر أن هناك ملَكَين في هذه اللحظة عن يمينك وشمالك، لا تدري هيئتهما ولا شكلهما إلا أنك موقن بوجودهما، كل واحد منهما لا يأكل ولا يشرب، وإنما يسجل كل ثانية تمر عليك!

حينما أفكر بالملائكة وكونها كائنات من نور لا تخالف لله أمرًا، أشعر بالهدوء، وشعوري بأنهم حولي أينما كنت أمر رائع ومهيب في حدّ ذاته، وينطلق هذا الشعور من الحالة التي ذكرها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته، حين قال لهم: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين} [آل عمران: 124- 125] ولعلكم تخيّلتم هذا المشهد المهيب، وهنا أسأل: أليس الله بقادر على أن يمدنا بملائكة تعيننا على الحق متى ما قررنا الصدع به.

إن استحضار تفاصيل الإيمان والعيش معها تقوي الرابطة مع الله، فالإيمان بالله أمر متجدد، كلما بحثت فيه وغصت زادك من الدرر واليقين ما لا تقدّر حده، والله لم يترك لنا شيئا إلا وجعل فيه آية وعبرة موصلة إليه، فحينما تقرأ عن علامات الساعة وتعرف ما انتهى منها وما هو آت وما هو بين بين. حينما تدرك أين نحن الآن، ستشعر بأن ذلك يخفف عنك وطأة ما نمر به، وعندما تقرأ أحاديث الرسول عن آخر الزمان وتعرف أنه سيأتي يوم على الناس يجري فيه كذا وكذا، كل هذا يثبت فؤادك ويعزز صدق نبيك.

ازهد في الدنيا

إن من مقوِّيات الإيمان ومثبتات الرابطة بالله معرفة حقيقة الدنيا، وأنها مهما طالت فهي إلى زوال، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24]. وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف :45].

 إنّ هذه الحقيقةَ التي تشير إليها الآيات الكريمة تعكس أسباب قوة الإيمان بالله تبارك وتعالى. وتبيّن حقيقة الحياة الدنيا بكلّ متاعها وزينتها، وما تشتهيه النفس منها. وإنَّ كلَّ ذلك بالنسبة لنعيم الآخرة شيءٌ قليلٌ وزائلٌ. هكذا فهم المسلمون القرآن والإيمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبصّرهم، ويذكّرهم بدورهم ورسالتِهم في الأرض، ومكانتِهم عند الله، فانطلقوا عاملين بالليل والنهار بكلِّ ما في وسعهم وما في طاقتهم دون فتور أو توانٍ أو ممل، ودون خـوفٍ من أحـدٍ إلا الله، ودونَ طمعٍ في مغنـم أو جـاه، إلا أداء هـذا الـدور وهذه الرسـالـة لتحقيق هذه الغـايـة في الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة.

هل يموت الباطل بالسكوت عنه؟

“أميتوا الباطل بالسكوت عنه” عبارة أصبح بعض الناس يستخدمها كثيراً في الآونة الأخيرة كلما رأى شخصاً ينكر منكراً، وغالباً ما تكون نية الشخص الذي يستخدم هذه العبارة هي الخوف من اشتهار هذا المنكر بين الناس إذا تنبَّهوا له! واستخدام هذه العبارة قد يكون معقولاً إذا كان صاحب المنكر مغموراً غير معروف، فليس من المنطقي أن ننتقده على الملأ فنكون نحن جسره إلى الشهرة التي يطلبها ويبتغيها، أو تكون طريقة لفتح عيون الناس على ما لا يعرفون من منكرات فيندفعوا إليها بسبب الفضول أو من باب أن الممنوع مرغوب، هذا المنطق معقول نوعاً ما في نطاق محدد، وهو عدم اشتهار هذا المنكر، أو غمرة الشخص الذي يروج له أو يرتكبه.

ملاحظات وتوجيهات

نجد أن البعض يتوسع جداً في استخدام هذه العبارة، حتى أصبحت سيفاً مسلطاً في وجه كل من ينكر منكراً أو ينتقد مجرماً، حتى إنها قد تصبح عائقاً -في وجهة نظري- عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين ميّزا أمة الإسلام عن غيرها عندما قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} [آل عمران: 110] وأرى هنا أن هذه المقولة -أميتوا الباطل بالسكوت عنه- وإن كان يصح استخدامها في النطاق الضيق الذي أشرت إليه فيما سلف، فإننا لا نستطيع التوسع فيها لعدة أسباب.

السبب الأول: أن نسبة هذه المقولة إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، لا تصح، ولو أنك قمت ببحث بسيط في هذا الأمر ستجد أن أهل العلم نفوا هذه النسبة بطريقة علمية واضحة لا لبس فيها، لذلك فنحن نتعامل هنا مع مقولة لا نستطيع أن نعاملها في أحسن الأحوال إلا حكمة تراثية نستطيع أن نأخذ منها ما يناسب وقتنا وحالنا، ولا نتعامل مع نص ديني مقدس يتوجب علينا اتباعه بلا اجتهاد.

السبب الثاني: أن هذه العبارة تتنافى مع منهج القرآن الكريم الذي ذكر العقائد الفاسدة وفندها وقضى عليها فعندما تتأمل قول الله تعالى في سورة التوبة الآية 30 {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وقوله: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73] فستجد ذكرًا صريحًا للعقائد الفاسدة التي ابتدعها أهل الكتاب متبوعة بالتكذيب والتفنيد، وكذلك كان منهج السنة النبوية الشريفة والأحاديث المطهرة، التي ذكرت الكثير من الآراء الباطلة والرد عليها، دون أن نفهم منها أن نسكت عن الباطل حتى يموت، ومنها على سبيل المثال قوله صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) [متفق عليه].

كما أن المتتبع لتاريخ التأليف الإسلامي سيجد الكثير من الكتب التي ذكرت الأديان الباطلة والعقائد والآراء الفاسدة بالتفصيل والإطناب، ثم تناولت الرد عليها، وتفنيد أسانيدها بالحجة والمنطق الواضح، وإذا أردت أن ترى مثالاً على هذه النماذج، فعليك أن تفتح الآن هاتفك، وتدخل إلى الإنترنت، وتتصفح فهرس كتاب الملل والنحل لأبي الفتح الشهرستاني، الذي تكلم فيه -دون أن ينكر عليه أحد- عن الأديان السماوية والوثنية والمذاهب والمعتقدات بشتى أنواعها.

وإذا أردت تفصيلاً أكثر فعليك بكتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل” للإمام أحمد بن حزم الظاهري الأندلسي، وستجد أيضاً ذكراً لجانب كبير من الأديان والفرق في الكتاب المشهور للإمام ابن الجوزي “تلبيس إبليس”.

كل هذا التراث العظيم، ولم يتصدَّ أحدٌ من الناس لهؤلاء الأئمة قائلاً لهم” “أميتوا الباطل بالسكوت عنه”، مع العلم أن الكثير من الفرق التي تكلم عنها هؤلاء الأئمة الأفاضل قد ماتت بالفعل.

السبب الثالث: أن عبارة “أميتوا الباطل بالسكوت عنه” تعتبر من قبيل دفن الرأس في التراب، فأي باطل هذا الذي يموت هكذا وحده؟ فبدلاً من أن نأمر الناس قائلين لهم أميتوا الباطل بمقاومته، نقول لهم تغافلوا عن الباطل وتظاهروا بعدم ملاحظته، فهل هذا منطق؟ هل يتفق هذا ومنطق الإسلام في وأد الفتن في مهدها، وعدم السماح لها بالاستفحال والسيطرة على أذهان الناس؟

وأي خدمة تلك التي نقدمها للباطل عندما ينسحب أهل الحق، ويتركون له الساحة ليملأها هو بصوته القبيح؟ الذي أصبح أكثر ارتفاعاً بسكوت أهل الحق الذين ينتظروا أن يموت الباطل بمجرد سكوتهم.

الباطل الآن أصبح ينتشر ويستفحل بضغطة زر، لذلك فآخر ما تحتاجه نصرة الحق الآن هو السكوت أو حتى الصوت الخفيض المتواني، الباطل يحتاج منا أن نجابهه بصوت واثق في نفسه مستند إلى العلم متسلح بالعقيدة والدين المتين، ولا يحتاج إلى دعاة السلبية والسكوت، لذلك أقول أميتوا الباطل بمقاومته وإسكاته وإياكم أن تسكتوا عنه!

أوتار الطمأنينة والخوف!

تخيل أنك في حوار بينك وصديق لك، ثم حصل ما اختلفتما في أمره، هذا وأنت تعلم يقينًا أن ما بين يديك وما تُحدث به هو الصواب والحق بإجماع العقلاء، حاولت المرة تلو الأخرى إقناعه بالتي هي أحسن بما لديك لكنه أبى في غير استكبار.

تساءلت لماذا لم ينفع معه أسلوبك؟ ثم انتبهت أن في المرات السابقة كلها حديثك كان يسير على الإيقاع ذاته، -أي الترغيب- وما اشتق عنه فقط!

لحظتها عرفت علة الإعراض، وتراءى أمام عينيك مفتاح الدخول إلى مجاهل نفسه، وما قد يزعزع ركونه إلى ما هو عليه. حاك في صدرك ما لو حدثته به استجاب، لكنك فكرت وقدّرت العواقب ثم أسررتها في نفسك ولم تبدها له.

 تكتّمت عنه، ولم تجرب معه البتة، وقد مرّ بعض الوقت، وإذ به يأتيك مغاضبًا، وقف بين يديك وفتح الموضوع الذي أُسدِل عليه الستار فترة ليست باليسيرة، ثم عاتبك قائلًا: “لو أنك حدثتني بأسلوب كذا، لربما استجبت، ووقر في قلبي منه شيء ما!” تخيل لو أنه قال لك:

“كنت أحتاج أن (أخاف) لحظتها! ظلمتني يا صاح.. لم تحاول أن ترهبني حتى!”

 أخبرتني التجربة!

وقر هذا المعنى في قلبي، وأثيرت خواطري حوله بعد أن هاتفتني صديقة لي، جمعتنا فصول الدراسة أولا ثم تطورت علاقتنا بفضل الله شيئا فشيئا. صديقتي هذه نشأت في بيئة شبه بعيدة عن الدين، فمع أن والديها يقيمان الفرائض، إلا أن الحديث عن الدين بالمجمل كان مغيَّبًا بشكل شبه كاملٍ في البيت، وفي المحصلة فقد كانت رفيقتي هذه لا تهتم لأمر فريضة الصلاة لدرجة أنها لم تكن تعرف كم من الركعات الواجب أداؤها في كل فريضة، وبحسب ما فهمت من حديثها أنها لم تُقم الصلاة يومًا!

لفت انتباهي هذا التفصيل، ولإلمامي جزئيا ببيئة نشأتها بحكم طول المعاشرة، بدأت أحاول من طرفي تحريك هذا الجانب فيها، حيث كنت كلما سنحت لي الفرصة أحدثها عن الموضوع وأهمية الصلاة في حياة المسلم.. غير أنني كنت على شاكلة صاحبنا الأول، وبالعبارة: غلبت علي فطنتيَّ؛ فكرت وقدرت وقلت صديقتي المسكينة ترعرت بعيدة عن الدين، لن ينفع معها أسلوب الترهيب بحال من الأحوال! فعكفت لا أبرح ترجيتها وترغيبها فقط! إلى أن حدث مؤخرا ما أعاد توجيه أو بالأحرى تعديل البوصلة عندي. إذ كلمتني فرحة “مطمئنة” بخطوتها الجديدة: “بدأتُ الصلاة.. أنا الآن ممن يقيمون الصلاة!”، فرحت أنا الأخرى كثيرًا بخطوتها لكن علامات الاستغراب والتعجب كانت بادية من حديثي: “كيف أقبلتِ على هذه الخطوة يا فلانة؟!”..فبعثتْ لي بمقطع فيديو لأحدهم تحدث عن الصلاة وأهميتها، غير أنه لم يغفل مثلي الحديث عن جانب “الوعيد” لتارك الصلاة، ولا أخفي أنني حدثت نفسي لحظتها وقلت: (ما كنت لأبعث إليها بهذا المقطع لو سقط بين يدي بحال من الأحوال).

لكن يبدو أنني أخطأت التقدير، وفاتني أن التخويف ليس هو المشكل بذاته بل القالب الذي يقدم فيه، وطريقة الطرح هي ما يشكل الفارق، إذ الترهيب لا يتقاطع البتة مع اللين؛ نستطيع أن نُخوّف المخاطَب بـ “لين”!. فسبحان العليم الخبير سبحانه بنفسيات عباده وما يصلُح لها، نظن أحيانا أننا أذكى وأشد فهما لمن هم معنا، حتى تكشف لنا الأيام والمواقف أننا كثيرًا ما أخطأنا التقدير بمعاييرنا القاصرة، ومنظوراتنا الضيقة. كما فعلتُ مع صديقتي ثبتها الله.

 أهمية الخوف

 في كتابه الأخير “مستقبل الخوف” يقول الأستاذ أحمد دعدوش: “الطغاة يتعمّدون إشاعة الشعور بأقصى درجات الخوف ليتحوّل الناس تلقائيًّا إلى ممثلين متواطئين بهدف النجاة، فتحت مظلة الخوف من المجهول وغموض العقوبة وغياب القانون، وعندما يكون الزعيم مهووسًا بالقهر والتشفّي، يجتهد الناس لتخيّل القوانين وفرضها على أنفسهم، ثم يمتثلون لها، بل يعاقبون الآخرين إذا لم يحقّقوا تلك المعايير المفترضة”.[مستقبل الخوف، أحمد دعدوش].

هذه المقدمة الصغيرة هي للإشارة في موضع حديثنا هذا إلى أن الخوف ليس مشكلة في ذاته! وإنما طرق استغلاله هي ما يشكل الفيصل بين الثمرات المتباينة للتخويف والترهيب. فتارة هو سياط الجلد والتعذيب، وأخرى يكون هو الأداة الناجعة، واليد الخفية التي يهدي بها الله مَن يشاء من عباده.

 شواهد كثيرة من واقعنا المعاصر تشهد للخوف بالأهمية التي لا مراء فيها، ألم تر إلى العالمين من حولك كيف يدفعهم خوفهم من خسارة مظهرهم-مثلا- أمام الناس إلى السعي الحثيث للمسارعة لإخفاء العيوب! وخذ مثالًا على ذلك: إعلان “إشهار شامبو إزالة القشرة”؛ إذ يطلع عليك النجم الممثل وسمات القلق بادية على محياه، ولا يشغل فكره غير كيف يتفادى ظهور هذه الحبيبات البيضاء على سترته السوداء كلما حرك شعر رأسه هنا أو هناك! ثم فجأة يبتهج ويُسر كثيرا لأنه أخيرا وجد حلا لما يؤرقه: شامبو كذا كذا!

 

 أرأيت؟ إنهم يتاجرون بالخوف، وهم يلعبون هاهنا على الوتر الحساس للإنسان، فيصنعون المشكلة وما يترتب عنها من مخاوف، ولشدة حرصهم أمدوا البشرية بالحل!

وحتى لا يأخذنا التيه، فالمقصد هو القول: “مَن علم بأهمية الخوف، لم يألُ جهده لاستغلاله”، وكما أن بعض الأشياء سيف ذو حدين، فإن الخوف كذلك أمره، فهو في الأخير شعور له مقدمات ترتب عنها. وما يعنينا من هذا التفصيل هو استغلال هذا الشعور فيما يقربنا من الله جل جلاله، فالخوف من الله واستشعار عظمته والرهبة منه هو ما يجعلنا قادرين على مجابهة تخويف الطغاة، وضبط حركاتنا وسكناتنا تحت عين الله الناظرة إلينا.

 جناحا طائر

الحديث عن الخوف لا يعني الإفراط والغلو فيه، حتى لا يأتي بالثمرة المعاكسة للمراد! بل كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “لا بدَّ للعبد في سيره إلى الله من الجمع بين ثلاثة أركان، والعبادة كالطائر، فالحُبّ بمنزلة الرأس، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأسُ والجناحانِ فالطائرُ جيد الطيران، ومتى قُطِعَ الرأسُ مات الطائرُ، ومتى فُقِدَ الجناحانِ فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر”.[مدارج السالكين، ابن القيم]

النفس البشرية بين التزكية وأعباء الرسالة

جاء الإسلام دينًا متكاملًا يوازن بين العقل والنفس والروح والجسد، يعطي كُلًّا منهم حقه بما يتوافق مع الطبيعة البشرية، وأتى بتشريعات تنظم حياة الأفراد والجماعات وتضعها في أطر تضمن سلامة الفطرة الإنسانية. وطالما أن صاحب الشريعة هو خالق الإنسان وأعلم بما يحفظ فطرته فقد ضمَّن هذه الشريعة بما يزكي النفس ويحميها من براثنها، وبهذا أصبح الإسلام منظومة متكاملة للارتقاء بالنفس البشرية.

مفهوم التزكية في الإسلام

التزكية -كما يقول الغزالي- هي تكميل النفس الإنسانية بقمع أهوائها وإطلاق خصائصها العليا. وقد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة. فالتزكية تطهير للنفس من أدرانها الطَبْعيّة والخلقية، وتقليل قبائحها ومساوئها، وزيادة ما فيها من محاسن الطبائع ومكارم الأخلاق. فالتزكية تقوم على أمرين: التخلية والتحلية، أي تخلية النفس من كل الذنوب والسيئات، والمعاصي والبليات، والقبائح والمسترذلات. وتحليتها بالمكرمات، وتنمية المستحسن من الأخلاق والعادات حتى تبلغ بها النفس المطمئنة. [تفسير ابن كثير]

إن جوهر عملية التزكية: الارتقاء بالنفس درجة درجة، من السيئ إلى الحسن ثم ترقيها في مراتب الحسن والصفاء حتى تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فتتحول من نفس أمارة بالسوء أو لوامة إلى نفس مطمئنة راضية عن ذاتها مرضية عند مولاها وربها

أعباء الرسالة وطبيعة النفس البشرية

قال الله عز وجل {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلًا} [المزمّل: 5] أي إنَّا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا العمل به، فقد جُبلت النفس على حب الراحة والدعة والركون والاثِّقال إلى الأرض، وجُبلت على اتقاء المخاطر وركوب مطايا التضحية لا سيما التضحية بالنفس فكان ثِقَل الرسالة هنا هو الأمر بالجهاد، قال الله عز وجل {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]، وفُطرت النفس على حب المال وحب ادخاره، قال ابن حجر [في فتح الباري]: أخبر الله عن الإنسان أنه {لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} والخير هنا المال اتفاقا، فيأتي الأمر الثقيل بالزكاة، ويأتي الأمر بإقامة الصلاة على أوقاتها بما فيها صلاة تقطع عليك نومك، وترك البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، وصيامٌ يختبر تقواك وصبرك ويكبح شهواتك، وغير ذلك الكثير من تفاصيل أوامر الشريعة الإسلامية مما يستوجب وجود منظومة قوية محكمة تضبط رعونة الإنسان وتروضه، وهنا تأتي دور التزكية التي تحرر الإنسان من طبيعته الطينية لينطلق في رحاب النفخة الإلهية، وتميل نفسه للخير والطمأنينة ويستطيع التحكم في أهوائها وشهواتها بالقدر الذي يتناسب مع كونه آدمي في النهاية.

إن الإنسان مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد مزدوج الاتجاه، بمعنى أنه في طبيعة تكوينه: من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه، وهو لذلك مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى أيهما أراد، وهذه قدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 7-8] ويعبر عنها بالهداية تارة {وهديناه النجدين} [البلد: 10] وإلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان هي التي تناط بها التبعة، فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعدادات الخير فيها وتغليبها على استعدادات الشر فقد أفلح، ومن أظلم هذه القوة وخبّأها وأضعفها فقد خاب [في ظلال القرآن]

لا تزكية دون تسليم

لا يمكن للإنسان أن يصل إلى جوهر التزكية إلا إذا بدأ بالتسليم، التسليم أولًا بكونه بشري يصيب ويخطئ وتعرض عليه العوارض وتتقلب به الأحوال، وبأن نزعاته البشرية لا تستقيم له ولا يتذوق معنى الطمأنينة إلا بلجوئه إلى قوة أعظم منه تحميه وترعاه وتربيه، فيسلِّم بضعفه ونقصه واحتياجه لربٍ حكيمٍ عليمٍ قادرٍ رحيم، ثم يسلم له ولتمام علمه وحكمته فيخضع لأوامره ونواهيه. هنا تحديدًا يصل الإنسان إلى مرحلة تقبل التزكية حيث أنه سيكتشف رغم تجلي اليقين أمامه ومعرفته بحقيقة الوجود وتسليمه لها أن نفسه لا زالت تساوره بفعل المنكرات، وما فتئت تذبه عن القيام بالواجبات، فهنا تتجلى معاني مجاهدة النفس ورياضتها حتى تصل إلى مرحلة الطمأنينة التامة والثبات الدائم، بل وترى في بذلها لبارئها لذة لا يعدلها لذة، وتنزع منها كل خوف إلا من خالقها.

هل الإسلام مصحة نفسية؟

قبل مدة وجدت شابًا كوريًا دخل الإسلام حديثًا وكان يروي قصة إسلامه والتي مختصرها أنه تعرض لصدمات نفسية واجتماعية كثيرة وقاسية أدت إلى دخوله في حالة اكتئاب شديدة، فبينما هو يبحث عن الحل قرأ عن الإسلام فوجد فيه تحريرًا لروحه فلامس وواقع فطرته فأسلم، ظل فترة ينشر مقاطع يومية يعرض فيها تعلمه للإسلام ويقرأ بعض آيات القرآن، وأسلم أخوه أيضًا على إثر إسلامه وغيّرا أسماءهما إلى أسماء عربية، وبالفعل انقطعا عن شرب الخمر وأكل الخنزير وشرعا في تعلم الصلاة، وكذا حرصا على الالتقاء ببعض المسلمين الآخرين سواء من حديثي العهد بالإسلام أو من الدعاة.

 في الواقع كنت أتابعهم بشكل منتظم لأرى تطورهم في تعلم الإسلام وكنت بهما فرحة مستبشرة، إلا أنّ ثمة تَخوّف اختلج نفسي لِما رأيت عندهما من إشكالات عقدية في فهم جوهر الإسلام الذي به يصمد المرء ويتحمل القول الثقيل وأعباء الرسالة، وكان من حولهم يتجاوزون عنها بحجة أنهم حديثو عهدٍ بالإسلام، فعندما يستثقلون الخمس صلوات يقولون لهم لا بأس باثنتين في بادئ الأمر حتى تعتادوا، يُقال هذا لأناسٍ لم يعرفوا لماذا أصلًا يكابدون أعباء الرسالة!

بعد فترة من الوقت قال هذا الشاب الذي أسلم بدايةً أنه بالفعل تعافى نفسيًا عند دخوله إلى الإسلام ولكنه لا يستطيع إقامة فرائضه بشكل كامل وأن الأمر متعبٌ للغاية رغم أنه دينٌ جميلٌ حقًا وله فضلٌ في معافاته ولكن لا يستطيع، وبالفعل ارتد عن الإسلام وغيّر اسمه مرة أخرى وترك الأمر برمته.

هذا لم يكن صادمًا جدًا بالنسبة لمن لم يتشربوا معنى التسليم في قلوبهم لينطلقوا منه إلى التزكية التي تثبتهم وتعطيهم جلد لتحمل أعباء الرسالة. لأنه ما دخل الإسلام في الأصل من أجل البحث عن الحقيقة، وإنما كان احتياجًا بمجرد تحصيله خلع عباءة الإسلام ولم يتحمل ثقلها..

وهنا نسأل ما موقف رسول الله من التنازل عن بعض الأحكام الشرعية من أجل تأليف القلوب؟

 استمع وفد ثقيف إلى الإسلام، ورأى أحوال المسلمين، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسلموا، لكن كان عندهم بعض الشروط يريدونها من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه الشروط توضح أنهم لم يريدوا الإسلام حباً فيه، ولكن جاءوا رهباً منه ورغباً في المصالح من ورائه.

قال زعيمهم عبد ياليل بن مسعود: أفرأيت الزنا، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ يعني: هم يريدون أن يستحلوا الزنا، مع علمهم أن من تعاليم الإسلام تحريم الزنا، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام هو عليكم حرام؛ فإن الله عز وجل يقول: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]. فقال عبد ياليل: أفرأيت الربا؛ فإنه أموالنا كلها؟ قال صلى الله عليه وسلم: لكم رؤوس أموالكم، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]. فقال زعيمهم: أفرأيت الخمر؛ فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منه؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرمها، وقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90].

هذه أمور ثلاثة حاولوا أن يحذفوها من الإسلام، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان واضحاً تمام الوضوح، وكان حازماً تمام الحزم، لا مساومة في الدين، ولا التقاء في منتصف الطريق إذا كان الأمر يخص العقيدة والحلال والحرام، ولم يسع إلى تأليف قلوبهم عن طريق حذف أو تبديل في الشريعة.

قام وفد ثقيف للتشاور، فقال بعضهم لبعض: ويحكم إنا نخاف -إن خالفناه- يوماً كيوم مكة، يعني: لو رفضوا أن يأخذوا الإسلام كاملاً دون حذف ولا تبديل فقد يغزوهم في يوم من الأيام، ويحدث لهم ما حدث لأهل مكة، فأتوا الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: نعم لك ما سألت، ثم قالوا: أرأيت الرَبَّة؟ لا زالت هناك محاولات أخرى لحذف بعض الأمور من الدين الإسلامي، قالوا: أريت الربة ماذا نصنع فيها؟ الربة هي اللات وهي الصنم المعبود في الطائف، وكانت من أعظم أصنام العرب، والجميع كان يقسم بها ويهدي إليها ويذبح عندها ويعتقد فيها، فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام إجابة حاسمة لا مجاملة فيها، قال: اهدموها.

ففزع أهل ثقيف وقالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلنا. فكان عمر بن الخطاب حاضراً هذه المفاوضات فقال: ويحك يا عبد ياليل إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، فرد عليه عبد ياليل وقال: إنا لم نأتك يا عمر (يعني: ليس هذا من شأنك).

لكن لم يجد أهل ثقيف بداً من هدم اللات، وأصر الرسول عليه الصلاة والسلام على هدمها، لكنهم بدأوا يسامون على توقيت هدم اللات، فطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدع اللات ثلاث سنين قبل أن يهدمها، فأبى صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سنتين، فأبى، فقالوا: سنة، فأبى، فقالوا: شهراً واحداً، فأبى صلى الله عليه وسلم، فأسقط في أيديهم، وقالوا في يأس: تولَّ أنت هدمها، أما نحن لا نهدمها أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها. [السيرة النبوية]

إننا نجد في وفد ثقيف ما نراه في هذا الشاب وغيره ممن لا يتحمل أعباء الرسالة، لأن كليهما لم يدخلا الإسلام لأجل الإسلام أو لأجل تجلي الحقيقة، بل دخلاه لمصلحة ما سواء كانت نفسية الأبعاد أو اجتماعية، ومثل هؤلاء لا يصمدوا كثيرًا أمام القول الثقيل. ونجد أيضًا أنه لا يمكن المساومة على حكمٍ من أحكام الله، والتدرج لا يكون في مركزيات الإسلام وإنما يمكن أن يأتيه الإنسان فيما نَفُلَ منه، فلا إسلام بلا أعباء ومجاهدة، لذا نجد في جيل الصحابة أنهم كانوا يتحملون من العذاب ما لا يتخيله بشر ويظلوا ثابتين على الدين لأنهم أتمّوا التسليم وتشربوا التوحيد في قلوبهم فكان عندهم من الفهم والصبر على الأذى ما يجعلهم يلجون مطايا المنايا بتامّ الرضا. أجل الإسلام يزكي النفس ويطهرها بل هو شفاء لها، ولكن يجب على هذه النفس أيضًا تحمل أعباء الرسالة.


مصادر للاستزادة

١- http://www.saaid.net/bahoth/81.htm

٢-https://www.elazayem.com/main/islamic_encyclopedia/null/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%A9/510

٣- السيرة النبوية للدكتور راغب السرجاني.

https://youtube.com/playlist?list=PL4aBqnO2MtcFT7jgUVs5WwYa9Vi053HeU

https://al-maktaba.org/book/32238/617

٤- سلسلة حلقات فقه النفس للدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي.

القيم التربوية الإسلامية مصدر الإشعاع والتألق المعرفي

لا شكّ أنّ التصور الذي يحمله الإنسان ونظام القيم الذي يرتبط به، يترك أثره في سلوكه سلباً أو إيجاباً، وينعكس ذلك الأثر –بطبيعة الحال– على سير المجتمع وبناء الحضارة برمتها، وإن أثر القيم الإسلامية –لضمان تفوق المجتمع ونقائه- ينبغي أن يهيمن على حياتنا الإنسانية؛ حيث إن تلك القيم الشاملة لا تجعل المسلم صادقاً في معاملاته وممارساته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية، متعاوناً فيها على البرّ والتقوى، عفيفاً معتدلاً في تعامله معها وحسب، ولكنها لتنفذ إلى أعماق نفسه فتغرس فيها رهافة في الحس وشفافية في الذوق والضمير.

أثر القيم الإسلامية في الإنسان

إن أول آثار القيم الإسلامية في الإنسان هي أنها تصوغ الشخصية الإنسانية صياغة ربانية تمس كلّ موطن من مواطنها، وتهز كل وتر من أوتارها، لينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه، على هدى من الله.

وإذا كانت القيم التربوية الإسلامية وعلى رأسها القيمة الإيمانية، تترك أثرها في النفس والجسم، طمأنينة وسكينة، فإنّها في ترابط عضوي مع تلك الآثار، تخلف أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم بفضل ذلك النسيج المحكم من الحقائق التشريعات وأنماط السلوك التي يتصل بها كيان المسلم، فنسيج القرآن نفسه، ومعطياته المعجزة، من بدئها حتى منتهاها، في مجال العقيدة والتشريع والسلوك والحقائق العلمية، تمثل نسقاً من المعطيات المعرفية كانت كفيلة، بمجرد التعامل المخلص الذكي المتبصر معها، أن تهز عقل الإنسان وأن تفجر ينابيعه وطاقاته.

إنّ القيم التربوية الإسلامية قد صنعت من الصحابة الذين تشبعوا بها كائنات فذة، تحمل من عناصر القوة والحيوية ما استطاعوا بفضله أن يواجهوا تبعات الحياة ومشاق السير في دروبها الوعرة، فإذا كان المجتمع المسلم نسخة عنهم أو في حقيقته ليس سوى مجموعة الأفراد الذين يسيرون على تعاليم دينهم، فمعنى ذلك أننا بإزاء مجتمع متماسك البنيان، راسخ الأركان، سائر إلى الأمام، مضطرد النمو، لأنّ الإسلام يعتمد في بنائه للمجتمع على أفراد أقوياء النفوس ممتلئين بالعزم والقدرة على الثبات.

ومن هنا نخلص إلى الحقيقة التي يقررها القرآن في قضية التغيير الحضاري، وهي أنّ الإنسان هو الأساس في ذلك التغيير، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم} [الرعد: 11] فسنة البناء والتغيير تمر من خلال جهد البشر وتفاعلاتهم.

تحقيق أهداف القيم الإسلامية

من المؤكد أن تحقيق الأهداف التربوية في المجتمعات  للوصول إلى الإنسان الأخلاقي الذي يحقق الغاية السامية للبناء والنهضة، فلا بد لأجل ذلك أن ترتكز تلك الأهداف التربوية على نسق متين من القيم يتوخى فيها الشمول والتكامل، تتكامل فيه النواحي العقدية، مع النواحي المنهجية، وهذه مع النواحي الأخلاقية كفيلة بإعداد الإنسان الأخلاقي على وعي وبصيرة، وفق الينابيع الدينية الصافية، ولا شك أن طبيعة البناء الثقافي، والنسق القيمي هي التي تحدد استجابة الإنسان لهذه المنظومة، فإن كانت تركز على أبعاد بعينها من الكيان البشري، فإن النقص لا محالة لاحق بتلك النفس، وإن كان الإطار الثقافي متكاملاً وغنيًا بالقيم التربوية التي تمس الكيان الإنساني بأكمله سوف ينعكس ذلك على الإنسان كمالاً وتوازنًا يدفعه للقيام بوظيفته الحضارية.

ومن المؤكد أن القيم الإسلامية هي الأجدر والأكمل والأمثل القادرة على الإشباع لكل حاجات وأشواق الإنسان، لأنها صادرة عن خالق الإنسان الذي يعلم من خلق، وأن العطاء الذي قدمته الحضارة الإسلامية للإنسانية خير دليل على ذلك، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جبل الإنسان بفطرة تؤهله للتشكل وفق الأهداف الخيرة، وقابلية السير في خطها المستقيم، فإن القيم التربوية الإسلامية تكون على أساس المفاهيم والمعاني التي يولد الإنسان بموجبها ولادة ربانية، ويعيش في ظلال طاعة الله، وحمل النفس على تنفيذ مراده في هذا الكون وحقق الغاية السامية.

ومن المؤكد حتما أن الهدف الذي تسعي إليه القيم التربوية الإسلامية هو إحداث وإنشاء هيئة راسخة في نفس الإنسان، بحيث تتجه به نحو العمل الصالح، الذي يشمل كل مكارم الأخلاق، وربما يظهر في بعض الأحيان أن بعض النظم التربوية تضم قيمًا شبيهة بقيم الإسلام، إلا أنها تفتقد الشمول والتكامل والثبات، والقابلية للتطبيق على أرض الواقع ويغلب عليها الجانب النظري لأنها من صنع الإنسان، ولا أجد أجمل بلاغة في نقل المعنى الشمولي للمراد من قول الإمام الشاطبي بأن كليات الشريعة من العدل، والرفق، وسلامة النفوس والأعراض والأموال، وحفظ الدين، والعقل، فإنها لا تتغير، إذ هي الأصول التي بني عليها الدين، وبنيت عليها مصالح الدنيا، ومن ثمة فإنها باقية ما بقي الناس على هذه الأرض، وعليه فحفظ تلك المقاصد لا يتم إلا من خلال تشبع الأفراد بمنظومة من القيم يتصف بالكمال، ويتجلى ذلك بأبهى وأتم صوره في النظام القيمي الإسلامي الذي هو قوام النظام التربوي في الإسلام، وهذا النظام القيمي هو الذي يتشكل منه النظام الاجتماعي الذي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بطبيعة التصور الاعتقادي.

التربية وجيل القرآن

ومن المؤكد علميا أن دراسة فاحصة معمقة إلى الإنسان في ظل عصر النبوة، والعصور الزاهية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، وجدنا أن الجيل القرآني الذي تربي في رحاب مدرسة النبوة قد أعطي البرهان الكامل على الثبات أمام مطامع الدنيا، فكانوا قمم في العطاء والتضحية، وفي الإخلاص، ونكران الذات، والتعاون، وغيرها من المثل العليا وهذا التجسيد للقيم ظل مستمرًا عبر عصور التاريخ الإسلامي على تفاوت فيما بينها في الإشعاع والتألق، وذلك بمقدار ما كانت تتفاوت في الاقتراب من النبع الصافي لمدرسة النبوة والاغتراف من خيراته وكنوزه.

ومن المؤكد قطعا أن من أعظم ثمار القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان أنها تترك أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم، لأن القرآن الكريم ومعطياته في مجال العقيدة، والتشريع والسلوك تمثل نسقًا من المعطيات المعرفية كفيلة بأن تهز عقل الإنسان، وتتمي طاقاته حتى يولد لديه التشوق المعرفي لكل ما يحيط به من مظاهر الكون، وتحديد دوره ووظيفته في هذا الكون، فالإنسان في العقيدة الإسلامي طاقة حيوية مؤثرة، وهذا ما يفسر لنا ذلك الانطلاق الهائل الذي حققه المسلم في كل ميدان من ميادين الحياة العلمية، وهكذا يتضح لنا أثر البناء الذي تتركه القيم التربوية الإسلامية في الشخصية، بحيث تصوغها صياغة متينة، وتمس كل موطن من مواطنها، حتى ينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في تحقيق النهضة البشرية، وخلاصة القول أن القيم التربوية المرتبطة بالدين هي التي تؤدي إلى تحقيق غاية الإنسان وإسعاده في هذه الحياة، وخلاف ذلك، فإنها لا تحقق الغاية المنشودة، بل تؤدي إلى انهيار متسارع في المنظومة المجتمعية والحضارية.

مسؤولية الاستحقاق .. قف وارجع للأرض!

أبتدئ هذا المقال بقوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] وأنسلّ من هنا لأشير إلى أن انتشار الفردانية في مجتمعنا أدّى لانتشار مبدأ الاستحقاقية الذي أصبح البشر يتعاملون به مع رب العالمين! فنرى أحدهم يقول: “يا رب أنا لا أستحق هذا!” “يا رب ماذا فعلت لأستحق هذا؟” “يا رب أنا فعلت وسعيت فإنني أستحق هذه النتيجة لمَ لم أحصل عليها!” إلى جانب جُمل أخرى مغلّفة بالزخرف كـ”أنت تستحق الأفضل دائمًا، فكر هكذا وستحصل على حياة سعيدة!”

ويالانعدام مفهوم الحياة الدنيا! وكأن ما فعله الذين كفروا من بني إسرائيل يتكرر اليوم!

المفاهيم انقلبت ونسي العبد أنه عبد، نسي أنه يُسأل ولا يسأل، نسي حقيقة الحياة الدنيا!

من وقع في شباك هذا المبدأ؛ طبيعي أنه سيصل للسخط على رب العالمين، لأن نظرته المشوّهة جعلته يرى الدنيا كفردوس أرضي، وتكون نظرته أنا عملت إذًا -وبشكل طردي- سأحصل على كل ما أتمنى لأني أستحق! متناسيًا أن الحياة هي دار ابتلاء واختبار وليست دار الجزاء {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7]

لو كانت الدنيا دار الجزاء؛ لكان الأنبياء أحق برغد الحياة، ولكانوا أحق بتحقق جهودهم في الحياة، ولكن الأنبياء يبعثون ومعهم واحد أو إثنين وبعضهم يبعث وليس معه أحد اتبعه!

لو أن الدنيا ستكون رغدًا للمُطيع لكان الأنبياء أولى، ولكنهم أكثر الناس بلاءً!

لو كان الجزاء في الدنيا لكان الصحابة أولى بهذا، ولكن منهم من قضى نحبه قبل الهجرة كسمية وزوجها رضي الله عنهما، ومنهم من قضاه قبل الفتح وقبل أن يرى ثمرة جهاده في الدنيا، ولكنهم علموا أن الجزاء في الآخرة، وأنهم سيجزون على سعيهم لا على النتيجة! {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 39-41]

ولو تأملنا في سورة الصف سنجد أن الله تعالى يخبرنا أن الجزاء هو جنّات عدن، ولكن الأخرى التي تحبونها هي جزاء معجّل لأنه شكور، وليست الجزاء الحقيقي!

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10-13].

يعبد الله على حرف!

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11]

بعض الناس يعامل الله سبحانه وكأنه يمّن عليه بإسلامه، فإن تعرض لمصيبة أو كربٍ أو لم يتحقق له ما كان يطمح له سخط على الله، بل وربّما شكك في وجوده! وهو ما يسمى في العصر الحديث (هشاشة الإيمان) وفي المصطلح القرآني (عبادة الله على حرف) وحرف تعني لغة الطرف والحافة؛ أي كمن يقف على حافة الجبل؛ أي شيء سيوقعه، وهذا من خسِر الدنيا والآخرة.

 من يعامل الله كأنه يستحق لم يفهم معنى العبودية وحقّها، فالله لم يوجب الرحمة على نفسه ولم يشترِ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة لأننا نستحق، بل لأنه هو الرحمن الرحيم الوهّاب الودود اللطيف بعباده، فإن وصلت لمرحلة تفكر فيها ب: أنا لا أستحق كل نعم الله هذه بدلاً من: أنا أستحق أكثر! فاعلم أنك اقتربت من تحقيق العبودية لأن إدراك النعم ورؤية أنك لا تستحقها وإنما هي من فضل الله عليك هو مقام من مقامات العبودية الحقّة.

وهذا الخلل ينشأ من سوء فهم للابتلاءات، فيعتقد الشخص أن الابتلاء هو المصائب فقط والنقص في الأموال والأنفس، رغم أن الله سمّى العطاء ابتلاءً أيضًا {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر:15-17]

فالله سمّى سعة الرزق ابتلاءً، ليرى ماذا يفعل العبد في نعمته، هل سيشكر أم يكفر؟ والله يخبرنّا بأن البسط في الرزق والقدر فيه ليس محددًا لحب الله ورضاه من عدمه، فالله يبسط الرزق لمن يشاء لحكمة، والله يبتلي ويعاقب من يشاء لحكمة.

 ومن الكفران استعمال النعم في معصية الله، ولقد توصّل لهذه الحقيقة النبي سليمان عليه السلام، حينما جيء بعرش سبأ إليه فقال: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40] لم يقل لأنني نبي وأستحق! بل أدرك أن كل شيء عنده من فضل الله ونعمته وأنه بلاء.

وفي الجهة المُقابلة كان قارون، لمّا فتح الله عليه بالمال قال: {إنما أوتيته على علم عندي} أي أوتيتها لمقدرتي ولعملي ولأني أستحقها! فكفر فخسف الله به وبداره الأرض. وكان هنالك فريقٌ ممن كانت نظرتهم دنيوية مادية بحتة، وفريق ممن منّ الله عليهم بالبصيرة، تأمل بنفسك:

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)} [القصص:79-82]

وقد ذكرت بالفعل أننا أصبحنا نفعل كبني إسرائيل، فوجب أن أوضح، فبنو إسرائيل كانوا يقولون إنهم أحباء الله، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، وكل هذا وهم لم يقيموا التوراة ولم يتبعوا حكم الله ويعبدوه حق عبادته، بل كان مبدؤهم (الاستحقاق).

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿80﴾ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:80-81]

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5]

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:18].

ما المخرج إذًا؟

إذا كنت ممّن وقعوا في هذا الشباك فلا تقلق، أول الحلول هو الاعتراف بالمشكلة.

في البداية يجب أن تدرك أن الله مستحق للعبادة والمحبة لذاته ونحن مُلكه، لأنه سبحانه الخالق الذي خلقك ولم تكن شيئًا، يجب أن تدرك أن الله الحكيم، وأنك لن تدرك جل حكمته لأنك مخلوق لست الخالق، ولكنك تؤمن أنه الحكيم والمدبر وإن لم تعلم الحكمة بنظرتك القاصرة، وهذا معنى التسليم {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ} [التوبة:59]

يجب أن تتأمل بنعم الله حولك وتعمل بالوصية النبوية “انظروا إلى من هو أسفل منكم”

وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ.” رواه مسلم.

ويجب أن تدرك مفهوم الحياة الدنيا والنعم والابتلاء، وأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة!

وأن بلاء الله رحمة للمؤمن لكي يطهره من ذنوبه، فعذاب الدنيا لا يساوي مثقال ذرة من عذاب الآخرة.

بل وأيضًا يكون رحمة للكافر حتى يعود إلى الله {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21]

وفي الختام وبمّا أنّك عُدت إلى الأرض.. تذكر {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]

فالله قد يختبرك بقدر رزقك، بتأخير في الوظيفة، الزواج، الإنجاب، تعثر في الدراسة، وقد يختبرك ببسط الرزق عليك وتسهيل كل شيء لك، فمعرفتك لهذا تجعلك تحسن التحضير ليوم الجزاء، تجعلك تعرف معنى أن تجاهد نفسك، لأنك {كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه} [الإنشقاق:6] يوم تجزى على صبرك وحسن عملك. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط” حسّنه الترمذي.