image_print

مركزية المسجد الجامع .. ووظائف المسجد في عصر التبعية الغربية

بين مركزية “المسجد الجامع “في الحضارة الإسلامية ومحدودية وظائف المسجد في عصر التبعية الغربية، فرق شاسع لا تكفي الكلمات إلى حصر جوانبه.

مما لا شك فيه أن مصطلحي المسجد والمسجد الجامع ينم عن اختلاف في الفهم والمعنى، واختلاف في تصور وظيفة كل واحد منهما، وحتى يسهل معالجة هذا الموضوع بمختلف أشكاله وتجلياته وجب توضيح معناهما لغة واصطلاحا، بما تمليه المصادر الشرعية التي نقلت إلينا القصص والروايات عن وظيفة كل من المسجد والمسجد الجامع، وعن الفوارق التي بسببها تم احداث المصطلحين في ضوء الحضارة الإسلامية.

حقيقة المسجد والمسجد الجامع

بالرجوع إلى المصادر والمعاجم اللغوية، يتبين أن المسجد هو الخضوع والانقياد. قال الفيروز آبادي: [سجَدت المخلوقاتُ: خضعت وانقادت: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} – {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}]، ووافقه ابن منظور في لسان العرب على هذا المعنى سَجَدَ: خَضَعَ، وانْتَصَبَ، ضِدٌّ. ونحوه أسْجَدَ: طَأْطَأَ رَأسَهُ، وانْحَنَى، وأدامَ النَّظَرَ في إمْراضِ أجْفانٍ.

مما سبق يتبين أن المسجد في سائر استعمالاته اللغوية تقريبا، يدل على معنى الانقياد والخضوع وسجود العبادة، قال تعالى: (فَسَجَدُوا إِلاَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)، وهو في الغالب سجود عبادة، والمسجد هو الموضع والمكان الذي يسجد فيه الساجد والعابد والمتعبد.

أما الجامعُ في اللغة عند أحمد المختار عمر في كتابه معجم اللغة العربية المعاصرة فهو: اسم من أسماء اللهِ الحُسْنى، ومعناه: الذي جمع الفضائل وحوى المكارم والمآثر، جامع الخلق في موقف القيامة، جامع أجزاء المخلوقات عند الحشر والنشر بعد تفرّقها، وقال هو مسجد يُصَلِّي فيه المسلمون ويُطلق بصفة خاصَّة على المسجد الذي تُصلّى فيه الجُمعة، وفي المعجم الغني: قيل الجامع: ذَهَبَ إِلَى الجَامِعِ لأَدَاءِ الصَّلاَةِ: أي الْمَسْجِدُ الكَبِير. بمعنى الجمع في مكان واحد على أمر واحد.

أحمد المختار عمر

إلا أن المعنى الاصطلاحي يختلف في كلا الكلمتين فقد نقل عن الأزهري أنه قال عن المسجد (هو بيت من بيوت الله سبحانه وتعالى، بناه العباد بفضل الله، وخصّصوه لأداء الصلوات الخمس المفروضة يوميّاً، وقد وُجّهت قبلته نحو مكّة المكرّمة، وقد يخرج تعريف المسجد عن هذا المعنى بحيث يكون المسجد يشمل المكان الذي يصلي فيه العبد صلاته إن حدث مانع وعذر من مرض وغيره). ويؤكد ذلك الحديث الذي رواه البخاري عن جابر قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)، هكذا يتضح أن المسجد في الاصطلاح الشرعي لا ينحصر دائما في المكان الذي بناه العباد، إنما قد يطلق لفظ المسجد على الموضع الذي انتهى إليه العبد وأدركه وقت الصلاة فيه فلا بد له من اتخاذ الموضع مسجدا ولو كان ذلك مؤقتا.

أما الجامع يتعدى المسجد في الخصائص التي يعتني بها ويشملها، فهو أكبر من المسجد في المساحة، ويجمع الجامع بين خصائص المسجد وبين وظائفه فهو مسجد تصلى فيه الصلوات الخمس، وجامع لأنه المكان الذي تصلى فيه الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء، وفيه تلقى الدروس والمحاضرات الدينية، ومنه يخرج الأمر ويعطى بعد تشاور أصحاب الاختصاص فيما بينهم، وعلى ذلك فإن المسجد على المعنى الخاص هو مسجد قباء أول مسجد صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الجامع هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو أول مكان جامع للأمور الدينية والدنيوية للمسلمين.

الخلفية الاجتماعية والسياسية للمسجد الجامع

كان الجامع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمتع بخلفيتـه الاجتماعية، على اعتبار أنه المكان الذي اجتمع فيه المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة لأجل الالتحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم تاركين مساكنهم وأموالهم، فما كان من الرسول إلا أن هيأ لهم جناحًا في الجامع يسمى “منزل الصُّفـة أو الظّلة” وهذا كان خاصاً “بعابري السبيل والمهاجرين وغيـرهم من المحتاجين، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجالسهم ويأكل معهم ويقول “من يضيف ضيف رسول الله”، يقول أبو هريرة رضي الله عنه:” كنت وسبعين رجلا من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما بردة، أو كساء قد ربطوها في أعناقهم”[1]. فانظر إلى حجم معاناتهم ودور المسجد في تخفيف هذه المعاناة.

 كما كان منارة للعلم والعلماء، يسافر إليه القريب والبعيد من أجل الطلب والتحصيل من علماء أمة الإسلام، “كان الصحابة رضوان الله عليهم يقومون بالتدريس في المسجد، فكان ابن عباس- رضي الله عنهما- و غيره من الصحابة يدرسون التفسير والحديث والسيرة النبوية واللغة العربية والأدب… في المسجد، واستمر هذا الأمر بعد جيل الصحابة والتابعين إلى أن ضاقت هذه الجوامع بروادها كجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس وجامع قرطبة في الأندلس، فأصبحت جامعات مستقلة ولها مبان خاصة… فصار دور المسجد جامعة علمية وخيرية وثقافية”[2].

جامع الزيتونة (ويكيبيديا)

وهذه الأدوار التي كانت تؤديها المساجد الجامعة عظيمة استفاد منها العلماء المسلمين استفادة عظيمة، حيث إن المسجد الجامع كان يوفر عليهم وسائل كثيرة تعينهم على الطلب والتبليغ والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

 يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله متحدثاً عن المساجد موضحاً ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وكانت مواضع الأئمة، ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والذكر والقراءة، وتعليم العلم والخطب وفيه عقد الأولوية، وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، فيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم”[3].

إضافة إلى ذلك وظائفه السياسية والعسكرية التي غيرت موازين القوى في المنطقة (الجزيرة العربية)، فــي مدة ليست بالطويلة علــى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه وكلُّ من حافظ على وظيفته، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “بينما نحن في المسجد يوما خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى يهود؛ فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس فقال: ” أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم عن هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله”[4].

وكان الجامع الموضع الذي تلقى فيه كل الخطابات العظيمة المهيبة التي نقلها لنا التاريخ عن كل خليفة من الخلفاء تولى أمر المسلمين، قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يوم توليه الخلافة، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، “أما بعد، أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد عليه حقه، إن شاء الله تعالى، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، إن شاء الله تعالى، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”[5].

فهذه نبذة مختصرة عن وظائف هذا المسجد الجامع الذي تشارك الناس فيه أحزانهم وأفراحهم، وأُخِذَ فيه الحق من الظالـم وأعطــي للمظلـوم، والذي كان كالنفـس حيّاً تتـوحد فيــه الأرواح وتتجانس، أصبح كالجسد الميت لا روح فيه وإن كانت تؤدى فيه أعظم وأجل عبادة وهي الصلوات الخمس، لهذا فالاسم الذي وجب علينا أن نعطيه حاليا “دار العبادة” لما أتى على دوره الريادي ووظائفه من التقلص.

الاختلالات التي طالت المساجد

أما عن المساجد اليوم فهي أقرب بوظائفها لبيوت العبادة في الديانات الأخرى، حيّـة بزخرفاتها مقبرة لعقول ساكنيها، لا روح تجري في فضائها وذلك لعدة اختلالات طالتها وطالت وظائفها، بحيث لا تتميز بأي حضور سياسي أو اجتماعــي بل حتــى وظيفـة العـبادة التي يؤديها العباد، بل قُيّد الدخول إليها فــي عصر كـورونا أكثر بذريعة وجود علة مرضية مُعدِية.

مساجدنا التي كانت في يوم من الأيام مركزاً يحتكم الناس إليها، فالمسجد على عهد رسول الله صلــى الله عليه وسلم وأصحابه كان مركزاً للقضاء، إلا أنه أضحى اليوم مسلوب الهوية فيما يخص إصدار القرارات، والتدخل في الحياة الاجتماعية للمسلمين.

بعد أن أُحدِثت المدارس والجامعات تم سحب التعليم والتعلم من الجامع، والغريب أن هذا الأمر جعل فئة عريضة من المسلمين (الشباب خصوصا) يفرّطون في أعظم عبادة كلفنا بها الله عز وجل وهي الصلاة، فهذه المدارس الحديثة التي تم تشيدها بعيدا عن المساجد لتكون منارة للعلم، وتكوين جيل صاعد ينخرط بوعي في الحياة العلمية والاجتماعية، أصبح كثيرٌ من كوادرها وإداراتها محاربًا للعبادات التي لأجلها خلق الخلق، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] كيف ذلك؟

من خلال بثّ الوهن والبعد عن دين الله في نفوس الطلاب من قبل الكوادر التعليمية والإدارية، وكذلك من خلال التدريس في أوقات الصلوات المفروضة، غالبية المدارس لا يوجد فيها مسجد للصلاة من الأساس، وحتى إن وجد ركن من الأركان للصلاة فإن المتعلم لن يصلي صلاة الفرض حتى ينتهي من الحصة أو المحاضرة.

الاقتصار على بعض الدروس “العلمية” التي لا تلبي فعلياً احتياجات الشعـوب ولا تعطي تلك القيمة الفعلية المضافـة التـي يتمتع بها المسجد فـي التربية والتعليم وإصلاح للحياة الاجتماعية.

 بالرغم من أن وزارة التربية والتعليم هي الوصية بهـذا القطاع إلا أنها لم تنجح في صناعة جيل بقيم إسلامية وهوية حضارية تخدم الأمة في تقدم والازدهار الحضاري، المحزن فـي الأمر أن هذه القيم أصبحت منحطة بشكل أكبر منذ أن حُجِب المسجد عن هذا الدور وكفلته الوزارة.

تحجيم آثار خطبة الجمعة

فيما يخص خطبة الجمعة التي كانت ذلك الضوء الذي ينير ظلمة الحياة التي يعيشها المسلمين في زمن الفتن وتعطيل الشريعة ومحاربة الدين، أصبحت ورقة مكتوبة من قبل مجالس محددة، لا تتدخل في الحياة الاجتماعية ولا في القضايا المعاصرة، وفي عز تغلغل المذاهب الفكرية الهدامة بين فئة الشباب نجد الورقة خالية من كل هذه الأمراض التي أصابت قلوبهم، فالشباب يعاني من موجة الإلحاد والتشكيك في المقدسات والخطيب يسرد عليه ورقة عن الأعياد الوطنية، وظاهرة التصحّر.

أصبح المسلم اليوم يصلي صلاة الفرض وإن أراد أن يصلي صلاة النافلة في المسجد، وجب عليه الإسراع في صلاته لئلا يغضب حارس المسجد أمام بوابته، بسبب بقائه في المسجد مدة أطول من اللازم.

والسبب في هذا يعود إلى حدث ليس ببعيد وهو اهتزاز وتفجير ناطحتي السحاب في الولايات المتحدة، هذا التفجير الذي دفع ثمنه المسلمين في كل بقاع العالم، ففي العام نفسه تم منع المصلين من الجلوس بين الصلوات في المساجد، تم منع تحفيظ القرآن الكريم تحت سقفه، وتمّ الضغط على الكراسي العلمية وتشديد الرقابة على كل مسجد، كأن أيادي خفية وجهت الأوامر لكل القيادات المركزية للدول المسلمة، في محاولة لسير على إيقاع الحذر الأمني الذي تمليه الولايات المتحدة، فالعنف الواهم الذي تعرض له القطب الوحيد جعل من الخوف وسيلة للتدبير السياسي على المستويين الداخلي والخارجي، والخوف إنما هو من كل من يرتاد المساجد، وكل ملتحٍ يلقبونه  بالسلفي أو الاخواني.

 يقول المهدي المنجرة: “في البلدان المعتبرة في خانة دول العالم الثالث، يسير الحكام بلدانهم تبعا لمزاجيات الخوف، والرهبة من هذا الإسلامي أو ذاك الإرهابي” [الإهانة في عهد الميغا الإمبرياليّة، المهدي المنجّرة].

حين يتوقف الزمن مع كلمة “الله أكبر”

مساجدنا اليوم عبارة عن دور كبيرة، تم بناؤها وتشييدها ليتعبد فيها الإنسان سويعات قصيرة يوميًّا ويخرج منها إلــى حيث توجد الحياة الحقيقية بالمفهوم العلماني الجديد، جاء في كتاب وحي القلم للرافعي: ” ورجعتْ بنت المقوقس إلى أبيها في صحبة “قيس”، فلما كانوا في الطريق وجبت الظهر، فنزل قيس يصلي بمن معه والفتاتان تنظران؛ فلما صاحوا: “الله أكبر” ارتعش قلب مارية، وسألت الراهب “شطا”: ماذا يقولون؟ قال: إن هذه كلمة يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقت ليس منه ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يدي من هو أكبر من الوجود؛ فإذا أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعة أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ انظري، ألا تريْنَ هذه الكلمة قد سحرتهم سحرًا فهم لا يلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ وقد شملتهم السكينة، ورجعوا غير من كانوا، وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم؟

قالت مارية: ما أجمل هذه الفطرة الفلسفية! لقد تعبت الكتب لتجعل أهل الدنيا يستقرون ساعة في سكينة الله عليهم فما أفلحت، وجاءت الكنيسة فهوَّلت على المصلين بالزخارف والصور والتماثيل والألوان؛ لتوحي إلى نفوسهم ضربًا من الشعور بسكينة الجمال وتقديس المعنى الديني، وهي بذلك تحتال في نقلهم من جوهم إلى جوها، فكانت كساقي الخمر؛ إن لم يعطك الخمر عجز عن إعطائك النشوة، ومن ذا الذي يستطيع أن يحمل معه كنيسة على جواد أو حمار؟

قالت أرمانوسة: نعم، إن الكنيسة كالحديقة؛ وهي حديقة في مكانها، وقلما توحي شيئًا إلا في موضعها؛ فالكنيسة هي الجدران الأربعة، أما هؤلاء فمعبدهم بين جهات الأرض الأربع”.

الحاصل أن هذا الذي تعجبت منه هذه النصرانية، من السكينة والخشوع وطيب النفس الذي يحصل للمصلين، انقلب إلى الضد والذي ذكرته عن الكنيسة صار كلمتنا وشعار مساجدنا وهذه من الأمراض التي تركتها العلمانية والعولمة في قلوبنا وقلوب من يحكموننا.


[1] أبو هريرة (بوابة الإسلام)، محمد عجاج الخطيب- مكتبة وهبة – الطبعة الثالثة: 1402ه/1982م ص: 81-

[2] نقلا عن الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي بتاريخ 4 ذو الحجة 1432 موافق 30/10/2011. موقع: http://www.quaradawi.net

[3] ابن تيمية: تقي الدين، مجموع الفتاوى، دار الكتب العلمية، (35/95)

[4] أخرجه البخاري- كتاب الجزية والموادعة- باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، رقم 3167- 2/296

[5] التاريخ الإسلامي- محمود شاكر، 3/55

قضية الحجاب .. بابٌ للعلمنة

لا بد أنك سمعت -عزيزي القارئ- عن حظر النقاب في الغرب، ثم في بعض الدول العربية، ليتلوه فيما بعد حظر غطاء الرأس في الغرب، واليوم التشكيك في فرضيته، وكونه عادة عربية قديمة، وهل خلعه من الصغائر أم الكبائر.

 لن أناقش -في مقالي- فرضية الحجاب وحكم تاركته، كون ذلك يُطلب من مَظانّه الفقهية، وإنما أعرض -إن حالفني توفيق الله- أبعاد هذه القضية ومآلاتها على المجتمع الإسلامي من حيث تدينها وكونه باب العلمنة الخفي والصريح معًا.

 لماذا التركيز مع قضية الحجاب؟

هل حظر الحجاب -بالجَبر أو بالتضليل- يُراد منه الحجاب بذاته؟

يُصر الغرب -وأتباعهم- على قضية الحجاب لإنه شعار المرأة المسلمة، فما معنى كون المسلم مسلمًا ولا تظهر عليه علامات الإسلام؟، ماذا بقي من إسلامه قبل أن يصير علمانيًا كاملًا خاليًا من الشعائر؟

إن كانت العلمانية السياسية تريد فصل الدين عن الدولة، فإن نوعًا من العلمنة قد تصح تسميته “العلمانية الاجتماعيّة” تريد فصل الدين عن المجتمع، فكيف ذلك؟

بدفع الناس -بطرق مختلفة- إلى التخلي عن قناعاتهم وفرائضهم الدينية، وإنها إن حققت أهدافها لم يبق لدين الناس معنى، فهل بقي من آثار الدين شيء إن حوصر في شوارع بلاد ينتشر فيها؟، وما ذلك إلا هدف من أهم أهداف حركة العصر الجديد.

ولما شاهد الغرب رد فعل المسلمين وتعاطفهم مع بناتهم وأخواتهم سواء في فرنسا أو السويد أو الهند في وقت قريب، لم يعد مناسبًا أن يطرق الموضوع بطريقة هجومية مباشرة، فلجأوا إلى أساليب أخرى، تحتاج أن نقدم لها بمقدمة تاريخية تبين قِدَم هذا الأسلوب.

علاقة بولس الرسول بحجاب المسلمات

يعد بولس الرسول واحدًا من أهم الشخصيات لدى مختلف الكنائس والفرق المسيحية الحالية، وهو الرجل الثاني في الديانة بعد المسيح من حيث الأهمية، لكنه كان قبل ذلك رجلًا يهوديًا محاربًا للمسيحية، ثم رأى أنه بدخوله للمسيحية وتحريفها من داخلها سيحصل نتائج لن يقدر على جنيها بالمواجهة والمجابهة مع المسيحين.

ولكن ما علاقة بولس الرسول بحجاب المسلمات؟

أصر بولس على إلغاء الختان ويظهر ذلك في كثير من رسائله وإليك بعض الأمثلة:

“مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟” ]رسالته إلى أهل رومية الإصحاح: 3، الآية: 1[ “ليس الختان شيئا وليست الغرلة شيئا”. ]رسالته الأولى إلى كورنثوس الإصحاح: 7، الآية: 19[ وغيرها كثير

فهل كان دافعه في ذلك كون الختان مختصًا باليهود في وقته وكونِه السمة المميزة لرجالهم؟

وأجيبك بما يلي: إن من أهم ما عمل عليه بولس هو إلغاء الارتباط باليهودية، فلذلك جاهد لإلغاء شعاراتهم في ديانته، فما معنى كونه غير يهودي وعليه علامات اليهود؟

فهو بذلك لم يقصد الختان بذاته، إنما أراد علمنة -من نوع خاص- ينفصل بها عن بني إسرائيل، ليجعل ديانته عالمية وليست خاصة ببني إسرائيل، فيخدم دينه -اليهودي- بعد تحريفه للمسيحية بكون هذ الدين المحرّف غير مرتبط ببني إسرائيل، فلا ينسب لهم نقصٌ كهذا وهم الشعب المختار.

رسم تخيلي لبولس

ذاك في الماضي .. فما علاقته بالحاضر؟

قد يسوغ بعض الغربيين حظر الحجاب بحجة الاندماج في المجتمع، وما ذلك إلا خطوة يريدون بها إذابة الفروق بين الناس تحقيقًا لمبدأ من مبادئ حركة العصر الجديد، وما حَظرُه -تضليلًا- في البلاد الإسلامية إلا عامل تأكيدي على ذلك، وإلا فما الداعي إذًا؟!

إن أهم ما يميز حركة العصر الجديد كونها حركة باطنية، لا تجابه معتقدات الناس مباشرة، بل تحاول بطرق مختلفة نشر أفكارها التي ستستبدل فيما بعد معتقدات الشخص بطريقة تدريجية، نابعة من ذاته بتوجيهات غير مباشرة من الحركة، وهنا يظهر التشابه بين ما قام به شاؤول -وهو الاسم الأصلي للقديس بولس- وما تقوم به هذه الحركة ومن يخدمها اليوم على أرض الواقع.

وترى اليوم -عزيزي القارئ- أن التركيز على هذه القضية بالذات يزداد يومًا بعد يوم في العالم الإسلامي، وبعد أن كنا نرى في البرامج التليفزيونية ربط الحجاب بالنساء الفقيرات أو المقهورات، وكون السفور علامة تحضر ومدنية وانفتاح، صارت البرامج هذه تجابه وتهاجم الحجاب بشكل سافر ودون أي تورية، ولا يرتبط الحجاب غالبًا -في هذه المسلسلات- إلا بالإرهابيات أو المصابات بعقد نفسية، وبتنا نرى اليوم عنوان “أكذوبة الحجاب” على شاشات عديدة في العالم الإسلامي، المفترض أنها توجه خطابها للمسلمين، وبتنا نرى دعاة وأساتذة جامعات إسلامية يتنكرون لما كانوا يقولونه قبل مدة عن فرضية الحجاب، بل تعدى الأمر ذلك إلى نسبته إلى جهات سياسية محظورة في هذه الدول كطريقة للتنفير من الحجاب، ولا أستطيع أن أدخل في نية كل شخص تكلم في هذا الموضوع، لكن هل من المعقول أن أستاذًا يصلح للتدريس في جامعة إسلامية يتعرض لما هو معلوم بالضرورة، ويخدم -بتصريحاته ولا أقول بإرادته- حركات تريد في غاية أهدافها أن تصل بالبشرية إلى عبادة الشيطان؟

السعي للتطبيع مع المنكَر

والآن نطرح تساؤلًا مهمًا، وجوابه هو ما تعول عليه الحركة في هذا الخصوص.

هل تورث كثرة التطرق للموضوع شكًا عند محدودي المعرفة؟ ولماذا يلجأ المضللون إلى تكرار الأمر -ولو بعبارات مختلفة؟

يجاوبنا على هذا التساؤل غوستاف لوبون، فيقول: “عندما نكرر الشيء مرارًا وتكرارًا ينتهي به الأمر إلى الانغراس في تلك الزوايا العميقة للاوعي” ]سيكولوجية الجماهير، 133[

فالدعوة إلى نزع الحجاب بطرق، ومسميات مختلفة تهدف بشكل أو بآخر إلى التأثير في وعي الناس كون الحجاب فرضًا، فالتكرار هنا يحقق لهم بعض المكاسب الجزئية، كإضعاف دفاعات الناس ضدهم مع مرور الزمن، فإذا ما تم لهم ذلك سَهُلَ عليهم فيما بعد إدخال اللَبْس إلى عقول الناس في قضايا أخرى كانت بدهية بالنسبة لهم كما كانت قضية الحجاب قبل كذلك.

فهو اذًا لم يورث شكًا، بل بدّد -تدريجيًا- فكرًا ما كان يُشَك فيه قبلًا!، وممّا يتصل بهذا الموضوع، ولعله هو الأداة الأكثر فاعلية فيه، هو الإعلام الحديث المتمثّل بشبكات التواصل، ودوره في نشر هذه الشبهات لا يحتاج إلى توضيح، لكنني سأربط الأمر بالشباب والناشئين، إذ تعتبر هذه الفئة العمريّة الأقل نضجًا هي المتأثر الأكبر بهذه الشبهات، ولا أركّز في كلامي على نضجهم، بل على سهولة وصول المعلومات لهم من مواقع التواصل، على عكس نشرات الأخبار أو المجلات ذات الطابع الفكريّ مثًلا، والتي لا يهتم بها ولا يتابعها معظم الشباب، وأربطه أيضًا بإخراج مسلسلات تناقش ضمن مشاهدها أمورًا عقدية وتتعرض ضمن ذلك إلى قضية الحجاب، وهنا أعود إلى لوبون الذي يقول: “عندما درسنا مخيلة الجماهير رأينا أنها تتأثر بالصور بشكل خاص، فهي تثيرها فعلًا” ]سيكولوجية الجماهير، 115[، ويقول أيضًا: “يمكن أن نعفي أنفسنا من ذكر العقل إذا ما عدّدنا العوامل القادرة على التأثير على روح الجماهير” ]سيكولوجية الجماهير، 123[، فبحسبه تقتنع وتتحرك الجماهير بحسب الصور أكثر من الكلام العقلاني، وهذا ما يعول عليه المشكّكون الذين يشاهدون بأم أعينهم الأثر غير الكافي للردود العلمية على شبهات برامجهم وسمومهم.

غوستاف لوبون

على سبيل الختام

وحتى لا أطيل في الكلام ولا يبقى كلامي هذا مجرد وصف للداء، فإني أدعو نفسي وإخواني في ختام هذا المقال إلى إيجاد حلول لهذه المشكلة، مثل برامج ومسلسلات بديلة، لا تصور لنا حياة السلف والتزامهم بالشريعة، بل تطرح مواضيع وشبهات المشككين لنقاش يؤصل هذه المواضيع ضمن إطار قصصي يناسب العصر الحالي، أو حتى على الأقل تحمل طابعًا ملتزمًا، ولا أحتاج إلى مصادر لأقول لك إن الحجاب في المسلسلات اليوم يكاد لا يوجد إلا على جدة طعنت في السن أو امرأة فقيرة أو إرهابية، وهذا في بلادنا الإسلامية لا في الغرب، فهل نجد من يصحو لإيجاد البديل قبل أن نجد أنفسنا نعيش في عالم إسلامي باسمه، علماني بواقعه الاجتماعي؟


المراجع:

  • العهد الجديد من الكتاب المقدس.
  • غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، دار الساقي، بيروت – لبنان، 1991، الطبعة الأولى، ترجمة: هاشم صالح.

لنثبت به فؤادك!

أنزل الله على قلب رسوله محمد ﷺ القرآن العظيم، روحًا من أمره ووحيًا جليلاً، يهدي به إلى سبيلِ صراطٍ مستقيم، فعاش رسول الله يبلّغه ويفسره ويعيش بين ظهراني صحابته يوضح لهم مراميه، يتدبرونه، ويتذاكرون آياته.

ما أجدرنا نحن المسلمين، أن نتذاكر القرآن آيةً آيةً، ومعنى معنى، لندرك مقاصده الكبرى، وحِكَمه البالغة، فنتلقّاه كما تلقّاه صحابة رسول الله ﷺ منه، بما ييسّره الله لنا؛ وما يأتينا من الحقائق الإيمانية به، ومعاني العبودية، وأخلاقه وسلوكياته، وقصصه وأخباره، وأحكامه وشرائعه، حتى يصير القرآن “في قلب المؤمن نفَسًا طبيعيا، لا يتصرف إلا من خلاله، ولا ينطق إلا بحكمته” [من كلام الشيخ فريد الأنصاري]. وحتى لا نكون ممن قال فيهم رسول الله ﷺ {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورً} [الفرقان: 30] فاللهم ربّ يسر وافتح علينا من أبواب حكمتك وعلمك وفضلك، وعلّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وزكِّنا به إنك أنت الفتاح العليم.

فيض المجالسة

ومدار مدارستنا في مجلسنا هذا، آيتان وما لهما من ارتباطات مَعانيّة، يقول جلّ وعلا في محكم التنزيل في سورة هود، {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}[هود. 119] جاءت الآية في أواخر السورة، وقبل أن نبيّن السياق الخاص للآية، فالسياق العام للآية في سورة هود، أنْ جاءت السورة مقسمة إلى ثلاثة أقسام كبرى؛ ففي مطلع السورة ابتدأت الآيات بالثناء على القرآن والتنويه به، وبيان دعوتهﷺ {الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ*أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ} [هود. 1-2] ثم من بين أهم موضوعاتها إثبات البعث والجزاء {وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ*وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ}[هود. 7-8]، وبيان حال الإنسان في الشدة والرخاء {وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَة ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُ لَيَـُٔووس كَفُور*وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}[هود. 9-10]، وتصبير الله لنبيه عن افتراءات المشركين ضده والقرآن، ودفع افتراءاتهم {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقٌ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ*أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ}[هود. 12-13] وتبيان فريق الكفر وفريق الإيمان{أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ*لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ *إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ*۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}. [هود. 21-22-23]

ليتم الانتقال إلى تبيان دعوة الأنبياء والرسل لأقوامهم، وذلك بدعوتهم للإيمان بالله، وإفراده بالعبودية دون الإشراك به، والعُدول عن فسوقهم، ومن ذلك: هذا سيدنا نوح مع قومه : {وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَومِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ}[هود 25-26] ونبي الله هود: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ}[هود50] وصالح {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَ ٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ}[هود. 60] ثم شعيب {وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ}[هود. 83]

لتأتي أواخر الآيات لذكر العظات والفوائد من إرسال الرسل، وما ينجي من العذاب، والفلاح بالنعيم، وسبيل الشقاوة والسعادة، ليوجه الخطاب إلى نبيه، لتكون الحكمة البالغة من إرسال الرسل وسنامها {مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ}، ليتعظ بها النبي الكريم، وصحابته المطهرين، ومن تبعهم من المؤمنين.
لقد كانت السورة تسلية للنبي الكريم، وتصبيرًا له على أذى قومه الذي لقيّه منهم على شتى الصور، وسبيل للثبات على مبدأ من سبقه من الرسل والأنبياء، حتى يُبلّغَ الأمرَ الذي أُرسلَ به، ولا يجد في صدره حرجا مما يدعو إليه، فكان القرآن وسيلة لتحقيق هذا المسعى، ذلك بتثبيته على الحق وتطمينا لقلبه ﷺ، فكانت من جملة مقاصد السورة تثبيت الرسول ﷺ.

التثبيت والترتيل

جاءت الآية الأخرى في سورة الفرقان {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَٰهُ تَرْتِيلًا}[الفرقان: 32]، في سياق ابتدأت السورة كعادة بعضِ سور القرآن الكريم بإنزال الكتاب على عبده، وإثبات تفرده بوحدانيته سبحانه، لتكمل بذلك الآيات في عرض شبه المشركين وادعاءاتهم الباطلة وزورهم وافتراءاتهم، ليرد الله عليهم، بقول فصلٍ، ويُبطل ما يدّعون… وتسترسل الآيات في عرض صور الجنة والنار والبعث، وعقاب المشرك وثواب المؤمن، في جملة من ادّعاءاتهم. في ظل هذا السياق المشحون بافتراءات الكافرين والردود المسلولة عليهم، تأتي الآية الكريمة للرد على دعوة الذين كفروا بإنزال القرآن جملة واحدة {كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَٰهُ تَرْتِيلًا} فكانت من جملة مقاصد السورة الانتصار للنبي الكريم والقرآن الكريم ودفع ورد شبه المشركين، {كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ}، ليعلم أن ما يدعو إليه هو الحق من عند ربه، وما دون ذلك باطل، فامضي حيث أمرت ولا تتبع أهواءهم، ولا يصدنك أحد عن هذا الذي أُمرت به، وأُرسلت له، فاصبر. فارتبط التثبيت بالترتيل. وفي ذلك يقول الدكتور المربي فريد الأنصاري رحمه الله، في عن معنى الجمع بين التثبيت والترتيل في كتابه مجالس القرآن ج1: “من هنا كان الترتيل بهذا المعنى مرتبطا بالتثبيت ارتباطا وثيقا؛ ذلك أن تقرير منهج الرحمن في تنزيل القرآن مفرقا؛ قصد بناء العمران الإيماني لقلب الرسول وصحابته، ثم بناء النسيج الاجتماعي للمجتمع المسلم، كل ذلك جاء على قدر معلوم وحكمة سابقة! اقتضت أن ينزل القرآن آیات آیات، بصورة منهجية مرتبة تراعي الأولى فالأولى، في المعاني وفي الزمان والأحوال، في سياق بناء الأمة الإسلامية. فكل آية هي كاللبنة توضع بعناية في قلب المؤمن مكانها، على ما يناسب حاله في زمانه، وعلى ما يناسب اللبنة التي تليها بدقة متناهية”.

فريد الأنصاري

من فوائد الآيتين والسورتين:

1 الاطلاع على أخبار السابقين من الصالحين والطالحين، سبيلٌ للثبات، و شرفٌ للمبدأ.

2 إن الأنبياء والرسل مدرسة إيمانية وتعبدية، في الدعوة والدعاء والاستغفار، معرفة قصصهم وأحوالهم، دافع للمضي في طريق الإصلاح. بهذا المعنى يقول السكران فرّج الله عنه في كتابه الطريق إلى القرآن: “من وجوه الانتفاع بالقرآن، تدبر أخبار الأنبياء التي ساقها القرآن وكررها في مواضع متعددة، وبدهي أن هذه الأخبار عن الأنبياء ليست قصصًا للتسلية، بل هي نماذج يريد القرآن أن يوصل من خلالها رسائل تضمينية، فيتدبر قارئ القرآن ماذا أراد الله بهذه الأخبار؟ مثل التفطن لعبودية الأنبياء وطريقتهم في التعامل مع الله”.

3 كان بهذا المعنى كعادة سور القرآن أن يتلو على نبينا من قصص الأولين والآخرين من الأنبياء والرسل ما يثبت قلبه، ويؤنس نفسه، وذاك بالسير على هداهم، ثم من عدم العُدُول عن الأمر العظيم الذي أرسل به، وعن القول الثقيل الذي يحمله لأجل تبليغه. وكما يقول السعدي في بعضٍ من تفسيره للآية في سورة هود: “فإن النفوس تأنس بالاقتداء، وتنشط على الأعمال… ويتأيد الحق بكثرة شواهده، وكثرة من قام به”.

4 من أسباب الإعانة على الثبات، وطمأنة القلب، وزيادة الصبر؛ القرآن، ففيه الذكرى والعِبر، والعظة والخَبر، فيكون بذلك سبيلٌ للرشادِ والهدى، وإنه لأعظم وسيلة ثبات من الزيغ والضلال، ومن اتباع الهوى والكفر، وخير منقذ من الشهوات والشبهات.

5 كانت من المقاصد الكبرى للوحي القرآني؛ أن يُنزَّلَ مفرَّقًا، تثبيتًا للرسول ومن معه وتأييده، ولضرب الأمثال ممن سبقه، وذلك لاستشعار معية الله في الأوقات الحرجة والمضطرة،{أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}[النمل: 62] والاتّعاظ بتلكم القصص، ثم دحض شبه المشركين {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا}[الفرقان: 33]، بل من مقاصد القرآن تحقيق هاته الغايات؛ أن الله لا يذر ولا يدع عباده لوحدهم، أن يحملوا رسالته ليبلغوها فينساهم، بل معيته تشملهم، دائمة لهم {كلا إن معي ربي سيهدين}. [الشعراء: 62]

6 إن الإنسان خُلِق ضعيفا، فالضعف طبع متجذر فيه، كيف لا؟! وهو يجد في نفسه من الخوف والهلع، والأذية من كلام الناس عنه ما الله به عليم، فكانت من معية الله لعبده عبر القرآن، {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}. [ق: 39]

7 من المعاني المتكررة في القرآن كذلك، أن الانسان يحتاج إلى الله في كل أحواله، يستعين به ويتوكل عليه، ويفرّ من حوله إلى حول ربه وقوته، وقد يعتمد على نفسه ويضعف فيخسر، فينصره الله ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. [الإسراء: 74]

8 سورة هود والفرقان مكيتان، لذلك هذه الفترة الحرجة في بدايات الدعوة، كان لزاما إقرار عقيدة التوحيد، وتثبيت القلوب، وتصبير النفوس، وضرب الأمثال من الأمم السابقة، حتى تتعظ النفس ولا تجزع، وتثق في موعود الله.

9 ربط سور القرآن بزمن النزول وأسبابه، وبسياقه ودواعيه، وكذلك بالسيرة النبوية الشريفة؛ معين لا ينضب، لتدبر كتاب الله وفهمه، ولفهم السيرة النبوية أيضا، فتتحقق بذلك غاية تثبيت القلب من الزيغ والضلال، والثبات على الدين رغم الفتن، وزيادة الصبر.

مجالس القرآن التي لا تنتهي

مجالس القرآن مشروع دعوي نَظّرَ له فضيلة الدكتور المربي والرجل الرباني القرآني فريد الأنصاري عليه رحمة الله، ومن أجلِّ مقاصده: أن يكون تعبّدًا لله ابتداء، ولإخراج الأمة من النفق المظلم الذي تتخبط فيه، ووسيلة إصلاح للنفس وللمجتمع.

ونستغفر الله ونعوذ به من أن نتقوّل عليه، بغير علم ولا هدى، أو بهوى أو تحريف. ولعلنا في مجلس قرآني آخر نتذاكر في معاني القرآن العظيم، وحِكَمه ومقاصده إجمالًا، عسى أن نكون ممن قال فيهم رسول اللهﷺ، من حديث أبي هريرة: (وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). [أخرجه مسلم]

هل كان الاشتغال بالعلوم الطبيعية سببًا للخروج من الإسلام .. وقفة مع الفقه وأهله!

يتفق جل الباحثين في تاريخ الأفكار على أن علماء المسلمين على اختلاف انتماءاتهم ومدارسهم الفكرية لم يقفوا ضد تطوّر العلوم البحتة والتجريبية وأن كثيرًا منهم جمعوا بين الطب والفقه، أو الفلك والفلسفة، أو اللغة والتفسير والجغرافيا، أمثال البيروني وابن سينا وفخر الدين الرازي وغيرهم من الأئمة.

العلمانيّة .. إفرازٌ فرضته السياقات الغربية

من الجدير التأكيد على أن العلمانية إفرازٌ ثقافي فلسفي، نشأ في ظل شروط تاريخية واجتماعية ودينية غربية، ساهمت في تشكيلها وبرّرت وجودها، وجعلت من أوروبا حاضنًا رسميًّا لها، ومن جملة هذه الأسباب؛ الصراع الحاصل بين الكنيسة والعلم، ذلك أن رجال الكنيسة اعتبروا أنفسهم المصدر الوحيد للمعرفة، فتدخّلوا فيما ليس من اختصاصهم كالعلوم التجريبية البحتة، وعلوم الفلك ونحوها، فأثمر ذلك محاكمات وقع ضحيتها 30023 عالمًا، في الفترة الواقعة بين 1481م وسنة 1499م، واستتبع قرارات تحرم قراءة كتب هؤلاء العلماء وكل ما يخالف آراء الكنيسة، حتى تظل لها السيطرة الكاملة على الشعوب وحياة الناس من حيث جباية الأموال، وأخذ القرارات المصيرية.

ومن هذا المُنطلَق عمد دعاة العلمانية في الوسط العربي إلى افتعال الأسباب نفسها، لأجل إقناع الناس بضرورة تحييد الدين عن السلطة والحياة العامة، فنظرًا لانتفاء الدافع لتسويغ فرض العلمانية على الواقع الاجتماعي العربي؛ استوردوا هذا العامل التاريخي الذي كان فاعلاً في ظهور العلمانية في الغرب، في محاولة لفرضه على الواقع الإسلامي، الذي لم يشهد هذا الصراع كما سنبين.

وعمدتهم في ذلك؛ القول بأن الفقهاء كانوا أعداءً لعلماء الطبيعيات، حتى إن تكفير الفقهاء لهم كان بسبب اشتغالهم بالطب والفلك والهندسة وغيرها!

وكما قلنا؛ فإن هذا الموقف في حقيقته ليس إلا مجرد محاولة لإبراز عنصر الصراع الحاصل بين الكنيسة والعلماء، ومن ثم البناء عليه لفرض العلمانية في عالمنا.

أين برهانكم؟

أحاول الآن مناقشة هذه الدعوى من خلال الأوجه الآتية:

الوجه الأول:

استدلال هؤلاء بما حصل لعلماء الطبيعيات من تكفير وحرق لكتبهم، -واختزال سبب ذلك في ميولهم العلمي-، فيه تجنٍّ وتحكُّم، فرغم وقوع ذلك لبعض العلماء، إلا أنه لا يدل بالضرورة على صدق ادعائهم، لأن هذا كان أمرًا شائعاً في كل المجالات العلمية، فكما حورب بعض هؤلاء، حورب الفقهاء وأئمة أهل السنة كالإمام أحمد والطبري والغزالي وابن تيمية، وأرباب المذاهب الأربعة كالإمام مالك الذي جُلِد، والإمام أحمد الذي حُبِس وعُذِّب، والإمام الشافعي الذي طورد وأُتِيَ به إلى الخليفة مُصفَّدًا في الأغلال، والإمام أبي حنيفة الذي طورد أيضًا لتأييده ثورة محمد ذي النفس الزكية، وقد أُحرِقت كتب كثير من الفقهاء في ظل دولة الموحدين.

فالحال إذن أن الفقهاء أنفسهم، سُلِّطَ على بعضهم الحبس، وعلى بعضهم التهديد والوعيد بالقتل، وجُلد وعُذّب وألقي في غياهب السجون ونُفي وشُرِّد كثيرٌ منهم.

فلا يصح إذن الانطلاق من مجرد تعرض عالم بعينه لحرب كهذه؛ لإثبات هذا الزعم، بل لا بد من تقصي الملابسات الحقيقية والسياق الفعلي المتكامل لحصولها، فغالبًا ما يكون السبب في حصول هذا، دخول الإملاءات السياسية والخصومات المؤدلجة في حرب علماء معينين، بسبب مواقف تستوجب محاربتهم لتحقيق مصالح يراهن عليها من خلالهم.

الوجه الثاني:

تكفير بعض علماء الطب والفلك والرياضيات وغيرهم، لم يكن بسبب تخصصهم العلمي، بل لأجل توجُّههم العقدي، وذلك لأن اشتغالهم بالفلسفة جرهم إلى دخول باب الخلاف في مسائل عقدية حساسة، آلت إلى إنكار المعلوم من الدين بالضرورة.

وحتى أبرهن على هذا؛ أستعير هنا أنموذجًا يعد مرجع هؤلاء، في دعوى تكفير الفقهاء لعلماء الطبيعيات، وهو الامام الغزالي رحمه الله، وعنه ينقل النص المشهور الذي جاء فيه: ” مجموع ما غلطوا فيه– أي الفلاسفة- يرجع إلى عشرين أصلاً، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، ‌وتبديعهم ‌في ‌سبعة ‌عشر”([1])، وحتى نبين أن تكفير هؤلاء -القلة من الأشخاص- إنما كان بسبب مقولاتهم العقدية، لا لتخصُّصاتهم العلمية، لا بد أن نرجع لكلام الإمام الغزالي كاملاً كما في كتابه المنقذ من الضلال، وسنجد أنه في معرض حديثه عن علوم الفلاسفة، يقسمها إلى ستة أقسام وهي؛ الرياضية، والمنطقية، والطبيعية، والإلهية، والسياسية، والخلقية.

 أما النص الذي يعنينا فقد أورده في معرض حديثه عن القسم الرابع وهو؛ “علم الإلهيات”، وموجب القول بتكفيرهم لمن قرأ كلامه وأنصف؛ مخالفتهم لصريح القرآن وما عليه كافة المسلمين، لا لاشتغالهم بالطبيعات والتجريبيات، كما توهّم من دأبه النسخ واللصق، وكيف يقال ذلك والإمام الغزالي نفسه، حين حديثه عن علم الطبيعيات يشبّهه بعلم الطب ويبني على هذا القياس النتيجة الآتية، حيث قال: “وكما ليس من شرط الدين إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضاً إنكار ذلك العلم-أي الطبيعيات”([2]).

ثم أخذ يبين المسائل التي خالفوا فيها وكانت موجب تكفيرهم، فأجملها في قولهم:

1 – إن الأجساد لا تحشر، وإنـما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية.

2- إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات.

3 – إن العالم قديم وأزلي.

وقد لاحظ أن الفلاسفة يتكئون لإثبات صدق مقولاتهم على العلوم الحسابية والرياضية والمنطقية، فقال في معرض رده عليهم في كتابه تهافت الفلاسفة: “ويستدلون على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ويستدرجون به ضعفاء العقول، ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية؛ لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية”([3]).

فلم يكن الغزالي –إذًا- عدوًّا لهذه العلوم، بل اعتبرها –كما رأيت- علومًا متقنة البراهين نقيةً عن التخمين، حتى إنه جعل القول بتحريمها أعظم جناية على الإسلام، فقال في كتابه المنقذ من الضلال: “ولقد عظم على الدين جنايةً من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرضٌ لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرضٌ للأمور الدينية”([4]).

فكيف يقال بعد قراءة هذا الكلام؛ إن الغزالي وغيره من فقهاء الإسلام، كانوا أعداءً لهذه العلوم، وأنهم كفروا المشتغلين بها؟!

الوجه الثالث:

إن الناظر في كتب التراجم السنية سيجد أن علماء الإسلام بلغوا غاية البراعة في الطب والفلك والجغرافيا والهندسة وغيرها، حتى إن هذا الثراء توزع في مختلف الأمصار الإسلامية، بنحو يجعل القارئ ينبهر بهذا الثراء العددي الهائل، فكيف يتصور أن يصل هؤلاء إلى هذا العدد إذا تلقوا الحراب والرمي بالزندقة؟!

هذا وقد عبرت المكتبة الإسلامية عن عنايتها الفائقة بهؤلاء الرجال العظماء، فأفردوا لتراجمهم كتباً مستقلة، منها على سبيل المثال:

  • عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة.
  • روضة الألباء لابن الأكافي.
  • تراجم الأطباء والحكماء، لابن جلجل الأندلسي.
  • ذيل طبقات الأطباء، احمد عيسى.

وغيرها من المؤلفات.

 وإن مما لا تخطئه عين الناظر في كتب التراجم؛ أن هؤلاء العلماء جمعوا بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية والطبيعية، كما يظهر في ترجمة من يأتي ذكرهم هنا على سبيل المثال لا الحصر:

  • الفقيه العلامة محمد بن سفيان أبو عبد الله الهواري: كان فقيهًا ومحدثًا، ومشاركًا في علوم كثيرة، كالحساب والهندسة.

– الفقيه أبو الطيب عبد المنعم بن إبراهيم الكندي: كان فقيها ومهندسًا، وحكي أنه دَبَّر جلب مياه البحر من ساحل تونس إلى القيروان، وسوقه خليجاً من هناك، بنظر هندسي ظهر له، فاخترمته المنية قبل نفاذ ما دبره.

– العلامة النظار أبو زيد عبد الرحمن ابن الشيخ محمد الصغير الأخضري: كان نظارًا ولغويًا، وفلكيًا.

– العلامة بكر بن عيسى بن سعيد بن أحمد بن علاء أبو جعفر الكندي، الجياني: برع في الفقه والنحو، وكان عالـمًا بالطب حتى قيل عنه: “أجمع الناس على عدم نظيره في وقته –أي في علم الطب-، وانتفع به أصحابه منفعة عظيمة”. وكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى.

– الإمام القرافي المالكي: الفقيه الأصولي واللغوي الفذ، كان بارعًا في علم الطبيعيات؛ تفنن في الفيزياء والرياضيات والهندسة والفلك وأجادهم، واشتهر بصناعة التماثيل المتحركة في الآلات الفلكية، وألف في الرياضيات كتاب “المناظر” وفي فيزياء البصريات كتاب “الاستبصار”.

وغيرهم من الأعلام الذين يجسدون طبيعة الانفتاح المعرفي والتكامل العلمي الذي حظي به علماء الإسلام منذ القدم، وإن هذا التداخل والتكامل في التخصص العلمي والشرعي يبدو واضحاً لمن قرأ مقدمة كتاب الجبر للخوارزمي([5]).

والحاصل مما سبق أن قولتهم هذه لا تثبت أمام التمحيص العلمي والمراجعة التاريخية، ولا مسوغ للتسليم بصحة الربط بين التكفير والتخصص العلمي إلا لإبراز مظهر “قمع رجال الدين لرجال العلم التجريبي” الحاصل في الغرب، واستجلابه للواقع الإسلامي الذي هو منه براء.


[1]  المنقذ من الضلال، دار الكتب الحديثية، مصر، ص144.

[2]  المنقذ من الضلال، دار الكتب الحديثية، مصر، 143.

[3]  تهافت الفلاسفة، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ص43.

[4]  تهافت الفلاسفة، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ص40.

[5]  راجع: كتاب الجبر والمقابلة، لمحمد بن موسى الخوارزمي، مطبعة بول باربيه، ص29 وما بعدها.

زواج القاصرات .. جُرمٌ أم حقٌّ؟ (1\2)

فتاتان في الثلاثة عشرة ربيعاً، تختلفان في مكان نشأتهما وتتقاربان بنهاية مصيرهما، سلبت الحرب من الفتاة الأولى الشعور بالأمان، ليتبدل البيت إلى خيمة والمدرسة إلى مأوى، وقدمت الحضارة للفتاة الأخرى تعليماً جيداً وبيتاً من جدران إلّا أنها لم تغنِها عن الحاجة للمال، فما تفعل دولة ذات حضارة بأُمٍّ تصب جام غضبها على ابنتها الصغيرة بعد أن تخلى والد الفتاة عنهما، ليكون عقابها لذنب لم تقترفه الضرب المبرح والحرمان من أدنى المقومات كالطعام والشراب؟! تمر أيام الفتاتين ثقيلة بائسة دون أن يلتفت العالم يوماً إلى معاناتهما، فقد كان منشغلاً بتجريم زواج القاصرات، والذي ربما كان آخر طريق لنجاتهما، لتتحولا فريسة سهلة أمام كل ذئب بشري، وينتهي بهما المطاف إما في بيوت البغاء أوفي ملاجئ النساء بروحين وقلبين محطمين، وهنا تهدأ الأصوات وترتفع الأقلام، ولا تذكر قصتيهما إلا بخجل وعار عن فتاتين في الثلاثة عشر لم تجدا من يدفع عنهما قسوة الأيام، ولم يبق لهما ما تبيعانه سوى جسديهما[1].

تعاطف مُتجاهل

وكان لا بد من تسليط الضوء على واقع مَنسيٍّ بذات الطريقة القصصية العاطفية التي يتبعها مُجرِّمو زواج القاصرات، فقد شغلت أصواتهم سمع العالم ونظره عن قصص فتيات انتهى بهن الأمر ضحايا للاستغلال، وبعد أن فشل العالم بتقديم الأمان والحماية لهن وكفاية أقل حاجاتهن ثم سلب الحق في زواج اختياري كان من الممكن أن يقدم لهن ما فشلوا في تقديمه، فإن لم ننكر وجود أضرار مرتبطة بالجهل في بعض حالات زواج القاصرات، إلّا أن تحكيم الأمر من وجهة نظر واحدة وبناء على مشاعر مجردة سيحول دون نظرة دقيقة في المشكلة وجذورها، وإن حَكم القاضي بسماعه لشهادة طرف دون الآخر لكان ظلماً شديداً و لاختل الميزان، ولكان أسهل الحلول المَنع، كمن يمنع الزواج لكثرة الحالات التي تنتهي بالطلاق، متجاهلاً حالات الزواج الناجح، ودون النظر في إن كان الزواج هو المُسبِّب وحسب، أم أنه سوء تطبيقٍ وجهلٍ بأحكامه.

خلط المفاهيم والمتهم الإسلام

ولا تمر قضية زواج القاصرات من دون أن تُشعل حالة من الغضب والاستنكار، ليطال شرارها الإسلام ويوضع مقام المتهم الأول بل الوحيد، ثم تُطلق أحكام القرن الحادي والعشرين على حقبة مرت منذ 1400 سنة، ليجعلها البعض ذريعة ساذجة ويتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير الرسل وأطهر البشر لزواجه من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبالإمعان في كيفية التعاطي مع قضية زواج القاصرات، في وقتنا الحالي، فلا نكاد نجد سبيلاً للتفرقة بين علم وشريعة إسلامية وقوانين وضعية وعادات قبلية، وأكثر اللًّغط وأوله يكون في تعريف القاصر والبالغ العاقل.

القاصر بين العلم والقانون:

القاصر مصطلح قانوني للدلالة على الطفل أو الشاب والفتاة ما دون سن الرشد المحدد قانوناً، فيكون القاصر تحت وصاية والديه ولا يحق له التصرف بشؤونه الخاصة أو القيام بالأمور المدنية، كالانتخاب وإبرام العقود، وله عقوبات مخففة عن الجرائم والجنحات التي يرتكبها، وبالإمكان أن يختلف السن المحدد للرشد عن السن القانوني المحدد للزواج، أو القيادة أو التدخين أو العمل في بعض المهن الطبية والحكومية وبعض المناصب كرئاسة الدولة، فيختلف الأمر بين البلدين.

أما من الناحية البيولوجية فالطفولة هي المرحلة ما بين المهد والمراهقة، والمراهقة هي المرحلة التالية للطفولة والتي تبدأ مع بدأ التغيرات الطارئة على جسد الصغير ببلوغه سن العاشرة تقريباً أو قبل ذلك، وتنتهي بالبلوغ التام من الناحية الجسدية ونمو الأعضاء التناسلية والنضج العقلي، ويكون ذلك مع بدأ الحيض عند الفتيات ومظاهر الرجولة والاحتلام عند الفتيان، أما العمر الذي يحصل فيه البلوغ فيتفاوت باختلاف الأفراد[2].

ويبقى الدماغ في تطور إلى ما بعد البلوغ أو بالأحرى في تطور دائم، ولكن اختلف العلماء في العمر الذي يصل فيه الدماغ إلى التطور الكافي ليصبح الشخص راشداً، لارتباط ذلك باكتمال نمو مناطق دماغية مهمة، فقُدِّر سن بلوغ الرشد بين عمر الثماني عشر والعشرين والبعض ذهب إلى الثلاثين عاماً، مع الإشارة إلى عدم توافر دراسات كافية بعد[3].

الصغير والقاصر في الإسلام

لا وجود للفظ القاصر في الإسلام، فإما طفل صغير قبل البلوغ، وإما بالغ بعد حصول البلوغ الذي يحدد بعلامات معينة كالاحتلام عند الذكر والحيض عند الفتاة، أو باعتبار السن[i] في حال عدم ظهور علامات البلوغ[4]، فيصبح الذكر والفتاة مكلفين ومحاسبين عن الأفعال والأقوال، إلّا إن كان هناك عارض يُسقط عنهم التكليف كالجنون والعته، أي عارض يعترض العقل الذي هو مناط التكليف.

اختزال المسميات بقاصر اجحاف بحق الشباب

وبناء على التفسيرات السابقة نجد أن الصغير والبالغ العاقل المكلف في الإسلام يختصران بلفظ القاصر القانوني، فتجري عليهم ذات الأحكام إلى حد لابأس به مع اختلافهما الكبير بالبنية والعقل والاحتياجات ثم يُحدد سن واحد للرشد، وكأنها عصاة سحرية ستحول الطفل إلى راشد بمجرد بلوغه الثامنة عشرة، ففكرة الانتقال من مرحلة المراهقة إلى الرشد بمجرد بلوغ سن معينة غير مقبولة علميا، لانتفاء وجود رابط كبير بين العمر والنضج[5]، فكيف إن كان الشخص رشيداً قبل السن القانوني وبقي يعامل كالمراهق[ii]؟ وكيف إن حصل خلاف ذلك؟ وقد جعل هذا الأمر عدداً من الشباب يتذمر من قانونٍ يلقي بمسؤوليات البالغين على عاتقهم من دون سابق إنذار بمجرد بلوغهم سناً معينة، وقد كانوا قبل ذلك يعاملون معاملة الطفل المراهق.

تحديد سن الرشد بين عدل الإسلام ومادية العلم

إن تحديد بدء التكليف في الإسلام مرتبط بالبلوغ أولاً ثم بالعقل،”وعلة ارتباط أهلية الأداء-أي التكليف-بالبلوغ أن تتحقق بتوافر العقل، ولما كان العقل من الأمور الخفية ارتبط بالبلوغ، لأنه مظنة العقل، فيصبح الشخص عاقلاً بمجرد البلوغ، ما لم يعترضه عارض من عوارض الأهلية، وإذا بلغ الشخص رشيداً كملت أهليته، وارتفعت الولاية عنه، والرشد عند أهل العلم هو صلاح المال والقدرة على استثماره وحفظه بدلاً من الإسراف وتضييعه، أي أن اشتراط الرشد محصور في التصرفات المالية، وأما غير ذلك كالزواج والطلاق فإنها نافذة منه بمجرد البلوغ عاقلاً.](كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي)[6] ولذا لم يحدد في الإسلام سن واحد للرشد للاختلاف الكبير بين الأفراد، فقد يرافق الرشد البلوغ أو يأتي بعده.

وكذلك تحديد سن الرشد في القانون مرتبط بالعقل وباكتمال نموه من حيث القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية وتحديد النتائج المترتبة على الأفعال ومقدرة التصرف بالمال، وبناء على الدراسات العصبية التي تجرى على الدماغ يتم تحديده بسن واحدة، فما مدى صحة الاعتماد على هذه الدراسات؟

اجتزاء سياسي إعلامي للدراسات الدماغية العصبية

إن بلوغ سن الرشد مرتبط بعدة عوامل منها البيئة المحيطة والتعليم والتربية والتجارب الشخصية وحتى تأثير التغذية والإدمان والصحة النفسية[7]، أما العمر فليس شرطاً للرشد وإنما يساعد تقديره في تسهيل أمور المعاملات القانونية، ولكن الأمر تحول بحسب ورقة بحثية نشرت في موقع المكتبة الأمريكية الوطنية للطب إلى قوانين تعسفية، تمتد للمنع من الزواج والقيادة والتصرف بالشؤون الخاصة، وذلك بسبب اعتماد سن القوانين المختصة بتحديد العمر على دراسات علم الأعصاب والدماغ، والتي يشدد العلماء على عدم جعلها مرجعاً للحكم على سلوكيات المراهقين وأفعالهم في العالم الخارجي، لأنها تنبثق من علم ماديٍّ معرض للأخطاء، ولا يمكنه إعطاء تفسيرات كاملة لسلوكيات المراهقين، فلا يكشف الكذب ولا يحدد القدرة على الزواج والقيادة، بالإضافة إلى أن الأبحاث التي تدعم سن الرشد المحدد حالياً قليلة جدا، مما يطرح سؤال إمكانية تحديد علم الأعصاب سناً معينة للرشد، أم أنّ الاختلافات بين الأفراد ستكون متفاوتة إلى حد يستحيل معه تحديد سن واحدة للجميع؟[8]

جريمة فيالفا تثير النقاش

ولتوضيح الزلل في قانون تحديد سن واحد للرشد، سنعود بالزمن لقصة قاتل طبق في حقه حكم الإعدام، الذي يندر تطبيقه في الولايات المتحدة الأمريكية، لاعترافه بجريمة اقترفها عندما كان عمره 19 سنة بمساعدة صديقه، حيث قاموا بسرقة زوجين ثم قتلهم رمياً بالرصاص وإضرام النيران في سيارتهم لإخفاء الأدلة، ليشكك الكثيرون في عدالة الحكم بسبب قيام القاتل فالفيا بالجرم قبل بلوغه سن الرشد، أي عندما كان عقله غير مكتمل النمو إلى الحد الذي يشابه فيه دماغ شخص بالغ بحسب التفسير العلمي المادي لبروفيسور علم النفس في جامعة تمبل، ولذلك يجد البروفيسور أن عقوبة كالإعدام بحق المجرم فيالفا هي عقوبة قاسية جدا[9].

 فالتفسيرات المادية تنظر للعقل على أنه كيان منفصل عن السلوكيات، ومع هذا يُحكم على سلوكيات المراهقين بناء على مدى تطور الدماغ ونموه، بعيداً عن النظر فيما يدركه أي عاقل، بأن شاباً بعمر التاسعة عشرة يعي تماماً شناعة جرم كالقتل والحرق.

تحديد سن أدنى للزواج  

بدأ رفع الحد الأدنى لسن الزواج تدريجياً نتيجة انتشار بيع الأطفال الصغار واستغلالهم في أعمال البغاء أو تزويج الفتيات قسراً من أجل المال أو المصالح، ويتم تحديد الحد الأدنى للعمر بناء على قدرة الفتاة والشاب العقليّة في اتخاذ قرار مصيري كالزواج وبعد انتهاء الوصاية الأبوية، لكي لا يكون للوالدين أي رأي أو سلطة في زواج أبنائهم وبناتهم، مع تخل عن الدين والأخلاق، وتحليل الزنا وإعطاء حق حرية الجسد والتصرف بالنفس لمن يسمى قاصراً، ليجدون أنفسهم غارقين بمستنقعات أقذر مثل مشاكل حمل المراهقات وضياع الأنساب وانتشار الأمراض، ولم تخفف هذه الإجراءات من وطأة المعاناة للفتيات بل تحول الأمر لشبكات تدار خفية وضحايا تبقى طي الكتمان.

وعندما تم التخلي عن مرجعية الدين كتشريع استندت القوانين الغربية إلى علوم مادية لا تتسم بالشمولية ويحدث فيها الخطأ والنقص كما تبين لنا سابقا، ليظهر الخلل جليّاً في القوانين التي تختص بأحكام القُصَّر والمراهقين، والتي تشكل قاعدة لبعض القوانين المُشرَّعة في بلاد المسلمين، لتتحول لطوق يخنق الشباب المسلم الذي لا يعيش حياة الغربي، وليستباح تجريم زواج القاصرات في البلدان الإسلامية دون التفريق بين طفلة وفتاة بالغة، مع دعم  حملات ومشاريع لا حصر لها، مع أن الإسلام اعتنى بالاختلاف الدقيق بين الصغيرة والفتاة البالغة العاقلة بإصدار حكم لكل فئة بحسب ما يقتضيه الحال، وهذا ما سيأتي تفصيله في مقال قادم بإذن الله.


المصادر

[1] قصة واقعية للفتاة هيلينا ترويها بنفسها Helena.(2021,03 17).Helena hat sich als Kind prostituiert.(f.m.Hannah,Interviewer) youtube.

[2] https://www.nhs.uk/live-well/sexual-health/stages-of-puberty-what-happens-to-boys-and-girls/

[3] https://www.reference.com/science/age-human-brain-fully-developed-b909a4ffd8d4f75d

 [4]  انظر المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم،الجزء6،تعريف البالغة العاقلة،الصفحات 420-425

[5] https://psychology.stackexchange.com/questions/21384/how-do-we-know-human-brain-development-stops-around-age-25

[6] أ.د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ. كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي.(الإصدار الطبعة الرابعة،المجلد القسْمُ الثَّاني: النّظَريّات الفقهيّة،الصفحات 2960-2971).دمشق، سورية:دار الفكر.

[7] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3621648/

[8] Sara B. Johnson, R.W.(2009, September).US National Library of Medicine. doi:10.1016/j.jadohealth.2009.05.016

[9]Harmeet Kaur.(24 September, 2020).CNN.
———

[i] الراجح أنه في الخامسة عشرة

[ii] استخدم لفظ المراهق مع عدم استحبابه لشيوعه وخدمة للنص.

اقرأ.. وربك الأكرم

لمّا كان القرآن كتاب هداية في الأساس، فإنه لم ينزل ليقيم الحجج العقلية وتفصيل أدلة الحق فحسب، وإنما لوضع الطريق أمام عقل الإنسان للوصول إلى الهدى والخضوع له حبًّا وفهمًا؛ إذ إن هداية الإنسان لا تكون ببيان أدلة الحق ودحض خرافات الباطل ببساطة. فالإنسان ليس عقلا فلسفيًّا جافًّا فحسب، وعملية الهداية ليست مجرد برمجة العقل كما تبرمج الأجهزة الألية، بل إن الإنسان خليط بين عقل ومشاعر. فكل إنسان لديه صراع ما بين العقل والهوى، ولكن يتفاوت الناس في حدة هذا الصراع، ويتفاوتون بين من غَلَب عقله هواه ومن غلب هواه عقله، وعلى قدر غلبة أحدهما يكون إخماد الآخر.

أصل الداء والدواء

يكون الإنسان الذي غلبه هواه أقرب للكفر منه للإيمان، لأنه أصبح أسير نزواته ويبحث عمّا يحقّق له اللذة والراحة، غير مكترثٍ لا بحق ولا بباطل، أما الإنسان الذي يغلب عقله هواه، فيكون أقرب للحكمة والرشاد، وترسم أمامه معالم الطريق وسبل الهداية، لأنه آثر الحق على مشاعره وميوله الشخصية. وقد لخّص القرآن كل سبل الضلال والهداية في آيتَين، بين في أولاهما أن أول طريق الضلال هو الاستسلام لنزوات الهوى، فقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّه} [ص: 26]، أما ثانيهما فأشارت إلى أن أول طريق الهدى يبدأ من مسايسة الهوى وحمل النفس على اتباع الحق، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

أشار القرآن إلى أصل الداء ومكمن الخطر، ليخمد سلطان الهوى وليعلي طاقات العقل. ولكن القرآن تفرد عن غيره من الكتب. إذ إن الكتب المعنية بالقضية الوجودية عادة ما تبدأ بنفي رأي الآخر وإقامة الأدلة على المراد إثباته، فهي بذلك جواز سفر للعقل حتى يهاجر بين دروب الفكر والفلسفة. ولكن القرآن كان له مسلك آخر فريد، إذ إنه قبل أن يدعو العقل لحلبة الجدل وصراعات الفكر، بدأ الوحي بوضع العقل في مواجهة أمام نفسه، وقبل أن تتخطّف علامات الاستفهام ذلك العقل فترهقه، فليقف العقل أولًا ليسأل ذاته، من أنا!؟

{اقرأ باسم ربك}

اقرأ، وانطلق في قراءتك من اسم الله الخالق، إذ إن القراءة لا تبدأ من لا مكان، فلا بد للقارئ أن يبدأ من أرضية ما تكون هي نقطة البداية والانطلاق. فالإنسان الملحد يؤمن أن عقله نشأ من عملية تطورية صدفية عشوائية، ومن ثم، تصعب عليه الثقة في عدد من مبادئ العقل كـ السببية وقبول النقيضين، وقضيّة أن البعض أصغر من الكل، لأن المسطرة التي لم تجد من يصممها ويضبط معياريتها قياساتها باطلة ولا شك!

أما المسلم، فقراءته لا تبدأ إلا من نقطة (الإيمان اليقينيّ) وهو الثقة في وجود إله صمم هذا العقل وأحكم مبادئه العقلية، فتكون الثقة في صفات الإله الذي صمّم العقل هي المرجعية التي على أساسها يثق الإنسان في أحكام عقله وآرائه الشخصية وحكمه على الأمور بين صواب وخطأ وحق وباطل.

من هنا، لا مكان للقراءة إلا إذا نبعت من إيمان مسبق وثقة في العقل ويقين في صفات مصمم هذا العقل! وأي قراءة لا تبدأ من هذا الاعتقاد إنما هي محض عبث، إذ إن الآية تأتينا بصيغة الماضي (الذي خلق)، فالإنسان كان المرحلة الأخيرة في قصة الوجود، بعدما كان الله، فخلق فسوى، وقدر فهدى، فالإنسان جاء متأخرًا ليقرأ عن تفاصيل ما خلقه الله، ودقة تقديره. ولا يمكن لقارئ أن يبدأ في القراءة، إلا إذا انطلق من هذه المسلمات. (وجود إله صمّم العقل)، ثم (هذا الإله خلق الكون وأحكم مخلوقاته وفق قوانين وسنن ثابتة مطردة يمكن دراستها)، ثم (القراءة لكشف ما حدث في الماضي من خلق الخلق وتصميم القوانين، ولكنه لم يدخل في مخزوننا المعرفي بعد).

والإنسان بفطرته يسأل في الوجود بدلا من السؤال ألف، ولكن أكثر سؤال وجودي يلح عليه، هو وجوده الشخصي (من أنا؟). ولا يرضى بالإجابات السطحية من تبيان النسل والسبب المادي من علاقة جنسية بين الأب والأم. فأول ما نزل من الوحي طرق أكثر سؤال أرّق الإنسان أول ما دب على الأرض، من أنا؟ من أين؟ وما الذي حدث؟

من علق

ينتقل القرآن في السياق إلى قول الله تعالى {خلق الإنسان من علق} [العلق: 2]، ففي هذه الآية إشارة إلى أصل الإنسان المادي. ولكنها في نفس الوقت تشير إلى العملية التكوينية التدريجية في الإنسان كما ذكرت في القرآن في غير موضع. وهي بشكل غير مباشر، تشير إلى خط النهاية الذي تنتهي عنده القصة، وهي طبيعة الإنسان البالغ وحقيقته المادية، ومدى تفاعله مع بيئته وهذا الكون المادي المحيط به. ومن هنا، يتفكر الإنسان في حواسه المادية وطبيعة عقله وحدوده. فالإنسان يسمع ويرى، ولكنه سمعه وبصره محدود جدًّا بالنسبة للمجال السمعي والبصري لكائنات أخرى. ولو كان الإنسان قادرًا على أن يسمع ويرى، فهو في النهاية مقيَّد بحدود موقعه الجغرافي، ولو تحكّم الإنسان في موقعه ووقف على مرتفع شاهق ليوسع مجال بصره، فهو في النهاية مقيد بمحدودية حواسه الخمسة!

وعندي أن إدراك طبيعة الحس وحدود العقل عند القارئ أهم وأولى ما يبدأ به؛ لأن الإنسان الذي يغوص في بحار المعرفة دون أن يحكم موقفه الإبستيمولوجي واهم، إذ أنه لا توجد معرفة من لا مكان، والإنسان شاء أم أبى، شعر أم لم يشعر، يقرأ انطلاقا من موقف معرفي ما، حتى لو لم يقرأ عن الفلسفة سطرا. ومن يدّعي التبرّؤ من موقف ما في نظرية المعرفة هو يلعن الهواء الذي يتنفّسه، فحتى من يدّعي نسبته إلى السفسطة متناقض، لأن (إثبات أن السفسطة حق) يعني أن المعرفة ممكنة، وأن الإثبات والنفي ممكن!

المعرفة بين الأساس والسلوك

وفي التطرق إلى أسس المعرفة في أول آيات الوحي حكمة بالغة، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الكبر والغرور وبالفرح ما أوتي من علم كما بين القرآن في غير موضع، كما في قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78] وقوله تعالى: { فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ} [غافر: 83] وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} [يونس:24] وقوله: { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } [يونس: 39]، ولو غرق الإنسان في العلوم والمعارف عن الكون والحياة قبل أن يعلم حدود عقله ومحدودية حواسه وقلة علمه لتمكّنت أوهام العظمة منه! ولأنكر الغيب ببساطة أنه لا يراه بحواسه، ولنظر إلى الأقدار الإلهية وهو خصيم مبين لمجرد أن عقله لا يفهم منتهى الحكمة. فالإنسان الذي يظن أن عقله قد أحاط بكل شيء علما لا يمتلك مساحة للتصالح مع أي فجوة معرفية بداخله، بل إن إحالة تلك الفجوة إلى الخرافة والعبثية هي هوايته ودأبه.

فمن يعتقد في عقله المحدودية يمتلك مساحة للتواضع أمام المطلق، أما من يعتقد في عقله الإطلاق يسعى جاهدا لتسطيح كل ما هو أعمق من فهمه، ولعن كل ما ابتعد عن علمه! وعندي أن إشارة القرآن لطبيعة الإنسان ومحدوديته هو لحفظ الإنسان الذي يوشك على القراءة من أكبر منزلق قد يلقي به في ظلمات الضلال، وهو الكبر!

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56] وبحسب ما فسرها ابن عباس: عظمة لم يبلغوها. أي أن يعتقد الإنسان في نفسه مكانه هو في حقيقة الأمر أقل منها وأحقر!

ولا يصل القارئ إلى تلك المرحلة إلا بعدما يبدأ بالقراءة عن كل شيء، قبل أن يقرأ عن نفسه هو. ففي الآية، نجد أن الإنسان هو القارئ الذي يقرأ عن نفسه، فيكون هو الدارس والمدروس! وهو الذي يرتل قوله (خَلَقَ الإنسانَ) [العلق: 2] في حين أنه هو الإنسان. فيخرج عن ذاته ليرى نفسه كأنه غائب، أو كأنه من فصيلة أخرى. ومن هنا فقط يتحرر من أسر بصره وطباع جبلته ودونية طينيته التي تهبط به إلى الأرض، ليرى ذاته بعين الواقعية الحق، التي لا تجامل ولا تداهن! ويدرس حواسه وعقله ويكأنه يدرس كائن ما من فصيلة نادرة. ويخلص لحقيقة نفسه فور علمها، قبل علم أي شيء، وقبل أن يحترف الإخلاص للأشياء!

وربك الأكرم

فالقارئ الذي بدأ بالقراءة عن حقيقة نفسه هو الأكثر حكمة، والأنضج وعيًا. والقارئ الذي بدأ بالقراءة عن كل شيء عدا حقيقته هو الأقرب للغرور والأكثر كبرا!

ولما كانت قضية الهداية والضلال رهن موقف الإنسان من هواه وأمراض قلبه، أصّل القرآن للدواء النفسي والمعرفي في أول ثلاث آيات من الوحي. ففيها سلامة الصدر من الكبر والتحقق بالتواضع، ويكفي بتجرد الإنسان من ميوله لنفخ ذاته ليرى نفسه على حقيقتها مجاهدة للنفس وزهد في اتباع الهوى. وعليه مدار الهداية والضلال.

ويكفي بما فيه هذه الآيات الثلاث من تأصيل إبستيمولوجي لموقف الإنسان من القراءة والمعرفة. هنا فقط، تكون القراءة ذا نفع. وتقلّ قصص من ضلوا بسبب ما قرأوا، وتزداد قصص المهتدين بالقراءة. ومن بين كل أسماء الله الحسنى، يتجلى اسم الله (الأكرم) لا اسم الله (الكريم). إذ إن الأكرم هو اسم تفضيل من وسع الكرم. إذ أن القارئ يقف على باب الكرم الإلهي بين توفيق في الفهم، وإرواء ظمأ الفضول، والإرشاد في عالم تتخطّفه الظلمات.

وتظل الدعوة قائمة، في أبدية القول الإلهي: {اقْرَأْ، وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}.

آيات الأحكام.. فقه خالص أم تزكية؟

لا شك أن تلاوة القرآن ومجالسته وتدبره من أشد ما يعين المسلم على الإيمان والتقوى، ويبعث في القلب خشوعًا لا يُتحصل عليه من قبل أي عبادة أخرى كما يفعل كلام الله، إلا أن عوام المسلمين يميلون في استحسانهم إلى آيات القصص والعبر المستخلصة من حياة الأنبياء، لما فيها من سلوى وبشرى للمؤمنين، وهم على صدق استحسانهم هذا، قد ينظرون إلى آيات الأحكام كآيات المواريث والطلاق والشهادة وغيرها على أنها تحوي أوامر ونواهٍ جامدة وكأنها فقه خالص لا تزكية فيها للنفوس، لذا أشير في هذا المقال -في التفاتات متواضعة- إلى بديع لطف الله في ثنايا آيات الأحكام، وكيفية تدبر هؤلاء الآيات الكريمات.

الأمر الإلهي بين الاتباع وصدق التجربة الروحية .. هل من تعارض؟

يشير د. فضل الرحمن -وهو مفكر إسلامي وفيلسوف ولد في باكستان- في كتابه “الإسلام” أن الصحابة رضي الله عنهم انشغلوا بالمهمة الدعوية للإسلام على حساب انشغالهم بالأوامر الإلهية لا المعاني الروحية، وأنهم عزفوا عن سؤال النبي عن تلك التجارب الروحية لما كان عليهم من مسؤولية هائلة في تبليغ دين الله إلى أصقاع الأرض. فيقول: “لم يطرح أغلب الصحابة أسئلة كثيرة حول طبيعة هذه المعاني الروحية، لأنهم كانوا مهيئين لغرض أخلاقي يقوم على أساس ديني، ومن المرجح أن عملهم قد جعلهم ينفرون من البحث في أسرار الروح الغيبية. إن ما كان يهمهم إنما هو الأوامر الإلهية وليس الأسرار الصوفية”.1 وقوله هذا مردودٌ لعدة إشكالات: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ينظرون إلى الدين نظرة إجلال وخشوع، وكان ذلك يتضح في تسليمهم التام وخضوعهم لله ويتمثل ذلك في قولهم للنبي: “الله ورسوله أعلم” عن كل سؤال يطرحه. ثانيًا أن التصوف أو التزكية الروحانية لم تكن الغاية، بل كانت وسيلة للوصول إلى رضا الله، ومن الغريب أن نضع مسارًا واحدًا على كل مؤمن ليسير فيه حتى ينال رضا الله وعفوه، وأن يُبشر عشرة منهم بالجنة أو يُشهد لبعضهم في القرآن بالفوز لهو أدعى إلى تصديق أنهم وفقوا في فهمهم عن الله بين الظاهر والباطن، لأن الانشغال بالأوامر الإلهية لا ينفي صدق التجربة الروحية، بل من المفترض أن يُصدق عليها، إذ إن الدقة التي ينشغل بها الفقه في ضبط العبادات والمعاملات على أكمل وجه إنما غرضها الأول الوصول إلى مرتبة التقوى. وإن المسلم إنما ينبغي له أن يراجع عباداته الظاهرة والباطنة معًا حتى يصل إلى مرتبة الإحسان والتقوى.

د. فضل الرحمن

هناك قاعدة عامة لابد من إرسائها قبل الحديث عن آيات الأحكام: هل لابد من وجود تعارض بين الظاهر والباطن حقًا؟ أم أن الظاهر من شأنه أن يرتقي بالباطن؟ إذا اقتطعنا من الصيام شقه الظاهري في الامتناع عن الطعام والشراب والنكاح، لمَ قد يقول الله سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}؟ [البقرة: 183]، إن الله يخبرنا أن هذه العبادات الظاهرية كالصيام تؤدي في نهاية المطاف إلى تحصيل التقوى. إذن عبادة ظاهرية سلوكية تُفضي إلى عبادة قلبية. وكذلك المسلم الذي يمتنع عن الفحشاء والمنكر والبغي مُستعينًا بالصلاة على ذلك، إنما ورث في قلبه تقوى من الله، منعته هذا التقوى عن ارتكاب كل تلك المعاصي. وكذلك في قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم} [التوبة: 103] فإخراج الصدقة كان نتيجته التزكية وتخلص القلب من أدران النفاق ووسيلة للتخلق بمقام الإخلاص.

يؤكد حديث رسول الله (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) [متفق عليه] معرفة الأحكام وتتّبع دقتها سواء كانت عن طريق الفقه أو من خلال سياق الآيات الكريمة يحيلنا ذلك إلى الخيرية التي يريدها الله، ويذكر المسلم بعدل الله وأمره بالقسط ولطفه في مواطن الشدة وحلمه في مواطن الغفلة، فمعرفة الحكم الفقهي غاية ووسيلة إلى ما هو أبعد وأبعد. إذن المسلم في جهاد دائم، مطالب فيه بالتوفيق بين الظاهر والباطن، أن تستقيم صلاته على أفضل ما يكون ليتحصل على التقوى، وأن يجاهد وساوس قلبه دائمًا ليرقى في صلاته إلى مقام الإحسان، وهكذا دواليك.

أيكم زادته هذه إيمانا؟

المسلم الحق لا يتشدق بما يتشدق به المنافقون الذين ينظرون إلى آيات الله كالصم {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} [التوبة: 124]، كل آيات القرآن تنفع أو تبشر أو تهدي أو توقظ في القلب معنًا كان مغيبًا من قبل، أو تقسم لقارئها من خشية الله ما شاء الله له فيها، بما في ذلك آيات الأحكام.

{اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن}. [الطلاق: 6]، هذه إحدى آيات الأحكام في الطلاق، ينهى الله فيها الرجال عن إخراج المطلقات من البيوت قبل انقضاء العدة. إن لطف الله جلي في قوله {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} أي لا تؤذوهن بالكلام أو الفعل حتى لا تضيق عليهن أنفسهن فيتنازلن عن حقوقهن بدافع الخلاص من هذا الضيق. إن اعتداد الله بنفسية أمته في حالة الفراق، وأمره للرجل بالإحسان إلى مطلقته لهو من بديع رأفة الله، ثم يلتفت الله في بقية الحكم إلى نفسية الرجل الذي سينفق من سعته رغم افتراقه عن زوجته {لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 6] أي أن الله يبشر هذا المنفق رغم ضيق حاله باليسر، لاتباعه رضوان الله في أمر النفقة وبذله من ماله.

{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين} [البقرة: 180]، هذا موضع آخر لآية من آيات أحكام المواريث، يأمر بها الله عباده عند الموت بالوصية لأهله إحسانًا لهم، وإحسانًا لله وشكرًا على ما آتاه الله في أن يورث ما كان يملك بالمعروف. رفق الله في قوله {حقًا على المتقين} أوجب الوصية على فئة من عباده، المتقين، الذين يتبدى لهم يوم القيامة أمام ناظرهم، ولا يبغون أن يتناحر الورثة من بعدهم في متاع قليل، يعلمون أن ما بين أيديهم هو إحدى الأمانات التي وكلها الله لهم في الدنيا.

كيف نتدبر آيات الأحكام على وجه صحيح؟

التدبر القرآني مهمة منوطة بكل مؤمن {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82]، لكن لابد لها من شروط، أن يطلع المسلم على تفسير الآية من أمهات كتب التفاسير أولًا أو من اجتهادات العلماء في هذا الصدد، ثم يقرأ الآية الكريمة بمفرده بعد فهمه لسياق المعنى المراد، ويتتبع بداية الآية ونهاياتها، ويستفهم عن دلالة ذكر أسماء الله الحسني في نهايات الآيات.

ففي آيات الطلاق من سورة البقرة، ينتقل ذكر الله في نهايات الآيات بين السمع والاطلاع والشهادة إلى الحلم والمغفرة والحكمة، لأن الطلاق أمر مكروه في ذاته، ثقيل على النفس، فكان لابد من ذكر اسم الله السميع والعليم والبصير للتذكير بشهادة الله حتى يقوم الناس بالقسط، وكان لابد من ذكر اسم الله الحليم والغفور لما في أوامر الله من مشقة يعلمها الله ولا يوفق في استدراكها إلا محسن لله.

إن هذا يأخذ بأيدينا إلى القول: إنه لا بُدَّ أن يستن المسلم بما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أثناء قراءته للقرآن، أن يطلب الرحمة في كل موضع رحمة، وأن يتعوذ من مواضع العذاب، وأن يسبح في مواضع التسبيح. وإن التخلق بالصبر على أخذ الكتاب بقوة والمجاهدة في فهم أنواره وهداه، حرى بمن فعل هذا أن يهديه الله إلى سبيله وأن يبصره ببصائر القرآن، بل ويحصل له ما هو فوق اجتهاده2 {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69].

الإحالات

  1. 1. فضل الرحمن، الإسلام، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2017، الطبعة الأولى، ص214.
  2. 2. ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، دار السلام للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 2002م، الطبعة الثانية، تفسير سورة العنكبوت، ص747.

 

 

المؤمن القويّ خير وأحبُّ إلى الله!

نولد نحن المسلمون، ويصحبنا في فطرتنا ذلك الشعور الذي يغمر جنباتنا، مليء بالعزة والأنفة، تصدع به صدورنا، كأنه برنامج حماية لنا ولنفوسنا وضعه المقتدر الجبار فينا ولا تقوم لنا قائمة إلا بتفعيله..

شعور أكاد أجزم أنه ليس لأحد إلا للمؤمن في هذا الدين العظيم الذي يدعونا لما يحيينا، يدعونا لاستجلاب كل أركان العزيمة والقوة والطموح، ليستخرج أفضل ما فينا.

كثيرون في عالمنا اليوم فطرتهم تلك مطموسة نتيجةً لعدة عوامل، على رأسها الظلم والجور والخنوع وما يُعرَف بقهر الرجال -نعوذ بالله منه- فعملت تلك الضغوطات على جعل فطرتهم متنحية غير ظاهرة..

المؤمن القويّ خير

إن هذا الدين العظيم والدستور الرباني لا يقوم أصلا إلا بتفعيل تلك الفطرة، فطرة عدم القبول بالذل والهوان والتعدي والتجبر، فهي مزروعة في أوردتنا على لسان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه حين قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير) [أخرجه الإمام مسلم]

والقوة هنا تشمل كل أنواع القوة التي تقيم للإنسان حياة في هذه الأرض، فتكون القوة الجسدية والقوة الاقتصادية والقوة المادية وقوة الفراسة والقوة الفكرية وقوة الوعي وقوة السلاح وقوة العتاد والعدد والعدة، وكلما اكتشفت إحدى تلك الجوانب من القوة جعلَتْ منك شعلة وكتلة من الطاقة والحيوية، وقد قام مجد هذا الدين على أكتاف وعقول قوية.

أتخيَّلُني أشاهد سيدنا الفاروق عمر رضي الله عنه وهو يقتحم دار الأرقم ويبحث عن نبينا الكريم وقد ملأ الحق قلبه فأعلن إسلامه بعد أسد الله حمزة بثلاثة أيام فقط، ليتبدل بعدها حال القوم هناك فتصبح الدعوة جهرية أكثر من أي وقت مضى، وما كان من انبهار سادة قريش مثل قولهم: واللات لقد أسلم عمر.

شعروا بذلك في هواء مكة، لقد شعروا بتلك القوة والهيبة من تصرفات الناس وحالة الوجوه، لقد أسلم عمر!.. القوة تتحدث هنا، سيدنا عمر رضي الله عنه بكل هيبته وقوته أصبح الآن في صف المسلمين، لقد علموا أنه آن الأوان لكل مسلم بالجهر بالدعوة، أي مذ أسلم عمر.

وهكذا، فإن أجدادنا بداية من الخلفاء الراشدين الذين وصلوا السند والهند، مرورًا بصقر قريش ويوسف بن تاشفين وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهم ممن يأبى التاريخ إلا أن يذكرهم، أولئك هم من قامت الفتوحات على أكتافهم وراحاتهم.. فتوحات لا تقوم على أكتاف أرجلٍ متقهقرة، وأمة تشعر بالدعة، نظراتها خائرة تائهة لا تعرف ماضيًا ولا تكتب حاضرًا، وإنما تقوم على أكتاف الأقوياء الحُذَّاق ذوي الفراسة، الأقوياء فكريًّا وماديا واقتصاديا وعدة وعددا.

حين تتحدث القوة

لقد عمل أعداء الإسلام من الداخل والخارج على حد سواء، لزرع مفهوم مغاير مخالف لمفهوم الدين الذي أنزله الله، فأرادوا أن يكون الدين -في عقول الأجيال القادمة- محصورًا في أداء الصلوات في المساجد والتلاوة اللفظية للقرآن الكريم، والاستماع لخطبة الجمعة الموحدة التي تتحدث عن الشعائر الروحيّة المتمركزة على علاقة الفرد بربه، إلا أن الحقيقة هي أن الدين أكبر وأعظم من ذلك بكثير، فالإسلام وإن قام جزء كبير منه على العبادات الشخصية التي تنحصر بين العبد والله عز وجل وسيحاسب على أدائها أو تركها في الآخرة، إلا أنّ الله سيحاسبك أيضًا على الأثر الذي تركته في هذه الحياة وعلى قدرتك الهائلة التي زرعها الله داخلك على التغيير، والتي أهملتها أو نسيتها أو لم تعمل على تفعيلها لخدمة الإسلام دينًا في مجتمعك ودنياك.

قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) [أخرجه البخاري وأحمد] فما معنى هذا الكلام؟

إن المعنى المتبادر للأذهان هو وجوب كون الإنسان دائم السعي للفعل، فيكون مؤثرًا فيما حوله، مثلما تعرف الحركة في الفيزياء، فيؤثر الفرد على أشخاص من حوله في دائرته القريبة، ثم يتحول الأثر إلى سلسلة من الآثار –أو ما يعرف بنظرية أثر الفراشة- فتؤثر موجة الدائرة القريبة على الموجة التي تليها ثم الموجة التي تليها ثم الموجات التي تليها، فكم من فكرة أشعل فتيلها شخص واحد، ثم ما لبثت أن أصبحت منهج حياة للعديد من الأفراد بل لجماعات كاملة.

يرتكزُ ديننا على غرس العزة والقوة والكرامة في نفس المؤمن به، ويرفض الضعف أو التقهقر أو الانكماش والخنوع، ولذلك فإنه من المستغرَب أن يؤمن بعض الناس بروايات ومحكيّات هزيلة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، بعيدًا عن ضعفها، فإنها تفوح برائحة الضعف، كأن يقال إن يهوديا كان يضع القمامة أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلّم، وأن النبي افتقده حينما لم يجد القمامة أمام بابه! فبالله عليكم، هل يعقَل أن يحدث هذا والنبي بين صحبه وقومه، بل تخيّل تلك الوجوه المؤمنة برسول الله وهي تقف عاجزة عن أن تدفع عن نبيها أذى رجل واحد يضع القمامة أمام منزله، أفلا يحاولون تحريك ساكن على الأقل؟!

إن هذا أمر لا يصدقه عقل، بل إن الفطرة السليمة لا تقبل هذا التصرف من جمع الصحابة في حال صدق ذلك القول، إلى جانب ذلك نرى الكثير من الأحداث والمرويات عن الأنبياء السابقين وصلتنا بطرق الإسرائيليات والقصص الدخيلة، وهذا -بحد ذاته رغم ما فيه- يشعرنا بأهمية علم الحديث الذي يحقّق بدقة في كل ما وردنا عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يحفظ مقولاته وأفعاله وسيرته.

 أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (أرأيت إن جاء رجل ليأخذ مالي؟) فقال: لا تُعطه مالك!، فقال الرجل: أرأيت إن قاتلني؟ فرد النبي عليه الصلاة والسلام قائلا: قاتِلْهُ !فقال الرجل: وإن قتلني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فأنت شهيد !فقال الرجل: أرأيت إن قتلته؟ فردّ النبي عليه الصلاة والسلام قائلا: فهو في النار ![أخرجه الإمام مسلم]

لو طُرح هذا السؤال على كثير من العلماء والدعاة في زمننا هذا لقالوا: وماذا تساوي الدنيا يا هذا؟ لا تُضيّع نفسك لأجلها، فخير لكَ أن تصبر يا بُنيّ ! لماذا أنت قلق!؟ لا شيء يضيع عند الله سبحانه وتعالى!

وانظر إلى هذا الخطاب وقارنه بخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين يشرّع للإنسان مبدأ الدفاع عن الكرامة، فيعلّم الإنسان ضرورة ألّا يسمح بمسّ كرامته.

أتذكّر جيدًا السبب الذي شدني لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر (يا أبا ذر إنك امرؤ ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها) [أخرجه الإمام مسلم] وهو أن القيادة والإدارة تحتاج إلى القوة والأمانة والثبات.

النجاح رهينٌ بالقوة

إن استقراء التاريخ يؤكّد لنا أن الدول المتحضرة لا تنهض للتوسع والتحكّم بالدول الأخرى إلا عندما تمتلك قدرًا من القوة والإدارة والإرادة يفوق ما لدى خصومها والطامعين بها، وهذا ما تحقق في تاريخ مختلف الدول السابقة على الإسلام واللاحقة له، فكان فتح المشرق والمغرب والسند والهند رهنًا للعقيدة من جهة ولعوامل مختلفة من ناحية أخرى كالتجهيز العسكري المتكامل والتخطيط الدقيق والقوة المالية واستغلال ثغرات الضعف، وما زال الحال هو هو، فما يتحكّم في العالم الآن إنما هي القوة المالية والاقتصادية والعسكرية.

ولا غرابة أن يأمر الله عز وجل المسلمين موجّهًا قياداتهم بالإعداد المستمر للقوة لمواجهة الأعداء فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60]، وينطبق المعنى المعاصر على القوة الفكرية والاقتصادية والعسكرية.

توجّهنا نصوص الإسلام إلى التعامل مع الواقع بما يمكننا من التغلب عليه بناء على قيمه ومقاصده، فلم يغلب الإسلام جهة روحية على أخرى عمليّة، وإنما كان دين شعائر روحيّة وعباداتٍ عملية، وأمرنا بتغليب الحكمة في أحوالنا كلها، ولنا في رسولنا أسوة حسنة حينما استمر بدعوته سرا وهو يمكن الأركان الأساسية لدعوته ومن ثم بدأ بالدعوة جهرا بعد التمكين وتحقيق ما يستطيع من القوة المالية والبشرية، وهكذا كان شأنه كلّه في مختلف أحواله في المدينة، فكان يجهز للأمر ثم يمضي إليه.

 انظروا إلى موقف سيدنا عثمان بن عفان عندما جاء إلى النبي أثناء تجهيز جيش العسرة فقدم إليه ألف دينارٍ كانت في كُمِّه (فنثَرها في حِجرِه فكان النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُقلِّبُها في حِجرِه ويقولُ ما ضَرَّ عثمانُ ما عمل بعدَ اليومِ) [أخرجه الترمذي في السنن]

ألا يؤكد لك هذا أن جوهر الزهد ليس الفقد وإنما القدرة على الاستغناء عن المال في سبيل الله، فإن ذلك والله وسيلة ليس لها مثيل لدخول الجنة، فينفق على المسلمين ويرفع من شأنهم ويعلي هممهم.

إن الافتخار بهذا الدين العظيم حقٌ لكل مؤمن به، وليس ذلك لأننا ولدنا في بيئة مؤمنة به، ولا لأن آباءنا وأجدادنا كانوا من أهله، ولكن لأن دين الإسلام هو دين الحق، وحضارته حضارة الرحمة والعدل، فالاعتزاز بها اعتزاز بالإسلام، والاعتزاز بالإسلام اعتزاز بالعبودية الحقة لذي العِزّة والجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65]، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].

صراع العلم والدين .. بين الماضي والحاضر

تنتشر بين العامة شبهات حول تخاصُم النصوص الدينية مع حقائق العلم، وموقف الناس يتعدد بين منحاز للدين في معزل عن العلم، ومنحاز لطرف العلم متشكك في الدين، وبين موقف وسطي يسعى للتوفيق بين كليهما بما يتقبله العلم الحق والتفسير الموضوعي، إلا أن الموقف الذي يتبناه كل من له اطلاع على التاريخ الإسلامي هو موقف عدم فهم ذلك الفصل بين العلم والدين من الأساس، إذ إن العقلية الإسلامية لم تفصل بينهما يوما!

الإسلام والعلم

من المعلوم لجميع الناس أن أول أية نزلت من القرآن الكريم افتتحها الله بقوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] فلا عجب أن تكون الحضارة العلمية في الإسلام تختلف عن أي حضارة أخرى. فالإسلام يقر أن البحث والاطلاع والتزود من العلم على ضوء ما يرضي الله هو بوابة للدين في الأساس! وامتدح الله أهل العلم بقوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6] وعلى الرغم من كون الحضارة العلمية في الإسلام لم تكن أول حضارة –من حيث النشأة- تاريخيًّا، إلا أن سماتها وإنجازاتها جعلتها الحضارة الأولى في التاريخ بحق، وذلك من عدة جوانب:

أولا: كانت العلوم في شتى الحضارات حكرا على فئة قليلة من الناس يشار إليهم باسم معيّن كالفلاسفة أو الكهنة، ولم تُشَع قضيّة العلم لتشمل كل الناس بهذا الشكل إلا في الحضارة الإسلامية.

ثانيا: ظهرت في الحضارة الإسلامية -ما يمكن تسميته- بـ الفرق العلمية، وهو أن يجتمع كذا عالم في غير تخصص ليتعاونوا جميعا في مشروع علمي واحد، فكُلٌّ يستفيد من تخصص غيره عبر تبادل المعارف.

ثالثا: وصل الأمر بالمسلمين إلى إنفاق الأموال سواء من قبل الولاة والحكام أو حتى التجار وأصحاب المال، بهدف نشر العلم ونقله كما جرى مع إنشاء الأوقاف لدعم المعلمين وطلبة العلم وكذلك ما جرى من ترجمة كتب اليونان في علوم الطبيعة إلى اللغة العربية، حيث ابتدأت الترجمة في أواخر الدولة الأموية في بغداد، مما أدى إلى توفر ثورة معرفية في علوم الطبيعة بين يدي العامة.

رابعا: لم يقتصر دور المسلمين على استيراد العلوم، بل إن العلماء مثل ابن الهيثم، والبيروني، والكندي وغيرهم أضافوا على الكتب اليونانية عنصر التجربة العملية وأسسوا المنهج العلمي التجريبي لأول مرة في تاريخ البشرية.

خامسا: كان لكثرة حث القرآن الكريم للنظر في الطبيعة دافعا للتبحر وتأسيس الكثير من العلوم، وبما أن المكانة التي وضعها القرآن للإنسان كانت الخلافة، فمبدأ بناء الكون وإعماره هو معتقد إسلامي بحت، وكان هو الدافع الأكبر وراء معظم الاختراعات التي ساهم بها المسلمون في الحضارة البشرية!

ولعل هذا المرور الخاطف يوضح لنا موقف الدين الإسلامي من العلوم الطبيعية، موقف فيه تواؤُم وتجانس بين الدين والعلم، ولذا فإنه لم يعرَف في تاريخ الحضارة الإسلامية الفصل بينهما.

النهضة الأوروبية

بعد قرون طويلة من احتكار الكنيسة للمعارف والعلوم وشيوع الأمية والجهل في مرحلة ما يسمى بعصور الظلام، بدأ العقل الغربي في التحرك بدءا من القرن الحادي عشر. وانطلق يتحسس خطاه في العلوم الطبيعية من مصدرين اثنين. أولهما ترجمة الكتب اليونانية والكتب الإسلامية في العلوم إلى اللغة اللاتينية. أما الثاني فبالاحتكاك المباشر مع المسلمين في بلاد الأندلس والشام ومن هاجر إليهم من العلماء المسلمين.

وعلى مدار القرون تحول الغرب من مستورد للعلوم إلى مستقل بذاته عن طريق أخذ المنهج العلمي التجريبي عن المسلمين عن طريق (روجر بيكون) و(غاليو) و(فرانسيس بيكون) و(ديكارت). وبدأ العقل الغربي يقف أمام الطبيعة بين نصوص الكتاب المقدس المحرفة بالوثنيات والأساطير، وبين العلم الرصدي القائم على البحث والتجربة. فلا عجب أن تتعارض نصوص الدين مع ما وصل إليه العلم عندهم. ونشب عن ذلك التعارض علماء يدعون أن الدين هو إقحام فكرة الإله لسد الفجوات المعرفية، وأن الدين هو الرواية الخرافية عن الطبيعة، على العكس من العلم الذي يبنى على الأدلة والبراهين، ومن هنا بدأت المخاصمة بين العلم والدين.

ونتج عن التعارض بين الكتاب المقدس والعلم فرق شتى، لكل منهم موقف ما من هذا التعارض. فهناك من أقر أن الكتاب المقدس عصمته محدودة، ولا بأس أن يخطئ في حقائق العلم والتاريخ، وهناك من أقر أنه وحيٌ عن طريق الإلهام ولكنه غير معصوم. وظهر من قرر الإيمان بالإله المحض بعيدًا عن العقيدة المسيحية مثل نيوتن وآينشتاين، وظهر اللا أدريون مثل دارون. فبين المسيحية المحرفة والعلم، كان الصراع بين أساطير الأولين والحقيقة العلمية.

وقد انتهى الصراع بين العلم والدين في أوروبا بغلبة المنطق الوضعي أو العلموي ظاهريًّا، وبدأ عصر العقل عند الغرب وهو ما يسمى بعصر الأنوار، فالدين –المسيحي– عندهم هو سبب التخلف في العصور الوسطى، والتقدم الحضاري لن يحدث إلا إذا تمردوا عليه! وكما أن الغرب استوردوا من المسلمين المنهج التجريبي لتقام لهم ثورة معرفية، استوردوا من المسلمين مبدأ تسخير الكون القرآني، {وَسَخَّرَ لَكُم مَا في السَّماواتِ ومَا في الأَرضِ} [الجاثية: 13]

وبعد تَحوُّل العقلية المسيحية من النظرة الخرافية التي تفسر كل ظواهر الطبيعة على نحو متناقض إيمانيًّا وعقليًّا وعلميًّا، إلى النظرة العلمية التجريبية التي تسعى لتسخير المادة لمصلحة الإنسان، انطلق الغرب في بناء حضارته ماديا وتكنولوجيا. وللمرء أن يقول -بكل ثقة- إن حضارات غير المسلمين وقفت –باستفادتها من علوم المسلمين- على أكتاف النظرة القرآنية للوجود، ولولا وضع القرآن الإنسان في مكانته الصحيحة من هذا الكون لما قامت لأي حضارة من تقدم!

الإسلام والعلم في العصر الحديث

أثناء التقدم الغربي الذي وازى التأخر الإسلامي -بسبب عدة عوامل أخرى كضعف دولة الخلافة العثمانية- وما تبعه من غزو فكري وثقافي من الغرب العلماني، بدأت موجات تشكيك المسلمين في الدين بإعادة إحياء صراع العلم والدين الذي حدث في الغرب منذ قرون. ولأن كثيرًا من المسلمين يجهلون التاريخ المشرق للإسلام الذي طُمِس وأخفي، ظنت الأجيال الناشئة أن هذا التخلف وليد التعاليم الإسلامية، وما هذا إلا لسيطرة الغلبة الثقافية التي أسهمت في تهوين شأن الدين في نفوس المسلمين أمام المستعمر العاتي!

لعل الإنسان لو قرأ النصوص الإسلامية وهي تلح على طلب العلم – وخاصة العلوم الطبيعية – لاستبعد كل البعد أن تكون نبرة التحدي القرانية تلك مؤدية إلى الشك! ولعل القراءة في تاريخ المسلمين والأسباب الرئيسية وراء نهضتهم العلمية تدفع لاستهجان تلك الشبهة المتهافتة، وزيادة على ذلك، قد يستزيد المسلم بمعرفة منهجية التعامل بين الدين والعلم ليكون على بصيرة إثر وقوع تعارض في ظاهر الأمر، إذ إن القاعدة العامة تنص أن الحق لا يتعارض مع الحق، فلو حدث تعارضا في ظاهر الأمر فذلك يعود لتصادف الحقيقة العلمية مع خطأ في تفسير النص، أو مصادفة خرافة علمية لنص سليم الدلالة.

أما في التفريق بين الحقيقة العلمية والخرافة العلمية فيكون بمعرفة الخط الأحمر الفاصل بينهما، وهو الرصد والتجربة، فلو أخلفت لنا المعامل نظريات مثبتة بالتجارب والأبحاث المحايدة لكان بين أيدينا قولٌ علميٌّ لا يشوبه شك، ولو كنا نتعامل مع فرضيات لم تعرف طريق التجربة خرافات العلم الزائف pseudoscience أو افتراضات نظرية على أبعد تقدير.

أما عن النص الديني، فالأمر ليس بمثابة النص الإنجيلي في الكتاب المقدس الذي يقرأه كل إنسان بشكل شخصي ويفهمه كما يشاء. كلا، فلا يمكن للمسلم أن يتجاوز علم التفسير بكل ما فيه من منهجية وتعقيد ثم يقرأ النص ويفهمه في معزل عن القواعد التي توافق عليها العلماء على مر القرون السابقة.

والتفسير العلمي للنص الديني لا يتناقض مع سلف العلماء، بل يوسع تفسيراتهم! فلو كان العلماء يفسرون القرآن على ضوء المعاني اللغوية فإن التفسير العلمي يضيف بعدًا أعمق مستفادًا من مكتشفات العلوم، بشرط أن تكون علوما يقينة لا مجرد فرضيات في مرحلة الشك والتجربة.

وبين مواقف المسلمين من دعوى تعارض العلم والدين، يقرر المسيحي الغربي موقفه من الجدال، أما المسلم، فلا يفهم طبيعة الجدال أصلا، لأنه يتعارض مع المبادئ القرآنية حول صلة الإنسان بالعلوم الطبيعية، ولأنه غريب كل الغرابة على من يحوي تاريخه على قادة العلوم الطبيعية، ولم يفهموا فصل العلم عن الدين يوما!


مراجع للتوسع:

  • العلم وحقائقه بين سلامة القرآن الكريم وأخطاء التوراة والإنجيل، د.سامي عامري
  • ماذا قدم المسلمون للعالم، د. راغب السرجاني
  • الرسول، سعيد حوى

كتاب “فاتتني صلاة”.. ماذا فاتنا في قراءته؟

هو كتابٌ ذاع صيته وانتشر عند شريحةٍ كبيرة من القرّاء، ويندر أن تجد من ينشر عن مشكلةٍ له تتعلق بالصلاة، إلا وتجد من ينصحه بهذا الكتاب. ولفترةٍ طويلة قاومت هذه الموجة القرائيّة المتجهة نحو هذا الكتاب؛ فقد كان يغلب على ظنّي بأنه كتابٌ كغيره من تلك الكتب، التي تتصدّر الأعلى مبيعاً في الوطن العربي، وبمجرد مطالعتنا لها نجد أن هذا التصدر ما هو إلا نتيجة لسطحية المحتوى، وعزفه على وتر العاطفة لدى القرّاء وملامسته أحلامهم وحاجاتهم.

وبعد فترة انقطاع قرائيّة طويلة نسبيّاً بالنسبة لي، قررتُ دون كثيرٍ من التفكير سبر هذا الكتاب ومعرفة عامل الجذب الذي جعل تلك الشريحة الكبيرة من القراء تنجذب إليه -علّه يخالف توقّعاتي-، هذا العامل الذي جعل ما يزيد على الخمسين بالمئة من تقييمات الكِتاب على “Goodreads” تكون خمس نجوم، ولا تكاد ترى مراجعةً ناقدة له، وإنما ترى الثناء عليه يتلو الثناء.

لمحة عن الكاتب والكتاب

مؤلف الكتاب هو: إسلام جمال، وحسب ما هو مذكور في حسابه على goodreads فهو من مواليد الإسكندرية 1989، متحصّل على ماجستير في الهندسة البحرية.

أما الكتاب (الذي صدر عام 2018) فبحسب عنوانه الفرعي يحاول الإجابة عن سؤال: “لماذا يحافظ البعض على الصلاة.. بينما يتركها الكثير؟”، ليعدنا منذ البداية بقوله: “تعرّف على أسرار هؤلاء الذين قلّما فاتتهم صلاة”، وما إن نتّجه لفهرس الكتاب حتى نجده مقسّماً إلى خمسة عشر فصلاً، تتناول في بدايتها الأعذار التي نؤجّل من منطلقها الصلاة، ثم بعض المفاهيم التي يجب أن تصحَّح لدينا تجاه الصلاة لتساعدنا على أدائها، وبعض ما يشبه الخطوات العملية المساعدة في المداومة على الصلاة، ختاماً بالحديث عن الله سبحانه.

الكتاب بين الإيجابي والسلبي

يمكن الوقوف عند محتوى الكتاب في جملة من النقاط، كلغته وأفكاره وما فيه من مستوىً ضمنيٍّ يتعلّق بالمحتوى.

اللغة والأسلوب والنمط:

يمكن اعتبار اللغة التي كُتب بها الكتاب مناسبة للشريحة التي من المفترض أن الكاتب يتوجّه إليها -شريحة الشباب من غير المصلّين- حيثُ جاءت عباراته سهلة بسيطة دون ابتذال ظاهر، ولكن في المقابل فالكتاب -بالنسخة التي قرأتُها- مليء بالأخطاء الإملائية، والكاتب في أسلوبه وطريقة عرضه لا يختلف كثيراً عن الأسلوب والنمط المتبع في كتب التنمية البشرية (بل هو نفسه ينقل عنها الكثير من الاقتباسات)، ونلاحظ في الكتاب أسلوب الخطاب العاطفي بالدرجة الأولى إلى جانب النفعي المادي.

الأفكار الجيّدة في الكتاب:

شمل الكتاب عدداً من الأفكار النافعة، ولكنه في المجمل لم يأتِ بأي جديد ولم يقدم أي إضافة حتى، فمعظم ما ذكره يمكن إيجاده بسهولة في أي مرجع آخر يتحدث عن الصلاة وغالب الظن أننا سنجده مصاغاً بشكل أفضل بكثير… على أي حال لئلا أطيل؛ فهذه جملة الأفكار الجيدة التي أشار إليها الكاتب:

– الخروج من عالم “يوماً ما”: حيثُ عزا الكاتب كثيراً من أعذارنا في عدم الصلاة إلى عيشنا في عالم “يوماً ما” المتوهّم؛ فيوماً ما عندما تخف مسؤوليّاتي، عندما أجد في نفسي القدرة والرغبة، عندما تتهيأ الظروف، سأصلّي.. والخطوة الأولى نحو الصلاة هي في خروجنا من هذا العالم وأخذنا خطوات عملية مباشرة في إقدامنا نحو الصلاة من الآن.

– هم ليسوا استثناءً: قد يعتقد البعض أن المحافظين على صلاتهم قد منّ الله عليهم بقدرات خاصّة تجعلهم قادرين على أداء الصلاة بشكل مستمر بدون تعب، وأن هذه الميزات تنقصك فلذلك ليس بإمكانك أن تحافظ على صلاتك، وهذه من الأفكار المغلوطة، فالجميع بإمكانه أن يحافظ على صلاته بإذن الله.

– معرفة الله: عزا الكاتب الثقل الذي نشعر به في قيامنا للصلاة إلى عدم معرفتنا بالله كما ينبغي لهذه المعرفة أن تكون، وأنه بازدياد معرفتنا بالله وأسمائه وصفاته؛ فسنزداد شوقاً للصلاة وقدرةً عليها. وأشار إلى ضرورة المداومة على الذِّكر -ولو لخمس دقائق يومية- بقلب حاضر، وإلى الاستماع للمواعظ -ولو القصيرة منها- وإلى الاستماع إلى القرآن بتلاوة شيخٍ نرتاح لتلاوته.

– الصلاة ليست ثقلاً: نبّه الكاتب لأهمية تغيير عالم أفكارنا حول الصلاة، وزرع فكرة أن الصلاة راحة لنا وليست ثقلاً علينا نودّ أن نرتاح منه، ويمكننا هنا أن نلجأ إلى استعادة ذكرياتنا حول المرّات التي صلّينا فيها وشعرنا بالراحة والسكينة بعد الصلاة، وكذلك عدم فتح مجال المناقشة مع عقلك عند الإقدام على الصلاة إنما المباشرة فيها فوراً لئلّا يثبّطك عنها، وتكرار فكرة أن كل مشقة تمر بك في طريقك نحو المحافظة على صلاتك ستمر كما مرّت مشقّات سابقة.

– جعل القيام للصلاة عادة: وهنا يفرّق الكاتب بين جعل القيام عادة وجعل الصلاة عادة، فالثانية لا يجب أن تتحول لعادة والتي تستوجب غياب الحضور الذهني الكامل للإنسان. ولكل عادة منبه ومكافأة، وبكون الأذان منبهًا للقيام إلى الصلاة، فالشعور بالسكينة بعد أدائها هي المكافأة التي ستحفز لدى الإنسان الرغبة في تكرار هذا النشاط، هذه السكينة التي يُعَد الخُشوع في الصلاة سبيلاً إليها، هذا الخشوع الذي من الممكن تحصيله عن طريق الخشوع الظاهري للبدن؛ أي التروّي والبطء في حركات الصلاة والقراءة بتدبّر وتروّي فيها، والذي بدوره سينعكس على حالتك الداخلية.

– الحفاظ على صلاة السنن الرواتب: حيث بمحافظتك عليها فأنت تزيد من تحصيناتك ضد وساوس الشيطان والنفس، فلم تعد هجمات هذين الأخيرين تتوجّه نحو تثبيطك عن صلاة الفريضة مباشرةً.

– اجعل الصلاة مركزاً ليومك: رتّب يومك وأعمالك بحيث تدور حول أوقات الصلاة ولا تجعل صلواتك تدور حول أعمالك.

– حاسِب نفسك: بأن تنظر للأسباب التي تدعوك في الغالب للتفريط في الصلاة أو التقصير فيها واستعدّ لها مسبقاً.

– الصبر على الصلاة وعلى تحصيل ثمراتها، مع الانضباط الذاتي.

علامات استفهام!

– الدوافع للصلاة: لعلّ هذا الجانب هو أكثر جوانب الكتاب التي واجهتُ مشكلةً معها، حيثُ يعزّز الكاتب في طرحه من “ماديّة” دوافع الصلاة ومتعلّقاتها، فنراه يفرد الصفحات من الكتاب للحديث حول منافع الصلاة العائدة على البدن كما في قوله: “أثبتت دراسة تخصصية لحركات المسلمين (القيام – الركوع – السجود) على 188 شخص أن الحفاظ على أداء الصلاة يقلل من الإصابة بآلام أسفل الظهر (…) وأضافت الدراسة أن تكرار هذه الحركات لعدة مرات يومياً يصل بالأصحاء إلى ما يسمى طبّيًّا “اللياقة العالية”، ويساعد مرضى السمنة والسكر والضغط على الشفاء وتنظيم العمليات البيولوجية للجسم، ويفيد الكثير من عضلات الجسد”.[1] وغير هذه الأمثلة في الكتاب.

طرحٌ شبيه بهذا نجده في الحلقة العاشرة من خواطر 10، تحت عنوان: “أرحنا بها يا بلال” [2]، والتي سنجد فيها من بين التعليقات من يقول: إنه لم يكن يعلم هذه الفوائد الصحيّة للصلاة وبعدما علِمَها سيُصلّي! وهذا ليس مستغرباً في ظل انتشار النزعة المادية في عالمنا، حيثُ لم تعد الدوافع الدينية الأصيلة سبباً مقنعاً لكثير من المتأثّرين بهذه المادية من المسلمين، مما يجعل الكثير يتوجه لهم من بوابة المادية، وهذا ما أجده (في موضوع الصلاة تحديداً) يفرّغ هذه العبادة العظيمة من جوهرها في أنها صلة بين العبد الفقير وربه الغني سبحانه، ولا يجعل النية فيها خالصةً لله؛ وما فائدة أن أجتذب العبد للصلاة من أجل منافعها الصحية لا من حيثُ هي فرضٌ واجب فرضه عليه خالقه سبحانه؟ إلى جانب أن الدخول للصلاة من هذه البوابة المادية لا يجعلها تختلف عن الممارسات التأملية المنتشرة!

– المغالطات والتفسيرات العلمية المشوّهة: لعلّ من أبرز المغالطات التي سنراها ظاهرةً في الكتاب هي: مغالطة السلطة المجهولة: أي “استعمال الشخص مصدراً مجهولاً في حجته يستطيع عبره قول ما يشاء وإضافة ما يريد من أحكام ونتائج تخدم قضيته”. [3] فنجد الكاتب لا يتوقف عن سرد عبارات: أثبتت الدراسات… علم النفس يؤكد…، دون عزو معظم ما يُورده -على شاكلة الحقائق- إلى أي مصدر يمكن التأكد منه.

ولعل الأمر سيكون الأمر هيّناً لو توقّف عند هذا الحد، ولكننا نجد الكاتب يدخل بنا مجال العلوم الزائفة من بوابة هذه الدراسات والأبحاث، حيثُ يقول بعد سرده لإحدى التجارب: “لذلك كانت الحكمة أن يأمرنا الله تعالى بأن نغسل أطراف الجسد (نهايات الجسد) عند الوضوء حتى نزيل هذه الشحنات الكهربائية الضارة (…)فالغرض الأساسي هو تجديد الطاقة بإزالة الشحنات الكهربائية الضارة”. [4]

ليفاجئنا الكاتب بعبارته بعد هذا السرد للتفسير “العلمي” للوضوء بقوله: “آمل أن تكون نظرتك تجاه الوضوء قد تغيّرت، فالوضوء مصدر مهم وأساسي للطاقة”… نعم يجب أن تتغير نظرتك تجاه الوضوء من كونه شرطاً لصحة الصلاة وأنه بنص الحديث الصحيح: (إذا تَوضَّأَ الْعبْدُ الْمُسْلِم، أَو الْمُؤْمِنُ فغَسلَ وجْههُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خطِيئةٍ نظر إِلَيْهَا بعينهِ مَعَ الْماءِ، أوْ مَعَ آخِر قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غَسَل يديهِ خَرج مِنْ يديْهِ كُلُّ خَطِيْئَةٍ كانَ بطشتْهَا يداهُ مَعَ الْمَاءِ أَو مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غسلَ رِجليْهِ خَرجَتْ كُلُّ خَطِيْئَةٍ مشَتْها رِجْلاُه مَعَ الْماءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يخْرُج نقِياً مِنَ الذُّنُوبِ) [صحيح مسلم]، إلى كونه مصرفاً للشحنات الكهربائية الضارة، فهذا أدعى للعقل المادي النفعي أن يأخذ به!

ويتابع أمثلته في هذا المجال بقوله:

“توصل البروفيسور الألماني كنوت فايفر إلى تقنيات يمكنها رؤية الطاقة المنبعثة من الموجودات وخاصةً جسم الإنسان، وفي دراسة خاصة على صلاة المسلمين اكتشف أن المصلي بخشوع يحصل على قدر كبير من الطاقة الروحية بعد كل صلاة وذلك بتصوير انبعاث الطاقة منه قبل وبعد الصلاة”.  [5]

ومن مجال الطاقة الزائف “من هذا الباب” إلى التشويه في علم حقيقي حينما يقول: “وهناك حقيقة وهي أن نسبة الإصابة بسرطان الجلد قليلة في البلاد الإسلامية رغم ارتفاع درجة الحرارة في معظم هذه البلاد لأن الوضوء يزيل المواد الكيميائية الضارة الناتجة عن العرق قبل أن تتراكم وتتجمع على سطح الجلد”! [6] فمع هذه المعلومة التي يسردها لنا الكاتب على أنها حقيقة، لنا أن نسأل: من أقرّها حقيقة؟ هل سرطان الجلد يعود سببه لمواد ناتجة عن العرق؟! ببحثٍ بسيط فقط يمكنك التأكد من سذاجة هذا المقال وأن لا أساس علمي له على الإطلاق.

من أين جاءت تلك النّقولات؟

 وهنا جانبٌ مهم آخر في الكتاب يدفعنا لأن نضع علامة استفهام حوله، فإلى جانب استخدام الكاتب لمغالطة السلطة المجهولة، نجده يورد أقوالاً وقصصاً مأخوذة نصاً من أماكن أخرى دون الإشارة لذلك، ودون احترام الأمانة في النقل إنما نسبها لكلام الكاتب، ومن ذلك حديثه عن قصة هوبكنز مع معجون بيبسودنت في فصل دواء العادة وكذلك دراسة جامعة نيو مكسيكو على ممارسي الرياضة[8]، والذي سنجده منقولاً نصّاً عن كتاب قوة العادات للكاتب تشارلز دويج، إلى جانب مقولة: “إن عبادةً فُرضت في السماء بغير واسطة الملائكة لجديرة بالارتقاء صعداً بعشاقها إلى مقامات السماء” والمأخوذة دون إشارة من كتب فريد الأنصاري رحمه الله. [9]

وحينما تحدث عن كتاب “Think & grow rich” لنابليون هيل، ذكر استشهاده بقصة الرسول -عليه الصلاة والسلام- في فصل المثابرة وأنه لم يكن يستخدم المعجزات كأداة لنشر رسالته، مغفلاً بدايةً بإقراره لهذا الكلام دون نقد أن القرآن الكريم هو معجزة الرسول -عليه الصلاة والسلام- المستمرة، وثانياً أن القصة التي أوردها نابليون هيل في استشهاده بالرسول كانت مكتوبةً كمراجعة من شخص آخر يدعى “Thomas Sugrue” وأشار لذلك هيل في كتابه [10]. والعجيب ليس استشهاد نابليون هيل بالرسول -صلوات الله عليه- كما قال الكاتب؛ إنما بجعله هو لشهادة نابليون هذه ذات قيمة في كتاب حول الصلاة!

على سبيل الاختتام

ختاماً، بعد قراءتي للكتاب لم أعد أستغرب حملة الإشادة الكبيرة به من عموم القرّاء، فهذا المحتوى الذي يدمج ما بين الدين الخفيف والتنمية البشرية والمادية هو المُفضل لدى شريحة كبيرة من الناس. وعادةً لا أحبّذ الاستغناء بملخصات الكتب عن قراءة الكتب بذاتها، ولكن مع هذا الكتاب أرشّح الاستغناء بملخص عن قراءته والتعرض بشكل مطوّل لطريقته في تناول الصلاة. وما غطّيته في مراجعتي هذه قد يكون مما فاته لمن قرأ الكتاب قراءةً غير واعية واستسلم لكل ما يقرؤه، ومن هنا وجب التنبيه لأهمية القراءة الواعية الناقدة لما نقرأ لئلّا نكون فريسةً سهلة للأفكار غير المتّزنة، المشوّهة، والمكذوبة!


الإحالات:

[1] فاتتني صلاة، إسلام جمال، ص 167 طبعة مؤسسة زحمة كُتّاب للثقافة والنشر – 2018

[2] خواطر 10 لأحمد الشقيري، الحلقة العاشرة: أرحنا بها يا بلال، الرابط: https://youtu.be/T4s1j6H3rz8

[3] رجل القش، يوسف صامت بوحايك، ص 105 طبعة دار شفق – 2018

[4] المصدر الأول، ص 162

[5] المصدر الأول، ص 172

[6] المصدر الأول، ص 160

[7] المصدر الأول، ص 32

[8] المصدر الأول، ص 76 وما تلاها

[9] الدين هو الصلاة، فريد الأنصاري، ص ،26 طبعة دار السلام – 2010

[10] Think & Grow Rich by Napoleon Hill, page 190-192 Published by Mind Power Books – 2006