image_print

الفردوس الأرضي

قد يمتلك الإنسان الكثير من النِعَم؛ الوظيفة الجيّدة، والحياة الغنية المرفهة، فينظر إليه الناس ظانّين بأنّه قد امتلك السعادة كلها، كما جرى على لسان قوم قارون حينما قالوا: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: ٧٩] وهكذا يبدأون في السعي بحثاً عن هذه السعادة المزعومة، وربما حصروها في مالٍ، أو ولد، أو غنىً فاحش، أو أهداف دنيوية يجعلون فيها الدنيا غايةً لا وسيلة أو طريقاً إلى الآخرة.

وحينما يبدأ الإنسان السيرَ في هذه الطريق، يظنُ بأنّ لها نهايةً ما ونقطة تنتهي عندها الحكاية فيحصل على سعادة إلى آخر يومٍ في حياته، وهنا تحديداً وبعد أن يمتلك ما أراد، يدرك بأنّه لا سعادة مطلقة في الدنيا؛ فتلك التي رأت أنَّ أقصى أحلامها ومنتهى سعادتها هو الولد، ستدرك بأنّ هذه اللذة مصحوبةٌ بألم الفقد أو الخوف منه، فتروادها الأفكار المنغصة مراراً، كذا الغِنى والجاه؛ فتجد الحاكم لا يشبع، وصاحب الشهرة لا يتوقف عن طلبها مهما بلغت شُهرته، وكذا من أحبَّ امرأةً فاجتمع بها، علمَ بعد تراخي حبال الشهوة أنّها لم تمنحه جنةّ على الأرض كما كان يظن .

“وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ”
ليتَ الناس يدركون ما تحمله هذه الكلمة، يُدركون حقيقتها ويعملون بها، فيضعون نُصب أعينهم الجنة والنار ويتوقفون عن البحث عن هذا الفردوس المزعوم، فالسعادة قد يمتلكها فاقد البصر إن أدركَ أنّه وفّر على نفسه إثماً كبيراً مما جمعه المبصرون وأنّه موعودٌ بالجنة بفقدهما، وتلك التي تنظر للشاشة متمنيّةً حياة إحدى المشاهير ستُدركُ بأنّهُم متعبون من ركضهم المستمر خلف أزرار اللايك، وبأنّهم يرتدونَ أقنعةً ليستمروا في هذا العالم الوهمي.

وقد يمتلك السعادة الفقير حينما يدرك بأنّه لن يُسأل عن ماله، والمريضُ مهما بلغَ اشتدادُ ألمه إن قرأ “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ” [صحيح البخاري: ٥٦٤١]،.

(مع عدم نفي تحصيل الأسباب، لكن محاولة تحصيل الرِضا واعتبار حقيقة الدنيا والآخرة)، هنا سيتوقف الناس عن البحث عن النواقص التي في حياتهم، سيبصرون ما بين أيديهم كافّين أعينهم عمّا في أيدي الناس، مطمئنين كعابرِ سبيلٍ يدرك بأنّه سيحين وقت السفر قريباً.

عِش يَومَك
يقولون” البعض يقضي حياته بانتظار أن يبدأها” يتجاوزون مراحل حياتهم واحدةً تلو الأخرى دون أن يشعروا بها، متأملين أنّ ما بعدها أجمل، طامعين في الحصول على لذةٍ وراحةٍ دون توقُّف، لكن من سُنّة الله في خَلقه أنّهُ خلق أجسادنا دنيويةً تحتمل اللذات إلى حدٍّ ما ثمّ تنقلب هذه اللذات إلى أسقام وهموم وربما أمراض قلوب؛ فجمعُ المال دون توقف يؤدي للسرف أو البخل، والركض المستمر خلف الشهرة قد يُصيبه بالكِبَر أو ربما يرى نفسه محورَ الكون، وإدمان المشاهد والعلاقات المُحرّمة قد يوصله لاشتهاء ما ينافي الفطرة السويّة فيميلُ إلى أبناء جِنسه {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف ٨٢] يأتي هنا الدين ليضع حدًّا، ويُذكرّك بأنّك في دار البلاء، لتأخذ من هذه اللذّات بقدر حاجتك، يأمرك بأن تعيش يوماً بيوم، وألّا تكون حريصاً على الدنيا” من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة”. [الصحيح المسند للوادعي ٣٥٨]، وأن تجعلها في يدك لا في قلبك مهما امتلكت منها.

لا تذهَل عن السعادة الصغيرة اليوميّة، عن لذّة الطعام في فمك، عن استشعارِ جلدكَ للهواء، عن أهلِك، وعن جرحٍ صغير أصاب يدك فرممه الله لك خلال أيام دون أن تشعر، عن قلبك الذي يضخ الدم وعن أعضائك التي تعمل بنظامٍ دقيق، عن نملةٍ تحملُ فوقَها ما يفوقُ وزنها بأضعاف ، جرّب دهشة الأطفال بهذه التفاصيل، فالتفكُر إنَّما أُمِرَ به لتأخُذَ شيئاً من نعيم الآخرة، لأنّ النِعمَ تَدُلُ على المُنعِم، ولأننا لا نُدركُ ذاتَ الله وإنّما نُدركُ آياته، فتوقفَ قليلاً من ركضك خلف السعادة المزعومة وعِش سعادةً صغيرةً يوماً بيوم، فـ “ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها”[من شعر طانيوس عبده]، والحلقة الأخيرة لا تكون إلا بعد الحِساب.

يقول الدكتور عبد الكريم بكّار في محاضرة [الحياة الطيبة]: “إنَّكَ لو تأملتَ في حياةِ مُعظمِ الناس لَوجدتَ أنَّ القِسمَ الأوّل من الحياة ينقضي في اشتهاء القسم الثاني، وما يُخبّئُ هذا القسم الثاني من مفاجآتٍ سارّة، أمّا القسم الثاني فَإنّهُ يَنقضي في التَأسُّفِ على القسمِ الأوّل كما يتأسّفُ الشيوخُ على الشباب

ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً       لأُخبرهُ بما فعل المشيبُ

كيفَ السبيلُ إلى السعادةِ والرِضا وأنا لم أبلغ شيئاً إلا تطلّعتُ إلى شيءٍ آخرَ أبعدَ منهُ منالاً، ولم أُحقِق أملاً لنفسي أو للناس إلا اندفعت إلى أملٍ هو أشقُّ منه وأصعبَ تحقيقا، فإذا كان الأمل الذي لا حدَّ له، والعمل الذي لا راحة منه ، إذا كانَ هذا في نظركُم سعادة، فأنا السعيدُ الموفور الحظ ما في ذلك شك، أمّا إذا كانت السعادة هي الرضا الذي لا يشوبه سُخط والراحة التي لا يشوبها تعب والنعيمَ الذي لا يَعرضُ له بؤس، فإنّي لم أذُق هذه السعادةَ بعد، وما أرى أنّي سأذوقُها إلّا أن يأذنَ الله لي في ما بعد هذه الحياة بشيءٍ منها.

{فمن زُحزحَ عن النّارِ وأُدخِلَ الجنّةَ فقد فاز وما الحياةُ الدُنيا إلّا متاعُ الغُرور}[آل عمران: ١٨٥].

فـكُلُّ مافي الدنيا”محنةٌ ومنحة وألمٌ وأمل وصبرٌ وشُكر”.

و أخيراً، يقول صلى الله عليه وسلّم:”لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب”[رواه أحمد والشيخان]. 

هل يتطور الدين؟

لم تكن نظرية التطور مجرد نظرية للتفسير البيولوجي، بل سرعان ما حُمِّلت بحمولات رشحتها لتفسير كثير من مظاهر الحياة غير البيولوجية، ولذلك شاع هذا السؤال عند العديد من دارسي تاريخ الأديان الغربيين، أيهما هو الأصل الشرك أم التوحيد؟

وتكاد تتفق إجاباتهم على أن الشرك هو الأصل وأن التوحيد شكل متطور في حياة البشر، فالأديان مرت بأطوار من التطور من أشكال سحرية وأرواحية بدائية إلى مفاضلة بين الآلهة إلى إلهين ثم انتهى الأمر بالتوحيد، فما هو رأي علماء المسلمين بهذا التفسير؟ وما هو التطور الذي يمكن أن يصيب الدين؟ وما هو الأصل في الأديان كما يرون أهو التوحيد أم الشرك؟

يميز علماء المسلمين بين مفهومين من مفاهيم التطور:

المفهوم الأول: هو ما يكون منشأ الدين فيه من الله عبر وحي إلى نبي، وفي هذا الحال لا دور للإنسان إلا التلقي والتفاعل مع هذه الأوامر الصادرة عن الوحي، لكن مسيرة أتباع هذا الدين قد تنتكس، فيضيفون إلى الدين ما ليس منه، حتى يصل إلى صورة مختلفة عن الصورة الأولى التي جاء بها الرسول، وهو ما يسميه علماء المسلمين بـ (التحريف)، حيث يؤكد ابن حزم إيمان المسلمين بنزول التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى، والصحف على إبراهيم وموسى، وأن الله أنزل كتباً لم يسمها لنا على أنبياء لم يسمَّوا لنا، لكن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضه حجة عليهم، وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم[1].

ويتحدث محمد كمال جعفر عن مصدرية الدين فيقول: “هناك نظريتان في المصدر، الأولى: تثبت بدء الأديان بشكل واضح تنسبها إلى الله، معتمدة على قصة الخلق والهدف الأسمى منه، وهي من آثار الوحي، لذلك كانت فكرة التوحيد هي الدرس الأول الذي تلقته البشرية، غير أن الإنسان في تاريخه الطويل جرفه تيار الحياة واستهواه الانحراف، وما تتابع الديانات السماوية إلا محاولات متكررة لتصحيح التشويه الذي لحق بهذه الفطرة النقية والتعاليم السليمة”[2].

ويعتبر محمد خليفة حسن أن اليهودية مثال لهذا النوع من التطور، حيث كان للعوامل التاريخية دور كبير في صياغة هذه الديانة[3]، ويتحدث عن الكثير من العقائد والشرائع التي اقحمت فيها مع الزمن.

فالتطور بهذا المعنى كان بتحريف نصوص الأديان الأصلية من خلال الحذف والإضافة والتبديل، وربما كان ذلك راجعاً إلى سدنة الدين نفسه كما يرى محمد كمال جعفر، وهم الذين يقومون على حراسة الدين، فقد زين لكثير منهم أن يضيفوا أو يحذفوا ما رأوه يحقق لهم غاية أو ينجز لهم مأرباً، أو يرفع عنهم طائلة وملاما[4]

والواقع أن الإسلام نبَّه لهذا التطور الذي أصاب الديانات الأخرى، وحذَّر منه، وسماه “البدعة” وحاربها أشد محاربة، ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب، قالوا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا فكان مما قاله: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة”[5].

ويلخص القرضاوي موقف الإسلام من التطور فيقول: إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، فالدين توقيف من الله يجب أن يبقى مصوناً منزهاً عن عبث العابثين وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أما مجال الابتداع الحقيقي، فهو الدنيا وشؤونها، وما أوسعها وما أكثر ما تحتاج إليه من طاقات الافتنان والابتكار، فتاريخ المسلمين وأدواتهم وتجاربهم متطورة، بينما عقائدهم وشرائعهم ونصوصهم المقدسة هي هي لم يطلها أي تطور أو تغيير، فقد اكتمل الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وثُبِّت هذا الاكتمال في القرآن الكريم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا} [المائدة:3][6].

وبناء على ما مر تكون بداية الدين راقية، ونهايته -بعد التطور- متخلفة، وهو عكس ما عليه أصحاب نظرية التطور الذين يرون أن اللاحق أرقى من السابق، وفي هذا يقول محمد كمال جعفر: “إن الأنماط الدينية المنحطة والتي تتضمن الخرافات والخزعبلات وظواهر السحر وما إلى ذلك، إن هي إلا انتكاسات في تاريخ البشرية، ولا تمثل بحال نقطة البدء”[7].

إلا أن الملاحظ المتأني لواقع الأديان السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، يجد أن هنالك تقدماً تدريجياً في شرائعها، فهل يعتبر هذا من التطور؟، أي هل كانت المسيحية متطورة أكثر من اليهودية، وهل يعتبر الإسلام صورتها النهائية في التطور؟ يجيب على ذلك الشيخ دراز بقوله: “إن الناظر في الأديان السماوية الثلاث يلاحظ تطوراً فعلياً وتقدماً تدريجياً محققاً، في حقيقتها التنزيلية من حيث طبيعة دعوتها ومناهج تشريعها… لكن هذا ليس تطوراً من الخطأ إلى الصواب، كما تريد أن تصوره المذاهب التطورية للأديان، وإنما هو تدرج تصاعدي في مراتب الوفاء والشمول والكمال[8]

المفهوم الثاني: هو التطور الذي يعني به أصحابه أن بداية الدين نشأت من داخل الإنسان لدواع طبيعية أو روحية او سحرية وما شابه ذلك، وأنها تدرجت في تطورها من الدون إلى العلو، بمعنى أن نهاية الدين خير من بدايته وأفضل، ويلخص محمد كمال جعفر نظرة هذا الفريق بقوله «يرى هذا الفريق من الباحثين في الدين نوعاً من الابتكار والاختراع الإنساني ناله التطور المتدرج عبر العصور، حيث قد بدأ في نظرهم ساذجاً متدنياً في أحط صورة يمكن أن ترصدها عين الباحث، ثم أخذ في النمو والتطور والتعقد والسمو حتى وصل إلى مرتبة ما يسمى بالديانات الكبرى أو الدين العظيم، وهؤلاء لا يؤمنون بما يسمى الوحي، ولا يعتقدون بوجود مصدر للدين خارج الإنسان»[9].

ويرى محمد خليفة حسن أن نظرية التطور التي ترى أن التعدد هو أصل التدين، وأن الفكر المرتبط بالألوهية فكر متأخر بتاريخ البشرية، أنها النظرية خاطئة من وجهة النظر الإسلامية التي تبدأ بالتوحيد، وتعتبر الوثنية والتعدد والشرك خروجاً على خط التوحيد[10]

ويؤكد الشهرستاني أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، ويذكر أن الله تعالى خص آدم بالأسماء؛ وخص نوحاً بمعاني تلك الأسماء؛ وخص إبراهيم بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل؛ وخص عيسى بالتأويل؛ وخص المصطفى -صلوات الله عليهم أجمعين- بالجمع بينهما: على ملة أبيكم إبراهيم[11]، وفي هذا تأكيد أن الدين من الله.

ويرفض محمد كمال جعفر اعتبار الإنسان البدائي منحط التفكير كما تصوره هذه النظرية، فيقول: “إن سذاجة الفكر أو بدائية الحضارة ليست دليلاً على انحطاط الدين أو بدائيته، فقد نجد حضارة مادية وفكرية ممتازة مع عقيدة دينية ساذجة تعبد الأصنام والآلهة التي تتمتع بصفات البشر”[12].

ويمثِّل بتبدل الحضارات بين الشعوب كدليل على خطأ هذه النظرية، بقوله: “هنالك أمم كانت لها حضارات باهرة رائدة في القديم، فهل تعتبر حالتها الراهنة نقطة البدء لها، وهنالك أمم لم يكن لها شأن يذكر في الحضارة لكنها اليوم تتربع على عرش الحضارة والنفوذ، فأين أمة اليونان من حضارتها القديمة التي غزت الدينا”[13].

على أن محمد كمال جعفر يرى إمكانية “الانتفاع بآراء دارسي الأديان في معرفة أصول الديانات الوثنية على ألاَّ تعتبر هذه الأصول ممثلة للبدء الديني للبشرية”[14].

ولقد تناول دراز نظريات نشوء الدين المستخدمة في الغرب في البحث الرابع من كتابه الدين، ورد عليها، ومن الملاحظات التي يذكرها: “إن الرشد والضلال في الفكرة الدينية ليستا ظاهرتين متعاقبتين، بل هما متعاصرتان، موزعتان في كل أمة وجيل، تبعاً لاختلاف الأفراد في درجات استقامة الحدس العقلي، ونبل الحس الباطني، فلا يخلو جيل من نفوس صافية تدرك الحقيقة نقية من شوائب الخرافة، وأخرى دون ذلك”[15] .

والحقيقة أن الفرق بين الإنسان المتحضر والإنسان القديم، يكمن في شيئين: أولهما تطور أساليب الحياة المادية، فمن الكهوف والمغارات إلى البيوت البسيطة إلى العمارات الشاهقة، وتطور في الأدوات كوسائل المواصلات مثلاً، وثانيهما: إن تفاوت المعارف التي حصل عليها ابن القرن العشرين وآخر عاش قبل الميلاد حيث إن زيادة كمية المعلومات نتيجة للتجارب البشرية، وأما أصل العقل فلا فرق بينهما، ولو حصل أن شقيقين أحدهما وصل إلى درجة مرموقة من التعلم والاحتكاك بالمجتمع، والآخر ظل ضمن بيئته ولم يلتحق بالمدرسة، لمثل الأول منهما “شباب الجنس البشري”، والآخر “صباه” أو “طفولته” –بحسب أصحاب نظرية التطور- والحقيقة أن القوة الكامنة في داخلهما متساوية[16].

وخلاصة الأمر أن علماء المسلمين لا يقبلون القول بتطور الأديان كما يقرره دعاة التطور، وإنما التطور الذي يرونه هو “التحريف” الذي ينبغي التخلص منه والعودة إلى أصل الدين كما جاء به صاحب الرسالة في ذلك الدين.


الهوامش

[1] ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل. تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة. بيروت: دار الجيل. الجزء الأول، ص314

[2] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان دراسة مقارنة. الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985م. ص87

[3] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. دار الثقافة العربية: 2002 ص178

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص43

[5] أحمد بن حنبل، المسند. تحقيق شعيب الأرناؤوط، القاهرة: مؤسسة قرطبة، الجزء 4، ص 126، رقم الحديث: 17184، تعليق المحقق: حديث صحيح ورجاله ثقات.

[6] يوسف القرضاوي، البدعة في الدين. القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 2013م، ص9

[7] محمد كمال جعفر، في الدين المقارن. دار الكتب الجامعية 1970، ص 43

[8] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، الكويت دار القلم ص 112

[9] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص163

[10] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. مصدر سابق، ص13

[11] محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل. صححه وعلق عليه: أحمد فهمي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1992م. الجزء الأول، ص35

[12] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص89

[13] المصدر السابق نفسه، ص167

[14] المصدر السابق نفسه، ص92

[15] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، مرجع سابق، ص112

[16] محمد شامة، الرسالات السماوية بين التطور والتجديد، مقال منشور ضمن مجلة جامعة قطر، العدد التاسع، سنة 1991م ص307

منهج الدعوة وأخلاق الداعية

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

إن الدعوة من أول ما أمر به الله -عز وجل- رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الدعوة فريضة على المسلمين؛ نزل القرآن مبينًا منهجها وآدابها، وهو ما أحاول استنباطه من آيات القرآن الكريم في هذا المقال.

البدء بشرح العقيدة
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]

لم يبعث الله رسولًا إلا وبدأ بالتوحيد، وقد قص الله تعالى عن نوح وهود وصالح وغيرهم أن كلًا منهم جاء قومه فقال {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59-65 وغيرها]، فعلى الدعاة إلى الله أن يبدؤوا بالأهم فالمهم، فطوال فترة حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثلاث عشرة سنة بمكة بعد البعثة لم تنزل في القرآن أحكام من صيام أو زكاة أو تحريم خمر إلا أن الصلاة فرضت في السنة العاشرة للبعثة، إنما نزلت الأحكام في المدينة بعدما هاجر الرسول وقوي الإسلام.

الإقناع العقلي والدعوة للتدبر والتفكر
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]
قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ} يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب: {سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ} الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداءً، فلم يتعذّر عليه إحداثها مُبدئًا، فكذلك لا يتعذّر عليه إنشاءها معيدًا {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} يقول: ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء.[1]

إن الإسلام -بخلاف الأديان الباطلة- يدعو إلى التأمل والتدبر، فالعلم حجة للإسلام لا عليه، والقرآن يستعمل العلم حجة على صحة الإسلام، فمن منهج الدعوة التذكير بنعمة العقل الذي يميز الإنسان عن غيره، والتذكير بقبح عدم استخدام هذا العقل في معرفة الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]

ونرى خطاب إبراهيم العقلي لقومه، قال الله تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [سورة الشعراء: 72-73]

اللين والرحمة في الدعوة
قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل : 125]

هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة.[2]

على الداعية أن يكون لينًا رفيقًا في دعوته؛ حتى يستميل قلوب من يدعوهم، وألا يكون فظًا ينفر الناس منه كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران : 158].

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد في موقف الرسول مع من فر من المسلمين يوم أحد، وتبرز أهمية اللين والعفو عن الزلات وإظهار الحب للمدعويين، وأهمية اجتناب الفظاظة والغلظة، فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك “لنت لهم”، لأتبَّاعك وأصحابك، فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم.[3]

العدل والثبات على المبادئ
إن العدل من أهم صفات الدعاة، ونرى قول الله على لسان نوح – عليه السلام – لقومه لما طلبوا منه طرد الفقراء الذين آمنوا من قومه {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود : 29]، وكان نوح قال ذلك لقومه، لأن قومه قالوا له كما حدثنا عن ابن جريج، قوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم)، قال: قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. فقال: {ما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم}، فيسألهم عن أعمالهم.[4]

فنرى كيف لم تغرِ نوحًا -عليه السلام- عروض كفار قومه، ونرى ثباته على الحق والعدل ورفض ظلم الضعفاء المؤمنين، فعلى الداعي إلى الله ألا يقدم التنازلات على حساب الحق والعدل، ولو حسب أن ذلك سينفعه.

الصبر على الدعوة
الصبر صفة الأنبياء وصفة أولي العزم من الرسل، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ } [الأحقاف : 35]، والداعية سيواجه كثيرًا من التحديات والصعوبات أثاء دعوته؛ فعليه أن يصبرعلى ذلك؛ فالصبر صفة ملازمة للدعوة لا تتم بدونها، ونرى قول الله تعالى على لسان لقمان وهو ينصح ابنه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان:17]، وقد أقرن لقمان الصبر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يدل على ارتباطهما الوثيق، وقد قال الله أيضًا في خاتمة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]

وقد ذكر الله تعالى في القرآن قصة نوح -عليه السلام- وقد مكث في قومه خمسين وتسعمائة سنة لم يمل من دعوة قومه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت : 14]، ولم ييئس منهم حتى نزل عليه الوحي، قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود : 36]

وفي تفسير الآية من سورة العنكبوت يقول ابن كثير: هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل، فأنت – يا محمد – لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور.[5]

إخلاص النية وعدم طلب الأجر
كلما جاء نبي قومه قال لهم {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء : 109،127،145،164،180]، فمن يدعو إلى الله لا ينتظر أجرًا، فالمقصد والمبتغى من الدعوة يجب أن يكون رضا الله.

وقد حذر الله من الرياء إذ قال {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]، وكان الرياء من شيم الكفار،وقد قيل في تفسيرالآية: هذا تقدُّمٌ من الله – جل ثناؤه – إلى المؤمنين به وبرسوله، ألا يعملوا عملًا إلا لله خاصة، وطلب ما عنده، لا رئاء الناس، كما فعل القوم من المشركين في مسيرهم إلى بدر طلبَ رئاء الناس.[6]

القدوة الصالحة
على الداعي أن يكون قدوة صالحة لمن يدعوهم؛ قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وكما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

                   لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه         عارٌ عليك إذا فعلت عظيم[7]

وقد قال شعيب -عليه السلام- لقومه {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.[8]

التوكل على الله
وأختم المقال بالتوكل على الله؛ وهو خلق بدونه لا يوفق الداعية أبدًا، وقد تكرر التوكل كثيرًا في العديد من الآيات، منها قول الله تعالى على لسان إبراهيم – عليه السلام -: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]

وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]

 وتفسير الآية: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك {فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي: وقتًا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.[9]


الهوامش

[1]  تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura29-aya20.html

[2] تفسير القرطبي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura16-aya125.html#qortobi

[3] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura3-aya159.html

[4] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya29.html

[5] تفسير ابن كثير http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura29-aya14.html

[6] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura8-aya47.html

[7] الديوان » العصر الاموي » أبو الأسود الدؤلي » حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه https://www.aldiwan.net/poem50221.html

[8] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya88.html

[9] تفسير السعدي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/saadi/sura65-aya3.html#saadi

مفاتيح القلوب من القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، يبقى موضوع العقيدة موضوعا محوريا ليس فقط في الدين الإسلامي، بل في جميع مناحي الحياة، فالمرء بطبعه يحتاج حججا -بغض النظر عن صحتها- يستعملها لتبرير اعتناقه فكرة ما. وفي سبيل ذلك يوظف أساليب متعددة ويعتمد مناهج مختلفة سواء في التعرف عليها، أو اعتناقها، أو الدفاع عنها والدعوة لها.

ومادة الدعوة إلى الله ليست بالبعيدة عن هذا النسق الاستدلالي، فهي أيضا تعطي للإنسان أدلة  على ما تدعو له، وهو عبادة الله وحده، وعدم إشراك أحد أو أي شيء في عبادته، مستندة على مصادر كثيرة واستنباطات منطقية وشهادات تاريخية وغيرها من أمثلة الحجج، مخاطبة في ذلك عقله وقلبه على حد سواء. قال الله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف، الآية 108]. وفي هذا المقال، سنتفرغ لطرح بعض من أساليب الدعوة إلى الله من القرآن الكريم وتبيان المنهج المعتمد في ذلك.

بادئ ذي بدء، تجب الإشارة إلى أن هذا الموضوع كغيره من اشتقاقات النقاش، يرتكز على ثلاث عناصر أساسية:

أولها هو الجهة المرسلة، ما يعني في هذه الحالة الأنبياء والرسل أو من يخلفهم من الوعاظ والدعاة إلى طريق الله. وهذا يستدعي منهم حكمة وعلو خلق، تأسيا في ذاك بالرسول صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم، الآية 4]، وقال أيضا: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام، الآية 48].

ثانيها: الجهة المستقبلة، أي كل من حاد عن طريق الله، من الشرائع المحرفة كاليهودية والنصرانية، ومن الاعتقادات المبطلة لبعض الدين الإسلامي أو كله كاللاأدرية والإلحاد. وتحتاج هذه الفئة تحضيرا من قبل الجهة المرسلة لتلقي الرسالة لما قد يطالهم من جهل وجحود أو كبر أو غيرها من معوقات التواصل السليم، كما أنه يجب عليهم الإذعان للحق حين معرفته. قال تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ، الآية 24].

ثالثها: الرسالة أو مضمون النقاش، فهي يجب أن تكون مفهومة، سهلة الاستيعاب، خالية من المغالطات المنطقية، متماشية مع السياق الزمكاني الذي تتواجد به، ومن أمثلة ذلك كون المعجزات تأتي من جنس ما تداوله الناس واحترفوه، فتغير العادة وتعجز المعاندين الجاحدين. ولنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون والسحرة خير دليل على هذا وكيف برهن على صدقه فيما يحكي عن ربه بأن ابتلعت حيته المعجزة ما جاءوا به من سحر، فأذعنوا لله رغم ما طالهم من التعذيب فيما بعد لعلمهم التام بخرق ما جاء به النبيء لعادتهم. فقال الله عز وجل: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ. (48)} [الشعراء، الآيات 30-48].

وحتى يتسنى للمرسل إيصال دعوته للمرسل إليه على الوجه الذي يصح، سطر القرآن منهجا واضحا لذلك يتبع قاعدة رئيسة، وهي عمل ما يتوجبه الوقت، وذلك بأن يحترم ما يحيط به من سياق زماني ومكاني، عرفي وتاريخي، وهذا ما يتم تفصيله في القرآن بإيجاز، فهو يراعي الحالة العامة التي تربط بين طرفي النقاش، فيفصل بين معاملة المسالمين من الجاحدين وبين معاملة المقاتلين والمعترضين منهم. يقول الله سبحانه وتعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)  إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)} [الممتحنة، الآيتان 8-9]. كما أنه أكد على اختيار الطريقة الأصوب في النقاش والبحث عن إيصال الرسالة على أحسن وجه ممكن. وفي هذا الصدد، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل، الآية 125]. ويعقب الغزالي على هذه الآية، فيقول: “إنَّ المدعوَّ إلى الله تعالى بالحِكمة قومٌ، وبالموعظة قومٌ، وبالمجادلة قومٌ؛ فإنَّ الحكمة إن غُذِّي بها أهلُ الموعظة أضرَّت بهم كما تضرُّ بالطِّفل الرضيع التغذيةُ بلحم الطَّير، وإنَّ المجادلة إنِ استُعملتْ مع أهل الحكمة اشمأزُّوا منها كما يشمئزُّ طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي.” [1]

وعلى العموم، يتماشى القرآن والواقع، وكمثال على ذلك، نذكر الفرق بين الخطاب القرآني في الفترة السرية وفي الفترة الجهرية من الدعوة في مكة، وبين مرحلة الضعف ومرحلة القوة. ولكن هذا لا يكفي لإيصال الرسالة، فما تم ذكره سلفا هو نظري، ويحتاج إلى ما هو عملي لزيادة فعاليتها ووقعها على المتلقي. وهذا ما يتطلب التعرف على أساليب الدعوة، وتوظيف أصلها للمكان والزمان الواقعين.

ونجد أن القرآن يتأرجح بين الترغيب والترهيب، وبين الماضي والحاضر والمستقبل، فهو مرة يخاطب العقل، ومرة يخاطب القلب، ومرات يخاطبهما معا. وهذا ما يفهم من سرد قصص الأقوام التي خلت، والتهويل من ما طالهم من عذاب. قال عز وجل: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء، الآية 59]. ولكنه لا يقتصر على قصص العذاب، بل يطرح قصة يونس عليه السلام، كمثال على أقوام آمنوا فأكرمهم الله بذلك في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس، الآية 98]. وهذا حتى ينبئ المحاوَر بما يصير إليه كل خيار من خياري الإيمان أو الإنكار.

ويرجع الأسلوب القرآني أيضا في دعوته إلى الله إلى سرد نعمه على الناس وإلى منه عليهم بما حباهم به، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر، الآية 61].

كما أنه قد يلجأ لاستدلالات منطقية، كأن يسأل الجاحدين عن سر خلقهم، أو عن منبت ما يزرعون، فذكر سبحانه في هذا: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)} [الواقعة، الآيات 57-74].

أو أن يريهم ما خلق لهم في أنفسهم وفي الكون فيهتدوا بها إليه. قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت، الآية 53].

وخلاصة القول، أن القرآن ينوع من الأساليب في الدعوة إلى الله موظفا الأسلوب الأنسب لكل زمان ومكان بعينه، ومخاطبا جميع الناس باللغة التي تخترق قلوبهم حتى يسهل اقتناعهم بهذه الرسالة. ويبقى التنويه في الأخير إلى أن الهداية بيد الله وحده، وما هذه الأساليب والمناهج إلا حجج يقيمها الله على الظالمين من عباده وموعظة للمتقين. قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص، الآية 56] وقال أيضا سبحانه: {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران، الآية 138].

فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. والحمد لله رب العالمين.


[1] تفسير الإمام الغزالي، جمع وتوثيق وتقديم الدكتور محمد الريحاني، نشر دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، ومؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) بفاس، الطبعة الأولى 2010، ص202- 203).

الحوار القرآني

لقد تعددت وتنوعت أشكال الحوار في القرآن الكريم، واختلفت مواضيعها وحملت عبراً كثيرة، فمنذ بدء الخليقة يحاور الله ملائكته الكرام عليهم السلام، ويحاور إبليس الذي كان يتوعد بإضلال البشرية، وكذلك نجد الأنبياء يحاورون أقوامهم ويقدمون أحكم الحجج المنطقية والعقلية في سبيل إقناعهم برسالتهم وصدق دعوتهم.

والقرآن الكريم كتاب رباني لهداية البشر من الضلال إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويعتمد على الحوار بشكل أساسي للإقناع، ولوضع الحجة على الرقاب، ثم يُحاسب البشر عما فرطوا فيه وأنكروا، وهذا أكبر دليل على حرية التفكير البشري.

 وبالإضافة إلى ذلك فإنه يحاور قارئه أيضاً فيسأله التأمل والتمعن في عظمة خلق الله في الكون كما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21)} [الذاريات:20]، وفي حين آخر يستفزه ويثيره بالأسئلة عن حقيقة وجوده وكيانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ(36)} [الطور:34-35]، وينكر على أهل الضلال أقوالهم ودعاويهم الباطلة فيقول: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111].

بطريقة ما هذا القرآن الذي كتبه [المؤلف حيث يتحدث عن مرحلة ما قبل إسلامه] فيه أسلوب من نوع مختلف يجرك لحوار مع النص.   جيفري لانغ

منهج الحوار القرآني
1.الاستناد إلى العلم
العلم في المصطلح القرآني والفلسفة الإسلامية هو ما يعرفه العلماء بأنه “إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل منضبط بقواعد المنطق وأصوله”[1]. والاستناد إلى العلم يعني اعتماد المنهج التوثيقي المنبثق من كل واقع مصحوبا بأدلته الدامغة المسكتة أو “المخرسة” أحياناً.

ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81]، و”إن” هنا شرطية، أي إن تحقق الافتراض الأول يتحقق الثاني، ولكن الافتراض الأول وهو أن يكون لله ولد محال، أي أنني كنت قد اتفقت معك بالإيمان بالشرك لو توافرت الأدلة العلمية على ذلك، ولكن الأمر أنه لا ولد له ولا بنت ولا ملاك ولا شيء، واحد أحد فرد صمد يقيناً لا ظناً، وفي هذا السبك بلاغة عظيمة، لأنه لا يلجم الخصم فقط بل يعلمه أسس التفكير الصحيح وعدم الانحياز لجهة معينة فقط بسبب انتمائه إليها.

وقد كثرت الشواهد على هذا المعنى في القرآن الكريم، فنلحظ أن الله دائماً يطلب من المخالفين إظهار البراهين العلمية وعدم الركون إلى الأمور الظنية: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]، ويردد دائماً على كل من يزعم ويدعي معتقدات باطلة {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

2.إيجاد نقاط الاتفاق
يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. يقول الزحيلي في تفسير هذه الآية: “قل يا محمد: يا أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى جميعاً- أقبلوا وهلموا إلى كلمةٍ عادلة وسطى سواء بين الفريقين اتفقت عليها جميع الشرائع والرسل والكتب التي أنزلت إليهم، فأمرت بها الصحف والكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وعبادة الله وتفويض سلطة التشريع والتحليل والتحريم إليه، وعدم الشرك به شيئاً، وعدم اتخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، كالوثن والصليب والصنم والطاغوت والنار”[2].

فالبحث عن نقاط الاتفاق يسهل لنا الحوار ويمكِّننا من تحديد نقاط الاختلاف، فعند النقاش مثلاً في مسألة العلمانية، يفيد جداً معرفة ما إذا كنت تؤمن بالله أم لا، وما إن كانت للقرآن حجية عندك، وهذا يجعل من الحوار أكثر دقة وأغزر فائدة.

3.الابتعاد عن مجاملة الخصوم
حيث نذكر هذا هنا في محاولة لوصف ما اعترى أسلوب التفكير الإسلامي الحديث بسبب الشعور العارم بالهزيمة أمام الحضارة الغربية، فأي إعجاز علمي -بغض النظر عن صحته- صار مقبولاً، أي عالم غربي أو حتى مغنية يؤمن، يصبح من كبريات الحجج الإسلامية، بل صار البعض يخجل حتى من ذكر أسماء علماء السلف ويحاول ليَّ عنق النصوص لتناسب أهواءه، وأيضاً هناك الحالة النفسية التي تصيب البعض عندما لا يستطيع هداية أحدهم، من حزن وتحسر أو حتى خوف على خلوده في جهنم، وهذا غالباً ما يحدث مع الآباء عندما يرتد أبناؤهم فيصيبهم الاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس وأحياناً التخلي عن العمل الدعوي، وقد كثرت الآيات التي تنبه على عدم نحو هذا السلوك، لأنه لا يورث في صدر الآخرين إلا الشعور بضعف وانهزامية هذا الدين وحتى استحقاراً لمن يدعو إليه، فيقول تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} [القصص:56]، وفي موضع آخر: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، و”باخع نفسك” تعني قاتلها ومهلكها أو مجهدها”[3]، والآثار جمع أثر أي على إثر توليهم وإعراضهم[4]. فالجميع يمتلك حرية الاختيار التي مهما تأثرت بالمؤثرات الخارجية لا تنعدم، فنبوة نوح عليه السلام لم تمنع كفر ابنه ولا ادعاء فرعون الألوهية منع إيمان امرأته.

ومن هنا يجب علينا عدم دخول الحوار بنفس خائرة فاقدة الثقة بتاريخها وحضارتها وثقافتها، وأن لا نجامل أحداً في ديننا بل نكون واضحين وصادقين معه، ونظل حريصين مع ذلك على هدايته وإخراجه من الظلمات إلى النور، ولكن يبقى شعارنا في هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].   

نماذج من الحوار القرآني
1.مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام مع الملك:

قال تعالى: {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].

يذكر الله تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحاججة[5].

ولربما يكون هذا الحوار الأكثر ملاءمة لما نعيشه نحن أبناء القرن الواحد والعشرين، فقد صار باب طرح الأفكار مفتوحاً على مصراعيه لمن هو مؤهل ولمن ليس بأهل، بل صار إنكار البديهيات والمسلمات من أهم شعارات ما بعد الحداثة، التي ما هي إلا انتكاسة الفطرة إلى السفسطة.

فهنا يبدأ الحوار بقول إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، متحدثاً عما أجمعت عليه البشرية بتفرد الله وحده بقدرة الإحياء والإماتة، فيرد عليه الملك بكل عجب ووقاحة: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}، يعني إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا أحدهما وعفا عن الآخر[6].

وهذه قمة السفسطة وانعدام المنطق، فمن الواضح أن الإحياء والإماتة ليس بهذا الشكل، وردُّ إبراهيم عليه السلام لم يكن بإعادة شرح معنى الحياة والموت والدخول في تفاصيل كلامية ستجعل النقاش ضبابياً غير واضح، بل انتقل إلى دليل هو أكثر سطوعاً وقوة، حيث قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فقدرة الله واسعة لا تنحصر بالإحياء والإماتة، والظالم لنفسه وللآخرين، لن يكون منه إلا الكفر والضلال والتكبر على الحق ورفضه، ومثل هذا لا ينال الهداية بحال من الأحوال.

2.حوار قابيل وهابيل:
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)} [المائدة:27-29].

وفي هذا الحوار بين قابيل وأخيه هابيل نتعلم معاني التريث والهدوء، فرغم مصارحة قابيل أخاه بالقتل، لم يهتج لهذا وسارع مباشرة لتهديده بالمثل، بل أجابه بأن الله يتقبل لمن يتقيه ويخشاه، ونجد أن هابيل عوضاً عن أن يغضب ويتوعد، يحاول أن يحذر أخاه وينبهه ويرشده بطريقة غير مباشرة، وإن كان يتحدث بضمير المتكلم لا المخاطب، فالكلمات التي قالها له فيها استثارة لعواطف قابيل وفطرته، ودعوة له للتفكر جيداً قبل الإقدام على هذه الخطوة، التي ستكلفه دخول جهنم والخسارة في الدنيا والآخرة.

يقول الله تعالى بعد ذلك: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30]، فلربما تشير هذه الآية إلى أن قابيل قد حادث نفسه بالفعل جراء ما سمع، ولكنها مع ذلك  سوغت له فعلته وطاوعته على قتل أخيه، وبهذا فإنه سن سنة القتل وصار ذنب كل من قتل من بعده في عنقه، ويا لعظم هذا من خسارة.

يوم الفصل
لقد تعددت الآراء و المذاهب والأفكار والمعتقدات التي آمن بها البشر، وتنوعت طبائعها وخصائصها، وكلهم يرون أنهم أهل الحق وأصحابه والباقي أهل الضلال، ولهذا كان الحوار وسيلة من وسائل الوصول للحقيقة، ولا يعني هذا أن الناس سيصبحون على ملة واحدة بذلك، فالله سيفصل بيننا بالحق بعد كل هذا النقاش والجدال، وأن هذا ما هو إلا بلاء منه، فهو القائل: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48]، ونجد في موضع آخر أن الله سيسأل الناس عن البراهين التي سوغت شركهم بالله عز وجل فيقول: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117]، فهناك كما يبدو نوع من الحوار النهائي يوم القيامة، وبعد ذلك لن يعذب الله  كل من لم تقم عليه الحجة أو تبلغه الرسالة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].


الهوامش

[1] البوطي، محمد سعيد رمضان(سنة النشر غير معروفة).أدب الحوار في كتاب الله عز وجل. (مكان النشر غير معروف): نحو القمة للطباعة والنشر.

[2] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج2 ط10 ص275. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[3] مخلوف، حسنين محمد (سنة النشر غير معروفة). وتفسير وبيان كلمات القرآن ص127. دمشق، سوريا: مكتبة دار الإحسان.

[4] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج 8 ط10 ص222. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[5] ابن كثير، إسماعيل (2001)، قصص الأنبياء ط1 ص146. دمشق، سوريا: دار الفيحاء.

[6] ابن كثير. قصص الأنبياء ص147. مرجع سابق.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
وهبة الزحيلي، التفسير المنير، دار الفكر:2009.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية: 1998.
معن محمود عثمان ضمرة، الحوار في القرآن الكريم، جامعة النجاح الوطنية: 2005.
محمد متولي الشعراوي، قصص الأنبياء، دار القدس: 2006.
عبد الرحمن حبنكة، فقه الدعوة إلى الله، دار القلم:1996.
عبد الرحمن حبنكة، ضوابط المعرفة، دار القلم: 1993.
محمد سعيد رمضان البوطي، أدب الحوار في كتاب الله عز وجل، نحو القمة للطباعة والنشر.
ابن كثير، قصص الأنبياء، دار الفيحاء: 2001.
حسنين محمد مخلوف، تفسير وبيان كلمات القرآن، مكتبة دار الإحسان.

وجود الله إسلامياً (الجزء الثاني)

في مقدمة الجزء الأول من هذا المقال والذي تم نشره سابقاً، قلت بأن هناك حضوراً مكثفاً لله سبحانه في القرآن الكريم، وأن ذلك يتجلى في كثرة أسمائه وصفاته، وتجلياتهما في الكون والحياة، ثم أشرت إلى أننا يمكننا تلخيص هذا المعنى في معلمين، المعلم الأول تكفل به الجزء الأول، والمعلم الثاني هو الذي سيتكفل به هذا الجزء. فأقول وبالله التوفيق:

المعلم الثاني: الألوهية الوجودية
الله سبحانه في العقيدة الإسلامية لعظمته اللامتناهية ولكماله وجلاله المطلق، فإنّه مألوه القلوب والأرواح. فالله لم يخلق هذه الأرواح الإنسانية عبثاً بل بالحق، وليس للفناء بل للبقاء، ولذلك فإنّ الروح لا تهدأ ولا تطمئن، ولا تسعد ولا تهنأ، إلا بمدى صلتها بباريها العظيم ومحبته وتقديسه ومعرفته وذكره وعبادته.

هناك ثلاثة مظاهر لهذه الألوهية الوجوديّة، وهي: الحاكميّة، والمعرفة، والتواصل.

1.الحاكميّة
كشف القرآن الكريم أنّ الله تعالى له الحاكميّة المطلقة؛ في التقدير والتشريع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالكل خلقه وهو أعلم بما خلق. نجد ذلك في قول الله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.[1] فهذه الآية تُقرّر طلاقة الإرادة الإلهيّة بدون حدود ولا قيود، فبمجرد أن يحكم بشيء يكون. وقول الله سبحانه: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}.[2] فهذه الآية توجه النبي ﷺ والمسلمين بالتبع، للحكم بما أنزل الله تعالى فقط، وإلغاء اعتبار أهواء البشر. وقول الله سبحانه: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.[3] فهذه الآية تكشف أنّ الله تعالى يحكم برحمته من نعيم وخير وهدى وغير ذلك، لمن يشاء. وقول الله سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.[4] فهذه الآية تُقرّر أن الله هو مَن يحكم بما يكون عليه كل إنسان من كمال ونقصان، وذكر أو أنثى، وسعادة وشقاء. وقول الله سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.[5] فهذه الآية تُقرّر حكم الله تعالى النهائي بعدم قبول أي دين دون الإسلام، وأنّ مَن أتى يوم القيامة بغير الإسلام بعد البعثة المحمديّة فلن يُقبل منه وهو من الخاسرين.

إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي تكشف بوضوح وبيان أنّ الله تعالى له الحاكمية المطلقة في كل شيء، يفعل ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم بما سبق في علمه، بلا منازع ولا معقب. والحقيقة أنّ فكرة الحاكمية من أبرز أسباب بعثة الأنبياء وإنزال الشرائع، ولذلك فهي أحد أبرز عوامل الصراع والجدال بين الأنبياء وأتباعهم من جهة وأقوامهم وأتباعهم من جهة أخرى. ذلك لأنّ قضية وجود الخالق لم يولها القرآن الكريم أهميّة كبيرة، لأنها قضية منتهية بالنسبة إليه بحكم كونها حقيقة فطرية، وإنما زادها بياناً وإثراءً وعمقاً، وإنما كان من أبرز مجالات اهتمام المنهج القرآني هو كشف حقيقة الحاكمية وحق التشريع ورد الاعتبار لهما.

2.المعرفة
كشف القرآن الكريم أنّ الله سبحانه ممكن المعرفة من قِبل الإنسان، بل إنّ أصول هذه المعرفة مغروزة في أصل فطرته وبنية عقله. نجد ذلك في قول الله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِۚ}.[6] فهذه الآية تأمر باتباع تعاليم الوحي وآداب النبوة، لأنّ ذلك تنزيل من الله تعالى الذي غرز في الفطرة محبة الحق وضع في العقول الميل إليه. وقول الله سبحانه: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.[7] فهذه الآية تتضمن الأمر بتقليب نظر العقل في آفاق الكون وفضاءات الحياة، ولم يكن ذلك إلا لأنّ العقل لديه المقدرة الفطرية على معرفة الخالق من خلال مخلوقاته. وقول الله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَاۛ}.[8] فهذه الآية تكشف لنا أنّ مبدأ وجود الله والإقرار بربوبيّته والمتضمنة لألوهيّته وحاكميّته، راسخ في الفطرة البشرية. وقول الله سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّاۚ}.[9] فهذه الآية تكشف لنا كيف أن قوم سيدنا موسى ﷺ -وبالتالي كل منكر- أدركوا الحق الذي جاءهم به أي إفراد لله تعالى بالألوهية والحاكمية، لكنهم جحدوا ورفضوا بفعل موانع أخرى، عناداً واستكباراً.

إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي كشفت وقرّرت بأساليب مختلفة؛ أن معرفة الله تعالى باعتباره الخالق والرب والإله، ذي الكمال والعظمة والجلال، هي معرفة راسخة في جوهر الفطرة وبنية العقل الإنساني. والحق أن واقع الإنسان كما واقع البشرية في تاريخها الطويل يؤكدان على هذه الحقيقة. وليس اختلاف الناس في شتّى الحضارات والشعوب حول حقيقة الله سبحانه، من حيث ماهيته أو من حيث صفاته، أو من حيث علاقته بالإنسان والكائنات المختلفة، سوى أمارة ساطعة على رسوخ وجوده ومعرفته في الفطرة. فتاريخ الجدل العقدي لم يكن أبداً حول وجود الخالق من عدمه، بل كان حول الذات والصفات والعلاقة مع المخلوقات.

لقد وجّه القرآن الكريم في عشرات الآيات، العقل والوجدان الإنساني إلى آفاق الحياة ومسارح الكون للنظر فيها والتأمل فيها، وما ذلك -كما سبقت الإشارة- سوى دلالة واضحة على اعتراف الإسلام بقدرة الكينونة الإنسانيّة بمختلف طاقاتها الإدراكية والشعورية على معرفة الله سبحانه والشعور به. ذلك لأنّ هذا الأمر الرباني بتقليب النظر في الكون والحياة يقتضي الاعتراف بأن العقل لديه قدرة على المعرفة واستخلاصها من معطياتها الجزئية، وبأنّ الكون بأشيائه ومشاهده وعناصره وعلاقاته الفيزيائية فيه القابلية لأن يُفهم من طرف الإنسان، ومن الانتقال من مستوى النظر في المخلوق إلى مستوى النظر في الخالق. لأنّ فطرة العقل تستلزم إثبات وجود التصميم والإتقان والغاية من وراء هذه المشاهد المترامية في فضاءات الطبيعة، بغض النظر عن طبيعة التفسير لها.

3.التواصل
كشف القرآن الكريم أنّ الله تعالى بالرغم من أنّه غني عن العالمين إلا أنّه يتواصل مع عباده عبر النبوات، ليهديهم سبيل الغاية من خلقهم. نجد ذلك في قول الله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ}.[10] فهذه الآية كشف لنا أنّ الله تعالى ما زال يرسل رسله وأنبياءه بين فترة وأخرى. وقول الله سبحانه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}.[11] فهذه الآية تُقرّر أن الله تعالى سيحاسب عباده على مدى استجابتهم لرسله وأنبيائه. وقول الله سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.[12] فهذه الآية تُقرّر أمر الله تعالى بواجب طاعته وطاعة رسوله، إذ ذلك مفتاح الرحمة الإلهيّة في الدنيا والآخرة. وقول الله سبحانه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.[13] فهذه الآية تُقرّر أن المعيار الوحيد لمحبة الله تعالى هو اتباع رسوله ﷺ. وقول الله سبحانه: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِۙ}.[14] فهذه الآية تُقرّر أنّ الله تعالى لم ينُزل وحيه إلا لبيان الحق والهداية للصواب. وقول الله سبحانه: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}.[15] فهذه الآية تكشف بأن الله تبارك اسمه إنما أرسل الرسل وأنزل الشرائع للبشارة للموحدين الطائعين بما أعد لهم من الرحمات والخيرات، وللنذارة للمشركين والعاصين بما أعد لهم من النقمات والموبقات.

إلى غير ذلك من الآيات البيّات التي قرّرت بصيغ مختلفة أنّ الله سبحانه يتواصل مع عباده ولم يتركهم بلا هداية وتأييد ودعم رباني خارجي، كما جعل في عقولهم أسباب معرفة الحق والانجذاب إليه. والواقع لا يمكن للعقل السليم أن يتصور أن خالق هذا الإنسان والحياة بأنواعها والكون بأشيائه وعناصره والطبيعة بمناظرها ومشاهدها، لا يستطيع العقل السليم أن يتصور أن هذا الخالق العظيم قد خلق الإنسان ثم تخلّى عنه يخوض في ظلمات الحيرة والشك والجهالة، يواجه هذا الأسرار الغامضة في كل فضاءات الحياة وأرجاء الكون، ويواجه مصيرهم الأبدي لكن بدون بيان ولا هداية.

ولقد نتجت عن هذه المعطيات حول الوجود الإلهي إسلاميّاً، نتيجة في غاية الأهمية، وهي أنّ التوحيد الإسلامي قرّر ثنائيّة الخالق والمخلوق وشدد غاية التشديد عليها، أي أنّ هناك اختلافاً جوهريّاً بين الخالق والمخلوق. هذه الثنائية والاختلاف يتجلّى في كون الخالق: أزلي الوجود، ومتصفاً بالكمال المطلق، ومتجاوزاً للزمان والمكان والمادة، وغنياً عن المخلوقات كافة. كما يتجلّى بالنسبة للمخلوق في كونه حادث الوجود، ومتصفاً بالنقص المطلق، ومحصوراً في الزمان والمكان والمادة، وفقيراً ومحتاجاً للخالق في كل شيء.

وبهذا الوضوح وبهذا التقرير تكون العقيدة الإسلامية قد نفت نفياً قاطعاً إمكانية التماهي بين الخالق والمخلوق، بأي شكل من الأشكال، كما توهم كثير من المخذولين المخدوعين. ولا شك أنّ العقيدة الإسلاميّة بهذا النفي القاطع لمختلف أشكال التماهي والذوبان بين الخالق والمخلوق، قد ردّت الاعتبار لحقيقة وجود الخالق ﷻ، كما ردت الاعتبار للإنسان المخلوق، بعد أن كان هناك غبش كثيف حول معنى الإله ومعنى الإنسان، وكما يحدث في كل زمان ومكان حين يبتعد الإنسان عن مصدر الحقيقة ويلهث وراء أهواء العقل وشطحات الوجدان. والله أعلم.


الهوامش

[1] . النحل/40

[2] . المائدة/49

[3] . البقرة/105

[4] . آل عمران/6

[5] . آل عمران/85

[6] . الروم/30

[7] . يونس/101

[8] . الأعراف/172

[9] . النمل/14

[10] . الروم/47

[11] . القصص/65

[12] . آل عمران/132

[13] . آل عمران/31

[14] . النحل/64

[15] . الأنعام/42

وجود الله عز وجل إسلاميّاً (الجزء الأول)

أبرز محاور العقيدة الإسلاميّة؛ هو وجود الله عز وجل. وهذا شيء طبيعي؛ فالقرآن الكريم يعتبر الإنسان مخلوقاً لغاية مقدسة حددها بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).[1] أي لالتزام منهج شرعه في نشاطات الحياة الخاصة والعامة، فكان من الطبيعي أن يكون الخالق سبحانه أبرز محاور هذه العقيدة، وأن يكون الحديث عنه أظهر معالمها، إذ بين العقيدة والشريعة تلازم وثيق للغاية، فلا شريعة عامة بلا عقيدة صحيحة، ولا عقيدة صحيحة بلا شريعة عامة.

ومن ثم كانت كثرة الحديث عن الله تعالى في القرآن والسنة، مع ربط أسمائه وصفاته بحركة الإنسان والكون والحياة والتاريخ والتشريع، تنبيهاً على معنيين اثنين:

الأول: أن التوحيد مقصد أصيل في الرؤية الإسلامية، فالإنسان إسلاميّاً مخلوق لله تعالى، ومن المنطقي أن يُعرّف الخالق بنفسه لهذا المخلوق.

الثاني: أنه سبحانه ليس فكرة ذهنية عائمة، بل له وجود واقعي يتجاوز الإنسان والكون، وليس بعيداً عن الوجود، بل له فاعلية قوية وعميقة ومتواصلة فيه.

هذا البروز الإلهي في نظام العقيدة الإسلاميّة وكثرة الحديث عن الله تعالى وتجلّيات أسمائه وصفاته في الكون والحياة، وارتباطها الوثيق بحركة الإنسان في الواقع والتاريخ، وانعكاساتها على مجالات التشريع والتنظيم؛ كل هذا يمكننا تحديده في معلمين كبيرين، وهما: الحقيقة الوجودية، والألوهية الوجودية. وبيان ذلك هو:

الحقيقة الوجوديّة
الله سبحانه في العقيدة الإسلاميّة ليس فكرة ذهنية مبهمة، أو ذاتاً بلا صفات ولا أسماء، أو مجرد عنصر لابد منه لبناء نسق عقلي وكوني متماسك. بل هو جَلَّ مجده حقيقة وجوديّة كاملة ذاتاً وصفات، مستقلة وقائمة بنفسها، كما أنّه منفصل عن الوجود المخلوق والإطار المادي. ومن ثم فالله سبحانه ضرورة عقليّة وكونية.

هذا المعلم له ثلاثة مظاهر، نحددها في: الكمال، والخالقيّة، والقيوميّة.

1.الكمال: كشف القرآن الكريم بأساليب مختلفة أنّ الله تعالى يتصف بالكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، فذلك هو مقتضى كونه إلهاً وخالقً وربّاً. نجد ذلك في قول الله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).[2] فهذه الآية تُقرّر أن الله سبحانه مختلف اختلافاً كاملاً عن مخلوقاته كافة، فلا يشبهونه في شيء مطلقاً. وقول الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).[3] فهذه الآية تُقرّر أن الله سبحانه غني غنى مطلقاً عن جميع مخلوقاته، فلا يحتاج إليها لجلب مزيد كمال له. وقول الله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).[4] فهذه الآية تُقرّر أن الله سبحانه له الأسماء الحسنى، لأن له منتهى الكمال والعظمة والمجد والسؤدد. وقول الله سبحانه: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ).[5] فهذه الآية تُقرّر أن الكون كله يُنزّه ويُقدّس الله تعالى عن العيوب والنقائص كافة، وهذا يقتضي الكمال. وقول الله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).[6] فهذه السورة تُقرّر أن الخالق سبحانه له الكمال التام، في ذاته وصفاته.

إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي تترجم بمختلف العبارات والإشارات حقيقة اتصاف الخالق جل مجده بالكمال المطلق والعظمة اللانهائية، فلا كامل كمالاً حقيقياً إلا الله، بل كل كمال في الوجود فهو تبارك شأنه أصله ومصدره، بل أقصى ما يمكن تصوره من الكمال، فالرب سبحانه أكمل منه، وكماله وراء ذلك، فأنّى يحيط المخلوق الفاني بالخالق الباقي! ولهذا كان واجباً على كل مسلم أن يثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه أو سنة نبيه، بلا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، لأن العقل ليس من طبيعته الولوج إلى حمى الألوهية، وليس من شأنه إدراك حقائق الربوبية.

2.الخالقيّة: كشف القرآن الكريم أنّ الله تعالى هو المتفرّد بالخلق، يخلق ما يشاء من أنواع وأشكال، وأنّه خلقهم بإرادته الطليقة، ولحكمته البالغة. نجد ذلك في قول الله سبحانه:( قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).[7] فهذه الآية تُقرّر شموليّة خلق الله تعالى لكل شيء في الوجود الظاهر والباطن. وقول الله سبحانه: (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ).[8] فهذه الآية تربط أحقيّة تفرّد الله تعالى بالعبادة بكونه الخالق لكل شيء. وقول الله سبحانه: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ).[9] فهذه الآية تُقرّر أن الله سبحانه له الخلق والاختيار كما يشاء وكيف يشاء، بلا منازع. وقول الله سبحانه: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).[10] فهذه الآية تُقرّر أن هذا الكون الفسيح بما فيه مُلكٌ لله وحده. وقول الله سبحانه: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).[11] فهذه الآية تُقرّر أن الله تعالى خالق كل شيء والمتصرف فيه والمدبر له كيف يشاء.

إلى غير ذلك من الآيات الواضحات التي تُقرّر بتعابير شتّى وأساليب مختلفة حقيقة اتصاف وتفرّد الله سبحانه بالخلق والإبداع لما شاء وكيف شاء. ولهذا كانت حقيقة أنّ لهذا الوجود خالقاً أعلى، حقيقة ثابتة في الفِطَر وراسخة في العقول ومتجلية في الكون، يولد بها الإنسان وتظل كذلك لا تفارقه أبداً، في كل زمان ومكان، وكيفما كان مستواه من العلم والحضارة، كذلك كان الأمر في غابر التاريخ المديد وكذلك يكون في المستقبل البعيد.

3.القيّوميّة: كشف القرآن الكريم أنّ الله تعالى لا يترك مخلوقاته المختلفة سدى، بل هو القائم على شؤونها جميعاً، صغيرها وكبيرها. نجد ذلك في قول الله سبحانه: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ).[12] الآية تُقرّر أن الله تعالى عليم خبير بكل نفس، ما يظهر منها وما يظل ساكناً في أعماقها، فيعطيها ويجازيها بما تستحق. وقول الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا)[13] الآية تُقرّر أن الله سبحانه هو الذي يمسك ذرات الوجود أن تتلاشى ويمدها بأسباب البقاء المستمر. وقول الله سبحانه: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ).[14] الآية تُقرّر أنّ الله له الوحدانية المطلقة والكمال اللانهائي، ولذلك فهو القائم على كل المخلوقات. وقول الله سبحانه: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا).[15] الآية تُقرّر أنّ كل المخلوقات الحية إنما رزقها وأسباب بقائها بيد الله وحده. وقول الله سبحانه: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ).[16] الآية فيها أنّ الله تعالى محيط بما يعمل الظالمون، وسيحاسبهم يوم القيامة.

إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي تؤكد بطرائق تعبيريّة مختلفة حقيقة قيوميّة الله سبحانه على الوجود كافة، بما فيه من أشياء وأشخاص وذرات ومجرات، تصريفاً وتدبيراً. والواقع أن الإنسان يدرك هذه الحقيقة بفطرته، فليس استشعاره الافتقار والحاجة إلى موجود عظيم يمنحه الأمن والسلام والطمأنينة والقوة، إلا أمارة واضحة على يقينه الفطري بأن خالق هذا الكون لا يتركه هملاً، بل هو قائم عليه دائماً. بل إن هذه الفطرة حتى في قمة تراكم الغبش والدنس عليها، ففي لحظات الضعف القاهر تجد نفسها متوجهة إليه ترجو رحمته وفضله وعونه.

في الجزء الثاني من المقال، نكمل بحول الله مع المعلم الثاني. والله أعلم


الهوامش

[1] . الذاريات/56

[2] . الشورى/11

[3] . العنكبوت/6

[4] . الأعراف/180

[5] . الإسراء/44

[6] . سورة الإخلاص

[7] . الرعد/16

[8] . الأنعام/102

[9] . القصص/68

[10] . آل عمران/189

[11] . الزمر/62

[12] . الرعد/33

[13] . فاطر/41

[14] . البقرة/255

[15] . هود/6

[16] . إبراهيم/42

بلاغة الحوار في قصة إبراهيم عليه السلام

تتعانق الكلمات في قصيدة وتجلس بود في قطعة نثرية وتصطف بتجهم في رسالة أكاديمية، وتتسامى وتتخاصم، وما بين أسمال الزور وكساء الحق تظهر عوراتها أو تسدد لحاجاتها، فإن ارتقت مرتقى الرأي الحكيم والحوار السديد، سبقت حد الظباة، وأسنة الرماح، فبالكلمة انتصر ابن عباس رضي الله عنه على فئة الحرورية التي إن قوتلت استبسلت، ففصاحة العربي وقوة حجته ورجاحة عقله لا بد أن تستقي من نبع عظيم: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}[1].

القرآن الكريم الذي تصغر أمامه كل الكلمات وتتماهى في حضرته جميع الحوارات، الفصاحة والصرامة، اللين والشدة، القول الذي يعقبه الفعل، وللرافعي إحساس عظيم بمكنونات كتاب كريم حيث قال واصفاً القرآن الكريم: “ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها”[2].

فما بين الوصف اللغوي، والبنية المتناسقة تتجلى الحوارات القرآنية التي اختصت بالبلاغة والوضوح، وسلامة السبك ودقة التعبير، وعمق الفكرة، وحلاوة الإقناع لمن كان له لب حكيم، حيث أن الباطل يزهو وهو صغير، والحق يعلو وهو كبير، ومابين هذا وذاك تكون الحكمة والعقل الرشيد، ومن أوتي الرشد فقد أوتي الخير الكثير: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل}[3].

خليل الله وأبو الأنبياء عليه السلام، الذي أمسك جمرة فؤاده واطمأن أنها على هدى ولم يبالِ بعدها بشيء! {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}[4]، إثارة الشك وطرح التساؤل وبيان الاستنكار، منهج النبي الكريم في قلب ميزان الكافرين على ذواتهم المختبأة تحت ظل تمثال! وفيء حجارة! بأسُ الروح الخاوية وجلدُ الباطل الواهي! وانطفاء البصيرة وتحسس آثار من سبق حتى ولو كانوا يمضون إلى الهاوية، لجأ سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى استنزاف الحجة وربط المنطق بواقع الحال واستفزاز صحوة القلوب، وصوت العقول.

وللإمام ابن كثير تفسير واضح وتأويل جميل، فيقول في معنى الآية الكريمة “إن الرشد الذي أوتي لسيدنا إبراهيم تمثل جلياً بالإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، حيث أنهم اعتكفوا لعبادتها واجتمعوا على حجارة لا تضر ولا تنفع”[5].

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}[6]، الحجة السقيمة، التي تلعب على أوتار الزمن بلا تعب، كلما آن لها أن تموت لبى نداءها طائفة من ضعاف العقول فنصروها بقولهم هكذا كان آباؤنا وأجدادنا فاعلين، يعز عليهم كسر صنم الاعتياد، بفأس الحقيقة وساعد الإيمان، عبودية الطين للحجارة أي خواء هذا! بل أي عبادة تلك؟

{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، يقول الإمام السعدي رحمه في تفسير الآية الكريمة “من المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل، ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، خصوصاً في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم إبراهيم مضللاً الجميع، أي ضلال بين واضح وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد وللتوضيح اللفظي أن ليس ما قلتم يصلح للتمسك به وقد اشتركتم مع من سبقكم في الضلال البين”[7].

 {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ}[8]، هكذا قال قوم إبراهيم -لما دعاهم إلى التوحيد- فهم يدركون أن الدين الحق لا يجتمع مع اللعب والباطل؛ وهذا ما يريده بعض المنهزمين أن تعيش الأمة بدين ملفق يجمع أنواعًا من اللعب والباطل مع شيء من الحق، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}[9]، الحق أبلج والباطل لجلج، وهيهات أن يصبغوا حقنا بباطلهم وأن يدنسوا توحيدنا بشركهم، أراد قوم إبراهيم المفاصلة، فإما توكيد لدعوة الإيمان أو عودة لأهل الأوثان، ولم يعلموا بأن تلك المفاصلة لن تنجب سوى النصر.

{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلٰى ذٰلِكُم مِّنَ الشّٰهِدِينَ}[10]، العقيدة التي انتصر لها سعد ففداه النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم “ارم سعد، فداك أبي وأمي”، التوحيد الذي ذاق حلاوته عمر بصدق الولاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “الآن يا عمر”، الإسلام الذي أحبته سمية فنالت لقبا ناضل دونه الرجال، هذه الومضات تعلمنا أن خالق السماوات والأرض يهب الإيمان لقلوب حية، لأفئدة تنبض بعزة التوحيد والإسلام، ألقى خليل الله بحقيقة التوحيد أمام أعين المشركين وشهد لهم بذلك، فهل تعشى الأبصار ؟

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)}[11]، بفأس الحق وساعد الإيمان، بهمة أمة، حُطمت الأصنام واساقطت حجارة الضلال، وتهاوى الباطل في ضعف، وبقي الفأس رمز الحرية من براثن الطغاة، أيقونة المؤمن القوي، الذي اهتدى فآمن فغيّر الفأس الذي ما كان لولا {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}[12].

أبقى خليل الله برهان حجته، كي يعلم من في قلبه حبة خردل من نور أن لا إله إلا الله، وأن لا حول ولا قوة بحجارة لا تدفع عن نفسها ولا عن أمثالها نفعا أوأذى.

{قَالُوا مَن فَعَلَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ الظّٰلِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرٰهِيمُ (60)}[13]، يقول الإمام السعدي في تفسير الآيات “فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة والخزي {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ْ} فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده، وإنما الظالم من اتخذها آلهة، وقد رأى ما يفعل بها )[14]، الفتى بعين قومه كان أمة كاملة، المقياس هُنَا أهمية الفرد وإمكانية تغييره لمعادلة الواقع وتبديل المعطيات المحسوسة بإدراك المرء ضرورة إحداث التغيير، بدءاً من هدم طواغيت الذات التي جُعلت أرباباً تُعبد من دون الله بالباطل، فمن غلب هوى نفسه وأمسك جمرة فؤاده يقلبها في كفه كيفما شاء، جُعلت الدنيا أمامه يُغالبها فيغلبُها، فتطوعُ له سيداً عليها قد كفر بأصنامها فأمسى حُراً يُمسك فأس حقه بيمناه، وفسيلة مجده بيسراه، لتطيح أوثان العبودية على وقع هُتاف فردٍ أصبح أُمَّة، وأما من عبدَ وركع وسجد لوحش ذاته الذي اقتات على بقية إنسانيته المتمثلة بحريته ونال من بصيص روحه الذي بهت وخفت فاختفى لأن النور لا يليق بالعبيد، هذا العبد لن تسوؤه عبوديته فهومن ينصب صنماً ويزينه لنفسه ومن ثم يبدأ بعبادته.

{قالوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يٰٓإِبْرٰهِيمُ}[15]، أراد القوم التيقن والتثبت من الأمر، فسألوا النبي الكريم، وهنا كانت حلاوة الإجابة وبرهان الحق إذ قال: {بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}[16].

المؤمن القوي الذي جمع الحجة والعمل، وضحى بروحه، في سبيل أن يهتدوا، أن يعلموا أن لا إله إلا الله، ما أثمن هذا الكلمات التي تراق على جنباتها الدماء الزكية التي تعبق إيمانا وتنفح توحيداً، أقام الحجة الواضحة، وألقى بالبرهان الجلي ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوٓا ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فٰعِلِينَ}[17]، ما كل مجادل يبحث عن الحق أويقبله، فإن إبراهيم أقام لقومه أقوى الحجج والبراهين على بطلان أصنامهم، ومع ذلك اتفقوا عناداً “حرقوه وانصروا آلهتكم”.

{قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلٰمًا عَلٰىٓ إِبْرٰهِيمَ}[18]، النداء الإلهي، الذي ربت على روح إبراهيم، حتى النار بشدتها وقسوة ملامحها غدت برداً عليه وسلاماً على روحه المنهكة من مقارعة أهل الباطل والجدال، الطمأنينة التي تنساب من ثنايا الآية الكريمة تجعل كل الخيبات والشتات في محراب المناجاة تضيء منها بواعث الاهتداء، يقول المفكر الشهيد سيد قطب “أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية، وأنتم الأعلون قدوة ومكانا ونصرا”[19].

إن حقيقة التوحيد تكمن في كونه درب لا يعبّد إلا بالتضحيات، ففي كل مرة تغرقنا البلايا، وتتصرم من حولنا حبال الخلق السرابية، لن ينتشلنا سوى حبل الحق الممتد للسماء، لنعلم ونوقن أن الله يعلو ولا يعلى عليه.


الهوامش

[1] سورة غافر الآية 28

[2] تاريخ آداب العرب الصفحة 281

[3] سورة الأنبياء الآية 51

[4] سورة الأنبياء الآية 52

[5] تفسير ابن كثير الصفحة 326

[6] سورة الأنبياء الاية 53

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان الصفحة 326

[8] سورة الأنبياء الاية 55

[9] سورة يونس الاية 32

[10] سورة الأنبياء الاية 56

[11] سورة الأنبياء الاية 57 والاية 58

[12] سورة النحل الاية 121

[13] سورة الأنبياء الاية 59 والاية 60

[14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للامام السعدي الصفحة 327

[15] سورة الأنبياء الاية 62

[16] سورة الأنبياء الاية 63

[17] سورة الأنبياء الاية 68

[18] سورة الأنبياء الاية 69

[19] ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب في تفسير آية  ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون)

الكوثر من سورة الكوثر

لا يخفى أن القرآن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الباقية إلى يوم القيامة، وأن الله تحدى به أهل الفصاحة والبيان، فحول العرب الأقحاح، فتحداهم أن يأتوا بمثله ثم بعشر سور، ثم بسورة مثله، فما استطاعوا له، ولما علموا عجزهم وأصروا على كفرهم اتهموا النبي بالسحر والجنون!

واليوم يأتي أحدهم فيدعي المطاعن في القرآن، ويكأنه تبين له ما لم يتبين لأفذاذ اللغة قبله، ولإن سألته مسألة في الآجرومية ربما لم يجد جوابا.

وروى الخطابي قال: سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: سأل رجل بعض العلماء عن قول الله عز وجل: {لا أقسم بهذا البلد} فأخبر أنه لا يقسم ثم أقسم به في قوله: {والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا} فقال له ابن سريج: أي الأمرين أحب إليك؛ أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ قال: لا بل اقطعني ثم أجبني. فقال له: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزًا، وعليه مطعنًا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجهلت، فلم ينكروا ما أنكرت، ثم قال له: إن العرب قد تُدخل “لا” في أثناء كلامها وتلغي معناها، كقول الشاعر: في بئر لا حور سرى وما شعر. يريد في بئر حور سرى وما شعر(1).

فكانت هذه المقالة المقتصدة في العبارة، لتفتح للقارئ نافذة على بعض بلاغة القرآن فلا يغتر بكل ناعق، ولأن الوقوف على بلاغة القرآن هو وقوف على موطن الإعجاز فيه، ولا يخفى ما في هذا من رسوخ الإيمان في القلوب، وهو ما نحتاجه في قلوبنا وقلوب أبنائنا اليوم في ظل انتشار الشبهات وتسلط الشهوات.

وسنتناول في هذه المقالة أقصر سور القرآن آيًا وكلمات، ألا وهي سورة الكوثر، فهي على قلة ألفاظها وقصر جملها كاسمها كوثر في المعاني، كوثر في البلاغة.

أولا: في سبب نزولها:
قيل نزلت في العاص بن وائل وقيل في غيره(2)، ذلك أنهم وصفوا النبي ﷺ بالأبتر حين مات ولده عبد الله -أي أنه إذا مات انقطع ذكره- فأنزل الله هذه السورة.(3)

ثانيا: في معاني مفرداتها:
الكوثر: “فَوْعَل من الكثرة وهو المفرط في الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر.”(4)، وفسر الكوثر في السورة بتفاسير عديدة لعل أعمها وأقربها أنه الخير الكثير كما روي عن ابن عباس.(5)

النحر: طريقة الذبح الخاصة بالإبل، “ونحر البعير ينحره نحرا: طعنه في منحَرِه حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر”(6)

الشانئ: المبغض، قال ابن فارس: “الشِّينُ وَالنُّونُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْبِغْضَةِ وَالتَّجَنُّبِ لِلشَّيْءِ.”(7)

الأبتر: “البَتْرُ: قَطعُ الذَّنَب ونحوه إذا استأصَلْتَه”(8) ثم “قيل لمن لا عقب له أبتر، على الاستعارة، حيث شبه الولد والأثر الباقي بالذنب”(9)

ثالثا: مختصر تفسير السورة:
إنا آتيناك -أيها الرسول- الخير الكثير، ومنه نهر الكوثر في الجنّة. فأدّ شكر الله على هذه النعمة، فصل له وحده واذبح. إن مبغِضك هو المنقطع أثره، المقطوع من كل خير.

رابعا: في أساليب البلاغة فيها:
1- ذكر فخر الدين الرازي رحمه الله في تفسيره أن هذه السورة بمثابة المقابلة للسورة التي قبلها سورة الماعون، لأن سورة الماعون وصف الله تعالى فيها المنافق بأربعة أمور: البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الزكاة، فذكر الله تعالى في هذه السورة في مقابلة البخل “إنا أعطيناك الكوثر” أي الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة “فصل” أي فدم على الصلاة، وفي مقابلة الرياء “لربك” أي لرضاه لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون “وانحر” وأراد به سبحانه التصدق بلحوم الأضاحي.(10)

2- استعمال ضمير الجمع الدال على العظمة في قوله “إنا”: ففيه تعظيم الواهب سبحانه والإشعار بالامتنان بعطاء عظيم وتشريف بذلك للموهوب له وهو النبي ﷺ.(11)

3- تصدير السورة بحرف التوكيد الجاري مجرى القسم “إن” وذلك لتحقيق الخبر الآتي والاهتمام به.(12)

4- مجيء الفعل بصيغة الماضي الدالة على تحقق الوقوع وفي ذلك مزيد تأكيد وفيه دلالة على أن المتوقع من عطاء الكريم في حكم الواقع.(13)

5- قوله: (أعطيناك) “لم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك الوصف فلما قال (أعطيناك) علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلا بل هي محض الاختيار والمشيئة.”(14)

ويدل على ذلك أيضا تقديمه الإعطاء على الأمر بالعبادة، فيدل ذلك كله على تشريف النبي ﷺ وأن الاختيار والعطاء إنما هو بمجرد الفضل والإحسان من الله تعالى من غير موجب.

6- إسناد الفعل إلى المبتدأ “إنا” وفي تبيين هذا يقول الرازي: “أنه بنى الفعل على المبتدأ وذلك يفيد التأكيد والدليل عليه أنه لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر فيصير مشتاقا إلى معرفه أنه بماذا يخبر عنه، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة..
وذلك كقول الملك العظيم لمن يعده ويضمن له -ولله المثل الأعلى- :أنا أعطيك، أنا أكفيك
وذلك لكون الموعود به عظيما -وهو الكوثر- فعظمه يورث الشك في الوفاء به، فكان إسناده إلى متكفل عظيم يزيل هذا الشك ويدحضه”.(15)

7- حذف موصوف الكوثر وهو أبلغ في العموم لما فيه من عدم التعيين، وفرط الإيهام والشياع والتناول على طريق الاتساع.(16)

8- الإتيان بالصفة التي تدل على المبالغة “الكوثر” وهي كما سبق المفرط في الكثرة، وهي كما فسرها ابن عباس الخير الكثير، ونقل الرازي في معناها 15 قولا(17) منها قول ابن عباس وذكر القرطبي فيها 16 قولا(18) منها ما يختلف مع ما عدده الرازي فيكون مجموعها 23 قولا، وقال صاحب البحر المحيط أن ابن النقيب ذكر في تفسيره 26 قولا(19) ولم أستطع الوقوف عليها، وكلها ترجع إلى معنى الخير الكثير كالنهر في الجنة والحوض وكثرة علماء الأمة وكثرة الاتباع والأشياع والنبوة والمقام المحمود والقرآن والإسلام.

9- تعريف الكوثر بالألف واللام “المعروف بالاستغراق لتكون لما يوصف بها شاملة ولإعطاء معنى الكثرة كاملة”.(20) وفي كل هذا التأكيد وهذه المبالغة تشريف للنبي ولأمته بهذا العطاء الجزيل، وتسلية لقلب النبي ﷺ في ظل ما أصابه من أذى المشركين.

10- استخدام الفاء في قوله: (فصل) التي تفيد التعقيب وعدم التراخي ففيه “التنبيه على أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي”.(21)

11- الفاء التي تفيد السببية من جهتين:”أحدهما: جعل الأنعام الكثيرة سببا للقيام بشكر المنعم وعبادته”(22)، “والثاني: سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له إنك أبتر فقيل له كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم”.(23)

12- فن المذهب الكلامي، أو كما ذكره ابن النقيب باسم الاحتجاج النظري، “وهو أن يذكر المتكلم معنى يستدل عليه بضرب من المعقول”(24)، تستنتج فيه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة، ففي هاتين الآيتين مقدمتان ونتيجة، فلما كان الشكر على مقادير النعم، ولما أمر الله تعالى نبيه بشكر هذه النعمة بالصلاة التي هي قوام الأعمال البدنية، نحر الإبل التي هي سنام الأعمال المالية -وإنما خص الإبل لأنها أعز أموال العرب، وفيه إشارة إلى الانقطاع عن الدنيا ولذاتها-، دل ذلك أن عطية الكوثر تعدل جميع العطيات(25)

13- التعريض بحال المشركين ممن كانت عبادته ونحره لغير الله تعالى، في قوله: (لربك)، أي مخلصا له في صلاتك وذبحك.(26)

14- وضع المظهر موضع المضمر: فلم يقل: فصل لنا وانحر، وإنما أظهر بلفظ الرب وهو نوع من الإطناب في الكلام، “ذلك أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين.”(27) “فأغنى هذا المعنى عن استعمال صيغة من صيغ الحصر، للدلالة على وجوب إفراد الله عز وجل بالصلاة والنسك.”(28)

15- الالتفات: من ضمير المتكلم في (إنا أعطيناك) إلى ضمير المخاطب في (لربك)، وهي من أمهات أبواب البلاغة، “فلما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من علو، فوقع الالتفات إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب، والإقبال لما يفيد من تحبيب”(29)، وفي إضافة رب لضمير المخاطب تشريف للنبي وتسلية له بأن الله يرأف به ويربيه.

16- إيجاز الحذف: ذلك أن تقدير الكلام فصل لربك وانحر له “فحذف اللام الأخرى لدلالته عليها بالأولى.”(30)

17- التوكيد الجاري مجرى القسم في قوله: (إن شانئك هو الأبتر).

18- الاستئناف الذي يفيد التعليل: فقوله: (إن شانئك…) استئناف معلل لقوله: (فصل…)، ففيه حث للنبي ودعوة له بالإقبال على الطاعة وعدم الاكتراث لأمر شانئه فهو الأبتر.

19- عدم ذكر اسم الشانئ: وإنما ذلك ليتناول كل من كان في مثل حاله(31)، وفيه تحقير له أيضا.

20- ترك التوجه له بالخطاب، وإنما ذكره بصيغة الغائب، فلم يقل: يا شانئ النبي أنت الأبتر أو ما شابهه، وفي ذلك امتهان له وتحقير لشأنه أيضا.

21- “أن الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة، فقال: (إن شانئك هو الأبتر) وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم”.(32)

22- قصر القلب المستفاد من ضمير الفصل “هو”: لأن ضمير الفصل أفاد حصر صفة الأبتر في الموصوف شانئ النبي واختصاصه بها، فكأنه يقول: هو الأبتر لا أنت.(33)

23- تعريف الخبر بالألف واللام: “الدالة على حصول هذا الموصوف له بتمامه”.(34)

24- الإتيان بالصفة على أفعل التفضيل بدلا من اسم المفعول(35): فلم يقل مبتور ولكن قال أبتر، ويدل ذلك على مبالغة استحقاق الموصوف لهذه الصفة.

25- أسلوب الحكيم: “وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن الأحق غير ما عناه بكلامه… وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير”(36)

26- الاستعارة: في قوله: (الأبتر) كما سبق، فشبه الذكر الحسن والخير بالعقب.

27- الطباق: في (الكوثر) و(الأبتر) “لأن الكوثر الخير الكثير والأبتر المنقطع عن كل خير”.(37)

28- إيجاز القصر: فعلى قصرها احتوت معاني جمة غزيرة، كما ذكرنا في تفسير الكوثر.

29- السجع(38): في خاتمة الآيات (الكوثر، انحر، الأبتر).

30- عدم التصنع والتكلف: فـ”مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل” فهي “خالية من تصنع من يتناول التنكيت، وتعمل من يتعاطى بمحاجته التبكيت”.(39)


[إعجاز القرآن](48):1

[تفسير الطبري](697-701/24):2

[أسباب النزول للواحدي](494-495):3

[الكشاف](806/4):4

[البخاري:4966]:5

[لسان العرب](195/5):6

[مقاييس اللغة](217/3):7

[العين](117/8):8

[روح المعاني](247/30):9

[تفسير الرازي](117/32):10

[تفسير الرازي](121/32):11

[تفسير الرازي](122/32):12

[إعجاز سورة الكوثر للزمخشري](57):13

[المرجع12]:14

[الرازي](121-122/32)بتصرف،وانظر[المرجع13]:15

[المرجع13]،وانظر[دقائق التفسير،ابن تيمية](312/5):16

[الرازي](124-128/32):17

[تفسير القرطبي](520-522/22):18

[البحر المحيط](556/10):19

[المرجع13]:20

[الرازي](129/32):21

[مقدمة تفسير ابن النقيب](254)”مطبوع باسم الفوائد المشوق لابن القيم”:22

[الرازي](131/32):23

[مقدمة تفسير ابن النقيب](136):24

[إعراب القرآن،للدرويش](598/10):25

[المرجع22]:26

[المرجع23]:27

[معارج التفكر](658/1):28

[نظم الدرر](290/22):29

[إعجاز سورة الكوثر](58):30

[المرجع22]:31

[الرازي](134/32):32

[التحرير والتنوير](576/30):33

[دقائق التفسير](314/5):34

[المرجع34]:35

[التحرير والتنوير](577/30):36

[التفسير المنير](831/15):37

[المرجع30]:38

[إعجاز سورة الكوثر](60):39

أم على قلوب أقفالُها؟

تعددت القوانين والأنظمة ويبقى دستور الحياة واحد، دستور إلهيٌ قائم على أساس تربوي وأخلاقي يرمي بالأساس إلى توجيه الخَلق للصراط المستقيم  وإشراق غسق الانحلال عن العقيدة والدعوة السمحة واللينة المليئة بالبراهين الشافية لأسئلة النفوس البشرية إلى الاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، فكان من رحمة الإله وحكمته أن أنزل آيات القرآن الكريم التي تُنزل السكينة على الصدور، المُضمدة للجراح  والحاملة بين أحضانها: أصول الفقه، الإعجاز (العلمي، البياني، الغيبي، والتشريعي)، والعظة والعبرة من الأقوام السالفة[1].

حيث تعددت أساليب الدعوة في القرآن الكريم فمنها ما يخاطب الألباب ومنها ما يخاطب الأفئدة، فكان من أهمها أسلوب الترغيب والترهيب، الذي أكده المفسرون، فهذا الزمخشري ينص على أن “من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار”، ويذكر ابن كثير أنه “كثيراً ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن…فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة، وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة، وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا؛ لينجع في كل بحسبه”[2]، فتمّثل هذا الأسلوب بآيات الوعد التي تُحفز في  نفس المؤمن الحماسة للشروع بفعل الأوامر المُكَلَّف بها ليحوز على الثواب الدنيوي والآخروي كما عَهِد له سبحانه في قرآنه العظيم فقال تعالى في سورة الدخان: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ(53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ(54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ(55)لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيم(56) فَضْلا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(57)}.

كما أنّ هذه الآيات المباركة تُوثِّق رباط الوداد بين العبد وربه لإنها تبعث في خافقه الشعور بالرضا الُمنطلق من طبيعة العلاقة الرابطة بين الله والمؤمن المبنية على عماد العطاء الرباني المعنوي والمادي للعبد الأوَّاب كثير الطاعات، بالإضافة إلى جعلها المسلم حليمًا على حاله أياً كان وزاهداً في ترف الدنيا ومتاعها لأنه مُتيّقن بالفوز العظيم من اللطيف الكريم وأنّه لا يُضيع أجر المحسنين، فكان هناك الكثير من الأمثلة على آيات الوعد لأشخاص صبروا وأطاعوا الله فبشرهم بأنّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا وما سيتمتعوا به من شراب وطعام لا مثيل له في الحياة الدنيا، فهذا جزاء العمل الصالح المُصَدّق باليقين (ومَن أحسنُ منَ اللهِ حُكماً لِقَومٍ يوقنون (المائدة(50)}.[3].

وهكذا يجب أن يكون ظن العبد بربه أنه الرحيم المعطاء مع عدم تعتيمه على الجانب الآخر الذي صرف الله تعالى الأنظار إليه بآيات الوعيد المُلاصقة لآيات التبشير لردع استمالة أهواء بني آدم للشهوات ولاستقامة  زيغ قلوبهم عن الحق، مثلما جاء بسورة الدخان التي تحدثنا عنها مُسبقا فهي لم تقتصر فقط على ذكر البُشريَات فقال تعالى عز وجل: ( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ(47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48))، فهذه الآيات العظيمة لها وَقعٌ خاص في الروح فهي تُثير الوجل والرعب فيها عندما تصدح و تتردد في المسامع مما يجعل الإنسان الحائد عن الطاعات المُنغمس بالمعاصي والذنوب يُفكر بالرجوع والإنابة إلى الله والعزم على التوبة النصوحة التي ستُنجيه من هذه الأهوال العظيمة الواصفة  لعذاب أهل النار وشرابهم ودركاتهم وكيفية نمط حياة الخلود في جهنم وبئس المصير، فهذا المضمون الخطير والمخيف الذي أنذرت به الآيات ليستدرك كلٌ منا نفسه ويَهُم بتصحيح ذاته سواء أكان ملتزما فيزداد التزاما وطاعةً واتقاناً للعبادات ليلوذ بالفرار من الدنو من هذا العقاب  إلى الفردوس الأعلى بإذن الله ورحمته، فإن لم يكن كذلك أي كان مُنقاداً وراء الشهوات ومُنحلاً عن الطاعات فيستذكر عاقبته الوخيمة والعياذ بالله، لذا يجب على الإنسان التفكر بآيات الوعد والوعيد والسعي لأخذ كل الدروس  المُستفادة منها والناصحة له مع الإطلاع على القصص القرآني الذي رافق العديد والعديد من آيات التبشير والتنبيه  لتعلم البشرية جمعاء أن وعد الله حق وأن ما أرسله مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام لم يكن سدى أوعبثا. [4]

فنرى نماذجا جما لمن أعموا أعينهم وصموا آذانهم عن الآيات ولم يأخذوا بالحكمة والدرس الذي تشير إليه،  فمنهم من نال وعيده  لأنه لم يذعن لها  ولم يؤمن بها كمن استهزؤوا بالبعث ومآل من لا يصدق به؛ لذا على الإنسان المسلم القويم  الحرص على عدم تجاهل آيات الوعيد وعليه أن يستنهض الهمة للأعمال الصالحة كي لا يكون من النادمين الذين كانوا  يمترون بوعيد الله الحق يوم لا ينفع فيه بيع ولا خُلّة ، وليكن حاله كحال الصحابة  رضيَ الله عنهم عندما  أنصتوا إلى الآيات القرآنية التي تتحدث عن العذاب  حيث وَجِلَت قلوبهم منها وزادتهم إيمانا كما قال تعالى : {إِنَّما المُؤمِنون الّذينَ إذا ذُكِرَ اللّه وَجِلَت قُلُوبُهُم وإذا تُلِيَت عليهم آياتُهُ زادَتهُم إيماناٌ}[5].

وبالحديث عن أهمية آيات الوعد والوعيد والدروس المُستفادة منها يتوجب على الإنسان الموازنة بينها فلا يجوز أن يكتفي بالقليل من الطاعات التي يظن بها أنه ضمن الفوز الأعظم بل يجب عليه المواظبة والإكثار من الأعمال الصالحة ما دام به نبض، محبةً لله و إقبالاً عليه وبالمقابل لا يجعل علاقته بالله علاقة خوف ورهبة شديدة تجعله  ينظر إلى الله بأنه شديد العقاب فقط، بل عليه أن يكون وسطاً بين رغبته برحمة الله وكرمه وجناته العُلا وبين رهبته من العزيز الجبار ذي البطش الشديد،  فروى الترمذي من حديث أنس: إني النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف». (الترمذي)[6]، فنسأل الله دائماً الثبات والطاعة، فقال عز وجل: (يُثّبتُ اللهُ الذين آمنوا بالقَول ِالثّابت في الحياةِ الدّنيا و فِي الآخِرةِ و يُضِلُ اللهُ الظّالمينَ ويَفعلُ اللهُ ما يشاء ( (سورة ابراهيم (27))[7].

وبعد هذه الكلمات المُطَولة والحروف التي حاولت جاهدة إصابة المُرام  الذي كان مفاده  أن ” لا مندوحة من التسليم بأن الكفار والمشركين والمنافقين والظالمين والمكذبين لا تلحق بهم شفاعة، ولا يكون لهم عفو، لما أكّده القرآن من وعد ووعيد. ولن يخلف الله وعده، سواء في الجنة أم في النار” (فرد، 2014م) [8] ، ولا جرم أنّ الكلمات حملت بين طياتها مدى أهمية هذه الآيات الكريمة وغايتها العظيمة التي أتضح  لنا من خلالها كم هي كبيرة  محبة الله لنا و رحمته الواسعة  بنا  حيث ولّى وجوهنا شَطرَ كل ما هو صالح لحياتنا في الدنيا والآخرة عن طريق سوره وكلماته التي تُرّتل في كل بيت مسلم مؤمن بالله تعالى مع أنه هو الغني عنا ونحن الفقراء إليه، فإن أراد الفرد منا أن يكتشف مطالب القرآن و مُراده عليه أن  ينفض النقع عنه الذي كساه بسبب طول الهجران ثم يتلوه حق تلاوته حتى يكون من الفائزين  (الُّذين آتيناهُمُ الكتابَ يتلونَهُ حقَّ تلاوتِهِ أولئكَ يؤمنون به ومن يكفر بهِ فأولئك هم الخاسرون (البقرة (121))[9].

 وقال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ, وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ, وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرّ…) (البخاري) [10]،  فلا يقرأه كلمحٍ بالبصر دون أن يفقه جماله الكامن  وإعجازه النادر على مر العصور والأزمان  كي لا يكون من الخاسرين.

لذا فلتحرص أخي المسلم على التفكر بالقرآن وفهم وتطبيق أوامر الله عز وجل التي وردت فيه، كما قال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (سورة محمد (24))[11]، واضعاً نُصب عينيك السعي وراء رضا الله  لأن التجارة مع الله لم ولن تبور لأنه لا يخلف الميعاد ، ولتكن مخافة الله تاجاً على رأسك فلا تتبع الشهوات ولا تلتفت إلى تشريعات البشر التابعة لهواهم (والله يريد أن يتوبَ عليكم ويريدُ الذين يتبعون َ الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً (سورة النساء آية (27))[12].


  د.فضل حسن عباس. (1991). إعجاز القرآن الكريم [1]

 دراسات قرآنية . (22 4, 2012). تم الاسترداد من اسلام ويب: https://www.islamweb.net/ar/article/174203 [2]

  أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي،. (1999). الكتاب الحاوي في تفسر القرآن الكريم. لبنان: دار الكتب العلمية [3]

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي،. (1999). الكتاب الحاوي في تفسر القرآن الكريم. لبنان: دار الكتب العلمية [4].

سورة الأنفال آية رقم(2) [5]

محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي [6].

سورة ابراهيم آية (27) [7]

 الشيخ عارف هنديجاني فرد. (2014م). الوعدُ والوعيدُ في القرآن الكريم. لبنان: جمعية القرآن الكريم [8].

سورة البقرة (121) [9]

 محمد بن اسماعيل البخاري. (بلا تاريخ). صحيح البخاري برقم  5427.[10]

  1. سورة محمد اية (24)

  [12]  سورة النساء آية رقم (27)