انتكاسة نحو الماضي.. الوثنية تعود للغرب من باب اليمين والقومية

عبد المنعم هيكل-الجزيرة نت


توصف حركات “الوثنية الحديثة” بأنها أحد أبرز التيارات الدينية في الغرب خلال العقود الأخيرة، وقد رأى بعض الباحثين صعودها بمثابة تحول طبيعي في ضوء تغول العلمانية ونبذ المنظومة المسيحية التقليدية.

ويطلق مصطلح الوثنية الحديثة أو الوثنيين الجدد لوصف العديد من الحركات والمجموعات التي أحيت عبادة الأوثان أو اتخذت طقوسا وثنية حديثة في أوروبا وروسيا والولايات المتحدة.

لكن هذه الفرق تتمايز في معتقداتها وتوجهاتها، فقد نشأ بعضها من مزج ممارسات وثنية قديمة مع أفكار وفلسفات حديثة، بينما سعى بعضها لإحياء ماضي أوروبا الوثني قبل المسيحية بكل ما فيه من طقوس وأساطير.

ونظرا لتشعب مذاهب الوثنيين الجدد واختلاف مشاربهم، صار من الصعب رصد نمو حركتهم، ودراستهم باعتبارهم ظاهرة واحدة. وثمة من يرى أنه لا ينبغي التعامل معهم كتيار فاعل ومؤثر في الغرب، لا سيما مع ابتعاده عن السياسة الحزبية في أغلب الحالات.

غير أن أعداد الوثنيين الجدد تتنامى في السنوات الأخيرة، وتقدر بمئات الآلاف في بلدان مختلفة، وتنظم الحركات الوثنية نفسها في مؤسسات مسجلة، كما نشرت عنها كتب وأبحاث عديدة.

ففي الولايات المتحدة تنمو جماعة “ويكا”، وهي إحدى الفرق الوثنية التي تدور ممارساتها حول السحر والتنجيم والاعتقاد في القوى الخارقة. ويقدر عدد من يعرفون أنفسهم بأنهم من أتباع الويكا أو من الوثنيين بنحو 1.5 مليون أميركي وفقا لمسح أجراه مركز “بيو” عام 2014، وذلك مقارنة بنحو 700 ألف فقط قبل عشر سنوات.

وفي بريطانيا يوجد نحو 70 ألف شخص يعرفون أنفسهم بأنهم وثنيون أو ممارسون للويكا، وفقا للإحصاء السكاني الرسمي الذي أجري عام 2011.

وفي آيسلندا، تفيد تقارير بأن الوثنية الإسكندنافية تعود بقوة، وأنها الآن “أسرع الديانات نموا في البلاد”، ويجري حاليا بناء معبد للوثنيين في أطراف العاصمة ريكيافيك، سيكون الأول من نوعه في آيسلندا خلال ألف سنة، لتقديس آلهة شعب الفايكينغ: أودن، وثور، ولوكي.

وفي الدانمارك أتم الوثنيون بناء معبد للإله أودين عام 2016، وذلك لأول مرة خلال ألف سنة.

الآلهة الجرمانية يعاد إحياء أساطيرها في أوروبا

الوثنية السلافية
وفي روسيا، توجد قرابة عشر منظمات رسمية تمثل الوثنيين، مع صعود ما يعرف بالوثنية السلافية الحديثة أو “رودنوفري” التي تعني “الملة السلافية الأصلية”.

وكان لهذه العودة الوثنية السلافية تأثير خاص لأنها متصلة بالنزعة القومية عند الشعوب ذات الأصول السلافية (الصقالبة)، التي تشمل الروسيين والأوكرانيين والبيلاروسيين والبولنديين والتشيكيين والبوسنيين والصرب والبلغار وغيرهم.

وفي بولندا، تثير الردة الوثنية حيرة وتساؤلا في بلد طالما افتخر بتقاليده المسيحية العريقة. وصارت للوثنيين منظمة كبيرة مسجلة تضم آلاف الأعضاء في بلد يشكل الكاثوليك فيه أكثر من 87% من مجموع السكان.

ويرى مسيحيون أوروبيون وأميركيون أن الوثنية الحديثة ليست إلا وجها آخر من وجوه المادية الغربية التي تنبذ الدين وترفض أي دور له في حياة الإنسان، وأنها إنما تقتبس من الماضي الأوروبي الأسطوري وطقوسه الغامضة في سبيل تلبية الحاجات الروحية وسد الفراغ الوجداني لدى الأجيال الجديدة في الغرب.

لكن الوثنيين الجدد بوجه عام يرون أن حركتهم هي سعي للوصول إلى حياة متناغمة مع الطبيعة وقواها، وعودة إلى التراث الأوروبي الذي ساهم في تشكيل الحضارة الغربية ومنح الثقة لإنسانها.

احتفال شعائري لإحدى جماعات الويكا في الولايات المتحدة (Wiki/Ycco)

زواج مع القومية والعنصرية
ومع أن الانطباع السائد لدى الغربيين المعاصرين عن هذه الوثنية الحديثة بأنها حركة متحررة مسالمة تستلهم التمرد الشبابي اليساري الذي ميز سنوات الستينيات، فإنها ليست كذلك في كل الحالات كما يؤكد الباحث إيثان دويل وايت من كلية لندن الجامعية.

يقول وايت إن العديد من فرق الوثنية الحديثة -وخاصة في وسط أوروبا وشرقها- هي مجموعات محافظة إلى حد بعيد، بل ورجعية في رؤاها الاجتماعية. ويوضح أن هذه المجموعات ترى في إحياء عبادة الآلهة السابقة للمسيحية تأكيدا على هويتها العرقية والقومية في خضم عولمة العصر الحديث.

وفي كتابها “الوثنية والتراث والقومية” تقول الباحثة كارينا أيتامورتو إن حركة الرودنوفري في روسيا -وهي من أبرز المجموعات الوثنية التي ارتبط اسمها بالتطرف القومي- ترسم صورة أمة عاشت في رخاء حتى بدأت تتجاهل تراثها وقيمها وتقلد نماذج أجنبية مثل المسيحية والشيوعية، وهو ما قضى على اعتزاز الأمة بنفسها وفقا للوثنيين الروس.

والحل عندهم كما تقول أيتامورتو هو العودة إلى الديانة الأصيلة للسلاف أو الروس حتى يشعر الشعب بذاته ويستعيد توازنه.

وفي الولايات المتحدة أيضا توجد حركات وثنية عنصرية قلما تأتي في صدارة الأخبار، لكنها برزت في أحداث تشارلوتسفيل بولاية فرجينيا في أغسطس/آب 2017، حين نظم العنصريون البيض والقوميون المتطرفون مسيرة تحت شعار “توحيد اليمين”.

وشارك في تلك المسيرة -التي قتل أحد العنصريين فيها ناشطة من مجموعة مناهضة للعنصرية دهسا بسيارته- الوثني البارز ستيفن مكنالن مؤسس “جمعية أساترو الشعبية”. ومن بين المشاركين أيضا السياسي الوثني الطموح أغسطس سول إنفيكتوس.

وتقول الكاتبة سارة ليونز في مقال بموقع “فايس” إنه “بالنسبة للعالم الخارجي قد يبدو ربط اليمين المتطرف بالآلهة القديمة والسحر أمرا سخيفا، لكنه مرتبط في الواقع بأفعال محددة من العنف والإرهاب”.

وأضافت في مقالها المنشور في أبريل/نيسان 2018 أن عضوا في مجموعة وثنية عنصرية أميركية بولاية فرجينيا تسمى “ذئاب فنلاند” قضى أكثر من عامين في السجن لأنه أحرق كنيسة للسود عام 2012.

 

المعمدانية.. الكنيسة التي تعتبر بابا الكاثوليك دجالا!

أحمد الحمصي


ربما يفاجأ معظم المسلمين إذا عرفوا أن الكثير من الكنائس المسيحية يكفّر بعضها بعضاً، وأن التاريخ المسيحي شهد حروباً عنيفة أيضا بين أتباع الكنائس المختلفة، بدءا بما يسمى “الانشقاق الكبير” الذي أسفر عن كنيسة كاثوليكية وأخرى أرثوذكسية عام 1054م، ثم انشقاق البروتستانت عن الكاثوليك في القرن السادس عشر، ووصولا إلى انشقاقات لا تحصى عن البروتستانتية نفسها، والتي لم يكتف بعضها بتكفير الكاثوليك، حيث ترى الكنيسة المعمدانية أن بابا الكاثوليك هو عدو المسيح (الدجال) نفسه.

جون سميث

تعود بداية المعمدانية إلى عام 1609 عندما نظمها جون سميث في إنكلترا، وكانت البداية برفضها معمودية الأطفال لعدم أهليتهم، فقالت إنه لا بد من تمتع المسيحي بحرية الاعتقاد عندما يصبح بالغا وأن يتعمد بالتغطيس الكامل.

نادت المعمدانية أيضا بفصل الكنيسة عن الدولة، واستقلال الكنائس المحلية، وتفسير الكتاب المقدّس تفسيرًا حرفيًّا، وأنكر بعضهم لاهوت المسيح، وتمسك بعضهم الآخر بمذهب وحدة الوجود.

ومن اللافت أنهم يعتبرون نشأتهم تعود إلى العهد الجديد من الكتاب المقدس، وذلك بعدما ترجم “وليم تندال” الكتاب المقدس من اللاتينية إلى اللغة الإنكليزية ونشرها عام 1526 في إنكلترا، فظهرت بذلك الكنائس الإصلاحية البروتستانتية، ومنها المعمدانية، عندما اكتشف العوام وصغار الكهنة تناقضات الكاثوليكية وخفايا وأخطاء الكتاب المقدس التي كان يخفيها كبار رجال الفاتيكان عن الناس.

يرفض المعمدانيون الكثير من مظاهر التبعية لرجال الدين، ويعتبرون دفع العشور أمرا إلهيا، وأن الأسرار المقدسة بدعة لم يثبتها الإنجيل، ويرفضون الاعتراف للكاهن والصلاة للقدّيسين.

أما بابا الفاتيكان فيعتبرونه عدوا، إذ تقول وثيقة “إقرار الإيمان المعمداني” في الفصل السادس والعشرين: “لا يمكن أن يكون بابا روما بأي شكل هو رأس الكنيسة، وإنما هو عدو المسيح، وإنسان الخطيئة، وابن الهلاك الذي يمجد نفسه في الكنيسة بمواجهة المسيح”.

ويقول القس المعمداني وديع ميخائيل في كتابة “سلطان الكنيسة.. أين”: “لا توجد خلافة للرسل. يقول الأسقف رايل فقد كان لهم (للرسل) موهبة إعلان الإنجيل بدون أخطاء، وبدقة معصومة إلى الحد الذي لم يأت أحد بعدهم ليعمل ما عملوه، في هذا الصدد وبكل الدقة لا يوجد شيء اسمه الخلافة الرسولية” [ص27].

الفاتيكان

يهاجم المعمدانيون أيضا الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الذي أسس المسيحية في شكلها الحالي، فيقول ج.م كارول في كتابه تاريخ الكنيسة المعمدانية “تحت قيادة الامبراطور قسطنطين جاءت فترة مهادنة وتودد بغرض الزواج، إذ سعت الإمبراطورية الرومانية في شخص إمبراطورها قسطنطين إلى الاقتران بالمسيحية أو قالت وقتئذ قولها أعطونا من قوتكم الروحية ونحن نعطيكم من قوتنا الدنيوية.. وفي سنة 313م وجه نداء إلى جميع الكنائس المسيحية أو ممثليها يجتمعون معًا، وحضر المجمع كثير من الكنائس وتم الاتحاد وتكونت حكومة الكهنة، وبتكوين هذه السلطة الكهنوتية أنزل المسيح عن العرش بصفته رئيسًا للكنائس وتوج الإمبراطور قسطنطين كرأس للكنيسة” [تاريخ الكنيسة المعمدانية، ترجمة هارفي لبيب ميخائيل، ص 44].

ويقول أيضا “إن الكنيسة الزانية التي أقرنت بالحكومة سنة 313م في أيام الإمبراطور قسطنطين الأكبر أصبحت الآن رأس البيت، وهي الآن تملي السياسة على حكومة البلاد” [ص 73].

ومن عقائد هذه الطائفة إنكار حدوث المعجزات على أيدي القديسين، ويقولون إن المعجزات انتهت بانتهاء عصر الرسل وأي معجزات تحدث اليوم فمصدرها هو الشيطان.

انتشرت المعمدانية في القارة الأميركية الجديدة عندما هرب الكثير من البروتستانت من إنجلترا إلى العالم الجديد في القرن السابع عشر، ثم تأسست عدة كنائس معمدانية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

تعد هذه الكنيسة اليوم صاحبة نفوذ قوي في أميركا، فهي تملك دور نشر ومؤسسات تربوية وإعلامية ومستشفيات وملاجئ للأيتام ودورا للعجزة، ولها نشاط تبشيري عالمي.

ومع أن هذه الطائفة المنشقة حملت أفكارا ثورية وإصلاحية، فقد تفرقت أيضا أحزابا ومذاهب عدة، وصارت هناك كنائس معمدانية كثيرة ومتعددة، بل ومتناحرة أحيانا.

ومنذ ثمانينات القرن العشرين، هناك جهود كبيرة تبذل لإجراء حوار بين المعمدانية والفاتيكان، وفي 2007 أجرى البابا بيندكت السادس عشر سلسلة لقاءات مع زعماء المعمدانية، كما صرح رئيس الجمعية العالمية المعمدانية جون أبتون عند استقالة البابا في 2013 بأنه يقدر الحفاوة التي وجدوها في الفاتيكان. وهذا يعني أن البابا لم يعد في رأيهم -المعلن على الأقل- بمثابة الدجال!

عرض كتاب “الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان”

إبراهيم إسماعيل


الكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها الدكتور محمد عبد الله دراز على طلبة كلية الآداب في خمسينيات القرن الماضي، في جامعة القاهرة التي كانت تسمى جامعة فؤاد الأول.

يبدأ المؤلف مقدمة كتابه بتمهيدٍ رَسَم من خلاله خريطة تاريخية عن مكانة الدين في الحضارات القديمة في مصر واليونان وبلاد الرومان، ثم في العصر المسيحي، والعصر الإسلامي، وانتهى إلى العصر الحديث، وأسهب في شرح حال الدين في مختلف هذه العصور والمراحل، وأشار لقضايا الشك والتسامح في هذه الحِقَب.

والحقيقة أن ثمة مشكلة منهجية يقع بها الكثير من دارسي الأديان، ذلك أنهم لا يعرِّفون الدين فتراهم يخلطون بين ما هو دين، وبين ما هو خرافة أو فلسفة أو عادة اجتماعية أو تقليد قبلي.

لذلك أصر دراز رحمه الله في البحث الأول على تجلية هذا المفهوم تجنباً للخلط، وأراد أن يتحدث عن الدين بمفهومه العام لا الأديان السماوية فقط، ولا الأديان الصحيحة فقط، وإنما ظاهرة الدين بحد ذاتها أياً كانت، وحاول فهم الأمر ابتداء من اللغة ومعاجمها، وانتهى إلى خلاصة لغوية في معان متقاربة، ويدور بعضها حول بعض، بعد ذلك طاف على تعريفات الكثير من الفلاسفة والمفكرين وتناولها بالنقد والتمحيص الذي أظهر من خلاله أن ثمة قصوراً في الكثير من هذه التعريفات.

واستطاع المؤلف في نهاية تطوافه وبحثه أن يصل إلى تعريف يرتضيه وهو:

“الاعتقاد بوجود ذات -أو ذوات- غيبية علوية، لها شعور واختيار، وتصرُّف وتدبير في الشؤون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث الإنسان إلى مناجاة هذه الذات، رغبةً ورهبةً في خضوعٍ وتمجيد”.

وناقش قضية الألوهية في الأديان، واستحالة استبعادها من أي دين، وفرَّق بين تقديس الإنسان للإله، وتقديسه لشيء آخر كتقديس العرض أو الشرف مثلاً، وبين أنه لا يمكن للدين أن يقف عند الحس، ويمتنع عن التفكير في ما وراء الطبيعة، لذلك يعيش المتدين حالة من الثقة بمعبوده، ولا يقف عند العادة الجارية كما يفكر الطبيعيون، ففي الأديان نزعة إلى الأمل والحرية والاختيار، وهذه النزعة تمهد للعلوم لتتقدم وتفكر أكثر من حدود الواقع.

ويعيب دراز على بعض العلماء الغربيين الذين يحذفون الروحية والألوهية من فكرة الدين، بأنهم يحذفون الأساس المميز للدين، والذي يعني أن ما يسمى ديناً عند هؤلاء بعد سحب هذين العنصرين منه يمكن أن ينطبق على أي نشاط اجتماعي، لا سيما إن كانت عادات متوارثة، كرفع الأعلام في الأعياد، وأناشيد السلام الوطني، ولبس السواد في الحداد وغير ذلك.

وذهب في البحث الثاني للحديث عن علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب (الدين والأخلاق، الدين والفلسفة، الدين وسائر العلوم)، فذكر أولاً علاقة الدين بالأخلاق وتناولها من ناحيتين، الأولى “التجريدية”، وخلص فيها الى أن الدين والأخلاق في أصلهما حقيقتان منفصلتان في النزعة والموضوع، متلاقيتان في النهاية، فينظر كل منهما للآخر من وجهة نظر مختلفة من جهة، متفقة من جهات أخرى، فالنظر للدين من حيث هو نظرة للحق الأعلى وتوقيره، والخلق من حيث هو قوة النزوع إلى الخير وضبط النفس عن الهوى.

والناحية الثانية هي”الواقعية”، والتي لم ير فيها تشابها أو علاقة وثيقة بين كل من الدين والأخلاق لا من حيث المنشأ ولا التكون والتطور في النفوس، بيد أن الشعور الأخلاقي عند الطفل مثلاً سابق للشعور الديني، لذلك فهو يستحسن بعض السلوكيات ويستهجن أخرى، بينما لا يتفطن إلى تعليل ظواهر الكون وتقديس سر الوجود إلا بعد دور ثان يكون فيه أنمى عقلاً، وقد لا تستقى القوانين الأخلاقية من وحي الدين، وإنما من قوانين العقل، أو وحي الضمير، أو سلطان المجتمع، أو المصالح والمنافع كما تفعل بعض الدول، فهي تسن القوانين الأخلاقية دون العودة للدين.

أما في المحاورة العصرية فيرى أن الدين والخلق، متداخلان تارة ومستقلان تارة أخرى، ويمثِّل لذلك بقولنا فلان ذو دين وخلق، واختلاف الدلالة فيما لو قيل ذو دين فقط، أو ذو خلق فقط.

وذكر بعد ذلك علاقة الدين بالفلسفة، ورأى علاقة أوثق بينهما، فكلاهما يبحثان الغاية نفسها: معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة السبيل إلى سعادة الإنسان العاجلة أو الآجلة. ولكن بالرغم من أن غاية كل من الدين والفلسفة واحدة في هذا المجال الا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتفقا في النتيجة، ويشير إلى الاختلاف في الفلسفة نفسها، وصولاً للتعارض والتضارب بين الفلاسفة أنفسهم، ويستعرض تفريق علماء الغرب بين الدين والفلسفة، ويناقشها وينقدها، ويصل بنفسه إلى إيجاد الفرق بين الدين والفلسفة، وهو أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر ، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما. وهي بكل صورها عمل إنساني. مبيناً أن غاية الفلسفة المعرفة، وغاية الدين الإيمان، ومطلب الفلسفة فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، ومطلب الدِّين روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به. وهو صنعة إلهية ومنحة منه إلينا، لتكتمل حياتنا بها، فالفلسفة بالنهاية هي عمل إنساني، بينما الدين صنعة إلهية، وذكر كيف أن بعض الفلسفات تناقض الدين تماماً  كالفلسفة المادية.

أما العلاقة الثالثة فهي علاقة الدين بسائر العلوم، وأسهب في الحديث حول هذا الموضوع، فتحدث عن مراتب العلوم وغاياتها وفسَّر المصادمات بين حملة الأديان وحملة العلوم، بسبب وقوف أحد الطرفين موقف الرافض التام لما عند الآخر، لا على حجة ولا برهان، وإنما مجرد رفض اعتباطي، ورأى أن من واجب الأديان أن تهادن العلوم ولا تنابذها، وعلى العلوم أن تفسح المجال للأديان لتتم ما فيها من نقص، فإن لم تفعل فلا أقل من أن تلتزم الحياد، ولا تعلن العداوة وتنكر الأديان جملة، لأن هذا الإنكار هو إنكار لأمور واقعية تحتويها الأديان ولا تحتويها العلوم ألا وهي عناصر الإيمان.

وأمر آخر أن عدم العداوة بين الدين والعلوم مساعد في بيان صحة الدين، فالأصل أن يتفق الدين مع العلم الصحيح، والعقل السليم، لذلك فالدين الحق والعلم يتناصران ويتصادقان، أما إن تخالفا وتخاذلا فلا شك أن أحدهما باطلاً.

و في البحث الثالث تحدث عن “نزعة التدين” ومدى أصالتها في الفطرة، فكان حديثه حول أربع نقاط:

1- مدى أقدمية الديانات في الوجود، حيث أنكر على بعض علماء الغرب الذين قالوا إن الظاهرة الدينية ظاهرة مستحدثة، وإن البشرية عاشت لفترات طويلة حياة مادية بحتة، ورأى أن هذه النظرة الساخرة للأديان ليست جديدة بل هي ترديد لمجون أهل السفسطة من فلاسفة اليونان القدماء، حيث روجوها دعماً لمذهب الشك، وفي رده على هؤلاء لا ينكر وجود عقائد معينة قد تكون استحدثت، بيد أن الحقيقة تقول: لم توجد أمة بغير دين.

2- مصير الديانات أمام تقدم العلوم حيث بين أن كثيراً من الجهلاء قد يكونون جاحدين، وكثير من العلماء قد يكونون مؤمنين، ورد دعوى “أوغست كونت” في شيخوخة الأديان، فذكر أن التدين نزعته خالدة في النفس البشرية بشهادة كبار العلماء، وأن التحليل العلمي دائما ما ينتهي إلى الانتصار لقضية الغيب من حيث الأسباب والغايات وأن نهاية العلم ليست إلى اطفاء غريزة التدين بل زيادة إشعالها.

3- ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية: فأوضح أن هذه النزعة هي تعبير عن حاجات النفس البشرية، فكما أن الإنسان يمكن أن يعرف بأنه حيوان مفكر، فهو يصلح لأن يعرف بأنه حيوان متدين بطبعه، ومرجع تدينه يعود لنفسه، التي لا تفتأ تتطلع إلى الأسباب والغايات والجزاء، وأن وجدانه في جهد لإشباع العواطف النبيلة، وهذا ما يجعل له إرادة تنمي فيه البواعث والدوافع اللازمة لذلك.

4-وظيفة الأديان في المجتمع: فتحدث عن حاجة المجتمعات للدين والأخلاق وبين أن الدين وحده هو ما يضمن تماسك المجتمع، ذلك أن قوة الدين لا تدانيها أية قوة في مجال احترام القانون، ويساهم الدين بربط معتنقيه برباط من المحبة والتراحم، فالعلوم والثقافات ليست كافية لتحقق السلام فالعلم سلاح ذو حدين يستعمل في الهدم والتدمير، كما يستعمل في البناء والتعمير، ولا يضمن حسن استخدامه إلا الدين، ذلك أن الإنسان ينساق من باطنه لا من ظاهره، فقوانين الدولة ليست كافية لإنشاء المجتمع الفاضل.

وفي المبحث الرابع والأخير، وهو الأطول بين مباحث الكتاب، وأكثر فصول الكتاب عمقاً وإشكالية حيث يبحث في نشأة العقيدة الإلهية أو نشأة الدين لا من حيث البحث التاريخي، بل من حيث تشكل الظاهرة الدينية في الإنسان في أي زمان ومكان.

يرى أن قانوني السببية والغائية متى فُهما أوصلا إلى عقيدتي التوحيد والخلود، فقانون السببية يجعل من المحال أن يوجد شيء بلا مسبب، وقانون الغائية يقول إن كل موجود متناسق لا يمكن أن يحدث بلا قصد، وإن كل قصد يجب أن يهدف إلى غاية.

يُلقي الشيخ دراز نظرة جامعة على النظريات والمذاهب المفسرة لنشأة العقيدة الإلهية ويعرض ما فيها من إيجابيات (وهو تأكيد أصحاب هذه المذاهب على صحة نظرياتهم)، وسلبيات (وهو إنكار أصحاب كل مذهب لمسلك المذاهب الأخرى)، ومن ثم يعرض الأدلة والآيات من القرآن الكريم التي تبرهن على عالمية كتاب الله عز وجل باحتوائه على كل المناهج التي يتبعها البشر باختلاف ميولهم وطبائعهم للوصول إلى الحقيقة.

تحدث الشيخ أيضا عن نشأة العقيدة الإلهية ودعائمها في العقل والغريزة وعواملها في الوعي والشعور عن طريق ذكر الاسباب التي أدت إلى إيقاظها في النفوس.

وعندما عرض لكل مذهب حاول تفسير “علة” منشأ هذه العقيدة وذكر الإشكالات التي أثيرت حول هذه النظريات وقدم نقداً لكل نظرية منها، فذكر نظريات كل من: المذهب الطبيعي ورائده ماكس ميلر، المذهب الروحي ورائداه تايلور وهربرت سبنسر، المذهب النفسي ورواده ساباتييه وبرغسون وديكارت، المذهب الأخلاقي ورائده إيمانويل كانت، المذهب الاجتماعي ورائده إميل دوركهايم.

وأورد تلخيصاً في نظرة جامعة لهذه النظريات محاولاً التوفيق فيما بينها، بعد طرحه الاختلافات، فغدا الاختلاف بينها اختلاف “تعاون وتكامل لا اختلاف تعاند وتناقض” على حد قوله.

وتمت إضافة ملحق صغير (من عشر صفحات) للكتاب يبحث “موقف الإسلام من الديانات الأخرى وعلاقته بها”، والحقيقة أنه اقتصر على بحث علاقة الإسلام بالمسيحية واليهودية دون غيرهما، حيث ذكر أن الإسلام ليس اسماً لديانة خاصة، بل هو دعوة جميع الأنبياء والرسل، واستشهد بآيات على لسان الرسل في دعوتهم للإسلام، وبناء على ذلك فالإسلام بالمعنى القرآني لا يُسأل عن علاقته بالأديان الأخرى، إذ كيف يسأل عن علاقة الشيء بنفسه، بيد أن استعمال كلمة الإسلام بحد ذاتها، صارت لها دلالة على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالحديث عن علاقة الإسلام –بمعناه العرفي الجديد- بالأديان الأخرى، أي علاقة المحمدية بالموسوية والعيسوية، فيبين أن العلاقة مرت بمرحلتين، الأولى مرحلة التصديق، ويشير هنا إلى ما يدل على وحدة المصدر من خلال بعض التشريعات والأوامر الأخلاقية، والمرحلة الأخرى بعد تقادم العهد والتطور والتحرر بسبب طول العهد في تلك الديانات.

البهائية وتأويلاتها الباطنية للقرآن الكريم (2 من 2)

د. سامي عطا حسن


بنت البهائية قواعد مبادئها -كغيرها من الفرق الباطنية الغالية- على التأويل الباطني، فأولوا “النبأ العظيم” في قوله تعالى “عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ” [النبأ: 1-5] بأنه ظهور البهاء وظهور دعوته التي سيختلف فيها الناس[1].

بينما تؤولها طائفة الإسماعيلية تأويلا مغايرا، فقال الداعي الإسماعيلي جعفر بن منصور اليمن: “المراد بالنبأ العظيم: صاحب الزمان –الناطق السابع محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق- مستجاب أهل السموات والأرض إذا نزلت بهم نازلة”[2]، وهل كان مشركو مكة مختلفين في أمر علي كرم الله وجهه وأمر البهاء، أم في أمر البعث والجزاء كما دلت على ذلك الآيات التالية من السورة؟ ثم إن هذا التأويل المتناقض للفرق الباطنية يدل على أن كل طائفة تؤول بما شاء لها الهوى، كما يدل على أن البهائية ليست إلا امتدادا للباطنية القدامى، الذين لا يؤمنون بقرآن، ولا سنة، ولا دين، وإنما يتخذون من تأويل النصوص معاول لهدم الإسلام.

وأولوا الخروج في قوله تعالى: “واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج” [ق: 41-42] فقالوا: إن المراد بالخروج: خروج البهاء[3].

وفي تأويله لآيات من سورة الانفطار قال البهائي أحمد حمدي آل محمد: “إذا السماء انفطرت”: أي سماء الأديان انشقت، “وإذا الكواكب انتثرت” أي رجال الدين لم يبق لهم أثر.

“وإذا البحار فجرت”: أي فتحت القنوات كقناة السويس التي وصلت بين البحرين، “وإذا القبور بعثرت”: أي فتحت قبور الآشوريين، والفراعنة، والكلدانيين، لأجل دراستها[4]. وهذا مخالف لتأويل البهاء نفسه، إذ قال في تأويلها: “إن المقصود هنا سماء الأديان التي ترتفع في كل ظهور، ثم تنشق وتنفطر في الظهور الذي يأتي بعده، أي: أنها تصير باطلة منسوخة”[5]، بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله:”إذا السماء انفطرت“: قالوا في التفسير أي أهل الظاهر: انشقت، ونقول: أي أهل الباطن تبطل أحكام الشرائع. “وإذا الكواكب انتثرت” أي تبطل مقامات الحدود في دين الله”.

ألا تعطي هذه التأويلات المتناقضة صورة واضحة لمنهج الباطنيين المعوج في التلاعب بآيات القرآن حسب أهوائهم، فليس لتأويلاتهم قواعد ثابتة، أو أصول راسخة، مع زعمهم أنهم يأخذون عن المعصوم، كما أنهم لم يلتزموا بقواعد التفسير أو التأويل التي اتفق عليها العلماء الثقات. ثم إن الآيات السابقة لا تؤيد مدعاهم، فقد افتتحت السورة بتوقيت يوم الحساب بأشراط وعلامات كاختلال نظام العوالم، ثم وعظت المشركين ولفتت أنظارهم إلى ضرورة النظر في الأسباب التي حرفتهم عن التوحيد، وأبطلت دعاوى المشركين المنكرين للبعث والجزاء، وخلصت إلى بيان جزاء الأعمال الصالحة بإيجاز، وأطنبت ببيان جزاء الأعمال الفاجرة، لأن مقام التهويل يقتضي الإطناب فيه، ثم آيسهم من أن يملك أحد لأحد نفعا، أو ضرا، وأن الأمر يومئذ كله لله تعالى، فليس في السورة ما زعموه بتأويلاتهم الباطلة، التي لا سند لها سوى الهوى الآثم، والكذب والافتراء على الله.

ميرزا حسين الملقب بالبهاء

وانظر تأويل البهائية لآيات من سورة التكوير إذ قال البهائي أحمد حمدي آل محمد في تأويلها “إذا الشمس كورت“: أي ذهب ضوؤها. “وإذا النجوم انكدرت“: أي أن الشريعة الإسلامية ذهب زمانها، واستبدلت بشريعة أخرى. “وإذا الجبال سيرت“: أي ظهرت الدساتير الحديثة. “وإذا العشار عطلت“: أي استعيض عنها بالقطارات. “وإذا البحار سجرت“: أي أنشئت فيها البواخر. “وإذا النفوس زوجت“: أي اجتمع اليهود، والنصارى والمجوس على دين واحد فامتزجوا، وهو دين الميرزا حسين الملقب بالبهاء. “وإذا الموؤدة سئلت”: وهي الجنين يسقط هذه الأيام فيموت، فيسأل عنه من قبل القوانين لأنها تمنع الإجهاض. “وإذا الصحف نشرت“: أي كثرت الجرائد والمجلات. “وإذا السماء كشطت”: أي انقشعت الشريعة الإسلامية ولم يعد أحد يستظل بها، وعطلت أحكامها. “وإذا الجحيم سعرت“: لمن عارض البهاء. “وإذا الجنة أزلفت“: أي لأتباعه المؤمنين من البهائيين[6]“.

بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله:”إذا الشمس كورت” أي: ذهبت آثار شرائع الأنبياء، التي هي كالضوء من الشمس. “وإذا النجوم انكدرت” أي: تسقط مراتب الحدود حتى لا يبقى لها أثر. “وإذا الجبال سيرت” أي: استخدم الجبارين في الأرض، فيكونون كلهم طائعين لصاحب القيامة. “وإذا العشار عطلت” أي: أبطل التعليم بإزالة الحدود من رتبهم.

وإذا الوحوش حشرت” أي: جمع من على وجه الأرض على الطاعة. “وإذا البحار سجرت” أي: أقيمت حدود ظاهر الشريعة، وأعيد ما كان محذوفا منها من كلام المبتدعين والأبالسة، ويكون ذلك في الوقت المعلوم. “وإذا النفوس زوجت” أي: وجمع كل إلى قرينه وشبيهه من المنافقين والمجرمين. “وإذا االموءودة سئلت بأي ذنب قتلت” أي وسئلوا بأي حجة أخر من أخر من حدود الله عن مراتبهم، وقدم عليهم غيرهم. “وإذا السماء كشطت“: أي محي ذكر أئمة الضلال من القلوب، بإبطال دورهم. “وإذا الجحيم سعرت“: أي أقيمت آية وعيد الله للمعاندين لأمره من حجة صاحب القيامة. “وإذا الجنة أزلفت”: أي أقيمت موائد الله للمتقين في الدنيا والآخرة.

وفي الحقيقة لا نجد في هذا التأويل سوى سخافة وهذيان من ورائه نحل ضالة تحارب الإسلام، وتعمل جاهدة للتشويش على عقائد المسلمين. ثم إن الآيات التي حملوها ما لا تحتمل، فقد “ذكر فيها وقت قيام الساعة، وعلامات حضورها، والبعث، والحساب، والجزاء، وإثبات أن القرآن الذي أنذرهم بذلك وكذبوه، هو كتاب من عند الله، وتبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من بعض ما وصمه به المشركون، من أنه ينطق بكلام الجن، وذكر ذلك الوقت، والإطناب فيه، أسلوب من أساليب تحقيقه في النفوس، وتصديق من أخبر به”[7].

ويرى البهائيون أن قوله تعالى: “ثم إن علينا بيانه” [سورة القيامة: 19] تصريح من جانب الحق بأن تأويله لا يظهر إلا عن طريق شخص يصطفيه الله للقيام بذلك، وهو البهاء[8]. بينما يستدل البابيون أن المقصود بالآية هو “كتاب البيان المقدس”. فالصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، والمفسرون، والفقهاء، والعلماء، والمفكرون، كانوا حسب زعمهم محجوبين عن فهم هذه الآيات على وجهها إلى أن جاءهم هذا البهاء.

ثم إن هذه التأويلات البعيدة الغريبة، لا تدل عليها اللغة، ولا يشهد لها ظاهر الكلام، ولا سياقه كما تبين لنا تعارض وتناقض الفرق الباطنية في تأويل الشيء الواحد، وأن هذه الفرق اتخذت من التأويل الباطني الفاسد خطة منهجية في حربها على الإسلام[9].

وأول البهائي أحمد حمدي الشجرة المباركة في قوله تعالى “يوقد من شجرة مباركة” [النور: 35] بأنها: الميرزا حسين علي، الملقب بالبهاء.

وأول قوله تعالى: “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة..” [إبراهيم: 27] فقال: الحياة الدنيا: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والآخرة: الإيمان بالميرزا حسين علي اللقب بالبهاء.

وأول قوله تعالى: “والسموات مطويات بيمينه” [سورة الزمر: آية 67] فقال: المقصود بها: الأديان السبعة: البرهمية، والبوذية، والكونفوشيوسية، والزرادشتية، واليهودية، والنصرانية، والإسلام، ثم قال: إنها جميعا مطويات بيمينه، أي بيمين الميرزا حسين[10].

وبعد مقارنة التأويلات البهائية بما سبقها من تأويلات باطنية، نجد أن البهائية تقوم على أطلال الباطنية، وأنهم يهدفون من خلال تأويلاتهم الباطنية الفاسدة لآيات القرآن الكريم هدمه بمعول التأويل المنحرف، بعد أن فشل أسلافهم من غلاة الباطنية في تحريفه، كما حرفت الكتب السابقة.


الهوامش

 [1]  – الحراب في صدر البهاء والباب: ص55

 [2]  – كتاب الكشف: ص 31.

 [3] – الحراب في صدر البهاء والباب، ص 56

 [4] – التبيان والبرهان: ج2/ ص 131.

 [5] – الإيقان: ص 31.

 “[6] ” – التبيان والبرهان: ج2/ ص 120-121.

 [7]  – تفسير التحرير والتنوير، جزء عم: ص 181.

 [8]  – الحجج البهية: ص85. وانظر تركيز الدكتور فلاح الطويل على هذا المعنى – الذي ذهب إليه الجرفادقاني – في كتابه: عالمية القرآن والرمزية فيه، ص 9، 37، 154، وغيرها

 [9]  – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : ج3/ ص 313.

 [10]  – التبيان والبرهان: ج2/ ص 100، 137.

البهائية وتأويلاتها الباطنية للقرآن الكريم (1 من 2)

د. سامي عطا حسن


عندما يكون هناك فراغ فكري تصبح الأمة نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب لملء الفراغ، وذلك على حساب عقائد الأمة التي يقوم عليها تراثها الفكري والحضاري، والأمة الإسلامية –بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث- عاشت حالة من الفراغ الفكري، سببه الرئيس الجهل بحقائق الإسلام ومبادئه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما مكن لكثير من الفلسفات المادية، والمذاهب الباطنية الهدامة، أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين، وتفسد عليهم تصوراتهم وما فيه حياتهم. وكانت البهائية من أبرز هذه المذاهب الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين، ولم تأت بجديد، إنما نبشت ما قبرته الأيام من ضلالات الإسماعيلية وغيرهم من الفرق والطوائف الباطنية الغالية “أي المتطرفة”، إضافة إلى ما ورثته من خرافات ديانة البابية.

الجذور التاريخية للبهائية
البهائية وريثةُ البابية التي تنتسب إلى الباب: علي محمد الشيرازي، والباب لفظة كثيرة التداول في أدبيات الفرق الباطنية، يطلقونها على بعض أركان دعواتهم، فالباب عندهم هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يوجد داخل البناء، فهو إذن واسطة للمعرفة، متخذين من حديث يتردد على ألسنة المسلمين يقول “أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها”[1] سندا لصحة مزاعمهم، ولم تشتهر هذه اللفظة بمثل ما شهرها به علي محمد الشيرازي، الذي أسمى نفسه الباب، وتبعه أناس تلقبوا فيما بعد بالبابية، وكان عدد من اجتمع حوله من كبار تلامذة الرشتي ثمانية عشر شخصا أطلق عليهم لقب أصحاب أو شهداء “حي”[2]، وأمرهم بالانتشار في إيران والعراق يبشرون به وبدعوته، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه، ثم عاد إلى إيران، وهناك أعلن عن دعوته، واشتهر اسمه، فثار المسلمون عليه، ثم جمع والي شيراز بينه وبين علماء إيران، فناظروه وأظهروا ما في دعوته من ضلال، فاعتقله الوالي في سجن شيراز، ولكن هذا الاعتقال لم يمنعه من الادعاء بأنه يوحى إليه، فقرر الوالي قتله لولا لجوء الباب إلى التقية، فأخفى معتقده وأظهر ما يخالف ذلك، ونفى أنه يزعم أنه واسطة بين الناس والإمام المنتظر، فأطلق الوالي سراحه، ليبدأ الدعوة لمذهبه من جديد، فأمر الشاه ناصر الدين باعتقاله، وفي معتقله ألف الباب كتابه “البيان”، وزعم أنه أوحي إليه به، وأنه ناسخ للقرآن الكريم، فثار عليه العلماء، وأصدر الشاه ناصر الدين أوامره بإعدام الباب، وعلقت جثته في ميدان عام بمدينة تبريز، ثم أخفى أتباعه جثته في تابوت ودفنوه خارج طهران، ثم نبشوا القبر وأخرجوا التابوت حين طلب عباس أفندي الملقب بـغصن الله الأعظم -نجل البهاء- نقل الجثة إلى ثغر “حيفا” في فلسطين حيث تم دفنه هناك[3]، ليصبح المكان فيما بعد قبلة للبابيين، ثم البهائيين، حيث تم دفن جثة بهاء الله بجوار الباب في بهجة الكرمل، على منحدرات جبل الكرمل.[4]

نشأة البهائية

مقر البهائية في حيفا تحت رعاية الكيان الصهيوني

البهائية نحلة ورثت البابية، لتعبد من دون الله “حسين علي بن الميرزا عباس المازنداني”، الملقب “بالبهاء”. عرف البهاء البابية على يد أحد دعاتها في طهران، وأصبح من كبار دعاتها. ولما دبر البابيون مكيدة لاغتيال الشاه ناصر الدين، تبين للحكومة الإيرانية أن للبهاء وإخوانه يدا في تدبير هذه المكيدة الفاشلة، فأودعوهم السجن ريثما يصدر الأمر بالقصاص منهم، إلا أن تدخل القنصل الروسي والسفير الإنجليزي لدى الشاه حال دون ذلك، فصدر الأمر بنفيهم إلى بغداد.

وصرح “بهاء الله” بأنه لم ينج من الأغلال والسلاسل إلا بجهود قنصل الروس، فقال في سورة الهيكل: “يا ملك الروس: ولما كنت في السلاسل والأغلال في سجن طهران نصرني سفيرك”[5].

وكان الباب قد أوصى بخلافته من بعده للميرزا يحيى الملقب بـ”صبح أزل”، وجعل أخاه الميرزا حسين “الملقب ببهاء الله” وكيلا له. وكاد البهاء بدهائه وبمساعدة بعض البابيين فرض زعامته على من تبقى من البابيين لولا حادث ذهب بأمانيه أدراج الرياح، وهو نفي البابيين من بغداد إلى إسطنبول وغيرها من البلاد، وذلك لأنهم يحتفلون في أول شهر المحرم من كل عام هجري بعيد ميلاد الباب، ففي أول المحرم من عام 1379هـ احتفل البابيون بهذا العيد، فاجتمعوا في حديقة تسمى “باغ رضوان”، أي جنة الرضوان، في جو مليء بمظاهر الفرح والسرور، فشق ذلك على الشيعة الإثني عشرية الذين يعتبرون هذا اليوم يوم حزن ومأتم، فاعتبروا فعلهم ذلك ازدراء بهم وبمعتقداتهم، ولولا تدخل الحكومة آنذاك، لفتك الشيعة بالبابيين، فاستقر الرأي على نفيهم من بغداد إلى إسطنبول التي لبثوا فيها أربعة شهور، ثم صدر الأمر بنفيهم إلى “أدرنة” وتسمى عند البهائيين بـ”أرض السر”، وفي أدرنة جهر البهاء بالدعوة إلى نفسه، ولفظ أخاه لفظ النواة، فوقع النزاع بين الشقيقين.

وانقسم البابيون إلى فرقتين: فئة انحازت إلى البهاء وتسمى: “البابية البهائية”، وفئة ظلت على عهدها مع الميرزا يحيى، الملقب بـ”صبح أزل” فسميت بـ”البابية الأزلية”، معتقدة أنه هو خليفة الباب، وأن “البهاء” ليس له من الأمر شيء إلا أنه وكيل الأزل ونائبه، فاحتدم الجدال ورأى “صبح أزل” أن الأمر سيفلت من يده، فدس السم لأخيه في طعامه، ولكنه نجا من هذه المكيدة، فشرع يراسل البابيين يدعوهم إلى اتباعه ويبين لهم أنه هو المنوه عنه في كتب الباب بـ”من يظهره الله”، بل هو الذي أرسله كما أرسل مظاهره من قبل، مثل: زرادشت، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، والباب. ولما أفضى الأمر إلى الجدال فالقتال بين الوكيل والأصيل، خشيت دولة الخلافة أن تضطرم بـ”أدرنة” نيران الفتنة، فاتفقت وسفير الشاه على تغيير منفى القوم، والتفريق بين الأخوين، فنفت “البهاء” ومن تبعه إلى مدينة “عكا” في فلسطين، وسجنتهم في قلعتها، ونفت “صبح أزل” وأتباعه إلى جزيرة قبرص، وسجنتهم في قلعة “فاماغوستا”، ثم أطلقت سراح الأخوين وأتباعهما فيما بعد، على أن لا يغادر أحد منهم منفاه.

عبد البهاء

ثم ادعى كل منهما أنه رسول مستقل، لا خليفة الباب ولا نائبه، وأن الله تعالى قد بعثه رحمة للعالمين بشريعة جديدة، ناسخة لما بين يديها من الشرائع، وجاء كل منهما بكتاب زعم أنه وحي من الله لتصديق دعوته وتكذيب دعوى أخيه، ولم يلبث أن خفت صوت “صبح أزل”، وتفرق عنه أشياعه، وقوي بالتالي أمر “البهاء” وامتد نفوذه، وبعد أن كان يدعي أنه خليفة الباب أصبح يزعم أنه المهدي، ثم ادعى النبوة، فالربوبية والألوهية، إلى أن هلك في ثاني ذي القعدة سنة 1309هـ الموافق لـ28 / 5 / 1892م، فخلفه ولده الأكبر الميرزا عباس، الذي تلقب في حياة والده بـ”غصن الله الأعظم”، وبعد هلاك أبيه بـ”عبد البهاء”، ولم يمض وقت طويل حتى غير عبد البهاء أحكام شريعة أبيه، وادعى النبوة، فالربوبية.

شذرات من أحكام شريعة البهاء
يزعم البهاء كسلفه الباب، أن شريعته ناسخة لما سبقها ولشريعة الباب كذلك، بل أنشأ دينا جديدا هو مزيج عجيب من العقائد السماوية والوضعية، كحل وسط بين الأديان، وكطريقة عملية لإشاعة السلام في الأرض كما يدعي، ففي البهائية آيات من القرآن الكريم، ونصوص من التوراة والإنجيل، واقتباسات من الهندوسية، والكنفوشيوسية، والبوذية. ويؤولون هذه الاقتباسات بما تقتضيه ديانتهم الجديدة، التي وصفوها بأنها لا تنتمي إلى ديانة معينة بالذات، ولا هي فرقة أو مذهب، وإنما هي دعوة إلهية جديدة، من شأنها أن تختم الدورة السابقة أي: الرسالة الإسلامية.

حكم الصلاة في كتاب الأقدس: “قد فرض عليكم الصلاة من أول البلوغ أمرا من لدى الله ربكم، ورب آبائكم الأولين، من كان في نفسه ضعف من المرض أو الهرم، عفا الله عنه فضلا من عنده، إنه لهو الغفور الكريم. ومن لم يجد الماء يذكر خمس مرات بسم الله الأطهر ثم يشرع في العمل، هذا ما حكم به مولى العالمين. وكتب عليكم الصلاة فرادى، قد رفع حكم الجماعة، إلا في صلاة الميت، إنه لهو الآمر الحكيم.”[6].

قبلة البهائيين: “إذا أردتم الصلاة ولوا وجوهكم شطري الأقدس، المقام المقدس- أي عكا- الذي جعله الله مطاف الملأ الأعلى، ومقبل أهل مدائن البقاء، ومصدر الأمر لمن في الأرضين والسموات”[7].

وفرض الحج على الرجال دون النساء، ولهم ثلاث مزارات يقدسونها ويحجون إليها: الأول: في شيراز، وهو المكان الذي ولد فيه الباب. والثاني: في بغداد، وهو المكان الذي جهر فيه البهاء بدعوته. والثالث: في عكا، حيث دفن بعد هلاكه.

وجعل البهاء الصيام تسعة عشر يوما في شهر العلاء، ويكون عيد الفطر عندهم موافقا: لما يسمى بـ”عيد النيروز”.

أما حكم الزكاة عندهم: فقد بينه البهاء في “الأقدس” فقال “والذي يملك مئة مثقال من الذهب، فتسعة عشر مثقالا لله فاطر الأرض والسماء، إياكم يا قوم أن تمنعوا أنفسكم عن هذا الفضل العظيم”[8].

وحرمت البهائية على أتباعها الجهاد، وفرضت على أتباعها الدعوة إلى السلام، وعدم اللجوء إلى الحرب والقتال.


الهوامش

 [1] – حديث مضطرب غير ثابت، كما قال الدار قطني في العلل، وقال البخاري: ليس له وجه صحيح. وقد أسهب العجلوني في الحديث عنه في كشف الخفاء ج1/ ص 213. “رقم: 618”.

 [2] –   الحاء بحساب الجُمَّل تساوي: “8”، والياء تساوي: “10” ويضاف إلى الرقم “18” الباب نفسه فيصبح العدد: “19” فصار هذا الرقم مقدسا عند البابيين والبهائيين. انظر: مسيلمة في مسجد توسان: ص 46. وقراءة في وثائق البهائية: ص 250، 251. والبابية عرض ونقد: ص 62.

 [3] –  انظر: مفتاح باب الأبواب ص 246-247.

 [4]  – انظر: الحراب في صدر البهاء والباب، ص 219.

 [5] – البابية، عرض ونقد، ص 63.

 [6] – انظر: الحِراب في صدر البهاء والباب: ص 272.

 [7] – انظر: الحراب في صدر البهاء والباب، ص 271.

[8] – انظر: الحراب في صدر البهاء والباب: ص 278.

هيكل سليمان المزعوم

عبد اللطيف المحيمد

يعتبر الهيكل عند الشّعب اليهودي بمثابة الكعبة عند المسلمين، ولذا فهم يعملون ليلاً نهاراً لإقناع العالم بحقِّهم في التنقيب عن الهيكل والذي يعتقدون أنه يقع تحت المسجد الأقصى المبارك، وعمليات تهويد مدينة القدس عامة والتَنقيب تحت الأقصى  خاصَّة ما زالت مستمرَّة وتزداد كل يوم.

وما زال الصهاينة بهذه الحجَّة يزيلون الأحياء السَّكنية المنتشرة حول المسجد الأقصى، ومازالت الجرَّافات الإسرائيليَّة منذ عام 1967 وهي تمارس أشدَّ أنواع التَّخريب والإرهاب في حقِّ المقدَّسات الإسلاميَّة.

في التراث الإسلامي؛ بنى سليمان المحاريب لعبادة الله وحده لا شريك له ـوليس هيكلاً ليسكن فيه الرَّب كما زعم اليهودـ منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة ، والدليل قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} [ص:21] وقوله تعالى: {يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب} [سبأ:13].

وجاء في سفر الملوك الأوَّل أنَّ العمل انتهى في البيت في عام 763 ق.م، أي بعد 480 سنة من الخروج من مصر، فالخروج تمَّ في حدود سنة 1237ق.م، وذلك يعني أن الهيكل بدأ بناؤه سنة 757ق.م تقريباً، ووفاة سليمان كانت في حدود عام 910ق.م على اختلاف بين المصادر في ذلك، ولكن كل المصادر ذكرت سنة الوفاة بحدود هذا العام، أي أن البيت على فرض وجوده بني بعد وفاة سليمان بأكثر من 150 سنة.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

وهيكل اليهود كما جاء في التَّاريخ -إذا سلمنا جدلاً بوجوده- لم تدل على أنَّه ما زال موجوداً أي أدلَّة، بل بالعكس جاءت أدلَّة على تدميره، فضلاً عن أنَّ مكانه -على فرض وجوده- غير محدد، والآثار والجغرافيا تثبت ذلك كما سنرى. والذي جاء في المصادر التَّاريخيَّة أنَّه عندما انتهى سليمان من بناء البيت (وليس الهيكل) تضرَّع إلى الله ليحفظ البيت ويديم ملك إسرائيل، فأخبره الله بأنَّه لن يفعل ذلك إلَّا إذا حفظ اليهود عهدهم مع الله والتزموا بشرعه ووصاياه، وإلا فإنَّه سوف يدمِّر البيت ويشتِّت بني إسرائيل.

ولمَّا عاد اليهود إلى كفرهم وعنادهم وقتلهم لأنبياء الله وعبادة الأوثان في الهيكل أرسل الله إليهم من ينذرهم ويحذِّرهم من الأنبياء وأخبروهم بأنَّ الله سيدمِّر الهيكل ويسلِّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، وأخبروهم كذلك بالسَّبي البابلي لهم وأنَّهم إذا تابوا بعد السَّبي سوف يعيدهم الله إلى فلسطين مرَّة أخرى، وقد وقع كلُّ هذا فدمَّر الملك البابلي نبوخذ نصَّر (بختنصر) الهيكل وأحرقه وسبى اليهود إلى بابل، ثمَّ عادوا إلى القدس وبنوا الهيكل مرَّة أخرى في عهد قورش ملك فارس، ثمَّ تمَّ تجديده من قبل هيرودس في عام 20ق.م وبقي اليهود هكذا حتَّى أرسل الله المسيح عيسى بن مريم عليه الصَّلاة والسّلام، فوجدهم قد اتَّخذوا الهيكل سوقاً للصِّرافة والتَّعامل بالرِّبا وملهى لسباق الحمام ومعبداً للأوثان فطرد اليهود منه وأخبرهم بأنَّ الله سوف يدمِّر لهم الهيكل.

جاء في العهد الجديد أيضاً: “يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها و لم تريدوا هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا” [إنجيل متى: 23/ 37ـ 38].

وجاء أيضاً: “ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع أما تنظرون جميع هذه الحق أقول لكم إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض” [إنجيل متى: 24/ 1ـ 2].

والملاحظ أن عيسى عليه السلام لم يخبرهم بأنَهم سوف يعيدون بناء الهيكل وإنما أخبرهم بأنه سوف يتهدَّم فقط، وهذا وإن دلَّ على وجود الهيكل فإنه ينفي إمكانيَّة العثور عليه أو على مكانه.

وتحقَّق كلام عيسى عليه السلام، ففي عام 70م هجم تيطس الرُّوماني على القدس ودمَّر الهيكل كما جاء تاريخيَّاً ولم يُبق حجراً على حجر، وقتل أعداداً كبيرة وتشرَّد اليهود بعدها في البلاد وتشتَّتوا في أنحاء العالم، ثم فتح عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه القدس وحرَّرها من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، وظلَّت القدس تتبع للمسلمين حتّى عام 1967م عندما احتلَّ اليهود المدينة، وكان ذلك بتدبير ومساعدة من الإنكليز النصارى ضمن وعد بلفور الذي منح لليهود قبيل الحرب العالمية الأولى عام 1917م، حيث تعهدت خلاله بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود، وقد اقترحت بريطانيا على اليهود في البداية أن تعطيهم أوغندا بدلاً من فلسطين ولكنهم رفضوا لاعتقادهم بأن فلسطين هي أرض المعاد لا أوغندا، وبعد أن تمكن اليهود من إعلان الدولة اليهودية برعاية أمريكية أخذوا يطالبون بحدودها ما بين الفرات والنيل.

وزعموا بعدها أن أنبياء بني إسرائيل أخبروهم بأنَّهم سوف يبنون الهيكل للمرَّة الثَّالثة -على حدِّ زعمهم- التي ستكون بعد العودة من الشَّتات، وهذا برأيهم تحقَّق بعد إعلان قيام الدَّولة اليهوديَّة سنة 1948، وهذا الزَّعم لم يأتِ في توراتهم أبداً وإنَّما الذي جاء أنَّهم يبنونه بعد السَّبي البابلي فقط.

ومنذ 1967م تتواصل الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى المبارك، وهي مستمرة حتى الآن ولكن كل ما وجدوه هو آثار أموية، وقد تبنت الجامعة العبرية التنقيبات برئاسة البروفيسور بنيامين مزار، وتمت على مراحل عدة متسببة بإحداث تشققات في جدران المسجد.

ومن وقتها مازالوا يسعون بأيديهم وأرجلهم لإقناع العالم بحقِّهم في البحث والتَّنقيب عن الهيكل وبالتَّالي هدم المسجد الأقصى المبارك، لا سيما عن طريق الأمم المتَّحدة التي سيطرعليها اليهود فلم تعد قادرةعلى فعل شيء إلَّا ضمن مصالح اليهود الذين صوَّروا للعالم بأنَّهم مظلومون،  وخاصَّة بعد المحرقة التي قام بها هتلر لليهود في ألمانيا النَّازيَّة إبان الحرب العالميَّة الثَّانية، والتي يشكك كثير من الباحثين بأرقام ضحايا المبالغ فيها.

يهود أرثوذكس يتجمعون للصلاة عند حائط البراق (المبكى) وهو جزء من الجدران الخارجية للمسجد الأقصى

حائط المبكى
هو الحائط الغربي من الحرم القدسي، ويسمِّيه المسلمون حائط البراق، ومنه عرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى السَّماء في حادثة الإسراء والمعراج.

يزعم الصهاينة اليوم أنه جزء من السُّور الخارجي للهيكل حتى جعلوه من أقدس مواقعهم اليهودية في الوقت الحاضر، ولم تكن له تلك الأهميَّة قبل وعد بلفور وإنما كان يحظى ببعض الزيارات المتقطِّعة، ثم عظمت الصهيونيَّة هذا المكان في أعين اليهود.

اختلفت الرِّوايات في سبب تسميته بهذا الاسم، فقيل لأن الصَّلوات عنده تأخذ شكل عويل ونواح، وقيل في إحدى الأساطير اليهوديَّة أنَّه سمِّي بذلك الاسم لأنه كان يذرف دمعاً يوم هُدم على يد تيطس.

يبلغ طوله 49 متراً وارتفاعه 12 متراً، وبالرَّغم من ترسُّخ صورة حائط المبكى في الوجدان اليهودي والصهيوني فإنَّ الحاخام هيرش الذي يعيش في القدس على بعد أمتار من الحائط يرفض زيارته ويؤكِّد أنَّ تقديس الحائط ما هو إلَّا حيلة من الحيل السِّياسيَّة للصهيونيَّة.

الجغرافيا والآثار
رأينا سابقاً الطَّريقة التي بنى بها سليمان الهيكل المزعوم كما جاءت في العهد القديم، ورأينا أيضاً الأرقام الدقيقة التي نقلت عن الهيكل.

ترى التَّوراة بنسختها المتوفرة اليوم أن الهيكل بني على بقعة سهليَّة في بيت المقدِس، فإذا قارنا بين المساحة الجغرافيَّة الحقيقيَّة في البيت المقدس وبين المساحة التي بني عليها الهيكل نجد أنَّه لا توجد بقعة سهليَّة في بيت المقدس تسع لبناء هذا البيت المزعوم، وذلك للطَّبيعة الجبليَّة التي تتميَّز بها القدس، فالمساحة المزعومة في التَّوراة لا تتطابق مع المساحة الجغرافيَّة لبيت المقدس، ويكفي أن ترجع إلى الإصحاح السَّادس من سفر الملوك الأوَّل لتلاحظ ذلك، ولك أن تجمع عدد الأذرع التي جاءت في ذلك الإصحاح لترى حجم المساحة الكبيرة التي بني عليها الهيكل ورواقه، هذا عدا مرابط الخيول التي بنيت خارج هذا الهيكل وبيت سليمان الذي بناه ليسكن فيه ورواقه، فمن غير المنطقي اندثار بناء بهذا الحجم تحت التُّراب فلا يبقى من آثاره شيء، بالرَّغم من الزعم بأنه أُعيد بناءه أكثر من مرَّة، مع العلم بأنَّ مدينة القدس لم تُهجر ولم تخل من السُّكان لفترات طويلة حتى يقال بإمكانيَّة اندثاره إذا قلنا بوجوده.

وترى التَّوراة المحرَّفة أن الهيكل بني من الحجارة الصحيحة وخشب الأرز المستورد، وأنَّ الذين شاركوا في بنائه بلغوا 30 ألف مسخَّر من العبيد، وهذا يعني أن الحجارة كانت موجودة وجاهزة عند بناء الهيكل، وكأنهم نزعوها من بيوت مهجورة، وتدل على ذلك كلمة مقتلعة.

جاء في العهد القديم: “والبيت في بنائه بني بحجارة صحيحة مقتلعة ولم يسمع في البيت عند بنائه منحت ولا معول ولا أداة من حديد” [سفر الملوك الأول: 6/7]. في حين أننا نجد في نصوص أخرى أن الحجارة كان ينحتها بناؤو سليمان وكان له سبعون ألفاً ممن يحملون الأحمال وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل، حيث جاء في العهد القديم: “فنحتها بناؤو سليمان وبناؤو حيرام والجبليون وهياؤو الأخشاب والحجارة لبناء البيت” [سفر الملوك الأول: 5/18].

وجاء في مكان آخر: “وكان لسليمان سبعون ألفاً يحملون أحمالاً وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل” [سفر الملوك الأول: 5/15]. وهذا كله تناقض في العهد القديم.


أهم المراجع

الكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد.

خطر التوراة على الكتّاب العرب المحدثين، فضل بن عمار العماري، مكتبة التوبة، الرياض، ط: الأولى، 1419 هـ، 1998م.

القرآن والتوراة، حسن الباش، دار قتيبة، د/ط.

المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، محمد علي البار،الدار الشامية، بيروت، ط:الأولى، 1410هـ، 1990م.

التاريخ اليهودي العام، صابر طعيمة، دار الجيل، بيروت، ط: الثالثة، 1411هـ، 1991م.

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، ط: التاسعة، 2009م.

خدعة هرمجدون، محمد إسماعيل المقدّم، دار بلنسية، ط: الأولى، 2003م.

أورشليم قاتلة الأنبياء، محمود الشرقاوي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د/ط.

المجتمع اليهودي، زكي شنودة، مكتبة الخانجي،القاهرة، د/ط.

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية، ط:الرابعة، 1420هـ.

بيان لإخواننا المسلمين البراق قطعة من المسجد الأقصى، من دون ذكر اسم المؤلف، دار الأيتام بالقدس.

الديانات الوضعية وآثار الوحي: قراءة في كتاب “الإنسان والأديان”

إبراهيم إسماعيل

 

يرى محمد كمال جعفر في كتابه «الإنسان والأديان: دراسة مقارنة» أن الأديان قد تصنف بناء على مصدرها إلى صنفين أساسيين، هما: الأديان السماوية، والأديان الوضعية التي وضعها البشر سواء كانوا أفراداً أو جماعات، غير أنه يرى أنه بالإمكان العثور في نهاية الأمر على عناصر في هذه الديانات تدل على ما يساعد بإرجاعها إلى مصادر سماوية قديمة[1]، فالوضعية في هذه الأديان ليست نقطة الانطلاق، ويستدل على ذلك بما كان يعتقده المصريون القدماء وأحاديثهم عن الصراط والميزان والحساب والجزاء وكل أمور الآخرة، فهذه ليست من اختراعاتهم وإنما هي من بقايا ما خلفته تعاليم الأنبياء عبر العصور، لكن أضيفت لها كسوة من الآراء والأساطير والأفكار السحرية، الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان تحديد مصادرها الأولى.

وبرأي محمد كمال جعفر، فكل استدلال عن ضرورة البعث بعد الموت أو الحساب أو الثواب في الجنة، والعقاب في النار، ومهما اصطنع من حجج عقلية، فإن أصله لا بد أن يكون قد انبثق من مقولة دينية، أداها نبي، أو نقلها من قد سمعها من نبي، لأن العقل لا يستقل بإدراك غيبيات الآخرة[2].

ويلاحَظ أن المؤلف يسهب في تأكيد هذه البقايا النبوية والآثار التي لا يمكن أن يقال بها إلا بعد سماعها من وحي، فهو بهذا يرى أن في الأديان الوضعية بلا شك عناصر سماوية، لكن ما حجب إمكانية العودة إليها وتنقيتها هو الكم الهائل من الإضافات والتعبيرات والخيالات والأساطير المتراكمة عبر قرون.

وما لاحظه محمد كمال جعفر في ديانات المصريين القدامى، يتكرر أيضا في ديانات أخرى كالبوذية والكونفوشيوسية والمانوية والمزديكة، فبالرغم من تصنيفه لها ضمن الديانات الوضعية، فإنه يرى أنها استفادت واستمدت من الأصول السماوية في أزمنة ضاربة في القدم، ومن العسير تحديد القدر الذي وضعه الواضع، سواء أكان فرداً أم جماعة أم أمة من الأمم[3]، لكن المؤلف يشير إلى إمكانية تحديد العناصر الوثنية في الأديان، كما فُعِلَ في دراسة النصرانية مثلاً.

ويتفق على هذه النتيجة مع محمد كمال جعفر، عبد الله علي سمك في كتابه «مدخل لدراسة الأديان»، فيقول «ولا نستبعد -بناء على النصوص القرآنية- أن تكون الأديان الوضعية عرفت الوحي الصحيح، لكنها مع تقادم الزمن وطول العهد، لم تستطع المحافظة عليه، وغلبت الصناعة البشرية والتدخل العقلي على الوحي الإلهي، ومن المستحيل عقلاً ونقلاً عدم إرسال رسل مثلاً إلى بلاد الهند، وهي أمة قديمة ذات تاريخ عريق وحضارة عظيمة[4]».

 


الهوامش

[1] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان دراسة مقارنة. الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985م، ص 103

[2] المصدر السابق نفسه ص 110

[3] المصدر السابق نفسه ص 110-111

[4] عبد الله علي سمك، مدخل لدراسة الأديان. مكة: دار الدراسات العلمية للنشر والتوزيع 2013م. ص73

عقيدة التثليث بين التناقض والمنطقية

عرابي عبد الحي عرابي

في بداية المقال أُنوِّه إلى اعتمادي النصوص الدينية المسيحية -فقط- في بناء تصوُّر عقيدة التثليث المعدودة لدى مسيحيِّي العالم عمادَ دينهم وأساس شعائره وعقائده، لما تُقدِّمه لنا هذه النصوص اللاهوتية أرضيَّةً مناسبةً للدخول في عمق مناقشة هذه العقيدة.

 

ما معنى التثليث في كتب اللاهوت المسيحي؟
هو باختصار “عقيدة الإيمان القائمة على الإيمان بوجود ثلاثة أشخاص يُشكِّلون (شخص الله)، وأن كُلًّا منهم مُتَميز عن الآخر، وأن هذا الثالوث المُقدس أزلي أبدي، وأن هؤلاء الثلاثة إله واحد لا آلهة ثلاث، وأنهم متساوون في كل شيء، وأن هذه العقيدة لا تحتوي أي تناقض([1]).

ويلاحَظ هنا أن تفسيرات هذه العقيدة بين الفرق الدينية المسيحيَّة مختلفة تاريخيًّا وحاضرًا، فتختلف الأرثوذكسية والبروتستانتية والكاثوليكية في تأصيل هذه العقيدة ومعانيها، إلا أن الذات الإلهية لدى الكل مؤلفة من ثلاثة (أقانيم) هي “الآب والابن والروح القدس” ولا فرق بينهم إلا في العلاقات المتبادلة بينهم النابعة عن أصلهم فـ”الآب مصدر للابن والروح القدس؛ ولا مصدر له، والابن صادر بسبب ولادته الأزلية من الآب، وفي ذات الوقت هو والآب مصدران لروح القدس، ولا يمكن القول إن هذه الفروق بينهم فروق اعتبارية أو ذهنية، وإنما فروق حقيقية وعلى الرغم من ذلك فإن الأقانيم الثلاث واحدة في الحقيقة”([2]).

وعليه فإن تقسيمات (الصدور) أو (الانبثاق) مختلفة عند فرق أخرى، فعلى سبيل المثال يؤمن الأرثوذكس بأن الروح القدس صادر عن الآب فقط([3])، والخلاصة: أن الاتفاق جرى لدى لاهوتيِّي المسيحية في العالم على كون الله (جوهرًا) بسيطًا غير مركَّب، ذو (أقانيم) ثلاثٍ (أزليَّةٍ) متّحدون بغير اتصال أو امتزاج، منفصلون بغير تمييز أو افتراق، وأن الابنَ تجسَّد في عيسى بن مريم ليعرِّف المخلوقات بطبيعة الله الحقيقيَّة وليكفِّر عنهم سيئاتهم بالغفران بصلبه والفداء بهِ([4])، ولذا فإن عقيدة “التثليث” تُعَدُّ روح الإنجيل؛ وذلك لأنها تجسِّد الحقيقة التي لم يقدر العقل البشري اكتشافها([5]).

 

لوحة من القرن السابع عشر للثالوث المسيحي، حيث يظهر فيها الأب على هيئة رجل كبير، ثم الابن في صورة شاب، والروح القدس على صورة طير، وتحفهم الملائكة على هيئة أطفال

هل التثليث مُتَّسق مع أوَّليَّات العقل وقواعده البدَهية؟
إن أهم ركيزتين لهذه العقيدة هما (الأقنوم) و(الثالوث المقدَّس) فاجتماع الأقانيم في الجوهر الأزلي يُكوِّن الثالوث المقدَّس، فيكون عيسى الابن أقنوماً –جزءًا أو شخصًا- إلهيًّا وكذلك الآب والروح القدس، وهناك من نوّه إلى أن الأقنوم يعني القيام بالنفس، فيكون الله مؤلّفًا من ثلاثة أقانيم أي ثلاث قيامات بالنفس([6]).

  • فلنبدأ من ههنا، هل ذُكرت (الأقانيم) في الكتاب المقدَّس؟

الجواب القاطع لهذا السؤال هو النفي، فكلمة (أقنوم) لم تُذْكَر في عَهدَي الكتاب المقدَّس القديم أو الجديد، ما يعني أنها أضيفت لاحقًا بهيئة تفسيرات رافقت ظهور هذ العقيدة، كما أن مفكري التثليث الكنسي لم يُجمعوا على موعد واحد لظهور هذه العقيدة رسميًّا في النصوص الكنسيَّة أو الوحي المعتبر عندهم، على الرغم من الإقرار بأن (الثالوث) أزلي وأنه تجسّد للناس مع صلب (عيسى) ثم قيامته من قبره([7])، فالله –إذنْ- لم يعلن في العهد الجديد عن (ثالوثه) بالنص الصريح؛ بل أعلن عنه بطريقة صامتة بالغة الدقة ليتطوَّر الإيمان بها رويدًا رويدًا إلى أن أخذت مكانها تدريجيًّا بين الحقائق المسيحية([8]).

  • فلماذا لم يُعلِن الله عن هذه العقيدة بصراحة في الكتاب المقدَّس؟

الجواب الذي يسوقه لاهوتيو المسيحية هو: “احتياج التثليث للظهور أولاً بشكل كامل ليكون أدعى للإيمان به، وقد ظهر كاملاً بفداء الابن، وبذلك أُعلِن عن التثليث بطريقة واقعية”([9]).

إن وضعَ هذا (التأويل) في مقتبل كل تساؤل عن هذه العقيدة يوحي بتناقضِها مع الحقيقة -بل مع أركانها- بلا شك، فلمَ لا يوضّحُ الله في وحيه المقدّس حقيقة التثليث التي توضح طبيعته –كما يقول النصارى- بل لمَ ينتظر أن يجسّدها بعيسى فتثار أمامها تناقضات لا يمكن للعقل قبولها.

إن (التثليث المسيحي) عمل (تأويليٌّ) وإضافة بشرية جسّدها بولس أوَّلاً بلا أدلة عقلية أو نقلية([10])، ثم فرضها التيَّار اللاهويتيُّ المعتنق رؤيته على فهم الناس لدعوة السيد المسيح، وقد تطلّب الوصول إلى صياغة نص يثبتُ هذه العقيدة مدة طويلة جداً، فقد كان السير نحوه شديد البطء؛ وذلك بحسب الظروف التي كانت تحيط بالديانة وأتباعها –إن جاز التعبير- وقد كان أول استخدامٍ لعبارة “الثالوث” في منتصف القرن الثاني تقريباً([11])، وبقي الحال متردِّدًا بين القبول والرفض عند الناس واللاهويتيين إلى أن أُقِرَّ في اجتماع كنسي عالمي تحت عين سلطة الإمبراطورية البيزنطية في مجمع نيقية المنعقد عام 325م والذي قُرِّر فيه نصُّ قانون الإيمان المسيحي وهو: “نؤمن بإله واحد، الله الأب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى، نؤمن برب واحد يسوع المسيح، المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب فى الجوهر، الذي كل شيء به كان، هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنَّس، وصُلِب على عهد بيلاطس البنطي، تألَّم وَقُبِر وقام من بين الأموات فى اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه، الذي ليس لملكه انقضاء”([12]).

وعلى الرغم من هذا القرار فقد ظلت الكنيسة تعاني من أقوال آريوس وانتشار أتباعه([13])؛ ممَّا أدَّى إلى عقد مجمع القسطنطينية الأول عام 381م، والذي انتهى بإصدار قرار تأليه الروح القدس وجعله أقنوماً ثالثاً ضمن منظومة أقانيم الثالوث وكان نص القرار فيه مماثلاً للقرار آنف الذكر مع إضافة الآتي: “وبالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الأب الذي هو مع الأب والابن مسجود له ومُمَجَّد، الناطق بالأنبياء”([14]).

فمن البدهي أن نفهم من كل هذا أن الإيمان التثليثي احتاج قرابة أربعة قرون ليكون عقيدة رسمية يؤمن بها عموم النصارى.

إن ما يجب أن يكون في الحسبان في قضيَّة الإيمان بالله وصفاته وجوبُ اعتماد الدليل القطعي الذي يمنع القَبول بضده أو نقيضه؛ وذلك لأن العقل قد لا يدرك ماهية الأمور على حقيقتها، ولكنه يحكم بإمكان هذه الأمور أو عدمها وفق مبدأَي الاستحالة والتناقض الذاتيَّين ([15])، فلا يمكن اجتماع الوجود الحقيقي والعدم الحقيقي في شخص واحد في مكان وزمان واحدٍ، أو اجتماع العمى والبصر في شخص واحد في وقت واحد([16])، ومهما مثَّل النصارى للإيمان بالثالوث بأمثلة حسِّية تظهر ثلاث مكونات في شيء واحدٍ فإنها ثلاث حقائق منفصلة مجتمعة في جسدٍ واحد، بل إنها من حقائق المخلوق لا الخالق، فلا يمكن التمثيل بها على عقيدة تصف حقيقة الله تعالى.

ولذا فإن قضيَّة انفصال (الأقنوم) الأزلي من مجموع الثالوث وتجسُّده في هيئة بشر ثم عيشه حياة كاملة وموته صلبًا يفترض أن يكون حادثًا في وقت معين، إلا أنه أزليٌّ، فكيف يجتمع الأزليُّ والحادث في وقت واحد ومكان واحد.

وثمة قضيةٌ مركزية في عقيدة (الثالوث الواحد) وهي مسألة العدد، فالمسيحيون يقرُّون بتعدُّد الأشخاص في ذات الله تعدداً حقيقيًّا مؤمنين بأن هذه الثلاثة الحقيقيَّة واحدٌ حقيقيٌّ؛ ومعلوم أن العدد قسمٌ من الكمّ ولا يوجد الكمُّ إلا بوجود المعدود الذي يقوم به العدد، فالثلاثة يقصَد بها ثلاث معدودات، ويقصد بالواحد معدودٌ واحدٌ.

وهنا نسأل: كيف يصحُّ القول: إنَّ الأشخاص الإلهية في ذات الله واحدة ومتعددة، وإن مثَّلنا لها بالأرقام، فإنها كالآتي: 1+1+1= (1) و(3) في وقت واحد([17])! فهل هذا اتساق منطقي أم تناقض حقيقي؟

ويسوِّغ بعض اللاهوتيين هذا التناقض بقولهم: إن هذا كالصفات الإلهية عند المسلمين، فصفات الله عند المسلمين كثيرة ومع ذلك فإن الله واحد لديهم، فكذلك هنا.

لكنه ما من أحد من المتكلمين قال بانفصال الذات عن الصفات كما يقول (المثلِّثونَ) مع الإقرار بقدمها، فهي إما حادثة يمكن انفصالها أو قديمة لكنها ليست عين الذات كما أنها لا تحدَّدُ بالانفصال عنها، وعلى هذا فتشبيه التثليث بذلك قياس باطل مع الفارق الكبير.

ثمَّ لمَ خُصِّصَت الأقانيم بثلاثة لا سبعة أو عشرة، وما الذي يجمع الأقانيم مع بعضها، أليس الجوهر، فهل هو معها أم أنه غيرها؟

وهل الجوهر شخص ضمن الأقانيم فتصبح أربعة أم أنه خارج عنها فتصبح ثلاثة مع جوهر قديم يجمعها فيكون هو الإله الأول الذي انبثقت منه الأقانيم الأخرى!

فهذا في حقيقته إثبات للتمايز بينها وإيضاح كاملٌ لغيريَّتها عن بعضها،فتكون–في الخلاصة- مُجمَّعة لتكوِّن إلهًا، لا أنها واحدة في أي من أحوالها([18]).

فإن كان الابن والأب والروح من جوهر واحدٍ، فلمَ كان الأب أباً والابن ابناً ولم يكن الابن أباً، ولمَ كان الروح روحاً ولم يكن أباً أو ابناً، خاصَّة وأن المسيحيين يقولون: إنّ الأقانيم متساوون في المجد والجوهر والقدرة والأزلية([19]).

 

أسئلة أخرى، لا يمكن التغاضي عن إجابتها.
لعل أهمَّها قضية حلول (الابن) في عيسى، إذ كيف تمَّ الاتحاد أو الحلول بين الجوهر والجسد، أحصل ذلك بالامتزاج كما يمتزج الماء الطبيعي بعصير البرتقال مثلاً، أم بالاتحاد كما تتحد عناصر النار مع الهواء فتشتعل معًا، أم بانقلاب في الحقيقة لكلا الشخصين (البشري والأقنوم الإلهي)؟

إن أيَّ جواب يمكن تقديمه ههنا وعلى أي تأويل يصوَّر به الاتحاد فإنه ولا بُدَّ حادثٌ ومرتبط بالمخلوق لا بالخالق، ولتوضيح ذلك نسأل: هل أصبح الجسد البشري (عيسى) أزليًّا، أم أنه بقيَ حادثاً وامتزج بلحمه ودمه وجسده إله أزليٌّ، وعلى كلا الحالين فإن ذلك مستحيل؛ إذ كيف يفني الإله ذاته ليصبح ذاتًا حادثةً.

ثم إن انفصال أقنوم الابن عن الذات إلى الجسد البشري المتمثل بعيسى قائم على احتمالين (الانفصال الكامل)، أي خروجها من كامل عناصر الثالوث ثم تجسدها في المخلوق، فتُنفى عنها صفة الأزليّة وتوصف -بالنتيجة- بالحدوث، أو (الانفصال الجزئي)، فيكون جزء من أقنوم الابن موجودًا في ذات (الثالوث) والجزء الآخر في جسد عيسى، فيكون حادثًا أيضًا، إذ إن الإله الأزليَّ لا ينفصل ولا يتجزأ([20])، فكيف يمكن حدوث ذلك ههنا.

إضافة إلى عشرات من المباحث يمكن دراستها وبحثها بالتفصيل مظهرةً تناقض هذه العقيدة تناقضًا كاملاً، سواء في دعاوى إقرار المسيح بها، أو تطورها التاريخي، أو الاتحاد والحلول، أو تقاسم الجوهر ثلاثة أقانيم أو قضية التحريف أو مسألة الصلب والفداء.. إلخ.

إن أعظم الدلائل التي يقدَّمها لنا القرآن على بطلان التشبيهات البشرية عن الله بشكل واضح وقطعي تدور على ما قدمته لنا سورة الإخلاص في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} فهي تنفي عن الله التشابه مع أي من مخلوقاته وصفاتهم، واكتفاءه بذاته وعدم افتقاره إلى أيٍّ من الموجودات، إذ يستحيل أن يحتاجها وهي متسببة عن بعضها، بل إنه مسببها كلها.

ونعود للسؤال من جديد، هل في التَّثليث واقعية تفي الله حقَّه في التنزيه، أم أنها تناقض لا يليق الله الاتصاف به؟


 

الهوامش

([1]) يُنظَر: قاموس الكتاب المقدَّس، تأليف مجموعة من اللاهوتيين النصارى منهم القس د. عبد الملك مطران، مكتبة المشعل، بيروت، ط6، 1981، مادة (ثالوث) ص232.

([2]) يُنظَر: الإيمان الكاثوليكي “نصوص صادرة عن الكنيسة الكاثوليكية” ترجمة الأب صبحي حموي اليسوعي، دار المشرق، بيروت، ط1، 1999، ص111، 112.

([3] ) يُنظَر: معجم اللاهوت الأرثوذكسي، بوريس بوبرينسكوي، ترجمة إبراهيم سروج، مكتبة السائح، ط1، 1999، ص48.

([4] ) يُنظَر: المائة مقال في الإيمان الأرثوذكسي، يوحنا الدمشقي، ترجمه عن اليونانية الأرشمندريت أدريانوس شكور، المكتبة البولسية، لبنان، ط1، 1984، ص68، ومعجم اللاهوت الكاثوليكي، كارل راهنر وآخرون، ترجمة عبده خليفة، دار المشرق، د.ط.ت. ص98، ودائرة المعارف الكتابية، د. صموئيل حبيب، دار الثقافة، ط1، 1999، ج2ص428، مادة (ثالوث).

([5]) يُنظَر: دائرة المعارف الكتابية، مادة (ثالوث) ج2ص428.

([6]) يُنظَر:  الخلاصة اللاهوتية، القديس توما الأكويني، ترجمة: بولس عواد، طبع المكتبة الأدبية، بيروت، د.ط. 1881، ج1ص369.

([7]) يُنظَر: دائرة المعارف الكتابية، ج2ص429، ويُنظَر: مدخل إلى العقيدة المسيحية الأب توماس ميشال اليسوعي، محاضرات ألقيت في كلية الإلهيّات بجامعة أنقرة، ترجمة الأب كميل حشيمة، دار المشرق، بيروت، د.ط.ت. ص62.

([8]) يُنظَر: دائرة المعارف الكتابية ج2ص430.

([9] ) يُنظَر: دائرة المعارف الكتابية ج2ص430.

([10] ) يُنظَر: مقال الأستاذة ربى الحسني عن المسيحية ودور بولس في تحوير دعوة المسيح من التوحيد إلى التثليث، وللتوسع في هذه المسألة يمكن مراجعة الآتي، 1. بولس وتحريف المسيحية، هيم ماكبي، ترجمة سميرة عزمي الزين، المعهد الدولي للدراسات والنشر، د.ط.ت. ص 16 وما بعدها، 2. المسيحية نشأتها وتطورها، شارل جينيبير، ترجمة د. عبد الحليم محمود، المكتبة العصرية، د.ط.ت. ص69- 73، 3. معالم تاريخ الإنسانية، هـ. ج. ويلز، ترجمة د. عبد العزيز جاويد، الهيئة العامة للكتاب، مصر، ط4، 1994، ج3ص705-707، 4. قصة الحضارة، ويل ديورانت، ج3ص264، 5. الجانب المظلم من التاريخ المسيحي، للباحثة الأمريكية هيلين إيليربي، ترجمة أ.د. سهيل زكار، دار قتيبة،د.ط. ت،ص 29 وما بعدها.

([11]) يُنظَر: مدخل إلى العقيدة المسيحية ص64، وذلك على لسان “ثاوفليس الأنطاكي” ودائرة المعارف الكتابية ج2ص439، وقاموس الكتاب المقدس ص232.

([12]) يُنظَر: دائرة المعارف الكتابية ج2ص439.

([13]) يُنظَر: الكنيسة الكاثوليكية و ج2ص159، وتاريخ الهرطقة في المسيحية ص77،78.

([14]) يُنظَر: الكنيسة الكاثوليكية والبدع، الأب جورج رحمة، مطبعة الحرية، لبنان، ط1، 2004، ج2ص161، وتاريخ انشقاق الكنائس، القُمُّص زكريا بطرس، د.ط.ت. منشور على موقعه الإلكتروني، ص7.

([15] ) يُنظَر: إظهار الحق، الشيخ رحمة الله الهندي, تحقيق د. محمد أحمد خليل عبد القادر الملكاوي، نشر الإدارة العامة للبحوث والإفتاء في السعودية، الرياض، ط1، 1989. ج3ص713.

([16] ) يُنظَر: إظهار الحق ج3ص713.

([17] ) يُنظَر: الغفران بين المسيحية والإسلام للقسّ السابق إبراهيم فيلبس، (إبراهيم خليل أحمد)، دار المنار، د.ط.ت. ص94.

([18] ) يُنظَر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، ط1، 1987،ص107.

([19] ) يُنظَر: المغني للقاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، تحقيق: د. محمود محمد قاسم، د.ط.ن.ت. ج4ص96.

([20] ) يُنظَر: الشامل في أصول الدين، الإمام أبو المعالي الجويني، تحقيق علي سامي النشار، دار المعارف, القاهرة, د. ط. 1969.ص582.

هل يعبد الإيزيديون الشيطان؟

عبد اللطيف المحيمد *


يطلق على ديانة الإيزيديين العديد من الأسماء كاليزيدية، والأزداهية والعدوية، وقد اختلف في سبب هذه التسميات؛ إلى أقوال كثيرة، والأرجح أنهم ينسبون إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، لأن الإيزيديين ينسبون أنفسهم إلى الإمام عدي بن مسافر وهو من أئمة أهل السنة والجماعة من المسلمين، وهو ممن يرى الولاية ليزيد بن معاوية، ونصوصهم المقدسة تدل على أنهم انشقوا عن المسلمين السنة لكثرة ورود ألفاظ السنة فيها والألفاظ الصوفية، فهم في الأصل فرقة صوفية تطورت عبر الزمن فوصلوا إلى ما هم عليه اليوم.

وينتشر الإيزيديون في العراق وسوريا بشكل أساسي، وقوتهم البشرية في العراق في منطقة الشيخان وسنجار، ولهم بعض القرى في سوريا، وهم من المذاهب المنغلقة التي تكتسب بالتوارث، فلا مجال فيه للتبشير؛ فالإيزيدي هو من ولد لأبوين إيزيديين فقط.

ومن المعروف عند الباحثين أن الإيزيدية جمعت عقائدها من عدة أديان، وخاصة إذا علمنا أن كل أتباعها من الأكراد الذين كانوا قبل الإسلام على الديانة المجوسية، ثم أسلموا، ومناطقهم مليئة بالنصارى المسيحيين، ولذلك فديانتهم ملفقة من أديان عدة، ومن أهم كتبهم المقدسة كتاب “الجلوة إلى أصحاب الخلوة” و”مصحف رش”.

معبد لالش الذي يضم قبر عدي بن مسافر في العراق (Vindheim)

عقائدهم وعبادتهم
ومن معتقداتهم التي يصرحون بها أنهم يؤمنون بالله تعالى، ويسمونه “خودي” أي الإله، ويزعمون في كتبهم أنهم موحدون، إلا أنهم يذكرون العديد من الآلهة في كتبهم، ربما على طريقة مشركي العرب الذين كانوا يعبدون الأصنام ويؤمنون بالله تعالى في نفس الوقت، فعقيدتهم متناقضة في ذلك كثيراً، ومن الآلهة التي يؤمنون بها: “بري آفات” إله الفيضانات، و”خاتونا فخران” إلهة الولادة عند النساء، و”شيخ عبروي” إله البرق والرعد، و”شاه سوار” إله الحرب والفروسية، وغيرهم الكثير من الآلهة.

يؤمنون أيضا بالرسل ويعتقدون أن الله هو أرسلهم إلى الخلق، كما يؤمنون بتناسخ الأرواح، ونصوصهم في كتبهم واضحة، وربما هو من بقايا العقيدة المجوسية التي بقيت في نفوسهم، حيث جاء في كتاب الجلوة: “وما أسمح لأحد بأن يسكن بهذا العالم الأدنى أكثر من الزمن الذي هو محدد مني، وإذا شئت أرسله تكراراً ثانياً وثالثاً إلى هذا العالم أو غيره بتناسخ الأرواح”.

ويؤمن الإيزيديون بالحلول، أي: حلول الله تعالى في كل الأماكن، فقد جاء في كتاب الجلوة: “ما يخلو عني مكان من الأمكنة، مشترك أنا بجميع الوقائع التي يسميها الخارجون شرور لأنها ليست موضوعة حسب مراميهم”.

ومن بقايا أثر الإسلام لديهم نص الشهادة، وهو: “الله هو هو، لا يأكل ولا ينام، أشهد وأؤمن به، وبطاووس ملك، شهادة ديني الله أحد، طاووس ملك حبيب الله حقا…”، كما نجد لديهم ألفاظا تدل على أصلهم الإسلامي مثل “أهل السنة” و”الروافض” و”الكفار” و”زمزم” و”الكعبة”.

وهم يصلون أربع صلوات في يومهم، مع الاتجاه نحو الشمس، ولديهم حج خاص في وادي لالش شمال الموصل، حيث يرقد الشيخ عدي بن مسافر، ويسمون الجبل هناك “عرفات”، كما يصومون في كانون الأول ثلاثة أيام.

 

حقيقة عبادة الشيطان
ينتشر بين الناس أن الإيزيديين يعبدون الشيطان ويسمونه “طاووس ملك”، إلا إنهم لا يعترفون بذلك، وينكرون عبادتهم له، ويعترفون بأنهم يعظمونه لأنه رفض السجود لغير الله تعالى، وأنه هو من طبق وصية الله بعدم السجود لغيره.

أما كلمة “طاووس” فالبعض يردها إلى أنها كلمة كردية مؤلفة من مقطعين؛ الأول “tav” أو “ta”، وهذا المقطع يعني بالكردية: نور الشمس وحرارتها، والمقطع الثاني “us” وهو اسم الآلهة الإغريقية، وتصبح بعد الترجمة للعربية: نور الله أو الإله.

فهم يزعمون أنهم يقدسونه لأنه حفظ الوصية لله تعالى، ويورد الإيزيديون قصة لذلك يقولون فيها أنه عندما خلق الله تعالى إبليس مع الملائكة أمرهم ألا يسجدوا لغيره، وعندما خلق آدم عليه السلام أمرهم الله بالسجود له؛ فقال عزازيل “الشيطان” لله تعالى: ربي: أنت أوصيتنا ألا نسجد لغيرك، فكافأه الله تعالى فوضع الطوق الذهبي في عنقه وجعله رئيساً للملائكة، وبات اسمه: “طاووس ملك” كما يسمونه إلى الآن.

ومن القصص التي يذكرها الإيزيديون عن تعظيم الشيطان أو “طاووس ملك” ما ذكره القوالون -وهم طبقة دينية في المجتمع الإيزيدي- والقصة مذكورة في كتابهم المقدس وتقول: إن الله تعالى غضب على سيدنا عيسى عليه السلام فحبسه في الجب “البئر” ثم وضع على فتحة الجب صخرة عظيمة، وبدأ بعدها عيسى عليه السلام بالاستغاثة بالأنبياء والرسل لكنهم لم يتمكنوا من نجدته، فمر عليه أحد معارفه وهو في الجب فناداه: مسكين يا عيسى لماذا لم تستغث بطاووس ملك، فهو وحده يقدر على تخليصك من هذا السجن؟ فلما استغاث به أدركه وأخرجه من الجب العميق ورفع الصخرة وأخلى سبيله.

وبعد ذلك لاقى عيسى الله سبحانه وتعالى في السماء؛ فسأله: من أخرجه من الجب وأتى به إلى هنا؟ فأجابه: طاووس ملك، فلما سمع ذلك تغاضى عنه وذهب في سبيله ولم يتكلم بشيء بعدها!

ويعتقد الإيزيديون بأن الملائكة لم تر الله تعالى، ولكنهم يؤمنون بقدرته، لذلك عندما وقف طاووس ملك وهو رئيس الملائكة يعبد الله ويمجده قائلاً: يا رب علا شأنك وعلا مكانك وعلا سلطانك، يا رب دوماً أنت الإله، أنت الكريم وأنت الرحيم، ويا رب دوماً أنت الإله، ودوماً يليق الحمد والثناء بك.

وكل عبارات الألوهية يوجهها الإيزيديون إلى الله تعالى، كما هو موجود في كتبهم المقدسة، حتى تلك الألفاظ التي وردت في كتابهم المقدس والتي تنسب الألوهية للشيطان فيقولون إنهم لا يفسرونها على ظاهرها ولا يعتقدون بها حقيقة، وإنما يعدون “طاووس ملك” رئيساً للملائكة وأقرب الأقربين من الله تعالى، فهو حسب اعتقادهم الذي أنزل آدم من الجنة بعد أن أكل الحنطة، ويمنعون قول “شيطان” أو “شر” أو أي كلمة مشتقة أو قريبة من لفظ “شيطان”.

وبذلك يمكن القول حسب المُعلن من عقيدتهم أنهم لا يعتبرون الشيطان إلهاً يعبدونه وإنما يعظمونه ولا يرفعونه لدرجة الألوهية، وذلك بناء على ذكرته المصادر المنشورة، بينما يعترف بعض الإيزيديين بعبادتهم للشيطان، وخاصة أولئك الذين يسكنون القرى المهملة تعليمياً واقتصادياً، حيث يسيطر عليهم الجهل والفقر.


أهم المراجع
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، مانع الجهني، دار الندوة، ط 4.

اليزيدية، بحث مقدم في كلية الشريعة جامعة دمشق، الباحث صهيب محمد، 1434هـ، 2013م.

اليزيدية، سعيد الديوه جي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط: 1، 2003م.

www.noonpost.org

www.al.qantara.de

* عبد اللطيف المحيمد: باحث في مقارنة الأديان من العراق

يهود الفلاشا (اليهود السود)

عبد اللطيف المحيمد

 

يقال إن تسمية هذه الطائفة من اليهود بالفلاشا تعود إلى كلمة فلسين، ومعناها: الغرباء أو السكان غير الأصليين، أو المهاجرين من الخارج. ويقال إنها مشتقة من “فلاس” وهي لفظة تعني العبور؛ فتكون كلمة العبرية مشتقة منها أيضاً، حيث يسمى اليهود بالعبريين لأنهم عبروا البحر مع موسى عليه السلام حسب بعض المؤرخين.

وتعود جذورهم إلى بلاد كوش “الحبشة” أو ما يسمى اليوم بإثيوبيا، وقد اختلف في أصولهم إلى عدة آراء، وهي:

ـ الرأي الأول: الفلاشا من نسل الأسباط العشرة المفقودة؛ رحلوا إلى إثيوبيا بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، وذهب إلى هذا الرأي الرحالة اليهودي الداد هدني، ويرى هدني أنه بعد انقسام المملكة اليهودية بين رحبعام بن سليمان ويربعام بن نبط قرر سبط دان الهجرة إلى الحبشة، وعدم المشاركة في القتال، ويوافق الداد هدني في هذا الاعتقاد الحبر اليهودي عوفديا، والحبر دافيد بن زمرا.

ـ الرأي الثاني: الفلاشا هم جزء من يهود مصر، ويرى أصحاب هذا الرأي أنه بعد تدمير الهيكل الأول هاجرت طائفة من اليهود إلى مصر، ومنها إلى الحبشة، ودليلهم التشابه الكبير بين يهود مصر ويهود الحبشة في عادة تقديم القرابين ووجود مصطلحات آرامية في الترجمات الجعزية للكتب المقدسة.

ـ الرأي الثالث: الفلاشا جزء من يهود اليمن “الجزيرة العربية”، ويقوم هذا الرأي على احتمالية هجرة بعض اليهود من الجزيرة العربية عن طريق اليمن إلى الحبشة، فالتقارب الجغرافي والعلاقات التاريخية بين ساحلي البحر الأحمر أسهما في ذلك.

ـ الرأي الرابع: الفلاشا هم نتاج هجرة بعض اليهود من مصر والجزيرة العربية، وهذا الرأي يجمع بين الرأيين الثاني والثالث.

ـ الرأي الخامس: الفلاشا تعود أصولهم إلى قبيلة آجاو الإفريقية، وقد تهودوا في زمن غير معروف، ويستدلون بالتشابه الكبير بين معتقدات آجاو النصرانية الأرثوذكسية وبين تعاليم يهود الفلاشا اليهودية، وممن ناصر هذا الرأي ولندروف.

وتختلف الروايات أيضا حول أعدادهم، مما حدا البروفيسور لسلاو إلى زيارة أثيوبيا في عام 1946م للكشف عن هذا الموضوع، فقدر أعدادهم بعشرين الف نسمة، وكذلك قدرها الدكتور شوشكس، بينما قدرت صحيفة نيويورك تايمز أعدادهم بما يقارب 52 ألفاً.

وينتشر الفلاشا حول بحيرة تانا في الشمال الغربي الإثيوبي، ومن مناطقهم: بجمدر، كوارا، بلسا، لسطا، دمبيا، جوندر، أرمشوهو، وجرا، لقيط، سمين، كما يتواجدون بأعداد قليلة في العاصمة أديس أبابا.

ويتكلم الفلاشا اللغة الأمهرية واللغة التجرية، أما لغة صلواتهم الدينية فهي لغة الجعز، وهي لهجة سامية قديمة كانت تستخدمها الكنيسة القبطية الإثيوبية.

وجميعهم ذوو جلد أسود كبقية الأفارقة، وغالب مساكن الفلاشا مبنية من فروع الأشجار المتراصة والمتلاصقة بالطين، فهي بيوت بدائية، ويعتمدون في الطهي على النار وإشعال الأخشاب، وهم لا يؤمنون بالتجارة لأنها تضطرهم للاختلاط بالأجانب غير اليهود “الغوييم”، حيث ينظرون إلى الأجانب على أنهم رجس، فهم منعزلون من الناحية الاجتماعية.

 

المعتقدات والطقوس الدينية

أولاً: الكتب المقدسة
يؤمن يهود الفلاشا بخمسة أسفار من أسفار العهد القديم، وببعض الأسفار الخارجة عنه، وهي أخنوخ واليوبيل وباروخ وعزرا، وهي مكتوبة بخط اليد.

وهم لا يعرفون شيئاً عن التلمود، ولا عن الجاؤنيم وهم رؤساء المدارس الدينية اليهودية في بابل، وجميع النصوص الدينية عندهم كتبت بلهجة الجعز السامية التي ترجمت عن نصوص يونانية في عهود نصرانية متقدمة.

ومن كتبهم المقدسة كتاب “أرديت” أو التلاميذ، وأعمال موسى، وجورجوريوس النبي، ومدراش أبا الياهو، وكتب الآباء مثل آدم وإبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وهارون.

ثانياً: الصلاة والكنيس
تقام صلوات الفلاشا الدينية في كنيس مميز عن أكواخ القرية، وينقسم إلى قسمين: داخلي وهو قدس الأقداس وخاص بالكهنة، وخارجي لبقية اليهود، ولابد قبل دخول الكنيس من نزع الأحذية، ولا يغطي عوام اليهود رؤوسهم، بل هو خاص بالكهنة.

ويتوجهون في قبلتهم إلى القدس، وصلاتهم عبارة عن رقصات وحركات بالأيدي وسجود وغناء جماعي، وعدد صلواتهم ثلاث صلوات في اليوم، صلاة السحر وهي بعد طلوع الفجر وقبل الخروج إلى العمل، والثانية في منتصف اليوم، والثالثة بعد غروب الشمس.

كذلك لديهم صلاة يوم السبت، والصلاة السابقة للوليمة واللاحقة لها، وصلاة استقبال الضيف ووداعه وذكرى الأموات والختان والزواج.

ثالثاً: يوم السبت
هو يوم عيدهم الأسبوعي، فهم يزعمون أن الله استراح فيه بعد خلق العالم، وله أسماء عندهم فهو سبت الراحة والسبت المقدس وسبت السلام والسبت الملكة، ويحتفلون بقدومه فيغسلون ملابسهم ويعدون طعامهم، ويبدأ يوم السبت عندهم من غروب شمس يوم الجمعة.

رابعاً: التقويم والأعياد
يحتفل الفلاشا بأعياد التوراة، ولهم أيضا أعيادهم الخاصة بهم، وأبرزها:

ـ رأس السنة: وهو اليوم الأول من الشهر السابع نيسان، ويسمونه يوم شروق النور، وهم على خلاف بقية اليهود الذين يحتفلون به في أول شهر تشرين.

ـ يوم الغفران.

ـ يوم المظال: أو عيد الظل، وهو اليوم الخامس عشر من نيسان، ويستمر ثمانية أيام.

ـ عيد الفصح: وهو في الرابع عشر من نيسان.

ـ عيد الأسابيع: أو عيد الحصاد، وهو بعد خمسين يوماً من عيد الفصح.

ومن أعيادهم: أول كل شهر، والعاشر من كل شهر، والثاني عشر من كل شهر، والخامس عشر من كل شهر.

ويعتمدون في مواعيد أعيادهم التقويم الحبشي والذي يعتمد على الحساب القمري، على عكس بقية اليهود الذين يعتمدون التقويم الشمسي.

خامساً: الصوم
يعبّرون عنه بلفظ عبري معناه: إذلال نفس، وهم يصومون إما تكفيراً عن ذنوبهم أو إحياء لذكرى بعض الأحداث التاريخية، أو امتثالاً لبعض أوامر علية القوم، أو تضرعاً لله تعالى لكشف الكرب.

سادساً: الطعام الحلال “الكوشير”
لا يأكلون اللحم إلا إذا ذبحه الكاهن، ويدفنون دم الذبيحة في التراب، ولا يأكلون لحم غير اليهود “الغوييم” لنجاسة أصحابه في نظرهم.

سابعاً: النجاسة والطهارة
كل من هو غير يهودي هو نجس عندهم، فلا يؤكل لحمه، ولا يمس، ولا يسمح له بدخول بيت اليهودي إلا بعد الغطس في النهر، والميت عندهم نجس، وكذلك نجاسة من قام بتغسيل الميت أو دفنه أو حمله.

ويقولون بنجاسة المرأة الحائض والنفساء، فتعتزلهم خارج البيت إلى خيمة اللعنة، أو خيمة الدم، ولهم طقوس خاصة فيمن تلد ولداً أو بنتاً.

ثامناً: الختان
يعد الفلاشا خاصة واليهود عامة الختان عهداً بين الرب والشعب، وهم لا يزوجون بناتهم لغير المختون “الأغلف”، فيختتنون لأسباب عدة، كالأسباب الصحية والتعبدية، وعادة ما ينفذون هذه العملية في اليوم الثامن من الولادة، ويؤجلونه لليوم التاسع إذا كان الثامن سبتاً على خلاف بقية اليهود.

تاسعاً: زواجهم
للزواج عندهم خيمة خاصة، والزواج يتم بربط خيط ملون عند قدمي العريس، ثم يمرره على بقية جسمه، وتقام له الولائم الخاصة والاحتفالات، وغالباً ما يتم الزواج من غير الأقارب لأنهم يكرهون زواج الأقارب.

عاشراً: الدفن
يتم دفن الميت عند الفلاشا من خلال أربعة رجال، يغسلونه ويصلون عليه صلاة تسمى “فتح”، ومراسم العزاء عندهم تشابه نظيراتها عند بقية الأمم.


 

أهم المراجع
ـ يهود الفلاشا: أصولهم ومعتقداتهم وعلاقتهم بإسرائيل، الدكتور محمد جلاء إدريس، مكتبة مدبولي، القاهرة.

ـ الفلاشا: الخيانة والمحاكمة، صلاح عبد اللطيف، مكتبة مدبولي، القاهرة.