1

هل نحن عاجزون بيولوجياً أمام شهواتنا؟

صار من المتداول اليوم بين الشباب كثيرا أن ميولنا وشهواتنا ورغباتنا تنشأ أصلا من دوافع بيولوجية ووراثية، وكأن الإنسان يُخلق مجرما أو سويّا أو عفيفا أو متهتكا، لكن الأبحاث التي يستندون إليها ليست نهائية، بل هناك ما ينقضها بقوة.

البعض يستشهد بقصة تم توثيقها عام 2003 لشخص اكتشف أن لديه ميولا جنسية نحو الأطفال، وهي الحالة المسماة في علم النفس “بيدوفيليا”، وتم تشخيصه لاحقا بأنه مصاب بورم في المخ. وبناء عليه، حاول الكثير من علماء الأعصاب الربط بين ميول كهذه وبين إصابات في بعض مناطق الدماغ، لكن هناك أبحاثا أخرى أثبتت أن ليس كل من يصاب في نفس تلك المناطق يجد ميولا مماثلة[1].

على سبيل المثال، قدم الأستاذ في جامعة نيويورك سبرامونيام مادهوسودانان ورقة علمية في عام 2014 أوضح فيها أنه لا توجد علاقة بين مكان الورم في الدماغ و بين الآثار النفسية[2].

وعليه فإن الطب لا يقدم دليلا على أن إصابة منطقة معينة من الدماغ بورم ستؤدي إلى ظهور ميول البيدوفيليا أو الشذوذ الجنسي أو أي سلوك آخر؛ لكن الورم قد يغير المزاج العام ويؤدي إلى الاكتئاب والأرق وفقدان شهية وأعراض أخرى.

وقاحات جديدة
في مقال نشره بمجلة “ريدرز دايجست” بعنوان “وقاحات جديدة”[3]، يقول ويليام لي ويلبانكس إن الإرادة وحدها قادرة على تخليصنا من أعتى العادات السيئة.

ويستشهد بمحاكمة شهيرة جرت في الولايات المتحدة للنظر في قضية رجل اعتدى جنسيا على فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، حيث حكم القاضي بإخضاع المتهم لدورة تأهيلية لتصحيح إفراز الهرمون الذكري “تستستيرون” لديه بحجة أن فرط إفراز الهرمون هو الذي يمنعه من مقاومة المغريات، ويعلق الكاتب “ولكن معظم الذين يعانون من هذه المشكلة لا يعتدون على الآخرين، وما قام به القاضي ليس إلا واحدا من أوهام الوقاحة الجديدة، والتي نرددها باستمرار لنصيب بها صميم إنسانيتنا عبر تلفظنا بعبارات من قبيل: لا يمكنني أن أتمالك نفسي”.

ويضيف أن وصفنا للمدخنين بأنهم مدمنون يوحي بعجزهم عن الإقلاع عن التدخين، مع أن الكثير منهم تمكنوا من ترك هذه العادة دون علاج.

ثم يذكر مثالا آخر عن الغضب، فيقتبس من كتاب “الغضب: عاطفة يساء فهمها” للأخصائية كارول تافريس قولها إننا نحن من يقرر أن نغضب عندما نعتقد بأننا تلقينا معاملة غير عادلة، فالعدوانية ليست طبعا بيولوجيا قسريا في داخلنا، بل هي طريقة مكتسبة نلجأ إليها للتعامل مع من يدفعنا للغضب، مع أنه بمقدورنا أن نختار طرقا أخرى مكتسبة أيضا مثل كظم الغيظ والترويح عن النفس بالبوح بما يغيظنا أو حتى الصراخ، والدليل على قدرتنا على التحكم بأعصابنا عند الغضب هو أننا نادرا ما نثور على مدرائنا في العمل، في الوقت الذي نفقد فيه السيطرة عند التعامل مع أصدقائنا أو أفراد عائلاتنا.

ونحن نوافق على هذا، فلو كان الغضب أمرا خارجا عن السيطرة لما أمر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من جاء يطلب منه الوصية بقوله “لا تغضب”، ومكررا وصيته ثلاث مرات.

وفي سيرة عمر بن الخطاب مواقف كثيرة تشير إلى أنه كان شديدا قوي البأس، ومع ذلك كان وقافا عند حدود الله ومسيطرا على أعصابه، فعندما أساء إليه أحد العامة -وهو الخليفة- همّ به ليوقفه عند حده لولا أن بادر أحد جلسائه بتذكيره بقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، فأقلع على الفور وعفا عنه.

وفي قصة مشابهة، أخطأ أحد غلمان الخليفة العباسي هارون الرشيد وآذاه، فلما نظر الخليفة إلى الغلام غاضبا سبقه الفتى بقوله: “والكاظمين الغيظ” فهدأ الخليفة وقال: قد كظمت غيظي، فتابع: “والعافين عن الناس” فقال: قد عفوت عنك، فأكمل الغلام: “والله يحب المحسنين” فقال: أنت حر لوجه الله.

الإرادة تكفي
ويتحدث الكاتب ويلبانكس عن تجربة شخصية مر بها عندما كان طالبا في المدرسة الثانوية، إذ كان مقتنعا بأن طباعه غير سوية، إلى أن طلب منه مدرب كرة السلة في المدرسة أن يواجه أحد زملائه في التدريب، فكان كلما فوّت فرصة في التسديد ضرب الأرض بقدمه متذمرا، فحذره المدرب من الطرد إن عاد إلى هذا التصرف مرة أخرى. وبما أن المدرب كان حازما فإن الفتى لم يجرؤ على القول “ولكني لا أستطيع أن أتمالك نفسي يا أستاذ”، بل أقلع عن تلك العادة على الفور لعلمه المسبق بأن عقابا صارما سيواجهه.

ويعلق بالقول إن الإرادة الحازمة قادرة على الإمساك بزمام الأمور، مشيرا إلى أن الكثير من مدمني المخدرات تمكنوا من الخلاص منها دون علاج، ولا ينسى التذكير بأن العلاج ضروري شريطة أن يسبقه التذكير -وليس التعليم- بأن الإرادة هي السلاح الأول، فالإدمان مشكلة أخلاقية بالدرجة الأولى وليست طبية، وفق رأيه.

ويضيف أن المعالجين أخذوا يطلقون صفة الإدمان على كل العادات السيئة حتى على المراهنين ولاعبي القمار، حتى باتوا يعتبرون من يتخطى الحدود في المقامرة شخصا مريضا فاقدا للسيطرة على نفسه، مما يفتح الباب واسعا أمام الانحراف السلوكي، ويجعل من الجناة أشخاصا يستحقون الشفقة بدلا من العقاب.

وإذا كان هذا المقال قد كُتب في أواخر الثمانينات للتنديد بما أسماه “وقاحات جديدة” فماذا يقول إذن عما انتهى إليه الحال اليوم بعد نحو ثلاثين سنة؟ فمع أن العديد من الأبحاث تنفي ارتباط السلوك المنحرف بالهرمونات وأضرار الدماغ كما ذكرنا في بداية المقال إلا أنه أصبح من الشائع كثيرا الركون إلى المقولات المضادة، لا سيما في الأوساط الإلحادية المادية التي تميل إلى الفلسفة الجبرية واعتبار الإنسان مجرد آلة مسيَّرة محدودة الإرادة، وما نراه من انحلال أخلاقي في الغرب اليوم هو إحدى نتائج هذه الفلسفة.

هوس التبرير
ومن الأمثلة المتزايدة على الهوس الطبي في البحث عن دوافع بيولوجية لكل سلوك منحرف، تصنيف أطباء النفس لظاهرة التسوق المبالغ فيها ضمن الأمراض النفسية القابلة للعلاج، وربطها بانخفاض مادة سيروتونين في المخ، والذي يسبب أعراضا أخرى مثل إدمان لعب القمار أو اللهو بإشعال النار والتسبب في الحرائق.

ومن الأمثلة أيضا اعتبار مشاهدة التلفاز المبالغ فيها حالة من حالات الإدمان، حيث ربطت دراسة نشرت في مجلة “أميركان سيانتيست” بين الانبعاث المتواصل الذي يطلقه الدماغ لموجات “ألفا” ومشاعر الارتياح النفسي لدى مشاهدة التلفاز، لكن هذا الارتياح الذي يشعر به معظم الناس الطبيعيين لا يعني بالضرورة أنهم سيعانون من الإدمان وفقدان الإرادة!

أما التدخين فحاول فريق علمي من جامعة أكسفورد أن ينسب الاعتياد عليه إلى جين وراثي قال إنه مسؤول عن الإدمان على النيكوتين، مؤكدا أن الأشخاص الذين لا يحملون الجين يمكنهم الإقلاع عن التدخين دون استعمال الوسائل التي تستخدم النيكوتين (مثل لبان النيكوتين ولصقة النيكوتين على الجلد)، لكن وجود هذا الجين لا يعني حتمية التدخين، فهو لا يعدو كونه استعدادا أوليا يمنح الشخص قابلية إضافية للتدخين، كما هو الحال مع اشتهاء الإنسان لنوع ما من الطعام أكثر من غيره، لكن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى فقد الإرادة.

وكل ما في الأمر هو أن مجاهدة النفس لمنعها عما تشتهيه تكون أصعب أمام إغراء الإعلانات وتشجيع المجتمع، لذا تمتلئ كتب التزكية والزهد في تراثنا الغني بقصص مجاهدة النفس لدى كبار الزهاد عن أبسط الأمور، لمنع النفس من التمادي حتى في اشتهاء الحلال فضلا عن المنكرات. لكن التساهل في التعاطي مع المكاره والمحرمات قد يتحول مع مرور الزمن عادة مستعصية، فتبررها النفس الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان بالعجز والإدمان.

وقد يصل الأمر فعلا لدى البعض إلى وسواس قهري يسلب الشخص إرادته، وهذه تحديدا حالية مرَضية مرتبطة بعوامل بيولوجية، لكن العلاج في معظم الحالات يكون بالإيحاء النفسي السيكولوجي دون تدخل الأدوية والعقاقير.


[1] https://jamanetwork.com/journals/jamaneurology/fullarticle/783830

[2] https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1586/14737175.7.4.343

[3] Reader’s Digest, Mars 1989.




لماذا فُرض الحجاب؟

منذ بزوغ شمس الإسلام وحتى انحسار الاحتلال الأوربي عن بلاد المسلمين في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، لم ينقل لنا التاريخ أي حادثة تدل على أن حجاب المرأة قد تسبب لها في يوم من الأيام بأي مشكلة. وإذا كان التراجع الحضاري الذي استكان إليه المسلمون في القرون الثلاثة الأخيرة قد منح أعداءهم فرصة التعرض لقيمهم ومقدساتهم، فإن قضية “تحرير” المرأة ما زالت إحدى أهم مداخل الغزو الثقافي التي يراد من خلالها خلخلة التماسك الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، ونسف قيمه الأثيرة التي تغوص في وجدان المسلم العادي.

من أجل ذلك، كان جسد المرأة المسلمة -قبل عقلها- هدفا مركزيا لسهام الغزو، وإذا كان الحجاب هو العائق الأول في طريق الوصول إليها، كان لا بد من اصطناع ثقافة متكاملة تحمل على عاتقها نسف الحجاب من اللاوعي الإسلامي، بدءا بإشاعة الشكوك حول حكمه الشرعي وعلته وغايته، ثم ربطه الدائم بكل الصور المنفرة، في سعي دؤوب لتنميط صورته على أنه الوجه السافر لكل ما هو مقيت ومنفر.

وما إن اكتملت فصول هذه الحملة التي تتخذ من حقوق الإنسان والديمقراطية غطاء لها، حتى اجتمعت بين أيدينا مجموعة من الدعاوى التي يحاول بها أصحابها التشكيك في علة فرض الحجاب على المرأة. ويمكن للمطلع أن يلاحظ أن بعضها يناقض البعض الآخر، إذ يصعب الجمع بينها في منظومة واحدة، إلا أن الهدف من إثارتها وتكرارها قد يكون هو مجرد الاكتفاء بنسف حرمة الجسد وثقافة العفة والشرف، وهو أمر كفيل بزعزعة بنيان المجتمع.

وفي هذه العجالة، سنعرض لأهم ما يتداوله أعداء الحجاب من شبهات حول علة هذا الفرض الذي أجمع عليه المسلمون، مع مناقشة كل منها بما يسمح به المقام.

أوهام العلمانيين حول علة الحجاب
1- “أن الحجاب فُرض لتمييز الحرائر عن الإماء”، ويستدلون بقوله تعالى: “ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ” (الأحزاب: 59)، فقد ذهب الكثير من الفقهاء والمفسرين إلى أن الحجاب (أي الخمار والجلباب) كان خاصا بالحرائر دون الإماء، فاستغل البعض هذا الحكم ليزعموا أن الحجاب لم يعد حكما واجبا اليوم، إذ انتهى عهد الرق ولم تعد هناك حاجة للتمييز.

والحقيقة أن هذه العلة ليست الوحيدة في فرض الحجاب أصلا، وأنها ليست محل إجماع أيضا، فبعض الفقهاء رأى عدم التمييز بين الحرة والأمَة، مثل ابن حزم والنووي، وأجمعوا جميعا على أن الأمة تتحجب إذا كانت شابة أو جميلة، فالإعفاء من الخمار والجلباب كان تخفيفا عمن تضطر للعمل والخدمة ممن لا يكترث لها الرجال.

2- “أن الحجاب فُرض لتربية المرأة والحفاظ على أخلاقها من الانحراف”، ويتشدق أصحاب هذا الرأي دائما بأمثلة لا تحصى عن فتيات محجبات غير أخلاقيات، في مقابل فتيات يتمتعن بالأخلاق العالية دون أن يضعن الحجاب على رؤوسهن.

وقد يكون الحجاب من لوازم الحشمة التي ينبغي أن تنشأ عليها الفتاة في سن المراهقة، لكن نصوص الوحي لم تعلل فرض الخمار والجلباب بالتربية نفسها، بل نستنتج من الآيات -كما سيأتي لاحقا- أن العلة الأبرز هي حماية المرأة من الأذى، وبغض النظر عن أخلاقها، فالحجاب إجراء احترازي لحماية الرجل من الفتنة، ولحماية المرأة من مضاعفات هذه الفتنة.

3- “أن الحجاب أداة سياسية، ابتكرها الإسلاميون للتلويح بها في وجه خصومهم”، ويتبع ذلك إطلاق مصطلحات من قبيل “ثقافة الحجاب” و”مؤسسة الحجاب”!

ويبدو أن أصحاب هذه الحجة لا يمضون في عرضها إلى أبعد من ذلك، بل لا يملكون من الأدلة عليها إلا دعوة الناشطين الإسلاميين في عالم السياسة إلى الحجاب، دون أن يلحظوا أن هؤلاء الحركيين يهتمون أيضا بالدعوة إلى الصلاة والصوم وغيرها من أحكام الإسلام، فضلا عن الدفاع عن الأوطان، ولكن العجيب هو أن أيا من هذه الدعوات لم يحظ بذلك الاهتمام العلماني الذي حظي به الحجاب.

علاوة على ذلك، لا ينتبه أصحاب هذه النظرية إلى أن الحجاب يستند إلى نص قرآني يتداوله المسلمون منذ أربعة عشر قرنا، فما المبرر إذن لتحميله بعدًا سياسيًا لا يمتد إلى ما هو أبعد من بضعة عقود، حين بدأت الحركات الإسلامية بالتشكل؟ بل ما هي العلة التي يرون أنها السبب في التزام ملايين المسلمات في مجتمعات لا تصل إليها أنشطة تلك الحركات الإسلامية؟

4- “أنه فُرض على المرأة لاضطهادها من قبل الرجال”، والدليل الذي يتمسك به أصحاب هذه النظرية هو اقتصار الحجاب على المرأة دون الرجل، إذ يدفعهم ذلك لافتراض استغلال “طبقة” الفقهاء من الرجال لبعض النصوص وتفسيرها على نحو يرسخ نظرتهم الظالمة للمرأة.

والعجيب في الأمر هو تجاهل هؤلاء للحال الذي كانت عليه النساء في عصر نزول هذه النصوص، إذ نزلت آية الحجاب قبل وجود “طبقة الفقهاء”، والتزمت بها النساء فور سماعهن بها.

أخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: “إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح متعجرات كأن على رؤوسهن الغربان”. وورد الحديث بأكثر من رواية بعضها في صحيح البخاري.

وليس في الحديث أي دليل على اضطهاد أو إكراه من جنس لآخر، بل لم يكن للفقهاء هنا أي دور في تفسير هذه الآية التي تنص بوضوح على وجوب الخمار، إذ بادرت النساء على الفور بتنفيذ أمر الله فور علمهن به، لكونه أمرا من الله تعالى لا من الرجال.

أما عن كون هذا الحكم خاصا بالمرأة دون الرجل، فهذا مما لا يحتاج إلى كبير جهد لبيان علته، فلا يختلف اثنان على أن الرجل يفتتن بكل ما يظهر من جمال المرأة، في الوقت الذي تضع فيه المرأة وسامة الرجل في درجات ثانوية، تأتي بعد اهتمامها بشخصيته وعلمه وماله وغير ذلك، ومن المألوف أن يقترن الرجل بمن تصغره سنا، وأن تصرف المرأة جل وقتها لإخفاء معالم الشيخوخة حفاظا على مكانتها في قلب الرجل، دون أن يكلف الرجل نفسه عناء ذلك.

5- “أنه وسيلة لعزل المرأة المسلمة في الغرب عن مجتمعها العلماني ولتمييزها عن غيرها من النساء”. ولا يمضي أصحاب هذه النظرية أيضا إلى ما هو أبعد من ذلك، بل يكتفون بضرورة انصهار النساء جميعا في بوتقة واحدة، إذ يرون أن الرجل المسلم لا يختلف في مظهره عن غيره من الرجال، مما يعني ضرورة إجبار المرأة المسلمة أيضا على عدم ظهورها بما يميزها عن غيرها من النساء.

ويتابع هؤلاء بافتراض كون الحجاب رمزا دينيا، ثم يلحقونه بافتراض آخر يماثله عند الرجل المسلم وهو إطلاق لحيته، ومن ثمّ فإن كلا الرمزين يُعدان إشارة إلى كون من يلتزم بهما من “طبقة رجال الدين”، ولا يمكن للطبقات الأخرى من المجتمع أن تشترك مع هؤلاء في المظهر.

لكن هذا التصور نابع من موقف الغرب من الدين أولا، ومن مفهومه الخاص لدور الدين ورجاله ثانيا. فالموقف الغربي من الدين قائم على تاريخ طويل من الصراع والنضال ضد اضطهاد الكنيسة، وهذا مما لم يعهد له المسلمون مثيلا في تاريخهم.

أما مفهوم طبقة رجال الدين فقائم أيضا على خصوصية الدين المسيحي في المجتمع الأوربي، إذ لا يوجد الدين هناك إلا مع وجود مؤسسة كنسية يديرها رجال ونساء منتدبون لهذه المهمة، وهم طبقة من الرهبان والراهبات الذين نذروا حياتهم للدين دون غيره، فلا يمكن الجمع بين هذه المهمة وبين غيرها، بل لا يسمح لأفراد هذه الطبقة بممارسة مهماتهم خارج نطاق المؤسسة. وهذا تصور لا نجد مثيله أيضا في الإسلام، فليست هناك مؤسسة دينية ولا تنظيم ديني للعاملين فيها، بل هناك مساجد للعبادة والعلم، وعلماء لا يختلفون عن غيرهم سوى بقدراتهم العقلية والنفسية وبهمتهم لطلب العلم، وعلمهم متاح للجميع طلباً وبذلاً. أما الالتزام بالدين في مظاهره وسلوكه وعقيدته فهو أمر مطلوب من كل المسلمين دون تمييز، فإعفاء اللحى واجب على كل الرجال، كوجوب الحجاب على كل النساء. [انظر مقال هل هناك مؤسسة دينية في الإسلام؟].

6- “أن الحجاب في ذاته ليس بالأمر المهم، بل هو مجرد أداة ضغط يتلاعب بها الإسلاميون لإبرازها عند الحاجة، مستهدفين بذلك إثارة القلاقل وصرف الأنظار عما هو أهم”. وقد يلاحظ كل من قُدر له الاطلاع على كتابات هذا النوع من الكتاب أن الأمور المهمة لديهم هي التي تتعلق بالوضع الاقتصادي للمجتمع، أما إذا ارتفع مستوى الاهتمام قليلا عن المادة فإن الأهمية لا تتعدى حقوق المرأة الأخرى من ضرورة رفع الظلم عنها، وتعليمها، ومساواتها التامة بالرجل.

وإذا كان الإسلام هو أولى بالدعوة لإحقاق الحق ورفع الظلم ونشر العلم، فإن الخلط هنا ليس قاصرا على مفهوم هؤلاء للمساواة الذي لا يراد منه تحويل المرأة إلى رجل كما يُخيل إلى البعض، ولا حتى العبث بأنوثتها، بل إن ترتيب الأمور على هذا النحو من الأهمية لا يقوم لديهم على أكثر من تصورهم العلماني للحياة، فالحوار هنا لا يصح أن يظل حبيس وجهات النظر حول المهم والأهم، ما لم نتفق أولاً على تصور واضح لوجود حياة أخرى بعد هذه الدنيا أو لا، فالحديث عن البطالة والفقر يبدو أنه مجرد شغب وصرف للأنظار عن هذه القضية.

ولو أن المفاضلة كانت بين موت المرأة جوعاً وبين حجابها، فلا خلاف في أن الشريعة تضع حفظ النفس أولاً، لكن الاهتمام بالحجاب والعفة وتماسك المجتمع لا يكون أصلاً على حساب محاربة الفقر، بل قد يكون مكملا له وصارفا للفقراء وغيرهم عن الانشغال بالشهوات.

لماذا فُرض الحجاب إذن؟
وردت آيات وجوب الحجاب في القرآن الكريم بوضوح لا يرقى إليه شك، ويمكن جمعها على النحو الآتي:

(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31).

(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60).

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) (الأحزاب: 53).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).

ولفهم هذه الآيات، نقف عند معاني بعض ما جاء فيها من مفردات:

-الجلباب: أصل مادة جلبب يفيد الجمع والإحاطة، والجلباب هو ما يتغطى به، وقد يطلق على القميص والخمار والرداء والإزار، وهو ثوب واسع للمرأة أوسع من الخمار ودون الرداء تغطي به رأسها وصدرها وظهرها، أو ما تضعه فوق ثيابها.

-الخمار: أصل الخمر ستر الشيء، والخمار ما يستر به، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.

-الجيب: هو ما قُطع وسطه، وجيب القميص ما ينفتح على النحر (الياقة).

-الضرب: وضع الشيء على الشيء.

-الإدناء: يقال أدنيت أحد الأمرين من الآخر أي قاربت بينهما، وإدناء المرأة ثوبها عليها أي أرخته وتسترت به.

ويبدو أن مصطلح الحجاب المتداول اليوم لم يرد في القرآن، فالوارد هو الخمار والجلباب، أما الحجاب فكان يُقصد به حجب المرأة بشخصها عن الرجال، أي عدم احتكاكها بهم، وعدم إبراز ما يدل على شخصها إذا اضطرت للخروج، وهذا أمر خاص بنساء النبي تحديداً لكونهن أمهات للمسلمين جميعا.

وبالعودة إلى الآيات الكريمة التي وردت في شأن لباس المرأة، نرى أنها جاءت في سياق غض البصر وحفظ الفرج، ويؤكد ذلك أيضا ما جاء بعدها من آيات تفصل آداب الاستئذان قبل الدخول، والحث على الزواج والإعفاف.

وعليه، فإن العلة الأولى للحجاب (الخمار والجلباب)، هي إحصان المرأة وحفظ كرامتها بتغطية ما يثير شهوة الرجال من زينتها، وذلك بستر سائر بدنها خلا الوجه والكفين (استنادا إلى أحاديث نبوية)، مع التأكيد على أن العفة تناط أولا بالتربية وتزكية النفوس لكلا الجنسين كما قال تعالى: “ولباس التقوى ذلك خير”، فيما تأخذ تغطية الزينة حكم الإجراء الاحترازي لدرء الفتنة، والتي لا تُقصر على ضعاف النفوس فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره، فالغريزة الجنسية يستوي فيها العقلاء مع العامة، والتاريخ حافل بقصص الخيانة الزوجية على جميع المستويات.

الغاية إذن هي مساواة المرأة بالرجل لا تمييزها عنه، فلما اختصت الزينة والفتنة بأحدهما أكثر من الآخر، كان لا بد من مواءمة الأحكام للفروق القائمة بينهما، ليلتقي كل منهما في إطار الضرورة بما يضمن التقاء إنسان بإنسان، دون أن يشوب العلاقة ما يهبط بها إلى دركات الشهوانية المقيتة.

بناء على ما سبق، فمن الذي ينظر إلى المرأة على أنها جسد؟ ومن الذي يقصر فكره ونشاطه على ما يجب كشفه أو ستره من جسدها؟ أتراه ذاك الذي يعترف بحقيقة غريزته ويبني عليها حكما يلزم به نفسه ليحترم إنسانية المرأة، وينصرف من خلاله عن التدني إلى مستوى التطلع إلى غاية شهوانية، أم هو الذي يصر على نفي وجود تلك الغريزة وهو يعلم مكانها في نفسه، ثم يحكم على الرجال بضرورة التنزه عنها، مصرا على إخراج النساء اللاتي بقين مئات السنين في خدورهن، وطرح غطائهن الذي لم يُثِر أي مشكلة طوال تلك القرون، فيأمر الرجال بالنظر دون شهوة، والنساء بالاختلاط دون اعتراف بوجود أي نزوة؟

لقد رافقت الحشمة صورة المرأة منذ خُلقت وعاء للجمال والفتنة، فإذا كان هذا الغطاء الذي لا يمنع المرأة عن مزاولة أعمالها والتمتع بحقوقها قد وقف حائلاً في وجه بعض من الرجال عن التمتع بزينتها، فلنبدأ إذن بإعادة صياغة أسئلتنا من جديد، ولنتحلّ بالجرأة في تحديد الطرف الذي لا يرى من المرأة إلا جسدها ثم يتظاهر بالدفاع عن حريتها عبر كشف ما استتر منه.




هل فُرض الحجاب لتمييز الحرة عن الأمَة فقط؟

نص القرآن الكريم على وجوب تغطية المرأة لجسدها بالخمار والجلباب في سورتي النور والأحزاب، واستنبط كثير من الفقهاء والمفسرين من الثانية حكما بعدم وجوب التغطية على الأمَة (المملوكة)، ثم جاء بعض المعاصرين ليزعم أن انتفاء وجود الرق اليوم يسقط الحكم عن الحرائر.

سنناقش في هذا المقال الحكم نفسه، ثم نرد على المزاعم السابقة التي تسعى لإسقاط وجوب الخمار والجلباب، أو ما يسمى اليوم بالحجاب.

تقول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].

ومع أن الآية لا تشير صراحة إلى التمييز بين الحرائر والإماء، لكن اتفاق الكثير من الصحابة على هذا التفسير دفع معظم الفقهاء إلى تبنيه، حيث نُقل عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يمنع الإماء من التقنع (أي تغطية الرأس بالجلباب أو الخمار) ويطالبهن بعدم التشبه بالحرائر، وصحح هذه الأحاديث البيهقي والألباني.

إلا أن هذا التمييز يجب أن ينضبط بتوضيحات يغفل عنها الكثيرون، وسنوضحه في النقاط الأربع الآتية:

أولا: الهدف من التمييز هو حماية الحرائر من الأذى، قال السعدي في تفسيره [ص 672]: “{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُن أنهن غير عفيفات فيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن وظن أنهن إماء فتهاون بهن من يريد الشر”.

لكن هذا لا يعني أن التعرض للإماء جائز ومرخص فيه، إذ يقول محمد الأمين الشنقيطي “وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ تَعَرُّضَ الْفُسَّاقِ لِلْإِمَاءِ جَائِزٌ بل هُوَ حَرَامٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُنَّ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض… وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَمْرِ الْحَرَائِرِ بِمُخَالَفَةِ زِيِّ الْإِمَاءِ لِيَهَابَهُنَّ الْفُسَّاقُ، وَدَفْعُ ضَرَرِ الْفُسَّاقِ عَنِ الْإِمَاءِ لَازِمٌ، وَلَهُ أَسْبَابٌ أُخَرَ لَيْسَ مِنْهَا إِدْنَاءُ الْجَلَابِيبِ” [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 6/245].

ثانيا: التفريق بين الحرة والأمة في اللباس ليس أمرا مجمعا عليه، ولم يثبت في التفريق بينهما دليل صحيح صريح، فقال كثير من العلماء إن عورة الأمة كعورة الحرة، وإن علة الحجاب هي منع الفتنة وليس الحرية (نقيض الرق)، فقال ابن قدامة في المغني: “وسوّى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن} الآية، ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة، والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة، فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعي، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكر افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر؛ لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها، قال أحمد بن حنبل في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة”.

ورأى آخرون أن علة الحجاب كون المرأة أنثى بالغة، وأن التمييز بين الحرة والأمة هو حكمة من الحِكم وليس العلة، وحِكم فرض الحجاب كثيرة، ومنها أن ذلك أطهر لقلوب النساء والرجال، كما قالت الآية {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ{ [الأحزاب:53]، ومنها أيضا تطهير المجتمع المسلم عن أسباب الرذيلة، فإذا انتفت بعض الحِكم لا يزول الحُكم كما اتفق الفقهاء، فالحُكم الفقهي لا يدور مع الحكمة بل يدور مع العلة وجودا وعدما.

وجاء في كتاب “النوادر والزيادات” للقيرواني نقلا عن أشهب: “وكره مالك خروج الأمة متجردة، قال: وتُضْرب على ذلك”.

كما قال النووي في [منهاج الطالبين، ص 204] “وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَم”، وأضاف شارح الكتاب الهيتمي في “تحفة المحتاج”: “لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأُنُوثَةِ، وَخَوْفِ الْفِتْنَةِ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْإِمَاءِ يَفُوقُ أَكْثَرَ الْحَرَائِرِ جَمَالًا؛ فَخَوْفُهَا فِيهِنَّ أَعْظَم”.

وكان ابن حزم يعارض بشدة التمييز بين الحرة والأمة، فقال في كتابه المحلى: “وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، فكل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما”.
ثم قال: “وقد ذهب بعض من وهل (أي غفل) فى قول الله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن، ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذى هو إما زلة عالم أو وهلة فاضل عاقل أو إفتراء كاذب فاسق، لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمَة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق. وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق. ولهذا وشبهه: وجب ألا يُقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام”.

ووافقه بذلك الشيخ الألباني فقال في كتابه حجاب المرأة المسلمة: “ولا يخفى ما في ذلك من فتح باب الفساد، مع مخالفة عمومات النصوص التي توجب على النساء إطلاق التستر، وعلى الرجال غض البصر”.

ورأى الألباني أن تمييز الحرائر عن الإماء لا دليل عليه من كتاب أو سنة ومخالف لعموم قوله تعالى {ونساء المؤمنين} [الأحزاب: 59]، فقد قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام فى شأن النساء: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ} [الأحزاب: 50] ثم قال تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [الأحزاب: 52]، فثبت دخول الإماء والحرائر فى لفظ النساء كما في قوله تعالى: {ونساء المؤمنين}.

وهذا ما سبق أن قال به أبو حيان الأندلسي في تفسيره [البحر المحيط، 7/ 250]: “والظاهر أن قوله: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر؛ فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح”.

وقال الألباني أيضا إن الحجاب يعم كل النساء لعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: “إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا.. وأشار إلى وجهه وكفيه” [رواه أبوداود وهو حسن لغيره].

واستدل القائلون بهذا الرأي بقول ابن جريج: “قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى دُرَّاعَةٍ ؟! قَالَ: نَعَمْ، أُخْبِرْتُ أَنَّ الْإِمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَبَعْدَهُ كُنَّ لَا يُصَلِّينَ حَتَّى تَجْعَلَ إِحْدَاهُنَّ إِزَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا مُتَقَنِّعَةً أَوْ خِمَارًا أَوْ خِرْقَةً يُغَيَّبُ فِيهَا رَأْسُهَا” [مصنف عبد الرزاق]، أي أن رأسها عورة.

لذا رأى أصحاب هذا الرأي أن الفعل الذي فعله الفاروق رضي الله عنه ليس بالنص الملزم، وأنه ضرورة وقتية لحالة معينة [كتاب حجاب المرأة المسلمة، ص 90-94].

ثالثا: شكل التمييز ليس متفقا عليه بين العلماء الذين أقروا به، فالبعض تساهل وجعل عورة الأمَة كعورة الرجل، والبعض تشدد وجعل الأمر متعلقا بكشف وجهها فقط، والبعض قال إن ما يباح كشفه للأمة هو ما ينكشف عادة أثناء الخدمة، مثل رأسها ورقبتها وذراعيها.

رابعا: حتى القائلين بالتفريق بين الحرة والأمة استنادا إلى فعل عمر رضي الله عنه، فقد أجمعوا على عدم إطلاق تجرّد الأمة من الحجاب دون ضوابط.

ففرّق بعضهم بين الأمَة البَرْزَة (التي تبرز كثيراً كالرجل لجلب الماء مثلا أو لممارسة أعمال أخرى تتطلبها الخدمة)، وبين الأمة الخَفْرَة (التي لا تخرج من البيت كثيرا).

كما فرَّق ابن قيم الجوزية بين إماء الاستخدام والابتذال، وبين إماء التسرّي (ملك اليمين)، وأبدى تعجبه ممن يرى أصلا في التمييز بين الحرة والأمة مبررا للنظر إلى الإماء الجميلات، وأوضح أن عدم حجب الأمة ليس للتمتع بالنظر إليها -كما أساء البعض الفهم- بل للتخفيف عنها وتسهيل عملها، فقال في كتابه [إعلام الموقعين، 2/46]: “وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمَة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرّم الله هذا وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}. لم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى، 15/372]: “ثبت في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب}، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن. والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز”، ثم قال: “وكذلك الأمة إذا كان يُخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها. وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجاباً، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها. وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عاماً على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنةٌ وجب المنع من ذلك، كما لو كانت في غير ذلك”.

ونستنتج من كلام ابن تيمية أن عدم احتجاب الإماء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان من باب القياس على القواعد من النساء، لأن الشائع في ما قبل الإسلام أن الرقيق كانوا يُجلبون  من أفريقيا للخدمة والعمل، ولم تكن الإماء محل فتنة، ولكن بعد الفتوحات ودخول النساء الأسيرات في الرق تغير الحال عما كان عليه في عصر الفاروق، ولم تعد بعض الإماء للخدمة ممن لا يكترث لهن الرجال، فيقول ابن تيمية “وأما الإماء التركيَّات الحِسان الوجوه، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكنَّ كالإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجب عليها أن تستر كل بدنها عن النَّظر” [الشرح الممتع،2/157-158 ].

خلاصة
نستنتج مما سبق أن التمييز بين الحرة والأمة ليس علة أصلا للحجاب، بل هو إحدى الحكم المتعلقة به، بل هو موضع خلاف أصلا، وقد أوضحنا في مقال “لماذا فُرض الحجاب؟” علة وحِكم فرض الحجاب، فالآية التي ورد فيها فرض الخمار (الحجاب بلغة اليوم) لا تشير إلى أي تمييز، ولا تجعل من عدم تعرض النساء للأذى حكمة ولا علة، وهي التي يقول فيها ربنا جل وعلا: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ…} [النور: 30].

إذن فانتهاء عصر الرق لا يعني انتهاء فرض الحجاب، وانتفاء احتمالية الأذى لا يؤدي إلى سقوطه أيضا كما يحاجج البعض اليوم. والله أعلم.




هوكينغ يرحل قبل أن يفهم “عقل الإله”!

أثبت لنا تاريخ العلم الحديث عجز العقل عن تصديق دعوى استغنائه عن البحث في أسئلة الوجود الكبرى، بل ظل القلق ملازما له حتى في مراحل الرخاء التي مر بها بين حملاته الدموية الرهيبة.

وشهد التاريخ المعاصر حالات كثيرة من الردة نحو الخرافة والأساطير، بل إن كثيرا من العلماء لم يتخلوا بسهولة عن بعض المفاهيم البائدة، فقد ظل أينشتاين مصراً على إيمانه بالحتمية التي تخلى عنها علماء الكم (الكوانتم)، فصرّح قبل وفاته للعالم الدانمركي نيلز بور بإيمانه بأن “الله لا يلعب النرد”، إذ كان يعتقد بأن الله الذي خلق هذا الكون المؤطر في حدود الزمان والمكان لا بد أن يسيّره بقانون كامل ومتناسق، وأن العقل البشري لن يعجز عن اكتشاف هذا القانون.

ويبدو أن الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ ظل متمسكا لمدة أطول بهذه الفكرة الجريئة، وبالرغم من تخليه عنها في سنواته الأخيرة فقد ظل مصرا حتى وفاته على ما هو أكثر جرأة، وهو رفض وجود الإله نفسه!

حمل هوكينغ لواء البحث عن ذاك القانون معظم حياته، وازدات ثقته عندما نجح كل من غلاشو وواينبرغ ومحمد عبد السلام في تطوير نظرية تجمع بين القوتين الكهرطيسية والنووية الضعيفة[1] في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عندما ظهرت عدة محاولات لدمج هاتين القوتين مع القوة النووية القوية، إذ أمكن جمع هذه الأخيرة مع القوة النووية الضعيفة في نظرية “النموذج المعياري”، وتسمى النظرية المتوقع اكتشافها لتوحيد القوى الثلاث بالنظرية الموحدة الكبرى GUT. ولو تم ذلك، كان من المقرر أن يتابع هوكينغ المهمة لتكميم نظرية الجاذبية -الخاضعة لنظرية النسبية- أسوة بالقوى الأخرى، وإيجاد جسر يربط بين نظريتي الكم والنسبية العامة، ومن ثم توحيد القوى الأربع في نظرية واحدة سوف يطلق عليها اسم “نظرية كل شيء”، الأمر الذي يصفه هوكينغ بإدراك “عقل الإله”!

ففي ختام كتابه الشهير موجز تاريخ الزمن “A Brief History of Time” الصادر عام 1988 يقول: “وعلى كل حال لو اكتشفنا فعلاً نظرية كاملة، فإنه ينبغي بمرور الوقت أن تكون قابلة لأن يفهمها كل فرد بالمعنى الواسع وليس فقط مجرد علماء معدودين. وعندها فإننا كلنا فلاسفة وعلماء وأناساً عاديين سنتمكن من المساهمة في مناقشة السؤال عن السبب في وجودنا، نحن والكون. لو وجدنا الإجابة عن ذلك، فسيكون في ذلك الانتصار النهائي للعقل البشري لأننا وقتها سنعرف عقل الله”.

هل يمكن أن نفهم كل شيء؟
في كتابه “هوكينغ وعقل الإله” “Hawking and the Mind of God” الصادر عام 2000، ينتقد أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة نوتينغهام “بيتر كولز” زميله هوكينغ في أطروحته، ويرى أن مجرد طموحه لبلوغ هذا الهدف يعد أمراً خارجاً عن العلم، ويسرد لذلك أسباباً عدة، نلخصها كما يلي:

1- إن العالَم الذي نقوم بدراسته اليوم ونصوغ المعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية لتفسيره ليس هو العالم الواقعي على حقيقته، ويفسر الفيزيائي إدوين شرودنغر ذلك بأننا لا نستطيع التعرف على الشيء دون التدخل الذي قد يؤدي إلى تغيير في بعض خواصه، مما يعني استحالة إدراكه على ما هو عليه في حقيقته، وبالتالي فإن معرفتنا عن العالم أو حتى عن ذواتنا ليست موضوعية مئة بالمئة، بل تتدخل فيها الذات تدخلاً جوهرياً لا يمكن تجنبه.

2- إن معرفتنا بالعالم المادي مصاغة على هيئة معادلات وقوانين وضعية من صنع البشر، ويحق لنا أن نتساءل هنا إن كانت حقيقة هذه الطبيعة رياضية حقاً، كما يحق لنا ألا نكتفي برد العلماء والفلاسفة الذرائعيين بأن القوانين المتاحة ليست أكثر من وصف مفيد للطبيعة، وأن دلالتها ترتبط بجدواها التي ما زالت تتأكد كل يوم. إذ ما الذي يمنع من تحقق افتراض عدم جدواها في ظرف ما يمكن أن يقع في المستقبل؟ بل حتى في ظرف مماثل للذي يتكرر كل يوم؟ وما الذي يعطي تفسيراتنا هذه الحتمية سوى اعتيادنا عليها كما يقول ديفيد هيوم والغزالي؟

3- إن افتراضنا لإمكانية التوصل إلى نظرية كل شيء قد يتعارض مع احتمال اختلاف قوانين الفيزياء التي كان الكون يخضع لها في بداية نشأته، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن المراحل المبكرة من عمر الكون -الأقرب إلى لحظة الانفجار العظيم- تتقارب فيها القوتان الكهرطيسية والنووية الضعيفة على نحو يصعب فيه التمييز بينهما، ومع أن هذا التغير محكوم بقانون آخر يعرف بنظرية الكهرباء الضعيفة، فإنه لا يمكن لنا التأكد من إمكانية تطبيق النظريات المعروفة اليوم على المراحل المبكرة لنشأة الكون حتى مع افتراض تمكننا من رسم صورة كاملة للتغيرات في الحرارة والطاقة التي مر بها، إذ لا نملك أي دليل على صحة تطبيق هذه النظريات في تلك الظروف الموغلة في القدم.

4- إن اعتقاد هوكينغ بأن مجرد التوصل إلى نظرية كل شيء سيؤدي إلى فهمه لـما يسميه “عقل الإله”، يقوم على افتراض أن وضعنا لأي قانون فيزيائي هو بمثابة فهمنا للأسرار الباطنة لهذا الكون، مع أن الكثير من العلماء يقرون بأن القوانين والنظريات ليست إلا وصفاً للحقيقة، وأنها تقتصر على وضع التنبؤات وتفسير المشاهدات والظواهر دون الغوص فيما هو أبعد من ذلك.

5- لم تعد النظريات الفيزيائية تحظى بالثقة التي تمتعت بها في السابق بعد أن تعرض المنطق الرياضي والهندسي لعدد من التطورات، مما ألقى بظلال الشك على قدرة الفيزياء القائمة على أسس رياضية على الكمال، وقد برهن النمساوي كيرت غودل عام 1931 عبر نظرية “عدم الاكتمال” على أن أي نظرية رياضية لا بد أن تحتوي على عناصر لا تقبل البرهنة من خلال النظرية ذاتها. ويلخص الفلكي جون بارو هذه الحقيقة بقوله إن العلم مبني على الرياضيات، ولا يمكن للرياضيات أن تكتشف الحقيقة كلها، فلا يمكن للعلم أن يكتشف الحقائق كلها.

لماذا كل هذه الضجة إذن؟
في الفصل الأخير من كتابه، يتساءل كولز عن سر الشهرة الكبرى التي تحيط بهوكينغ في الأوساط العامة، وذلك بالرغم من تواضع موقعه في الوسط الأكاديمي. ففي شهر ديسمبر من عام 1999، نشرت مجلة “عالم الفيزياء” Physics World نتائج استطلاع طُلب فيه من 130 من كبار فيزيائيي العالم تسمية خمسة فيزيائيين يرون أنهم أفضل من قدم إسهامات مهمة في مجال الفيزياء، وقد جاء أينشتاين على رأس القائمة بحصوله على 119 صوتا، تلاه إسحاق نيوتن، ثم جيمس كلارك ماكسويل، نيلز بور، وفيرنر هايزنبرغ، وجميعهم كانوا من الأموات. ولم يحل هوكينغ أولاً في قائمة الأحياء بعد الخمسة الأوائل، بل كان هانز بيث صاحب هذا الشرف، والطريف أن هوكينغ لم يحصل إلا على صوت واحد من بين 130 إجابة، مع أنه من أكثر الفيزيائيين شهرة في العالم اليوم!

يرد كولز هذه الشهرة الطاغية إلى ما تلعبه وسائل الإعلام من دور في صياغة الرأي العام، فصورة هوكينغ على هيئة رجل مقعد على كرسيه المدولب، والذي يتواصل عبر جهاز حاسوب صمم خصيصاً لمحاكاة صوته الخافت، لعبت دوراً في تحويل الرجل إلى أسطورة، ويمكننا أن نستشهد هنا بالهالة التي أحاطت أينشتاين في منتصف القرن العشرين لكونه ذاك العبقري الذي قلب موازين العلم، بالرغم من عجز رجل الشارع العادي عن فهم حقيقة تباطؤ الزمن مع تزايد السرعة التي جاءت بها نظرية النسبية، بل إن محاولة أينشتاين الأخيرة قبل وفاته بإصدار “نظرية كل شيء” كانت محط اهتمام الصحفيين حتى قبل صدورها، وما لبثت مسودة النظرية أن انتشرت بمجرد إعلانه عنها، إلى درجة تعليق صاحب أحد متاجر لندن صفحاتها الست على واجهة متجره الزجاجية كي يراها المارة، مع أنه لم يفهم منها شيئا!

وفي تقرير لصحيفة إندبندنت بتاريخ 11 أكتوبر 2011 تحت عنوان “العالم المجنون بستيفن هوكينغ”، يقول كولز إن العلماء الفيزيائيين يتداولون في جلساتهم الخاصة نفس النتائج التي جاء بها استبيان المجلة، إلا أنهم يعترفون بأنه من الصعب انتقاد هوكينغ علناً، لأن النقد سيُفسر تلقائيا على أنه غيرة وتحاسد بين الأقران[2].

ويقول أستاذ علم الفلك في كلية كوين ماري في لندن برنارد كار، وهو صديق هوكينغ، إنه يقر بأن هوكينغ فيزيائي عظيم إلا أن القول إنه أعظم العلماء بعد أينشتاين هو مبالغة، وهذا يعود إلى شهرته الجماهيرية، حسب قوله.

أما المحرر في مجلة عالم الفيزيائيين بيتر رودجرز فيقول إن هناك فرقا بين وجهات النظر داخل مجتمع الفيزياء وخارجه، ففي الداخل يُعترف بهوكينغ لكونه أنجز بعض الأعمال المهمة، إلا أنه لا يقترب من منزلة نيوتن، أما في الخارج فهو مشهور جدا بسبب كتابه المشهور “موجز تاريخ الزمن” الذي بيعت منه أكثر من 10 ملايين نسخة وتحول إلى مسلسل تلفزيوني.

وتقول صحيفة إندبندنت إن مراجعات المختصين لكتابه عند ظهوره لم تكن مشجعة، لكن الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت نشره هي التي جعلته أيقونة، خصوصا مع تركيز الناشرين على أنه كتاب علمي مبسط ومفهوم وأنه يحمل رؤى علمية تكشف ألغاز الكون وتتنبأ بفتح آفاق المستقبل، إلا أنه -بحسب الصحيفة- من الكتب التي يشتريها الناس دون أن يقرؤوها بل لتكون جزءا من مكتبة المنزل الاستعراضية.

أوباما يكرّم هوكينغ في البيت الأبيض

وتميل الصحيفة إلى القول إنه لولا إعاقة هوكينغ البدنية ما وصل إلى هذه الشهرة، حيث تهافت عليه منتجو الأفلام وصار نجما تلفزيونيا وهوليوديا، وظهر في مسلسلات “ستار تريك” و”سمبسونز” و”نظرية الانفجار العظيم”، وتلقى وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1982، وأجرى مناقشات مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 1998، ثم تلقى وسام الحرية من الرئيس الأميركي باراك أوباما في 2009 أمام كاميرات العالم، وقدمت هوليود أخيرا سيرته في الفيلم العالمي “نظرية كل شيء” عام 2014 الذي حاز على جائزة أوسكار من بين خمس ترشيحات، بينما كان معظم زملاء هوكينغ يعملون بصمت على وضع نظريات ذات نتائج عملية تستحق التقدير، في حين لم تثبت فرضياته النظرية حتى اليوم.

قد لا نبالغ إذن في القول إن اختيار هوكينغ لعبارة “معرفة عقل الإله” لم تكن أكثر من فرقعة إعلامية، فبعد حصوله على أعلى درجات النجومية أصبح هوكينغ خبيراً في دور اللغة في لفت الأنظار، و��كفي أنه اعترف بنفسه أنه وضع تلك العبارة في ختام كتابه الجماهيري لزيادة أرباح الكتاب وأنه لو حذفها لانخفضت الأرباح إلى النصف[3].

اعتراف هوكينغ
لم يكن اعتراف هوكينغ باختياره لتلك العبارة التسويقية هو الأهم، فقد اعترف أيضا بأن الأبحاث في علوم الفيزياء والرياضيات لا يمكن أن تكتمل، تصديقا لمبدأ عدم الاكتمال لغوديل الذي أشرنا إليه، وهو ما صرح به في محاضرة بعنوان “غوديل ونهاية الفيزياء” عام 2002[4].

وكان هوكينغ قبل ذلك قد أشعل الأوساط العلمية ووسائل الإعلام بتصريحات تؤيد نظرية-إم M-theory معتبرا أنها ستكون مقدمة لنظرية كل شيء، بينما رد عليه عشرات العلماء بأن نظرية-إم ليست سوى رؤية فلسفية لا يمكن اختبارها، وأن مجرد الإيمان باحتواء الحقائق كلها في قانون نهائي شامل هو مقولة غير علمية.

وإذا كان اعتراف هوكينغ بالفشل ينم عن تواضع يُحسب له، فمن العجيب أن يصر الكثير ممن انبهروا بكتبه الجماهيرية على المضي قدماً في سبر أغوار الكون وكشف أسرار الوجود عبر الرياضيات وحدها، فهذه ليست سوى استعادة لمحاولات فيزيائيي العقلانية الكلاسيكية في استبدال الرياضيات بالوحي، وهي أفكار أكل عليها الزمان وشرب.

والأعجب من ذلك أن البروفيسور هوكينغ نفسه لم يتخلى عن الكثير من رواسب تلك الأفكار البالية، ومن أهمها رؤيته للوعي والوجود القاصرة على إطار المادة، وهو ما أكده في مقابلة لصالح صحيفة الغارديان [15 مايو 2011] عندما قال “أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر سيتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته. لا توجد جنة أو آخرة للحواسيب المعطلة؛ هذه قصة خيالية للأشخاص الذين يخافون من الظلام”[5].

وهذه النظرة التبسيطية للإنسان تنم عن جهل واضح بالوعي البشري وبثنائية العقل والجسم، فالوعي ما زال من أسرار العلم التي لم تُحل، وتشبيه العقل بالكمبيوتر ليس سوى انتكاسة لوجهات النظر المادية القديمة حول آلية عمل العقل البشري، فحتى لو قصرنا العقل والوعي على الدماغ المادي فنحن أمام كيان يتمتع بقدرات استثنائية على المعالجة المتوازية، وليست المتسلسلة كما تفعل كل الآلات “الذكية”.

ومما يغيب عن أذهان قراء هوكينغ غير المختصين أن معظم أطروحاته التي تثير الضجة الإعلامية هي أفكار فلسفية لا علمية، وهي في أحسن حالاتها تُناقَش ضمن أطر فلسفة العلم، بينما يزعم هو في مقدمة كتابه “التصميم العظيم” أن “الفلسفة ماتت… وعلماء الطبيعة باتوا هم حملة شعلة الاكتشاف في رحلتنا نحو المعرفة”، وكأنه يوهم قراءه بأن ما يطرحه من آراء إلحادية هي من نتائج العلم المثبتة بالتجربة والرياضيات، مع أن نظرياته العلمية نفسها عن الثقوب السوداء لم تثبت بعد، فضلا عن الفلسفية.

لذا يختتم الفيزيائي كولز كتابه قائلا “قد يتحقق الفيزيائيون عند وضع نظرية كل شيء من قصورها أيضاً عن بلوغ ذلك الهدف، وعندئذ قد يعمد علماء الكونيات إلى السعي وراء أسس ميتافيزيقية قد تكون مرضية أكثر مما عثروا عليه حتى الآن”.

ولكن للأسف، توفي البروفيسور هوكينغ في سن السادسة والسبعين قبل أن ينجح في فهم “عقل الإله”، وقبل أن تبلغ جرأته الاعتراف بوجود ذاك الإله الذي عجز هوكينغ عن الإحاطة بأسرار خلقه.


الهوامش

[1] يجمع العلماء اليوم على ردّ كافة القوى الموجودة في الطبيعة إلى أربع قوى رئيسة، هي الكهرطيسية، النووية القوية، النووية الضعيفة والجاذبية.

[2] http://www.independent.co.uk/news/science/the-crazy-world-of-stephen-hawking-9250150.html

[3] هوكينغ، الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ترجمة: حاتم النجدي، دار طلاس، ص38

[4] http://www.damtp.cam.ac.uk/events/strings02/dirac/hawking/

[5] https://www.theguardian.com/science/2011/may/15/stephen-hawking-interview-there-is-no-heaven




هل فسر القدماء “الحجارة من سجيل” بأنها ميكروبات الجدري؟

انتصر أحد الدعاة الجدد مؤخرا للرأي القائل بأن الطير الأبابيل التي أرسلها الله إلى جيش أبرهة هي البعوض أو الذباب، وأن الحجارة التي أبادتهم لم تكن سوى ميكروبات الجدري، وعندما حاججه أحدهم بأن هذا التأويل الحداثي لا ضرورة له، رد الداعية بالقول إن هذا التأويل قد سبق إليه القرطبي والفخر الرازي وغيرهما من القدماء وليس من بدع المعاصرين، وظن أنه ألقمه بذلك حجرا.

والعجيب أن أولئك المفسرين القدماء لم يقولوا بما زعمه الداعية، فالقرطبي رحمه الله نقل على عادته ما اجتمع تحت يديه من روايات، وسرد منها عشرات الأقوال المنقولة -كما يُفترض- عن قريش التي شهدت الواقعة والتي تنص على أن الطير كانت ضخمة، حتى قال البعض إن لها رؤوسا كرؤوس السباع، مع إجماعهم على أن الحجارة كانت حقيقية.

ومن بين تلك الأقوال الكثيرة، ذكر القرطبي روايتين عن الجدري، وقد ذكرهما معظم المفسرين أصلا، غير أن كلتيهما لم تخرجا إلى القول بأن الحجارة هي الميكروبات وأن الطير هي الحشرات.

ففي الأولى يقول عكرمة: “كانت ترميهم بحجارة معها فإذا أصاب أحدهم خرج به الجدري. وكان أول يوم رُؤي فيه الجدري. ولم ير قبل ذلك اليوم، ولا بعده.”

وفي الثانية يروى عن ابن عباس قوله “كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، فكان ذلك أول الجدري”.

فعكرمة وابن عباس لم يأتيا برواية تخالف ظاهر النص، فالطير هي الطير، والحجارة هي الحجارة، غير أنها تصيب من يُقذف بها بالجدري فيموت.

أما الفخر الرازي فنقل في كتابه “التفسير الكبير” رواية عكرمة نفسها عن ابن عباس، وقال “وهو قول سعيد بن جبير”، ثم قال “وكانت تلك الأحجار أصغرها مثل العدسة وأكبرها مثل الحمّصة. واعلم أن من الناس من أنكر ذلك”.

ثم ناقش الرازي رحمه الله مذهب إنكار صغر حجم الحجارة على طريقة أهل الكلام، وهو من أئمتهم، غير أنه اختتم بالقول “واعلم أن ذلك جائز على مذهبنا إلا أن العادة جارية بأنها لا تقع”، أي أنه أجاز عقلا أن يكون حجم الحجر صغيرا وأن يكون قاتلا ولو أنه كان بذلك مخالفا للعادة.

ولعل الرازي كان يقصد بعضا من المعتزلة أو الفلاسفة، وهؤلاء مذهبهم معروف في تقديم العقل، غير أني لم أجد من يقول منهم إن الحجارة هي الجدري وإن الطير هي البعوض ليخرج بذلك عن الخوارق، وإن قالوا هذا فلا يغير ذلك شيئا في مذهب الجمهور، فالجنوح نحو تقديم العقل كان موجودا منذ عصر السلف، إلا أنه لم يكن سوى بدعة من بدع الفرق وليس رأيا معتمدا لدى علماء السنة.

ونضيف إلى ما سبق رواية نقلها الطبري في تفسيره عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث أن أول ما رُؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي بها مُرار الشجر: الحرمل والحنظل والعُشر ذلك العام.

أي أن الراوي هنا لم يجنح إلى إنكار الحادثة الخارقة للعادة، واكتفى بذكر ما استجد في جزيرة العرب من أمراض ونبات، ولعله لم يربط أصلا بين المرض وحادثة الطير، ولو كان كذلك فما علاقة هذه الحادثة بظهور الشجر المرّ أيضا؟

محمد عبده

التأويل المعاصر
الظاهر إذن أن تأويل الحجارة بالجدري نفسه لم يأت به أحد قبل الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية المتوفى مطلع القرن العشرين، والذي كان أقرب إلى المعتزلة من غيرهم، فاكتشاف الميكروبات أصلا ظهر في عصره، ولعله وجد في ظهور الجدري في عام الفيل -كما مر بنا في الروايات السابقة- مبررا للأخذ بقول المنكرين للخارقة، فقال في تفسيره “فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات. فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه. وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالمكروب- لا يخرج عنها”.

واللافت أنه اعتذر بعد ذلك بالقول “ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها.. فلله جند من كل شيء”. فالشيخ محمد عبده رحمه الله لا ينفي عن قدرة الله ظهور تلك الخارقة، غير أنه يميل -كالمعتزلة قديما والحداثيين حديثا- إلى الأخذ بما جرت عليه العادة من الظواهر والسنن.

سيد قطب

وقد أبدع سيد قطب رحمه الله في الرد على الشيخ محمد عبده، فرجّح أن يكون دافع الشيخ لاقتراح هذا التأويل هو ما كان شائعا في عصره من “الطوفان العلمي الحديث”، حتى اعتاد صرف ما نص عليه القرآن إلى واقع العقلية العلمانية الحديثة.

ونظرا لطول النص الذي سنقتبسه من كتابه “ظلال القرآن”، فسنجتزئ منه أهم السطور، حيث قال قطب “ونحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الأستاذ الإمام -صورة الجدري أو حصبة من طين ملوث بالجراثيم- أو تلك التي جاءت بها بعض الروايات من أن الحجارة ذاتها كانت تخرق الرؤوس والأجسام وتنفذ منها وتمزق الأجساد فتدعها كفتات ورق الشجر الجاف وهو “العصف”، لا نرى أن هذه الصورة أو تلك أدل على قدرة الله، ولا أولى بتفسير الحادث. فهذه كتلك في نظرنا من حيث إمكان الوقوع، ومن حيث الدلالة على قدرة الله وتدبيره، ويستوي عندنا أن تكون السنة المألوفة للناس، المعهودة المكشوفة لعلمهم، هي التي جرت فأهلكت قوما أراد الله إهلاكهم، أو أن تكون سنة الله قد جرت بغير المألوف للبشر، وغير المعهود المكشوف لعلمهم”.

وقال أيضا “ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين لها -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقة… وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر”.

ثم اعتبر قطب رحمه الله أنه لا حاجة إلى قبول الروايات التي تصف أحجام الطير وأشكالها وصفا مثيرا، والتي تشي بأن عنصر المبالغة مضاف إليها، لكن وقوع الحادثة الخارقة هو الأصح لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب، فقد كان الله سبحانه يريد أن يحفظ البيت الحرام ليكون مثابة للناس وأمنا، وأن يجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال، حتى يمتن بها على قريش بعد بعثة النبي الذي ولد في نفس العام بإنزال سورة الفيل.

ثم يقول بحجة واضحة إن المألوف في الجدري أو الحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده، فهذه الأمراض لا تسقط الجسم عضوا عضوا، ولا تشق الصدر عن القلب.

بعد كل هذا، يؤسفني أن يدلس الداعية الجديد على قرائه غير المختصين ليلصق بالمفسرين القدماء ميوله “الاعتزالية” في التأويل بعيدا عن الخوارق، وليس ذلك لتبرير منهجه الذي لا يرى حاجة للالتزام بالقدماء أصلا، بل لتقريع من يقبل بالتراث ويرفض تأويل الشيخ محمد عبده، إذ تبين لنا أن ما فعله الداعية لا يعدو كونه نقلا متسرعا عن تراث المفسرين، وأن الميل إلى رفض الخوارق كان موجودا لدى المعتزلة والفلاسفة قديما ولا حاجة لنا إلى إنكار أقدميته لإثبات تهافته.




حملة مكافحة الإلحاد

بتاريخ 27-10-2017 أطلق موقع السبيل أولى حملاته بعنوان “حملة مكافحة الإلحاد”، وتم خلالها نشر المواد الآتية تحت وسم “#حملة_مكافحة_الإلحاد”:

1- مقال كوميديا الإلحاد.. داوكنز نموذجا

2- مقال هوكينغ وثقب الإلحاد الأسود

3- برنامج لماذا آمنت بالله؟ المكون من ست حلقات تم بثها على يوتيوب.

4- عشرات التصاميم والإنفوغرافات التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد جمعناها في هذا الألبوم.




هل هناك مؤسسة دينية في الإسلام؟

في كل الأديان المحرفة والموضوعة التي ظهرت في التاريخ الإنساني كان هناك دائمًا مؤسسة دينية تراتبية، يقوم على رأسها رجال دين يصوغون المبادئ والعقائد وطرق العبادة وتفاصيل الحياة اليومية، ويسيطرون على العقول والقلوب والجيوب بطرق مختلفة، وبالتحالف مع السلطة التي تتبادل معهم الاعتراف بما يضمن الاشتراك في المنفعة بالتسلط على العباد.

ولعل أوضح الأمثلة على هذه المؤسسات وأكثرها استحضارًا في كتابات المثقفين هو كنيسة الفاتيكان الكاثوليكية، حيث سيطر البابا طوال القرون الوسطى على ممالك وإمارات أوروبا، ثم امتد سلطانه إلى المستعمرات حول العالم، ولم يكن يُسمح لأي كنيسة بأن تنشأ ولا لأي كاهن بأن يُرسم سوى باعتراف البابا وتحت سلطته.

وبالرغم من بروز محاولات عدة للتمرد عليه (حركات الهرطقة) إلا أنها كانت تنتهي دائمًا تحت أقدام العسكر وفي محاكم التفتيش بمساعدة السلطات السياسية المتحالفة معه. أما في اليهودية فتتخذ هذه المؤسسة شكلاً أكثر تطرفًا وانغلاقًا؛ لكنها أقل شهرة لعدم تحالفها مع سلطة سياسية منذ السبي البابلي وحتى تأسيس الكيان الصهيوني، ولحرصها الشديد على البقاء في الظل.

ونجد هذه المؤسسات الدينية بتحالفاتها السياسية حاضرة أيضًا طوال تاريخ الحضارات الشرقية، كالهندوسية والبوذية والطاوية والكونفوشية والشنتوية والزرادشتية والمزدكية، وقد اطلعت في الأيام الماضية على بعض ملامح المؤسسة الدينية للبوذية وتزاوجها مع السلطة حتى اليوم في دول آسيوية، ووقفت عن قرب على تفاصيل احتكار الكهنة للمعرفة الدينية؛ تمامًا كاحتكارهم لإدارة المعابد، فالتعرف إلى الدين بحد ذاته لا يتم إلا على يد الكهنوت؛ مما يجعلهم بحق “مؤسسة” متكاملة.

لكن وجود مؤسسة دينية بهذا المعنى مستحيل في الإسلام، لأن نصوص هذا الدين -التي تكفل الله بحفظها من التحريف- لا تجيز وجود هذه المؤسسة، وبالرغم من محاولات الكثير من المذاهب ابتكار هذه المؤسسة بكل ما تستلزمه من مراتب وشعائر ترسيم ومبايعة وتوريث فإنها لم تنجح إلا بين أتباعها فقط، ولم تستطع احتكار الإسلام نفسه لأن النصوص المحفوظة والمعلنة والتي لا يستطيع أحد احتكارها تفضح هذه المحاولات.

فالنصوص المحفوظة تمنع وجود السلطة الدينية والكهنوت، ولا تجيز الاستبداد أصلاً على يد السلطة السياسية نفسها، فضلاً عن الدينية. لذا لا يُعترف في الإسلام سوى بشرعية العلم الذي يُكتسب بالطلب المتاح لكل صاحب همة، وليس بالوراثة ولا بالمال ولا بالبيعة. وهو علم يتصل بالسند المضبوط بقواعد الرواية عن مصدره الوحيد وهو النبي المرسل، ويُجتهد فيه بالرأي المنضبط أيضًا بقواعد مستنبطة من فقه القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها النبي المعصوم بالالتزام بالسنة.

وعندما حاول الخليفة المنصور –وكان هو السلطان الوحيد لكل مسلمي الأرض حينئذ- أن يجبر القضاة والولاة على الالتزام بكتاب واحد هو موطأ مالك، رفض المؤلف نفسه رحمه الله وقال: “إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها”. وحتى عندما اكتمل جمع الأحاديث في قرون لاحقة لم يكن ممكنًا حمل الناس على مذهب واحد، حتى لو وُجد من العلماء من يرغب بالتسلط، لأن هناك علماء آخرين لديهم من العلم ما لديه ولا يستطيع أي سلطان أن يطمس ذلك العلم ويحرّفه ليجبر الناس على الالتزام بما يقوله عالم ما يتربع على رأس مؤسسة دينية.

لذا لم يتسيد أي عالم مهما علا شأنه على الأمة كلها، فكان هناك إمام السنة ابن حنبل وحجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية وفيلسوف الإسلام ابن رشد، ولكن لم يتمكن أنصار أي منهم أن يؤسسوا لهم مؤسسة دينية، مع أن كل واحد من هؤلاء وجد من يناصره من السلاطين، ولكنهم جميعًا تعرضوا أيضًا للاضطهاد السياسي في فترات أخرى، كما أن المسلمين لم يجتمعوا على سلطان واحد إلا في سنوات قليلة من عصر الخلافة الراشدة والأموية وبداية العباسية، بينما كان البابا يسيطر على كل ملوك أوروبا الذين يتنابزون بينهم سياسيًّا ويعودون في النهاية لاكتساب الشرعية من مؤسسة دينية واحدة.

إذن فمصطلح المؤسسة الدينية الذي يطغى على كتابات الأوربيين المناهضين لاضطهاد الكنيسة السابق يجب أن يبقى ضمن سياقه، ومن المؤسف أن يستعيره العلمانيون العرب لنقد عيوب المسلمين أو للتعرض للإسلام نفسه، فأقصى ما يمكن نقده -عندما يوجد الضمير الحي- هو سلطة فقهاء السلطان الذين يشكلون مرجعيات لا مؤسسات، والذين يحاولون حمل الناس على آرائهم بقوة السلطان والإعلام وليس باحتكارهم للحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها كما هو الحال في الأديان الأخرى التي طمس أحبارها ورهبانها الوحي وأخفوه تمامًا.




كتب ننصح بها

نقدم لزوارنا قائمة بأهم الكتب التي ننصح بالاطلاع عليها، لتشكل رافدا لمن يرغب في الاستزادة من المعلومات التي نقدمها، وقد حرصنا في اختياراتنا على الالتزام بالتنوع والأمانة في آن واحد، وهي مصنفة بحسب المجالات التي يتخصص بها الموقع، وسنعمل بإذن الله على تحديث القائمة باستمرار.

العقيدة الإسلامية:
محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم

أبو جعفر الطحاوي، العقيدة الطحاوية في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة

فاضل صالح السامرائي، نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الشك إلى اليقين

منقذ السقار، دلائل النبوة

منقذ السقار، تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين

أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز

محمود محمد شاكر، مداخل إعجاز القرآن

سامية البدري، أفي النبوءة شك؟

سامي عامري، براهين النبوة

سامي عامري، فمن خلق الله؟

سامي عامري، لماذا يطلب الله من البشر عبادته؟

أحمد السيد، تثبيت حجية السنة ونقض أصول المنكرين

يحيى هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية

محمد بن خليفة الرباح، دلالة العقل على ثبوت السنة النبوية

عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، العقيدة الإسلامية وأسسها

التاريخ:
ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ

ابن كثير، البداية والنهاية

عماد الدين خليل، دراسة في السيرة

محمود شاكر، التاريخ الإسلامي

سهيل طقوش، التاريخ الإسلامي الوجيز

حسين مؤنس وآخرون، أطلس تاريخ الإسلام

راغب السرجاني، قصة الحروب الصليبية

محمد إلهامي، في أروقة التاريخ

محمد إلهامي ومحمد شعبان أيوب، رحلة الخلافة العباسية

عبد الله عنان، تاريخ دولة الإسلام في الأندلس

علي الطنطاوي، رجال من التاريخ

منير العكش، أمريكا والإبادة الجماعية: حق التضحية بالآخر

سليمان بن حمد العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام

تحصين الوعي:
عبد الرحمن الزنيدي، مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي

فهمي هويدي، تزييف الوعي

عبد الكريم بكار، تجديد الوعي

غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير

جي. إي. براون، أساليب الإقناع وغسيل الدماغ

فيليب تايلور، قصف العقول

نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام: الإنجازات الهائلة للبروباغندا

مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

إبراهيم السكران، سلطة الثقافة الغالبة

أحمد دعدوش، ضريبة هوليود

أحمد دعدوش، قوة الصورة

ممدوح عدوان، تهويد المعرفة

الفكر الحديث:
بيتر كاز، تاريخ الفلسفة في أمريكا خلال 200 عام

محمود حمدي زقزوق، تمهيد للفلسفة

روجيه غاروي، النظرية المادية في المعرفة

أحمد إدريس الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم.. تاريخية النص

إبراهيم السكران، التأويل الحداثي للتراث

إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني

عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية

رمزي زكي، الليبرالية المتوحشة: ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة

إيرنست فريتز شوماخر، دليل الحائرين: خريطة معرفية لقراءة ونقد المذهب العلموي المادي

إبراهيم الرماح، الإنسانوية المستحيلة

فضة العنزي، الأثر الاستشراقي في موقف التغريبيين من السنة

ليديا ريد، وهم العلمانية

الإيمان والإلحاد:
عبد الله العجيري، ميليشيا الإلحاد: مدخل لفهم الإلحاد الجديد

أنتوني فلو، هناك إله

سامي عامري، براهين وجود الله

جون لينوكس، العلم ووجود الله

جوردون ليدنر، الإيمان بالخالق والعلم

بول فيتز، نفسية الإلحاد

عمرو شريف، خرافة الإلحاد

فضاءات الحرية، سلطان العميري

حمزة تزورتزس، الحقيقة الإلهية

ديفيد بيرلنسكي، وهم الشيطان: الإلحاد ومزاعمه العلمية

سامي أحمد الزين، قطيع القطط الضالة: بين تناقضات دوكينز و مغالطات هيتشينز

أحمد إبراهيم، اختراق عقل

جيري بيرغمان وآخرون، المرأة بين الداروينية والإلحاد

عبد الله الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان

جستون باريت، فطرية الإيمان

عالم السر:
عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية

عوض الخوري، تبديد الظلام أو أصل الماسونية

وليام غاي كار، أحجار على رقعة الشطرنج

محمد علي الزعبي، الماسونية في العراء

لويس شيخو، السر المصون في شيعة الفرمسون

يوسف الحاج، هيكل سليمان الوطن القومي لليهود

جون روبنسون، النشأة الدموية: الأسرار المفقودة للماسونية

شيريب سبيريدوفيتش، حكومة العالم الخفية

عبد المجيد همو، الماسونية والمنظمات السرية

حسين عمر حمادة، شهادات ماسونية

السيطرة:
نعومي كلاين، عقيدة الصدمة

جون بيركنز، الاغتيال الاقتصادي للأمم: اعترافات قرصان اقتصادي

أوزوالدو دي ريفيرو، خرافة التنمية الاقتصادية

نعوم تشومسكي، الدول الفاشلة

نعوم تشومسكي، ماذا يريد العم سام؟

نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام

نعوم تشومسكي، طموحات إمبريالية

بول فندلي، من يجرؤ على الكلام

روبرت تابر، حرب المستضعفين

روجيه غاردوي، أمريكا طليعة الانحطاط

جو ماكجينيس، بيع الرئيس

محمد البرادعي، زمن الخداع: الدبلوماسية النووية في أوقات الغدر

سيسيل لابورد، دين الليبرالية

العلوم السياسية:
منير حميد البياتي، النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة القانونية

أحمد سعيد نوفل، مدخل إلى علم السياسة

سعدي أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي

علي محمد حسنين، رقابة الأمَّة على الحكام: دراسة مقارنة بين الشريعة ونظم الحكم الوضعية

سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، في النظرية السياسية من منظور إسلامي: منهجية التجديد السياسي وخبرة الواقع العربي المعاصر

جوزيف ميسينجر، المعاني الخفية لحركات السياسيين

علوم الأديان:
علي سامي النشار، نشأة الدين: النظريات التطورية والمؤلهة

محمد أحمد بيومي، علم الاجتماع الديني

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام

جيفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب

عبد الله دراز، الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان

علي الطنطاوي، تعريف عام بدين الإسلام

أحمد حسن، أركيولوجية الإسلام

محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان

سامي المغلوث، أطلس الأديان

محمد مزروعة، الدين وحاجة الناس إليه

ثقافة إسلامية:
ابن الجوزي، صيد الخاطر

ابن قيم الجوزية، طريق الهجرتين وباب السعادتين

علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب

محمد عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن

محمد عبد الله دراز، نظرات في الإسلام

أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين

أبو الحسن الندوي، الإسلام وأثره في الحضارة

محمد الغزالي، ركائز الإيمان

محمد الغزالي، جدد حياتك

شوقي أبو خليل، الإسلام في قفص الاتهام

سلطان العميري، صناعة التفكير العقدي

أحمد السيد، سابغات

أحمد السيد، كامل الصورة

شارلز لي غاي إيتون، الإسلام ومصير الإنسان

محمد العريفي، نهاية العالم

صهيب السقار، جدلية الحجاب

عبد الله العجيري، ينبوع الغواية الفكرية

فريد الأنصاري، جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح

سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام

إبراهيم السكران، الطريق إلى القرآن

عبد الرحمن بن سعدي، الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي

الفرق والمذاهب الإسلامية:
أبو حامد محمد الغزالي، فضائح الباطنية

طاهر بن محمد الإسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين

عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفِرق وبيان الفرقة الناجية

ابن الجوزي، تلبيس إبليس

ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

ناصر بن عبد الكريم العقل، الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام

علي بن بخيت الزهراني، الانحرافات العلمية والعقدية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين

أبو الأعلى المودودي، ما هي القاديانية؟

المسيحية واليهودية:
موريس بوكاي، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم

زالمان شازار، نقد العهد القديم

حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي: أطواره ومذاهبه

فؤاد شعبان، من أجل صهيون

رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم

ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية

مالك بن نبي، المسألة اليهودية

محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية

هيم ماكبي، بولس وتحريف المسيحية

جون هيك، أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح

عيسى القدومي، أكاذيب أشاعها اليهود

صهيب السقار، هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

الأديان الشرقية والباطنية الجديدة:
أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة

أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى

أمَة الرفيع محمد بشير، المعاد في الهندوسية

هيفاء بنت ناصر الرشيد، التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية

فوز عبد اللطيف كردي، حركة العصر الجديد

فارس علوان، اليوغا في ميزان النقد العلمي

قضايا الشباب والتربية:
محمد بن إبراهيم الماضي، من أين نبدأ؟

محمد عبد الله الدويش مع مجموعة باحثين، نماء: منهج بناء الشخصية الإسلامية (كتاب تربوي شامل لكل المراحل)

محمد عبد الله الدويش، التربية النبوية

سلمان العودة، جلسة على الرصيف

سلمان العودة، هموم فتاة ملتزمة

محمد العريفي، صرخة في مطعم الجامعة للفتيات

هدايت سالم، أوراق فتاة حائرة

إسماعيل عرفة، لماذا نحن هنا؟

إسماعيل عرفة، الهشاشة النفسية

عبد الله الركف، أسئلة الأطفال الإيمانية

أحمد السيد، إلى الجيل الصاعد

إبراهيم الخليفي، في بيتنا مكّار

محمد نور سويد، منهج التربية النبوية للطفل: مع تطبيقات عملية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين

مصطفى أبو سعد، الحاجات النفسية للطفل

مصطفى أبو سعد، الأطفال المزعجون

مصطفى أبو سعد، التربية من منظور ومنهجية إسلامية




أفلام وبرامج ننصح بها

نقدم لزوارنا قائمة بأهم المواد المرئية التي ننصح بمشاهدتها، لتشكل رافدا لمن يرغب في الاستزادة من المعلومات التي نقدمها، وقد حرصنا في اختياراتنا على الالتزام بالتنوع والأمانة في آن واحد، وهي مصنفة بحسب المجالات التي يتخصص بها الموقع، وسنعمل بإذن الله على تحديث القائمة باستمرار.

ملاحظة: إذا لم يتم تشغيل أي رابط من داخل الموقع، يرجى الضغط عليه بزر الفأرة الأيمن واختيار فتحه في نافذة أخرى.

نقد الإلحاد:
الفيلم الوثائقي “لغز المعلومات: الانفجار المعلوماتي الكامبري”:
https://www.youtube.com/watch?v=RfkmDEXnHg0

سبع حلقات حوارية عن الإلحاد مع الشيخ محمد الحسن ولد الددو ضمن برنامج “معالم”، وفيما يلي رابط الحلقة الأولى:
https://www.youtube.com/watch?v=W4wW70-DxDM

برنامج رحلة اليقين للدكتور إياد قنيبي:
https://www.youtube.com/watch?v=tePvGHNP5Gw&list=UUahYlNszeMy_PHffYvgAOHg&index=14

سلسلة “أدلة وجود الله”:
https://www.youtube.com/playlist?list=PLWOqmrqD6va9ts3FNjV9oeFV8bXCYvUV_

الموسم الثاني لحلقات قناة “ارجع لأصلك”:
https://www.youtube.com/playlist?list=PLMq7Ug3ucSh2XGi-_NfL3BwZgdhP4pouu

الموسم الأول لحلقات قناة “ارجع لأصلك”:
https://www.youtube.com/playlist?list=PLMq7Ug3ucSh1EVOREUX5x1xk5zX3wrOba

محاضرة “موجة الإلحاد: حقيقة عقدية أم ظاهرة سياسية؟” للمفكر أبو زيد المقرئ الإدريسي:
https://www.youtube.com/watch?v=EXkXvovBPos

محاضرة عوامل الإلحاد والشك المزاجي/النفسي للدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي:
https://www.youtube.com/watch?v=jgtKc6ff-8Q

حلقة عن الإلحاد ضمن برنامج قذائف للدكتور محمد العوضي:
https://www.youtube.com/watch?v=wu04Nd2R1NY

حلقة بعنوان “الصانع الأعمى” ضمن برنامج “العلم والإيمان” للدكتور مصطفى محمود:
https://www.youtube.com/watch?v=OIbIClRw0RA&list=PLU2oM4KnVZ0aSRyWWCBsnCku0sDnDWLRw&index=49

الفيلم الوثائقي “العلامات The Signs: الأدلة العلمية على وجود الله”:
https://www.youtube.com/watch?v=-IPDHL4xdXg&list=PLaMyZOweJcuW1NL1UpBjLSABugHBHNILs&index=8

الفيلم الوثائقي “قضية وجود الخالق The Case For A Creator “:
https://www.youtube.com/watch?v=_UtLigBvyA0&list=PLaMyZOweJcuW1NL1UpBjLSABugHBHNILs&index=45


نظرية التطور:
الفيلم الوثائقي “مطرودون: ممنوع وجود الأذكياء” Expelled No intelligence allowed:
https://www.youtube.com/watch?v=gwcDgIcwdtU

سلسلة الأفلام الوثائقية “التصميم الذكي”:
https://www.youtube.com/playlist?list=PL_nNDL2S0MI8rCwIzfhjuQAMn71A3uOxv

سلسلة الأفلام الوثائقية “تصميم الحياة”:
https://www.youtube.com/playlist?list=PL_nNDL2S0MI_XxBPFs1Iy2UYVe7FeFNuE

الفيلم الوثائقي (التطور ضد الرب)، يتضمن لقاءات ميدانية مع المؤمنين بالتطور وأسئلة بلا أجوبة:
https://www.youtube.com/watch?v=U0u3-2CGOMQ 

حلقة بعنوان “إنسان الغابة ” ضمن برنامج “العلم والإيمان” للدكتور مصطفى محمود:
https://www.youtube.com/watch?v=udiDfpyhWpw

سلسلة أخطاء نظرية التطور:
https://www.youtube.com/playlist?list=PL3zdNluxqvzsQI0mmqE8mYtQswjM8_kBX

“نسف خرافة التطور في خمس دقائق فقط” جزء من محاضرة للبروفيسور جيمس تور:
https://www.youtube.com/watch?v=_aVNfx5fJh0&list=PLaMyZOweJcuW1NL1UpBjLSABugHBHNILs

الفيلم الوثائقي “برمجة الحياة”:
https://www.youtube.com/watch?v=yVLRrYgjSaI&list=PLaMyZOweJcuW1NL1UpBjLSABugHBHNILs&index=6

الفيلم الوثائقي “النوع المميز: كيف صممت الأرض لحياة الإنسان؟”:
https://www.youtube.com/watch?v=_yQ_ldYZcLg&list=PL_nNDL2S0MI-7ILXp3M7D34uHBcxLxZsZ&index=3

سلسلة “رحلة اليقين” للدكتور إياد القنيبي:
https://www.youtube.com/playlist?list=PL56IcDjrf3YJr__TEOJ2UOv3jCzht1_yc 


تيارات فكرية:
الفيلم الوثائقي “تاريخ الشيوعية الدموي”:
https://www.youtube.com/watch?v=btqNMCjv8v0

فيلم قصير بعنوان “لماذا يكون الفن الحديث رديئا؟” يشرح تدهور الفن في ما بعد الحداثة:
https://www.youtube.com/watch?v=vrzIyBEougs

محاضرة بعنوان “النزعة العلموية” للشيخ عبد الله العجيري:
https://www.youtube.com/watch?v=EyuzUYlW_3U&list=PL60dfwzdk2yDYMgW6RUbL7YXEAZeXhlrO&index=5


مذاهب وفرق إسلامية:
فيلم وثائقي بعنوان “البحث عن الصوفية” ضمن برنامج “سري للغاية” على قناة الجزيرة:
https://www.youtube.com/watch?v=LepWoCElsUY

حلقة من برنامج الشريعة والحياة عن التصوف والطرق الصوفية مع الشيخ يوسف القرضاوي:
https://www.youtube.com/watch?v=VAhnYoZ9qZ0

فيلم وثائقي بعنوان “الشيعة” ضمن سلسلة “المجتمعات الدينية” على قناة الجزيرة الوثائقية:
https://www.youtube.com/watch?v=y8m0pIXvTkg

حلقة بعنوان “تحريف القرآن عند ملالي الشيعة” على قناة ملالي:
https://www.youtube.com/watch?v=mgNeGEGF9us&index=15&list=PLk6o8A782ORAezdABIM1JOqqhzp1QBIMy

جزء من محاضرة للشيخ محمد الحسن ولد الددو عن تقليص الخلاف بين الأشاعرة والحنابلة:
https://www.youtube.com/watch?v=oVkqApPEZ9U


ثقافة إسلامية:
سلسلة بعنوان “منهجية طالب العلم” ضمن برنامج “مفاهيم” للشيخ محمد الحسن ولد الددو:
https://www.youtube.com/playlist?list=PL09g7oplJWJ3n16zEBnOHxRWeST3hzbCY

سلسلة “اسأل ولا تخف” المخصصة للرد على الشبهات في قناة رواسخ:
https://www.youtube.com/watch?v=ATSRFDkwCt4&list=PLerDvzVZN5AdMhN5KB9VPjOAK0_eWx4Yl

مقاطع من دورات الأستاذ أيمن عبد الرحيم:
https://www.youtube.com/watch?v=dB6kXHIODYU&list=PL2-FkZlJhxqUQopW9TT2JOuEmMShyypmd

الموسم الثالث من برنامج “كامل الصورة” للباحث أحمد السيد:
https://www.youtube.com/playlist?list=PLZmiPrHYOIsRYBMqhwQFJkkELBdUO50N

دورة كيف نقرأ التاريخ ونفهمه للشيخ محمد موسى الشريف:
https://www.youtube.com/watch?v=pRf_89NQCLI

محاضرة “هكذا تألق جيل الصحابة” للشيخ عبد الله العجيري:
https://www.youtube.com/watch?v=SZHznCJbjNE&list=PL60dfwzdk2yDYMgW6RUbL7YXEAZeXhlrO&index=4


الجمعيات السرية:
برنامج عالم السر والخفاء للدكتور بهاء الأمير:
https://www.youtube.com/watch?v=aYWkkMJqwAQ

وثائقي ضمن برنامج “سري للغاية” بثته قناة الجزيرة وكان بعنوان “حركة الماسونية”:
https://www.youtube.com/watch?v=JE_hZUUjv7E

سلسلة “عالم السر” لأحمد دعدوش:
https://www.youtube.com/watch?v=qoZtTzKFL6o&list=PLO7nbsS9Q8mGQ-My7NbOVNxJHhC2kdkeP

محاضرة عن الماسونية للشيخ ممدوح الحربي:
https://www.youtube.com/watch?v=mOfz7sKrYlg


ثقافة سياسية:
وثائقي “تراجع أعداد النساء في آسيا.. عواقب السياسات السكانية” الذي حذفته قناة DW من يوتيوب، وهو يتحدث عن خطة أمريكية لتقليص أعداد البشر في آسيا وأفريقيا:
https://www.youtube.com/watch?v=n0rmfOlTcM0

السلسلة الوثائقية “الحروب الصليبية” من إنتاج الجزيرة الوثائقية:
https://www.youtube.com/watch?v=m3mjPiwd5tU&list=PLmrET10kAE97RuC47XUMWxQ9BlXB_9QDB

وثائقي “فخر بوتين” عن صعود اليمين المتطرف في روسيا الجديدة:
https://www.youtube.com/watch?v=42y0mDC0m1g

وثائقي “الاستعمار الخفي.. كيف تمتص فرنسا خيرات أفريقيا؟”:
https://www.youtube.com/watch?v=PC7A3gE3QBw 

سلسلة “مراجعة مسيرة أردوغان” لأحمد دعدوش:
https://www.youtube.com/watch?v=ckps0UQK6aI&list=PLO7nbsS9Q8mHCDKjdXBrRyhSMkvgl-PB1

وثائقي “اللعبُ بالنَار.. قصة صناعة الجهاد العالمي”:
https://www.youtube.com/watch?v=uj3PbPiSZZU&list=PLM3L-0kY-NeKbyNpH_iSwYxRkltsVAz1r&index=31

وثائقي “غضب كشمير” عن الصراع حول كشمير بين الهند وباكستان:
https://www.youtube.com/watch?v=Cz-OTMRrMDk&t=1325s

فيلم الرسوم المتحركة القصير “نهاية الحلم الأمريكي” عن أزمة القروض والرهن العقاري في النظام الرأسمالي:
https://www.youtube.com/watch?v=Pqd11iRapSE

وثائقي “توسع الصين” عن مشروع طريق الحرير الجديد:
https://www.youtube.com/watch?v=-LffLA7ltbI

وثائقي “مليشيات ترامب” عن مليشيات اليمين المتطرف التي تتربص بالمهاجرين:
https://www.youtube.com/watch?v=uBlR0kXz79s

“الجذور التاريخية للنازية المعاصرة” فيلم يكشف عن الصعود السريع لليمين المتطرف في أوروبا خلال السنوات الأخيرة:
https://www.youtube.com/watch?v=CY6QFybXLz4&t=642s

حلقة من برنامج “خارج النص” عن كتاب “الاستبدال الكبير” للمؤلف الفرنسي رونو كامو، وهو الكتاب الذي يلهم الإرهاب اليميني المتطرف ضد المهاجرين المسلمين:
https://www.youtube.com/watch?v=u2HuKzMX31g&list=PLJyrzEL-wvYKT2HD2Zb2so608bw2UB82t&index=2&t=0s




الجمعيات السرية

تعود جذور الجمعيات السرية إلى عصور قديمة يصعب تتبعها، حيث يدعي بعض أعضائها اليوم انتسابهم لأنظمة وضعت أصولها منذ ما قبل التاريخ، بل يزعم آخرون -كما سنرى لاحقا- أن أول البشر آدم قد أسس بنفسه أولى جمعياتهم لتكون رديفا لسيرورة حياة البشر، وكأن هناك خطين متوازيين لا ثالث لهما يحكمان التاريخ، وهما مسار الحياة الظاهر بكل صراعاته وتذبذب صعوده وهبوطه، ومسار الأسرار الباطني الخفي الذي لا يزال يحتفظ بأسراره في أيدي “النخبة”.

وبما أننا نتحدث عن جمعيات تقوم على السرية والرمزية، وهي تعترف بذلك وتتشبث به، فنحن إذن أمام مادة غامضة للبحث، فليست هناك مصادر موضوعية أو أكاديمية يمكن الوثوق بها كما هو الحال في أي مادة أخرى تخضع للدراسة، وهذا هو السبب الذي يدفع الكثير من الجامعات لرفض مقترحات الطلاب بتقديم أطروحات علمية تبحث في الجمعيات السرية.

وهذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يُكتب عن هذه الجمعيات ضرب من التخمين، فالتحريات التي يجريها محققو البحث الجنائي والصحفيون الاستقصائيون لا تختلف كثيرا عن هذا النوع من البحث، حيث يمكن للباحث أن تجتمع لديه خيوط كثيرة تؤدي إلى حقيقة واحدة مهما كانت حريصة على التخفي. والعلم التجريبي نفسه يُسلّم بوجود الإلكترونات ومكونات الذرة الأخرى بالرغم من الاعتراف باستحالة رؤيتها لأنها أصغر حجما من الموجات المرئية، إلا أن آثارها في الواقع تدفعنا للاعتراف بوجودها.

وعليه؛ فإن الآثار التي تتركها بصمات الجمعيات السرية في الدين والفكر والسياسة والإعلام ومسار التاريخ وميادين كثيرة قد تدفعنا للجزم بحقائق ينكرها أتباع تلك الجمعيات.

أما من يؤمن بالوحي القرآني ويعلم أنه منزل من عند الله فسيجد أدلة أخرى تمنحه اليقين ببعض حقائق تلك الجمعيات السرية وأدوارها الخفية.

لماذا اللجوء إلى السرية؟
تتعدد التفسيرات والنظريات التي تحاول فهم طبيعة هذه الجمعيات وسبب لجوئها إلى السرية، وربما يمكننا إجمالها فيما يلي:

مردوخ

1- يزعم كثير من المؤرخين أن هناك فئة من الناس لجأت إلى السرية عبر التاريخ هربا من اضطهاد الأكثرية، وأنها أخفت طقوسها الدينية الخاصة بها لتحظى ببعض الخصوصية دون أن يكون هناك أي بعد تآمري للإضرار بالمجتمع. ومن الأمثلة التي يقدمونها لهذه الرواية لوح طيني اكتشف في بابل بالعراق ويزيد عمره عن أربعة آلاف سنة، وهو يتحدث عن عبادة سرية متفرعة عن العبادة الرسمية للإله مردوخ، حيث يقدم قصة أخرى لصراع الآلهة، ثم يصف طقوسا خاصة لأتباع هذه الجماعة السرية لتمثيل أدوار المسرحية التي تقام في عيد رأس السنة وتُجسد فيها صراعات الآلهة، ويختتم النص المنقوش بعبارة “إن المعاني الخفية لهذه الأفعال لا يجوز أن تقرأ من قبل الذين لم يدخلوا في هذه العبادة رسميا ووفق الطقوس المنصوصة”.

ويبدو أن تفسير هذا النص يختلف بسبب اختلاف المنهج نفسه كما أوضحنا في مقال “البحث في الدين“، فالمنهج الإلحادي الذي لا يعترف بوجود الغيبيات لن يجد في هذه الطقوس سوى تصرفات خرافية، أما من يؤمن بالوحي وبحقيقة وجود الجن والشياطين فسيرجّح ارتباط هذه الطقوس بالسحر.

وينبغي التذكير بأن بعض الطقوس والنصوص السرية قد تكون هي أصلا لب الدين نفسه، وليست مذهبا باطنيا منشقا عنه، أي أن بعض الأديان قائمة بذاتها على جوهر سري خفي، وأن كهنتها يظهرون لأتباعهم ما يريدون إظهاره فقط.

2- يزعم فريق آخر أن هناك فئة من الحكماء كانت تحتكر الحكمة الصحيحة التي لا يقدر العوام على فهمها منذ آلاف السنين، فاضطرت تلك النخبة لإخفاء وترميز علومها لحمايتها من التشويه والتحريف ومن الوقوع في أيدي الأشرار. ونجد تحت هذا الزعم عددا كبيرا من النظريات المتداولة عبر شبكة الإنترنت، ومنها مثلا أن النخبة كانت تحتفظ في حضارتي أطلنطس وراما الأسطوريتين بأسرار تكنولوجية أكثر تطورا مما نشهده اليوم، وكانت تستخدمها للتغلب على الجاذبية والسفر عبر الكواكب ورفع الحجارة العملاقة لبناء الصروح الهائلة مثل الأهرام وتشغيل الآلات بنوع خاص من الطاقة، ويقال إن هذه النخبة رمّزت علومها وأسرارها في طريقة بناء الهياكل والصروح التي بقيت قائمة حتى اليوم في مصر والهند وأمريكا الجنوبية والعراق، كي يتمكن أحفادهم بعد آلاف السنين من استخراج تلك العلوم والاستفادة منها، لا سيما وأن القدماء خافوا عليها من الاندثار بفعل الطوفان الذي حدث في عصر نوح وغيره من الكوارث.

ويجتهد أصحاب هذه النظريات في استخراج الرموز العميقة من تماثيل أبو الهول وإيزيس والمعابد العملاقة ومقارنتها بمعايير هندسية مثل النسبة الذهبية وبغيرها من الحقائق الفلكية والفيزيائية، كما يربطون بعض الاكتشافات المذهلة التي توصل إليها القدماء بكائنات فضائية يفترضون أنها هبطت إلى الأرض وأنها هي ذاتها كائنات الأنوناكي التي ذُكرت في الأساطير العراقية. ويذهب البعض إلى افتراض أنها كائنات من الزواحف نصف البشرية التي ما زالت تعيش على الأرض وتدير العالم في الخفاء، بينما لا يقدم أصحاب هذه النظريات أية أدلة علمية تربط “المشاهدات” المزعومة والروايات ببعضها.

مانلي هول

ويجدر بالذكر أن كبار المؤلفين المنتسبين إلى الماسونية وغيرها من الجمعيات السرية بدأوا بطرح هذه النظرية في وسائل الإعلام والأوساط الثقافية منذ بدايات القرن العشرين، وهو طرح يتزايد بثه باستمرار مع تزايد الانفتاح في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، حيث بات من الصعب إخفاء أسرار تلك الجمعيات ومخططاتها، ولا سيما بعد نشر عدة كتب رصينة ألفها منشقون عن الجمعيات أو صحفيون تسللوا إلى محافلها وفضحوا ما يجري فيها، فلم تعد ملاحقة هؤلاء وقتلهم سياسة مجدية كما كانت في الماضي، فبدأت تلك الجمعيات بفتح أبواب محافلها أمام كاميرات الصحفيين لتصوير بعض طقوسها، مع الاعتراف بأن التصوير لا يطال كل ما يجري هناك وأن السرية ما زالت قائمة جزئيا، كما نشط منتسبوها في نشر الكتب والأفلام الوثائقية والسينمائية التي تزعم أن الماسونية وأمثالها لم تعد سرية كما كانت، وطرحوا فيها ما يزعمون أنه حقيقة تلك الأسرار التي احتفظوا بها آلاف السنين. ويعد الماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين مانلي هول من أوائل المؤلفين في هذا الباب عندما نشر كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” عام 1928، حيث زعم فيه أنه كشف كل ما كان يخفى عن الناس من “الحكمة” المتوارثة منذ عصور سحيقة، وهو كتاب مليء بالمغالطات التي لا تستند إلى دليل، وفيه الكثير أيضا من المزاعم التي لا يمكن لأحد إثباتها، فضلا عما فيه من إخفاء وتضليل لحقيقة الماسونية.

سلسلة أفلام “كنز وطني” من إنتاج شركة ديزني تعد من أهم محاولات هوليود الأخيرة لتلميع صورة الماسونية

ومن مظاهر هذه الحملة أيضا تحويل الجمعيات السرية إلى مادة للترفيه في أفلام هوليود، بحيث تُنزع عنها تهمة التآمر والخبث تحت وقع الكوميديا السوداء، بحيث يصبح أي ربط بين عوالم السر وبين التآمر مجرد خضوع “للفكر التآمري” وانعكاس لعقدة البارانويا ضد عدو وهمي.

ولكي تثمر هذه الحملة، كان لا بد من ضخ تلك الكتب والأفلام بأعداد لا تحصى، ففي كل عام تصدر عن دور النشر عشرات الكتب التي تزعم كشف المزيد من الأسرار والخفايا عن تلك الجمعيات، فضلا عن خلط الحق بالباطل، ما أدى في النهاية إلى نفور الكثيرين من الاطلاع على تلك المعلومات واعتبارها مجرد لغو لا يثمر أي نتيجة مفيدة.

3- ومن أسباب العمل السري أيضا اضطرار الحركات المقاومة للمحتل أو المعارضة للحكم إلى التخفي لحمايتها من القمع، فالهدف في هذه الحالة سياسي لا ديني، ومن الأمثلة المشهورة في العصر الحديث لهذه الحركات الجمعيات القومية الكاثوليكية الأيرلندية التي نشأت في القرن الثامن عشر لمقاومة حكم الأقلية البروتستانتية، كما نشأت على شاكلتها جميعات إيطالية قومية في أوائل القرن التاسع عشر لمقاومة السيطرة الأسبانية والنمساوية التي دامت نحو 250 سنة، لكن الجمعيات الإيطالية سرعان ما اندمجت بجميعات الكاربوناري وصارت جزءا من الماسونية، فلم تعد مجرد حركات ثورية لمقاومة المحتل بل تم تحريكها لأهداف الماسونية العالمية نفسها.

4- يرى فريق آخر أن ظهور الجمعيات السرية يعود أصلا إلى أسباب نفسية واجتماعية فقط، فالإنسان يسعى إلى التمرد على الطبيعة بالبحث في عالم المجهول السحري، وينجذب تلقائيا إلى التنجيم والباراسيكولوجي والتصوف، وقد يجد في رموز وطقوس الجمعيات الغامضة ما يشبع نهمه هذا.

ويقول أرسطو إن مغزى ممارسة الطقوس السرية لا يكمن في تعلم شيء ما فقط بل في مكابدة تجربة التغيير، ويعلق المؤلف نورمان ماكنزي في كتاب “الجمعيات السرية” عليه بالقول إن التغيير ليس مجرد رقي روحي ونشوة بل يُفهم على أنه بعث جديد، حيث يتم تجسيده في مسرحيات شعائرية يلعب فيها العضو الجديد دور المشارك والمشاهد، وهكذا يشعر العضو بأن السرية تمنحه طريقة تجعله استثنائيا ومختلفا عن عوام الناس، وأن لديه من الذكاء والحكمة ما يجعله في طبقة الصفوة. وهذا التفسير قد يصح فيما يتعلق بدوافع الأعضاء في الانتساب لتلك الجمعيات، ولكنه لا يبرر ظهور تلك الجمعيات أصلا، فقد يكون العضو المبتدئ مغررا به فعلا لكن القادة ليسوا كذلك بالضرورة.

ويرى هذا الفريق أن الذين يفشلون في التعامل مع العصر الحديث، بما فيه من مظاهر الاغتراب والقلق نتيجة الصراعات السياسية والتطور المتسارع، يلجؤون إلى اتهام الجمعيات السرية بوضع المؤامرات وتنفيذها.

ويتماشى هذا التفسير مع المنهج الإلحادي لدراسة الأديان [انظر مقال البحث في الدين]، فهو ينطلق من مبدأ استبعاد الجانب الروحي الغيبي من البحث، ويحاول إعادة كل ما يراه في نشاط الجمعيات السرية أو في ما ينسب إليها من مؤامرات إلى عوامل طبيعية واجتماعية لاإرادية، وكأن تلك الجمعيات مفعول بها وليست فاعلا لأي شيء يذكر. ونجد لهذه الفكرة أساسا لدى منظري الماركسية والرأسمالية على حد سواء، فهناك قانون حتمي لصراع الطبقات لدى الماركسيين، وقانون مماثل لدى النيوليبراليين يؤدي إلى صراع الحضارات، وهناك أيضا “يد خفية” تحرك المجتمع والاقتصاد نحو نهاية محتومة حسب الرؤية الرأسمالية الكلاسيكية، وليس للإنسان -فضلا عن الجمعيات السرية- دور في تغيير هذا الحراك أو تحريك مساره، حسب رأيهم.

عبد الوهاب المسيري
(موقع المسيري)

وهذا التفسير هو السائد اليوم في الساحة الثقافية الغربية، وهو الذي يتلقى الدعم إعلاميا وأكاديميا حول العالم، وصار له أتباع كثر في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، ويُعد المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري أحد أبرز منظريه، فهو ينفي عن الحركات السرية أي بعد ديني تآمري، ويكاد ينفي أي تأثير لها على أرض الواقع، بل يرى أنها نتيجة طبيعية للحراك الاجتماعي والسياسي، ويتجاوز دراسة الجانب الخفي لهذه الجمعيات إلى دراسة “الفكر التآمري” لدى من يقرون بوجود مؤامرة حقيقية في مشروع تلك الجمعيات، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون وهما في خيال الناس، كما هو حال الدين نفسه الذي يعتبره الملحدون واللادينيون مجرد وهم وليس له أي وجود موضوعي، وقد ظل المسيري متمسكا بقناعته بعد انتقاله من الماركسية إلى الإسلام، وتابعه في ذلك كثير من الإسلاميين الذين باتوا يبثون هذه الأفكار بقوة في الساحة الثقافية، وفي غلاف إسلامي أحيانا. [انظر كتاب اليد الخفية].

5- أخيرا، هناك فريق لا ينكر وجود الفكر التآمري، ويقر بأن المبالغة في ربط الأحداث بالجمعيات السرية ليس صائبا في كل مرة، كما يرى أن العديد من الجمعيات وُجدت لمقاومة العدو أو المحتل، أو لأهداف إنسانية أو بدوافع نفسية واجتماعية. لكن هذا كله لا يغطي الجمعيات السرية كلها، بل جانبا منها فقط.

ويستتند هذا الرأي إلى اعترافات كثير من المنشقين عن المحافل السرية، وتسريبات المتسللين إلى داخلها، مع ربط الحوادث التاريخية بما وضعه مؤرخون وشهود عيان على مجريات الأحداث، ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة. كما يجد هذا الرأي ما يدعمه في نصوص الوحي القرآني، وهو ما يعطيه درجة اليقين ويغنيه عن الاكتفاء بالجدل الفلسفي لمن يؤمن بالوحي.

وتتفرع عن هذا الرأي نظريات تحتمل النظر والنقد كغيرها، لكن إطارها العام يربط غالبا النزوع إلى السرية مع المبادئ المعلنة الخارجة عن تعاليم الوحي بعالم السحر، فالسحرة كانوا طوال التاريخ أكثر الناس انطواءً وبعدا عن المجتمع، ولا يخفى ارتباط أنشطتهم بالأذى والشر والتآمر. ولا ينكر منظرو فك الرموز السرية المعاصرون الجانب السحري في علومهم، بالرغم من التلاعب في تقديم التفسيرات والمبررات.

وقد أوضحنا في مقالات “الإنسان والدين” و”الوثنية” و”الباطنية” تفرع التاريخ الإنساني إلى مسارات موازية لمسار الوحي. وبالعودة إلى إحدى روايات التأويل فقد بدأ السحر في وقت مبكر من عمر البشرية، وذلك في عصر النبي إدريس، وتزامن مع الجنوح عن سبيل الوحي كما يقول الحديث القدسي الذي رواه مسلم “وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم”، وسنجد في هذا المقال وفي مقالات “القبالاه” و”فرسان الهيكل” و”الماسونية” مزيدا من التفاصيل عن هذا الارتباط.

تاريخ الجمعيات السرية
يقول المؤرخ الماسوني الراحل جرجي زيدان (1861- 1914) في بداية كتابه “تاريخ الماسونية العام” إن هناك أقوالا كثيرة بخصوص نشأة جمعية الماسونية المعاصرة، فبالرغم من إقرار أتباعها بأنها خرجت في القرن الثامن عشر من عباءة جمعية الصليب الوردي التي تأسست سنة ١٦١٦، إلا أن الجذور تعود إلى ما هو أقدم بكثير، فهناك من يعود بتاريخها إلى الحروب الصليبية، وآخرون تتبعوها إلى القرن الثامن قبل الميلاد في اليونان، وآخرون قالوا إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة قالت إن منشأها يعود إلى بدايات الكهانة المصرية والهندية، وهكذا إلى أن زعم البعض أن مؤسسها هو آدم نفسه، وأن الخالق هو الذي أسَّسها في جنة عدن، وأن الجنة كانت أول محفل ماسوني، ويعلق زيدان على ذلك بقوله إنها أقوال مبنية على الوهم.

جرجي زيدان

كان زيدان يعمل في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة، وقد رافق القوات الإنجليزية التي حاولت قمع ثورة المهدي في السودان، فهو عضو أصيل في الحملة الدعائية للماسونية التي بدأت في أواخر القرن الماضي بمحاولة إقناع الناس بأن الحركات السرية قد تخلت عن سريتها المريبة وكشفت تاريخها وحقائقها للناس. لذا لا يمكننا الوثوق بمحاولة نفيه للعلاقة بين الماسونية والحركات السرية القديمة التي أرّخ لها في كتابه.

يصف زيدان في كتابه طقوس قبول المنتسب إلى “جمعية إيزيس السرية” في مصر القديمة، حيث يتحقق الكهنة من أهليته للالتحاق بهم وحفظ أسرارهم، ثم “يسومونه عند القَبول مشقات عظيمة تختلف بين تخويف وتهديد”، فإذا اجتازها بدأت مراسم الاستقبال، فيحقق معه كاهن يحمل اسم الإله أوزيريس، وبعد الانتهاء منه ينتقل العضو الجديد إلى قائد متنكر على رأسه غطاء كرأس الكلب، فيذهب به في دهاليز مظلمة إلى مجرى مائي، فيسقيه كأسا من “ماء النسيان” لينسلخ عن كل ماضيه ويبدأ حياته عضوا في الجمعية من جديد. وبعد انتهاء المزيد من الفعاليات الاحتفالية يبدأ تلقينه “الأسرار المقدسة”.

ويقول زيدان إن أول من نقل أسرار الجمعيات السرية إلى أوروبا هو أورفيوس الذي كان عضوا في الجمعية الإيزيسية بمصر، ثم عاد إلى بلاده في منطقة تراسيا (بلغاريا ورومانيا بأوروبا الشرقية حاليا) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ونشر تعاليمها هناك. وبعد وفاته أسس تلاميذه “مجمع إلوسينيا” في إلوسيس باليونان، وابتكروا لأنفسهم طرقا جديدة في مراسم قبول الأعضاء بما فيها من أساليب غسل الأدمغة بالترهيب والتهديد، حيث يُمرر العضو الجديد على مواقع مليئة بالوحوش والأفاعي وحمم النيران والأصوات المخيفة بمراحل مدروسة، ويُزرع في عقله أن هذا هو الجحيم أو صورة عنه، ثم يُنقل إلى موقع يملؤه النور والأمان ليستقبله الكاهن ويلقنه الأسرار في أجواء احتفالية، وكأنه بلغ بذلك الجنة.

ويُطلب من العضو الجديد قبل خوض التجربة المرعبة أن يغتسل أولا بالماء والدم، وأن يقدِّم ثورا أو كبشا كأضحية، فإذا نجح في قبول عقيدتهم تم تعميده بالماء كما يُعمد المسيحيون اليوم في الكنائس، ومنحوه اسما جديدا سريا يُعرف به في مجتمعه الصغير بعيدا عن حياته الطبيعية، وهذه الطقوس تدل بوضوح على الخلفية الشيطانية لهذه الجمعية، فهي لا تختلف كثيرا عما يمارس في طقوس عبادة الشيطان المعلنة في عصرنا الحديث، وهو أمر لا يذكره زيدان.

ويقول زيدان إن تعاليم هذا المجمع انتشرت في سائر المدن القديمة مثل فينيقية (لبنان) والهند ومصر وسوريا واليونان وغيرها، حتى قيل إنها أصلٌ لجميع تعاليم المجامع السرية القديمة في العالم، مؤكدا أن حيرام ملك صور كان أحد كبار الكهنة فيها.

ويضيف زيدان أن هذه التعاليم انتشرت أيضا في المجتمع اليهودي عندما بُعث المسيح بينهم في فلسطين، فكان أتباعها يُعرفون باسم طائفة الأسينيين، إذ نجد في رؤيا يوحنا بالإصحاح الثاني (عدد ١٧) من الكتاب المقدس قوله “فَلْيسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن الخفي، وأهبه حصاة بيضاء منقوشا عليها اسم جديد لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه”، في دلالة إلى مراسم قبول العضو في مجمع الإلوسينيا حيث يُكتب اسمه السري على قطعة حجر يحتفظ بها حتى موته، وكأن مفاهيم الجمعيات السرية تسربت أيضا إلى الكتب السماوية التي تم تحريفها لاحقا.

ويُسهب زيدان في إظهار أتباع هذه الطائفة بمظهر المتقشفين المنقطعين عن الدنيا وملذاتها، وكأنهم مجموعة من الناسكين الزاهدين المنقطعين لاكتشاف المعرفة، فضلا عما يتمتعون به -حسب زعمه- من أخلاق راقية وتضحيات عظيمة فيما بينهم.

وما زالت طقوس العبادة الإلوسيسية السرية ماثلة حتى يومنا هذا بوضوح على جدران “فيلا الأسرار” Pompeii Villa of Mysteries في مدينة بومبي الإيطالية، حيث طمرت تحت الرماد منذ ثوران البركان المفاجئ قبل الميلاد بنحو ثمانين عاما لتبقى محفوظة حتى تُكتشف في عصرنا الحديث، إذ يبدو أن العبادة السرية لإله الخمر والنشوة “ديونيسوس” كانت مسيطرة على المنطقة، لا سيما وأن اقتصاد بومبي كان قائما على الدعارة، حيث تقدم لنا آثارها المحفوظة بدقة تثير الدهشة صورة واضحة عن تغلغل الجنس في حياة الناس إلى أقصى درجة.

فيلا الأسرار التي طمرها الرماد لأكثر من ألفي سنة، وهي تبدو اليوم في حالة جيدة بل تفاجؤنا أيضا بطرازها المعماري الذي لا يختلف كثيرا عن العمارة الحديثة، بل مازالت جدران الفيلا تشرح بالرسوم الملونة طقوس انضمام امرأة إلى عبادة ديونيسوس السرية (ElfQrin)
منحوتة “تحوت” عند مدخل مكتبة الكونغرس بواشنطن

الهرمسية
تحدثنا بإيجاز في مقال “الباطنية” عن النظريات التي تحاول كشف حقيقة شخصية هرمس وما ينسب إليها من مؤلفات وعلوم، وهي شخصية بالغ الباحثون في تعظيمها حتى قال فرانسيس باريت في كتابه “سيرة تاريخية قديمة”: “إذا كان الإله قد تجسّد فعليا في هيئة إنسان، فلم يكن ذلك سوى بشخص هرمس”، وقلنا إنه من الراجح أن تكون تلك الشخصية صورة محرفة عن شخصية النبي إدريس عليه السلام، بعد أن نُسبت إليه تراكمات من العلوم والخرافات والفلسفات الوثنية والسحرية.

أفرد الماسوني مانلي هول في كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” فصلا لتعاليم هرمس التي تحتل مكانة مهمة لدى الماسون، وقال إن البعض يعتبر أن هرمس هو ذاته الإله الإغريقي هرمز Hermes، وأنه هو نفسه الإله المصري تحوت Thoth أو توتي Tuti، الذي كان إله القمر أيضا، حيث رُسم على هيئة رأس طائر أبو منجل مع قرص وهلال القمر، وبما أنه دين باطني غنوصي سري، فقد أطلق عليه الكهنة -في الصيغة المعلنة للناس- إله الحكمة والأبجدية والزمن، بينما كان له وجه آخر في المعابد السرية والطقوس الخفية.

عصا هرمس

وبحسب كتاب مانلي هول، احتوى “كتاب تحوت” المقدس على الإجراءات السرية التي يمكن من خلالها “إعادة إصلاح البشرية”، وهو كتاب يصعب فك رموزه الهيروغليفية الغريبة, إلا أنه يمنح مستخدميه القادرين على فهمه “قوة غير محدودة على الأرواح العلوية والسفلية”، حيث يمكنهم تضخيم وعيهم البشري ورؤية الكائنات الخالدة  Immortals والدخول إلى حضرة الآلهة الأسمى، وبما أن هول ماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين؛ فهو لا يعترف لعامة القراء بأن هذه الطقوس ليست سوى أعمال سحرية لاستحضار الشياطين.

أحد مؤلفات الشيطاني المعروف أليستر كراولي عن أسرار تحوت

ويضيف هول أن هناك أسطورة تقول إن “كتاب تحوت” كان في صندوق ذهبي في الحرم الداخلي للمعبد، ولا يمكن لأحد الوصول إليه سوى الأستاذ الأعظم، ويقول أيضا إن ذلك المعبد قد أزيل وتشتت أعضاؤه، إلا أن كتابهم هذا مازال محفوظا حتى اليوم، ويكتفي بالقول “لا يمكن تقديم أي معلومة إضافية للعالم حاليا، ولكن يجب الانتباه إلى أن الخلافة الرسولية المتسلسلة من عهد الأستاذ الأعظم الذي انتسب على يد هرمس شخصيا مازالت مستمرة حتى اليوم، ويمكن للأشخاص المميزين والملائمين لخدمة الخالدين [أي الشياطين] أن يجدوا هذا المخطوط النفيس الذي لا يقدر بثمن إذا اجتهدوا في البحث عنه بإخلاص”.

قارة أطلانطس
ينسب مؤرخو الجمعيات السرية أصول الكثير من “الحكمة” السرية إلى قارة أطلانطس المفقودة، وهي جزيرة هائلة الحجم ورد ذكرها في كتاب “محاورة تيماوس” للفليسلوف اليوناني أفلاطون، حيث زعم أن الفيلسوف سولون الذي مات قبله بنحو 150 عاما، أي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، سمع قصة القارة المندثرة من كهنة مصر ثم نقلها إلى اليونان شفهيا، وكان أفلاطون أول من وثقها لتبقى محفوظة إلى عصرنا الحالي.

أفلاطون

وبحسب هذه الرواية، فإن أطلانطس كانت جزيرة بحجم شمال أفريقيا وآسيا الصغرى، وتقع خلف “أعمدة هرقل” أي مضيق جبل طارق، فهي تحتل مكانا كبيرا من المحيط الأطلسي، وكانت قد اندثرت قبل الميلاد بنحو 9500 سنة، حيث كانت أشبه بالجنة على الأرض، ففيها من الحضارة والخيرات ما يحلم به كل إنسان، ثم بدأ ملوكها بالطمع في احتلال بلاد أخرى، فاحتلوا شمال أفريقيا، ثم هاجموا مصر وأثينا (اليونان)، وكانت نهاية تلك الحضارة بسلسلة من الزلازل والفيضانات التي أغرقت القارة كلها في البحر. [حضارات مفقودة، ص 17- 20].

ومما يهمنا من هذه الأسطورة أنه كان يحكم أطلانطس عشرة ملوك، وهم يمثلون مثلث “تيتراكتيس” الذي ترسم فيه عشر نقاط، وهو المثلث الذي قدّسه فيثاغورس بعد اقتباسه من مدرسة القبّالاه السحرية كما سيمر بنا لاحقا. وتضيف الأسطورة أنه كان في وسط أطلانطس معبد ديانة الحكمة هرمي الشكل، الذي يقع على هضبة مرتفعة في وسط مدينة البوابات الذهبية، ويقول أتباع الجمعيات السرية إنه أصل المعابد والهياكل والمحافل التي انتشرت لاحقا في قارات العالم من أمريكا الجنوبية مرورا بمصر إلى الهند.

ومن اللافت أن أفلاطون لم يوضح ما إذا كانت القصة خيالية أم حقيقة، كما أنه أسهب في رواية تفاصيلها دون ذكر مغزاها، وذلك على غير المعتاد في محاوراته الفلسفية، ما دفع البعض للاعتقاد بأنه كان يتحدث عن قصة حقيقية وليس من أجل ضرب الأمثلة الفلسفية. وسواء كانت قصة حقيقية أم خرافة، فقد وجد أتباع الجماعات السرية في القارة المندثرة فرصة لإلصاق جميع علومهم وأسرارهم وأكاذيبهم بأصل حضاري عريق، ما ينفي عنهم تهم الاتصال بالشياطين والاقتباس منهم.

لكن قصة أفلاطون تواجه تحديات كثيرة، فالمفترض أن سكان أطلانطس أنشأوا حضارة في غاية التقدم قبل 11500 سنة من يومنا هذا، مع أن أقدم الآثار المحفوظة لنشوء الحضارة لا يمتد إلى ما هو أبعد من حضارات العراق التي بدأت قبل نحو خمسة آلاف سنة، وبما أن جميع التنقيبات والأبحاث الجيولوجية لم تسفر عن أي أثر لها، فهناك من افترض أن أفلاطون كان يتحدث عن جزيرة كريت اليونانية وليس عن موقع في المحيط الأطلسي، كما قدم باحثون معاصرون عشرات التأويلات المختلفة لموقع أطلانطس المحتمل. ولا ننسى أن المؤرخين اعتقدوا طوال قرون أن طروادة لم تكن سوى مملكة خيالية وردت في أشعار هوميروس، إلى أن اكتشفت آثارها فعلا في شمال غرب تركيا عام 1871، وكذلك الحال مع الحضارة المينوية التي كان يعتقد أنها أسطورية حتى وجدت آثارها في كريت.

فرنسيس بيكون

في عام 1626، وضع الفيلسوف الإنجليزي المعروف فرانسيس بيكون كتابه “أطلانطس الجديدة”، وكان من أواخر مؤلفاته التي جعلت منه مؤسسا للعلم الحديث في الغرب، وفي العالم كله بحكم التبعية. وما يتداوله العالم بعد نحو أربعمئة سنة أن الكتاب كان يتضمن نبوءة فلسفية بريئة للعالم الحديث القائم على العلم، لكن بيكون كان في رأي بعض المؤرخين الأستاذ الأعظم للماسونية في عصره، ولم يكن هذا الكتاب سوى البيان الختامي الذي قدّم فيه رؤيته لنموذج الدول التي ستُدار من قبل محافل الجمعيات السرية كما كان الحال في أطلانطس، وذلك تحت مسميات العلم والحضارة. [انظر صفحة Occult theories about Francis Bacon في موسوعة ويكيبيديا]

في عام 1882، طرح الأميركي من أصل إيرلندي إغناطيوس دونيلي كتابه “أطلانطس: العالم العتيق”، وقدم فيه أدلة كثيرة تدعم نظريته في صحة وجود أطلانطس، وزعم أن عددا قليلا من سكانها استطاعوا النجاة بالسفن ونقلوا أسرار تلك الحضارة المتقدمة إلى العالم. وقد أطلق دونيلي بذلك موضة الاهتمام العالمي بهذه الأسطورة، وربما كان أول من نقلها من عالم الخيال إلى الأوساط الجادة لتداعب أحلام الكثيرين، كما تأثر بالكتاب العديد من السياسيين، حتى تحمس رئيس وزراء بريطانيا ويليام غلادستون لجمع المال وتمويل حملة استكشافية للعثور على مكان أطلانطس. وما زال الكثيرون يبجلون دونيلي حتى اليوم على اعتبار أنه كان باحثا مجتهدا ومخلصا لنظريته، ولكن معظمهم لا يعرفون أنه كان ماسونيا عتيدا، وأنه كان يمهد كما يبدو لإقناع عامة الناس بأن أطلانطس هي أصل حضارات العالم كله، وأن المنظمات السرية الموجودة اليوم هي الوريث الوحيد لأسرار الحضارة.

وفي عام 1924 بدأ الباحث الأسكتلندي لويس سبينس بنشر سلسلة كتب عن أطلانطس، حيث يرى البعض أن كتاباته كانت أفضل ما كتب علميا بشأن أطلانطس، وعلى أساسها افترض الكثيرون أن جزر أزور البرتغالية هي من بقايا القارة المفقودة، وما يزال حتى اليوم مئات الناشطين والمهتمين يتناقلون عبر الإنترنت نظريات تتحدث عن اكتشاف أهرام ضخمة في عمق المحيط،  لا سيما قرب أزور وفي مثلث برمودا، ويقولون إن الحكومات الغربية تتعمد إخفاء هذه الحقيقة لتحتكر لنفسها أسرار أطلانطس التي لا يعرفها سوى كبار أعضاء الجمعيات السرية، وهي ادعاءات غير مؤكدة ولا يمكن التحقق منها.

ويجدر بالذكر أن عددا من الباحثين في خفايا الجمعيات السرية يؤكدون أن نخبة جمعية “المتنورين” (الإلوميناتي)، وهي جمعية منبثقة عن الماسونية، يعتقدون أنهم أسلاف ملوك وكهنة أطلانطس، أي أنهم من نتاج تزاوج الآلهة مع البشر، ويُعتقد أن فيلم “أطلانطس: الإمبراطورية المفقودة” الذي أنتجته شركة والت ديزني عام 2001 كان يتضمن هذه الفكرة رمزيا، لا سيما وأن ديزني نفسه (توفي عام 1966) كان على الأرجح ماسونيا من الدرجة الثالثة والثلاثين، ولا يزال في داخل مدينته الترفيهية بولاية فلوريدا “ديزني لاند” نادٍ مغلق يحمل اسم “33”، ولا يُسمح بالانضمام إليه إلا للنخبة وبعد دراسة طلب الانضمام التي قد تستغرق عشر سنوات.

المدرسة الفيثاغورية
ربما لا يوجد أحد في العالم لم يسمع باسم العالم اليوناني فيثاغورس، فنظرياته الرياضية والهندسية تُلقن لطلاب المرحلة الابتدائية حول العالم، ولا يكاد معظم الناس يعرفون عنه شيئا أكثر من ذلك، وقد يفاجأ القارئ عندما يعلم أن فيثاغورس الذي ولد قبل الميلاد بنحو ستمئة سنة كان من أهم أقطاب الجمعيات السرية في التاريخ.

اشتهر فيثاغورس بنظرية حملت اسمه في الهندسة، لكن الوثائق التاريخية تشير إلى استخدام مثلثات قائمة بأضلاع أطوالها أعداد صحيحة في بابل قبل فيثاغورس بأكثر من ألف سنة، كما استخدم المصريون القدماء النظرية قبله أثناء عمليات البناء وتقسيم الأراضي.

ويجدر بالذكر أن بعض العلماء المعاصرين يؤكدون أنهم اكتشفوا ثغرات وأخطاء في النظرية المنسوبة لفيثاغورس.

تمثال فيثاغورس بمتحف الفاتيكان

يحظى فيثاغورس اليوم بمكانة عظيمة في مؤلفات الماسون، كما في كتاب مانلي هول، حيث نجد فيه تأريخا لحياته ابتداءً بقصة ولادته التي زعم أنها جاءت بنبوءة عندما قالت كاهنة معبد أبولو لوالديه إنهما سيرزقان بطفل، وإنه سيكون أعظم الرجال جمالا وحكمة، وسيساهم كثيرا في نفع البشرية. كما ينقل عن جودفري هيغينز ما سماه بأوجه التشابهة بين ولادة وحياة فيثاغورس وتاريخ حياة يسوع المسيح، ما دفع البعض لتسمية فيثاغورس بابن الإله أبولو، بل ظن البعض أن الإله حلّ فيه وتجسد.

ويجدر بالذكر هنا أن مؤرخي حياة فيثاغورس قد وضعوا الأساطير عن حياته وشخصية بعد ولادة المسيح بمدة ليست بالقصيرة مع أن فيثاغورس مات قبل ذلك بنحو خمسة قرون، فالذين كتبوا قصة فيثاغورس هم الذين اقتبسوا النبوءة من قصة المسيح، والذين حرّفوا دين المسيح عيسى بن مريم اقتبسوا في المقابل من الفيثاغورية أسطورة الحلولية والتجسد.

يقول المؤرخ والفيلسوف برتراند رَسل في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” عن فيثاغورس إنه كان من أهم من شهدت الدنيا من رجال من الناحية العقلية، ويضيف “لست أعلم عن رجل آخر كان له من التأثير في نطاق الفكر ما كان لفيثاغورس، وأقول ذلك لأن ما قد يبدو لك أفلاطونيا، ستجده عند التحليل فيثاغوريا في جوهره… ولولاه لما فكر المسيحيون في المسيح على أنه الكلمة”.

ويتضح الأثر الذي تركه فيثاغورس عندما نعلم أن أفلاطون كان معجبا للغاية بأفكاره، ويقال إنه دفع مبلغا كبيرا مقابل الحصول على مخطوطات فيثاغورس التي نجت من التلف، حتى قال أرسطو (تلميذ أفلاطون) إن جمهورية أفلاطون المثالية (اليوتوبيا) لم تكن سوى ترجمة لأفكار فيثاغورس.

يقول المؤرخ الإغريقي ديوجينس ليرتيوس إن فيثاغورس كان يزعم أمام طلابه وأتباعه أن روحه تناسخت خمس مرات، وأنه يتذكر جيدا الحيوات التي عاشها قبل أن يلتقي بهم، ففي الحياة الأولى كان أثاليدس ابن إله الحرب، وفي الثانية كان يوفوربس أحد أبطال حرب طروادة، وفي الثالثة كان هيرموتيموس رسول آلهة الأولمب، ويبدو أنه تواضع في ما قبل الأخيرة فجعل نفسه صيادا عاديا، ثم تجسد على هيئة المعلم فيثاغورس.

ومن الطريف أن نجد هذه المزاعم لدى معلمين آخرين في الجمعيات السرية على مر العصور، ومنهم اليهودي الإيطالي كاجيلوسترو الذي ابتكر طقس ممفيس المصري لصالح المحافل الماسونية وكان له دور في إشعال الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، حيث كان يزعم أن روحه تناسخت عدة مرات، وأنه كان في إحداها صديقا ليسوع المسيح نفسه، وأن حياته الأخيرة امتدت أكثر من ثلاثمئة سنة.

ووفقا للماسوني هول، اكتسب فيثاغورس القدر المستطاع من المعرفة التي كانت متوفرة في اليونان، وانتسب لجمعية الإلوسيسية السرية التي تحدثنا عنها، ثم بدأ رحلاته لاكتساب المزيد من الأسرار، فتتلمذ على يد حاخامات اليهود القبّاليين، ثم سافر إلى مصر، وبعد محاولات عدة سُمح له بالانتساب إلى جمعية إيزيس السرية بمدينة طيبة، ثم توجه إلى سورية وبلاد الفينيقيين (لبنان) وانضم إلى جمعية أدونيس وتلقى أسرارها، وعبر بعد ذلك وادي الفرات ليتعلم أسرار الكلدانيين والبابليين.

ولم يكتف بذلك، فرحل إلى بلاد فارس والهند، حيث بقي هناك عدة سنوات للاطلاع على أسرار البراهمة والمجوس، وبعد نحو ثلاثين سنة من الترحال والتعلم عاد إلى أوروبا وأنشأ مدرسة في مدينة كروتونا (جنوب إيطاليا) التي كانت تحت حكم الإغريق، وأعلن عن فتح الباب لتعليم الرياضيات والهندسة والفلسفة، بينما كانت مدرسته في الباطن بمثابة الجمعية التي تتلخص فيها كل أسرار وطلاسم وطقوس الجمعيات السرية.

وضع فيثاغورس أصول تشكيل الجمعيات السرية التي ما زالت متبعة حتى اليوم، لذا يدين له أتباع الماسونية والصليب الوردي بالفضل، حيث قسّم منتسبي جمعيته إلى ثلاث درجات، بحيث لا يعلم أعضاء كل درجة شيئا عن التي تليها، فلكل منها طقوس وأسرار لا يعلم بها زملاؤهم الآخرون.

يقول مانلي هول إن فيثاغورس كان يتمتع بقدرات خارقة، فذكر أنه كان يزعم قدرته على التنبؤ بالمستقبل، ورجّح أنه كان قادرا على تنويم الناس والحيوانات، وعلى التغلغل إلى عقول الحيوانات لإقناعها بما يريد، وعلى رؤية الأشياء من مسافة بعيدة.

أما الدرجة الأولى فكانت علنية ومكشوفة، كما هو حال الدرجات الأولى من الماسونية اليوم، والتي تُفتح أبوابها للصحافة ويجاهر أعضاؤها بالانتساب لها ويُعلن أن أنشطتها تقتصر على المجال الخيري الإنساني، وكان طلاب هذه الدرجة يجلسون في أماكن مفتوحة للاستماع إلى محاضرات عامة دون مناقشة، حيث كان فيثاغورس يعلمهم أن الحقيقة في أعماقها رياضية وأن العدد هو أساس كل شيء، فلكل عدد معنى رمزي باطني، وبشكل يتطابق تقريبا مع فلسفة القبالاه اليهودية.

كراولي في زي جماعته “الفجر الذهبي”

وبعد خمس سنوات من الانتظام في تلك الدرجة يختار الأساتذة بعناية من يستحق الترقية إلى الدرجة الثانية، وهناك يفتح لهم باب المناقشة والتلقي ولكن داخل محافل سرية. ثم يتم اختيار الصفوة من هؤلاء للترقية إلى الدرجة الثالثة لتلقي الأسرار الخاصة، حيث يكتشفون آنذاك أن المعرفة لا تتعلق فقط بأسرار الهندسة والأعداد، بل هناك عقيدة كاملة بشأن الوجود والإله والموت وما بعده، وهي العقيدة الشيطانية المطابقة للقبالاه.

وقد أقر كبار مؤسسي الحركات الباطنية القبّالية والجمعيات الشيطانية الحديثة في الغرب باقتباس فيثاغورس من القبالاه، ومنهم الإنجليزي ماك غريغور ميثرز الذي شارك عرّاب الحركات الشيطانية الحديثة أليستر كراولي في تأسيس جمعية الفجر الذهبي، وذلك في كتابه “القبالاه بدون حجاب” The Kabbalah Unveiled.

ويمكن القول إن طقوس الجمعيات المندثرة حول العالم قد تم حفظها على يد فيثاغورس، حيث انتشرت عن طريقه تلك الطقوس في أنحاء أوروبا، فوصلت إلى شمالها حوالي عام 50 قبل الميلاد عندما تمرد الكاهن “سيغ” على الرومان وأخذ يدعو القبائل الهمجية الإسكندنافية إلى اتباعه، وخلط كما يبدو دينهم الوثني الذي يعبد الإله “أودن” بطقوس الجمعيات السرية، ثم أصبح بنفسه المعبود “أودن”.

وبعد بعثة النبي عيسى عليه السلام وسعي زعماء بني إسرائيل لإفشال دعوته ومحاولة صلبه وملاحقة أتباعه [انظر مقال المسيحية]، نجح اليهودي شاؤول (بولس) في تحريف رسالته التوحيدية إلى دين وثني زاعما أن عيسى إلهاً تجسد ليفدي الناس بنفسه ويغسل خطيئتهم، ولم يكتب لهذا الدين النجاح سوى بالعمل السري التقليدي كما هو حال جمعيات الإلوسيسية.

القوة الخفية
أوضحنا في مقال “الماسونية” تفاصيل جمعية سرية حملت اسم “القوة الخفية” وتم تأسيسها في عام 43م على يد ملك القدس اليهودي هيرودس أغريباس، وذلك بهدف قمع الدعوة المسيحية التي أخذت بالانتشار. وذكرنا أن هذه القصة لم نجدها سوى في كتاب “تبديد الظلام” الذي يقول مترجمه عوض الخوري إنه ليس سوى ترجمة لوثيقة عبرية يورثها مؤسسو الجمعية التسعة لأبنائهم، حتى قرر آخرهم، ويدعى جوناس، أن يكشف السر في القرن التاسع عشر.

لا يمكننا الجزم بصحة الرواية لعدم وجود مصدر آخر يؤكدها، لكن الثابت تاريخيا أن كلا من اليهود وأتباع المسيح انتهجوا العمل السري في محاربة بعضهم.

وفي عام 330 بعد الميلاد، تبنى الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول نسخة معدلة من مسيحية بولس، وتم بذلك تأسيس الدين المسيحي القائم حتى اليوم [انظر مقال المسيحية]، وانتهى بذلك عهد السرية المسيحية، لكن طقوس العبادات الشيطانية القبّالية ظلت متوارثة داخل الجمعيات السرية في أوروبا لأكثر من سبعة قرون، إلى أن تغلغلت في الفاتيكان ولعبت دورا في إشعال الحروب الصليبية أملا في الوصول إلى هدفها النهائي وهو إنشاء هيكل سليمان في القدس، وهو ما عملت عليه بنشاط جمعية فرسان الهيكل التي أفردنا لها مقالا خاصا.

وبالرغم من نجاح فرسان الهيكل في الوصول إلى القدس والحفر تحت المسجد الأقصى، إلا أن صحوة المسلمين واستعادتهم للقدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ/1187م أفشلت المشروع، كما تصدت الكاثوليكية مجددا للجمعية بعد افتضاح خلفيتها الشيطانية، وتم تشتيتها في أوروبا لتنشأ عنها جمعيات الصليب الوردي والماسونية ومحافل المتنورين، التي كان لها دور كبير في إعادة صياغة المشهد السياسي الغربي عبر المساهمة في إشعال الثورة الفرنسية عام 1789 وما تلاها من انقلابات دامية على الأنظمة الإقطاعية الملكية المتحالفة مع الكنيسة. ثم أعادت النخب الفكرية المرتبطة بالجمعيات السرية صياغة المناهج الفكرية في الغرب، ولاحقا في معظم أنحاء العالم بفعل العولمة، فمعظم النظريات العلمانية بأطيافها المختلفة -وحتى المتضاربة- كُتبت على أيدي كبار الماسون، وكبار مؤسسي النهضة العلمية مثل ليوناردو دافينشي وجوردانو برونو وإسحق نيوتن وفرانسيس بيكون كانوا أقطابا في الجمعيات السرية.

ضرورة أم مؤامرة؟
ذكرنا سابقا أن المؤلفين الماسون حرصوا على تقديم صورة زائفة عن جمعياتهم السرية، واكتفوا بكشف ما يناسب توجهاتهم فقط، ومنهم جرجي زيدان الذي يقول “ولا نظن أحدا يجادلنا في احتياج البشر لمثل هذه الجمعيات السرية، وفي أن العلم لا ينمو وينتشر إلا بواسطتها، على أننا لا نحتاج إلى شديد عناء في إقناعهم إذا أصروا على الجدال؛ كيف لا وإن من أشهر الأديان الحديثة المتدينة لها أكبر دول الأعصر الأخيرة ما لم يَنمُ وينتشر إلا باتباعه خطة تلكم الجماعات من التعاليم والتبشير سرا”. [تاريخ الماسونية العام، ص 21].

ويصدق زيدان عندما يطبق كلامه هذا على دين عائلته المسيحي الذي وضعه بولس وانتشر في الخفاء قبل أن يتبناه قسطنطين، حيث يرى زيدان في هذه السرية فضيلةً للمسيحية، كما يصدق كلامه عندما يُنظر إلى الحضارة الغربية (الموصوفة بالعلم) على أنها الحق، ليبرر بذلك انتهاج العمل السري أولا، ويزعم طهارة تلك الجمعيات السرية ثانيا.


  • في مثل هذا الكهف الواقع في أخدود سحيق بالأناضول كان المسيحيون الأوائل يقيمون كنائسهم السرية هربا من السلطة الوثنية

  • سقف الكنيسة داخل الكهف


لكن الأنبياء جميعا كانوا يجهرون بدعوة التوحيد بالرغم من كل ما كانوا يعانونه من أذى بسبب ذلك، وعندما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى قريش لم يؤمر بالجهر مباشرة حتى تتكون من حوله نواة للدعوة، فظل يدعو أقاربه ومن يتوسم فيهم الخير ثلاث سنوات، ولم يؤمن به طوال تلك المدة أكثر من أربعين شخصا، ثم أمره الوحي بتبليغ الدعوة لعشيرته: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]، فبدأت الدعوة الجهرية واشتد عليهم العذاب.

ومن الواضح أن مرحلة الدعوة “السرية” تلك لم تمتد لأكثر من ثلاث سنوات، ولم يتخللها إنشاء جمعية تراتبية ولا أداء طقوس سرية، ولم يترك النبي حتى مماته أي تعليمات سرية خاصة بالنخبة دون عوام الناس. وكل ما ظهر بعد ذلك من الفلسفة وعلم الكلام والتصوف فهو من العلوم الطارئة على الوحي الواضح الجلي، وليس من صلب الإسلام ولا من أصول دعوته [انظر مقال نبوة محمد].

في المقابل، لا يقدم أنصار الجمعيات السرية أي مبرر مقنع لمنهجهم السري، بالرغم من اجتهادهم الواضح في كتبهم وأفلامهم لإقناع العالم ببراءتهم، فإذا كان أسلافهم مضطرون للتخفي في القرون السابقة هربا من الاضطهاد، فقد زالت اليوم أسباب التكتم وأصبحت جمعياتهم شرعية في معظم دول العالم، ومع ذلك فإن أنشطتهم لاتزال تدار في الخفاء، ومازالوا يعترفون بذلك مع عجزهم عن تقديم أي توضيح يستحق التصديق.

يُنسب إلى الفيلسوف الرومانى ناتالاس قوله إن «الأشياء الحسنة تسعى للانتشار والانفتاح، أما الآثام فتتستر وراء حجاب السر والكتمان»، ومع ذلك فلسنا نتهم الجمعيات السرية بالإثم لمجرد كونها سرية، بل لأن الحقائق التاريخية والمعاصرة تؤكد أنها لم تكن سوى مراكز لتكريس عبودية الأتباع وغسل أدمغتهم ثم توظيفهم لتحقيق مصالح النخبة المسيطرة، كما كانت على مر التاريخ المكان المثالي لاجتذاب الموهوبين ثم توجيههم بأساليب الترغيب والترهيب لبث الأفكار الهدامة وقلب أنظمة الحكم ومواجهة أنصار الوحي، وسنبين في مقالات أخرى المزيد من الأدلة، وهذا لا يغني بطبيعة الحال عن الاطلاع على الكتب المتخصصة في هذا المجال.


أهم المراجع

عبد الوهاب المسيري، اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية، دار الشروق، القاهرة، 1998.

مجموعة مؤلفين، الجمعيات السرية، تحرير نورمان ماكنزي، ترجمة إبراهيم محمد، دار الشروق، القاهرة، 1999.

جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013.

عوض الخوري، تبديد الظلام أو أصل الماسونية، بدون ناشر، 2002.

عبد المجيد همّو، الماسونية والمنظمات السرية: ماذا فعلت ومن خدمت؟، دار صفحات، دمشق، الطبعة الخامسة، 2009.

عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، بدون تاريخ.

برتراند رَسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 2010.

ﺟﻔﺮي ﺑﺎرﻧﺪر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﻐﻔﺎر ﻣﻜﺎوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1993.

محمد العزب موسى، حضارات مفقودة، الدار المصرية اللبنانية، 2000.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

Manly P. Hall, The Secret Teachings of All Ages, H. S. Crocker Company Inc., San Francisco, 1928.