1

تجديد الخطاب الإصلاحيّ النسائيّ

من آخر صيحات وسائل الطّعن في الشريعة الإسلامية هي تلك الدعوات إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني وإعادة قراءة التراث الإسلامي، وما تفرّع عنه من مطالبات في قراءة نسائيّة أو نسويّة خاصة، ومحاولات التأويل النسويّ للنصوص ما هي إلا جزء من منظومة كاملة دينيّة وقانونيّة ومجتمعيّة يريد التيار النسوي ابتلاعها ليعيد صياغتها صياغة نسائية كيفما يريد، وكردّ فعل لهذا خرج تيار مضادٌّ يحاول الحفاظ على كيان المرأة المسلمة، وتصدّر الساحة نتيجة لذلك عدد من الخطابات النسائيّة الإسلامية، منها من ضل الطريق وتحوَّل للنسوية المتأسلمة، ومنها ما بقي ضمن حدود الإسلام خلال مدافعته للتيار النسوي، وذلك الخطاب الإصلاحي الأخير وإن كان وجوده لازماً، ودوره فاعلاً في إبقاء المرأة المسلمة تحت مظلّة الإسلام، إلا أنّه وكحال بعض المشاريع الإصلاحية مازال يحمل في طيّاته شيئاً من الشَّطط أو بعض الشذوذ في الأفكار، ومازال يعاني من الضعف والقصور عن القيام بنهضة حقيقيّة تنهض بالفتاة والمرأة المسلمة، وإن كانت النهضة تحتاج لجهود كبيرة مؤسساتيّة وتنظيميّة، لكن لا يمكن تجاهل تأثير الخطاب الإصلاحي النسائيّ التي تتصدره النساء والموجّه للنساء لقربه وتأثيره في شريحة كبيرة منهن، ولأنه لَبِنَةٌ أساسيّة يرتكز عليها التغيير، وأي شذوذ فيه سيولد شرخاً عميقاً وكبيراً في المنظومة الإصلاحيّة بأكملها.

وبتتبع لعدد من تلك الخطابات النسائيّة، يظهر النقص لديهم في التوصيف الدقيق لمشكلات المرأة، وفي إيجاد إجابات شافية وافية عن كثير من الأسئلة المثارة حول قضاياها، بل بعض الإجابات تفتح أبواباً أخرى من التساؤلات إما لتعارضها مع الشريعة الإسلامية أو مع الواقع أو لتعاليها في بعض الأحيان، وأودّ أن أنوّه هنا إلى أنّ الحل الأمثل للتخلص من تأثيرات الفكر النسوي هو بالعودة للثوابت الإسلاميّة الكبرى وبتعزيز اليقين بدين الله وبالتأصيل المعرفي المنهجيّ بالإضافة إلى إعادة تعريف كثير من المفاهيم الخاطئة، ومن المؤسف أن الخطابات النسائيّة المتصدرة لم تكن قادرة حتى على القيام بأدنى دور لها وهو الدلالة إلى ذلك الطريق، طريق العلم الشرعي والتحصّن المعرفي.

ولذلك سأحاول طرح أبرز نقاط الضعف في الخطاب النسائي الذي أصبح بحاجة للتجديد ليكون قادراً على مواجهة ما تتعرّض له المسلمة المعاصرة من تشتّت وشبهات، لعلّها تكون إضاءة يسيرة تساهم في التغيير.

ضياع المرجعيّة والتأثر بالنسوية

وهما نقطتان مؤثرتان ومتأثرتان ببعضهما، فضياع وتشوّش المرجعية التي نستقي منها أفكارنا ورُؤانا والتي بها نُعرِّف أنفسنا كبشر وأهدافنا ودورنا في العالم، والتي هي مرجعيّة الوحي بالنسبة للمسلمين المنطلقة من مبدأ العبودية لله سبحانه والتسليم لأمره، يجعل من السهل التأثر بالأفكار الوافدة وبالثقافة الغالبة، ويكاد يكون من الصعب الآن ألا نجد فتاة متأثرة بالفكر التغريبيّ أو التيار النسوي ضمن درجات متفاوتة ومن قصد أو دون قصد، وهذا مما يؤثر بشكل كبير وواضح في الخطاب الدعوي النسائي كون المتصدرات أنفسهن ما زلن متأثرات بتلك الأفكار، فما زلنا نشهد تضخيماً لفكرة مظلوميّة المرأة، وتركيزاً على وجود إرادة مجتمعيّة قاهرة سعت وتسعى لتهميشها على كل الأصعدة، أو التمجيد بالأنثى والتمركز حولها..الخ.

 الفصل والتعميم

ويتمثل أولاً بفصل مشاكل المرأة عن مشاكل المجتمع لتظهر وكأنها الوحيدة التي تعاني، ولا يتم ثانياً الأخذ بعين الاعتبار اختلاف المجتمعات التي تعيش فيها النساء، واختلاف أحوالهن أيضاً وظروفهن، وكثيرًا ما تحصَر مشكلة المرأة ضمن مشاكل مجتمع معين، ثم تعمَّم على بقية النساء، ولا تراعى ما تتعرض له النساء في أماكن أخرى، فحال المرأة التي تعيش في مجتمع محافظ ملتزم لا يشبه بأيّ وجه من الوجوه حال المرأة المسلمة التي تعيش في مجتمع منفلت متهاون، ومشاكل المرأة التي تتنعّم باستقرار وأمان مختلفة عن مشاكل امرأة تعيش في بلد حرب أو تعاني من الفقر وضيق العيش، فلا بدّ من النظر في اختلاف الظروف والأحوال، وتقييم حال المرأة مع النظر في حال المجتمع ككلٍّ، لأنه يؤثر بلا شك على وضع الأفراد فيه.

الحرب على جبهة واحدة

من مهام المصلح أن يمعن النظر في القضايا ليضع يده على المسبّبات الحقيقية لأيّ قضية، حتى لا تضيع الجهود في التركيز على الإصلاح في جانب واحد، أو -بتوصيف أدق- على الحرب على جبهة واحدة، بينما لدينا جبهات أخرى مفتوحة تعصف بالنساء المسلمات من كل جانب، ومشكلة حصر مسببات مشاكل المرأة في جانب واحد ظاهرة ملحوظة، فغالباً ما تُوجَّه أنظار النساء إلى أن المشكلة هي الرجل الذي فرض عليهن أحكاماً خاصة بهن مجتمعيّاً أو دينيّاً، وهو خطاب ذو إشكال كبير لأنه لا يقضي على التعصّب النسائيّ ضد الرجال الذي بات واضحاً لدرجة وجود نساء لا يقبلن حقّاً من أيّ رجل، ويؤثر بالإضافة لذلك في نظرة المرأة لمشاكلها، فلا تضع احتمال أن تكون هي طرفاً في المشكلة فتحاسب نفسها وتصلح حالها، وإن كان هذا على صعيد المرأة نفسها، فعلى صعيد أوسع يتم تجاهل التفلّت الديني بين النساء والتعصب للأعراف والتقاليد، والغرق في الماديّات والملهيات، علاوة عن عدم توجيه الجهود لمجابهة مصاب عظيم وهو ظهور التيار النسوي بين المسلمات، وتزايد تأثّرهنّ بالتيار الإلحادي.

لغة الطبطبة

وهي لغة تخاطب العاطفة لا العقل والفكر، ولعلنا نرى أنها أكثر ما يصبغ الخطابات النسائيّة، وإن كان ذلك أمراً متفهماً لأنه من طبيعة المرأة، ولكن يجب ألّا يخرج ذلك عن حدود العقل والمنطق، ولن تستطيع المرأة أن تسيطر على عاطفتها الغالبة إلّا إن كانت مدركة ومتقبلة لوجودها، ومتحلّية بالأناة قبل نشر أو توجيه أي خطاب، وأن تدرب نفسها للسيطرة على مشاعرها، ولكن ومن المؤسف أن هذا قليلاً ما يحدث والخطابات في غالبها متأثرة بالفورة العاطفية وموجهة لعاطفة الفتيات ولا تخاطب عقولهنّ، ولاي تم اعتماد المحاججة والإقناع، فلا عجب بعد ذلك أن يظهر الضعف في الخطاب وألّا تقبله كثير من الفتيات.

النّواح بدلاً عن التوعية

وهو فرع من النقطة السابقة، فلا يجب البقاء في حالة حداد على حال المرأة أبد الدهر، ما نحتاجه هو التغيير الحقيقي، والاهتمام بزيادة وعي المرأة المسلمة بواجباتها وحقوقها الشرعية، وبدورها كَأَمَة مسلمة في الإصلاح والمجتمع والأسرة، وعلى بناء شخصيّة قويّة ثابتة الركائز والأركان ومتيقنة من إيمانها بربها، تشعر بالاطمئنان والرضى مهما أَلَمَّ بها من النوازل.

 

التأثّر بالتجارب الشخصيّة والهوى

هناك فارق بين أن يغلّب الإنسان شرع الله ويكون لسان حاله وقلبه سمعنا وأطعنا، وبين أن يغلّب الهوى بأن يجد منافذ وتأويلات لكلّ حكم، فأن نجد عبارات مثل أقرّ أن التعدد مما أحل الله، ولكن يشترط لصحته رضى الزوجة الأولى أو يجب إلغاؤه لأن كثيرًا من الرجال لا يطبقونه بالشكل الصحيح، أو يجب تقبل خروج المرأة والاختلاط لأنه -كما يشار- أصبح واقعاً، وربما هو واقع المتصدّرة فقط، فهذا من الهوى، وبعضهنّ يقعن بفخ فقه الواقع، وتعميم فتاوى خاصة، ويحاولن بناءً على ذلك تقويض أو إلغاء بعض الأحكام الشرعيّة، وللمفارقة فإن محاولتهنّ لتغيير بعض الأحكام بناء على قواعد فقهية، هو ذاته ما يستنكرنه على مجموعة من العلماء في حقبةٍ ما، بدعوى أنهم تذرّعوا بالفقه ليُشددوا على المرأة، وإن كانت القواعد الفقهيّة “كالمشقة تجلب التيسير” و “ما حرم سداً للذريعة يباح للحاجة والمصلحة الراجحة” وغيرها معتبرة في الشرع لكن لا يبت بها إلّا عالم فقيه يشهد لعلمه وعدالته.

فجوة الأجيال وتحرير المصطلحات

هناك حلقة مفقودة بين الخطاب الدعوي القديم وبين الحديث، ومشكلة التقاعس عن مواكبة النوازل الحديثة والمشاكل المعاصرة التي تواجه الشباب المسلم ظاهرة لا تختص بخطابات المرأة فقط بل بأي نوع من الخطابات الدعوية، فالخطاب يجب أن يكون مناسباً لمتغيرات العصر وللغة الشباب ومتابعا للتطورات والصعوبات التي تتعرض لها الفتاة المسلمة اليوم.

ونحن نرى -بسبب التأثر الكبير بالثقافة الغربية- أنه قد وفد إلى المجتمعات المسلمة مصطلحات كثيرة لا نجد لها تعريفاً واحداً محدداً، ولا ينظَر في معانيها ومدلولاتها ذلك النظر الخبير، وكثيرٌ منها فاسد المعنى والتطبيق، فلا يصح استخدام مصطلحات مثل استقلال المرأة وتمكينها دون فهم جذور الكلمة وإسقاطاتها في الواقع التي جاءت منه، ولا بد من تحرير المصطلحات من الرواسب الفكريّة والثقافيّة والمجتمعيّة الفاسدة وإعادة تعريفها وصياغتها تجنّباً للّبس.

تجاهل الرجل

النساء شقائق الرجال والحياة بينهما تعاونيّة وتكامليّة، وكما يُلزم الرجل بمحاولة فهم المرأة وجب العكس أيضاً على المرأة، وتجاهل الاهتمام بمعرفة فوارق واختلافات الرجل عن المرأة، أدى إلى خلق نوع من أنواع الخطابات المُقزِّمة من حاجات الزوج الجسديّة والنفسيّة، وإلى تشكّل حالة من الاستهزاء بين الفتيات من طبائع جبل الله الرجال عليها، وإلى تهاون واضح في التعامل مع بعض المحرمات والأمور المشكلة كالاختلاط والخضوع في القول والتزيّن وفتنة النساء للرجال، فكيف لا نتجنّب الفتنة وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطرها، فقال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضرّ على الرجال من النساء). [متفق عليه]

 

الاستسلام للشبهات

يجب ألا يقبل المرء التسليم ببعض الشبهات قبل تفكيكها وفهمها وفهم الإجابات التي تبيّن تفاصيلها وسياقاتها، فلا يقبل مثلاً أبداً أن تستسلم الدَّاعيَة لدعوى ذكوريّة الفقه، وإلى أن علماء كثر تحيّزن بفتاواهم ضد النساء، ويجب ألا يكون هناك تجاهل لمثل هكذا ادعاءات تحتاج ممن ادعاها إلى الحجة والبرهان عليها، وعلى من تلقّاها بالتمحيص والتدقيق لا التسليم بها تعاطفاً مع المرأة، فإن ذكرنا مثلاً شبهة غياب المرأة عن الساحة بسبب آراء فقهية لفترة من الزمن، يجب أن ندقق هذه الشبهة جيداً، فهل كان هذا هو السبب فقط؟ أم أن الأمر له نسبةٌ وتناسب، فبروز دورٍ للمسلمات في عصر مضى كان مقترناً ببروز واضحٍ للرجل المسلم في ذلك الوقت لانتشار العلم والأمان، وغياب المرأة المسلمة في فترة زمنيّة ما كانت مقترنة أيضاً بغياب الرجل المسلم بسبب الاستعمار وانتشار الجهل، وهل المشكلة في الفقه أم أن الأمر مرتبط بجهل مجتمعي بحقوق المرأة في الإسلام، أو ربما كان قراراً من نفسها إن لم تر في خروجها ما يحفظها ويحميها في مجتمعات تأثرت بالفكر التغريبي وفرضت على المرأة الاختلاط حتى في دروس العلم الشرعي فأَنِفت الخروج واختارت القرار في المنزل.

المرأة تطلب الحق

تعريف المرأة بحقوقها وتوعيتها بها لا يأتي من ضمن الانطلاقة الشهيرة “ماذا يجب أن أُحَصِّل” بل من باب ردّ الشبهات التي تحيط بحقوق المرأة في الإسلام، وهذا يوجب علينا ألا نغفل عن أنّ المرأة وإن كانت مختلفة عن الرجل إلّا أنها بشرٌ لا تخرج عن حدود البشريّة، وتقتضي فطرتها التي أودعها الله بها البحث عن الخالق والإيمان به والتّسليم له، فهي تطلب الحق وتحتاج إلى من ينير لها الطريق الذي يقربها إلى الله ومن الجنة، فمن تطلب الحق والدار الآخرة لا تهتم كثيراً بماذا سَيُقدَّم لها من حقوق نتيجة تديّنها، بل تهتم بكيفية تحقق التديّن الذي به نجاتها من النار، وبتعلّم ما يساعدها لتكون امرأة مؤمنة وزَوجة صالحة وابنة بارّة ومربية واعية.


ينظر للاستزادة:




الأمومة العصريَّة: أُمٌّ سعيدةٌ، وأولادٌ ضائعون!

“من الخطأ أن تتمحور حياة الأم حول أطفالها”، تلك نصيحة وجَّهتها أُم فاشينستا ومؤثّرة للأمهات بعد أن استشهدت بحياتها الخاصة كمثال على فتاة لحقت شغفها وطموحها تسافر وتعمل وتدرس، لم يتسنَّ لها أن تحيا مع والديها بشكل كافٍ، وقد توفيت والدتها وهي بعيدة عنها بعد أن أفنت عمرها من أجل ابنتها، وبقي والدها وحيداً في منزله في بلد آخر، لتختم حديثها قائلة: “إذاً لماذا أفني نفسي في التربية وأتخلّى عن طموحاتي إن كان أولادي سيتركونني وحيدة عندما أكبر”؟ ونحن إن تابعنا بذات التسلسل في التفكير فسيبدو لكثير من الناس سؤال (لماذا ننجب إذاً)؟ سؤالاً منطقيّاً.

العلاقة الأبوية التعاقديّة

هل الإنجاب أمر مفروض على الإنسان دون وجود اختيار منه؟ أو ليس الإنجاب نتيجة ذات احتمالية كبيرة لأي زواج؟ ألا يجب على الزوجين وضع احتمال الإنجاب نصب أعينهم عند ارتباطهم ولو مهما حاولوا منع حدوثه؟ أليس من البدَهيّ أن نتحمل مسؤوليّة الأطفال الذين كانوا نتاج زواج بملء الإرادة؟ وأن يكون المرء متجهّزاً لهذه المسؤولية؟، مثلما من البَدهيّ أن يعمل في مهنة اجتهد في تعلّمها، وأن يتفانى في عمله لأنه موظف مسؤول يتلقى أجرًا معيّنًا مقابل ما يفعل، على أنّ شعور الأم بمسؤوليّتها وحبّها لأطفالها وحنوِّها عليهم لا يقاس بالمقياس الماديّ.

وهذا من مآلات الحياة المادية والقيم الليبراليّة وتحقيق الذات التي شوّهت بهرجتها شعور الأمومة لدى الأمهات، ليحملن من سوء الظن بالله ثم بأولادهنّ ما جعلهنّ متيقِّنات بأن ما يفعلنه من تربية سيذهب سُدًى، وبسبب ذلك ينتقصن من أهمية التربية والأمومة، ربما لأنها عمل لا يُقدَّر بالمال، عمل لا يجلب لهنّ السعادة بحسب مفاهيم العصر، عمل لا يضمن حياة رغيدة عندما يتركهن أولادهن وحيدات بعد أن يَطْعَن السِنُّ بهن، ثم يبنين على هذه الأفكار المتوهمة مفهوماً غريباً عن علاقتهن بأطفالهن ليتخلّين عن جُزْءٍ مهمّ من واجباتهنّ التربويّة، ولا يدركن بأن الحزن سيكون أشد على لحظات فَوَّتْنها مع أطفالهن أكثر من حزنهن على أنفسهن عندما يبقين وحيدات.

وتبدو بعض الأفكار طبيعية إن نظرنا لها من وجهة نظر الآخر، عندما يعتبر الآخر أن أسمى ما يصل إليه الإنسان في الحياة الدنيا هو المال والشهرة والمنصب الوظيفي والاجتماعي، ولا عجب أن تقديم الحياة المهنيّة على أي علاقة أخرى أمر يبدأ من الصغر مرتبط بنوع البذرة التي يزرعها الأهل في أطفالهم، عندما ينشأ الطفل على أن العمل مُقدَّم عليه، وعندما تكون العلاقة بين الولد وأهله علاقة يغلبها الطابع المالي، حيث تتمحور حاجاته بالنسبة لهم حول المال وما يرتبط به من حياة فارهة، والنتيجة تبلور صورة لدى الطفل بأن العمل واللّحاق بالطموح أكثر أهمية منه ومن أي علاقة إنسانية أخرى، ليكبر ويترك بدوره والديه للسبب ذاته، وهي حلقة مفرغة تبدأ بسلسلة تحقيق الذات، وأن المال هو جالب السعادة، وأن المنصب الوظيفي هو الذي يضمن لك مكانة اجتماعية مرموقة، وأنّ حاجة الطفل هي أمٌّ وأبٌ سعداء فقط، وحياة رغيدة يحصل فيها على ما تشتهي نفسه، ولن يكون له الفخر بوالديه إلا إن كانا ناجحين محققين لأحلامهما.

لقد تمكّن هذا المفهوم الماديّ بشكل كبير في العالم الغربي، وبدأت تظهر بوادره بشكل متسارع في عالمنا العربي، وهو مفهومٌ يربط السعادة والنجاح بالعمل وكثرة المال، فيعيشُ الإنسان في سعيٍ دائم لتحقيق السعادة الدنيويّة وينغمس فيها للدرجة التي يصعب فيها بالنسبة له أن يتخيّل حياة غيرها، وسعادة و رضى تتحقق فيها دون وفرة المال، وبذات المفهوم عبّرت لي أم أوروبيّة عن استغرابها الشديد بعد زيارة قامت بها لعائلة كبيرة تقطن بيتاً صغيراً، قد اختارت الأم فيه تربية أبنائها على العمل واكتفوا براتب الزوج، بأنهم سعداء جداً على الرغم من القلة التي يعيشونها! لتردف قائلة: يبدو أن المال ليس السبب الوحيد للسعادة!

حب المال مقدم على العلاقات

لن نستغرب من أبناء يهجرون أهليهم لمدة أشهر وسنوات، ويزورون منزل والديهم كالغرباء، ولا يتصلون بهم لأزمان طويلة لا تقل عن أشهر، ويحضرون عزاء من  توفي منهم لعدد من الساعات تأديةً لواجب من كان يربطهم علاقة بهم يوماً ما، ثم يتركون والدهم أو والدتهم وحيدين بعد وفاة شريكه ولا يكلّفون أنفسهم عناء البقاء معهم عدداً من الأيام ليخففوا عنهم وحدتهم ومصابهم، ثم يتخلى الأبناء عن واجبهم في مساعدة أهلهم بالمال وفي رعايتهم، وأفضل ما يمكن أن يقدموه لهم هو اختيار دار جيّدة للمُسنِّين ليقضوا بقيّة حياتهم فيه، فحجَّتهم دائماً هي ضغوط العمل وتأمين المال، فمن حقهم الانشغال بمستقبلهم مثلما انشغل آباؤهم به، وهذا ليس ضربًا من الخيال بل واقع تعيشه أوروبا المعاصرة وعلى الأهل أن يتفهَّموا هذا، لأنه نتيجة ما زرعوه هم في نفوس أطفالهم عن مفاهيم الحياة والعلاقات الإنسانيّة، فضلاً عن علاقة الأمومة والأبوّة اللَّتين هما أسمى أنواع العلاقات.

إن أهم ما قدموه لهم هو المال وكل ما يشتريه من ثياب باهظة ولعب كثيرة وطعام وشراب وسياحة، وما إن أصبح الأولاد قادرين على القيام بهذا بأنفسهم تخلّوا عن هذه العلاقة الماليّة وتخلّوا بدورهم عن أهلهم، عندما شعروا أنهم عبء عليهم يقف عائقاً في طريق سعيهم لمستقبلهم.

اصنع الذكريات الجميلة

إن ذاكرة الطفل لا تتسع إلا لذكريات الحبّ ودفء العائلة، وإنّ ما يخفف عن الأبناء مصاعب الحياة هي ذكرى لمسات أمهم الحانية وخوفها عليهم، سيحفظون لها جميل وجودها بجانبهم عند احتياجهم، قربها منهم واحتضانها لهم وإنصاتها لشكاويهم الطفولية، صبرها على طيشهم وأخطائهم، سيدعون الله بالرحمة لأبٍ صبر على تعليمهم الصلاة واجتهد في إيقاظهم لصلاة الفجر، لأبٍ يأخذ بيدهم من معلم إلى معلم ومن درس إلى آخر حرصاً منه على تعليمهم، سترتسم على وجوه الأبناء ملامح البسمة عندما يستذكرون مجالس العائلة على الطعام وقراءة القرآن واجتماعهم للصلاة وسماع القصص وحرص والديهم الشديد على تلك المجالس العائلية على الرغم من مشاغلهم وهمومهم الكثيرة، ستمحى من ذاكرتهم تلك الساعة الباهظة والألعاب الغالية والمتنوعة والثياب الفاخرة التي ستبلى، لأنهم سيكبرون لامحالة وستصغر تلك الأشياء في أعينهم، ثم سيجدون ذاكرتهم خاوية يبحثون في طيّاتها عن دفء العائلة واحتوائها وملامح الأب والأمِّ المحبين.

المؤلفة قلوبهم .. نموذج تربويّ يحتذى به

إن ما يحتاجه الأبناء هو الحب والعطف والرفق، يحتاجون أُمّاً متنبّهة لأحوالهم ومتابعة لتطوراتهم وحاجاتهم، وأباً ذا وجود وإن كان غائباً لا مستغرقاً في أعماله صباحاً ولا لاهياً بالترويح عن النفس مع صحبه مساءً، التربية هي صنع الإنسان المؤمن الصالح السويّ الصامد أمام متقلبات الحياة ومصاعبها، وليست مجرد ملءٍ لذلك الإنسان بالطعام والشراب ثم إرساله للمدرسة لإتمام عملية الحشو التعليمي.

التربية الحقيقية الصالحة هي ما نحن بأشد الحاجة إليه في أمة الإسلام مع كثرة ما تتعرض له من فتن، وهذا ما تنبهت له نساء أوروبيات حديثات عهد بالإسلام، وقد شعرت منهنّ حرصهنّ الشديد على التربية الإسلامية بعد مقابلتي لعدد منهن، وعلى الرغم من نشوئهم في مجتمع متفلِّت وتشرّبهم للثقافة المادية والليبرالية، إلّا أن الإسلام خاطب فطرتهنَّ، فطرة الأم التي تحب التواجد بجانب أبنائها، فطرة حب الأسرة والمحافظة عليها، وآمنوا بالحق الذي ضمنه الإسلام للأطفال في تربية إسلاميّة تجعل منهم أفراداً صالحين، لقد رضوا بالعيش القليل مقابل البقاء في المنزل لتربية أبنائهم، لم يريدوا لهم أن يتربّوا في المحاضن التربوية الغربيّة لعلمهم بما يزرعونه في الأطفال من مبادئ فاسدة، لم يريدوا لأطفالهم إلا أن يستشعروا معنى العائلة التي فقدوها هم، فقد كانت ذكريات طفولتهن عبارة عن أيام قضينها بين أب وأُمّ منشغلين بالعمل، وبرودة وظلمة منزلهم كلما عادوا إليه، لم تكن اجتماعاتهم العائلية سوى مشاجرات أو اجتماعات صامتة لا يسأل فيها أحد الآخر عن حاله، وما إن يصلوا لسن المراهقة حتى يغادروا منازل عائلاتهم ليكملوا حياتهم وحدهم، إلّا القليل منهم ممن ما زال متمسكاً ببقايا المسيحية المحافظة.

تنبّؤ النتائج السيّئة لا يعفي من المسؤوليّة

قال تعالى في كتابه الكريم:{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء:31]، لقد حُرِّم الإجهاض لأي سبب سواء كان لفقر حاصل أو خشية من الفقر لأن الله هو الرّازق مدبر الأمر، وإن تتبعنا هدي النبي صلى الله عليه وسلم فلا نجد للمال وكذلك مثله المنصب الاجتماعيّ والوظيفيّ أهميّة تذكر في صنع الرجال والنساء المسلمين والمسلمات، ولا وزن له في التربية ولا في الإصلاح، وليس نقصه سبباً موجباً لتأخير الإنجاب، ولا مؤدّياً لفشل التربية أو لتنبؤ فشلها، اللهم إلا إن كان فقراً مدقعاً يمنع من لا يستطيع سد حاجة المرأة من المطعم والمأكل والمسكن من الزواج ابتداءً[1]، فمسؤولية الوالدين التربية لأنها ضمن قدراتهم وضمن ما يمكنهم تعلمه والسعي لتحسينه، أما المال فالأصل فيه أن ينفق الأب على أبنائه ما يسد حاجتهم، ولا يُشترط الإغداق عليهم بالأموال ولا أن يكون هو الهمّ الأكبر الذي نسعى لأجله، فالرزق من الله مهما سعى الإنسان لتحصيله، والتربية الصالحة تحتاج لجهد كبير من الأبوين وللاستعانة بالله أولاً والتوكّل عليه والسعي الدؤوب ثانياً لإصلاح الحال الدنيوي والأخروي، والتعلم الذي يفيد في تربية الأبناء وإنباتهم نباتاً حسناً، فلابد أن تكون التربية هي المهمة الأسمى التي تدور حولها المسؤوليات والواجبات، وأما ما سيحدث في المستقبل فهو من علم الله الذي لا يمكن للإنسان أن يحيط به، ولا يملك الإنسان لنفسه ولا لأولاده ضرّاً ولا نفعاً، فالله من يتولى عباده برحمته كباراً وصغاراً عجائز وشُبّاناً، والمرء يجتهد في أعماله والمسؤوليات الموكلة إليه ويتقن عمله ويحسن فيه، ولا ينتظر النتائج فلربما تأتي النتائج بعكس ما اجتهد له، وقد لا يُحصّل أجره في الدنيا من برِّ الأبناء ثم يحصله في الآخرة بمشيئة الله، ويكفيه يوم الحساب أنّه أدى ما عليه واجتهد في التربية وفي إصلاح حاله وحال ذريته، وإن زاده الله فضلاً كان أولاده من الصالحين المصلحين، كالصدقة الجارية للوالدين لا تنقطع بموتهم.

قال المناوي رحمه الله تعالى: “لأن يؤدب الرجل ولده عندما يبلغ من السن والعقل مبلغاً يحتمل ذلك بأن ينشئه على أخلاق صلحاء المؤمنين ويصونه عن مخالطة المفسدين ويعلمه القرآن والأدب ولسان العرب ويسمعه السنن وأقاويل السلف ويعلمه من أحكام الدين ما لا غنى عنه ويهدده ثم يضربه على نحو الصلاة وغير ذلك، خير له من أن يتصدق بصاع؛ لأنه إذا أدبه صارت أفعاله من صدقاته الجارية، وصدقة الصاع ينقطع ثوابها، وهذا يدوم بدوام الولد والأدب غذاء النفوس وتربيتها للآخرة: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} [التحريم:6]”.[2]


[1] ينظر الفتوى من موقع إسلام ويب، عبر الرابط الآتي: https://www.islamweb.net/ar/fatwa/66879/%D8%B2%D9%88%D8%A7%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D9%84%D9%85-%D9%8A%D9%83%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%87-%D9%85%D8%A4%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%A7%D8%AD

-وينظر أيضا في: المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، تأليف: د. عبد الكريم زيدان، المجلد السادس، الفصل الأول: تعريف الزواج وبيان حكمه وحكمته،4988-الزواج المحرم.

[2] فيض القدير شرح الجامع الصغير،المناوي،م5،ص326، 7210-عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ[أحمد في المسند،20495، وهو حديث ضعيف]




أطفال المسلمين من جحيم الحرب إلى جحيم الحرية .. أوروبا نموذجًا

أثير أخيرًا قضية انتزاع الأطفال من والديهم في أوروبا والسويد تحديدًا، ورغم أن تسليط الضوء على القضية حديث مع حداثة المهاجرين العرب إلى القارة الأوروبية، إلا أن قانون سحب الأطفال من والديهم ليس بحديث العهد، ويبدو أن له جذورا مرتبطة بالسلطة الكنسية الاستبدادية في أوروبا، فكان سحب الأطفال من ذويهم ممكنا لمجرد ميل الأهل عن المسيحية البروتستانتية[1]، وبعد الحرب العالمية الثانية تصاعد الاهتمام بحماية الطفل وحقوقه بشكل أكبر واعتبار القانون رسمياً وتحويل رعاية الطفل من مسؤولية العائلة فقط إلى مسؤولية المجتمع والدولة، فيمكن لأي فرد؛ وبالأخص لمربي رياض الأطفال ودور الرعاية ومعلمي المدارس والأطباء في العيادات والمشافي إعلام دائرة الشؤون الاجتماعية بأي علامات أذية أو إهمال يلاحظونها على أي طفل، فتتولى الدولة حماية الأطفال على أراضيها ولو تطلّب الأمر حمايتهم من والديهم، لأن من حق الطفل أن يحيا حياة مستقرة وهادئة خالية من العنف ومن أي تهديد قد يضر بحالته النفسية والجسدية والعقلية بحسب قانون حماية الطفل[2].

مصطلح “راحة الطفل” الفضفاض

تختلف بنود حقوق الطفل وتحديد السبب الموجب لسحب الطفل من عائلته باختلاف الدولة، ففي حين أن ألمانيا تعتمد بنودا واضحة في تحديد الأسباب الموجبة لسحب الطفل وتراعي حق الأهل في تربية طفلهم إلى حد مقبول، ولا يتم سحب الطفل إلا بوجود تهديد واضح أو إهمال مستمر وظاهر، نجد أن السويد لا تعتمد تعريفا محدَّدًا لمصطلح “راحة الطفل” ويترك الأمر لرأي الموظف الاجتماعي ولجنة المدينة المنتخبة، فمركزية قانونهم هي حماية الطفل أو بالأصح راحته بالمقام الأول ولا تولي اهتماما كبيرا لحق الأهل برعاية أطفالهم لعدم وجود عائق في إمكانية نقلهم لعائلة أخرى، و يكفي استشعار عدم رغبة الطفل بالبقاء مع والديه لاتخاذ الإجراءات، وتلك الثغرة القانونية أدَّت لاتخاذ قرارات منطلقة من الأهواء بدلا من منطلق حماية الطفل فعلياً، وعرّضت القضاء والحكومة السويديين لكثير من الانتقادات.

ما بعد الشكوى

في ألمانيا عند الشك بوجود إهمال يتم إعلام الأهل لبدء تنسيق اللقاءات وبإمكان مكتب الرعاية الاجتماعية القيام بزيارات فجائية للتأكد من الشكوى، وعند ثبوت عدم قدرة الأهل على تربية أطفالهم يُطلَبُ موافقتهم لنقل الوصاية وفي حال الرفض وهو الغالب يتم عرض الأمر على المحكمة للحصول على أمر قضائي بنقل الطفل لمكان آخر، ولا يتم سحب الطفل مباشرة أوعن طريق الشرطة إلا في حال وجود تهديد واضح يتطلب تنفيذ الأمر قبل صدور حكم من محكمة الأسرة، ولا مفر من حدوث الأخطاء وسوء التقدير وتوجد حالات يكون قرار السحب فيها غير مفهوم ومشكوك به.[3]

أما في دولة السويد فيطبَّق قانون نقل الوصاية الأبوية مع  خَمس أطفالٍ يوميا، فهم أكثر تهاونا في تطبيقه، لأن الأمر يأتي بقرار من اللجنة وليس عن طريق القضاء، كما أن قرارها يتأثّر برأي موظف الرعاية الاجتماعية بشكل كبير، ويبدو أن لديهم حساسية شديدة في التعاطي مع الطفل كمراقبة التواصل البصري بينه وبين والديه لاستشعار رغبته بالبقاء معهم أم لا، وتعدّت صلاحيات الموظف السويدي إلى انتزاع الأطفال من والديهم بشكل مفاجئ أو خطفهم من داخل منازلهم ومن أمام مدارسهم قبل إعلام الأهل بذلك، وقد وصف بعض المحامون السويديون طريقتهم تلك بالنظام الاستبدادي، وبحسب تجارب المستشار الأسري سفين هيسلي أن هناك أربع مجموعات مهددة بشكل أكبر بانتزاع الأطفال منهم، من ضمنهم الأجداد المسؤولون عن أحفادهم وأبناء الأم المعيلة، وأبناء المهاجرين والذين شكلت نسبتهم 46% من أعداد الأطفال المنقولين إلى رعاية الدولة في ستوكهولم، وتضيف القاضية سوندبيرغ فايتمان أن الدوائر الاجتماعية تعطي لموظفيها سلطة مخيفة، فمن جهة يمكن سحب الأطفال لوجود تهديد واضح ومن جهة أخرى يتم انتزاعهم من منزل والديهم الآمن والهادئ لمجرد انتماء الأهل لأقلية دينية أو لتبنّيهم اتجاهات فكرية وثقافية مخالفة للتوجه العام.[4]

نقل الوصاية المؤقت أو الدائم

يتم نقل الطفل في ألمانيا إلى مركز رعاية للأطفال تحت إشراف مختصين، ولا تُلغَى وصاية الأهل إلا في حال ثبوت عدم قدرتهم على الرعاية بالمطلق بعد مدة من محاولة إصلاح حال الأسرة، ويحق للأهل الاعتراض على منع موظف الرعاية تواصلهم مع أبنائهم أو عدم التعاون معهم[5]، والطريقة مشابهة في السويد عدا عن نقل الأطفال إلى رعاية عائلة حاضنة بشكل مباشر بسبب شح مراكز رعاية الأطفال لديهم[6]، أما عن استرجاع الأطفال ففي كلتا الحالتين لا عائق يقف في طريق الأهل في حال إثبات قدرتهم على الرعاية من جديد أو إثبات حدوث خطأ وسوء تقدير من الموظف ونفي كل الشكوك لدى دائرة الرعاية، والطريقة المثلى لاسترجاعهم هي عن طريق القضاء باستعانة محامٍ في الشؤون الأسرية، بَيد أنه طريق مكلف ماديا ويحتاج لطول نَفَسٍ حتى تحصيل قرار المحكمة، وغير مضمون النتائج مئة في المئة، و يلجأ البعض عند بدءِ إرسال الإنذارات إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي مباشرة هربا بأولادهم، فإن لم يكن بالإمكان ذلك، فمن الأفضل التعاون مع مكتب الرعاية لأن التجاهل يسمح لهم باتخاذ إجراء السحب بالقوة.

رعايةٌ أم جناية؟

تتعرض دور الرعاية الحكومية لانتقادات نتيجة تهاونها برعاية الأطفال بسبب هرب الكثير منهم وتحوُّلهم للإدمان والإجرام والدعارة، أو لعدم متابعة حالة العائلة الحاضنة، حيث ثبت وجود تجاوزات قانونية منهم قد سبَّبت أذى للطفل، علاوة عن طريقة انتزاع الأطفال العنيفة والمؤذية أو الخاطفة والتي تترك أثرا في الطفل لا يُمحَى، أما تكاليف نقل رعاية الطفل فهي باهظة جدا بالمقارنة مع تكاليف بقائه مع عائلته البيولوجية[7].

وبالرغم من أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن القانون ساهم بحماية أطفال كُثُرٍ، فمن ضمن الأسباب الموجبة لسحب الطفل من والديه هو الإهمال الشديد حيث يؤدّي الإهمال في كثير من الحالات إلى فقدان حياة الطفل، كموت طفل بعمر السنتين بعد أن أهملت أمه إطعامه وتركته تحت تأثير الجوع الشديد والنحالة المرضية[8]، أو في حالة الوالدين اللذين أرادا التوفير بجعل أطفالهم يستحمون بماء الأمطار في الشتاء وإقفال التدفئة لتصيبهم الأمراض المزمنة، ومن الأسباب أيضا الإساءة الجسدية واللفظية وحالات الاعتداء أو الاستغلال الجنسي، ومثاله أن أمًّا استغلت ابنتها ذات العشر سنوات في عرض الأزياء الفاضحة لأجل التجارة، وهناك مَن حوَّلت بيتها لمكان للدعارة بوجود أطفالها، ولاتزال الحالات المفجعة لأطفال يُعذَّبون من قبل والديهم تهز الرأي العام، وآخرها قصة طفل تبوَّل لا إراديًّا في سريره فعوقب بالضرب والنوم على فراشه النجس ليتوفاه الله في اليوم التالي، ويزيد على ذلك مشاكل الإدمان على الكحول والمخدرات والأمراض النفسية والعقلية، ومع ما قدَّمه القانون من حماية إلا أنه ما زال يحمل خللا كبيرا متمثلا بعدم الاهتمام بأهم حق للطفل وهو العيش في ظل والديه، ولكن كيف السبيل لتحقيق ذلك في مجتمع غارق في المادية والانحلال ولامعنى للروابط الأسرية لديه؟ ليبقى الطفل ضحية في كل من الحالين.

 

أطفال المسلمين وتهديد نقل الوصاية

لابد من تسليط الضوء على الأطفال الذين يُنقلون لوصاية الدولة لأسباب أخرى بعيدة عن تهديد الوالدين، مثل حالة وفاة الوالدين أو أحدهما؛ عند عدم قدرة الطرف الآخر على رعاية أطفاله لوحده؛ أو عند عدم وجود أجداد لهم يرعونهم، وقد تجاوزت أعداد الأطفال المنقولة وصايتهم للدولة الألمانية إلى 60 ألف طفل عام 2015 من بينهم مهاجرين ولاجئين مسلمين نتيجة موت الأهل أو ضياع الأطفال من والديهم في طريق الهجرة[9]، فضلا عن إرسال اليافعين ممن لم يبلغوا الثامنة عشرة إلى أوروبا بسبب قدرته على ضم والديه إليه فيما بعد، ولأنه طفل في القانون الأوروبي فإنه حق رعايته يقع على الدولة والتي في كثير من الحالات تنقل رعايته إلى عائلة حاضنة، أما التحدي الأكبر الذي يواجه العائلة المسلمة فهو قرار اليافع بنفسه بالانتقال من منزل والديه أو بتقديم شكوى لمكتب الرعاية، فيتم الاستجابة لرغباته، وإن وجد بصيص أمل في عودته لوالديه في سن المراهقة، إلا أنه بعد سن الثامنة عشرة تلغى الوصاية الأبوية قانونيا بشكل كامل.

التحصين والوقاية

إن وجود القوانين الوضعية المستمدة من أهواء البشر مع الانفتاح الكبير على كل الفتن تشكِّل تحديات عظيمة للعائلة المسلمة في أوروبا، وقد اختلف العلماء في حكم القدوم إلى مثل هذه البلاد وإن أجاز بعضهم البقاء فيها لكنهم ينصحون بتجنب السفر إليها أو جعل الإقامة مؤقتة قدر المستطاع، فعلى رب الأسرة مسؤولية الاستبراء لعرضه ودينه وحماية أسرته، وقد أشار لذلك الدكتور محمد راتب النابلسي في مقابلة له في قوله: إن لم تضمن أن يكون ابنُ ابنُ ابنِكَ مسلمًا، فلا يجوز أن تبقى في البلاد[10]، مع استثناء من لا مفر له إلا البقاء فيها، ولابد للمسلم المهاجر في الغرب أن يهتمّ بما يقوِّيهِ ويحفظ أسرته بإصلاح حاله وحالهم عن طريق التحصن بالعلم الشرعي والتقرب إلى الله، وتعلُّم لغة البلد الجديد وفهم ثقافته وقوانينه، ومن المهم معالجة الأمراض النفسية والبعد عن التعنيف والضرب وذلك أضعف الإيمان، ويجب التركيز على أهمية تقوية أواصر الجالية الإسلامية لما لها من دور في مساعدة الأسر والمهاجرين الجدد، ولكنها ما زالت إلى الآن تعاني من التشتت وضعف الإمكانيات المادية والبشرية.

 سحب الأطفال.. هل مؤامرة؟

منبع القوانين الغربية مختلف جذرياً عن منبع القوانين الإسلامية، حيث يعتبَر الطفل فيها كيانًا منفصلًا عن والديه وبالتالي يغلب حق الدولة في رعاية الطفل على حق وصاية والديه، ولذا يُطَبَّق القانون على أي طفل يقطن الأراضي الأوروبية بغضّ النظر عن جنسيته، وبالتأكيد فإن المهاجرين يتعرّضون بشكل أكبر لتهديد نقل الوصاية لقلّة خبرتهم بالقوانين من ناحية، واختلاف التكوين الثقافي الشاسع بين الشرق والغرب، مع ضعف اللغة من ناحية أخرى، إلى جانب وجود فكرة مسبقة خاطئة أو عنصرية متطرّفة لدى بعض الموظّفين والسكان عن المهاجرين تدفعهم للتعامل الأشد والأسوأ لهم فيقدِّمون ذلك على أي تصور آخر، بالإضافة إلى أن سياسات أوروبا في الاندماج قاصرة عن تقديم الدعم الكافي للمهاجر وتركز جهودها على إذابة الفرد في المجتمع وثقافته، بدلا من مساعدته على التكيف ومراعاة حاجاته وثقافته المختلفة وخاصة لمن أتى من منطقة حروب، وعدم زرع سياسة التسامح وتقبل الضيف في المجتمع المضيف بل التنفير منه، وبسبب قلة شباب القارة العجوز فهم بحاجة للمهاجرين وأبنائهم أكثر من حاجة المهاجر لهم، ومع هذا مازالت سياساتهم تتجه بحذر نحو شعار إما الذوبان وإما الرحيل.

يحزن القلب على أبناء المسلمين الذين حرموا من عائلاتهم وما ينتظرهم من مصير مجهول، وانتفاضة المسلمين والتنديد وإثارة الرأي العام لهي من الأمور المحمودة والمطلوبة، ولا مناص بالطبع من الحكمة والروية واستغلال جميع الوسائل الممكنة في سبيل الهم الأكبر وهو عودة الأطفال إلى بيوتهم وأحضان أهليهم الدافئة.


[1] https://taz.de/!360286/

[2] وقاية الأطفال من التعنيف والأذى

https://www.vivantes.de/fileadmin/Klinika/KNK/Vortraege_KJPP/Curriculum/02_Misshandlung_Missbrauch_Praevention_koelch_01.pdf

[3]متى-بنتزع-الطفل؟،ألماني

 https://beratung.de/recht/ratgeber/inobhutnahme-wann-holt-das-jugendamt-ein-kind-aus-der-famili_fntlic

[4]تجاوزات-مكتب-الرعاية-السويدي، Spiegel

 https://www.spiegel.de/politik/kinder-gulag-im-sozialstaat-schweden-a-56914d68-0002-0001-0000-000014019042

[5]مايمكن-فعله-بعد-سحب-الطفل

 https://www.123recht.de/ratgeber/familienrecht/Das-Jugendamt-hat-die-Kinder-weg-genommen-Was-koennen-wir-tun-__a103733.html

[6]قانون-سحب-الطفل-السويدي-بالتفصيل

 https://www.dji.de/fileadmin/user_upload/pkh/laenderbericht_schweden.pdf

[7] المصدر(4)

[8] https://www.sueddeutsche.de/leben/prozess-wenn-kinder-wegen-vernachlaessigung-sterben-1.3654792

[9] https://mediendienst-integration.de/migration/flucht-asyl/minderjaehrige.html

[10] تربية-الأولاد-في-المهجر

https://www.youtube.com/watch?v=gGUD8He_aTE

فتوى-وكلمة-من-الشيخ-محمد-راتب-النابلسي

https://www.youtube.com/watch?v=PPxE8ZmwGWw&t=305stj,n




الصراع الأمومي: حرب الوجود وأوهام الإرادة المسلوبة

تبعًا لعقيدة اليهود والنصارى تحمل حواء وزر إخراج آدم عليه السلام من الجنة، ولأجل خطيئتها تلك عوقبت وبنات جنسها بالحمل وآلام المخاض، في حين جعل فريق آخر من حواء رمزا للتضحية لأنها آثرت العصيان على الطاعة إنقاذا لزوجها من شر مُتَوَهَّم، وما من فريق إلا ويخضع تفسيراته لأهوائه ويجعل من الطرف الآخر سببًا في ظلم يلحق به، فبين مهاجم للأنثى ومدافع عنها حد الغلو، وبين من يجعل الرجل ظالماً تارة ومستكيناً للمرأة تارة أخرى، وفي كلٍّ من الخطابات مذمة للرجل والأنثى معاً دون استثناء.

لنفترض جدلاً أن الحرب الذكورية الأنثوية والتي يعتبرها البعض أزلية، قد بدأت مذ نفخ الله في نبيه وزوجته الروح، فأنّى للبشر أن يزدادوا ويتكاثروا وللأرض أن تُعمر؟ وإن اعتبرنا التكاثر والإعمار سبباً بدهيّاً هادماً لفكرة الصراع الذكوري الأنثوي التاريخي، فسيفقد هذا المنطق قيمته خدمة لنظرية مؤامرةٍ تغذيها شرايين حب الصراع وخطاب الفئة المسحوقة.

المرأة قوية مسلوبة الإرادة

تكاد تكون دعوى “المرأة المظلومة والمسلوبة الإرادة عبر التاريخ” العبارة المفضلة لدعاة تحرر المرأة والتمركز حول الأنثى، ومن وجهة نظر امرأة تُنصّب دعواهم تلك في رأس قائمة الخطابات المهينة للنساء، فمفهوم الإرادة المسلوبة يُجرد الإنسان من مقومات القدرة على التعبير والتغيير ونبذ الظلم، وهي حجة على المرأة لا لها، ودليل ضعف لا قوة، وذلك لاحتمالها عددا من الأوجه المتناقضة في ذاتها:

أما الوجه الأول فيحتمل معنى المرأة غير القادرة على الإدراك -أي نقص في العقل- ويسقط هذا الوجه مع معارضة النسوية له بتصديرهم المرأة كمخلوق ذي قدرات عقلية عالية تفوق الرجل، وهو منفي أيضاً بطبيعة الحال.

 وأما الوجه الثاني فالمرأة ضعيفة بنيويّاً بالمقارنة مع الطرف المقابل الأكثر قوة وشدة، أي عدم تكافؤ القوى فيغلب القوي الضعيف، وقد نفته النسوية بتأكيدهم على قوة المرأة وقدرتها على التغيير، فضلا عن نفي الاختلافات البيولوجية بين الذكر والأنثى. وإن كنا نحن نؤمن بالاختلافات التي وضعها الله بينهما فخلق الرجل أقوى جسديا وأقدر على البطش، إلا أنه ليس من الإنصاف تعميم تهمة تسلّطه وظلمه للمرأة في أصقاع الأرض كلها ومنذ مئات وآلاف السنين، وإن صح ثبوته في جزء من العالم.

والوجه الأخير بعد انتفاء الاحتمالات السابقة، أنها دعوى مشوبة بالخداع، ومحاولة مبتذلة لشحذ الاستعطاف، وسلب العقول، فكيف تجتمع القوة بالضعف؟ وقد بات أتباع النسوية يحتفلون بدراسات الأنثروبولوجيا، الدالة بناء على بعض التماثيل القديمة والأحفورات والرسومات التاريخية، إلى أن بداية الحكم على الأرض كان للمرأة وسميت المجتمعات الخاضعة لحكمها بالبدائية (الأمومية)، وأن الآلهات كن من النساء حتى سلبها الرجل -بقيامه بما يسمى الانقلاب الذكوري- تلك الامتيازات والقدسية بل جعلها مسحوقة وأخفى وجودها، فلماذا التزمت الصمت واختارت الخضوع لآلاف السنين؟

أزمة الهوية والإرادة

مساندة لنظرية المؤامرة الذكورية، تبنت بعض النسويات فلسفة فوكو الذي يفسر خضوع الأفراد للسلطة عبر تشكيلهم جسديا ليكونوا خاضعين، معتبرين أن المرأة إن تخلت عن صفات الخضوع من الناحية الجسدية كالإنجاب والحمل، أي التخلي عن أنوثتها، ستتحرر بذلك من سلطة الرجل والمجتمع، وقد عززت هذا المفهوم جوديث بتلر بدراساتها عن نظرية الجندر (النوع) لتؤكد على مفهوم “الإنسان لايولد بجنس محدد بل يُفرَض عليه”، مما أثار حفيظة بعض النسويات ضد تلك المفاهيم، فمفهوم الإرادة المسلوبة ينفي وجود صفات طبيعية في الإنسان تدفعه للمقاومة والتحرر، وبإلغاء صفة الأنوثة عن المرأة لم يعد هناك جدوى من الدفاع عن حقوقها كامرأة، “فالواجب الانطلاق من سؤال ماذا نريد كنساء، وليس من التساؤل عن ماهيتنا(نوعنا)؟”[1]

حواء وحرية الإرادة

بالعودة لقصة أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام وإيماناً منا بالإسلام الذي جاء داحضًا للخرافات، مبيناً للحق، حاسماً للصراعات، لابد أن نقف موقف المتأمل في قصة أول بَشريّين في القرآن، قال تعالى:{وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِين*فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ*وقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ*فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ}[الأعراف:20-23]، كم من اللافت صيغة التثنية التي انفردت بها الآيات من بداية النهي عن الأكل من الشجرة إلى الوقوع في الذنب وطلب العفو والمغفرة، باستثناء آيات أفردت لآدم عليه السلام في غير موضع[2]، وما أدق الأوصاف وأعدلها في الدلالة على حرية الإرادة التي تميز بها آدم وحواء، فلم تؤخذ حواء بذنب زوجها ولم يؤخذ هو بذنبها، وقد خلق الإنسان من ذكر وأنثى حُرَّين في إرادتهما، يتمتعان بمقدرة الاختيار والتغيير والتأثير، فهل يمكن للإرادة أن تسلَب؟

نصف المجتمع ظالم أم مظلوم؟

لا تناضل النسوية من أجل تحرير المرأة بقدر ما تحارب لتحريرها من دورها في المجتمع، فتنفي أن يكون للمرأة أي دور فيه سوى من الناحية المهنية والإنتاجية الوظيفية، وما سواه من مشاركات مجتمعية وأسرية في جانب الإعفاف والإصلاح والتربية، يتحمل مسؤوليتها الرجل ولها الحرية المطلقة في ما تشاء.

وتترافق خطابات النسوية عن الفئة المسحوقة مع خطاباتها المؤكدة على قوة المرأة وأهمية مكانتها في المجتمع، مثيرة لتساؤلات لا تنفك تصطدم بها النسوية، عن دور المرأة في التاريخ؟ وعن الغموض الذي يحيط صمتهن عن الظلم؟ وإن كان جزء من النساء مستضعفات فأين البقية؟ إن إيجاد التفسيرات والإجابات مُرهقٌ لأسباب ناقشناها أعلاه، فنحن نتحدث عن 50% من المجتمع بزعمهم وهو رقم عظيم! ولذا كان لابد من مخرج للمأزق بالاستعانة بنظرية متهاوية تسمى “الجندر”.

وشهد التاريخ لنماذج نسائية مشرفة وأخرى فاسدة، مما يدل على أن المرأة كانت ذات دور في المجتمع، سلبي وإيجابي، لم تكن مغيبة إلى حد منعها من التغيير، وإن كانت فئة من النساء مستضعفات لكنه ليس الحال العام، ولذا من الحكمة ألا تلصق مشاكل النساء بالرجل فقط لأنها قضية متداخلة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومسؤولية مجتمع بأكمله، بنسائه ورجاله، فالنسوية التي تقاد من النساء بحد ذاتها ظلم للمرأة عندما شوهت فطرتها وقتلت أنوثتها، والمرأة كانت ومازالت أما ومربية وأختا و زوجة وابنة ومعلمة، وعليه فيجب أن يحل إصلاح المجتمع مكان التمرد والصراع، والاعتراف بالأخطاء مكان إلقاء اللوم.

تجاذب المرأة بين السلطة الأبوية والأمومية

المفترض من حركة تحرير المرأة تحقيق حرية الاختيار لها وتمكينها في المجتمع، ولكن شرط بقائها ضمن حدودٍ فرضوها ومن ثم جعلوها الحق المبين، فأصبح الحجاب رمزا للعبودية، والدين قاهرًا للمرأة، والإنجاب والتربية عملًا وضيعًا معيقًا للمجد، والزواج مقبرة، ومزاحمة الرجال واجبًا، وإن خالفت المرأة أهواءهم وخرجت خارج حدودهم، فإنهم يندهشون من كونها امرأة ويشكّكون في عقلها واختياراتها، ولايملكون غضاضة في قتل أي مشاعر جميلة مرتبطة بالأنوثة، “ففي الحريم العلماني الليبرالي لا مكان لامرأة ذات اختيار حر، والحرية المقدسة لايدنسها سوى الخيار الديني” [د.ملاك الجهني، من مقال الحريم العلماني الليبرالي] وكان في إجابة إمرأة أمريكية بسيطة نظرة للمستقبل عندما سألت عن رأيها في النسوية: “يريدون أن يخرجوننا من سلطة الرجل إلى سلطة الأنثى وهو أشد خطراً!”، فَضَحيَّة حركات تحرير المرأة هي المرأة أولا.

أسطورة المرأة الخارقة

ومع إعراض النسوية عن كل الدراسات المؤكدة للاختلافات بين الرجل والمرأة وعمّا هو واضح عيانا، كان الإسلام واقعيا في التعامل معها، فلنفترض مثلًا أن أمًّا أتت بأخوين إلى مربِّية، فنبهتها لطبيعة أحدهم الرقيقة الحساسة والمختلفة عن أخيه القوي، فهل يعتبر وصف الأم انتقاصا من الأخ الرقيق؟ أم حرصًا منها وتنبيها للمربية إلى طريقة التعامل معه لأنه أكثر عرضة للأذى؟ وكيف للمربية أن تتنبه لهذا لولا قول الأم؟

إن الإسلام لم يقدم أوهاماً عن قوة المرأة الخارقة للعادة، وبالتالي لم يفرض عليها ما لا تحتمله وخاصة مع ارتباطها بالحمل والرضاع والتربية، وروعيت أشد رعاية في تغيراتها الجسدية والهرمونية، فالمرأة القوية القادرة على كل شيء “وَهمٌ” جعلها تقاصي ما لا تحتمل ويُنتظر منها أكثر مما تستطيع، وكثيرات تهاوين أمام هذا التحدي.

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ }[يوسف:40]

في الكون لا سلطان إلا سلطان الله، ولا حكم لامرأة ولا لرجل إلا بأمر الله، الذي سبحانه كلف الرجل بالقوامة وأمر المرأة بطاعة الزوج والأب أو الوالدين، فلله ورسوله الطاعة المطلقة وما لغيرهم طاعة مقيدة وجاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف) [أخرجه البخاري في الصحيح][3]، لأن المرأة أمة لله في المقام الأول وكذلك الرجل وكلاهما خاضعان لحكم الله، ولهما على بعضهما حق التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم المجاراة فيه، وجُعل الإصلاح والدعاء والاستعانة بالقضاء وغيره حلولا للزيغ عن الحق والواجب، وأُكد على معاني المودة والرحمة والاحترام والمعاشرة بالمعروف والإحسان. ومادون ذلك من المعاملات بين الرجل والمرأة الأجانب عن بعضهم تخضع لضوابط الإسلام، والأصل فيها التساوي إلا فيما فصل الشارع، فقال سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة:71].

بين عمل وضيع وعمل يوصل للجنة

إن التزام المرأة بالطاعة لزوجها لا يلغي عنها صفة الحرية والعقلانية، فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عنه، ولعظم هذا الأمر جعل سببا في دخول المرأة للجنة، وإن دل ذاك الإكرام على شيء فإنما يدل على صعوبة تطبيق الطاعة، وأهمية دور المرأة في تحقيقها لخلق التوازن في الأسرة، ولا يمكن لأحد أن ينكر الخير الكثير في النساء وغيرتهن على الدين واهتمامهن بصلاح حال الأمة، لكن لا يجب أن يأخذها الحماس بعيدا فيصرفها عن واجباتها الأساسية، والتي لاتقل أهمية عن أي مهمة شريفة في الإسلام، بل تقترب من كونها من أعظم الأمور وأكثرها مجاهدة في زمن تقتلع فيه من أنوثتها وأسرتها، فالأمر منوط بالتوازن والحكمة.

نساء في القرآن

عند تتبع سير النساء القرآنية، نجد منهن من كنَّ مثالا في الكفر والعصيان كامرأة نوح وامرأة لوط، بينما أخريات كنَّ رمزًا للإيمان باختيارهن العبودية لله على عبودية البشر وما سواهم من العبوديات، فلم يمنعهن تجبر الزوج وطغيانه وكفره عن الإيمان بالله كمثال زوجة فرعون، وغيرهن ممن لم يَردُّها قتل أولادها وحرقهم والتنكيل بهم أمام أعينها عن التصديق بالله رَبّاً كتلك التي جاء ذكرها في حديث رسول الله: (لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، قلت: ما هذه الرائحة؟ فقيل لي: هذه ماشطة بنت فرعون وأولادُها) [أخرجه الإمام أحمد في المسند]، ومثلهن ممن لم تتكبر عن أن تكون أَمَةً لله وهي صاحبة الملك والرفعة كملكة سبأ، ولا حصر للنماذج النسائية المشرفة اللاتي عرفن معنى العبودية بإخلاص لربهن فما زادهن ذلك إلا رفعة وشرفا وحرية.


مصادر للتوسع والازدياد

-استفدت من:

  • الحريم العلماني الليبرالي، د.ملاك الجهني، مركز باحثات.
  • قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى، د. عبد الوهاب المسيري، دار نهضة مصر.

[1]ترجمات:ميشيل.فوكو-والنسوية

 https://bahethat.com/report/r35506/

[2] حواء.وخروج.آدم.من.الجنة.القرضاوي

 https://www.al-qaradawi.net/node/4034

[3]للاستزادة:

 https://islamweb.net/ar/article/213217/




النباتية في معتقدات الإنسان الحديث

يتزايد الاهتمام بالنمط الغذائي النباتي تزايداً ملحوظاً حول العالم و يلقى رواجاً هائلاً خاصة بين فئة الشباب فيزداد أعداد متبعيه بسرعة فائقة يوماً بعد يوم، وقد بدأ انتشاره في العالم العربي والإسلامي لنسمع بمن يندد بشعيرة ذبح الأضاحي أو يشجب من يتناول اللحوم، وتختلف الدوافع لاتباع النمط النباتي اختلافاً كبيراً بين دافع الاهتمام بالصحة وبين دوافع دينية أو أخلاقية أو اقتصادية، وبحسب الدوافع تختلف المبادئ في النظام النباتي المُتّبع، فبعضهم يمتنع عن تناول المنتجات الحيوانية امتناعاً تاماً وبعضهم يحدُّ من تناولها بشكل كبير، لتنحصر هذه الاختلافات بين نمطين رئيسيين هما النباتية المعتدلة والمتشددة.

إن متبعي النباتية بدافع أخلاقي أي بدافع حماية حقوق الحيوان، هم الأكثر تأثيراً في الوسط العالمي سياسياً واقتصادياً والأكثر بروزاً كونهم يجتمعون في حركة لها مبادئ وأهداف لا تنطوي تحت التوقف عن تناول اللحوم والمنتجات الحيوانية فقط[i]، وينشطون في مظاهرات وحملات لتسليط الضوء على شناعة قتل الحيوان مثل وضع أنفسهم في علب تغليف مضرجين بالدماء للدلالة على فظاعة المشهد، وبالتالي سنحاول التركيز على بيان فلسفتهم من هذا الجانب وبالتحديد فلسفة النباتية المتشددة، وعليه سنبين الفرق أولاً بين النمطين النباتيين.

أنماط النباتيين

ثمة أنماط عديدة للنباتيين لعل أشهرها: النباتية المعتدلة أو النباتيون المعتدلين (Vegetarian)، ويندرج تحت مسماهم أصناف مختلفة من الأنماط الغذائية النباتية فهو مسمى عام وشامل، وبما أننا نتحدث من جانب الدافع الأخلاقي فإن مبدأهم هو الامتناع عن تناول المنتجات الحيوانية التي تستخلص من الحيوانات بعد ذبحها ولا يجدون مشكلة في تناول المنتجات المستخلصة منها وهي على قيد الحياة كالحليب والبيض، ولكنه نظام فردي في غالب الأمر فلا ينشطون كثيراً في الدفاع عن الحيوان وتكون غاية اهتماماتهم هي الصحة الجسدية وفريق صغير منهم من يجتمع في حركة منظمة.

النباتية

بينما النباتية المتشددة (Veganism) فهي تظهر كحركة سياسية تعتمد الحملات والمظاهرات وتحاول إثارة الرأي العام، وإضافة النهاية (,ism’) للكلمة باللغة الإنكليزية حيث تشير لمصطلح يعبر عن معتقد ومبدأ يؤمن به مجموعة من الناس، وهو أشبه بديانة تشكل هوية صاحبها مثل (Liberalism) الليبرالية و(Femenisim) النسوية، ولهم جمعية تسمى The Vegan Society تم تأسيسها عام 1944 من قبل ناشطين في الدفاع عن حقوق الحيوان، ومن مبادئهم وأهدافهم:

  • الامتناع عن تناول أي منتجات حيوانية سواء أكانت من لحوم مذبوحة أو ما يُستخرج منها وهي على قيد الحياة وما تطرح الحشرات أو يستخلص منها كالعسل والكارمين[ii].
  • عدم استخدام أي منتجات يدخل في صناعتها منتجات حيوانية أو تعود لشركات تقوم بتجاربها على الحيوانات، ومثال ذلك الأحذية والحقائب ومستحضرات التجميل، وأما الصناعات الدوائية فاستخدامها أمر اضطراري لصعوبة توفر البديل النباتي أوعدم تأديته للغرض العلاجي.
  • منع استغلال الحيوانات لأغراض التسلية والامتناع عن زيارة حدائق الحيوان وأحواض السمك وسباقات الخيول والكلاب.
  • الاهتمام بنشر ثقافتهم لجعل الأرض مكاناً آمناً للحيوانات، وقد أطلقوا مصطلح [1]carnism على من يخالفهم في فكرهم، ويُقصَدُ به الإنسان الذي يجد تناول الحيوانات أو استغلالها أمرا طبيعيا[2]، وبمعنى أدق الإنسان اللَّاحم وثقافة المجتمعات اللَّاحمة.

اعتقادات المتشددين

يحاول النباتيون إيجاد رابط قديم الجذور لفلسفة النباتية مما يسهل فرضها وقبولها بين الناس، فتشير أقوالهم إلى أن فلسفتهم تعود إلى 500 سنة قبل الميلاد وأن مؤسس فلسفة البوذية بوذا قد اهتمّ بها وأرشد إليها، ويستشهدون بنظرية تطور الإنسان من القردة والغوريللات -أي من فصيلة حيوانات عاشبة- وأن الإنسان لم يخلق آكل لحوم بل تطوّر عبر الزمن وتكيف جسده مع ذلك بسبب اضطراره لتناول اللحوم، إلا أنه في دراسة نشرت في مجلة Nature[3] افترض العلماء ما يخالف ذلك، إذ إن كان طعام الإنسان يعتمد على النباتات فقط لم يكن ليتطور لإنسانٍ بل سيتطور بشكل مغاير متحولاً لكائن آخر، وتشير الدراسات أيضا إلى أن جسد الإنسان مصمم فيزيولوجيا ليستطيع تناول اللحوم، من شكل الأسنان النابية وتصميم الجهاز الهضمي واحتياجاته من العناصر الغذائية التي تحتويها المنتجات الحيوانية، وبناء على دعواهم يعتقدون أن الإنسان المعاصر يستطيع أن يتكيف مرة أخرى عن طريق عودته لأصله بأن يقتات على النباتات تضحيةً توجبها الأخلاق من أجل الحيوانات اللطيفة.

معضلة ملك الغابة

مع محاولات النباتيين للمساواة بين الحيوانات الإنسانية -أي البشر- كما يصنفونهم واللاإنسانية -أي الحيوانات-، لما اكتشفوا لهذه المخلوقات الأخيرة من ذكاء ومشاعر، إلا أنهم يجدون مشكلة في تفسير فعل الحيوانات المفترسة فكيف نساويهم في الحق بالحياة واحترام المشاعر ولا نساويهم بالفعل، فهم لا يجدون للإنسان مبرراً في أن يشابه الأسد في أفعاله البربرية الإجرامية.

وإن كان ما يشفع للأسد غريزة البقاء التي تدفعه لتناول اللحوم لأنه لا يستطيع النجاة إلا بهذه الطريقة، فإن الإنسان على عكس الأسد يستطيع أن يحيا من تناول النباتات فقط وهذه دعوى خاطئة سيأتي بيانها، أما الدعوى الأخرى فهي بأن الإنسان لديه مفهوم الأخلاق على عكس الحيوانات، إلا أن بعض الدراسات تشير لوجود أخلاق عند الحيوانات[4]!

فهل نعتبرهم كائنات ذوي أخلاق ويجب أن ينتهوا عن تناول الحيوانات الأخرى؟ أم كائنات تكيفت مع الطبيعة فتحولت لتناول اللحوم ويجب إعادة تدريبها؟ وهل نشفع للأسد إن لم يجد ما يأكله سوى الإنسان؟ وماذا عن الإنسان الذي لم يستطع التطور إلى عاشب واضطر لأكل اللحوم حتى يبقى على قيد الحياة ألا يعتبر هذا حقاً مضموناً له؟

تطرف النباتيين

كما ذكرنا سابقا بأن النباتية المتشددة أشبه بفلسفة تحولت لمعتقد، ثم أصبحت جاذباً لمن يبحث عن هوية له وجماعة ينتمي إليها، وبالأخص لمن يعاني من أزمات نفسية وضياع للهوية ليجد في انتمائه لهم مهرباً وملجأ.

لقد تحول كثير منهم للتطرف في الدفاع عن الحيوان، وباتوا يثيرون الرعب بين الناس ويهددون القصّابين ويقومون  باعتداءات على من يشتري اللحم أو يأكله، فما أشنع من موت طفل رضيع بسبب جهل والديه واتباعهم للنمط الغذائي النباتي القاسي فمنعوا عن طفلهم المنتجات الحيوانية بأنواعها ولم يكتفوا بذلك بل كان طعامه عبارة عن خضار وفواكه نيئة فقط وبقي جائعاً مريضاً يعاني من سوء التغذية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة لتكتشف الشرطة سوء الحالة الصحية لأخويه الآخرين، وهي ليست الحالة الأولى ففي إيطاليا سجلت ثلاث حالات أيضاً لأطفال عانوا لنفس السبب وتعرض والدي طفل منهم للمحاكمة بسبب استهتارهم وجهلهم، فكم هو محزن أن تكون حياة الحيوان أكثر قيمة من حياة الإنسان[5].

وهنا يمكن أن نسأل: كيف يعيش النباتيون من دون لحوم؟

من الثوابت العلمية أن الإنسان لا يأخذ حاجة جسده من العناصر الغذائية عن طريق تناول النباتات فقط وعند اتباعه للنظام النباتي القاسي سيحتاج مكملات غذائية بلا شك، ولنظام غذائي متكامل لا يحتمل أي نقص[6]، ولنقل أن مايساعد النباتيين في غنى مائدتهم بالطعام هو الصناعات الغذائية والطرق الزراعية الحديثة والاستيراد والتصدير، فتضمن هذه الطرق تواجد الخضروات والفواكه في الأسواق على مدار السنة وفي كل مكان تقريبا، ولتحويل العالم للنباتية سيقتضي هذا تأمين حاجة الكوكب كاملة من المكملات الغذائية والمنتجات النباتية والثمار.

فرضيات ما بعد النباتية

توجد العديد من الفرضيات لمؤيدي فلسفة النباتية عن حال الأرض بعد تحول سكان الكوكب لفلسفة النباتية كحيوانات سعيدة وبيئة متعافية وإنسان بحالة صحية أفضل وستنتهي بدورها أمراض فتكت بالبشرية، ومن منظورهم يمكن حدوث هذا عن طريق إطلاق جميع الحيوانات لتعود لمكانها في الطبيعة، وأما الحيوانات التي ستتحول فريسة للضباع فستوضع في محميات طبيعية تحت حماية البشر وبالتالي ستتوقف عجلة الصناعة الحيوانية المنهكة للبيئة وستنعم الأرض بالسلام.

ويبدو أن الإنسان لا يأخذ حيّزاً هاماً بين فرضياتهم فيتحدث العلماء عن استحالة إمكانية تحويل الأرض للنباتية، ولكن بالإمكان أن تكون نظاماً يطبق بشكل فردي أو في حالات مرضيّة معينة ولا يمكن أن يُلزم به العالم بأكمله، فتأمين احتياجات جميع سكان الأرض للالتزام بنظام غذائي نباتي هو أمر مستحيل في ظل المجاعات وعدم قابلية جميع الأراضي للزراعة أو ضعف التطور الصناعي في عدد من الدول، وبالتالي سيعاني الكثيرون من سوء التغذية وستظهر أمراض جديدة في المجتمع وستنتشر المجاعات، عدا عن صعوبة تطبيق ذلك على فئات ذات احتياجات خاصة مثل كبار السن والأطفال، علاوة على ذلك من الممكن جداً أن يؤدي عدم موت الحيوانات بالدورة الطبيعية للحياة وتأثيرات الطرق الزراعية الحديثة، التي لا تخلو من أثر سلبي على البيئة، من تلوث بالمبيدات الحشرية وتصحر وتراجع لمستوى المياه الجوفية[7]، إلى اختلال في التوازن البيئي[8].

أما عن دعوى التأثير الخطير للحوم والمنتجات الحيوانية على الصحة فالدراسات فيها دقيقة جداً ولا يوجد دراسة واحدة توصلت إلى أن المنتجات الحيوانية أو اللحوم هي المسبب الرئيسي لأمراض معينة ويجب التوقف عن تناولها، وما ينشر في هذا الباب ما هو إلا تضليل للناس[9].

النباتية من منظور شرعي

يؤسفنا رؤية انتشار مفهوم استنكار ذبح الحيوانات بين المسلمين وتحريم اللحوم والمنتجات الحيوانية على أنفسهم فهو أمر خطير فيه تحريم لما أحله الله من تناول اللحوم واستخدامها في حاجاتنا وفي أعمال خدمت البشرية جمعاء، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [غافر:79]، وما ذاك الاستنكار إلا تقليد اعتدناه لثقافات دخيلة من دون النظر في بواعثها وادعاءاتها والأفكار التي قامت عليها والتي تقبل الخطأ والصواب، وعلينا أن نفرق بين استغلال الحيوان وإيذائه وأكل اللحوم، فنحن مأمورون بالرفق بالحيوان، فلا يجوز إيذاؤه وإلحاق الضرر به وضربه ضربا مبرحا وحبسه من دون تقديم طعام ولا شراب ولا التمثيل به ويجب الرفق به حتى في طريقة ذبحه، والاستغلال الحقيقي للحيوان الذي نشهده هو في الإسراف في الصناعات الحيوانية لكسب مزيد من الأموال وتأميناً لمتطلّبات المستهلك صاحب ثقافة “نعيش لنأكل”، وهذا أدى لممارسات شنيعة في حق الحيوانات من حبسٍ في أقفاص وضرب مبرح وحقن بالهرمونات والمضادات الحيوية وإطعامهم فوق ما يحتملون لزيادة أوزانهم وممارسات عديدة لا يسعنا ذكرها، فهذا ما يجب أن نقف أمامه موقف الرافض له فهو واجب المسلم أولاً الذي حمل راية دين الله أرحم الراحمين، الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ورفعه فوق مخلوقاته وسخر له الأرض وما عليها من طعام وشراب ليعمر فيها ولا يفسد ولا يسرف {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31].


[1] https://www.definitions.net/definition/carnism

[2] The Hidden Dangers of the Vegan Movement

[3]   NATURE رابط مقالة التايم ونشر فيها رابط الدراسة على

https://time.com/4252373/meat-eating-veganism-evolution/

[4] Ghose, T. (2012, November 15). LiveScience.

[5] https://metro.co.uk/2019/11/14/vegan-parents-starved-toddler-to-death-by-forcing-him-to-eat-raw-plant-based-diet-11147678/

[6] https://veganfoundry.com/can-you-be-vegan-without-supplements/

[7] Čirjak, A.(2020, June 16).worldatlas.

[8] Robin R.White, M.B.(2017, November 13). PNAS.: https://www.pnas.org/content/114/48/E10301.abstract

[9] Publishing, H. H. (2020, February 1).Harvard Medical school. https://www.health.harvard.edu/staying-healthy/whats-the-beef-with-red-meat

[i] (النمط الغذائي النباتي القاسي أي النباتية الصرفة)

[ii] (ملون صبغي يستخرج من الحشرة القرمزية).




تأثر النسوية بالثورات العربية.. فرصة لإعادة التوازن

إن ما يطفو على السطح الآن من أفكار النسوية في العالم العربي، لم يكن وليد الساعة، بل كنا نتشرب تلك الأفكار منذ الصغر، حتى باتت كثير من الفتيات نِسويَّات دون أن يشعرن. وآخر ما لَفت نظري للتغير الكبير الطارئ على الفتيات والنساء من الأجيال الجديدة ما كتب في مقال مترجم[1] بعنوان “تايلور سويفت تؤكد وجهة نظري عن ضرر النسوية على جيل الألفية”، وذلك بإشارة الكاتبة لردود أفعال الفتيات المبالغ بها على ما كان طبيعياً من مقارنات بين المرأة والرجل، مما أكد لها تأثر فتيات الجيل الجديد بأفكار النسوية تأثراً سلبياً حتى بتن يَرَين عدم المساواة تلوح في الأفق في كل فعل وقول.

تشير بعض الأقوال إلى أن النسوية العربية بدأت منذ قرن أو أقل مع نظيرتها الغربية، بمساعدة برنامج ممنهج لنشر فكرها في العالم الإسلامي والعربي الذي مكَّن من تحقيق الهدف خلسة وساهم في ذلك كثير من العوامل[2]، لعل أبرزها الإعلام[3] والتعليم وساحات التواصل الاجتماعيّ الافتراضية، لأنهم بذلك أسهل وصولاً للنساء، مُستغلين بعض المظالم المجتمعية والقانونية الممارسة عليهن ليتلاعبوا بمشاعرهن وعاطفتهن ويُلوّثوا أفكارهن، وساهموا برسم صورة نمطية للفتاة لا يَسهُل الخروج منها.

 الإعلام والنسوية العربية

أشار الأستاذ الهيثم زعفان في بحثه عن العلاقة الوطيدة بين الإعلام والنسوية العربية فكتب: “يعد الإعلام المرئي والمسموع والمقروء من أكثر الأدوات التي تستخدمها الحركة النسوية في العالم العربي من أجل خلخلة المجتمع وهز ثوابته القيمية لصالح الأجندة النسوية، وفي سبيل ذلك يتم الدفع بمئات المسلسلات، الأفلام، البرامج، الإعلانات، المقالات، الحوارات، والتحقيقات؛ وجميعها تصاغ مادتها الإعلامية وفق ماتهدف إليه نشيطات الحركة النسوية” [ظهور الحركات النسوية في العالم العربي ومشروع تحرير المرأة]

فيتمكن الإعلام والمسلسلات خاصة[4] من رسم أنماط معينة للنساء وحصرها بالشكل المنفر من الفتاة المتدينة والمحجبة، وبالشكل الجميل الجذاب للفتاة المراد منها أن تكون قدوة، كما ربطوا القوة بالتخلي عن الدين والتمرد على الأهل والمجتمع وكل ذلك مع التأكيد على عدم حاجتها للرجل البتة.

ولكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت أنماط أخرى من النساء المراد منهن قدوات، ورُموز نسائية يُسلط الضوء عليها في كل قضية محتدمة[5]، أولئك اللائي يجمعن بين نقيضين من مظاهر تدين إسلامية ومن أفعال وأفكار تخالف هذا الدين.

النسوية كرمز

فوضى النسوية في ظل الثورات العربية

سأنقل أولًا رأي جاياواردينا كوماري (ناشطة نسوية وأكاديمية سريلانكية) ثم رأي المستشرقين الغربيين في النسوية العربية[6] فهم ينظرون للحركة العربية بأنها تَقمّصٌ للنسوية الغربية وقيمها، مما جعلها حركة غير مقبولة في الوسط العربي وغير واضحة الأهداف، لأنها لم تنطلق من حاجات المرأة العربية وقضاياها، ومن ثم تفرض عليها قيماً غربية لا تناسب المجتمع المسلم والشرقي أبدًا.

كما أن الجماعات النسوية العربية ليست موثقة بشكل كامل في المنظمات العالمية على عكس الحركات النسوية الأخرى بسبب صراع الشرق والغرب، وبما أن الحركات النسوية العربية تتلقى دعمها من المنظمات الغربية فهذا يؤثر بالتالي على أجنداتها، فلا يقدم الدعم إلا للأهداف الموافقة لقيم الحركة الغربية، ولا تأخذ قضايا المرأة المسلمة أي اعتبار لديهم.

وبنظر يوليانا ميتزيغر(صحفية وخريجة علوم إسلامية) أن الحركة النسوية العربية تعرضت لأزمة بسبب الثورات العربية ومع أنها ترى ذلك فرصة لتجتمع النسوية العربية تحت سقف واحد، إلّا أن الهيثم زعفان يرى خلاف ذلك لأنها فقدت سيطرتها السياسية مع سقوط بعض الأنظمة وبالتحديد مع تلاشي نموذج السيدة الأولى[7].

ويلاحظ بناء على ما سبق تحَوّل النسوية العربية من حركة غير واضحة المعالم والأشخاص والأهداف إلى فوضى حقيقية عبثية، لجأت إلى تشكيل رموز لا ترقى لأن تكون رموزاً، فلم يعد لها إلا مواقع التواصل الاجتماعي والشاشات للظهور، وأصبحن يعتمدن على المناشير العاطفية لحشد الفتيات وتَوجيههن في مجموعات افتراضية نسائية، التي تتميز بأفكار النسوية الخفيّة والتي يَغيب عنها الرقيب والحسيب، وهي البيئة الحاضنة للسموم المتبنية لفكر واحد والمعارضة للمخالف والمُعينَة للفتيات على التمرد.

تأثير العبثية النسوية

بالرغم من هذه الفوضوية، إلا أن احتلال هؤلاء الرموز لوسائل التواصل الاجتماعي والتضارب الكبير بينهم بالأفكار والآراء، كان له تأثير قوي ليوجد تَصوّراً يوحي بنَسونة جميع النساء، وأنّ العقلانية تَغيب عند عامتهم، حتى يعتقد المرء أنه لا توجد امرأة في فضاء العالم الافتراضي تتحدث بحكمة وحيادية عن النساء، ولا تستخدم العويل وإلقاء اللوم على الآخرين وتُجيِّشُ لحرب ضد الرجل، ولكن ببحث أكثر في ذلك الفضاء تتضح الصورة بشكل أفضل، فنجد أيضاً بعض الفتيات الرافضات لفكرالنسوية، ولكن متطلبات الإعلام والظهورعلى وسائل التواصل الاجتماعي المخالفة لأحكام الشريعة من جهة المرأة، وسياساتهم المُقيِّدة، تجعل ظهور الفتيات المُخالفات خَافتاً مُقيّداً بالكتابة أو محدوداً بمجموعات نسائية صغيرة، بالإضافة إلى قلة الدعم المقدم لهن سواء ماديا أو معنويا، والذي لا يضاهي قوة الدعم للطرف المخالف، ونزيد على ماسبق الخوف من الحرب الشعواء التي تقام من النسويات على الناقد لحركتهن.

ومن المؤسف أن ظهور الصورة الواحدة هذه للنساء لعقد من الزمن مع مُخلَّفات أفكار النسوية قبل تَشَتُّتِهم، وضعف أسس العقيدة الإسلامية عند الكثيرات، أثّر تدريجيًّا وبشكل كبير على الفتيات لتظهر الأزمة الحقيقية مؤخراً في فكر كثير منهن، خاصة بعد موت نوال السعداوي، حيث رأينا الازدواجية في أجلى صورها بإظهار الحزن على من رفضت الإيمان بربهم ورب العالمين، وكَثُر منهن من تُهلِّل لكل من يمجد المرأة بصرف النظر عن خلفيَّته الإيمانية ومُراده من خطاباته.

نوال السعداوي

أسلمة النسوية وتفاقم المشكلة

ولا أعني بهذا النسوية الإسلامية أو المُحافِظة كما تسمى والتي تنادي بإيجاد تفسير جديد للقرآن فقط، ولكن للإشارة أيضًا إلى محاولة جذب الفتيات لدفعهنَّ بعيدا عن الأفكار الغربية بالتركيز على بعض الأحاديث والشواهد الإسلامية، التي تتحدث عن المرأة وقصص الصحابيات المجاهدات والعاملات، ويتجاهلن أحاديث وآيات أخرى عن أهمية التربية وطاعة الزوج والأحكام الأخرى، فهذا مما يزيد الفتاة حيرة وشكًّا لأن خِطَابها يدور في فلك النسوية وينطلق من الطريقة الغربية في تفسير الأمور وتحديد الأولويات، ويبقيها في دائرة التمركز حول النفس والتمجيد بالأنثى حتى أَنسَوها أنها أَمَة لله سبحانه وتعالى ستقف أمامه عز وجل يوم الحساب وستحاسب وستُسأل عن كل قول وفعل وتقصير في حق الله والعباد.

وأما التذكير بحكم شرعي منسيٍّ أو مَسكوت عنه يَخصُّ المرأة، وعلى الرغم من إيجابيته، إلا أن الاكتفاء بذكر الحكم مع عدم التفصيل والشرح أو محاولة مقاربته لعقول الفتيات يزيد الأمر تعقيداً، ويُحوّل الحُكم إلى ألعوبة في أيدي النسويات يفسرنها كما يَشأن[8]، وتُعزى المشكلة في الغالب، بعيداً عمن يكون مستقصداً للتضليل والتشويش بذكر الحكم مَنقوصاً، إلى الفجوة الكبيرة بين الأجيال، فعندما كانت البديهيات والمُسلَّمات عند الجيل السابق ليست محل نقاش، فقد مُسحت عند الجيل المعاصر وتَبدَّلت، لذا بات من الأفضل عند التكلم عن الأحكام الشرعية العامة أو المختصة بالمرأة، مراعاة التغيرات الحاصلة والتطرق للبديهيات والشرح والتفصيل والإلمام بكل الجوانب والأسئلة التي من الممكن أن تخطرعلى بال الفتيات والنساء حتى يُسدّ كل ثغر أمام المُفسدين.

نقيضان لا يجتمعان

الباحث في فكر النسوية يوقن تماما أن أبسط مبدأ فيها لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان بشريعة الله، استحالة اجتماع نقيضين متنافرين كالكفر والإيمان، والفتاة المسلمة التي تحمل أفكار النسوية، والكثير منهن غير مدركات لذلك، تعيش بفكرين متناقضين وبصراع حقيقي بين التزامها بأوامر ربها وبين أفكار من المجتمع والمحيط تُفرض عليها، ستصل إلى مرحلة ستنبذ فكراً من أحدهما لتصل للطمأنينة وإما ستنبذ الدين وإما النسوية، وهناك فتيات مؤمنات بالله تأثرن بهذه الأفكار دون معرفتهن بالمشكلة الحقيقية، وبمجرد توضُّح الأمور لهن سيحاولن جاهدات الاقتداء بأوامر ربهن.

مناسبة طريقة الخطاب الديني للمتغيرات

إن حالة التشتت التي تعاني منها النسوية العربية وسهولة إسقاط رموزها مع أول نقاش منطقي عقلاني، وأيضا عدم وجود قبول لهم بين الناس بسبب دعوتهم للفجور والانحلال يجعل مهمة نقدهم وكشف ضعفهم أكثر سهولة، أما النسوية الإسلامية أو المُحافظة التي تشكلت كردّ فعل على النسوية العربية المتقمّصة للغربية، فهي أخطر أثراً وأكثر قبولاً من الفتيات، ولذا لا بد من العودة إلى التأصيل الممنهج في التكلم عن قضايا المرأة وتصحيح المفاهيم ليكون هناك حد فاصل وواضح في تمييز الحق من الباطل[9].

ويتوازى تبيان خللهم وردّ شبهاتهم مع وجود خطاب إسلاميّ موجه للمرأة المسلمة، منطلق من كونها مخلوق خلقه الله وأعطاه نعمة العقل ليَزِن الأمور بنفسه وفرض عليها العبادة والتسليم لأمره، بعيدا عن التعظيم والتمجيد لمجرّد أنها إمرأة وعن مقاربة التفسير والتبيان من الأهواء.

ومن ثم مناسبة طريقة طرح هذا الخطاب للمتغيرات الحاصلة وتقريبه للواقع[10] فعلينا أن نقر بأن نظرة فتيات الجيل المعاصر للأمور ومفاهيمهن قد تغيرت، ولهذا تُقابل كل حركة مضادة للنسوية بهجوم عنيف حتى من الفتيات والنساء المسلمات، وليس ذلك بالضرورة انتصارا للنسوية، ولكن بسبب أثرها المُتجذِّر، فالكثير من الفتيات اليوم لا يقبلن بزواج قبل إنهاء الدراسة الجامعية أو يحددنه بسن معينة، ويَستهجنّ الأمر بطاعة الرجل ويَرين الأمومة عائقا لنجاحهن، فلم يعد الدين هو المعيار والمنطلق.

يجب ألّا تستهين المرأة بدورها في نبذ هذا الفكر وتفنيد الشبهات وتقريب الخطاب للفتيات، والمساهمة في تعزيز مفهوم عدم النظر للواقع بعيون وسائل التواصل الاجتماعي وبأنه ليس المكان الذي يؤخذ منه العلم، وإيجاد حلول لهن من وحي الإسلام ومساعدتهن في تحقيق الطمأنينة في حياتهن والتقرب إلى الله بأي طريقة تجيدها فالمرأة أمٌّ ومعلمة ومربية، فيكون دورها مساعداً مناصراً للرجال الذين لهم الصدارة في هذا الخطاب كونهم الأقدرعلى الظهور، وإن لم يكن الخطاب ذا أثر كبير بين الأجيال المعاصرة فسينقذ فتيات الجيل القادم بإذن الله.


[1] سوزان فينكر – Suzanne Venker. .أثارة

[2] الهيثم زعفان. (2015). ظهور الحركات النسوية في العالم العربي ومشروع تحرير المرأة، التقرير الاستراتيجي الحادي العشر (الصفحات 121-134). مصر: مركز الاستقامة للدراسات الاستراتيجية.

Ameri, د. س. (2019). محاضرة: الغزو الفكري وسبل مواجهته. youtube: رواسخ.

[3] باحثات.مركز باحثات لدراسات المرأة.مقال:الإعلام والأسرة من https://bahethat.com/report/r23465/

[4] د. عبد الله العابد أبو جعفر.(8 9, 2008). المسلسلات المدبلجة..آثار تربوية وثقافية مدمرة. الجزيرة.

[5] أ.أحمد دعدوش. (22 4, 2019). صناعة المرأة الرمز. السبيل. https://www.youtube.com/watch?v=3RtBaZH1jU8

[6] CHAUDHARY, S. (2021, july 23).Idea of Arab Feminisim. the citizen.

[7] المصدر 3.مستقبل الحركة النسوية العربية في ظل ثورات الربيع العربي.

[8] كمثال انتشر: القول بعدم وجود نص يُلزم المرأة بـأعمال المنزل من دون تفصيل وشرح، كان كافيا ليخلق مشاكل عديدة في الأُسر.

[9] بدأت المبادرات الإسلامية الموجهة للمرأة وبوسائط مرئية ومكتوبة ومسموعة وبخطاب تأصيلي متوازن.

[10] سارة سجود طالب.(13 مايو,2020). تأملات في سمات الخطاب النقدي لقضايا “الفيمينزم”. المحاورون.




الحجاب والحياة المعاصرة .. هل يجتمعان؟

تتم أدلجة العقول وتغيير نظرتها للأمور بعبارات بسيطة أحيانًا لا نُلقي لها بالاً، يكفي أن تُردّد بكثرة مع مؤثرات جذابة ليقتنع سامعها أنها حق، إن لم يحاول تحليل ما يقال أوغاب عنه المراد منه.

ثمة شعارات تُرفع حديثاً توجّه للفتيات المسلمات حول الحجاب، ومع ترديدها بكثرة تتحول إلى غطاءٍ لتمرير الشبهات، وتَظهر تلك الشعارات مُنصفة للمسلمة المحجبة ومدافعة عنها، وآخذة على عاتقها تغيير فكرة نمطية أُقحمت عنوة في العقول، بأن المحجبة مُنعت بحجابها من دخول مضمار العمل والنجاح، فتُردُّ تلك الفكرة بظهور المرأة بمظهر محبب لدعاة التحرر، بغطاء على الرأس مع تَخلٍّ بسيط إلى شبه تام عن جملة من أحكام و فروض الإسلام بشكل واضح، وأصبح  شعار حقٍّ مثل “الحجاب لا يمنع المرأة من الحياة” يحمل الباطل في طياته، عندما كان المقصود منه تحرير المرأة نفسها، ليتحول الحجاب لقطعة قماش تغطي الشعر فتكون الفتاة قد أدت بذلك ماعليها ولا مانع بعدها من التهاون في فروض الإسلام الأخرى ولا من فعلها ماتشاء من تَزيُّنٍ وتمثيل و رقص وغناء وعرض للأزياء.

اختزال مفهوم الحجاب بقماش

تلك الشعارات التي تُرفع بلا إدراك لمفهوم الحجاب الحقيقي أو محاولة تجاهله، ومع احتفاء البعض بكل فتاة محجبة بحجاب مخالف للحجاب الشرعي وضوابطه نجحت في تصدّر الأخبار وكأنها انتصرت للمسلمة، ومع صرف النظر عن إن كان نجاحها ممزوجا بشبهة، فإن في ذلك اختزال شديد لمفهوم الحجاب والستر، فكأنه مثل القول بأن الصلاة عبارة عن حركات رياضية للترويح عن النفس، ولكن يضاف لحركاتها الفروض والأحكام؛ الذي يؤثر نقصان واحد منها بصحتها وقبول الله لها من عبده، فالشرط الأول لقبولها هو الإيمان بالله إيماناً لا يخالطه شكٌّ، ومن ثم طهارة البدن والملبس والمكان، والتستر واستحضار النية واستقبال القبلة، وأركان الصلاة وضوابطها من فرض وواجب ومستحب ومكروه وناقض للصلاة.

فالإسلام دين متكامل ومنظومة شاملة من آمن بالله لزمه تصديق واتباع كل ماجاء به الإسلام، ولذا لا يمكن حصر الحجاب بالقماش على الرأس وصرف التركيز عن ضوابطه وشروطه، من سَتر لكامل الجسد بملابس فضفاضة لاتشفّ ولا تَصِفُّ، وعدم إظهار التزين والتعطر، مع الالتزام بأحكام لا تقل أهمية لتحقيق العفة والتحلي بالحياء، مثل عدم الميل بالمشي وخفض الصوت وعدم الخضوع بالقول والالتزام بغض البصر وضوابط الاختلاط بالرجال وبقية الفروض والأحكام.

مفهوم فرض الحجاب

لا يوجد دافع أكبر لتشجيع الفتاة على ارتداء الحجاب والثبات عليه من دافع التسليم لأمر الله الذي آمنت به إيماناً تاماً، فالتزَمَت بما فرضه الله عليها تحقيقاً لعبوديته وخضوعاً لشرعه وقانونه، فما الحجاب إلا فرض فرضه الله سبحانه وتعالى على المرأة واختصها به من دون الرجل، والمقصد من تطبيقه التزام العابد بأمر المعبود الواحد الأحد، وما يأتي من تفسيرات أخرى لمقاصد الحجاب هو من باب الاستحسان والاستئناس ولا ينوب عن المقصد والدافع الرئيسي الذي يجب أن يُزرَع في قلوب الفتيات منذ نعومة أظفارهنّ.

والله خالق النساء والرجال، العالم بأحوال النفس ونقاط ضعف البشر ومايترتب من إطلاق للشرور والمظالم والمفاسد بالاستسلام للأهواء، التي هي من أبواب الشيطان، كما يعلم الواسع علمه كل شيء طبيعة الرجل الفطرية وميل المرأة للتزين وإظهار المحاسن والمفاتن، وبعضهن ممن يتعمدن لفت الأنظار، وما يتبع ذلك من فتنة لها و للرجال، فجاء الحجاب حاجباً لأهواء نفسها وضابطاً لها، وحاجباً لغيرها عن أذيتها، فأحل الله للإنسان التمتع بما يحب ويهوى ضمن شروط وضوابط حتى يأمن ظلم نفسه وغيره ولا تصبح أفعاله كأفعال البهائم بل أفظع، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:59].

كما جاء ليحفظ طهارة القلوب فيقي بذلك من فساد الأفراد والذي يؤدي بدوره إلى تفكك الأسرة والمجتمع، مثلما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53].

هل الحجاب عائق للمرأة؟

إن نظرنا لحكم الحجاب والستر من منظور غربي مادي تحرري عالماني نسوي، الذي يربط العمل والنجاح بأمور معينة ومادية وبدخول سباق العمل مع الرجال ومزاحمتهم، والمسارعة لكسب الأموال وتحقيق الشهرة، ومساواة المرأة بالرجل في كل شيء حتى اضطرت المرأة لتثبت قدراتها بعمل ما يخالف فطرتها، فسنجد الحجاب والحياء والعفة عائقاً بلا شك، وهذا ما ترمي إليه هذه الشعارات التي تدافع عن الحجاب فتحاول أن تثبت صحة فرض الحجاب بنجاح المرأة المسلمة بما يناسب المفهوم الغربي المادي البعيد عن الإسلام فيقعون ويُوقعوا غيرهم بالشبهات.[1]

ولكن إن جعلنا نظرتنا ومقياسنا للأمور منطلقاً من المفهوم الإسلامي للحياة الدنيا والمقصد منها، والمنظور الشرعي للعمل والنجاح، فلن نرى الحجاب الشرعي إلا تكريماً للمرأة ورِفعة لها من شهوة بنظر ضعيفي النفس إلى كيان ذي مشاعر وعقل وحكمة، وحمايةً لها من استغلال جسدها في تحويله إلى سلعة لجلب الأموال، ومحافظة على أنوثتها التي تحاول فتيات الغرب اليوم التخلص منها ليستطعن العمل بسلام بين الرجال، فإما أن تتخلى عن العمل، أو أن تجد نفسها مضطرة للإذعان بأنها عبارة عن جسد ومفاتن، أو أن تلجأ لتتشبه بالرجل فتخفي ضعفها بخشونة الأفعال والكلام وارتداء ملابس الرجال وتصبح أول من تنتقد النساء الأخريات إرضاء لزملاء عملها من الرجال لتثبت لهم أنها أصبحت واحدا منهم[2].

رضى الله أم رضى النفس والعباد؟

لربما أصبحت المجالات التي تحمي المرأة وضعفها البنيويّ وتناسب طبيعتها الأنثوية وتضع ضوابط للاختلاط بين الجنسين قليلةً، مقارنة بالجامعات المختلطة والعمل المختلط وحتى بعض المدراس والدورات، التي أصبح ظاهرها كثرة الفساد بسبب التهاون بالضوابط، وإن كان هذا الظاهر يقنع المرء بأن البدائل قد نفذت للاستعاضة عن دخول أبواب الفتن بما هو آمن على دينه، وخاصة للمحجبة المقيمة في بلاد الغرب، الذي كل ماسنحت له الفرصة يزيد من القيود على الفتاة المسلمة ويضعها في كثير من الأحيان بين خياري العمل أو الحجاب، إلا أنه لا يمكن أن توجد ذريعة للتهاون بالحجاب والستر والأحكام والضوابط الإسلامية، و من يتحرى رضى الله فستقنع نفسه بمجالات الخيرالمتاحة-وإن قَلَّت- والتي تقلل من الاختلاط وتعين المرأة والرجل على الالتزام بالضوابط.

ولأن النفقة على الأسرة والكسب واجب على الرجل، وهذا لا يحدث إلا بالخروج، فلا يمكن القول بأن على الرجل أن يبتعد عن العمل ويفسح المجال للمرأة، ولأن الأصل للمرأة القرار في المنزل وعدم وجوب الإنفاق، فيَسهُل عليها البحث عمّا يختص بالنساء أو ما يكون عدد النساء فيه يفوق الرجال، أو الدراسة والعمل من المنزل، وإن اضطرت للخروج للعمل أو الدراسة وجب عليها الالتزام بالضوابط الشرعية، وتسأل الله الإعانة والهدى والتيسير.

إن الالتزام بالحجاب الشرعي وبالإسلام عامة في ظل الفتن والشبهات الكثيرة ليس بالأمر اليسير، ولذا كان دخول الجنة في حديث رسولنا الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بفعل الإنسان لما يكره ويكابد: (حُجِبتِ النَّارُ بالشَّهواتِ وحُجِبَتِ الجنَّةُ بالمكَارِهِ) [متفق عليه]، فالأولى مجاهدة النفس والتغلب على الشهوات والابتعاد قدر الإمكان عن مواطن الفتن.

وذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز كيف كره المسلمون فرض الله القتال عليهم: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، فأشد مايكره الإنسان أن يوضع في موضع يعلم فيه بأنه إما قاتل أو مقتول، ولكن الله تعالى ذكرهم بأن الأمر انقياد وطاعة لا إرضاء لما تحب النفس وتكره، وهناك خير في الأمر هُم لا يعلمونه ولا يدركونه، وذلك عندما كانت الدنيا هي متاع الغرور ماتلبث أن تفنى، والجنة هي المأوى، وماعند الله خير وأبقى.


مراجع للاستزادة أكثر في فرض الحجاب

  • – لماذا فُرض الحجاب؟ أ. أحمد دعدوش، موقع السبيل:

https://al-sabeel.net/7163-2/

  • – إشراقة يسيرة في حِكَم ومقاصد الحجاب، زياد بن أسامة بن عبد الله خياط، موقع المحاورون:

https://almohaweron.com/wp-content/uploads/2019/03/.pdf

[1]   ليس انتقاصا من النجاح، ولكن للتركيز على عدم ربط قيمة الحجاب وإثبات حجته بفعل المرأة، فإن نجحت رُفع من قيمة الحجاب وإن فشلت بالمفهوم الغربي اُرجع السبب لإعاقة الحجاب لها، كما لا يصح أن يقاس الإسلام وعظمته بفعل الأفراد.

[2]

Catalyst. (2020, february 5). Catalyst. Retrieved from https://www.catalyst.org/research/women-in-male-dominated-industries-and-occupations/#:~:text=%20Women%20working%20in%20male-dominated%20industries%20face%20a,mentoring%20and%20career%20development%20opportunities.%2010%20More%20

Kristin Haltinner, N. L. (2018, February 28). MDPI Open Access Journals. Women in Male-Dominated Domains, 2.1. Women in Engineering. Retrieved from https://www.mdpi.com/2076-0760/7/3/32/htm

 




عندما تتحول التربية إلى تجارة

“درّب طفلك كالكلاب” “train your baby like a dog” هذه البداية المؤلمة كانت عنوانًا مزعجًا لبرنامج عرض منذ سنوات على قناة بريطانية، إلا أن عرضه قد توقف بسبب الانتقادات الشديدة الموجّهة له، وقد أعادت قناة ألمانية رسمية شراءه وبدأت عرضه في عام 2021.

هذا العنوان ليس لجذب المشاهد فقط وإنما يصف محتواه بدقة، حيث تقوم مدربة البرنامج والتي هي مدربة كلاب في الواقع، بتحسين سلوك الأطفال باستخدام طرق تدريب الكلاب معتمدة مبدأ “لوحة مفاتيح” يُضغط عليه من قِبلها بعد كل فعل جيد يقوم به الطفل ثم تتم مكافأته بقطعة من الحلوى، وعندما سئلت عن كفائتها لممارسة هكذا عمل، أجابت بأنها حصلت شهادة في تدريب الكلاب سلوكيًّا، حيث إنها –أي الكلاب- تشبه في دماغها دماغ الطفل الإنسان إلى حد ما، إلى جانب قراءتها العديد من الكتب في التربية وتأليف كتب خاصة بالأطفال.

إن الأغرب من هذا كله هو وجود أهلٍ خاضوا هذه التجربة إلى جانب طبيب مختص بالعلاج النفسي يساعد المدربة من خلف شاشة الكترونية، حيث يُقيّم النتائج بحسب ما يُنقل له، ليُقرّ في النهاية بنجاح هذه الطريقة، في خطوة لا يمكن وصفها بأقل من أنها تخلٍّ عن الأمانة المهنيّة.

تحكّم الشبكات والإعلام

في مثل هكذا وضع علينا أن لا نستغرب من رؤية هكذا برامج على شاشاتنا بعد مدة، فالإعلام الفاسد لا يهمه سوى ملء جيوبه بالأموال، ويبدأ الأمر عند وجود قبول لانتشار آراء وأفكار غير المختصين، وتدخلهم في أمور التربية مع غياب المساءلة والمحاسبة بل مع تمجيد الجمهور والإعلام لهم، حيث يصلون لجمهورهم باعتمادهم أسهل وأسرع طريق هو المنصات والشبكات الالكترونية.

تقوم هذه البرامج في جزء كبير منها على الإيهام، سواء بجمال الصورة والكلام أو بأنهم غيّروا حياة كثير من الناس من خلال مشروعهم التجاري، الذي بدأ بعرض تجربة شخصية في التربية ثم ما لبث أن تحول إلى مشروع رائد، هو الذي أوجد ثورة في عالم التربية وأنقذ الطفل من براثن جهل الوالدين والأسلاف.

يستمدون شرعيتهم كلما خَفَت ضوئهم قليلا عن طريق استقطاب المختصين، الذين تفطّن بعد ذلك بعض منهم لخداع هذه المنصات فتخلى عنها بل وحذر منها، وبعضٌ آخر ممن ساندوها وسَحَرهم بريق الشهرة والمال، أو اندفعوا إليها عن حسن نية، فساهموا في تضليل الناس وكانوا تقريبا كالطبيب السابق ذكره المُصفّق لمدربة الكلاب.

ما مؤهلات مُربّي الفضاء الافتراضي؟

من الأفضل أن نسأل أنفسنا هذا السؤال عند التعرض لكل من يقدم نفسه بأي لقب يخص التربية ويعرض منصة لها، ولا مشكلة في عرض التجارب الشخصية، أو أن يساهم غير المختص بأفكار في التربية من واقع تجربته وخبرته، ولكن أن تبقى الأمور ضمن هذا النطاق لا أن تتحول لمشروع يتكلّم في كل ما يخص الطفل من صحة جسدية ونفسية وسلوكية، بل ويسعى لتنميط حلول معينة لمشاكل الطفل المعقدة التي تحتاج لأطباء متخصصين.

ينطلق هؤلاء المربون الافتراضيون من إطلاق ألقاب على أنفسهم، ثم الترويج لمشاريعهم التي لا تعتمد على خلفية علمية أو دراسية وإنما على ازدياد أعداد المتابعين كما يوضّح لنا هذا الفيديو (أم بنكهة الفاشينيستا) الذي يلخص الكثير مما يمكن أن يقال في حقهم.

سأحاول الحديث عن المفاهيم التي يحاولون تصديرها إلينا والتي تؤدي لخلل في سوية النشء والأطفال، فلا أرى مشاريعهم أقل خطرًا عن أي خطر يهدد الأمة، فأبناء اليوم هم حاضرها ومستقبلها، خاصة عندما بدأت بعض نتائج اتّباعهم أفكارهم وأساليبهم تظهر للعلَن، وبدأت الأمهات يشتكين من التشوه الذي طرأ على شخصية أطفالهم.

نظام مونتيسوري .. صنم جديدٌ في عالم التربية!

ثمة مدارس عديدة في التربية يُسوّق لها، ولكن لنتحدث أولا باختصار عن المبدأ الغالب اعتماده من قبل المنصات التربوية لجذب المشاهدين، إنه النظام الذي أسسته “ماريا مونتيسوري” وبات شهيرًا على مختلف الأصعدة في العالم، فما هو؟

يعتمد نظام ماريا مونتيسوري على الاستقلالية والحرية التامة للطفل في اختيار ما يتعلم بعيدا عن ممارسة الضغوطات التقليدية في التعليم، فالطفل والإنسان بحسب ماريا يخضع لأربع مراحل تطورية تبدأ من شهوره الأولى حتى سن الرابعة والعشرين، فإن تُرك لحريته وفطرته في حب التعلم أن يختار ما يريد فإن أفكاره ستتطور خاصة مع وجود البيئة المناسبة الداعمة له، والتي ستحقق أفضل النتائج في بناء إنسان متميز.

بالرغم من وجود أفكار مميزة في هذا النظام يستحق النظر فيها والاستفادة منها، إلا أنه قد استغِلّ من قبل كثيرين من مروجي البرامج التربوية غير المتخصصين، إلى جانب أنّ هذا النظام نفسه لا يخلو من السلبيات، ونتائج اتباعه لا تختلف كثيرًا عن نتائج اتباع الطريقة التقليدية في التعليم، كما أنه نظام لا يناسب جميع الأطفال، فبعض الأطفال يميلون لاتباع القوانين والقواعد المحددة، علاوة على أن بعض أطفال منهج “مونيتسوري” يجدون صعوبة في الانخراط بالمجتمع والالتزام بجو العمل التقليدي لاعتيادهم على الحرية التامة التي تلقّوها في صفوفهم الدرسيّة.

إلى جانب ذلك فإن مواده التعليمية ورياض الأطفال والمدارس المعنية باتباع هذا المنهج مرتفعة الثمن مقارنة برسوم المدارس التقليدية، وأهم من هذا أنها لا تتطرق لتعزيز الجانب الديني في حياة الطفل البتّة، ومن ثمّ فإنه ليس من الإنصاف وصفه بأنه النظام الأمثل في التربية، والحض على بذل الأموال لتعلّم مبادئه واتباع منهجه، طبعًا هذا إن كان ما يُطبّق حقًّا هو نظام المونتيسوري!

صورة تعبر عن أسلوب مونتيسوري في التربية

دسّ السمّ في العسل!

لنعد لبعض المفاهيم المحيّرة التي تعرضها برامج الفضاء الافتراضي في التربية، مثل: “الحب غير المشروط” و”تقبّل الطفل كما هو”، وهنا يجب التأكيد على أن هذا المفهوم عامّ يحتاج لتفصيل، فإن كان المقصود ألا نشترط الحب للطفل بتحقيقه أمورًا دنيوية، كأن يقال له “أحبك إذا حصّلت أعلى الدرجات الدراسية” وأن نتقبله كما هو بما فيه من ضعف ومرض ونقص لا يد له فيه، فهذا من الصواب، أما ما يرمون إليه من حب الولد وتقبُّله على شتى أحواله وإن ألحد وارتكب الكبائر والمعاصي، وتَركه في ضلاله لأنه حر في اختيار طريقه، فهذا أمر غير ممكن التحقق.

لا يمكن للمرء أن يكره فلذة كبده إلا أنه من الطبيعي أن يكره أفعالهم السيئة، فالولد العاصي أو الكافر أو العاق يجعل والديه من أشقى الناس، وحريٌّ بالوالدين نصح أبنائهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والدعاء لهم بالهداية والصلاح، فإن أصروا على الباطل وجب نهيهم وزجرهم بحسب الفعل وشدته.

لنا في قصص القرآن عبر لا تنتهي، فعندما أصرّ وَلدُ نوح عليه السلام على بقائه مع القوم الكافرين رغم دعوة أبيه له ليرافقهم في رحلة النجاة، إلا أن إصراره قاده إلى أن يبتلعه الطوفان، عندها لجأ الوالد المكلوم لربه فكان سؤالا واعتذارًا يملأه التأدب مع الله والتسليم له، يسوق الله تعالى الموقف في القرآن: }وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ ]هود:45-47[ لقد كان جواب الله تعالى حاسمًا، “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ” والسبب معصيته الواضحة لأبيه وربّه.

هناك معنى مشابه لهذا نلتمسه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) [أخرجه الشيخان[، فرغم أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته كان كبيرا، حتى قال فيها: (إن فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما أذاها).] أخرجه البخاري في صحيحه[ إلا أنه أعلمنا بحديثه أن حب الوالد للولد لا يعني السكوت عن الحق وقبول الخطأ والكفر والعصيان منه بل إن محاولة تصحيح أخطائه ومحاسبته مما يصبّ في مصلحته.

وإذا ما أتينا إلى أهم المبادئ التي ينادي بها مربّو الفضائيات وبرامجها الافتراضية، فإنها تتلخص بفصل الدين عن التربية بحجة صعوبة تعلم الدين والقرآن منذ الصغر، إلا أننا لا نرى منهم موقفًا من تعلم اللغات والجغرافيا والعلوم المختلفة في سنوات الطفل الأولى، بل إن هذا –بحسب تسويغاتهم- مما ينمي مداركه، وهذا لسان حالهم: دع طفلك يستمتع بطفولته وسيتعلم الصلاة عندما يكبر، ودع الفتاة ترتدي ما تشاء من الملابس الكاشفة بعمر صغير وستقرر مستقبلاً -إن أرادت- ارتداء الحجاب، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ولكن هل يعقل أن يأتي الطفل من نفسه عندما يكبر ويبدأ بالصلاة؟ فالإنسان بطبعه يعتاد ما ألفه وتربّى عليه في الصغر، ومن الصعب تغييره عند الكبر إلا أن يشاء الله، ولن يلتزم بأوامر ربه من نفسه إلا إن تشرب حب الله وعرفه منذ نعومة أظفاره وألف سماع القرآن والحشمة والآداب الإسلامية واعتاد عليها حتى أصبحت من طبعه.

إلى جانب هذا المبدأ فإنهم ينادون بمنح الأولاد الحرية المطلقة بمعناها الفاسد، فتشمل حرية الدين والمعتقد والملبس والتصرف في الجسد، وقول: إن أبناءنا أحرار فهذا يعني أن لهم أن يختاروا من أمور الدنيا ما يريدون مالم يتعارض مع الدين، وليس لنا إجبارهم على ما لا يطيقون، إلا أن الحريات الأخرى يَخُطُّ ملامحها الدين، فتشمل العبودية لله وحده واتباع شريعته، وأما الجسد والروح ملك له تعالى ماهي إلا أمانة لدينا فحرّم الله قتل النفس، والجسد جعل الله له حقًّا بحفظه وستره ولو كان لنا حرية التصرف فيهما لكانت هذه الأفعال مباحة، وهذا واجب الأهل بتبليغ أبنائهم رسالة ربهم ثم الهدى يكون من الله، وليس إعطاء الحرية المطلقة من دون تبليغ وتعريف بعظمة خالقهم وجلاله تعريفا كاملاً.

لا تنتظر مقابلًا من أطفالك

هذا مبدأ آخر من أهم المبادئ التي يغرسونها في عقول الأطفال والمشاهدين، ما عليك إلا أن تقوم –أيها الأبوين- بواجبكم تجاه الأولاد، ثم دعوهم لحياتهم الخاصة!.

هل من الصواب أن نعلم الطفل ألا يهتم بوالديه، وأن يهتم بنفسه فقط؟ وهل يوجد مقابل سيكفي حق الوالدين مع ما لاقوه من مشقة في التربية؟ وأين حقهم من أبنائهم الذي شرعه الله لهم؟ ألم يذكر الله فضل الوالدين في القرآن وفي أكثر من موضع وكرمهم ونبيه بأحاديثه حتى كان فضل البقاء معهما أولى من الجهاد:}فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{ ]الإسراء:23،24[.

إن طاعة الوالدين واجبة فيما لا معصية فيه للخالق، وعلى الأولاد بِرّهم، بل إن عقوقهم من أكبر الكبائر، ويجب عليهم مساعدة والديهم بالخدمة والمال إن لم يكونوا قادرين على هذا بأنفسهم، أو أن يستأجروا من يقوم على خدمتهم، والولد الصالح كالصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها بعد الموت.

إن كل تلك المفاهيم توصلنا للمفهوم الأخير وهو “تنميط التربية”، فنرى التركيز الغالب على قشور التربية، لكن مبادئها الحقيقية تغيب، وهي التي تركز على بناء إنسان صالح قوي وسوي لا ينصب تركيزه على نفسه فقط، وبعيدًا عن الضعف والهشاشة النفسية أمام كل عارض يطرأ عليه، بل يعلم أنه جزء من منظومة ومجتمع فيه اختلافات كثيرة له ما له وعليه ما عليه.

هذه التربية المهمّة مغيبة عن برامج التلفاز والفضاء الافتراضي، تلك التربية التي لا تحتاج إلى أموال وقصور وطعام باهظ، التي جعلت من خرج من رحم المعاناة والحروب بطلًا، ومن مريض الجسد عبقريًّا ملهِمًا مبدِعًا، وكم من معلم ومربٍ كان تأثيره بالأجيال من خلال كلامه وعلمه فقط.

إنّ من أخطر المصائب أن تتحول التربية إلى تجارة تتغير مبادئها بحسب السوق وما يطلبه الجمهور، فيُهتم ببيعها وتسويقها لجمال صورتها وكلماتها كما هو الحال مع البضاعة، إما من أجل الشهرة والإعجابات، أو من أجل المال بعيدًا عن محتواها التي تُفرغ منه، فالأولى النظر لهذه المشاريع بعين ناقدة ممحّصة ومحلّلة، وأن نتبع التحليل والنقد بالإصرار على تربية أبنائنا بما يجعلهم مليئين بالعلم والإيمان والأخلاق من الداخل والخارج، ولتكن أفضل مدرسة تربوية نتبعها تلك التي يكون أساسها شريعة ربنا وهدي نبيه.


مصادر للاستزادة:

<a href=”https://www.freepik.com/vectors/background”>Background vector created by vectorpouch – www.freepik.com</a>




ثم لم يرتابوا

يعيش عدد لا يستهان به من المسلمين في حالة من الشك بدينهم ورَيبٍ من صحة بعض التشريعات والأحكام والفرائض الإسلامية، فتراهم يتأثرون بكل شبهة تعرَض عليهم يقفون أمامها حائرين لايعرفون كيفية الخلاص منها، في زمن كثرت فيه الشبهات والفِتَن، والتي أصبحت تحيط بنا وتصل حتى عقر دارنا.

يكفي أن نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أو ندير التلفاز لبضع دقائق، حتى نرى الشبهات تنهال علينا كالسيل فتغرقنا، إلى جانب المحاولات المستمرة لتشويه صورة الإسلام؛ إذ لم يتوانَ أعداء الإسلام يومًا عن وصم المسلم بصفات مقيتة هو بريء منها، فأساءت للمسلم المعتز بدينه، وأثرت في جموعٍ ممن لم يتشبّع بتعاليم الإسلام حتى بات مائلًا للغرب وانفتاحهم بكل ما فيه من فسادٍ، واتباعه لأفكارهم من دون نبذ السيّئ المخالف لشريعة الإسلام منها.

لا يمكن إنكار أن كثيرًا من المفاهيم الإسلامية قد مُيّعت لعوامل عديدة، وبات الشغل الشاغل لبعض الدعاة والمفكرين إيجاد دينٍ عالمانيٍّ تنويريٍ منفتحٍ ليُعجَب الجميع به!، ولا عجب في ذلك، فهذا زمن يعيش فيه المسلم المؤمن غريبًا، ولعلّه الزمن الذي حذر منه رسولنا الصادق الأمين، حين قال صلى الله عليه وسلم: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر) ]أخرجه أحمد في المسند، وقريب منه رواية أخرى في صحيح مسلم[ وبِتنا نرى من يبدل دينه بين ليلة وضحاها بعرض من الدنيا لشُهرة أو مال أو كِبر، فيصبح مسلماً ثم يمسي متلفّظاً بأقوال الكفر.

إن أسباب الشكوك وتمييع الدين الموصلة لبعض المسلمين إلى الإلحاد كثيرة لا يسعنا ذكرها كلها، ولكن الانفتاح الكبيرعلى المفاسد والشبهات من دون حصن منيع وقلب متيقن مؤمن بخالقه وبشريعته أتم الإيمان وعالم بعظمته وصفاته يجعل من السهل التأثربالشكوك والشبهات.

الشكوك والوساوس في الدين

الشك مرض من أمراض القلوب، فهو كالظلام الذي يغشى نور القلب شيئًا فشيئًا، فيشلّ كل ما في الجسد عن رؤية الحقيقة الساطعة ويمنع المسلم من التلذّذ بحلاوة الإيمان، ويُبقي المرء حائراً بين أمرين لايجزم بصحة واحد منهما.

الشكّ خلاف الوسوسة، فالوساوس تأتي على قلب وعلم متيقن يستطيع المرء طردها والتعوذ منها، وذلك كما يقول الإمام النووي رحمه الله في الأذكار: “الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفوٌّ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيار له في وقوعه ولا طريق له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ) [متفقٌ عليه]”.

من الممكن أن يخرِج الشكُّ الإنسان من الملّة فهو التذبذب وعدم الثبات والاطمئنان، إلا أننا يجب أن نؤكد أن التردد في كون الإسلام هو الحق أو بوجود الله وعدم الجزم بذلك، ناقض من نواقض الإيمان، وعلامة من علامات أهل النفاق الذين وصفهم الله بقوله: }مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً{ ]النساء: 143[

وما الشكّ إلا من الشيطان الذي لاينفك عن إغواء ابن آدم ليضلّه، إن استسلم له المرء عمى بصره وقَسا قلبه حتى لا يتأثر بكلام الله، وعليه يجب أن يختار الإنسان طريقًا من اثنين، فلا يمكن للإنسان أن يعيش بمرض الشك طوال عمره.

استحالة البقاء عند مفترق الطرق

الشك سلاح ذو حدين، إما أن يوصل إلى الهلاك باتباع طريق الشيطان، وقد ينتهي هذا الطريق في بعض الأحيان إلى الإلحاد، وهذا شأن الشك المذموم، يقول الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر] {النور:21].

وإما أن يوصل إلى طريق الحق واليقين، وهذا شأن الشك المحمود، ولا يُقصد بالمحمود أنه يجب على المرء أن يشك ليُبصر؛ إذ إن الشك يبقى مرضاً منهكاً للنفس، ولكن يقصَد به بأن تكون نهايته موصلةً للطمأنينة بالإسلام وتحقيق اليقين به.

فالمطلوب للإبصار الصحيح بدلًا من الوصول للعمى، البحثُ عن الحقيقة في مكانها الصحيح، فالبحث عنها بين المضلِّين لايوصل إلا إلى ضلال، وعندما يبحث الإنسان عن أجوبة لأسئلة ما، يذهب إلى أهل الاختصاص، وهكذا يجب على الشاكّ إن يذهب بأسئلته إلى أهل العلم ويبحث في كلام الله، وعليه أن لا يستسلم للشكوك ويترك تفسيراتها للعقل والرأي والهوى، فما الاستسلام لها  اب الميزان لما نراه من بل يجب التفقه لب متيقن مؤمن بخالقه وبشريعته حا ليعجب الجميع موع من المسلمين  ولا يمكإلا زيادة في الجهل وقلة في العلم بدين الله، فلا توجد شبهة  إلا ولها جواب داحضٌ من الكتاب والسنة وأقوال وردود العلماء، وذاك مصداقٌ لقوله تعالى: }ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{{البقرة:2}.

كيف أبعِدُ الشك؟

الشكُّ ابتلاء من الله سبحانه ليَميز به الخبيث من الطيّب، وهو يحتاج للصبر والثبات والتوقف عن الخوض بهذه الأفكار واللجوء لله سبحانه وتعالى بالدعاء والاستغفار، وإن كان الشاكّ خجِلًا من الله مما يفكر فيه، فإنّ الله قريب مجيب الدعاء قابلٌ لمن يلجأ إليه تائبًا باحثًا عن الحق، وهذا مما لا شك فيه، وإن بقيت تَحيك في الصدر الشبهات ولم يُتخلَّص منها، فسؤال أهل الذكر وطلب المساعدة من أهل الحكمة جزءٌ من عين الصواب.

كلما كان الإنسان للشيء أحوج، سهَّل الله طريقه إليه، وكلما كان الإنسان للحق أحوج، دعا الله فيّسر له الطريق، فيعينه الله في رحلة البحث عن الحقيقة والوصول لليقين، فيجب على الإنسان أن يجتهد في البحث عن الحقيقة ولايخضع لخطابات المشككين.

إن كثرة التعرض للشبهات والمعاصي والذنوب ومصاحبة رفاق السوء تقسِّي القلب وتفسد الفطرة السليمة وتعطل قدرة العقل على استيعاب الحقيقة وفهمها، فلا بدّ من المحاولة المستمرّة لإغلاق أبواب الشك والشبهات والمشتتات أولا، ثمّ اللجوء للعلم في محاربة الجهل وعدم المعرفة التي تبقي الإنسان في حيرة وتشكيك، فهو أفضل طريق للإنابة إلى الرحمن الرحيم بقلب سليم.

بناء اليقين

وهذا مايسعى إليه المسلم وحتى إن لم يكن شاكّا، فالوصول لليقين بالله يقي الإنسان من الانحراف عن الحق عند التعرض للكوارث والمصائب والشبهات حتى لو لم يجد جواباً لكل سؤال، ويبقي القلب مطمئناً متشرباً حب الله ورسوله، ومسلّماً تسليماً تاماً لشريعته وأوامره، فيكون من أولئك الموقنين، الذين امتدحهم الله تعالى في كتابه، فقال سبحانه: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا{ ] الحجرات:15[.

قال القرطبي في تفسيره عن قوله ( ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ): “أي لم يدخل قلوبهم شيء من الريب، ولا خالطهم شكّ من الشكوك”، وقال السعدي في تفسير الآية: “وشرَط تعالى في الإيمان عدم الريب، وهو الشك؛ لأن الإيمان النافع هو الجزم اليقيني، بما أمر الله بالإيمان به، الذي لا يعتريه شك، بوجه من الوجوه”.

نسأل الله أن يثبتنا على دينه و يجعلنا من أهل اليقين الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمنزلة الرفيعة في الآخرة؛ حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لاَ يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) ]صحيح مسلم[..


مراجع للإفادة:

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في دينه ؟

كيفية الثبات في زمن الفتن

فتن آخر الزمان والثبات على الحق

الشكوك النفسية المعاصرة ومعالجتها عند الشباب للأستاذ. أحمد السيد

https://www.youtube.com/watch?v=MPhRDy0BBu8

‫اليقين بالله l الدكتور محمد راتب النابلسي

https://www.youtube.com/watch?v=gj7XtqNrIDw

وننصح الإخوة الذين تساورهم بعض الشبهات، ويبحثون عن طريق لمواجهة ما يلقى إليهم من شكوك، أن يتوكلوا على الله ويقصدوا توفيقه لردّ ذلك كله، فبفضل من الله يوجد برامج كثيرة وكتب وفيرة، والعشرات من المواقع التي تعين المسلم على التخلص من الشكوك، وتؤمن له زادًا يصحبه في رحلة الوصول لليقين نذكر بعضا منها:

مقالات موقع السبيل وقناة الموقع على اليوتيوب

https://al-sabeel.net/

موقع المحاورون لرد الشبهات

https://almohaweron.com/

https://islamqa.info/ar

https://www.islamweb.net/ar/

كما يوجد برامج لتعزيز اليقين والعلم الشرعي مثل أكاديمية زاد للعلوم الشرعية، وبرنامج صناعة المحاور

https://www.zad-academy.com/

https://almohawer.org/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




النسوية بين الحقوق والقوانين والواقع

كان لانطلاق فكرة (النسوية) لتخليص المرأة من الاستعباد المجحف كبيعها واستغلالها بعضٌ من الحق في بادئ الأمر، ولكن كأي أفكار وحريات لا تحدّها حدود لا بُدّ أن يشوبها التطرف والغموض، فكان طلب النسويات في الموجة الأولى للمساواة في حق التصويت مغلفًا بطابع من العنصرية، حيث احتجت النسوية إليزابيث ستانتون على إعطاء حق التصويت للرجل الأسود قبل أن يعطى للمرأة بيضاء البشرة، وأعلنت ريبيكا فيلتون إحدى المؤسسات ذلك صراحة عندما قالت: “لايمكنني تحمل رؤية رجل أسود يصوت لحقوقي”.

الجانب المظلم من النسوية

كان ما تقدّم عبارة عن موجة أولى من النسوية المتلفّحة بالعنصرية ضد عرق بعينه، أما الموجة الثانية فقد ركزت على أن تشمل النساء من الأعراق الأخرى والديانات المختلفة وقد حاولت استبعاد الأمهات من نطاقها، حيث اعتبرت سيمون دو بوفوار إحدى أبرز المفكرات النسويات الأكثر تأثيراً في عصرها، أنّ المرأة التي تنجب طفلاً مضطهدةٌ لنفسها.

لعل أكثر ما ميّز الموجتين الثانية والثالثة (التي كانت حركة فردية مُركزة على حقوق المتحولات جنسياً)، هو محاولة تفسير اختلاف الأنثى بطريقة عشوائية، فأقرت سيمون دوبوفوار في كتابها بوجود الاختلافات بين الجنسين الفيزيولوجية والعاطفية والبيولوجية، ولكنها ادعت أنه ليس سببًا كافيًا لتعامَل المرأة بشكل مختلف، وقد كانت منطلقةً من اعتقادها بأن المرأة يمكن أن تختار جنسها بعد مولدها، وبسبب ضعف هذا المفهوم حاولت نسويات الموجة الثالثة تعزيزه بافتراض أن المجتمع هو من يجعل المرأة امرأة، وذلك بوضعها في قالب معين، مما جعل المؤسِسة مونيك ويتتينغ تقول أن المرأة ستعيش باستقلالية إذا كانت كالرجل.

سيمون دو بوفوار من رواد النسوية

سيمون دو بوفوار

ومنذ تلك اللحظات بدأ فكر النسوية بالانحراف عن مساره أكثر وأكثر وهاجمت النسويات بعضهن بعضًا لعدم المنطقية في كثير من أفكارهن، مما دفع فيرجينا وولف (كاتبة انكليزية، معاصرة ومفكرة نسوية) لتقول: “لماذا لا يجب أن نصبح نسويات؟ النسوية مطلوبة عندما لا تستطيع المرأة أن تصنع حياة لنفسها، أما الآن مع وجود الحقوق لم يعد لكلمة النسوية أيّ معنى”

وعلى الصعيد العربي يظهر تناقض هدى الشعراوي رائدة الحركة النسوية عندما كانت أشد المحاربين لزواج ابنها من المطربة فاطمة بسبب الفروقات الاجتماعية واستخدمت نفوذها لتهديدها ومحاولة التأثير سلبا على قضية إثبات نسب حفيدتها لعائلة الشعراوي.

الموجة الرابعة ومشكلة في القياس

   من صحيفة Prospect

كتبت شيريل ساندبيرغ المديرة التنفيذية لشركة فيسبوك في كتابها الأكثر مبيعاً Lean In: “اعتقدت بالمجمل أن النساء في قرون الستينات والسبعينات قد قاموا بالعمل الأصعب في تحقيق حقوق المرأة لنساء جيلي، اعتقدنا أنا وصديقاتي فعلا بل ربما بسذاجة أننا لم نعد نحتاج لحركات النسوية بعد الآن”.

ما زال النقاش في قضايا المرأة مستمراً وقد اضطرت المرأة في القرن الواحد والعشرين من تحويل التركيز على تحقيق المساواة القانونية إلى موجة من محاربة التمييز ضد النساء وتحقيق المساواة المجتمعية، والذي يعد أمراً صعباً، فمع 40 سنة من النضال مازالت المرأة في كثير من الدول الغربية لا تحصّل نفس الأجر ولا حتى نفس فرص العمل التي يحصلها الرجال، وليست هذه المشكلة فقط، فثلث النساء الأوروبيات ما زلن يتعرّضن للعنف المنزلي والجنسي، فضلا عن الضغط الساحق الممارَس على المرأة للالتزام بمعايير الجمال التي تحددها الشركات والإعلام والتي كتبت عنها ناتاشا وولتر “أن كثيرًا من الفتيات والنساء الصغيرات من الجيل الجديد يرين أن المساواة في القوانين لم تترجم إلى مساواة على أرض الواقع”

تعتقد غالبية النساء أن النسوية كانت لفئة معينة كما كتبت ميكي كندال في التايمز: “النسويات ركزن على المشاركة في المناصب وتجاهلن المشاكل الحقيقية لغالبية النساء”، وقد ذكر مارك مانسون مؤلف وصاحب الكتب الأكثر مبيعا في نيويورك تايمز: “كان لانطلاق الحركة النسوية معنىً، والمساواة لايجب أن تكون محل نقاش للجميع، أما النسوية كجمعية أصبحت مؤسسة رجعيّة في كثير من الحالات”، وأكمل في مقاله: “في الموجة الرابعة أصبحت الأمور أكثر تعقيداً، فطلب المساواة في القوانين والعمل كان منطقياً أما المساواة المجتمعية في الأفكار والمعتقدات فإنه أمر معقد وصعب، فهناك مشكلة في القياس لدى فكر النسويات، ولنضرب مثلاً إذا قامت شركة بطرد ثلاث موظفين اثنتان منهم من النساء، فكيف سيحددون السبب فهناك الكثير من الأسباب وكيف سيعرفون ما فكّر به صاحب العمل هل سيعتبرونها مساواة أم عنصرية جندرية؟ يجب الآن على المرأة التوقف عن إطلاق الحملات هنا وهناك والاحتجاج على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا أردت فرصا للنساء أكثر في العمل أسسي عملا لك وللنساء”

لنذكر في هذا الإطار دراسة قامت بها جامعة أوهايو لمحاولة فهم عدم وجود كثير من النساء في مواد STEM (العلوم والهندسة والرياضيات) حيث سُئِل ما يقارب 2.700 طالب وطالبة، على أي أساس يختارون المهن، فكان جواب معظم الرجال أنهم يختارون المهن ذات الرواتب العالية، أما النساء فتميل لما يناسبهن أكثر مع تفضيل مساعدة الآخرين، وللمفارقة أيضا فهناك وظائف يكاد وجود الرجال فيها معدوما، فمهما حاولوا التغيير فإنه لا يمكن أن يغيروا الطبيعة التي خلقت وجبلت عليها النساء والرجال.

المنسيون والفئات المهمّشة

ذاك الصوت الضعيف الذي يبحث عن مكانه في قافلة الأصوات المرتفعة والنقاشات المتضاربة، فأعداد المتعرضين للعنف من الشريك مازالت في ارتفاع لتشير إحصائيات في الولايات المتحدة عن تعرض 10 ملايين شخص من الرجال والنساء خلال سنة للاعتداء الجسدي من قبل الشريك، أما أوروبا فقد سجلت أعلى الأرقام لتصل في انكلترا إلى 280 امرأة معنفة مقابل 22 رجل معنف لكل 100 ألف من السكان، و وصلت الأعداد الذروة خلال جائحة كورونا في أغلب دول العالم لتكون النسبة الأكبر من النساء والأطفال، فباتت ملاجئ النساء في ألمانيا مثلا تشتكي من عدم وجود أماكن تكفي للأعداد المتزايدة.

أما الفتيات اليافعات -الذي ضجّ العالم مستنكراً زواجهنّ ليُسنّ قوانين مختلفة لمنع الزواج قبل سن الثامنة عشر في دول عدة- هن أنفسهن الفتيات اللاتي يستخدمن موانع الحمل بنسبة 83% بين عمر15 و19 في الولايات المتحدة مثلًا، وهنّ الفتيات اللواتي اضطررن للعمل بالبغاء –إذ إنّ قوانين الدول الأوروبية التي تسمح بممارسة هذه المهنة- فلوبيّاتها والمُتربّحون منها يجدون في هؤلاء الفتيات والنساء الضعاف والفقيرات صيداً ثميناً، وكانت الأسباب أحياناً أنها مجرد انسياق مع (موضة) منتشرة، مثلما نقلت 24France بالإنكليزية عندما قامت الشرطة الفرنسية بتفكيك شبكة دعارة أغلبها من اليافعات، وذُكر أنه بين 6000 إلى 10000مراهقة تمارس هذا العمل في أنحاء البلاد.

ومشكلة العائلة أحادية المعيل وبالأخص الأم المعيلة التي لم يستطيعوا حلّها إلى الآن ومنها دول غنية مثل الولايات المتحدة وألمانيا، فهم فئة مهددة بالفقر ومنهم من هم تحت خط الفقر بحسب الدراسات، والأسباب تعود غالبا لقلة فرص العمل وعدم المساواة في الأجور ويزداد الأمر صعوبة إذا كانت من النساء غامقات البشرة أو ممن ترتدي الحجاب، فضلا عن حق الرعاية للأم لمدة معينة، وفي محاولة منهم لصنع التوازن بدأ فرض قانون يشمل حق الرعاية للأب حتى تحصل المرأة على فرص أكثر في العمل، إلا أنه لم يتغير الكثير.

يُنسى، يُباع، يُؤجّل، الأطفال المُتخلًّى عنهم والظلال الأخرى للحرية

هذا هو عنوان بحث لجامعة بوخوم شرح مساوئ الحرية على الأطفال، وتحدث تقرير لقناة SPIEGEL عن فاجعة تخلّي الأهل وأكثرهم من الأمهات المعيلات لوحدهن عن أطفالهم بعد انهيار جدار برلين، فقد تم التخلّي تقديريا عن عشرات آلاف الأطفال وأكثر، والمؤسف أن أكثر الأسباب كانت للبحث عن الحرية والحظ في مكان آخر كما ذُكر، ولا يوجد أرقام محددة عن عدد الأطفال المُتخلّى عنهم child abandonment في العالم، إلا أن دراسة أجريت في جامعة نونتغهام لاحظت أن الأغلبية منهم في أوروبا الوسطى والشرقية.

أما بيع الأطفال، فهي أفظع الجرائم، والحديث هنا ليس عن بيعهم من قبل مافيات في السوق السوداء المنتشرة في الصين، بل عن بيعهم من قبل أهلهم، فهذه ظاهرة متصاعدة في دول مثل بلجيكا وبلغاريا، حيث تقوم الأم ببيع طفلها وهو ما يزال جنينا في رحمها حتى تلد فتعطيه للعائلة الجديدة إما لعدم الرغبة به وإما بسبب الفقر.

وما هذا الذي ذُكر إلا غيض من فيض، فمن ينظر لواقعهم عن قرب يجد مشكلات مجتمعية واجتماعية شتى والتضارب في معالجتها.

ماذا فعلت القوانين الوضعية؟

ربما حقّقت بعض القوانين بعضاً من المساواة إلا أن بعضها زاد الأمر سوءاً، فالقوانين ضرورية ورادعة والرقابة مهمة، وهذا ما يدفع كثيرا من الدول لمحاولة تغطية أكبر مساحة ممكنة بالكاميرات ولكن ماذا إن اختفى كل هذا؟ ولم يكن هناك رادع أخلاقي واستشعار لرقابة الله، أو كانت حرية الإنسان بلا نهاية؟

سنجد الجواب فيما يحدث في الولايات المتحدة وبعض الدول، فمع كل انقطاع للتيار الكهربائي ترتفع معدلات الجريمة أثناء انقطاعه بشكل ملحوظ، فلا يمكن التخلص من الجريمة بشكل كامل إلا إن كان للإنسان رادعٌ من نفسه.

وهناك أمراض تنتشر بسبب الفقر والجهل، وعلى المثل من ذلك هناك أمراض أخرى منشأها الحضارة والتمدن والغنى، إلا أنها تبقى أمراضًا يكون حلها الأمثل بالوقاية منها! وهل من الممكن أن يوجد أعظم من الوقاية والدواء الذي كرمنا الله بإعطائه إيانا؟

فلا يمكن لقانون أن يضاهي قوانينه سبحانه لأنه أعلم بخلقه، فقوانين البشر مقتصرة على عقلهم المحدود وقصر نظرتهم وشموليتها، ينتظرون نتائج قوانينهم، ثم يتدارسون قوانين جديدة، ولكن بعد ضياع كثير من الحقوق.

وهل يجتمع قانون أصله باطل بقانون أصله حق؟ فلا يمكن أن تُشاب قوانين الله بقوانين البشر فإن اختلط الحق بالباطل أصبح باطلاً، ولا يُستمدّ هذا من ذاك، فإما اتباع لقوانين البشر التي أصلها في كثير من الأحيان باطل ولا يمكن إلا أن يظلم بها كثير من الناس، أو التطبيق التام لقوانين الله وشريعته، الذي لا يُظلم بها أحد، مع الإقرار الكامل بأنه أعطى كل ذي حقٍّ حقوقه من المرأة والرجل والأسرة والمجتمع، فكان المنظومة الأفضل من العدل والمساواة والحكمة والرقابة، وهنا يجب علينا أن نفرق بين الأعراف والتقاليد وقوانين البشر وبين دين الله وقوانينه التي حاشى له سبحانه أن يظلم بها أحدًا، يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب:36].

وصدق الله القائل:} وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً] {الإسراء:81]، فالباطل يزهق لا لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، بل لأن دعائمه تضعف، وتتخلخل عوامله أمام الحق، فما يكون منه إلا أن يتهاوى وينهار.

أما الحق فإنه يستمد عناصر وجوده من ذاته، وقد تقف ضده الأهواء وتقف الظروف، ولكن ثباته واطمئنانه يجعلان العقبى له ويكفلان له البقاء، فهو الحق من عند الله، وكفل له البقاء ما بقي البشر في الأرض }ومن أوفى بعهده من الله]{التوبة:111 [


المراجع

Everything-about-fourth-wave-feminism-prospect

HIDDEN-DARK-SIDE-OF “FEMINISM”

What’s-the-Problem-with-Feminism?-mark-manson

Why-women-select-college-majors-with-lower-earnings-potential-ohaio

ضحايا-العنف-في-دول-الأوروبية.

احصائيات-ضحايا-العنف-من-الشريك-أمريكا.

ضحايا-العنف-خلال-جائحة-كورونا

أعداد-النساء-المستخدمة-لموانع-الحمل.

نسبة-النساء-المعيلات-لوحدهن-الفقيرات-وأغلبهن-من-الأمهات-العاذبات

Single-mothers-much-more-likely-to-live-in-poverty

البغاء-للفتيات-في-المراهقة

الحجاب-والعمل-في-الولايات-المتحدة

Child-abandonment -University-of-Nottingham

Child-abandonment -University-of-Bochum

الأطفال-المتخلى-عنهم-بعد-انهيار-جدار-برلين

sociology-of-electrical-power-failure

 New-York-power-outage

Roma-mothers-sell-newborn-babies

Parents-sell-babies-on-the-Internet

بين-الحق-والباطل-صحيفة-البيان..

Poverty-rate-of-Black-single-mothers .

من-خالفك-في-المرجعية-فقد-خالفك-في-الدين-(الليبرالية،النِسوية…-د.سامي-عامري

هدى-شعراوي-رائدة-الحركة النسوية-تعارض-زواج-ابنها-وترفض-نسب-حفيدتها

بدون-حماية-كيف-تخلت-ألمانيا-عن-النساء-المعنفات

ميكي-كندال-التايم