قراءة في كتاب “لماذا الدين ضرورة حتمية؟”

تمحورت كثير من كتابات د. هيوستن سميث اللاهوتي الأمريكي وأستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية، حول الأزمة الروحية الحاضرة لإنسان عصر الحداثة وما بعدها، وقدم في كتب متعددة دراسات نقدية وفلسفية واجتماعية وتاريخية تشرح ملامح تلك الأزمة وما أنتجته من تصور مادي للعالم يقلص وجود الإنسان ويحرمه من كل أبعاده الروحية، وما يتبع ذلك من اختناق روحي وفقدان للأمل وسيطرة للمادية والفردية والاستهلاكية والأنظمة القانونية المتنكرة للقيم الدينية والسياسات الحكومية المجردة من المبادئ الأخلاقية مشبهاً ذلك بنفق مظلم حبس فيه إنسان الحداثة الفاقد للإيمان.

نقصد في المراجعة الآتية التعرض لأحد أهم كتبه، “لماذا الدين ضرورة حتمية”[1]، باحثين عن أهم الأفكار التي نطقت بها كتاباته المدافعة عن الدين في وجه انبعاثات الإلحاد وامتداداته.

من هو د. هيوستن سميث؟
هو أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب مؤلّف “أديان العالم” أحد أكثر الكتب مبيعا ورواجا في الولايات المتحدة وعدة دول أخرى، وقد دافع في كتاباته ومحاضراته عن ضرورة وجود الدّين في حياة البشرية مؤكّدًا أنه الطريق الحتمي لمواجهة طغيان المادة وانحطاط الأخلاق، وركّز على في كتابه هذا على “بيان روح وحكمة أديان العالم وفلسفتها وجوهرها المشترك، ومخاطر عصر العلم والحداثة في ابتعاده عن الإيمان وخوائه الروحي الذي أغرق الغرب في نفق المادية المظلم وسجن الفردانية والأنانية التعيس.” كما يُلخّص ذلك مترجم الكتاب.

هيوستن سميث كاتب كتاب "لماذا الدين ضرورة حتمية؟"

هيوستن سميث

أعرب المؤلّف عن رفضه الشديد لفكرة انحصار النجاة بالديانة المسيحية التي تتردّد كثيرا في أوساط البروتستانتية، معتبرا إيّاها جهلا ذريعا بحقيقة ما يتضمنه معنى الدين الحقيقي من عُمق روحيّ أصيل، فقد أكسبت دراسة الكاتب للأديان الوضعية والسماوية آفاقًا متعددة في فهم دور الدين وضرورته في مواجهة التيارات المادية في الحضارة المعاصرة

أهمّ أفكار الكتاب:
ينطلق الكتاب من مقولة عالم الأحياء البريطاني “جوليان هوكسلي”[2] حوالي منتصف القرن الماضي أنّه عما: “قريب سيصبح من المستحيل لأي رجل أو امرأة ذكيّ ومتعلّم أن يعتقد بوجود الله كما هو من المستحيل اليوم الاعتقاد بأنّ الأرض مسطّحة” ومن ثمّ يبدأ بتفكيك هذه المقولة، ويؤكّد في سياقاته المختلفة قضية “لماذا الدين ضرورة حتمية؟”.

يشير الكاتب إلى أن الفكر المادي لا يتجاوز النظر فيما هو مادي محسوس إلى ما هو معنوي مُجرّد، وأنه يشبه إلى حدّ بعيد قدرات العقل في مراحل الإنسان الأولى حيث يسهل عليه استيعاب المفاهيم المادية ويصعب عليه إدراك المجرّد والمعنوي، إضافة إلى أن مقولة “جوليان” تتضمن الأفكار الثلاثة التي تقلقه –حسب تحليل مؤلّف الكتاب- وهي: نقد النظرية الداروينية، والاستدلال على أنّ الكون تمّ تصميمه بدقة عظيمة غير متناهية، والقبول بإمكانية أن يتدخّل الله في التاريخ.[3]

في معرض حديثه عن نظرية داروين، يقول الدكتور هوستن سميث: “في الواقع هناك نقاش مشتعل بشراسة بين العلماء أنفسهم حول نظرية دارون، وتغذّي ذلك النّقاش تعليقات مثل: “فريد هويل” المشهور اليوم، الذي يقول إنّ فرصة الاصطفاء الطبيعي لإنتاج إنزيم واحد تماثل فرصة أن يؤدي إعصار يهبّ على فناء صناعة إلى إنتاج طائرة بوينغ747، فنراه وغيره من العلماء متراصّين في دعم الداروينية عندما يظهر الدّين في الصورة.

الحاجة إلى بديل
لا شكّ أننا نحتاج إلى بديل، يحدث المؤلف قارئيه عن توماس تشارلمز الذي كان يلقي خطبه في الكنيسة، فتحدث في إحداها عن حادثة جرت معه عندما كان على متن عربة خيول تسير بهم في طريق جبلي، فعندما وصلت العربة إلى طريق ضيّق على حافة منحدر شديد، بدأ الحوذيّ (سائق العربة) بضرب خيوله بالسوط بشدة، الأمر الذي بدا لـ “تشارلمز” عملا خطيرا، لكن قائد العربة أوضح له أنّه كان عليه فِعْل ذلك ليصرف انتباه الخيول عن الخطر المُحدِق بهم في ذلك الطريق. إنّ لذع السياط جعلتهم ينشغلون بشيء آخر يُفكّرون به.

ينقل هيوستن عن تشارلمز قوله: إنّ الأمر لا يختلف بالنسبة للبشر. إنّ الناس لا يتخلّون أبدا عن عاداتهم المألوفة السيّئة بقوّة العقل ولا بقوة الإرادة، إنّهم يحتاجون إلى شيء جديد يُفكّرون به ويستجيبون له”، يعقب هيوستن في معرض استدلاله عن رأيه بأنه بدلًا من تضييع الوقت في تفنيد نظريات فرويد مثلا، فإنّ في فهم روعة البديل الآخر ما يُغنينا عن ذلك تماما كما فعلت لذعات السياط بالخيول.

بين التصوّر التقليدي والتصور المادي للعالم
هنا يستفيض هيوستن في الحديث عن مساوئ فكرة البديل إذا كان أسوأ من المستعاض عنه: فـ”إذا سعى شخص ما إلى صُنع مصيدة للفئران أفضل من المصائد المتوفّرة حاليا فإنّ هدفه مفهوم ومحترم ولا نملك إلاّ أن نرجو له التوفيق. ولكن إذا سعى أحدنا إلى صُنع مصيدة للفئران أسوأ من الموجود، فإنّ مسعاه قد يحتاج إلى تفسير يُقدّمه لنا طبيب نفساني. إذا نقلنا هذه الاستعارة إلى ساحة الإيمان بالغيبيات، فإنّ المعنى هو التالي: سواء كان التصور التقليدي للعالم حقا أم باطلا فإنّه تصوّر واضح وقابل للفهم على نحو شفّاف. أمّا التصوّر العلمي للعالم فإنّه ليس كذلك، لأنّه طالما أقصى العلة الأولى والنهائية من حسابه مطلقا، فإنّه يضعنا أمام طريق مسدود بشأن أسئلة ليس لديها أي إجابة عنها.” هنا يعلّق المترجم على هذا الكلام شارحا: لدينا تصور قديم للعالم  يعطينا إجابة عن كل شيء. سواء آمن به العلميون أم لم يؤمنوا، لا يحق لهم أن يطالبونا باستبداله إلاّ إذا كانوا بصدد إعطائنا تصورا أفضل منه.

لا يخفى أنّ هدف الكتاب الرئيسي هو تبيين قُصور التفسير المادي العلمي للعالم واقتناع صاحبه أنّ التفسير التقليدي (الديني) للعالم هو التفسير الأصحّ. فقد سعى الكاتب لحشد البراهين والنماذج الشاهدة على صحّة ما ذهب إليه.

فقد شبّه النظرة العلمية المادية للعالم بهذه الصورة في الحكاية الآتية:

تصوّر نفسك في بيت شعبي من طابق واحد في شمال الهند، وأنت أمام شباك زينة يُطلّ على منظر مدهش لجبال الهمالايا؛ إنّ ما فعلته الحداثة، في الواقع، مُشابه تماما لكونك تقوم بإسدال ستارة أمام تلك النافذة حتى مقدار بوصتين فقط فوق عتبتها وأرضيّتها. عندما أُمِيلت أعيُننا نحو الأسفل أصبح كلّ ما يُمكننا أن نراه الآن من الفضاء الخارجي هو الأرض التي بُنيَ عليها البيت.

في تشبيهنا هذا تُمثّل الأرض العالم الماديّ، ولكي نُعطي الأمور حقّها عندما تستحق ذلك بجدارة، نقول: إنّ العلم قد أظهر لنا العالم رائعا جدا بشكل لا يُصدّق. ولكن مع ذلك فإنّ هذا العالم الذي يظهر لنا، ليس جبل ايفريست.

إي إف سكيوماخر (من موقع جودريدز)

في موضع آخر ينقل حكاية عن دليل الحائر للكاتب “إي إف سكيوماخر” تحدث فيها عن تيهه وضلاله الطريق بينما كان يُشاهد معالم مدينة موسكو في العهد الستاليني. وبينما كان يبحث مرتبكا محتارا في خريطته، اقترب منه مرشد سياحي وأشار بأصبعه على الخريطة ليُبيّن له المكان الذي كانا يقفان فيه، فاعترض “سكيوماخر” قائلا:

– “ولكن أين تلك الكنائس الكبيرة التي نراها حولنا؟؟”

– أجابه المرشد السياحي بكل جفاف: “إنّها ليست مبيّنة على هذه الخريطة، نحن لا نُظهر مواضع الكنائس على خرائطنا.”

– “ولكن هذا غير صحيح، إنّ الكنيسة الموجودة هناك في زاوية الشارع، نجدها مُشارا إليها في الخريطة.” أصرّ “سكيوماخر” معترضا.

– أجابه المرشد السياحي: “أوه، هذه كانت كنيسة فيما سبق، أمّا الآن فهي متحف.”

ويُواصل “سكيوماخر” قائلا: حالتنا تشابه هذه القصة تماما. إنّ أغلب الأشياء التي اعتقد بها معظم البشرية، لا تظهر على خريطة الحقيقة التي حَصَلْتُ عليها من تعليمي في جامعة أكسفورد، أو لو ظهر شيء من تلك العقائد على الخريطة فإنّه يظهر كإشارات إلى متاحف، أي إلى أشياء اعتقد بها الجنس البشري في عهد طفولته (قبل أن ينضج)، ثمّ عندما بلغت البشرية سنّ الرشد، لم يَعُد الناس يؤمنون بها (صاروا ينظرون إليها كآثار الأسلاف كما ينظرون لآثار القدماء في المتاحف)” !!

 إنّ الغرض من هذه الحكاية ومن الصورة التي سبقتها: أن نستحضر في أذهاننا حقيقة أن العلم “في عملية إمطارنا بالمنافع المادية والمعرفة الهائلة بالكون المادي الطبيعي “محا وأزال الأمور الفائقة على المادة، من خريطتنا للحقيقة”

عندما ينكر العلماء –الماديون المقتنعون بالمادية- وجود أيّ شيء سوى الأشياء التي يمكنهم أن يُشغّلوا أدواتهم العلمية عليها، يجب أن يُوضّحوا أنّهم إنّما يُعبّرون في هذا الأمر عن آرائهم الشخصية كأيّ شخص آخر، ولا يدّعون حجية العلم في رأيهم هذا. ومن جهة أخرى، يجب على المتديّنين ألاّ يتدخّلوا في العلم طالما كان علما أصيلا لم يُنمّق ويُزخرف بالآراء الفلسفية التي هي من حقّ كل شخص.

ملاحظات وتنويهات عامة
يتألف الكتاب من جزأين وخاتمة ويتضمن كل جزءٍ عدداً من الفصول، أما الفصل الأول فيقدم تمهيداً تاريخياً متبعاً فيه المراحل التاريخية الثلاث التي أوصلتنا للمرحلة الحاضرة، ملقياً الضوء على الإنجازات والإخفاقات في كل عصر، والفصل الثاني يصف الأبعاد الروحية للعالم الذي كان يعيش فيه الناس قبل أن تحولهم القراءة الخاطئة للعلم الحديث إلى النفق المظلم وهي العبارة التي استخدمها المؤلف كاستعارة رئيسة في هذا الكتاب. وصف هذا النفق المظلم وجوانبه الأربعة يحتل الجزء الأول من الكتاب.

أما الجزء الثاني من الكتاب فينظر للمستقبل الذي رمز إليه المؤلف بالنور في آخر النفق، حيث تلامس فصوله الأولى بعض التنبؤات، ثم تستقر على مهمتها الأساسية وهي وصف ميزات ومعالم الرواية الدينية الواسعة الثابتة غير المتغيرة. والاستراتيجية المتبعة هي المعالجة الواضحة والمباشرة.

لعل مما يلفت انتباه القارئ العربي في الكتاب هو كثرة استطراد الكاتب في سرد تجاربه الشخصية لأجل توضيح أفكاره ونتائجه التي يُريد الوصول إليها ممّا يجعل الفهم سهلا في بعض الأحيان و مستعصيا في أخرى.

يقوم الكتاب على منهج الاستعانة بالكتب في معظم الفصول والمباحث التي ألّفها؛ فيختار لكل فصل كتابا يدعم فكرته ومن خلال مناقشته للكتاب يُوصل رأيه بسهولة ويُسر. فهو يُضفي على النص ثراءً ويعرّف القارئ بعناوين جديدة.

تحدّث الكاتب كذلك عن مساهمة الإعلام والتعليم الجامعي والقانون في تكريس النظرة المادية للعالم، فهذه الفصول من الكتاب تُعطي فكرة مجملة عمّا وصل إليه التفكير في المجتمعات الغربية حول الدين والإيمان، وهي من بين أهم الفصول الواردة في الكتاب.

في خاتمة كتابه توجّه د. سميث بانتقادات، على شكل نداء، للعلميين الذين يعتبرهم مجرّد قلّة قليلة. ذكّرهم في ذلك بعظماء بينهم أفضل منهم يحترمون الدين ويولونه أهمية. فعليهم إذا أن يحترموا الدين كما يحترم المهتمون بالدين العلم موجهًا خطابه لهم “هذه القراءة الخاطئة للعلم هي المسؤول الأوّل والرئيس عن إدخالنا في النفق –أي نفق المادية المظلم-، لأنّها تُقلّل من شأن الفن والدين والحبّ ومعظم الحياة التي نعيشها على نحوٍ مباشر عندما تنكر قدرة تلك العناصر على أن تعطينا أية بصائر، نحتاج إليها لإكمال ما يمُدّنا به العلم. هذا الموقف يُشبه أن نقول إنّ أهمّ ما في الإنسان هيكله العظمي كما يظهر على لوحة الأشعّة السينيّة !. إنّ خروجنا من النفق يتطلّب من العلم أن يُشارك في مشروع المعرفة مع سائر المناهج والطرق المعرفيّة الأخرى بدرجة متساوية لا سيما مشاركته منهج المعرفة الذي يتّبعه “طالبو الله”.


[1]  الكتاب من ترجمة د. سعد رستم وقد ترجمه ترجمة رفيعة وأثراه بإضافة الهوامش والتعليقات الجانبية التي تسهّل على القارئ العربي عملية الاستيعاب والتعرّف على أسماء جديدة، وقد نشرت الكتاب دار الجسور الثقافية، سوريا.ط1، 2005.

[2]  جوليان هوكسلي(1887-1975) عالم أحياء بريطاني اشتهر بإيضاحه المفاهيم العلمية لعامة الناس، متخرّج من جامعة اكسفورد.

[3]   د.هوستن سميث: مصدر سابق، ص103.




الدين بين الضرورة والوراثة (2)

عندما ندرك الحدّ الذي وصلت إليه البشرية في الظمأ إلى هذا الدين ونُقارنه بتأثيراتنا السلبية التي تحول دون انتشار الإسلام في أرجاء المعمورة بالسرعة التي كان عليها الانتشار في عصور الازدهار حينها نلمس أهمية التفريق بين الإيمان الضروري والتقليدي.

لاشكّ أنّ هناك الكثير من الوقائع السلبية والأفكار التي لا تلائم الإسلام في تاريخنا، لكننا عندما نتأمّل هذه الأسباب نجد أن جُلّها منغرس في عمق التوارث الجامد فتنتقل هذه السلبيات والأفكار المنحرفة بانتقال التدين ذاته من الآباء إلى الأبناء دون وعي أو بحث عن حقيقة الدين وروحه.

إن كثيرًا من الناس مسلمون بالهوية، أو هم كذلك لأنهم ولدوا لأبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون -في الحقيقة- معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذا فإنهم في وادٍ والإسلام في وادٍ غيره[1].

سلبيات توارث الدين
الوارث لدينه لا يصمد ذاتيًّا أمام التيارات المتصارعة في العالم، بما أن الأساس الذي بنى عليه حياته هشٌّ فلا يمكن له من ثمّ مواصلة الطريق والوصول إلى برّ الأمان بسلامة واطمئنان، وهكذا تمرّ فترات عصيبة جدا في حياة الوارثين لدينهم فمنهم من يُكابد المخاطر ويُجرّب الكثير من الطرق إلى أن يعود إلى دينه من جديد بعزيمة أشدّ وباقتناع أرسخ أنّه هو الحق المبين ويتحوّل إلى خادم وحامٍ له بكل ما أوتي من عزم وقوة، والأمثلة على ذلك كثيرة يمكن أن نكتشفها فيمن حولنا وحتى عندما نقرأ السير الفكرية لعلمائنا، إلا أن أسوأ ما في الأمر: هو أنّ بعض الوارثين أيضًا لا يصمدون أمام سهام الشبهات وزعزعة الأفكار فيرتدون عن الدين إلى غير رجعة، وهنا تكمن خطورة الموضوع.

إن الإسلام ليس علامةً تجاريّة مباحة يمنح اسمه مجاناً لكل الناس، فكما أنّ أيّ حزب لا يقبل الأفراد في عداده دون أن يعملوا بمبادئه ويروجوا لأفكاره، فكذلك الإسلام لا يصح إطلاقه على شخص لا تظهر أعماله مطابقة لتعاليمه[2]، “فكم من حضارة في العالم ماتت لأنّها تحولت إلى مراسم ورياء، وكم من ديانة انتهى أمدها وقضى الله بانقضاء أجلها لأنها تجاوزت القلوب وأضحت بين أصحابها تزويرا وانتفاعا رخيصا وأثرة ومروقا عن أمر الله”[3]، وهذا ما يوجب علينا أن نحيي الدين في قلوبنا في كل وقت وحين.

من مظاهر الوراثة السلبية للدين أيضاً: عدم تكليف النفس عناء البحث عن المعلومات بدقة من قبل المسلم، وبالتالي فإن فريضة إيصال رسالة الإسلام إلى غير المسلمين تكون مشوهة وذا تأثيرٍ باهتٍ أحيانًا ومضلّلاً لهم في كثير من الأحيان، لذلك فـإنه “لاشك أن توثيق المصادر قد يستغرق جهدا إضافيا لدى المسلم ولكنه أساسي إذا كان المرء يريد أن يُقدّم صورة دقيقة محكمة عن الإسلام، كما أنّ ذلك من شأنه أن يساعد المستمعين في أن يبقوا فوق الشبهات وفوق مستوى المواضيع الثانوية التي قد تكون مثيرة للجدل من جهة، ومن جهة أخرى يتيح لهم اكتساب فهم أفضل وأشمل لرسالة الإسلام”[4] فهذه التصرفات وغيرها ليست مضرة فقط على المسلم نفسه بعدم الاستفادة من روح الإسلام الحقيقي بل تتعدّى ذلك إلى كونها عالة ومعوّقا كبيرا في مسار دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

لنختر الإسلام عن علم وباقتناع
“إنّ العقيدة الدينية فطرة في النفس الإنسانية، وهي الملاذ الوحيد الذي يعتصم به في الملمات، هذه العقيدة جديرة بأن تأخذ حظًّا وافيًا من البحث والدراسة وأن تكون مبنية على الاقتناع في هدي من العقل الباحث المتحرر”[5]

فلا يمكن أن نتصوّر لأيّ دين أن يُمثّله أتباعه أحسنَ تمثيل إذا لم يفقهوه، بل يمكن في كثير من الأحيان أن يكونوا عالة عليه ومصدر صدّ للناس عنه بسبب تصرفاتهم المناقضة له، ولهذا فإنه ليكون المرء مسلما بحق فإن أوّلا وقبل كل شيء: أن يتشبّع عقله بمعاني الإسلام السامية ومقاصده العليا وأهدافه النبيلة، وأن يتحرّى الصدق ويتبعه ليكون دليلا عليه، وأن يكون أبعد ما يكون عن براثن الشك والظن في العقيدة.

إن العمل يأتي بعد اليقين الذي يعكس صورة الإيمان في القلب والذي يُعتبر رسالة أبلغ من الكلمات فـ”الإسلام معرفة بالحقيقة الواحدة وقيام بحقوقها، وإنّما ترجح كفة المسلم بالإيمان والعمل جميعا، ولا بدّ –لكي تُشفى الأمة الإسلامية من هذا الطيش- أن يتعلّم كل مسلم دينه على الوجه الصحيح، فيعلم أنّ الإيمان لا ينفك عن العمل وأنّ الظفر بخير الله في الدنيا والآخرة لا يأتي جُزافا، بل هو وفق ذلك الناموس الخالد: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”[6].

إن على المسلم أن يضيء كل بقعة من الأرض حلّ بها بما يمتلكه بين جنبيه من نور الله، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. حيث إنه لا يكفي أن يكون المسلم مسلماً وحده دونما اهتمام بمن حوله، ذلك لأن من الآثار التي يبعثها الإسلام ويسكبها في النفس البشرية –إن هي آمنت وأحسنت– الاهتمام بالآخرين ودعوتهم والنصح لهم والغيرة عليهم”[7]

الابتعاد عن توارث الدين بين الضرورة والواقع
نؤمن أنّ قيام الجيل المسلم الحالي بهذه العملية يُعتبر عملًا شاقا لكنّه ضروري وواجب على كلّ فرد أراد أن يكون تجسيدا لتعاليم الإسلام. وهذا هو المخرج الأهم من التديّن التقليدي الوراثي، فعلينا أن نُحسّ بمسؤولية كوننا مسلمين نحمل هذا الدين واسمه.

إننا إن تهاونّا بالقيام بهذا الواجب وكنّا نُسَخا طبق الأصل لآبائنا وأجدادنا نُردد كلمات ونقوم بحركات لا نفقه كُنهها فإنّ ذلك يُوشك أن يكون خطرا علينا: فمن جهة نكون أكثر عرضة للشك في معتقداتنا لأدنى تغيّر نراه وبذلك نكون في بداية الطريق نحو الخروج عن هذا الدين ومن جهة أخرى نكون بسلوكنا التقليدي وأجوبتنا الأقل جدوى ندعو غيرنا لترك الإسلام والتخلي عنه[8].

 إن الأفكار التي لا تجد مجالا لتطبيقها على صاحبها؛ لا تجد حسن القبول المطلوب لدى الناس مهما كانت جاذبة وضرورية للحياة، إذ إنّ الكلمات إن لم تنطلق من وُجدان القائل فمن المحال طلب استقرار فِكر لم يستقر بعد في وُجدان صاحبه، وفي هذا يقول سيد قطب رحمه الله: “إنّ هذا القرآن ينبغي وأن يُقرأ وأن يُتلقى من أجيال الأمّة المسلمة بوعي. وينبغي أن يُتدبّر على أنّه توجيهات حية تتنزل اليوم لتُعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل، لا على أنّه مُجرّد كلام جميل يُرتّل أو على أنّه سِجلّ لحقيقة مضت ولن تعود. ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا، كما كانت الجماعة الإسلامية الأولى تتلقاه”[9].

مراد هوفمان

مراد هوفمان

ويقول مراد هوفمان في هذا الصدد أيضاً: “أعتقد أن التجديد يأتي بأن تعيد الأجيال الجديدة قراءة القرآن باستمرار وتسعى دائما لتطبيقه على ما يستجد من أمور، وأعتقد أن كل جيل جديد يأتي بعد الجيل الذي سبقه يجب أن يعيد اعتناقه للإسلام.. وهو ما يعني إعادة فهمه للإسلام ويعيد قراءته وللشاعر الألماني المعروف “جوته” حكمة يقول فيها: إنه يجب عليك الحصول على إرثك حتى تمتلكه، يعني لا يكفي أنك ترث الإسلام بل عليك أن تمتلكه وتكتسبه بجدارة”[10].

ختامًا، فإننا نأمل أن يُحدث هذا التناول المتواضع للموضوع: اهتزازًا في ضمير الإنسان المسلم يُؤدي به إلى الشعور بمسؤولية أفعاله المناقضة لدينه والتي تعوق مسار دعوة البشرية إلى الإسلام. وأن ينتج عن هذا خطوة إلى الأمام تتجاوز الآراء النمطية والسلبيّة حول الإسلام وتتجاوز الصراعات المميتة بين المسلمين وفتح أعينهم وعقولهم لإدراك أنّ هذا الواقع لابد له أن يتغيّر، وأن لا نسخّر طاقاتنا المهدرة في تلك الخصومات، بل التفكير بجدية في أمر البشرية، تفكيرًا يعود بالنفع على المسلمين أنفسهم وعلى غيرهم بالتَّبَع، وأن يؤدي هذا إلى تفكير جدي من قبل علمائنا المحترمين وتوجيه طاقاتهم وجهودهم إلى ما ينفع المسلمين كافة والقيام بتنقية موضوعية، بكل روح مخلصة، لما شاب فهم الإسلام من أغلال، فإذا تحقق هذا بتوفيق من الله وبعزم وحزم من طرفنا، حينها سنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح وتسلّمنا مشعل الحضارة من جديد بإذن الله وما ذلك على الله بعزيز.


الهوامش:

[1]  فتحي يكن: “ماذا يعني انتمائي للإسلام” ص2.(نسخة الكترونية)

[2]  عفيف طبارة: “روح الدين الإسلامي” ط7/ 1966. ص15.

[3]  محمد الغزالي، “الإسلام والطاقات المعطلة”، دار الزيتونة، الجزائر، 1987، ص124.

[4]  جيفري لانغ، “حتى الملائكة تسأل”، تر: منذر العبسي، دار الفكر، سوريا ط2/ 2006، ص 319.

[5]  عفيف طبارة: مرجع سابق، ص 14.

[6]  محمد الغزالي: مرجع سابق، ص125.

[7]  فتحي يكن: مرجع سابق، ص15.

[8]  للتوسع في هذه القضية أكثر، ينظر كتاب د. جيفري لانغ: “ضياع ديني، صرخة المسلمين في الغرب.”

[9]  سيد قطب: “في ظلال القرآن” ج1 ص261.

[10]  “مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب” http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout&cid=1179664545974




الدين بين الضرورة والوراثة (1)

 في عصر طغت عليه النظرة المادية للكون وإنكار الخالق الحكيم العليم من قِبل كثير من الخَلق، وفي عصر أثّر هذا المعتقد تأثيرا سلبيا كبيرا في جوانب الحياة المختلفة، تكمن أهمية نداءات العلماء من مختلف أرجاء المعمورة – على اختلاف مشاربهم وطُرقهم- على ضرورة استرجاع الدين إلى الحياة ومنحه الفرصة كي يعمل عمله بجدية وتفانٍ.

إنّ إخراج الإنسانية من مأزقها المعاصر يكمن في الانتقال بالبشرية من التصور المادي للعالم إلى التصور الديني للعالم، وهو سيقود حتما إلى بروز مجتمع تُحترم فيه الروح الإنسانية، وتلتقي فيه القوتان الأقوى في التاريخ: الدين والعلم؛ ليُرسِيا أصول التعاون والعلاقة المتبادلة بينهما[1] فالدين هو المصدر الحيوي الزاخر للحكمة الإنسانية والبوصلة الأخلاقية التي يجب أن تقود مسيرة حياتنا[2] وهذا هو دور الدين بأسمى درجاته في حياة البشرية.

فطرة الله التي فطَر الناس عليها
الاعتقاد هو الإيمان بجملة من المفاهيم والأفكار على أنّها الحق، وخاصة منها تلك التي تُفسّر الوجود والكون والحياة ويتشعّب منها كل ما يتعلّق بشؤون الإنسان الفردية والجماعية[3]،  والدليل على فطريّة الاعتقاد البشري هو دوام هذا الشعور وشموليته لجميع الأفراد، في جميع الأزمان وهذا ما يدلّ على أنّه أمر فطري غريزي.[4] 

فالإنسان مخلوق متديّن، وتديّنه نزعة فطرية لا يمكن تصوّر خلوّ إنسان منها مهما كان نوع ذلك التديّن وصورته، كما أن الاستقراء يُؤكّد أنّه وُجِدت في التاريخ مُدن ليس فيها مصانع ولا معامل ولا مدارس ولا نوادٍ؛ إلا أنه لم توجد في تاريخ الإنسان الطويل مدينة بلا معابد.

يقول كثير من المفكّرين وفلاسفة المادة: بالرغم من انشغالنا طيلة النهار بضجيج الآلات وزيادة الإنتاج وتحسينه إلاّ أنّنا عندما نأوي إلى مضاجعنا؛ تُؤرقنا مجموعة أسئلة لا نجد لها جوابا شافيا: كيف بدأ الخلق؟ كيف سينتهي؟ هل يمثّل الموت النهاية الأبدية؟ ما الذي يجعل الحياة تستحق أن نعيشها؟[5] وغيرها من الأسئلة التي تتكرر يوميًّا في أذهان الناس لأنّها تُشكّل الجوهر الحاسم والحقيقي لإنسانيتنا.[6]

يُضيف د. جيفري لانغ قائلا: “يبدو أنّ الطبيعة الإنسانية تشتمل على روحانية وأنّ هذه الروحانية لا يمكن تجاهلها فيما يبدو لنا أنّها حاجة غريزية تدفعنا كي يرى كل منّا حياته على أنّها ذات معنى.”[7]

جيفري لانغ

حاجة الإنسان إلى الاعتقاد والتعبّد
قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30) إن الدين هنا لم يعُد مجرّد تشريع وقرار من أعلى، وإنّما فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله؛ وبذلك فكما أنّه لا يمكن نزع الإنسان من إنسانيّته، فكذلك لا يمكن نزع من الإنسان دينه، فالدين ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها، لأنّه في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له.

إن كلمة “لا” في الآية الكريمة ليست ناهية بل نافية؛ وهذا يعني أنّ الدين لا يمكن أن ينفكّ عن خلق الله مادام الإنسان إنسانًا فالدين سنّة لا بدّ وأن يسير عليها الإنسان، وقد يكون هناك تحدّ لهذه السنة بالإلحاد أو الشرك كتحدّي قوم لوط-عليه السلام- للفطرة البشرية بالشذوذ إلا أن هذا الوضع لا يدوم أبدًا إذ لا ينفكّ عن الانهيار وأن يكون مآله العقاب الشديد[8].

أيًّا يكن رأي العلماء والباحثين في تعريف الدين ووصف جوهره فإن النقص والحالة البشرية في عبادات الديانات الوثنيّة أمر مفروغ منه، ولا يُستَدلُ بذلك على نفي أو إثبات ما يتعلّق بالدين القويم، وإنّما يصح أن تنتزع تلك الحالات لتوصف بالغرابة لانعقاد الإجماع على عدم خلوٍّ إنسان من الاعتقاد أيّا كان موضوع اعتقاده، أي أن الإنسان في حاله الأولى مستعدٌّ للعقيدة أوّلا ثم تكون العقيدة في حقه على اختلاف نصيبه من الرشد والضلال، ففي الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام، ونخال أنّنا لا نخرج بالمشابهة إلى الشطط إذا قلنا: إنّ إنكار الحاسة الدينية لمجرّد رداءة العقيدة الدينية الأولى أو سُخف موضوعها كإنكار المعدة في الجوف لرداءة المأكول وسخافة الغداء، إذ إن المرجع إلى بنية الروح وبنية الجسد في الحالتين وكلتاهما حق لا يقبل المِراء. فحق لا يقبل المِراء أن يقال إن الحاسة الدينية بعيدة الغور في طبيعة الإنسان وأنه لا يمكن له أن يستقر وسط عالم المادة بغير إيمان.[9]

التوحيد: الطريق الصحيح
إنّ أحد الأبعاد العاطفية لحاجة الإنسان إلى الله هو حاجته للشعور بوجود قدرة مطلقة وملاذ آمن ومعنى مُقدّس حاكم على الوجود بأسره، وهذه الحاجة لا تشبعها مختلف الملل المنحرفة، سواء كانت وثنيّة معدّدة بلا حدود أم ثنوية أم مثلّثة؛ بل إنّ هذه المذاهب تُنغّص هذه الحاجة على الإنسان وتُصيّر الوجود ميدانا لتضارب هذه القوى المُتصارعة، ومن ثمّ كان التوحيد الشكلَ الوحيد من أشكال الإيمان والعبادة القادرة على أن تمنح العبد يقينًا وطمأنينة وأملا والتزاما، وإعطاء الوجود هدفًا جليلًا ومعنىً ساميًا؛ ولهذا فإن الموحّد، بالمعنى الواقعي للكلمة،  لا يمكن أن يكون صاحب شخصية قلقة متزلزلة[10].

نص التوحيد

خصائص دين التوحيد
يتميّز دين التوحيد بالطابع النقدي وذلك مقابل الطابع التبريري الذي يُشكّل السمة الأكثر بروزا من بين السمات الأخرى لملل الشرك بمفهومها الأوسع، وبطبيعة الحال فإن الاعتقاد النقديّ يُغذي أتباعه ومعتنقيه برؤية فاحصة حيال ما يُحيط بهم من البيئة المادية أو المعنوية ويُكسبهم شعورا بالمسؤولية تجاه الوضع القائم، مما يجعلهم يُفكّرون بتغييره ويسعون لذلك فيما لم يكن مناسبا مع مبادئهم.

يتفادى الدين التوحيدي تسويغ الوضع القائم دينيًّا ولا يُؤمن بمبدأ الرضوخ للأمر الواقع أو اتخاذ موقف اللامبالاة حيال الواقع المتردي الذي تنغمس فيه البشرية أو ما يُحيط به من مآسٍ معنوية.

ويمكن لنا هنا أن نلاحظ حركة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث سيتضح لنا أنّ رسالات الأنبياء التوحيدية خاصة في مراحل البعث والظهور الأولى –في حالة نقائها عن الشوائب والتحريف- تتسم بطابع رافض للوضع القائم ونزعة  ثورة وتمرّد على كل جور وفساد، وهذا التمرد والطغيان يأتي مُصاحبا للعبودية والخضوع لمُوجِد الكون، إضافة للانقياد لقوانين الوجود التي تتجلّى فيها الإرادة والقدرة الإلهيتان[11].

والمقصود من إقرار العدالة والميزان والقسط في الدين التوحيدي هو تغيير الوضع الموجود لا مُداهنته، ومن ثمَّ فإن دين التوحيد الذي يرتكز على وعي الإنسان وبصيرته وعشقه وحاجته الفلسفية الفطرية يقف في وجه الشرك وملله المنبثقة من جهل الناس وخوفهم[12].

مقامُ العقل في الإسلام
جاء الإسلام بتشريعات تُحرّر فكر الإنسان من المكبّلات التي من شأنها أن تعوق حركته عن التعامل الموضوعي مع موضوع البحث فتُوجهه إلى نتائج مرسومة مُسبقا لتكون له مُعتَقَدا، وذلك يُفضي إلى الضلال في المعتقد مع ما يُفضي إليه من آثار سلبية في سيرورة مُجمل الحياة. من أمثلة ذلك:

– النهي عن الخضوع للعادات والتقاليد المنحدرة من الآباء والأجداد لمُجرّد كونها إرثا أبويا؛ قال الله تعالى:” وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ”(البقرة:170)

– النهي عن الخضوع للهوى بشُعبه المختلفة: شهوات النفس، متابعة عواطف الحب والكره، التعصّب الأعمى لفكرة أو لنحلة أو لعرق:” فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ” (النساء: 135)

إذا فالكيفية المُشرّعة في تحصيل الاعتقاد هي النظر الاستدلالي الصادر عن فكر حرّ من كلّ القيود والمكبّلات الظاهرة والخفيّة، وذلك ما يحمله التوجيه القرآني المستمرّ في دعوته إلى الإيمان بالعقيدة على التأمّل والتدبّر والتفكّر في دواخل الأنفس وفي آفاق الكون للوقوف فيها على الأدلّة والشواهد المثبتة لتلك العقيدة. وقد ظلّ المعتبَر في الشرع هو الإيمان الحاصل بالنظر الاستدلالي الحرّ[13]، فالقرآن الكريم وضع قواعد وقوانين ينتهجها العقل البشري إن أراد الوصول إلى نتائج أكثر موضوعية، من هذه القواعد نذكر:

– التّأكّد الدقيق والتثبّت من الأخبار والمعلومات التي تُعرَض على العقل.

– بناء القناعات على حقائق قوية متينة وأدلّة راسخة.

– الالتزام بالحق، فالتصديق والالتزام والتطبيق ما هي إلا مراحل تأتي بعد جهد جهيد على مستوى العقل وتثبّت طويل وعدم تسرّع في إصدار الأحكام، وبهذا العمل يأتي الفهم الصحيح لكل مكونات الحياة ودقائقها، وأكثر ما يهمنا في هذا الصدد هو فهم الدين وخاصة دين الإسلام.

الفهم الصحيح للإسلام وواقع المسلمين
يُعدّ الفهم الصحيح للإسلام علاجا من الغربة عن الذات والتشبّه والتقليد، والفراغ الروحي والفكري، والعبودية التامة النابعة من داخل من ابتُلي بها، فهي عبودية مَن سُلبت منه أُسس ثقافته وفِكره وانقلب بذلك إلى مستهلك لما يُفرض عليه من قوى مسلطة عليه، فغدا مُجرّد  آنية خالية تبتلع كل ما يضعه فيها العدوّ[14].

لقد قامت تيارات كبيرة من المستشرقين والناهضين بالفتن الفكرية لتحويل نظرتنا إلى القرآن من كونه كتاب قراءة وفكر وفهم وتنوير وحصول على طريق ونهوض وعمل، إلى مجرد شيء مُقدّس ومجال للتبرّك، فانتقل من عمله الواقعي في “هداية” أتباعه و”بيان الحلول” و”مسؤولية الخيار الإنساني” لينحصر في “الاستخارة” وتأدية التعظيم والتكريم والتبجيل والتقبيل كواجب شكليٍّ من قبل المسلمين المؤمنين به..

ومنذ أن عجز المسلمون عن الاتصال بالقرآن اتصالاً مباشرًا وتحلّقوا حول مراسمه دون معانيه، وتركوا الروح التي جاء بها وتمحوروا حول الأشكال الجامدة والانحرافات الفكرية في تاريخهم، مما جعلهم يسقطون في الخرافة والضعف الاجتماعي والتعصّب والانحطاط العلمي والاقتصادي والسياسي[15].

بعد هذا الاستعراض لضرورة الدين بالنسبة للبشر بصفة عامة وأنّ التوحيد من بين جميع الطرق هو الطريق الوحيد الصحيح، ثمّ أبرزنا أهمية العقل في الميزان الإسلامي في التعامل مع مختلف مصادر المعلومات ثم انتقلنا إلى الحديث عن ما أصاب المسلمين جرّاء إقصائهم العقل عن ساحة الفعل –باقتضاب شديد – وبالتالي نتج عن ذلك غربة عن روح وتعاليم القرآن؛  نرى من الضروري التعريج على تأثيرات الوراثة السلبية للأجيال حول إيمانهم بالدين والتي أدّت إلى أفول نجمه في كثير من الأحيان[16]، حيث إنها نقطة في غاية الأهمية ولها علاقة وثيقة بالعنصر الأخير الذي ذكرناه، في تشويه مسار الدعوة إلى دين الإسلام بصفة خاصة، وهو ما سيكون المحور الأساسي في الجزء الثاني لهذا المقال. 


الهوامش:

[1]  “لماذا الدين ضرورة حتمية؟:لقد فقد العالم بُعده الإنساني وبدأنا نفقد السيطرة عليه“! http://www.arrabita.ma/contenu.aspx?C=186&S=7

[2]  لماذا الدين ضرورة حتمية، مرجع سابق.

[3]  د. عبد المجيد النجار، “حرية التفكير والاعتقاد في المجتمع المسلم: الأبعاد والحدود” : http://www.biblioislam.net/Elibrary/Arabic/library/card.asp?tblid=2&id=6791

[4]  د. علي شريعتي، “دين ضد الدين”، تر: حيدر مجيد، دار الأمير، ط1، 2003 ص 35.

[5]  د. عبد المجيد النجار، “في فقه التدين فهما وتنزيلا” ج1 ، ط1 ، ينظر: تقديم د.محمد عبيد حسنة للكتاب ص9.  د. علي شريعتي: مرجع سابق.

[6]  د. هوستن سميث: مرجع سابق.

[7]  د. جيفري لانغ، “حتى الملائكة تسأل”، تر: منذر العبسي، دار الفكر، سوريا ط2/ 2006.ص23.

[8]  محمد باقر الصدر: “السنن التاريخية في القرآن”، دار التعارف للمطبوعات. 1989، ص90، 91.

[9]  عباس محمود العقاد، “الله” دار المعارف، مصر ط3 /1960 ص14.

[10]  د. علي شريعتي، “معرفة الإسلام”، تر: حيدر مجيد، دار الأمير، بيروت، ط1/ 2004 ص160.

[11]  د. علي شريعتي، دين ضد الدين، ص40.

[12]  المرجع سابق، ص53.

[13] د. عبد المجيد النجار: “حرية التفكير والاعتقاد في المجتمع المسلم”.

[14]  د. علي شريعتي: “أبي.. أمي، نحن متهمون” تر: د. ابراهيم دسوقي شتا، دار الأمير، ط1/2003 ص28، من المقدمة.

[15]  المرجع سابق: ص126 ، 127.

[16]  نخص بالتركيز في هذا المقام تلك الوراثة الشكلية التقليدية للدين والمفرغة من المحتوى الحقيقي دون غيرها.