1

التعددية الزوجية في الغرب

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بالحديث والتعليق على ما يسمى بــ”قضية الاغتصاب الزوجي” حيث يقضي الرجل حاجته الجنسية مع زوجته وهي غير راغبة لهذا الفعل، أو مكرَهة عليه.

بالعودة إلى الفقه الإسلامي فقد أوضح العلماء أن المرأة لها أن تمتنع عن زوجها إذا امتلكت العذر الشرعي، سواءً كان العادة الشهرية أو التعب أو المرض أو الحزن القاهر، وإذا ما تحقّق ذلك، فإنها لا تكون آثمة، أما إن لم يكن شيء من هذه الأعذار فإنها آثمة.

أما مصطلح الاغتصاب الزوجي، فقد وضعته النسويات ليبقى الأمر مناطاً برغبة الأنثى وإرضائها وسعادتها ومزاجها، فإن حصل وأن مارس الزوج علاقته معها وهي كارهة أو لم تكن في تمام الرغبة، فإن هذا “اغتصاب” بحسب ادّعاء النسوية!

نشر أحد المشايخ ردّاً حاسماً سرعان ما حذفه بأن الامتناع هو من النشوز وتُضرب عليه المرأة ضرباً غير مبرح، لتعود لجادة الصواب!

وعلى كل حال، فإن هذا التعامل -وإن حُذف هذا الكلام وتراجع عنه- مع الأسف واقع تعيشه الكثير من النساء في مجتمعات مختلفة من بلادنا الإسلامية، وهنا نتساءل: أي رغبة تلك التي ستعود للمرأة بالضرب -إلا في الحالات المرضية التي تتلذذ به- وأي بيتٍ سليمٍ هذا الذي تُعاش اللحظات السابقة للعلاقة الحميمية بالضرب، ومن سيقرر كونه مبرحاً أم لا؟

اقترح باحثون وكتّابٌ آخرون أن يعمد الرجال إلى “التعدد”، إلا أن الأمر لم يسلم من النقاش العقيم للنسويات اللاتي يَعُدن في كل حوار إلى مسلّمةِ تأليه المرأة، وجعل الكون يدور حول مزاجها ورضاها.

وهنا تركت عالمنا التواصل الاجتماعي الافتراضي العربي الذي لا يكاد ينتهي الجدل فيه، -عسى أن يكون هذا الصخب فيه نفعٌ للناس ولو بعد حين- وذهبت أختلس النظر وأتصفّح آراء الغرب في التعدد.

الزواج الأُحاديّ

في مقال لمايكل كاسلمان Michael Castleman على موقع Psychology Today   عنون له بـ: Why is infidelity so common لماذا تنتشر الخيانة بكثرة؟ أشار إلى أن ممارسة الزنا بعد الزواج –وهو ما يسمّى بـ الخيانة الزوجية- ظاهرة متفشّية بشكل كبير في الولايات المتحدة، بالرغم من أن معظم الأمريكيين يطالبون بالاكتفاء بشريك واحد ويدّعون المحافظة على الوفاء والإخلاص في علاقة الزواج الأحادية Monogamy، ويعتبر مخالفة هذا الشرط أشبه بالكارثة الأخلاقية والاجتماعية، وترسخ هذه الصورة النمطية لفداحة التعدّد، كلٌّ من وسائل الإعلام والأفلام والقصص والروايات…إلخ، كما أنه يؤدي غالباً إلى الانفصال والطلاق أو الاستمرار -على الأقل- في علاقةٍ أصيبت بشرخ كبير.

يتساءل الكاتب إن كان الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الزواج الأحادي “المنوغومي” طيلة حياته؟ هنا يجيب الكاتب في المقال بأنه: في الوقت الذي يصر فيه العديد على أنّ زواج “المونوغومي” هو الطبيعي، يُلاحظ أن ٩% من عموم الثدييات تميل إلى هذا النمط من الحياة الزوجية، كما يؤكد أن انتشار ما يسمى بـ”الخيانة الزوجية” بين البشر يطمس كل الادعاءات بأن التفرد الجنسي أمرٌ فطري.

في هذا الإطار يستدلّ ببضع براهين من نصوص الإنجيل والتاريخ، حيث يذكر الإنجيل وجود تعدّد لزوجات الأنبياء مثل يعقوب الذي كان له زوجتان: ليا وراشيل، وجاريتان: بيلها وزيلفا، كما أن الوصايا العشرة تدرج الزنا في ثناياها، وتؤكد على أنها من الخطايا الكبرى، بل تنص عليها ضمن أنحاء متعددة فيجب البعد عن جريمة الزنا عمومًا، وألا يشتهي الإنسان زوجة جاره، وألّا يفعل ذلك أو يفكر فيه حتى، وعلى الفور ينتقل الكاتب للخطوة المنطقية التالية، -ولنتساءل معًا- لو كان القدماء مكتفين بزوجة واحدة، أكان من الممكن والطبيعي مراعاة هذه الوصايا؟.

يشير الكاتب إلى أن المسيحيين المورمون كانوا من معدّدي الزوجات بشكل علني حتى عام ١٨٩٠، وما زال بعضهم كذلك، أما اليوم وفي نفس البقعة الجغرافية التي تقدّس المونوغومية أو الزواج الأحادي، فإنه ليس من الغريب أن توجد الكثير من المدن والأرياف التي تتفاخر بعدد نوادي الجنس المحرّم بأشكاله المختلفة –الطبيعية والشاذة والجماعيّة- المتاحة للمتزوجين وغيرهم.

يستفيض الكاتب في شرح آثار تطبيق هذه المثالية على المجتمع، وأنه قد حاور الآلاف من الناس على مدار ٤٦ عامًا حول آرائهم عن الحياة الجنسية، وأصدر العديد من الكتب، وكتب أكثر من ٢٠٠٠ مقال لعشرات المجلات والصحف والمواقع الالكترونية بما فيهم Psychology Today و مجلة New York Times وغيرها، ليخلُص إلى أنه من حقّ الجميع المطالبة بأحاديّة الزواج، ورفع شعار الشريك الواحد الوفي المخلص، مع التأكيد على أن تطبيق الأمر في واقع الحال ليس بنفس التصور الوردي والرومنسي الحالم للناس.

لكن، أليس هناك العديد من الأزواج غير المعدّدين وهم سعداء بحياتهم مع شريكهم؟

يجيبنا الكاتب بأنه عرف العديد من الأزواج السعداء الذين اكتفوا بشريك واحد رسميٍّ على مر العقود، إلا أنهم كانوا يمارسون رذيلة الزنا أو ما يسمى بـ “الخيانة الزوجية”، والعجيب أن كثيرًا من هذه الحالات كانت بقبول وموافقة من الطرف الآخر، الزوج أو الزوجة، وذلك بشكل دوري خلال المناسبات المتكررة، مثل أعياد الميلاد السنوية، أو في فترة سفر العمل، أو حتى في عطلات نهاية الأسبوع، ويستكمل عرض إحصاءات عن نسبة الخيانات بين الأزواج، إلى جانب سردِ حجج تصب كلها في حقيقة استحالة الاكتفاء بشريك واحد في معظم الحالات.

يذكر في مثال صادمٍ أن إحدى الزوجات تعلن مرارًا أنها تحب زوجها منذ أزيَدَ من ٣٠ سنة، إلا أنها مقتنعةٌ بأنه من “الصحي” لكليهما أن ينفّسا عن رغباتهما الجنسية “باللعب” في الخارج بين الفينة والأخرى، بدعوى أن ذلك يحافظ على حياتهم الزوجية ويُديم فيها روح المتعة والمرح.

من الملفت –بحسب الكاتب- أن الإنسان المليء بالعيوب والنقائص التي لا يؤاخذه عليها المجتمع، إلا أنه عندما يتحول الحديث عن الزواج، فإنه يُفرَض عليه –وهو الخطّاء المليء بالعيوب- أن يحيا على مبدأ “المونوغومية” التي تشبه حالة قصوى من الكمال الذي يعجز عنها الإنسان، ولو افترضنا أنه يصبر عليها فإنها لا تدوم.

قولٌ على قول

من نافل القول التأكيد على أن مقال مايكل مليءٌ بالأفكار التي لا نقبلها، ففيه تلميح واضح لحق النساء أيضًا بالتعدد، وهذا مما يناقض شرعنا وشرع من سبقنا من الأنبياء، ويخالف نموذج الحياة البشرية الفطرية المستقرة، إلا أنه –بقراءة ثانية- حجةٌ على نمط الحياة الغربي المنفصم التابع بامتياز لأهواء البشر وفردانيتهم الذاتية والرافع لشعارات وهمية براقة يبيعونها للقاصي والداني ولكل من هو راغبٌ بالعيش على نمط الحياة الغربية أو “التأمرك”، وها هم أنفسهم يعلنون أنها لا تُطبّق عندهم.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخيانة في الغرب تثار بشكل خاص في سياق الحديث عن ممارسة الجنس، أما مشاهدة الأفلام الإباحية والجلسات والسهرات واتخاذ الصديقات والمحادثات الخاصة، فإن هذا كله ضمن دائرة الحرية الشخصية التي تتغاضى عنها الزوجة، وتعتبره من طيش الرجال.

إن مفهوم الزنا في ديننا واسع، وقد حرم الإسلام مقدماته حرصًا على روح الإنسان من الكدر، وتأكيدًا على شموليّة مقاصده الروحية والحياتية، فأمر بغض البصر وسمّى نقيضه بـ “زنا البصر” وكذا “زنا السمع” وحتى “زنا الأنف” كما في حديث الخارجة (بعطرها على الملأ) [أخرجه الإمام أحمد في المسنَد] وأشار الوحي في عدة مواضع إلى الأمر باجتناب كل ما قد يؤدي أو يوفّر أجواء الخلوة التي لا يسلم من السقوط بعدها حتى أشدّ الرجال ورعًا، في المقابل نجد منظومة الزواج مفصّلةً منضبطة تحفظ لكلّ حقه والأهم من ذلك أنها تراعي حاجات الإنسان وغرائزه بشكل آدمي يرفعه عن البهيمية التي بات الغرب يروّج لها جهاراً.

إنّ نظام الأسرة في الإسلام، بقواعده الشرعية والأخلاقية، هو العمدة في بناء المجتمع الفاضل والمواطن الصالح، بل إن الأسرة المسلمة الناشئة على مقاصد الدين وأحكام الشريعة هي الآن خط الدفاع الأول في وجه الاستهداف، ويتزيى بالشعارات البراقة، فما أحرانا أن نزيد روابط الأسر توثيقاً، وأن نشد بنيانها، ونعلي أركانها على المنهاج القويم الذي يبلغنا سعادة الحياة الدنيا وصلاح العقبى، والله المستعان.

المصادر:

https://www.psychologytoday.com/us/blog/all-about-sex/202102/why-is-infidelity-so-common?fbclid=IwAR1V6jj6nUiwcxVvAoR2UFkqGvu1cei5d8SJj8VN8ZGF9VhjXqo5gRFvPlc




ماذا تعلمت عن الحياة من خلال مشاهدة المسلسلات؟

قل لي ما تتابع، أقل لك من أنت!

قد تبدو هذه جملة سطحية وتعميمية، إلا أن نظرة سريعة إلى مقال “تبادل آراء” لصحيفة نيويورك تايمز قد تمنحنا نوعاً من الاتفاق على المقدّمة المفترضة، فقد نشرت الصحيفة المذكورة مقالاً بعنوان “ماذا تعلمت عن الحياة من خلال مشاهدة الأفلام؟” ( What have you learned about life from watching movies)

حيث افتتحت المقال بمقدمة للكاتبة مانولا دارجيز Manohla Dargis: “الأفلام تعلمنا كل شيء، كيف نطمح ونحلم وندخّن ونلبس، وكيف نحب، وكيف نضحّي، سواء لأجل الحب أو الوظيفة والعمل؟”، ثم اختتمت المقال بسؤال عام لمن يحب مشاركة رأيه بالإيجاب أو النفي عن تجربته مع الأفلام.

بعد الاطلاع على ردود اثنين وسبعين مشاركًا، لم أُفاجأ بأن المعظم موافقون بشدة ويشاركون تجاربهم وانطباعاتهم عن الأفلام، فقال أحدهم: حتماً ستكون إنساناً مختلفاً عند خروجك من قاعة السينما عما كنت عليه لحظة دخولها!

وآخر يقول مستعيناً بالتاريخ بأن هذه الصناعة العظيمة التي بدأت ١٨٨٨ ما زالت إلى اللحظة تتطور مع تطور الإنسان وتعينه على الإجابة عن أسئلة الحياة المختلفة، -وكأن ١٢٠ عاماً من حياة البشر وتجاربهم المختلفة كافية لاستخلاص الأجوبة!! فكيف إن كانت هذه المسيرة تخطّ منحنىً متسارعاً مبتعداً عن أي وحيٍ سماوي!- ويزيد آخر بأنه تعلّم كل شيء عن الحياة من خلال مشاهدته للأفلام!

السينما والطريق لرسم الثقافة

وجدَتْ هذه البلاد التي تأسست من عدة قرون -نصفها الأول دموي والآخر نزاعات عرقية- نسيجَها الاجتماعي متبايناً ومختلفاً، لا أعراف أو حتى أهداف مشتركة تسمو عن المأكل والمشرب وأساسيات العيش، فكان لا بدّ من الوصول إلى ضمائر الناس ونفوسهم لمحاولة التوفيق ربما ورسم الثقافة العامة للبلد الجديد، وقد حقق التلفاز هذه الغاية بجدارة؛ إذ كان يبثّ للناس على مدار الساعة الصورة المثالية للمواطن والعامل والموظف الأمريكي، والصورة البراقة للأسرة المتحابّة المتراحمة، والصورة الجذابة لما يجب أن تكون عليه الطلاب والطالبات في الثانويات والجامعات، ثم تصبح المهمة على عاتق المشاهد، لمحاولة الوصول إلى تلك الحالة التلفزيونية.

ما يثير العجب هو أن تُباع نفس الخلطة إلى بلادٍ وحضارات ضاربةٍ في التاريخ منذ القدم، كوّنت عبر آلاف السنين أعرافاً وطرائق معيشية عريقة استوَت بعد أن استقت من الوحي قيمها نموذجاً يُحتذى به في وقتٍ من الأوقات، لينقلب الحال وتصبح الدراما والخبائث من الأفكار هي ما نقتدي به ونستقيه، مُعرِضين عن كنوزٍ تركها لنا الأسبقون، ويقدمها الآن بعض المعاصرون بفضل الله.

ابدأ العمل وتفكّر!

كفانا جلوساً على مقاعد الحسرة، وبكاءً على الأطلال، ولنعد إلى الواقع، إلى ساعات النهار الأربع والعشرين التي تملكها، إن رأس مالك وحقك الوحيد الذي لا ينازعك فيه أحد هو هذه الساعات التي تُمنَحُها كل صباح من الحيّ القيوم بلا مقابل، فهي فرصة جديدة لتدارك ما فات، وحبل ودٍّ للاقتراب من عتبات رضوانه، فأنت من تقرر كيف تستهلكها.

لن أُدخلك في متاهات المؤامرات أو أقول إن هناك من يجلس ويخطط ليعبث بوقتك وبباكورة أيامك والسنين الذهبية من شبابك، فأنت أبسط من أن تُنفق عليك هذه الجهود والأموال! لكن، أتعرف من هو الأبسط منك والأقل شأناً؟

هو ذاك الكاتب الذي حمل قلماً يخط فيه سيناريوهاتٍ عن عائلات يُقال إنها من عندنا، تتلاقى وتخون وتسرق وتكذب وتقيم علاقات غير شرعية وكل ما يمكن أن يخطر على باله من شطط وإمالة (فكل ذلك جذاب للتسويق)، ويعينه على ذلك إنسان آخر أقل حظاً بمهارات إخراجية يحوّل المكتوب على الورق إلى مشاهد حقيقية بالاستعانة بأشخاص قرروا تكريس عمرهم للتمثيل، واحتراف تحويل خيال شخص ورؤية شخص آخر إلى شيء يشبه الواقع (إذا غضضنا البصر عن الأجندات والأهداف)

صورة مسلسلات وأفلام

كل هؤلاء الأشخاص الذين ليسوا نجوماً ولا لامعين، راهنوا على الساعة والساعتين التي ستقدمها لهم بالمجان، وصبروا وعملوا بلا كللٍ ولا ملل، ودعّموا أنشطتهم بإعلانات وأموال طائلة تُنفق حتى تترسخ عندك قناعة أنك تحتاج متابعتهم لتتعلّم عن الحياة وأهوالها وتعرف الناس وغدرها، والنساء و”كيدهن”، ومكر الرجال، وجشع الأغنياء ومأساة الفقراء…. إلخ.

وعلى فرض أنك واعٍ لذلك كله، وأنك تقضي هذه السويعات للترفيه، أفيُعقل أن تبني جداراً، وتتعب على رصف حجارته، ثم من باب الترفيه تبدأ تصدّعه بطَرْقاتٍ من هنا، وضربات من هناك؟

هذا الجدار هو عقلك ونفسك اللذان تحتاجهما لتواجه الحياة بنفسية مستقرة وشخصية متّزنة خالية -قدر الإمكان- من حوارات الدراما وردّات الأفعال مسبقة الصنع والتعابير الجاهزة، كما في عبارة “أنا حدا كتير….” التي ظهرت وانتشرت قبل أكثر من عشر سنوات إثر ظهور مسلسل سوري يكرر هذه العبارة في كثيرٍ من لقطات السيناريو، وعلى ألسنة العديد من شخصيات المسلسل التي تتكلم بهذه الطريقة، وما هي إلا عدة أشهر إلا وصار الحوار بين الناس يتضمن الكثير من “أنا حدا كتير”، وأترك لذاكرتك مهمة إيجاد تعابير ومدخلات مشابهة، وربما من نوع آخر.

الترفيه ضرورة أم حاجة

أجاز الإسلام النشاط الترويحي الذي يعين الفرد المسلم على تحمّل مشاقّ الحياة وصعابها، والتخفيف من الجانب الجدي فيها، ومقاومة رتابتها، شريطة ألا تتعارض تلك الأنشطة مع شرائع الإسلام وأوامره، أو يكون فيها إشغال عن عبادة مفروضة، والأصل في ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ قَالَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فَقَالَ: مَهْ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فَقَالَ: يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ). [أخرجه مسلم في الصحيح]

فمعنى هذه العبارة –أي (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) أنه “لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُنَافِقًا بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ عَلَى الْحُضُورِ وَفِي وَقْتٍ عَلَى الْفُتُورِ، فَفِي سَاعَةِ الْحُضُورِ تُؤَدُّونَ حُقُوقَ رَبِّكُمْ، وَفِي سَاعَةِ الْفُتُورِ تَقْضُونَ حُظُوظَ أَنْفُسِكُمْ” [المباركفوري في شرح سنن الترمذي]، وهنا يُترك كل شخص لضميره ليعرف كمية العبادات الضئيلة التي يُمارسها يوميّاً.

في ناحية أخرى، فإن أغلب من يقضي وقته في الترفيه، سواء بمسلسلات التلفاز أو ألعاب الهاتف، فإنه بعيدٌ كل البعد عن الإنجازات الجادة –ولا أظن أننا بحاجةٍ لإحصاءات واستطلاعات لإثبات ذلك- فوحده من يشعر بتعب ولذة الإنجاز يقدّر قيمة نفسه وقيمة وقته ولمن يعطي سمعه وأذنه وانتباهه.

متاهات السوشال ميديا

إن كنا ما زلنا حديثي عهد بهذا الفخ الجديد الذي وقع فيه حتى أكثرنا انشغالاً واجتهاداً، فخ إضاعة الوقت في متاهات “الماجَرَيات” التي تبثها لنا يومياً وسائل التواصل الاجتماعي دون توقف أو كلل أو ملل، فلا نكاد نشهد معركة خمدت بين داعية ومفكر حتى تندلع ثانية، عدا عن مزاحمات المواعظ والدروس والعبر والنصائح والتنبيهات والتحذيرات والأخبار والمستجدات، وكل ذلك مما يبدو كأنه ثقبٌ أسود يلتهم ساعاتنا وأيامنا والسنوات على غفلة منا، بينما يتوجب علينا –في الأصل- أن نتجه للانشغال بشيء أهم في حياتنا الحقيقية.

أوليس من غير الحكمة ونحن نصارع أنفسنا في مهمة التخفّف من الملهيات أن نزداد في متابعة هذه الفضاءات وأن نفتح جبهة حربٍ جديدة مع مسلسلات تشبكنا معها ٣٠ ساعة وربما أكثر، في الوقت الذي يتأسف فيه كثيرٌ منا لمرور عشر دقائق من ذكرٍ أو تلاوة لصفحة من كتاب الله تعالى.

يوصي العديد من الأطباء بألا تتجاوز مدة الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي ثلاثين دقيقة، وبذلك يتوفّر للإنسان متابعة صفحتين أو ثلاثٍ أو خمس على الأكثر المجمل –في حال كانت ذا محتوى غني وقيّم- فإن زاد الحال عن ذلك انقلب إلى مضيعة للوقت، فيصاب المتابع بالتخمة المعرفية والفوضى، إذ إن منصات التواصل لا يؤخذ عنها العلم وإنما هي منصة للتذكير، والأولى والأصل أن يرتبط العلم بالعمل، ومن كان عمله التصفّح والتقليب بالساعات فإنه ممن يظنون أنهم يحسنون صنعاً وهو من الأخسرين.

البدائل والحلول

حسنٌ، يشار لنا على الفور بكلمة “ما البديل؟” التي صارت ردنا السريع على كل من يحاول إبعادنا عن عادة سيئة أو فعلٍ خاطئ!! وكأن البديل يجب أن يكون موجوداً، وكأنما إقامتنا في فندق ٥ نجوم، وليست في دار امتحانٍ وابتلاء!!

بلى، إننا نفتقر في مكتبتنا العربية للمرئيات المفيدة التي تجذب اليافعين والشباب، إلا أن ملء هذا الفراغ لا يكون باللجوء لبدائل لا تناسب قيمنا وأخلاقنا.

ولعل الحل يكون بالإقلاع عن هذه العادة أولاً، وأنا أكثر من يتفهم صعوبة الأمر، فمع الأسف الذكريات العائلية الجميلة يُرسم أغلبها خلال جلسات المساء لمتابعة مسلسلٍ ما أو فيلم، إلا أن الأمر يستحق كل جهدٍ مبذول، والمكسب في نهاية المطاف هو عمرك وبركة وقتك.

ومما يعين على هذه الخطوة التدرّج بالترك، ومجاهدة النفس قدر الإمكان على الامتناع كلياً في رمضان عن مشاهدة أي شيء، وملء الوقت بالعبادات التي تؤجر عليها وتثاب وترفع مقامك عند ربّك -وهو هدفنا الأساسي- والاستعانة بالله قبل كل شيء، فمعارك النفس داخلة في حكم الجهاد، وتغيير العادات يتطلب وقتاً وصبراً وثباتاً، ورمضان فرصة ذهبية للانطلاق، وهو من رحمة الله بنا أن فرض علينا هذه المساحة الضيقة من باحة العام الواسع، لنُعيد فيها حساباتنا ونتمكّن من الامتناع جزئياً عن أساسياتٍ حياتية، تمهيداً للإقلاع عن مُهلكات نحسبها ضروريات.

من وحي التجربة

وقبل التنعّم بطعم الحرية والخلاص من قيود وأسلاك التلفاز الشائكة، دعني أشاركك بعضاً من تجربتي الشخصية التي بدأتها في مطلع العشرينات من عمري، عند اندلاع الثورات وسقوط كثير من المشاهير من أعين الجماهير، فقررت الامتناع ما استطعت عن متابعة التلفاز ومن ضمنها المسلسلات والأخبار والأفلام، فعشت في قوقعتي الصغيرة وبات الفراغ كبيراً، ملأته فوراً بتطوير مهارة أحبها ولا أعرفها، ألا وهي “الحياكة”، وبعد عدة شهور ومن خلال فيديوهات اليوتيوب أتقنتها فصارت ملجئي الذي أستعين به على ليال الشتاء الطويلة.

وحمّلت على هاتفي تطبيق Duolingo لتعليم اللغات، فتعلمت مبادئ الفرنسية (بالإضافة إلى التحاقي بمدرسة بدوام جزئي لا يُذكر في البداية) لكن مع ذلك أُرجع الفضل للـدقائق الخمسة عشر التي كنت أتمرن بها على هذا التطبيق بشكل شبه يومي، فصار بإمكاني إجراء محادثة بسيطة، وفهم معظم ما أسمعه وكل ما أقرأه.

جاهدت نفسي لمشاهدة المحتويات وقراءة المقالات التي أهتم بتعلمها باللغة الانجليزية بدل العربية، مثل الحياكة، والصحة، ورعاية الأطفال، وحتى الطبخ وكل ما يخطر بالبال، فأتقنت الانجليزية لوحدي في المنزل إلى درجة القدرة على التعبير عن نفسي بشكل جيّد جدّاً، وقراءة المواد المتعددة في المواقع الإخبارية، والاستماع لمحاضرات مختلفة بمواضيع متنوّعة، في فترة تُعتبر قصيرة.

لقد كان أهم إنجاز لي هو حفظ القرآن، ولو أنه جاء متأخراً ولكن أحمد الله الذي أذن لي بحفظ كتابه، فبفضله ونعمته حفظت الخُمس مع صحبة خيرٍ تعينني على ذلك..

لم يكن الطريق سالكاً سهلاً؛ إذ حصلت بعض الانتكاسات، ولكن بمجرّد أن تقتنع أن وقتك أثمن من أن يضيع هباءً، فإن الصعب يغدو سهلاً بإذن الله.

ختامًا، فإن كنت قد استطعتُ أن أقوم بذلك، فإنكَ بالتأكيد أيضاً تستطيع، وإننا مهما اجتهدنا لن نخسر الترفيه، إلا أننا سنربح أنفسنا مع ذلك.


المصادر:

(١) عن الترويح عن النفس موقع إسلام ويب

https://www.islamweb.net/ar/fatwa/129613/

مقال نيويورك تايمز:

https://www.google.com/amp/s/www.nytimes.com/2018/12/03/learning/what-have-you-learned-about-life-from-watching-movies.amp.html

 

مصدر صورة الوسائل التواصل الاجتماعي

<a href=”https://www.freepik.com/vectors/people”>People vector created by pikisuperstar – www.freepik.com</a>




الحبة الحمراء.. حقوق الرجال بعيونٍ غربية

عنوانٌ مضلّل يوهمنا أن الرجال المتربعين على عروش السيطرة والقوة لم يصلوا بعد إلى كل ما أُتوا من حقوق، ويصرف أنظارنا عن المرأة التي هي الحلقة الأضعف في هذا العالم والمناضلة الأكبر في عالم ذكوري والضحية التي لا نملّ من سماع أسطوانة حقوقها المسلوبة ومساواتها بالرجل التي ما زالت مطلوبة.

لكن هل الأمر حقّاً كذلك؟

هذا السؤال هو ما دفع كاسي جاي Cassie Jaye صانعة الأفلام الوثائقية والنسوية إلى الذهاب لشمال أمريكا ومقابلة قادة وأتباع الحركات المطالبة بحقوق الرجل، لتنتج بعد رحلة عام و١٠٠ ساعة من التصوير ومقابلة ما يزيد عن ٤٠ شخص، الوثائقي الشهير الحبّة الحمراء The red pill

كايسي جاي

الحبّة الحمراء، قصة الشعار
الحبة الحمراء هو شعار الرجال في محاولاتهم لفت الأنظار لمشاكلهم ومعاناتهم حسب قول بول إيلام Paul Elam مؤسس منظّمة صوت الرجال، وفكرة الشعار مستوحاة من فيلم الماتريكس الشهير ١٩٩٩ حين يُعرض على البطل نيو حبتان إحداهما حمراء والأخرى زرقاء، ويُطلب منه أن يختار بينهما، فالحمراء تخرِجه خارج المنظومة المتحكّمة، وتريه الأمور من بعد آخر وزوايا ثانية، أما الزرقاء فتُبقيه في سُبات ليُكمل الحياة بنفس الوتيرة والأفكار المسبقة التي نشأ عليها!

تكميم الأفواه في بلاد الحريّات
يوضّح بعض المنتسبين للحركة أن نظرة المجتمع لهم سطحية وكأنهم فقط ردة الفعل العنيفة على وجود فكر نسوي، ويتم شتمهم بأوصافٍ عدة: مثل (كارهي النساء، والرجعيين، والفاشلين، والنوّاحين، والبشعين، وغير المرغوبين والكسالى، والعنصريّين والنازيّين..إلخ) ويتم إسكات مطالبهم حتى من قبل أن يتكلّموا، كما حدث مع وارن فيرل Warren Farrell مؤلف كتاب (خرافة قوة الرجل) في عام ٢٠١٢ عندما كان سيلقي محاضرةً في جامعة تورونتو في كندا ممثلاً فيها الرجال، الأمر الذي دفع النسويين والنسويات إلى التجمهر أمام أبواب القاعة، متنمّرين بذلك على رجال الأمن وكل من تسوّل له نفسه حضور الندوة، ما أنتج عن اعتداءات لفظية وجسدية من طرف النسوية.

وارن فيرل مؤلف كتاب خرافة قوة الرجل

الأمر ذاته واجه البروفيسورة جانيس فايمينغو في جامعة أوتاوا عندما كانت على وشك إلقاء محاضرة تشكك فيها بادّعاءات النسوية، فلم يقصّر حينها النسويّون من شبابٍ وشابّات في التشويش والقرع على الطناجر داخل المحاضرة والتجمّع خارجها محدثين المزيد من الضجيج، إلى أن انتهى بهم الأمر إلى تشغيل جرس إنذار الحريق، وإلغاء المحاضرة.

وفي مؤتمر آخر عُقد في ميتشيغان عن مشاكل الرجال، سارعت قبله حركات النسويات بما فيهم مجلة ميس Ms magazine بالدعوة للتجمهر والمطالبة بإلغاء المؤتمر.

وهنا يسعنا أن نتساءل إن كانت مقاليد القوة بيد الرجال فعلاً، فمن الذي لا يسمح لأصواتهم بالوصول، ولا لمشاكلهم بالظهور على العلن واجتياح الإعلام الذي يعزف نغمة مظلومية النساء ليل نهار!

أسباب القمع، ما الذي ترفض النسويات سماعه؟
يرى بول إيلام أنّ مشاكل الرجال بتنوعها وخصوصيتها وحتى تعقيدها أشبَهُ بنُدَف الثلج التي تتفرد كل قطعة بشكلها، والأمر أصعب على الفهم من تلخيصه بعدة جمل أو شعارات، ويسرد ههنا أرقامًا صادمة، فالرجال يشكّلون ٩٣% من حالات الوفاة أثناء العمل، ونسبة حالات الانتحار فيهم تصل إلى ٤ من ٥، أما نسبة وصول الشباب لتعليم أفضل فإنها تنخفض منذ عدة سنوات بشكل كبير وقد وصل روّاد الجامعة الذكور إلى نسبة ٣٨%، إضافة إلى لبطالة والعنف المنزلي والتشرّد.

ويوضح الوثائقي نسبة ضحايا الرجال إلى النساء في الحروب الخمسة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية على النحو الآتي:

  • الحرب الكورية: ٣٦٥٧٢ من الرجال لـ امرأتان بنسبة ٩٩.٩% من الرجال
  • حرب الفيتنام: ٥٨٢١٧ من الرجال لـ ٨ نساء لتكون النسبة أيضاً ٩٩.٩% من الرجال
  • حرب الخليج: ٢٨٠ رجل لـ ١٣ امرأة بنسبة ٩٥% من الرجال
  • حرب أفغانستان: ٩٨% من الجنود الرجال
  • حرب العراق: ٤٣٠٢ رجل لـ ١١٠ امرأة بنسبة ٩٨% من الرجال

ويوضح وارن فيرل بأن اختيار الأدوار ليس خياراً، وكل جنس كان يقوم بدوره الوظيفي، فالنساء تلدن وترضعن وتنشِئن الأجيال، في الوقت الذي يخرج الرجال لكسب الرزق والصيد والتعرض للأخطار سواء في الغابات أو حتى في ساحات وول ستريت، وهذا ما حتّمه الواقع على الجميع.

ويضيف فريد هايوورد Fred Hayward مؤسس جمعية حقوق الرجال، بأن ما نراه الآن اكتساحاً للرجال في الأعمال والشركات وحتى الحكومات سببه أنّ هذا ما كانت عليه الحال منذ بضعة قرون وهذا ما وجد رجال اليوم أنفسهم مجبرون على تتمّته!

ويشير أحد أعضاء منظمة حقوق الرجال في الوثائقي إلى أن المظهر البطريركي السائد (سيادة الرجال) يفرض على الرجل أولاً الكثير من الأعمال الشاقة والخطيرة التي قد تكلفه حياته في بعض الأحيان كما في الحروب.

ومن “امتيازات” هذه البطريركية أن الرجال يشكلون ٩٩% من ضحايا النزاعات، و٩٣% من ضحايا العمل، و ٧٦% من ضحايا القتل، و٧٥% من ضحايا الانتحار، وإن كانت المساواة هي ما يقض مضجع النسويّات، فهل وجدن صيغة مناسبة لقياسها؟

يزيد راتب الرجل بنسبة ٣٠% عن راتب المرأة، وتسجل النساء ٥ سنوات وسطيًّا أكثر في الأعمار من الرجال، وتمضي النساء عقوبة في السجن أقل بـ ٦ مرات من الرجل على نفس التهمة، وفي الوقت الذي تُرفَض فيه امرأةٌ في مقابلة عمل ما، يخسَر أبٌ حضانة ابنه للأبد، فكيف يمكن لنا أن نقيس المساواة؟

مظلومات أم ظالمات
تقول كاثرين سبيلر المديرة التنفيذية لمؤسسة الغالبية النسوية: “حقوق الرجال ليست مهضومة، والقانون يحفظها له.”

وهنا ندخل في ملف الأبوة حيث خسارة حضانة الأطفال هي التحدي الأكبر الذي يواجهه الآباء، وتسجل المحاكم الأمريكية نسبة ٨١.٦% من حالات الحضانة لصالح الأمهات مقابل فقط ١٨.٣% لصالح الآباء، وحتى الحضانة المشتركة تتحول بالنسبة للآباء إلى حق يتوجب عليهم دخول معارك طويلة لتحصيله في الوقت الذي تكون فيه حقاً محفوظاً للأم. ويؤكد وارن فيرل أن هذا الملف هو أكثر ما يثير حفيظة الرجال ويدفعهم للمطالبة بشيء من العدالة.

ولابدّ من الاشارة إلى أنّ تقبّل الأدوار على أساس الجنس هو ما تطالب به النسوية، ومع ذلك يُتَقَبَّل انتصار الأم في محاكم الوصاية على الأطفال دون أي إثارة لملف التمييز الجنسي أو اعتبار ذلك إهانة لمبادئ النسوية!

ويروي الوثائقي قصصًا مؤلمة عن آباء خسروا حضانة أبنائهم لصالح الأم، فقط ليعرفوا بعدها أن الطفل تم إرساله للتبنّي في حياة والده! وآخرين خسروا حضانة أبنائهم ودخلوا معارك لسنوات طويلة فقط لتحصيل زيارة يوم واحد، ويعمد البعض الآخر إلى إنهاء حياته إثر قرارات المحكمة بمنعه رؤية أطفاله.

وقامت كايسي صانعة هذا الوثائقي برسم بياني توضح فيه الاحتمالات المتاحة أمام الأب والأم في حالة الحمل غير المخطط له، مشيرة باللون الأخضر بجانب الاحتمال الإيجابي والمرغوب، والأحمر عند الاحتمال غير المرغوب، وتزيد بأن ما يلفت النظر هو وقوع الأب تحت رحمة قرارات الأم، وهذا ما يأخذنا إلى ملف الخداع بالحمل للحصول على النفقة!

المخطط الذي رسمته كايسي للاحتمالات المتاحة أمام الأبوين في حالة الحمل الغير مخطط له

المخطط الذي رسمته كايسي للاحتمالات المتاحة أمام الأبوين في حالة الحمل الغير مخطط له المصدر: https://bit.ly/3sA6Bmu

تقول كاثرين سبيلر إن على الرجل المقدم على علاقة جنسية دون رغبة منه بإنجاب أطفال أن يتخذ كل الاحتياطات الواجبة وأهمها مشاركة الشريكة برفضه فكرة الأطفال، لأنه هنا ما زال ممسكاً بزمام الأمور -تقصد القيام بالعملية الجنسية أو الامتناع عنها- ولكن ما إن يحصل الحمل وبالرغم من الاحتياطات فالقرار لم يعد ملكاً للرجل، والآن الكلمة الأخيرة للمرأة لأن جسدها هو ملكها.

وهذا ما يمتعض منه الكثير من أعضاء الحركة، كيل الجسد بمكيالين، فجسد المرأة هو حقها وحدها، أما جسد الرجل ونسله فلا يتطرق أحد لمن تعود أحقيته؟!

وهذا ما يسمّونه احتيال الأبوة paternity fraudK، ويلخصون نتائجه بأنه:

  • حين تقرر المرأة أن تحمل وأن يشاركها الاب مسؤولية قرارها رغماً عنه (حتى إن رحل عنها، فالنفقة تلحق به قانونياً)
  • أو أن تمارس المرأة الجنس مع شخص عابر، ثم تقوم بنسبة الطفل لشخص آخر.
  • أو المرأة المتزوجة التي مارست خلال زواجها الجنس مع رجل آخر وأنجبت طفلاً ونسبته للزوج

وهذا ما تستخدم فيه النساء ورقة “جسدي ملكي” للضغط على الأب وإجباره على دفع نفقة طفل قد يكون لهم أو قد لا يكون، بإرادتهم أو لا.

أين الإعلام من هذا؟
ينتقي الإعلام من الأخبار المحلية والعالمية ما من شأنه أن يسلّط الضوء على مظالم المرأة والفتيات، متغافلين عن آلاف القصص التي يُقتل فيها الأولاد أو الرجال، ومكتفين بذكر أعداد يتبعها كلمة “شخص”، فعلى سبيل المثال فإن معدلات الإصابة بسرطان الثدي تقارب كثيراً معدلات إصابة الرجل بسرطان البروستات، ورغم ذلك لا نرى في الأخير نفس الزخم الإعلامي الذي يحظى به سرطان الثدي في جميع أنحاء العالم.

ومن بين كل ثلاث نساء واحدة معرضة للعنف المنزلي، ومن بين كل ٤ رجال واحد معرض للعنف المنزلي، ومع ذلك تنتشر في أنحاء الولايات المتحدة أكثر من ٢٠٠٠ بيت لإيواء ضحيّات العنف المنزلي، بينما يوجد بيت واحد فقط للرجال، أو أن مصيره سيكون الشارع غالبًا!

ويذكر الوثائقي قصة الفتيات اللاتي اختطفن في ٢٠١٤ في نيجيريا على يد بوكو حرام، وكيف ضجت الدنيا بالأمر ورفع شعار “أعيدوا الفتيات” والتي رفعته ميشيل أوباما وغيرها من المشاهير والسياسيين، متجاهلين تماماً أنه فقط قبل بضعة أيام من هذا الحدث المؤسف تم قتل واختطاف عشرات الصبيان.

أين نحن مما يحدث؟
قد يتساءل القارئ بعد أن سافر معنا في هذه الرحلة المزعِجة إلى الطرف الآخر من العالم، ورأى ما آلت إليه الأمور، ما شأننا نحن؟ نحن مجتمعات إسلامية شرقية نختلف بعاداتنا وأُسسنا التي بُنينا عليها عن تلك التي في الغرب؟ ولماذا علينا أن نهتم بحبةٍ حمراء أو زرقاء أو ما يعانيه الرجل في مجتمعات أقل ما يمكن القول عنها: إنها انحلت أخلاقيّاً منذ زمن بعيد؟

الحبة الحمراء والحبة الزرقاء

نعم نحن مسلمون وشرقيّون؛ ولكن أُسُسنا تزداد هشاشة يوماً بعد يوم، سواء بازدياد ابتعاد ولاة الأمر عن دين الله الحق الذي كان لنا المنارة والضياء في الحياة، أو مع تخلفنا وجهلنا وانسحاقنا كشعوب غدت سوقاً استهلاكياً لكل ما يهلّ علينا من مشارق الأرض ومغاربها من السلع أو حتى الأفكار والأيديولوجيات، فما كان بالأمس عندنا موضوعاً لا يكاد يُطرح بين اثنين صار اليوم “ترنداً” له روّاده ومنظروه.

وربما لا أجد أبسط من جواب “درهم وقاية خير من قنطار علاج” على السؤال أعلاه، فكل ما عايناه في هذا المقال من حقوق مسلوبة للرجال ما كان إلا بسبب استناده لحلولٍ بشرية مرجعيتها الهوى والارتكاز على عقل الإنسان، حاولت أن تحل معاناة النساء في الماضي دون أي ضوابط، ورأت في التحرر المطلق الطريق الأمثل، مما جعل الحاضر الآن في أزمة جديدة يواجهها الجنسان معاً!

تعاني المرأة في مجتمعنا من صعوبات كبيرة جرّاء الظلم الذي يطالها ويطال أبناءها وزوجها وأبوها وإخوتها بسبب ظلم السلطات من فوقهم، وهكذا إلى مالا نهاية حيث لا تتسع المقالات لسرد ما تعانيه بلادنا.

إن تحزّب جنسٍ ضد الآخر والانقسام فيما بيننا بين نسوية وذكوريّة لم ولن يأتي بنتيجة، فالأولى هو العمل سويةً على تحديد الحرب الحقيقة، وتضافر جهودنا لتصحيح الانحراف الذي ما ينفكّ يُزيغنا ويميل بأبنائنا وبناتنا عن سبيل الحق، باتباعهم الهوى الذي يضع الأنا في المقدمة، ويستميت في إرضائها متناسياً كلمة الحق سبحانه: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] 

أما تغيّر مركزية العبادة فلا نتيجة له إلا المظالم والظلمات المركبة بعضها فوق بعض لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:39- 40]

ختامًا فإن من كانت تؤمن بالله ورسوله وتعبد الله وحده لا شريك له فسترضى بشرعه وستأتمر بأمره وإن لم يوافق هواها، وستعرف حقّ اليقين أن وجودها في حقبة زمنية تحتوي النقيضين من النساء، مظلومات في طرف الكوكب ومستقلات مستقويات في الطرف الآخر، لن يغيّر من حقيقة أنّه لن يصحّ إلا الصحيح، وأن الشرع البشري المحتكم لحاجات الناس وأهواءهم آيلٌ إلى أن يظلم بشكلٍ أو بآخر، فلا كمال إلا من وحيه عزّ وجل ولا هناء وفوز إلا برضاه، أما مشكلات مجتمعنا فنحن أولى بحلها واحدة واحدة، دون تعميم أحكام أو استيراد فلسفاتٍ خارجية ونصائح لم تنفع أصحابها في المقام الأول.




سحر الويكا: كيف تسللت عبادة الشيطان إلينا عبر السينما والمناسبات؟

أنتجت هوليود في العقدين الأخيرين الكثير من الأفلام والمسلسلات عن السحرة والقوى السحرية، وسلّطت وسائل الإعلام الأضواء بشكلٍ أكبر من أي وقتٍ مضى على الويكا وطقوسها، كما ضمنتها في ألعاب عن التعاويذ تستهدف أطفالاً بعمر ال١٠ سنوات.

غلاف كتاب: سحر الويكاتتصدّر كتب الويكا والسحر والشعوذات رفوف المكتبات في الغرب، وتلاقي رواجاً كبيراً لاسيما بين المراهقين، وتناقش كاثرين ساندرز صاحبة كتاب “سحر الويكا Wicca’s charm” أهم الأسباب التي تشدّ المراهقين والشباب لهذا الموضوع في عدة نقاط، فما هي؟

أولى تلك النقاط هي “تملّك الفتيات للقوة” فبحسب أساطير الويكا التي يُقال إنها بدأت منذ ٣٥٠٠٠ سنة، كانت النساء هنّ الحاكمات ويعبدن الطبيعة والآلهة الإناث، وكانت الحياة هانئة مسالمة، إلى أن جاء “الغزو الذكوري” الذي عكّر صفو المجتمعات النسائية وأرضخهن، ومنذ ذلك الوقت تحاول النساء استعادة الملك والسُّلطة من الذكور، ويروّجن بأنّ على النساء التحالف سويةً لتمكين الآلهة النسوية من استعادة الحكم مرةً ثانية ليعم السلام مجدداً.

أما النقطة الثانية فهي: وَهْمُ “القوة المطلقة” حيث تبدو فكرة السيطرة على القوى الخفيّة المؤثّرة بما حولنا جذّابة للمراهقين، خاصةً أن الويكا توهم هؤلاء بأن السحرة الصغار على قدرٍ أكبر من القوة والقدرة على التحكم والسيطرة ممن هم أكبر منهم سناً، بالإضافة لذلك يضفي الطابع السري لممارسات الويكا غموضاً وإثارة تزيد من إغراء تلك الفئة العمرية.

في حين أن “حماية الأرض” تعد النقطة الثالثة، حيث إنه في عالم يعاني من تغييرات مناخية كبيرة معظمها ليس في صالح الأرض والطبيعة، يجد المراهقون في الويكا التي تقدس الأرض والطبيعة فرصةً لإحداث تغيير للأفضل.

على طريقتي وحسب هواي
هذه إحدى أهمّ صفات الويكا ومبادئها، فليس ثمّة قوانين ضابطة فيها ولا ثوابت، بل يقولون: كل شيء ممكن، ولا يوجد خطأ أو صواب، ولكل شيء استثناء، وكل إنسان بإمكانه اختيار القوانين التي يرى أنها تناسبه وتلائمه، وفي المراهقة التي لم تنضج فيها فكرة الأمور المطلقة والثوابت الأخلاقية، ستجد الويكا لها طريقاً سلساً في عقول ومنطق هؤلاء الصغار في كل مكان.

يسرد موقع focus on the family تجربة لإحدى المنتسبات للويكا تقول فيها الفتاة المسيحية “كاثي” بأنها قررت في فترة المراهقة أن تعرف أكثرعن هذا الديانة الوثنية المحيطة بها من كل مكان، فكانت تعيش في مدينة سايلم الأمريكية والتي تشتهر بتاريخ حافل بالساحرات وممارسة طقوس السحرة.

تعرفت الفتاة على راهبةٍ ويكيّة، ثم حصل أن ضمّت الأخيرة الفتاة تحت جناحها واهتمت بتعليمها السحر، وطمأنت الفتاة بأن أفعالها إنما هي “سحر أبيض” لا مشكلة فيه، بل على العكس قد يعود بالنفع على الكثيرين، وبعد عدّة سنوات أتقنت الفتاة الفنون السحرية التي تعلمتها، إلا أن الأمور سارت لتنحني نحو السواد والظلام[1]، وشعرت بأنها تنحدر تدريجياً إلى أمور غامضة لا تمت بصلة لكل ما قيل لها من قبل.

وجاء اليوم الذي رأت فيه ما لم يخطر ببالها، فبينما هي في غرفتها في نهارٍ صيفي حار، تشعر فجأة بالبرد وتصاب بالرجفة والقشعريرة وتتراقص أمامها فجأةً العشرات من الشياطين السوداء حسب وصفها، ضاحكين بصوت عالٍ، فتحاول الفتاة تلاوة ما تحفظه من تعاويذ وتمتمات لتطردهم، ولا يزيدهم الأمر إلا ضحكاً، وتزداد المسكينة رعباً، ثم تناجي الله بصلاةٍ تعلمتها في طفولتها، فيعود كل شيء إلى طبيعته، الأمر الذي قادها فيما بعد لترك كل ما له علاقة بهذه الديانة إلى الأبد[2].

هل الويكا كذبة بيضاء؟
غلاف كتاب "الويكا: الكذبة البيضاء الصغيرة للشيطان"يقول ويليام شنوبلن Schnoebelen العضو السابق في الويكا في كتابه الكذبة البيضاء الصغيرة للشيطان: “الويكا هي واحدة من أكثر الخدع المغرية التي توصل إليها الشيطان”، ويصف كيف أن رغبته الدافعة كانت الحصول على مزيد من المعرفة بأسرار عالم الروح. لكن أساتذته قادوه إلى مسارات انتهت بالخداع فقط، وقد علم فيما بعد أنها كانت طرقًا بالية لا أكثر، وأنّ سحره الأبيض في “حركة العصر الجديد” لم يكن سوى عبادة الشيطان القديمة.

يكمل شنوبلن بأن فلسفة العصر الجديد التي تروّج لها ديانة الويكا هي مجرد اختلاق حديث لأكاذيب الشيطان المركزية: يمكن للإنسان أن يصبح إلهاً، وللوصول إلى هناك يجب أن “يتطوّر” من خلال العديد من التناسخات، لكنه اكتشف أن تطوّره وصعوده ما كان إلا “نزولًا”، ويشرح بالتفصيل كيف انتقل من الرقص عاريًا في الغابة إلى القيام بالتضحيات الدموية والنوم في نعش!

أعياد الويكا
يحتفل أتباع الويكا بثمانية أعيادٍ في السنة تسمى الأسبات (جمع سبت) Sabbats، وسنرى فيما يلي أن العالم المسيحي الحديث قد اقتبس معظم أعياده منها، ونشرها حول العالم تحت تأثير العولمة، وهي بالترتيب:

أعياد الويكا

السامهان Samhain
يُحتَفَل بهذا العيد في 31 من أكتوبر ويمثل بداية السنة أو دورة الزمن عندهم، ونهاية فصل الضوء، وبداية الظلام، ويتم فيه التعبير عن الشكر والامتنان على ما أُعطوه في السنة الماضية. والأدلة المكتشفة في إيرلندا واسكتلندا وبريطانيا على احتفال القدماء بهذا العيد قبل المسيحية، وهو ما قد يجمع اليوم بين ليلة الهالوين وعيد الشكر.

 يول Yule
يُحتفل به في وقت الانقلاب الشتوي فيما بين ٢٠-٢٥ديسمبر، وحسب الباحث ريفن غريماسي Raven Grimassi في كتابه روحانية الساحر spirit of the witch “يمثل يول بالأساس تجديد دورة الحياة، ففي الوثنية القديمة آمن الناس أن الانقلاب الشتوي هو الوقت الذي يولد فيه إله الشمس من جديد” وقد كانت تُنصب الأشجار في الخارج ويتم تزيينها لإيمانهم أنها تجلب البركة من الآلهة والأرواح، واحتفالاً بولادة إله الشمس، وتُقدم الهدايا. وكما أشار غريماسي إلى أن شجرة الزينة يجب أن تكون دائمة الخضرة لترمز إلى قوة الحياة التي ستنجيهم من فصول السنة الصعبة. وكما نرى فهو عيد يتطابق في وقته وطقوسه مع عيد الكريسماس – عيد الميلاد- لدى المسيحيين اليوم.

إيمبولك Imbloc
تعني البطن في اللغة الإيرلندية القديمة، ويحتَفَل به في ١-٢فبراير وتشير إلى الأغنام الحوامل، ويعد هذا اليوم هو نقطة الوسط الفاصل بين الانقلاب الشتوي والاعتدال الربيعي، ويعبر عن التطهير والخصوبة والأمل ووعد المستقبل، وقد تجسّدت هذه المفاهيم في شخصية الإلهة بريدجيت، إلهة الطب والشعر والخصوبة والحدادة والينابيع المقدسة، وفي التقاليد المسيحية في بعض البلاد لا يزال يُحتفل بهذا اليوم كعيد للقديسة بريدجيت!

أوستارا Ostara
ما بين ٢٠-٢٣مارس حيث يتم الوفاء بالوعود والآمال التي حملها عيد إيمبولك في عيد أوستارا أي عيد الاعتدال الربيعي، ويأتي اسم العيد من إلهة الربيع والخصوبة الجرمانية إيوستر Eostre، والدة الفجر التي -وفقاً للأساطير القديمة- عادت الآلهة للظهور من تحت الأرض حيث كانت نائمةً لعدة أشهر.

طقوس الاحتفال تشمل البيض الملوّن والكتاكيت والأرانب والزهور، تركيزاً على الولادة والتجديد، ويُقرن رمز البيضة بمفهوم المتاهة، حيث يتم اخفاؤها والبحث عنها، وتعود هذه الفكرة حسب زعمهم إلى العصر الحجري الحديث في مناطق مختلفة مثل إيرلندا والهند واليونان، وهي بمثابة تمثيل رمزي لفصل الذات عن الواقع الخارجي الحالي، وبالتالي إيجاد معنى أكبر داخل الذات، تماماً كما الطقوس الممارسة في عيد الفصح في أيامنا.

بلتان Beltane

صورة من الريف الانكليزي عام ١٨٨٤ لأشخاص يحتفلون حول المايبول

يحتفَل بهذا العيد بما بين ٣٠أبريل- 1مايو- حيث يأتي النور والخصوبة بقدوم الصيف، ويُعتقد أن الاسم مأخوذ من عبارة نيران بيل Bel’s fire في إشارة إلى بيل Bel إله الشمس السلتي وتعني حرفيّاً النار الساطعة، في مراسم الاحتفال تُضرم النيران ويبدأ الرقص وغالباً حول شجرة كما في العصور القديمة، وتطورت مع الوقت رمزية الشجرية إلى رمز على شكل عمود يعرف باسم مايبول Maypole، يتم تزيينه بخيوط طويلة وشرائط يمسك بها المشاركون.

 

احتفال البلتان حول العمود في قريبة شاغورد البريطانية Chagford عام ٢٠١٢[3]

احتفال ليثا
ويكون فيما بين ٢٠-٢٢ يونيو ويُعتقد بأنه الاسم الانجلوساكسوني لشهر يونيو، يُحتفل فيه بأطول يوم في السنة، ويُعتبر هذا اليوم نقطة التحوّل في العام، ويشتمل الاحتفال على إشعال النيران والرقص وتناول الفواكه الطازجة وكعك العسل والولائم فرحاً بانتصار النور على الظلمة، مع توقّع الظلام الذي سيتفوق على النور في الأيام المقبلة -حيث يزداد طول الليل تدريجياً على حساب النهار- والرجاء بأيام خفيفة وطويلة تعود إليهم بعد الفصول المظلمة.

الممارسات الشائعة في هذا اليوم بالإضافة إلى الأعياد والنيران هي حماية النفس وتحصينها من القوى غير المرئية التي استيقظت حديثاً في عيد بلتان السابق والتي تكون اليوم في كامل قوتها وقد تسبب ضرراً كبيراً.

ويتم صنع التعاويذ للاحتماء وخاصة لمن يعقدون زيجاتهم في هذا اليوم، الذي يحرص الغالبية على اختياره يوماً للاحتفال بالزواج كجزء من الاحتفال الكبير.

لوغ ناساد Lughnasadh
يكون هذا الاحتفال في 1 أغسطس، وقد سمّي باسم الإله السّلتيّ “لوغ”، الذي يمثّل إله لنظام والحقيقة، وهذا الاحتفال عبارة عن مهرجان حصاد يُحتفل فيه بمرور الصيف إلى الخريف.  وتُقدّم فيه أولى ثمار الحصاد للآلهة والإلهات.

مابون Mabon
يحتفل بـ مابون في الاعتدال الخريفي من خلال الشكر والتفكر بما اكتسبه الفرد وخسره على مدار العام وذلك في ٢٠-٢٣سبتمبر ويقابله عيد الشكر في القارة الأمريكية، أما الاسم فهو ابتكار معاصر، صاغه الكاتب الويكي أيدان كيلي Aidan Kelly مؤخرًا في سبعينيات القرن الماضي، لكن الاحتفال بالاعتدال الخريفي يُعدّ ممارسة قديمة جدًا.

إلى أين تسير وثنية الويكا؟
في الختام لا بدّ من التساؤل عن مدى انسياق العالم تدريجياً نحو الروحانيّات الشيطانية لأسباب عديدة بفعل الإعلام وجهوده الحثيثة وتبني ما يسمى دين العصر الجديد، والويكا ليست إلا أداة جذابة من أدوات هذا الدين لاستهداف صغار الشباب والشابات من مختلف الثقافات والمجتمعات، ليتفقوا جميعاً في النهاية أن دين المرء هواه، وإلهه نفسه ورغباته.

نسأل الله السلامة والثبات على دينه الحنيف.


المصادر والهوامش:

https://www.ancient.eu/Wheel_of_the_Year/

https://www.chick.com/battle-cry/article?id=Wicca-Seduction-of-the-Innocents

https://www.focusonthefamily.com/parenting/the-hidden-traps-of-wicca/

Wicca’s charm by Catherine Sanders

https://youtu.be/4ku4mG-RXbs

 

[1] حكم تعلم السحر في الإسلام التحريم، والكثير من العلماء كفّروا تعلمه حتى وإن لم يمارسه، وليس في الإسلام تمييز بين سحر أبيض أو أسود، فحتى لو استخدمه صاحبه لنفع الناس أو فك السحر عن المسحورين فهو آثم لاستعانته بالشياطين.

[2] يتساءل البعض كيف يمكن لصلوات من الإنجيل المحرّف أن تطرد الشياطين، ونقول إن قصص طرد الشياطين بنصوص “الكتاب المقدس” إذا كانت صحيحة فعلا فربما تحدث لأن التحريف لا يعني أن الكتاب كله من صنع البشر، بل فيه أجزاء كثيرة من الوحي الإلهي، وعندما يلجأ المسيحي إلى الله بالدعاء فحتى لو كان يشرك معه في العبادة نبيه عيسى عليه السلام فإن الدعاء قد يُقبل لصدق التوجّه.

[3]  مصدر الصورة: https://www.terriwindling.com/blog/2015/05/beltane.html




لماذا عادت ديانة الويكا للحياة من جديد؟

هل رأيت امرأة في غابة تلوّح بعصا خشبية وتلقي تعاويذ ضمن دائرة من عدة أفراد يلقون على أنفسهم لقب السحرة؟.
إنه وصفٌ قد يبدو مأخوذاً من أفلام الخيال، أو من روايات الأساطير، لكنه شيء بسيط مما يحدث في عالم الويكا Wicca، وكلمة “الويكا” مشتقة من اللغة الإنجلوساكسونية القديمة Anglo-Saxon كانت تُلفظ ويتشا Wicce، وتعني تطويع الطبيعة وإعادة تشكيلها لتصبح في خدمة الإنسان، وهي حركة دينية جديدة تستند على الطقوس الوثنية القديمة من ممارسات السحر Witchcrafts، ظهرت في بريطانيا على يد جيرالد غاردنر Gerald Gardner (١٨٨٤-١٩٤٦) في النصف الأول من القرن العشرين، ويصنفها العلماء من الديانات الوثنية المعاصرة Neo-paganism، حيث تعتبر الويكا –تحديداً- من أكثرها انتشاراً في العالم، ففي بريطانيا مثلا يقال: إنك حين تمشي في الشارع فأنت محاطٌ دائماً بالسحرة، وذلك لسرعة انتشار هذه الديانة هناك بالرغم من سريتها.

اجتماع لساحرات في طائفة الويكا

اجتماع لساحرات في طائفة الويكا (مصدر الصورة: Wicca now)

جيرالد غاردنر
يقول الكاتب البريطاني فيليب هيسيلتون Philip Heselton والباحث في سيرة غاردنر إنه كان طفلاً لعائلة بريطانية ميسورة الحال في لانكشاير Lancashire، إلا أنه لم يكن طفلاً مرغوباً به فقد أوكله أبواه لمربيته في سن السادسة من عمره بسبب معاناته من الربو وأرسلاه معها إلى المستعمرات البريطانية في الشرق لإبعاده عن إخوته، لينشأ هناك ويُترك ليتعلم بمفرده، ونتيجة لذلك فقد تأثر بالطقوس الوثنية للقبائل التي سكن بجانبها، وأثارت إعجابه لا سيما تلك التي تتضمن السحر في معالجة المرضى والاستشفاء، حيث أمضى شبابه وحياته في ماليزيا، وهنا يضيف الكاتب فيليب قائلاً إن جيرالد فُتن بممارسات الديانات الوثنية التي عايشها في الشرق بالإضافة إلى اطلاعه على التنجيم والسحر الغربي، فقد أُعجب وتأثر بشخصية المحقق شيرلوك هولمز وكاتبها كونان دويل.

جيرالد غاردنر: المؤسس والأب الروحي للويكا

جيرالد غاردنر Gerald Gardner : المؤسس والأب الروحي للويكا

وكان مما أثّر فيه عندما عاد إلى بريطانيا متقاعداً الكثير من الجماعات السرية، بالأخص الماسونية التي جذبته بطابعها الباطني الذي كان يستحوذ على تفكير جيرالد، حيث إن المشترك بينه وبين الماسونية هو أن كلاهما يبحثان في بُعدٍ آخر، وهو البعد الذي يشمل الطقوس السحرية الممارسة ضمن الجماعة والمشابهة لتلك التي شهدها في الشرق.

والجدير بالذكر أنه كان للقَبَالاه اليهودية نصيب من الذكر في كتاب جيرالد “معنى السحر” The meaning of Witchcrafts حيث أشار إلى أن اليهود الذين تم إجلاؤهم من بريطانيا في عهد الملك إدوارد الأول، منهم من رحل ، ومنهم من عاش متخفياً بشكل سري في الأماكن المتطرفة من الأرياف والتي كان يقطنها السحرة، وأن القبالاه اليهودية تفاعلت معهم وانسجمت وحافظت على بذورها في بريطانيا منذ ذلك الحين.

يجادل غاردنر أيضاً بأن القبالاه كما الويكا تعبد إلهين أحدهما ذكرا والآخر أنثى، معتبرا أن نظرية الإله الواحد المذكر هي شيء جاء به الرجال لخدمة مصالحهم: فيقول “في هذه الأسفار نجد تطور أقانيم الله وصفاته.  ومنها ما هو مذكر ومنها ما هو مؤنث. ولسبب أو لآخر -يعرفه فقط مترجمو الكتاب المقدس- قاموا بعناية بإزالة وإلغاء كل إشارة إلى حقيقة أن الإله ذكوري وأنثوي”.[1]

انتقل غاردنر إلى هايكليف Highcliff في ١٩٣٨، وانتسب إلى نادٍ للتعري Nudist club، وكان يلتقي مع أصحابه في فنائه الخلفي ليقوموا بحفلات التعري، وكأنه تمكّن من نقل هذه العدوى لمحيطه من الجيران الذين وبحسب ديمغرافية المنطقة يُعتبرون من المقدّسين للطبيعة Naturalist وفنونها، فعُقدت حفلات العري والجنس الجماعي بشكل دوري في منزله، لكن هذا لم يرضِه تماماً وكان يبحث عن شيء أكبر، حيث نقل أنه في ليلة من عام ١٩٣٩ -حسب زعم غاردنر- تم عصب عينيه وأُخِذَ في منتصف الليل إلى غرفة مليئة بالسحرة ووُضع ضمن دائرة وأُعطي حينها الأسرار السحرية القديمة وذُكرت كلمة ويكا، ومنذ تلك الليلة كرس الرجل حياته لتأسيس ورسم ملامح هذه الديانة الجديدة.

معتقدات ديانة الويكا
يكرر أتباع ديانة الويكا في كل محفل ويؤكدون أنهم ليسوا عبيداً للشيطان أو إبليس، وأنهم لا يؤمنون أساساً بقصة الخلق التي تتفق عليها الديانات الثلاث من حيث خلق الله للإنسان والملائكة والشيطان، وأن هذا الأخير قد عصاه فطُرد من الجنة، ويزعمون أن الويكا هي إحياء للوثنيات التي آمن بها القدماء قبل فرض المسيحية.

والغريب في هذه المزاعم أن ما يعبدونه هو عبارة عن إلهين ذكر وأنثى، يتمثل الإله الذكر على هيئة كائن بقرنين ويسمونه the horn god الإله صاحب القرنين أو السيّد the lord، وهذه كما نعلم من صفات إبليس.

الإله الذكر صاحب القرنين (المصدر ويكيبيديا)

الإله الذكر صاحب القرنين The horned God (المصدر ويكيبيديا)


السيّد والسيّدة (المصدر ويكيبيديا)

السيّد والسيّدة The lord and the lady (المصدر ويكيبيديا)

أما الإلهة المؤنثة فيطلقون عليها اسم السيّدة the lady، ومنهم من يؤمن بآلهة متعددة ذات صلة بالطبيعة والقوى الطبيعية.

والبعض يؤمن بإله واحد هو الإلهة الأنثى، أو إله واحد يأتمر بأمره السيّد والسيّدة، كما يذهب البعض لعدم ضرورة الإيمان بأي غيبيات أو آلهة، وهذا التناقض يفسرونه بأنه أحد أهم قواعد الويكا، فهي دين انتقائي، وعليه فلا وجود لثوابت، وحتى إن وُجدت فهناك استثناء لكل شيء.

يحل الإيمان بتناسخ الأرواح عندهم محل الإيمان بالآخرة، ومن يكون ساحراً فسيعود للحياة ساحراً، Once a witch always a witch، كما يؤمنون بمبدأ الكارما، وبناءً عليه تؤثّر قراراتهم في حياتهم الحالية على مصيرهم ومستقبلهم في الحياة القادمة.

ينظّم السحرة في الويكا أنفسهم على شكل جماعات Wiccan covens من ١٣ شخصا يرأسهم راهب أو راهبة، وتكون معابدهم الغابات والحدائق مع مراعاة السرية التامة وعدم جذب انتباه الغرباء.

انقسم سحرة الويكا مع الزمن إلى مجموعات كثيرة أهمها:

  • الغاردنريون Gardnerians: نسبة إلى غاردنر، ويُعتبرون الأكثر تقليدية من بين الجماعات، حيث يحرصون على الاحتفاظ بقدسية التعاليم والطقوس القديمة التي دوّنها غاردنر في كتبه، وأهمها كتاب الظلال the book of shadows والذي يعد كتاب الوصفات السحرية، ويتناقلونه رسماً باليد، حيث يعيد كل ساحر كتابة نسخته بخط يده، مع المحافظة على السرية في كل الطقوس.

نماذج من كتاب الظلال  (المصدرعن صفحة دورين فالينيت)

نماذج من كتاب الظلال  (المصدرعن صفحة دورين فالينيت  Doreen Valiente fondation)

  • الإلكسندريون Alexandrians: نسبة إلى الساحر Alex Sanders الذي يختلف بمنهجه عن الجماعة الأولى بخروجه عن تقديس تعاليم غاردنر والاستغناء عن طقوس التعري.
  • سحرة ديانا Dianic: نسبة إلى الساحرة والنسوية الهنغارية الأمريكية جوجانا بودابست Zsuzsanna Budapest التي بنت أسس هذه الجماعة متأثرةً بالحركة النسوية فلا يعبدون إلا آلهة أنثوية، واعتراضاً على النظام البطريركي (سُلطة الأب) يختارون راهبةً لترأسهم.

جوجانا بودابست

وهناك جماعات صغيرة أخرى من السحرة، كما يوجد خارج إطار الجماعة الكثير من السحرة الأفراد الذي لا يعدون أنفسهم مع أي جماعة، ومنهجيتهم الانتقاد والانتقاء لتتشكّل عقيدتهم حسب هواهم وبما يتناسب مع فردية كل واحد منهم customized religion.

تجدر الإشارة إلى أنّ السحر والسحرة أحد أبرز موضات العصر الدارجة في الغرب، الذي كان فقط قبل قرون قليلة يعاقب بالحرق كل من تُشار إليه الأصابع بتهمة ساحر، كما تُعتبر الويكا ديناً رسميّاً في أمريكا وكندا وغيرهما، إضافة إلى ذلك يروّج أن السحر الأبيض يعين على الشفاء والاسترخاء والحماية والاتصال بالطبيعة وحمايتها.

فإلى أي مدى يصحّ هذا الادّعاء، وعلى أي أساس تقوم طقوس الويكا وأعيادها، ولماذا تروج هوليود بشكل كبير لهذا الدين مؤخراً؟ هذا ما سنبحثه في المقال القادم بإذن الله.


المصادر والهوامش:

https://wicca.com/wicca/what-is-wicca.html

https://youtu.be/r-ho5EWz4O0

https://youtu.be/zoUlbK4Ob3Y

https://youtu.be/WcACIFBvheE

https://youtu.be/M56-6XA3h2M

The meaning of Witchcrafts by Gerald Gardner

[1]  معنى السحر، جيرالد غاردنر، ص: ٢٩




المعتقدات السلافية: ماضٍ ينهض من جديد (2)

ربّما يُخيّل لأيّ مسلمٍ أنّ عهد الأوثان ولّى بعد فتح مكة، وأن إيمان الشعوب الآن يتراوح بين تعاليم الإسلام والمسيحية واليهودية، أو الإلحاد في أقصى تقدير، إلا أن الأمر في روسيا يبدو مختلفًا، فبالرغم من فرض المسيحية على الشعوب السلافية قديماً إلا أن ذلك لم يُلغِ الطقوس والمعتقدات الوثنية تماماً، بل بقيت متغلغلة داخل المجتمع الروسي وإن كان بشكل غير رسمي، خاصّةً في المناطق الريفية.

ترافق انتشار الديانة الجديدة في روسيا امتزاجها بالقديمة وتم ذلك برعاية وعناية القيادة الدينية ذاتها، لتجعل الإيمان الجديد أكثر قبولاً لدى الشعب، حيث جرى توقيت الأعياد القديمة الزراعية وغيرها مع أيام التقويم المسيحي، وامتزجت الآلهة القديمة تدريجياً بالقديسين المسيحيين، وأُفقدت أسماءها مع الاحتفاظ بوظائفها وصفاتها لتُنقل إلى هؤلاء القديسين.

ونذكر من هذه النماذج ما يلي:

• مريم عليها السلام:
شغلت مريم العذراء أهميةً كبيرةً في المجتمع الروسي، ولكن أُضيفت إليها بعض الصفات المستقاة من مصادر وثنية، ففي بعض الأحيان سُمّيت باسم “كراموفيتسا Cramovitsa”، “مريم الرعد Mary the thunderer” وهو تجسيد لمريم العذراء، وجانب تظهر فيه مريم كعمود من نار، وهي سمة كانت تُنسب في العهود القديمة إلى الإله بيرون، وفي هذا الجانب هي المسؤولة عن قوس قزح (اعتبروه الجسر الذي يربط بين السماء والأرض) والذي يسمح للمطر بالتدفق بحريةٍ فوق الحقول. (١)

القديسة باراسكيفا (المصدر: ويكيبيديا)

• القديسة باراسكيفا St Paraskeva :
قدّيسة تبنت العديد من وظائف إلهة الخصوبة الوثنية موكوش Mokosh، حيث كان يُعتقد أن اثني عشر يوم جمعة من السنة مقدسة لباراسكيفا، وفي هذه الأيام يجتمع الرجال والنساء صغاراً وكباراً متجردين من ملابسهم ويقفزون ويتمايلون.

وأدان بطريرك القسطنطينية هذا الاحتفال الوثني عام 1589م، ومع ذلك استمرت الاحتفالات بهذا الشكل في أوكرانيا لغاية القرن الثامن عشر. (٢)

صورة متخيلة للنبي إيليا (المصدر: seedsoffaith.cph.org)

• النبي إيليا (Il’ya):
الاسم الروسي للنبي إيليا (إلياس) في العهد القديم والذي أضفت عليه الوثنية صفات وقدرات الإله بيرون إله الرعد. حيث آمنوا بقدرات إيليا Il’ya او Elijah على إنزال المطر والنار من السماء تماماً مثل إيمانهم ببيرون قبل المسيحية. (٣)

الوثنية المعاصرة
شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور حركات دينية جديدة تتمثل بإحياء التقاليد الروحية الوثنية القديمة (ما قبل المسيحية).

ترفض هذه الأديان الدوغمائية (التشريع الثابت) بحيث يكون تشريعها هو اللا تشريع، دون أيّ أعراف أو شرائع، وهذا ما يعتبرونه مزية عن الأديان الابراهيمية التي تحتكم للكتب السماوية المقدّسة.

تُعتبر كلمة وثنية عند الوثنيين كلمة واسعة تشمل الوثنيات القديمة وحركات إعادة الإحياء Reconstructionist، والوثنية المعاصرة Neopaganism، والأخيرة تستوحي إلهامها من المعتقدات القديمة لكن دون محاولة لإعادة ممارستها، خاصة تلك التي لا تتناسب مع الوقت الحالي (كتقديم قرابين بشرية مثلاً)، بعكس حركات إعادة الإحياء، التي تنبش في تاريخ ومعتقدات الأجداد سعياً في تبنيها وإعادة ممارستها تماماً كما فعل القدماء.

وتضفي هذه المظلة الواسعة على الحركات صفة اللا تجانس، علاوةً على ذلك فهي تتطور وتتغير في اتجاهات مختلفة بتغيّر جغرافية المكان وهكذا.

بعد انهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية اكتسبت هذه الحركات زخماً في معظم البلدان الاشتراكية السابقة، واشتركت غالبيتها في السياسة القومية.

وبالرغم من أن الوثنية الأصلية في أوروبا الشرقية والوسطى تعادي بطبيعتها مبادئ السوفييت والشيوعية، إلّا أنّ الوثنيين من البلدان السلافية تعاونوا فيما بينهم بتشكيل تجمعات سنوية في الدعوة إلى إيديولوجية قومية سلافية، لكن وبسبب بعض الخلافات الداخلية توقفت التجمعات في السنوات الأخيرة.

تختلف الوثنية السلافية عن الحركات الوثنية الغربية مثل ويكا wicca, السحرة witchcrafts وحركات العصر الجديد New age movement بأنّها ليست تبشيرية، فهي لا تحاول التوسّع، أو كسب المزيد من المنتسبين، مع أن الاهتمام يزيد خاصة عند روّاد الإنترنت على هذا المحتوى.

وعلى عكس الوثنية الغربيّة المادّية التي تغري أتباعها بالحصول على القوة والمعرفة من خلال الاتصال بالأرواح أو ممارسة السحر، أو قراءة المستقبل وغيرها، تتخذ أوروبا الشرقية الوثنية كأداةٍ لترسيخ مفاهيم القوميّة الروسية والانتماء للأرض والاعتزاز بالهويّة من خلال استحضار معتقدات القدماء والسير على آثارهم مقاومين بذلك الدخلاء سواء كانوا أفراداً أو أيديولوجيات، أو حتى توسعاتٍ لدياناتٍ أخرى كالإسلام واليهودية.

الرودنوفيري
في روسيا، يرفض العديد من أتباع الروحانية السلافية (قبل المسيحية) كلمة الوثنية.  لذلك، فإن المصطلح المحدد للحركة هو Rodnoverie، والذي يعني “الإيمان الأصلي” (rodnaya vera). 

رمز ديني للرودنوفيري (المصدر: ويكيبيديا)

في الوقت الحالي، لم تسجّل أي منظمة للرودنوفيري كمجتمع ديني، ويرجع ذلك جزئيًا إلى المتطلبات المشددة للتشريع الروسي الحالي، لكن العديد من المجموعات لا تطمح إلى مثل هذا الوضع لأنها لا ترغب في تقديم معلومات حول نشاطها إلى السلطات.  إذ إن الجماعات المتطرفة تتجنب وضع أي معلومات عن نفسها على الإنترنت.

ومن الصعب للغاية تقدير عدد مجتمعات الرودنوفيري الصغيرة غير الرسمية. ولكن استنادًا إلى عدد الأعضاء في بعض مجتمعات الإنترنت والأشخاص الذين يحضرون أكبر مهرجانات الرودنوفيري، يبدو أنه من الممكن القول إن هناك عشرات الآلاف من الرودنوفيريين في روسيا.

ربط الدين بالآراء السياسية ليس أمراً غير مألوف في الوثنية المعاصرة، فعلى سبيل المثال يجادل الوثنيون بأنّ الإيمان بالآخرة في المسيحية يؤدي إلى إهمال البيئة والأرض والإحجام عن مواجهة الظلم الاجتماعي.

في روسيا، القومية هي السمة الأكثر انتشارًا وبروزًا في سياسة رودنوفيري، على الرغم من كون الحركة تضم كلاً من مجموعات اليسار المتطرف واليمين المتطرف.

 أكبر مجموعة الرودنوفيري هي KOB، وهي اختصار لعبارة  Kontseptsiya Obshchestvennoi Bezopasnosti   ، وتزعم هذه المنظمة أن لديها أكثر من 50 ألف عضو، ولكن يبدو من غير المرجح أن غالبية نشطاءها قد عرّفوا أنفسهم على أن ديانتهم وثنية.

  يمكن العثور على الوثنية في التعاليم الباطنية والخفية لحركة KOB ، لكن الدين ليس من بين موضوعاتها الرئيسية، كما أن  KOB تنشر أيديولوجية يسارية متطرفة ومعادية للسامية ومحافظة اجتماعياً، وتحتفل بستالين كبطل رئيسي لها، ومع تركيزها الشديد على الخطاب السوفيتي، تمثل KOB قومية قديمة إلى حد ما، وفي العقد الحالي بدأت شعبيتها في الانخفاض.

 منذ البداية، كانت معاداة السامية واحدة من السمات المحددة لقومية رودنوفيري. ففي كتاب Desionizatsiya المنشور عام 1979، وهو أول منشور وثني في الاتحاد السوفيتي، جادل مؤلفه فاليري إميليانوف بأن على الروس أن يتحولوا إلى ديانتهم الأصلية لأنها كانت وسيلة أكثر فاعلية لمحاربة “الصهيونية” من المسيحية، التي تقوم على اليهودية.

أصر يميليانوف على أن اليهود يقودون مؤامرة عالمية ضد الشعوب الأخرى، وخاصة الآريين، ومنذ ذلك الحين تكررت مزاعم يميليانوف المعادية للسامية بشكل صارخ في العديد من منشورات رودنوفيري، والتي استمدت أيضًا مواداً من الأدب المعادي للسامية في بداية القرن العشرين ومن ألمانيا النازية، إذ غالبًا ما اتُهمت مجموعات الرودنوفيري بالتعاطف مع النازيين، وفي الواقع يعترف بعض المؤلفين بإعجابهم بهتلر.

علم الحزب النازي

كان العامل الحاسم في نمو حركة الرودنوفيري هو ارتباطها بمشهد فنون الدفاع عن النفس، وفي بداية التسعينيات قدم الكاتب الوثني ألكسندر بيلوف فنًا قتاليًا جديدًا باسم “Slavyano-Goritskaya Borba” ، والذي ادعى أنه يستند إلى تقليد روسي فريد. 

ومثل يميليانوف، جادل بيلوف بأن الوثنية كانت “دين المحارب”، على عكس المسيحية التي تدعو إلى التواضع والاستسلام.  داخل الأندية الرياضية التي تمارس سلافيانو جوريتسكايا بوربا، انتشرت الوثنية بشكل فعال بين الشباب الروسي واكتسبت أيضًا موطئ قدم بين مجموعات حليقي الرؤوس.

ارتكب بعض أتباع الرودنوفيري جرائم مثل الهجمات على الكنائس الأرثوذكسية والمعابد اليهودية والمساجد أو الاعتداءات العنصرية العنيفة على الأشخاص “غير السلافيين المظهر”، وربما تم الكشف عن الحالة الأكثر إثارة للاشمئزاز في عام 2009، عندما تم القبض على مجموعة من ثلاثة شبان تتراوح أعمارهم بين 17 و18 عامًا، والذين عرّفوا عن أنفسهم باسم رودنوفيريين، بسبب 12 جريمة قتل عنصرية ومحاولتي تفجير في موسكو.

على الرغم من أن هذه حالات فردية يمكن القول إنّ غالبية الرودنوفيريين لا يوافقون عليها، إلّا أنه لا يمكن رفضها باعتبارها ظاهرة منفصلة عن الحركة.  فعلى الرغم من أن أبرز قادة رودنوفيري لا يشجعون علنًا على العنف ، إلا أنه يتم إقراره ضمنيًا من خلال نظرتهم للعالم المانوية وشيطنة “الآخر”.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تم إدخال قوانين جديدة لمكافحة التطرف في روسيا، ومنذ ذلك الحين تم تكثيف مراقبة ومحاكمة القومية المتطرفة.  وبالتالي حُظِرت بعض منظمات الرودنوفيريين وأنشطتها خاصة المنشورات.

علاوة على ذلك، بدأت مجتمعات الرودنوفيريين الرئيسية في فرض رقابة على تصريحاتها العامة من أجل تجنب اتهامات التطرف – لكن هذا بالطبع يمنع العديد من أعضائها من الاشتراك في القيم العنصرية.  ومع ذلك، يبدو أن التيار الرئيسي لحركة الرودنوفيريين يبتعد تدريجياً عن السياسات القومية المتطرفة.  مع نضوج الحركة وتحول التركيز أكثر إلى اكتساب مكانة راسخة كدين، اكتسبت الممارسات الشعائرية واللاهوت أهمية أكبر. 

في الوقت الحالي، تعد Rodolyubie واحدة من أكبر مؤسسات الرودنوفيريين، والتي تشتهر بطقوسها المتقنة والمنشورات العديدة لزعيمها الكاريزمي فيليسلاك (إليا تشيركاسوف). حيث تركز كتبه على مناقشة التقاليد الروحية السلافية والتفكير الصوفي على حساب تكريس دعاية القومية!

من الصعب التنبؤ بالاتجاه الذي سيتطور فيه الرودنوفيري كدين مناهض للعقائد، وستبقى بلا شك حركة غير متجانسة تشمل أيضًا أشكالًا راديكالية.

 على الرغم من أن الحركة هامشية، إلا أنها تستمر في النمو بسرعة والأهم من ذلك أن لها تأثير أوسع داخل ثقافات فرعية من الشباب مثل عشاق موسيقى الهيفي ميتال، الفنانين، عشاق الخيال العلمي، وممارسي فنون الدفاع عن النفس.

وبالتالي، نظرًا لعلاقاتها الحميمة مع هذه المجموعات، تعكس الرودنوفيري قيم الشباب الروسي وهمومهم.  وقد تبع دورها في القومية الروسية التغييرات الأوسع التي حدثت في العقود الأخيرة، فقد بدأت بالدعوة لكراهية المهاجرين والمسلمين مثلاً بدلاً من معاداة الغرب ومعاداة السامية بحسب تصنيفات الخطاب القومي المتطرف.


المصادر:

(١)Encyclobedia of Russian & Slavic myth and legends page: 99

 (٢) Encyclobedia of Russian & Slavic myth and legends page: 213

(٣)Encyclobedia of Russian & Slavic myth and legends page: 115

Nations under God The Geopolitics of Faith in the Twenty-First Century

Pages:126-127-128-129-130

https://www.e-ir.info/2015/11/08/russian-paganism-as-nationalist-politics/

https://youtu.be/05_EvJTrSZE




المعتقدات السلافية: ماضٍ ينهض من جديد (1)

روسيا، الاسم الذي يوحي أول ما يوحي لسامعه بالجغرافيا الواسعة، الاتحاد السوفيتي سابقًا، بوتين والمعسكر الشرقي، في هذا المقال نسلّط الضوء على المعتقدات التي سادت تلك البلاد في القديم وما بقي منها إلى الآن.
إن الشعوب السلافية هي أكبر المجموعات العرقية اللغوية (ذات أصل مشترك في العرق واللغة ethnolinguistic groupe) في أوروبا، وتُقسم الشعوب السلافية المعاصرة إلى:

  • سلاف الشرق: بيلاروسيا، روسيا، أوكرانيا
  • سلاف الغرب: التشيك، مورافيا، بولندا، سلوفاكيا
  • سلاف الجنوب: البوسنة، بلغاريا، كرواتيا، مقدونيا، مونتينيغرو(الجبل الأسود)، صربيا، سلوفانيا

كانت الشعوب السلافية عبارة عن مجموعات قَبَليّة عديدة عاشت في بداية العصور الوسطى -من القرن الخامس إلى العاشر- في أوروبا الشرقية، ولم تُستخدم لفظة سلاف بشكل مكتوب إلّا في القرن السادس تزامناً مع هيمنة هذه القبائل على جزء كبير من أوروبا الشرقية والوسطى، وقد وصفهم المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيسراني Procopuis of Caesarea بأنهم: طوال القامة، أقوياء البنية، بشرتهم ليست بيضاء، وشعرهم ليس بالأشقر ولا الأسود ولكنه يميل عند معظمهم للاحمرار.

بروكوبيوس القيسراني (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

المعتقدات السلافية القديمة
نظراً لأنّ أول كتابات ظهرت حول هذا الموضوع كانت في القرن التاسع الميلادي -ولم تنتشر بشكل كبير آنذاك- فإنّ المعلومات حول المعتقدات والآلهة المنتشرة لدى الشعوب السلافيّة في تلك الفترة كانت قليلة، كما أنه لا يوجد إلى الآن أي مخطوطات أو كتابات قديمة تؤكّد أو تصف معتقدات الشعوب السلافية الأولى بشكل كامل، فمعظم ما تمّ اكتشافه في مدينة نوفوغرود Novogrod (حوالي ١٢٠٠ قطعة من ألواح لحاء الشجر) والذي يتراوح في القِدَم بين القرن الحادي عشر والخامس عشر، تضمّن معظمها تدوينات لمبادلات تجارية، أو رسائل خاصة بين الأفراد، ولا شيء عن شعائر أو طقوس القدماء، ومعظم المنقول هو من شهادات البيزنطيين والألمان والرحالة.

وقد عثِر على أصنام وأدوات تعبدية لكنّها لم تترافق مع أي نص مكتوب يوضح كيفية الطقوس والممارسات للعبادات، وما يقوم به العلماء من دراسات وتحليلات حاليًّا يستند إلى التخمينات، إلا أن هناك إجماعًا على أنّ آلهة الشعوب السلافية القديمة كثيرة ومتشابكة.

إضافةً إلى الإيمان بالآلهة المتعددة فقد آمن السلافيّون بوجود مخلوقات سفلية ذات قوى خارقة مثل الأرواح والغول والمستذئبين وغيرهم، ومن ثمّ، فإنه بحسب هذه المعتقدات، تحكم الكون آلهة عليا تتشارك في أصولها مع آلهة اليونان القدماء وأهل الشمال “الاسكندناف” وتتشابه في الصفات لحد كبير.

من هذه الآلهة:

  • الإله بيرون Perun: إله الرعد وهو نفسه الإله ثور Thor وغيره من آلهة الرعد الهندوأوروبية.
  • إله الغابات والأنعام والحياة الآخرة after life: فيليس Veles
  • إله السماء: ستريبوغ Stribog
  • آلهة الخصوبة والإناث: موكوش Mokosh وهي نفسها Freya عند الفايكينغ
  • إله الشمس: Dashbog

وغيرها من الآلهة الكثيرة التي عبّرت بجزء كبير عن أجزاء الطبيعة وتفاعُلِ البشر معها بقوّةٍ آنذاك، من نهرٍ وغابةٍ وطقسٍ وجليدٍ وحتى الوقت وقِصر الليل والنهار خلال السنة كان له إله يعمل على تنظيمه!

فُرِضت المسيحيّة عام ٩٨٨م على الشعوب السلافية، ودمِّر كل ما له شأن بالعبادات الوثنية كالمعابد والأصنام، ومع ذلك يرجح الدارسون في تاريخ الوثنية السلافية أن العبادات والمناسك كانت تُمارس في الهواء الطلق على شكل ترانيم وصلوات أو في الغابات التي تحتلّ مكانة مقدّسة عند تلك الشعوب، أو في المعابد الخشبية التي إما دُمّرت كلياً على يد دعاة المسيحية، أو أنّ ما تبقى منها فنيَ واهترأ بعامل الوقت، ومن الصعب إعادة استحضار هذه الطقوس الوثنية بدقة أو تمثيلها لقلّة الأدلة.

أحد الأصنام القليلة جدًّا التي عثر عليها علماء الآثار وما زال موجوداً ومحفوظاً في متحف كراكوف-بولندا هو الصنم زبروخ Zbruch الذي يعود إلى القرن التاسع حيث الأوجه الثلاثة على التمثال حسب معتقداتهم: العالم السفلي، والإنسان، والعالم السماوي.

مصدر الصورة: ويكيبيديا

بالرغم من فرض المسيحية الأرثوذوكسية على الشعوب السلافية لأكثر من ١٠٠٠ عام، وبالرغم من إجراءات الاتحاد السوفيتي الذي تلاها في فرض الأجواء اللادينية بالقوة إلّا أنّ ذلك لم يمحُ آثار الوثنية من معتقدات الروس وبقية الشعوب السلافيّة، حيث ما تزال موجودة وبشكل متداخل بشكل كبير مع المعتقد المسيحي.

من بعضها:

  • عيد الماسلينيتسا Maslenitsa ويعرف بأنه (أسبوع الزبدة والشطائر): ففي كلّ عام يقومون فيه بعمل ولائم في آخر فصل الشتاء (أواخر شباط وبدايات آذار) احتفالاً بآلهة الشمس ويحضرون أكلة شعبية تسمى البلينشيكي Plinchiki (تشبه الكريب الفرنسي) وتعبّر بشكلها عن رمز الشمس وذلك لحث الشتاء على الرحيل، واستعجال الربيع في القدوم.
  • اللجوء إلى العرّافات لمعرفة الطالع وما يخبّئه المستقبل.
  • تقديم الطعام عند القبور: ويُعتقد أنه في أيام الانقلابات والاعتدالات الفصلية تزور أرواح الأموات أقاربها ويمشي الأموات على الأرض في يوم يسمّونه “إيفان كوبالا Ivana Kupala” في تاريخ ٢١، ٢٢، ٢٣،٢٤ من شهر حزيران، وقد استمرت عادة الاحتفال به حتى منتصف القرن العشرين.
  • البابا ياغا babayaga: إحدى المخلوقات من دون الآلهة والتي تمتلك قوى خارقة وتتمثّل بساحرة عجوز تميل للشر مع امتلاكها للحكمة لمساعدة من يستحق المساعدة، وتكيد بالأشرار والطفوليين، وما زالت هذه الشخصية الأسطورية تشكّل جزءاً كبيراً من قصص ومناهج الأطفال في الأدب الروسي إلى اليوم.

  • إله الشمس وحصانه الناري: حيث يُعتَقَد بأنه يسافر عبر المحيطات برفقة حصانه الناري المخلص، وقد عَبَدوه جنباً إلى جنب مع إله الشمس، ومنذ ذلك الزمن تُعتبر حدوة الحصان رمزاً جالباً للحظ الجيّد، ومن يعثر على حدوة في الطريق فهي غالباً تعود إلى الحصان الناري، وستضمن لصاحبها الحظ السعيد، وإلى الآن تُعلّق الكثير من البيوت في روسيا وغيرها حدوة الحصان للأسباب ذاتها!
  • الحمّامات البخارية “بانيا“: كانت تُعتبر بوابة العبور من عالم الأرواح إلى العالم المادي، وتحرسها إلهة تدعى جدّة الحمّام، والتي بيدها الشفاء من الأمراض ورعاية الأمهات النفاس ومواليدهن، كما جرت العادة منذ أكثر من ألفي عام أن تلد النساء داخل هذه الحمّامات البخارية لتسهيل عملية العبور بين العوالم للأطفال حديثي الولادة!
  • جن المنزل أوعفريت المنزل أوحتى سيّد المنزل “دوموفوي Domovoi”: وهو عبارة عن روح ذكرية على هيئة مخلوق صغير(قزم) بلحية يعيش مع سكان البيت ويُعتبر سيّده، ويساعد في أعمال المنزل مُقابل أن يتم الإحسان إليه بترك كأسٍ من الحليب وقطعة خبز على الطاولة، وإسماعه كلمات الثناء والمديح والإطراء عليه، والمحافظة على نظافة المنزل، واستخدام الكلمات اللبقة بين أفراده، وإلا يحلّ عليهم غضبه، وفي حالة رضاه التام فإنه يحرس سكان منزله ويحميهم.

وحتى أيامنا هذه يعمد الناس عادةً عند الانتقال من بيت لآخر إلى جلب كاهنٍ ليبارك السكن الجديد وينقل “الدوموفوي” معهم، خاصةً إن كان ممن أحبّوا عشرته وآمنوا بأنه سببٌ في حظهم وتوفيقهم.

والجدير بالذكر أنه مشابه للقزم المرافق لحكايات بابا نويل في بلاد الغرب والذي يبدأ منذ شهر كانون الأول مشاكساته في المنزل  The elf on the shelf.

دوموفوي (المصدر: thevintagenews.com)

  • الليلة السحرية: أقصر ليلة في العام ٢١ من شهر حزيران، إذ إنّ الأعشاب والورود التي يتم قطفها في هذه الليلة لها قدرات شفائية بسبب المعتقد القديم أنّ الوردة السحرية يُبحَثُ عنها في هذه الليلة ومن يجدها يمتلكُ القدرة على فهم لغة الحيوانات والنباتات والطيور، وقراءة عقول البشر والتأليف بين قلوبهم!

ويفسّرون هذا الاعتقاد بأنّ يوم ٢١ تموز هو أطول يوم في العام، وبذلك تتعرض النباتات لأشعة الشمس بشكل أطول من أي يوم وتكتسب طاقةً مكثفة من إله الشمس.

 ختاماً لا بد من الإشارة إلى أن بعض المتخصصين وصفوا الإيمان الروسي بأنه ثنائي Dvoeverie  بسبب هذه الموروثات الوثنية المتداخلة بشدّة مع المعتقدات الكنسية.

 إن السؤال الذي يجب إثارته في نهاية المقال هو البحث في طبيعة هذه الثنائية، فهل الإيمان المسيحي الروسي والإيمان السلافي شيئان متداخلان ببعضهما، أم أن كلًّا منهما يسير بشكل موازٍ للآخر كمحاولة من الناس لمقاومة المسيحية التي فُرضت على شعبٍ ما زال يمجّد ماضيه ويتغنّى به؟

نرجئ الإجابة عن ذلك إلى المقال القادم بإذن الله.


المصادر:

https://www.culture.ru/

https://www.ancient-origins.net

http://xn—-ptblgjed.xn--p1ai

https://youtube.com/playlist?list=PLx1Hrg5Bg3xrOTtXQyed4zLsCxm9F-dfQ

قبيلة وثنية في روسيا: https://youtu.be/E1qdU1JnSpc