1

فيلم التحوّل للأحمر .. هل نشهد قاعَ الانحلال؟

في هذا المقال أقدّم مراجعة نقدية شاملة لتفاصيل وأفكار فيلم ديزني الجديد (الاحمرار) أو (التحول للأحمر)، وهنا أودّ أن أشير إلى ملاحظة مهمّة وهي أن هذه المراجعة ليست لمن لا يسمح بعرض أفلام ديزني أمام أطفاله أو لمن قرّر عدم عرض هذا الفيلم تحديدًا، بل إن هذه المراجعة موجهة لتحذير ذوي الأطفال الذين يسمحون لأطفالهم بمشاهدة أفلام ديزني دون إشراف أو لا حيلة لهم بمنع عرض هذه الأفلام في مدارس أطفالهم في الدول العلمانية.

قصة الفيلم

مي مي طفلة كندية في سن الثالثة عشر من أصل صيني تعيش في تورنتو مع والديها، وتمثل الابنة المطيعة لأمها في جميع شؤون حياتها، تعظيما لإرث العائلة الصيني في تقديس الآباء والأجداد أو -واهبي الحياة على حد وصفها- كما يظهر ذلك في تعبّدها مع والدتها داخل المعبد الذي تديره. لكن مي مي في الحقيقة تعتبر نفسها مستقلة في قرارتها مع صديقاتها في المدرسة. تتعرض لفترة بلوغها كفتاة وما يعقبها من هيجان العاطفة واختلاط المشاعر، فتدرك أن بداخلها فوضى وشقاوة تتوق لاختبارهما دون إخبار والدتها التي تبالغ بحمايتها، فيؤدي ذلك لتمرد مي مي على أوامرها.

استعارة الباندا الأحمر (حيوان لبون من فصيلة العرسيات):

يشير الفيلم لدورة الطمث عند البنات في طور البلوغ مجازيا بتحول مي مي لحيوان باندا أحمر ضخم، كلما اضطربت حياتها بسبب تدخل والدتها الشديد في حياتها وإخفائها لرغباتها الشخصية، ومحاولة التوفيق بين كل هذا وذاك في خضم التغيرات الطارئة على جسدها. وتظهر مي مي وهي متحولة للباندا الأحمر في عزلة (كما هو الحال مع حيوان الباندا المعروف بعزلته الاجتماعية عن بقية الحيوانات) وهي مستلقية بوضعيات مشابهة لتحمل آلام التقلصات في الحوض وأوجاع الظهر.

حبكة الفيلم تشير إلى أن التحول للباندا في الأصل كما يقدم الفيلم هو هبة لنساء عائلة مي مي العريقة ليدافعن عن أطفالهن في غياب الرجال. لكنه مع تغير الزمن وسيادة القانون، أصبح ينظر إليه كلعنة يستوجب التخلص منها عبر طقوس تجرى خلال ليلة يكتمل فيها القمر بلون أحمر. في البداية توافق مي مي على التخلص من الباندا داخلها لأنه يحول بينها وبين حضور حفلة فرقتها المفضلة، لكنها تغير رأيها عندما تظن أنها تستطيع السيطرة عليه وحضور الحفلة التي ستنضج خلالها أنوثتها وتصبح امرأة. لكن بعد أن تعلم الأم بمخططات ابنتها مع صديقاتها، تصطدم إرادتها بإرادة مي مي مما يهدد علاقتهما المثالية.

تصنيف الفيلم للآباء:

وفقا لديزني ينصح بمشاهدة الفيلم مع الأطفال وتوجيههم، رغم حساسية الفكرة واحتواء الفيلم على العديد من التلميحات الجنسية، لكن ليس بشكل صريح من مثل: 1- تقول إحدى البنات أن أمها رفضت ذهابها لحفل فرقة غنائية لأن موسيقى الفرقة مشابهة لموسيقى نوادي التعري. ثم تعقب الفتاة (ما المشكلة في ذلك!).

2- أحد الصبية يقوم بهز مؤخرته مستهزئا بهيام الشخصية الرئيسية بأحد الشخصيات الأخرى.

3- مي مي تظهر أحيانا متعرقة، يسيل لعباها أو مأخوذة تماما لدى رؤية الأولاد أو رسمهم شبه عراة في دفترها.

4- صديقة مي مي تطلب منها أن تتحول للباندا الأحمر، فتقوم مي مي بتخيل أحد أعضاء الفرقة الغنائية المحبوبة وهو عاري الصدر.

5- مي مي تصرخ في أمها أنها تحب الأولاد والموسيقى الصاخبة والرقص بهز مؤخرتها، وعلى أمها أن تتعايش مع ذلك.

6- في أحد المشاهد التي تضطرب به مي مي وتتحول لباندا، تلمح فتى وسيمًا في المتجر فتقوم بإصدار عواء كالذئب.

7- مي مي تقول لأمها (إنه الباندا خاصتي، الخيار لي فقط) مثل قول النسوية (جسدي وأفعل به ما يحلو لي).

8- مي مي تذكر صديقاتها وتمنّيهن بأهداف حضور الحفلة، الدخول لها كبنات والخروج منها كفتيات كاملات الأنوثة.

9- استخدام كلمات مثل (مثيرة) و(منحرف).

10- مي مي تستفز أمها وهي في جسد الباندا بالرقص وهز مؤخرتها مع الصفع.

أفكار خاطئة ومخالفة للثقافة الإسلامية:

ثمة أفكار أخرى تمسّ التعاليم الإسلاميّة مباشرة، ونذكر منها:

1- لعل أبرز المشاكل الأخلاقية في فيلم (الاحمرار) هو تصوير البنات المراهقات (ذوات الجمال العادي) وكأنهن مجموعة مسعورة جنسيا لا حظ لهن، يتلصصن على الفتيان سرا ويتصيدنهم للدخول في علاقة، وهذا يخالف ثقافتنا الإسلامية القائمة على إحسان الظن وعدم الاتهام دون الإثبات الكامل.

2- يتراجع مستوى مي مي من كونها طالبة مثالية يجن جنونها إذا حلت في المركز الثاني إلى طالبة متوسطة في أدائها الدراسي بعد انشغالها بجمع المال لحضور الحفلة الغنائية دون علم أمها. وهو ما استنكرته مي مي مسبقا بأن الآباء والأمهات لا يثقن بأطفالهم مهما كانوا مثاليين فما الفائدة المرجوة حقا من البقاء مثالية.

 3- في خضم الأحداث، تظهر جدة مي مي لأمها وهي تحمل ندبة دائمة في وجهها. يتبين لاحقا لمي مي أن أمها قد سببت هذا الجرح لها في طور تحول الأخيرة لباندا أيضا في فترة المراهقة. بل أن سبب الخلاف هو رغبة أم مي مي بالارتباط بوالد مي مي دون رضا الجدة. وهذه نقطة أثرت على قرار مي مي وجعلتها تصمم على المحافظة على الباندا داخلها لتتعرض لاحقا لمواجهة أمها وضربها على وجهها.

4- البنات معجبات حد الهوس بأعضاء فرقة غنائية مكونة من خمسة أفراد ذكور لكن تظهر النعومة والحسن على أوجههم لا يضاهيهم في الجمال أي من شخصيات الفيلم التي طغت عليه الشخصيات الأنثوية. تشير إليهم مي مي وهي تدعو صديقاتها لتركيز جهودهن عليهم بأنهم الرجال (الحقيقيون) لكن إحدى صديقات مي مي توضح لها أنهن بعيدي المنال عنهم، لذلك عليهن أن يرضين بأي شيء حاليا مثل فتى المتجر الممل.

5- يكاد يكون دور الشخصيات الذكورية معدما في الفيلم ولو أن الموضوع الأساسي خاص بالنساء. وحصر رجولة الذكور بوسامتهم هي فكرة ساذجة تصدر عن طفلة ذكية لكن لا يصححها أحد من البالغين. بل إن زميل مي مي المتنمر في المدرسة يتضح أنه من محبي الفرقة الغنائية المائعة والتي يُرفع في حفلتها علم المثليين مع كلمة (حب). أما الأب فهو رجل لطيف تبدو براعته في الطبخ فقط، ويظهر في المشاهد دون تدخل في الأحداث أو تأثير على سيرها سوى أنه يسِرُّ لابنته أن أمها حاربت جدتها كي ترتبط به. كما يظهر في آخر الفيلم أنه أيضا من معجبي الفرقة الغنائية ذاتها سرا دون علم زوجته أو ابنته.

6- القصة تدعو لتحرر المراهقات من آخر القيود الأسرية وفصل احترام الوالدين عن تلبية رغباتهما وكأن هذه الرغبات تعود بالنفع الشخصي على الوالدين لا الأبناء. وهي ليست خيالية بالمجمل، بل مقتبسة عن حياة المخرجة وتعرضها في الصغر لبيئة ثقافية مختلفة عن البيئة التي ترعرعت بها والدتها وكيفية تعاملها مع مرحلة المراهقة.

7- أغفلت القصة تماما ارتباط بلوغ الفتاة بقدرتها على الإنجاب والمسؤولية المترتبة عليها في حفظ نفسها كي تكون أما صالحة. في حين ركز الفيلم على فرصة اختبار البنات لأحاسيس الأنوثة مع الفتيان بمجرد بلوغهن، والسعي وراء الحياة العابثة والحفلات تلبية لرغبات الجسد دون أدنى ذكر لمشاعر الأمومة. وهو ما يخلق وعيا عند الفتيات لتقبل فكرة الإجهاض بحجة عدم الجاهزية للأمومة كونها مرحلة متقدمة تتطلب التهيئة النفسية ولا علاقة لها بخصوبة الجسد. أي أن الجنس والإنجاب أمران منفصلان بحيث يمكن ربط الإنجاب بالزواج لكن لا يجوز تحديد العلاقة الجنسية بالزواج.

خلاصة قاسية

الفيلم يعرض موضوعا حساسًا يطرح لأول مرة بشكل جريء وموجه للأطفال كالعادة عبر شخصيات رسوم متحركة عادية المظهر قريبة منهم مع تعابير مضحكة للوجوه مبالغ بها لكي تترك انطباعا دائما لديهم. يتم ذلك في إطار ثقافي غريب عن الثقافة الإسلامية والعربية ويتعارض معها بشكل مباشر ولا يصح معه نقل أي فائدة مرجوة من مشاهدة الفيلم حتى ولو على سبيل التسلية. الفيلم يعتبر نقلة نوعية فيما تطرحه ديزني من ثقافة مشوهه يترتب عليها عند الأهالي مسؤولية كبيرة في الإشراف على مشاهدات أطفالهم وتوعيتهم ولو أن الأفضل تجنب عرض هذه الأفلام أساسًا.

هناك أمر ينبغي إضافته في هذا الإطار وهو وجود تقرير (خلف كواليس إنتاج هذا الفيلم) يظهر طاقم العمل الذي غلب عليه العنصر النسائي وتناول حياتهن الشخصية. مرة أخرى، بالكاد يظهر أي دور للرجال في هذا التقرير، بل أن إحدى أعضاء الفريق والمسؤولة عن التصوير السينمائي متزوجة من امرأة وهي أم لطفلين. المخرجة نفسها انتقدت سابقا سيطرة الرجال في بيكسار وتسعى لتمرير رسالة نسوية عبر أعمال فريقها مفادها أن النساء قادرات أيضا على التغيير. إذا من الطبيعي أن ينتج فريق نسائي عملا مثل هذا يوافق المثل التي يعشن عليها وليس غريبا بالكلية عن ثقافة مجتمعهن. لكن السؤال هو، لماذا يصلح أي عمل تفرزه مجموعة ضمن بيئة غربية أن يكون عملا عالميا يروج له كبقية الأفلام؟ ولماذا تدعم ديزني بقوة هذه النوعية من الأفلام التي يمكن تصنيفها على أنها تصنع وعيا مخالفا لبيئة الأطفال في غير المجتمع الأصلي؟




الحبة الحمراء .. ردٌّ للحقوق أم هَدٌّ للرجولة؟

إن وقفت في المنتصف على مسافة متساوية من جميع التيارات والتحزُّبات، المتطرفة منها والمعتدلة، ستجد أنك محارَب من جميع الجهات. فإن كنتَ –مثلا- وسطيًّا عدولًا وانتقدت متحزبًا يمينيًّا، فسيقول عنك: تقدمي متحرر. وإن انتقدت متحزبًا يساريًّا، سيقول عنك: رجعي محافظ.

والأمر ذاته إن كنت إنسانا واقعيا وجالست إنسانا سلبيا، قال عنك متفائل ساذج. في نفس الوقت إن جالست إنسانا إيجابيا قال عنك إنك متشائم ناقم. فالوسطية توازن عقلاني في الحكم على الحالة الراهنة وما يلزمها من اعتدال. وهذا هو قدر الوسطيين مَن يمشون على الصراط المستقيم ويدعون له بعيدا عن الشطط. يروْن انحراف الآخرين عن سيرهم في حين لا يرى المنحرفون حيادهم عن سبيل الحق وهم تُبَّعٌ لأهواء دنياهم، والله أعلم بمن ضل السبيل. يقول الله تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام : 116].

ولقد انتقدنا التطرف في حركة النسوية الحقوقية، فاتهمونا بالذكورية وكره النساء. وفي هذا المقال ننتقد التطرف في حركات الرجال الحقوقية والتي بدأت بالانتشار في عالمنا العربي بشكل سلبي ربما أكثر من الغربي. ولا يهم إن اتُّهمنا بالتعاطف مع النساء، فالدعوة إلى سبيل الله أجلّ وأعلى من مكاسب الدنيا.

ما هي حركة الرجال الحقوقية؟

سنقدّم في البداية مقدمة سريعة عن نشأة حركة الرجال الحقوقية (MRM) والتي يقال إنها ظهرت بشكل متواضع في أواخر القرن التاسع عشر على هيئة دعوات في أعمدة المجلات ثم بدأت تأخذ شكل حركات ضعيفة غير مترابطة تركز على قضية بعينها في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. مع ازدياد الحراك النسوي الحقوقي وتأثيره على القوانين الوضعية في منتصف القرن العشرين ظهرت أصوات تطالب بتسليط الضوء على مشاكل الرجال بعد دراسة التأثير السوسيولوجي للنسوية.

شكّلت هذه الأصوات حركة تحرير الرجال التي كانت تؤكد على معاناة كلا الجنسين. إلا أنه لاحقا انفصلت هذه الحركة إلى مؤيدي حقوق النسوية ومناهضيها بسبب الخلاف على كون الرجال مضطهدين من النساء أم لا. ومع انتشار الانترنت مع بداية الألفية، وتوجه مناهضي النسوية للمنتديات والدردشات الإلكترونية، أصبح هناك تجمعات للرجال يتشاركون مشاكلهم الخاصة ويسخطون على استمرار الإعلام الليبرالي بتسليط الضوء على مشاكل المرأة الصحية والنفسية، ووضع مشاكلهم في الظل. وهنا ظهرت حركة (الحبة الحمراء) التي تتبنى قضايا متعددة للرجل من مثل حق الأبوة، والعنف المنزلي، ونفقة الأمهات المطلقات، وسرطان البروستات، وتعاظم عقوبة السجن على الذكور دون الإناث وغيرها من القضايا التي لم تأخذ حقها في إيجاد حلول.

استُلْهِم اسم الحركة من مشهد (مورفيوس) في فيلم (ماتركس) عندما يخيّر (نيو) بين حبة زرقاء يعود بها جاهلا لعالمه الوهمي أو حبة حمراء تكشف الغمامة عن عينيه وتريه حقيقة هذا العالم.

حتى الآن كل شيء يبدو كنتيجة طبيعية لردِّ فعلٍ على التحزب الحكومي والإعلامي لطرف على حساب طرف آخر. لكن كما هو الحال في كل الحركات التي تشكل بيئة خصبة جاذبة للأفراد الجاهلة أو ذات النزعة المتطرفة، احتضنت (الحبة الحمراء) من عانى من الظلم وملأ قلبه كراهية النساء، أو لام نفسه على ضعفه وسارع للاستقواء بمن هو أخبر؛ لأن عدد الأصوات يحتسب كيفما كان سواءً كان صاحبها متطرفا أو معتدلا، جاهلا أو متعلما.

تطورات على درب الحركة

خرجت حركة الحبة الحمراء بأفكار تنادي بإعادة الهيبة للرجل كاستراتيجية مقاومة لاستغلال المرأة حقوقها المتمددة على حساب الرجل كما تنظّر لها الحركة. فهم يرون أن هناك مشكلة في وجود فطرة عند المرأة (أو غريزة تطورت) تدفعها للارتباط بمن هو أعلى منها شأنا على عدة أصعدة، خاصة إن كان المجتمع متحررا في المواعدة بين الجنسين وترك الشريك لأجل شريك آخر. مما يعني تكرار هذا التصرف للحصول على ما هو أفضل، وهو ما يطلق عليه علميا الارتباط الفوقي(Hypergamy).

ونتيجة لتلك الممارسة فقد آلاف الآباء حضانة أبنائهم ونصف ثراوتهم، أو توالت الصدمات على فتيان في مواعدة الفتيات. لهذا السبب، تشرح الحركة لمتَّبِعيها كيف يتحول الرجل من (بيتا – تابع) إلى (ألفا – قائد). أي أن الرجل يجب أن يتحلّى بصفات القائد لجذب المرأة والسيطرة عليها وإخضاعها. لكن ليس ذلك من أجل الزواج أولا، بل من أجل التركيز على تحقيق الأهداف الأهم فلا يقع ضحية في طريق نجاحه للنساء اللواتي يردن جذبه لقفصهن ومن ثم الاستحواذ على ما يملك بالقانون إن وجدن من هو أفضل منه.

بمعنى آخر إن تحقيق الذات من خلال الثروة والمكانة الاجتماعية وغيره (حتى لو تقدم الرجل بالعمر) هو كفيل بأن يفتح كل خيارات الزواج له لاحقا من فتيات في مقتبل العمر ولا يطمحن بعدها لغيره. ودعما لهذه الاستراتيجية، توجهت الحركة لإلصاق الصفات السلبية في المرأة المنتفعة بحقوق النسوية ونددت بها، وذهب البعض لتصنيفهن في مرتبة أقل من الرجل.

في المقابل، تنعت هذه الحركة الرجال النسويين (المكتفين بالحبة الزرقاء) أو كل من ينادي بشيء من حقوق المرأة بأوصاف تنافي المروءة وتنال من أخلاقهم وتطعن في أهدافهم.

على أن حركة الحبة الحمراء ما تزال حركة حقوقية تضع قيمة للزواج في نهاية المطاف وتدعي أنها لا تكره النساء، بل فقط تتفادى ألاعيبهن.

مبادئ المراحل الأربع

لكن في ظل التطرف الشديد داخلها ومعاداة حقوق النساء ككل، ظهر مجتمع (الرجال يمضون في حال سبيلهم) أو كما يطلق عليهم اختصارًا (المغتاو -MGTOW ) والذي ينادي بالانفصال عن المجتمعات النسوية والاستقلال بذات الرجل في تدرّج على أربعة مراحل بحسب مواقعهم الإلكترونية. المرحلة الأول لا يرى الرجل قيمة في الزواج ويعتقد أن النسوية هي سبب فساد المجتمعات لكن لا بأس في أن يخوض علاقات مع النساء.

 المرحلة الثانية لا يعترف بالعلاقة طويلة الأمد مع النساء لكن يدخل في علاقات قصيرة الأمد، وهو المستوى الأخطر الذي يرفض الرجل فيه فكرة قطع النساء علاقاتهن من أجل شركاء أفضل ويعتبر ذلك عهرا. وهي الذريعة التي يُحِلُّ مجتمع (المغتاو) لنفسه بها الوصول للنساء من أجل الجنس فقط ويتفننون في إغوائهن والتقاطهن فيتحول الرجل منهم إلى ما يطلق عليه (Pick up artist). وعلى ما يبدو، يمكث أغلبية رجال (المغتاو) في هذه المرحلة.

المرحلة الثالثة، يحدد الرجل علاقته بالنساء إلى الحد الأدنى كالرهبان. المرحلة الرابعة والأخيرة وهي الأعلى مرتبة، ينفصل الرجال عن المجتمع النسوي تماما كأشباح. حينها يفترض أن تنهدم الحكومة وقوانينها بأيدي النسويات وتصبح هناك فرصة أفضل لإعادة هيكلة المجتمع. وفي سبيل تحقيق هذه الغايات، يوجّه هذا المجتمع رجاله لرفض وضع النساء قيمة لهم وتحسين شؤونهم بالتعامل مع نسائهن كطفيليات يراد الخلاص منها بأي شكل من الأشكال، كما يقدم نصائح وضيعة لطلاق رخيص أو التخلص من حمل مفاجئ يربطهم بأنثى.

الحبة الحمراء إذ تتسلّل إلى عالمنا العربي

وبينما يحارب العالم الغربي التطرف في حركات الرجال الحقوقية ويغلق صفحاتهم ومنتدياتهم المتداخلة مع نظريات المؤامرة العجيبة، تتسلل هذه الأصوات بنفس المفاهيم الغربية للعالم العربي من خلال أكثر مجتمعاته انفتاحا على العلاقات بين الجنسين. ستجد صفحات عربية على الفيسبوك وقنوات على اليوتيوب وغيرها تترجم أصوات هذه الحركات وتعرّف بها في إطار مقاومة النسوية المتغوّلة في العالم بدعم من اتفاقية سيداو ومقاومة أجندة المثليين والمتحولين. ولأن العالم العربي ما زال يعاني من قطبية الآراء والبعد عموما عن الموضوعية في الطرح والانتقاد، مال بعض مناهضو النسوية ومعارضو الجندر للالتفاف حول هذه الأصوات المسمومة والتي تزرع الشوفينية دون وعي في الذكور تجاه الإناث.

إليك هذه الاقتباسات من نصائح مريضة لإحدى الصفحات العربية المشهورة بثقافة الحبة الحمراء ويقدمها أحد المشرفين عليها لمتابعيه الشباب:

  1. (تذكر أن نسبة طلاق الموظفة هو ستُّ أضعاف ربة البيت. أنت تستحق حياة مستقرة. اختر لأطفالك أمّا متفرغة لهم لا امرأة تخدم مديرها وأبناء غيرها أكثر) – لاحظ استخدام كلمة التخديم إشارة إلى كون المرأة خادمة في العمل والمنزل.
  2. (وجهة نظر النساء المركزية السائدة اليوم تعلم الرجال فقط كيف يكونون عبيدا جيدين، وليس قادة لأسرهم ومجتمعاتهم) – لاحظ استخدام كلمة العبد نقيضا للقائد، وتمرير جواز عبودية المرأة للرجل القائد عوضا عن استخدام كلمة مثل تابع.
  3. (المتدثرة هي امرأة تعرف أن التدين يعني وجود مساءلة أقل حول ماضيها وأخلاقها، ويعطيها ميزة استخدام الدين لتضليلك والعبث بمفاهيمك) – لاحظ الخوض في شرف المرأة وإلحاق الخبث بها ونفي مسألة التوبة بأكملها.
  4. (لا تستعجل بالزواج بل ركز على طموحاتك. الزواج المبكر يناسب النساء، لكن الرجل مسؤول عن الأسرة. الزواج مكلف وليس لعبة. اطمئن، لن تفوتك الفرصة فأنت رجل ولست امرأة وعمرك مجرد رقم. قيمتك ستكون أعلى لما تبني نفسك وتؤمن بيتك ومستقبلك ومكانتك بالمجتمع) – لاحظ الإشارة بشكل غير مباشر لتدني قيمة المرأة بازدياد عمرها.
  5. (ستحتفظ المرأة بمعتقدات غير صحيحة وغير عقلانية لأن الشيء غير العقلاني المذكور يبدو جيدًا للاعتقاد. بشكل عام، لن تقوم المرأة حتى بمحاولة فهم شيء ما إذا كانت تعتقد أن الصدق المتعلق به سيزعجها عاطفيًا) – لاحظ كيف يتم تسطيح عمل عقل المرأة بشكل لا يصدق.
  6. (أصبحت القوانين تؤطر بشكل واضح لشيطنة الرجل أكثر فأكثر، لذا عليك أن تتوقف عن محاولتك بأن تكون “سوبرمان” وتقوم بإنقاذ النساء ومساعدتهن في الأماكن العامة وبيئة العمل. لقد حان الوقت يا سادة للإقلاع عن عقلية “إنقاذ امرأة في محنة”. ابدأ بوضع احتياجاتك ورغباتك أولاً. لا ينبغي أن تشعر أي امرأة بأنك مدين لها بأي نوع من المساعدة) – لاحظ كيف تطمس الرجولة والشهامة بدعوى تجنب مشاكل المرأة وتحقيق الذات.

هذا هجوم كاسح على دور المرأة وليس مجرد مجانبة للصوابية السياسية (Politically Incorrect). الكارثة الأكبر هي محاولة دمج توجيهات هذه الحركة الحقوقية للرجال وتعاليم الإسلام في القضايا الأسرية ومعاملة المرأة، شأنهم شأن النسويات المتأسلمات، ولو على حساب كافة التصادمات التي ذكرناها على سبيل المثال هنا وهي أكثر بكثير من ذلك.

مرة أخرى اقتباس من الصفحة ذاتها ونصيحة من أحد المدرِّبين: “تأمل قوله تعالى لأبينا آدم: {فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقىٰ} . فالشقاء كان لآدم وحده، لأنه الرجل، بينما حواء يأتيها رزقها وهي في بيتها) – انظر كيف يُجتزَأ الخطاب لآدم عليه السلام في الآية كما ذكر الإمام الطبري ويفسّر بقية الكلام وفقا لتوجه الحركة. حتى لو استدل بعض أهل العلم بها على تكليف الرجل، لا يعني ذلك إنكار مساعدة المرأة للرجل في تأمين الرزق وحماية العائلة. ولو قرأنا الآية التي بعدها {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} [طه: 118] وفقا لتفسير هذا المدرّب، فهل يعني ذلك أن حواء استثنيت من ذلك أيضا وكانت تجوع في الجنة أم أن العقوبة لا تقع عليها بل الجزاء فقط؟!

يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] من المؤسف أننا فوق استقبالنا لمشاكل مجتمعات الحداثة، نرتضي الحلول القادمة معها بحذافيرها ونجعل منها الأساس، ومن ثم نفصّل من الدين ما يلائم هذا الأساس دون مراعاة لشمولية الدين الإسلامي وكماله. والنتيجة هي بالطبع جماعة متعصبة بصبغة دينية، ولا نقول حركة حقوقية مثل الغرب لأن الديموقراطية الغربية غائبة عن المجتمعات العربية وحكوماتها بالمجمل. هذا أولا، وثانيا عقلية الرجل الشرق أوسطية تمنعه من الشكوى من ضرر المرأة النفسي. إذاً ينحصر تأثير تبني هذا التوجه لحركات الرجال الحقوقية الغربية في تغيير مفاهيم الدين لدينا فقط وتدمير وحدة بناء المجتمع الأسرية.

آفة التطرّف النسوي والذكوري!

العلة في كل هذا التطرف والندية هو تمحور كِلا الجنسين حول فكرة مركزيته أمام الآخر. ولا يتوقف الأمر عند انصياع أحدهما لحقوق الآخر، بل تهميش حقوقه أيضا وكأن القضية برمتها عبارة عن انتقام شخصي. نعم لكلا الطرفين قضايا مهمة يجب النظر بها والبت فيها لكن دون تغليبٍ لشأن أحد على الأخر وازدرائه عبر التنميط والقولبة.

كلما زاد تركيزنا على الخلافات بين الرجل والمرأة في معرض الحقوق المتاحة، زادت الهوة اتساعا وصعب مد الجسور فوقها. يقول تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] إنما الراحة والألفة في تقارب الأزواج من الجنسين وليس تباعدهما.

 لدينا الكثير من نقاط الالتقاء في مصالح الزوجين المشتركة والحياة السعيدة في ود وتفاهم، وتربية جيل جديد دون المشاحنات وخيالات تحقيق الذات والاستقلال. بل إن هناك الكثير من الأزواج ممن يعيشون هذه السعادة بعيدا كل البعد عن كل هذه الفوضى المجتمعية. ولا يعني ذلك أن تفرق الزوجين غير وارد، لكن المطلوب خلق بيئة تسهل ارتباطهما بأزواج آخرين مع فرصة جديدة دون التشتت في محاولة تحطيم الشريك السابق وجنسه لأي أسباب كانت. الأسرة الهانئة والفاعلة في المجتمع لا تنجح لأن بها رجل أو امرأة، بل لأن بها رجل وامرأة. وإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع. وإذا صلح المجتمع، نال كل فرد فيه حقه.




إله الخوارزميات المزيّف

في تقرير مُصوَّر أعدته قناة BBC عن اقتحام الذكاء الاصطناعي دور العبادة، طُرِح تساؤل عن إمكانية استبدال رجال الدين بالروبوتات الذكية. واستعرض التقرير أمثلة على روبوتات في معبد بوذي وكنيسة وحتى برنامج حاخام إلكتروني. تخزن الروبوتات ذاكرة عن الدين المعنيّ قادرة على تغطية الألفي سنة الماضية وتقوم بإجابة تساؤلات العباد عن الحياة والإيمان وإعطاء مواعظ دينية. وبين مشجِّع ورافض للفكرة من مرتادي دور العبادة، أنكر رجال الدين في مقابلات متفرقة قدرة الروبوتات على ممارسة دورهم واجتمعوا على أن العلة تكمن في فراغ الروبوت روحيًّا. بينما استشهد التقرير باستخدام المتدينون التطبيقات الذكية، فالمسلمون على وجه الخصوص يحتفظون ببرامج تحديد القبلة، وحساب الزكاة، والقرآن الإلكتروني، وغيرها. واستدلوا بها على قابلية المتدينين للاسترشاد بتوجيهات الآلة بعدما يتم برمجتها. فأين المانع الحقيقي إذا وهل سيرى المستقبل دخول الذكاء الاصطناعي عالم الروحانيات أيضًا ليتوسط بين العباد وربهم؟

ماذا لو؟

من البديهيِّ أن يرفض رجال الدين فكرة إحلال آلة مكانهم شأنهم شأن الجميع في الكثير من القطاعات الصناعية، والإنشائية، والصحية، وغيرها. على اعتبار أن المناصب الدينية أصبحت مهنة عند الكثيرين يقتاتون منها عيشهم إلا من رحم ربي.

إن الطبيعة البشرية التي تحكمها العواطف مثل الخوف بشكل أساسي، لا تستطيع تحكيم عقلها بشكل جيد عند التعرض لمخاطر مبهمة غير واضحة المعالم، خاصة إن كانت في علم الغيب. ولذلك فإنه من السهل على الكثيرين رفض احتمالية وقوع حدث جلل خارج قدرتهم في السيطرة على تصور الأسباب المؤدية لحدوثه وتحليلها، على عكس الآلة، التي تعالج المعطيات المتوفرة وتؤدي العمل دون قلق، حتى لو كانت النتيجة عطبها وتحطيمها. ولدى توافر المستجدات فإنها تقوم بإعادة الحسابات تلقائيا بما ينتظم مع أهداف برمجتها. وسواء شاء البعض أم لم يشأ، فإن الذكاء الاصطناعي قد أصبح حقيقة واضحة أكبر من ذي قبل في مشابهة أفلام الخيال العلمي. لكن ماذا لو بُرمجت الآلة على المحافظة على برمجتها ووجودها، وأصبح الإنسان مجرد كومة من البيانات التي يمكن معالجتها وحساب مواطن ضعفها ونزواتها ومن ثم توجيهها لتنفيذ إرشادات الآلة بهدف تشغيلها وبقاء طاقتها؟

لو كان هذا السؤال قد طرح جديا في تسعينات القرن الماضي حين تغلب برنامج حاسوب لأول مرة على إنسان في لعبة استراتيجية، لاستخف الكثيرون بهذه الفكرة. البرنامج الذي طورته شركة IBM في ذلك الحين للعبة الشطرنج بقدرة حسابية تبلغ ٢٠٠ مليون نقلة في الثانية وأطلق عليه اسم Deep Blue، تمكنوا بواسطته من هزيمة جاري كاسباروف وهو سيد اللعبة وقتها بلا منازع. الفرق شاسع جدا عند المقارنة بتفاصيل الحياة فهي أعقد بكثير من مجرد لعبة الشطرنج ذات القوانين البسيطة ورقعة محدودة تحلل عليها استراتيجية خصمك ونمط تحركاته ومن ثم تدفعه للاستسلام. لكن اليوم يتنبأ الباحثون مثل ري كيرزويل (مدير القسم الهندسي في جوجل) بظهور الحاسوب خارق الذكاء (يفوق ذكاء الإنسان بمراحل) بحلول عام ٢٠٤٥.

عندما نقول ذكاء؛ فإن ذلك لا ينحصر طبعا ذلك في سعة المعلومات وسرعة معالجتها للبيانات الضخمة، بل في إتقان خوارزمية مشابهة لطريقة تفكير الإنسان تمكنه من التخطيط المستقبلي، تطوير برمجته ذاتيا ووضع الأهداف والتطلع لتحقيقها. هو أمر أبدى ستيفن هوكينج عالم الفيزياء النظرية الشهير خوفه منه واعتبره خطيرا في مقابلة مع الكوميدي جون أوليفر والذي قام بالاستهزاء من هذا التخوف بقوله إنه سيحارب الروبوت بسهولة عبر فصل قابس الكهرباء، فرد عليه هوكيز بقصة خيالية تقول إن العلماء صنعوا آلة خارقة الذكاء، وأول ما سألوها كان عما إذا كان هناك إله؟ فقالت الآلة (قد وجد الآن!) ثم ضربت صاعقةٌ قابسَ الكهرباء وحالت دون فتحه.

الآلة والوعي الجاف!

إننا نتكلم عن تفرد التكنولوجيا Singularity بعد مرحلة فردانية الإنسان. الحقبة الجديدة التي ستضرب غرور الإنسان في نفسه وتحجمه أمام القدرات الهائلة للآلة. تلك المرحلة التي سيتشكل فيها وعي جاف للآلة تتفاعل من خلاله مع الحياة من حولها دون روح أو ملاذ عاطفي، تنظر للمخلوقات الكربونية كمواد فانية لا قيمة لها.

إن الإنسان بغروره ما زال يظن أنه السيد المنتفع من تطور التكنولوجيا والمسيطر عليها. فأصبح يعتمد عليها اعتمادا كليا في نواحي الحياة اليومية المختلفة. ولا ينفك يقول هل من مزيد من الراحة والرفاهية والتسلية في حياته القصيرة، محملا الآلة كل شيء وداعيا لتطويرها في أي شيء. لدرجة أن تقنية Deep Fake لتزييف الوجوه بواسطة الذكاء الاصطناعي قد وجدت من يستخدمها ويبرر لها ويعمل على تحسين تزييفها. فانتشرت مثل العدوى تهدد مصداقية الناس وتشوه سمعتهم، لا لشيء سوى أن العابثين قد أصبحوا كثر دون مبادئ أو مروءة.

 ومن يعلم قدرة الآلات مستقبلا والتخلف الأخلاقي التي تعانيه البشرية، سيسعى للاستحواذ على تصنيعها وتقديمها على ادعاء أنها ستفيد البشرية. كيف لا وهي صناعة يتضخّم نموها بسرعة هائلة وتقدر قيمتها المضاعفة في السنوات القليلة القادمة بمئات مليارات الدولارات. فلا غرابة إن كان إيلون ماسك (مؤسس تسلا وسبيس إكس) يحذر من التطور الرهيب للذكاء الاصطناعي وهو بنفسه يقود تطويره في شركة OpenAI منافسا الشركة التي تملكتها جوجل DeepMind والتي كان هو أيضا مستثمرا بها. إنه حب الشهرة وجمع المال حتى ولو على حساب حياة الناس.

من يستطيع السيطرة على الذكاء الاصطناعي وشبكة تبادل البيانات الضخمة مستقبلا، سيستطيع السيطرة على حياة البشر بكل بساطة.

إنه صراع محموم ومحفوف بمخاطرة كبيرة قد تخضع البشر لعبودية من نوع آخر، يحتاج بها المعبود لعون العابد في الوجود. لن تفكر الأجيال القادمة بأنها أكثر ذكاء وقوة من الآلة، سترضخ لها ولمن يسيطر عليها إن استطاع أحدهم ذلك. لا سبيل للمقاومة، فالكل مراقب منذ الصغر وجميع تصرفاتهم يمكن التنبؤ بها والتصدي لها بقدرة الآلة على تحليل البيانات الضخمة وتعلم أنسب الطرق لفرض سيطرتها. وسيواجه الإيمان تحديات كثيرة عندما يتغير مفهوم الآلة الذكية وتتغير نظرة الإنسان لها.

حينها لن تنفع المواعظ المسجلة ولا الإرشادات الدعوية في الإجابة على سؤال من مثل كيف جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض والآلة أذكى وأقوى منه؟ إن البشرية اليوم تساهم في صنع صنم ضخم كبير لكنه ليس مصمتا أو أجوف.

إن الواجب على كل فرد تسديد علمه وعمله لما يخدم البشرية والأرض يقينا دون تهديد لإنسانيتنا ودون مواربة تحت مسميات الرفاهية والراحة والتسلية. ألم يقل الله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد: 4]؟ فمتى يكتفي الإنسان بقدر بسيط من الدنيا دون أن يفتتن بتعقيدات التكنولوجيا؟ وما هو الحد الفاصل بين التيسير والتثبيط؟ متى نعي أن استمرار التدليل يهدف للتذليل؟ إننا بحاجة ماسة لنبذ الفردانية والتجمع الفوري على مقتضيات الإيمان بالله والتوحيد، فالسنوات المقبلة تفوق في خداعها كل ما عهدناه.




هل يكفي العلم لدعم الإلحاد؟

محمد نبيل

تبدو ظاهرة الإلحاد على مرّ التاريخ قضية مركّبة، فهي من القضايا المعقدة التي لا يمكن ردّها إلى عامل أو عاملين؛ وإنما لا بد من رصد الكثير من السباب لفهم تشكّل الظاهرة على وجهٍ أوليّ، فالأسباب المؤدية للإلحاد تكاد تتنوع أشكالها؛ وفقًا لكلّ حالةٍ على حدة، كما يغلب على ظن الكثيرين أن ظاهرة الإلحاد ترجع إلى أسباب علمية محضة، لكن بالتحقيق يبدو أن ذلك مجانبٌ للصواب، وهو ما بيّنه أنطوني فلو في كتابه الشهير “هناك إله”.

حدود العلم

إن حدود العلم الطبيعي بمعنى النظر في الموجودات من حول الإنسان، تكاد تنحصر في البحث عن العلل الفاعلة في الأشياء، وذلك لغرض فهمها وتفسيرها واستخراج قواعدها وقوانينها، إما لتجنب أضرارها وإما لتطويع فوائدها، فضلا عن إرضاء الفضول العلمي، وتعد أدوات العلم الطبيعي في ذلك هي حواس الإنسان التي يقودها عقله لتحليل بياناتها ومُدخلاتها وتصميم تجاربها، ثم تدوين مُلاحظاتها للخروج في النهاية بالنتائج والتفسيرات والنظريات أو القوانين.

وبذلك فإن العلم الطبيعي له شقّان، مادِّيٌّ تجريبي مُتعلق بالحواس والرصد، وشقٌّ عقلي بحت في الملاحظة والاستدلال والقياس والاستقراء والاستنباط، ثم الاستنتاج وتعميم الفرضية أو القانون.

أما الأديان، التي يقودها عمومًا الإيمان بخالق، فهي تشمل حدود الموجودات المادية وتجعل مِنها أداة عقلية دالة عليها، ثم هي تتخطاها إلى ما وراءها من فاعل مُريد وغايات، وهي بذلك تتعدى حدود حواس الإنسان لتصب في استخدامه لعقله المتدبر المحلّل المفكر في كل ما حوله من أشياء وعلاقات، للوصول مِنها إلى صفات عامة يقينية عن الخالق أو الصانع، فتثبت وجوده حتمًا وربوبيته في الوجود -تمامًا كما يستطيع أي إنسان الاستدلال على وجود صانع بالتأكيد لمحرك السيارة أو أي من الآلات المختلفة، بل ويستطيع كذلك استنباط العديد مِن صفات هذا الصانع مِن غير أن يراه أو يحيط به كله، مثل أنه لديه صفات عِلم وحِكمة ودقة وتقدير وقدرة وقوة على تشكيل المواد وتركيبها.. إلخ-.

قصة حوار

في حوار مع ملحد عربي يصدق العلم فقط، جرى حوار بيني وبينه، أسرده هنا للفائدة والعبرة!

هو: أنتم تريدون منا أن نصدق خرافات وأشياء غائبة حسيا كالله والملائكة، نحن لا نصدق إلا ما تدركه حواسنا من حقائق وما يقول العلم عنها. أما أنتم فلا دليل واحد مادي على ما تؤمنون به.

أنا: لدينا كلام الله تعالى المنزل في القرآن الكريم.

هو: هراء، هذا كلام ابتدعه رجل في الصحراء وصدقتموه!

أنا: حسنا، أنت تتبع كلام العلماء العارفين بالمادة والواصفين لها وتصدقهم في كل شيء. وبالطبع كان هناك مثلك من مات في القرن الماضي وهو لا يصدق الغيبيات التي نؤمن بها في القرآن. لكن لاحظ أيضا أنه كان يصدق ما يخالفه العلم اليوم وتصدقه أنت!

فكوكب بلوتو مثلا كان يعد من كواكب النظام الشمسي التسعة منذ اكتشافه في عام 1930. وهناك أجيال كثيرة تعلمت هذه الحقيقة ولو أجاب أحد الطلاب في القرن الماضي أن عدد كواكب المجموعة هو 8 لضحك الجميع من تخلفه وقلة تحصيله العلمي ولربما كانت تلك العلامة الفارقة لنجاح أحدهم في مادة العلوم، لكن في عام 2006 حكم اتحاد الفلكيين العالمي (IAU) أن بلوتو ليس كوكبا وأنه أقرب إلى جرم قزم ضمن أجرام حزام كايبر، وهكذا ببساطة شطب العلم ما كان يعرَف أنه حقيقة استمرت لأكثر من سبعين عامًا، وهذا أثار استياء العامة.

مثال آخر، قبل القرن التاسع عشر كان يعتقد أن الشمس هي مصدر الطاقة الوحيد لبقاء جميع المخلوقات الحية. وبناء على هذه الحقيقة كان الاعتقاد السائد لدى العلماء أنه لا يمكن للمخلوقات أن تتواجد في أعماق المحيطات بسبب عدم وصول أشعة الشمس، وأسباب أخرى مثل اختلاف الضغط البارومتري للمياه وبرودتها وغيرها من الأسباب التي أعاقت وصول الإنسان للأعماق حتى 1870 حينها اكتشف عالما متنوعا من الأحياء والمخلوقات العجيبة، وأخذ يبحث عن أسباب بقاء هذه المخلوقات فوجد أن منافث حرارية من قاع المحيطات تضخ كميات من البخار والكربون تتغذى عليها عضويات عديدة، وبدورها تصبح غذاء لأسماك صغيرة ثم كبيرة في سلسلة غذائية لم يستطع الإنسان تصور وجودها في بيئة قاسية مثل هذه، وهكذا، غيّر العلم أقواله وأصبحت الشمس المصدر الأساسي.

مثال أخير وليس آخر، لعقود ماضية عديدة اعتبرت الدراسات العلمية تناول بيض الدجاج مرتبطا بأمراض القلب لاحتوائه على نسبةٍ عالية من الكوليسترول، وكثرت التوصيات بالتقليل من تناوله، وأنا شخصيا كنت أحد أولئك الذين عزفوا عن أكل البيض إلا مرات قليلة في الشهر حين كنت شابا يافعا. في عام 2017 انتشرت دراسة واسعة مستفيضة حطمت هذه الخرافة واتضح فيها أن الكوليسترول الموجود في البيض صحي ومفيد، وأن الكوليسترول الضار الذي يصدره الكبد ناجم عن الدهون المشبعة والمتحولة في الأطعمة السريعة. وعلى ذلك، يمكننا أكل البيض يوميا دون أي مشكلة صحية إن لم تكن هناك أمراض أخرى تمنع ذلك. ومنذ ذلك الوقت وأنا أتناول البيض بكثرة وأفكر بمن مات قبلي وهو ممتنع عن البيض مع حبه له دون أي مانع صحي سوى أنه صدق العلم وقطعية بحثه.

إن الأمثلة عديدة على تغيير أقوال العلم في مواضيع كثيرة وفي أكثر من موضع، وعلى إثر ذلك تتغير الكتب الدراسية وتعطى معرفة وقناعة جديدة لطالب علم لن يدرك أن من يعلّمه هو مثله في علمه القاصر، يحده ضآلته وفهمه المحدود بحواسه القليلة.

فهذه كتب العلوم المتقلّبة التي كتبها الإنسان وتصدقها أنت بشكل أعمى. أما القرآن فهو لم يتغير منذ أن نزل على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم بشهادة المستشرقين والباحثين الغربيين ونسخ القرآن الأثرية المحفوظة في متاحف الغرب. وكل من آمن به وما نزل به من الحق، ومات عليه سواء في القرن الأول هجري أو الرابع عشر هجريا، لن يندم على شيء فيه. بل إن العلم هو ما يأتي ليوافق ما ذكر في آياته في مواضيع متعددة، ولا خلاف على تلك الحقائق المذكورة وتفسيراتها التي جعلت العلماء يقفون عاجزين عن فهم كيف لإنسان أمّي في الصحراء أن يأتي بهذه الخفايا في ذلك العصر دون الأدوات العلمية الحديثة.

وهذا ما حدا بالبعض منهم للإسلام فورا مثل عالم البحار جاك كوستو الفرنسي بعدما أدرك أنه على مفترق طرق بين الإلحاد والإيمان. هؤلاء كانوا لا يعتقدون إلا بالعلم ولا يعتبرون للأديان بأي أهمية. لكن الصدق مع النفس في تقبل ما يطرحه العلم من إشارات لخالق هذا الكون هي ما تقربهم لنور الهداية وتجعلهم يخشون الله تعالى كما قال: {إنما يخشى اللهَ تعالى من عباده العلماءُ} [فاطر: 28]. أما أمثالك، فهم متبعون لهواهم في تصديق العلم، ولو أنك صدقت في بحثك لهداك الله تعالى.




هل أنا فارغة؟

في عام 2014 نُشر إعلان توظيف في الجرائد وعبر الإنترنت يطلب مدير إدارة عمليات للعمل في مؤسسة تدعى ريهتوم بمؤهلات غريبة لا تتفق مع بعضها البعض؛ مثلًا دكتوراة في علم النفس أو ما يوازيها، مهارات في إدارة الأزمات والكوارث، خبرة اقتصادية…إلخ. تفاعل ما يزيد عن مليوني شخص مع هذا الإعلان لكن في النهاية تقدم فقط 24 مرشح من الرجال والنساء للوظيفة، وتم اختيارهم جميعا لإجراء مقابلة عبر الفيديو. في اليوم الموعود، ظهر رجل ببدلة على شاشة المرشحين وبعد التحية أعطاهم نبذة عن الوظيفة واصفا إياها بأنها أهم وظيفة على الإطلاق ومسؤولياتها متنوعة وأكثر مما يتطلّبه المسمى الوظيفي الحالي، يبدي الجميع اهتماما بهذه المقدمة فيستطرد بمتطلبات عمل لا تطاق، مثل الوقوف والانحناء والتحرك الدائم مع قدرة عالية على التحمل لمدة تتراوح بين ال 135 ساعة المعتادة في الأسبوع إلى 24 ساعة لكل يوم في الأسبوع. تظهر علامات الدهشة على وجوه المرشحين ويحاول غالبيتهم الاحتفاظ بالمظهر المهني في استفسارهم إن كان هناك أوقات للراحة أو الطعام أو عن قانونية هذا المتطلب، فيجيهم المحاور بأنه ليس هناك فترات راحة، وقد يستلزم العمل خلال جميع العطلات الرسمية، وتناول الطعام مسموح به عادة بعد أن يأكل زميلهم في العمل، وهذه بالطبع متطلبات قانونية تماما! وتتواصل طلبات العمل المعجزة بأنهم يبحثون عن شخص لديه قدرة على التفاوض وإلمام بمسائل طبية وإدارة مالية وفنون طهي وباستطاعته المراقبة التامة لزميله خلال نومه في بيئة فوضوية. باختصار هم يريدون شخصا مستعد للتخلي عن حياته والعمل يوميا دون توقف، وكل ذلك مقابل أن تدفع له أو لها المؤسسة صفر دولار مع وعد بأن المشاعر التي ستغمر الموظف بسبب مساعدة زميله لا تقدر بثمن! هنا يتخلى المرشحون عن مهنيتهم وتبدأ اتهاماتهم لهذه الوظيفة بأنها غير إنسانية وقاسية ومجنونة، غير مصدقين أن مثل هذه الوظيفة موجودة ودون دفع مقابل أيضا. فيصدمهم المحاور بأن هذه الوظيفة حاليا مشغولة وهناك المليارات من النساء في العالم يمارسنها، ويطلق عليها اسم (الأم).

عمل بلا مقابل مادي

كانت هذه مقابلة خادعة روجت بها وكالة إعلانات في بوسطن تسمى (مولن) دعاية قوية لبطاقات معايدة في يوم الأم ونشرتها تحت وسم #أصعب_وظيفة_في_العالم، وقامت الوكالة التي ابتدعت (ريتهوم – عكس كلمة أم بالإنجليزية) بتسجيل انطباعات المرشحين المستهجنة ومشاعرهم ودموعهم الحقيقية بمجرد ما تراءت في مخيلتهم صور أمهاتهم من خلال ما وصفوه بأنه مستحيل تماما.

تقول الوكالة إن الفكرة جاءت بعد أن زارت إحدى موظفات قسم الإبداع -ليس لها أولاد- منزل أخيها لتقضي بعض الوقت مع عائلته وتابعت انشغال زوجته المتواصل بأطفالها لدرجة أنها لم تستطع التوقف للراحة. وعندما عادت للعمل من رحلتها قالت لزملائها: حقًّا إن أصعب وظيفة في العالم هي وظيفة الأم، وهكذا، زادت أرباح موكلي الدعاية وكانوا سعداء بالفكرة وتطبيقها، حتى أن منافسي الوكالة أغدقوا عليها بالثناء.

الأمومة والنسوية .. المواجهة العاصفة!

لكن لم تكن الحال كذلك مع حركة النسوية وتمكين المرأة وإلغاء التمييز الجنسي. أظهر تأثير هذه المقابلة على الناس الوجه البشع لهذه الحركة. وانطلقت موجة من آراء النسويات المتفاوتة في التطرف في مقالات الصحف والمجلات مستمرة حتى اليوم في مهاجمة دور الأم غير العاملة بشكل غير مباشر عبر التقليل من شأنها وتضحيتها. النقاط الأساسية لجدالهم في أن الأمومة ليست أصعب وظيفة، سواء من حيث إن دور الأم هو عمل شأنه شأن أن تكون زوجة أو ابنةً، وليست وظيفة لها رب عمل ومردود مالي، ومن ناحية أن الترديد بتضحية المرأة من أجل أطفالها هو عبارة مستهلكة وضعها الرجال في عقول النساء حتى يلازمن المنزل، لكنها ليست تضحية هي فقط تشريف للأم واحتفال بجسدها الأنثوي؛ إضافة إلى أن الاعتناء بالأطفال مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، أو (الأبوين) أو (الأمّين) وأنه لا مجال للطموح والمنافسة في العناية بالأطفال وتربيتهم كما هو الحال في الوظيفة، بمعنى أن حياة الأمهات فارغة!

إذا اطلعت على بعض هذه المقالات سترى أيّ تخبط وتناقض في الطرح والجدال، وأيّ جحود ما بعده جحود للأمهات وفضائلهن! يقولون العناية بالأطفال هو عمل للمرأة والرجل بالتساوي لكن النسويات يطالبن بدعم الأمهات بإجازات أمومة طويلة وساعات عمل مرنة للتوفيق بين هذا (العمل) والوظيفة!

يقولون الأمومة ليست أصعب وظيفة، لكنهن يصفنها بعمل مرهق جسديا ومتعب نفسيا! يدعّين أن أغلب الأمهات لا يشتكين من هذا العمل لكن الأطفال يدفعون الأمهات للجنون أحيانا ويطلبون دعما لحق الأم في التعبير عن مأساتها! يوضّحون أنها ليست وظيفة بالمعنى المتعارف عليه، حتى لو كان هناك من يعمل في دور الحضانة بالأطفال بمقابل مادي كي تعمل الأمهات بمقابل مادي أكبر!

يتشدقون بأن الأمومة لا تشبع الطموح الأهم في منافسة الرجال وتحديهم لكن المرأة تحتفظ بحقها في الإنجاب متى شاءت لإشباع غريزة الأم لديها فهي عميقة الأثر ومُرْضية! يريدون تمكين المرأة وإظهار قوتها في مضمار الرجال، بإخراجها من التربية المنزلية لتتفرغ لاختراع علاج لسرطان ما، أو تفكيك متفجرات، أو إطفاء حرائق آبار النفط، لكن في سبيل حصول ذلك تزج مئات الملايين من النساء للانضمام إلى الطبقة العاملة الكادحة بأجور زهيدة وبالكاد تكفي معيشتهن بعد تحصيل الضرائب؛ فكانت المحصلة أن النسويات لا هنّ استطعن تربية أطفالهن على النحو المطلوب ولا حصّلن أجورهن بالقدر الذي يبرر مشقة التوفيق بين العمل والمنزل.

النسوية .. حركة تحرير أم منتَج رأسمالي؟

لا شك أن هناك أمثلة على نجاحات فردية، وإنجازات حقيقية للبشر لكن ماذا عن عموم النساء وماذا تخسر المجتمعات في المقابل ومن المستفيد حقا من هذا التشتت؟

في مقال نشرته صحيفة الغارديان بعنوان “كيف أصبحت النسوية خادمة للرأسمالية؟”، النسوية نانسي فريزر -بروفيسورة الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماعية- فكان لها تصريحات خطيرة عن انحراف مسار النسوية وتواطؤها مع النيولبرالية، حيث اعترفت الفيلسوفة الأمريكية أن حركة النسوية الأولى كانت تتوقع نتائج أخرى بانتقاد سياسة الرأسمالية في (أجر الأسرة) التي تعتمد على الزوج كمعيل رئيسي للأسرة والزوجة كربّة منزل؛ مثل ازدياد دخل الأسر والأفراد على حد سواء وتضامن الجميع في وجه طبقية الرأسمالية بحيث يعم الخير وتزدهر المجتمعات دون استثناء. لكن هذا الانتقاد أساءت استغلاله الرأسمالية، لتصنع من النساء (العازبات، الزوجات، الأمهات، المطلقات) عاملات بالأجرة تحرك الدولة نحو اقتصاد وسياسة خارجية أقوى دون اعتبار للأجور الزهيدة، أو الأمان الوظيفي، أو الاضطرار لعدة نوبات عمل بساعات طويلة. فكانت النتيجة ازدياد فقر الأسر ذات المعيل الواحد وتزايد مشاكلها الاجتماعية.

وعلى ما يبدو، الحركات النسوية الجديدة صادقت على ذلك لتصبح نيولبرالية متناقضة مع أهداف الحركة الأصلية، وهنا تقول فريرز: “أخشى أن تكون حركة تحرير المرأة متورطة في ارتباط خطير مع الجهود النيولبرالية لبناء مجتمع السوق الحرة. هذا من شأنه أن يفسر كيف حدث أن الأفكار النسوية التي كانت تشكل في يوم من الأيام جزءًا من رؤية عالمية راديكالية أصبح يتم التعبير عنها بشكل متزايد بمصطلحات التفرد. كانت النسويات ينتقدن فيما مضى مجتمعًا يشجع النزعة في التطور الوظيفي على حساب كل شيء، فإنهن الآن ينصحن النساء بأن يقدمن مصالح الشركات دعما لطموحهن المهني. الحركة التي كانت ذات يوم تعطي الأولوية للتضامن الاجتماعي تحتفي الآن برائدات الأعمال. إن المنظور الذي كان ذات مرة يُقدّر الرعاية والاعتماد المتبادل يشجع الآن التقدم الفردي والجدارة”.

بين الحلم الأمريكي .. والهدف الإيماني!

هناك فرق أساسي في تربية الآباء والأمهات لأولادهم وبناتهم في الغرب المتحرر عن التربية في الإسلام. ويعد هذا الفرق من تداعيات الاقتصاد على بنية وعلاقات الأسرة التقليدية. فالأسرة المتحررة تسعى بشكل رئيسي على تربية الطفل بهدف الاستقلال عنها ماديا في سن مبكرة واختبار الحياة بمفرده. ويترتب على ذلك إفراد خصوصية للطفل وتشجيعه على العمل لزيادة مصروفه، في خطوات حثيثة لانفصاله وتحقيقه لنفسه ما يدعى بـ “الحلم الأمريكي”.

ولأن الدولة العلمانية الرأسمالية لها حق الوصاية على الأطفال في تنشئتهم على احترام القانون وتشريعاته الليبرالية في المناهج التربوية، فليس هناك الكثير من الأخلاق والفضائل التي يمكن للفرد أن يوليها اهتماما في ظل التحرر من الأديان وتقدير قيم الماديات بالدرجة الأولى، ومن هنا تصبح العلاقة الأسرية بين الأبناء والآباء تحكمها مصلحة العيش بحجة الاعتماد على النفس، فلا يتنازل فيها طرف عن مال للآخر.

ويظهر ذلك جليا في إحكام التصرفات الأخلاقية وفقا للمنظور المادي وليس التربوي. وأبسط مثال على ذلك أن التهذيب من متطلبات العمل مع الزبائن لضمان الوظيفة ومقابلها المادي وليس تربية منزلية يفترض أن يحملها المرء أينما ذهب. وهذه نقطة فصل جوهرية بين الأخلاق والمادة، تستوي فيها التصرفات اللاأخلاقية وتتعاظم بتعاظم المردود المادي. خاصة بعد أن يرى الفرد ظلم القانون الرأسمالي في الفجوة المادية طبقيا، فتنهار أهم أسواره التربوية ويستحل كل شيء لنفسه إلا شيئا واحدا، مقاومة هذا النظام الطبقي وتغييره. بل يصبح جزءا من منظومة تطبيقه على الجميع محاولا التسلق على أكتافهم كيفما سنحت له الفرصة.

تربية الأم الإسلامية هي حصن الأطفال من فساد المجتمع ومكمن تطهيره. إن قوة المرأة الحقيقية التي يعجز عنها الرجال تكمن في حماية بنية الأسرة وتهيئة جيل ينهض بالمجتمع ويحارب الطواغيت. إنهم يحقّرون حملها أعباء المنزل ويقولون عنها فارغة لأنها فقط أم ومربية منزلية، بل هم الفارغون عقلا وهي المتفرغة فعلا لهدف وطموح أسمى من مجرد أمجاد فردية تصفق لها الأنظمة الرأسمالية وتجمع المال من خلفهن.

حقًّا

ملأى السنابل تنحني في تواضع *** والفارغات رؤوسهن شوامخ!

يخشون من تفرغ الأم المتعلمة لتربية الأبناء والبنات على الفضائل والأخلاق، على الالتزام بتعاليم الدين، على رفض ابتزازهم في شهواتهم وابتداع أهواء خاوية يتبعونها أبداً، على رفض الظلم والانتقام للمظلومين، على تقدير حريتهم والتصدي لمن يستعبدهم.

ألم يقتل فرعون أطفال بني إسرائيل خشية أن يربى في كنف أمه من يطيح بعرشه؟ أليست عاطفة الأمومة من منعت فرعون من تنفيذ مخططه؟ ألم يقدّر رب العزة تربية موسى عليه السلام في كنف أمه آسية بنت مزاحم دون أن يؤثر عليهما طغيان فرعون وزبانيته؟ إنها الأم بعاطفتها الجياشة ورأفتها بعثرات أطفالها، تحميهم بنفسها ولا تبالي، تشعرهم بالأمان وتشجعهم على الحق في كل أمر. ضعاف هم الأطفال لكنهم كامنون تحت أجنحة أمهاتهم حتى تأتي لحظة انطلاقهم في المجتمع، فيرتقون به وعلى رأسهم الأمهات، كل يؤدي دوره في الإصلاح، فـ “الأم مدرسة إذا أعددتها؛ أعددت شعبا طيب الأعراق”.

لماذا تهدر هذه الطاقات الإصلاحية في وظائف من السهل إيجاد من يشغلها من الرجال؟ قد يفرض واقع الحياة العمل على المرأة، لكن يجب ألا يطغى ذلك على دورها الأساسي فيصبح خيارها الأول الاستقلال بذاتها حتى بعد الزواج والإنجاب، ففي ذلك تفويت لأجر عظيم وفرصة لتصحيح هذا الواقع للجميع. وقد تفرض الحياة على صاحبة المهنة تركها من أجل تربية الأطفال، أفلا نعطيها نحن الرجال فرصة لتظهر طاقتها في تغيير المجتمع للأفضل داخل مضمارها دون مقارنتها بالأخريات وإطلاق أحكام على مظهرها ولباسها، وتجاوز أي تقصير في مهامها، ومد يد العون لها، وتشجيعها؟ نحتاج فعلا لتقدير هذه الجهود ومباركتها والتذكير بأهميتها دون القياس على المدخول المادي. كما يتوجب علينا بحث حلول عملية تدعم الأسر ذات الدخل الفردي بحيث تعين المرأة على اعتناق دور الأم الحقيقي فهو حمل عظيم..


مصادر ومراجع للاستزادة

https://www.salon.com/…/motherhood_isnt_the_worlds…/

https://www.mic.com/…/why-that-viral-world-s-toughest…

https://www.nytimes.com/…/motherhood-family-sexism…

https://motherwellmag.com/…/is-raising-children-the…/

https://time.com/65207/viral-video-worlds-toughest-mom/

https://www.theguardian.com/…/feminism-capitalist…

https://www.mullenlowegroup.com/…/the-worlds-toughest-job/




إنما نحن مصلحون!

لعل أهون الخطايا في نظر المسلمين اليوم هو التفريط في المحافظة على الأرض ونظامها البيئي المتزن بتقدير من خالقها تبارك الله أحسن الخالقين، وبالرغم من أن هذا الوزر الذي يساء تقديره قد ارتبط بخطيئة عظيمة كالقتل عندما استفهمت الملائكة عن حكمة بارئ الإنسان من استخلافه في الأرض كما قال تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30]، فلا يدرك الكثير منا نحن الموكلّون في أعمالنا على الأرض كيفية الحفاظ عليها رغم أنها حديث الساعة في اجتماعات قادة الأمم.

وربما يحتفظ كل منهم بدرسه الأول فقط عن تعليمات النظافة فيلقي المخلفات في سلة المهملات ويعيش على ذلك حيناً من الزمن دون أن يعلم أن ما يستهلكه بإفراط هو في الحقيقة ما يفسد الأرض اليوم من كهرباء وطعام ومواد تجميل والبلاستيك بمشتقاته وخدمات الحوسبة السحابية وغيرها مما يعد من الأساسيات والكماليات على حد سواء.

السعي للاستدامة!

لعلنا في العقدين الأخيرين سمعنا الكثير عن الطاقة النظيفة المتجددة وعن المواد الغذائية مستدامة المصدر، لكننا نتساءل لماذا لا نجد ربطًا بين مخرجات المؤتمرات العالمية عن حلول الاستدامة وأهدافها في الخطاب الديني ومقاصده وكأن الأمر لا يعنينا نحن من أُمرنا بعمارة الأرض وحُمِّلنا الأمانة؟

حقًّا كان الإنسان ظلومًا جهولًا، ألم يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؟ أليس ذلك بإنذار يوجب أن نبحث علل فساد الأرض وننأى بأنفسنا عن أن نكون سببًا في إحداث هذه العلل على أضعف الإيمان منا؟

لَم يتردد صدى حلول الاستدامة -التي تعنى بحفظ التنوع الحيوي البيئي- على المستوى العالمي إلا على أعتاب القرن الواحد والعشرين، والسبب في ذلك يعود بشكل أساسي على هيمنة تجارة وصناعة الوقود الأحفوري للطاقة من الفحم والنفط والغاز الطبيعي، والتي أثرت على سياسات الكثير من الدول. كما غيرت التاريخ الحضاري لبعض هذه الدول تباعا، فتراجعت دول وتخلفت بعد أن كانت متقدمة، وتطورت دول وتقدمت بعد أن كانت متخلفة.

هب أن أوراق بحث مشاريع الطاقة النظيفة مثل خلايا الشمس الضوئية وتوربينات الهواء والأمواج وغيرها قد حظيت باهتمام ودعم كبير خلال القرن الماضي لتجد تطبيقاتها النور مبكرا، ألم يكن ذلك ليضع الأرض في حال أفضل من ظاهرة الاحتباس الحراري اليوم مع احتمال بقاء دول بأناسها على وجه البسيطة؟ على أية حال فإن الشركات النفطية الكبرى لم تكن لتسمح بذلك حفاظا على حصتها السوقية وسلطتها السياسية والاقتصادية. ولو أنها ظاهريا مولت أبحاثا للطاقة المتجددة رفعا للعتب، فقد كانت تضع نتائج الأبحاث في الأدراج وتتعلل بالكلف العالية وصعوبة إرجاع رأس المال كما دلّلَ على ذلك في الفيلم الوثائقي الشهير روح العصر (Zeitgeist) وها هي اليوم تتجرع البشرية كأس المرار بعد أن بدت مآسي فساد الأرض والخلل البيئي واضحة على مجتمعاتنا، وقد تداعَت مملكة الحيوانات بتنوعها البيئي إثر ذلك كما نرى في شهادة (السير ديفيد أتينبوروغ) المؤرخ الطبيعي. وهذه كبرى شركات النفط تسجل ضدها أعدادا غير مسبوقة من القضايا بحسب الخبر في صحيفة (الغارديان) والتهمة إخفاؤها جميعا سرا خطيرا يوازي ما أخفته شركات التبغ فيما مضى من ضرر السجائر على الصحة. فقد أوضحت تسريبات كثيرة أن العلماء في هذه الشركات النفطية بحثوا سابقا التأثير المدمر للمخلفات الملوثة ورفعوا تقارير إلى مجالس الإدارات عن الخطب الجلل في التغيير المناخي والذي ستعانيه الأجيال القادمة، لكن ماذا نفعل مع جشع الإنسان وسكوته على حساب الناس والأرض!

اتفاقيات ومحاولات

قبل فوات الأوان وتزامنًا مع ظهور علامات نضوب الوقود الأحفوري، أدركت الحكومات والمنظمات السياسية التهديد الحقيقي للبشرية في البقاء وبدأت تدريجيا ببذل جهود كثيفة مع بداية الألفية لبحث حلول الاستدامة في كل شيء تقريبا؛ كالزراعة، والبناء، والصناعة…إلخ بحثا عن التوازن الثلاثي بين احتياجات الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة، أي أن الإنسان ضمنيا ما زال يضع احتياجاته العصرية بكمالياتها أمام النظام البيئي الذي يحويه ويعيش فيه.

وما تزال سياسات الدول وصناعاتها تحكم القرارات لصالح قوتها ونفوذها عالميا بالرغم من توقيع اتفاقية بروتوكول كيوتو لتخفيض الانبعاث الكربوني في أواخر القرن الماضي والتي بالمناسبة لم تصادق عليه الولايات المتحدة الأمريكية. بموجب هذه الاتفاقية فرضت ضرائب على انبعاث الكربون بحسب ما تراه الحكومات مناسبا لتحقيق نسبة الانخفاض المنوطة بها، وألزمت بعض الصناعات بشراء ائتمان كربوني لدعم مشاريع تخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة مثل (بخار الماء، ثاني أكسيد الكربون، الميثان، والأوزون) في الغلاف الجوي.

قد تكون لهذه الخطوات إيجابيات تساعد في إبطاء وتيرة الاحترار على سطح الأرض لكن لها سلبيات في التطبيق فقد تنقلب هي الأخرى لتجارة تهتم لتقليل المصاريف ولا تهتم لانبعاث الكربون بالدرجة الأولى. وإلا ما معنى دفع شركة (نستله) ائتمان كربوني لبعض أفرعها بعد فضيحة دعمها استغلال وجرف الغابات المطيرة لزراعة تموينها من زيت النخيل والذي يعد أساس منتجات الحلويات في شركاتها! إذ إن الغابات المطيرة مهمة جدا وتعتبر بمثابة رئة الأرض في تنفيس ثاني أكسيد الكربون بالبناء الضوئي والمحافظة على المناخ ومنع التصحر والكثير من المهام التي لا يمكن للإنسان أن يقدرها يثمن إزاء عجزه عن إيجاد بديل لها.

أفسِد دون توقّف!

يأتي الإنسان المفسد ليضع ثمنا بخسًا لتربة الأرض الخصبة لهدف تخريبي آخر، كأن يزرع نخلا في غير محله وينتج زيتا ضار صحيا لكنه مربح جدا تجاريا. بمعنى آخر إصلاحات الإنسان تتجنب معالجة جذور المشكلة من أساسها وتحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه من الآثار دون التنازل عن رفاهيات العيش المترفة للمستهلكين.

هل سمعت بمصطلح (تأثير الفراشة) الفيزيائي؟ بشكل مبسط، هو مصطلح يعنى بتأثير المحفزات الصغيرة على نظام معقد ضمن دراسة السلوك الفوضوي والتنبؤ بمتغيراته. هناك إجماع تام دون أي شبهة على أن النشاط البشري على كوكب الأرض هو السبب الأول بشكل رئيسي على اختلال التوازن البيئي وارتفاع نسبة الغازات الدفيئة. ولا أدَلَّ على ذلك من أن هذا الإنسان بتصرفاته الأنانية دخيل على هذه البيئة التي ما من شيء فيها إلا يسبح بملكوت الله تعالى وينتظم بتقديره. إذا نُهي عن فعل؛ سخِر من تعظيمه واستصغر نتائجه. وما هذه الأفعال الصغيرة إلا كرفرفة الفراشات تتطور تداعياتها مجتمعة لتصبح إعصارا مدمرا.

خذ مثلا شراء الأطعمة، أليس الاستهلاك المفرط للّحوم هو سبب رئيسي لزيادة نسبة الميثان الصادر من مخلفات المواشي؟ وأيضا مدّ المسطّحات الخضراء لها على حساب الأشجار لتحويلها لمراعي؟ التفاصيل بالأرقام تجعل منظمات حماية البيئة تشعر بالخجل من إنكارها الأمر لسنوات طويلة تحت ضغوط وتهديدات من ملاك تجارة المواشي كما سترى في الوثائقي(Cowspiracy)

وماذا عن استهلاك الحلويات المصنعة؟ قلة هم من يبحثون عن شهادات الامتثال للاستدامة في الزراعة والتصنيع في تلك المنتجات على أضرارها الكثيرة مقارنة بفوائدها، أو استهلاك الأسماك من مصادر مسؤولة تمتنع عن الصيد الجائر وتجريف الحياة البحرية دون مراعاة للبيئة والتنوع البيئي. قد تصاب بصدمة إن شاهدت وثائقيات مثل (Dominion) عن حياة المواشي البائسة وكأنها مواد تحضير بلا إحساس، خاصة إن كانت في بلد شيوعي وملحد عموما لا يُرحم الإنسان فيه فكيف بالحيوان طعاما له. قد تقول: وما لنا ومال الأطعمة التي لم تذبح على الشريعة الإسلامية؟!

هنا نجيبك أنه إن لم ينتهِ هذا الشيء في طعامك فإنه سينتهي في منتج آخر تستهلكه. مثلا دهون الأبقار تستخدم في أحمر الشفاه ومساحيق التجميل والكريمات والصابون ومعجون الأسنان والمتفجرات وكوقود حيوي لطائرة نفاثة أيضًا. وهذا استثمار شاسع لاستغلال أحشاء الحيوانات في تجارات لا تعد من الأساسيات في الحياة وتزيّن للناس على أنها كذلك فتستهلكها بكثرة مما يوجب تكثير المواشي وبالتالي تهديد الأرض والبيئة.

حين تسهم التكنولوجيا في إفساد الحياة!

عندما نتناول موضوع استهلاك الكهرباء على المستوى الشخصي، فنحن لا نتحدث عن توفير الطاقة في تشغيل الإضاءة والتكييف. فذلك يهون مقارنة بما نحن اليوم بصدده من تحول تام للإنترنت والتخزين والمعالجة السحابية والتعدين والكثير من الخدمات الإلكترونية والتي ترزح خلفها مراكز لخوادم تشغيل بيانات ضخمة في جميع أنحاء العالم وتعمل باستمرار دون انقطاع حتى خلال الإصابة بالأعطال أو الصيانة.

ليس هناك إحصائية ثابتة تشير لحجم استهلاك الكهرباء المتنامي لهذه المراكز في العالم، لكن تقدير الاستهلاك بحسب أعداد وحجم تلك المراكز يبين أرقاما مخيفة للغاية. بحسب موقع مجلس الطاقة الأسترالي، هذه المراكز تستهلك 200 تيرا واط ساعية في السنة. بعبارة أخرى، تقدر طاقة هذه المراكز بـ 22.8 جيجا واط، أي ما يمكنه تمديد أكثر من 17.1 مليون منزل بالكهرباء. إن كنت تتساءل ما علاقة كل ذلك باستهلاكك من الانترنت، بحسب الموقع ذاته 90% من البيانات المتاحة اليوم على الشبكة العالمية حمّلت فقط خلال السنتين الماضيتين، هل لك أن تتخيل ذلك؟ 50% من استخدام الشبكة عن طريق الهاتف الذكي، مع كل ضغطة وسحب في جهازك قامت الخوادم بمعالجة طلباتك للمعلومات. إن خمنت جيدا، فإن أكثر البيانات استهلاكا هي مقاطع الفيديو وألعاب الفيديو. وكلما زادت جودة التصوير و(الجرافيكس) وامتدت المشاهدات واللعب لساعات، زاد الحمل على معالجات الخوادم، وزاد استهلاكها للكهرباء. وبالطبع يزيد الانبعاث الحراري منها مما يتطلب تبريدها وصرف المزيد من الكهرباء. من هذا المنظور، هل يحقق تطبيق مثل (التيكتوك) أو لعبة مثل (ببجي) أي فائدة حقيقية تذكر في مقابل تحمل عواقب إهدار هذه الطاقة؟

أما التحول للعملات الرقمية فسيجعل الأمر أسوأ بكثير، وكلما زادت قيمة العملة الرقمية مع مضاربات السوق، زاد السعار خلف تعدينها وتسجيل تبادلها واستهلاك الكهرباء إلى حد بعيد، بل إن تبادل عملة البيتكوين الرقمية وحده لسنة 2021 صرف طاقة تفوق كل مراكز البيانات في العالم مجتمعة والتي سبق ذكرها! وتدفق التبادل هنا ليس بهدف المنفعة كشراء الحاجيات كما هو المفترض من وجود العملات إنما المتاجرة بها كالأسهم في البيع والشراء بخلاف أنه لا مشاريع تنموية أو بضاعة خلفها سوى مصلحة من أنتجها وتاجر بها أو بمؤشراتها.

كل ذلك يطرح أسئلة بشأن استخدامنا التقنيات انطلاقا من الحاجة الأساسية لمشاركة العلم في أهداف تعود بالنفع على الجميع، وليس تسلية الخلق أو خلق بدائل لأساسيات لا يتم حقا التعامل معها كبدائل. فكيف إذا كانت هذه التقنيات تواجه تحديات غير معلنة وهي تعد اليوم واحدة من أسرع القطاعات إنتاجا لغاز ثاني أكسيد الكربون ويقدر أن تستهلك خمس طاقة العالم الكهربائية بحلول عام 2025؟

إدمان الاستهلاك

كثرت الدراسات التي تبحث تحسين مشتريات المرأة لمزاجها، هل سمعت عن مصطلح العلاج بمحلات التجزئة (Retail Therapy)؟ تقول إحدى هذه الدراسات أن ارتفاع مستوى الدوبامين لدى النساء عند النظر للبضائع خلف النوافذ أو تعبئة السلة الإلكترونية في التبضع الإلكتروني، هو نتيجة فقدان سيطرة المرأة على بيئتها من حولها. لذا تتخذ القرارات في تبضع الكماليات لتشعر بإعادة السيطرة. ليس غريبا إذًا أن تتصدر النساء في الولايات المتحدة مشتريات المستهلك على الرجل بنسبة 85%.

لقد أصبحت المرأة رقما صعبا في التأثير على إنتاج العالم للبضائع وتسويقها حيث يقدر صرفها لسنة 2020 بـ 31.8 تريليون دولار بنسبة زيادة 50% عمّا كانت عليه قبل 10 سنوات. ولا تنفك هذه الدراسات عن التحذير من خطر تحول هذه العادة الشرائية لإدمان حقيقي في ظل التحديات التي تواجه ثقة المرأة في نفسها مقارنة بما يعرض يوميا من مقاييس جمال للوجه والجسد والموضة أينما ولّت وجهها. لدرجة أن أصبح هنالك ظاهرة نفسية يطلق عليها مصطلح تأثير حمرة الشفاه (Lipstick Effect) وهو يشير إلى تعزيز مواد التجميل ثقة المرأة بجاذبيتها ورفع مستوى كبريائها.

نتيجة لذلك، تقدر تجارة مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة وحدها بـ 517 مليار دولار. ما يعنينا هنا أن شيء ثانوي لحياة الإنسان قد أصبح من أساسيات العيش. وبحسب (British Beauty Council)  فإن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص لا يعلم حقيقة أصل المواد الداخلة في إنتاج مستحضرات التجميل، وخطورة سمّيتها وتأثير تصنيعها والتخلص منها في المراحيض على البيئة لأنها غير قابلة للتحلل في التربة والمياه وتعود إلينا عبر الأمطار والزراعة. ناهيك عن تدميرها البيئة وقتلها التنوع الحياتي فيها. ولأنه يصعب احتواء هذه المواد في عبوات قابلة للتحلل نظرا للكيماويات الداخلة في تركيبها، فإن الأرض تعاني من 120 مليار عبوة تجميل سنويا تزاحم الطبيعة. وهذا كله فقط مثال على منتج واحد مما يتم استهلاكه بإفراط دون حاجة ملحة حقيقية، فكيف إذا تكلمنا مثلا عن شراء أعداد من الأحذية مختلفة الألوان والملمس، أو تشكيلة الملابس الجديدة للصيف أو الشتاء، أو الحقائب النسائية المثالية لكل لباس ومناسبة؟

فتنة الموضة!

لعلك لن تصدق أن صناعة الموضة وحدها تعد ثاني أكبر ملوث للبيئة بنسبة 10% من انبعاثات الكربون و20% من المياه المهدرة. ولا يبرر للملابس كونها من الأساسيات فقد أصبح تصنيعها في دول نامية هو وسيلة لتفادي قيود اتفاقيات حماية البيئة وإنتاجها بمواد رخيصة تنتهك حرمة الحياة على الأرض ثم لا تلبث أن تعود الملابس نفسها لتكتم على أنفاس الأرض بحجة أنها لم تعد تماشي الموضة أو بهتت طباعتها وتمزقت زركشاتها.

أليس من الأجدر أن تصنع الأساسيات لتبقى مدة طويلة عوضا عن أن تصنع لتواكب أحدث التطريزات الموسمية أو (الترندات) العالمية؟ وما هذه الأمثلة البسيطة إلا لتسليط الضوء على مشكلة عظيمة في تصرفاتنا وعاداتنا دون دراية حقيقة بمغبة الاستمرار فيها. فأي جولة في مركز تسوق كبير لمعاينة البضائع والخدمات، ستخرج منها بنسبة قليلة من مستلزمات الحياة الحقيقية مقارنة بالكم الهائل من الكماليات!.

وأي جولة في المدينة ليلا ستوضح لك الفرق في نسبة استخدام الكهرباء في المنشآت الخدمية الضرورية مقارنة بالمطاعم والملاهي والنوادي الليلة. وأي تصفح في الانترنت والتطبيقات المبنية عليه ستلمس فيه ضآلة المفيد من العبث، واستهلاك الكماليات المفرط كما أظهرنا له ثمن فادح. كما أن استهلاك الأساسيات دون مساءلة مصدرها سيجر ويلات على أحفادنا وربما أولادنا قريبا.

على خطى الهادي

من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله المحمدية تحريم قطع الأشجار في الحرب، ومن هديه أيضا أمره أن نغرس الفسيلة –الشجيرات النامية حديثًا- ولو رأينا الساعة تقوم. كما أمرنا ألّا نسرف في الماء في الوضوء والطهارة وأن نتجنب التبول في الماء الجاري والدائم، وأن نرحم الحيوانات ولا نلعنها ولا نجوعها ولا نكويها ولا نفجع الوالدة بتفريقها عن ولدها وأن نريح ذبائحنا.

إذا كان هذا من هديه صلى الله عليه وسلم، فكيف نرتضي إذًا استهلاك الضرر على علمنا بإضراره؟

العادات الشرائية هي مدعاة التصنيع وطريقة تشكيله، ومقاطعة البضائع المشبوهة هي أفضل وسيلة لفرض سياسة جديدة على تصنيعها وإنتاجها. نحتاج أيضا لمراجعة عادتنا الاستهلاكية وبحث احتياجاتنا الحقيقية بعيدا عما تمليه المظاهر أو تستجديه أهواءنا أو ترتضيه أطماعنا. كل مجهود صغير يدخل في حسبة المحفزات سواء بالكم أو التأثير كما بيّنا.

نعم، ليست وظيفتك أن تحل مشكلة التلوث في الأرض والبيئة، ويستحيل أن تحلها وحدك. لكنك تستطيع أن تكون قرميدة في سد مانع يحفظ الماء من الهدر، وستحاسب على صمودك في ذلك وحدك. ولو خالفت كل الناس في تصرفك، سيأتي كل واحد منهم وزره بقدر ما أهمل وأعرض ولو ظن نفسه مصلحا، ولن تزر وزرهم على الأقل. لا تحتاج لأن تكون إنسانا مثلهم لتفعل ذلك، بل تحتاج لأن تكون مؤمنا. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11- 12].


مصادر  ومراجع للتوسع

https://www.youtube.com/watch?v=rnRyVK7HqJE

https://www.newcastle.edu.au/…/david-attenboroughs…

https://www.theguardian.com/…/climate-crimes-oil-and…

https://www.businessinsider.com.au/surprising-everyday…

https://www.energycouncil.com.au/…/big-data-a-big…/

https://www.abc.net.au/…/bitcoin-has-a-climate…/13210376

https://www.self.com/…/amount-of-money-women-spend-on…

https://blog.marketresearch.com/global-skincare-market-to…

https://health.clevelandclinic.org/retail-therapy…/

https://girlpowermarketing.com/statistics-purchasing…/

https://www.sustainyourstyle.org/old-environmental-impacts

 

 




بناء الأسرة بين الكمال وغسيل الأدمغة!

كتبت قبل عدة سنوات عن وهم الشريك المثالي في محاولة لتوضيح دوافع الزواج والعوائق المتعلقة بالاختيار الصحيح، وقد بيّنتُ أن شريك الحياة حريٌّ به أن يقيَّم من منظور الزواج المثالي والعيش المتوافق، فكل من الزوجين مكمِّل للآخر بطبيعة الحال، فالغاية السامية كانت وما زالت هي التوفيق بين الأزواج وتوسيع دائرة التفاهم لحياة ممتدة بالرضا والسعادة.

بالرغم من هذا فإن ذلك لا يعني بالضرورة وجوب وحتمية نجاح الزواج في أول تجربة لكي نتجنّب الانفصال، كما أنه لا يعني أن الزواج المثالي قد يغني عن تكرار التجربة، وبالطبع فإنه لا خلاف على هذا شرعًا، ولكن المشكلة هي في غسيل الأدمغة المستمر.

المبادئ المنسيّة

على العموم فإنه من الملاحظ أن مبادئنا أصبحت أشبه بالمثاليات والشعارات التي تظهر وقت الحاجة فقط لكنها تختلف عمّا حُفِر في عقلنا الباطن خصوصًا وتوافقه أفعالنا وألسنتنا على نحو واضحٍ عمومًا، وها أنا أجد في نفسي الحاجة الملحّة اليوم للخوض في هذه الأسباب وعواقبها التي حدت بالمجتمع إلى جملة من المشكلات المتلاحقة كتغيير مفهوم الزواج بما فيه من طبائع بشرية متغيرة إلى مؤسسة قائمة على الشراكة الوردية، وقل مثل ذلك عن أمور تالية كتحقير الطلاق ومؤسسة الزواج الموحد “مونوغرامي” وبغض تعدد الزوجات.

لنتساءل بداية: كيف زُرِع مفهوم الشريك “الوردي” في عقولنا؟

إن الأمر باختصار شديد، البداية كانت في صُنعِ تصوُّرٍ إعلاميٍّ -عبر الأفلام والمسلسلات القديمة- عن روعة هذا الشريك بمجرد ذكر الزواج، والتركيز على إحدى صفاته الأساسية وهي الحب والهيام والعطف المغرِق، وما دامت هذه الصفة موجودة ومطلوبة بطبيعة الحال لديمومة الزواج، فإن الجيل القديم (الناشئ حينها) لم يجد حرجًا في سماع الأشعار وقصص العشق والأغاني على مر السنين، على افتراض حسن النية طبعًا.

إلا أن الأمر تطور إلى قولبة هذا الحب على هيئة صور رمزية وتمثيله في كلا الجنسين، من حيث الحسن والجمال، ومن ثم تحرّكت الصور وتجسّد الحب في شريكين جميلين يعيشان قصة حب طاهرٍ يتكلّل دائمًا بالزواج والحياة السعيدة المديدة والكلام والخجل والغزل والنظرات وغيرها من الأفعال التي سحرت القلوب وأغوت العقل منذ الصغر بوجود قرين في الحياة من الإنس بَهِيُّ الطلعة لابد أن ترتبط به وتنتهي بعدها القصة لأن النتيجة محسومة، ثم يكون -كما في المثل الشهير- (عاشوا في سبات ونبات وخلّفوا صبيان وبنات).

بعد حين من الزمن –أي حين تشبّعت الأنفس فكرة الحب المرتبط بحسن المحبوب-، بدأت تُدَسُّ الخلافات في قصص جديدة بين الأحباب، ويتوجّس المشاهِد، هل ما يراه هو الحبيب أم الخائن، مع توجيه الوعي الداخلي نحو فكرة احتمال تعثر الارتباط الدائم في حال غاب التعارف قبل الزواج، لذلك كان لابد من الاختبارات لقطع الشك باليقين فلم نعد نسمع العبارة المستهلكة (أنا قصدي شريف). وهذا يعني أن الحياة السعيدة المديدة كما وثقها الإعلام المرئي والمسموع على حد سواء، مرتبطة بأحداث العشاق من إثباتات مادية وتضحيات عائلية وتنازلات أخلاقية وتبديل ديانات –وربما- محاولات الانتحار!

تدرُّج الغواية!

دعني أمرّ سريعًا على عدة أمثلة لتوضيح وإثبات ما ذكرته أعلاه من تحوير مقاصد الزواج وحصرها في البحث عن الشريك المثالي وتداعيات الحصول عليه:

غنَّى أحدهم في الثمانينات قائلاً:

ياريت تعرف شو بصرلي … لتطل قبالي شي طلة

ها العقدة صار بدها حل … وصار لازم روح أحكي فيها

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا، غنّت إحداهن قائلة:

خليني شوفك بالليل … الليلِ بعد الغروبِ

مش عيب “الملأى” بالليل … الليل بيستر العيوبي

أرأيت هذا التدرُّج؟

في الثمانينات، كانت المعضلة الرئيسية أمام زواج الأحباب في المسلسلات الدرامية هي الخلافات العائلية واختلاف الوسط الاجتماعي، وقد شاهدنا ذلك في كثير من المسلسلات مثل “الشهد والدموع”، “ليالي الحلمية”، و”المال والبنون”، أما الآن؛ فإنّ الزواج ذاته غير مهم بقدر ما هو مهم أن يكون الحبيب عاشقًا، حتى لو أحبّ المرء زوجة عمه مثلًا أو خيانة الحبيبة بمعاشرتها أخا الحبيب وهو المتزوج أصلًا إلا أنها تغويه لتستدرجه، كما عُرض ذلك في العديد من المسلسلات المدبلجة والعربية -للأسف-.

في أفلام الثمانينات: يحب الرجل ابنة رئيس العصابة إلا أنه شرطي، أو تحب الفتاة الفقيرة الابن الغني صاحب النسب والحسب ويحبها رغم الفقر والتشرّد، لتكون النهاية السعيدة في هذا النمط بالزواج.

لننظر الآن في أفلام اليوم: أزواج متنافرة لا تعدم كثرة العشيقات والعلاقات المحرّمة السرية أو العلنية، وقد تأتي هذه الأحداث على هامش الفيلم كجزء من الواقع المحيط وليست في الأصل الحبكة الفنية لقصة الفيلم.

أين الخلل؟

لعل تحديد الخلل المفصّل قد يحتاج لمؤلفات وشروح طويلة، إلا أن الخلل بمظهره العام في استساغة المجتمع للعبثية الأخلاقية الموجهة في تفكيك الأسر، -كما أشرت أعلاه من واقع العرض المؤسف- هو الطَّرْق المتواصل والمتزايد في الحدة، حتى إذا ما تأصّلت الفكرة في النفوس واعتادها المشاهد وأعادها في حياته إلى أن رآها طبيعيّة بوجهٍ ما، اختلفت المطرقة واختلف موضع الطَّرْق، إلى أن تأخذ عقولنا بعد حين من الزمن شكلاً غريبًا، لا يضع قِيم الزواج وأهدافه ومسؤولياته نصب الأعين مثلما يفعل للحب، وفي الوقت ذاته يرفض أمورًا عديدة في هذا الزواج، لعل أبرزها الطلاق والتعدد، وربما الحديث في حقوق الزوج ومفهوم الطاعة فيما أمر الله.

إن الطلاق يعارض النظرية المدسوسة للحياة المديدة السعيدة مع الحبيب الأول، كما أن التعدد يعارض النظرية الأخرى للقرين المخلوق لأجل المحب. والنتيجة المستقبلية أن مجتمعاتنا لن تختلف عن المجتمعات الغربية التي منعت قوانينها الطلاق والتعدد، وحينما اختلف الأزواج تعددت الخيانات واختلطت الأنسال.

إن المشكلة الأكبر ليست في نتائج غياب هذه القوانين، بل في تسهيل تعارف وتقارب الجنسين قبل الزواج (مثل الدراسة المختلطة) كوسيلة لتجنب النتائج السيئة السالف ذكرها، فكانت الطامة الكبرى بانحراف المراهقين وتعدد العلاقات الجنسية، والحمل المبكر خارج مؤسسة الزواج، وانتقال الأمراض الجنسية …إلخ. وما زالت الحلول تقترَح لتصبّ في الاتجاه ذاته، من خلال إقرار مواد تعليمية للجنس في مرحلة مبكرة لتثقيف النشء وتوعيته بالاحتياطات اللازمة لمنع الحمل وانتقال الأمراض الجنسية حال تعرفهم على الجنس الآخر.

سؤال لا بدَّ منه!

واليوم نسأل: كيف لمجتمع شرقي أصبح يقدس الحب قبل الارتباط الشرعي وينبذ الطلاق والتعدد بشكل عام، أن يختلف في كيانه عن المجتمع الغربي ومشاكله؟

الطلاق والتعدّد، أباحهما الشرع –بشروط- كأدوات إصلاح في ردء كيان المجتمع ودرء المفاسد عنه، وذلك تماشيًا مع ضوابط الدين في تنظيم حدود العلاقة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج ومحارم العائلة.

هذه الضوابط وجدت لتدعم أدوات بناء أفراد المجتمع وتهيئتهم لتأسيس زواج ناجح، كالتحلي بصفات الأدب والعفة والمروءة ومكارم الأخلاق، والاعتماد على النفس، والتراحم واحترام الآخرين وودهم ومعاونتهم وتقدير عونهم، والصدق ومهارات التواصل وغيرها. الأصل هو التركيز على أدوات البناء، فما أحسنت بناءه، قلَّت أعطاله. ولكن في حالة التقصير في بناء الأفراد وتعريفهم بمسؤوليات الأزواج، سينجم عن التطبيق الصارم لهذه الضوابط الدينية، اختلافات فردية في الزواج تتطلب تدخل أدوات الإصلاح. والعكس صحيح، في حالة الإخلال بضوابط الدين، قل تركيز الأفراد على أدوات البناء، وزادت فرص استخدام أدوات الإصلاح في الزواج. بمعنى آخر، تتضاءل احتمالية اختلاف زوجين تشاركا أدوات البناء ذاتها، وأي شذوذ عن هذه القاعدة، تتكفل دائما بتصحيحه أدوات الإصلاح، إما لخلق فرص جديدة بإعادة ربط الأفراد الصالحة أو تدعيم مؤسسة الزواج بفرد صالح جديد. هي منظومة متكاملة لتنمية مجتمع يعتمد على الزواج المثالي في تثبيته الترابط وخلق بيئة صالحة وصحية أخلاقيًّا لتربية لجيل القادم.




نظرات في التعدّد والطلاق

يعاني الكثير من الناس في قضية اختيار الزوج المناسب، هذا في الحالة الطبيعية، أما مع تصاعد الضخ الإعلامي الموجّه صار معيار الزواج لدى الكثيرين مقيّدًا بما يسمّى “الشريك المثالي” أو هو الرومانسي والعاشق المثالي، وقد أصبح البحث عن الحب -كما يروّج له- ليس من أدوات بناء أفراد المجتمع، خاصة إذا كان فيه من الإطناب ما يضرب باقي الأدوات بعرض الحائط.

أشرت في المقال السابق إلى أن الإنسان قد يقع تحت ضغوط متعددة فيكون مضطرًّا إلى التعدد أو إلى الطلاق، إلا أن ازدراء المجتمع للطلاق والتعدد جعل اعتبارهما أدوات قهر وظلم أمرًا بديهيًّا، وحينئذ لا يجد الفرد بدًّا من التضحية بضوابط الدين، في سبيل التأكيد على أهلية الشريك “الوردي” الذي سوف يحقق الحياة الزوجية السعيدة في الزواج الأول. وبالتالي، يخرج علينا منظرون يقولون عن الزواج: “مثله كمثل البطيخة” في سبيل تثبيت ضوابط الدين في العلاقة بين الجنسين، وهنا يصبح الملتزمون بدينهم بين نارين، نار الخوف من الطلاق لانعدام الحب قبل الزواج وهو الأساس الذي حقنت به الأجيال الناشئة، ونار مخالفة أوامر الدين ونواهيه.

إن أهون الأمرين هو المعتقد الفردي؛ لأن محاسبة الناس عند الأغلبية أقصى من محاسبة النفس في غياب الإيمان. فكم من فتاة سمعت طعن الناس للمطلقات بسكاكين ألسنتهم، فزادوا جراحهن آلامًا وتقطيعًا، ووُصِمن بالعار لمجرد أنهن ابتغين الحلال ووافقن ذويهم في اختيارهم. فتكون النتيجة، رضوخ بعض الفتيات لتقديم تنازلات قبل الزواج قد تكون بسيطة في بدايتها، ولكنها مؤسفة في نهايتها ويا ليتها انتهت بالزواج. وإن لم تنل من الشرف، نالت من القلب الموهوم بخلود الحب وسيطرته على الأفراد لتزويجهم، وبقيت حسرة في القلوب المكسورة.

آخر الدواء الكيّ

لا خلاف أن الطلاق قد يهدم البيوت، ويشتت الأفراد ويوقع حسرة في النفس، فهو الحل النهائي غير المرغوب للعائلة، لكنه –كالدواء المرّ العلقم- يبقى حلالًا إن ابتغي به الإصلاح لكلا الفردين، وبالأخص إن كانا حديثي عهد بالزواج من دون ثمرة.

وبالرغم من مشروعيته، يصر ذووا الفتيات إلى المغالاة في المهور وطلبات الحفل وشهر العسل والمؤخر لفرض قضيّة التأبيد في الزواج -حتى وإن كان دون توافق-، ولو ركزوا على بناء فتياتهم لزواج صالح، وبحثوا في بناء المتقدمين الصالح لهن لكان خيرًا للجميع، وما كان لأحد حاجة في الطلاق. ولكنها نظرة المجتمع السيئة وتجاوزه عن المطلقات في الزواج كأنهن من القواعد. سبحان الله!

تلجأ البكر لحكم أبيها في اختياره الزوج المناسب، والثيب قد علمت ما تريد بفضل زواجها الأول فأهديت النطق بالرضا تنفيذًا لحكمها على المتقدم وليس حكم غيرها، فمن لديها فرصة أفضل للاختيار الصحيح وقدرة على التعامل مع زوج جديد؟ هذه مشيئة الله تعالى بالتوفيق يهبها لمن يشاء، فلم نحاول تغليب رغباتنا على مشيئة الله بتعارف الأزواج فيما أحله ونرتضي ما حرمه تجنبا لهمز المجتمع ولمزاته؟

وإن قال أحدهم، إنما التعارف من خلال المساكنة والانفصال دون عقد، كالتعارف من خلال عقد النكاح والطلاق، فهذا القول مثل قول أهل الجاهلية في الربا حين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} ورد الله تعالى عليهم {أحل الله البيع وحرّم الربا} [البقرة: 275]، فإنك لو أحكمت قِيَم الزواج ومسؤولياته في كلا الزوجين، فإنه الطلاق لن يتكرّر كما يتضاعف الربا وكما تتكرر العلاقات المحرمة التي ما إن رست على شريك العمر، تاقت النفس بعدها للتغيير كما اعتادت بين حين وآخر، فلا هي أبقت العهد الجديد بالالتزام، ولا استطاعت طرد ما عهدت من قلوبها.

إلا أنه في حال الطلاق -بعد اختبار مسؤوليات الزواج بنية صادقة- فإن الأزواج المنفصلين سيجدون مرادهم سريعًا بإذن الله، كما أوحت بذلك الآية: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا} [النساء: 130]، وقد يعود بعض الأزواج لبعضهم البعض، فـ {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]، إن كان هذا الأمر للزوج، فأين هو المجتمع من هذا الإحسان للمطلقات؟

فطرة الحياة بين الرجل والمرأة

أما التعدد، فلا بد هنا من مقدمة مختصرة في الحكمة من ورائه ودوافعه، قبل استعراض التشويه الممارس ضده، فقد اقتضت مشيئة الله –سبحانه- خَلقَ الذكر وجعله واهب النطف بينما كانت الأنثى المستقبِل الذي يحتضن هذا اللقاح في سبيل حفظ النسل البشري، فقد كانت أعداد البشر وبالأخص المواليد معرّضة على مرّ العصور للأمراض والأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية وغيرها، فكان من الطبيعي أن يقترن الرجل بأكثر من امرأة تجنّبًا لتعطيل قدرته على الإخصاب خلال فترات الحمل والرضاعة الطويلة.

وبما أن الرجل عقلاني بالدرجة الأولى ليقدر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه حال اقترانه بامرأة جديدة، فقد كانت غريزته المرتبطة بالتناسل هي الدافع الأقوى لاتخاذ هذه الخطوة دائمًا، فقد جبل الله تعالى فطرة الرجل على خلاف فطرة المرأة في أمور كثيرة حتى يتحقق التجاذب بين الطرفين، وبالوقت نفسه تعينه خصائصه وتكوينه على تحمل مسؤولياته بفاعلية أكبر من الطرف الآخر. ومن هذه الأمور، اختلاف علاقة الحب بالجنس عند الزوجين واحتياجات كل منهما.

فالمرأة -كإنسان يقدم القلب على العقل- تنظر للمعاشرة الزوجية كنتيجة طبيعية لحبها للرجل، واحتياجاتها من الجنس عاطفية أكثر منها غريزية. لذلك تعتبر معاشرة الزوج كمؤشر على حبه لها، حيث تشبع به عاطفاتها الباحثة عن الاهتمام والأمان وتعكس هذه العاطفة على أطفالها ومنزلها، وهو ما يتماشى مع دورها كحاضنة. بينما كان الرجل -كإنسان يقدم العقل على القلب- يمارس الجنس إشباعًا لغريزته وحفظًا لنسله، أما تعبيره عن حبه فيأتي عمليا وبشكل أساسي في تحمل أعباء ومسؤوليات الزواج، فيضحي بجل وقته وجهده وماله لأجل عائلته بعيدًا عن فتن الحياة ومغرياتها، وهو ما يتماشى مع دور رب الأسرة؛ لذلك، لا تتفهم المرأة رغبة الرجل في الزواج مرة أخرى، وتعتبره نوعًا ما تراجعًا في حب الرجل لها، بالرغم من أنه قائم على مسؤولياته بما يحفظ حقوقها ويصون كرامتها.

لنفترض جدلًا أن فطرة الرجل كانت كالمرأة (كلاهما يقدم القلب على العقل) ستكون النتيجة حتمية بفناء الجنس البشري بعد حين من الدهر في ظل الظروف السابق ذكرها وذلك لعدة أسباب.

أولًا: سيكون كلا الطرفين مترددا في اختيار الآخر ومعاشرته، أما ثانيًا: ففي حال كانت المرأة عقيمة، لن يرتضي الرجل ذرية من زوجة أخرى. ثالثًا: إن كانت المرأة تشكو من علة تحول دون المعاشرة، امتنع الرجل عن الزواج من الأخريات. رابعًا: تقل فاعلية الرجل في تلبية احتياجات الأسرة، لأن العواطف الجياشة لا تندمج مع خصائصه من حيث التكوين والبناء العضلي، فلا يستطيع توظيف قدراته الفكرية والجسدية على الوجه المطلوب. خامسا وهو الأهم، تنشأ الأفراد الجديدة في جو مشحون عاطفيًّا بالكامل، محدثًا خللًا في توازن التربية، فينتج نسل جديدٌ غير مستقر عاطفيا ومضطرب عقليًّا.

تشويهُ شرعِ الله

إذًا هذا هو التكوين الأسري الفعال في المجتمع، الصامد أمام العقبات بضمه أفراد جدد، ليستمر في إنتاج أفراد صالحة، مع حفظ مصالح وحقوق كل القائمين على مؤسسة الزواج. فكما هو الحال مع أي مدير ناجح لمؤسسة، قد يأخذ على عاتقه تكوين مؤسسة جديدة، وربما يدمجهما في مؤسسة واحدة، أو يكون قائمًا على مجموعة شركات. مقياس النجاح هنا الإدارة المتوازنة، لذلك فإنه ليس بمقدور الجميع أن يكون على هذا القدر من الكفاءة لتحمل هذه المسؤولية.

لكن صعوبة التطبيق في هذه الأيام، لها أسباب أخرى متعلقة بما ذكرناه في المقال السابق من أفلام ومسلسلات وغير ذلك من أساليب الفن المغشوش، الذي يعمم أفكار شاذة على المجتمع من خلال سرد قصص وأحداث فردية متعللين برسالة الفن. فأي عبرة أخذناها من درس (اكسر رأس زوجتك بزوجة أخرى!) أو (خلفي منه عيّل قبل ما يجبلك ضرة تاخذ نص اللي عنده ويمكن تكوش على كل حاجة)!

لقد بات من الطبيعي أن ينظر المجتمع إلى المعدّد وكأنه أشبه بزير نساء، بينما إن كان الأعزب صاحب علاقات واسعة فإنه سيسوّغ له بأنه يبحث عن زوجة مناسبة. كما يشفق هذا المجتمع المريض على الزوجة الأولى ويعتبرها مسكينة، إن لم يعتبرها ناقصة ومقصرة في مسؤولياتها. حتى أن المصطلحات المستخدمة للتعبير عن هذا الفعل مشينة في معناها “يتزوج عليك!” أو “تنزل على ضرة!” وكأنه ضرر وشر. وفي ظل هذا الانحراف عن غاية الزواج، تعتبر كثير من النساء أن نية الرجل بالتزوج مرة أخرى أشبه بالكفر البواح الذي يهدر بسببه الدم، بل حتى قد يصل الأمر بالبعض، أن يرتضين علاقات أزواجهن السرية طالما أن لا امرأة جديدة ستشاركها في اسم زوجها وماله ولن تتعرض لكلام المجتمع القادح، فليس ثمة مجال للزواج الثاني، فيجد بعض الرجال أنفسهم بين نارين، نار الخوف على النفس من الخيانة الزوجية والمعصية، ونار الغريزة التي لا تكاد تنطفئ حتى تتأجج بكثرة الفتن من حولها.

إنني لا أشجع على استغلال الطلاق ولا أدعو إلى تعدد الزوجات لغير ضرورة، لكني أردت توضيح أن ضوابط الدين الإسلامي وتشريعاته لم تنزل لتضغط على العباد، بل جاءت لتحقق مآربهم بما يتوافق مع مصالح المجتمع ككل، وأن أهواء الأفراد المخالفة للدين تشكل خطرًا على المجتمع. وهذه الأهواء لم نستحدثها، بل فرضت علينا تِباعًا دون أن نشعر، بدءاً من كوميديا الحموات وانتهاءً بكوميديا الخيانات.

إن التغيير للأفضل لن يبدأ بالمجتمع، بل بالأفراد الذين بكثرتهم يميل المجتمع للاستقامة، ولذا يجب أن يأخذ هؤلاء الأفراد خطوة في الاتجاه الصحيح، في وجه الرفض الصريح لما أحكم هذا الدين في أمره.

إن التعدد الآن عرف شبه مندثر بسبب الضغط الذي أوجب ذلك، وهنا ينبغي إعادة النظر في النتائج التي صدرت عن هذا الضغط، وقبل هذا وذاك، ينبغي تربية الأفراد الناشئة على ثقافة جديدة للزواج مستمدة من أحكام الدين، والتعريف بأهدافه ومسؤولياته بعيدًا عمّا يصوره الإعلام.

إن طبقنا هذه الثقافة من الأساس وأحيينا هذا العرف في المجتمع، أصبح من السهل الالتزام بضوابط الدين، وعادت المروءة للمجتمع الإسلامي وأصبح كالحصن المنيع أمام فتن الحياة ومؤامرات الغرب، تتربى داخله أفراد مصلحة لشؤون حياتها الاجتماعية كافة دون تدخل سافر، تعتز بإسلامها ويعتز الإسلام بها.




النسويات ومعضلة أميرات ديزني

يعتقد الكثيرون أن أفلام ديزني الكلاسيكية جسدت قصص الأميرات العالمية بطريقة ساحرة خلابة تظهر فيها شخصية الأميرة بشكلها الرقيق الطيب الحالم، ومن ذلك أن باكورة أفلام ديزني للأميرات (بياض الثلج) محفوظ في السجل الوطني للأفلام بعد أن اعتبرته مكتبة الكونجرس الأمريكية عملًا هامًّا يستحق الاحتفاظ به، إلا أنّ التيار النسوي لم ينظر يومًا لهذه الأفلام بنفس الطريقة التي ينظر إليها هؤلاء؛ فقد كان -وما زال- يمقتها ويعمل حثيثًا على تغييرها لتتماشى مع أجندته.

بدأت معضلة أميرات ديزني مع النسويات عندما خرجت تلك الأفلام الموجهة للأطفال لتمثّل الصفات المثالية للفتاة حتى تصبح أميرة حقيقية يتنافس عليها الأمراء للزواج بها، لكنها جسّدت صورة نمطية مرفوضة لدى النسويات عن دور المرأة في المجتمع في ذلك الوقت، ففي حين ترى أنت الأميرة فتاة رقيقة مرهفة الحس والأنوثة، فإنهم يرون فتاة كل آمالها في الحياة أن تعتمد على شاب أمير ووسيم، وبين أن ترى فتاة طيبة لا تؤذي مخلوقًا، فإنهم يرون فتاة بلا مهارات أو قدرات ومحل تقديرها فحسب جمالها الذي يتحدث عنه الجميع، وبين أن تكون فتاة تستحق تضحية فارسها الشجاع من أجلها، في حين أنهم يرونها ضعيفة مستسلمة لقدرها بأنها امرأة وتنتظر من ينقذها، لذلك ليس غريبًا أن تحارب النسويات من أجل قلب صورة الأميرة في قلوب الكثيرات لتعكس الكيفية التي يرين المرأة من خلالها -كما سأبين لاحقًا-.

أفلام أميرات ديزني بين الطبيعي والنسويّ!

في دراسة كمية أجرتها المتخصصتان في اللغويات (كارين آيزنهاور) و(كارين فاوت) عام 2016 على أفلام ديزني للأميرات، وجدتا أنه يمكن تقسيم الحقبة التي أنتجت فيها بحسب التغير الطارئ على شخصية الأميرات ودورهن في القصص. قيل إن الدراسة كانت بهدف بحث تأثير الأميرات في طريقة كلام الأطفال كل بحسب جنسه –جندر-؛ إلا أن البحث كشف عن إحصائية مثيرة للسخرية فيما يخص دور المرأة ومقارنته بدور الرجل في قصة تدور بالأصل عن المرأة.

أطلقت الدراسة على البداية مسمى الحقبة الكلاسيكية بين عامي (1937 -1959) والتي أخرجت (بياض الثلج) و(سندريلا) و(الجميلة النائمة). وجدت الدراسة أن نصيب النساء من الحوار في هذه الأفلام مساوٍ أو أكثر من نصيب الرجال لكنها أشارت إلى الدور المحدود للمرأة بالتأثير في مجريات الأحداث، إلى جانب تركيز الفيلم أكثر على صنائع الرجال في القوة والشجاعة والتصدي للأشرار والعبث المضحك. وأكثر من ذلك، فإن نسبة توجيه الرجل للمرأة في القصص (سواء كان أمرًا أو طلبًا أو نصحًا) مرتفعة جدًّا مقارنة بنسبة توجيه المرأة للرجل. وهو أمر استهجنته الدراسة في قصة تدور عن فتاة لكن يتصدر الأحداث الشيقة والمضحكة الرجل ويتحكم بمجرياتها.

بياض الثلج، من أميرات ديزني

بياض الثلج

ثم جاءت حقبة النهضة (1980-1999) عبر دور الأميرات في أفلام (الحورية الصغيرة)، (الجميلة والوحش)، (علاء الدين)، (بوكاهانتوس) و(مولان)، حيث ظهرت صفات جديدة للأميرات مثل التفكير باستقلالية والتمرّد على التوجيهات بتصرفات معاكسة وهو ما نال مباركة النقاد في حينها. لكن الدراسة أظهرت تراجع النصيب الكلامي للنساء في الحوار بدرجة كبيرة لحساب الرجال، كما ظلّت المرأة تبحث عمن يتزوّجها دون أن توجّه أحدًا أو تقود أحدًا أو حتى تخترع شيئًا.

وتشير (آيزنهاور) أن جزء من المشكلة في ذلك هو الشخصيات العاملة في هذه الأفلام غالبًا من الذكور، وأدى ذلك إلى أن تظهر أمثلة أنثوية قليلة عن طاقة النساء وقدرتهن ونفعهن في المجتمع. وفي حين توضح الدراسة نسبة تفوق 55% في إطراء النساء على مظهرهن في الأفلام الكلاسيكية وبالكاد تتجاوز نسبة 11% لقدراتهن، تراجعت نسبة إطراء مظهر النساء إلى 38% في أفلام النهضة مقابل زيادة إلى 25% لقدراتهن. وهو ما عدته الدراسة مؤشرًا جيدًا على تحسن شخصية الأميرات عن الصور السابقة.

مولان، من أميرات ديزني

مولان

أما الحقبة الأخيرة فهي الحقبة التي حُطِّمت فيها الصورة النمطية للأميرة للأبد، حقبة العصر الجديد والتي ابتدأت في 2009 بـ(الأميرة والضفدع)، مرورا ب(متشابكة) و(شجاعة) وأخيرًا (متجمّدة)، حيث إن هذه الأفلام قلبت الموازين في النص، وأظهرت نسبةً عاليةً لإطراء المرأة على قدراتها ومهاراتها وإنجازاتها بنسبة 40% وتراجع الإطراء على الشكل بنسبة 22%. الفضل في ذلك يعود إلى أن فكرة قصص الأفلام في كتابتها وإخراجها جميعها جرى تحت إشراف طاقم نسائي بالمجمل كما نشرت صحيفة واشنطن بوست في مقال تكلم عن نتائج أبحاث (آيزنهاور وفاوت) وقد أضاف إلى ذلك ما صرحت به الكاتبة (بريندا تشابمان) مسبقًا بأن شخصية الأميرة (ميريدا) في فيلم (شجاعة) قد صممت خصيصًا لتحطيم الصورة النمطية عن أميرات ديزني. (ميريدا) التي خالفت الأعراف بتصرفاتها الصبيانية ورفضت أن ينحصر دورها في الزواج والإنجاب والتربية كأمها، ونزلت ميادين الرجال لتنافسهم في الشجاعة وقوة الرمي وغيرها مما يفعله ضخام الأبدان، قد أعطت نموذجا آخر للصغار عن شخصية الأميرة الجامحة والمستقلة بقدراتها عن الرجل. ثم أتت أميرة الثلوج (إلسا) لتتوج ذلك بقيادتها وتوجيهاتها الحكيمة لقومها.

ميريدا، من أميرات ديزني

ميريدا

الأميرات والأمراء، هيّا لنسخّف القضيّة!

بعد أن تحقق الإنجاز المشار إليه، لم يكن هناك مانع من احتفال بسيط للنسويات عبر جمع كل النسخ السابقة من الأميرات والاستهزاء بقصصهن في أحد المشاهد من فيلم ديزني (رالف يكسر الإنترنت). فقد أشار كاتبا الفيلم (فيل جونستون وباميلا ريبون) عن فكرة هذا المشهد وتحدثا بأنهما أرادا تفكيك شخصيات الأميرات وابتكار مشهد نسوي تقدمي في إطار مضحك.

يبدأ المشهد بظهور الشخصية الرئيسية في الفيلم (بينولبي) والتي تطلق على نفسها أميرة لكنها لا تشبه الأميرات في شيء، تظهر في غرفة تجمع الأميرات الاثنتي عشر بفساتينهن الشهيرة، وهنا تتأهب جميع الأميرات في وقفة قتالية مع تعابير الوجه الغاضبة مستخدمات أسلحة رمزية من قصصهن، أما الأميرة (كاثرين – من فيلم الجميلة والوحش) فتحمل كتابها التي علّمت عنه أميرها لتضرب به، والأميرة (ياسمين – من فيلم علاء الدين) تحمل مصباحها دون الاستعانة بالجنّي الذي ساعد أميرها للوصول إليها، أما (سندريلا) فتمسكك بحذائها الزجاجي الذي كان يوما ما أملها الوحيد في تعرف الأمير عليها وتكسره بشكل حاد ليتحول إلى سلاح قاطع، وهنا تحاول (بينولبي) إقناع الأميرات أنها أميرة مثلهن، لينهال وابل من الأسئلة السخيفة تطرح فيه كل أميرة مقارنة عن واقعها السابق لتقابله (بينولبي) باستغراب شديد. لكن الجميع يتفق على أنها أميرة عندما يُطرَح عليها سؤال المليون كما يقال (هل يفترض الناس أن جميع مشاكلك ستحل لمجرد ظهور رجل ضخم قوي في حياتك؟) وتجيب (بينولبي) باستنكار: (نعم ما بال هؤلاء!).

ويستمر تسخيف تصرفات الأميرات السابقة خلال المشهد من تأملات الطبيعة والشدو بالغناء لبث همومهن. وبعد أن تستبدل الأميرات ملابسهن التقليدية لتشابهن (بينولبي) بملابسها العصرية، تقوم الأميرة (أورورا – الجميلة النائمة) بالارتماء على فراش حديث واصفة هذا الرقاد المريح بأنه الحب الحقيقي وكأنها تستغني عن حب من حارب الشريرة لأجلها وأيقظها من غيبوبتها.

أما الأميرة (بياض الثلج) فتلبس قميصا مطبوع عليه التفاحة المسمومة على هيئة جمجمة، وكأنها أصبحت قادرة على التلاعب بهذا الخطر الذي هدد حياتها يوما وأحوجها لإنقاذ أميرها. أي أن جميع الأميرات لم يعد يحتجن حب الرجال وتضحياتهم فهن قادرات على التكفل بأمرهن دون عون، بل أثبتن أنهن من ينقذن الرجال كما يأتي في مشهد لاحق من الفيلم نفسه، يتجلى فيه ازدراء دور الرجل المتهم بتحجيم دور المرأة سابقا. فها هو (رالف) الرجل الضخم يسقط من برج شاهق لتصيح إحدى الأميرات (رجل ضخم قوي يحتاج للإنقاذ!) فتظهر كل أميرة مهارتها في الإغاثة لينتهي (رالف) لابسًا فستان (بياض الثلج) وغائبا عن الوعي في سرير. وكأن النسويات يقلن (نم أنت أيها الرجل فلا حاجة لك بعد اليوم).

ديزني وطغيان التمركزُ الأنثوي

قد تظن أن الأمر توقف هنا، لكن يؤسفني إخبارك أن الأمر ليس كذلك! فما زالت عملية تصيّد شخصيات النساء في الأعمال الناجحة السابقة لأفلام ديزني وإظهار أدوارهن في أجزاء لاحقة بطريقة فوقية على الرجال تهمش دورهم. هن أصحاب القرار، هن محركات الأحداث، وهن من يصنعن الحلول عندما يعجز الرجال.

لنقف على سبيل المثال عند شخصية راعية الأغنام (بو-بيب) الهادئة اللطيفة في فيلم (حكاية لعبة 1995)، حيث تظهر في الأجزاء الأولى متعلقة بالشرطي (الشريف وودي)، تخشى عليه دائمًا وتعتبره حلال المشاكل، وتشجعه دائمًا وتدفعه للخير، لكنها لم تبق كذلك في الجزء الرابع من الفيلم عام 2020، حيث تنزع تنورتها وصدّارها الريفي وتظهر بالملابس الأساسية تحتها، واضعة رباطا طبيا على ذراعها وقد حولت عصاها من رعي الغنم لسلاح تحارب به.

يلتقي (وودي) بـ (بو-بيب) فيندهش من جرأتها ومهارتها، وبعد أن يعجز (وودي) في اقتحام محل خردوات لينقذ صديقه، تقوم (بو-بيب) بتنفيذ مجازفة خطيرة لإدخاله ومساعدته في حل مشكلته.

ولنقف عند مثال شخصية المرأة المطاطية في فيلم (الخارقون 2004)، حيث كانت في الجزء الأول الزوجة التي تعتني بالمنزل والأولاد وتحاول حل مشاكلهم، وتضطر حينها لخوض القتال بعد أن تجرّها غيرتها على زوجها، وتحاول طوال الوقت حماية عائلتها بينما زوجها يقارع الشرير، أما في الجزء الثاني عام 2018 فإن الصورة تنقلب إلى الضد، فتصبح هي البطلة التي تحارب الجريمة وزوجها يجالس الأطفال في المنزل ليساعدهم في واجباتهم ويتدبر أمور حياتهم المعيشية.

وبينما تتفانى المطاطية في تتبع الأشرار بحرفة وذكاء وتحل ألغازهم دون عناء، يزول غرور زوجها السيد الخارق سريعا في المنزل ليظهر مُجْهَدًا مُتعَبًا بعد ليلتين فقط، فيطلب المساعدة من العمة (إدنا) في رعاية الطفل (جاك) كي تخفف عنه عبء مسؤوليات المنزل.

وثمة مثال أخير في شخصيات ديزني النسوية، ففي فيلم عائلة (كرودز 2013) حيث الحبكة الأساسية تكمن في تعارض قوة الأب (جورج) وخياره في الاختباء في كهف بحنكة الشاب (جاي) وتطلّعه لمكان أفضل للعيش، ولم يكن هناك دور للنساء في القرار سوى الاتباع والاعتماد على قوة المجموعة للبقاء، إلا أن في الجزء الثاني عام 2020، تفشل قوة (جورج) وتنتهي حنكة (جاي) ويُختطَفُ الرجال جميعًا ويعجزون حتى عن الفرار، لتأتي عصبة نسائهن (أخوات الرعد) كما أطلقن على أنفسهن، ليقمن حرفيًّا بكل شيء من تتبع أثر الرهائن وهزيمة جيش القردة، ودحر البابون العملاق وتحرير الرجال قبل أن يصبحوا طعام موز، ويختتم الفيلم بمشهد الرجال وهم يخبزون للنساء.

ثم ماذا؟ مخاطرُ وآثار!

ربما كان هناك حاجة فعلًا للتغيير وإظهار الدور الفعال للمرأة في المجتمع، لكن لماذا حصل ذلك على حساب الصفات الحميدة الموافقة لفطرة المرأة؟ ولماذا يجب أن يكون دورها الفعال منافِسًا للرجل ومستقلًّا عنه؟ أليس جزًءا من المشكلة هو شذوذ بعض النسويات ودفعهن في هذا الاتجاه المنفصل؟ إلى أين سينتهي المطاف في هذه التغيرات التي يشاهدها الأطفال ويعالجون تصرفات الشخصيات ويستنتجون منها الفروقات بين الجنسين؟

هناك عدة دراسات تبين أن ديزني في طريقها للوصول إلى نسخة أكثر وضوحًا من الأميرة (الأندروجية– المخنثة التي تجمع بين العضلات والأنوثة)، وهي نتيجة بديهية إذا ما أخدنا في الاعتبار التطورات المستمرة على دور المرأة، فقد انحرفت لمجاراتها الرجل في كل شيء بدعوى نيل حقوق المرأة، وفي ذات الوقت صادقت على اعتراف ضمني بحقوق الجندر في تقرير مصيره الجنسي.

كما تبحث تلك الدراسات ما يطلق عليه ترميز الشذوذ في بعض شخصيات أفلام ديزني الشريرة بحيث لا يكون جنس الشخصية واضحًا أو طبعه غير متفق مع جنسه. وبالرغم من جميع هذه الدراسات فإنه ليس هناك عدد وافٍ من الدراسات التي تبحث تأثير شخصيات هذه الأفلام في هوية الطفل الجنسية. لكن من الواضح أنه لن يصعب على الولد في المستقبل القريب بعد مشاهدة فيلم ديزني أن يقول: “أريد أن أصبح قويًّا كتلك الفتاة”، أو تقول بنت: “أريد أن أصبح فاتنة مثل ذاك الشاب”.

وقد لا يبدو في ذلك مشكلة إطلاقًا لدى الغرب الداعم لحقوق الشواذ، بل هو في رأيه الحق المطلوب اليوم للأطفال في تحديد هويتهم الجنسية عند المتحررين من الدين، لكن ماذا عن أطفال أمة الإسلام التي غمرتهم منتجات ديزني في بلادنا بشخصياتها الخيالية على الملابس والألعاب والأدوات المدرسية؟

نحتاج لوقفة مطولة مع الجهود اللازمة لتوعية أطفالنا عن أفلام قيّمت بأنها صالحة لمشاهدة جميع العائلة، وربما توعية الكبار قبل الصغار.


المصادر

http://www.kareneisenhauer.org/wp-content/uploads/2017/06/Eisenhauer-Capstone-Excerpt.pdf?fbclid=IwAR0SMhZ07JuzrD4EZeF-n0BnWUKVHz8_G71ht9I2VBWGcNzi73spVbP8HAQ

https://grad.ncsu.edu/wp-content/uploads/2017/04/EisenhauerPoster17.pdf?fbclid=IwAR1NWpzLKAB-uVFgVGy7GCXLBZ6y2vjcxLuyBEo04tbfgHfR0sl8TyFnyJg

Disney Princess Movie Marathon: How to Watch These Movies in Chronological Order

https://www.washingtonpost.com/news/wonk/wp/2016/01/25/researchers-have-discovered-a-major-problem-with-the-little-mermaid-and-other-disney-movies/?fbclid=IwAR2cmzvwUIjK5VhQoSCxfq47deMmDWMRVvaKXHjSZkcJNiEkfQJqIs73vrc

The Rise of the Androgynous Princess: Examining Representations of Gender in Prince and Princess Characters of Disney Movies Released 2009–2016

Vanellope meets the Disney princesses

Disney Princesses save Wreck-It-Ralph

https://web.archive.org/web/20170312175257/http://www.marginsmagazine.com/2015/12/18/fabulously-fiendish-disney-villains-and-queer-coding/

 




الفلسفة الدينية و”نظرية المؤامرة”

إن كنت مؤمنًا بالله تعالى وما جاء في كتابه المقدس، فأنت حتمًا ستؤمن بالتآمر على دينك الحق، وإن لم تكن مؤمنًا، فأعتقد أنك لست بحاجة لقراءة هذا المقال.

بهذه البساطة، أختزل جدالًا طويًلا بين من يعتقد بوجود خطط من قبل أطراف قوية –دولٍ ومنظّمات- لتحقيق مصالحها على حساب الأطراف الضعيفة، وبين المنكرين لوجود هذه الخطط.

نقصد ههنا أولئك الذين يسمون هذه الظاهرة بـ “نظريات المؤامرة” التي تهدف -كما يبدو- لإخضاع البشر والسيطرة عليهم كما يروج لها، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنه لا يعني أن كل نظرية هي حقيقة بغض النظر عن سخافتها، وأيضًا لا يعني إنكار جميع ما يندرج تحت نظريات المؤامرة.

إبليس وآدم .. من هنا كانت البداية!

لأوضح المسألة دعونا نرجع للبداية، أي إلى فجر تاريخ الوجود البشري، حيث نشأت عداوة بين آدم عليه السلام وإبليس، حيث يحدثنا الله عمّا دار بينهما في قرآنه الكريم.

يقول الله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36]. لقد جاءت عداوة الشيطان لآدم عليه السلام بسبب تكريم الله له بسجود الملائكة له، حيث قال إبليس -كما أخبر الله تعالى- {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62].

لقد وعد من إبليس بأن يسعى لإضلال أغلب ذرية آدم عليه السلام كي يثبت أن ابن آدم لا يستحق الخلافة في الأرض ولا الجنة من بعدها، ليأتي تحذير الله تعالى آدم وزوجه وذريته ليرشدهم {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه: 123].

أصرّ الشيطان على وعده وموقفه، بل إنه وضّح مخططه وأدواته، فيقول كما ذكر الله تعالى {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء: 119].

الضلال ثم الأماني ثم الأمر وكأنه المعبود والولي من دون الله تعالى، فيرد الله تعالى عليه {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64].

ويحذر الله بني آدم من تولي الشيطان وعبادته مبينا هدفه {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27].

كما يخبر لله تعالى كيف يتنصل إبليس من أوليائه يوم القيامة {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].

إن هذه الآيات القليلة تدل على حقيقة وجود بني آدم على الأرض والخطر المحدق بكل فرد منهم بغض النظر عن إيمانه أو دينه؛ فالله تعالى قد حذر جميع بني آدم من إبليس، ووعد المؤمنين بالمفازة من العذاب. فإن كنا نعرّف المؤامرة بأنه مخطط لجماعة تهدف لتحقيق أمر ضد مصلحة الجموع مدفوعة بأحقاد أو أطماع خفية، سنجد أن كل مقومات المؤامرة موجودة في مخطط إبليس وزبانيته وأعوانه من البشر ضد بني آدم على هذه الأرض. وهي أكبر مؤامرة مستمرة منذ البداية وحتى النهاية ولن تتوقف إلا بقيام الساعة، حين يصبح الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى. ويبقى مصطلح (نظرية) المضاف للمؤامرة مرتبطًا بإيمان العبد بالله. فإن كان مفتونًا بعمل الشيطان وأولياؤه، قال إنها نظرية بلا دليل، وإن كان يؤمن بالله تعالى والآخرة، استطاع أن يميز الحق وسط الضلال السائد.

إنها خطة وليست تصرفًا ساذجًا

لا يمكن لعموم هذا الضلال العام المتصاعد أن يكون عشوائي الظهور بسبب حالات فردية أو صنيعةً لأهواء النفس فقط، أي أن الأمر لا يقتصر على وسوسة الشيطان لأفراد لا شأن لهم فحسب، بل إن الأمر يتعدى ذلك للإنابة، فالهدف عظيم عندما يكون جميع بني آدم إلا قليلا منهم، وهو بكل تأكيد يستوجب الجهد والمتابعة في تحقيق ما خطط له مسبقًا. ولن يقصّر أولياء الشيطان جهدًا في تحقيق مراده، باستخدام كل الأدوات المتاحة من علوم وتكنولوجيا ومعرفة سيكولوجية في التأثير على قناعات العامة وتغيير ثقافتهم وتصرفاتهم بما يرجح الكفة لإنكار الوجود والسببية، والتعلق بالأنانية والصدفية من باب تهيئتهم لقادم أعظم.

حقًّا، من كان يظن أن عداوة الشيطان للإنسان تقتصر على إفساد عمله الشخصيّ فقط فهو واهم، فمن الناس عبيد للشيطان، منكرون للإله الأوحد، وقعوا على عقد بيع أرواحهم بالدم ليكسبوا نعيم الدنيا وما فيها من شهوات زائلة. وطبعًا ذلك لا يكون إلا بمقابل، كالترويج للفاحشة أو الإلحاد مثلًا فذلك يجعل الناس أقرب لتولي الشيطان. فلا يتوقف فساد عبد الشيطان عند نفسه فقط بل يتعدى ذلك لفتنة الآخرين واستمالتهم نحو ولاء جديد بعد إلحاد، يكونون فيه جميعًا عونًا للشيطان في تحقيق مخططه على البشرية.

إذًا فإن مسألة التآمر على البشر محسومة في القرآن، وإن خفيت خيوطها، فلا يعني ذلك أنها لا تحاك ضدهم. وما يظهر من عُقد الحياة بلا شك هو من تلبيس إبليس مستعينًا بمن والاه من بني آدم كي يحكم هو فيهم حتى تحين الساعة.

وهنا فإني لست أسعى لتفنيد أو تأكيد أيٍّ من نظريات المؤامرة المنتشرة في مختلف الفضاءات والتيارات، إلا أني أبتغي توضيح الصورة الأكبر لمن يتبع دين الله ويؤمن بالحساب والعاقبة.

الثبات في وجه الفتنة

نحتاج فعلًا للثبات على الدين في مواجهة مؤامرة إبليس ومن والاه وفتنة الحياة؛ إذ إن الاقتناع بأن هذا العالم تحكمه الإنسانية وخير البشرية دون مؤثر ما، إنما هي فكرة ساذجة للغاية تخالف واقع الحياة المزري والمتردي في معظم البلاد التي خضعت للاستعمار في القرون الأخيرة، فهي تعاني من الديكتاتورية والفساد واضطهاد الشعوب.

وهي نفس الفكرة الساذجة في حال تصديق الحرية المطلقة المزعومة في الدول المتقدمة، فحرق راية “ألوان الطيف” الخاصة بالمثليين تواجَه بقسوة بالغة كالسجن لـ ١٠ سنوات، وكذلك فإن إدراج كلمة (صانع) في بحث نظرية التطور سبب كافٍ لرميه وصاحبه في غياهب التصنيف والإقصاء والسخرية، وكذلك فإن مجرد التشكيك في عدد ضحايا الهولوكوست وإن كان مبنيًّا على نتائج علمية ومخبرية كفيل بأن يعاني من المحاكمة –كما جرى مع روجيه غارودي سابقًا- وأن تسحب الشهادات العلمية من صاحبها.

يحق للمؤمن الواقعي أن يرفض نظرية المؤامرة بدون أدلة، لكنه يجب أن يكون واقعيًّا أكثر في لمس الشر المتزايد في بقاع الأرض بما يثبت اقتراب قيام الساعة على شرار الناس، والكثير من هؤلاء قطعًا لا يعملون بشكل فردي لأطماع شخصية، بل عصبة كبيرة منهم مجتمعة في عملها وهدفها أنت ودينك، وكل ذلك إرضاء لإبليس الذي وعدهم بالخلود كما وعد أباكم آدم عليه السلام.

ما دمت مؤمنًا يا أيها الإنسان، فأنت هدف أوّلي ومهم أكثر من الملحدين، لأنك ما زلت تذكر الله، والله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].