1

ليهلك الحرث والنسل!

انتشرت دعاوى النسوية وأُضرمت أيديولوجياتها كالنار في الهشيم، فهي محاولات تقف على قدم وساق لإعادة صياغة العالم وكتابة تاريخه بمداد عدائي صارخ. عالَمٌ حيث السلطة فيه مُحتَكَرةٌ للمرأة، هي الآمر والناهي، كل الأدوار المركزية، القيادية منها والسياسية تسير وتتحدد وفق ناموسها المقدس الجديد، مجتمع فيه يُنسب الأبناء للأم، وينحصر حق الإرث في فرع الأم في سلسلة النسب، وحتى الزوج يقطن مع عشيرة الزوجة/الأم.

حرب امتلأت صفحات الكتب والمواثيق بزخرفة وتزيين شعاراتها لإنزالها على أرض الواقع، في محاولة لمحاكاة العالم الأصلي الأمومي بحسب ما يزعمون، إذ تقول الكاتبة النسوية مارلين فرينش في كتابها: (الحرب ضد المرأة): “إن التجمّعات السكنية البشرية الأولى كانت تعبد آلهة مؤنثة، وتعيش في تناغم قائم على التساوي، وتنعم بالرخاء المادي حيث كانت المرأة تتمتع بمكانة أعلى من الرجل، وباحترام أكثر منه ثم جاء (النظام الأبوي) ليحل محل هذه المجتمعات وعلى رأس (الملوك الكهنة) الذي خلقوا نظاما طبقيا يُخضع المرأة”.

معاول الهدم

على أساس فرض المساواتية بل وتسليم السلطة للمرأة، فقد سعت أيدولوجيا النسوية بخطوات حثيثة لرفع معاول الهدم والوقوف في وجه كل من يقعِدها عن بلوغ غايتها، فكان السبيل الأوحد  هو تثوير الأنثى ضد الرجل بتقديمه كعدو، وسلطوي، و متآمر لا خير فيه، حتى تنأى وتنفر رويدا رويدا  من كل رابطة يكون هو أحد أطرافها سواء كان أبًا، أخًا كان أم زوجًا، عدا عن تشويه وازدراء كل ميل فطري للأنثى وعلى رأسه: الرغبة في الزواج أو الأمومة! باعتبار الزواج مؤسسة تقوم على مقايضة النساء كسلعة بحسب “جاكلين جيلر”، وبما أنه “مجرد عبودية للمرأة فإن على الحركة النسوية مهاجمته.. والطلاق هو سبيل النساء المحبطات والعاجزات والمغامرات” كما ترى ستيلا كرونان.

أما عن الأمومة، فتجيبنا نانسي شودري بالقول: “الأمومة سجن للمرأة في إطار نوعي تفرضه على نفسها، إذ إنه ليس من الضروري أن تكون المرأة ‘أمّا'”. غريزتكِ، فطرتكِ، جبلتكِ.. ما هي إلا أساطير اختلقها الرجل والضغط المجتمعي لتقييدك بها وسلب حريتكِ! لذا فنحن هنا..الحركة النسوية قائمة قاعدة لا شاغل لها غير تمكينكِ وتحريركِ!. فما هي الوسائل التي اتبعتها النسوية لتجعل لها قدم صدق تدعم قولها؟

تحديد النسل بالورقة والقلم!

لم تأل الحركة النسوية جهدها في تمزيق نسيج الحياة الطبيعي وفطرتها المقتسمة بين الذكر والأنثى، لذا تفننت في تنويع الأساليب والطرق لتوسيع الفجوة بينهما إما عن طريق تثوير المرأة ضده الرجل، أو بتنصيب عقبات وأصنام تخدم أيديولوجيتها الخبيثة على المدى البعيد، وتباعد بين الشباب والزواج أطول فترة ممكنة!
وهو ما تؤكده التقارير الواردة من منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها على دور التعليم في إنجاح هذه النقطة، ومن ذلك ما ورد في تقرير المؤتمر الدولي للسكان والتنمية/ القاهرة(١٩٩٤) من أن زيادة تعليم المرأة تسهم في زيادة تمكينها وفي تغيير سن الزواج، وفي تخفيض الأسر، وهو الأمر الذي تشدد عليه منظمة الأمم المتحدة وتعلنه صراحة بالقول: “إن المرأة المتعلمة أكثر استجابة لبرامج تنظيم الأسرة، وهي تميل إلى المشاركة في التنمية الاقتصادية التي يمكن أن تعيقها (كثرة الإنجاب)، ويؤكد هذا الزعم تلك الدلالات الإحصائية التي تشير إلى أن زيادة تعليم النساء تؤدي إلى (الإقلال من الخصوبة) أكثر من زيادة مماثلة في تعليم الرجال” [المرأة العربية والتنمية، مريم سالم].

وهو ما بذلت في سبيله المنظمة وسائل عدة، لعل أبرزها “التركيز على أهمية التعليم في كل المراحل: الابتدائية، الثانوية والجامعية”، في محاولة منها لإطالة فترة تعليم المرأة بشتى الوسائل حتى لو “اضطرت إلى جعل التعليم الأساسي  يمتد لست سنوات بدل خمس، بالإضافة للتشديد على التعليم العالي كعامل مساعد على تأخير فترة الخصوبة عند المرأة، بحيث بدل أن تبدأ مرحلة الإنجاب في سن مبكرة، لا تبدأها حاليا إلى بحلول الثلاثين، وبالتالي تقليل عدد الأفراد إن لم يحصل العزوف بالأساس” [دور الاتفاقيات الدولية في الوقوف في وجه الزواج المبكر، د.نهى قاطرجي].

كما أكد الباحثون وشددوا على أهمية التعليم في القيام بالدور البديل وخاصة منه التعليم العالي في تحديد النسل وتقليل الخصوبة بفاعلية أكثر من استخدام وسائل تحديد النسل. لذا ورد في وثيقة للجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه “ينبغي على الدول إنشاء المزيد من المدارس وتوظيف مدرسين مؤهلين وخصوصا المدرسات الإناث، وتدريبهم فيما يتصل بمواضيع مثل المنظور الجنساني”.. تلك كانت هي وبصورة أضمن بما لا يقاس أفضل “موانع الحمل” على حد تعبير (فيديريكو مايور).

كل هذه الاتفاقيات شغلت المنظمات النسوية القسم الأكبر في إنفاذ بنودها والضغط على الحكومات لمواءمة قوانينها المحلية مع توصيات هذه الاتفاقيات في سياق محاربة الزواج المبكر!

فيديريكو مايور (ويكيبيديا)

تغيير أشكال الأسرة:

بما أن النسوية جعلت العالم كحلبة صراع بين الجنسين فهي بذا لم تترك واديًا لتنحية أو محو معالم الرجل إلا وسلكته، لذا لا غرابة إن تحالفت أو قل كانت الداعم الرئيس للحركات الجنسية المناقضة للفطرة حول العالم، لأنها رأت فيها اللبنة الأساس لإنفاذ مطامحها على أرض الواقع بخطى ثابتة. من خلال الدعوة إلى إيجاد بدائل تُغني عن الأسرة التقليدية -كما أسمتها -المكونة من زوج، وزوجة، وأبناء، معتبرة أنها نمط اجتماعي تاريخي يُمكن تجاوزه! وتشكيل أسر جديدة على رأسها: الأسرة المثلية (أنثى=أنثى/ذكر=ذكر)، وهو مطمع أعربت عنه صراحة الكاتبة والمنظرة النسوية (مونيك ويتق) بالقول: “إن خلاصنا تطلب منا أن نبذل كل ما في وسعنا لتحطيم طبقة النساء التي يستخدمها الرجال لتشكيل النساء وفق رغبتهم. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتحطيم نظام الزوجية(ذكر/أنثى) بوصفه نظاما اجتماعيا قائما على اضطهاد الرجال للنساء، والذي أنتج الاعتقاد في الفرق بين الجنسين كتقنين لهذا الاضطهاد” [ الأسرة في الغرب، ٢٩٢-٢٩٣].

وبذا بعد أن بُدئ الأمر بالمساواة التامة انتهى بها إلى الاستغناء عن الرجل بالكلية، عن طريق اجتثاث العلاقات الجنسية وخلق علاقات مطموسة المعالم الكل فيها واحد، لا يتفرد فيها هذا عن ذاك! معتبرة أن “القضاء على الأدوار المرتبطة بالجنس لن يتحقق إلا بالقضاء على الأدوار الثابتة التي يقوم بها الرجل والمرأة في عملية الإنجاب” [جدلية الجنس، شولاميت فايرستون].

النسوية على هذا الأساس جعلت من الجندر هو الحجر الأساس في مسيرة دعوتها إلى إلغاء الفوارق بين الجنسين، بعد أن تم اعتماده كأداة تحليلية لفهم أبعاد هيمنة الرجل، واعتباره أداة تفصل ما بين البعد الاجتماعي والثقافي،  أو كما عبر عالم الآثار ف. جوردون تشايلد V. Gordon Childe منذ خمسين عاما عن فكرة عدم وجود طبيعة بشرية سوى تلك الطبائع التي صيغت تدريجيا في داخل التاريخ الإنساني، حين جعل عنوان دراسته الكلاسيكية عن الحياة في العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث والحياة الحضرية الأولى: (الإنسان يصنع نفسه) “واليوم يمكننا أن نقول -بمساعدة حس صقلته الدراسات الأخيرة-: إن التاريخ هو سرد للطريقة التي يصوغ الرجال والنساء بها أنفسهم، مرة بعد”.

ف. جوردون تشايلد (ويكيبيديا)

من تكون: صُنع في الصين!

وسط هذه الدعوات الصارخة للحط من قدر مؤسسة الزواج والأمومة، كان لا مناص من أن تعيش بعض الدول تبعاتها. ولعل على رأسها الصين التي لم تلبث أن خرجت مؤخرا بخبر تعلن فيه تطويرها لأرحام اصطناعية للأجنة البشرية، بعد أن تراجع مستوى معدلات المواليد إلى المستوى الأدنى لها منذ ستة عقود.

ولنقف عند (الأرحام الاصطناعية) فهي عبارة مُخبرة عمّا آل إليه الإنسان، إذ أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإجابة ذات يوم عن سؤال من “أنت؟” بـ: “أنا منتَج صُنع في الصين”!

كيف لا والحال أن: المادية الليبرالية، والإلحاد وأخيرا النسوية كلها تتقاذفه مجتمعة من هنا إلى هناك..
كيف بالمرأة وقد أصغت آذانها للنسوية المُغرقة في ازدراء ما اعتبرته مجرد وظائف نمطية للمرأة لا حرية لها إلا بالتحرر منها! أو كما قالت النسوية إيزنشتاين: “إن ثورة الفيمنيزم قد جاءت فقط عن طريق رفض الأسرة البيولوجية.. يجب القضاء عليها من خلال بناء خيار (الإنجاب الصناعي)، وتتشئة الأطفال بمشاركة أفراد المجتمع في ذلك.. فقط بإلغاء كل من المسؤولية الفيزيائية والسيكولوجية للمرأة يكون ممكنا إنجاز تحرير المرأة”. [حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر].

(الإنجاب الصناعي) أو قل: المصنع البديل لإنتاج وحدات (أطفال) أرخص، أبخس وأسرع لتدوير عجلة الرأسمالية! منتَج كغيره من المُنتجات والأشياء. معايير على هذه الشاكلة هي التي أفضت الساحة لعناوين على شاكلة: (الصين تختبر أرحاما اصطناعية لتحرير المرأة من آلام الإنجاب)، ومثل (رشاقتكِ أولوية مع الأرحام الاصطناعية سيدتي)..

نعم سيدتي، الكل هبّ لسلخكِ عن فطرتكِ..لا عليكِ فحتى التكنولوجيا سُيِّرت وسُخرت لأجلكِ حد الاقتناع بحقيقة: لا حاجة للرجل أو الأبناء في حياتكِ بعد اليوم!

يكاد العاقل يجزم أن الأرحام الصناعية لو وُضعت في أيام مقبلة بين أيدي النسويات لجعلن منها مقصلة إعدام للرجل. حتى يتسنى لها الوفاء بلاءاتها الخمس: (لا للدين، لا للرجل، لا للحجاب، لا للزواج، لا لختان الرجل)!

شعار كأنه التصديق والتطبيق العملي لقوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} [البقرة: ٢٠٥]، فالنسوية -كما قال د. سامي عامري- ماهي إلا: تحرير للمرأة من الشريعة بعلمنة حقوقها وواجباتها، وتحرير لها من أنوثتها بالتخلص من ما يميزها عن الرجل. وتحريرها من المعنى النبيل للحياة بأن تجعل مناكفة الرجل مطمحها. النسوية اغتيال للأنوثة الجميلة بيد العدميات، بروح داروينية بغيضة!


مصادر للاستزادة:

دور الاتفاقيات الدولية في الوقوف في وجه الزواج المبكر لدكتورة نهى القاطرجي.

مفهوم النسوية دراسة نقدية في ضوء الإسلام.




أوتار الطمأنينة والخوف!

تخيل أنك في حوار بينك وصديق لك، ثم حصل ما اختلفتما في أمره، هذا وأنت تعلم يقينًا أن ما بين يديك وما تُحدث به هو الصواب والحق بإجماع العقلاء، حاولت المرة تلو الأخرى إقناعه بالتي هي أحسن بما لديك لكنه أبى في غير استكبار.

تساءلت لماذا لم ينفع معه أسلوبك؟ ثم انتبهت أن في المرات السابقة كلها حديثك كان يسير على الإيقاع ذاته، -أي الترغيب- وما اشتق عنه فقط!

لحظتها عرفت علة الإعراض، وتراءى أمام عينيك مفتاح الدخول إلى مجاهل نفسه، وما قد يزعزع ركونه إلى ما هو عليه. حاك في صدرك ما لو حدثته به استجاب، لكنك فكرت وقدّرت العواقب ثم أسررتها في نفسك ولم تبدها له.

 تكتّمت عنه، ولم تجرب معه البتة، وقد مرّ بعض الوقت، وإذ به يأتيك مغاضبًا، وقف بين يديك وفتح الموضوع الذي أُسدِل عليه الستار فترة ليست باليسيرة، ثم عاتبك قائلًا: “لو أنك حدثتني بأسلوب كذا، لربما استجبت، ووقر في قلبي منه شيء ما!” تخيل لو أنه قال لك:

“كنت أحتاج أن (أخاف) لحظتها! ظلمتني يا صاح.. لم تحاول أن ترهبني حتى!”

 أخبرتني التجربة!

وقر هذا المعنى في قلبي، وأثيرت خواطري حوله بعد أن هاتفتني صديقة لي، جمعتنا فصول الدراسة أولا ثم تطورت علاقتنا بفضل الله شيئا فشيئا. صديقتي هذه نشأت في بيئة شبه بعيدة عن الدين، فمع أن والديها يقيمان الفرائض، إلا أن الحديث عن الدين بالمجمل كان مغيَّبًا بشكل شبه كاملٍ في البيت، وفي المحصلة فقد كانت رفيقتي هذه لا تهتم لأمر فريضة الصلاة لدرجة أنها لم تكن تعرف كم من الركعات الواجب أداؤها في كل فريضة، وبحسب ما فهمت من حديثها أنها لم تُقم الصلاة يومًا!

لفت انتباهي هذا التفصيل، ولإلمامي جزئيا ببيئة نشأتها بحكم طول المعاشرة، بدأت أحاول من طرفي تحريك هذا الجانب فيها، حيث كنت كلما سنحت لي الفرصة أحدثها عن الموضوع وأهمية الصلاة في حياة المسلم.. غير أنني كنت على شاكلة صاحبنا الأول، وبالعبارة: غلبت علي فطنتيَّ؛ فكرت وقدرت وقلت صديقتي المسكينة ترعرت بعيدة عن الدين، لن ينفع معها أسلوب الترهيب بحال من الأحوال! فعكفت لا أبرح ترجيتها وترغيبها فقط! إلى أن حدث مؤخرا ما أعاد توجيه أو بالأحرى تعديل البوصلة عندي. إذ كلمتني فرحة “مطمئنة” بخطوتها الجديدة: “بدأتُ الصلاة.. أنا الآن ممن يقيمون الصلاة!”، فرحت أنا الأخرى كثيرًا بخطوتها لكن علامات الاستغراب والتعجب كانت بادية من حديثي: “كيف أقبلتِ على هذه الخطوة يا فلانة؟!”..فبعثتْ لي بمقطع فيديو لأحدهم تحدث عن الصلاة وأهميتها، غير أنه لم يغفل مثلي الحديث عن جانب “الوعيد” لتارك الصلاة، ولا أخفي أنني حدثت نفسي لحظتها وقلت: (ما كنت لأبعث إليها بهذا المقطع لو سقط بين يدي بحال من الأحوال).

لكن يبدو أنني أخطأت التقدير، وفاتني أن التخويف ليس هو المشكل بذاته بل القالب الذي يقدم فيه، وطريقة الطرح هي ما يشكل الفارق، إذ الترهيب لا يتقاطع البتة مع اللين؛ نستطيع أن نُخوّف المخاطَب بـ “لين”!. فسبحان العليم الخبير سبحانه بنفسيات عباده وما يصلُح لها، نظن أحيانا أننا أذكى وأشد فهما لمن هم معنا، حتى تكشف لنا الأيام والمواقف أننا كثيرًا ما أخطأنا التقدير بمعاييرنا القاصرة، ومنظوراتنا الضيقة. كما فعلتُ مع صديقتي ثبتها الله.

 أهمية الخوف

 في كتابه الأخير “مستقبل الخوف” يقول الأستاذ أحمد دعدوش: “الطغاة يتعمّدون إشاعة الشعور بأقصى درجات الخوف ليتحوّل الناس تلقائيًّا إلى ممثلين متواطئين بهدف النجاة، فتحت مظلة الخوف من المجهول وغموض العقوبة وغياب القانون، وعندما يكون الزعيم مهووسًا بالقهر والتشفّي، يجتهد الناس لتخيّل القوانين وفرضها على أنفسهم، ثم يمتثلون لها، بل يعاقبون الآخرين إذا لم يحقّقوا تلك المعايير المفترضة”.[مستقبل الخوف، أحمد دعدوش].

هذه المقدمة الصغيرة هي للإشارة في موضع حديثنا هذا إلى أن الخوف ليس مشكلة في ذاته! وإنما طرق استغلاله هي ما يشكل الفيصل بين الثمرات المتباينة للتخويف والترهيب. فتارة هو سياط الجلد والتعذيب، وأخرى يكون هو الأداة الناجعة، واليد الخفية التي يهدي بها الله مَن يشاء من عباده.

 شواهد كثيرة من واقعنا المعاصر تشهد للخوف بالأهمية التي لا مراء فيها، ألم تر إلى العالمين من حولك كيف يدفعهم خوفهم من خسارة مظهرهم-مثلا- أمام الناس إلى السعي الحثيث للمسارعة لإخفاء العيوب! وخذ مثالًا على ذلك: إعلان “إشهار شامبو إزالة القشرة”؛ إذ يطلع عليك النجم الممثل وسمات القلق بادية على محياه، ولا يشغل فكره غير كيف يتفادى ظهور هذه الحبيبات البيضاء على سترته السوداء كلما حرك شعر رأسه هنا أو هناك! ثم فجأة يبتهج ويُسر كثيرا لأنه أخيرا وجد حلا لما يؤرقه: شامبو كذا كذا!

 

 أرأيت؟ إنهم يتاجرون بالخوف، وهم يلعبون هاهنا على الوتر الحساس للإنسان، فيصنعون المشكلة وما يترتب عنها من مخاوف، ولشدة حرصهم أمدوا البشرية بالحل!

وحتى لا يأخذنا التيه، فالمقصد هو القول: “مَن علم بأهمية الخوف، لم يألُ جهده لاستغلاله”، وكما أن بعض الأشياء سيف ذو حدين، فإن الخوف كذلك أمره، فهو في الأخير شعور له مقدمات ترتب عنها. وما يعنينا من هذا التفصيل هو استغلال هذا الشعور فيما يقربنا من الله جل جلاله، فالخوف من الله واستشعار عظمته والرهبة منه هو ما يجعلنا قادرين على مجابهة تخويف الطغاة، وضبط حركاتنا وسكناتنا تحت عين الله الناظرة إلينا.

 جناحا طائر

الحديث عن الخوف لا يعني الإفراط والغلو فيه، حتى لا يأتي بالثمرة المعاكسة للمراد! بل كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “لا بدَّ للعبد في سيره إلى الله من الجمع بين ثلاثة أركان، والعبادة كالطائر، فالحُبّ بمنزلة الرأس، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأسُ والجناحانِ فالطائرُ جيد الطيران، ومتى قُطِعَ الرأسُ مات الطائرُ، ومتى فُقِدَ الجناحانِ فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر”.[مدارج السالكين، ابن القيم]




طوفان “الأنا” وسفينة الـ “نحن”!

انفلتت الألواح عن الدسر! .. لن نحتاج لكثير تدقيق وإمعان قبل أن نلحظ كيف أن العلاقات والأواصر بين بني آدم في طريقها  إلى الضمور والانكماش، تقف على أعتاب التآكل بعد تاريخ من الشموخ حيث كانت تشبه في قوتها  لين الحرير ومتانته على حد سواء، فالخيوط إذا ما تعاضدت وتكاثفت إلى جانب بعضها البعض اشتد بريق ألوانها وبرز، وكذا الأفراد إذا ما تراصت أقدامهم في الصف الواحد كان ذاك حالهم، لكن إذا انسل الواحد منهم تلو الآخر كثرت الثغرات، وضعف بأسهم كما تفقد الخيوط بهجة ألوانها وتبهت إذا تفرقت وتُركت لأشعة الشمس تحرقها على مهل رويدا رويدا! وشمس الأفراد، أو قل طوفان هلاكهم هو جنوحهم إلى قارب “الأنا” بعيدا عن سفينة الـ “نحن”!

وهل يخفى على كل ذي عقل ولب انصهار معانٍ شتى في رحاب الدعوة إلى: “أنا ومن بعدي الطوفان”,  فكانت هذه “الأنا” كعصا شقت حاضرنا وماضينا القريب إلى فلقين،  ولك أن تتأمل مثالًا بسيطًا دارجًا في واقع حيواتنا جميعًا، وما أصبحت عليه الأحياء والجيرة فيها، إذ غدا كل فرد لا يرقب غير حاله ومصالحه، على خلاف ما كان عليه جيل آبائنا والأمهات، فتجد أن طفل الحي ليس مسؤولية والديه فقط، وتربيته لا تتوقف حالما يجاوز عتبة البيت، بل الكل يسهم ويوجه ويقوم- بحسب مبلغه من العلم- فيبقى حس الرقابة والحياء حاضرًا في نفس هذا الطفل وإن غاب ذويه.

نعم كانت جسور الألفة ممدودة، والمسؤولية حاضرة، ومقتسمة بين الجميع، قبل أن تنقض عليها نزعة الفردانية وتزحزح على إثرها الألواح والدسر التي كانت تشكل مجموع القيم من تآزر وتراحم وتآخي وسعي لمصلحة الآخر كما النفس!

كما يثقب القطر الصخر

في المبتدأ لا ضير أن نقف عند حقيقة جلية وهي أن: “الماء لا  يثقب الصخر بالعنف-دفعة واحدة- وإنما بتوالي السقوط؛ قطرة، قطرة”، وعلى شاكلة الصخور  هي النفوس البشرية، إذ ما أصبحت عليه ليس بأمر طارئ الحدوث، بل هو نتاج تراكمي لعوامل شتى توافدت، وغيرت خطوة خطوة من معالم البناء الفردي للأشخاص، فالذي كان بالأمس لـه رعية، يًسأل عنها، نراه اليوم تحلل منها وراح يقص آثار شغفه، ويجري وراء طموحه، وما يحقق من خلاله استقلالية ذاته وإن على حساب “رعيته”، وتضخمت في النفوس “الأنـا” حتى ما عادت تقبل التوجيه والنصح إذا ما خالطه شيء من الزجر والتوبيخ، وإن جربت يأتيك الرد على عجل: “معذرة، فـأناي لا تقبل غير الطبطبة”، وغيرها كثير من المظاهر و المواقف من عقر البيت إلى رأس الشارع تشهد بتبعات هذه النزعة الفردانية المتطرفة وما أودت به.

لكن كيف وصلنا إلى هنا؟

يذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله إلى القول إنه “كلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحي، نراه يميل إلى الفردية والاستقلال”

ولعل هذا ما أتاحته التكنولوجيا والعالم الرقمي وأذكته في النفس، إذ توجه الفرد إلى الاكتفاء بأن تكون له رؤيته المستقلة للحياة، واستقلاله في اتخاذ قراراته ومواقفه القائمة على المتعة والمنفعة، بمعزل عما أصبح في نظره مجرد “وصاية” من الآخرين، فتجد أن الأسرة الواحدة لم يعد يجمعها غير سقف البيت، أما الأفراد فكل منهم قد أنِس بآلة أو جهاز بين يديه، واتخذه بديلا عن الآخر! إذ أصبح كل منهم يستقي قوته مما يطرحه من أفكار على مواقع التواصل وتوافد التعليقات والإعجابات إطراءً عليه، فاستأثر بصنع مجتمع رقمي، يكون فيه هو الحاضر القوي!

إضافة إلى ارتباط النزعات القومية، والتحركات الجماعية في الأذهان والنفوس بالفشل، بدءا من الحربين العالميتين الأولى والثانية وما حصدته من أرواح، إلى واقع الثورات العربية وما أزهق فيها هي الأخرى من أنفس دون الظفر بشيء مما رمت إليه من أهداف سامية! وبذا فقدت الغايات الكبرى التي تؤطرها الجماعة قدرتها على تخليص الشخص في نظره من مآسيه ومعاناته، ومن ثم غابت وتلاشت نون الجماعة، وربَا محلها ضمير “أنا”!

وبالموازاة مع هذا فإن تنامي النزعة الاستهلاكية، وفقدان البوصلة والمعيار في ظل التضخم المادي، أودى إلى تردي قيمة الآخر بوصفه “إنسـانًا” بما يحمله من قيم ومعتقدات ومبادئ، وارتهنت مكانته بجانبه النفعي فقط كرقم من بين الأرقام! حيث ارتدى كل فرد نظارة “التشييء” للآخر في إطار البحث عن الذات، فـ”تعددت الذوات، وتفرق المجموع” إذ لا هدف موحد يربطهم. أما الإعلام من جانبه فلا يسعنا إلا القول عنه بأنه هو المحرك الضامن لاستمرار هذه النزعة الفردية، بتكريس هذا النمط من العيش-في أوساط الشباب خاصة- الذي يظلله طابع الأنانية، والسبق إلى معالي الدرجات في تحقيق الطموح! وتصويره على أنه هو الأصل السائد في المجتمع؛ فكل فرد هو سيد نفسه، والبطل الخارق الذي تنتظره البشرية جمعاء لإنقاذها “وحده، منفردا”.

هل بعد الطوفان إلا الغرق؟!

لعلك أيها القارئ سمعت بما رواه النعمـان بن البشير -رضي الله عنهما- عن الرسول عليه الصلاة والسلام في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذي أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)[صحيح البخاري].

إن النجاة ههنا لم تكن لتتحقق لو أن كل فرد من أفراد السفينة غيَّب مصلحة الجماعة، بل إن مآل الغرق الحتمي إذا تُرِكت لمن هم في الأسفل يحدثون فيها الخرق المنجي كما تصوروه! فكان حضور الحس بالمسؤولية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طوق الخلاص.

هذا السـَّمت والهدي القويم الذي حكمت عليه “الأنـا” -أو كادت- بالاندثار، فمثل سفينة هذا القوم كمثل المجتمع أجمع، حيث الربان هي “الشريعة”، والركاب هم العباد يتلقون تعليماتها ليشد بعضهم بعضا، وفي اللحظة التي يتخلف فيها أفرادها عن التطبيق، ويستأثر كل منهم بمصلحته، ينحرف المسير وتغرق بهم جميعا.

هذه السفينة قد تكون هي “الأسرة”، حيث أخذ ذاك الميثاق الغليظ، وانعقدت النيات والقلوب على بناء بيت إقامته هي مسؤولية الجميع، حتى إذا ما اشتدت حبائل الأزمات، ووقف ساكنيه على قارعة الفراق جيئ بحكم من أهل الزوجة وآخر من أهل الزوج يسعيان إلى ترميم العلاقية بين الزوجين وإعادة المياه إلى مجاريها؛ تبعا لمسطرة الصلح التي جاءت بها شريعة رب العالمين، حيث قال تعالى{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء، 35]، لكن لهذا الطرف الثالث بالتدخل في ظل هذا السعي الحثيث لكسر الجسور مع الآخرين، وتكثيف الجهود لرسم مضمار “واحدي” لكل فرد، فالطوفان وهلاك هذه الأسرة سيكون هو ثمرة “الأنا”. ومن ورائها هلاك الأمَّة وازدياد جراحاتها!

 اركب معنـا

في صلاتك تقف وحيدا على سجادة الصلاة، بكل ما تحمله من آمال وجراحات، ومساع وطموحات، تردد فاتحة الكتاب، حتى إذا بلغت قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}، ذابت أناك وانصهرت في نون الـ”نحن”؛ (اهدنا) لتنفي عنك صفة الواحدية، مذكرة إياك أن الهَمّ همّ “أمة”، وأن المطلب سلعة غالية هي الجنة، والله سبحانه جعل منا خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!  فالأرض فارت  بالفتن، وماج بعضها ببعض كطوفان   لا يرحم كل من آوى إلى  جبل “أناه”، وأعرض عن دعوة: “اركب معنا”.




ثنائية الإنسان والعمران بين الهدم والبناء

بلا ريب فإن العمران والبنيان يعدّان من أهم المؤشرات التي يقاس من خلالها تقدم المجتمعات ومواكبتها لمتطلبات العصر، غير أن هذا المؤشر يبقى بمثابة معادلة ناقصة البنية، خاصة إذا لم يكن الإنسان هو المكون الآخر والرئيس الذي يقف على الطرف المقابل للعمران، فكلاهما يكمل الآخر، وطغيان كفة على حساب أخرى يفضي إلى ضرورة إعادة النظر في الأرضية التي تقف عليها هذه المعادلة، أصلبة هي أم مهتزة من الأساس؟!

إن الأصل أن يكون العمران والبنيان نتيجة لاحقة أو تحصيل حاصل لوجود الإنسان سوي الأركان، ولعلي أستشهد بقول الزمخشري المأثور: “الإنسان بناء الله، لعن الله من هدمه”! [تفسير الزمخشري]، ومن المهم قبل أن نسترسل ونستفيض في الحديث، أن نتوقف بشيء من الرويّة عند كلمة: بناء!

الإنسان جوهرُ البناء

من المعلوم أن كلمة (بناء) تنم عن مجموعة من التفاصيل والأجزاء، يتم تركيبها على نحو يؤدي إلى الحصول أخيرًا على تصميم معين، ضمن إطار محدّد مسبقًا.

لنتساءل الآن فيما إذا كان كل بناء –مبدئيًّا- قابلًا للعمران؟ أو ما إذا كانت أطلاله مزخرفة بأبهى الحلل وأثمنها، غير أن الداخل خرِب منزوع القيمة، ترى هل ثمة من سيقدم على فتح الباب ليلملم الفوضى الجوانية، أم سيكتفي-إن اكتفى- بإغراقها أكثر وأكثر؟

لنتساءل ما إذا لو كان هذا البناء هو الإنسان نفسه! ألن يكون هاهنا الباني أشد حرصا على الخروج بنتيجة ترفع من قدره، بما يجعل جوهره-أو داخله- أكثر بهاء من الأطلال والجدران الخارجية؟

وهنـا -عطفًا على ما سبق- نتساءل: إذا كان الإنسان بناءً فأي بناء -أو منتَجٍ- أريد به أن يكون عليه؟ وأي التصاميم والشرائع نجحت في إثبات أحقيتها في تركيز البناء القويم لهذا الكائن، أهي الشرائع الربانية أم المنظومات الوضعية التي اجتمعت تحت راية “تحرير الإنسان”؟ أم هي شريعة خارج الحدود المادية المتعارف عليها؟

الإنسان في المنظومة المادية

لن يكون من الإنصاف القول عن المنظومة المادية: إنها لم تنجح في وضع تصوّر محدد للإنسان! إلا أن السؤال يبقى: أي إنسـان؟

لقد استطاعت هذه المنظومة الوضعية مدّنا بإنسان معيّن، وهو في النهاية مجرد كائن لا يحسن الخروج من حيز الدور الوظيفي النفعي الذي أوكلته إياه في إطار مزخرف؛ من كونه الأكثر تحررًا من القيود البدائية، وكلما ارتقى في تحقيق شهواته اكتمل بناؤه!.

الإنسان في المنظومة الماديّة محضُ كائن لا تغادر تطلعاته حيز البحث عن أساليب جديدة يستطيع من خلالها أن يكون أكفأ للبقاء داخل الجماعة، إذ إن كل شيء في حياته غدا خاضعا لمبدأ السببية، والحتميات المادية!

فكما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في مقدمته لكتاب الإسلام بين الشرق والغرب: “التطور بطبيعته، لم يستطع أن ينتج إنسانًا، وإنما مجرد حيوان مثالي قادر على التحرك داخل الجماعة بكفاءة عالية لتحقيق هدف البقاء المادي”! [الإسلام بين الشرق والغرب، المقدمة]، فهذه المنظومة لم تتعرض للإنسان من حيث هو ظاهرة مركبة، أو من حيث هو بناء إذا أغفِل أحد أعمدته انهار وخرّ من قواعده!

إن هذه المنظومة على النقيض تمامًا، جعلت منه مجرد كائن ضمن منظومة نفعية ووظيفية بحتة -محدود في نطاق الطبيعة- متمحور على ذاته، ومكتفٍ بـ “صنع الآلات التي تحسن من مقدرته على البقاء المادي”، وبالتالي فقد عكفت على حصر كل ما يصدر من هذا المخلوق وتفسيره في قوالب مادية حيث لا معنى فيها للجانب الروحي والجواني له، فخوفه وقلقه، وتردده وإقباله، موصول بعالم النواقل الحسية والهرمونات والبيولوجيا فقط. وبالتالي لا مناص من أن تكون لغة الحتمية هي المعيار التي يتم بموجبها قياس إنجازات ووظائف هذا الإنسان، أي أن مفهوم السعي، والفضيلة وغير ذلك لا اعتبار لها مالم تؤتِ أكلها على نحو ملموس يُرى رأي العين، “فإذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلا يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه فهل نقول إن عمله كان بلا فائدة لأنه لم يكن ناجحًا؟” [الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوڤيتش].١

وبذا فإن هذا المعيار أودى بشكل حتمي إلى الحصول على إنسان أكثر إنتاجية وعطاء على المستوى المادي من جهة، إلا أنه من جهة أخرى كائن منزوع القلب لا روح فيه، شأنه شأن الآلة في وظيفتها! ومِن ثم كان الناتج في المعادلة -العمران والإنسان- هو انهيار الإنسان في مقابل زيادة منسوب الإنتاج وإعلاء البنيان!

محمد علي باشا والتجربة المصرية

على الرغم من هذا العور والجمود الروحي الذي تغوص فيه الحياة الغربية -المادية- ونظمها، إلا أنها في وقت ما كانت الوسيلة الوحيدة للحاق بأوروبا بالنسبة إلى العديد من القيادات، ولعل أبرزهم محمد علي، بعد اتساع الفجوة بين العالم الإسلامي حينها، وبين الغرب في أواخر القرن الثامن عشر- هذا الإسقاط سيساعدنا ولو بشكل يسير على اقتفاء آثار النهضة والتحرير المنشود في الفلسفة المادية-.

فهل نجح محمد علي فعلا في صنع واقع موازٍ للغرب دون المساس بكينونة الإنسان وكرامته؟ أم أنه كما قال الإمام محمد عبده رحمه الله: “لم يستطع أن يُحيي ولكن استطاع أن يُميت”! [أثر محمد علي في مصر، محمد عبده]؛ إذ بعد أن استتب الحكم لمحمد علي، اعتُبِر مؤسس مصر الحديثة، في الفترة الممتدة من 1805 حتى 1848، حيث هندس “نهضة إنشائية واسعة بطول البلاد وعرضها، شملت إنشاء المصانع والمحاجر والسدود والجسور، بالإضافة إلى إنشاء الترع والقناطر. كذلك فقد قام محمد على ببناء العديد من السرايا ومنها سراي رأس التين وسراي شبرا، وسراي قصر النيل، كما قام بإنشاء المتنزهات والحدائق العامة، وقد ظلت كل هذه البنى باقية حتى بداية عهد الجمهورية شاهدة على التطور الكبير في عصر الباشا”[الجزيرة: ركائز النهضة المصرية في عهد علي باشا]. نعم ظلت هذه البنى شاهدة على الطفرة التي أحدثها محمد علي في العمران، إلا أنها كذلك ظلت شاهدة على عصر تفتّتَ فيه الحجر الأساس، واجتثُت جذور الشخصية السوية للرعية!

رسم لمحمد علي باشا من سنة 1840، بريشة أوغست كودر (المصدر: ويكيبيديا)

إلى جانب كل ما حققه محمد علي من تقدم في العمران وتشييد للمصانع، إلا أنه “أفسد بأس الأهلين، وأزال ملكة الشجاعة فيهم”، وجعل من الحياة مقبرة للإنسان، وجرّده من ما يملكه من نخوة وكرامة وعزة.. استطاع من خلالها في وقت قريب سلْب النوم من حملة المحتل الفرنسي، حيث “اندفع الناس يقاومونها بكل ما استطاعوا، واندهش الفرنسيون من مقاومة الأهالي المصريين، الذين استطاعوا إنشاء معمل للبارود، واستطاعوا إعادة تصنيع واستعمال ما بقي من المدافع التالفة، واستعلموا الأدوات البدائية من حجر وأخشاب ومثاقيل الموازين وما ضُرِب عليهم من قنابل الفرنسيين ليعيدوا صناعتها كقنابل تُطْلَق من المدافع، وكان أبطال المشهد هم أصحاب الحرف من السبّاكين والنجّارين والحدادين والعربجية، حتى قال عنهم ضابط فرنسي: “لقينا مقاومة لا قبل لنا بشراستها وتنظيمها من قبل”.

يشهد أحد مهندسي الحملة بأن ما فعله سكان القاهرة “لم يستطع أحد أن يقوم به من قبل، فقد

صنعوا البارود وصنعوا القنابل من حديد المساجد بأدوات الصُنّاع البسيطة، وفعلوا ما يصعب تصديقه، ومن رأى ليس كمن سمع، ذلك أنهم صنعوا المدافع”، ويشهد كليبر -قائد الحملة الفرنسية آنذاك- بأنه لم يكن يتصور الوضع على هذه الدرجة من الخطورة”[مات زويل: فصول من مأساة السلطة والعلم]. كان هذا هو حال الأهالي خلال الحملة الفرنسية.

إلا أنه بعد كسر بأس كل فرد منهم-خلال تولي محمد علي الحكم- وجعلهم مجرد عبيد وعمال لأعمال السُّخرة، لم يستطع واحدٌ منهم التحرك قيد أنملة لصد ودفع الاحتلال البريطاني عنه! وكيف سيفعل ذلك وهو يعيش أصلًا مستلب الهوية والكرامة، فمن أجل ماذا وعن ماذا سينافح ويجعل دمه فداء للحرية؟ أمن أجل حياة بلا حياة، أنى له بمقومات البذل والتضحية، وهو يشعر أنه يخضع لقوانين جعلته يتيمًا وغريبًا ودخيلًا أو حتى منبوذًا ومستباح الكرامة!.

ومن هنا كان الوجه الآخر للمشروع النهضوي لمحمد علي بمثابة المعول الذي دك معالم الحياة في الأفراد لا أقل ولا أكثر!

الإنسان في الإسلام

“يمكن تعريف الإسلام بأنه دعوة لحياة مادية وروحية معاً. حياة تشمل العالمين الجواني والبراني جميعاً” [الإسلام بين الشرق والغرب]، فالإسلام –كما يقول بيغوفيتش- الحل الأمثل للإنسان، لأنه يعترف بالثنائية في طبيعته، ولا يجعل منه مجرد حقيقة بيولوجية أو عضوًا صامتًا في المجتمع. كيف لا والرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى قال وهو يطوف بالكعبة (ما أطيبك، وما أطيب ريحك! ما أعظمك، وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه) [أخرجه ابن ماجة].

والكعبة ترمز هنا للبنيان، على نفاستها وما لها من عظم ومكانة في قلب كل مسلم موحد على مرّ التاريخ، جعل الله هدمها حجرًا حجرًا،  أهون عنده سبحانه من حرمة المسلم الحامل ل ‘لا إله إلا الله, فداء لألا يراق دمه ويهدر عبثا.

أي تشريف يمكن أن يناله مخلوق آخر على وجه الأرض أكثر من هذا؟

تأمل معي هذه المتساوية :

[الكعبة والإنسان= العمران لأجل الإنسان]. أطلق العنان لمخيلتك وحاول أن تستجلب في رأسك صورة مفادها أن هذا البيت العتيق، أول بيت وضع للناس في الأرض، هو ذاك البيت الذي أوحى الله إلى نبييه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من فوق سبع سماوات برفع قواعده، وجَعله قبلة ومثابة للناس وأمنًا، هو نفسه جعل الله حرمته أهون وأقل من دم المسلم!

قل لي بربك كيف لا تحيا الروح وتأمن في جوار شريعة جعلت من قتل نفس واحدة، كمن قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا!. ومن “أماتها” في الإسلام تبدأ من قتل الجنين في رحم أمه بعد نفخ الروح فيه، في الوقت الذي تصوّغ فيه “ذوات التحضر” كل الأساليب والأعذار التي تمكنها من سَن قانون -بريء- لقتل الأجنة في بطون أمهاتهم بدعوى التحضر والحرية، حيث بلغ عدد الأجنة التي تم التخلص منها تقريبًا حتى هذه اللحظة ما يزيد عن 33,370,039 حسب موقع إحصائيات أعداد الأجنة التي يتم إجهاضها عمدًا منذ بداية العام. أو -في أحسن الحالات- سن تشريعات بلغت درجة رحمتها إلى الخروج بمصطلح “صناديق الملاذ الآمن” كوجه لحقيقة ظاهرها الرحمة وضمان الحرية للإنسان، وباطنها الاحتقار والازدراء.

وعلى غرار الغرب، نجد بعض بلدان آسيا كالصين والهند الذي وإن لم يكن بالتقدم ذاته، إلا أنه سلك نفس الجحر الذي يعلي من القيمة النفعية للفرد، حيث لازالت جاهلية وأد البنات -في الأجنة- حاضرة، بل وبأبشع صورها حتى! بعد جعل التفاضل والتمايز بين الأنثى والذكر منحصرًا في زاوية الربح والازدهار الاقتصادي؛ فالرجل يعتبر في الهند مصدر رزق الأسرة الأول، والطرف الذي يحصل على راتب أعلى من الأنثى على أداء نفس العمل. “كما أن ظاهرة دفع أسرة البنت مهرًا للرجل عند الزواج يجعل الكثير من الأسر الهندية تفضل الذكور طمعًا في المهر، وتتخلص من البنات باعتبارهن عبئًا ماديًّا عند الزواج يكلفهم الكثير، إضافة إلى الأسباب الثقافية التي تعتقد في الذكر بأنه “حامل” لقب العائلة، بينما تتزوج الفتاة وتصبح تابعة لعائلة الزوج، حيث أفادت دراسة أجرتها مجلة “ذي لانست” الطبية عام 2011، أن حالات إجهاض الحوامل بإناث تراوحت بين 4 و12 مليون حالة بين عامي 1980 و2010.

ومعظم هذه الحالات تمثل الحمل الثاني للأمهات بعد إنجابهن طفلة في حملهن الأول، بحسب صحيفة ذا تلغراف البريطانية.”[الجزيرة: وأد الإناث المرحب به في آسيا.. صور متعددة للتخلص من المرأة].

فتأمل ههنا معي أيها القارئ في شريعة الرحمة وتكريم الإنسان حيث: يساوي قتل الجنين قتل الناس جميعا. والشريعة تساوى فيها جميع البشر من حيث كونهم مخلوقات وعباد لله، وليس كما في الحضارات-المادية- التي تنفي وجود الإله-أو زعمت موت الإله-، كي تصبح مظلة المساواة-إن وجدت- انتقائية ولا يستظل بظلها، ويجتمع تحتها إلا النخبة بمعايير الإنجاز بلا مواربة!

لم تركّز رسالة الإسلام على البنيان فيها أول خطوة لبناء الحضارة المسلمة، بل ركزت النصوص القرآنية أولا على بناء نفسية المسلم، والإحاطة به من كل جانب، فيكون قوي المعصم في ساحة الحرب، لين الجانب فيما سواها، يحزن ويبكي، يفرح، يضعف، يقوى… وهو المستعد لاستقبال التشريعات التي تنظم حياته داخل المجتمع،  دون أن يُطالب بتنحية أو كبح جزء من غرائزه التي فُطر عليها، حتى يرتقي في سلم الكمال الروحي كما هو الأمر بالنسبة للمسيحية-مثلا-، بل هي شريعة تقر بهذه الغرائز والشهوات في النفس البشرية، وبدل طمسها، جعلت لها ضوابط تؤطرها على نحو لا يتنصل- بسببها أو من خلالها- الإنسان من إنسانيته، ويهوي بالمقابل إلى الدركات الحيوانية. حيث روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: “خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول:

تطاول الليل واسودّ جانبه **  وأرّقني أن لا خليل ألاعبه

فوالله لولا الله أني أراقبه  ** لحرك من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر ابنته حفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك”

وهكذا تكرّست في النفوس السوية المؤمنة بحكمة الله وعدله أهمية هذا المخلوق الذي استخلفه الله في الأرض، ولأي درجة بلغ تكريم كل قطرة من دمه.

موسى بن نصير والبربر

كما استعرضنا في فقرة سابقة نموذج مصغر للتطبيق الفعلي للحياة المادية على الإنسان. نعرض على ذات النهج تطبيقا من وحي تاريخنا الإسلامي، حيث تحققت مقولة “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد”.

وماذا يمكن أن يفعله الإسلام إذا اتقدت ناره في حرم القلب، فيصبح عدو الأمس هو الذي يوحد الصف من ورائه بعد استقائه من نور الشريعة، ويقدم صدره فيجعله قِبلة لسهام العدو دونما تردد.

وبإيجاز في غير إطناب، فإنني أقصد هاهنا طارق بن زياد، القائد البربري الأصل، والذي رفع الله ذكره حتى حدود الساعة بين الألسن بعد اعتناقه الإسلام، وتوحدِه في صف الوالي موسى بن نصير. إذ كانت منطقة الشمال الإفريقي قبل أن يستتب له الحكم فيها شديدة الانقلابات، لا يكاد المرء يسلم فيها حتى يرتد على عقبيه في عهد عقبة بن نافع- الذي اغتيل لذات الأسباب-، ثم بعد دخول موسى عمل على تجفيف أودية الارتداد، والبحث عن الخلل الذي يجعل من الرعية ترتد ولا يستقر لها حال!.. فوجد أن معاني الإسلام لم تكن مستقرة في أنفسهم بشكل كافٍ، يمكنهم من جعله أرضا وقبلة لحياتهم ويفدونه بالروح والولد. وبذا عمل موسى بمبدأ التأني والإبطاء في التوسع والتوغل في البلاد بعد أن يحمي ظهره، ويكف عنه احتمالية الردة، فعكف على تعليمهم أصول دينهم، واستجلب لهم العلماء من بلاد الشام، وهكذا فقد قدم بناء النفوس على مشروعه الذي لأجله أتى: “فتح الأندلس” فكانت الثمرة جيشًا قويًّا بنفوس تحمل الإسلام في أنفاسها. بعد أن علِم كل فرد من هو في ميزان الشريعة التي أتته من لدن ربه.

خير الختام

نخلص إلى القول بأنه في الوقت الذي جعلت الشرائع الوضعية، والمادية الإنسان كبشا للفداء في سبيل تحقيق التقدم المادي وازدهار العمران، وألبسته ثوب الحضارة والتقدم!، نجد أن الإسلام-على النقيض- جعل منه اللبنة، والحجر الأساس قبل كل بناء. فكان في الميزان الوضعي بناء لأجل الهدم، وفي ميزان الوحي بناء لأجل البناء.


مصادر للاستزادة:

إحصائيات أعداد الأجنة التي يتم إجهاضها عمدا منذ بداية العام.

https://www.worldometers.info/abortions/

المحاضرة الثانية من سلسلة بناء وعي المسلم المعاصر

https://youtu.be/ZSGkzSRvm9w

سلسلة تاريخ الأندلس من الفتح إلى السقوط للدكتور راغب السرجاني

https://youtube.com/playlist?list=PL3dTnGoUVhi9ErCkioDaxxnUV357BkeTp

آثار محمد علي في مصر

https://m.elwatannews.com/news/details/115711

وأد الإناث المرحب به في آسيا.. صور متعددة للتخلص من المرأة:

https://www.aljazeera.net/news/women/2019/3/26/%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%A7%D8%AB-%D8%AA%D9%85%D9%8A%D9%8A%D8%B2-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9




الإعلام والحرب على الفطرة!

هي الفطرة، نور يشترك فيه كل من خصّه الله بأن يكون خليفة على هذه الأرض، فمنهم مصلح ومنهم ظالم لنفسه مبين، تلك الفطرة التي صبغت طباع الناس وتصرفاتهم، وحملت المؤمن على إيثار كل ما يُحمد فعله من صدق وأمانة وحب الفضائل، وجعلته يمقت كل قبيح مذموم الاتصاف به من كذب وخيانة وجور وغش.

أنوار شعَّت

هي أنوار متجذرة في كل نفس، بل في كل مولود يجيء إلى دنيا البشر كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) [أخرجه الشيخان في صحيحيهما]، والفطرة هنا كما أشار جملة من المحدثين والمفسرين يقصَد بها الدين.

وبالرجوع إلى أصل كلمة الدين عند العرب، فإننا نجدها تشير إلى العلاقة بين طرفين يعظم أحدهما على الآخر؛ فإذا وصف بها الطرف الأول كانت خضوعًا وانقيادًا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرًا وسلطانًا! [الدين، نشأته، والحاجة إليه، أحمد عبد الرحيم السايح] وبالتالي يكون الرباط الجامع بينهما هو: الدستور المنظم لتلك العلاقة.

الدين كما يرى الأستاذ عبد الكريم خطيب هو: صلة شخصية روحية بين الإنسان والإله، وبين السيد وربه، بل إن كثيرًا من العلماء غير الإسلاميين -مثل سيسرون- يرون أن الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله، ويعرف شلاير ماخر الدين بأن “قوام حقيقته، شعورنا بالحاجة والتبعيّة المطلقة”، وهذا مهمٌّ للغاية، فطبيعة الإنسان فيها استعداد فطري لمعرفة الله، وهذه الفطرة مستأصلة في الإنسان و موجودة منذ الأزل في أعماق روحه.[د.سامي عفيفي، العلاقة بين العقيدة والأخلاق في الإسلام].

الوحي والفطرة

مهما نأى الإنسان عن منهج الله، فلن يتمكّن من تبديل فطرته -دون تدخّل خارجي- فالله جل وعلا أودع فيها الالتجاء إليه، فهي فطرة تجعله عاجزًا عن الوقوف وحيدًا في هذا العالم دون الاعتقاد بوجود قوة أو ذات أكبر منه، قائمة على أمره، مدبرة لتفاصيل حياته وشؤونه دقيقها وجليلها، حتى إن تظاهر بالقدرة على الصمود فالخلوة فاضحة كاشفة لأمره!

إنّ الفطرة السليمة –إذًا- هي التي  تقر بأن للإنسان والوجود كلّه خالقًا، وأنّ خالق هذه الفطرة جلّ وعلا هو مُنزِل الشريعة، فكلاهما من صنع الله، وكلاهما متناسق مع ناموس الوجود، موافق للآخر في طبيعته واتجاهه. بحيث تلقى النصوص القرآنية والتشريعات المتضمنة فيها صداها في وجدان البني آدم؛ إذ إنّ الشرع يخاطب فطرة الفرد.

لم يكِل الله تعالى الإنسان إلى فطرته وحدها للتعرف عليه وأداء واجبه تجاهه، لما قد يعتريها من ضعف وتقلّبات، ولما فيها من ميل لمتطلبات تلح على الإنسان لإشباعها بأي وسيلة كانت، ومن ثمّ فقد أرسل رسله تترا إلى البشرية مبشرين ومنذرين ليبلغوهم أوامر ربهم ونواهيه. فكان الوحي هو الحبل الموصول المتين من الباري جل وعلا الذي يوطن النفس على ما جاءت به الفطرة.

إذًا؛ فإن منظومة استجابة العبد لتعاليم ونظم الدين تتشكّل من عنصرين يؤدي الخلل في أحدهما إلى خلل بالضرورة في المنظومة برمتها؛ أولها: الفطرة، فالفطرة هنا يمكن تمثيلها بالمستقبل الحسي أو الوعاء المهيأ لاستقبال ما يملأه، أما الثانية، فالوحي الذي هو بمثابة السائل أو الزيت المناسب لحصول الاستجابة أو التفاعل –أي الإضاءة-.

وفي هذا السياق يقول د. أحمد عبد المنعم –في تصوير مرئي له– أن هذا من معاني قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]؛ فالمشكاة هنا هي الفطرة والزيت هو الوحي، فالنور الأول هو نور الفطرة، والنور الثاني هو الوحي.

وهذا يقودنا بالضرورة إلى القول بأن استنكار الشرع وعدم القدرة على استيعابه هو خلل طارئ في الفطرة وبالتالي خلل في منظومة الاستجابة ككل؛ وبالتالي فإن أي خلل في الفطرة يؤدي إلى خللٍ في القدرة على استيعاب الشريعة.

[هل تحسون فيها من جدعاء!]

إن الرجوع إلى حديث الفطرة في قوله عليه الصلاة والسلام (هل تحسون فيها من جدعاء)، يحيلنا إلى الإقرار بأن تمام سوية الفطرة مرتبطٌ بصلاح توجيهها واختيار الأرض المناسبة لتنمو شجرتها وتؤتي ثمرها الطيب؛ فالبهيمة الجمعاء هي نفسها بعد شق أذنها غَدَت جدعاء لما طرأ عليها من تغيير شوّه خِلْقتها.

والرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم هنا ربط بين عقيدة الطفل الذي يولد على الفطرة، وتغير خلقة البهيمة بتشويه أذنها، والأذن كما هو معلوم هي العضو المسؤول عن السمع الذي يشكِّل بابًا لمدخلات كثيرة تحدث في النفس البشرية من التبديلات بحسب ما فيها من صلاح أو غثاء، وأولى هذه المدخلات يبزغ بين أحضان اللبنة الأولى التي يعيش فيها الطفل ويترعرع داخلها ألا وهي الأسرة، أي منشأه –بصورة عامّة- بين أبويه، فإما أن يتمّ تثبيت ما جاءت به الفطرة السليمة، وإما أن يعاد تشكيل الخطأ والصواب، والحق والباطل عنده. إذ قد تصبح جملة من الرذائل أمرًا هيِّنًا مقبولًا ومحبوبًا، كالكذب والغش والبغي وغيرها من الصفات التي كانت قبل وقت قصير مذمومة! فنجد في المحصلة أنّ الفطرة منتكسة بعدما عاثت فيها أيادٍ بغير علم ولا هدى.

توجيهُ الإعلام: ترفيهٌ أم سمّ؟

جاء في الصحيح: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِقَ خَلْقًا لا يتمالك) [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، الرقم: 2611].

إنه إبليس، عدوّنا الأول على هذه الأرض، عدوٌّ قَطَع على نفسه وعدًا منذ بدء الخليقة بأن يجعلنا حطبًا لنار جهنم، بل إنه منذ إنشاء آدم وقبل نفخ الروح فيهكان مهمومًا بهذا المخلوق، وأشد فزعًا مِن الملائكة منه، فيمر عليه ويطوف به –كما في الحديث الصحيح آنف الذكر- فيختبر كينونته ويكتشف خصائصه، وكان يضربهُ فيصوِّتُ الجسد كما يصوت الفخَّار، يكون له صلصلة، -بحسب ما ورد في قصص الأنبياء لابن كثير-  فلما رآه أجوفَ، قال للملائكة: (لا ترهَبوا من هذا؛ فإن ربَّكم صَمَدٌ، وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطتُ عليه لأهلكنَّه)، أي أن إبليس أضمر -منذ البداية- عدم القبول بأي أمر يكون فيه رفعة لمنزلة هذا المخلوق الجديد، وهو ما حصل بعد أن أبى السجود لآدم استكبارًا وعلوًّا في نفسه.

فأخذ يطيف به

إنها إشارة لنفي العشوائية في طُرق إبليس للتضليل، فهو يقوم بدراسة عدوه دراسةً تمكّنه من الإحاطة بمواطن الضعف، ليسهل عليه اختراقها أو منع وحجب موارد ومصادر قوته المتمثل في الوحي، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [البقرة: 123].

لقد اختلفت طرق إبليس وتعددت وسائله في إضلال بني آدم، إلا أن همّه الأوحد هو سَلْب هذا الوحي منهم، وهو الأمر الذي وعد الله بعدم تحققه، كما في قوله عز وجلّ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. [البروج: 21-22].

فكيف السبيل إذن لبلوغ الهدف؟

لنعد قليلًا إلى منظومة الاستجابة -الفطرة والوحي- التي أتينا على ذكرها، لنحاول ربطها بما تقدم ذكره من شق آذان البهيمة!

وأحسب أن الصورة باتت واضحة الآن، فالشيطان وجنده إذا ما عبثوا بأحد عنصري هذه المنظومة تمكّنوا من بلوغ ما يصبون إليه، فيكون الإعلام الفاسد على هذا النحو هو أنجع سبيل، بل هو أقصر السبل للإضلال ومسخ الفِطرة وتنفيذ خطة إبليس!

وبالرغم من موجات التطاول على النصوص القرآنية التي نشهدها حاليًّا، ومحاولات ليّ عنق الآيات بما يتناسب مع الأفكار الوافدة والدخيلة، إلا أنها تبقى طريق شاقة لا يسلكها إلا كل ذي عزم وهمة عالية في تطويع الوحي الصريح. والأيسر على هذا النحو إذًا يكون بتخريب المستقبلات الفطرية وتشويهها، بحيث يغدو المآل هو رفض هذا الإنسان-المشوّه الفطرة- نفسه للشرع وما جاء به!

وهو الدور الذي لم يألُ الإعلام جهدًا للوصول إليه، فتفريغ النفس من الفضيلة يجعلها تبحث عن الإشباع بشتى الطرق لسد حاجتها وجوعها، فتغدو الأنفس كأيادٍ ممدودة تنتظر من يشدُّ عليها ويملأها برغائبها. وهنا يأتي لها الإعلام بالغذاء الفاسد من كل حدب وصوب فيعيد تشكيل قيمها ومبادئها، وما هي إلا شيئًا فشيئًا حتى يحصل التطبيع مع شاذ الأعمال والصفات التي لا تقبلها الفطر السليمة، مقابل استنكار تعاليم الشرع الذي جاء به الوحي!

هي حرب بدت بوادرها حتى في أول لحظة من بعثة النبي، إذا سلك كفار قريش ومشركوها-الإعلام- ذات السبل، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26].

نتفليكس نموذجًا للانحلال الفطري والعقدي

شبكة نتفليكس، التي تسوق لمنتجاتها في قالب “المحتوى الترفيهي!” في مسلسل لها لقي حظوة وشهرة كبيرة في أوساط الشباب خاصة، أي  Dark، حيث عملت على استغلاله لطمس فطرة المشاهد  وجعله ينسلخ شيئًا فشيئًا عن قيمه ومعتقداته، وبالتالي الانسلاخ عن هويته، حيث” استغلت فكرة السفر عبر الزمن لتظهر أن شذوذ النساء –أي السحاق- منتشر في المجتمع منذ خمسينات القرن الماضي، وتظهر على سبيل المثال بطلي المسلسل يبكيان لأنها لن يستطيعا الاستمرار سوية، بعد اكتشاف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حول منهما ولا قوة، فلن تملك إلا التعاطف معهما ومَقتِ ما أدى لانهيار حبهما.” [من مقال: مسلسل DARK.. “هكذا خُلق العالم”!، هادي صلاحات].

أرأيتَ شدة هذه العبارة، “ومقت ما أدى لانهيار حبهما”! فههنا مربط الفرس، فأنت أيها المشاهد تحت سطوة العاطفة، والفراغ العقدي، وبالتالي فإنك ستمقت أي تشريع يفضي لنهاية تعيسة حزينة من هذا القبيل، وبالتالي مقت التشريعات الإلهية، ورفضها عن طيب خاطر منك!

فلو جئت اليوم بذات الشاب-بعد مسخ فطرته- الذي استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنا، وخاطبت فطرته كما فعل عليه الصلاة والسلام بأن تقول له: (أترضاه لأمك)؛ لردّ قائلًا: وأين العيب والعلة في ذلك، فالكلُّ حر فيما يفعل!.

وأنصح بمشاهدة هذا الفيديو الذي يوضح بشكل تفصيلي مدى خبث شبكة نتفليكس وإظهارها بمظهر البراءة، وهو من إعداد وتقديم الأستاذ أحمد دعدوش:

هذا وأختم قولي بما قاله ابن القيم رحمه الله: “أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرَس فيها، فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مرّ”! [الفوائد، ابن القيم، ص:50]




الالتزام بين الواقع والتصورات

إن الحديث عن أي موضوع أو قضية يقتضي الإحاطة والإلمام بالصورة الكاملة لها، ووضعها ضمن محددات وسياق يوضح معالمها بشكل ينزع أي لبس محتمل عنها، وإلا غدت منزوعة المعنى، مشوّهة المبنى.

بكل تأكيد فإن الأمر يصبح ذا خطورة أكثر إن كانت هذه الصورة المجتزأة -أو المبعَّضة- تضرب في صميم عقيدة الفرد منا، بحيث يختل ميزان الثوابت والمتغيرات عنده أو يعيش بتصور أجوف ضبابيّ على أساس أنه الصواب الذي لا غبش فيه!.

يظهر هذا جليًّا في التصورات المغلوطة عن الالتزام والتدين –عمومًا- التي قد يؤمل بها بعضنا البعض أحيانًا، فتراه مقبلًا بشعلة حماس متقدة، متصوِّرًا أن مجرد التدين سيفتح له أبواب الرزق ويكفيه مؤنة السعي والطلب، حتى إذا ما شُرع الباب أمامه و وأبانت الطريق عن وعورتها ولَّى مدبرًا كأنما سيق مكرها إليها!.

ومن المعلوم أن الإنسان -بطبعه- عندما يذوق حلاوة شيء ما، بعد لغوب طويل أصابه، تجده يسارع لاقتسام ما ذاقه مع من يحبهم أو من يرتعون في ذات الوسط الذي خرج منه! فتزدحم الكلمات والعبارات في فمه، محاولاً جاهدًا اختيار أجملها وأطيبها لسحبهم إليه؛ لكن كل العبارات قد لا تسعفه لبلوغ مرامه، وهذا كما قال د.فريد الأنصاري رحمه الله راجع إلى كون أن “كل حقائق الذوق في الحسيات والمعنويات لا تُدرَك إلا بالتجربة؛ فلتدرك الحقيقة كما أُدركها أنا، يجب عليك أن تذوق أنت أيضًا”، ولتوضيح الفكرة يضرب رحمه الله مثالًا بالموت، فالإنسان لا يذوق الموت ويدرك حقيقته إلا عندما يموت. ويمكن بالتالي أن يقاس على ذلك سائر الحقائق، والالتزام أحدها!

إلا أن هذا الأمر مما قد لا ينجح صاحبنا المذكور في إيصال تصور واضح عنه، كما أنه من حرصه الشديد قد يلجأ إلى تلميع الحقيقة وإلباسها ثوبًا من الرخاء والراحة على نحو مبالغ فيه حتى يكاد يصور الالتزام وكأنه الجنة التي لا يظمأ الإنسان فيها ولا يعرى ولا يشقى!

لا تجعل الحقيقة عضين

إن الصورة الكاملة لواقع الالتزام، أكبر من اختزالها في الراحة والطمأنينة وغيرها من العبارات التي تشعل فتيل الرغبة في التدين واللحاق بركب السرور والحبور، وكأنه التعويذة السحرية لحل سائر مشاكل الحياة!

فيكون الدافع والمحرك ابتداءً هو تحصيل اللذة الحاضرة والسكينة الأزلية-المزعومة-، دونما نظر إلى ما تمليه معطيات الواقع المتشعبة الذي يقتضي المجاهدة و”أن تذوق كل نفس حظها من الابتلاء وحظها من المحنة، لأن المحنة أشبه ما تكون بالنار التي تبرد الحديد وتصفي الذهب” [فريد الأنصاري، خُلُق الصبر: مادة مرئية].

فالصورة الكاملة -إذًا- تشمل الراحة كما تشمل ضرورة المجاهدة والسعي، و إلا سيكون المآل الحتمي لهذا التصور المجتزأ هو سهولة ترك الفرد-المتديّن الجديد- للطريق عند أول صدمة تهدد راحته لأن رياحها أتت على غير ما أمِل فيه.

إن الالتزام في مجمله خضوع وتسليم لما أمر الله به عز وجل عباده من ذكر أو أنثى، وهو بناء قوامه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] لذا إن حصل وتصدّرت للحديث عنه، فأخبر مستمعك الحقيقة كاملة ولا تجعلها عضين، فالواقع سيمحق كل ما حرصت على زرعه بداخله، فحري بك أن تبسط للطرف المقابل الحقائق على وجه غير منمَّق، ودع مسطرة الصدق تأخذ مجراها، فإن صدق جاء مجرورًا مكبّلًا باحثًا عن رشفة لا تظمأ روحه وراءها ولا تشقى.

أما أن تزيف الحقيقة له ظنًّا منّك أنّك مددته بطوق النجاة، فأنت في الحقيقة لم تزد على أن سلّمته لأمواج الأوهام تتلقّفه، وحملته على قارب مخروق متهالك مآله الغرق! حيث إنك زرعت مفاهيم مغلوطة في ذهنه، وسرت مدفوعًا بعاطفة لا عقال لها، أما ما تسمّيه رفقا ورحمة به-ريثما يعتاد – فهو تصوّر أجوف سرعان ما ستكشف الأيام نقصه وعورته.

مظاهر من الخطاب المجتزأ

ثمة الكثير من المظاهر التي تظهِر لنا آليات اجتزاء الخطاب الدعوي المحسّن لضرورة الالتزام، من خلال اختزاله ضمن شعارات أو صورٍ تجمّل وتيسّر من الحياةِ في إطار الالتزام، أعرض بعضها في الآتي:

تفاءل.. ستجد

يضيرنا كلنا رؤية شخص ساغب لاغب، متعب الروح وذابل المحيّا؛ بل كل يحاول تعزيته ومواساته قدر المستطاع، وهناك من يحاول –لشدة حرصه- اغتنام الفرصة وسحب الناس من طريق الضلال إلى سبيل الرشاد، فيملأ وسطه الدعوي بعبارات من قبيل (حاشا، أتدعوه ولا يستجيب؟)، أو (تفاءل ستجد)!

واللبس هنا ليس في جمال التفاؤل أو السعي لمنع الناس منه، فليس ثمة إشكال في أن يتفاءل الإنسان ويوقن بالاستجابة؛ وإنما في الطبيعة التي تكسو هذا التفاؤل والصورة الوردية التي لا ينفك المرء عن تصويرها وزرعها في نفوس الناس من حوله.

إن التفاؤل مطلوب، لكن من الحري على الإنسان والداعية أن يضعه ضمن صورة واضحة الملامح!، فالتفاؤل بالشر -على غير السائد- الأصل فيه الاعتقاد بأن هذا الشر مهما بلغ مداه ظاهره الشقاء والعذاب، وباطنه الرحمة مما يفضي إلى قبوله ومحاولة التكيّف معه وإن لم تظهر بوادر الخير والحكمة الكامنة فيه.

أما التفاؤل السائد بمعناه السطحي المتفلّت من عقال الواقعية، المحمل بالآمال والأمنيات التي لا حدود ولا سقف لها، فسرعان ما يهوي بصاحبه إلى وادٍ سحيق! وبهذا بدل أن ينقذ صاحبه، فإنه يسحبه من فجٍّ إلى فج أعمق.

بالحجاب أجمل!

من المظاهر الشائعة الأخرى -على سبيل المثال- أن بعض الفتيات -على سبيل الحصر والتمثيل لا التعميم- من حرصهن ورغبتهن في بث حب الحجاب في قريناتهن قد يُبدين حقائق عنه منافية للمنطق، وفطرة الأنثى التي تقضي برغبتها في إبداء زينتها، وحقيقة أنها أجمل بدون الحجاب!

يمكن أن نتفهّم جوهر رؤيتهن هنا، إنهن يحاولن بهذا الشكل إقناع الفتاة بما يكذِّب بصرها وما تراه وتجده في نفسها، حتى إن حصل واقتنعت هذه الفتاة بالحجاب، فهي –في كثير من الأحيان- حقيقة لم تلتزم تسليمًا وتحقيقًا لعبوديتها، وإنما لأنها وجدت فيه ما يوافق هوىً عندها.

وبهذا يكون الخطاب موافقًا لهوى الإنسان، وغير محكوم بضوابط تقيه الانفلات من دائرة المعقولية، وبدل أن تحتكم التشريعات للمسطرة الإلهية، فإنها تحتكم لما يمليه هوى الإنسان. فينأى الخطاب عن معيار “ولا يُعبَد الله إلا بما أمر وشرع لا بأهواء الناس وموضاتهم” [فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة]

الحجاب وفي الدعوة إليه قد يكون هناك تصور خاطئ عن الالتزام

بين الجهل والعاطفة و”الأنا”

إن التصدر للحديث عن تفاصيل مفصلية في حياة الفرد الآخر، يوجب على المتصدّر أن يسأل نفسه بصدق: هل كلامي وتقديمي للموضوع مبني على علم أم جهل؟ إذ أنه من الجدير الإشارة إلى أن الإنسان حال خوضه غمار الإقناع عليه أن يكون ملمًّا بالقدر الكافي من العلم! فلا تكفي هنا أنصاف المعلومات أو أشباهها، فيجد نفسه في المحصلة يسد الثغرات بالمتاح حتى يتمم البناء، فالجهل يمكن اعتباره أول عوامل هذا الخطاب المجتزأ، ثم تأتي العاطفة غير المنضبطة سببًا ثانيًا، حيث تُلجئ المخاطِب إلى رفع سقف النعيم على نحو مهوَّل فيه بما يتناسب مع رغبة الآخر وأهوائه، أملًا في أن تستقيم رؤيته مع الوقت ولو من باب الاحتمال وهو ما قد يحصل، كما قد لا يحصل لو باحتمال ١٪.

أما المعول الرئيسي في اتساع الفجوة بين التصور والواقع فهو حب الظهور على حساب الدين! واتخاذه جسرًا لبلوغ المآرب الدنيوية وحشد الجموع بإلقاء عبارات تدغدغ مشاعر المتلقي مع التركيز على ترسيخ أنّ “الدين يُسْرٌ”! ولذا فإن التجرد والصدق عامل مهم في اكتمال منظومة بناء الرؤية الواضحة.

استقم كما أُمِرت .. لا كما تريد

في المحصّلة نجد أن خطاب الالتزام البعيد عن الإحاطة بكامل الصورة، أقرب إلى كونه خطابًا أجوف يُسكِن الفرد في برج عاجي محفوف بالأمنيات والأماني، ومن ثم يغدو نزوله إلى أرض الواقع شاقًّا ومضنيًا، بل ربما تأتي النتائج ضمن شكل عكسي يقضي بأن كل ملتزم أو متدين تعيس يفضي به أخيرًا إلى التساؤل: ما الذي دفعني للالتزام؟ بل حتى إن كانت النوايا سليمة في الأصل غير أن: الغاية لا تبرر الوسيلة؛ لأن الثمن غال.




الشباب بين التكليف ووهم المراهقة

لم تخلَق للألم!

بلا شك سبق لك أن شهدت طفلًا برفقة أمه وهي تحوطه بأقصى درجة من الرعاية والاهتمام، ليبلغ الأمر حد منعه من اللعب والتمرغ في الوحل كباقي الصغار خشية أن يصاب بمكروه أو أذى، حتى إذا ما أصيب تعالى صراخه ووصِّفت حالته بأوصاف مضخّمة أكبر مما هي عليه حقيقة، وذلك بشكل مبالغ فيه لا يتلاءم البتة مع حالته ووضعه، وكأن لسان حالها: لم تخلق للألم ومكابدة الصعاب يا ولدي!.

هذا المشهد ما هو إلا تصوير بسيط لما أصبحت عليه حياة الشباب اليوم، إذ أصبح لديهم في الأساس التعامل غير الراشد في تعاطيهم مع مشاكل الحياة ومنعرجاتها اليومية، فتجد أن نفسياتهم غدت قابلة للكسر عند أول معترك يعترض سبيلهم، وتحت أقل درجات الضغط.

إن هذا التعاطي الطفولي المزمن ما هو إلا نتاج وتحصيل حاصل لرؤية مشوهة عن طبيعة الحياة وسنة الله في الخلق، كان مبتدأها طفل لم يتعلّم كيف يسير وسط الوحل، ولم يعلم أن السقوط والشعور بالألم جزء من المرحلة بل من رحلة السير كلها.

أريد أن أعيش في جلباب صباي

جيل رقائق الثلج، هكذا اصطُلح على الجيل الجديد، وجاءت هذه التسمية كما أشار د. إسماعيل عرفة في كتابه الهشاشة النفسية لسببين اثنين:

الأول: أن رقائق الثلج هشة جدًّا، وسريعة الانكسار، لا تتحمل أي ضغط عليها بأي شكل من الأشكال، إذا تعرض هيكلها الضعيف لأدنى لمسة خارجية له ستجعله يتفكك وينكسر بالكامل. وهكذا هو جيل رقائق الثلج هشٌّ نفسيًّا، وتركيبته النفسية خالية من أي هيكل صلب يقويها ويدعمها ويساعدها في مواجهة مشاق الحياة.

أما السبب الثاني فهو شعور كل فرد من هذا الجيل بالتفرّد، فالنظرية العلمية السائدة تقول إن رقائق الثلج لها هياكل فريدة، ولا يمكننا أن نجد رقيقتين متشابهتين أبدًا. [الهشاشة النفسية، إسماعيل عرفة]

وهكذا نجد أن الفتاة أو الشاب الذي يسير بيننا اليوم، ما هو إلا طفل-على أفضل تقدير- في تصوراته وفقهه لحقيقة الأشياء وطبائع الأمور، وكأنه ما زال يقبع في جلباب صباه، تعرّيه الضغوطات مهما صغرت أو كبرت، عظمت أو تفهت، كفراق حبيبة أو قدوم امتحانات مدرسية أو جامعية، أو وفاة أحد الأقارب، وتنمّر بعض الأصحاب… وغيرها كثيرٌ من المحطات الحتمية في حياة كل فرد.

لقد غدا التباين واضحًا بين مواجهة شباب اليوم للمصاعب، ونظرتهم لها من زاوية قاتمة ومعتمة، تودي بهم أخيرًا إلى عدم القدرة على الصبر والاحتمال، وبين جيل آبائنا وقدرتهم الهائلة على الصبر والتجلّد أمام مشاقّ الحياة.

بل إن تصوير الأشياء البسيطة وتوصيفها اختلف بين اليوم والأمس، وهذا ما يظهر جليا فيما حدث للكاتبة البريطانية كلير فوكس مع ابنتها، حيث إنها بينما كانت تقوم ببعض الأعمال المنزلية، فوجئت بدخول ابنتها منهارة وغارقة في دموعها، فسألتها الأم عن هذا البكاء الشديد! فقالت: “لقد تعرضتُ للتنمّر”، ومن الطبيعي أن الأمّ ظنت أن ابنتها قد ضُرِبت، أو استحوذ أحدهم على مصروفها اليومي، أو أن هناك من أرغمها على التمرغ في الوحل!

لكن الحقيقة أنها لم تتعرض لشيء البتّة من ذلك، فغاية ما في الأمر أن صديقاتها قد ذهبوا إلى السينما دون إخبارها. [الهشاشة النفسية، إسماعيل عرفة]

إن هذه الرؤية الهشة -الآيلة للسقوط- هي التي مهدت السبل أمام هذا الجيل لرفض النضج، وتولي مسؤوليات مرحلة الرشد، وكأن لسان حالهم: لا أريد أن أكبر، أريد أن أعيش في جلباب صباي ومراهقتي!

  دعه إنه مراهق!

إن الناظر المتفحص لأحوال من سبقونا، يدرك أن ما نعيشه اليوم ما هو إلا ضرب من ضروب الوهم، حيث غدت عبارة: “إنه مراهق” عذرًا كافيًا لكل ما يصدر عن هذا المراهق-المكلّف حقيقة- من أفعال طائشة متهورة، وكأنه غير مسؤول عما يصدر عنه، و كأن حسابه سيؤجل إلى أن يتجاوز مرحلة الزيف هاته!، وبذلك أصبحت المراهقة -على هذا النحو- وكأنها صكّ للنجاة لا يؤاخذ الشاب بموجبها ولا يحاسب!

غير أن للواقع شواهد كثيرة تضرب بهذه الرؤية الواهمة عرض الحائط، ابتداءً من خير الأزمان وانتهاءً بجيل ليس عنـا ببعيد!

فهذا أسامة بن زيد يولِّيه الرسول صلى الله عليه وسلم قيادة جيش من كبار الصحابة، وهو لمَّا يبلغ العشرين عامًا، و ذاك معاذ بن جبل بعثه الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى اليمن بعد غزوة تبوك، ليعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وشيّعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وهذا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وثلة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا حماة للإسلام ودرعا له أمام صناديد قريش و كبرائها، وهم ما يزالون شبابًا لمّا يتزوّج معظمهم آنذاك.

 أين الامتحان؟

إن غياب مفهوم الامتحان، يجعل من الحياة صعبة لا تطاق، فكيف لذهن طُبع في ثناياه أن الهدف من وجودك هو الاستمتاع بالحياة، أن يتعايش مع الألم ومتطلبات المعيشة وخشونتها؟

هذا التغييب يتحمل الحصة الأكبر منه الأهالي، حيث إن الطفل يُنشّأ على أنه لا يستحق إلا الأفضل، ولا يتوقع من الآخرين إلا التعامل الجميل الراقي، فهو لا يغفر أي خطأ في حقه وشعاره:  اعتزل ما يؤذيك!

لكن لنتساءل بعيدًا عن طبيعة هذا الأذى، وهل يصب في مصلحة الإنسان أم لا؟

إن الرؤية الهشّة لشباب وأطفال اليوم يغذّيها الإعلام ويدعمها، ابتداءً من المسلسلات التي ترسم سيناريوهات مثالية -غير واقعية- للحياة، يسيل أمامها لعاب المُشاهد وهي تلعب على أوتار مشاعره، حيث تصور له الحياة مزخرفة و بسيطة سهلة، لا عقبات فيها! وبالتالي فما إن تخرج الفتاة أو الشاب إلى معترك الحياة الحقيقي ومنعطفاتها، حتى يغرقوا في الشعور بالتحطم الروحي، والإنهاك النفسي.

لقد أصبحت فكرة اختبار الإنسان في الحياة ثقيلة شاقة على ظهورهم. فإحدى نتائج هذه الهشاشة هو تضخيم أي مشكلة في الحياة إلى درجة تصويرها بوصفها كارثة وجودية لا حول لك ولا قوة أمامها. [تدليل العقل الأمريكي،جوناثان هايدت، جريج لوكانيوف].

آثَر ما ينبغي إيثاره

إن الألم هو ما يجعلنا نكبر وننضج ونتحمل مسؤوليات الحياة، الألم هو الفيصل إن صح القول بين مَن فقِه دوره على هذه الأرض، وبين من اختار السير بلا هدف أو بوصلة، إذ إن غاية غاياته أن يستمتع!.

وفي كلتا الحالتين الألم حاضر موجود، إذ إنه أمر حتمي لا مناص منه ولا هروب. غير أن من يألم ليحقق عبوديته، ليس كمن يألم استجابة لنداء الطين ونوازع الشهوة بداخله! “ومن عرف قدر التفاوت آَثَر ما ينبغي إيثاره ” [الفوائد، ابن القيم]

وأخيرًا، فإن كلماتي هذه ليست من باب الجلد والتقريع، فأنا شابة لا أنكر أنني سلكت ذات السبل ولَكَم ضخمت وهوّلت من آلامي، غير أن معرفة المشكلة هي جزءٌ أصيل من الحل، لفك التطبيع الحاصل مع هذه الظاهرة في أوساطنا نحن الشباب، بل جميعنا نحن بني آدم الذين استخلفنا الله على هذه الأرض ومدنا سبحانه وتعالى بحبل منه نستهدي به لبلوغ دار الخلود.

“فهلمّ بنا نشتري أنفسنا: فالسوق قائمة والثمن موجود!” [الفوائد، ابن القيّم]




على شفا جرف هارٍ

هل جربت أن تعيش طمأنينة من ورق، تتسارع فيها دقات قلبك منذرة بشقاء قريب!

شبَح الخوف يطوف بك أينما خرجت وحيثما ولّيتَ وجهك، وقد تكون وحيدًا، فتظن أنك بين أحضان الجموع ستغدو أكثر استقرارًا. تهجر عهدك وتنسى غايتك، وترمي بنفسك بعيدًا عما خلقت لأجله، مؤمّلًا إياها أنك -في الغد- بين الجموع قد تشفى، وأنك في الغد ستحررها، ثم تأتي ساعة الوفاء فإذا بك ما زلتَ غريقًا، وأكثر غربة عنها، ولا شيء غير الحسرة يملأ فؤادك!

حسرة التنازلات والسقوط في سبيل الظفر بشيء من السكينة، تطرق فكرك كلماته تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 4] فتوقن أنك تسلك سبيلًا غير الذي تأمل الوصول إليه، وتعلم في قرارة نفسك أنك لن تصل؛  لأنك وضعت طمأنينتك على أعتاب أبواب موصدة  لا تُفتَح  إلا بمزيد من التنازلات.

على أعتاب ماذا لو؟

في كل مرة تهمس لنفسك (ستكون الأخيرة ولن أعود)، سأكذب للمرة الأخيرة، وسأحلف للمرة الأخيرة، سأغش وســ…، وما إن تفتح الباب حتى تَلِجَهُ فتغنم شيئًا من السمّ على هيئة اللذة، فتردّد فرِحًا على عجل: ها قد وصلت وظفرت، ولم يذهب بذلي سدىً.

لكنك لا تلبث يسيرًا حتى يطاردك شبح “ماذا لو؟”

ماذا لو تركني زوجي؟، وماذا لو اغتربت وقُدّر علي أن أعيش وحدي؟ ماذا لو توفي والداي؟ ماذا لو افتقرت واحتجت؟ فتتراءى أمامك سيناريوهات الغد المؤلم  – وإن لم يكن قد وُجِد بعدُ-  وتبدأ مع كل سيناريو رحلة التفكير  والخوف مما هو آت، فينسيك الشيطان ذكر ربك، حتى تجد أنك شقي بما لديك، وأنك تعلقت بإفراط ووضعت طمأنينتك على شفا جُرف هارٍ من الشقاء!

إذا زاد ضرّ

مجبولون نحن على التعلّق بمن حولنا من الناس وما نحبه ونتذكره من الأماكن. ضحِكُ الصغار في الأرجاء، رائحة شاي البيت، وتفاصيل لا تكاد تنتهي، نستظلّ بظلّها كي لا نُضِلّ في عالم يعجّ بالمادّية حتى النخاع!  نخبر العالم بها: إنّنا سعداء!. لكن هل نحن حقـًّا سعداء؟

هل فكرت فيما قد يحدث لحياتك وأنت ترى عقارب ساعات الألم والفقد تدقّ قريبًا من بيتك؟ أي شعور سيملأ أركان روحك وأنت تقف أمامها كسبع عجاف لا غيث بعدها ولا تقدر على صدّها أو ردّها؟

ترى هل هو  شعورٌ بالشلل والشقاء، أم تراه  حزمة من الرضا مع صوت متحشرج  يردّد  (أمر المؤمن كله له خير)؟ [أخرجه مسلم]

إن كان الشلل واللاحراك هو أول احتمال طرق ذهنك، فـلا ضير؛ إذ إن ضعفك طبيعي وما عليك إلا أن تقبله، لكنّ الفيصل ها هنا هو محاولة استدراكه، ولـك أن تعتبره نذيرًا جاءك محذّرًا إياك، فإن زادك من الطمأنينة قليل حين جعلت نفسك أسيرة مستعبدة لما حولها ولم تعلِّمها أنّ: التعلق إذا زاد ضرّ!

هل إلى الحرية من سبيل

لا أحد ينكر أن الاستعباد والأسر كرب عظيم، يحملك من سعة الرضا إلى ضيق السخط، لا سيما إن كانت أغلالك من صنع يديك، أغلال محملة بشحنة من الرفض التام للألم، فيصبح كل تحدّ أو امتحان -مهما صغر- بمنزلة النازلة والقشة التي تقصم ظهر البعير وتنتهي بالعتب على ما جاءت به الأقدار.

هنا حق لنا أن نسأل كل مستعبد أسير “أما اكتفيت”؟

وتحضرني عبارة قالها د. عبد الرحمن ذاكر: “إذا خفتَ أن تفعل فقد فعلت ما تخاف”، لذا تحرّك واعلم أنك بينك وطمأنينتك مسافة الترك، ستقرصك مرارة التخلّي وينزف قلبك، وستسمع أنين روحك!

لكن هذه المرة سيكون أنين التماثل للشفاء، جرّب أن تخطو بصدق، وليكن زادك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]

وإذا اخترت المكوث فلا أزيد على أن أقول لك: إن الفطام يصعب بقدر التأجيل.