سليمان عليه السلام.. بين القرآن الكريم والعهد القديم

ذُكِر نسب سليمان في العهد القديم وإنجيل متَّى بأنَّه سليمان بن داوود بن يسِّي بن عوبيد بن بوعزا بن سلمون بن نحشون بن عمِّيناداب بن آرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم [سفر أخبار الأيام الأول: 2/1، إنجيل متى: 1/3].

يعتقد المسلمون أن سليمان عليه السلام نبيٌّ من أنبياء الله المعصومين المرسلين إلى بني إسرائيل، وأنه ابن داوود النَّبي عليهما الصلاة والسلام، وقد ذكرهما القرآن الكريم في جملة الأنبياء المذكورين فيه.

وجاء ذكر سليمان في القرآن في جملة رسل الله في قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء:163].

في المقابل، تأتي سيرة سليمان في العهد القديم في سفر الملوك الأول، ثم نجدها في سفر أخبار الأيام الثاني من الإصحاح الأول إلى التاسع، وقد اكتنف هذه السيرة الكثير من التناقضات والاتهامات الباطلة لنبيِّ الله سليمان.

ويذكر العهد القديم سليمان على أنه مَلِك من ملوك بني إسرائيل الحكماء الذين ازدهرت أحوال بني إسرائيل في عهده وليس نبيَّاً، وقد حاز الملك بعد موت أبيه داوود.

جاء في العهد القديم: “وكان الملك سليمان ملكا على جميع إسرائيل” [سفر الملوك الأول: 4/1]، وجاء في مكان آخر: “وكان الزمان الذي ملك فيه داود على إسرائيل أربعين سنة في حبرون (الخليل) ملك سبع سنين وفي أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة وجلس سليمان على كرسي داود أبيه وتثبت ملكه جداً” [سفر الملوك الأول: 2/11].

مجسم لهيكل سليمان المزعوم

حياة سليمان
لم ينقل إلينا في القرآن الكريم حديثاً عن زوجات سيِّدنا سليمان عليه السلام وذلك لأنَّها لا تأتي لنا بأيَّة فائدة ، أمَّا في العهد القديم فالنِّساء اللَّاتي تزوجهن سليمان كما ينقل العهد القديم بلغن ألفاً، سبع مئة من السّيدات وثلاث مئة من السَّراري، ما عدا النِّساء اللَّواتي أحبَّهن سليمان في آخر حياته. [سفر الملوك الأول: 11/ 1 ـ 5].

وكان من اللَّواتي تزوَّجهنَّ سليمان حسب هذه الرواية ابنة فرعون مصر، وبنى لها بيتاً من الحجارة الكريمة.[سفر الملوك الأول: 3/1].

كما جاء في العهد القديم وصف عجيب لطعام سليمان في اليوم الواحد، فصوَّره في صورة شخص نهم جشع، وهي صورة لا تليق بعوام النَّاس فضلاً عن ملك يعتبرونه من أعظم ملوك بني إسرائيل، الذي نصر ووطَّد ملكهم على باقي الأمم، فجاء في سفر الملوك الأول: “وكان طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كر سميد وستين كـر دقيـق* وعشرة ثيران مسمنة وعشرين ثوراً من المراعي ومئة خروف ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن* وكان متسلطاً على كل ما عبر النهر من تفسح إلى غزة على كل ملوك عبر النـهر وكان له صلح من جميع جوانبه حواليه” [سفر الملوك الأول: 4/ 22ـ 24].

أما القرآن الكريم فقدّم لنا سليمان في صورة مثالية للمَلِك العظيم والزاهد في آن واحد، فيقول {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 30- 33]، حيث قال المفسرون إن خيولا جميلة عُرضت عليه في وقت العصر فانشغل بها حتى توارت الشمس وفات وقت الصلاة، فندم على ذلك وأخذ يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها -حسب تأويل ابن عباس- ثم سأل الله أن يمنحه مُلكاً عظيماً ليسخره في الخير، فتقول الآيات: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 34- 40]، فالآيات تؤكد أنه بالرغم من كل ما أوتي من المُلك فإنه لم يُفتن به، حيث كان الملك الوحيد الذي سُخر له الإنس والجن والحيوانات وقوى الطبيعة (الرياح).

صورة سليمان في العقلية الغربية صارت مرتبطة بالطغيان حصرا

أمثاله وحكمته
نقل العهد القديم الأمثال التي كان يلقيها سليمان، وهذا يعكس الحكمة التي كان قد أعطاها الرب لسليمان، والمتأمِّل لهذه الأمثال المنسوبة إلى سليمان  يجد شيئاً من الحق إلى جانب الكثير من الباطل والبهتان، ويحوي سفر الأمثال مقدِّمة في امتداح العقل والحكمة والتَّحذير من أنواع الرذائل، وفيه مجموعة من الأمثال المنسوبة لسليمان عليه السلام، وفيها أمثال تدلُّ على أنها كتبت بعد سليمان بعدَّة قرون لأن فيها إشارة إلى السَّبي البابلي ويدلُّ على ذلك أن هذه المجموعة تبدأ بقوله: “هذه أيضاً أمثال سليمان التي نقلها رجال حزقيا ملك يهوذا”، وحزقيا عاش بعد سليمان بأكثر من ثلاثة قرون.

ويذكر بعض العلماء أن الذين كتبوا سفر الأمثال تأثَّروا تأثراً كبيراً بكتاب “30 فصلاً في الحكمة” لأمنموبي المصري، وقد عقد كل من هوغو غرسمان وآرمان وجيمس برستد مقارنة بين هذين الكتابين وانتهوا إلى القول بأن أفكار أمنموبي المصري سُرِقت وظهرت في ثوب جديد في سفر الأمثال، بينما يرى البعض الآخر من الباحثين أن هذا بعيداً شيئاً ما، وذلك لأن أمثال الشُّعوب قد تتشابه في كثير منها.

وقد خصص كتبة العهد القديم “سفر الجامعة” للكلام عن سليمان الحكيم الذي ييأس من الحكمة، ويظهر فيه الكثير من التشاؤم، فقد جاء في أوَّل إصحاحٍ من هذا السِّفر: “باطل الأباطيل قال الجامعة باطل الأباطيل الكل باطل* ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس* دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد* والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق* الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال تذهب دائرة دورانا وإلى مداراتها ترجع الريح* كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة*” [سفر الجامعة: 1/7]، ثم يصور سفر الجامعة سليمان وهو يلهو ويفرح ويشرب الخمر.

في المقابل، تكلم القرآن الكريم عن حكمة سليمان عليه السلام، فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79].

وفي العهد القديم نجد سفر الحكمة، وقد نسب ما فيه إلى سليمان عليه السلام، ويتألَّف ما حفظ منه من تسعة عشر إصحاحاً.

وأوضح علماء الكتاب المقدَّس -في اعتراف له تداعياته الخطيرة- أن سليمان ليس له ضلع فيه، كما أنه ليس له ضلع فيما نُسب إليه في بقيَّة الأسفار، فالسِّفر عبارة عن مذكرات شاعر روحاني أخذ ينقل من التقاليد الإسرائيليَّة واليونانيَّة القديمة، فيقولون في مقدِّمتهم لسفر الحكمة: “إنَّ كتابات سليمان فُقد منها الكثير، فقد ذُكر عنه في سفر الملوك الأوَّل أنَّ الله أعطاه حكمة وفهمًا كثيرًا ورحبة قلب كالرمل الذي على شاطيء البحر، بمعنى أنه كان له الكثير من أقوال الحكمة، وقد قيل عن سليمان أيضًا أنَّه تكلَّم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفًا وخمسًا، وتكلَّم عن البهائم وعن الطَّير وعن الدَّبيب وعن السَّمك، فأين كل هذه الأمثال والنَّشائد والكتابات؟”.

الفنان بيتر روبنس من القرن السابع عشر تخيل النبي سليمان في صورة طاغية

الأنشاد والفجور
سفر نشيد الأنشاد هو السِّفر الرَّابع من الأسفار التي ينسبها اليهود لسليمان، وهو سفرٌ يتَّخذه اليهود في الأعياد والمناسبات الدينيَّة وفي أماكن عبادتهم، وهو شعر غزلي جنسيٌّ غليظ، ليس بينه وبين الدِّين أية علاقة، بل يمثِّل سياسة أحبار اليهود نحو الجنس، فلفرط حبهم للنِّساء والزِّنى جعلوا الأنبياء زناة، بل أكثر من ذلك.

يبدأ هذا السِّفر بذكر الحبِّ والخمر فيقول:

  • ليقبِّلني بقبلات فمه لأنَّ حبَّك أطيب من الخمر.
  • لَرائحة إدِّهانك الطَّيبة اسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى.
  • أنا سوداءٌ و جميلةٌ يا بنات أورشليم كخيام قيدار كشقق سليمان [نشيد الأنشاد: 1/1ـ 4].

ثمَّ ينتقل إلى وصف حبيبته فيقول:

  • ها أنت جميلة يا حبيبتي ها أنت جميلة.
  • عيناكِ حمامتانِ من تحت نقابك.
  • شعركِ كقطيع معزٍ رابضٍ على جبل جلعاد.
  • شفتاكِ كسلكة من القرمز وفمك حلو خدك كفلقة رمانة تحت نقابك.
  • عنقكِ كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجن علق عليه كلّها الجبابرة.
  • ثدياكِ كخشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن.
  • كلّكِ جميلٌ يا حبيبتي ليس فيك عيبة [نشيد الأنشاد: 4/1ـ 7].

ثم يوغل في الغزل (بل بالفحش) قائلاً:

  • دوائرُ فخذيك مثل الحلي صنعة يدي صناع.
  • سرّتُكِ كأس مدوّرة لا يعوزها شراب ممزوج.
  • بطنكِ صبرة حنطة مسيجة بالسوسن.
  • ثدياكِ كخشفتين توأمي ظبية. [نشيدالأنشاد: 7/1ـ 6].

وفاة سليمان
ذكر القرآن الكريم قصة وفاة سليمان عليه السلام في قوله: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمـَّا خـَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجنُّ أَنْ لَـوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} ]سبأ:14[.

وروي أنَّه كان متَّكئاً على عصاه حين وافاه أجله، والجن تروح وتجيء مسخَّرة فيما كلَّفها إيَّاه من عمل شاقٍّ شديد؛ فلم تدرك أنَّه مات حتى جاءت دابَّة الأرض، وقيل هي حشرة الأرَضة، فلمَّا نخرت عصا سليمان لم تحمله فخرَّ على الأرض، وحينئذ فقط علمت الجن موته و{تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14]، أي ما واصلوا انهماكهم في العمل الشاق الذي سخرهم فيه وهم يحسبون أنه يراقبهم بينما كان عليه السلام في الحقيقة قد مات. ولم يذكر العهد القديم طريقة موت هذا النَّبي الحكيم.


أهم المراجع:

العهد القديم والجديد.

تفسير الكتاب المقدس، جماعة من اللاهوتيين برئاسة فرنس دافدس، منشورات النفير، بيروت، لبنان، ط: الثانية ، 1989م.

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، تعريب شركة ماستر ميديا، القاهرة، د/بيانات.

الله والأنبياء في التوراة والعهد القديم، محمد علي البار، الدار الشامية، بيروت، ط: 1.

ثم يقولون هو من عند الله، محمود سعد مهران، منتدى الجامع للحوار الإسلامي المسيحي، د/ط.




“لازم المذهب”.. هل يجوز التكفير بالتأويل؟

 

لازم القول هو ما يترتب على القول بشيء ما من أمور تترتب عليه، وصاحب القول أو الرأي إما أن يلتزم لازم قوله أو يسكت عنه، فإن التزمه فلا خلاف في أنه يُحاسب عليه ويُعد مذهباً له، لكن العلماء اختلفوا فيما لو سكت عن لوازم قوله.

وكان لهذا الاختلاف وقْع خطير على الفكر الكلامي الإسلامي، حيث كان بعض العلماء يكفّر أو يفسّق أو يبدّع البعض الآخر على لازم قوله دون أن يكون الآخر قد التزم هذا القول، ودون أن يحقق مدى لزوم ذلك اللازم، وقد نبه كثير من العلماء على خطورة التكفير بما يُؤول إليه الكلام، ومنهم ابن حزم الظاهري الذي قال: “وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم، وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه؛ فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن إذ فر من الكفر…”.

وقال ابن رشد: “ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرّحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم”.

 

مذاهب العلماء في لازم المذهب
تتنوع مذاهب العلماء في اعتبار أن لازم المذهب مذهب، وهي تتلخص في ثلاثة مذاهب نوجزها كما يلي:

المذهب الأول: وهو رأي الأغلبية، حيث يرون عدم اعتباره مذهباً وعدم التعويل عليه في إطلاق الإحكام ونقل الأقوال، ودون التفريق بين القريب والبعيد.

قال ابن الوزير اليماني: “إن التكفير بالإلزام، ومآل المذهب رأي محض، لم يرد به السمع لا تواتراً، ولا إجماعاً، والفرض أن أدلة التكفير والتفسيق لا تكون إلا سمعية؛ فانهدّت القاعدة، وبقي التكفير به على غير أساس”.

وعلى هذا القول أكثر المتكلمين والمحدثين، ومنهم ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، ونعمان الآلوسي، والشاطبي في الاعتصام ونقله عن شيوخه.

المذهب الثاني: التفريق بين اللازم القريب (البيّن) واللازم البعيد (الخفي)؛ فاعتُبر الأول قولا لصاحبه والثاني ليس قولاً، وهو قول طائفة من المالكية، كمحمد بن عرفة الدسوقي المالكي.

الطاهر بن عاشور

الطاهر بن عاشور

المذهب الثالث: اعتبار لازم المذهب مذهباً، وهو قول الطاهر بن عاشور في تفسيره حيث قال: “وفي هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولاً، وأن لازم المذهب مذهب”، واستدل بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27]، ومحل الشاهد أن الكفار أنكروا البعث والجزاء؛ فكان من لوازمه اعتبار خلق السموات والأرض من الباطل، مع أن الله قد ذكر ذلك؛ فقال: {ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} وحاسبهم عليه؛ فلو لم يكن لازم المذهب مذهب لما اعتبره الله وحاسبهم عليه، حسب رأي ابن عاشور.

 

المناقشة والترجيح
يبدو أن القول الثالث وهو أن لازم المذهب مذهب؛ هو قول شاذ لِما يترتب عليه من النتائج الخطيرة؛ إذ يلزم منه تكفير الفِرق الإسلامية لبعضها لأدنى لازم من لوازم الأقوال، وهو منهج خطير إذ كفّر البعضُ المعتزلة لقولهم إن المعدوم شيء لأن لازم قولهم هذا أن العالم قديم، وكفّر آخرون بعض الحنابلة ممن قالوا إن آيات الصفات تُحمل على حقيقتها بالنسبة إلى الله لأن لازم هذا القول التجسيم والتشبيه لله بخلقه.

وكذلك فإن بعض العلماء لم يحتاطوا في تكفير المسلمين؛ وألفوا في ذلك كتباً، فقد كفّر البعض القائلين بإنكار الجوهر الفرد؛ لأنه يعتقد أن لازم ذلك نفي مقدورية الله على إحصاء أجزاء العالم وعلمه بكمية أجزائه، مع أن الخلاف حول إثبات الجوهر الفرد مشهور.

وأما ما استدل فيه ابن عاشور على أن لازم المذهب مذهب من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} فهو استدلال ضعيف؛ لأن الكفار كانوا يعتقدون ويقولون بأن خلق السموات والأرض من الباطل، ودليل ذلك أن الله أسند ذلك إليهم، وأما الظن فهو تكذيب من الله لهم.

ونستطيع أن نقول أيضا إن هذا القول قياسٌ للغائب على الشاهد، فالإنسان ضعيف ليس له إلا الظاهر؛ فهو لا يعلم ما في صدر صاحب القول ومدى تبنيه للوازمه إلا إذا صرح بذلك هو، أما الله فله العلم الكامل؛ فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ فلعله عَلِم أنهم تبنوا هذا القول.

والخلاصة أن القول بأن “لازم المذهب مذهب” فيه هدم للفكر الإسلامي من أساسه؛ ولذلك فهو قول شاذ مخالف لرأي جمهور الأمة.

وأما مذهب التفصيل الذي اعتبر أن اللازم القريب مذهب، وأن اللازم البعيد ليس بمذهب؛ ففيه إشكال قد يُستغل في إطلاق أحكام في غير محلها، وهو كيفية معرفة اللازم القريب من البعيد أو الضابط الذي يضبط القرب والبعد، وكيف يمكننا أن نعرف أن هذا اللازم قريب أم بعيد.

وسبب هذا التساؤل أننا وجدنا بعض العلماء قد اختلفوا في اعتبار لازم من اللوازم قريباً أو بعيداً، وإلا لو كان هناك ضابط معين للتفريق بينهما لم يختلف العلماء، وأرى أن مذهب التفصيل قولاً فضفاضاً لا ينضبط، بل قد يستغله أي شخص ويعتبر أن لازم قول من الأقوال قريب، وهو في الحقيقة بعيد كل البعد، وربما لم يخطر في بال صاحبه أصلا.

ولذلك أرجّح أن لازم المذهب ليس مذهبا مطلقا إلا إن سُئل صاحبه عنه والتزمه، أو صرح هو بالتزامه؛ فيكون مذهبا له، وهذا كما سبق هو قول الأكثرين من العلماء من المتكلمين والمحدثين، وهذا أسلم وأقرب إلى روح أهل العلم في التثبت في نقل القول، وأعتق لرقاب ودماء المسلمين من التكفير. وقد قال الصنعاني “ولهذا تقرر عند المحققين أن لازم المذهب ليس بمذهب”.


أهم المراجع:
الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، دار الجيل، بيروت، ط: الثَّانية، 1416هـ، 1996م، تحقيق: محمَّد إبراهيم نصر، وعبد الرَّحمن عميرة.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط: الرابعة، 1395ه، 1975م.

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير اليماني، مؤسَّسة الرِّسالة، ط: الثَّالثة، 1415ه، 1994م، تحقيق: شعيب الأرناؤوط.

إجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1986، تحقيق: القاضي حسين بن أحمد السياغي وحسن محمد مقبولي الأهدل.

التحرير والتنوير، ابن عاشور، دار سحنون، تونس، 1997م.




موقف الفكر الحداثي من السنة النبوية

سلك الحداثيون مع السنة النبوية مسلكهم مع القرآن الكريم ونزعوا عنها صفة القدسية، وقد استندوا في موقفهم هذا على الشبه التي تثار حول ظنية السنة النبوية وقلة المتواتر وكثرة الآحاد، واحتمالية الخطأ والرواية بالمعنى، والكذب والاختلاط الذي قد يطرأ على الرواة أثناء روايتهم للحديث الشريف، إضافة إلى الوضاعين والمتزندقين الذين أكثروا من الكذب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، متناسين الجهود الكبيرة التي وضعها أئمة السنة لحماية السنة من التحريف، والعلوم التي ابتكروها لضبط الرواية، كعلم المصطلح والرجال والعلل وغيرها.

يعرّف الحداثيون السنة عدة تعريفات، فمنها على سبيل المثال ما قاله حسن حنفي في كتابه “دراسات إسلامية” إن السنة هي “مجموعة من المواقف التفصيلية التي يتحدد فيها سلوك الإنسان، والذي تظهر فيه القدرة كمحك للسلوك، هي مواقف إنسانية مثالية، وتجارب بشرية نموذجية، يمكن الاحتذاء بها إذا أردنا مزيداً من التعيين والتحديد في الواقع” [ص 408].

محمد شحرور

وعرفها محمد شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن” بأنها “منهج في تطبيق أحكام أم الكتاب بسهولة ويسر، دون الخروج عن حدود الله في أمور الحدود، أو وضع حدود عرفية مرحلية في بقية الأمور، مع الأخذ بعين الاعتبار عالم الحقيقة، الزمان والمكان، والشروط الموضوعية التي تطبق بها هذه الأحكام، معتمدين على قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج” [ص 549].

والمتأمل لهذين التعريفين يدرك كيف وُصفت السنة بأنها فعل إنساني محض، وهم يلمحون بذلك على أنها ليست وحياً من الله سبحانه وتعالى، أو ليست نصاً مقدساً لا يحتمل التأويل، وهذا التعريف والفهم مخالف لما فهمه علماء الأمة من السنة النبوية، الذين يرون أنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة على وجه التشريع.

فالحداثيون يرون أن السنة مجرد وصف للواقع المعاش لا أكثر، فكل نص فيهما جاز تأويله، إذ أنهما وجدا ليواكبا نشأة المجتمعات وتطوراتها، فلابد من تأويل أي نص يخالف واقع المجتمعات، فالنص عندهم يخدم المجتمع وينقاد له، وليس العكس.

يقول شحرور “ومن هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية، بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو أمر أو نهي أو إقرار”، ثم أوضح فكرته بقوله “هذا التعريف كان سبباً في تحنيط الإسلام” [الكتاب والقرآن، ص 548].

فالحداثيون يرون أن التزام الأمة بظاهر السنة النبوية، وظاهر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى تشتت المسلمين، وإلى كارثة في الفقه والتشريع الإسلامي، وأدى إلى تحجير الإسلام وربطه بالبيئة البدوية والصحراوية التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما جعله مجرد تراث موروث لا قيمة له واقعاً في حياة الناس، ولذلك لم يستطع المسلمون تحرير حاضرهم من ماضيهم.

وأما عن موقف الحداثيين من حجية السنة النبوية، فهم يرون أن السنة لا تصلح للمحاججة بأدلتها لكونها ظنية وليست قطعية، حيث قال حسن حنفي في مقال له في مجلة اليسار الإسلامي: “ولم أستعمل الحديث الشريف تأييداً للقرآن حتى لا يعترض أحد الأدعياء برواية الحديث وسنده ودرجة صحته، وتضيع القضية في مماحكات العنعنة، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد شيء في الحديث لا يوجد أصله في القرآن، والاعتماد على القرآن وحده هو الرجوع إلى الأصل أولاً، وهو أوعى وأشمل وأكمل”.

وهو بهذا النص يشبه إلى حد كبير أقاويل وشبه القرآنيين الذين يسعون وراء تنحية السنة النبوية، ومحاولة الاعتماد على القرآن الكريم لوحده دون غيره، ولا شك أن هذا المنهج بان فساده، وضعفت حجته، إذ لا يستقيم الأخذ بالكتاب لوحده، إذ السنة لطالما كانت وظائفها تتراوح بين تأكيد ما جاء في القرآن أو شرح مجمله أو المجيء بحكم تنفرد به دون القرآن الكريم، وقد بين العلماء ذلك بالتفصيل في كتب أصول الفقه.

مناقشة المغالطات
تدور مغالطات الحداثيين حول عدة أمور، منها:

1ـ مغالطتهم في المعنى اللغوي للسنة، حيث يخلطون بين المعنى اللغوي وبين المعنى الشرعي للسنة النبوية، ويحاولون سحب المعنى اللغوي على المعنى الشرعي، فهم يرون أن المعنى اللغوي لمادة: سسن، تدور حول الحركة والتغير والجريان، بينما في معناها الشرعي تدل على الثبات والسكون والجمود، وهذا استدلال عجيب، فالسنة لها معان كثيرة جداً في اللغة، وحصرها بهذا المعنى الذي يخدم أفكارهم خيانة علمية، وما زال علماء الأصول واللغة لا يفهمون منها معنى واحدا بل معان متعددة، أخذوا منها ما يناسب السنة النبوية.

2ـ رفضهم التعريف المتفق عليه بين علماء الأمة، وقد بنوا رفضهم هذا على مغالطتهم الأولى، فرأينا كيف رفض محمد شحرور وحنفي تعريف العلماء، واعتبروه أداة لتحنيط الإسلام وجموده، والصحيح أن السنة بخلاف ذلك تماماً، ففيها من المرونة ما يواكب جميع العصور، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، ومع مرونتها حافظت على الأصالة الإسلامية.

3ـ انتقاصهم للسنة النبوية، وذلك بذريعة أنها أدت لتدهور الإسلام، وهذا يرد عليه كما قلنا في المغالطة الثانية، وبأن السنة شارحة ومبينة وموضحة لما جاء في القرآن الكريم.

4ـ قولهم بمرحلية السنة النبوية، وأن ما جاء فيها من أحكام خاص بتلك البيئة الصحراوية التي نزل فيها النبي، أما واقعنا فلا بد فيه من أحكام جديدة تناسب تطوره ومتغيراته اليومية، فالسنة حسب رأيهم تتغير وتتبدل ولا يجوز أخذ ظواهر الأحاديث وتطبيقها في كل مكان وزمان.

5ـ عدم اعترافهم بحجية السنة، معتمدين في ذلك على أنها لا تنهي خلافاً لكثرة الخلاف حول الأحاديث، وطرق ثبوتها، وصحتها وضعفها، وقد تبين ضعف هذه الشبهة بجهود العماء الكبيرة في تنقيح السنة، وبيان ضعيفها، والضوابط التي وضعوها للقبول والرفض والاستدلال والترجيح بين الأحاديث.

ولاشك أن كل ما سبق من تلاعباتهم بالألفاظ، فالقرآن لا يكتمل ويتضح إلا بالسنة، فلا مفاضلة بينهما إلا في حالة التعارض وتقديم الأدلة على بعضها، أما أن يتم رفض أحدهما كلياً فهذا غير وارد أبداً في الفكر الإسلامي، وغير مقبول.

وسبب رفضهم وموقفهم السلبي هذا من السنة أن السنة النبوية غالباً ما تكون واضحة، وليست كالقرآن الذي غالباً ما يحتمل وجوهاً عدة، لإجماله، ثم تأتي السنة الكريمة فتشرحه وتوضحه، وتفصل مجمله، ويدل على ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بعث ابن عباس رضي الله عنهما لمحاججة الخوارج قال له: “اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين أنا اعلم منهم بكتاب الله، في بيوتنا نزل، قال صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة”.

وبذلك بين لنا سيدنا علي رضي الله عنه أن لا سبيل إلى إنكار السنة، أو إغفال شأنها بين مصادر التشريع الإسلامي، خاصة وان الله سبحانه وتعالى في القرآن ـوهو المصدر الذي يعتمد عليه الحداثيونـ أكد على مكانة السنة، فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92].

وبذلك يتضح لنا أن من أراد هدم الإسلام التجأ إلى هدم السنة وإنكارها، وهذا جزء من قراءة أهل الحداثة للتراث الإسلامي، وأن التناقض قد لحق منهجهم هذا ببيان القرآن الكريم بضرورة ولزوم اتباع السنة، ووجوب الأخذ بها.


المصادر والمراجع
التلخيص في أصول الفقه، الجويني، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، 1417هـ- 1996م، بيروت.

الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنة النبوية، غازي الشمري، دار النوادر، بيروت، ط: 1، 1433هـ، 2012م.

الحداثة وموقفها من السنة النبوية، الحارث عبدالله، دار السلام، القاهرة، ط: 1، 2013م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دفاع عن السنة، محمد محمد أبو شهبة، دار الجيل، بيروت، 1411هـ، 1991م.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

مجلة اليسار الإسلامي، حسن حنفي، العدد الأول، 1401هـ.




القرآن الكريم في الفكر الحداثي

يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.




التأويل الباطني (القاديانية نموذجا)

هناك الكثير من الفرق الباطنية التي انتسبت للإسلام، وحرفت أحكامه وعقائده، ولعل من أكثرها إيغالاً في التأويل الفرقة القاديانية، وهي من الفرق المعاصرة، فقد ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، واشتدت شوكتها في القرن العشرين، وكانت بداياتها على يد المستعمر الإنجليزي في الهند، فانطلقت على يد الميرزا غلام أحمد، الذي ولد في قرية قاديان التابعة لإقليم البنجاب، وتوفي في مدينة لاهور عام 1908م بعد إصابته بالكوليرا.

كانت لهذه الحركة صلة قوية بالمستعمر الذي عانى من شدة مقاومة المسلمين الهنود، فدعم الإنجليز غلام أحمد وأغروه بإصدار فتاوى لإسقاط الجهاد ضدهم، وذلك بعد أن اختاروه من عائلة قدمت خدمات جليلة سابقا للمحتلين.

التأويل في الباطنية القاديانية

مر الفكر القادياني بعدة مراحل حتى وصل إلى ما هو عليه، حيث بدأ غلام أحمد دعوته بمعاداة النصارى المبشرين، وبمعاداة ونقد الهندوسية، فلما ذاع صيته وتجمع حوله الناس ادعى بأنه ملهم من الله تعالى بالعلم الظاهر والباطن، وهذه الدعوة نجدها واضحة في كتابه “براهين أحمدية”.

ثم ألف غلام أحمد كتاب “فتح الإسلام” وادعى فيه أن عصر نزول المسيح قد حان، وأنه هو المهدي المنتظر الذي ينتظره المسلمون لإنقاذهم من الهوان، وقد صرح بذلك في الكتاب، بل صرح بأنه كليم الله الثاني بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الكليم الثاني خير من الكليم الأول.

ادعى بعد ذلك أنه يوحى إليه من الله، وأن باب الوحي لم يغلق، وأن من قال ذلك فقد أخطأ، وهذه الدعوة نجدها صريحة في كتابي “الدر الثمين” و”نزول المسيح”، بل أورد آيات زعم أنها أوحيت إليه في كتابه “الوحي المقدس”.

وتصرح جماعته على موقعها الإلكتروني باعتقادها بأن غلام أحمد كان يوحى إليه، حيث جاء على الموقع أثناء حديثهم عن إنكار حياة المسيح: “وقد أوحى الله تعالى إلى حضرة المؤسس عليه السلام أن عيسى عليه السلام ليس بحي، بل مات كغيره من الرسل”.

ومما يتأولونه ختم النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمرسلين، فيرون أن كونه خاتم الأنبياء لا يعني أنه لا يأتي بعده نبي أو رسول، وإنما يعني أنه لم يأت ولن يأتي مثله، بخصوصيته، من غير المسلمين، أما إذا وجد في أمته من تنزل عليه الفيوضات الإلهية فمن الممكن أن يكون نبياً مرسلاً، وهذا تحريف للفهم الإسلامي للنبوة وختمها برسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولهم تأويلات أخرى عجيبة يذكرونها على موقعهم الرسمي، ومنها أن الدخان -وهو من علامات للساعة- ليس سوى إشارة إلى ظهور الصناعات الجديدة والمعامل الكبيرة التي ينطلق من أبراجها الدخان الكثير.

والدجال عندهم هو الاستعمار الذي احتل العالم في القرن الماضي، وما زالت بعض الدول تكمل دور الدجال في ذلك من خلال احتلالها للدول والبلدان.

والدابة هي وسائط النقل الحديثة كالطائرات والقطارات والسيارات والبواخر التي حلت بدلاً عن الوسائل القديمة.

والجن هم الفئة الحاكمة للناس من الملوك والرؤساء والأمراء وغيرهم، وسموا بذلك لأنهم يستترون عن أعين الناس في قصورهم ونعيمهم، أو لأنهم يحجبون الناس عنهم ويمنعونهم من الوصول إليهم.

والإسراء والمعراج هما خروج المخلص في آخر الزمان، حيث يبلغ المسلمون مرحلة كبيرة من الجهل، فيرسل الله سبحانه وتعالى لهم من يخلصهم ويخرجهم، ويفسرونها على أنه خروج غلام أحمد، ويسمونها “البعثة الثانية”.

والجنة هي شعور الإنسان بالإيمان، وهي تنبع من باطنه، وليست شيئاً خارجاً عنه.

والجحيم هو شعور الإنسان بالكفر والفسق وخذلان الله تعالى له، ونار جهنم ما هي إلا الهموم والحسرات والآلام التي تأخذ بالقلب.

فهم يرون أن الجنة والنار ليستا ماديتين كما يرى جمهور المسلمين، وإنما منشأهما أمور روحانية نفسية.

مسجد “بيت الفتوح” لجماعة الأحمدية في لندن

تأويل الجهاد

غيّر أحمد القادياني نظرة أتباعه للجهاد، وحرف معناه الذي جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية، وكانت هذه من أجل الخدمات التي قدمت للإنكليز المحتلين.

وقد استخدم غلام أحمد عبارات توافق في ظاهرها ما عليه المسلمون، لكنه كان يسقطها على ما هو مغاير لما هي عليه في الحقيقة، وهذا تحريف للنصوص الشرعية، ولعب بمراداتها المطلوبة عند الفقهاء والعلماء، فهو يصرح أن الجهاد الأكبر لا يكون بالسلاح أبداً، وأننا لا يمكن ان نجاهد خصومنا وأعداءنا إلا بالقرآن وآياته، فاستخدام القوة ممنوع فيما يتعلق بأمور الدين، وحمل السلاح في الإسلام لا يباح إلا لقتال عدو دخل بلاد المسلمين، وأما حماية الدعوة الإسلامية فلا تكون إلا من خلال القرآن، وأن القرآن إنما انتشر بالحكمة وقوة الحجة لا بالسيف.

ميرزا غلام أحمد

وهذا الكلام يبدو جميلاً وموافقاً لعقيدة المسلمين من حيث الظاهر، ولكنه “حق أريد به باطل” فإنه قيل أيام الاحتلال الإنجليزي للهند، وكان يريد من ذلك أن يكف شباب المسلمين عن قتل الجنود الإنجليز الذين يدخلون الأسواق لشراء حاجياتهم، فكلامه جاء خدمة للإنجليز لا تقريراً لأحكام الإسلام.

قال غلام أحمد كما نقلوا عنه في الموقع: “إنه لمن المؤسف، بل من المخجل، أن نصادف إنساناً ليس بيننا وبينه عداوة أو معرفة سابقة، يشتري بعض الحاجيات لأولاده في بعض المحلات أو مشغولاً في بعض أعماله المشروعة الأخرى، فنطلق عليه النار بدون سبب أو مبرر، فنجعل زوجته أرملة وأولاده أيتاماً وبيته مأتماً، في أية آية من القرآن الكريم أو في أي حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ورد مثل هذا الأمر!؟”.

ومراده من ذلك عدم مقاتلة الإنجليز إلا في ساحات المعارك، فمتى تغلبوا وجبت طاعتهم، وهذا الفكر خطير جداً، إذا ما أردنا تطبيقه على الواقع الفلسطيني اليوم، فبناء على عقيدة القاديانية يجب على الفلسطينيين أن يطيعوا أوامر العدو الصهيوني لأنه متغلب.

وصرح بأن مقاتلة الإنجليز لا تكون إلا من خلال القلم والدعاء والفكر، لأنهم لم يمنعوا أحداً من الصلاة والصيام، ولم يغلقوا المساجد، ولم يأمروا النساء بترك الحجاب والعفة، ولم يمنعوا الزكاة والحج!


المراجع:
الموقع الرسمي للأحمدية القاديانية على الشبكة العنكبوتية: www.islamahmadiyya.net

القاديانية، الدكتور عامر النجار، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط: 1، 1425هـ، 2005م.

البيانات الكافية في خطأ وضلال الطائفة الاحمدية القاديانية، الكافي التونسي، طبع في دمشق، مطبعة التوفيق، 1301هـ.




المعتزلة الجدد

ظهرت الفرق الإسلامية وتبلورت أفكارها طوال قرون، وبقي منها ما بقي كأهل السنة والجماعة والجعفرية والزيدية والإباضية، واندثر منها ما اندثر كالظاهرية والمعتزلة وغيرهم، ولسنا في مقام بيان أسباب اندثار هذه الفرق فإنه مقام يطول الكلام فيه، بل نحن بصدد بيان محاولات بعث هذه الفرق من جديد في هذا القرن، بعد مضي قرون عديدة على اندثارها، وزوال أفكارها.

ولاشك في أن المعتزلة من أهم الفرق الإسلامية التي تركت أثراً في الماضي، وأئمة هذه الفرقة من الشهرة بمكان، وآراؤهم معروفة، ولكنها -ولأسباب كثيرة- اندثرت وبادت، وقد ظهر جيل من المثقفين اليوم ممن يتبنون آراء أئمة المعتزلة ويحاولون إحياءها من جديد، وسموا أنفسهم بالمعتزلة المعاصرة أو الجدد، وأخذوا ينظّرون لأفكارهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وأنشؤوا العديد من المواقع الإلكترونية التي تتحدث باسمهم.

أسباب ظهور المعتزلة الجدد
هذه المحاولات التي ظهرت لإعادة إحياء المنهج الاعتزالي تعود للعديد من الأسباب، منها:

1ـ إخراج التراث المعتزلي إلى العلن وإعادة طباعته من جديد، بعد أن كان مخطوطات على رفوف المكتبات العالمية، والقائمون على هذا العمل لا ينتمون إلى المنهج المعتزلي، بل غالبيتهم ينتمون للمذهبين الزيدي والسني، وغالب هذا التراث كان مبثوثاً في مكتبات اليمن، وما زال الكثير من التراث السني والمعتزلي والزيدي مخطوطاً ينتظر من يخرجه للعلن، ومن أهم الكتب المعتزلية التي طبعت موسوعة “المغني في أبواب العدل والتوحيد” و”المحيط في التكليف” و”تنزيه القرآن عن المطاعن” و”شرح الأصول الخمسة” وكلها للقاضي عبد الجبار، كما طبعت كتب الملاحمي المشهور بركن الدين الخوارزمي، وكذلك كتاب “الاستقصاء” لتقي الدين النجراني، وغيره من الكتب والمؤلفات التي ترجع لأئمة المعتزلة المتقدمين والمتأخرين منهم.

قال الشيخ أمين نايف عند بيانه للأسباب: “ما حنت عليه الزيدية في اليمن لقرب مذهبهم من الاعتزال، وإذ عثرت عليه البعثة المصرية في رحلتها لليمن عام 1951م، وكانت برئاسة الدكتور خليل نامي شكلت انقلاباً في التفكير في أمر المعتزلة وكأن تأثيرها قوياً” [انظر مقال: عودة المعتزلة، على موقعهم الرسمي].

2ـ الانحدار السريع الذي تعاني منه الأمة، وضعفها في مواجهة موجات الإلحاد، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي حيث أخذت نظريات التطور وغيرها بالانتشار شرقاً وغرباً، في حين وقف العالم الإسلامي منها موقف المنبهر والتائه، وبدا موقفه غامضاً منها.

3ـ إعادة إنتاج الخطاب الإسلامي الوعظي والبرامجي، والتسلح بسلاح العقل بعد إهمال العقل من قبل الفرق الإسلامية، حيث يتهم المعتزلة الجدد الفِرق الأخرى بالاعتماد على النص وإهمال العقل، أو الاعتماد على الخرافة وإهمال العقل، مما أدى إلى حالة الضعف العلمي بالأمة الإسلامية، ولذلك يرون وجوب إعمال العقل من خلال “النظر” الذي يرونه أول واجب على المكلف، وبالتالي نصل للتوحيد والعدل، وأخيراً إلى نهضة الأمة الإسلامية.

4ـ يؤمن بعض المعتزلة -وخاصة بعض منظريهم على مواقع التواصل- بنظرية المؤامرة الفكرية عليهم، وأن مذهبهم لم يندثر، إنما كان مبثوثاً هنا وهناك، حيث تم منعه من الظهور أصحاب الإسلام السياسي، أو كان مختبئاً وراء الأفكار العقلانية  والتنويرية التي يبثها بعض المفكرين، وبالتالي فهم غير غائبين عن ساحة الأمة الفكرية، ولكنهم كانوا ينتظرون الفرصة المناسبة للخروج، بحيث تسمح عقول شباب الأمة في تقبلهم بعدما تعرضوا للظلم على يد المدارس الإسلامية التي تسيطر على الساحة الإسلامية من خلال تشويه آرائهم وأقوالهم، والافتراء على أئمتهم وتشنيع مقولاتهم قديماً وحديثاً.

إمام المعتزلة الجدد
يعرف المعتزلة المعاصرة أنفسهم كما جاء في موقعهم الرسمي بأنهم: “كيان فكري، يعمل لإيجاد طريقة تفكير على أساس الإسلام عند المسلمين، ولتحديد منهج قويم لفهم القرآن الكريم، ولتوضيح معالم منهجية للتثبت من سنة الرسول صلوات الله عليه، وكيفية الاستدلال بها، وهي حركة قراءة إبداعية للتراث الإسلامي، وبالتالي في حركة في الأمة” [انظر مقال: المعتزلة المعاصرة، على موقعهم الرسمي].

ويشددون على ضرورة انفكاك الأمة الإسلامية عن التبعية الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية عن الأمم الغربية، وكذلك بعث روح الوحدة في الدول الإسلامية، لتأسيس دولة إسلامية تتحلى بالقوامة على أفرادها، قوامة الهداية والطمأنينة، ويرون أن الفكر المعتزلي هو الفكر الفاعل والقادر على القيام بذلك.

أمين نايف ذياب

ويعد الشيخ أمين نايف حسين ذياب “أبو ياسر” الأب الروحي والمنظر للفكر المعتزلي المعاصر، بل يسمونه “أمير المعتزلة”، وهو مولود في شهر شباط 1931م، وهو فلسطيني من حيفا، وقد عايش احتلال الصهاينة للأراضي العربية قبيل نكبة 1984م، بل يذكر عن نفسه -كما في الموقع الرسمي- أن والده كانت له علاقة قوية بثوار حيفا الذين كانوا يهاجمون المستوطنات اليهودية، ومن ثم انتقل إلى الأردن بعد النكبة، وانتسب لحزب التحرير الإسلامي.

وله عدة مؤلفات ضمن موسوعة جدل الأفكار وتتناول العديد من الأفكار وفق رؤية المعتزلة الجدد كالقضاء والقدر والمسيحية والسلفية والعقل والصحافة والقضية العراقية والمرأة والقومية العربية والأشعرية والخطاب النقدي عند المعتزلة والديمقراطية والليبرالية الغربية وموقفه من الوثائق الأمريكية السياسية وواجبات الدعوة، وغيرها من الكتب والمقالات والمؤلفات التي يتبلور من خلالها موقف المعتزلة الجدد من قضايا الأمة وما يدور في ساحتها من أحداث.

وشارك أمين نايف حسين ذياب في العديد من المنتديات والمؤتمرات والورشات العلمية، وتوفي في شهر حزيران عام 2006م، وترك وراءه العشرات والمئات من الشباب الذين يتبنون فكره الاعتزالي، ويعد باعث المعتزلة الجدد.

وفي هذا يقول: “لقد كان لحال التردي والسقوط التي عليها الأمة، دعوة إلى ظهور حركة المعتزلة بعد عشرة قرون من اندثار المعتزلة، ظهرت في الأردن عام 1990م، ثم توسعت في غير الأردن، ولا تزال الحركة دائبة الحركة تناضل وتكافح من أجل تصحيح ذاكرة الحركة، للعودة مرة أخرى لتتبنى منهج المعتزلة في فهم الإسلام، بنشر الفكر والجدل الحي فيه، وعرضه ليكون دعوة لاستئناف الحياة الإسلامية” [المرجع السابق].

هل الأمة بحاجة إلى المعتزلة الجدد؟
ربما تكون هناك أسباب خاصة للشيخ أمين نايف لتبنيه المنهج الاعتزالي ومحاولة بعثه، ولابد لنا أن نحمله على محمل حسن كغيرته على الأمة الإسلامية، ومحاولته الوصول إلى سبيل لإخراجها مما وقعت فيه من الانحطاط والضياع، وعجز الأمة عن الخروج من هذا المأزق، وذلك أخذاً بظاهر ما يقوله هو عن نفسه. إلا أننا لابد أن نناقش أسئلة أخرى، وهي:

هل الأمة بحاجة إلى المعتزلة اليوم؟

وهل قدم المعتزلة للأمة قديماً شيئاً جديداً تفردوا به عن بقية فرق الأمة أم لا؟

وهل دور العقل الذي سيقوم المعتزلة المعاصرة بتفعيله أهمله المسلمون؟

وماذا لو طرح الشيخ أمين نايف مشروعه التجديدي في دائرة أهل السنة بعيداً عن تمزيق الممزق، وتفتيت المفتت؟

أعتقد أن المتأمل لهذه الأسئلة سيجد الجواب جلياً في ثناياها، بل إن اندثار المشروع المعتزلي لعشرة قرون كاملة لهو أكبر دليل على أنه ليس حلاً لمشاكل الأمة، وخاصة إذا علمنا أن هذه العشرة قرون تخللتها مدة طويلة للانحطاط الإسلامي والضعف والتشتت، ونهض المسلمون من جديد بعيداً عن فكر الاعتزال.

وجميع ما يمكن أن يقدمه المعتزلة الجدد للأمة من الممكن القيام به انطلاقاً من أصول المذاهب الإسلامية الموجودة على الساحة اليوم، وبالأخص مشروع أهل السنة الكبير، الذي يجد المعتزلة فيه مجالاً كبيراً لإعمال العقل، وخاصة لدى أصحاب الفكر السني الأشعري والماتريدي الذين اهتموا بالعقل كثيراً وأولوه عناية خاصة، حتى تم اتهامهم بأنهم معتزلة ويقدمون العقل على النقل، بل اتُهموا بأنهم يجعلون العقل حاكماً على النقل.

وانطلاقاً من التبرير الذي قدمه المعتزلة الجدد لظهورهم، وهو النهوض بالأمة عن طريق تفعيل دور العقل، من الممكن نقض هذا الكلام، وذلك أن مشكلة الأمة ليست بإهمال العقل لوحده، بل إنها تقوم على شيئين:

1ـ إهمال العقل، الذي هو أداة التفكير ومناط التكليف، وهو ما يعتمده المعتزلة الجدد للقيام بالأمة الإسلامية من سباتها.

2ـ إهمال النقل، وهو ما أهمله المعتزلة قديماً وحديثاً، بل إن من أهم أسباب اندثار المعتزلة قديماً إهمالهم لعلوم القرآن والسنة، وتحكيم العقل على النقل، مما أدى إلى التصادم بينهما.

ولا يمكن أن تنهض الأمة اليوم إلا بما نهضت به أولاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وما تلاها من عصور سيادة للأمة على بقية الأمم، ولاشك أن الامة سادت بالقرآن والسنة أولاً، ثم بالعقل الذي حث النقل على تعزيزه، من خلال نصوص كثيرة تحث على التفكر والنظر والاستدلال.

وهناك أسباب كثيرة تجعل الأمة في حالة استغناء عن بعث المعتزلة من جديد، فأولويات الأمة اليوم إنما هو محاربة الإلحاد والعلمانية والأفكار المعاصرة التي تحارب الإسلام، وتحاول إثارة الشبه حوله كل يوم، وظهور المعتزلة إنما يعزز هذه الهجمة الإلحادية، من خلال عدة وجوه، ففيها إشغال لعقول المثقفين عن الأهم، وإرهاق لهم ولأفكارهم عن مدافعة الإلحاد والعلمانية التي هي أكثر الأمراض انتشاراً في هذا العصر، فضلاً عن إمعان التفرقة بين المسلمين، وكثرة تشتتهم.




غزل الفقهاء المسلمين

الصورة النمطية التي يُنظر فيها إلى العالِم المسلم هي صورة الجدية، وتناول الأمور بشكل رسمي، فلم يعتد المسلمون وغيرهم من عالِم الشريعة أن يتناول في حياته أموراً ربما يعتقد أنها من اللهو وإضاعة الوقت! إلا أن المتأمل لحال العلماء الربانيين يلحظ جيداً ذلك الجانب الآخر في حياته، بعيداً عن الفقه وتشعباته، وعلم الكلام ومقالاته، وبعيداً عن الوعظ والإرشاد، والترغيب والترهيب، بل هي الحياة الشخصية للعالم المسلم بما فيها من أدب وشعر ولهو وغيره.

والنقطة التي أود تسليط الضوء عليها في هذا المقال هي: موقف العلماء المسلمين من شعر الغزل خاصة، لما فيه من خصوصية في النفوس، وتأثير على الروح، لا سيما وأن غالبهم قد عايش البيئة العربية التي اتخذت من الشعر صناعة لها، وأقاموا له الأندية والأسواق الأدبية، بل كان عندهم ما يعرف بالنسيب، وهو أن يبدأ الشاعر قصيدته بمطلع غزلي يتغزل فيه بمحبوبته، حقيقة كانت أو وهماً، ولن أتكلم عن حال العرب مع شعر الغزل قبل الإسلام لكثرة ما كتب عنه، ولكنني أتكلم عن شعر الغزل في صدر الإسلام، وموقف علماء المسلمين منه عبر العصور، وهذا موضوع لم يُطرَق كثيراً.

ولا يشك عاقل في تلك الحالة النفسية التي يشعر بها الإنسان إذا قيل له: إن العالم الفلاني يمتهن شعر الغزل ويتغزل بالنساء. فهذه الحالة النفسية تتمثل بنوع من الشبهة التي ترتسم في مخيلته، ومن استغراب وتساؤل حول كون هذا العالم أصابه العشق والحب، واكتوى بناره، حتى أصبح العالِم المسلم الذي يقتحم هذا المجال من الفن والأدب والشعر موضع شبهة عند العوام وطلبة العلم، ولا يسلم من الغمز واللمز، إلا أننا سنحاول البحث عن حقيقة هذا الأمر، وسنجلي الصورة كما عرفها العلماء الربانيون، وكما أخذوها من الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولذلك قال الشيخ علي الطنطاوي: “قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين وقد سقط إليه عدد من مجلة الرسالة، فيه مقالة لي في الحب: ما لك والحب؟ وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب أو يعرضوا للغزل، إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزه الله نبيه عن الشعر، وترفّع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرح الشافعي أنه يزري بهم، ولو لا ذلك كان أشعر من لبيد…” [انظر: من غزل الفقهاء، ص: 5].

الغزل في عهد النبوة والخلفاء
لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم الشعر، ولم يتخذه صنعة، وقد نزهه الله عن أن يكون شاعراً، ونفى عنه الشعر وصنعته في القرآن الكريم، فقال: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}، وقد حمل ذلك بعض الفقهاء على محمل أن الشعر قبيح، ولذلك نزه الله نبيه عنه.

إلا أن المتأمل للآيات الكريمة التي تكلمت عن الشعر يجد أن الله تعالى نفى عنه الشعر لا لقبحه وإنما في مقابلة التهمة التي اتهم المشركون بها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث اتهموه بأنه شاعر، وأنه هو من قال القرآن الكريم، لينفوا بذلك أنه كلام رب العالمين، قال تعالى: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} [الأنبياء، 5]، وقال: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور، 30].

ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع للشعر، وكان يستدل به، بل استمع لكعب بن زهير وهو يلقي شعر الغزل بين يديه، ولم ينكر عليه فعله، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الفجر ثم جلس، فجاءه كعب فسلم عليه وألقى قصيدة طويلة فيها مدح للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان مطلعها غزلي بحت، فقال فيها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ         متيَّم إثرها لم يُفْدَ مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا          إلا أغنُّ غضيضُ الطرف مكحول

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة             لا يشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت               كأنه منهل بالراح معلول

وهذا غزل صريح، فيه ما فيه من التشبيه، ثم يسترسل كعب بنسيبه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي يسمع وينصت، ولم ينهره أو يسكته، بل كان مهتماً فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول له: لو قلت كذا وكذا، فدل ذلك على أنه كان ينصت.

ولا يحتج محتج بأن هذه القصة ضعيفة ولم تثبت فأكثر المحدثين على ثبوتها، بل بعض الفقهاء ألف كتباً في صحتها، كالشيخ إسماعيل الأنصاري الذي كتب “القول المستجاد في صحة قصيدة بانت سعاد”، وكذلك الدكتور سعود الفنيسان كتب “توثيق قصيدة بانت سعاد في المتن والإسناد”.

وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتمثل بشعر الغزل، وأن ابن عباس كان يجلس مع عمر بن أبي ربيعة، وهو شاعر الغزل المعروف والمشهور به، فكان يسمع منه، ويروي للناس شعره، ويتمثل به.

الغزل عند العلماء المسلمين
والأمثلة على ذلك كثيرة، وهي تبين موقف علماء من الأمة من هذه القضية بشكل قاطع، وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي في كتابه “من غزل الفقهاء” أمثلة على ذلك، فنقل عن الحسن البصري أنه كان يتمثل في مجالسه بقول الشاعر:

اليوم عندك دلها وحديثها                وغداً لغيرك كفها والمعصم

وانظر كيف يتكلم الحسن البصري عن دلالها، وحديثها، ولم يجد حرجاً في ذلك.

كما نقل عن سعيد بن المسيب أته سمع مغنياً يغني:

تضوَّع مسكاً بطن نعمان إن مشت            به زينب في نسوة خفرات

فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ سماعه، ثم راح يعارض هذا البيت بأبيات رائعة، فقال فيها:

وليست كأخرى أوسعت جيب درعها        وأبدت بنان الكف للجمرات

وعالت فتات المسك وخفاً مرجلا          على مثل بدر لاح في الظلمات

وقامت تراءى يوم جمع فأفتنت              برؤيتها من راح من عرفات

ومن الفقهاء الشعراء عروة بن أذينة، وهو فقيه محدث وشيخ الإمام مالك رحمه الله، وقد نقل عنه الكثير من شعر الغزل، ومنه:

إن التي زعمت فؤادك ملها            خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فبك الذي زعمت بها وكلاكما            يبدي لصاحبه الصبابة كلها

وهي قصيدة طويلة، من عيون قصائد الغزل العربي، ولما سمعها أبو السائب المخزومي حلف أنه لا يأكل بها طعاماً إلى الليل، وكأنه لما سمعها أكل وشرب، فاكتفى بها واستغنى عنهما.

وكان إمام المدينة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود شاعراً متغزلاً، وهو من الفقهاء السبعة للمدينة المنورة، وكان يقول شعر الغزل، ومنه:

شققت القلب ثم ذررت فيه             هواك فليم فالتام الفطور

تغلغل حب عشمة في فؤادي           فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب            ولا حزن ولم يبلغ سرور

وكان ابن المسيب إذا لقي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقول له: أأنت الفقيه الشاعر؟ فيقول: لابد للمصدور من أن ينفث، فلا ينكر عليه ابن المسيب.

ومن شعره أيضاً:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم        ولامك أقوام ولومهم ظلم

ونمَّ عليك الكاشحون وقبلهم             عليك الهوى قم نم لو نفع النم

وزادك إغراء بها طول بخلها          عليك وأبلى لحم أعظمك الهم

فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة       على إثر هند أو كمن سقي السم

ألا من لنفس لا تموت فينقضي          شقاها ولا تحيا حياة لها طعم

ومن الفقهاء الشعراء الغزليين أبي السعادات أسعد بن يحيى السنجاري، وهو من فقهاء الشافعية، ومن شعره الغزلي:

وهواك ما خطر السلو بباله           ولأنت أعلم في الغرام بحاله

ومتى وشى واش إليك بأنه             سال هواك فذاك من عذاله

ومنهم أيضاً الشيخ الشهرزوري الصوفي، ومن غزله:

فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفة              عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري

وغابت شموس الوصل عني وأظلمت         مسالكه حتى تحيرت في أمري

ومنهم الإمام ظهير الدين الأهوازي، ومن شعره:

وإني لأبدي في هواك تجلدا              وفي القلب مني لوعة وغليل

فلا تحسبن أني سلوت فربما             ترى صحة بالمرء وهو عليل

ومنهم إمام الصوفية في زمانه أبو القاسم القشيري، وهو فقيه كبير، ومفسر ومحدث، فقال:

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا              ورأيت كيف تكرر التوديعا

لعلمت أن من الدموع محدثاً           وعلمت أن من الحديث دموعا

ومن شعره:

ومن كان في طول الهوى ذاق لذة           فإني من ليلي لها غير ذائق

وأكبر شيء نلته من وصالها               أماني لم تصدق كخطفة بارق

وكذلك القاضي عبد الوهاب المالكي، وهو فقيه مالكي مشهور، وكان من شعره وغزله:

ونائمة قبَّلتها فتنبهت                       وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد

فقلت لها إني فديتك غاصب               وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها وكفّي عن أثيم ظلامة              وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد

فقالت قصاصاً يشهد العقل أنه           على كبد الجاني ألذ من الشهد

فباتت يميني وهي هميان خصرها      وباتت يساري وهي واسطة العقد

فقالت ألم تخبر بأنك زاهد؟               فقلت: بلى، ما زلت أزهد في الزهد

وأما القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز، الفقيه الشافعي، فمن غزله:

ما لي ومالك يا فراق                 أبداً رحيل وانطلاق

 يا نفس موتي بعدهم                 فكذا يكون الاشتياق

ومنهم أيضاً المؤرخ والفقيه الكبير ابن خلكان، ومن شعره:

أنا والله هالك               آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي         قد أقامت قيامتي

وأما الفقيه الظاهري محمد بن داود الظاهري فقد كان يتغزل ويقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي             وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمد من ثق�� الهوى ما لو أنه              يصب على الصخر الأصم تهدما

ومن فقهاء الشافعية الإمام أبي الفضل الحصكفي، ومن شعره:

أشكو إلى الله من نارين واحدة              في وجنتيه وأخرى منه في كبدي

ومن سقامين سقم قد أحل دمي              من الجفون وسقم حل في جسدي

وبذلك نرى أن العلماء المسلمين عاشوا حياتهم بكل جوانبها، ودل ذلك على أن شعر الغزل من المباحات، ما دام صاحبه قد اجتنب المحرمات، وهذا ما نقله الشيخ الطنطاوي رحمه الله، وهناك غيرهم الكثير، إلا أن المقام ليس للتطويل، بل للتدليل.

مؤلفات المسلمين في الغزل
لم يهمل العلماء المسلمون شعر الغزل بل كانوا يهتمون كثيراً بأخبار العشاق والمحبين، وأشعارهم، وأحوالهم، بل إنهم ألفوا في ذلك مؤلفات، فابن حزم كتب كتابه “طوق الحمامة” وهو في أخبار العشق والمحبين وأشعارهم، بل قد ملأه وحشاه من شعره الغزلي الذي كتبه هو، وابن حزم هو من هو في العلم والفقه، وصاحب كتاب المحلى الشهير.

وقال في خاتمته لما خاف الشبهة من متعصبيه: “وأنا أعلم أنه سينكر بعض المتعصبين علي تأليفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته، وما أحل لأحد أن يظن فيَّ غير ما قصدته، قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم” [طوق الحمامة، ص: 322].

وألف ابن القيم كتابه “روضة المحبين ونزهة المشتاقين” وهو سفر كبير فيه أخبار العشاق وأشعارهم وقصصهم، بل إنه قال: “والشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاقي سنة ماضية وسعي مشكور” [انظر: روضة المحبين، ص: 518].

وألف الجاحظ رسالة في العشق والنساء، وكتب الكندي رسالته المسماة بالزهرة، وهي في الحب والعشق وما شابهه، وألف ابن أبي حجلة ديوان الصبابة، وهو فقيه حنبلي، كما ألف داود الأنطاكي كتابه “تزيين الأسواق في أخبار العشاق”، نقل فيه الكثير من شعر الغزل، وكذلك ألف محمد صديق خان وهو العالم الهندي الكبير كتابه “نشوة السكران من صبهاء تذكار الغزلان”، والشيخ علي الطنطاوي ألف رسالته “من غزل الفقهاء”.

كما تكلم الغزالي عن شعر الغزل وأباحه، فقال الغزالي في الإحياء: “فأما النسيب وهو التشبيه بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر.. والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن، وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة، فإن نزله فلينزله على من يحل له من زوجته وجاريته، فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل”.




شبهات القرآنيين

يستمد المسلم أحكامه الشرعية وأوامره ونواهيه من المصادر التشريعية ومن أهمها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما جناحا التشريع الإسلامي، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما، ذلك أن السنة جاءت بشروح لِما جاء مجملاً في القرآن الكريم، وربما جاءت بعض الأحكام مؤكدة لما جاء به، وقد تأتي السنة بأحكام منفصلة عما جاء فيه القرآن.

وللأهمية الكبيرة التي تتولاها السنة النبوية في التراث الإسلامي الفقهي والعقدي، اهتم علماء الحديث بتنقيحها وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومن طالع كتب الحديث ومتونه سيدرك الجهد الكبير الذي بذل للحفاظ على السنة.

واستمر الفقهاء على مر العصور بالاعتماد على القرآن والسنة، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة “القرآنيين” التي أخذت تدعو إلى نبذ السنة والاعتماد على القرآن لوحده في استنباط الاحكام.

النشأة
ظهرت هذه الدعوة الباطلة في الهند والباكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية بتشجيع من المستعمر الإنكليزي، حيث سبب المسلمون قلقاً للإنكليز بسبب عدم إذعانهم لهم، فاستمال الإنكليز بعض رجالات الدين الإسلامي وشجعوهم على أفكار تخالف بديهيات السنة النبوية، ومنها نبذ السنة وحصر الدين بالقرآن، وهذا ما أدى بدوره إلى تأويل أحكام الإسلام بما يتناسب مع السياسة البريطانية في الهند، وكان من أهم رجالات الطائفة القرآنية:

أحمد خان

ـ أحمد خان: كان له قصب السبق في الدعوة لهذه الأفكار، وقد ألف كتباً عدة، منها تفسيره للقرآن الذي أول فيه تعاليم الإسلام بتأويلات باطنية لا تنسجم مع اللغة العربية التي نزل بها الدين، وادعى أن السنة النبوية لم تدون لأمد طويل، بل ظلت ذلك الأمد حبيسة الصدور، مما هيأ الأمر للزيادة عليها والنقص منها وتغيير محتواها ووضع الكثير منها ونسبة الكل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفقد الثقة في مجملها، وجعل الشك يشملها كلها.

ـ عبدالله جكرالوي: نسبة إلى بلدة “جكرالة” التابعة لإقليم البنجاب، وهو من رواد الطائفة، وله عبارة شهيرة تقول “هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم أما ما عداه من السنة فليس بوحي”، وكان مشهوراً بتبعيته للإنكليز وإخلاصه لهم، وقد تجسدت أفكاره بعد وفاته بظهور فرقة سمت نفسها “الأمة المسلمة أهل الذكر والقرآن”.

ـ أحمد الدين الأمرتسري: اعتمد إنكار السنة، وكانت له صلات بالقاديانيين، وقد أنشأ مجلة تتكلم باسم الجماعة.

ـ غلام أحمد برويز: أعلن موقفه المنكر للسنة في خطبة ألقاها بمسجده، وأنشأ مجلة “طلوع الإسلام” ونادي “طلوع الإسلام” وانتقل بدعوته إلى كراتشي، فتبعه خلق فيها.

ـ عبد الخالق مالوادة: كان رجل أعمال، وقد دعم الطائفة بالمال، وأنشأ حركة التثقيف الإنسانية.

شبهات القرآنيين
الشبهة الأولى: يزعم القرآنيون أن القرآن يكفي في بيان الأحكام الشرعية كلها، بجملتها وتفصيلاتها، وبذلك لا حاجة إلى السنة، ويستدلون بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38].

ولاشك أن هذه الحجة ضعيفة، ذلك أن الأمة اجتمعت على أن القرآن اشتمل على الدين مجملاً لا مفصلاً، ثم شرحته وفصلته السنة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب مثال على ذلك الصلاة، فقد وردت مُجمَلة في القرآن مفصَّلة في السنة.

الشبهة الثانية: يزعم القرآنيون أن السنة ليست وحياً، وإنما هي اجتهاد بشري للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهو يصيب ويخطئ فيها، فلا تصلح للاعتماد عليها، وعادة ما يستدلون بحادثة تأبير النخل الشهيرة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يتركوا النخل فلا يؤبِّروه ويلقحوه فأطاعوا أمره ففسد النخل، وخسر الناس ثمار نخيلهم.

والجواب عن هذه الشبهة يتبين من خلال ضرورة التفريق بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التشريعية وأفعاله بموجب بشريته، فحادثة تأبير النخل تتجلى فيها بشريته بشكل واضح، يدل على ذلك قوله بعد حادثة التأبير: “أنتم اعلم بأمور دنياكم”، وليس فيها تشريع، ولذلك أكد العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في أمور التشريع كما قال تعالى: {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3ـ 4].

الشبهة الثالثة: زعموا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال ليست لها صفة العموم الزماني والمكاني، إذ هي أحكام أصدرها الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وفقاً لظروف أصحابه الذين كانوا معه، وقد انقضى ذلك الزمان بأشخاصه وظروفهم وأحوالهم، وتغير الزمان وتغيرت الظروف، ومن ثم لم تعد تلك الأقوال والأفعال الخاصة بذلك الزمان صالحة لزماننا ولا لظروفنا، واستدلوا على شبهتهم بأسباب النزول وقالوا إنها كانت خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه الشبهة ضعيفة جداً، إذ لم يسبق أن فهم أحد من الأمة أن السنة خاصة بأيام النبي وأحواله، وأما أسباب النزول فيلزمهم بناء على كلامهم أن يرفضوا القرآن كذلك، لأن لآياته أسباب نزول، فقبول القرآن ورفض السنة تحكّمٌ لا دليل عليه، وعلماء الأمة لم يفرقوا بين الكتاب والسنة في قبول الأحكام الشرعية الواردة فيهما، فالقرآن وحي والسنة الصحيحة وحي كذلك.

الشبهة الرابعة: زعموا أن القرآن تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يُحرَّف ولم يبدل، فيجب الأخذ به، أما السنة فلم يتكفل الله بحفظها فضاعت ودخلتها شوائب وموضوعات، فوجب تركها.

والرد على شبهتهم هذه يكون ببيان أن القرآن هو وحي من الله لفظاً ومعنى، أما السنة فهي وحي من الله بالمعنى، وأما اللفظ فهو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاز روايتها بالمعنى، ولم يجز ذلك بالقرآن، وقد حفظ الله السنة النبوية وسخّر لها علماء بذلوا أوقاتهم من أجل تدوينها وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومتون الحديث كصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه ومئات الكتب غيرها تشهد لذلك.

 


أهم المراجع
القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، خادم حسين إلهي بخش، مكتبة الصديق، الطائف، ط: 2، 1421هـ، 2000م.

القرآنيون: مصلحون أم هادمون، عمرو الشاعر، مكتبة النافذة، 2009م.

القرآنيون: نشأتهم عقائدهم أبرز أعلامهم أدلة القرآنيين وتفنيدها، علي محمد زينو، دار القبس، دمشق، ط: 1، 1432هـ، 2011م.

إجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني، تحقيق القاضي حسين بن أحمد السياغي والدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1986.

قواطع الأدلة في الأصول، السمعاني، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1418هـ/1999م.




هيكل سليمان المزعوم

يعتبر الهيكل عند الشّعب اليهودي بمثابة الكعبة عند المسلمين، ولذا فهم يعملون ليلاً نهاراً لإقناع العالم بحقِّهم في التنقيب عن الهيكل والذي يعتقدون أنه يقع تحت المسجد الأقصى المبارك، وعمليات تهويد مدينة القدس عامة والتَنقيب تحت الأقصى  خاصَّة ما زالت مستمرَّة وتزداد كل يوم.

وما زال الصهاينة بهذه الحجَّة يزيلون الأحياء السَّكنية المنتشرة حول المسجد الأقصى، ومازالت الجرَّافات الإسرائيليَّة منذ عام 1967 وهي تمارس أشدَّ أنواع التَّخريب والإرهاب في حقِّ المقدَّسات الإسلاميَّة.

في التراث الإسلامي؛ بنى سليمان المحاريب لعبادة الله وحده لا شريك له ـوليس هيكلاً ليسكن فيه الرَّب كما زعم اليهودـ منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة ، والدليل قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} [ص:21] وقوله تعالى: {يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب} [سبأ:13].

وجاء في سفر الملوك الأوَّل أنَّ العمل انتهى في البيت في عام 763 ق.م، أي بعد 480 سنة من الخروج من مصر، فالخروج تمَّ في حدود سنة 1237ق.م، وذلك يعني أن الهيكل بدأ بناؤه سنة 757ق.م تقريباً، ووفاة سليمان كانت في حدود عام 910ق.م على اختلاف بين المصادر في ذلك، ولكن كل المصادر ذكرت سنة الوفاة بحدود هذا العام، أي أن البيت على فرض وجوده بني بعد وفاة سليمان بأكثر من 150 سنة.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

وهيكل اليهود كما جاء في التَّاريخ -إذا سلمنا جدلاً بوجوده- لم تدل على أنَّه ما زال موجوداً أي أدلَّة، بل بالعكس جاءت أدلَّة على تدميره، فضلاً عن أنَّ مكانه -على فرض وجوده- غير محدد، والآثار والجغرافيا تثبت ذلك كما سنرى. والذي جاء في المصادر التَّاريخيَّة أنَّه عندما انتهى سليمان من بناء البيت (وليس الهيكل) تضرَّع إلى الله ليحفظ البيت ويديم ملك إسرائيل، فأخبره الله بأنَّه لن يفعل ذلك إلَّا إذا حفظ اليهود عهدهم مع الله والتزموا بشرعه ووصاياه، وإلا فإنَّه سوف يدمِّر البيت ويشتِّت بني إسرائيل.

ولمَّا عاد اليهود إلى كفرهم وعنادهم وقتلهم لأنبياء الله وعبادة الأوثان في الهيكل أرسل الله إليهم من ينذرهم ويحذِّرهم من الأنبياء وأخبروهم بأنَّ الله سيدمِّر الهيكل ويسلِّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، وأخبروهم كذلك بالسَّبي البابلي لهم وأنَّهم إذا تابوا بعد السَّبي سوف يعيدهم الله إلى فلسطين مرَّة أخرى، وقد وقع كلُّ هذا فدمَّر الملك البابلي نبوخذ نصَّر (بختنصر) الهيكل وأحرقه وسبى اليهود إلى بابل، ثمَّ عادوا إلى القدس وبنوا الهيكل مرَّة أخرى في عهد قورش ملك فارس، ثمَّ تمَّ تجديده من قبل هيرودس في عام 20ق.م وبقي اليهود هكذا حتَّى أرسل الله المسيح عيسى بن مريم عليه الصَّلاة والسّلام، فوجدهم قد اتَّخذوا الهيكل سوقاً للصِّرافة والتَّعامل بالرِّبا وملهى لسباق الحمام ومعبداً للأوثان فطرد اليهود منه وأخبرهم بأنَّ الله سوف يدمِّر لهم الهيكل.

جاء في العهد الجديد أيضاً: “يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها و لم تريدوا هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا” [إنجيل متى: 23/ 37ـ 38].

وجاء أيضاً: “ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع أما تنظرون جميع هذه الحق أقول لكم إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض” [إنجيل متى: 24/ 1ـ 2].

والملاحظ أن عيسى عليه السلام لم يخبرهم بأنَهم سوف يعيدون بناء الهيكل وإنما أخبرهم بأنه سوف يتهدَّم فقط، وهذا وإن دلَّ على وجود الهيكل فإنه ينفي إمكانيَّة العثور عليه أو على مكانه.

وتحقَّق كلام عيسى عليه السلام، ففي عام 70م هجم تيطس الرُّوماني على القدس ودمَّر الهيكل كما جاء تاريخيَّاً ولم يُبق حجراً على حجر، وقتل أعداداً كبيرة وتشرَّد اليهود بعدها في البلاد وتشتَّتوا في أنحاء العالم، ثم فتح عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه القدس وحرَّرها من الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، وظلَّت القدس تتبع للمسلمين حتّى عام 1967م عندما احتلَّ اليهود المدينة، وكان ذلك بتدبير ومساعدة من الإنكليز النصارى ضمن وعد بلفور الذي منح لليهود قبيل الحرب العالمية الأولى عام 1917م، حيث تعهدت خلاله بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود، وقد اقترحت بريطانيا على اليهود في البداية أن تعطيهم أوغندا بدلاً من فلسطين ولكنهم رفضوا لاعتقادهم بأن فلسطين هي أرض المعاد لا أوغندا، وبعد أن تمكن اليهود من إعلان الدولة اليهودية برعاية أمريكية أخذوا يطالبون بحدودها ما بين الفرات والنيل.

وزعموا بعدها أن أنبياء بني إسرائيل أخبروهم بأنَّهم سوف يبنون الهيكل للمرَّة الثَّالثة -على حدِّ زعمهم- التي ستكون بعد العودة من الشَّتات، وهذا برأيهم تحقَّق بعد إعلان قيام الدَّولة اليهوديَّة سنة 1948، وهذا الزَّعم لم يأتِ في توراتهم أبداً وإنَّما الذي جاء أنَّهم يبنونه بعد السَّبي البابلي فقط.

ومنذ 1967م تتواصل الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى المبارك، وهي مستمرة حتى الآن ولكن كل ما وجدوه هو آثار أموية، وقد تبنت الجامعة العبرية التنقيبات برئاسة البروفيسور بنيامين مزار، وتمت على مراحل عدة متسببة بإحداث تشققات في جدران المسجد.

ومن وقتها مازالوا يسعون بأيديهم وأرجلهم لإقناع العالم بحقِّهم في البحث والتَّنقيب عن الهيكل وبالتَّالي هدم المسجد الأقصى المبارك، لا سيما عن طريق الأمم المتَّحدة التي سيطرعليها اليهود فلم تعد قادرةعلى فعل شيء إلَّا ضمن مصالح اليهود الذين صوَّروا للعالم بأنَّهم مظلومون،  وخاصَّة بعد المحرقة التي قام بها هتلر لليهود في ألمانيا النَّازيَّة إبان الحرب العالميَّة الثَّانية، والتي يشكك كثير من الباحثين بأرقام ضحايا المبالغ فيها.

يهود أرثوذكس يتجمعون للصلاة عند حائط البراق (المبكى) وهو جزء من الجدران الخارجية للمسجد الأقصى

حائط المبكى
هو الحائط الغربي من الحرم القدسي، ويسمِّيه المسلمون حائط البراق، ومنه عرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى السَّماء في حادثة الإسراء والمعراج.

يزعم الصهاينة اليوم أنه جزء من السُّور الخارجي للهيكل حتى جعلوه من أقدس مواقعهم اليهودية في الوقت الحاضر، ولم تكن له تلك الأهميَّة قبل وعد بلفور وإنما كان يحظى ببعض الزيارات المتقطِّعة، ثم عظمت الصهيونيَّة هذا المكان في أعين اليهود.

اختلفت الرِّوايات في سبب تسميته بهذا الاسم، فقيل لأن الصَّلوات عنده تأخذ شكل عويل ونواح، وقيل في إحدى الأساطير اليهوديَّة أنَّه سمِّي بذلك الاسم لأنه كان يذرف دمعاً يوم هُدم على يد تيطس.

يبلغ طوله 49 متراً وارتفاعه 12 متراً، وبالرَّغم من ترسُّخ صورة حائط المبكى في الوجدان اليهودي والصهيوني فإنَّ الحاخام هيرش الذي يعيش في القدس على بعد أمتار من الحائط يرفض زيارته ويؤكِّد أنَّ تقديس الحائط ما هو إلَّا حيلة من الحيل السِّياسيَّة للصهيونيَّة.

الجغرافيا والآثار
رأينا سابقاً الطَّريقة التي بنى بها سليمان الهيكل المزعوم كما جاءت في العهد القديم، ورأينا أيضاً الأرقام الدقيقة التي نقلت عن الهيكل.

ترى التَّوراة بنسختها المتوفرة اليوم أن الهيكل بني على بقعة سهليَّة في بيت المقدِس، فإذا قارنا بين المساحة الجغرافيَّة الحقيقيَّة في البيت المقدس وبين المساحة التي بني عليها الهيكل نجد أنَّه لا توجد بقعة سهليَّة في بيت المقدس تسع لبناء هذا البيت المزعوم، وذلك للطَّبيعة الجبليَّة التي تتميَّز بها القدس، فالمساحة المزعومة في التَّوراة لا تتطابق مع المساحة الجغرافيَّة لبيت المقدس، ويكفي أن ترجع إلى الإصحاح السَّادس من سفر الملوك الأوَّل لتلاحظ ذلك، ولك أن تجمع عدد الأذرع التي جاءت في ذلك الإصحاح لترى حجم المساحة الكبيرة التي بني عليها الهيكل ورواقه، هذا عدا مرابط الخيول التي بنيت خارج هذا الهيكل وبيت سليمان الذي بناه ليسكن فيه ورواقه، فمن غير المنطقي اندثار بناء بهذا الحجم تحت التُّراب فلا يبقى من آثاره شيء، بالرَّغم من الزعم بأنه أُعيد بناءه أكثر من مرَّة، مع العلم بأنَّ مدينة القدس لم تُهجر ولم تخل من السُّكان لفترات طويلة حتى يقال بإمكانيَّة اندثاره إذا قلنا بوجوده.

وترى التَّوراة المحرَّفة أن الهيكل بني من الحجارة الصحيحة وخشب الأرز المستورد، وأنَّ الذين شاركوا في بنائه بلغوا 30 ألف مسخَّر من العبيد، وهذا يعني أن الحجارة كانت موجودة وجاهزة عند بناء الهيكل، وكأنهم نزعوها من بيوت مهجورة، وتدل على ذلك كلمة مقتلعة.

جاء في العهد القديم: “والبيت في بنائه بني بحجارة صحيحة مقتلعة ولم يسمع في البيت عند بنائه منحت ولا معول ولا أداة من حديد” [سفر الملوك الأول: 6/7]. في حين أننا نجد في نصوص أخرى أن الحجارة كان ينحتها بناؤو سليمان وكان له سبعون ألفاً ممن يحملون الأحمال وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل، حيث جاء في العهد القديم: “فنحتها بناؤو سليمان وبناؤو حيرام والجبليون وهياؤو الأخشاب والحجارة لبناء البيت” [سفر الملوك الأول: 5/18].

وجاء في مكان آخر: “وكان لسليمان سبعون ألفاً يحملون أحمالاً وثمانون ألفاً يقطعون في الجبل” [سفر الملوك الأول: 5/15]. وهذا كله تناقض في العهد القديم.


أهم المراجع

الكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد.

خطر التوراة على الكتّاب العرب المحدثين، فضل بن عمار العماري، مكتبة التوبة، الرياض، ط: الأولى، 1419 هـ، 1998م.

القرآن والتوراة، حسن الباش، دار قتيبة، د/ط.

المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، محمد علي البار،الدار الشامية، بيروت، ط:الأولى، 1410هـ، 1990م.

التاريخ اليهودي العام، صابر طعيمة، دار الجيل، بيروت، ط: الثالثة، 1411هـ، 1991م.

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، ط: التاسعة، 2009م.

خدعة هرمجدون، محمد إسماعيل المقدّم، دار بلنسية، ط: الأولى، 2003م.

أورشليم قاتلة الأنبياء، محمود الشرقاوي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د/ط.

المجتمع اليهودي، زكي شنودة، مكتبة الخانجي،القاهرة، د/ط.

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية، ط:الرابعة، 1420هـ.

بيان لإخواننا المسلمين البراق قطعة من المسجد الأقصى، من دون ذكر اسم المؤلف، دار الأيتام بالقدس.




هل يعبد الإيزيديون الشيطان؟

يطلق على ديانة الإيزيديين العديد من الأسماء كاليزيدية، والأزداهية والعدوية، وقد اختلف في سبب هذه التسميات؛ إلى أقوال كثيرة، والأرجح أنهم ينسبون إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، لأن الإيزيديين ينسبون أنفسهم إلى الإمام عدي بن مسافر وهو من أئمة أهل السنة والجماعة من المسلمين، وهو ممن يرى الولاية ليزيد بن معاوية، ونصوصهم المقدسة تدل على أنهم انشقوا عن المسلمين السنة لكثرة ورود ألفاظ السنة فيها والألفاظ الصوفية، فهم في الأصل فرقة صوفية تطورت عبر الزمن فوصلوا إلى ما هم عليه اليوم.

وينتشر الإيزيديون في العراق وسوريا بشكل أساسي، وقوتهم البشرية في العراق في منطقة الشيخان وسنجار، ولهم بعض القرى في سوريا، وهم من المذاهب المنغلقة التي تكتسب بالتوارث، فلا مجال فيه للتبشير؛ فالإيزيدي هو من ولد لأبوين إيزيديين فقط.

ومن المعروف عند الباحثين أن الإيزيدية جمعت عقائدها من عدة أديان، وخاصة إذا علمنا أن كل أتباعها من الأكراد الذين كانوا قبل الإسلام على الديانة المجوسية، ثم أسلموا، ومناطقهم مليئة بالنصارى المسيحيين، ولذلك فديانتهم ملفقة من أديان عدة، ومن أهم كتبهم المقدسة كتاب “الجلوة إلى أصحاب الخلوة” و”مصحف رش”.

معبد لالش الذي يضم قبر عدي بن مسافر في العراق (Vindheim)

عقائدهم وعبادتهم
ومن معتقداتهم التي يصرحون بها أنهم يؤمنون بالله تعالى، ويسمونه “خودي” أي الإله، ويزعمون في كتبهم أنهم موحدون، إلا أنهم يذكرون العديد من الآلهة في كتبهم، ربما على طريقة مشركي العرب الذين كانوا يعبدون الأصنام ويؤمنون بالله تعالى في نفس الوقت، فعقيدتهم متناقضة في ذلك كثيراً، ومن الآلهة التي يؤمنون بها: “بري آفات” إله الفيضانات، و”خاتونا فخران” إلهة الولادة عند النساء، و”شيخ عبروي” إله البرق والرعد، و”شاه سوار” إله الحرب والفروسية، وغيرهم الكثير من الآلهة.

يؤمنون أيضا بالرسل ويعتقدون أن الله هو أرسلهم إلى الخلق، كما يؤمنون بتناسخ الأرواح، ونصوصهم في كتبهم واضحة، وربما هو من بقايا العقيدة المجوسية التي بقيت في نفوسهم، حيث جاء في كتاب الجلوة: “وما أسمح لأحد بأن يسكن بهذا العالم الأدنى أكثر من الزمن الذي هو محدد مني، وإذا شئت أرسله تكراراً ثانياً وثالثاً إلى هذا العالم أو غيره بتناسخ الأرواح”.

ويؤمن الإيزيديون بالحلول، أي: حلول الله تعالى في كل الأماكن، فقد جاء في كتاب الجلوة: “ما يخلو عني مكان من الأمكنة، مشترك أنا بجميع الوقائع التي يسميها الخارجون شرور لأنها ليست موضوعة حسب مراميهم”.

ومن بقايا أثر الإسلام لديهم نص الشهادة، وهو: “الله هو هو، لا يأكل ولا ينام، أشهد وأؤمن به، وبطاووس ملك، شهادة ديني الله أحد، طاووس ملك حبيب الله حقا…”، كما نجد لديهم ألفاظا تدل على أصلهم الإسلامي مثل “أهل السنة” و”الروافض” و”الكفار” و”زمزم” و”الكعبة”.

وهم يصلون أربع صلوات في يومهم، مع الاتجاه نحو الشمس، ولديهم حج خاص في وادي لالش شمال الموصل، حيث يرقد الشيخ عدي بن مسافر، ويسمون الجبل هناك “عرفات”، كما يصومون في كانون الأول ثلاثة أيام.

 

حقيقة عبادة الشيطان
ينتشر بين الناس أن الإيزيديين يعبدون الشيطان ويسمونه “طاووس ملك”، إلا إنهم لا يعترفون بذلك، وينكرون عبادتهم له، ويعترفون بأنهم يعظمونه لأنه رفض السجود لغير الله تعالى، وأنه هو من طبق وصية الله بعدم السجود لغيره.

أما كلمة “طاووس” فالبعض يردها إلى أنها كلمة كردية مؤلفة من مقطعين؛ الأول “tav” أو “ta”، وهذا المقطع يعني بالكردية: نور الشمس وحرارتها، والمقطع الثاني “us” وهو اسم الآلهة الإغريقية، وتصبح بعد الترجمة للعربية: نور الله أو الإله.

فهم يزعمون أنهم يقدسونه لأنه حفظ الوصية لله تعالى، ويورد الإيزيديون قصة لذلك يقولون فيها أنه عندما خلق الله تعالى إبليس مع الملائكة أمرهم ألا يسجدوا لغيره، وعندما خلق آدم عليه السلام أمرهم الله بالسجود له؛ فقال عزازيل “الشيطان” لله تعالى: ربي: أنت أوصيتنا ألا نسجد لغيرك، فكافأه الله تعالى فوضع الطوق الذهبي في عنقه وجعله رئيساً للملائكة، وبات اسمه: “طاووس ملك” كما يسمونه إلى الآن.

ومن القصص التي يذكرها الإيزيديون عن تعظيم الشيطان أو “طاووس ملك” ما ذكره القوالون -وهم طبقة دينية في المجتمع الإيزيدي- والقصة مذكورة في كتابهم المقدس وتقول: إن الله تعالى غضب على سيدنا عيسى عليه السلام فحبسه في الجب “البئر” ثم وضع على فتحة الجب صخرة عظيمة، وبدأ بعدها عيسى عليه السلام بالاستغاثة بالأنبياء والرسل لكنهم لم يتمكنوا من نجدته، فمر عليه أحد معارفه وهو في الجب فناداه: مسكين يا عيسى لماذا لم تستغث بطاووس ملك، فهو وحده يقدر على تخليصك من هذا السجن؟ فلما استغاث به أدركه وأخرجه من الجب العميق ورفع الصخرة وأخلى سبيله.

وبعد ذلك لاقى عيسى الله سبحانه وتعالى في السماء؛ فسأله: من أخرجه من الجب وأتى به إلى هنا؟ فأجابه: طاووس ملك، فلما سمع ذلك تغاضى عنه وذهب في سبيله ولم يتكلم بشيء بعدها!

ويعتقد الإيزيديون بأن الملائكة لم تر الله تعالى، ولكنهم يؤمنون بقدرته، لذلك عندما وقف طاووس ملك وهو رئيس الملائكة يعبد الله ويمجده قائلاً: يا رب علا شأنك وعلا مكانك وعلا سلطانك، يا رب دوماً أنت الإله، أنت الكريم وأنت الرحيم، ويا رب دوماً أنت الإله، ودوماً يليق الحمد والثناء بك.

وكل عبارات الألوهية يوجهها الإيزيديون إلى الله تعالى، كما هو موجود في كتبهم المقدسة، حتى تلك الألفاظ التي وردت في كتابهم المقدس والتي تنسب الألوهية للشيطان فيقولون إنهم لا يفسرونها على ظاهرها ولا يعتقدون بها حقيقة، وإنما يعدون “طاووس ملك” رئيساً للملائكة وأقرب الأقربين من الله تعالى، فهو حسب اعتقادهم الذي أنزل آدم من الجنة بعد أن أكل الحنطة، ويمنعون قول “شيطان” أو “شر” أو أي كلمة مشتقة أو قريبة من لفظ “شيطان”.

وبذلك يمكن القول حسب المُعلن من عقيدتهم أنهم لا يعتبرون الشيطان إلهاً يعبدونه وإنما يعظمونه ولا يرفعونه لدرجة الألوهية، وذلك بناء على ذكرته المصادر المنشورة، بينما يعترف بعض الإيزيديين بعبادتهم للشيطان، وخاصة أولئك الذين يسكنون القرى المهملة تعليمياً واقتصادياً، حيث يسيطر عليهم الجهل والفقر.


أهم المراجع
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، مانع الجهني، دار الندوة، ط 4.

اليزيدية، بحث مقدم في كلية الشريعة جامعة دمشق، الباحث صهيب محمد، 1434هـ، 2013م.

اليزيدية، سعيد الديوه جي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط: 1، 2003م.

www.noonpost.org

www.al.qantara.de