1

كيف فضح إبراهيم السكران تتلمذ الحداثيين العرب على المستشرقين؟

في كتابه “التأويل الحداثي للتراث” يضع الأستاذ إبراهيم السكران بين يدي القارئ وثيقة متقنة في نقد الاستشراق والأجواء التي رافقت نشوءه في الغرب، ثم يعمد إلى عقد مقارنات بين ما جاء به المستشرقون وما توصل إليه الحداثيون العرب، ليخلص إلى وصف الحداثيين العرب بـ”الشرّاح”، وهو لفظ لا يخلو من تهكم.

وهو في سرده لأقوال الحداثيين العرب وتبيان حالة الانبهار التي كانت واضحة في كتبهم، على اختلاف مشاربهم، يأخذ بيد القارئ ليوصله بنفسه إلى أن النتاج الحداثي العربي ودعوات إعادة قراءة التراث في مجملها إن لم يكن كلّها صورة مكررة لما جاء به المستشرقون، وتلقفها الحداثي العربي.

يقع الكتاب في حوالي 448 صفحة، بوّبه في أربعة أبواب، جعل الأول توطئة للحديث عن الأجواء التي سبقت الحالة التأويلية التي سلكها الحداثيون العرب، مبينًا أن الخطة التي كان من المفترض أن يسير عليها “الشرّاح”، إعادة قراءة التراث بمعنى إعادة صياغة العلوم الإسلامية بالمناهج الإنسانية الحديثة، إلا أن المسار انحرف عن غايته لينصبّ على قراءة الموروث الفلسفي الغربي وتبني نظرياته برمتها.

وهو إذ يعرض في كتابه للكثير من اقتباسات عرّابي التراث الفلسفي الغربي، فهو يعرض في مقابلها منابعها الرئيسية في كتب المستشرقين ويسبكها في النص سبكًا متقنًا، ومع أن الكاتب أسرف بإيراد النقولات والأسماء، إلا أن مهارة السبك ووضوح الفكرة والغاية حالت دون ملل القارئ. 

يخلُص الكاتب إلى أن المشاريع التأويلية للتراث مستمدة من أعمال المستشرقين استمداد المقلّد الذي لم يأت بجديد، بل تجاوز الأوائل في نسف الكليّات، فكان من الطبيعي جدًا أن يتبنى الحداثيون العرب موقف الحداثيين الغربيين ويخلصوا إلى إحدى نتيجتين:

  • التوفيد: بمعنى رد التراث الإسلامي إلى كونه اقتراضا من حضارات سابقة كتابية أو فارسية، وهذا كلّه إنما يخضع للهوى بلا دليل يدعم فرضيتهم.
  • التسييس: أي ردّ التراث الإسلامي إلى كونه حصيلة صراع سياسي، فرض أجوائه على كل مجالات العلوم الإسلامية في العقيدة والفقه وعلوم الحديث.

وقد أسهب الكاتب في شرح هاتين النتيجتين “التوفيد والتسييس” وأفرد لهما بابين في كتابه.

ويتحدث الكاتب عن تألق علم “الفيلولوجيا” في القرن التاسع عشر في الأوساط الغربية، وتوظيفهم لأدوات هذا العلم في دراسة الشرق وثقافته، بل إن المستشرق غولدزيهر يرى أن دراسة الشعوب الشرقية وثقافتها بأداة فيلولوجية هي مهمة المستشرق الرئيسية.

ويتساءل عن السبب الذي جعل المستشرقين منكبين على الأداة الفيلولوجية في دراسة الشرق، إذ يعيد السبب إلى ضيق الوقت، فالمستشرق يتفرغ لتعلم لغة أجنبية ودراسة المخطوطات ما يأخذ منه وقتًا وجهدًا كبيرين.

جعل السكران التعاطي مع العلوم الإسلامية في قسمين:

  • المحور الموضوعي: وهو تحليل أفراد مسائل العلم واحدة واحدة، وهو مجال اهتمام طالب العلم الشرعي.
  • المحور التاريخي: وهو مراقبة سير وتطورات هذا العلم، وهو مجال اهتمام المثقف العام الذي يهتم بنشأة علم ما، والمراحل التي مرّ بها.

واعتبر الكاتب أن أهم مؤسسي ومنظري “التاريخ الثقافي”: بوركهارت، ديلتاي، رودي بارت، ألفرد فون كريمر، وواردنبرج.

جورجي زيدان

ثم يسهب الكاتب في الحديث عمّا سمّاه البرامج العربية الشاملة لتاريخ التراث، والتي يرى أن رائدها اللبناني جورجي زيدان الذي لا يخفي اقتباساته عن المستشرقين، ومن بعده المصري أحمد أمين في سلسلته الشهيرة  “فجر الإسلام” التي يرى السكران أنها كادت أن تكون إضافة رصينة في “تأريخ التراث”، لولا الحالة الانهزامية التي تلبّست أحمد أمين في نقوله عن المستشرقين[1]، ويؤخذ على الكاتب تطرقه لحياة أحمد أمين الدينية الخاصة، والتي نقلها ابنه جلال أمين، وعن الجدوى من ذكرها في معرض نقد منهجية أحمد أمين.

ثم ينتقل إلى الحديث عن مرحلة ما بعد جرجي زيدان وأحمد أمين، في مرحلة السبعينات والثمانينات، والتي كانت مشروعات يسارية جاء أصحابها من خلفيات ماركسية أشهرهم: الطيب تيزيني، حسين مروة، أدونيس، حسن حنفي، ومحمد عابد الجابري.

أمّا روّاد القراءات الحديثة الجزئية، التي أخذت حقلًا محددًا فهم: محمد أركون، فهمي جدعان، عبد المجيد الشرفي، عبد المجيد الصغير، ووائل حلّاق.

ويعرّج الكاتب في الفصل الأخير من الباب الأول للحديث عن التطورات التي طرأت على الاستشراق في مرحلته الأخيرة، أي في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي برزت فيها مدرستا “انثربولوجيا الإسلام”، والتي تهتم بدراسة المجتمعات المسلمة المعاصرة بتوظيف بعض النماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، و”مدرسة المراجعين الشكوكيين” التي تقوم أساسًا على الشك في كل المصادر الإسلامية، والبحث في مصادر تاريخية أخرى رافقت الحقبة الزمنية لظهور الإسلام، مما يدفعنا للعجب من هذا المنهج الذي يرفض الأخذ بالمصادر التاريخية الإسلامية، في حين أنه يقبل بالمصادر اليهودية أو النصرانية، (مدرسة المراجعين في حقيقتها هي مستوى من المزايدة في الشكيّة على دراسات المستشرقين الفيلولوجيين).[2]

ثم يعرض الكاتب لمجموعة من الآراء التي تتناقلها أوساط مدرسة المراجعين، والتي تدعو للعجب من الجرأة التي يتمتع بها أصحاب المدرسة حين يطرحون آراءهم الشاذة، مثل “إنكار وجود النبي محمد صلى الله عليه وسلم تاريخيًا، وأن مكة ليست في الحجاز وإنما في الأردن، والقرآن من بنات أفكار الحجاج”، معتمدين في ذلك على لعبة التشابهات اللغوية.[3]

تقنية التوفيد
تتلخص فكرة التوفيد في نسب كل العلوم الإسلامية لحضارات وأديان سابقة على ظهور الإسلام، وهو ما يعرف “بالنظرية الإرجاعية”، وأن المسلمين أعجز من أن يأتوا بمثل تلك العلوم.

كارل بروكلمان

ولم يقتصر الأمر على عزو العلوم الإسلامية في كلّياتها إلى من سبق، بل أرجعوا العلوم الحقلية أيضًا، حتى وصل الأمر إلى الادعاء بأن كل مسألة في الفقه الإسلامي يلمس فيها القارئ أعمدة اليونان، فالمستشرق بروكلمان يرجع الشعائر الدينية الإسلامية للاقتباس من أهل الكتاب، وحتى حين عجز عن التبرير لاختلاف كيفية الصوم الإسلامي عن المسيحي، برّر قوله بأنه لا يدري ممن اقتبس النبي محمد فريضة الصوم، هل من الفرق الغنوصية أم المانيين؟

إن القارئ لهذه السياسة الإرجاعية يلمس تكلفًا واضحًا وسمجًا في عملية الإرجاع، فقد وصل الغلو ببعض المستشرقين إلى أن أرجع بعض المواقف العاطفية التي مرّ بها الصحابة إلى أصول نصرانية، على اعتبار أن تلك المشاعر الرقيقة لا تتناسب مع مزاج العرب الغزاة، وهو ما يمثل ذروة التطرف لدى المستشرقين، وقد أسهب الكاتب في هذا الفصل بذكر أمثلة عن هذه السياسة التكلّفيّة، التي لا تخضع لأية معايير منهجية.

 يعرّج بعدها على فصل أفرده للحديث عن إعادة التصنيع العربي للتراث، وقاد تلك التعميمات المستهلكة -كما يصفها- محمد الجابري الذي قال إن علوم الكتاب والسنة في عصر الصحابة إنما هي صادرة عن الموروث الجاهلي.

أمّا أحمد أمين فقد جعل عقيدة السلف في إثبات الصفات الإلهية الاختيارية نظرية مستوردة من اللاهوت اليهودي، وغيرها.

تقنية التسييس
من الأقسام المهمة في الكتاب، والتي يرصد فيها الكاتب الأداة التفسيرية الثانية عند المستشرقين وشرّاحهم الحداثيين العرب، وهو افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي.[4]

وهم في هذه التّهم يجرّدون علماء المسلمين من وازعهم الأخلاقي والديني، ويجعلونهم ورقة سهلة في يد الحكّام، يوجّهونهم حيث يريدون من غير أن يخرج أحد عن طوقهم، مع أن المنطق يرفض مثل هذا الطرح، إلا أن تلك النظريات راجت بين أواسط الحداثيين العرب، وتشرّبتها كتبهم ومؤتمراتهم.

ولربما كان الفصل الثالث من هذا الباب من أمتع الفصول حين أورد عدة مسائل وضعها تحت عنوان “مناقشات”، وإنّ القارئ ليتمنى أن يطول النقاش فيها أكثر، على أن غاية الكتاب لم تكن مناقشة تلك المسائل بشكل تفصيلي.[5]

استشراقيات المحنة
وهو الفصل الأخير من الكتاب، والذي أفرده للحديث عن محنة الإمام أحمد بن حنبل، والأطوار التاريخية التي تناولت قضية الإمام من جهة، وقضية المعتزلة من جهة أخرى، حيث أرجع التعامل الاستشراقي مع المعتزلة إلى عدة أطوار:

  • تعامل المستشرقين مع المعتزلة بوصفهم نسخة تجسدهم في تاريخ التراث، حتى شاع بين أوساطهم مساواتهم بين الليبرالية والمعتزلة.
  • مرحلة وولتر باتون المستشرق الكندي، الذي طرح رسالته للدكتوراه بعنوان “أحمد بن حنبل والمحنة”، الكتاب الذي صار له ثقله بين أوساطهم، والذي كان المحرك الأساسي لتغيير النظرة السابقة التي صورت الفكر الاعتزالي فكرًا يوازي الحرية الليبرالية، حيث كشفت عن الطرق التفتيشية التي فرضتها السلطة الحاكمة آنذاك.
  • تشييع المحنة: مصطلح أطلقه الفرنسي سوردل، والذي تبنى نظرية “المحرك الأساسي لحكم المأمون كان خلفيته الشيعية”، والتي مهدت لنظرية الألماني فان إس.
  • جوزيف فان إس: يعتبر المبرئ لسياسة المعتزلة، والذي قدم نظرية تقوم على أركان ثلاثة، تبرئة المعتزلة من عار المحنة، التشكيك في بسالة الإمام أحمد، تسييس محركات المحنة.

وأخيرًا يعرض الكاتب للمستورد العربي لنظرية فان إس، التي نقلها عنه تلميذه رضوان السيد، وتلقفها عنه فهمي جدعان، وإني هنا أحيل القارئ لقراءة هذا الفصل من الكتاب كاملًا ليدرك الحالة الانهزامية، والاستلاب الواضح الذي يصطبغ به جدعان في تناوله لقضية المحنة.


[1] التأويل الحداثي للتراث، ص 55.

[2] المصدر السابق، ص 118.

[3]المصدر السابق، ص 120-121-122-123.

[4] المصدر السابق، ص197.

[5] المصدر السابق، ناقش فيها عدة مسائل، مثل تسييس حديث شدّ الرحال، تسييس الظاهرية وغيرها من المسائل، ص 198.




“عروض زواج رومنسية” و”أمهات عازبات”.. كيف تسربت إلينا هذه العادات؟

“المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب”، بهذه العبارة الشهيرة يلخص لنا ابن خلدون واقع مجتمعاتنا اليوم، وسواء اتفقنا مع ما جاء في مقدمته أو اختلفنا، فإن لهذه العبارة نصيبها من الصحة.

بيد أن مشكلتنا لا تقف عند حدود التقليد، فالمقلد إنما يأخذ بإيجابيات وسلبيات من يقلده، يأخذه عنه حزمة كاملة، بينما تجاوزت مجتمعاتنا مرحلة التقليد لتنجب لنا نسخًا مشوهة لا تشبهنا، تسيّرنا ولا نسيّرها، وإن كانت الدهشة التي حكمت أفعال الشبّان الذين زاروا الغرب سابقا وتأثروا بنظرياته وعاداته ونقلوها بقدّها وقديدها إلى أوساطهم في بلدانهم الأصلية، إن كانت تلك الدهشة تقتصر عليهم وعلى فئة قليلة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تكفلت بإيصالها لجمهور أكبر حين سهّلت دخول هذه النظريات والعادات إلى بيوتنا عبر شاشات صغيرة، ووجدنا أنفسنا أمام عادات لم نكن نعرفها بداية ثم تتطبعنا معها ولم نعد نرى في سنّها ضمن عاداتنا أي غضاضة.

والحديث هنا ليس عن العادات التي ترافق فرحًا ما مثلًا، مما لا يختلف مع معايير ديننا ومجتمعنا، إنما عن عادات وظواهر متأصلة في الغرب ورؤيتنا لها بعين واحدة، فلا يمكن أن تمرّ أيام حتى يعرض لنا مما يعرض في فيسبوك مثل فيديو رومنسي عن شاب تقدم لخطبة فتاة محمّل بالورود وبخاتم يجعل الفتاة تبكي فرحًا، ثم تفتح التعليقات لتجد دعوات عريضة من الفتيات للشباب ليقتدوا ويتعلموا الرومانسية وحسن التعبير، من غير أن تنقل لنا الصورة المخيفة القابعة خلف هذه الرومنسية وعن المرارة التي تعانيها المرأة بعد علاقة محرمة لتنهي رحلتها المشتتة وغير المستقرة بالزواج، الزواج الذي يسعى إليه شبابنا ابتداء بالخطبة والعقد، وقبل أي علاقة محرمة تستهلك المرأة وتستنزفها، خصوصًا إن رافق العلاقة حمل غير شرعي، لتحمل المرأة أعباء الطفل فوق أعبائها، وقد ناقش الأستاذ إياد قنيبي هذه الظاهرة ضمن سلسلته على اليوتيوب رحلة اليقين.

طلاق وردي
ولما كانت بدايات رحلة الزواج الغربية محط إعجاب، كان من المنطقي أن تكون رحلته ونهايته على خطى غربية أيضًا، فما زالت مجتمعاتنا تغلف كلمة “طلاق” بهالة كبيرة ولا يمكن لوقع الحياة المادية التي سهّلت أمور الطلاق وصعبت أمور الزواج أن تنزع هيبة الكلمة ووقعها على من خاض التجربة رجلًا كان أو امرأة، لكنها استطاعت أن تخفف تلك الهيبة وأن تجعل باب الطلاق من أوائل أبواب الحل المقروعة.

فلم يكن معروفا لدينا مثلا ما يسمى “بحفلات الطلاق”، والتي تتشابه مع حفلة “وداع العزوبية” تبتدأ الرحلة بها وتعلن الثانية نهاية الرحلة، ولست أدري أي حالة نفسية تعيشها المرأة التي تُقدم على مثل هذه الخطوة حين تُقلب الموازين ويصبح الطلاق من مدعاة لأن يعيد الإنسان حساباته إلى مفاخرة واحتفالات.

وأتساءل كيف تقضي المرأة المحتفلة مع أقرانها ليلتها بعد أن ينفض عنها الجمع؟ صحيح أن طلاق المرأة الراضخة تحت ظلم زوجها يكون خلاصًا، وكذلك الرجل الذي تعرض لظلم من زوجته، إلا أن الأمر مع ذلك يستدعي مراجعة الحسابات ويعني فشل الإنسان في مرحلة ما، ولا يستدعي الفرح البتة خصوصًا إن نتج عن هذا الزواج أولاد.

أمهات عازبات
اصطُلح مؤخرًا على إطلاق لقب أم عازبة على النساء اللواتي يربين أطفالهن في غياب كامل لأب الطفل، وغالبا تطلق التسمية على الأمهات اللواتي أنجبن خارج إطار الزواج، إذ تشير التقارير التي قدمتها الباحثة التونسية سامية محمود المختصة في علم الاجتماع على أن عدد الأمهات العازبات يبلغ حوالي 1060 أم كل سنة في تونس وأن هذا العدد يشهد ارتفاعًا ملحوظًا سنويًا، وأثبتت الباحثة أن أعمار الأمهات العازبات تتراوح من 15 إلى 24 ، ومعلوم أن هذه الإحصائيات لا يمكن أن تغطي كل الحالات ما يلزم ضرورة أن تكون الأعداد أكثر من المعلن عنه، وفي المغرب هناك ولادتان غير شرعيتان بين كل خمس ولادات شرعيّة[1].

ويقدّر عدد الولادات التي تمت خارج إطار الزواج بـ 153 مولود يوميًا[2]،  كما تشير التقارير إلى أن نسبة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج في بريطانيا بلغت 47.5 بالمئة عام 2012[3].

والحديث عن الحقوق التي تمنحها الدول الأوروبية للأمهات العازبات هو حديث عن جانب حقوقي وإغماض عين عن الجوانب الأهم، فاعتبار الحقوق المادية على أنها غاية إنسانية نبيلة هو عين الظلم للطفل الذي لا تقف حاجته عند حد الاعتراف به أو منحه وأمه راتبًا شهريًا، فالواقع يثبت أن القوانين التي توضع للتدخل في العلاقات الاجتماعية “الأسرية مثلًا” تهدم أكثر مما تبني، وفي أحسن الأحوال تقدم حلولًا تقتصر على الماديات.

زواج القاصرات وزنى القاصرات
ما الذي يمكن أن يحدد جاهزية الفتاة أو الشاب للزواج؟ وهل يعقل أن تكون قدرات الشباب متكافئة؟ فإن سألنا متى يحق للإنسان أن يأكل كان الجواب المنطقي حين يجوع، ومتى يحق للإنسان أن يشبع حاجته الجنسية؟ فالجواب حين يشتهي، وهو سن التكليف في الإسلام، فالأمر إذا ليس لإشباع رغبة فحسب بل هو سن يحاسب الإنسان على كل أفعاله فإن قتل قُتل وإن سرق قُطع، وإن باع أو عقد نفذ بيعه وعقده، طالما أنه مكلّف أي بالغ، فإن كان الأمر كذلك في العقوبات والتكاليف بمعنى أنه يملك زمام أمره ذكرا كان أو أنثى فإنه يستطيع تحمل تبعات مسؤولية الزواج وتكوين أسرة.

والكلام عن تجريم زواج من هم في سن صغيرة هو حديث قاصر عن الإحاطة بكل جوانب الإشكالية، فلو كان الأمر مواكبًا للطبيعة الإنسانية لما شهدت المجتمعات الغربية خصوصًا تزايد عدد الامهات العازبات واللواتي قد يصرن أمهات وهن في عمر المدرسة، أي في عمر الرابعة عشرة، الأمر الذي دفع بعض المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء حواضن خاصة بالأمهات الطالبات.

ولا يقف الأمر عند حدود إنجاب طفل من علاقة غير شرعية لتكون مشكلة فردية، فالحديث هنا عن أب تخلى عن مسؤوليته تجاه طفله، وعن أم تضطر للعمل في مجالات ربما لا تناسبها لتلبي حاجات الطفل، وفي ظل هذا التخلي يُدفع بالأطفال إلى هاوية التشرد والعوز.

إذن نحن أمام حقيقة تتلخص بما يلي: رفع سن الزواج عند الشاب والفتاة لا يعني أنهما سينشغلان بتعليمهما ويصرفان النظر عن  تلبية تلك الحاجة، وتعسير أمر الزواج يعني ضرورة تيسير أمر الحرام، فإما زواج وأبناء تحت مظلة هذا الزواج، وإما زنى وأبناء لقطاء قد ينتهي بهم المطاف في عالم التشرد والجريمة إن لم يجدوا من يأخذ على أيديهم.

فإن قلنا إن المعايير اختلفت وشباب وبنات مجتمعنا اليوم غير قادرين على حمل المسؤولية كما يجب، قلنا إن مرد ذلك عائد للتربية التي ينشأ بها الشاب والفتاة داخل العائلة، فالعائلة هي مربط الفرس إن قام الأب بدوره وقامت الأم بدورها من تغير تنازع بينهما، فإن قيل إن أمور الزواج لا تتعلق فقط عند الوعي بالمسؤولية بل إن الأمر يكاد يكون ماديًا صرفًا، فالحق أن هذا مما أفرزته الأنظمة الرأسمالية التي قيّدت الشباب بقيد الوظائف التي تستهلك منهم عمرهم ولا يكاد الشاب يجد مقابل وقته ما يسد الرمق، ما يجعله غير مختار في موضوع تأخير زواجه، فإن كان ولا بد من هذا التأخير فلا يتجاوز سن الشباب.

عند إقرار الإنسان بوجود خالق لزمه ضرورة اعتقاده بما أقره الله لضمان صلاح حياته، فإنه إن خرج عن تلك القوانين التي سنّها الخالق، وطالت يده هذه القوانين تعديلًا واعتراضًا، لا بد أن يدفع فاتورة هذا الانحراف، سواء اعترفنا بهذا أم لا فإننا نجني عواقبه، والكارثة أن العواقب تشمل مجتمعا بأكمله.

والحديث هنا عن الآثار المجتمعية بصورتها العامة، فلا يمكن قياس حالات لأشخاص ينتمون لمنظومة دينية ولا يطبقون قواعدها لا يمكن اعتبارهم ممثلين عن تلك المنظومة، وسوء استخدامنا لجهاز كهربائي مثلًا لا يعني خطأ الشركة المنتجة، ويكفي ليعرف الإنسان أن ترك التعاليم الدينية التي وضعت لتنظيم علاقة المرأة بالرجل في الزواج والطلاق والأسرة وغيرها، يعني ضرورةً حرف المسار وحصد نتائج كارثية وقلبًا للمفاهيم، حتى أصبح الزواج المبكر جريمة حتى لو تم برضى ووعي من الطرفين، والعلاقات خارج هذا الإطار حضارة، ناهيك عن اعتبار زواج الشواذ حرية ونقده جريمة، لنحصد اليوم نتاج هذا انهيارًا أخلاقيًا مريعًا سيزداد سوءًا كلّما ابتعدنا عن شريعة الفطرة واقتربنا مما يوفد إلينا، “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”؟


[1] تقرير نشره موقع BBC بالعربية، https://cutt.us/P1q0P 

[2] دراسة نشرتها جمعية “إنصاف” عام 2011م غير الحكومية بالتعاون مع الأمم المتحدة، ولتقرير نشرته وكالة الأناضول  https://cutt.us/r4Hox .

[3] موقع BBC بالعربية https://cutt.us/.




“الشك العبثي” قاطرة جيل ما بعد الثورات إلى المجهول

في جولة سريعة بين منصات التواصل الاجتماعي وفي داخل المجموعات التي يبثّ فيها الشباب همومهم بعيدًا عن الخطاب المسجدي التقليدي، يعرضون شكوكهم فيها بحرية، ولا سيما أن هذه المنصات تضمن لهم حرية الكلام طالما أنهم متسترون خلف حجاب الاسم المستعار؛ إذ إنّنا ما زلنا نعاني من صعوبة في تفهم عرض النظريات المغايرة، ويتسرع بعض منّا بإطلاق الأحكام على منكري ما نعتقده بأنهم طلّاب شهرة، أو جهّال، فحزمة التهم جاهزة على الدوام، متنقّلين بين طرفين “نحن، هم”، وتبقى محاولات إزالة البُعد المفترض “بيننا” و”بينهم” خجولة.

هذا الشباب المثقل بالهموم التي أفرزها تحويل بوصلة ثوراتهم، التحويل الذي أتى على كل مقدّس بدأً من الإنسان وليس انتهاءً بالعقائد والمسلّمات، ليجد الشباب أنفسهم وسط فوضى الاغتراب وضياع الانتماء وسقوط القدوات، وفريسة لعذابات لا تنتهي، يقف العقل أمامها حائرًا عن استيعابها، فضلًا عن إيجاد أجوبة للأسئلة الوجودية التي يكرّرها الشباب اليوم، تبدأ من وجود الله، ولا تنتهي عند أسئلة الغاية والمعنى.

هذه الأسئلة وإن كانت تنشط في خضم الأزمات فإنها ليست بالجديدة، فمذ وجد الإنسان على هذه الأرض وهو لا يألو جهدًا في البحث عن المعنى والغاية -وليست نشأة الفلسفة ببعيدة عن هذا المعنى من البحث- يعيش البعض ويمضي وهو مسلّم مقلّد، ويثور البعض على التقليد ويجعل من ثورته قاعدة انطلاق في رحلة البحث عن الحقيقة والغاية، كما فعل الإمام أبو حامد الغزالي الذي يُعَدُّ المقعد للفلسفة الشكوكية في كتابه “المنقذ من الضلال”، وكما فعل الفيلسوف ديكارت أبو الفلسفة الحديثة في كتابه” تأملات ميتافيزيقية”، وكما فعل مصطفى محمود في “رسالة إلى صديقي الملحد” و”رحلتي من الشك إلى الإيمان” وغيرها، فهؤلاء وجِدت لديهم دوافع الشك ومحركاته وهذا ما يلزم على الإنسان العاقل أن يحذوه، أن يقابل شكوكه بالبحث شرط أن يؤمن بداية بإمكانية بلوغ المعرفة، هذه الأوضاع قسمت الشباب العربي اليوم إلى:

من اهتزّت ثوابته، وهو مؤمن بإمكانية المعرفة والوصول إلى الحقيقة وأن لكل سؤال لا بدّ من جواب، فهو مدرك أنه أمام رحلة بحث ليست سهلة، فحالة الشك عنده حال مؤقتة تعتمد على أسس واضحة، فالغاية هي الوصول إلى يقين لا يداخله شك، وهو ما اصطلح على تسميته “الشك المنهجي”، وبين من اتخذ قراره بالإنكار مُغلقًا بذلك الباب على مناقشة الشكوك لأنه اختار وانتهى، وبين من اتخذ من الشك غاية وهو ما اصطلح على تسميته فلسفيًا بالشك المذهبي أو الشك الريبي، ومع التغيير الذي أعاد تشكيل المصطلحات بما في ذلك مصطلح “الشك” ومع ما أضفى إليه التيار العبثي أمكننا أن نسميه اليوم “الشك العبثي”.

صناعة الشك (الشك لأجل الشك)
الحديث عن جيل تعامل مع الشكوك على أنّها محركة للبحث والتنقيب وبالتالي جيل مؤمن بإمكانية الوصول إلى المعرفة هو حديث عن جيل يقف قبالة الجيل الذي شهد التيارات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة، تتمثل بحالة فوضى المفاهيم وعبثية الكون والحياة، أو عدميتها والتي تركت مسحة على كل جوانب الحياة، في العمارة والأدب والفن والفكر، في رد فعل على الآثار التي خلّفتها الحداثة، وهو الملمح الذي أشارت إليه الأستاذة هبة رؤوف عزت في تقديمها لكتاب الحداثة السائلة، بقولها إن الحداثة غيرت مقومات العيش الإنساني وأعادت تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معان أكثر اقترانًا بالرأسمالية في مراحلها المتتالية، بالتالي أعادت طرح “ماذا تعني الإنسانية وما هي خصائصها”[1].

فإذا كانت الحداثة تطرح أسئلة الغاية والمعنى لتصل إلى الحقيقة والمعرفة، مؤلهة العقل ومجنّبة ما هو غيبي، لتحرير الإنسان من سلطة ما وراء الطبيعة، ناقلة بذلك الإنسان من سلطة الغيب إلى سلطة الأشياء، فإن تيارات ما بعد الحداثة تتسم بأنها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراغماتية، بل عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.[2]

وهي في إنكارها الجدوى والغاية والقيمة تنكر وجود خالق كتحصيل حاصل، فطالما أنه لا وجود للقيمة أصلًا فكيف يمكن أن تكون هنالك قيمة لوجود إله، وتنكر بالتالي وجود وسائل للمعرفة، فما بعد الحداثة نسبية لا تثق بالعقل وتجعل من المستحيل على أي فرد أن يعتقد في مستقبل أفضل أو وجود حل للمشكلات المجتمعية الرئيسية ويبدو البحث بوعي في التغيير والسياسة بشكل عام فاقدًا لكل معنى.[3]

 ويمكن القول إن الشك العبثي هو أحد مفرزات الثورة على كلّ المسلمات، فلم يعد الشك حالة طارئة مؤقتة، وقاطرة للعبور إلى المعرفة والتخلص من سلطة الوساوس بل صار صنعة بحد ذاته، تبدأ القصة بعرض القوالب الصلبة لنار التجديد، فكلّ شيء قابل لإعادة النظر، كل مقدس يمكن إعادة النظر إليه لتتكون لدينا بذلك وجهات نظر، فالإيمان والكفر وجهتا نظر، والشذوذ والعلاقة الطبيعية وجهتا نظر، وتأييد القاتل وتأييد المقتول وجهتا نظر، الفتح والاحتلال وجهتا نظر، الإنسانية برمتها أعيد تعريفها لتصبح المتناقضات وجهات نظر.

البيئة التي ينشط فيها الشك العبثي
تعتبر الانتكاسات الإنسانية وطغيان ثقافة القوة وإخضاع القوي للضعيف، وغياب العدالة، والتقلبات الزمانية والمكانية والاجتماعية التي تطرأ على حياة الفرد فجأة، أضف إلى ذلك تعدد التيارات الفكرية والانفتاح على المعتقدات الدينية السماوية منها والوضعية، جميعها تدفع بالفرد لسلك بداية طريق المساءلة عن القضايا الكبرى التي تمسّ خلق الإنسان والخالق والعالم الخارجي، وفي ظل هيمنة المؤسسات المشيخية والتي تحرّم الأسئلة من أصلها فضلًا عن أن تناقشها، أمكننا أن تنبأ بأن مرحلة ما قبل الانفتاح الذي شهدته العشرية الأخيرة أخرج هذه التساؤلات من قمقمها، فهي موجودة خاملة، وما عادت الإجابات الكلاسيكية مقنعة وشافية لها.

لا تكمن مشكلة الشباب اليوم في انجراراهم وراء الفلسفة العدمية أو التشاؤمية أو غيرها، فبالرغم من أن هذه التيارات تركت آثارها على كل جوانب الحياة، إلا أن هذه الآثار لم تتأصل في جيل اليوم، يحاول البعض تقمصها لكنه لا ينجح في ذلك، إما بسبب غياب الرؤية الواضحة لما يريد، فلربما يلزمه إعادة ترتيب لحياته، وتنظيم أسئلته ليتمكن من إيجاد أجوبة لها، أو بسبب تبعيته لمنظومة دينية أو خلفية اجتماعية تشكّل لديه حالة من الانتماء، فالحديث ليس عن الجيل الذي اتخذ قراراه بإنكار الغاية إنما عمن يتخبط بين النظريتين، ويجد أن الإقرار بوجود صانع يبقى خيارًا منطقيًا يرجّحه على عبثية الكون، فالإقرار بوجود الصانع قاعدة، إذ يتركز البحث عنده لا على وجود الخالق بل على الحكمة، هو فقط يريد أن يدرك الحكمة من كل شيء، ويجعل من إدراكها شرطًا لئلا يختار العبث على المنطق، فلو سأل لم خلقنا الله وقلت له “لنعبده”، قال “ولم نعبده”، وهو يفترض أنه بالحدس والتجربة يستطيع إدراك الحكمة من كل شيء، وهنا مربط الفرس، إذ أن العقل بما أوتي من أدوات؛ له محطّات يقف عندها وهذا مثبت بالتجربة والبرهان، فنظرية مكيانيكيا الكم التي حطمت نظريات الفيزياء التقليدية تنقض اليوم ما توصل إليه العلم البارحة. يقول الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتر ليوين في حديثه عن الفيزياء الكمية “من المستحيل استيعاب فيزياء الكم وهذا أغرب ما فيها، ولا تسألني حتى لماذا، لا تسألني كيف ستثبتها وكيف تعمل لأن هذا السؤال ممنوع، كل ما يمكننا قوله إنه على ما يبدو هذه هي الطريقة التي يمشي بها الكون”[4].

بهذا المنطق يمكن القول إن الحكمة من خلق الخلق لا تستطيع أن تصل لأبعد مما صرّح به الخالق نفسه، فهنا أنت تجهد العقل ليعمل خارج النطاق المسموح له، والانشغال بالبحث عن الحكمة وراء كل شيء لا يؤدي إلى نتائج مفيدة دائمًا، يستطيع الشباب اليوم أن يجد توازنه بين الواقع السوداوي الذي يعيشه وبين البحث عن الحكمة، باقتناعه أولًا بإمكانية الوصول إلى المعرفة، واقتناعه أن لكل سؤال لا بدّ من جواب، عدا تلك الأسئلة التي يقف العقل عندها، فما وجده كان به، وما لم يبلغه سلّم بما وصله عن الخالق.

___________________________________________

الهوامش

[1] سيولة الحداثة

[2] مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، جميل حمداوي
https://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/

[3] جورج لارين، الأيدولوجيا والهوية الثقافية الحداثة وحضور العالم الثالث، ص 207

[4] لقاء لصالح ناشيونال جيوغرافيك https://www.youtube.com/watch?v=KYUR9x0tzLQ




كيف تمجد هوليود قضاياها؟.. الهولوكوست نموذجا

لم تعد السينما متنفسًا لضغوط الحياة ومكانًا لقضاء عطلة آخر الأسبوع أو مكانًا لكسر روتين الحياة فحسب، فصناعة الأفلام تتصدر اليوم الصناعات العالمية التي تدرّ مرابح خيالية تجنيها إمبراطوريات السينما العالمية[1]، فهي اليوم تجارة رابحة رائجة تخدم كل متطلبات السوق، وتتنافس الشركات المصنعة للحصول على المراكز الأولى في المسابقات والمهرجانات العالمية التي تقام بأجواء طقوسية مهيبة تتابعها أنظار العالم.

تقدّم السينما اليوم كل ما يخطر على بال المشاهد، فأيًا كان اهتمامك وانتماؤك لا بدّ أن تجد بين زحمة الأفلام ما يعجبك، وهي في وصولها إلى المنازل تقدم مزية جديدة لمحبي المشاهَد أكثر من المقروء.

لعلّ أكثر مواضيع السينما التي لاقت اهتمامًا واسعًا، تلك التي تناولت القضايا التاريخية والسير الذاتية، وهي في صنعتها هذه تهدف إما لتوثيق ما جرى أو فرض نظرية تتبناها جهة ما، أو تصبّ في مصلحة الأقوى الذي يتحكم بكبرى شركات صناعة الأفلام، وهي إذ توجّه فكر المشاهد لتبني قضية ما، فإنها تستخدم كل قدراتها الإبداعية للتأثير الدقيق والبطيء في أفكار المشاهد جيلًا بعد جيل.

لم تشهد السينما العالمية احتفاء بقضية ما كتلك التي تناولت المحرقة “الهولوكوست”، سواء تلك التي تعرّضت لها في طي حديثها عن الحرب العالمية الثانية، أو الأفلام التي تناولت شخصية هتلر، أو التي صُنعت خصيصًا لتخليد أحداث المحرقة.

اللافت للنظر أن نسبة كبيرة من هذه الأفلام قدمتها ألمانيا في ضوء ما عُرف بالمسؤولية التاريخية الألمانية عن الهولوكوست وترسيخ عقدة الذنب الأوروبية، وهي تتلاقى في هذه النقطة مع الأفلام الأمريكية التي تحدثت عن تاريخ العبيد في أمريكا وترسيخ عقدة الذنب الأمركية، ونسبة كبيرة من هذه الأفلام أنتجتها أمريكا، في حين أنتجت إسرائيل أقل من عشرة أفلام!

استطاعت تلك الأفلام رسم صورة متكاملة، فالقصص والمشاهد صارت مكررة بأكثر من فيلم، وهي تقدم لك القضية بأي صورة أحببت، فإن كنت من كارهي المشاهد الفجة التي تصوّر القتل والتعذيب المروّع فهي قدمت لك فيلم “الحياة جميلة Life Is Beautiful” الذي تناول المحرقة بأسلوب الكوميديا سوداء، حيث نال هذا الفيلم ما يزيد على 40 جائزة وسمّي بفيلم الجوائز [2]، أما إن كان لديك الفضول في الاطلاع على حياة الناس العاديين فقد قدمت لك فيلم “عازف البيانو The Pianist” الذي نال أيضا 33 جائزة [3]، ولم يفت تلك الأفلام أن تمثل لك الجانب الآخر لمشاركين في المحرقة فقدمت أفلامًا لمشاركين فيها بصورة ما كالجنود المجبرين على الحراسة.

ولا يملك المشاهد المجرّد من الحقائق السابقة واللاحقة على وقوع الهولوكوست عند مشاهدته لفيلم “قائمة شندلر Schindlers List” والذي نال 34 جائزة [4]، لا يملك إلا أن يتعاطف مع أحداث الفيلم والتي نجح في تصوير معاناتهم أيّما نجاح، فالمشاهد المجرّد يمكن أن يرى أن هذا الشعب الذي طال عذابه لا بُدّ أنّه يستحق الحصول على وطن!

يتحدث الفيلم عن مسيحي ألماني نافذ يمتلك مصنعًا للأدوات المنزلية، ينجح في إقناع السلطات بتشغيل اليهود في المعامل كقوّة بشريّة بدلًا من تصفيتهم، فيشغل 1200 عامل في مصنعه مجنبًا بذلك هذا العدد من موت محقق، ويسرد الفيلم أحداثًا سوداوية بالأبيض والأسود ويصوّرها تصويرًا فجًا محاكيًا بذلك الأحداث المروعة التي ارتكبتها النازية الألمانية والتي تتشابه في كثير من صورها مع “النازية الأسدية” في سوريا.

يعتبر الفيلم تخليدًا لذكرى المحرقة بالدرجة الأولى وتخليدًا لأوسكار شنلدر، في نهاية الفيلم ربما فات المخرج والكاتب وأبطال الفيلم والمنتج، ولربما يفوت المشاهد إن لم يتخذ موقفًا من قضيته، فاتهم جميعا أن أوسكار دُعي بعد ذلك إلى مدينة القدس لزرع شجرة في أحد أحيائها، أوسكار الذي مات في ألمانيا نقلت جثته إلى القدس، فاتهم جميعًا أن يخبرونا كيف وصل أوسكار الى القدس؟ كيف وصل اليهود إلى القدس؟ هكذا يختتم الفيلم بصورة لقبر أوسكار وحوله ناجين من المحرقة يزورون قبره في “وطنهم” فلسطين، لكن كيف وصلوا إلى القدس وأين أهل القدس؟ فهذا ما تورّع الفيلم عن ذكره لئلا يمسّ بذلك أي تشكيك للأيقونة “الهولوكوست”.

الهولوكوست بأعين الكتّاب الغربيين
تعرضت قضية الهولوكوست لحملة كبيرة من التشكيك بوقوعها بالأعداد والصورة التي أظهرتها السينما والكتب، إذ تشير بعض التقارير لاستحالة مقتل الملايين في أفران الغاز، وشكك البعض بوجود أفران الغاز أصلًا، وقاد هذا الإنكار بول راسنييه (1967)[5] إذ يعتبر كتابه “دراما اليهود الأوروبيين Le drame des Juifs européens ” من الوثائق الهامّة التي تناولت قضية المحرقة وفنّدت الأقاويل حولها.

صحيح أن ما كتبه راسنييه لم يكن الأول في إنكار المحرقة فقد سبقه الكاتب الأمريكي فرانسيز باركر يوكي في كتابه “الحكم المطلق”، إلا أن راسنييه بصفته أحد نزلاء المعسكرات النازية لاقى تشكيكه ضجة كبيرة، وزاد الطين بلة حين وصف أعمال التعذيب التي مارسها الألمان بأنها لا تقل بشاعة عن تلك التي مارستها القوات الفرنسية إبان احتلالها للجزائر حيث كان راسنييه جندي في الجيش الفرنسي[6].

ويعتبر الكاتب والمؤرخ الأمريكي هاري بازنز (1968) عرّاب أفكار راسنييه الذي ترجم أعماله إلى الإنكليزية.

أما الأستاذ الجامعي والمفكر الجريء روبرت فوركسيون[7] (2018) فقد كلّفه إنكارها إعفاءه من منصبه الجامعي في كلية الآداب في فرنسا بتهمة معاداة السامية، وتعرض للضرب من قبل مجموعة من منظمة “أبناء ذكرى اليهود”، كذلك تعرض روجيه غارودي (2012) للمحاكمة بسبب تشكيكه في أعداد ضحايا الهولوكوست في كتابه “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”.

من الهولوكوست إلى إسرائيل
لم تكن تنتهي أحداث الحرب العالمية الثانية حتى أُعلن عن قيام “دولة إسرائيل” عام 1948، هذا التلاحم الزماني يفرض نظرية منطقية تربط أحداث المحرقة بقيام إسرائيل، تقول النظرية أن المحرقة أمرٌ مدبّر من قبل الصهيونية التي تلاقت مصالحها مع مصالح النازية ونجحت في نصب فزّاعة لليهود وللعالم اسمها “أفران الغاز” دفعت بها تجاه اليهود لتبقيهم في حالة خوف دائم من عدو يفوق إجرامه الخيال، ليندفعوا مهرولين إلى أحضان بريطانيا لحل مشكلة اليهود الناجين من المحرقة، مهيّأة بذلك جوًا مناسبًا يمهد لتقبل اليهود الفارين من جحيم النازية أولًا، وتقبل العالم أخيرًا لفكرة وطن قومي لليهود في بقعة ما، وتم استثمار معاناتهم بشكل سياسي وربطه بقضية دينية “أرض الميعاد” يضمنون بها ولاء الناس لهم دائمًا، وهي سياسة دأبت عليها سياسات الدول الكبرى، في صناعة فزّاعات تعرّض شعوبها لها بين الحين والحين، ضامنة بذلك رجوعهم إلى حظيرة الطاعة وتفضيلهم لقاداتهم على أي سيناريو آخر، ويزيد الأمر تعقيدًا إن لُفّ المستهدَف والمستهدِف بهالة دينية.

من دفع ثمن الهولوكوست
في مغازلة فاضحة بين إسرائيل وألمانيا أثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هتلر قائلًا أنّ هتلر لم يكن يريد قتل اليهود وليست له مصلحة بذلك لولا نصيحة أمين الحسيني مفتي القدس، الذي زار هتلر وأقنعه بضرورة إحراق اليهود وكبح شرّهم، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون نكتة ساذجة تُبرئ هتلر بصورة ما، حيث وصف توم سيغيف المؤرخ الإسرائيلي تصريح نتنياهو بالحكاية الخيالية وفنّد هذا الادّعاء. [8]

بات واضحًا أننا نعيش في عصر تحكمه المشاعر الآنيّة، نذرف الدموع أمام شاشاتنا على كبريات الأحداث التي تمسّنا وجودًا وامتدادًا “فلسطين، بغداد، الموصل، حلب، حمص”، ثم نعود إلى دائرة عيشنا وندور ضمن دائرة مغلقة، فالكتابة والتوثيق إن لم تقدما حلولًا لنا نحن المقيّدين، فإنها قد تكون وثائق بيد أجيال قادمة تُبقيهم على دراية بما ضاع منهم فيسعون ربما لاستعادته.

لا يمكن للقضايا الإنسانية الكبيرة أن تُترك لمطلبها بلا استغلال يحوّلها من قضايا عادلة إلى مطايا وأسواق يروّج فيها كلٌ لبضاعته، وسواء اتفقنا مع هذا الترويج أو اختلفنا معه فإن ما يعنينا من كل هذه الفوضى ووسط أصوات الباعة المتداخلة، أن تستفيد تلك القضايا الإنسانية من “تجارة القضايا” لو صحّت التسمية، فهناك أعمال فردية أو مؤسساتية محمودة لكنها بالكاد تُسمع أو تتاح لها حرية حركة يسيرة، وهي إذ تحاول ترميم ما يمكن ترميمه فإنها رغم كلّ جهودها إنما تجمّل القبح أو تخدع أبصارنا أو تؤخر انهيارنا.

ليس مرفوضا على سبيل المثال أن تقام مؤتمرات لتنظيم منهاج دراسيّ موحد للطلاب المهجّرين من أوطانهم، يعرض في هذه المؤتمرات كلٌ بضاعته، لكنه مرفوض تمامًا أن تتحول تلك المؤتمرات إلى مهرجانات سنوية تجتمع فيها النخب الثقافية وتنفض عن عبث يزيد إلى تلك القضايا عبئًا بدل أن ينزع عنها واحدًا، ويبقى الطالب الذي لأجله عقد المؤتمر بلا مدرسة أو يدرس منهاجًا ذمّه المؤتمرون.

سرد القضايا الكبرى يُعرض للتزييف الذي يخدم طرفًا ما، لكن مع وجود النقّاد والمراقبين يستطيع المعنيّ بتاريخ ما اليوم أن يصوّب أخطاء السينما، وبالتالي ينزع عن الحقيقة قشور التدليس، فرغم كل الانتقادات التي وجّهت إلى المسلسل الأمريكي “جذور Roots” واتّهام كاتبه أليكس هيلي  بتزوير بعض الحقائق فقد نجح المسلسل بتوثيق تلك الحقبة السوداء بحق أمريكا عن تجارة العبيد الأفارقة، ورغم كل الانتقادات الموجهة إلى التلاعب بأرقام الضحايا اليهود فإن السينما ما زالت تنتج أفلاما عنها كلّ عام وتعيد الرواية نفسها من غير أن تسلط الضوء على الأقوام الذين ذاقوا نار النازية أيضًا، مثل الغجر، جماعة شهود يهوه، الشواذ، المعاقين..، لكن كمّ الضخ من الأفلام المدلسة للواقع يصعّب عملية النقّاد، ويبدو أن تصحيح تلك المعلومات سيغدو بعد جيلٍ أو جيلين؛ ماضٍ يتيم لا يعرفه إلا قليل، فهذه الجمعية العامة للأمم المتحدة تصدر عام 2005 قرارًا “برفض أي إنكار للمحرقة كحدث تاريخي سواء بشكل جزئي أو كلّي”، متبنية بذلك الرواية اليهودية بقضها وقضيضها، وهو القرار المعمول به في فرنسا، النمسا، سويسرا، إيطاليا، بلجيكا، بولندا، النمسا، المجر، وألمانيا، والتهمة حاضرة دائمًا “معاداة الساميّة”.

لماذا تستمر الدعاية للهولوكوست
تمت محاكمة المسؤولين عن المحرقة، وما زالت ألمانيا تدفع تعويضات لليهود المتضررين من المحرقة منذ عام 1952م في اتفاقية لوكسمبورغ، وتبعتها اتفاقية أخرى في العام ذاته، وآخر اتفاقية تعويض قدمتها ألمانيا كانت عام 2012 شملت 80 ألف يهودي ثلثهم في إسرائيل[9]. وسواء يحق لإسرائيل أن تأخذ القسم الأكبر من تلك التعويضات -باعتبارها لم تكن أصلًا- أو لا يحق لها، فإننا نذكر ما كان لا ما يجب أن يكون. والواقع أن إسرائيل استخدمت تلك التعويضات لتوطين اليهود في إسرائيل، ورغم أن الأمر لاقى ردود فعل رافضة لتحويل قضيتهم إلى قضية سياسية، فالتعويضات الألمانية تبقى “تعويض ما لا يعوّض”، حيث بلغ حجم التعويضات المادية التي قدّمتها ألمانيا منذ عام 1952 إلى يومنا قرابة 70 مليار دولار [10].

ورغم كل ما جرى فإن الدعاية للهولوكوست ما زالت قائمة، يديرها اليوم من لم يكن مكترثًا بقضيتهم بالأمس، فأمريكا التي يوجّه لها اليهود تهمة التخلي عنهم، هي نفسها تنتج أكبر الأفلام عنهم.

يقول جوزيف مسعد الأستاذ المساعد في قسم السياسة وتاريخ الفكر الحديث في جامعة كولومبيا في تعقيب له على كتاب بيتر نوفيك “المحرقة في الحياة الأمريكية”: “مصلحة أمريكا من تبني مشروع الوعي بالمحرقة هو الاستفادة من توظيفها، بأن ما فعلته أمريكا بالأفارقة أو سكان أمريكا الأصليين لا يقارن بما فعله الألمان”. أضف إلى ذلك الأرباح الخيالية التي تجنيها هوليود، البقرة الذهبية لأمريكا، من أفلام المحرقة.

قضايانا العربيّة اليوم مادة دسمة لصناعة الأفلام ولا تحتاج لا لتزوير ولا تعديل، نحتاج إلى من ينقلها كما هي، نكاد اليوم نصرخ في المعنيّين قائلين: “أنتم أيضًا تاجروا بقضايانا” إن كان هذا يوثّقها، وإن توثيقها لأضعف الإنسانيّة.


الهوامش

[1] http://cutt.us/gE0Np دراسة عن تكلفة إنتاج الأفلام والمرابح التي تجنيها الشركات المنتجة

[2] http://cutt.us/XriS

[3] http://cutt.us/3jPyi

[4] http://cutt.us/IhSOA

[5] كاتب وناشط سياسي فرنسي ولد في فرنسا1906م

[6] الإرهاب الفكري أشكاله وممارساته، جلال الدين محمد صالح، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، ط1، ص 45.

[7] حوار مترجم معه يوضّح فيه أسباب تشكيكه بالهولوكست http://cutt.us/uamuz

[8] http://cutt.us/ksKfx

[9] http://cutt.us/l7q3X

[10] http://cutt.us/aCLD7