1

سيرًا على الأقدام .. من الأندلس إلى بغداد!

بحثتُ في برنامج الخرائط في شبكة الإنترنت عن المسافة بين إسبانيا والعراق، كانت النتيجة أن المسافة تزيد عن 5140 كيلومتر، فتساءلتُ، كم ستكون مدة المسير فيما لو أراد الإنسان قطعها ماشيًا بلا انقطاع، فكان تقدير برنامج الخرائط هو قرابة ست وثلاثين يومًا، يمرّ المرء فيها على عدد من البلدان.

تساءلت في نفسي والموقع يعرض لي المرور عبر القارة الأوروبيّة -وقد تماثلت لذهني صورة العلماء الرحّالة في طلب الحديث- تُرى هل مر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ بنفس المسار الذي أظهره البرنامج أم اختار بلدان شمال إفريقيا حتى يصل إلى غايته؟

يا لها من غاية جليلة تلك التي دفعَته ليواجه مخاطر السفر كل هذه المسافة ويتحمل المشقة والتعب يَحُثُّ الخُطى مواصِلًا السير مُصِرّا على الوصول إلى العراق مهما لاقى في رحلته ما لاقى!

ما قصة ذلك الأندلُسي العصامي، وما الكنز الذي سافر إلى العراق بهدف الوصول إليه، ومن أين أتى بذلك العزم، وتلك الشجاعة، وذلك الصبر؟  ولماذا لم يُؤْثِر الراحة بركوب راحِلة تُبلغه مرامَه كالحصان أو الجمل؟ كان ذلك سيفي بالغرض بكل تأكيد لقطع هذه المسافات الشاسعة؟

الرحلة إلى لقاء العلماء

عشرات الأسئلة الأخرى جاءت لذهني، إلا أن أكثرها إلحاحًا كان لماذا المشي بالذات، بمَ كان يحدث نفسه كلما قطع خطوة؟ وكيف كانت السعادة تغمره كلما اقترب من مراده الذي تهون المتاعب في سبيله؟

تلك التضحيات النبيلة والصبر العظيم كان في سبيل لقاء العلماء، فتمشي لأجل ذلك الأقدام آلاف الخطوات ولا تبالي، للقاء الإمام أحمد بن حنبل سافر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ من الأندلس إلى العراق ماشيًا على قدميه لهدف واحد، ألا وهو “طلب العلم”.

فرق شاسع بين حالٍ مضى كان يرحَل فيه آلاف الأميال للسماع على عالم جليل، وبين واقع اليوم في عام ألفين وواحد وعشرين، حيث يتوفّر مسند الإمام أحمد بنقرة واحدة على لوحة المفاتيح وفي أقل من ومضة!

يحدّثنا بقيٌّ عن نفسه ومعاناته في أسفاره، فليس له عيش إلا “ورق الكرنب الذي يرمى”، إلا أنه بالرغم من ذلك كله يقول: “سمعتُ مِن كُل مَن سمعت منه في البلدان ماشيًا إليهم على قدمي”، وقد صدَق -رحمه الله- فقد قيل عنه: إنه “لَمْ يُرَ راكِبا دابةً قَط”. (1)

لقد قطع بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ تلك المسافات كلها ليسمع من إمام السُّنَّة حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وحُقّ له ذاك! فما أدراك من هو أحمد، وهل أتاك حديث المحنة والفتنة التي وقف فيها شامخًا صابرًا راسخًا؟

هل أتاك صوت السوط حين يهوي على ذلك العالِم الجليل جَلدًا وظلمًا وتعذيبًا إلا أنه آثر تذوّق العذاب على أن يريح نفسه من ألمه وإن كان المقابل كلمة عابرة تعبّر عن غير ما يقتنع به.

الهمم الجليلة

لعلكم سمعتم أو قرأتم عن كثيرٍ من الأئمة الأجلاء من سلف الأمة، كسفيان الثوري، ويحيى بن معين، وشعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح.

لا شك أنك –أيها القارئ- سمعت شيئًا عن الإمام البخاري وصحيحه، لكن أَوَقفتَ يومًا على تفاصيل حياته ومحنته وصبره وتعبّده وزهده؟

يعرفُ طلبة العلم كتاب “سِيَر أعلام النبلاء” الذي يترجِم ويشرح ويسردُ الكثير عن شخصيات من العلماء والمحدثين والرواة في تاريخ المسلمين، لقد كان الهدف الأسمى لهذا العلم –أي التراجم- أن نميّز بين “النبلاء” الذين حفظ الله بهم هذه السُّنَّة المُشَرّفة، فتركوا الراحة وهاجروا من بلادهم ورحلوا في شتى أنحاء الأرض للوصول إلى الغاية الكبيرة في الاطمئنان عندما يقال: هذا “حديث صحيح”.

بالتأكيد فإنك قد رأيت هذه الكلمات مكتوبة ذات مرة تحت حديث ما، سواء في تويتر أو فيسبوك أو أي مكان آخر.. لقد كان ثمن هذه الكلمة الكثير الكثير، كالرحلة الجليلة لبَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ من الأندلس إلى بغداد..

صورة كتاب "سير أعلام النبلاء" وفيه سيرة بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ

همّة منذ الصغر

قد لا يكون الحضور الشبابي في أروقة التراث أمرًا عجبًا، فمع بدايات سنّ العاشرة –تقريبًا- بزغت أنجم علماء كثيرة، كالإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام سعد الدين التفتازاني وغيرهم الكثير من مفكري الإسلام وعلمائه، مما يفسّر عظمة العطاءات العلمية والمشروعات الفكرية التي قدمها الكثير من العلماء الأوائل؛ فقد كانت أعمارهم كلها تقريبا -إلا بضع سنين للنشأة الأولى- مبذولة للمحبرة والدواة.

جاء في “ترتيب المدارك” للقاضي عياض أن الإمام مالك جلس لتعليم الناس والفتيا وهو ابن سبع عشرة سنة، وعُرفت له الإمامة منذ ذاك (2).

لا يضرّهم من خذلهم

لقد بلغ من همم العلماء أنهم إذا أرادوا أن يحكموا على حديث ما بالصحة أو الضعف أن يتحروا ويبحثوا عن رواة هذا الحديث ويسافرون من بلد إلى بلد للسؤال عن حقيقتهم مهما كلفهم ذلك من مشقة وعناء! ثم يأتيكَ اليوم من يطعن في صحيح البخاري!

أنت يا من يرمي هذا الجبل بسيّئ الكلمات، سل عنه دواوين الخلود، فإن “كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيًا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدّتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، هم حفظة الدين وخَزَنته، وأوعية العلم وحملته، [..] لا يَضرُّهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، والمحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وإن الله على نصرهم لقدير” (3) ثم بعد كل هذا أتُراهُ أمرًا سهلًا أن أكتب عن علماء الحديث!

إن اللغة لترتبك في مخابئها حين أتحدث عن هذه الهمم، تحذرني من إخراجها بأسلوب ضعيف، بل إن القلم ليتقدّم خطوة ثم يتراجع عشرًا خوفًا من التقصير في الوصف، وهيبة من استخدام اللغة بمستوى لا يليق بتلك النفوس العظيمة، واستحياء من التقصير في حمل الأمانة، إنه حياء التلميذة من إهمالها علوم شيوخها وآبائها.


الإحالات

  1. سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، ج13، ص: 291.
  2. ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج1، ص58.
  3. شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغددي، ص: 28.



في كل محنة بشرى خير ومنحة

قد يَنظر الإنسانُ إلى الظواهر ويَترك البواطن، فينظر إلى آلام المخاض ويَنسى فرحة الميلاد، فما الفائدة التي يجنيها إن لم يقبل التضحية الآنيّة للوصول إلى فرحة مستدامة، إن الذهب حينما يُستخرَج مادة خامًا لا بد أن يُوضع في النار حتى يُنقَّى مِن الشوائب، فيَصبح بذلك ذا قيمة غالية، فهل يجدي أن نتركه بين التراب أو في أعماق المجهول لئلا يتعرض للنار كذلك تَفعل المحَنُ بالمسلم، تنطوي على القهر والألم، إلا أنه يعقبها التمحيص والخير، قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]. فكل شيء في هذه الحياة يحدث لحكمة ولله الحكمة البالغة.

أين مكمن الخير؟

لا يعلم الإنسان من أي مكان أو سبب قد يأتيه الخير، ترى نفسك في كل يوم ساعيًا في شؤون تعتقد أنك ستجني من ورائها شيئا يهدّئ نفسك التي بين جنبيك، إلا أنك قد لا تحصّل شيئًا مما ترغب أو تسعى إليه.

إن الأمر الذي يكاد يتفق عليه معظم ذوي الخبرة من البشر هو أن الخير غالبًا يأتينا من حيث لا نحتسب، وبطرق ما كانت لتخطر لنا على بال، وعلى أيدي أناس ما توقّعنا يوما أنه سيأتينا من جهتهم خير، وأن الشر أحيانا يأتينا من تلك الطرق التي نسلكها بأنفسنا ظانّين أنه سيأتينا من ورائها خير وسعادة، أو قد يأتينا من أولئك الذين قصدناهم بخطى واثقة معتقدين أن خلاصنا مما نعاني سيكون على أيديهم.

لعل طريقة نظرنا للأمور خاطئة منذ البداية، وربما اعتراها البطلان، وما بني على باطل فهو باطل، وما كان للقاعدة أن تكون قوية ما دام أساسها مهترئًا، أو لعل الطريقة نفسها صحيحة، إلا أن وقت تنفيذها غير مناسب فأثَّر خطأ اختيار الوقت في صحة الطريقة، مما أنتج عنها سوء الفهم والحاصل.

تجربتي مع مرض السرطان .. ابحث عن ضعفك!

إن ضعف الإنسان وعجلته التي جبل عليها وحرصه على تهدئة نفسه وإرضائها، أمور تدفعه للوقوع في الكثير من الأخطاء التي يعض أصابعه ندمًا على مجرد تفكيره فيها لأول وهلة، ومن ثمّ فإن على المرء إعادة التفكير في نظرته إلى الحياة ووزنه للأمور.

على المرء -ما دام مؤمنا بالله- وضع الحسابات الأخروية نصب عينيه؛ حيث إن الغفلة عن هذه الحسابات سبب خساراته التي لا يجد لها تفسيرًا واضحًا.

عندما أرغب في الحديث عن الجانب المشرق من مرض السرطان، وأحاول التعبير عن الخفايا الوجدانية في الخلايا السرطانية أجد صعوبة في ترتيب الأفكار وصعوبة في إخراجها بأسلوب يليق بها، فلو لم يكن في السرطان من فائدة سوى أنه يكشف لك أيها الإنسان حجم ضعفك، وكم أنك محتاج لربك فقير إليه! لكفى بها فائدة عظيمة تغنيك طيلة عمرك عن الدنيا وما فيها، وتجعلك عزيزًا بحب الله فخورًا بدينك، مشتاقًا لوجه الكريم المتعال، ومن دون هذه الحقيقة لن يقرّ لك في الأرض قرارٌ، وستعيش فيها ضيِّقًا حرجًا متكدرًا مغمومًا ضائعًا حائرًا لا تعرف لك وجهة مأمونة ولا سبيلًا مستقيمًا.

إن حقيقةً جليّةً تثبت أنك ضعيف أيها الإنسان لهي هزةٌ عميقة، إذ بإمكان خلية عابرة لا ترى بالعين المجردة إخراجك من قصرك رغم أنفك ورميك على سرير في مستشفى تتلقّفك أيدي الأطباء والممرضين وأنت مستسلم لهم لا حول لك ولا قوة..

إنها الحقيقة التي تؤكّد أنك عبد للقوي العزيز، الله الذي رفع السماوات ومهد الأرض وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الخافض الرافع المعز المذل، إنها الحقيقة التي تؤكد أن الطبيب ودواءه لن يشفياك إلا بإذن الله، ولو اجتمع أطباء الأرض وأدويتهم على علاجك فإنك لن تشفى إلا بإذن الله وأمره..

لهذا كله، لم أعتمد الأطباء بشكل كلي، بل علّقت القلب بالله رضًا بما اختار لي، وكنت أتتبع نصائحهم أخذًا بالأسباب وفي قلبي يقين راسخ بأن الله الذي خلقني هو يهدين، وإذا مرضت فهو يشفين، فهذه الخلايا السرطانية من خلق الله، وكما ظهرت بأمر الله فإنها ستزول بأمر الله رفعت الأقلام وجفت الصحف.

تمهّل .. لستَ الوحيد الممتحَن

من الخبايا الإيمانية في هذا المرض وغيره من الابتلاءات، أنه يذكرك بمِحَن الأنبياء خاصة مرض أيوب عليه السلام الذي تلقّى ابتلاء ربه صابرًا راضيًا بقضائه وقدره، يدعوه ويتضرع إليه، ويذكرك بدعائه وتردده قائلا: {رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83]، فتحس للحظات أنك تشارك نبيًّا من أنبياء الله في بلائه وألمه، وتقتدي به في توكّله على الله عز وجل، فتجد لذة في المناجاة ولذة في الصلاة.

تلك الركعات والسجدات التي تؤديها وأنت متعَب ضعيف لا تقوى على الوقوف، تُشعِرك بالصدق في دعائك، وبأنك تصلي لله بخشوع وبنفس متجردة من كل شواغل الحياة الدنيا، حينها ستسأل الله الشفاء وإن بلغ بك اليقين مبلغًا رفيعًا ستنسى نفسك ومرضك ومعاناتك وألمك، وستسأل الله أن يغفر لك ويرضى عنك ويجعل آلامك مكفرات لذنوبك، وسترى حقيقة الحياة الدنيا، وستتذكر تقصيرك وخطاياك ودينك الذي فرطت فيه، وسترى الصحة تاجًا على رؤوس الأصحاء خاصة حينما تحتاجها لتعبد الله وتخدم نفسك بنفسك وتستغني عن منن الخلق مهما أبدوا سرورهم بمساعدتك، لأن شعورًا بأنك عالة عليهم سيلازمك طيلة أيام عجزك، فتتمنى العافية لتتخلص من ذلك الشعور البغيض، ذلك أن الحاجة للناس تورث ألمًا نفسيا لا يطاق.

سوف تشعر بذوي الاحتياجات الخاصة وأنت نائم على السرير لا تتحرك إلا بجهد وعناء، ستشعر بآلامهم وتفهم إحساسهم تمامًا، وستكره نظرات الشفقة وتفهم لماذا يكرهونها، وستحاول أن تبدو بخير وسعيدًا وراضيًا وستفهم لماذا يبدون كذلك، وستحترمهم أكثر عندما تجرب شيئا من أحوالهم وأنت تعلم أنه مؤقت بالنسبة لك، ستتمنى لو أنك تمتلك عصًا سحرية كتلك التي في الرسوم المتحركة ما أن توجهها لمُقعد حتى يقوم ماشيا على قدميه، ولأنك لا تملك من أمرك ولا من أمرهم شيئًا ستكتفي لنفسك ولهم بالدعاء، حينها ستكون أكثر إنسانية ورحمة.