1

السنن الأخلاقية .. أخلاق القلب وسننه

لعل أجمل ما نفتتح به هذا المقال هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِىَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ”، ثُمَّ قَالَ له: يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَحَبَّني كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ)  [أخرجه الترمذي في السنن].

عندما يتم الحديث عن سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام فإن المتبادر إلى الذهن بعض السنن المتعلقة بأعمال الجسد، كالسواك واللحية، وأداء النوافل المتعددة، لكن ثمة سنن تغيب عنها الأنظار، وهي سنن القلوب والأخلاق التي تهم كل مسلم متبع للنبي عليه الصلاة والسلام.

سنن القلوب

الحديث الذي أشرت إليه سابقًا يعالج سنة من السنن التي يمكن أن ننساها، غير أن هذه السنة ليست مما يقوم بها الجسد من الأعمال، وليست مما يقال باللسان من الأذكار، بل هي من أعمال القلوب، ولذلك يمكن تسميتها بسنن القلوب، أو أخلاق القلوب، وهذه السنن لها مكانها المهم، ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قرنها بسنته التي هي طريق للوصول إلى رحمة الله وجنته.

الغش هنا عكس النصح وإرادة الخير، فالحديث يبين أنه يجب على المؤمن أن يبيت وهو طيب القلب مريداً للخير لعباد الله، وهذا الأمر من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام.

يعلق أحد شراح الحديث على هذا الحديث: “فإن الخلق من الأخلاق المذمومة ليس من سنته، ومن فعل الأفعال المرضِيَّة، وترك الأخلاق المذمومة، فقد أحيا سنته؛ أي: فعل فعله” وعليه فإن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ذات أبعاد ومستويات متعددة، ونستطيع أن نشير هنا إلى مستويين لها:

سنن الأجساد، وهي التي تقوم بها جوارحنا من ذكر باللسان، وصلاة بالأجساد، وغيرها..

سنن القلوب، وهي مجموعة من الأخلاق التي تتمركز في القلب وتنعكس على ظاهر الإنسان على شكل أفعال طيّبة.

لكن لماذا القلب؟

القلب ليس هو القطعة العضليّة التي تضخ الدم إلى الجسد، بل هو جوهر العالم الروحاني للإنسان، لذلك فإن هذا القلب له مركزية في صلاح الإنسان. ولكي نعرف مفهوم القلب لا بد من النظر إلى آراء المفكرين الإسلاميين كالغزالي وغيره إليه حول القلب. فمثلاً يؤكد الغزالي على أن القلب سر من أسرار الله، وبه يكون السير إلى الله ووفق تعبيره: “موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو ‌القلب وهو معدن التوحيد ومنبعه” [إحياء علوم الدين] كذلك فإن المفكرين المسلمين قد عنونوا لعدد من مؤلفاتهم بعناوين تحتوي على مفردة القلب في إشارة إلى مركزيته عندهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي، وذم قسوة القلوب لابن رجب الحنبلي، واعتلال القلوب للخرائطي وغيرها.

من النظر في الاستخدام القرآني والنبوي للقلب سنلاحظ أن القلب ذو أهمية، وهذه الأهمية تنبع من الوظائف التي وُكِّلَ بها، فالقلب في القرآن أداة للفهم والتعقل {لهم قلوب لا يفقهون بها} [الحج: 46]، والقلب هو مركز السلامة {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89]. أما في الحديث  فالقلب هو مركز الإصلاح ونقطة بدايته، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) [أخرجه مسلم]، وفي حديث آخر بين لنا كيف أن الله تعالى ناظر فقط إلى قلوبنا فقال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) [أخرجه مسلم].

أخلاق القلوب

في أحاديث كثيرة نرى تركيز النبي عليه الصلاة والسلام على مركزية أخلاق القلب وسننه، لذلك قال مشيرا إلى صدره التقوى هاهنا. والتقوى خلق مهم في الإسلام، فقد ربطت كثير من العبادات بالتقوى، كما أن سنن القلوب، هي مجموعة من الأخلاق التي يقوم بها القلب وتنعكس على الجوارح على شكل أفعال محمودة، فالرحمة والحياء أفعال منشأها قلبي ثم تنعكس على الجوارح.

لقد وصف الحكيم الترمذي هذه العلاقة بين الأخلاق المستقرة في القلب وانعكاسها على عمل الجوارح، فعندما تناول حديث: (بينما رجل يمشي في الطريق إذا أبصر بغصن ‌شوك فقال والله لأرفعهن هذا لا يصيب أحدا من المسلمين فرفعه فغفر له) [أخرجه ابن حبان في صحيحه] يبين أن ما أدخل الرجل الجنة ليس الفعل الظاهري عندما أزاح الأذى عن طريق المسلمين، بل الرحمة التي تمكنت في قلبه ودفعت به إلى القيام بهذا العمل. فعندما قَبَّل النبي عليه الصلاة والسلام طفلا له اعترض عليه أحدهم فبين النبي عليه الصلاة والسلام مركزية الأخلاق القلبية من خلال قوله: (وما أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة) [أخرجه ابن حبان في صحيحه] فالنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن الرحمة تبدأ من القلب لتنعكس على الجوارح على شكل لطف بالأولاد وتقبيل لهم وتقديم الفاكهة لهم أولا.

وكذا في الحديث: (كانَ النَّاسُ إذا رأوْا أوّل الثمر جاؤوا به إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: “اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في ثَمَرِنا، وبَارِكْ لَنا في مَدِينَتِنا، وبَارِكْ لَنا في صَاعِنا، وبَارِكْ لَنا في مُدّنا، ثم يدعُو أصغرَ وليدٍ له فيُعطيه ذلك الثمرَ) [أخرجه ابن حبان في صحيحه]. فرحمة النبي عليه الصلاة والسلام النابعة من قلبه انعكست ظاهرا على أفعاله على شكل تقديم أولى ثمرات الفاكهة إلى الأولاد الصغار الذين يرغبون بها أيما رغبة.

إن القلب المليء بالإيمان ينفض عنه الأخلاق المذمومة، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب رجل) [أخرجه النسائي في السنن]. يشير إلى أن المفترض عدم اجتماعهما، ومن هنا فإن انعكاس الأخلاق القلبية على الأفعال الظاهرة مهم جدا، لأنه لا يكفي أن يكون الخلق دون انعكاس مادي، فلا يكفي أن يكون القلب كريمًا دون أن يبرهن الإنسان على ذلك بكرم على من حوله من الناس، وكذلك الرحمة لا تكفي أن تكون في القلب دون تجلٍّ مادّيٍّ بالرحمة على من حوله.

سنن النبي عليه الصلاة والسلام ليست فقط منحصرة بالأفعال البشرية وعادات المأكل والملبس، بل من سننه: تربية القلب الرحيم، وإنشاء الإنسان الحيي الكريم، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يسأل شيئا فيرده، وكان يكره أن يخبر بشيء كريه عن صحابته، ويحذرهم من ذلك فيقول لهم: (لا يبلِّغُني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا فإنِّي أحبُّ أن أخرجَ إليْكم وأنا سليمُ الصَّدرِ) [أخرجه أبو داود في السنن]

ختامًا

يحقق الإنسان إنسانيته عندما يدرك بأنه مخلوق عميق فيه من المعاني ما فيه، وأنّ فيه روحًا من ربه عزوجل. والقلب كالروح سر من أسرار الله. والنبي عليه الصلاة والسلام جاء ليسن لنا وليتمم لنا النظام الأخلاقي، وهذه السنن الأخلاقية تبدأ من القلب باعتبار الخلق الطبع النفسي والداخلي للإنسان كما تبيّن معاجم اللغة وغيرها.

وعليه فإن السنن القلبية وأخلاقها أساس في التقييم الأخلاقي، إذ إن الظاهر وحده لا يكفي عند الله، بل لا بد أن تنعكس هذه الأخلاق على الباطن والظاهر، على شكل أفعال خيرة تعم الإنسان والحيوان والطبيعة. فالله قد شكر لمذنبةٍ عاصية سقت كلبًا فغفر لها وأدخلها الجنة.




فلسفة الخطأ: كيف يمكن للخطأ أن يجعلنا أكمل؟!

حين خاف الصحابة من اقترافهم للأخطاء لجأوا إلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، شاكين إليه حالهم، فقال لهم هذا الحديث الجليل: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهم بهذا) [أخرجه مسلم في صحيحه]. يعالج هذا الحديث مشكلة الخطأ البشري ضمن علاقتنا مع الاستغفار، فهو يشير إلى أن الأصل في الإنسان أن يبادر إلى الاستغفار بعد الخطأ، وأن الحالة التي يحبها الله هي اعتراف الإنسان بخطئه واللجوء إليه مستغفرين إياه، وبتعبير آخر فإن الحديث يشير إلى أن الكمال الإنساني الذي يمكن أن يتحقق به أمثالنا، ليس في أن نكون بلا أخطاء، فهذا أقرب للمستحيل، وإنما الكمال يبدأ بالاعتراف بالذنب والسعي لنيل المغفرة.

لماذا الخطأ؟ بضدها تتميز الأشياء!

الحرية الذاتية وحرية الإرادة والاختيار جزء أساسيٌّ من مقتضيات كون الإنسان إنساناً، فبها يكون الإنسان مخلوقاً مكلفاً، ومن دون حرية الاختيار لا يمكن أن يكون هناك مفاهيم كالخير والشر، إذ لو كان الإنسان مجبراً على فعل الخير لما كان هذا الخير خيراً بالمعنى الفلسفي والوجودي. فنحن ندرك معاني ثنائية من خلال وضعها في مقابل بعضها، فالأبيض لا يدرك معناه إلا بأضداده كالأسود. انظر إلى الأسماك فإنها لن تدرك معنى الابتلال بالماء كونها لا تعرف ضده وهو الجفاف، وعليه فإن إدراكنا نحن البشر لمفهوم الخطأ نابع من كوننا ندرك معنى الفضيلة، فثمة قابلية في جهازنا المفاهيمي لتقييم الأشياء وتصنيف أفعالنا وفق كونها خيرًا وشرًّا، وهذا يقتضي بالأصل حريتنا على فعل شيء أو لا، وعلى القيام بفعل خيِّر أو شرير، ووعينا بما نفعله هو من جوهر معنى الإنسان بتصوري. فالمَلَك مَلَكٌ لأنه مجبول على الطاعة، أما الإنسان فإنه مجبول على الحرية، وبالتالي فإن الخطأ منه نتيجة متوقعة بل ومنتظرة.

لماذا نخطئ؟  الإنسان .. المخلوق الذي ينسى!

لا ينفكّ الإنسان عن حالة النسيان، فالنسيان سبب خطيئة آدم الأولى[1]، وهو ما قاله ربنا {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] أي نسي عداوة الشيطان التي أُعلِم بها[2]، ونقل عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: “إنما أخذ الإِنسان أنه عُهِد إليه فنسي”[3]

 وهذا النسيان المسبب للخطيئة هو الناتج عن التغافل عن التذكر، ذلك لأن النسيان كما قال الحسن ينقسم إلى قسمين: نسيان من جراء صنع الإنسان، وهو النسيان الذي يقع من غفلة الإنسان وتغافله، أما الثاني فهو الذي يقع خارج إرادة الإنسان وصنعه، والإنسان في الأول مسؤول بخلاف الثاني.

طه عبد الرحمن

عالج الفيلسوف المغاربي طه عبد الرحمن مفهوم الإنسان مبينا علاقته الوثيقة بالنسيان فقال: “كلما تأمّلتُ أحوال الإنسان في هذا الزمان واستغرقت في هذا التأمل، لم أزدد إلا يقينا بأنه لا كائن أنسى منه، حتى إني لو خُـيّرت في وضع تعريفه، فما كنتُ لأعرّفه بغير كونه الموجود الذي ينسى أنّه ينسى، ولو خيّرت في اشتقاق اسمه، فما كنتُ لأقول غير أنه اشتُق من لفظ النسيان” ويشرح هذا النسيان مبينا أنه ينسى شيء يذكّره بأنه “لا يملك من أمره شيئا، لا خَلقا ولا رِزْقا، ينسَى أنه كان في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، بدءا بظلمة العدم وانتهاء بظلمة الحس؛ ينسى أنه لم يخلق ذرّة من ذرات بدنه، ولا نسمة من نسمات روحه؛ كما ينسى أنه كان في فاقات بعضها أشد من بعض، بدءا بفاقة النور وانتهاء بفاقة العلم؛ ينسى أنه لم يَرزُق عينَه بصرا ولا أذنه سمعا، ولا لسانه نُطقا”[4] وبناء على ما قاله طه عبد الرحمن، فالنسيان جزء من ضعف الإنسان، وهذا الضعف سبب مباشرة لخطأ الإنسان ومقارفته بعض الأفعال التي لا يصح أن نطلق عليها صفة الخير.

إن من أسماء القرآن الكريم (الذِّكْر)، وهذه التسمية تحمل بعداً مهماً، فالإنسان قد حفظ شيئا أو لنقل أُخِذَ منه وَعد، أو لنقل بلغة القرآن الكريم “حمل الأمانة”، لكن بسبب طبعه القابل للنسيان والتناسي فإنه يغفل فينسى أو يتكبر فيتناسى، ويقارف ما لا يقتضيه حمله للأمانة، لذلك جاء هذا الكتاب الإلهي ذكراً للإنسان وتذكرة له. ومشتقات الذكر في القرآن متعددة، منها الذكر والتذكرة.

النسيان حالة من الذهول عن التاريخ، لأنه وعي فقط بالحاضر، باللحظة الراهنة، وهو في نفس الوقت غفلة تؤدي لعدم تقييم الأمر أو التصرف من ناحية نتائجه وعواقبه. لذلك فإن النسيان قد يعني سعادة آنية، وقد نظر نيتشه إلى النسيان من هذه المنظور مبيناً أن الحيوانات سعيدة لأنها لا تمتلك ذاكرة دقيقة كالإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي يقول: أنا أتذكر.

أما التذكر فإنه يعني وعياً تاريخياً عميقاً وتقييماً أخلاقياً، لأن التذكر يعني سلطة للتعقل والتدبر في الزمان ماضيه وحاضره ومستقبله، وإدراكا لـمآلات الفعل. التذكر فعلٌ من التَفعُّل، وهذا الباب في الصرف –يعني التفعل- يحتاج إلى جهد، فالتذكر وعدم النسيان والتناسي فعل شاق، لأنه يقتضي أن تخالف طبعك النفسي في النسيان وتغالب الغفلة التي تجذبك إلى ما تهواه في التناسي، وقد يستأنس لذلك بقول الله تعالى: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] في إشارة إلى أن ذكر الله أمر مهم، وقد أشار أبو الدرداء صحابي الرسول إلى أهمية الذكر قائلا: “ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في درجاتكم، وخير لكم من أن تغزوا عدوكم فيضرب رقابكم وتضربون رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؛ قال: ذكر الله -عز وجل- ثم قرأ: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [ذكره ابن أبي شيبة في المصنّف].

الذكر ليس مجرد حركة اللسان بل عملية قلبية تعكس مراقبة الله بالدرجة الأولى. لذلك فإن ذكر الله في السوق درجة كبيرة، لأن السوق وما يحضر فيه من أعمال قد تلهي الإنسان عن مراقبة الله وتذكر أوامره، أما ذكره يعني بمعنى مراقبته في السوق يحيل إلى الحساسية الإيمانية لهذا الإنسان الذي يذكر الله مراقبا له في حضور المال الذي يطغي.

هل الإشكالية في الخطأ ذاته؟

وبما أن طبع الإنسان مجبول على النسيان، فإن الخطأ متوقع منه، واسم الله الغفار والتواب يحيل إلى ضرورة وجود عبد يغفر الله له ويتوب عليه. وعليه فإن المحاسبة لن تكون على مجرد الخطأ، بل في عدم إدراكنا لما نقوم به من خطأ، وإن استعملنا تعبيرا آخر فإن المحاسبة ستكون على عدم توبتنا من الذنب[5]، لأن عدم التوبة يشير إلى أمرين: عدم وعي الإنسان بما يفعله، وعدم اكتراثه بما يفعله.

في الحالة الأولى فإن الإنسان مهملٌ وقع في غفلة، أما في الثانية فإنه متكبر متغافل، وكلاهما نتيجة النسيان والتناسي، فعدم وعيه بما يفعله يحيل إلى عدم التفكير في المآل، أما تكبره، فيشير إلى عدم إرادة التذكر أصلاً.

لقد أدرك نبي الله آدم ما فعله، فبادر إلى التوبة مبرزاً ندمه وحاجته إلى المغفرة: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الظالمين} [الأعراف: 23]، فجاء الجواب من الله تعالى {فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37]. لقد كانت التوبة طريقا لآدم يدرك من خلاله المعركة الأخلاقية التي يجب أن يخوضها، وأدرك أن التذكر هو الخلاص الأخلاقي من النسيان وأن طريق التذكر يكمن في اتباع هدى الله {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 38].

التوبة .. فرصة للقيام من جديد

إن الله يحب التوابين، هذا ما أكرمنا الله بنص القرآن، ولعل الخطأ ينطوي على فضيلة أنه يتحول لدى الخاضع لله إلى وسيلة للتذكر، وطريقا لمراجعة الإنسان نفسه، ومحاسبتها، والعدول عما فعله من تقصير وأخطاء، ولذلك قيل: “رب معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت استكبارا” [حكم ابن عطاء الله السكندري].

عالج علماء المسلمين موضوع عدم اقتراف الذنب أخلاقيا مبينين أنه “إذا لم يقترف ذنبًا، ولم يقدم على معصية، وداوم على البر والتقوى، فينظر إلى غيره ممن غرق في بحار المعاصي، أو أتى مخالفة، أو ارتكب محظورًا؛ فإنه يرى نفسه خالية من كل ذلك، فيدخله العجب، فلا يلجأ إلى بارئه، ويستفتح بابه، ويسأله، ويتواضع له، ويتذلل، فلا تظهر عظمة الربِّ وجلاله، ويخفى سرُّ الألوهية”[6]، لكن هذا الأمر مرتبط بالتوبة والاستغفار، لأن التوبة طريق أخلاقي يوصل العبد إلى محبة الله تعالى باعتبارها تذكراً. فإن كان الذنب نسياناً فإن الاستغفار تذكر. ولذلك فإن العبد يحاسب يوم القيامة على عدم تذكره، عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال صلى الله عليه وسلم-: (يَلْقَى العبدُ ربَّه يومَ القيامةِ فيقولُ اللهُ جلَّ وعلا: أيْ فُلُ ألَمْ أخلُقْكَ؟ ألَمْ أجعَلْكَ سميعًا بصيرًا؟ ألَمْ أُزوِّجْكَ؟ ألَمْ أُكرِمْكَ؟ ألَمْ أُسخِّرْ لكَ الخيلَ والإبلَ؟ ألَمْ أُسوِّدْكَ وأذَرْكَ ترأَسُ وتربَعُ؟ فيقولُ: بلى أيْ ربِّ فيقولُ: فظنَنْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟  فيقولُ: لا يا ربِّ فيقولُ: اليومَ أنساكَ كما نسِيتَني) [أخرجه ابن حبان في الصحيح]

وللتوبة شروط!

بالنظر في شروط التوبة نرى عدة أمور نستطيع أن نقرأها أخلاقياً على الشكل التالي: يجب أولاً الاعتراف بالذنب، فالاعتراف يقتضي أن الإنسان قد تذكَّر فحاسب نفسه، وأدرك تقصيره فيما فعله، فبادر للاعتراف.

أما ثانيها، أي عدم الإصرار، فلأن الإصرار يحيل إلى أن الشخص لا يرى في الذنب ذنباً أو يرى في نفسه قوة لمقارفته، وهو في ذلك ينسى أو لا يريد أن يذكر مبدأه ومعاده. فثمة فرق بين الإصرار على الذنب، والعودة إلى فعل الذنب، والفرق بينهما في القلب، فإن كان العودة إليه من ضعف البشر أمام الذنب فإنه ليس بإصرار، بخلاف المصرين، ولذلك ورد في تعريف المصرّين في الحديث بأنهم: (الذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون) [أخرجه أحمد في المسند]، وقد بُيِّنَ في حديث أن المستغفر ليس بمصر وإن عاود فعل الذنب ضَعْفاً. وإذا أردنا أن وضعنا هذه الأحاديث في نسق أو إطار واحد فيمكن القول بأن المصر هو من يكرر فعل الذنب دون نسيان ودون ضعف. أما الضعف البشري وما يقتضيه من مقارفة الذنب فإن قبول توبته مرهون بصدق قلبه العبد في التوبة

أما آخر الشروط فهو: الندم وردّ الحقوق إلى أصحابها، فالندم مهم باعتباره الحالة الروحية التي يرى الإنسان فيها نفسه مذنبا مدركا لأنه مستحق للجزاء، أما رد الحقوق إلى أصحابها، فإنه مهم لتستقيم الأمور بعد الخطأ.

مسك الختام

الإنسان مخلوق عجيب فهو جرم صغير لكن العالم الأكبر فيه انطوى، فهو على خلاف المخلوقات الأخرى يملك وعيا أخلاقيا بناء على وعيه بامتلاكه للحرية والاختيار. وهذا الوعي يجعله مدركا لأفعاله ابتداء وانتهاء. الخطأ واقتراف الخطأ قَدَر في حياة الإنسان الناقص، ومن قَدَره أيضًا امتلاك الحرية على النسيان والتذكر، فإن حوّل الخطأ وسيلةً للتذكُّر فذلك خطوة إلى الكمال، وهذا مرتبط بوعي الإنسان الذي سيدفعه إلى محاسبة نفسه والتوبة.


[1] انظر طه عبد الرحمن: روح الدين: 13

[2] الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه 7/4706

[3] تفسير الطبري 16/182

[4] المرجع السابق: 13

[5] الكلاباذي، بحر الفوائد 363

[6] الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية 159




التدين المغشوش والتدين الأخلاقي

ثمة تعبير للشيخ محمد الغزالي استعمله في عدة مواقع من كتبه وهو (التديُّن المغشوش)، وعندما استعمل هذا المصطلح فإنه كان يشير إلى ذلك النوع من الممارسات الدينية التي لا تنعكس على سلوك المرء أخلاقا فيقول: “عندما يتحول التدين إلى حركات بدن، وإتقان شكل، فإن حقيقته تضيع وغايته تبعد أو تتلاشى. المعنى الأصيل للتدين أن يكون حركة قلب، ويقظة فكر، أما المراسم الجوفاء والصورة الشاحبة فلا دلالة لها على شيء، ومن عجز عن تصحيح قلبه ولبّه فهو عما سواهما أعجز، ويوم يتولى عملا ما في المجتمع فسوف يكون نموذجا للفشل لأنه لن يدفع تيارات الحياة إلى حيث يجب، بل ستدفعه هذه التيارات إلى حيث تشاء. وهنا الهزيمة الشنعاء للدين والدنيا”. [من كتاب علل وأدوية] وفي مكان آخر تناول أثر هذا التدين المغشوش قائلا: وهذا “التدين المغشوش يقدم الهزيمة ويصنع التخلف، ويحس الناس معه بالحرج” [من كتاب الغزو الثقافي يمتدّ في فراغنا].

كيف نميّز التديّن المغشوش؟

يمكن القول إن التدين المغشوش هو ذلك النوع من التدين والسلوكيات الدينية الطقوسية والتي تمارس في أوقات معينة مع إغفال الواجبات الأخرى، وعليه فإن التدين لا يقوم بوظيفته في الفرد والمجتمع بل يؤدي إلى عكس ذلك، إذ إن صاحب التدين المغشوش ينظر إلى الدين إما على أنه طقوس شكلية تؤدى دون غايات، أو أنه ينظر إليه من منظور الربح فيلجأ إلى القيام بالأعمال التي يظن أنها –حسب رأيه- تكسبه حسنات فيكثر منها مع إغفاله لواجبات أخرى.

التديّن المغشوش بتصوري يلعب دورا مهما في إبعاد قسم من الناس عن الدين، ذلك أنه يقدم لهم أنموذجا غير سليم وغير صحي عن الدين، فإن لم يؤدِّ المتدين ما ينتظر منه من سلوك أخلاقي، فإن اللوم سينصب على الدين عبر ادعاء أن الدين لم يوفر له أرضية للتصرفات الأخلاقية، غير أننا ندرك من خلال قراءة آيات القرآن أن عمل الخير واجب المؤمن الأول، وهنا نتساءل ما البديل؟

كلنا يحفظ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [أخرجه أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد]. وهذا الحديث يحمل بعدا مهما في بيان غاية الدين وهي إتمام بناء الأخلاق. وإن صح لنا استخدام هذا التعبير التدين الأخلاقي فإنه يمكن القول بأن التدين الأخلاقي هو السلوك الديني القائم على ملاحظة الواجب الأخلاقي.

التدين الأخلاقي ليس طريقة جديدة في فهم الدين، بل هو تعبير عن حالة الإحسان التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المشهور، وهذه الحالة تقتضي وعيا تاما بالله، إضافة إلى وعي بأهمية واجب فعل الخير مع الله عبر استظهار عبوديتنا له، وفعل الخير مع الإنسان، وأخيرا فعل الخير مع العالم من حولنا من حيوانات وطبيعة جعلها الله أمانة في يدنا.

الأخلاق والدين .. توأمان لا ينفصلان ووجهان لحقيقة واحدة

ثمة اعتقادات وتصرفات خاطئة تقوم على النظر إلى الدين وفق منطق السوق، فتسعى وراء ما تعتقد أنه سيكسبها حسنات أو ثواب أكثر، وهذا يؤدي إلى أن يغيب عن منطقها ونظرها بعض الواجبات المهمة، وهذا عائد إلى عدم إدراك الشخص لهرم الواجبات وتراتبية الأعمال وعلاقاتها. وهنا يأتي الحديث عن الأخلاق في الدين، حيث تمثل هذه الناحية نقطة مهمة. فالأخلاق تعبر عن الشعور بالواجب في داخل كل واحد منا، والشعور بالواجب يقتضي أن يتجاوز الإنسان نفسه، بتعبير آخر فإن جوهر الأخلاق الدينية ضد الأنانية، لأن الأنانية تقتضي التمركز حول الذات، فلا حديث عن كرم أو محبة أو شفقة أو إيثار، أما جوهر الأخلاق الإسلامية القائم على التجاوز يعني أن يتجاوز الإنسان نفسه لينظر بعين الواجب إلى ما حوله، لذلك فإن فعل الخير غير محدود، فكلما فعلت خيرًا فثمة خير آخر يمكن فعله، وهذا الأمر مرتبط بعدة أمور أهمها معرفة الله ومحبته فكلما عظم هذا الأمر في قلب الإنسان كبرت عنده دائرة الخير، وفي ضوء هذا الأمر نفهم مسارعة أبي بكر رضي الله عنه للتصدق بماله كله أثناء الحاجة، إلا أن التديُّن قد ينفصل عن الأخلاق.

فقد يكون التزام صورة من صور التدين في بعض الأوقات منافياً للواجب الأخلاقي كما لو قام شخص بكثير من النوافل في وقت عمله في حين أن واجب الوقت لديه قد يكون أولى من تلك النوافل فقد يكون ثمةَ رجل غنيٌّ يكثر من بناء المساجد وهو يستغلُّ عُماله في مصنعه بأبخس الأجور بل إنهم رغم الأجر في وضع يحتاجون فيه لأموال من الزكاة.

 في الظاهر هذه الأعمال تبدو محمودة، لكن ولأن ظرف زمانها يقتضي فعل غيرها فقد انتفت عنها -برأيي- صفة الكمال الأخلاقيّ، فإذا عرفت الأخلاق بأنها حسن التعامل، فإن حسن التعامل يحتاج إلى تقدير للزمان والمكان والأشخاص، وإن لم يكن ثمة تقدير حكيم لهذه الأشياء فقد انتفت صفة كمال الأخلاق عنها.

ولعلنا نجد في بعض الأحاديث النبوية ما يدل على ذلك أو يلمح إليه فعن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية وكانت عند عثمان بن مظعون قالت: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاذة هيئتها، فقال لي يا عائشة، ما أبذ هيئة خويلة؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، امرأة لا زوج لها يصوم النهار، ويقوم الليل فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها وأضاعتها، قالت: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون فجاءه، فقال:” يا عثمان، أرغبت عن سنتي؟” قال: فقال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب، قال: “فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم”) [أخرجه البخاري في الصحيح ومسلم في الصحيح والنسائي في السنن].

إن تصرف الصحابي ورغبته في العبادة الكثيرة كان في غير موضعه لأنه أدى إلى تقصير أخلاقي في جانب مهم، ونفهم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أن فعل الصحابي ليس في محله وأنه مُنافٍ لسنته عليه الصلاة والسلام، وأن سنته هي حسن التعامل وأن لكل مقام مقال ولكل ظرف زماني ومكاني خلق وفعل يجب القيام به وفي بعض الأحاديث رأينا الرسول يخفف من صلاته -التي نوى أن يطيل بها- لأنه يسمع بكاء الطفل، وفي هذا إشارة إلى أن الواجب الأخلاقي يفرض اعتبارات لا بد من اعتبارها والسير على أسسها.

 

أثر العبادات في أخلاق الإنسان

أهم وصف للإنسان المؤمن هو العبودية، فهو عبدٌ لله، لأنه يقوم بالعبادات على اختلافها وتنوعها، إذ إن العبادات طريقٌ يقرب الإنسان من الله تعالى، ولكن هذه الوظيفة المهمة للعبادات مقترنة بتحقيق أهدافها، ذلك أنه لكل عبادة هدف أخلاقي وهذا الهدف يتم الوصول إليه على مراحل عبر وعي الإنسان به وعبر محاسبته وبذله الجهد.

ثمة آيات وأحاديث تناقش الوظيفة الأخلاقية للعبادات، وفي نفس الوقت تحذر من عدم الاهتمام بهذه الأهداف الأخلاقية، ففي عبادة الصلاة المفروضة التي تتكرّر خمس مرات في اليوم والليلة يقول الله تعالى عن أثرها الأخلاقي: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]، وفي الصيام يقول الله تعالى عنه  {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة:  183] فالتقوى درجة أخلاقية وروحيّة يُنتَظَر من الصائم الوصول إليها، وفي أحاديث أخرى يشير النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهمية أن ينتبه الإنسان لغايات الكمال الأخلاقي المقصود من العبادات فقال -على سبيل المثال-: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع صيامه وشرابه). [أخرجه البخاري في الصحيح] وقال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) [أخرجه النسائي وابن ماجه في سننهما]، وهذا الحديث الأخير مهم في بيان أن العبادة لا تؤدي مبتغاها الإيماني ما لم تحقق هدفها في التكامل الأخلاقي.

هذه الأحاديث تخبرنا أن للعبادات روحًا تشكِّل سلوك الإنسان الفاضل، وأنه كما يجب الاهتمام بأداء الجانب الظاهريّ المفروض من العبادة فإنه لا بد من العناية بالوصول إلى الأثر الروحي لها والمتمثل في أهداف التكامل الأخلاقي.

على سبيل الختم

الأخلاق الفاضلة هي ثمرة الدين وأحد أهم غاياته، وكما أن الشجر قد يثمر وقد لا يثمر، فإن التدين قد يثمر وقد لا يثمر، ومن أجل إثمار شجرنا لا بد من بذل الجهد، فالله تعالى يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا} [العنكبوت: 69]

إن تديننا وسلوكنا يعكس فهمنا للدين، غير أن ذلك في الوقت نفسه يشرح للناس الكثير عن الدين الذي نؤمن به، لذلك فإن التدين المغشوش مسؤول عن كثير من المشاكل التي نعيشها سواءً في حياتنا الفردية أو في حياتنا الاجتماعية.




سيرورة الحداثة والعلمنة.. من حداثة السوق إلى علمنة الحياة!

لم تكن الحداثة مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل سيرورة جديدة يدخل فيها الإنسان في مرحلة جديدة من الوجود، حيث تغير فيها -بحسب تعبير د. هبة رؤوف عزت- “مقومات العيش الإنساني وأُعيد تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معاني أكثر اقترانا بالرأسمالية في مراحلها المتتالية؛ وبالتالي أعادت طرح سؤال: ماذا نعني بالإنسانية وما خصائصها” [من مقدمة كتاب الحداثة السائلة]. فالحداثة لها طرفان: هدم ومن ثم بناء جديد، وأثناء هذا وذاك، ثمة حديث عن فصل شديد بين المجالات وخاصة الأخلاقية والدينية عن مجرى الحياة ومن ثم إعادة تمركز متطرف حول الإنسان فقط باعتباره مالكًا وليس مستخلَفًا، وهذا ما يمكن أن يشار إليه بالعَلْمَنة.

العلمنة .. فصلٌ مؤقّت أم مسار حياة؟

ثمة محاولات للخداع تدور دائمًا على الألسنة –خاصة في الوقت الراهن- في وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن العلمنة فصل للدين عن الدولة، أي أن تقف الدولة على مسافة حيادية واحدة من جميع منتسبي الأديان، وألا تفضل أحدا لسبب ديني.

لقد انتبه إلى هذه الخدعة عدد من المفكرين مبينين أن العلمنة في جوهرها فصل للقيم الأخلاقية عن الحياة، لكن أي حياة؟

اصطدم د. عبد الوهاب المسيري بالمجتمع الأمريكي الحداثي، وكان هذا دافعًا له ليحلله مقارنًا إياه بمجتمعه المصري التراحمي، فأبدع مفهومين مركزين للدلالة على حال الحداثة المقترنة بالرأسمالية، فصار لدينا (مجتمع التراحم) في مقابل (مجتمع التعاقد)، وتبرز هنا مفاهيم الرحمة والعقد كمفاهيم مركزية ومفتاحية لفهم النماذج الفكرية في كلا المجتمعين، ففي المجتمع الأول تبرز الأخلاق القائمة على الرحمة في حين أن المصالح القائمة على الاتفاقات الشديدة الوضوح والتي لا تحتمل التأويل ولا التراجع عنها هي أس القيم للرأسمالية النفعية.

الثورة الصناعية .. صعود أم انحدار؟

جوهر القيم الأخلاقية يتركز في كونها عقلًا يمنع الإنسان عن مقارفة ما يسيئُ ويدفعه للقيام بما هو واجب، وكلما زادت أخلاق امرئٍ ما زادت دائرة واجباته، فالكريم لا يكتفي بإعطاء الزكاة بل يتبعها بالصدقات نظرًا لأنه يرى أنه موكل بوظيفة مساعدة الناس، وفي هذا الإطار يمكن فهم تصرفات عدد من الصحابة وغيرهم من الذين أخرجوا نصف أموالهم أو أكثر صدقة.

غير أن الثورة الصناعية التي تحققت في عصر النهضة غيَّرت كثيرًا من المفاهيم، لقد فتحت عجلة الصناعة ودورة التصدير شهية التملك والسيطرة وكسب المال، فظهرت سرديات فلسفية تمجد من الإنسان –الغربي- وقدراته وقوته واكتفائه بذاته، وانعكست هذه الفلسفات على الواقع بشكل أفكار الرأسمالية والاستعمار واستجلاب العبيد ونشأت سرديات تمجد النجاح المادي وبدأت أسطورة تحقيق ثروات بالتخلق وساعدتها لاحقًا الدعايات والأفلام في التضخيم.

في ضوء كل هذا أعيد النظر إلى الأخلاق على أنها قوانين يحتمي الضعيف بها، ومن أجل تخفيف القيود نُظِر إلى الأخلاق –التي هي تجلٍّ حقيقي للدين في حياة الفرد– على أنها قيد يجب التخلص منه. وهكذا بات ينظَر للدين –والأخلاق بالتالي– على أنها شأن شخصي بعد أن كانت مرتكزًا جمعيًّا واجتماعيًّا.

من دكان “المعلم” إلى الشركات العابرة للقارات.

في إحدى القصص -التي قد لا تكون حقيقية وإنما تشير إلى الحالة الجمعية والمخيال الجمعي– يفِد جواسيس من جيش الأعداء إلى المدينة فيدخلون السوق متنكرين ويذهبون إلى أحد الدكاكين ليشتروا بعض الأشياء فلما اشتروا حاجتهم الأولى وأرادوا ابتياع شيئا آخر طلب منهم صاحب الدكان أن يشتروها من جاره بحجة أنه باع بعض الأشياء في حين أن جاره لم يبع شيئًا بعد، فلما أخبر الجواسيس قائدهم عدل عن فكرة غزو البلدة مبينا أن هزيمة هذا الشعب غير ممكن.

هذه الحكاية قد تكون من نسج الخيال كما أشرت لكنها مهمة لفهم المجتمع وارتباطه بالأخلاق حتى في مجال الاقتصاد، بتعبير آخر فإنه لا يمكن الحديث عن شعب متماسك دون أخلاق حاكمة حتى في المجال الاقتصادي، هذه الأخلاق كانت تُعلَّم وتنقل عبر الأجيال بواسطة (المعلم) الذي كان يعلّم (الصناع) الجانب التطبيقي مع الجانب الأخلاقي بتعبير آخر ثمة معرفة نظرية وتطبيقية تتوارث وتنقل عبر الأجيال، وفي هذا الإطار ظهرت عائلات اشتهرت بـ”شيخ الكار” الذي يمثّل رئيس الحكماء في مهنته، فهذه المعرفة كانت تنتقل وتهذّب وتشذّب، غير أن فترة الحداثة غيّرت هذا وجعلت مهمة “المعلم وشيخ الكار” في يد مدرّبي التسويق وخبراء التنمية البشرية، وثمة فرق شاسع بين “المعلم” و”المدرب” فالتدريب يحيل إلى تعليم تقني مبرمج أكثر من “المعلم” الذي يأتي من العلم بداية والاحتكاك والاستمرار والمداومة. كما تغيّرت فكرة الاتجار مع الناس من الاستفادة وبناء ثروة شخصية إلى الاحتكار العالمي والسيطرة على الموارد وتركيز الثروات في أيدي الشركات العائلية –في جوهرها- العابرة للقارات.

رحلة المعرفة من الكلية إلى الجزئية

من الكتاتيب ومدارس الأمس إلى معاهد وجامعات اليوم، هذا ما جرى في رحلة المعرفة، فالتعليم الحديث بالرغم مما حققه من قفزات فإنه في الأصل يهدف إلى تخريج جيل من الشباب المهيئين نفسيا و”معرفيا” للعمل في معامل الحداثة وشركاتها العابرة للقارات، وهو تعليم يشتغل بتطوير مهارات معينة مع إغفال مهارات أخرى، لذلك فإن علوم الرياضيات والفيزياء وغيرها أكثر حضورا فيه.

بتعبير آخر فإن التعليم في زمن الحداثة تعليم تجزيئي ولا يمكن أن يقدم تصورا كليا عن العلوم والمعرفة. لأن هذا لا يخدم “الثورة الصناعية” وما ترتبط به من الرأسمالية والعلمانية.

ثمة تصور للمعرفة قائم على الإدراك الكلي للروابط بين العلوم المختلفة، فكل العلوم تؤدي –في نهاية المطاف- إلى نقطة واحدة، فالطالب –من خلال هذا المنهج- يطّلع على كل العلوم النظرية والتطبيقية ثم يختص بواحد منه مدرِكًا لعلاقة اختصاصه ببقية العلوم، ولذلك نجد في وصف العلماء القدماء ما يلفت النظر من كونه عارفًا بالعلوم النظرية وغيرها، وخذ مثالًا على ذلك الإمام الغزالي والرازي أو الفارابي وابن سينا وابن رشد حيث كان اطلاعهم على بقية العلوم المختلفة عاملا في توازن نظرتهم وعدم وجود تصادم معرفي مفرطٍ في حياتهم، أما المعرفة الحالية فهي معرفة مبتسرة مختزلة لا تستطيع إيجاد تصور كامل وشامل للكون، ولذلك نرى إشكالات معرفية في أفكار بعض من يوصفون بأنهم (رجالات العلم) حيث وجود أي دورٍ للعلوم الإنسانية والتفكير القائم عليها إلى جانب طغيان العلم المادي وتطوره بشكل يدعو إلى القلق، فالعلم في جانب من جوانب تطوره أصبح قاتلا ومخيفا وقد بدأت أصوات تتعالى بضرورة وجود حدود أخلاقية له.

لقد أفضت هذه الحالة التعليمية التجزيئية إلى أن تظلم بعض التخصصات المعرفية بتحميلها ما لا تحتمل فيدفع بها لتقديم أجوبة عن أسئلة ليست من حدودها وهذا ما نراه في حالة (العلموية) حيث ينظَر مثل إلى الفيزياء على أنها العلم الذي يجدر به تقديم الجواب عن أسئلة كلية كبرى كونية والحال أن هذا العلم مثلًا لا يستطيع أن يجيب عن أكثر من سؤال ” كيف”، وليس “لماذا”، وشتان بين السؤالين!

قصة نقل الحياة من “نحن” إلى “أنا”!

اِلْحق شغفك واسعَ وراءه، قم بما تحب، ادرس ما تحب، عبارات قد تكون جميلة ومحفزة في ظاهرها، لكن من المحتمل أنه لو درسنا خلفياتها لرأينا شيئا مختلفًا! فالسعي وراء الشغف يُخفي وراءه حياة فردية تتنكر لمتطلبات كون الإنسان مخلوقًا اجتماعيًّا، فثمة تصور للحياة مسبق قائم على التجمع والتكافل -أو كما سماه المسيري- فهو مجتمع التراحم، وقد ظهر الآن مكانه مجتمع الحياة الفردية بتسميته الأخرى مجتمع التعاقد.

في هذا الإطار ليس على الفرد إلا القيام بما يراه مصلحة أو يحقق سعادة له وهكذا ظهر في أدبيات التحفيز والتنمية عبارات من مثل الحق بشغفك، وحقق ما تحب، وقد تخفي هذه العبارات أشياء أخرى توحي بأنه يجب عليك أن تعيش في هذه الحياة فردًا لا يبصر معاناة الآخرين، ولا يهتم بما يواجه المجتمع من تحديات مختلفة!

ناقش المسيري هذه الفردانية وأساسها المتمثل في الحرية بناء على أنه قد ‏”أصبح من الممكن إغواء الإنسان الفرد وإيهامُه بأن ما يرغبُ فيه هو قرارٌ حرٌ نابعٌ من داخله، ولكنه في الحقيقة، شاهدَ مئات الإعلانات التي ولَّدت الرغبة الذاتية، وخلقت عنده الرغبة التلقائية” [الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، عبد الوهاب المسيري]

وهنا، فإنه من المؤكد أننا لا ندعو إلى محو الإنسان لذاته على حساب الجماعة، إلا أنه في الوقت نفسه يجب ألا ينظَر إلى الحياة ضمن منظور فردي يؤدي إلى نزاعات وإشكالات تظهر آثارها التدميرية على الكون منذ الآن، فالجشع المرافق للنظرة الفردانية وحب التملك الذي سيؤدي إلى التدمير البيئي آفات نراها اليوم في كل مكان.

خلاصة

إن العلمانية المتضمنة في جوهرها لتيارات الحداثة قد ولّدت كثيرًا من الإشكالات على المستويات الوجودية والمعرفية والأخلاقية، فعلى المستوى الوجودي بات الإنسان يرى نفسه مالك الكون وليس مجرد مستخلَف فيه، وكونه مالكا يعني أن كل شيء في منظور مباحٌ، ولهذا اكتسبت العلوم التي تهيئُ له السيطرة عليه أولوية في النظام المعرفي والعلمي، وهنا نواجه مشكلة معرفية فالعلم الكلي غاب عن مناهج التعليم لحساب العلم الجزئي.

إن نصف حقيقة -كما يقال- أخطر من كذبة، فالعلم الجزئي يولد كثيرا من الإشكالات التي لن تستطيع العلوم الرياضية والفيزيائية حلها، أما على المستوى الأخلاقي، فالإنسان الاجتماعي الذي يعيش ضمن منظومة جمعية من القواعد والمعارف بدأ يغيب لحساب الإنسان الفردي الذي يميل لقضاء حياة وحده وغاب مفهوم الأسرة لحساب المعاشرات السريعة وهكذا بدأنا نرى حروبا -وإن لم تكن معلنة- بين الناس الأفراد الموجودين في مدن مدججة بأنظمة المراقبة والأمن.




عصر الحداثة وما بعدها والإنسان ذو البعد الواحد

في رواية جورج أوريل المشهورة 1984 والتي تتكلم عن ميل الدولة لتنظيم تفكير الناس وفق ما تريده من مصالح، فتكذب وتغير الحقائق، وهكذا ما يكون اليوم صحيحًا يغدو غدا باطلا، وما يكون اليوم أبيض سيغدو بعد يوم أسود، وكل هذا يجري وفق مسميات مثيرة للضحك والبكاء في نفس الوقت فوزارة الحقيقة هي من تتولى هذه الأعمال، أما وزارة الحب فهي مسؤولة عن قتل الناس وتسميم حياتهم.

ضمن هذه الرواية وأحداثها ثمة حدث مثير للاهتمام، وهي أن لجنة من الحزب اجتهدت لوضع لغة جديدة للاستعمال بين الناس وهدفت هذه اللغة إلى إخراج كثير من كلمات اللغة المستعملة بحجة أنها مترادفات ولا حاجة لنا إليها فما الضرورة في استخدام كلمات كالعشق والوله والهيام إذا كان الحب يعبر عن مضمونها؟  وعندما تختزل اللغة ستختزل تفكير الناس وعند ذلك يتم تسطيح آمالهم ومشاعرهم وطموحاتهم!

لكن ما الضير في ذلك؟ فلتبقَ اللغة لغة رياضية رشيقة بقلة مفرداتها.

جريمة الاختزال

إن اختزال اللغة يعني اختزال الإنسان إلى مستوى يبقى فيه الإنسان عائما في السطح، حاله كحال لوحة استخدمت فيها درجة واحدة من لون الأحمر مثلا، فكما هو معلوم فإن لكل لون درجات متعددة، وكل درجة تعطي معنى وجمالا، وتكامل هذه الدرجات مع بقية الألوان يبث في النفس جمالا فريدا. وكذلك اللغة فإنها ليست مجرد أداة لتوصيل للأفكار فقط، بل هي أعمق من ذلك، فهي وعاء فكري للإنسان به يفكر ويعبر ويشرح ما يشعر به، وكلما كانت الكلمات المستخدمة أكثر دقة في التعبير عن الحالة كلما كان المعنى الذي يصل إلى الشخص أعمق، لكن ما الذي سيحدث إن قلمنا أظافر اللغة وقللنا من المفردات المستخدمة وجعلنا هذه اللغة أكثر علمية كقواعد الرياضيات؟

سيكون التواصل سطحيا مقتصرا على كلمات يتآكل المعنى فيه من كثرة الاستخدام اليومي إلى أن نبقى عائمين في سطح لغوي هش، وتبقى اللغة عاجزة عن وصف عمق الفكرة أو عمق المشاعر، وإذا اختزلت اللغة وبقيت عائمة في سطح لغوي فإن الإنسان وتفكيره نفسه سيبقى سطحيا عائمًا مختزلًا.

وهكذا فإن الأمر سيتجاوز الحال من اختزال اللغة إلى اختزال الفكر واختزال الإنسان، ومن تسطيح المعرفة إلى تسطيح الوجود برمته، وتحويل الإنسان إلى كائن سائل وسطحي.

ومن هنا فإن جملة ما نعانيه في هذه الأيام وخاصة في فترة ما بعد الحداثة هو اختزال القضايا الكبرى في جملة من الكلمات أو في تفسير سطحي لا يعدو تقييمها وفق نظرة خارجية.

لقد أثّر هذا في تعامل الناس مع القضايا الاجتماعية الحياتية، ففي كتبه التي تناول فيها مفهوم السيولة، تكلم أستاذ الاجتماع زيجمونت باومان عن تحول المفاهيم الكبرى وانزياحها لتصبح في تعاملاتنا اليومية مجردة عن معانيها وقد وصفها بانها أصبحت كالماء السائل لا تقف في مكانها لأنها خاوية من المعنى، فما كان سابقًا قيمة كبرى كالحب أصبح اليوم مجرد علاقة سطحية لا تعدو كونها إشباعًا لشهوة مؤقتة، وما كان رابطة بين شخصين كالصداقة أصبح اليوم محكومًا بتقلبات السوق؛ إلا أن أكبر ما يؤرق هنا هو أن تُختزَل القضايا الكبرى وتُسطَّح لتصبح ذات بعد واحد وأفق ضيق، فالإنسان بما فيه من عمق وبما تعتريه من أحوال وما يحكم سلوكه من مؤثرات أخلاقية وعقدية واجتماعية قد تم اختزال قصته إلى تطور، وهذا التطور ليس فقط مقاربة بيولوجية بل غدا نموذجا يفسر ماهية الإنسان وسلوكه وأخلاقه، وكذا الحال في مكانة الدين لدى البشر في أحوالنا المعاصرة فقد تم اختزاله إلى كونه مجرد محتوى طقوسي ثقافي أو قاموسًا للدلالات الأنثروبولوجية.

هذه السطحية أحدثت تغيرات كبيرة على مستويات التفكير والتعامل مع القضايا الاجتماعية ذات التعقيد البالع ومن ثم فقد اختزِل الإنسان إلى مجرد حيوان يتطور كغيره من الحيوانات، ومن هنا صار ينظَر لحالات المثلية الجنسية على أنها أمر طبيعي لا يحتوي على إشكاليات سلوكية أخلاقية بل على أنها نتيجة طبيعية لتأثيرات جينية، أي يتم التعامل معها على المستوى البيولوجي. وعلى هذا فلا إشكالية البتة فيها، وعلى هذا المستوى البيولوجي يتم التعامل مع كل شيء يخص الإنسان، وإذا تم النظر إلى الإنسان من هذا المستوى فلن تبقى هناك قيمة مرجعية أو معيارية وسيغدو كل شيء مشروعًا بالنسبة لحيوان بيولوجي.

حتى الفلسفة!

انسحب هذا الأمر على كثير من مستويات التفكير والمفاهيم الفلسفية، بل إن الفلسفة ماتت كما أعلن الفيزيائي ستيفن هوكينج –رغم أنه كان ذا فكر سطحي في الفلسفة- وهذا طبيعي جدا، لأن الفلسفة تنطلق من مبدأ أن الإنسان كائن مفكّر، وتتعامل معه وفق مستوياته المتدرجة والعميقة، وإن كانت الفلسفة قد ماتت، فهذا يعني أن التفكر والتأمل وغيرها من مصطلحات تعنى بوعي الإنسان لم يبق لها مكان من الإعراب في عالم بيولوجي سطحي..

إن الحرية التي كانت في وقت سابق أساس عصر التنوير والحداثة أصبحت اليوم مفرغة من معناها عندما تم النظر إلى الإنسان على أنه مخلوق لا يستطيع تجاوز قوانينه البيولوجية التطورية.

إنسان المتاهة .. مؤثرو العالم الافتراضي!

في عالمنا المدفوع بالجشع نحو المال والكسب، وفي العالم الافتراضي السطحي المفتوح تصدر الشاشات والمنشورات أشخاص يتكلمون عن كل شيء بشكل سطحي لا اختصاص لهم سوى أنهم من جملة ما أصبح معروفا بـ” المؤثرين” أو ” صناع المحتوى”، ومع كمية الغش الموجود في هاتين التسميتين فإن لهؤلاء الأشخاص سلطة معرفية وعلمية في كافة المجالات تقريبًا، ونظرة على بعض قنوات اليوتيوب نرى مصداق هذا فهؤلاء المتصدرون يتحدثون عن مسائل علمية شائكة أو مواضيع فلسفية معقدة في دقائق معدودة مصدرين الحكم في هذه الأمور دون أن يكون لهم خلفية علمية أو اجتماعية معينة. ومع ضيق وقت الناس أصبحت هذه المقاطع أو المنشورات بمثابة مراجع يستقي الناس منها توجهاتهم

خاتمة لعلها تكون عميقة!

عبر تاريخنا الإسلامي ثمة مدح للصمت، ومدح الصمت ليس باعتباره صمتا بل لأنه وسيلة للتفكير العميق والتأمل الذي يفضي إلى قول ما هو أقرب للصواب وذلك كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [أخرجه البخاري]، وهذا الأمر أصبح غريبًا في عالم مليء بالضجيج…

التفكر والتدبر والتعقل والتذكر كلها مصطلحات أساسية في تاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة على حد سواء وهي تشير إلى مستويات متعددة من التفكير التي تجعل الإنسان إنسانًا، لكن الأمر اليوم مختلف جدا…  لكن اليوم ثمة اختزال للإنسان وهذا الاختزال يتم لصالح تسطيحه وتسطيح الإنسان يعني قطعه عن السماء وحبسه في عوالم سُمِّيَت زورًا وبهتانا وزارة الحب والحقيقة وليس لها من عمل إلا نشر الكره والخديعة الكبرى.




تعليم الدين في زمن الوسائط المفتوحة: تعلّم الدين من غير معلم!

عندما كنت صغيرًا كانت أجمل اللحظات التي عشتها هي وقوفي في الأرصفة أمام بائعي الكتب، أطالع العناوين الشائعة والمرغوبة من العامة، من الروايات البوليسية إلى كتبٍ الطبخ والتمثيل، وهناك بالطبع الكتب التي تدعي أنها تعلمك اللغات الأجنبية من غير معلم في خمسة أيام أو في أسبوع…

لقد كان أسلوب هذه الكتب قائمًا على كتابة بعض الجمل المهمة بحروف عربية، ثم ما عليك –أيها المتعلّم- سوى أن تهجّئ هذه الكلمات لتصل إلى الادّعاء بأنك قد تعلمت اللغة في فترة قصيرة من غير معلّم كما يدعي الكتاب.

سؤال الموثوقية؟

فكرة هذه الكتب لم تكن سوى بداية القصة بتصوّري، ففي عصر الانترنت والوسائط المفتوحة، وفّرت كثير من المنصات في عالم الشبكة المفتوحة -وخاصة يوتيوب-مئات الفيديوهات لكثير من الموضوعات العلمية وغيرها، يقدّمها أشخاصٌ لا يمكن التأكّد من خلفيّاتهم، وهنا تبرز المشكلة؛ وهي أن هذه الفيديوهات لا تخضع للتدقيق، ولا تمرّ –في غالبيّتها- على مبضع الرقيب العلميّ[1]، حيث يتبادر بلا شكّ سؤال الموثوقية إلى عقل المشاهد، فما الذي يدفعُه للوثوق بهذا المحتوى، وهل كثرةُ التفاعلات بالإعجاب هي الطريق الصحيح للتأكد من الموثوقية؟

أم إن الباعث هو جِدَّة الفكرة التي تقدّم –وهنا نقول إن الفكرة الجديدة لا تعني أنها جيدة كما يتبادر إلى كثيرٍ من الأذهان-؟ أم إن المعيار هو كثرة المشتركين والمشاركين للفيديو أو المنشور؟!

بتعبير آخر: ما مرجعية الصحّة والبطلان في المعلومات المذكورة أو مصدرها؟

هذا السؤال يعني سؤال الموثوقية يكون واضحاً ومهماً في المواضيع الحساسة كالطب أو الدين، فكما أنه لا يجوز سماع نصيحة من شخص يقول شيئا متعلقاً بالطب إلا بعد فحص ما يقوله عند من يعرف الطب معرفة واسعة، فإنه كذلك لا يصح منطقاً السماع إلى من يقدم شيئًا حول الدين إلا بعد التأكد من صحة ما يقوله هذا الإنسان، ولعلنا نذكر هنا كثرة التسجيلات المصوّرة التي ظهرت في فترة كورونا حول مصدره وعلاجه، ولعلنا نذكر كيف أن غالبها كان دجلاً وتلفيقاً.

وإذا انتقلنا إلى الفيديوهات الدينية فإن الأمر لا يختلف، فيكفي أن تبحث بحثًا صغيرًا في اليوتيوب عن موضوع ما لترى كثرة المحتوى فيه من مختص وغير مختص؛ حيث إن كثيراً من “صانعي المحتوى” في العالم الافتراضي يقدمون سلاسل معينة عن موضوع ديني ما، ويحاولون أن يقدّموا رأياً معيناً أو أن ينتقدوا فكرة ما، إلا أنه في أيامنا هذه ظهر-إلى جانب ذلك- “موضة” الاستنباط المباشر من القرآن مع تغييب السنة ودون امتلاك أساس شرعي أو علمي.

تابعتُ أخيرًا فيديوهات –كل فيديو أكثر من نصف ساعة– عن كيفية الصلاة وأعداد ركعاتها بالاعتماد على آيات القرآن فقط، وتابعت فيديوهات أخرى في نفس الموضوع لشخص يستنبط أعداد الصلاة بنظام حسابي معقّد[2]، وكان الهدف من ذلك كله، إلغاء العودة إلى السنة!

هذه الفيديوهات القصيرة والسريعة في إيقاعها والتي تعتمد على المؤثرات الصوتية والصورية، هي تمامًا مثل كتب تعلّم اللغة من غير معلم، ذلك أن المعلم لا يهتم للتعليم السريع، بل بإنشاء البناء المعرفي القائم على أصول معينة، والذي يؤتي أكُله بعد جهد جهيد.

أبنية بلا أسس!

في كل نوع من أنواع المجالات العلمية والبحثية ثمة اختلافات في الرأي، ويصدق هذا في الطب والهندسة وغيرهما من مجالات العلوم التطبيقية والنظرية، إلا أنه بالرغم من الاختلاف، ثمة أصول عامة ومبادئ كلية تحكم هذه الاختلافات وتؤطرها، بحيث تجعل الاختلاف ممكنًا، لكن المشكلة في أنماط الفيديوهات التي أشرنا إليها وغيرها من مناشير العالم الافتراضي أنها لم تبنَ على أصولٍ واضحة ومتسقة مع بعضها، وكثيرًا ما يجري الحديث عن آراء ذاتية وشخصية قد تكون معتمدة على فهم ناقص أو نظر قاصر، ومن ثمّ فإنه لا يمكن الاعتماد عليها في التعلّم أو اكتساب العلم.

إن التعليم يحتاج إلى تخصص، والتخصص هنا لا يعني الدراسة في كلية معينة فحسب، بل أن يكون مطلعًا على مصادر الاختصاص مع فهم تاريخه وتاريخ تطور الآراء وكيفية استنباط الحكم من الأصول.

ومن مشاكل فيديوهات ومناشير العالم الافتراضي أنها لا تقوم على أرضية ثابتة من الأصول الفكرية، إنما يعتمد جمعٌ غفيرٌ من المؤثرين فيها على رصيدهم من المعجبين والمشاركين[3]، كما قد يعتمد بعضهم على حاجات المجتمع، فتستغل هذه الحاجة لتقديم رأي شخصيٍّ يقدّمه صاحبه وكأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال المبين، بالرغم أن الشخص ذاته يقدم نفسه على أنه منافح عن حرية الرأي.

إن بناء الرأي الشخصي القائم على التفكير وفق أصول متسقة هو المطلوب، سواءً اتفقنا معه أو اختلفنا، فوجود الأسس يحاكِم البناء، وبه يظهر الثبات من الانهيار، وذلك كما قبل المسلمون سابقًا وجود اختلاف بين المعتزلة والأشاعرة مثلًا، كون الطرفين قد اعتمدا في إبداء تصوراتهم على قراءات معمقة وأصول واضحة.

يمكن القول إن فيديوهات “صانعي المحتوى” وغيرهم تعتمد الضغطَ على الوتر العاطفي لدى المشاهد، فيتم الانتقال على الفور إلى تلقين النتائج دون إبراز الأدلة المقنعة، ولدى مشاهدتي لعدد من الفيديوهات وجدت أنّ بعضهم يردُّ أحاديث كثيرة ممّا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عقله لم يقتنع به ويكفي هذا دليلاً على أن الحديث مثلاً لم يتناسب مع فكره أو يَرُق لعقله[4]، ولكم أن تتخيلوا خطورة هذا الوضع فإذا فتحنا باب القَبول الشخصي معيارًا لأيّ فكرة؛ فهذا يعني أننا فتحنا باب “التشهّي الذاتي” الذي سينتهي بنا في دوامة من الاشتهاءات المتضادة.

أسطورة الاجتهاد الشخصي!

هنا قد يعترض البعض قائلاً بأن الاجتهاد مفتوح، وبأن ما يقوله صانع المحتوى إنما هو رأي قد يصيب وقد يخطئ، وللمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ!

وددتُّ لو أنّ هذا الأمر يكون على هذا النحو، إلا أن هذا الادعاء لا يصح في باب التعليم ونشر الوعي؛ إذ إن جرم الإفساد والخطأ المتعمّد فيه مضاعف، لما له من أثر ممتدٍّ في عقول أجيال متتالية، كما أن مقولة “المخطئ له أجر” تتجه لمعنىً آخر، فالمجتهد المخطئ المأجور هو من حاز وأدرك شروط الاجتهاد وأولها معرفة القرآن والسنة معرفة تامة مع معرفته باللغة، واللغة هنا ليست مجرد قواعد نحوية بل الاطلاع على فقها ومنطقها، فكما لا يجوز الاجتهاد في معالجة المريض إلا ممن حاز فهمًا ومعرفة وممارسة بالطب، فكذلك لا يصح الاجتهاد في معالجة المسائل الدينية إلا ممن حاز المعرفة والفهم والاجتهاد في الدين.

وهنا لا بد من التنبيه إلى أنه ثمّة خلط خطير في زمن الوسائط المفتوحة بين نقطتين هما: المعلومات والتعلّم، حيث التركيز الأكبرُ على جمع المعلومات وإغراق المستمع بالكثير منها لإيهام المستمع بأن المقدم على اطلاع واسع وتبحُّر كبير، وهذا من آثار العصور الحديثة، ففرق بين المعلومة وبين العلم والتعلّم، إذ إن كثرة المعلومات دونما إدراك لها وهضمها لا يؤدي إلا إلى آلام في العقل وسوء تصرفات في السلوك، وذلك كحال من يكثر من أنواع الطعام فيصاب بآلام المعدة؛ إذ إن العلم يبدأ من حسن التعلم وحسن استخدام المعلومات وإدراك العلاقات من المنشأ إلى النتيجة ليصل إلى ترتيب منطقي من المعلومات إلى التعلم فالعلم.

في عصر الوسائط المفتوحة، ما الواجب؟

لعل هذا هو السؤال الأهم، فالدين عنصر مكمّل لمعنى الإنسان ومن دون الدين سيفقد الإنسان بُعده المعنوي؛ إذ إن انتفاء وجود الدين سيقطع الصلة بين الإنسان وبين الله؛ ولذا فإنه من الضروري أن يكوّن الإنسان تصورًا واعيًا وشاملًا عن الدين حتى يستطيع أن يستكمل حياته الإنسانية، ولا بد –بكل تأكيد- أن يكون ذلك التصور مبنيًّا على أسس متينة، وهنا يظهر لنا أهمية السؤال: “ما الواجب في عصر الوسائط المفتوحة”؟، وكيف لي أن أقوّم التصور الذي يقدمه شخص ما حتى آخذ منه؟

إنّ التعلّم الديني تخصُّص من الاختصاصات التي يحتاجها أي مجتمع مهما كان دينه، ذلك أن الدين عنصر أصيل في حياة الإنسان، نظرًا لكون الدين منظومة تعنى بالعالم الغيبي وبالبحث عن المعنى من الوجود، وإذا حصل أي اختلال في تصوّر مجتمَع عن الدين فإن حياته ستصاب بالفساد، وعلى هذا فإن المختصّين بالدين عليهم أن يكونوا على وعي كبير واطلاع واسع بالدين ونصوصه وأهدافه ومقاصده، إضافة إلى فهم لأبعاد الحياة والإنسان، وهنا أحيل إلى فكرة مفادها أن علوم الآلة – والتي تعني العلوم المساعدة لطالب العلم في فهم النصوص الدينية كالنحو والبلاغة والصرف والمنطق- تتغيّر حدودها ومساحاتها بحسب الاحتياج لها على تغيّر الأزمان، فقد يكون من الأفضل أن تنطلق علوم الآلة في عصرنا من علوم الاجتماع، ولا أعني أن يكون طالب العلم مختصًّا بها بل أن يكون مطلعًا عليها ومتابعًا لسيرها.

إنّ المعلم الديني يدرك فقه الأولويات في التعليم فلا يبدأ من بائه إلا بعد أن ينتهي من ألفه وهكذا، فهو خبير بتسلسل المواضيع وتراتُبيّتها وعلاقاتها مع بعضها، فلا يُقدِم على موضوع إلا بعد أن يؤسس له وهكذا، كما أن هدف التعليم الديني ليس إخراج المتخصصين في الدين -بالدرجة الأولى-، بل تخريج المثقّفين من ذوي التمكّن الديني والشرعي، كما أن ليس هدف هذا التعليم تأهيل الناس جميعًا لتقديم الفتوى؛ إذ إن الفتوى ليست عملية رياضية يمكن لأي إنسان القيام بها، وإنما هي عملية تقويم واسعة المدخلات ودقيقة الإجراء.

إن الواجب الأول –في عصر الوسائط المفتوحة- هو عدم التسرع في الاستماع وبناء القناعات بناءً عليها، أو على الأقل التمهّل في تبني ما نسمع في فيديوهات هذا العالم المفتوح إلى حين البحث والتمحيص والسؤال عن قيمة ما يُقدّم لي فيها، فالتريث وعدم التعجّل واجب يفرضه إيقاع نمط حياتنا،  وسؤال من نثق بهم ومن نعرفهم من الثقات العدول قد يكون دواء –مبدئيًّا- مانعًا للانكسار ودافعًا للنهوض بالتدريج.


[1] في أحد الفيديوهات يقدم أحدهم عدة فيديوهات لكيفية الصلاة وأوقاتها بالاعتماد فقط على القرآن دون الرجوع إلى بيان الرسول العلمي لكيفية الصلاة. والإشكالية أن مثل هذه الفيديوهات تلقى رواجا دون رقيب علمي.

[2] ثمة فيديوهات كثيرة تنطلق من أن القرآن هو المصدر المطلق والأوحد، ومن بينها قناة سمى صاحبها نفسه بالباحث وقناته بالتدبر في القرآن الكريم.

[3] فمثلاً، أشار أحدهم في فيديو عندما بلغ عدد المشتركين في قناته إلى مليون مشترك أن هذا دليل يشير إلى أهمية ما يقدمه انظر:
www.youtube.com/watch?v=jhXNqBGVlBc

[4] قدم أحدهم  – وهو مختص في الصحة النفسية كما يقول – برنامجا سماه روائع يوم القيامة، وقد قمت بمتابعته لأرى أنه خصص أكثر من حلقة ليرد عدد من الأحاديث لأنها غير متفقة مع العقل أو لمخالفتها – كما يدعي – للقرآن. ولم يقدم في سياق الرد أي دليل أو فكرة يمكن الاستناد إليها. والمشكلة في مثل هؤلاء الأشخاص أنهم يكسبون جمهورهم بالخطاب العاطفي الذي يقنّع بأنه عقلي.




حديث خالَف القرآن ظاهرُه، هيا لنردّه!

ليس من الغريب أن تنتشر في زمن السوشيال ميديا مقولات ردّ الأحاديث التي يخالف ظاهرها القرآن، وبالرغم من أن عرض المرويات الحديثيّة على كتاب الله الكريم للفحص والتمحيص له جذورٌ قديمةٌ نسبيًّا إلا أن أسباب جدّته وانبعاثه في هذا الزمن مرة أخرى لا يعود لأهل التخصّص، بل هو مما تعالت به أصوات الحداثيين وجمهرة المناهضين لمنهج المحدّثين، فصار ردّ الحديثِ المخالف لظاهر القرآن عمومًا منهجًا من مناهج الحكم على الحديث صحة وضعفًا متّبعًا لدى طيف واسعٍ من المفكرين المعاصرين، ووصل بانتشار تأثير السوشيال الميديا إلى أعداد كبيرة من الشباب الذين وقعوا في هذه القضية بلا وعي سديد أو استدلال قويم.

إنه زمن السرعة، هذا ما يوصف به عصرنا، طبعًا إلى جانب صفات أخرى كسرعة الوصول إلى المعلومة بضغطة زر، وإمكان تداول الآراء ونشرها، وكسب التعليقات وفتح النقاشات للجميع، ومن ثمّ فإنه يمكن لشخص في هذا العالم الافتراضي المفتوح أن يناقش حديثًا ما أمام جماهير افتراضيّة غفيرةٍ، فيقنعها بضرورة ردّه لأن ظاهره يوهم بمخالفة القرآن.

مخالفة الحديث للقرآن، مثال نظري وتطبيقي

فكرة نقد متن من الأصول النظرية والتطبيقية المهمة في علم الحديث، ومن المؤكد أنّ فقهاء الحنفية كان لهم نظرٌ خاصٌّ في ردّ الأحاديث التي خالفت القرآن والأصول الإسلامية الكبرى، وكانت تطبيقاتهم في هذا المجال مندرجة تحت مسمى “الانقطاع المعنوي”، كما أُلِّفت كتب عديدة لمحاولة فهم الأحاديث النبوية ونقدها ضمن الصور الكلية للدين مثل كتاب: “شرح معاني الآثار” للإمام الطحاوي، إلى جانب الكتب العديدة الأخرى التي أُلِّفت لإظهار التوافق بين الحديث وبين القرآن وعدم إمكان التعارض الجوهري بينهما..

هذا كلّه مما يدل على وجود إحساس عند علماء المسلمين بأن الحديث لا يمكن أن يخالف القرآن؛ وذلك لأن القرآن وحي من الله، إلى جانب الاعتقاد بأن الحديث صادر عن الرسول عليه الصلاة والسلام الخاضع لأمر الله ومراقبته في كل ما يتعلّق بتبليغ الوحي والرسالة، فإن حدث أن يكون ثمّة حديثٌ لا يمكن التوفيق بينه وبين القرآن، فقد نصّ العلماء على أن العقل يحكم برد الحديث المروي.

لكن مهلًا من يحكم، وكيف يحكم، وما المقصود بالمخالفة هنا؟ وهل ما نراه اليوم في البرامج الدينية، أو منشورات المجتمعات الافتراضية -كالفيسبوك وما شاكله- من ادعاءات بأن حديثًا ما مخالفٌ للقرآن وبالتالي يجب رده، هو الوسيلة لتطبيق القاعدة؟

ثمّة أثرٌ مرويٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن القيم في كتابه “المنار المنيف” يصحّ أن يكون تمثيلاً لما نحن بصدده، يقول الأثر: (الدنيا سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة).

عقّب ابن القيّم على هذا الأثر المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم بالآتي: “وَهَذَا مِنْ أَبْيَنَ الْكِذْبِ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ عَالِمًا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ لِلْقِيَامَةِ مِنْ وَقْتِنَا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة والله تعالى يقول: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 187] وقال الله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا اللَّهُ)”.

من المهمّ لفت الانتباه إلى أن ابن القيّم أوردَ هذه الرواية في الأحاديث الموضوعة في كتابه المشهور “المنار المنيف” ضمن الروايات التي حكم بوضعها “صريح القرآن”، علمًا أن كتابه هذا وُضِع في الأساس ليحويَ تطبيقات نظريّة وعمليّة لما اصطلِح عليه لدى علماء الحديث بـ (نقد المتن)، وهنا نلاحظ أن ابن القيّم نقد الحديث المذكور بعرض آيات كثيرة وأحاديث أخرى تخالفه معنىً وواقعًا، ورأى أنه لا وجه البتّة للتوفيق بين هذا الحديث وبين المرويات الأخرى من القرآن والأحاديث الصحيحة والواقع.

منهجيّة الردّ عند علماء الحديث

يجدر بنا الوقوف قليلًا عند هذه المسألة، فردّ الحديث ورفض العمل به خاضع لمنهجيّة دقيقة من دراسة الأسانيد والروايات والمتن، والقول بأن الحديث مخالفٌ للقرآن أمر ليس محكومٌ بالهوى، وكذلك فإن الحكم على الحديث خاضع لمنهجية أصولية وعلمية وليست ضربًا من التخمين أو إبداء الرأي الذي لا يستند إلى منهجية..

ردّ الحديثِ ليس أمرًا سهلاً شأنه كشأن منشورٍ تشاركه أو خطبة عصماء يوردها مقدّم تلفزيوني أو يوتيوبر شهير وهو يتباكى على تسرّب هذا الحديث إلى كليات الحديث الكبرى ولم يُنتَبَه إليه متناسيًا أن العلماء قاموا بتأليف كتب كثيرةٍ لغربلة ما نسبِ إلى ميراث السنّة النبوية من الأحاديث الموضوعة والمعلولة، وبالتأكيد فإنه هذا لا يعني أن العمل في هذا الحقل قد انتهى، إلا أنه في نفس الوقت لا يعني إتاحة المجال لغير المتخصصين ممن أراد أن يصدر أحكامه لمجرد أنه لأمر ما لم يفهم الصلة بينه وبين القرآن.

استفاض الإمام الشاطبي في أثره المشهور الباقي “الموافقات” في الحديث عن ارتباط السنة بالقرآن، أي أنها عائدة إلى الكتاب الإلهي، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما كان يسنّ سننه فإن هذه السنن لها أصل في الكتاب.

إنّ الإشكالية الأساسية هي في كشف هذه الرابطة التي قد تكون خفية في بعض الأحيان، وعدم إدراك شخص ما للعلاقة بينهما لا يعني انعدامها، وهذا ما تقرره القاعدة المشهورة (عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود).

خلطٌ كثير، وأخطاء منهجية

من يحاول أن يردّ حديثًا بناء على ادعاء أن الحديث يخالف القرآن قد يقع في الخلط بين نوعين من الأحاديث، أولهما: حديث مخالف للقرآن، أما النوع الثاني: فعدم ورود موضوع الحديث في القرآن مع وجود أصل له.

لنضرب على ذلك مثالا يتقنه الجميع، حيث لا يمكن لأحد رد أحاديث مواقيت الصلاة أو الأحاديث التي تتكلم عن تفصيلات الحج بدعوى أنها مخالفة للقرآن أو غير موجودة فيه، لأن الموضوع ببساطة أن الحديث فصل الأمر المُجمَل في القرآن.

ولزيادة في التفصيل، يجب التنبّه إلى أن من يحاول رد الحديث بناء على ادعاءات المخالفة يقعون في أخطاء عدة، يمكن إيضاحها في الآتي:

  1. الخطأ في فهم وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، فالرسول ليس بساعي بريد يوصل رسالة ثم يذهب، بل إنه مكلَّف بمهمة التبيين وذلك من خلال قول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] فالرسول عليه الصلاة والسلام مكلّف بالبيان، والبيان هنا نقل الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي، ويؤيد هذا قول السيدة عائشة لمَن سألها عن أخلاق الرسول، (كان خُلُقه القرآن) [أخرجه أحمد في المسند].
  2. الخطأ في الخلط بين الحديث والسنة، وهذا مما يقع فيه كثير من الناس، فالحديث هو الرواية لما قاله الرسول أو فَعَلَه أو قَرَّرَه، غير أن السنة ما رسمه النبي عليه الصلاة والسلام من الهدي والتصرّف ليحتذى ويقتدى به، فالسنة تشير إلى الأمر المطلوب فعله من قِبَل المؤمنين، وبتعبير آخر فإنّ في الحديث ما لا يكون سنّة، إلا أن كل ما في السنّة من الحديث، وهذا مما يعرف بالعموم والخصوص الوجهي لدى علماء الأصول، وعليه فإن الحديث أشمل من السنة لأن الحديث مصدر من مصادر السنة، كما أن هناك مصادر أخرى للسنة كعمل الصحابة.
  3. عدم إدراك طبيعة اللغة العربية، إضافة إلى عدم فهم خصوصية الأساليب اللغوية التي يستعملها النبي عليه الصلاة والسلام، فاللغة العربية بطبيعتها تعتمد على المجاز والأساليب البلاغية التي يجب ألّا تفهَم فهمًا ظاهريًّا محضًا، وهذا الأمر موجود في كثير من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، فكما أننا لا نفهم قوله عليه الصلاة والسلام: (رفقًا بالقوارير) [أخرجه البخاري] على ظاهره من دونِ الغوص في سياقه والمجاز الذي بُنيَ عليه، فكذلك يجب ألا نفهم: قوله (خُلِقَت المرأة مِن ضِلَعٍ) [متّفق عليه] على ظاهره؛ إذ إن أخذ كلا الحديثين ظاهريًّا دون فهم السياق والمرام سيوقعنا في إشكال واضح.

يضاف إلى ما تقدّم أن دعوى رد الحديث ليست دعوى قائمة على ملاحظة ظاهرية بمعنى أنها ليست قائمة على رد الحديث بمجرد أن العقل رأى اختلافًا ما، بل لا بد من فهم الحديث والآية ضمن كلية الموضوع الذي يوضحانه ويتكلمان عنه، ومن بعد ذلك يمكن فهم الحديث والآية في ضوء الصورة الكلية التي تنتج عن الدراسة، ومن ثم يكون إصدار الحكم، وعند ذلك يُقبَل الحكم على أنه حكم اجتهادي قد يصيب المرءُ فيه أو يخطئ.

نقدُ المتن أم نقدُ السند، ما المطلوب؟

ثمة خطأ شائع بين الذين يبادرون لرد الحديث لمخالفة ظاهره القرآن، وهو أن المحدثين لم يهتموا بنقد المتن كما اهتموا بنقد السند، ولذلك ينادون بأنه لا بد من عملية نقد جديدة لنقد المتن!.

إن قائل هذه العبارة –على الأغلب- لا يدرك ذهنية النقد أو الفكر النقدي الذي اتبعه المحدثون في دراسة الأحاديث والحكم عليها، ومع اعترافنا بأن الباب ما زال مفتوحًا لنقد الأسانيد والمتون ذاتها وفق الضوابط العلمية وأصول منهج علم الحديث، إلا أن نقد السند مُنبَنٍ في جزء منه على نقد المتن، فلكي يُعرَف أن شخصًا ما ثقة وضابطٌ -وفق تعريف المحدثين- لا بد أن تكون أحاديثه صحيحة، وهذا يقتضي أولًا غربلة ما رواه وفحصه، إلى جانب متابعة ما يصدُر عنه من مقولات وتصرفات على حدٍّ سواء.

من ناحية أخرى فإن النقد الحديثي ذاته بدأ مع عصر الصحابة، ومن الطبيعي أنه لم يكن في ذلك الوقت إسناد طويلٌ، وبذلك فقد انصبّت الجهود كلّها على نقد جوهر الكلام المرويّ، وقد قدمت السيدة عائشة رضي الله عنها أمثلة عديدة على نقد المرويات التي سمعتها، وقد جمع الإمام الزركشي كتابًا لطيفًا في هذا الموضوع سمّاه “الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة”.

ختامًا، إن مبدأ ردّ الحديث المخالف للقرآن ينتسبُ لمنهج أصيل وقاعدة مهمة في فهم الدين والسنة وفق الأصول العامة والصورة الكلية للدين، إلا أنه لا بد من تحقّق شروط معيّنة ومهمة حتى نحكم بهذه المخالفة، أهمها: تحقّق مفهوم المخالفة حقيقةً، ويظهر ذلك من خلال عدم إمكانية الجمع بين الحديث المذكور وبين الآية أو بين الصورة الكلية المستنبطة من الأدلة المختلفة، إضافة إلى وجود خلل حقيقيٍّ في السندِ الراوي لذلك الحديث، وهذا كله لا يتحقق إلا وفق جهد علمي رصين مع تدقيق وحذر شديدين، إضافة إلى التأكيد على خطورة رد الأحاديث تنفيذًا لأيدولوجيات معينة، والأجدر والحال هكذا أن يترَك هذا الأمر لأهله، فأهل مكة أدرى بشعابها..!