1

إرهاب الفكر الباطني الحديث

يمكن تعريف الإرهاب على انه استخدام أساليب التخويف والترهيب تجاه شخص أو مجموعة، وهو ما يؤثر على الشخص بأضرار نفسية أو جسدية.

تعتبر الأنساق الفكرية من أهم الأسس التي يبنى عليها وجود وعقل الإنسان وحياته، بل إن الفكر هو الجوهر لكل شيء مدرَك، ويضع له المعنى المتصل بالروح والجسد والحياة والموت، إذ إن فكرة الوجود والحياة محل غموض وحيرة للإنسان، وهنا يحاول العقل أن يجيب عن هذه الحيرة التي يمكن أن نسيمها (حيرة الأسباب)، أي السبب في الحياة والموت والخير والشر والمرض والصحة..إلخ، فالإنسان في رحلة بحث عن معنى وأمل في الحياة.

إن الدين من أهم المنظومات الفكرية التي تنظم حياة الإنسان وتضع منهجية واضحة لفهمه وإدراكه للموجودات، كما أن قوة الحضارة أو الأمة تقاس بقوة عقيدتها سواء كانت دينية أو غيره، ونرى هذا في صفحات التاريخ في نهوض الدول قوة العقيدة وتمسك الناس بها، وسقوطها في بعد الناس عن العقيدة.

فالفكر يعطي المعنى والرؤية للإنسان ليس فقط للحياة ولكن لفهم نفسه كإنسان يتكون من روح وجسد وأعضاء ومشاعر وتاريخ وانتماء، وهذه المكونات تجتمع لتشكل هوية الإنسان، وكلما تطور فكر الإنسان ارتقى في داخله وازداد تقديره لنفسه، وينعكس هذا على فهم المحيط والبيئة ودوره ورسالته في الحياة.

 خوف الإنسان

لكل فكر أو دين أو عقيدة أو أيديولوجية مجموعة من المحرمات التي يعتبر فعلها شنيعًا ويجازى فاعلها ويعاقب عليه حسب تشريعِ كُلٍّ وطرق عقابه، وتعتبر الخطيئة هي السلوك الذي يخرج الإنسان عن الأعراف التي يجب أن يتبعها المجتمع في إطارات محددة في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية والزواج وغير ذلك.

ويعتبر الخوف من الأساليب التي تكون إيجابية في هذه الحالة، حيث إن الخوف من العقاب يشكل حاجزًا وعامل ردع نفسي للإنسان، فلا يسعى للخروج عن الإطار الفكري ويتقصد الحفاظ على الرابط الاجتماعي، وهذا الرادع النفسي –أي الضمير- يعتبر جهاز إنذار يبعد الإنسان عن ارتكاب الأخطاء، وإذا استخدم الإنسان الخوف خارج هذا الإطار، فإنه سيتحول إلى أداة ابتزاز أو جريمة في حق الإنسان، خاصة إذا كان هذا الابتزاز عاطفيًّا وتستغل فيه أساليب التسويق بشكل واسع، وذلك على غرار الأشخاص الذين يدعون أنهم أخصائيون في علوم الطاقة والروحانيات، وأنهم يشكلون أساليب جديدة في معالجة الوعي البشري ومواجهة هموم الإنسان.

ويجب الإشارة هنا إلى أننا نتحدث عن نوع محدد من الدجالين، وهم الذين يدعون أنهم يمارسون قدرات التأثير في الطاقة وأنهم متخصصون في علومها، من خلال المجاهدات الروحانية، وهم بطبيعة الحال ليسوا متخصصين علماء كالأخصائيين النفسيين أو الفيزيائيين.

يدّعي هذا النوع الجديد من الحركات الباطنية أنه يسعى لرفع وعي الناس وإخراجهم من عالم الظلمات إلى عالم النور والوعي من خلال الممارسات الروحانية مثل اليوغا وتنظيف الجسد الأثيري والعديد من المسميات التي تختلف من شخص إلى آخر، إلا أنها جميعها في النهاية تتقابل في بوتقة واحدة، وهي الغنوصيّة الباطنية بشكل معاصر.

زرع الخوف من خلال ممارسة الوعي الروحاني

تحدث الأستاذ أحمد دعدوش في حلقتين في قناة السبيل على اليوتيوب بعنوان الروحانيات الباطنية الجديدة وحركة العصر الجديد والتنمية البشرية وحركة العصر الجديد، المدربون العرب حيث شرح هذا الفكر من المنظور الديني الإسلامي وخطورته على العقيدة الإسلامية، -ولذا أنصح بالرجوع لحلقات الأستاذ أحمد دعدوش- لفهم تاريخ الفكر وجذوره اختصارًا للعديد من النقاط.

وبدوري سأحاول شرح هذا الموضوع من منظور نفسي واجتماعي أكثر لكي يكون لدينا زوايا مختلفة لفهم إيجابيات وسلبيات هذا الفكر الباطني الحديث، ولا شك أن من أهم احتياجات الإنسان هو الغذاء الروحي الذي يجعله في سكينه وطمأنينة، فالروح لها غذاء كما للجسد غذاء من طعام وللعقل غذاء من معرفة وعلم، وإذا اختلف أحد هذه المكونات الرئيسية اختل توازن الإنسان.

بعد ضعف التأثير الديني في العالم العلماني والمادي، أصبح العالم يبحث عن العلوم الروحانية وعلم الطاقة والباطنية والترويج لها في كتب أو معلمين روحانيين أو ممارسين..الخ، مما فتح مجالًا أوسع للدجل والاحتيال على عقول الناس بشكل عصري.

لننظر إلى الأمر من ناحية أخرى، إن زيارة قبور أولياء الله وأصحاب الكرامات والاستغاثة بهم شخصيًّا فيه جهل وابتعاد عن شرع الله، فيجب –بكل تأكيد- النظر إلى هؤلاء المدربين على أنهم دجالون يرتدون ربطات العنق العصرية، بل لعل أحدهم أكثر إقناعًا من شيوخ التصوف، والفرق بين صاحب الكرامة في الصوفية والمدرب الروحاني هو اختلاف الطبقة أو المظهر الاجتماعي، فالأول يتبعه –في الغالب- البسطاء من الناس أما الثاني فيستهدف الأثرياء والمقتدرين.

في أغلب المجتمعات الفقيرة التي ينتشر فيها الجهل نجد سيطرة مفاهيم معينة كقوة العين والسحر والشعوذة، فيحاول الإنسان حماية نفسه بالطلب ممن يرى فيه الكرامة والولاية، ونحن هنا لا ننكر وجود قوة العين والسحر كما أشير إلى ذلك في القرآن والسنة، وإنما ننتقد تضخيم الموضوع وجعله مدخلاً للدجاجلة ليسيطروا على عدد كبير من المساكين، فيشرح لكلٍّ نوع السحر أو العين التي أصابته، ويبين له مدى صعوبته، ويكثر عليه الطلبات التي يحتاجها ليفكّ عنه ذلك الأثر، ادعاءً منه أنه الوسيط بين الشخص والله.

وهنا يتكرر السيناريو ذاته عند المعلمين الروحانيين بطريقتهم الحديثة، فمنصات التواصل مليئة بمثل هؤلاء، حيث يبدأ (الروحاني) بأسئلة بديهية بأسلوب يشعرك أنك حالة نادرة أو عويصة، وبعد ذلك يقنعك بأن عدة مخاوف وأنواع من الصدمات زرعت من الطفولة ومشاعر مرتبطة في الجسد المشاعري ويجب أن يزيلها، وبالطبع فإن كل هذا يحتاج لمبالغ مالية لا تقل عن ١٥٠ دولار كبداية، ومن هنا ندرك كيف يزرع الخوف في داخل الإنسان ويضخمه بطريقة تقنع الشخص أنه يريد حماية المتحدث إليه.

وعندما نغوص في المجتمع العربي والإسلامي نجد أن الموضوع متطور وأكثر تعقيدًا من ذلك، بل إن مثل هذا الشخص يرى نفسه أنه قد صار وسيطًا بين الإنسان والله، فهو يعرف كيف يخرج الذنوب العالقة التي تؤثر على ما يسمونه “كارمة” الإنسان حسب زعمهم وعلاقته بربه، وهذا شيء خطير، فكيف تتسلل هذه الأمور داخل الفكر الإسلامي؟.

إن الملفت للنظر أن هذا الفكر الباطني ليس بحديث البتّة، بل هو عبارة عن انتقال أفكار معينة من حضارات لأخرى، ولكن بشكل مختلف، فينتقل من الهندوسية الهندية، إلى بعض فرق الصوفية والإسماعيلية وغيرها، وهي كذلك الآن تحاول الانتشار في أي مجوعة سواء صغيرة أو كبيرة، ونلاحظ أن الجوهر واحد ولكن الهيكل الخارجي مختلف.

هذه الأفكار هي في جوهرها نافذة جديدة لفهم النفس والروح والحياة في العصر الحديث عند الكثير من الناس في العالم، وقد أصبح هؤلاء المدربين فقهاء وفلاسفة هذا الفكر الباطني، وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة، فهل الإنسان العصري سيرى رحلة حياته من منظور الوسيلة والغاية والقضاء والقدر أم سيراها في ارتقاء الوعي الباطني والانفصال عن الواقع.

الترويج للفكر الباطني

انتشرت في الآونة الأخيرة مقاطع كثيرة لهؤلاء المدربين على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف ترويج أفكارهم وانتساب أكبر عدد ممكن للدورات التي يقيمونها، ومما يلفت النظر كيفية شرح المواضيع المتعلقة بصورة الإنسان لذاته، فالإنسان لديهم يتكون من عدة أجساد كالجسد الأثيري والمشاعري وغيره، وأن الذنوب تلتصق بجسد محدد وهذه الجلسات التي يروج لها بعضهم تزيل الذنوب بينك وبين الله، وهناك العديد من الأفكار المتشابهة من شخص لآخر، فبعضهم يحسن علاقتك مع الله وبعضهم يفتح لك مسارات كونية تجلب لك الرزق والصحة … الخ.

بكل اختصار فإن هؤلاء المدربين لا يعطون الدواء، لكنهم يجيدون فن الاستفادة من السامع وخداعه، وبالطبع فإنهم سيطلبون الكثير، وكل واحد منهم يريدك أن تتمسك به أكبر فترة ممكنة لكي يستفيد ماليًّا إلى أقصى درجة، بدءًا من ادعاء تخلية المشاعر السلبية وتنظيف الكارما من الذنوب وجلسات إزالة الصدمات وزيادة جذب الرزق وغير ذلك من الأمور الخرافية ولكن بشكل حديث ومنمق، والمغزى من كل ذلك البحث عن المال والشهرة والسلطة.

يمكن اعتبار هذه الخرافات طريقًا لزيادة اضطراب الإنسان العصري وجدانيًّا وعاطفيًّا، وقد قابلت العديد من الحالات التي جعلتني أتأمل أحوالهم، حيث كان أغلب هؤلاء الأشخاص يرددون كلامًا غير مفهوم وكأنه عبارة عن شريط مسجل، إلى جانب أنهم في حالة قلق دائمة رغم أنهم يقنعون أنفسهم بأنهم على ما يرام وهم عكس ذلك، وهذا المشهد يذكرني بمشهد من نوع آخر وهم بعض الغلاة من طرق التصوف الذين يبالغون في العبادات والاذكار بهدف الوصول لحالة معينة من الاتحاد أو النشوة، وهم في هذا يتشابهون مع تعاليم اليوغا التي تريد إيصال الإنسان إلى حالة معينة من الانفصال عن الوجود الحقيقي.

وإذا لاحظنا أماكن انتشار هذه الأفكار الروحانية الحديثة فإنها غالبا ما تكون داخل المجتمعات المتمدنة التي لا تعيش المعاناة الحقيقة وتقتصر على الطبقات المقتدرة والغنية، مثل الدول التي تعاني من إبادات وحروب  فهم يعتقدون أن حدود العالم هي المدينة التي يعيشون فيها.

لا يمكن إنكار أن الإنسان يحاول الوصول للسكينة الداخلية وتنمية الجانب الإيجابي منه روحانيًّا، وهذا شيء مهم جدا، خاصة من خلال الالتزام بالعبادات والفرائض والتعاليم الدينية، ولكن الانغماس في التأملات والانفصال عن الواقع يزيد في إيهام النفس بما لا يتوافق مع الحقيقة.

الوعي الحقيقي

إن بداية الوعي الحقيقي الداخلي تطلق من فهم الإنسان لعيوبه وتصحيحها، وفهم الإنسان لمخاوفه ومحاولة تجاوزها، وفهم الإنسان لمشاعره وأفكاره، ومن أهم مراحل الوعي الخارجي إدراك الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفهم التاريخ والثقافة والمخاطر الخارجية وتجنبها.

كل هذه الأمور بدورها توجه الإنسان نحو هدفه في الدنيا ومحاولة البحث عن سبل، فالحقيقة أن هذه الحياة تحتاج العمل الدؤوب لا الركون إلى التعاليم الوثنية والتأملات المؤثر سلبًا في درجات الوعي.

ولنضرب مثالاً بسيطًا، فلو أنني أردت بناء بيت ما، فلن يفيدني جميع أصحاب علوم الطاقة والوعي الروحاني بقدر ما سيفيدني المهندسون والعمال المتمرسون في البناء،

في مجتمعنا العربي والإسلامي نرى تقصيرًا كبيرًا من بعض المشايخ الذين ينفصلون عن الواقع ويقصرون مجال نشاطهم بعيدًا عن فهم التغيرات الجارية في الدنيا، إلى جانب فئات أخرى كالأدباء والشعراء والفنانين الذين يركزون على جوانب لا تفيد حياتنا المعاصرة، وإذا أردنا أمة قوية فلا يمكن لمجموعة من العشاق والمكتئبين والمتبتلين أن يقودوها، بل يجب أن تقودها نخبة ممتلئة بالإيمان والتقدم التقني والحضاري وحب الإنجاز.

إن إرهاب الفكر الباطني الحديث يبدأ بطغيان هذه المفاهيم على نظرة الإنسان لذاته ودينه وواقعه وبالتالي ستغير توجهه في الحياة وإدراكه لغايته منها، والإنسان هو الكنز الأهم في الوجود، فهو الذي تبدأ منه الأسرة والأمة والحضارة.

لدينا العديد من المشكلات في الحياة ومتطلبات الحياة في تزايد سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي أو العالمي، ودور الأبطال هنا المبادرة في حل هذه الإشكاليات وليس التبتل والجلوس للوصول لحالة من السكينة والانفصال عن الواقع، رغم أنه لا يمكننا إنكار الجانب العلاجي النفسي والإرشاد النفسي بل هو جانب مهم جدًّا خاصة في عصر المادة ولكن من قبل المختصين وليس صانعي الوهم.




طغيان المادة على القيم

من المؤسف أننا نعيش اليوم زمن المادة وأن المعيار الطاغي على سائر المعايير في هذا العصر هو “المادة” وبالتالي فقد بات من النادر الاحتكام إلى القيم الروحية والمعنوية في سياق التعامل، بل إن القليل من الناس يعرفونه، إلا أن حياتهم تكون أجدى وأسمى، فحياة القيمة أرقى بكثير من حياة المادة، وهي الأساس لجميع الرسالات والحضارات وهي الضامن الوحيد لبقاء الإنسان الفطري الذي يعرف معنى الإنسانية.

من المؤكد أنه بوسعنا الحصول على تعريفات مختلفة للقيم والمادة، إلا أن محاولة شرح هذه المعاني لإنسان اليوم أصبح أمرًا معقدًا، حيث إن كل شيء حولنا اليوم يلمع ويبرق بألوانه الزاهية، إلا أن إدراك القيمة العالية أو المتدنية المرتبطة بهذا الشيء صار أمرًا عسيرًا فقد سلبت ثقافة التشييء من الأشياء قدسيتها.

بين القيمة والمادة

لو أننا أردنا تعريف القيمة، فإن الأقرب وصفها بأنه الشيء الجوهري الذي يمنح الفرد أو المجموعة أو الفكر مكانة خاصة لدى العموم، وتكون المعايير ههنا معنوية ذات آثار ملموسة كالتربية والأخلاق والأسرة والمجتمع والدين والفكر، فالقيمة في جوهرها هي أساس الإنسان والأمة، وهي التي تُشعِره بإنسانيّته، كما أنها الأساس الذي ينتج الأخلاق والأفكار أي أنها أساس الفكر الحضاري والديني في المجتمعات على مر التاريخ.

أما المادة فهي في جوهرها الشيء المؤقت والمستهلك، أو ما يمكن تبديله وتغييره بسهولة، وبذلك فإنه ما إن تنتهي إنتاجيته المادية والحسية يزول بريقها وتستبدَل بما سواها، فلا يكون لها قيمة جوهرية على المدى البعيد وإنما قيمتها بالوظيفة أو الحاجة التي تسدها، وبذلك فإن خطورة هذا المعيار في أنها لا تختص بالجماد أو الآلة بل إنه من الممكن أن تنسحب على الإنسان والمجتمع والفكر فيتبدل ويتغير حسب الاحتياج إلى ذلك، ويستغنى عنه متى ما زالت منافعه وبريقه وإنتاجيته.

القيمة والمادة بين الماضي والحاضر

لم تعرف الإنسانية معنى القيمة الحقيقية إلا مع نزول الرسالات السماوية التي أثبتت للإنسان بشكل قاطع أن حياته لا معنى لها دون الخضوع للإله الواحد الذي كلفه بنقل رسالة التوحيد، وأن للإنسان غاية قدسية فيجب عليه ألا يتشبث بمعايير الحياة المتبدلة والمتغيرة، ولكن في نفس الوقت يجب أن نعيشها وننتبه لأعمالنا فيها، حيث إن الآخرة بانتظارنا لنحاسَب على ما عملنا فيها، إلا أن ذلك لا يعني ألا نستمتع بها فهي مرحلة عبور فيها العبادة والمتغيرات اليومية، وعليه لا بد من الموازنة بين الطرفين على ألا يطغى جانب على آخر.

إن الإسلام الذي بلغنا عن نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الوحيد الذي لم يتبدّل ولم يحرّف، ولا عجب في ذلك فقد حفظه الله الواحد الأحد المطلق الذي ليس مثله شيء، ومن هنا جاءت قيمته الثابتة، فالله هو المعيار المطلق لكل ما في الوجود، وبه ترتبط أعمال الخير بشكل عام، ومن هنا ندرك عظمة التشريعات التي فرضها في تنظيم المجتمع والتخلّق بالأخلاق والتربية، إلخ، فهي ذات قيمة اعتباريّة مستمدة من إرادته وحكمته.

لقد عاشت الأمم بمختلف دياناتها فترات طويلة تحاول إنشاء توازن بين القيم والمادة، فالقيمة نابعة من الروح والمادة نابعة من الميل للشهوات –بمعناها العام-، فالقيمة عقل وموازنة وإدراك وإشباع ورضى وكل هذه الأمور تصب في حكمة الإنسان وعمق إدراكه للحياة، فلا يمكن للإنسان الذي يعيش حياة قيمة بشعور النقص والفقر والحرمان، لأن أساس الفكر والمشاعر متعارضة.

أما بالنسبة للمادة فإنه لا يمكن القول: إن شهوات الإنسان شر محض، إلا أن طغيانها في حياة الإنسان شر محض، ولذا نرى الإسلام يضعها ضمن إطارات متعددة ليضمن إشباعها واستقرارها، حيث إن إنكار الشهوات إنكار لطبيعة الإنسان، وفي بعض الأوقات تكون الشهوات الدافع الأول للإنسان والقوة المحركة تجاه الحياة، وهذا من الأشياء المتأصلة في الإنسان.

أهمية المعيار في حياة الإنسان

لقد شعر الانسان من اللحظة الأولى في الحياة بأهمية وجود معايير متجاوزة للحياة المادية للقيمة التي تعطي للحياة المعنى، وإذا بحثنا في جميع المجتمعات على مر العصور نجد أن الإنسان دائما كان له دافع في اتخاذ الأشياء الكبيرة والتي يراها عظيمة آلهة ويعطي للأشياء رمزية، مثل الشمس والقمر والنجوم والكواكب والاصنام.  وكانت تتعدد المعابد في داخل المجتمع نفسه، وكان دافع الانسان البسيط هو حاجته لقوة القوى التي تتجاوز قدراته، وقد استغل الكهنة هذه المعاني لتسيير الناس وضبطهم والسيطرة عليهم وسلب أموالهم بحجة إرضاء الآلهة، واليوم فإننا نرى هذه السيطرة بشكل مختلف، إلا أن الجوهر والقاعدة واحدة، مع التنبه إلى أن الغلاف الخارجي للأشياء يتغير حسب الواقع والعصر.

إن الإنسان عبارة عن مركبات كثيرة من الفرح والحزن، والخير والشر، والذكاء والمكر، والأحلام والتخيلات والأهداف، والعادات والتقاليد، كما أنه يعيش حائرًا بين أن يكون هذا أو ذاك، ويتساءل هل يجب أن أكون الخيّر أم الشرير؟ وهنا يأتي دور العقيدة التي تعطي الإنسان القيمة والمعيار الذي يحضه على البحث والتأمل واختيار الطريق الصحيح؟

لكل إنسان إطار من العادات والتقاليد التي يولد ويعيش فيها، وكلما تقدم في السن اتضحت له أمور كانت تخفى له، وكلما عبر مرحلة زمنية محددة قلّ اعتماده على الدعم الخارجي المعنوي والمادي، وعلى سبيل المثال فإن وجود الوالدين في مرحلة الطفولة يعطينا الاحتياجات العاطفية والمادية، وعندما ندخل عالم العمل والحياة الخاصة يشعر الإنسان في بعض الأوقات أنه يفتقد الأمان فيبدأ في البحث عن هذه الاحتياجات التي تعطي لحياته معنى، فيبني حبّه أو ينضم لحزب أو حركة جماهيرية أو ينغمس في فكر جديد له طابع خاص، ومن الممكن الدافع لذلك شعوره بالنقص وعدم الأمان أو الحرص على التجربة والبحث والتفكر.

مادية العصر الحديث

إن الحياة المادية التي نعيشها اليوم لا تقتصر على سلوك الفرد وحده، فنحن هنا لا نخاطب الإنسان فقط بل نحاول وصف المجتمع والاقتصاد والسياسة والعلوم التي نتعلمها لأنها كلها داخلة في الفكر الاجتماعي المعاصر، ولأن الإنسان جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة وأفكار الفرد نتيجة مباشرة لهذه المنظومة الفكرية.

وإذا كانت قيمة القيمة تنبع من الفكر السليم والجوهر المطلق، فإننا اليوم نعيش في عالم المنظومة الرأسمالية التي تحفز على زيادة الإنتاج والدخل دون النظر للظروف المعنوية والروحية، ولذلك فإن من أساسيات زيادة الدخل وجود الإنسان المستهلك الذي تحاول الشركات تحفيزه بكل الطرق لشراء المنتجات سواء كانت ذات قيمة أو بلا قيمة.

بطبيعة الحال فإن هذه الشركات تستخدم الإعلام وسيلة فعالة لعرض منتجاتها، وسواء كان الإعلام صادقًا أو مسيّسًا لجهة أو فكرة ما، فإننا نتأثر به لا شعوريًّا، بل إننا نرى كيف أن المنتجات الإعلانية في الإعلام تتزين بأشكال مختلفة عنه في الواقع لتأخذ طابع المصداقية، وها قد وصلنا لمرحلة أصبح فيها عرض الشذوذ والإباحية أمرًا طبيعيًّا، بل بات يوصف بأنه فكرٌ إنساني لا يهاجم الفطرة الإنسانية، ولذا يجب تقبّله!.

هذه المتاهة الماديّة تدفع الإنسان لإشباع رغباته وشهواته بطرق تنافي العقل والأخلاق والمنطق والقيمة الجوهرية للإنسان، وجميع هذه المحفّزات، تضعف الفرد والمجتمع، مما يؤدي إلى انهيارهما من الداخل، حيث تنتشر فيها الرذيلة والجريمة التي هي مبررة في نظر ناشريها.

ومن هنا يعيش الإنسان ضمن إطار اللذة التي تركز على الاستهلاك، ويكون استهلاك البشر مبدأً في تكوين العلاقات الاجتماعية القائمة على علاقات المنفعة الاستهلاكية، وليس بسبب الاحتياج العاطفي، بل يصبح الوالدان بالنسبة لأولادهما –في هذا المجتمع- مجرد محطة عبور للفرد، فيعيش الإنسان متحررًا في وجهة نظرهم من كل شيء إلى أن يصل لمرحلة الوحدة والاكتئاب، وإذا أراد الانتحار فيمكن له أن يذهب إلى أحد المراكز المتخصصة في تقديم خدمة الموت الرحيم.

إن المنظومة الفكرية التي تبحث عن الشهوة، تبرر في نفس الوقت الموت الرحيم لأنه جزء من منظومة الاستهلاك، فالإنسان ليس أكثر من مستهلك يبحث عن الحرية والتحرر في كل مكان بدافع التطور والحضارة وما دام الإنسان يبحث عن شيء باستمرار فهو فاقده، وهكذا يعيش الإنسان لشهواته المؤقتة وفق مبدأ اللذة التي يستفيد منها المنتج والمروج فقط، وكما ذكرنا سابقًا فإن الشهوات دافع للإنسان وهي جزء من تكوينه البشري، إلا أن العيش على مبدأ اللذة ينهك الفكر والجسد والروح والمجتمع.

إن العقيدة الصحيحة هي أساس فهم الإنسان للحياة، وكلما ارتبط الفكر بقيمة أكبر من المادة زادت قوته ومناعته تجاه الحياة ومصاعبها، فأساس الحياة التبدل والتغير، أما الإيمان القوي بالله فإنه يرتبط بالأهداف الكبيرة التي تتعدى المصاعب، لأنها مرتبطة برضى الله لا البشر، وبالإيمان بالله لا باعتبار مقدار المال أو الجاه الذي يحدد قيمتنا.