1

فتنة الفطنة

إن حاولَ الواحد منّا تحديدَ شعوره وحالته الفكريّة إزاء آخر قضيّةٍ خلافيّةٍ سمعها سواءً كانت اجتماعية أو معرفية في حقلٍ معين، سيجد أن فكرة التحديد تلك بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ صعبةٌ إلى حدّ ما، تدخل فيها خلفيّاته المعرفية وجهله، واهتماماته ورغباته وميوله، وحتّى نزعاته وانحرافاته النفسية -أحياناً- مؤثرةً على أحكامه، ما يجعل الأمرَ معقّداً محتاجاً إلى الضبط والتحديد بأداةٍ قابلةٍ للبناء السليم للوصول إلى حكمٍ صحيح. فضلاً عن كون الحالة الفكريّة والشعوريّة المتعلقة بالخلاف في بعض القضايا غير موجودةٍ لدينا أصلاً في بعض الحالات، وذلك عند الحديث عن بعض المساحات التي لا نرى أنفسنا معنيّين بها إلى حدٍّ كبير. ولكن ما الأداة الحاكمة في اعتبار هذه المساحة مهمّةً لنا دون غيرها؟ وما الأداة الحاكمة في ترتيب المهمّ من مساحات معرفتنا واهتمامنا تبعاً لأولويّتها في حياتنا؟

تداخل العلوم

رغم اجتماع أنواع العلوم المختلفة في العالِمِ الواحد من علماء المسلمين الأفذاذ قبل مئات السنين، إلّا أنّ تداخل مساحات العلوم المختلفة سويّاً كدوائر كثيفة يتخلّل بعضها البعض لم يكن كما هو الآن وبهذا التعقيد، كان للعلم الواحد مساحته التي تكاد تكون مستقلةً لا يؤثر فيها تقدم العلم الآخر، ولا يزاحم أساساتها معارف مكتشفة في حقول أخرى. أما هذه الأيّام فعالِم النفس يحاول معرفة أسباب الأزمات الاقتصادية متمثّلةً بنفوس قادة الاقتصاد العالميّ وكباره، وخبير الحاسوب والأنظمة الذكيّة يحاول تصنيع ما يسعف الطبّ وعلوم الصيدلة في حلّ بعض أزمات جسم الإنسان وأمراضه، وعالم الطبيعة يحاول التشكيك في الأديان وهدم أساساتها، والفيلسوف يقف ندّاً أمام خبير العلوم التجريبية المختلفة، والكثير الكثير من التداخلات والعلاقات التي تتجاوز الحصر، وبصرف النظر عن تقييم التداخلات الصحيحة والخاطئة منها.

المراد إيصاله هو أن استخدم العقل متمثّلاً بالقدرات التي ميّزنا الله بها من وعيٍ وإدراك وقدرةٍ على المقارنة والتمييز وتجريد المفاهيم من صورها لاستنباط المعاني الأصيلة بحضور العلم والإرادة؛ هو الخطوة الفارقة والأداة القادرة على إصدار الحكم بعيداً عن النوازع الأخرى وذلك إن تمّ بناء فكره وتوظيفه بكيفيّةٍ سليمة طبعاً. وممّا تثبته الظواهر والمشاهدات الآن هو أنّ توظيف العقل بجدّيّة في عصرنا هذا قد بات أمراً لا فرار منه قطعاً، وإن تمّ اعتباره رفاهيةً أو ثقافةً زائدة في عصرٍ ما كان الاعتماد فيه على أشكال القوى الأخرى -كالبدنيّة مثلاً-، فهو ضرورةٌ وحاجةٌ ملحّة واجبة الحضور والاستخدام الآن في هذا الزمان.

هل تختلف الكفاءات في توظيف العقل؟

إن اتّفقنا على أهميّة الحضور العقليّ ذاك في فهم المسائل وتحليلها وتعلّمها والحكم عليها، فإن من التساؤلات التي قد تحضر في الذهن هو كوننا متفاوتين فيما أوتينا، فما يستوعبه هذا الشخص لا يفهمه ذاك، وما يسهل على فلان من الناس يصعب على أخيه وهلمّ جرّاً، فكيف نُطالَب بالاحتكام إلى أمرٍ لسنا متساوين في امتلاكه بنفس الكفاءة والقدرة؟ خاصةً إن كان هذا الأمر هو الأداة الأساسيّة في تحديدنا لأضيق دائرة -على الأقل- من المجالات التي تكفي الواحد منّا مؤونته المعرفية وتعينه في مواجهة صراعاته المهمّة في حياته وبعد مماته، ستبقى فكرة الفطنة والذكاء واختلاف كفاءة الأدوات تلك مدعاةً للقلق، وهنا نحتاج وقفةً نستطيع فيها تعريف المفاهيم المختلفة لنكون على وضوحٍ وبيّنة.

تدلُّ الفطنة لغةً: “على ذكاءٍ وعلم بشيء. والفِطْنَة والفَطَانَة كالفهم، وهي ضِدُّ الغَباوة” (1). وعرّف أبو البقاء الكفوي الفِطنة في كشّافه بأنها: “التَّنَـبُّه للشَّيء الذي يُقْصد معرفته” (2)، ومن هذه التعريفات يتّضح لنا أنّ الفطنة التي نطالَب بها إنما هي إعمال العقل وتوظيفه بوعيٍ كاملٍ وعن علمٍ لا عن جهالة، لئلا يكون المرء ساذجاً أو غبيّاً في تعاطيه للحقائق أو الأخبار وتعامله معها. وفي تحديد الكفويّ لمواطن التنبّه بقوله “للشيء الذي يقصد معرفته” توجيهٌ لصبّ الاهتمام والتنبّه والتركيز على ما يعني المرء وما يقصد فهمه لا على ما هبّ ودبّ من الأمور. وبهذا التعريف للفطنة نحن نستبعد ما قد يتفوّق به شخصٌ على آخر ولا نوجب توافره عند الجميع، وهذا التفوّق والاختلاف المذكور هو ما يقع ضمن ما نسميه الذكاء.

قال العسكري: “الذَّكاء تمام الفِطْنَة، من قولك: ذَكَت النَّار إذا تمَّ اشتعالها، وسُمِّيت الشَّمس ذكاءً؛ لتمام نورها. والتَّذكية: تمام الذَّبح، ففي الذَّكاء معنى زائدٌ على الفِطْنَة” (3)، وعليه فلا يستوجب علينا جميعاً أن نكون أذكياء فتلك هباتٌ يعطيها الله بقدرٍ من يشاء، إن وُجِدَت فذاك فضل من الله وابتلاء يستوجب حسن التوظيف والاستخدام ومنفعة النفس والعباد به، وإن لم توجَد فيكفي المرء أن يكون فطِناً واعياً عالماً متعلّماً وذاك ما حبانا الله به جميعاً بأن كرّمنا بمنحة العقل والمنطق وعلى الله التوفيق والاتكال.

أفي الإيمان فطنة؟

  جاء مفهوم الإيمان والأمر به في كتاب الله العزيز مقترناً بإقامة الحجج الدامغة للعقول والحث على التأمل فيها وفهمها، وعلى ذكر آيات الله البديعة في خلقه والدعوة إلى تدبر عظيم صنع الله وقدرته في ذلك الخلق المحكَم، أي أنّ ذاك التصديق الجازم الذي أمرنا به العزيز الحكيم كان مترتّباً على أسباب البحث والفهم والتفكير العميق حتى يأتي اليقين راغماً بالأدلّة المقنعة على أنّ لهذا الكون خالقاً عظيماً واجب الوجود، وإلهاً مستحقاً للعبادة والتسليم.

ولكن مع هذا البعد عن مصدر التشريع، والتلقّي الجامد للمفاهيم الإيمانيّة دون تدبّر لمعانيها، نجد أنَّ الإيمان في النفوس قد بدأ يخفت حتى بات يخيفنا السؤال، ويرهبنا التفكير لنطرده كما نطرد الوساوس، لذا فإننا في الميادين الإيمانية أحوج ما نكون إلى الفطنة لتأصيل لإيمان في تلك النفوس التي تعيش الصراعات على الدوام، المهتمّة باليقين والوصول لمرتبة إيمانٍ حقيقيٍّ لا اعتقادٍ مجمَل، وفهم المعاني الأصيلة لا التقليديّة الملقّنة، تلك النفوس الملفوحة بحرّ الشبهات والمكائد في هذا الزمان، المتعرّضة لمحاولات التشكيك في العقائد والإيمانيّات على الدوام ورغماً عنها غالباً، نحتاج فهماً وإيماناً يحمله أصحاب تلك النفوس قويّين به، مستنيرين بفهمه، ينقلونه من حيز الاعتقاد إلى حيز التطبيق العمليّ الحقيقي مواجهين به العالم أجمع.

وللفطنة تجلّياتٌ بديعةٌ ناهضةٌ بالسلوك والأخلاق إلى مستوى رفيع جداً يحقّق الإيمان، وذاك حين يوازن المؤمن بين المعطيات المختلفة فيختار أفضلها متنبّهاً إلى تبعات المغالاة والتفريط، فلا المؤمن بالقاسي المتجبّر ولا المسكين المهضوم. وما هو بالمغفّل المستغفَل ولا المتتبع لإخوانه على كلّ هفوةٍ وزلّة، إنما هو المدرك لواجبه وحقّه، الحليم الذي قد أدرك بفطنته أنّ هذه الدار إنما دارُ اختبار فأعطاها قدرها دون زيادةٍ أو نقصان. وما هذا الفهم والإدراك المتّزن إلا قوةٌ في شخص المؤمن وفكره، والمؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف!

أين تكمن الفتنة إذن؟

عند التأمل في آثار إعمال العقل في الأحكام مستنداً على العلم والفهم والإيمان، يكاد نصف الكأس الفارغ يوهمنا بامتلائه، غافلين عمّا لتلك العملية من جوانب قد تتسرّب إليها ذيول الفتنة.

لقد تطرّقنا في الأعلى إلى فكرة تحديد المساحات التي ينبغي للإنسان أن يشغل فيها نفسه ويُعمل فيها عقله متجنّباً خطر استغفاله فيها قدر الإمكان، وإنّا إن أردنا تفصيل ذلك لأمكننا القول بأنها مساحات تحتاج فطنةً في اختيارها أصلاً توقّياً من السقوط في الفتنة. إنه الاختيار الذي ينبغي على الإنسان فيه الموازنة بين خيرَي الدنيا والآخرة، بل على وجهٍ أدقّ؛ أن يعمل للآخرة، ويحصّل من خير الدنيا ما يصبّ في خير الآخرة والفوز فيها. وممّا يحسن التطرق إليه هنا هو أنّ لذلك الفوز ثمناً باهظاً قد يتطلب التعب والمشقة في محاولة تحصيل القدر الكافي الشافي من العلوم، والمشقّة في إخلاص النوايا للّه تعالى بعد تحصيل تلك العلوم. فما أكثر من تعب واجتهد في تحصيل علمٍ عظيمٍ ما، ثم نثر أجر ذلك السعي في مهبّ الريح بعد أن سيطرت عليه انتفاخات الكبر، وغرور المعرفة، وإغراءات الجدل اللامنتهي لأجل إرضاء النفس وفرض الرؤى الشخصيّة فقط، لا لأجل الوصول للحقيقة والمنفعة.

صورة تعبر عن اختيار الأولويات وهذا من الفطنة

وبالعودة لفطنة اختيار المساحات فإنّ أوّل المساحات المهمّة هي أن يكون المرء فطناً في أخذه العلمَ الشرعيّ، مستقياً من وحي العليم الحكيم فهماً يزرع في القلب يقيناً لا يتزحزح بهذا الدين، ويجعله واقفاً على برّ الأمان وإن كثر الهرج والخلاف، فطِناً يفهم الصحيح ويعرفه، أو فطِناً يعرض عن ذلك الخلاف إن كان نفعه أكثر من ضره، المهم ألّا يكون ذلك الإنسان إمّعةً، سائل الملامح الفكريّة، يتغيّر شكل اعتقاده ومبدئه ويتحوّر مع كلّ حملة تشكيكٍ وانتقادٍ تُشنّ على هذا الدين القويم.

وثاني المساحات المطلوبة هي علمٌ يجعل الإنسان قويّاً في معرفةٍ يختصّ ويتميز فيها سواءً كمجال عمل أو منبر نفعٍ للبشريّة ولهذه الامة تحديداً، وكم تحتاج هذه الأمة للعلماء والخبراء والأفراد الأفذاذ الأقوياء الذين يجمعون العلم والإيمان، والفهم والتواضع، ونفع النفس والغير بما علموا، علّهم يُعرَفون بالإسلام ويُعرَف بهم، وينتشلون هذه الأمة من وحل التغييب والاستغفال والتّهم الملقاة على دينها جزافاً.

الفطن هو الذي يعي أولويّات كهذه، ويتبحّر بعد التمكّن من كل مساحةٍ على مبدأ الأَولى فالأَولى، والمفتون هو الذي تجتره هيبة العلم في مساحةٍ ضيّقة إلى التعدّي في مساحاتٍ أخرى، آخذاً من هذا العلم رشفة، ومن ذاك قضمةً للتذوق، مفتياً هنا مستنكراً هناك، خالطاً المساحة في أختها لا عالماً بهذه ولا بتلك. تلك هي فتنة المساحات التي تجعل من الفطنة -إن وجدت- نقمةً على صاحبها وعلى أمته ممن يسمعونَ لغطه أو يتعلّمون منه.

أما الفتنة الأخرى للفطنة فهي الاتكال إليها والاعتماد عليها والاغترار بها حتى لا يعود المرء يصدّق سوى ما يرى، ولا يؤمن إلا بما يستطيع عقله المحدود تحليله وفهمه، مسدلاً الستار على الروح متناسياً إياها، مُغشياً عقله عن الوصول إلى منتهى الأمور ومبتدى الوجود، رامياً بدراسة الدين والمنطق عرض الحائط منتفخاً بأدواته القاصرة، وتلك الفتنة هي الأشد نقمةً والأعظم أخذاً بصاحبها إلى الهاوية، وتحضرني في هذا المقام مقولةٌ لفيرنر هايزنبرج صاحب نظرية ميكانيكا الكم الحائز علي جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٣٢: ” إن أول جرعة من كأس العلوم الطبيعية سوف تحوّلك إلى ملحد ولكن في قاع الكأس ستجد الله في انتظارك”.

خلاصة الأمر أنّ فتنة الفطنة؛ الطمع والغرور. طمعٌ بالتصدّر في مساحاتٍ أكثر، وجدلٍ أكثر، وكلامٍ دونَ فائدةٍ أكثر، وغرورٌ بالأدوات مَغشيّاً بالوسيلة عن الغاية، وبالطريق عن محطة الوصول.


الإحالات والمراجع

[١]: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (4/510)

[٢]: الكليات (1/456)، ومعه التَّعريفات، الشريف الجرجاني، 143))

[٣]: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري،(1/85)




هل يرتدي إبليس قرنيه دائماً؟

ثمة شيء أصعب من مواجهة العدو، إنّه توقّع زمن ومكان ظهوره، و إن كان الحديث عن أعدى أعدائنا –أي إبليس- فالصعوبة تكمن في التيقّن من وجوده أصلاً، فتخيّل معي حجم الخداع حين تكون ملقىً في شباكه تسيّرك وساوسه -أي في ميدان حربه عليك- لكن دون أن تعلم.

كما أنَّ للإنس لثاماً يتغطّون به فلا يعرفهم أحد، فإنّ للشيطان أشكالَ تنكّرٍ أخفى وأعظم، بعضها قد يصل في التمويه حدَّ الملائكية، وفي القرب منك حدَّ دواخل نفسك ونواياك، وصولاً إلى الدخول في أعماق قلبك.

لإبليس أبواب متفرقة، يدخل منها سويّاً أو بالتناوب، لحاجاتٍ نعلمها وأخرى قد لا نفهمها، أيّاً كانت تفاصيل أهدافه بالتحديد، فغايته المجملة العامّة واضحةٌ صريحة؛ (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص:82] وإنّا السّاعونَ لأن نكون ممّن أكّد ربّ السماء على ثباتهم قائلاً (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا) [الإسراء:65].

استُلهِم هذا المقال من تجارب اجتماعية وإنسانية حدّثني أصحابها بها أخيرًا، لافتين انتباهي إلى ذاتي وتجاربي أنا أيضاً، وإلى مرور أنفسنا الآدميّة بذات أشكال الخداع والمكر المتكررة، فكم يتلوّن ذاك الملعون بشتّى الهيئات والأشكال، حتى إننا لا نكاد نعلم أنّه هو إبليس عدوّ أبينا آدم الأول والأخير!

سنكشف في السطور اللاحقة بعضًا من وجوهه المختلفة متلبّساً بجرمه، وسنحاول تحليل بعض أشكال تحايلاته علّنا ألّا نسقط في وحلها مرةً أخرى.

التذكير.. بالضعف والتقصير

يدبُّ فينا العزم أحياناً كثيرةً على فعل بعض الأعمال الصالحة، والقربات النافعة، أو على تزكية أنفسنا وإصلاح أحوالنا، وإذ نحن كذلك يدهمنا هاجس أسود يسابق تلك الأفكار قائلاً: هل نسيت ما فعلت؟ كيف تحفظ القرآن وأنت تفعل ذنبَ كذا، وكيف ستصلّي وأنت ما زلت على هذه الحال؟

وسوسة إبليس

وما هي إلا ثوانٍ فتشتعل في العقل والقلب أفكارٌ ضالّة، وافتراضات فاسدة، توهم الإنسان بأنَّ مثل هذه القربات لا يفعلها إلا الصالحون الذين لا يشابه حالهم حاله، فتُيئسه تلك الهواجس من التوبة والأمل في الصلاح، وتجعل التقرّب إلى الله في فكره كجبلٍ عالٍ لا يبلغه إلّا كاملٌ لا يخطئ ولا يزلّ..

فلنقف ههنا، عند هذا الخاطر الخفي، لنواجهه بأن التوبة إنما شُرعت للعاصين والمقصّرين، فقد ورد في الحديث الصحيح؛ أن (الَلَّه أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ) [أخرجه الإمام مسلم في الصحيح برقم 2747].

كما أنَّ الطاعات والفضائل إنّما تُبدأ بالصبر على المحاولات المتكررة والمجاهدة، ولا ريب أن على هذه المحاولات أجرٌ يساوي أجر الإتقان أو يزيد عليه أضعافاً، فما كان الماهر في القرآن ماهراً إلّا بعد تعتعةٍ وجهاد ومقام تعلّم وضعف بلّغه ما بلغ، وفي هذا ورد عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولُه (الماهِرُ بالقرآنِ مع السفرَةِ الكرامِ البرَرَةِ، والذي يقرؤُهُ ويتَعْتَعُ فيهِ وهو عليه شاقٌّ لَهُ أجرانِ) [أخرجه الإمام البخاري في الصحيح برقم 4937] ومن هنا، فلنخاطب أنفسنا، أليس لنا في كلِّ طاعةٍ تعتعة، ومحاولاتٌ نسعى فيها للمستوى الأفضل وللوجه الذي يليق به سبحانه!

فإن أيقنت ذلك، واستوثقت من خداع هذا الوسواس، فاثبت لئلا لا تنطلي عليك حيله، ولا تكن ضحية التقليل من قدر سعيك أو التذكير بتقصيرك وذنبك فإنما ذاك من عمل إبليس ونفثه.

تكسير الثبات وزعزعة التوبة

تعهّد إبليس بكل استكبارٍ بتحقيق وعده الذي وجّهه لله تعالى مع سبق الإصرار والترصّد، ومن ثمّ فإنّه ليس ذاك العدوّ الذي تثنيه الخسارة أو تتعبه الانتكاسة، أنسيتَ وعده حين قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16].

إنَّ توبة أحدنا لا توقف إبليس، بل تزيده غيظاً وحقداً، وتزيدُ من همته في ردّنا على أعقابنا، فتجده يحيط بك من كل جانب، ويحاول الظهور من كل ثغرةٍ وباب، يريد سحبك لعهدك السابق، وذنبك الذي هجرت، فإذ به يكفّ عن تزيين الذنب مستبدلاً ذلك بتشويه هجرانه، بإيقاع العيوب والخطوب في توبتك، ويزيّن ذلك كلّه بهيئة ملائكيّةٍ جداً، على شكل وخزات ضميرٍ تُريك ذنبك من زاوية أخرى لا تتعرض للذّته وشهوتك إليه، فقد بات الوقت متأخراً الآن على هذه الحيل إن كانت التوبة صادقةً حقيقيّة!

إلا أنّ باب الضمير هذا يبدو مقنعاً أكثر فيجعلك تبدأ بالتساؤل، ما حال رفقة السوء الآن، ألن يؤثر فيهم هجراني المفاجئ لهم؟ ماذا عن تلك الفتاة ألن يَكسِر قلبها إغلاقي لمنافذ الحديث معها؟ ألم أكن شريكاً في الذنب؟ ..إلخ.

سيندفع إبليس ليجعلك تنسى عواقب الاستمرار في الذنب، وسيعظّم صعوبة تركه في نظرك بشتّى الطرق، وسيستطيع تبرير عودتك للذنب أو استمرارك مراراً وتكراراً…

سيسوّغ إبليس السرقة بحالك المعدم، وسيهوّن نهب المال العام بفساد الحكومات، ولا ننسى تلك الحيلة التي تجدي نفعاً مع كلِّ الذنوب؛ “انظر كيف يفعل الجميع ذلك”، وكأنه ينسى أنّ الله في عليائه يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103].

الطعن في نواياك

يعلم الماكر حرص المؤمن المستمر على الإخلاص، ويعلم دور النيّة كعاملٍ أساس في قبول العمل، لذلك فإنّ النيّة هدفٌ مهمٌّ له. ومن ثمّ قد يغرقك في جمال عملك الصالح حدّاً تلزم فيه الوسيلة وتنسى المتوسّل إليه.

إن أصعب الخسارات أن تضيّع عملك هباءً وتنثر جهاد الطريق في الهواء بسبب نيّةٍ متفلّتة، كعمل خيرٍ كان في بادئ الأمر لوجه الله ثم أصبح في نهايته ينتظر ثناء من قَرَأَ، وشُكرَ من استفاد، وصورة الناسك الصالح وحسن الذكر والمدائح، فألزِمنا اللهم مقعد صدقٍ وإخلاص لا نغادره حتى نلقاك.

في باب النيّة له أسلوبٌ -ينبغي ذكره- يعاكس الأسلوب الأوّل كلياً، ولعلّه أكثر ما يستخدمه مع المخلصين حقّاً والذين قد ينفعون الآخرين ويأخذون بأيديهم إلى الخير والهدى؛ إذ إنه يعلم حرصهم الشديد على الصدق وتثبيت نظرهم على الآخرة، فتجده يسدّ عن الناس باب نفعٍ من هؤلاء الصالحين حين يوسوس لهم بالنفاق والرياء، فتجدهم يمتنعون عن نصح الناس بترك ذنبٍ معين مخافة أن يكونوا قد فعلوه يوماً، أو بإمساك علمهم عن الآخرين مخافة أن يكون رياءً وكم دبّت هذه المخاوف في قلوب الكثيرين أحياناً وأحيانًا.

لا تكفّنّ عن تذكير نفسك بكيده الطويل المستمر، بإصراره على إضلالك وبمصلحته في ذلك، لا تخدعنّك أساليبه، إن أدركتَ الذنب فاعزم على هجره عزماً صادقاً، وإن هجرته فالزم موقفك، وارقد على بساط الآيات والذكر الحكيم فإن فيه شفاءً للصدور المتعبة السقيمة بأمراض الأبدان والقلوب، لا تلتفت فيدخل لك من ألف بابٍ وباب، ثبّت نظرك على من لأجله هجرتَ الذنب رغم لذّته، ومن لأجله سلكتَ طريقاً طويلاً، مهاجراً إليه، راجياً أن تبقى هجرتك إلى ما هاجرتَ إليه.

لا يرتدي إبليس قرنيه دائماً.. هذا ما يجب فهمه وقوله، إنه متلاعبٌ شرّير..  فاحذر كلّ الحذر يا عدوّه الأول والأخير.




لا خوف ولا حزن

كثيراً ما تشدّني ثنائية الخوف والحزن الواردة خاصةً في آيات المواساة القرآنية وآيات التبشير بالنعيم والفضل، إلى الوقوف للتفكير في جوهر هذين الشعورين ومدى امتدادهما في أرض النفس الإنسانية، ولملاحظة أنهما بشكلٍ ما مصطلحان شاملان للكثير من التفاصيل الشعورية الأخرى، تلك التي ستتلاشى بمجرد غياب كليهما.

الحزن والخوف؛ صراع الماضي والمستقبل

إن تأملنا في اتجاه نظر الإنسان حال شقائه نجده مكبّلاً ينظرُ إلى اتجاهَين متعاكسين، أو طريقين متقابلَين، مشغولاً بأحدهما أو كليهما عن موقعه الحالي وموضع قدمه في لحظته تلك.

إنه صراع الماضي أو المستقبل، أو كليهما وهو الأصعب والأكثر تعباً؛ إذ إنَّ أحدنا في هذه الدنيا إمّا موثَقٌ بتجربةٍ أو ذكرى أو حادثةٍ مَضَت يجاهد نفسه على تجاوزها، أو مشغولٌ بآتٍ مجهول، يريده كما يتمنى، أو يرجو أن يخلو ذلكَ الآتي من أمرٍ يخشاه أو يكرهه.

وإذا ما أردنا ترجمةَ هذا الصراع والاشتغال بالماضي أو المستقبل شعوريّا،ً لكانت الترجمة الأنسب والأصدق والأبلغ هي تلك التي استخدمها ربُّ العباد الأدرى بأحوال القلوب؛ إنه الشقاء بين “الحزن والخوف”، الشعوران اللّذان يصفانِ حال الإنسان هذا بدقّة كبيرة.

الحزن تحت العدسة المكبّرة

لا بأس بأن نسلك طريق الحزن في هذا المقالِ لبعض الوقت، محاولين فهمَ معالمه وتضاريسه حتّى نتذكّرها جيّداً إن رأيناها في لحظةٍ قادمة فندرك أنّنا هنا، في درب الحزن وعالمه. درجتُ مع السالكين في كتابِ ابن قيم الجوزيّة ووجدتُ فيه لطائف وتفسيراتٍ عميقة لمفهوم الحزن حين تطرّق له كمنزلةٍ من منازل (إياك نعبد وإياك نستعين).

لقد علّق في بداية الفصل بجملةٍ لخّصَت منزلة الحزن ببراعة “وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لابدّ للساك من نزولها ولم يأتِ “الحزن” إلّا منهيّاً عنه أو منفيّاً” [1] وأظنّنا ميّزنا مواطن النهي والنفي حين ذكرنا الآيات التي ذكر فيها ربّ العزة هذا الشعور، لقد نُهِيَ عنه في آيات المواساة الحانية، ونُفِيَ تواجده عند الحديث عن النعيم وفضله تعالى على عباده المؤمنين.

أمّا عن كونه ليس مطلوباً ولا مقصوداً فذاكَ لما فيه من الضعف، وتشجيع الشيطانِ عليه ليقطع سير الإنسان إلى الله، ونستشهد على ذلك بدعائه ﷺ: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن) [أخرجه البخاري]، وإنَّ الإنسان ليعتريه ذلك في حزنه على أمرين، فكما قيل “الحزن: توجّعٌ لفائت، وتأسّف على ممتنع” فنجدنا نحزن إمّا على شيء رزقناه ثمّ فقدناه بأمر الله وحكمته فنبقى في حسرةٍ على ذلك الفوات، أو حزينين على امتناع رزقٍ معيّن منعنا الله إيّاه وله الأمر من قبلُ ومن بعد،هو المعطي المانع، لنبقى في تأسّفٍ على ذلك المنع مغفّلين عن اغتنام رزق اللحظة التي نملك.

وأمّا قوله: وإن كان لا بدّ للسائل من نزولها، فذاكَ لأن الابتلاء هو دأب هذه الحياة الدنيا، التي تستقيم حيناً وتعوجّ أحياناً. ويظهر هذا في حديث أهل الجنّة حين يحمدون الله قائلين: {..الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} ]فاطر:34[ ويستدلّ بهذا على مرورهم بشتّى أنواع الحزن والابتلاء وأشكاله، ولكنّه حزنٌ بلّغَهم الجنّة بصبرهم عليه، ولجوئهم إلى الله طلباً للسلوان والقوّة والأجر، لا سلوك طريقٍ خاسرٍ بالجزع والاعتراض والنكوص والعياذ بالله.

الخوف تحت العدسة المكبّرة

في الجهة الأخرى، في طريقٍ إلى المستقبل، وقربٍ أكثر إلى معانيه وأسباره، نجده أنَّ الخوف حين ورد وحده في السياق القرآنيّ ورد بصيغة الأمر والحثّ عليه، ولكن شرطَ أن يكونَ في الحديث عن جنابِ الله، لذلك نجد أنَّ أكثر الآيات التي كانت تصف المؤمنين كانت تذكر خوفهم من الله جلَّ وعلا وخشيتهم منه {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} ]المؤمنون: 57[ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}] المؤمنون:60[ إنّه الخوف الذي يعتري الإنسان عند فهم مقام الله وعظمته، وإدراك عذابه لمن يعصيه فتجده يكثر من الطاعات والقربات طمعاً في قرب الله وعفوه، ومن ألطف ما قرأت في هذا الصدد ما قيل: “كلُّ ما تخافه تهرب منه، إلّا الله حين تخافه تهرب إليه”.

ومن المواضع التي أستحضر نهي الله فيها عن الخوف أو ذكره منفيّاً، نهيه تعالى عن الخوف من الناس وخشيه الله تعالى وحده فهو الذي بيده زمام أمر الإنسان والناس الذين يخافهم {..فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ..} ]المائدة:44[ {..وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ..} ]المائدة:54[، فلا يخاف الإنسان رزقاً بيد إنسانٍ آخر، ولا يخاف بطشاً، ولا أذىً، بل حسبه الله فينطق بالحقِّ قويّاً صادحاً دون وجل.

القرآن والذي يحتوي ثنائية الحزن والخوف في آيات المواساة القرآنية وآيات التبشير بالنعيم والفضل

وأستحضر موضعاً آخر فيه لطيفةٌ جميلة {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} ]الإسراء:31[ حيث كان النهي هنا ليست عن الخوف من المجهول فحسب، بل من الوساوس التي نتخيّلها قادمةً من المجهول، والتوقعات التشاؤميّة، والقياساتُ والتنبّؤات، إذ إنها كلها من الخوف المنهيّ عنه، وهي من الأمور التي ينبغي تحويل الخوف منها إلى ثقةٍ بالله عزّ وجلّ.

في هذا السياق يتجلّى التوكّل مهيباً منقذاً للمشهد، التوكّل الذي نستطيع وصفه هنا بأنه تجاوز الخوف إلى الاطمئنان، وتجاوز القلق إلى الرضا حين يؤمن الإنسان بأنّ له ملكاً جليلاً في عليائه إليه يصرف الأمر كله، هو حسبه وكافيه ونعم الوكيل.

وحين نعود إلى وصف أهل الجنة (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)، لأنّ المَخوفَ ذهب، فقد نجّاهم الله من العذاب وأسبغ عليهم رضاه، ولا حزنَ لأنّ كلَّ الأسى كان حلُّه الجنة، وتحقّقه الجنة فلا تحرمنا اللهمّ أمنها ونعيمها، اجعلنا اللهمّ من أهلها، ممّن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.


الهوامش

[1] مدارج السالكين، ابن القيم الجوزي، المجلد الأول، ص505 ، دار الكتاب العربي -1972




الشوق لرمضان.. أم السؤال عن معجون الأسنان؟

كلّما استحضرتُ قربَ الشهر الفضيل، وحاولت عيشَ أجوائه الدافئة في ذاكرتي أو مخيلتي، راودني تفصيلٌ تافهٌ أو عابر –ربما-، ولكنّني أجدُ فيه تفسيراً يمكن إسقاطه على كلّ تجاربنا المختلفة في رمضان.

كثُرت النكات في آخر الأيام على فكرة الأسئلة التي يطلب الناس فتواها من الشيوخ وعلماء الدين في أوائل أيام شهر رمضان، حتى اختصر كثيرون ذلك على الناس بنشر كل تلك الأسئلة -الساذجة المكررة- في صورة واحدة بجدول “يفطر أو لا يفطر”.

إلا أن السذاجة لا تقتصر على تلكَ الأسئلة، بل لعلّها تحدث في زوايا كثيرةٍ من أفعالنا في هذا الشهر المبارك الذي يبدأ سيناريو اشتياقنا له بالنصوص والعبارات، وربما في مواقف صادقةٍ أكثر، في احتياج الروح للقرب والتهذيب والتنقية حقًّا، ولكنّ هذا الصدق قد يتشابه مع صدق صاحب ذلك السؤال الذي جعلناه نكتةً، ربما إن فهمنا دافعَ سؤاله أكثر.

إنّنا نسأل الأسئلة في بعض الأحيان لا لرغبةٍ حقيقيّةٍ في الإجابات، وإنما لفكرة السؤال نفسه.. لأقرّبَ الوصف أكثر؛ فإنّنا قد نسأل عن حال بعض المعارف أحياناً دون رغبةٍ حقيقية بمعرفة أخبارهم، ولكن مخافة العتاب، أو إرضاءً للواجب، هذا ما يحدث بالضبط مع تصرفاتٍ -بتنا نسميها رمضانية- كثيرة، أن نُشعِر أنفسنا بأنّ واجباً علينا يُؤدّى، بأنّنا مهتمّون حقّاً برمضان والبداية جادّة.

ظلم تشبيه الـ ( 1 ) بالـ ( 11)

جُعِل الصوم مميّزاً عن باقي العبادات في تفاصيل مختلفة كجزائه القدسيّ سواءً من ريانٍ، أو ذاك الذي تركه الله له، وهو يجازي به، ولنا أن نتخيل حجم عطاء الكريم إن وعد.

كما أنّه مختلفٌ في توقيته الخاص، وحدانيّته وسط 11 شهراً آخر، وهنا بالذات قد نفسد من حيث نريد الإصلاح، فنأتي لنُشعِرَ أنفسنا بأن هذا الشهر هو الكنز المنتظر، ذو اليوم المختلف، والروتين الخاص فنقعُ في مأزقين معتادَين.

أولهما: لحظة ما بعد العاصفة، والعاصفة التي أقصد هي مآزق وعثراتُ وسقْطات الأشهر الإحدى عشر، عواصفُ الذنوب والأخطاء والوساوس التي لاقَينا سوء عاقبتها، وتعب المصير الذي آلت بنا إليه، تلك الموعودة بالإصلاح دائماً دون جدوى، إلى أن يخطر في البال طيف رمضان كشهابٍ رابح، ليبدأ الذهن في ترتيب مراسم التوبة والنسك والتهجد.

وهنا أستحضر مشهد السفينة في عباب البحر، يركبها المسافرون يواجهون أكثر لحظات الخطر والمشقّة (حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ.. ) يخاطبون الله، يدعونه، يَعِدونه ويعدون أنفسهم بتغيّرٍ عظيم؛.. (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [يونس:22]، إلا أن عاقبة هذا الوعد معروفةٌ في أحيانَ كثيرةٍ للأسف..

ذاتُها حماسة صاحب السؤال التي تتلاشى بحلول أول مغيبٍ للشمس، أو بالأحرى تخمةِ أول إفطارٍ وليلةٍ رمضانية.. وقد تكون حماسةً تمتدّ بضعةَ أيّامٍ ثم تعودُ للغياب.

إفطار رمضان

أمّا المأزق الثاني: فهي تلك التفاصيل التي نضيفها على الجدول الرمضانيّ بمضضٍ في أوّل الأمر، والتي نحفظ مواعيدها متظاهرينَ بعدمِ الانتباه – فالجدول المُعَدُّ قد لا يتسع شيئاً سوى العبادة- وإذا بالجداول تتمزّق قبلَ أن تُخَطَّ على الورق، وإذا بتلك البرامج، والمسلسلات، وحتى السهرات تفرض جداولها بنفسها دون كلفةِ ترتيبٍ أو تنسيق. لنمحو بأيدينا ما ينفعُ الناس، ونتركَ الزبدَ الجفاءَ يملأ أيام رمضانَ الفضيل حتى يغرقها ونغرق.

وهنا نظلم هذا الشهر الواحد بأن جعلناه فارغاً مليئاً بكلّ ما يفرغنا أكثر، جاعلين إياه كـالـ ( 11) شهرًا مضى، وهو واحدٌ يزيدُ  على بقيّةِ عامٍ بأكملها.

مَن جَدَّ وَجدْ

سنكون متشائمين إن ذكرنا الأخطاء ولم نتطرّق للصحيح والمفروض، ولكنّ الغرض كانَ مباغتةَ الأخطاء واستعراضها في مشهدٍ استباقيٍّ تحليليّ، غايةُ مُناه أن لا نكرّرها، والله من وراء القصد.

لا مثالَ أوضح على الجدّ من عمله ﷺ  وعمل أهله وصحابته في هذا الشهر الكريم، من الدعوات اللحوحة، واستباق الخيرات، من تدبّر القرآن في الشهر الذي أنزل به ومن إحياء ليلة القدر على الوجه الدي يرضي الله (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) [القدر:2].

أناسٌ جَدّوا فوجدوا، فاستمرّوا، فكان رمضانهم موعداً مع قضاء الحاجات والكُرَب. أدركوا عظمة فكرةِ أن يكونَ في العام أيّامٌ تعدِلُ لحظات جمع الغنائم بعد المعارك الطاحنة، مواسمُ قرباتٍ وطاعاتٍ ورضا، القَدرُ والرزق، ابتلالُ العروقِ بعد شهور الظمأ، ثباتُ الأجر بعدَ الغفلة عن الصوم والتهذيب أيّاماً كثيرات.

يا إلهنا.. اشتقنا لرمضانَ حقًّا، فأصلح أنفسنا وأبعد عنها ضلالاتها فإنّك إن تَكِلنا إليها نهلك، اللهم سلّمنا لرمضان وسلّمه لنا وتسلّمه منّا متقبّلا.

 




المصعَد معطِّل استخدم السلّم

اعتدنا عند الحديث عن حلّ الأزمات أو معالجة الصدمات والمطبّات، ذكرَ سبيلَينِ، أحدهما: الصواب والآخر الخطأ.

على سبيل المثال: عند تعرضك لضائقةٍ ماليّة فإنك تمتلك خِيار “اليمين”، وهو تحصيل المال بالحلال، أما الآخر أي “اليسار” فهو الاحتيال والسرقة، فكأنّنا عند نقطة الأزمة نرسم طريقين ولنا حرية سلوك الذي نريده منهما تبعاً لما نملك من مبادئ أو قيم.

هذا الشكل والمشهد هو المنطق والصواب دونما شكّ، لكنّنا في هذا المقال سنخوض في بُعدٍ أوسعَ في السبيل الصائب، حيث سنكتشف أنَّ بعد مفترق الطرق واختيارِ صحيحها هناكَ سُلّمٌ، سيطرحُ علينا سؤالاً مهماً؛ وهو هل نصعده بتدرّجاته، أم أنّ مصعداً إلى الحلِّ الأخير مباشرةً هو الأجدى؟

مفهوم الخطة العلاجية

علم المداواة أو ما يسمى بـ (Therapeutics) هو علم مختلف عن علم الدواء، يتناول ما يسمى بالخطة العلاجية (guideline) لكل مرضٍ؛ حيث تترتّب في هذه الخطة كل الأدوية التي تذكر في علم الدواء (pharmacology) وفق خطة وهيكليّةٍ محددة قد يأخذ تشكيلها عشرات السنوات من الدراسات المخبرية والسريريّة، ليكون النتاجُ ترتيبَ هذه الأدوية والسلوكات العلاجية بدقّة، حيث يتم تفصيل بأيّها نبدأ وما الخيار الثاني وهكذا. وتبعاً لذلك يظهر مفهومٌ بديهيّ في هذا العلم يسمّى خط العلاج الأول (First line treatment) [1] والذي قد يكون ملهماً حتى على الصعيد الإنسانيّ إن أطلنا فيه النظر.

اتبع إرشادات الخطة العلاجية

هذا المفهوم يُحتّم على الطبيب أو الصيدلاني اختيار دواءٍ أو علاجٍ محدّدٍ ما قبل أيّ خياراتٍ أخرى لأسباب كثيرة، منها أن هذا العلاج هو الأقلُّ من حيث آثاره الجانبية أَو مضاعفاته مثلاً، أو أنه الأجدى ماديّاً مقارنةً مع حجم المشكلة الصحية، قد يكون السبب أيضاً كون هذا العلاج هو الخيار الذي لاقت عليه أغلب الحالات المدروسة استجاباتٍ جيّدة دونَ غيره، ولذا فإن البداية به قد توفّر عناء تجريب علاجات أخرى مع هامش فرصة نجاحٍ كبيرة.. والأسبابُ كثيرة ومتنوعة.

الخطة العلاجية للحياة الإنسانية

حياة الفرد منّا داخلَ جسده لا تختلف كثيراً عنها في الخارج، فمن عظيمِ خلق الله أن جعل من هيكلية وتشريح أجسادنا عالماً فرضَ على دارسيه قروناً من الزمن للتعامل معه ووضع القوانين لفهم حاجاته ومعالجة أسقامه.

إنّه لمنَ الجميل أن يتفكّر الإنسانُ منّا، بأن كثيراً من القوانين في علمٍ ما قد تكون ملهمةً في مجال آخر وسياقٍ مختلفٍ، ولو أنّنا نتعامل مع المشكلات الحياتيّة بطريقة علم المداواة المذكورة لبضع دقائق من التفكير لوجدنا أنها منطقية جداً، بل إنّنا نمارسها في أوقاتٍ كثيرة ولكن ليس ضمن المسميّات ذاتها.

هناك الكثير من الخيارات حتى في سبيل الحلال، فوحدة وجهته واستقامة مراده لا تفرض غياب التدرّجات في السبيل لهذا المراد! بعض الحلول الحلال مرهقةٌ للنفس مستنزفة لها، وقد نكون قادرين على بلوغ نتيجتها نفسها بوسيلةٍ أيسر، والمؤمن كيّسٌ فطن، يدرك أن هذا الدينَ أكثر ما يحثُّ على الاستثمار في الإنسان دون التواءات مرهقة، وبأكثر الطرق وضوحاً.

وهذا المنظور ليس منظوراً شخصيّاً أو جديداً على هذا الدين، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) [أخرجه البخاري في صحيحه]. وقد قيل في شرح ذلك أن هذا إنّما كان في المعاملات والحياة العاديّة لا العبادات، وهذا غاية المنطق، فإنما جعلت العبادات -ونخصُّ النوافل منها- زيادةً في القرب والاتّصال مع البارئ جلَّ وعلا، يزيد فيها العبد ما شاء ما دام في إطار الوارد والصحيح.

تحوي سورة النساء مثالين حيّين متتاليين لما نقول، يظهر فيهما أمرُ الله بالتدرج، أولهما إصلاح المرأة الناشز فيقول الله جلَّ في علاه {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ، ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]

يلي ذلك مثال الطلاق، حيث إن أول ما يتبادر للذهن عند ذكره قوله ﷺ: {أبغض الحلال إلى الله الطلاق} [أخرجه أبو داود وابن ماجه في السنن، وضعّفه جماعة من المحدّثين كالألباني]، أي أنّه حلالٌ إلا أنه ليس الخيار الأوّل ولا الثاني ولا سواه ما دام قبله مساحة ومجالٌ متسعٌ للحلول التي قد تدفعه أو لا تضطر الشخص للوصول إليه، وما دام هناك ظروفٌ مختلفة للحالة فإنه قد يتغيّر من حكمه أو الضرورة إليه. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35]

التدرُّج دون قفزات أو مصاعد

إنّنا إذ نتحدث عن التدرّجِ في الحلول لكل أزمةٍ أو ضيقةٍ أو حتى قضيّةٍ حياتية، فإنّنا لا نقصد اختيار الأيسر منها والأكثر وضوحاً فقط باختيار الدرجات الأولى. وإنما هناكَ مقصدٌ وغايةٌ أكبرُ وأعظم وهيَ التدرُّج في الأسباب والوسائل والأهداف لبلوغ أقصاها على أسسٍ ثابتةٍ ومعطياتٍ صحيحة، تجعل بلوغ الغاية أو الحلّ بلوغاً حقيقيّاً سليماً.

ولعلَّ المثالَ خيرُ ما يشرحُ الفكرة ويوضحها، ولا مثالَ أهدى من كلام ربٍّ هو الأعلم بحيثيّات النفوس وما هو خيرٌ لها؛ إذ يقول تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ففي هذه الآية رسالةٌ لطيفةٌ ومنهجيّة بناء عظيمة لا تقتصر على أهمية الشورى فحسب، بل في هيئة التدرّج ذاتها، فالنبي ﷺ مؤيدٌ بالوحي، وهو أرجح الناس عقلاً، إلا أنّ هذا الترتيب سيجعل حتى إقبال المؤمنين على أمره ﷺ أكثرَ ثباتاً، وهنا يقول الإمام ابن كثير رحمه في تفسير ذلك: “يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط” فكأن الخطوة الأولى تأصيلٌ وتثبيتٌ لما يليها.

استخدِم السلّم

السبيل الصحيح واسعٌ متعدّدُ الوسائل، وكونه الغاية لا يوجب اتّباع أعقد الوسائل، ولا آخر الحلول مباشرةً، بل أكثرها عقلانيةً وبتدرّج وأنيّةٍ. فالسلالم لا تُعبَر في حلِّ المشكلات من أعلى درجاتها إلى أسفلها، بل من أقرب الدرجات إلى أعلاها على هونٍ ورويّة. وإنه لا يُقفَز إلى الحل الأخير مباشرةً ما دام قبله ما يهوّن الوصول إليه ويجعله وصولاً ثابتَ الخطو أصيلاً.

هيَ الحياةُ، فيها سبلٌ لا تحصى ولا تعدّ، وإنّ السبيل الواحد ليحوي من الطرق والتفاصيل ما يجعله مدينةً بل خريطةً معقّدة.

 نسأل الله دوماً سدادَ سلوكنا إياها، وهدايتنا لعبورها بأوضح الطرق، وأحسن النتائج، بعيدين عن عمّا تَشابه أو فَتَن، مستعيذين بالله من الضبابيّات وتخبّط المسير.


[1] https://www.cancer.gov/publications/dictionaries/cancer-terms/def/first-line-therapy

 




حساسية الشعور عن كثب

في حياتنا اليومية نصادف أنماطًا متنوّعة من الناس، بينهم شديد التأثُّر سريعُه بالمواقف المختلفة، وبينهم من لا يلقي بالاً لكثيرٍ من المؤثرات، فيمضي دون أن يتأثر بها، وهذا من تنوّع خلق الله، إلا أننا هنا نتساءل عن تلك النظرة السلبيّة التي تثار حول الشخص الحسّاس، فهل حقًّا أن الشخص الذي نطلق عليه وصف “حسّاس” مبالِغٌ كما قد يصفه البعض؟ ولماذا نتفاوت في ردود الفعل، وما هي الأبواب التي قد تكون على ارتباط وثيق بمفهوم حساسيّة الشعور؟

حساسية المستقبلات من المنظور المادي
جرت العادة في علم الصيدلة قبل أن تُدرَس كيميائية الدواء أن يُدرَس مستقبله في الجسم (Drug receptor)، حيث إن كل نوع من الدواء له نوع مستقبل يرتبط به ليعطي التأثير المفروض.

حساسية هذه المستقبلات تعني أنّ نفس الجرعة من الدواء قد تعطي تأثيراً أقل أو أعلى تبعاً لحساسية هذا المستقبل ويدخل في هذا عوامل كثيرة ومعقدة. [1]، وقد تكون العوامل جينية أو بيئية (polymorphisms) في بعض الأحيان، فيكون مستقبل هذا الدواء في جسمٍ ما حسّاساً أكثر منه في جسم غيره والعكس صحيح، وهذا ما تتجه كثير من الدراسات الدوائية لأخذه بعين الاعتبار عن طريق دراسة الخرائط الجينية لكل فرد على حدة في بعض الحالات. [2]

إضافة إلى ذلك فإنّ هناك أدوية تستخدم مثلاً لزيادة حساسية أو تحفيز مستقبل معيّن لمادة في الجسم، تدعى (receptor agonists) وأدوية أخرى لتثبيط تفاعله مع بعض المواد تدعى بـ (antagonists)، ليصبح ارتباط المستقبل بتلك المادة أقل أو معدومًا، عندما يُراد تقليل أو إزالة تأثير مادة معيّنة.

ومثل ذلك في علوم أخرى، كعلم الهندسة والحساسات بالذات (sensors)، تعرف حساسيّة الحساس (sensor sensitivity) بأنّها أقل كمية من مُدخَل مادي يكون الحسّاس قادرًا على رصده ليتفاعل بناءً عليه، ومنطقياً فإنه كلّما كان الحساس أقدرَ على التفاعل مع كمية أقل، فإن حساسيته تعَدّ أعلى وأقدر على الاستجابة [3].

الإسقاط النفسي للمستقبلات
قد تتساءل: ما علاقة ما تقدّم بالحساسيّة النفسية؟

إلى الآن لا علاقة للحساسية النفسية بالأمر أعلم ذلك.

لقد كان الغرض من هذا العرض جذب الانتباه لمفهوم المستقِبل من حيث إنه تصوير مادّي، وكذلك الحال بالنسبة للمستقبلات النفسية أيضاً التي قد يغيب عن بالنا وجودها، فإن استقبال أحدنا لمدخلٍ شعوريٍّ ما وتفاعله معه، يختلف عن تفاعل شخصٍ آخر بدرجته من ناحية، وحتى بشكله في بعض الأحيان.

إن الأمر شبيهٌ بالمثال الماديّ المضروب سالفاً إلى حدٍّ كبير، حيث إنّ كمية قليلة من مدخل معين قد يستقبلها شخص بحساسية عالية فيتفاعل معها قدر تفاعل شخص آخر مع كمية أكبر بكثير! وهذا ليس مبالغةً ما دام خارج حيّز الاضطرابات النفسية، بل إن حديثنا عن المواقف وطبيعة المشاعر في التعامل مع المواقف اليومية، التي قد نعايشها نحن أو من نعرف.

قد يكون مستقبِل الحزن لدى بعض الناس حساسًا مثلاً أكثر من غيرهم، فتجده قد ضاقَ وعانى من كلمةٍ أو مشهدٍ عابر، فحزن لدرجةٍ يصلها شخص آخر عند تعرضه لأمرٍ أشدَّ مأساةً بعشرة أضعاف مثلاً.. فلا الأول مبالِغ، ولا الثاني بليد، لأنّ الشعور يقبع ضمن منظومةٍ كاملة تعبر عن ردة فعل الشخص وطبيعة شخصيته، ولا يمكن الحكم إلا إذا فُهمت هذه المنظومة كاملةً.

وقد يتجه مثلاً الشخص الثاني للفعل، أو للمحاولات، أو للتغيير مباشرةً دون إعطاء مساحة الشعور حيزاً كبيراً. وقد يكون سبب قلّة تأثره وجود قسوة في طبعه مثلاً، أو سوء خلق، أو ظروفٍ عوّدته على ذلك.

على الجانب الآخر، قد تكون دوافع ذاك الذي تحسّس من المُدخل الحزين بشدّةٍ لرقّة قلبه، أو تذكّر مأساةٍ معينة مرت به، وقد يكون السبب أنّ موقفاً ما انتهك مبدأ مهماً في حياته -لا يدري عنه أحد- كان يلتزم به منذ حينٍ بعيد. كلّ هذه الاحتمالات لشعورٍ واحدٍ ضُرِب كمثال، والمشاعر كثيرة لا نهائية، ولذلك فإن احتمالاتها لا تنتهي أيضاً.

كلُّ ذلك يصبّ في بحيرةٍ واحدةٍ مشوبةٍ بالضباب، هي النفس الإنسانية المعقدة، ولم تكن مدخلات أحدنا كمدخلات الآخر يوماً ما، بل يستحيل ذلك! إذ لكلٍّ منّا شعورٌ وموقف، حافز ومثبّط، صفعةٌ ورفعة عاشها وحده، وشعر بها وحده، وترتّبت في نفسه بهيئةٍ معيّنة، تظهر في سلوكه بأشكال مختلفة خاصة به وحده أيضاً.

لذلك فإنَّ الحكم بالمبالغة أو البلادة ينافي المنطق قبل أن ينافي حسن الخلق، ويطعن في منظومةِ حياةٍ كاملة شكّلت هذه الكينونة، لا موقفٍ عابرٍ فحسب.

عناية الإسلام بحيثيّات الشعور
ربّما هذا التحليلُ والتفكير، يضعنا على مسافةٍ أقرب من فهمِ اعتناء الإسلام بأغوار النفس والشعور، وخصائص القلوب. {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]، وذلك يقرّبنا أكثر من قوله صلى الله عليه وسلم لأحاديثَ كثيرةٍ تتعلق بالعناية بشعورنا وشعور الآخرين، تعاملنا معها كدرسٍ في مرحلةِ الابتدائية عشناه فيها وهجرناه! قال ﷺ: (..وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ! ..” [صحيح مسلم: 2564].

وكلّما اقترب المرء من نفسه وحاول تزكيتَها وجد الشعورَ عنده يزدادُ حساسيةً ولمعاناً حتى إنّ أصغر حادثٍ يستثيره للاتّقاد ولا ينجمُ الاتّقادُ إلا من فهمٍ وإدراك. تتبادر في هذا السياق الكثير من الآيات التي تتحدّث عن المؤمن ذي القلبِ الشفيف الرقراق، الذي تستدعي الآياتُ والمواقف أفكاره وإدراكه وخشيته، فتجده قد تفاعل معها بهيئاتٍ تصف أعلى ما في النفس الإنسانية من شعور. {.. إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩} [مريم:58]. كما وصف تعالى حالَ أولئك الذين لم يستطيعوا المشاركة في الغزوة لأن الرسول ﷺ لم يجد ما يحملهم عليه أدقّ الوصفِ وأبلغه {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:92].

وأكثر ما يؤكد على ارتباط حساسية الشعور بالإدراك، الآية التي أنزلت في فئة من النصارى حين أدركوا أن ما يسمعونه هو الحق {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:83]، فقد ربط الله جلَّ وتبارك الدمع الذي لا يصدر إلا عن شعورٍ صادق، مع المعرفة والإدراك، وأتبع ذلك بما بدر عنهم من فعلٍ بأن يكتبهم الله في زمرة الموحدين. لتمثّل هذه الآية الكريمة منظومةً كاملةً تحوي القلب والعقل وعمل الجوارح استجابةً لذلك في أبدع صورة.

جهاد المشاعر
كما أنّ هناكَ تفصيلاً لطيفاً يصعب إغفال التطرق إليه، وهو عناية هذا الدين بانتقاء المشاعر ودرجات الحساسيّة التي ينبغي علينا الجهاد لبلوغ كلٍّ منها. فتجده يحث على زيادة الشعور بالرحمة والرأفة والرضا والصبر والعطف واللطف. ويحثّ من جهةٍ أخرى على إخماد الإحساس بالغضب العشوائي كحديثه ﷺ بأن ليس الشديد بالصرعة وإنما من يملك نفسه عند الغضب. وإخماد كل شعورٍ سيء من حسدٍ أو غيره وفي هذا نعمةٌ من اللهِ ورفعة.

كل ذلك يؤكد لنا أنّ الشعورَ عطاءٌ مميّزٌ غامض، حبا به الله هذه البشريّةَ ليكونَ عنصرَها المختلف عن باقي المخلوقات، ولا حكمَ لأحد أفرادها على شعور الآخر من استهانةٍ أو تقليل، إذ إن لكلّ منا تجربته الخاصة التي يعيشها.

إن من أطيب ما يهلُّ على القلبِ إدراك هذا -أي- جمالُ الآيات والوحي الإلهي الذي ينتشلنا كَيَدٍ حانيةٍ كلما سَحَبَتْنا الدنيا، ليرشدنا إلى ما فيه صلاحُ شعورنا، وصلاحُ عنايتنا بشعور الآخرين، فالحمدُ للرحمٰن الرحيم مدداً.


[1] https://www.sciencedirect.com/topics/medicine-and-dentistry/receptor-sensitivity

 [2] https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12972951/

[3] https://www.ni.com/en-lb/innovations/white-papers/13/sensor-terminology.html




تفرّقت أيادي سبأ!

سمعتَ من قبلُ بقول العرب: “تفرقت أيادي سبأ” أو “تفرقت شذر مذر”.. وكيف تُراها ردة فعلك إن علمتَ أنهم تمنَّوا ذلك الشتاتَ حتى ابتُلوا به فعلاً!

جاءت قصة سبأ مرويّةً على لسان ربّ العزة في كتابه الكريم وفي سورةٍ خاصةٍ باسم هذه الأمة “سورة سبأ”، ضمنَ سياقٍ متسلسلٍ قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، ذو انطباعٍ أوليٍّ دافعٍ لإطلاقِ حكمٍ بالسذاجةِ أو حتى الغباء المستنكِرِ جدّاً لتصرِّفٍ بشريٍّ كهذا.

بدأ السياق بوصف حياتهم ونعيمهم، بوصف جنّتَي سبأ:

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ:١٥]

كان المطلوبُ التنعّمَ والشكر، أو لعلّنا نستطيع أن نقول: التنعّم وأقل واجباتِ الامتنان، الحمد للمنعمِ المتفضل، فما الذي جرى؟

 يستمر السياق بوصف كفرهم وإعراضهم حتى بدّل الله جنتَيهم بجنتين فاسدتَين كريهتين، جزاءً على قدر الفعل.. ويبدو الأمر مألوفاً في النص القرآنيّ؛ أمّةٌ عاصية وربٌّ عدل، يجازي الكفر بالعذاب.

يأخذنا السياق في بحره إلى وصف تفصيلٍ خاص من أوجه النعم التي اختصّ بها الله المعطي قوم سبأ وهي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سبأ:١٨]

تصف الآية حالةً من الرخاءِ الذي عاشته سبأ إن أرادوا السفر تحديداً؛ وهي أنّه كان يسيراً هيّناً.. فقد وصف ابن كثير ذلك في تفسيره بقوله: “إنَّ مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمراً، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم”[1]   أي أنّ قرىً حيّةً كانت موجودةً على امتداد مسار سفرهم، فلا يصيبهم ما يصيب المسافرَ أو ابنَ السبيل من مشقةٍ أو انقطاع أو حاجةٍ لحمل الزاد، وقد قال البغوي في تفسيره: “كان مسيرهم على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قريةٍ ذات مياه وأشجار”[2]

{ربَّنا باعد بين أسفارِنا}
جاء ردُّ سبأ هنا مخالفاً للمعتاد فهم قد طلبوا المشقّةَ من الله الكريمِ طلباً! وذكروها باسمها ذكراً صريحاً بكامل إدراكهم، {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [سبأ:١٩]، وهذا ينقل ذاكرتَنا دون مقدماتٍ إلى ذاتِ الفعل المتناقض الذي مارسه بنو إسرائيل حين طلبوا استبدال محصول الأرض بخيراتِ السماء، والتعب عوضَ الرخاء، وكما ذكرنا سالفين؛ يبدو الأمرُ ساذجاً للوهلة الأولى ولكنّه يستحقُّ النظرَ ليُفهَمَ ويفسَّر..

يمكن أن نقول إن نظرتهم للنعيم لم تكن حينها نظرتنا المتّزنةَ هذه، بل إن سرَّ تناقضهم هو استخدام منظورٍ مختلٍّ يبدّل الرؤية، حتى رأوُا النعمةَ نقمة، والبراحَ سجناً.

إن تعامُل الإنسان مع ملك اليدِ على أنّه أمرٌ مضمون، قد يصل به للشعور بالملل، للخروج من حيز رؤيته كنعمة، إلى حيز رؤيته أمراً تمتلكه النفس وتريد سواه، إلى اعتبار الطير على الشجرة، أفضل مما في اليد، وإن كان ما في يده صقراً قوياً أو طاووساً بهيَّ الألوان! فتتجاوز النفس بذلك مساحةَ الحكم على كونِ المراد أفضلَ أم أسوأ، إلى حيز مجرد امتلاكه.

وقد يقصّر الأمر الرؤية حتى تنكبّ على الأمر دون سواه، وقد لا ترى سواه أصلاً، بل تستمر تكوّراً على النعمة، عبثاً بها، وخروجاً من مساحةِ جحود شكرها، إلى تمني زوالها حتّى.

واستبدالها بالدون المختار! بالتربّص بها، وإيقاع العيوب فيها، وإقامة الحجج المنهارة للدفاع عن ذلك الخلل النفسيّ الجليّ، والبطر العيان.

هذا وقد تصل بالنفسِ السفاهةُ أن تغفل حتى عن آثار نعمتها الموجودة -بالتعامل معها كمعطياتٍ ثابتة- فلا تدرك غيابها حقّ الإدراك، ولا تقدّر ذلك تقديراً صحيحاً، وقد فسَّر البعض طلب سبأ هذا تفسيراً اقتصادياً؛ حيث أرادوا ذلك حتى لا تكون طريق التجارة مسهّلةً للجميع، فيتميّزوا في قطع المشقات وتحصيل الأرباح دوناً عن سواهم، ناسينَ بذلك طبيعةَ هذه المشقّات، وصعوبةَ المسافات أمام حيَلهم الضعيفة، ظانّين نعيمهم الحاليَّ ملكاً أصيلاً عندهم وقدرة.

شتاتُ سبأ
جاء وصفُ شتاتهم على لسان القابض الباسط بليغاً يصف قسوةَ المآل؛ {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ..}! [سبأ:١٩] فقد باتوا العبرَةَ الحقّة التي أصبحَ الناس يتعظون بها في سمرهم وحديثهم، كان شتاتهم في حالةٍ من ذُرى العشوائية والتفرقة، انتزعهم من الوحدةِ والأنس إلى ذلِّ الغربة، كانَ تمزّقاً كما اختارَ الله أن يصفَه، انكسارُ اللُّحمَةِ ويباسُ النعيم. كانَ السبب الذي أرسله الله لانهيار تلك المملكة هو سيل العرم، الذي تسبّبَ بانهيار سدّ مأرب العظيم، أكبر ما شيّدت تلك المملكة وأنجزت، فأغرقَ الزرع والبساتين والجنّات وأتلفها جميعاً.

القرآن والذي يحتوي سورة سبأ

بعد أن جُعلوا عبرة، مَن المعتبِرونَ الذين خصَّهم الله بالانتفاع من ذلك؟ هم أناسٌ أدركوا هفوةَ سبأ فاجتنبوها {.. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ:١٩]

هو الصبر؛ صبرٌ على النعم والنقم على حدٍّ سواء، الصبرُ الذي يقتل التملّل في مهده، ويطهو على نارِ التؤدةِ ثماراً حصادها الخيرُ والحكمة، واستخدام النعم على الوجه الذي يرضي المنعم. وهو الشُّكرُ؛ لسانُ عباد الرحمن مديمي الحمد والثناء، متبصّري الاصطفاء الساعين لأداءِ حقّه الليل والنهار.

أُسدلَ الستار بوصفٍ مُهينٍ، وبغطاءٍ أسودٍ سَمتُه الخزي؛ {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ:٢٠] بأن كانوا ورقةً رابحةً لظنون إبليسَ اللعينة، وجنداً خاسراً من جيشهِ الذي توعّد بإضلاله.. كانت مَهمته سهلة؛ {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ..} [سبأ:٢١]، أضلّهم بتمويه النعم، وتزيين الجحودِ والنقم، إغواءٌ وضلال وسطَ جنّاتٍ غضّة، ورفاهٍ وبنين، لم يكن له سلطانُ قهرٍ أو إجبار، بل بمحض الاختيار، ويا لخيبةَ الاختيار إن كانَ المرءُ متبطِّراً، والنفس فاسدة.

تفرّقت أيادي سبأ” أي تفرقوا تفرقاً لا اجتماع بعده، جاء في تهذيب اللغة للأزهري: “وقولهم: ذهب القوم أيدي سبأ، وأيادي سبأ: أي متفرقين، شبهوا بأهل سبأ لمّا مزقهم الله في الأرض كل ممزق، فأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة. واليد: الطريق”[3] [تهذيب اللغة، ص٧٢ ]

فيا لخيبةَ سبأ وأيادي سبأ!


المراجع:

 ابن كثير، دار طيبة، السعودية، ١٩٩٩م

الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة، السعودية، ١٩٩٠م

محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي،

https://al-maktaba.org/book/7031/3704#p5

 

[1] ينظر تفسير ابن كثير في تفسيره لهذه الآية.

[2]  ينظر تفسير البغوي، في تفسيره هذه الآية.

[3] ينظر تهذيب اللغة دار إحياء التراث العربي، بيروت، ٢٠٠١م، ط1، 27.