هل يتطور الدين؟

لم تكن نظرية التطور مجرد نظرية للتفسير البيولوجي، بل سرعان ما حُمِّلت بحمولات رشحتها لتفسير كثير من مظاهر الحياة غير البيولوجية، ولذلك شاع هذا السؤال عند العديد من دارسي تاريخ الأديان الغربيين، أيهما هو الأصل الشرك أم التوحيد؟

وتكاد تتفق إجاباتهم على أن الشرك هو الأصل وأن التوحيد شكل متطور في حياة البشر، فالأديان مرت بأطوار من التطور من أشكال سحرية وأرواحية بدائية إلى مفاضلة بين الآلهة إلى إلهين ثم انتهى الأمر بالتوحيد، فما هو رأي علماء المسلمين بهذا التفسير؟ وما هو التطور الذي يمكن أن يصيب الدين؟ وما هو الأصل في الأديان كما يرون أهو التوحيد أم الشرك؟

يميز علماء المسلمين بين مفهومين من مفاهيم التطور:

المفهوم الأول: هو ما يكون منشأ الدين فيه من الله عبر وحي إلى نبي، وفي هذا الحال لا دور للإنسان إلا التلقي والتفاعل مع هذه الأوامر الصادرة عن الوحي، لكن مسيرة أتباع هذا الدين قد تنتكس، فيضيفون إلى الدين ما ليس منه، حتى يصل إلى صورة مختلفة عن الصورة الأولى التي جاء بها الرسول، وهو ما يسميه علماء المسلمين بـ (التحريف)، حيث يؤكد ابن حزم إيمان المسلمين بنزول التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى، والصحف على إبراهيم وموسى، وأن الله أنزل كتباً لم يسمها لنا على أنبياء لم يسمَّوا لنا، لكن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضه حجة عليهم، وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم[1].

ويتحدث محمد كمال جعفر عن مصدرية الدين فيقول: “هناك نظريتان في المصدر، الأولى: تثبت بدء الأديان بشكل واضح تنسبها إلى الله، معتمدة على قصة الخلق والهدف الأسمى منه، وهي من آثار الوحي، لذلك كانت فكرة التوحيد هي الدرس الأول الذي تلقته البشرية، غير أن الإنسان في تاريخه الطويل جرفه تيار الحياة واستهواه الانحراف، وما تتابع الديانات السماوية إلا محاولات متكررة لتصحيح التشويه الذي لحق بهذه الفطرة النقية والتعاليم السليمة”[2].

ويعتبر محمد خليفة حسن أن اليهودية مثال لهذا النوع من التطور، حيث كان للعوامل التاريخية دور كبير في صياغة هذه الديانة[3]، ويتحدث عن الكثير من العقائد والشرائع التي اقحمت فيها مع الزمن.

فالتطور بهذا المعنى كان بتحريف نصوص الأديان الأصلية من خلال الحذف والإضافة والتبديل، وربما كان ذلك راجعاً إلى سدنة الدين نفسه كما يرى محمد كمال جعفر، وهم الذين يقومون على حراسة الدين، فقد زين لكثير منهم أن يضيفوا أو يحذفوا ما رأوه يحقق لهم غاية أو ينجز لهم مأرباً، أو يرفع عنهم طائلة وملاما[4]

والواقع أن الإسلام نبَّه لهذا التطور الذي أصاب الديانات الأخرى، وحذَّر منه، وسماه “البدعة” وحاربها أشد محاربة، ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب، قالوا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا فكان مما قاله: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة”[5].

ويلخص القرضاوي موقف الإسلام من التطور فيقول: إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، فالدين توقيف من الله يجب أن يبقى مصوناً منزهاً عن عبث العابثين وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أما مجال الابتداع الحقيقي، فهو الدنيا وشؤونها، وما أوسعها وما أكثر ما تحتاج إليه من طاقات الافتنان والابتكار، فتاريخ المسلمين وأدواتهم وتجاربهم متطورة، بينما عقائدهم وشرائعهم ونصوصهم المقدسة هي هي لم يطلها أي تطور أو تغيير، فقد اكتمل الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وثُبِّت هذا الاكتمال في القرآن الكريم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا} [المائدة:3][6].

وبناء على ما مر تكون بداية الدين راقية، ونهايته -بعد التطور- متخلفة، وهو عكس ما عليه أصحاب نظرية التطور الذين يرون أن اللاحق أرقى من السابق، وفي هذا يقول محمد كمال جعفر: “إن الأنماط الدينية المنحطة والتي تتضمن الخرافات والخزعبلات وظواهر السحر وما إلى ذلك، إن هي إلا انتكاسات في تاريخ البشرية، ولا تمثل بحال نقطة البدء”[7].

إلا أن الملاحظ المتأني لواقع الأديان السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، يجد أن هنالك تقدماً تدريجياً في شرائعها، فهل يعتبر هذا من التطور؟، أي هل كانت المسيحية متطورة أكثر من اليهودية، وهل يعتبر الإسلام صورتها النهائية في التطور؟ يجيب على ذلك الشيخ دراز بقوله: “إن الناظر في الأديان السماوية الثلاث يلاحظ تطوراً فعلياً وتقدماً تدريجياً محققاً، في حقيقتها التنزيلية من حيث طبيعة دعوتها ومناهج تشريعها… لكن هذا ليس تطوراً من الخطأ إلى الصواب، كما تريد أن تصوره المذاهب التطورية للأديان، وإنما هو تدرج تصاعدي في مراتب الوفاء والشمول والكمال[8]

المفهوم الثاني: هو التطور الذي يعني به أصحابه أن بداية الدين نشأت من داخل الإنسان لدواع طبيعية أو روحية او سحرية وما شابه ذلك، وأنها تدرجت في تطورها من الدون إلى العلو، بمعنى أن نهاية الدين خير من بدايته وأفضل، ويلخص محمد كمال جعفر نظرة هذا الفريق بقوله «يرى هذا الفريق من الباحثين في الدين نوعاً من الابتكار والاختراع الإنساني ناله التطور المتدرج عبر العصور، حيث قد بدأ في نظرهم ساذجاً متدنياً في أحط صورة يمكن أن ترصدها عين الباحث، ثم أخذ في النمو والتطور والتعقد والسمو حتى وصل إلى مرتبة ما يسمى بالديانات الكبرى أو الدين العظيم، وهؤلاء لا يؤمنون بما يسمى الوحي، ولا يعتقدون بوجود مصدر للدين خارج الإنسان»[9].

ويرى محمد خليفة حسن أن نظرية التطور التي ترى أن التعدد هو أصل التدين، وأن الفكر المرتبط بالألوهية فكر متأخر بتاريخ البشرية، أنها النظرية خاطئة من وجهة النظر الإسلامية التي تبدأ بالتوحيد، وتعتبر الوثنية والتعدد والشرك خروجاً على خط التوحيد[10]

ويؤكد الشهرستاني أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، ويذكر أن الله تعالى خص آدم بالأسماء؛ وخص نوحاً بمعاني تلك الأسماء؛ وخص إبراهيم بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل؛ وخص عيسى بالتأويل؛ وخص المصطفى -صلوات الله عليهم أجمعين- بالجمع بينهما: على ملة أبيكم إبراهيم[11]، وفي هذا تأكيد أن الدين من الله.

ويرفض محمد كمال جعفر اعتبار الإنسان البدائي منحط التفكير كما تصوره هذه النظرية، فيقول: “إن سذاجة الفكر أو بدائية الحضارة ليست دليلاً على انحطاط الدين أو بدائيته، فقد نجد حضارة مادية وفكرية ممتازة مع عقيدة دينية ساذجة تعبد الأصنام والآلهة التي تتمتع بصفات البشر”[12].

ويمثِّل بتبدل الحضارات بين الشعوب كدليل على خطأ هذه النظرية، بقوله: “هنالك أمم كانت لها حضارات باهرة رائدة في القديم، فهل تعتبر حالتها الراهنة نقطة البدء لها، وهنالك أمم لم يكن لها شأن يذكر في الحضارة لكنها اليوم تتربع على عرش الحضارة والنفوذ، فأين أمة اليونان من حضارتها القديمة التي غزت الدينا”[13].

على أن محمد كمال جعفر يرى إمكانية “الانتفاع بآراء دارسي الأديان في معرفة أصول الديانات الوثنية على ألاَّ تعتبر هذه الأصول ممثلة للبدء الديني للبشرية”[14].

ولقد تناول دراز نظريات نشوء الدين المستخدمة في الغرب في البحث الرابع من كتابه الدين، ورد عليها، ومن الملاحظات التي يذكرها: “إن الرشد والضلال في الفكرة الدينية ليستا ظاهرتين متعاقبتين، بل هما متعاصرتان، موزعتان في كل أمة وجيل، تبعاً لاختلاف الأفراد في درجات استقامة الحدس العقلي، ونبل الحس الباطني، فلا يخلو جيل من نفوس صافية تدرك الحقيقة نقية من شوائب الخرافة، وأخرى دون ذلك”[15] .

والحقيقة أن الفرق بين الإنسان المتحضر والإنسان القديم، يكمن في شيئين: أولهما تطور أساليب الحياة المادية، فمن الكهوف والمغارات إلى البيوت البسيطة إلى العمارات الشاهقة، وتطور في الأدوات كوسائل المواصلات مثلاً، وثانيهما: إن تفاوت المعارف التي حصل عليها ابن القرن العشرين وآخر عاش قبل الميلاد حيث إن زيادة كمية المعلومات نتيجة للتجارب البشرية، وأما أصل العقل فلا فرق بينهما، ولو حصل أن شقيقين أحدهما وصل إلى درجة مرموقة من التعلم والاحتكاك بالمجتمع، والآخر ظل ضمن بيئته ولم يلتحق بالمدرسة، لمثل الأول منهما “شباب الجنس البشري”، والآخر “صباه” أو “طفولته” –بحسب أصحاب نظرية التطور- والحقيقة أن القوة الكامنة في داخلهما متساوية[16].

وخلاصة الأمر أن علماء المسلمين لا يقبلون القول بتطور الأديان كما يقرره دعاة التطور، وإنما التطور الذي يرونه هو “التحريف” الذي ينبغي التخلص منه والعودة إلى أصل الدين كما جاء به صاحب الرسالة في ذلك الدين.


الهوامش

[1] ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل. تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة. بيروت: دار الجيل. الجزء الأول، ص314

[2] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان دراسة مقارنة. الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985م. ص87

[3] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. دار الثقافة العربية: 2002 ص178

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص43

[5] أحمد بن حنبل، المسند. تحقيق شعيب الأرناؤوط، القاهرة: مؤسسة قرطبة، الجزء 4، ص 126، رقم الحديث: 17184، تعليق المحقق: حديث صحيح ورجاله ثقات.

[6] يوسف القرضاوي، البدعة في الدين. القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 2013م، ص9

[7] محمد كمال جعفر، في الدين المقارن. دار الكتب الجامعية 1970، ص 43

[8] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، الكويت دار القلم ص 112

[9] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص163

[10] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. مصدر سابق، ص13

[11] محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل. صححه وعلق عليه: أحمد فهمي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1992م. الجزء الأول، ص35

[12] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص89

[13] المصدر السابق نفسه، ص167

[14] المصدر السابق نفسه، ص92

[15] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، مرجع سابق، ص112

[16] محمد شامة، الرسالات السماوية بين التطور والتجديد، مقال منشور ضمن مجلة جامعة قطر، العدد التاسع، سنة 1991م ص307




“قصة الإيمان”.. حوار بين الشيخ الموزون وحيران بن الأضعف

سنستعرض في هذا المقال الموجز أحد أشهر الكتب التأسيسية والمرجعية التي ظهرت في القرن العشرين ضمن مشاريع التصدي لموجة الإلحاد التي امتدت للعالم الإسلامي، ومؤلفه هو الشيخ اللبناني نديم الجسر رحمه الله.

“قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” كتاب جميل يبلغ عدد صفحاته 475 صحيفة، وهو يتحدث عن قصة خيالية شهدها ضريح الإمام البخاري في خرتنك قرب سمرقند، ويتضمن حوارا بين الشيخ الموزون السمرقندي وتلميذه حيران بن الأضعف البنجابي، الذي قصده ليتخلص بمساعدته من الشك الذي اعتراه وهو في جامعة بيشاور.

والشيخ الموزون نفسه عاش حالة الشك التي عاشها تلميذه حيران، لكنه تخلص منها بنصيحة من الشيخ حسين الجسر (والد المؤلف)، الذي نصحه بالتعمق بالفلسفة وعدم الاكتفاء بالقشور، وأبلغه أنه إن تعمَّق بها فسيجد اليقين، وهو ما حصل بالفعل.

اختار الشيخ الموزون في أماليه طريقة الحوار مع تلميذه حيران، وأخذ بيده بين أمواج الفلسفة حتى دفع عنه كل شك.

يقول حيران بن الأضعف: لما كنت أدرس في جامعة ييشاور كانت النفس مشوقة بفطرتها إلى المعرفة عن هذا العالم: ما هو؟ ومتى خلق؟ ومن خلق؟ فلا أقابَل إلا بالزجر فأهملت دروس الدين وأخذت أبحث في الفلسفة، ففصلت من الجامعة، فدلني أبي على الشيخ الموزون.

رحب الشيخ الموزون بحيران وطلب منه أن يتهيأ ويستعد ليبدأ معه رحلة العلم في الدين والفلسفة، وبدأ يحدثه عن الخلق، وعرض له آراء فلاسفة اليونان القدماء، ثم فلاسفة الإسلام بالمشرق والمغرب والأندلس في عهود الحضارة الإسلامية، ثم فلاسفة أوربا بوجه عام حتى عصرنا، وكان يعرض الآراء ويوضحها وينقدها ويوجهها، حتى تبدو مقاصدها وأهدافها.

تحدث الشيخ الموزون لتلميذه حيران عن قصه حي بن يقظان وهي قصة خيالية وضعها ابن طفيل في البحث عن الحق، وحدثه عن الغزالي مؤلف كتاب مقاصد الفلاسفة الذي بسط فيه آراء الفلاسفة وشبهاتهم بسطاً وافياً كأنه أحدهم، ورد على أرسطو في مسألة خلق العالم في كتابه تهافت الفلاسفة.

وحدّثه عن ابن رشد الذي كان مخالفا للغزالي عندما رد عليه في كتابه المشهور تهافت التهافت، ونصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بألا يأخذ بالاتهامات ضد ابن رشد لأنهم أخطأوا في فهمه، ذلك أنه كان معجباً بأرسطو إلى حد التقديس، بالإضافة إلى أغلاط الترجمة، فابن رشد لم يأخذ فلسفة أرسطو عن اليونانية، بل أخذها معرَّبة مخلوطة، وهو لم ينكر صفه الإرادة لله تعالى ولم يخرج عن المنطق السليم والإيمان الكامل، وهو كذلك لا يختلف مع الغزالي من حيث النتائج في شيء، حسب رأي المؤلف.

ثم تحدث عن أبي العلاء المعري الشخصية المتشائمة، الذي عاش حياته كفيف البصر، مشوه الوجه، مجبورا على العزلة، فكان من الطبيعي أن ينتج في نفسه الشك الذي لا يأتي في الحياة إلا من اختلاف الحظوظ، وشك المعري لم يكن في وجود الله، بل حيرته في القضاء والقدر، وحرية الإدارة، وحكمة الخلق، وحقيقة الروح.

وفي حديثه عن المعجزات التي فيها خرق النواميس، يرى أنها أدلة قوية ولكنها ليست أقوى من أدلة النظر العقلي الخالص التي تنتهي إلى الحكم الضروري القاطع بوجود الله ولكن البشر عاجزين عن الاستدلال بالنظر العقلي الخالص، فاقتضت الحكمة عند دعوتهم للإيمان بالله أن يخاطبوا بدليل المعجزة على يد الرسول الإنسان خرقاً يدل على الله ولكن لما ترقَّت الإنسانية في مدارج التفكير العقلي وأصبحت متهيأة للاستدلال بالنظر العقلي الخالص قضت حكمة الله بتفضيل الاستدلال بالألة العقلية القاطعة على الاستدلال بالمعجزة وهذا ما سلكة الوحي في القرآن واعتمده أكثر من المعجزات.

الأفكار المعاصرة

تشارلز داروين

وتحدث الشيخ عن داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء، حيث يراه عالماً طبيعياً كبيراً، لكنه ليس بفيلسوف، وهو مؤمن بوجود الله، أما أصل الأنواع فإنه متردد في تحديدها، وأن الشيخ حسين الجسر مؤلف “الرسالة المحمدية” هو العالم الديني الوحيد الذي يقول بأن مذهب داروين لا يتعارض مع أحكام القرآن ولا مع الإيمان بوجود الله.

يقول الشيخ لحيران إن آيات القرآن تكاد تكون مقسمة بين الدعوة إلى الله و الإرشاد إلى دلائل وجوده ووحدانيته وجميع صفات كماله، والأحكام في العبادات والمعاملات، لكن أهم الأقسام وأعظمها هو القسم الأول لأن الإيمان بالله هو الأصل وهو الأساس لكل ما عداه.

وينصح الشيخ الموزون تلميذه حيران بتعلم لغات الغرب إن كان يريد أن يكون مرشداً وداعياً إلى الله، وطلب منه أن يتأمل آيات القرآن ليطبقها على ما مر معه من أقوال الحكماء والفلاسفة، وبين له أن القرآن يتناول جميع الحجج العقلية والبراهين الساطعة التي قضى العلماء أعمارهم حتى توصلوا إليها.

ذكر الشيخ آيات الله في السماء والأرض فحدّث حيران عن مواقع النجوم والشمس كنجم من جملة النجوم، والتباعد والتناسب والأحجام والمنازل وعجائب النظام الباهر، وسأل حيران وهو متعجب كيف تقف هذه الأحجام والأوزان الهائلة في الفضاء بهذا التوازن العجيب؟ فرد عليه الشيخ بأن القرآن يجيبك في قوله تعالى: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} وقوله: {إن الله يمسك السموات والأرض} فهل يكون القانون الدقيق المحكم أثراً من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

يشرح الشيخ الموزون كذلك موقع وطبيعة الأرض وباقي الكواكب الأخرى ويفسِّر أسباب عدم صلاحية الحياة فيها ويبين فضل الله ومنته علينا أن خلقنا على الأرض، فيسأل: {الشمس والقمر بحسبان} فلو كانت المسافة بين القمر والأرض أقل مما هي عليه أو أكثر فهل كل هذا النظام والإحكام الذي خص الله به القمر في حركاته المحسوبة ودوراته المكتوبة ومنازله المقدرة أثر من آثار المصادفة العمياء يا حيران؟

وتحدث الشيخ لحيران عن عجب خلق الله في إنزال المطر والبحار والماء ونواميس الله في خلق الخلائق وجعلها بقدرته وحكمته تتلاقى ويفضي بعضها إلى بعض، وجعل الماء أصل الحياة.

شرح الشيخ بتفصيل لحيران التفسير العلمي والمنطقي الذي يتوافق مع آيات الله في بديع صنعه وأن لا مكان للمصادفة في تكوينها بقدر إبداع خلق الله.

وشرح له الطريقة العلمية لعملية تنفس النبات وفائدتها والأهمية الكبيرة لها في حياة الكائنات الأخرى، وسأله مجدداً هل هذا كله من أثر المصادفة، فرد حيران بأن خلق الله سبحانه أعظم من المصادفة.

أما الأرض فهي فندق كبير بناه الله وحماه وأودع فيه من كل الخيرات والنعم، فشرح لحيران كيف حاول العلماء تفسير الأرض وعناصرها ومكوناتها تفسير علمياً، وتحدث عن الذرات والإلكترونات والنترونات وما إلى ذلك من تناسق عظيم أبدعه الله. وانتقل بعد ذلك للحديث عن إبداع الخالق في خلق اللسان والأذن، وعمل القلب في جسم الإنسان.

ثم كتب الشيخ الموزون وصية لحيران، فأوصاه بالإيمان بالله على اعتبار أنه بلسم الصبر عند المصائب، وقارن بين حال الانسان والحيوان في هذه الدنيا وأن ما يميز الانسان هو الإيمان، وأن الحيرة والشك قد أصابته في شبابه كما أصابت حيران ودفعته للبحث وتزود بالعلم، وسرد سيرته لحيران ورحلته الطويلة في سبيل الوصول إلى الله بالمعرفة الحق ما بين الهند إلى طشقند، وأخذ يذكر فضل المشايخ عليه لمساعدتهم له ولهدايته إلى طريق الحق بالأدلة القرآنية، والشواهد العلمية إلى جانب الأدلة العقلية، وأخيراً أوصى الشيخ الموزون تلميذه حيران أن ينشر بين الناس قصة الإيمان بلسان الفلسفة والعلم والقرآن لعل الله يشرح بها للإيمان صدور الحيارى ويصلح بالهم ويهدي من يشاء منهم.




النبوة عند ابن حزم

يرى ابن حزم أن مجيء الرسل ممكن، فواجب، ثم ممتنع، فهو يقع في حدود الإمكان قبل أن يبعثهم الله تعالى، ولكنه ينتقل بعد بعثهم إلى الوجوب والضرورة، وبناء على الخبر الصادق الذي جاء به خاتم الرسل بأنه لا نبي بعده؛ يقع مجيء الرسل بعد ذلك في حد الامتناع.

وفي بداية تناوله لقضية النبوة يستعرض أبرز حجج منكريها التي وصلت إليه، وهي بطبيعة الحال حجج صادرة عن مؤمن بالإله منكر للنبوة، وأبرز حججهم أن إرسال الرسل إلى أقوام قد يكذبونهم من العبث الذي لا يليق بالحكيم، وما يقال عن أن غاية إرسال الرسل إخراج الناس من الضلال إلى الهدى كان الأولى منه اضطرار عقولهم إلى الإيمان وزرع الهداية فيها.

ويرى ابن حزم أن حججهم متهافتة، فإرسال الرسل لا يستلزم محو الكفر والتكذيب، وجمع البشر على طاعة الباري، وكما كذب قوم الرسل، فقد صدقهم أقوام، وكما يقر منكرو بعث الرسل أن وجود الجحود بمشيئة الله، فكذلك إرسال الرسل بمشيئة الله وهي من دلائله التي خلقها ليدل بها على توحيده، كما إن قولهم باضطرار العقول إلى الإيمان مردود، فإرادة الله اقتضت ألا تدع الخلق بعد خلقهم، فإرسال الرسل من مظاهر العناية الربانية بالخلق.

ويؤكد ابن حزم أن أفعال الباري ليست لعلة، بخلاف أفعال جميع الخلق وأنه لا يقال في شيء من أفعاله تعالى أنه فعل كذا لعلة، فليس لأحد أن يقول لم خلق الإنسان ناطقاً وحرم الحمار النطق، وهكذا إذا بعث تعالى الأنبياء ليس لأحد أن يقول لم بعثهم، أو لم بعث هذا الرجل ولم يبعث هذا الآخر، ولا لم بعثهم في هذا الزمان دون غيره من الأزمان، ولا لم بعثهم في هذا المكان دون غيره من الأمكنة، تعالى الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

فالنبوة تقع في حد الإمكان وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة إلا أنه شاء ذلك فعلمهم العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له.

ثم يتحدث ابن حزم عن ضرورة النبوة فالنبوة –وما يرافقها من وحي- هي من الضرورات المعرفية للبشرية لتستقيم حياتها، فالبشر محتاجون للشرائع التي يأتي بها الأنبياء، وحياة البشر لا تستقيم بلا نبوة، والإقرار بوجود الخالق؛ يقتضي الإقرار بالنبوة، ذلك أن بعثة الله للرسل هي بعض دلائله التي خلقها تعالى ليدل بها على المعرفة به تعالى وعلى توحيده.

 وعن ضرورة النبوة للبشرية يمثِّل ابن حزم لذلك بالعلوم والصناعات التي لا يمكن أن يهتدي أحد إليها بطبعه دون تعليم كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها وتنوعها وعلاجها، فحتى تصل الإنسانية إلى معرفة ذلك تحتاج إلى تجارب تستغرق عشرات آلاف السنين، لأن ذلك يتطلب تجريباً واستقراءً لكل حالة وهذا يقطع دونه قواطع الموت والانشغال بشؤون الحياة والممات، ومثل ذلك الكثير من المعارف التي حصلت عليها البشرية، فلا سبيل إلى اختراع هذه المعارف وابتداء معرفتها بدون هداية، فهي لم تكن إلا بوحي من الله تعالى، ليخلص من ذلك إلى القول: أنه لابد من إنسان واحد فأكثر علَّمهم الله تعالى ابتداء كل هذا دون معلم عن طريق الوحي، وهذه وظيفة النبوة، وعليه فلا بد من نبي أو أنبياء بالضرورة . وهو هنا يؤكد أنه يتحدث عن بداية المعرفة وتشكيلها والهداية إليها، وليس تطويرها المتراكم.

وممن استفاد من حجة ابن حزم هذه لاحقا توما الأكويني، حيث أدخلها في علم الإلهيات عند المدرسيّين كما يقول آنخل بالنثيا -مؤلف تاريخ الفكر الأندلسي- وما ساقه ابن حزم عن ضرورة النبوة ومثَّل عليه بمعارف البشر العادية، فهو في أمور الدين الغيبية أشد ضرورة، وأكثر إلحاحاً، فالوحي هو مصدر المعرفة للدنيا ابتداءً، وللدين على الدوام.

وبما أن دعوى النبوة من الدعوات الجريئة، كان لا بدَّ لها من علامات تؤكد صدق مدعي النبوة، وقد أجمل ابن حزم براهين النبوة في أربع وهي:

1- اختراع الجوهر من العدم: كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

2- قلب الأعيان وإحالة الطبائع: كقلب العصا حية، وإحياء الموتى.

3- إحالة الأعراض التي لا تزول إلا بفساد حاملها: كسواد الزنجي فهذا لا يقدر عليه أحد دون الله.

4- إحالة الذاتيات: كمن سقى مريضاً ما يضر فيبرء.

 فمن أتى بأحد هذه البراهين، وجب الإيمان به والإقرار بنبوته، وهذه البراهين هي التي دعت اليهود للإقرار بنبوة موسى، وهي التي دعت النصارى للإقرار بنبوة موسى وعيسى، وبمثلها جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فوجب عليهم الإقرار بنبوته كما أقروا بالنبوات قبله.

ويلاحظ هنا أن ابن حزم يولي اهتماماً خاصاً بالمعجزة، فهي دليل على صدق مدعي النبوة وما سيترتب عليها لاحقاً من الخبر الصادق الذي جاء به النبي، ويؤكد ابن حزم أن اليقين بتصديق النبي من خلال المعجزة لمن شاهدها، هو في ميزان العقل كذلك عند من لم يشاهدها، لأنها نقلت بالتواتر ممن استشعرها ببدايات العقول وبدايات معارف النفوس وأقر أنه لا سبيل إلى إنكارها، وقضية اشتراط معاينة المعجزة لمن لم يشاهدها لا معنى له، لأن ذلك يعني أنه لا يصدق المرء إلا ما وقع تحت بصره وهذا مرفوض معرفياً.

ومما يلفت النظر في تأكيد ابن حزم على أهمية المعجزات في دعاوى الأنبياء، أنها رؤية معاكسة للاتجاه الذي سلكه بعض المعاصرين من التقليل من قيمة المعجزات أو تأويلها، ولعل ذلك راجع لسياق الخطاب مع الغرب الليبرالي، والبحث عن استيعاب مكتسبات التقدم والحداثة في خطاب هؤلاء المعاصرين.

ومن الأمور التي يشير لها ابن حزم استحالة أن يأمر نبي اتباعه بعدم الإيمان بنبوة غيره، لأنه بذلك يبطل نبوته، ذلك أن سبب تصديقه والإيمان بنبوته هو ما جاء به من برهان (معجزة)، فلو أمر أتباعه بعدم تصديق من يأتي بذات البرهان (المعجزة) فهذا يعني أنه يدعو لعدم التصديق بالبرهان الذي جاء به هو أيضاً.

ومن الفرضيات التي يسوقها ابن حزم لو أن اليهود استشهدوا مثلاً بحديث «لا نبي بعدي» على أنه لا نبي بعد موسى عليه السلام، ويجيب على هذه الفرضية أن اليهود لم يدعوا ذلك لموسى عليه السلام، لكن النبي الخاتم قال ذلك ومن تمام التصديق بخبره بعد اكتمال براهين نبوته الإقرار بامتناع النبوة بعده، وعليه فلن يظهر برهان من براهين النبوة بعده بوجه من الوجوه، لكن براهين النبوة ظهرت بعد موسى عليه السلام، فوجب على اليهود كما أقروا بنبوة موسى بناء على البراهين التي جاء به أن يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه جاء بذات البراهين.

وحديث ابن حزم عن امتناع النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم يذكرني بكلام الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، إذ يقول: آية ختم النبوة صدقتها الأيام المتتابعة فها قد مضت أربعة عشر قرناً وما نزل من السماء وحي. وقد حاول الاستعمار الأوروبي أن يضع يده على مخبول في الهند وآخر في إيران ليصنع منهما أنبياء يكابر بهما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهيهات هيهات فإن الأوروبيين أنفسهم احتقروا الرجل الذي صنعوه فما تبع أحدهم نبي الهند ولا نبي العجم، وبدأت اللعبة تنكشف ويفر عنها المستغفلون!

المعجزة والكرامة والسحر
العالم من جوهر وعرض، فالجواهر وتغييرها كما في النقاط الأربع السالفة، لا يمكن فعلها إلا بالمعجزة، وأما السحر فيمكنه إما تغيير الأعراض التي لا يفسد حاملها كتنفير الحيوان عن مكان ما فلا يقربه، أو التخييل بنمط من الخداع.

فالذي يأتي به الأنبياء عليهم السلام هو إحالة الذاتيات وهذه لا تثبت إلا لنبي، ولا يمكن لغير الأنبياء سواء كانوا سحرة أو فضلاء إحالة الذاتيات، بمعنى أن ابن حزم ينكر كرامات الأولياء، غير أنه يجيز أن تظهر المعجزة في غير شخص النبي تصديقاً له شريطة أن يكون ذلك في عصره وزمانه وليس بعد موته، كالجذع الذي ظهر فيه الحنين والذراع الذي ظهر فيه النطق والعصا التي ظهرت فيها الحياة وسواء كان الذي ظهرت فيه الآية صالحاً أو فاسقاً وذلك كنحو النور الذي ظهر في سوط الطفيل بن عمرو بن حممه الدوسي وبرهان ذلك أنه لم يظهر فيه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

فابن حزم يجيز أن تظهر المعجزة في غير نبي لكن في عصره لتكون آية لذلك النبي لكنه لا يجيز ظهورها بعد موت النبي لتكون آية له أيضاً، لما في تلك الدعوى من الإشكال والتلبيس لا سيما أن الله تعالى أخبرنا بأنه قد بين علينا الرشد من الغي.

ويؤوِّل ابن حزم بعض الروايات ومنها قصة الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وانفرجت الصخرة ثلثاً ثلثاً عندما ذكروا من أعمالهم بقوله: إن تكسير الصخرة ممكن في كل وقت ولكل أحد بلا إعجاز وما كان هكذا فجائز وقوعه بالدعاء وبغير الدعاء لكن وقع وفاقاً لتمنيه كمن دعا في موت عدوه أو تفريج همه أو بلوغ أمنيته في دنياه، ويسوق ابن حزم قصة حدثه بها حكم بن منذر بن سعيد أن أباه كان في جماعة في سفرة في صحراء فعطشوا وأيقنوا بالهلكة ونزلوا في ظل جبل ينتظرون الموت قال فأسند رأسه إلى حجر ناتئ فتأذى به فقلعه فاندفع الماء العذب من تحته فشربوا وتزودا، ويؤكد ابن حزم أن مثل هذا كثير لكنه ليس من جنس المعجزات.




عرض كتاب “الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان”

الكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها الدكتور محمد عبد الله دراز على طلبة كلية الآداب في خمسينيات القرن الماضي، في جامعة القاهرة التي كانت تسمى جامعة فؤاد الأول.

يبدأ المؤلف مقدمة كتابه بتمهيدٍ رَسَم من خلاله خريطة تاريخية عن مكانة الدين في الحضارات القديمة في مصر واليونان وبلاد الرومان، ثم في العصر المسيحي، والعصر الإسلامي، وانتهى إلى العصر الحديث، وأسهب في شرح حال الدين في مختلف هذه العصور والمراحل، وأشار لقضايا الشك والتسامح في هذه الحِقَب.

والحقيقة أن ثمة مشكلة منهجية يقع بها الكثير من دارسي الأديان، ذلك أنهم لا يعرِّفون الدين فتراهم يخلطون بين ما هو دين، وبين ما هو خرافة أو فلسفة أو عادة اجتماعية أو تقليد قبلي.

لذلك أصر دراز رحمه الله في البحث الأول على تجلية هذا المفهوم تجنباً للخلط، وأراد أن يتحدث عن الدين بمفهومه العام لا الأديان السماوية فقط، ولا الأديان الصحيحة فقط، وإنما ظاهرة الدين بحد ذاتها أياً كانت، وحاول فهم الأمر ابتداء من اللغة ومعاجمها، وانتهى إلى خلاصة لغوية في معان متقاربة، ويدور بعضها حول بعض، بعد ذلك طاف على تعريفات الكثير من الفلاسفة والمفكرين وتناولها بالنقد والتمحيص الذي أظهر من خلاله أن ثمة قصوراً في الكثير من هذه التعريفات.

واستطاع المؤلف في نهاية تطوافه وبحثه أن يصل إلى تعريف يرتضيه وهو:

“الاعتقاد بوجود ذات -أو ذوات- غيبية علوية، لها شعور واختيار، وتصرُّف وتدبير في الشؤون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث الإنسان إلى مناجاة هذه الذات، رغبةً ورهبةً في خضوعٍ وتمجيد”.

وناقش قضية الألوهية في الأديان، واستحالة استبعادها من أي دين، وفرَّق بين تقديس الإنسان للإله، وتقديسه لشيء آخر كتقديس العرض أو الشرف مثلاً، وبين أنه لا يمكن للدين أن يقف عند الحس، ويمتنع عن التفكير في ما وراء الطبيعة، لذلك يعيش المتدين حالة من الثقة بمعبوده، ولا يقف عند العادة الجارية كما يفكر الطبيعيون، ففي الأديان نزعة إلى الأمل والحرية والاختيار، وهذه النزعة تمهد للعلوم لتتقدم وتفكر أكثر من حدود الواقع.

ويعيب دراز على بعض العلماء الغربيين الذين يحذفون الروحية والألوهية من فكرة الدين، بأنهم يحذفون الأساس المميز للدين، والذي يعني أن ما يسمى ديناً عند هؤلاء بعد سحب هذين العنصرين منه يمكن أن ينطبق على أي نشاط اجتماعي، لا سيما إن كانت عادات متوارثة، كرفع الأعلام في الأعياد، وأناشيد السلام الوطني، ولبس السواد في الحداد وغير ذلك.

وذهب في البحث الثاني للحديث عن علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب (الدين والأخلاق، الدين والفلسفة، الدين وسائر العلوم)، فذكر أولاً علاقة الدين بالأخلاق وتناولها من ناحيتين، الأولى “التجريدية”، وخلص فيها الى أن الدين والأخلاق في أصلهما حقيقتان منفصلتان في النزعة والموضوع، متلاقيتان في النهاية، فينظر كل منهما للآخر من وجهة نظر مختلفة من جهة، متفقة من جهات أخرى، فالنظر للدين من حيث هو نظرة للحق الأعلى وتوقيره، والخلق من حيث هو قوة النزوع إلى الخير وضبط النفس عن الهوى.

والناحية الثانية هي”الواقعية”، والتي لم ير فيها تشابها أو علاقة وثيقة بين كل من الدين والأخلاق لا من حيث المنشأ ولا التكون والتطور في النفوس، بيد أن الشعور الأخلاقي عند الطفل مثلاً سابق للشعور الديني، لذلك فهو يستحسن بعض السلوكيات ويستهجن أخرى، بينما لا يتفطن إلى تعليل ظواهر الكون وتقديس سر الوجود إلا بعد دور ثان يكون فيه أنمى عقلاً، وقد لا تستقى القوانين الأخلاقية من وحي الدين، وإنما من قوانين العقل، أو وحي الضمير، أو سلطان المجتمع، أو المصالح والمنافع كما تفعل بعض الدول، فهي تسن القوانين الأخلاقية دون العودة للدين.

أما في المحاورة العصرية فيرى أن الدين والخلق، متداخلان تارة ومستقلان تارة أخرى، ويمثِّل لذلك بقولنا فلان ذو دين وخلق، واختلاف الدلالة فيما لو قيل ذو دين فقط، أو ذو خلق فقط.

وذكر بعد ذلك علاقة الدين بالفلسفة، ورأى علاقة أوثق بينهما، فكلاهما يبحثان الغاية نفسها: معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة السبيل إلى سعادة الإنسان العاجلة أو الآجلة. ولكن بالرغم من أن غاية كل من الدين والفلسفة واحدة في هذا المجال الا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتفقا في النتيجة، ويشير إلى الاختلاف في الفلسفة نفسها، وصولاً للتعارض والتضارب بين الفلاسفة أنفسهم، ويستعرض تفريق علماء الغرب بين الدين والفلسفة، ويناقشها وينقدها، ويصل بنفسه إلى إيجاد الفرق بين الدين والفلسفة، وهو أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر ، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما. وهي بكل صورها عمل إنساني. مبيناً أن غاية الفلسفة المعرفة، وغاية الدين الإيمان، ومطلب الفلسفة فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، ومطلب الدِّين روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به. وهو صنعة إلهية ومنحة منه إلينا، لتكتمل حياتنا بها، فالفلسفة بالنهاية هي عمل إنساني، بينما الدين صنعة إلهية، وذكر كيف أن بعض الفلسفات تناقض الدين تماماً  كالفلسفة المادية.

أما العلاقة الثالثة فهي علاقة الدين بسائر العلوم، وأسهب في الحديث حول هذا الموضوع، فتحدث عن مراتب العلوم وغاياتها وفسَّر المصادمات بين حملة الأديان وحملة العلوم، بسبب وقوف أحد الطرفين موقف الرافض التام لما عند الآخر، لا على حجة ولا برهان، وإنما مجرد رفض اعتباطي، ورأى أن من واجب الأديان أن تهادن العلوم ولا تنابذها، وعلى العلوم أن تفسح المجال للأديان لتتم ما فيها من نقص، فإن لم تفعل فلا أقل من أن تلتزم الحياد، ولا تعلن العداوة وتنكر الأديان جملة، لأن هذا الإنكار هو إنكار لأمور واقعية تحتويها الأديان ولا تحتويها العلوم ألا وهي عناصر الإيمان.

وأمر آخر أن عدم العداوة بين الدين والعلوم مساعد في بيان صحة الدين، فالأصل أن يتفق الدين مع العلم الصحيح، والعقل السليم، لذلك فالدين الحق والعلم يتناصران ويتصادقان، أما إن تخالفا وتخاذلا فلا شك أن أحدهما باطلاً.

و في البحث الثالث تحدث عن “نزعة التدين” ومدى أصالتها في الفطرة، فكان حديثه حول أربع نقاط:

1- مدى أقدمية الديانات في الوجود، حيث أنكر على بعض علماء الغرب الذين قالوا إن الظاهرة الدينية ظاهرة مستحدثة، وإن البشرية عاشت لفترات طويلة حياة مادية بحتة، ورأى أن هذه النظرة الساخرة للأديان ليست جديدة بل هي ترديد لمجون أهل السفسطة من فلاسفة اليونان القدماء، حيث روجوها دعماً لمذهب الشك، وفي رده على هؤلاء لا ينكر وجود عقائد معينة قد تكون استحدثت، بيد أن الحقيقة تقول: لم توجد أمة بغير دين.

2- مصير الديانات أمام تقدم العلوم حيث بين أن كثيراً من الجهلاء قد يكونون جاحدين، وكثير من العلماء قد يكونون مؤمنين، ورد دعوى “أوغست كونت” في شيخوخة الأديان، فذكر أن التدين نزعته خالدة في النفس البشرية بشهادة كبار العلماء، وأن التحليل العلمي دائما ما ينتهي إلى الانتصار لقضية الغيب من حيث الأسباب والغايات وأن نهاية العلم ليست إلى اطفاء غريزة التدين بل زيادة إشعالها.

3- ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية: فأوضح أن هذه النزعة هي تعبير عن حاجات النفس البشرية، فكما أن الإنسان يمكن أن يعرف بأنه حيوان مفكر، فهو يصلح لأن يعرف بأنه حيوان متدين بطبعه، ومرجع تدينه يعود لنفسه، التي لا تفتأ تتطلع إلى الأسباب والغايات والجزاء، وأن وجدانه في جهد لإشباع العواطف النبيلة، وهذا ما يجعل له إرادة تنمي فيه البواعث والدوافع اللازمة لذلك.

4-وظيفة الأديان في المجتمع: فتحدث عن حاجة المجتمعات للدين والأخلاق وبين أن الدين وحده هو ما يضمن تماسك المجتمع، ذلك أن قوة الدين لا تدانيها أية قوة في مجال احترام القانون، ويساهم الدين بربط معتنقيه برباط من المحبة والتراحم، فالعلوم والثقافات ليست كافية لتحقق السلام فالعلم سلاح ذو حدين يستعمل في الهدم والتدمير، كما يستعمل في البناء والتعمير، ولا يضمن حسن استخدامه إلا الدين، ذلك أن الإنسان ينساق من باطنه لا من ظاهره، فقوانين الدولة ليست كافية لإنشاء المجتمع الفاضل.

وفي المبحث الرابع والأخير، وهو الأطول بين مباحث الكتاب، وأكثر فصول الكتاب عمقاً وإشكالية حيث يبحث في نشأة العقيدة الإلهية أو نشأة الدين لا من حيث البحث التاريخي، بل من حيث تشكل الظاهرة الدينية في الإنسان في أي زمان ومكان.

يرى أن قانوني السببية والغائية متى فُهما أوصلا إلى عقيدتي التوحيد والخلود، فقانون السببية يجعل من المحال أن يوجد شيء بلا مسبب، وقانون الغائية يقول إن كل موجود متناسق لا يمكن أن يحدث بلا قصد، وإن كل قصد يجب أن يهدف إلى غاية.

يُلقي الشيخ دراز نظرة جامعة على النظريات والمذاهب المفسرة لنشأة العقيدة الإلهية ويعرض ما فيها من إيجابيات (وهو تأكيد أصحاب هذه المذاهب على صحة نظرياتهم)، وسلبيات (وهو إنكار أصحاب كل مذهب لمسلك المذاهب الأخرى)، ومن ثم يعرض الأدلة والآيات من القرآن الكريم التي تبرهن على عالمية كتاب الله عز وجل باحتوائه على كل المناهج التي يتبعها البشر باختلاف ميولهم وطبائعهم للوصول إلى الحقيقة.

تحدث الشيخ أيضا عن نشأة العقيدة الإلهية ودعائمها في العقل والغريزة وعواملها في الوعي والشعور عن طريق ذكر الاسباب التي أدت إلى إيقاظها في النفوس.

وعندما عرض لكل مذهب حاول تفسير “علة” منشأ هذه العقيدة وذكر الإشكالات التي أثيرت حول هذه النظريات وقدم نقداً لكل نظرية منها، فذكر نظريات كل من: المذهب الطبيعي ورائده ماكس ميلر، المذهب الروحي ورائداه تايلور وهربرت سبنسر، المذهب النفسي ورواده ساباتييه وبرغسون وديكارت، المذهب الأخلاقي ورائده إيمانويل كانت، المذهب الاجتماعي ورائده إميل دوركهايم.

وأورد تلخيصاً في نظرة جامعة لهذه النظريات محاولاً التوفيق فيما بينها، بعد طرحه الاختلافات، فغدا الاختلاف بينها اختلاف “تعاون وتكامل لا اختلاف تعاند وتناقض” على حد قوله.

وتمت إضافة ملحق صغير (من عشر صفحات) للكتاب يبحث “موقف الإسلام من الديانات الأخرى وعلاقته بها”، والحقيقة أنه اقتصر على بحث علاقة الإسلام بالمسيحية واليهودية دون غيرهما، حيث ذكر أن الإسلام ليس اسماً لديانة خاصة، بل هو دعوة جميع الأنبياء والرسل، واستشهد بآيات على لسان الرسل في دعوتهم للإسلام، وبناء على ذلك فالإسلام بالمعنى القرآني لا يُسأل عن علاقته بالأديان الأخرى، إذ كيف يسأل عن علاقة الشيء بنفسه، بيد أن استعمال كلمة الإسلام بحد ذاتها، صارت لها دلالة على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالحديث عن علاقة الإسلام –بمعناه العرفي الجديد- بالأديان الأخرى، أي علاقة المحمدية بالموسوية والعيسوية، فيبين أن العلاقة مرت بمرحلتين، الأولى مرحلة التصديق، ويشير هنا إلى ما يدل على وحدة المصدر من خلال بعض التشريعات والأوامر الأخلاقية، والمرحلة الأخرى بعد تقادم العهد والتطور والتحرر بسبب طول العهد في تلك الديانات.




كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عقيدة التثليث[16].


[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247




كيف يصان التدين من الانحراف؟

للإجابة على هذا السؤال أتذكر مقولة لأبي الحسن العامري في كتابه “الإعلام بمناقب الإسلام” خلاصتها أن بعض الناس قد يفعل فعلاً يقصد به الوصول إلى الحسنة، لكنه يضل طريقها لأنه لم يدرك شروطها، بينما يرتكب الفجار السيئات استجابة لنزعة الشر التي دعتهم إليها نفوسهم الأمارة بالسوء، وبالنتيجة يجتمع الفريقان في بعدهم عن فعل الحسنات، وإن كانت المفارقة بأن قصد الفجار تعاطي الشر عمداً وعن علم ودراية.

فما الذي أدى بطالبي الحسنات إلى أن يجتمعوا في النتيجة مع من قصد عدم فعلها وهم الفجار؟

تبدو الإجابة سهلة، إنه الظن، لقد ساروا في طريق يظنون أنه يودي بهم إلى الحسنات، لكن الظن لا يغني من الحق شيئا، وليس بعد العلم إلا الظنون والتخمينات، وهذا هو عين الجهل.

لقد ظن نفر من المسلمين أن بعض الأفعال التي يمكن لهم أن يفعلوها قد تقربهم إلى الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم خطأ تفكيرهم، ونهاهم عن المضي فيه.

فقد جاء في البخاري أن ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”.

هذه الظنون هي التي أدت بالبشر إلى اختراع الرهبنة، ذلك النظام الذي لم يكتبه الله، فنلاحظه موجودا في كثير من الديانات التي انحرفت عن جادة الصواب، فهي ترى في تعذيب النفس وحملها على المشاق غير المحتملة في الحالة الطبيعية، كالنوم على الأشواك، أو دوام حمل الأثقال، مظنة الحصول على الرضا الإلهي أو الانسجام النفسي.

إن العبادة لا تكون إيجابية إلا إن أديت بطريقتها الصحيحة، والعابد ليس مرجعاً علمياً للناس بل العالم هو المرجع، يشهد لهذا الحديث الذي حدثه النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم أراد التوبة، فقد ظن العابد أن لا توبة له، بينما بين له العالم أن باب التوبة مفتوح [رواه مسلم].

إذن فأول ما يحفظ التدين من الانحراف هو التدين على علم، أي الخضوع للدين كما تقرر تعاليمه وقيمه كما أنزلها الله بالضبط، والأمر الآخر لصيانة التدين من الانحراف أن تبقى النصوص الدينية هي معيار صوابية التدين من عدمه، لأنها ظاهرة معروفة يمكن إدراك الخطأ والصواب حين عرض السلوك عليها، ولا يتم تجاوزها إلى الشعور والوجدان، فللعبادة لذة لكن الفعل الذي ينتجها منضبط بالنص، غير أنه يمكن أن يستمر الشعور باللذة الروحية مع تجاوز النص، ثم تصبح الملذات الروحانية وتفاعل الشعور الديني معها هو معيار الخطأ والصواب، حينها قد ينظر للنصوص على أنها قشور، وللمشاعر على أنها الثمار الحقيقية، وهذه من نظريات التعددية الدينية الهدامة، التي ترى أنه بالإمكان التركيز على التصوف كدين عالمي يتجاوز الأديان، ويكون البديل عنها.

لذلك نقول: النص يضبط، والمشاعر لا ضابط لها، لذا فإن التدين يبدأ بالانحراف حين يدور مع المشاعر لا مع النصوص، إن التدين الصحيح ينطلق من النصوص، ثم ترافقه النصوص كمعيار لصوابية فعله على طول الطريق، لا يتجاوزها بحال، فإن اختل أحد الأمرين، سيخطئ المتدين طريق الحسنات لتجاوزه شروطها، وسيجتمع مع الفجار من حيث النتيجة وهي الابتعاد عن الفعل الصواب، ولا يميزه عن الفاجر سوى أن الفاجر نوى الخطأ وقصده أساساً.




التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.




التوفيق بين الفلسفة والدين عند الكندي وابن مسرة

يرى بعض الباحثين أن الحركة الفكرية لمدارس علم الكلام الأولى هي الأب الشرعي للفلسفة الإسلامية، التي استقت فيما بعد من ينابيع أخرى على رأسها فلسفة اليونان، بينما يرفض آخرون هذا الرأي لأن علم الكلام –بحسب رأيهم- قد يشحذ الذهن، ويطور مهارة الجدل، غير أنه لا يقود للتفكير العقلي المنظم، ويستشهد هذا الفريق بالصراع بين الفلسفة وعلم الكلام، بالرغم من تبني علم الكلام للكثير من المصطلحات والمفاهيم الفلسفية، حيث كان ذلك كنوع من تبادل الأسلحة بين المتعارضين.

وثمة رأي آخر يرى أن الفلسفة الإسلامية ماهي إلا فلسفة يونانية بلسان عربي، زينت بأفكار أخلاقية أملاها الإسلام، لكن هذه الإضافات لا تبدل جوهرها، ولعل هذا أقرب الآراء للاعتدال، فالفلسفة اليونانية استمرت في المحيط العربي، مع ملامح جديدة للفكر الإسلامي، بيد أن هذه الملامح غارقة وسط الاقتباسات الكثير لأفكار اليونانيين، على أنه لا بد من القول إن الفكر لا يمكن أن يحتفظ بطابعه الأصلي عند انتقاله إلى بيئة أخرى.

موقف المسلمين من الفلسفة اليونانية
لم يكن الفكر اليوناني الذي بدأ بالدخول في المجال الإسلامي في بدايته صريح التعارض مع الإسلام، فقد ترجمت في البداية العلوم الفلسفية الطبيعية، والمنطقية، والأخلاق، واستقبلت البيئة الإسلامية ذلك بالترحاب، ولم يشتد الصراع بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية إلا عند ترجمة الكتب التي تتعرض للمشاكل الميتافيزيقية كالألوهية، ولم يتقبل علماء الكلام أن يكون النبي في كفة، مقارنة مع الفيلسوف في الكفة الأخرى، وأكثر ما أثار ثائرة علماء الدين المحافظين، ما فهموه من إمكان الاستغناء عن الوحي للحصول على معرفة مؤسسة من العقل وحده، والحقيقة أن التدليل على أحقية ما جاء به الرسول، بالقول إنه يمكن الوصول إلى مثله من طريق العقل، يعد في ذاته عملاً محموداً في نظر عالم الدين المتفتح الذي يسره أن يجد مبادئ دينه لا تعارض العقل، ولا تقف في سبيل الفكر، لكن هذا العالم المتفتح يؤكد على خصوصية النبوة فهي منحة إلهية لمصطفًى مختار، أطلعه مباشرة على الحقيقية، بصورة لا تحتمل شكاً ولا ارتياباً، والرسول ناقل أمين للحقائق الإلهية، ولو أمكن الفيلسوف فعل ذلك، فما من حاجة لمبلغ عن الله، وهنا جوهر المشكلة، حيث تبرز الحاجة لمعرفة مصدر أساس المعرفة أهو الدين أم العقل، وهذا الإشكال يوهم أن الدين لا يساير العقل، بل يخالفه، وهذا قول باطل بشهادة الدين نفسه، إن المشكلة تكمن في:

1- مدى وثاقة ما يوحى إلى النبي.

2- مدى أحقية العقل في مناقشة التعاليم والأفكار الدينية، بعد فرض صحتها.

3- أيهما أولى بأن يكون له اليد الطولى؟ الدين؟ أم الفلسفة والفكر الحر؟

للبحث في النقطة الأولى يتطلب التعرض لحقيقة النبوة ووظيفتها وضرورتها، وطبيعة الوحي، وأدلة إمكانياته، وبراهين صدقه…

والبحث في النقطة الثانية يستوجب عرض الأفكار والمبادئ والتعاليم ومدى قدرة العقل على تعليلها أو نقدها أو شرحها شرحاً يرضي الفكر، ويريح النظر، وينتج عن ذلك مشكلة التأويل التي قد تنتج فرقاً كثيرة، ومشكلة التأويل هي التي مكنت الفلاسفة المسلمين من التفكير في التوفيق بين الدين والفلسفة.

وقد يبدو غريباً أن يعمل الفكر ضمن تعاليم أصبحت عقيدة، ويوصف مع ذلك فكرها بالحر، وهنا نقول إن الحرية الفكرية المطلقة وهم وخيال، فالفكر لا يأتي من لا شيء، وثورة الفكر على مذهب معين تنتهي بالوقوع ضحية لمذهب آخر، وأشد الملاحدة ثورة على مبدأ الألوهية يقع فريسة لإلهه هو الذي اتخذه من الطبيعة أو الإنسان أو الحيوان ويشمل ذلك ذاته نفسها، ولنا أن نتأمل أن شك ديكارت بكل ما سبقه من أفكار وعقائد جعلته حبيساً لفكر مذهبه، الذي هو خليط من مذاهب أخرى، وليس مبتكراً سبقه العدم.

حتى الموقف اللاأدري بالرغم من عدم تحيزه لفكرة معينة، لا يمكن وصفه بأنه ينم عن حركة فكرية طليقة، لأنه أحجم عن ممارسة إيجابية فعالة، وبالتالي فحرية الفكر نسبية، تكثر أو تقل، تبعاً لاستعداد الفكر لرؤية الحلول الممكنة لمشكلة ما، ووجود الحلول لا يمنع الفكر من مناقشتها وقبولها.

لوحة تخيلية لمعبد أكروبوليس في أثينا من القرن التاسع عشر

استيعاب ومقاومة الفكر اليوناني
وجدت الفلسفة اليونانية مقاومة في المحيط الإسلامي، لا باعتبارها تمثل فكراً حراً منزها، بل لأنها تباين الروح الإسلامية، ونجد هناك من تابعها وجعل لها اليد الطولى، ومن أعجب بها وسعى إلى التنسيق بينها وبين الدين، ولقد كتب أحدهم كتاباً جمع فيه أحاديث في مكانة العقل، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن الأحاديث التي تتحدث عن العقل ليست دعوة للفلسفة اليونانية، فهذا من الخلط.

وفي القرآن آيات تدعو إلى التفكير والتبصر والتأمل في صنع الله، وهذه من مواضع اعتزاز المسلمين بتبني الإسلام وتشجيعه للفكر البناء الهادف غير المتحيز، وللأسف فقد أصيب الإسلام من بعض أنصاره المتزمتين، وليتهم أدركوا أن محاربة الفكر المنحرف لا تكون بإخفائه بقدر ما تكون بإظهار عواره وكشف تهافته.

لقد كانت قضية العلاقة بين العقل والوحي، وبالتالي بين الحكمة والنبوة، أو الدين والفلسفة، أو العقل والنقل، قضية حاضرة في المحيط الإسلامي، وقد حاول المفكرون أن يظهروا التوافق بين المصدرين، لكن معظمهم أخطأ حينما ظن التوفيق بين الدين والعقل، يعني التوفيق بين الإسلام والفلسفة اليونانية.

وبالرغم من اتفاق فلاسفة الإسلام على وحدة الحقيقة الدينية والفلسفية إلا أنهم تباينوا من حيث تقديمهم لأحد الجانبين على الآخر، فقد قدم الكندي الوحي على الفلسفة، بينما سوّى الفارابي وابن سينا بينهما تقريباً، وكان لابن رشد رأي باستقلالهما من دون تعارض.

صور التوفيق بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي
اتخذت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة صوراً شتى، فمنها ما أولى العناية للتركيز على الغاية، كبيان غاية الأخلاق في الفلسفة والدين من حيث سعادة الإنسان، ومنها ما تناول بالمقارنة العامة الخطوط الأساسية لكل من الدين والفلسفة –رغم اختلاف منهجيهما- ومنها ما صدر على هيئة رسائل تشرح سبل وصول الفكر الحر النزيه للحقائق الكبرى التي نادى بها الدين الحق، ومنها ما تبنى إلباس بعض المصطلحات والمبادئ الفلسفية ثوباً دينياً كما يظهر في نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا، ومنها ما اتخذ صورة الرمز والقصص المفضي إلى نفس الغاية من إثبات لقدرة العقل على الوصول إلى الحقائق التي دعا لها الدين، كقصة ابن طفيل “حي بني يقظان” وغيرها كما سيأتي معنا.

1- محاولة الكندي (185 – 256هـ / 801-870م)
كان الكندي فيلسوف العرب الأول الذي واجه لأول مرة الفلسفة اليونانية في المحيط الإسلامي، حيث خالف أرسطو في نقطة الخلق والرعاية واتصال الله بالعالم وإحاطته علماً بذلك، فقد كان أرسطو يرى أن لا علاقة بين الله والعالم إلا في جانب العلة الأولى التي بدأ بها الحركة والحياة في العالم، وبعد ذلك لا يليق بالمحرك أن يتصل بالعالم، وكأنه لم يبق للإله إلا التأمل في ذاته.

فحيث قال أرسطو بقدم العالم، قال الكندي بحدوثه، وحيث يقطع أرسطو الصلة بالله والعالم بعد ذلك، يحتفظ الكندي بتأكيد دوام الصلة والرعاية، ويستند الكندي في كثير من آرائه للقرآن للترجيح.

مؤلفاته
يلاحظ أن أغلب مؤلفات الكندي متصلة بالعالم الطبيعي وظواهره، ولم تظفر المسائل الميتافيزيقية برسائل كثيرة من إنتاجه، ولعل ذلك راجع لعدم قناعة الكندي بمعالجات الفلسفة اليونانية لهذه القضايا، لا سيما وأن الإسلام قد حسم هذه المشكلات الميتافيزيقية كأصل الكون، وحقيقة الخلق المباشر، والعناية الإلهية، وغيرها.

كما كان الكندي عالم كلام على مذهب المعتزلة، وهو بذلك مقتنع بالأدلة العقلية بشقيها المأثور الموجود في الوحي، وما أنتجته قرائح المتكلمين اهتداء بإرشاد القرآن، لذلك فكان للدين وللوحي والنبوة مكانة ترجح ما يأتي عبرها، على ما يأتي من سواها من فلسفات.

مهد الكندي للفلسفة في المحيط الإسلامي، وجعل الاشتغال بها ضرورة، لكنه لم يرجح آراء الفيلسوف على ما يأتي به النبي، ولم يفضل ما يأتي عن طريق الفلسفة على ما يأتي به الدين.

موقف الكندي من النبوة
لم يقصر الكندي وسائل المعرفة على الحس والعقل، بل أضاف إليهما الإشراق الذي تمثل قمته النبوة، ويؤكد أن هذا العلم خاص بهؤلاء الذين اصطفاهم الله، وهذا الاصطفاء ينأى أن يكون ما يأتي به هؤلاء مكتسباً بالبحث والدراسة، فلو أراد الفيلسوف الإجابة عن ذات الأسئلة التي طرحت على الرسل؛ فلن يتمكن من الإجابة عليها بمثل الوضوح الذي أجاب به الأنبياء، ويمثل لذلك برد الوحي على سؤال (من يحيي العظام وهي رميم؟) فكانت خلاصة الآيات تبين أن العظام قد وجدت بالفعل، بعد أن لم تكن، وعليه فمن الممكن إذا صارت رميماً أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، وإن تساوى الأمران بالنسبة لله تعالى، فالقوة التي ابتدعت، يمكن أن تعيد ما أبادت، إن هذا من أعظم الأجوبة برأي الكندي، وهو ما حجبت عنه العقول الجزئية، ويوضح الكندي لرواد الفلسفة أن النبوة ليست إلا مظهراً من مظاهر العناية الإلهية بهذا الكون.

ويظهر لنا أن الكندي أعلى من صوت الدين، وعليه فلم يفكر بالتوفيق بين الطرفين إلا بعد أن تيقن أن الفلسفة الحقة كما عرفها: “علم الأشياء بحقائقها” (علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة…) لذلك فصلتها قوية بالدين، فعلم الأشياء بحقائقها هي خلاصة المهمة التي جاء بها الرسل، وبالتالي فقد جمع الكندي بين الدين والفلسفة الحقة على أهداف وحقائق واحدة، ويرفض الكندي من وسم اقتناء الفلسفة بمعنى علم الأشياء بحقائقها بالكفر، ويرى أن دراستها واجبة على أن تسير في ركاب الدين، وأن تخدمه بإخلاص، عبر إثباتها بالأدلة العقلية ما جاء به الرسل، لتنتهي بعد كفاحها إلى ما انتهى إليه الدين، في الحقائق الكبرى المتصلة بالإله والعالم، وبقية الغيبيات.

 

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

محاولة ابن مسرة (268-319هـ)
عاش ابن مسرة في القرن الثالث الهجري، وبينه وبين الكندي نصف قرن تقريباً، عاش في الأندلس، وتر��د إلى الشرق، واشتغل بالجدل والمناقشات الكلامية، وتجمع المصادر أن له لساناً يتوصل به إلى مراده مهما بعد، وتذكر أنه اتهم بالزندقة، ويعزى لابن مسرة نقل الفلسفة الممزوجة بالغنوص إلى الأندلس، ويعزى له تأسيس نظام باطني أدبي تحمل كلماته معاني غامضة لا يعيها إلا أعضاء مدرسته، وأنه كان مبعوثاً لتأسيس حزب فاطمي في الأندلس، وتذكر المصادر أنه زار البصرة ومكة والمدينة.

رسالة الاعتبار
أرسل تلميذ لابن مسرة رسالة لأستاذه يقول فيها إنه قرأ في بعض الكتب أنه “لا يجد المستدل بالاعتبار من أسفل العالم إلى الأعلى إلا مثل ما دلت عليه الأنبياء من الأعلى إلى الأسفل”، طالباً من أستاذه ابن مسرة شرح ذلك، فكتب رسالته المسماة رسالة الاعتبار، فبين في مطلعها أن العقول نور من نور الله، في فهم أوامره، تتفق مع الصفات التي أوحى الله بها لأنبيائه، ففي كل أرض وسماء ما يدل على الله، فالعالم كتاب يقرأه المستبصرون، ويستشهد بآيات التفكر في السموات والأرض الواردة في القرآن، لينتهي إلى أن كل ما خلق الله موضوع للفكرة، ومطلب للدلالة، وما يزال المعتبرون يتصعدون في العالم وخلائقه من الأسفل إلى الأعلى لينتهوا إلى ما وصف الأنبياء من الآيات العلا، فإذا فكروا أبصروا، وإذا أبصروا وجدوا الحق واحداً كما حكى الرسل، وكما وصفوا الحق سبحانه، فالاعتبار يشهد للنبأ ويصدقه (أي أن التفكير يصدق الوحي)، والنبأ يوافق الاعتبار ولا يخالفه، وبذلك تفضي القلوب إلى حقائق الإيمان، ويمثِّل ابن مسرة لكلامه بالنظر إلى النبات، فهو عود لا حياة فيه، لكن الغذاء يندفع من أسفل إلى أعلى، ويتوزع على الأجزاء المختلفة من عود وقشر وورق وثمر وغيره، هذا مع أن طبيعة الماء التحرك إلى أسفل، غير أنه يرى الغذاء يصعد، مما يدل على أن الصعود لم يصدر عن طبيعة الماء، فالنار وحدها من بين العناصر تتحرك إلى الأعلى، لكن الماء والنار ليس من طبيعتهما التقسيم والتفصيل على النحو الذي نراه في النبات من حيث الشكل والطعم والرائحة، ولا يكفي أيضاً لتفسير ذلك ضم سائر العناصر من هواء وتراب، لاتحاد ذلك في كل النبات، مع تباين الأخير وتعدد صنوفه، وجميع هذه العناصر تعد أضداداً لا تأتلف من نفسها، فلا بد لها من مؤلف يردها بقوته إلى ما هو خلاف طبيعتها، أي من التنافر إلى التآلف، يجب أن يكون المؤلف قوة أكبر من الطبيعة، وترتقى همة الباحث إلى أعلى فيطوف الكواكب والسموات ليتبين له أن كل ذلك مسخر منقاد، فالمفكر هنا يجوب أسفل العالم باحثاً عن مصدر التأثير والتسخير، وما يزال يحلق صعوداً إلى قمة الوجود، مسجلاً ملاحظاته في ضعف النفس الإنسانية وما يعتريها من شيخوخة وتحطم ومفارقة للبدن، ليبين أن عالم النفس لا يصلح لتفسير مظاهر التدبير والانسجام، ثم يترقى للوصول إلى الجانب العقلي الذي يمتاز بالشمول والإحاطة والصفاء والبساطة، لكنه خاضع لمؤثرات خارجية تعلو عليه ولا يعلو عليها، ويكمل ابن مسرة مشواره لينتهي إلى مبدأ متعال، لا مثال له، ولا نهاية له، ولا بدء له، ولا جزء له، ولا غاية له، فتعالى الملك الأعلى.

فجاء خبر النبوة من جهة العرش نازلاً إلى الأرض، فوافق الاعتبار الصاعد من جهة الأرض إلى العرش سواء بسواء، ويختم ابن مسرة بالتأكيد على ضرورة البحث العقلي الهادف، ويذم من يرفض أن يكون للعقل مجال في هذا الميدان مستشهداً بقوله تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا}.

بين محاولتي ابن مسرة وابن طفيل
كتب ابن طفيل قصة “حي بن يقظان” وجعلها وسيلة فنية ضمنها آرائه ومذهبه الفلسفي، وهي قصة تتحدث عن رضيع وضعته أمه في صندوق في البحر، فاستقر على شاطئ جزيرة خالية من البشر، فتبنته غزالة وأرضعته، ونما حي وراح يلاحظ ويتأمل فعرف كيف يقوم بحاجات نفسه، حتى وصل –بطريق الفلسفة- إلى إدراك أرفع الحقائق في الطبيعة وما وراءها، وحاول الوصول إلى بالله، فاعتزل في مغارة وصام أربعين يوماً متوالية، محاولاً التأمل ليتصل بالله، حتى أدرك ما أراد، وحينها لقي رجلاً تقياً اسمه أبسال جاء من جزيرة مجاورة، فعلمه الكلام، واكتشف أبسال أن طريق حي الفلسفي فيه تفسير للدين الذي يعتقده، إلى نهاية القصة، ويمكننا أن نستخرج منها بعض الأفكار التي أراد ابن طفيل تضمينها:

1- تدرج العقل في سلم المعرفة ابتداء من المحسوسات الجزئية المفرقة، إلى الأفكار الكلية العامة.

2- قدرة العقل على إدراك وجود الله، بدون أي مساعدة تعليمية أو تربوية، لأن تأمل مظاهر الوجود، تدل على الموجد.

3- مع التسليم بقدرة العقل، لكنه لو تجاوز حده يصيبه الكلل والعجز، كمحاولة تصور العدم المطلق أو الأزلية المطلقة وما يشبهها.

4- العقل مصدر إلزام خلقي، ندرك عبره أسس الفضائل، ونخضع له شهوات الجسد.

5- الناس متفاوتون في الإدراك، فهناك خاصة يكاشفوا بدقائق الحِكم، وعامة يخاطبون على قدر عقولهم.

عاش ابن طفيل في القرن السادس الهجري، وحياته لا تشبه حياة ابن مسرة بكثرة التنقلات، فقد كانت حياته مستقرة، ولعل ما يجمع الرجلين حب التأمل، لكن هدوء حياة ابن طفيل منحته قدرة أكبر على التأمل الهادئ، فرسالة الاعتبار كانت إجابة صريحة على سؤال محدد من تلميذ لم يستطع الاجتماع بأستاذه، وأما قصة ابن طفيل فتدرجت بالاستدلال من المحسوس إلى ما وراءه، فحي يبحث عن حقيقة النفس مع موت مرضعته، وبدأ يصعد حتى أدرك الفاعل المنزه عن الحس وأثره في كل شيء، والقصة لا تقتصر على الحس، بل كأنها تشير إلى العقل والإلهام والفيض، وتبين القصة اختلاف الأسلوب الموجه للعامة والوارد على لسان الأنبياء، عن أسلوب الفلاسفة والصوفية، فالأنبياء بينوا الحقائق، بينما كاشف الآخرون، لذلك أدرك أحد شخصيات القصة خطأه حين أراد تعليم الناس الحقيقة عارية عن التمثيل، فالحكماء والمصلحون بعد الرسل لم يعطوا للناس إلا ما ينفعهم ويحصل لهم السعادة.

مسكويه بتبع نفس السبيل
كان أحمد بن يعقوب -الملقب بمسكويه- يرى أن كل نوع يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يتعقد ويترقى حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، قبل صورة الحيوان، وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً يترقى حتى يصل مرتبة قريبة من مرتبة الإنسان، والإنسان نفسه لا يزال يترقى ويزداد ذكاء وصحة في التفكير حتى يتعرض به لأحد المنزلتين، إما أن يديم النظر في الحقائق لتلوح له الأمور الإلهية، وإما أن تأتيه تلك الأمور من الله من غير سعي منه، وصاحب المنزلة الأولى هو الفيلسوف، والثانية هو النبي، ويصدق أحدهما الآخر، لاتفاقهما في تلك الحقائق.

بين النبي والفيلسوف
تجب الإشارة إلى أن اتفاق الفيلسوف والنبي على ما لديهما من حقائق قد فهم عند البعض تسوية مطلقة بينهما، بل عد بعضهم الفيلسوف أرقى لأنه جاهد وكافح وتأمل وتفكر، بينما وصلت الحقائق للنبي وهو في دعة وراحة، والحقيقة أن تلاقي الفيلسوف والنبي في عرض الحقائق، لا يعني تساويهما، فشؤون النبوة وأحكام الشريعة فهذا مما لا يدركه الفيلسوف وحده، لكنه أسرع إلى تفهمه إذا عرضت عليه.

والفكرة التي أراد الفلاسفة التركيز عليها هي إمكان الوصول إلى الإيمان بوجود الله عن طريق التأمل الصحيح، والحقيقة أن هذا الإيمان العقلي يؤيده الشرع، لكن الوصول لهذه الحقيقة لا يقتضي الاستغناء عن النبوة، لأن الفئة القادرة على التأمل الصحيح بمثابرة وإخلاص نادرة، والنبوة رسالة لكافة الناس، هذا عدا عن أمور التشريع التي أسلفنا ذكرها، وهي مما يأتي به النبي.

وفي الخلاصة نجد أن أغلب الفلاسفة المسلمون كانوا أوفياء لعقيدتهم، ويمكننا تفهم أقوالهم، وما من داعٍ لإساءة تأويلها.




تجديد الفكر العربي الإسلامي (محاولات ومقترحات)

إن الفكر والنظر لا حد له، فهو طواف، محلق تارة، وهابط تارة أخرى، محلل في موقف، مركب في آخر، وثمرة كل ما مر اتساع في آفاق المعرفة الإنسانية بالكون والإنسان وبمصدر وجودهما جل جلاله، وهذا يعني أن العقل البشري متيقظ، يراقب تقدم الفكر الإنساني فيقيم ويوجه.

والتقدم الفكري حصيلة للوثبات العقلية والروحية التي وثبها الذهن والفؤاد، لكنها لا تستوي بين أمة وأخرى، فقد تسجل وثبة فكرية كبرى لأمة ما في زمن معين، مع بقاء أمم غيرها دون هذه الوثبة لأجيال طويلة أو قصيرة تبعاً لدرجة الحيوية والإيجابية التي يتمتع بها موقف هؤلاء أو نظرة أولئك، وإذا كان الحال كذلك فالحضارات تنتفع بما تستورد، وتتبادل فيما بينها عبر التأثير والتأثر لكننا نرى أن إثبات ذلك لا يكون إلا بمستندات ووثائق، وليس بمجرد أدنى شبه.

قضية التجديد
في كلامنا عن قضية التجديد، لا بد من أن نحذر من إساءة فهم “التجديد” كما حصل لفريقين، أحدهما: متعصب ومتشدد ومتقوقع، وآخر متطرف تهوي به ريح التطرف إلى مكان سحيق غريب عن تراثه ومقومات ذاته.

فالفريق الأول تزعجه فكرة التجديد في شتى صورها، فيقاومها في كل مستوى، وكأن الحياة عنده صبت في قوالب جامدة، وعند التحليل النفسي لموقف هؤلاء يبدو لنا أنهم لا ينزعجون من التجديد حقيقة إلا لأن التجديد يتطلب جهداً وكفاحاً ليسوا على استعداد لبذله أو الخوض فيه، فأيسر ما لديهم وأكثر الأمور راحة أن يحرصوا على الموروث، وكأن أسلافهم قد أدوا عنهم ما كان من المفروض أن يؤدوه هم.

ولسوء الحظ أن سلاح هؤلاء الفتاك هو الدين نفسه، حيث يسلطونه على دعاة التجديد فلا ينتفعون بشيء من جهود المجددين ولو عادت بالنفع على المجموع، وأبسط حيلهم في جعل الدين سلاحاً وصف كل جديد بالبدعة، ومن حيلهم كذلك التوحيد بين الشخص والمبدأ، فإن عارضت شخصاً منهم عدك عارضت المبدأ الذي يدعي أنه يمثله، وخلط بين شخصه وبين المبدأ الذي يدين به، والخلط بين الأشخاص والمبادئ من أسوأ الأمور، وهي التي أثمرت في المسيحية صكوك الغفران، والاعتراف، ومحاكم التفتيش، وغيرها من معالم الخزي في تاريخ البشرية.

والإنصاف يدعونا للقول إن هذا الفريق لا يشكل أغلبية، ولا يتفق جميع أفراده في الدافع والغاية، فبعضهم ينطلق من إخلاص غير محروس بالوعي، فيخلطون ويعممون الأحكام دون روية، وبعضهم يعي كل شيء وهو يقظ لما حوله،  ويقظته لمركزه ونفوذه الذي يتمتع به أكمل تمتع، لذلك يرى في التجديد تهديداً لمصلحته، أو مساساً بالمبدأ والدين الذي يمثله، إذ يسوي بينهما كما أشرنا قبل قليل.

مخطوطات تراثية إسلامية في تمبكتو (الأناضول)

أما الفريق المتطرف فيقتات على الفكر الجاهز المعد له بعقول وجهود الآخرين، وهو قلما يعرف تراثه، وبالتالي لا يحمل له أي تقدير، ولا يعنيه في قليل أو كثير، بل لو استطاع الاستغناء عن لغته وتبنى لغة أخرى لفعل، خروجاً من جلده وبني جلدته، وحباً بكل غريب وجديد.

ويرى هذا الفريق أن فكرة إحياء التراث، أو تجديد الفكر بعد إحياء التراث؛ عبثاً لا طائل منه، وجهل هذا الفريق بالتراث حجر عقبة في سبيل تقدير قيمته.

ولا شك أن كلا الفريقين –المتعصب المتقوقع، والمتطرف المتهور- يجانب الحق، ويجاوز الحكمة، فالمتعصب يبعد عن باله أن هناك فرقاً هائلا بين الإتيان بشرع جديد، والإتيان بفهم جديد، وليتهم أدركوا أن التجديد في الفهم لا في الشرع.

إن طبيعة الإسلام تسمح بنماء الفكر وتطوره نتيجة للاحتكاك بين أفراد المجتمع، وبين المجتمع نفسه والمجتمعات الأخرى، حيث يسمح الإسلام بتعدد مصادر المعرفة بحسب الموضوع المدروس، فمن كان له قلب حسب التعبير القرآني، أي كانت له بصيرة نفاذة يمكنه بالظفر بالمعرفة عن طريق الحدس أو الإلهام، وفي الطبيعة وجه القرآن لإدامة النظر في آياتها، والتأمل في مواطن الاتساق والإحكام فيها، ونفس الأمر بالنسبة للتاريخ، ولو لم توجد في الإسلام مبررات التفكير ومزاولته، لما تمكن فلاسفة الإسلام أن يجمعوا بينه وبين الفلسفة.

بين الإصلاح الديني والتجديد الفكري

لا بد لنا من التفريق بين الإصلاح الديني وبين تجديد الفكر الإسلامي وإن كان بينهما عموم وخصوص، ولنا أن نتذكر ما قام به الإمام الغزالي في القديم، وفي الحديث محاولات السيد جمال الدين الأفغاني، حيث تهدف دعوته لإيقاظ الوعي، وبعث العقلية المتحررة بالأمة، ومحمد عبده الذي سعى لتقديم التراث في ضوء العصر والظرف، وثمة محاولات إصلاحية أخرى تفند شبه الخصوم، وتبرز العناصر الثمينة في التراث الإسلامي كمحاولات العقاد وتوفيق الحكيم من بوابة الأدب، وقد تطلع الأدب يومها إلى ثورة فكرية كاملة.

محمد إقبال

محاولة محمد إقبال
وأما عرض التجديد الفكري عرضاً فلسفياً فنجده لدى الفيلسوف والشاعر المسلم محمد إقبال، حيث يعد كتابه في تجديد الفكر الديني في الإسلام وثيقة متضمنة تصور إقبال ومقترحاته للقضية.

ومما لاحظه إقبال أن التفكير الإسلامي اتجه اتجاهاً مبايناً للتفكير اليوناني، بالنسبة للمثل الأعلى، فمثل اليونان الأعلى تحكمه فكرة التناسب فشدتهم إلى الوجود المتناهي في الخارج بحدوده الواضحة، بينما هي في الفكر الإسلامي تحصيل السعادة بالوصول إلى اللامتناهي، ويستوحي إقبال فكرته من الآية {وأن إلى ربك المنتهى}، فالمنتهى الأخير يجب ألا يبحث في الأفلاك، ويربط إقبال بين التاريخ وبين المصطلح القرآني {أيام الله}، لينبه على أنه ثالث مصادر المعرفة، لذلك يؤكد على النظر في عواقب الأمم الخالية، والاعتبار بتجارب الناس في الماضي والحاضر، ويؤكد إقبال على وحدة الأصل الإنساني {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة}، ويرى أن التركيز على الحقيقة الأساسية المتصلة بحركة الحياة والكون كما وردت في القرآن الكريم، هيأت قدرة المسلم على النظر إلى التاريخ باعتباره حركة جمعية مستمرة بوصفه تطوراً في الزمان حقيقياً، وفكرة التغيير المستمر لا تعني تجاهل الثبات والدوام اللذان تتصف بهما المبادئ من حيث المثال، لا من حيث التعين والتحقق في صورها الجزئية في الواقع، ولذلك فالتغير لا يمتد للقيم الأصلية التي تجد منتهاها في الباري جل وعلا.

وبناء على ما مر، يرى إقبال أن التجديد يجب أن يتحقق فيه التوفيق بين مراتب الدوام والتغير، بما يستتبع من توافق في الفكر والسلوك، والنظر والعمل، فلا يقول المسلم أنه جدد فكره الإسلامي بتبنيه فكراً غير إسلامي، فهذا عين التبديد، ومن الاحتمالات التي وضعها إقبال حين طالب بإعادة النظر في التراث العقلي للمسلمين، أن يظهر غناء هذا التراث بحيث لا يحتاج أي إضافة، أو نكون نحن أضعف من وضع هذه الإضافة.

والتجديد الإسلامي في الفكر ينبغي أن ينزع القشور الجافة التي أدت للجمود، ويكشف عن الحقائق الأصلية كالحرية والاتحاد والمساواة وغيرها من المثل العليا.

ويبين إقبال أن الحقيقة التي يكشفها العقل المحض لا قدرة لها على إشعال جذوة الإيمان القوي، فذلك لا يفعله إلا الدين، فالدين أسبق إلى التجربة من العلم، وهما أي الدين والعلم يتحريان الوصول إلى اليقين.

ومما أشار له إقبال من مباينة الفلسفة اليونانية للروح القرآنية استشهاده بالاعتبار الحسي في القرآن، لذلك عاب على المعتزلة تصورهم أن الدين نسق من المعاني المنطقية العقائدية، متجاهلين أنه حقيقة حيوية، فلا يمكن للفكر أن يستقل تماماً عن الواقع المتحقق في عالم التجربة.

وخلاصة ما أراده إقبال توضيحه لفكرة دوام احتفاظ الإسلام ببذور التجديد، هذا مع تحفظات لنا على مواضع من معالجات إقبال بطبيعة الحال.

زكي نجيب محمود

محاولة زكي نجيب محمود
ومن محاولات معالجة قضية التجديد الفكري والفلسفي ما قام به الدكتور زكي نجيب محمود الذي يؤكد أن أبرز مشاكل حياتنا الثقافية الراهنة هي كيفية المواءمة بين الفكر الإنساني الحديث وبين تراثنا الأصيل، فلا يمكننا تجاهل الفكر الوافد تماماً، وإلا انفلتنا من عصرنا أو انفلت عصرنا منا، وتراثنا فيه ذاتنا، وبدونه تفلت عروبتنا أو نفلت منها.

ولعل أبرز حجج الإقناع بضرورة تجديد الفكر العربي الإسلامي لمن يتخذون صانعي التراث قدوات لهم، هي إبراز موقف الأقدمين، ولنا أن نتأمل محاولات الموائمة بين الوحي والعقل، أو بين الدين والفلسفة، فالأقدمون حين غزاهم الفكر الأجنبي تكيفوا مع مقتضيات الفكر في عصرهم وظهر نشاطهم الإيجابي وإن اختلفت نتائجهم، لكنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي متجاهلين ما وفد من فكر وحضارة، ولم يتلاشوا في أمواج هذا المد الفكري الوافد، وإنما بحثوا عن نسق فكري يضم حقائق ما جاءهم من دين مع ما وفد عليهم من فكر، وحالنا اليوم كحال أسلافنا، فالعالم اليوم موزع بين فلسفات مختلفة حوى كل منها الغث والثمين، والضار والنافع، ولا يغني أي منها على حدة، فثمة من يدين لفلسفة تدين للعلم ولا تعبأ بالإنسان، وثمة من يتبنى فلسفة تكاد تؤله الإنسان، وفلسفة أخرى تهتم بالإنسان من حيث النظم، ويمكننا أن نساير الفلسفة المعتنية بالعلم ونضيف لها فلسفة الإنسان، ونهتم بالإنسان مع اعتباره خليفة للإله، ونضيف لمن اقتصر على العلاقات والنظم الاجتماعية الاهتمام بالفرد ومسؤوليته أمام ربه وضميره.

وخلاصة ما مر؛ محاولة ليحتوي النظام الفلسفي المقترح محاسن سائر النظم ويتجنب مساوئها، ويذكر الكاتب أن أهم ما يميز الذوق الفلسفي العربي قيامه على مبدأ الثنائية، أي الاختلاف في الرتبة في مثل الخالق والمخلوق، الروح والمادة، العقل والجسم، المطلق والمتغير، الأزلي والحادث.

فمراعاة مبدأ الثنائية هذا يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لنظرات فلسفية تتعلق بالإنسان والأخلاق والمعرفة، وهذا يوصلنا إلى صيغة نرتضيها في شتى الميادين، فبذلك تتم لنا نظرات عن الطبيعة والكون والإنسان والقيم، فالنظرة الثنائية تميز بين إله خالق وعالم مخلوق بشراً كان أو وغيره، ثم تميز في عالم المخلوق بين البشر وبقية الكائنات، لامتلاك البشر الإرادة الحرة التي توجب تحمل الأمانة والمسؤولية، وهذا ينقلنا إلى نظرية في الأخلاق تعارض تأسسها على المنفعة، بل تدعو لإقامتها على أساس الواجب، فهذه نظرة أخلاقية وليدة للنظرة الكونية التي قامت على مبدأ الثنائية.

ومن مميزات هذه ال��ظرة الثنائية -بحسب المؤلف- أنها تمكن من سد الفجوات الموجودة في المذاهب الفلسفية السائدة في المحيط غير الإسلامي، حيث تعوزها النفثة الروحية، والرقة الإنسانية، وصون كرامة الإنسان، حيث تمكننا من الجمع بين العلم وكرامة الإنسان.

يرى الدكتور جعفر أن الوقفة الفكرية للأستاذ زكي نجيب محمود تسد الفوات الموجود في المذاهب الفلسفية السائدة في غير بلادنا، وتحقق الجمع بين التطور العلمي وكرامة الإنسان، وهذا ما أعيا الحضارة الأوربية، ولا بد من الإشارة أن الدكتور جعفر لا يوافق على بعض ما ذهب إليه الأستاذ زكي ويعقب عليه، لكنه ساق ما رأى أنها محاولة جيدة في تجديد الفكر الإسلامي، لكنه يرى أنها تشترك مع محاولة محمد إقبال في جزئيتها فهي لم تستفد من النظرة المتكاملة لميادين الفكر الإسلامي الأربعة (علم الكلام، أصول الفقه، التصوف، الفلسفة الإسلامية) فقد حصرت رؤية إقبال نظرتها في الميدان الصوفي الفلسفي، ورؤية زكي على نقيضها فهي عقلية تهاجم النزعة الصوفية.

مقترح للتجديد
بعد سوق تجربة الأستاذين إقبال وزكي، يؤكد محمد كمال جعفر أن التجديد الفكري ينبغي أن ينبثق من الإسلام، شرط أن يكون هذا الانبثاق نتيجة لاستعراض واستيعاب الفكر الإسلامي في ميادينه الأربعة، وفي ضوء القرآن والسنة الصحيحة، فسلامة النظم الفكرية تقاس بمقدار وفائها بالأغراض الجوهرية للحياة الإنسانية، وأخص خصائص هذه الحياة؛ معرفة الإنسان لمكانة وجوده، ومركزه من العالم، والهدف الذي وجد لأجله، والرسالة التي ينتظر منه أداؤها، والنهاية التي تنتظره، أي الأصل والكينونة والمصير، والأسباب التي دعت محمد كمال جعفر لدعوته لانبثاق التجديد في نسقنا الفكري والفلسفي من الإسلام، راجع للميزات في الإسلام نفسه، والتي منها:

أولاً: اتساع النظرة
التي تشكل في مجموعها النظام الفلسفي المكتمل بجانبه الفيزيقي والميتافيزيقي، لأنه نظرة تستوعب المعرفة بالله وبالكون والإنسان، وكمثال لذلك لنعرض نظرة الإسلام للتاريخ ونقارنها بالأنساق الفكرية التي قامت على أساس نظرتها للتاريخ وتفسيرها الفلسفي لمساره، وسنقارن ذات النظرة مع الديانات الأخرى، غير أننا سنقتصر على نظرة وضعية وأخرى دينية في هذا السياق.

نظرة الماديين إلى التاريخ
ونقصد بوصف مادي وطبيعي هنا، كل مذهب يستبعد من التاريخ أو من حياة الأفراد والجماعات أي عنصر يجاوز الإنسان، أو يرتبط بمبدأ روحي أو إلهي، وبذلك يدخل المذهب الإنساني في نطاق هذا الوصف -مع علمنا بتفرعات المذاهب المادية والطبيعية والإنسانية-، فوقائع التاريخ عند هؤلاء تتم في عالم أرضي مغلق، وربما كان أوضح مثال للتفسير المادي للتاريخ هو التصور الماركسي أو الشيوعي، حيث يتضمن نقاطاً أساسية منها: أن الناس وحدهم صناع التاريخ الحقيقيون، ويقصد بالناس الشعوب ولا سيما الطبقة الكادحة، وأن الإنتاج المادي والوضع الاقتصادي أساس التطور الاجتماعي، وأن صنع الشعب للتاريخ ليس بمحض إرادة واختيار بل رهن للظروف وفي مقدمتها حالة الإنتاج، وأن تقدم البشرية المادية يعني دوراً أكبر للشعب في صنع التاريخ، وأن الحتمية التاريخية لا يمكن أن تتخلف.

ما سبق يعني أن التاريخ من ألفه إلى يائه يعتبر سجلاً لتفاعل الإنسان مع الطبيعة وواقعها الملموس، ولو أخذنا بهذا المبدأ فهذا يعني أن الأديان وأصحابها صوراً تعبيرية عن ظروف مادية، وبذلك نلاحظ أن هذه النظرة المقيدة بحدود المادة لا تشبع طموح الإنسان وشعوره بتساميه على العالم المحسوس، وتعجز عن تفسير المواهب بما لا يتجاوز حدود المادة.

نظرة اليهودية والمسيحية إلى التاريخ
وضعت اليهودية أنموذجاً للتاريخ على يد شراحها يتلاءم مع أقلية تعد نفسها مختارة ومضطهدة بين شعوب الأرض، واستند الأنموذج لفكرتين الأولى تمييز بين التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوي، والثانية الارتباط بالماضي والمستقبل لضمان قبول الفكرة من كل مضطهد، بالرغم من أن أصل الفكرة كان مقصوراً على اليهود فقط.

ويقتضي هذا النموذج التاريخي أن مجال التقديس محصور على حياة الشعب اليهودي المحاط بالعناية الإلهية، المبشر بعذاب أعدائه، الموعود بيسوع مخلص، والمنتظر لمجده، وأما تاريخ غيرهم فعادي لا قداسة فيه، ونفس هذه العناصر تبناها القديس أوغسطين في المسيحية من خلال مفهوم مدينة الله، والمسيحية تنظر للقرون قبل المسيح على أنها فترات تمهيد وإعداد لظهوره، وبظهوره تجسد الوجود الإلهي عن طريق الحلول، وهنا يدخل الإله في التاريخ، ثم تأتي فكرة الفداء لتبدأ فترات الوعد الإلهي الخاص بالخلاص النهائي للبشر.

فنظرة المسيحية للتاريخ تركز على حركته أو ديناميكيته التي تعتمد على سلطان الله، وتتجه لتحقيق غايتها عبر المجتمع الديني، وفكرة الحلول جعلت للتاريخ معنى، وتجعل ما فوق التاريخ داخل في التاريخ ذاته، لكن المعنى المسيحي للتاريخ يحصر الإنسان في دائرة الديانة المسيحية، فالتاريخ بدون المسيحية يفقد معناه تماماً.

نظرة الإسلام إلى التاريخ
يرى الإسلام غاية من الخلق تتجلى بمعرفة الله وعبادته، وغاية للخلق في الإفصاح عن مكامن الصفات، والتعبير عن الطاقات والملكات والظفر بالنهاية بما يتلاءم مع الطاقات والصفات، وهذه غاية ثنائية ينظر لها فردياً وينظر لها جماعياً، ويرى الإسلام أن ثمة اساساً ثابتاً لمجموعة من القوانين التي يخضع لها التاريخ يمكن من خلالها تفسيره وربط العلة بالمعلول “سنة الله”، فدمار الأمم وانهيار الدول له تبرير موضوعي في القرآن، ونفس الأمر للفرد، فقارون وهامان وفرعون والمصلحون نماذج بشرية توضح قوانين وسنن إلهية، فالثبات التاريخي في الإسلام هو في القانون الإلهي وهو الذي يمنح التاريخ وحدته، وهو ما يمكن الباحث من فهم التاريخ وتعليل حوادثه، فالانتكاسة المادية يمكن دراسة أسبابه التاريخية وتعليل ذلك عقلياً وفوق كل ذلك القانون الإلهي أو السنة الإلهي، فللتاريخ معنى دون الحاجة للحلول والاتحاد، ونفس الأمر ينطبق على الانتعاش المادي والروحي، فثمة مقومات موضوعية وراءها خلفية من حكمة إلهية، والإنسان الذي يصنع تاريخه إنما يفعل ذلك باستمداده طاقاته وملكاته التي هي من صنع الله، فالجانب الإلهي غير مباشر، وهناك دور مباشر خفي لا يحسه إلا ذوو البصائر.

فكما للأمم أيام وليال، لله أيامه ولياليه التي يسفر فيها انتصار مبادئه وقوانينه تحقيقاً لوعده أو وعيده، ومصطلح أيام الله، وردت في الماضي والحاضر في نصوص القرآن، ونظراً لتخلل الأثر الإلهي في التاريخ ونظراً لحتمية القانون الإلهي نرى ابن خلدون يسمي كتابه العبر، فنظر الإسلام للتاريخ تحمل بذور الانتماء للتراث، والتنبؤ بالمستقبل في أقرب صور موضوعية للطاقة البشرية، ولا تغفل الحاضر.

ثانياً: تغذية النزعة التفاؤلية
فالنظم الفكرية التي اتخذت صفة الدين فيما بعد كالبوذية مثلاً، نظرتها للعالم في خصائص مثل التعاسة والحزن والامتلاء بالآلام والعبور والانتقال والخداع والخلو من الروح والمعنى، وسبب ذلك أن العالم عابر لا قرار له، فهو فيض مستمر للحوادث المتتابعة، أي أنه عابر زائل.

وهنا برز سؤال عن الألم والمعاناة والشقاء والتعاسة والسبل للخلاص من ذلك، والخلاصة أن التجهم والعبوس وقسوة الصورة القاتمة تخيم على الكون في نظرة البوذية، وهي لا تقل تشاؤمنا عن كثير من المذاهب الحديثة التي تجعل الحياة داء شفاؤه العدم.

بينما يرى الإسلام أن الحياة لو كانت نمطاً واحداً لما وجدت فرصة لاختبار معادن الناس واستخراج طاقاتهم، والمحن تصقل النفس الإنسانية وتستثير مقومات صمودها وبذلك تسترد ابتسامتها رغم المحن، والحياة مليئة بروعة الوفاء، وصور البطولة، وسحر النغم، وجمال القبة الزرقاء، فإغفال ذلك ليس نزيهاً.

وقصر فترة الحياة مدعاة لاغتنام كل ثانية بكل مفيد يطور الحياة، فهي نظرة تتسامى على اتجاهات الانغماس والإسفاف في النظر للحياة، ومن الواضح أن التشاؤم عائد لعدم الاعتقاد في إله مدبر يرعى خلقه.

وينبه الإسلام أن في المصائب أوجه خير خافية {لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم}، بل ينبه أهل البلاء قبل نزوله ليوطنوا أنفسهم ويستعدوا له {ولنبلونكم بشيء من الخوف…وبشر الصابرين}

فالخير والشر في نظر الإسلام وسيلتي ابتلاء {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، فالأصل أن لا تنال من الإنسان شدة، ولا يطغيه رخاء، فهو يسعى في ثقة دون بطر ولا كبر.

ثالثاً: ربط العلم والفكر والأخلاق
ربط العلم بالأخلاق صمام الأمان الذي يحفظ الحضارة الإنسانية، ويصون الكرامة البشرية، وللأسف فالعلم التجريبي اليوم لا تعنيه القيم ولا يهمه الإنسان، لذلك لا يدرك حقيقة الإنسان ومكانته.

رابعاً: تأصيل الذات وربطها بالمبدأ الأعلى
فلكل الناس اعتقاد حتى الملحد منهم حيث يعتقد فساد الاعتقاد، فهو اعتقاد سلبي، ومعلوم أن الأفكار حول الإله تتفاوت ضعة وسمواً في تاريخ البشر، ولذلك نرى ضرورة انبثاق التجديد من الإسلام لأن فكرة الألوهية تفوق ما سبقها وما تلاها من أفكار، فنحن نستبعد الأنماط البدائية لأنها انحرافات ضاربة في القدم بعكس من يراها الأصول الأولى لفكرة الألوهية،  فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يكن وجوده صدفة، بل له خالق يرعى خلقه.

وفي صفات الإله نجد أن الروح الدينية الناضجة في الفترة الكلاسيكية اليونانية، مع استبعادها الملامح الخيالية عن الآلهة؛ فقد احتفظت بصفات مثل التشخص والتفكير والشعور والحياة الروحية على النمط البشري، فالشبه بين الإله والإنسان أساس لقيام علاقة بينهما، ومع أرسطو تلاشت عناصر الإيجابية والتأثير الذي ينبغي أن يكون للإله، واختفت بذلك مبررات التقرب والتأسي بما يرسم من مبادئ أو يسن من قوانين، فأجل عمل للإله عند أرسطو هو التأمل لذلك جعل التأمل قمة السعادة لأن الإنسان يتشبه بالإله، وفي اليهودية والمسيحية اختلط المفهوم السماوي بإضافات متدرجة بعدت عن الأصل، فصفات يهوه تقريبا هي صفات اليهود، ومعضلة التثليث في المسيحية، مع تعميم الذنب والخطيئة، من أعظم التصورات الخاطئة، ولم تكن صفات الكمال المطلقة، مع التنزيه عن مشابهة الحوادث، إلا في تصور الإسلام.

وفي ختام هذا المبحث يؤكد الدكتور جعفر على ضرورة تبادل العون بين المناهج المختلفة لطالب التجديد، وينبغي الوعي باستعمال كل منهج في جانبه فالمنهج التجريبي يصلح للتجارب الحسية، لكن لا ينبغي تعميمه لتناول موضوعات لا تتصل بالمعطيات الحسية ولا سيما المتصلة بالجانب الم��تافيزيقي، فتبادل العون بين المناهج يعتبر عاملاً أساسياً لإثراء الحياة الفكرية.

وآخر ما يؤكد عليه الدكتور جعفر في هذا الباب ضرورة أن يوضع بالحسبان أن النظام الفلسفي الجديد ينبغي أن ينبع من صميم بيئتنا وفي إطار يدل على عمق إدراكنا لذواتنا وحقيقتنا الإنسانية، وهذا يقتضي تتبع العناصر الأصلية في تراثنا حول النموذج الإنساني واستكمالها أو تعديلها، ولا بد من مراعاة معالجة مشاكلنا الحقيقية، لا المشكلات المفتعلة البعيدة عن واقعنا.




الأصالة في الفكر الإسلامي

تعرفت على الدكتور محمد كمال جعفر رحمه الله أثناء اشتغالي على بحث الماجستير، وأسفت لأني لم أسمع قبلاً باسمه. وبالرغم من أنه قامة علمية وفكرية إسلامية وله العديد من المؤلفات الرصينة، إلا أنه غير معروف حتى لدى بعض أساتذتي مع أنهم في نفس تخصصه العلمي.

حاولت حينها التعرف أكثر على الرجل، فلم أجد سيرة ذاتية له، وكان مما علمته أنه حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج العريقة، وأنه عمل أستاذاً في كلية دار العلوم بمصر، وعمل كذلك رئيساً لقسم العقائد والأديان في جامعة قطر في ثمانينيات القرن الماضي، ووجدت أن العلامة القرضاوي ذكره بخير وأثنى عليه في سيرته “ابن القرية والكتاب”، وللرجل كتابات جادة بأسلوب سلس قلما يبرع به مؤلف، غير أنه كما لاحظ الأستاذ محمد يوسف عدس رحمه الله –مترجم كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش- يكاد لا يذكره أحد اليوم، وهو الذي كانت تفيض حياته بالحيوية والنشاط الفكري، ولطالما أشار إليه الباحثون في رسائلهم الجامعية، وهو نفسه أشرف على ما يقرب من ثلاثين رسالة جامعية، وناقش رسالة الدكتور محمد عمارة وأجازه، ومقال الأستاذ عدس عنه يستحق التأمل في تقصيرنا بحق هذه القامة العلمية التي غيبها الموت، لكن نتاجها باق يمكن الإفادة منه في كل وقت[1].

ومن خلال مطالعاتي لبعض كتبه أحببت المساهمة بنشر بعض معالجاته لبعض المواضيع، واخترت القضية التي صدَّر بها كتابه “في الفلسفة الإسلامية: دراسة ونصوص“، حيث بدأ في التحقق من أصالة الفكر الإسلامي الذي تعرض لهجوم من بعض المستشرقين، حيث استخفوا به ورأوا أنه جامد لا يتطور، أو أنه عرضة للتغيرات المستمرة، لكن بعض هؤلاء الدارسين أنصف فلاحظ أن أسلوب العرب في البحث أكبر ما يكون في إطار الرواية والوصف، لذلك احتل التاريخ والجغرافيا المقام الأول في أدبهم، وبصفتهم أصحاب ملاحظة دقيقة ومفكرين مبدعين فقد أتوا بأعمال رائعة في حقلي الرياضيات والفلك، ونجحوا في وضع قواعد اللغة من صرف ونحو بشكل محكم.

عقيدة القدر
على أن بعض تصورات الغربيين عن واقع الفكر الإسلامي لم يكن دقيقاً وربما شابه التناقض، ومثال ذلك ما ذهب إليه أ. ميلر الذي ادعى أن جمود الحياة الفكرية عند المسلمين ناتج عن موقف سلبي نتيجة لعقيدة القدر، هذه العقيدة التي قيدت الحياة الفكرية بقيود حديدية ثقيلة يصعب التخلص منها، وبذلك يتجاهل الكاتب الجانب الحق لعقيدة القدر التي تمنع تعثر طاقات الإنسان التي يمكن أن تتحطم على صخرة العناد والحقد على طبقات المجتمع، أو تشوش الذهن ليتصور خلو النظام والأحكام من الغاية والهدف. نعم هناك من أساء فهم هذه العقيدة وبرر عبرها مظالمه وخموله.

لكن ذلك لا يعود لجوهر العقيدة، وليت ميلر وأمثاله تأملوا فترة النشاط الفكري الإسلامي في قرون عديدة في ظل عقيدة القدر، فهي لم تحد من نشاطهم أو تقلل من جهودهم، بل إن الاحتجاج بهذه العقيدة لم يكن إلا في عصور الانحطاط والجمود حيث وفرت للهمم المتقاعسة والعقول الجامدة خير ملاذ، وأما في العصور الزاهية فكانت عوناً على اعتدال الإنسان، ومشجعاً على احتمال النوائب لاستئناف الكفاح.

العنصرية
والحقيقة التي ينبه لها الدكتور جعفر أن أصول هذه النزعة عند بعض الباحثين الغربيين، مردها عنصرية عبر عنها أرنست رينان بزعمه أن العقلية العربية عقلية جزئيات، لا تعي سوى المنثورات المتباعدة، ولا يمكنها استنباط قضايا عامة أو قوانين كلية أو نظم شاملة، فهذا وقف على العقل الآري الذي ينزع بفطرته إلى التأليف والتركيب، وبالتالي الإحاطة والشمول وإدراك الكليات بكل دقة وإمعان، حسب زعمه.

ويتوقف الدكتور جعفر مع رأي ابن خلدون الذي قد يشكل مبرراً لآراء بعض المستشرقين عن العرب، فقد أشار ابن خلدون إلى أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم، إلا في القليل النادر، وبعض هذا القليل عربي في قبسته، لكنه عجمي في مرباه ومشيخته، ويضيف ابن خلدون: “إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الفساد”، ويفهم من كلام ابن خلدون أن من كان هذا شانه فلا ينتظر منه إبداع في الفكر أو العلم.

وسبق أن دافع بعض الباحثين عن كلام ابن خلدون وأنه لم يقصد ما ذهب إليه المستشرقون، فالعلوم تكثر في الحضر لأنها صناعة، والعرب حينها أبعد عن الصناعات لأنهم أقرب إلى البدو، وأكثر الحضر في ذلك الوقت من العجم؛ ولهذا كان أكثر حملة العلم منهم، وأن ابن خلدون كان يقصد بالعرب البدو الرحل منهم، والحقيقة أن هذا التعليل كما يرى الدكتور جعفر لا يعفي ابن خلدون من الشطط في الحكم الجائر المعمم بحق العرب، وكان عليه أن يحدد ألفاظه بدقة ويشرح غرضه بصراحة، وإذا سلمنا بأن ابن خلدون قصد البدو لا كل العرب، فكيف نسلم له في حكمه أن العرب إذا تغلبوا على أوطان اسرع إليها الفساد؟! هذا بالرغم من أن التاريخ يشهد ببطلانه وتهافته، فكثير من الحواضر التي فتحها العرب ازدهرت ونمت فيها الحضارة، ولنا أن نقارن قرطبة في عهد العرب ثم في العهد الذي بسط الأوربيون سلطانهم عليها، فمن الجامعات والمكتبات والمعامل إلى محاكم التفتيش التي يشيب لها الولدان.

ويتابع الدكتور جعفر أن الحضارة العربية الإسلامية نفسها كانت ضحية لهجمات غشوم من أجناس متعددة كالتتار وغيرهم، ويكفي أن نتصور ما حل ببغداد في أزهى عصورها على يد المغول، حيث أحرقت مكتباتها وتلون ماء النهر من مداد هذه الكتب.

بدو من الجزيرة العربية

لذلك فالعرب بالإسلام كانوا دعاة عمران وحضارة لا حرباً عليها، والحقيقة أن ما بينه الدكتور جعفر يمكن أن يعارض بالقول إن ابن خلدون كذلك قصد بعض القبائل العربية البدوية التي هاجرت في الفترة التي عاش بها من المشرق للمغرب وعاثت فساداً في بعض المناطق التي حلت بها، وهي ذات الفترة التي عاش بها ابن خلدون وشهد على انحطاط الواقع حينها، ونحن نتفق مع الدكتور جعفر في إشارته لعدم تحديد ابن خلدون وضبطه لعباراته في هذا المجال.

العرب والفكر
وبالعودة لموضوع الفكر الإسلامي في رأي يعض الغربيين، فقد ادعوا أنه مجدب لأنه لم ينتج فلسفة أو نظاماً فكرياً شاملاً كما فعل اليونان، والفكر عند العرب لم يعرف إلا بعد ترجمة الفكر اليوناني، ويفسرون ذلك بأن طبيعة الدين الإسلامي لم تكن مشجعة على التفكير، لأن الأحكام والأفكار في الإسلام حاسمة، يتلقاها المعتقدون بها دون مناقشة، ويسلمون بها دون التعليق عليها، ويستشهدون بالحديث “تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا” وفهموا أن هذا الحديث ينهى عن التفكير في الإلهيات التي تشكل جزءاً هاماً من الفلسفة.

ويوضح الدكتور جعفر أن هذا الحديث يأمر بالتفكير في الجزء الأول، وينهى عنه في الجزء الثاني، فالأول تفكير في الخلق والكون والظواهر الكونية، والثاني في الذات الإلهية، فالحديث لا ينهى عن التفكير لكنه يوجهه ويرشده ولا يحجر عليه، فالحديث دعوة لعدم تبديد الطاقات في محاولة استكناه الذات الإلهية واستيعاب طبيعتها المقدسة لأن ذلك ليس في متناول العقول، ولن يخرج الإنسان منه بنتيجة، ولم يكتف الحديث بذلك، بل وجه للوجهة الصحيحة التي ينبغي التركيز عليها، ولعلنا إن تأملنا الحشد الفلسفي الضخم الذي تناول جانب الذات لم يخرج بنتائج حاسمة أو يقينية، بينما تطورت العلوم حين توجهت إلى ظواهر الكون.

وقبل ذلك فلا يمكن لأحد أن يتهم القرآن الكريم –أوثق المصادر الإسلامية- بمعاداة الفكر أو تقييده وتحريمه، بل إنه لم يعف أحداً من مزاولته، ويعرض الدكتور جعفر أمثلة متعددة لذلك، منها سوق حجج المخالفين بكل دقة وأمانة، والرد عليها بالمنطق السليم وقوانين الفطرة السليمة، ويبين أن القرآن مليء بما يثير الانتباه وينشط العقل ويدعو إلى التحليل والتفكير والنقد، وينهى عن التقليد والانصياع الأبله.

وبالعودة لكلام بعض الغربيين حول غياب النظام الفلسفي عند العرب قبل الإسلام، وبعده حتى ترجمت كتب اليونان، يبين الدكتور جعفر أن ذلك لا يعود لطبيعة العقلية العربية لأنها أثبتت لاحقاً قدرتها على الإبداع وإثراء الفكر البشري بما قدمت من إنتاج، لكن الظروف العربية لم تكن تتطلب نظاماً فلسفياً كاملاً فحياة التنقل والرحلة لم تشكل مجتمعاً متكاملاً تتبلور في الرؤى الفلسفية العامة، فالحِكَم والخبرات العملية التي اكتسبوها في حياتهم أدت دورها بنجاح عندهم، وأرضت مطالبهم، وسدت حاجاتهم القريبة، وحين ظهر الإسلام تطلبت المرحلة نمطاً يظهر فيه السلوك والعمل أكثر من ظهور النظر، فالدعوة بمراحلها الأولى كانت بحاجة إلى نخبة من القادة العمليين الذين يطبقون الدين ومثله أكثر من مزاولة التأمل المجرد.

وكلام الدكتور جعفر هذا ذكرني بالتفريق الذي ساقه العلامة دراز في كتابه “الدين” بين الدين والفلسفة، وخلاصته أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما، وغايتها المعرفة، ومطلبها فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به، وغايته الإيمان، ومطلبه روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

ثم يشير الدكتور جعفر لتبدل الحال العربي نتيجة لدخول أقوام إلى الإسلام من أديان أخرى ولا يتصور أن ينسوا معتقداتهم في يوم وليلة، ومع إثارة الشبهات من أعداء الإسلام، حمل ذلك علماء الإسلام على اللجوء للأدلة العقلية لتفنيد الشبهات بالأدلة العقلية، وهنا تفتقت الطاقة العقلية في المحيط الإسلامي بإنتاج علم الكلام الذي يمكن أن يتلمس فيه أصالة الفكر الإسلامي، فعلم الكلام في صورته الأولى نتج عن الظروف الطبيعية للمجتمع حينذاك، قبل ترجمة الفكر اليوناني أساساً.

إن أحد أبرز أسباب النظرة الغربية المشوهة عن الحضارة الإسلامية كما يقرر الدكتور جعفر؛ سببها شعورهم بالعلو والتفوق والتعالي، وهو ما حدا بالمستشرق ج. ل. سترنج بأن يعلق على رفض ياقوت الحموي –صاحب معجم البلدان- تصديقه لقصة الفارس الساحر البغدادي بقوله: يندر جداً أن يبدو ياقوت بهذا التعقل وهذه الرصانة!

وبالعودة للفكر في السياق الإسلام يلاحظ أن المؤلفين المسلمين حملت كتبهم طابعاً فيه أسلوبان، تخصصي تفصيلي استقصائي في موضوع محدد، وموسوعي يستعرض ألواناً عديدة لكنها مترابطة، مما يعني أن الفكر الإسلامي قادر على التحليل والتركيب ويثبت كفاءته في تناول الجزئيات ثم يربط بين المتفرقات ويصوغ النظم والقوانين والمفاهيم والمناهج العامة.

ومثل ذلك حال الفلسفة الإسلامية أي النمط الفكري الذي انطلق في البيئة الإسلامية ابتداء من الكندي في المشرق إلى ابن رشد بالمغرب، وإسلاميتها هنا محط نقاش بلا شك، وإن كنا نتساهل في ذلك باعتبارها جزءاً من الحصيلة الفكرية لأفراد عاشوا في أرض الإسلام، وتنسموا أريج الحرية التي أتاحها، وكتبوا باللغة التي نزل بها كتابه، لذلك فلا حرج من وصفها بالإسلامية بهذا المعنى، وإن لم يعن أن هذه الفلسفة تمثل بالضرورة وجهة نظر الإسلام الخالصة، أو أنها ثمرة المسلمين وحدهم.

وقد اجتمع لهذه الفلسفة ما اجتمع لغيرها من النظر العام والكلي الشامل، والموضوعات والمشاكل التي يتصدى لها، كقضايا الألوهية والخلق، وأهم ما سعت له التوفيق بين النقل والعقل، بين سبيل الحكمة وسبيل الشريعة، كما تناولت قضايا فلسفية كبرى وخرجت بنظريات عامة عن الوجود والمكان والمادة والزمان والحركة والحياة والمعرفة والسعادة وغيرها.

وهذا الاستيعاب ناتج عن كون الفلسفة في ذلك الزمن أم العلوم، ولم تنفصل عنها الكثير من العلوم كما هو حال عصرنا، لذلك كانت موسوعية.

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

وأما ميادين الفكر الإسلامي فيمكن تلمسه في أربعة ميادين متميزة:

أولها: علم الكلام، فهو الميدان الذي شهد باكورة عقلية من بواكير الفكر الإسلامي، وفيه نظرات لا يعوزها العمق الفلسفي.

وثانيها: أصول الفقه، الذي حوى القواعد المنهجية والتحاليل المنطقية مما يجعلها ذات طابع فلسفي، مما يبين مقدار العقل على التنظيم والتقسيم والتحليل والتركيب في مجالي الاستنباط والاستقراء، فهو علم يحمل الخصائص المعيارية التي تجعله بالنسبة للتشريع بمثابة المنطق للفلسفة، لذلك سبق المسلمون الغرب باكتشاف المنهج الاستقرائي.

وثالثها: التصوف، الذي له ثلاثة جوانب أحدها عملي والثاني وجداني والثالث نظري فكري من خلال مقولات تحوي نظرات للقضايا الغيبية والنفسية والأخلاقية.

ورابعها: في مجال الفلسفة، وهنا نلتقي مع من عكف على الفلسفة اليونانية بالرغم مما صاحبه من أخطاء فكرية.

لذلك من يختزل الفكر الإسلامي بهذا الأخير (مجال التفاعل مع الفلسفة اليونانية) فلن يصل إلى تقييم سليم ولا بد له من النظر لهذه الميادين الأربعة.

والفلسفة في السياق الإسلامي، نقدت الفلسفة اليونانية، كنقد منطق أرسطو مثلا، حيث اتبع الفلاسفة المنهج الاستقرائي بديلاً للقياس، وإن سموه بنفس الاسم أي القياس، وقد يكون من الممكن اعتبار قضية قِدم العالم كما عالجتها الفلسفة الإسلامية نقطة التميز عنها في الحالة الغربية التي تتردد بين من يقول بالحدوث ومن يقول بالدهرية، ولعل ابن سينا أول من طرح قضية التفريق بين واجب الوجود، وممكن الوجود، وبين ما عليه الوجود في الواقع بالنسبة لما سوى “واجب الوجود”، حيث يمكننا على رأي ابن سينا أن نلاحظ أن ما سوى “واجب الوجود” إذا نظر إليه في نفسه كان “ممكن الوجود”، وإذا نظرنا إلى حقيقة وجوده بالفعل، وتعلق هذا الوجود بـ”واجب الوجود” كان واجب الوجود بغيره، تمييزاً له عن واجب الوجود بنفسه، فوجوده هنا لا بد أن يكون أثراً لغيره وهو “واجب الوجود” وهذا تصور لم يعرف في السياق الغربي.

ولا شك أن الفلسفة الإسلامية كما اشتغل أعلامها كانت مادة للاستفادة من طرف الفلسفة المدرسية المسيحية، وقد درس عدد من الباحثين نماذج من ذلك كالمقارنة بين توما الأكويني وابن رشد، وبين ابن عربي واسبينوزا، على أن إثبات هذا التأثير ليست غايته إرضاء مشاعرنا، بل لنكشف عن حقائق مطمورة في ثنايا الفكر الأوربي صريحة النسب للمسلمين، فانتقال الأفكار إذن دليل على أن الفكر لا يعرف السدود ولا الحدود، والحديث هنا عن التأثير والتأثر في إطاره المعقول وليس كما حوله البعض لحمى تسمى التأثير والتأثر، حيث انقلب هذا المفهوم إلى مرض لا يتخلصون منه، ويحكمون به بمجرد التشابه، ونحن لا نقبل بإثباته إلا مع ثبوت صلات تاريخية فعلية توثقها المستندات.


[1] انظر كلام الأستاذ عدس كاملاً من خلال هذا الرابط
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=528970333806821&id=172634092773782