alsabeel img 1780247075 1088

من حبوب الهلوسة إلى السبي… دعاية أطلقها الأسد ويلوكها الفلول

د. إبراهيم إسماعيل

باحث في الأديان والفلسفة والتيارات الفكرية

من الجيد أن ينأى الناس بأنفسهم عن نموذج آل الأسد، وأن يعلنوا أنه لا يمثلهم وإنْ تترّس بهم، لأن من يفعل غير ذلك؛ فإنه يربط سمعته بواحد من أكثر الأنظمة الإجرامية انحطاطًا في تاريخ البشرية، ممن لم يترك وسيلة إجرامية إلا ارتكبها، فقد قتل بالساطور وبالسارين وبالبرميل وبالصاروخ وبالألغام والسوط، وببقر البطون واستخراج الأمعاء، وتلذَّذ بانتهاك الأعراض، وشتم المقدسات، وهدم المساجد والمدارس، وفجّر الأسواق والمستشفيات، وغدر برفاقه حين انتهت مهماتهم، وتاجر بكل محرّم، وبنى ثروة زبائنها شبابٌ فتك بهم بالكبتاغون والحبوب المخدرة حتى ضجّ الإقليم من أذاه وقذارته، وصار اسمه مقترنًا بالقمع والجريمة والانحطاط، فلا يكاد يُذكر إلا ويُلعن هو وسلالته، وتستدعي بذكره صور المعتقلات والبراميل والابتزاز والسموم التي أفسدت الإنسان والمجتمع معًا.

بين فعل الأسد.. والتبرؤ منه.. ما اللازم؟

لم يفعل الأسد ذلك منفردًا، فقد كانت لديه قطع عسكرية، وأجهزة أمنية، وشبكات مصالح، وقاعدة شعبية وإعلامية مكّنته من التمادي إلى هذا الحد، ووفّرت له الغطاء الذي تسلط به على الدماء والأعراض والبلاد.

على أن التبرؤ منه بالكلام يبقى أحاديث تلوكها الألسن، ويُحْسِن قولها أي أحد، أما المواقف الحقيقية فإنها تختبر تلك الدعاوى وتكشف صدقها من زيفها، فمن يتستر على جلاوزة نظام الأسد؛ ليس له أن يدعي أنه بريء منهم. ومن يستعمل الدعاية الأسدية التي ابتكرت مقولات تعاطي المتظاهرين حبوب الهلوسة، وافتراءات جهاد النكاح، وتهم بيع الجواري واتخاذ السبايا، ويكررها بين الحين والآخر؛ فليس له أن يدعي أنه بريء منهم؛ بل هو غارق بوعيه بل وبـ لاوعيه في “جاموقتهم” (حفرة تجميع قذورات وفضلات العناصر في القطع العسكرية، وكانت وسيلة عقاب للجنود السوريين بغطسهم فيها)، لا سيما أنه يعيد إنتاج قاموسهم، ويتنفس مناخهم الدعائي، ويسهم في تدوير الأكاذيب التي صُنعت لتبرير تصفية خصومه وتشويه سمعتهم.

الكلام الآتي ليس موجهًا لتلك الحاضنة الأسدية، التي تتهم خصومها بما تعهده من سلوكها، وبما شبّت عليه وشابت، حتى أصبحت ترى العالم بعين تجربتها الأخلاقية الملوثة، ولكنه من باب التذكير ببعض البدهيات في الفكر الإسلامي والتاريخ الإنساني معًا.

ظاهرة الاسترقاق والسبي.. إحاطة عاجلة

كان الرق والسبي من أقدم الظواهر الاجتماعية التي عرفتها البشرية -الشرقية منها والغربية- وقد ارتبطت تاريخيًا ببنية العلاقات القائمة على القوة في سياقات الحروب والسيطرة، حيث كان الأسر بعد الحروب يُنتج أنماطًا من الاستعباد تُدرج ضمن النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد في تلك العصور. وقد استمر هذا النمط قرونًا طويلة، وكانت حضارات الأرض المختلفة تتعامل معه باعتباره جزءًا من البنية الطبيعية للعلاقات الاجتماعية آنذاك، وفي كتب الأديان السابقة على الإسلام ما يشير إلى وجود هذا الواقع وتداوله ضمن أنظمة اجتماعية كانت تميز بين الجماعات وتضع أحكامًا مختلفة للأسرى، مما يعني أن الظاهرة كانت نظامًا بشريًا عامًا، تجاوزه العالم الحديث بعد مسارات طويلة من التحولات.

وفي هذا الإطار التاريخي العام جاء الإسلام، والرق واقع اجتماعي راسخ لا يمكن إلغاؤه بقرار فجائي دون إحداث خلل عميق في البنية الاقتصادية والاجتماعية القائمة آنذاك. ولذلك خلت تعاليم الإسلام من أي دعوة لتكريس الرق أو توسيع دائرته، بل اتجه التشريع الإسلامي إلى مسار إصلاحي تدريجي يقوم على تضييق منابع الاسترقاق، وتقليل آثاره، وفتح أبواب واسعة لعتق الرقاب.

لم يجعل الإسلام الرق قيمة دينية، ولا مظهرًا من مظاهر الفضيلة، ولا حالة مثالية يراد تثبيتها، بل تعامل معه باعتباره وضعًا طارئًا مرتبطًا بظروف الحرب وما بعدها، وربطه بمنطق المعاملة بالمثل في الحروب، مع التشديد المستمر على أن الأصل في الإنسان هو الحرية والكرامة.

ومن هنا جاءت التشريعات التي تجعل العتق كفارة في عدد من المخالفات، وتجعله قربة دينية، وتحث على الإحسان إلى الرقيق، وتقضي على الفوارق الاجتماعية بينهم وبين الأحرار في القيمة الإنسانية والحقوق الدينية، حتى أصبح الاتجاه العام في المنظومة الإسلامية هو تضييق نظام الرق لا التوسع فيه، ولذلك قالوا إن الشرع يتشوف إلى القضاء على الرق، أي إن روحه العامة ومساره التشريعي يتجهان إلى إنهائه لا إلى تكريسه.

وفي القول المنسوب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”، تلخيص عميق لتصور أخلاقي راسخ يرى أن الحرية هي الأصل الفطري للإنسان، وأن الاستعباد ليس حالة طبيعية مستقرة، بل وضع طارئ فرضته ظروف تاريخية معينة، وأن كرامة الإنسان وحريته تسبق كل أشكال الهيمنة والقهر.

وبكل الأحوال فقد أحسنت البشرية حين تجاوزت نظام الرق التقليدي، لكن “الإنسان المتحضر” الذي أنتجته الحضارة المادية الحديثة أعاد إنتاج الرق والاستعباد بأشكال جديدة تختلف في المظاهر، كما أنها تلتقي مع الرق القديم في النتيجة، لا سيما مع مظاهر تسليع الإنسان في بعض الأنظمة الاقتصادية والاستهلاكية، وكذلك ظواهر الاتجار بالبشر، واستغلال الفئات الضعيفة وخاصة النساء، حيث تتحول الأجساد إلى أدوات دعاية وربح.

والعجيب أن هذا النمط من الاستعباد الحديث يُقدَّم اليوم بقالب متحضر، ويُسوَّق باعتباره منتهى الرقي الذي وصلت إليه البشرية، حتى صار التكشف يتعالى على التستر، وصار المتحفظ على العلاقات المنفلتة تُختلق له تهم ذات إيحاء ديني أو أخلاقي، من قبيل تهمة جهاد النكاح، أو اتخاذ السبايا والإماء، بقصد تشويه سمعته، وصناعة صورة نمطية تنزع عنه الأبعاد الأخلاقية.

ما الهدف من هذا التحشيد العدائي؟

يسعى مطلقو تلك التهم إلى تشكيل صورة ذهنية مشوّهة عن خصومهم، تعينهم على ذلك مراصد المكنة الإعلامية التي تعيد إنتاج الروايات ذاتها، وتضخّها بصورة متكررة حتى تتحول الأكذوبة مع الزمن إلى ما يشبه الحقيقة الراسخة، وهي الآلية نفسها التي اعتمدتها الدعاية الأسدية في توصيف الثورة السورية وخصوم النظام البائد، حين مزجت بين التدنيس الأخلاقي، والتشويه الجنسي، والتوصيف الإرهابي، لتبرير القمع، وإرباك الرأي العام، وإفقاد الضحية تعاطف الناس.

ولذلك فلا بد من تجريم خطاب الدعاية الأسدية، والكف عن استعماله، وعلى حاضنة الأسد التي تدعي بلسانها أنها لم تكن معه أن تكفَّ عن التذاكي ومحاولة قلب الأدوار بين المجرم والضحية، فالمجرم الذي يعرف الاغتصاب وحبوب الهلوسة، وامتهان كرامات البشر؛ أبعد الناس عن أن يصور نفسه ضحيةً لهذه الأشياء، وأبعد الناس كذلك عن امتلاك أي أهلية أخلاقية تخوله اتهام غيره بها.

شارك المقال
Exit mobile version