د. جلال سلمي
حواجز أو لعلها معوقات يكابدها في أحضان ذويه تفقده الفرص، وأحيانًا تنهال عليه خطابات دونية، ولا يهم مصدر هذه الخطابات إن طالته بلسان أفراد مجتمعه أو من قبل أفراد مجتمعٍٍ آخر كارهين لهويته؛ العاقبة وخيمة في كلا الحالتين.
أمورٌ كهذه وقعها خطير ونهايتها عويصة، حيث تتسبب بفقدان الفرد لثقته بنفسه وبهويته وثقافته، كما أن غياب الثقة بالنفس يُفضي إلى اختلاجات نفسية تنتهي بفاقدها في غياهب جلد الذات بأقذع الكلمات وأبشع العبارات وأقبح التصرفات، فيصبح هذا ناقمًا على كل ما يمت لمجتمعه بصلة، ويُمسي مؤيدًا لكل أخرٍ يناكف هويته الأصلية سواء سياسيًا أو ثقافيًا أو اقتصاديًا بل وأمنيًا وعسكريًا.
على أرض القارة الأوروبية، في أروقة أحزاب اليمين المتطرف ينشط أفرادٌ أصولهم عربية مهاجرة ولهم جماهير من بني العرب مناصرة، صوتُ هؤلاء الأفراد وهذه الجماهير من نصيب اليمين المتطرف حصرًا. غريبٌ أن هؤلاء يناصبون العداء لحاملي الهوية العربية، وهنا يتساءل كثيرون لماذا يصوت بعض العرب في أوروبا لليمين المتطرف المعادي لهم؟
كره الذات.. داء عقيم علاجه معقد
تأمل الصورة قليلًا!
تكاد هذه الصورة تجسد إحدى زوايا الذاكرة الثقافية لتاريخ بلاد المغرب، في هذه الصورة؛ بغض النظر عن دافع المواطن المغربي الماثل في الدائرة البيضاء، يصوب جنود فرنسيون نيران أسلحتهم نحو متظاهرين، بينما يهم مواطن مغرب بإكرامهم بالشاي.
لوحةٌ غريبةٌ فعلًا؟ ماذا يمكن أن يكون دافع هذا المواطن لهذا الأمر الذي يحمل ملامح الخيانة الوطنية؟
في طيات الذاكرة الثقافية لكفاح شعوبٍ عربيةٍ اُحتلت سابقًا؛ المغرب والجزائر وتونس وفلسطين اليوم، تواردت قصص خيانات شنيعة أقدم عليها أبناء البلد المحتل لمناصر من يحتلهم على أبناء بلدهم.
طبيب أعصاب نفساني وفيلسوف اسمه فرانتز عمر فانون “Frantz Omar Fanon”، عمل بعمق للإجابة عن دوافع الخيانة المتأتية من كُره الذات.
فانون من ذوي البشرة السوداء، ينحدر من جزر المارتنيك الواقعة شرق البحر الكاريبي وتتبع للسيادة الفرنسية حتى يومنا هذا، بطبيعة الحال يرى أن هناك من يخون من أجل المال أو طمعًا بمنصب، لكن الخيانة أو كره المجتمع الذي ينحدر منه الفرد بدافع كُره الذات، أمرٌ يحتاج التدبر، وهذا ما همّ عليه الطبيب النفسي فانون.
أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر؛ المعروفة بأنها بلد التضحيات في سبيل الاستقلال، شغل فانون منصب رئيس الأطباء في مستشفى الأمراض النفسية في مدينة البليدة شمال الجزائر، ورغم أنه فرنسي الجنسية، إلا أن فانون لم يمضِ كثيرًا حتى انضم إلى صفوف الثورة الجزائرية لمواجهة التنكيل الفرنسي بحق أهل البلاد.
خلال نشاطه في صفوف الثورة، استغل فانون طابعه الفلسفي في دراسة علاقة المستعمِر والمستعمَر بما يشمل تأثير الاستعمار ثقافيًا على صاحب الأرض، لا سيّما فيما يتعلق بجزئية تقديس بعض أصحاب الأرض للمستعمِر ومناصرته حد الخيانة تحت وطأة كره هؤلاء لأبناء جلدتهم وثقافتهم الأم. وفي نهاية مطاف أبحاثه، أصدر فانون كتابًا باسم “معذبو الأرض” ملخصًا بين طياته خلاصة دراسته الميدانية والنظرية التي قصد من خلالها تفسير ما يجول في خاطر العملاء أو المتعاونين بأي شكلٍ من الأشكال مع المستعمر أو الآخر مطلقًا مصطلح كراهية الذات ” Self-hatred”.
كراهية الذات وصفها فانون بأنها متلازمة نفسية تهيمن على عقل أفراد نتيجة عوامل متداخلة يكره بسببها الإنسان لنفسه وبيئته وأصله وهويته، والعامل الأساسي في إصابة الفرد بهذه المتلازمة يكمّن في وجود عدم ثقة بنفسه. عدم الثقة ينتج عن نقص حبٍ في الصغر أو تثبيطٍ وإقصاءٍ من قبل الأسرة والبيئة المحيطة أو فشلٍ في العلاقات الاجتماعية أو الاعتقاد بفشله في تحقيق ذاته والحصول على المكانة التي ينشد أو فقدان الفرد لعوامل تحصنه وتدفعه صوب تبني مجد هويته من ناحيةٍ ثقافية ولغوية وقيّميّة وتاريخية وجغرافية؛ وهذه العوامل تتموضع في مسيرةٍ تعليميةٍ سويّةٍ واستقرارٍ اقتصاديٍ سياسي، حيث أن عدم انغراس هذا المجد في ذهنه منذ الصغر يجعله عُرضةً للدعاية الاستعمارية أو العدائية المحقرة لأصله، وبالتالي يصبح كارهًا لذاته.
الفرد الفاقد للثقة بذاته وبقيمه ينبت على كره أبناء مجتمعه، وعلى قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه يغدو هذا الفرد غير قادر على حب هويته، ما يحرفه متقهقرًا نحو معاونة عدوه أو كاره قيّمه ضد أبناء مجتمعه راغبًا في الاستقواء بهم للدفاع عن نفسه ضد مجتمعه؛ وفي مسألة كراهية الذات تتحمل الأسرة والمدرسة والدولة؛ وكل جزئيات المجتمع قسمًا كبيرًا من المسؤولية في نشوئها.
كراهية الذات يتمخّض عنها سلوكيات مهينة عديدة، كالخيانة أو احتقار الذات أو النقد اللاذع المليء بكراهية ذوي جلدته، وبعض هذه السلوكيات عدائية تتجسد بإلحاق الضرر المتنوع والمتفاوت للمجتمع.
وفي هذا المقام، يُشار باللهجة العامية إلى هذا الأمر بمصطلح “عقدة الخواجة”؛ حيث يظهر كثيرون بلباس الوطنية لكنهم في الحقيقة مقَدرون للمتربص الأجنبي أو لكل من هو خارج مجتمعهم محبِطون لابن وطنهم؛ وهؤلاء هم العلة التي تهدم كل هوية ووطن. بالنسبة لهؤلاء؛ الطبيب الأجنبي أفضل من المحلي، وكل من يأتي من الخارج، تحديدًا الغرب، جيد، حتى ولو كان قذرًا، فهو أجنبي وبالتالي أعلى شأنًا من المحلي؛ احتقارٌ للذات بغلافٍ وطني أو فكريٍ أو فلسفيٍ مزعوم. أفراد هذه الظاهرة يتنكرون لثقافتهم وهويتهم، بل وينتقدون كل ناجحٍ ويحطمون أحلامه ويقزمون إنجازاته مهما علا شأنها، ولا يكتفون بذلك بل يتعاملون مع أبناء مجتمعهم على أنهم أغبياء بالمطلق مشككين بدوافع المجتهدين وغاياتهم. أبناء هذه الظاهرة يدّعون الانتماء لكنهم في تركيبة ذاتهم رافضون له؛ لأنهم ينظرون أن مجتمعهم لا ينفع في شيء بل يضر، لذلك من الطبيعي أن يتصدر الأجنبي؛ بمذماته قبل حساناته، على أي ناجحٍ من أبناء مجتمعهم. وقسمٌ كبير من هؤلاء مغروسٌ بدعمٍ خارجي.
نقطة نظام لا بد منها؛ الاستفادة من التراكم العلمي الإيجابي للغرب أو أي حضارةٍ أخرى لا يُصنف ضمن “عقدة الخواجا” بطبيعة الحال. ما يُشدّد عليه هنا هو أن الاستفادة من تفوق الآخر وتوظيفه بما يتناغم مع قيّم المجتمع الأم لهو أمرٌ حميد، لكن أن تحمل هذه الاستفادة على كره المجتمع الأصل فهذا يندرج ضمن كره الذات. ويُستفاد هنا من قول الروائي الألماني إريك ماريا ريمارك “Erich Maria Remerque” الذي يقول: “الكراهية أحد أنواع الحوامض التي تتلف النفس“. وإتلاف النفس بالتخلي عن الهوية الأم لا يرفع الشأن عند المتزلف بهم، فالتاريخ أثنى على المعتزين بهويتهم المدركين لوجودهم الذاتي والتاريخي بحسب ما يذكر المفكر التركي ورئيس وزراء تركيا السابق أحمد داود أوغلو في كتابه الحضارات والمدن.
توجهات بعض العرب لمنح أصواتهم لليمين المتطرف
إذا كان كارهو الذات في مجتمعاتهم يضربون هوياتهم باحتقار الذات، فشيمة كارهي الذات في الغرب سيحكمها الجلد الشنيع لهذه الهوية، ولا عجب.
الناشط السياسي والمجتمعي السوري المقيم في أوروبا سامر فهد منكبٌ على متابعة الملف السياسي للأحزاب الألمانية والأوروبية عمومًا. وقد رصد فهد للملف خرج بخلاصة مفادها: “الانضمام إلى أحزاب اليمين المتطرف من قبل أفراد قدموا من الوطن العربي يعود بالأساس إلى ضعف البصيرة الذي يعدّ عامل كره الذات أحد عوامله الرئيسية”.
في ضوء ما يذكره فهد، فإن هناك عدة أسماء عربية أو عاشت بين أحضان المجتمع العربي؛ مثال ذلك قيادات في هذه الأحزاب من قبيل كيفورك الماسيان من حلب وحسام بطرس من مصر، انضمت إلى أحزاب اليمين المتطرف انطلاقًا من تمسكهم بالهوية الأوروبية ربما لعدم حصولهم على مستوى جيد من الحياة أو شعورهم بالتعرض للإقصاء في وطنهم الأم أو خشيةً على خسارة ما اكتسبوه كمهاجرين في أوروبا بداعي أن موجات جديدة من اللجوء ستفسد مكتسباتهم المنفعية والاندماج الثقافي الذي نجحوا في تسطيره ولن ينجح القادمون الجدد في تحقيقه، فهؤلاء الجدد، بحسب رؤية الماسيان وبطرس، ليسوا مؤهلين علميًا وثقافيًا للاندماج في المجتمع أو من ناحيةٍ أخرى على الأغلب يخشى من هم على شاكلة الماسيان وبطرس، من شيوع ذات العادات والتقاليد والثقافة المرتبطة بالوطن الأم في أوروبا، إذ يعتقدون أن ثمة فجوة ثقافية أصبحت قائمةً بينهم وبين الذي سيأتي حديثًا، حيث إن الذي يأتي مؤخرًا لا يزال على طباعه وعاداته وانتماءاته التي منها يتوجسون.
تقديرات صحفية ليست رسمية بأن هناك ما يقارب 1٪ من مجموع المهاجرين القادمين من البلاد العربية باتوا ناشطين أو مناصرين لأحزاب اليمين المتطرف. وهذه النسبة صوّتت مؤخرًا في انتخابات برلمان الاتحاد الأوروبي وانتخابات فرنسا.
قسم كبير من هؤلاء عبر عن تخوفه الواضح من موجات اللجوء المتلاحقة. إذا هي متلازمة نفسية تسيطر على عقل بعض الأفراد على نحوٍ يصبح لديهم كره لذوي أصله وهويته، وقد أشار بعضهم إلى أنه عانى كثيرًا في إثبات ذاته والحصول على فرصة مناسبة إبان عيشه في تونس ومن ثم في ليبيا، ولم يحقق المنشود إلا في أوروبا، ولا يريد أن يخسره لذا يصوت لأحزاب اليمين المتطرف.
الطيف الأكبر من النسبة المذكورة تمحور تبريرها حول تخوفهم أن القادمين يمكن أن يثيروا غضب وحفيظة الأوروبيين، حيث إنهم لا يندمجون بسهولة ويشكّلون تهديدًا للهوية والثقافة الأوروبية. وهنا تفوح رائحة التسليم لدعاية اليمين المتطرف العدائية ضد المجتمعات العربية، على أساس أنها ليست جديرةً بالقدوم إلى أوروبا لانعدام المهارة الحرفية والخبرة العلمية والعملية لديهم، كما أنها مجتمعات “متخلفة” في شتى الجوانب. الغريب هو تبني عديد من المهاجرين العرب هذه السردية. فهي عقدة الخواجة التي تدفع بعضهم إلى السير في ركب الأجنبي على أساس أنه هو أصل الحضارة والخبرة
ولا عجب في ذلك؛ فربما وجد منهم ما افتقده في بلاده الأصلي من حقوق ومساواة وتنمية واستقرار.
الأمر هنا بمثابة المعضلة الشائكة؛ فلا تعرف هل هناك ما يبرر لكاره مجتمعه توجهه هذا أم أن كاره الذات يبالغ في كره الذات ومجتمعه؟ وفي كلا الحالتين؛ الأجدى استغلال المهاجر إلى أوروبا موقعه الجديد في إصلاح هويته وتحسينها دون تخلي أو جلد للذات.
خاتمة
ثمة سمة ظاهرة في كثير من البيئات العربية؛ مهما ظهر التقدم في بعض أنحائها، وهي خروج الكفاءات منها، وطمس هويات كثير منهم لانتماءاتهم بتسطيح المضمون؛ فالانفتاح في قاموس وذهن بعض القيادات العربية محوره الليبرالية الغربية المشوهة بحريات الفردانية التي تحط من الهوية العربية ووسمها بالتخلف عن ركب الحضارة؛ وذلك مغاير للحقيقة، وهناك بعض الدول العربية التي تقوم على القمع، ولا تمنح مساحة الحريات إلا لبعض المراكز والمؤسسات التي تضمن لها سيولة الدعم الغربي. وهذا إلى جانب غياب القوانين والثقافة المشجعة للفرد من لحده حتى مهده في تحقيق ذاته والمحتضنة للهويات المتنوعة، يشكّلان الخلاصة في نشوء كره الذات لدى المواطن العربي الذي يبقى عددٌ منهم على هذه الصفة بعد مكوثه في دولٍ أوروبية أو غربية.
بشكلٍ ما، أوجد المفكر الفيلسوف أنطونيو غرامشي حلًا لهذه المعضلة عبر دعوته لتبني معيارٍ اجتماعيٍ يناهض الهيمنة الثقافية الخارجية المسلطة على مجتمعٍ ما بوسائلٍ مختلفة. وفيما يُنتقد غرامشي في دعوته إلى تبني وسائل سلطوية إن استدعت الحاجة، إذ أن ذلك يمكن أن يهوي بقدرات المجتمع ويخمدها على نحوٍ يولد كرهًا للذات في نهاية المطاف، إلا أن دعوته لفكرة تحديد معيار اجتماعي يحيل الأمر إلى مؤسسات المجتمع المدني. من خلال عمل مؤسسات المجتمع المدني على تعزيز إدراك الذات والخلفية التاريخية والقدرات الإنتاجية الكامنة للمجتمع، يمكن منح أفراد المجتمع الفرصة التي يصبون إليها وكذلك من الممكن تعزيز روح المجد الذاتي في نفوسهم، وإلا حالة التشظي وكره الذات ستبقى معمرةً في منابت المجتمع المختلفة.

