برز دور النساء بشكل أكبر في السنوات الأخيرة في كثير من المجالات المهنية والمناصب الإدارية والقيادية، وازداد تمثيل النساء في غالبية المجالات العامة والاجتماعية، خاصة المجالات التي كان يختص بها الرجال دون النساء، فعلى سبيل المثال في منظومة الأمم المتحدة شكلت النساء 44% من التعينات في رتبة الممثل الخاص للأمين العام أو نائب الممثل الخاص[1].
مع ترقّي النساء بالرُّتب وتمكنهنّ من كثير من المناصب، صدحت أصواتهنّ بشعارات نصرة المرأة وتمكينها والتكلم باسمها والدفاع عن حقوقها، وفي المقابل صُوِّرَ أي استحواذ لمركز قيادي من قبل امرأة وإن لم تكن أهلاً له، بوصفه انتصارًا لجميع النساء، مما يقتضي الاحتفاء به والتصفيق لصاحبته، فمثل هذا الإنجاز هو إثباتٌ بالنسبة لهنّ على مقدرة المرأة على أن تحقق ما يحقّقه الرجل عادةً، الذي لطالما نظرت إليه عدوًّا وندًّا لها، وفي الوقت ذاته مثلها الأعلى التي تسعى لأن تكون مثله، وما إن استطاعت المرأة أن تفعل ما اختص به الرجال، صارت بذلك وكأنها وصلت إلى أعالي القمم واخترقت سقف التوقعات، وحققت بالنسبة للنساء نصراً يُقربهنّ من هدفهن المنشود في تحرير المرأة.
تراجع النضال النسوي
ترى كثيرًا من النسويات بأن النساء القياديات وصاحبات المناصب الرفيعة استحوذن على المكاسب واستفدن لوحدهنّ من الجلوس على طاولة صنع القرار وطمعن بالمغانم التي يضمنها لهنّ النظام الأبوي، فعلى الرغم من تزايد التمثيل النسائي في المراكز والمؤسسات إلّا أنّ ذلك لم يكن مؤثراً فاعلاً يدفع بالنضال النسوي إلى الأمام، مما يضع علامات استفهام حول الدور الحقيقي للقياديات.
يستنكر عليهن بعض النسويات خفوت نضالهن باسم المستضعفات، وتحوله لشعارات يخدمن به أغراضهن السياسية، فتحول المنصب لهدف في ذاته لا وسيلة توظّف في الدفاع عن حقوق النساء، وتزايدت الانقسامات في صفوف النسوية بسبب تراجع الدور السلمي النضالي لمن ترأّسن القيادة في التخفيف من وطأة الحروب وخاصة الجارية منها في غزة، وعدم توظيف قوتهنّ في نصرة المرأة الفلسطينية والتي تتعرض لأسوأ ما يمكن أن تتعرض له امرأة، فأعظم ما قدّموه للفلسطينية هو ذكرها في معرض الحديث عن المرأة الإسرائيلية وما تعرضت له في 7 أكتوبر، وجلّ ما نشاهده من إثارة للرأي العام من قبل بعض النسويات يتعلق بأمور ثانوية كتأمين وسائل النظافة الشخصية خلال الحرب، مع عدم التواني عن اتهام الرجل بعدم اهتمامه بأبسط شؤون النساء خلال الحرب، فيبدو جليّاً لنا وكما أسلفنا في المقال السابق أنّ السلام تختلف تعريفاته ومفاهيمه لديهم بحسب المصالح، والشعرة الفاصلة بين من يستحق أن يَقتل ومن يستحق أن يُقتل هي نوع الجنسية والعرق والدين والجغرافية.
القياديات وتغذية الحرب
لا بد من التنويه إلى أننا بذكر النسوية أو التيار النسوي لانشمل تحت مظلته جميع النساء، وإنما يُقصد به فئة تستفيد من اسم المرأة في تحقيق مصالحهم الشخصية، ولا يمكن بالطبع إنكار وجود نساءٍ برزن بمواقفهن المشرفة، أما الغالبية العظمى منهن فقد اخترن الصمت، وثمة عدد لا بأس به اشتهرن بمواقفهن ضد السلام المؤيدة للحرب والقتل، وسيشهد التاريخ لأكبر تجمهر للنساء القياديات يتغذى على دماء الضعفاء ويستمتع بمشاهد قتل النساء والأطفال، ويقف إلى صف المجرم والمغتصب دون خجل، ضاربات شعارات تحرير المرأة والعالم من الظلم عرض الحائط.
سيسجل التاريخ قبح مواقف بعضهن الصادمة والمفاجئة، ومن أبرز تلك المواقف كان لـ (أنالينا بيربوك)، وزيرة خارجية ألمانيا وعضوة في حزب الخضر التي تهتم بملفات حماية المناخ، وتحقيق العدالة والسلام، وحقوق الإنسان، وتدافع بقوة عن حقوق المرأة، التي تعتبرها مقياساً لحالة أي مجتمع من المجتمعات، حيث عززت بيربوك الاهتمام بالسياسة النسوية الخارجية، وأعادت صياغة مبادئها لدعم حقوق النساء دون أي اعتبار لفرق العرق واللون والدين والجنس في العالم، وقد سبق أن قدمت دعماً للنساء في إيران الرافضات للحجاب، ولكن وعلى النقيض تماماً امتنعت بيربوك عن التصويت لتأييد قرار الأمم المتحدة في إيقاف إطلاق النار والقصف في غزة، ودعمت بشكل كبير قرارات دولتها في دعم إسرائيل وقالت في إحدى زياراتها الأخيرة لمنطقة الشرق الأوسط لتقييم الأوضاع هناك: “لإسرائيل الحق والواجب في الدفاع عن نفسها ضد الإرهابيين، ولكن يجب عليها خلال عملياتها العسكرية أن تحمي المدنيين بشكل أفضل”[2]، ما عرضها لموجة من الانتقادات لتهاونها في أرواح المدنيين.
أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين صاحبة أعلى سلطة في المجلس الأوروبي المكون من 27 دولة، سارعت إلى زيارة إسرائيل لتقديم الدعم لها وأيدتها في حقها المزعوم في الدفاع عن نفسها.
وقد أدت التصريحات المثيرة للجدل لوزيرة الداخلية البريطانية برايفرمان إلى خسارتها منصبها، برايفرمان هي من أصول مهاجرة وتنتقد المهاجرين، فقد وصفت المظاهرات المؤيدة لفلسطين بمسيرات الكراهية التي يجب على الشرطة إيقافها لأنها تنشر الكراهية في شوارع لندن.
وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية غيلا غامليل، تقول في مقابلة لها: “سنذهب حتى النهاية ونفعل كل ما بوسعنا للقضاء على المخربين، وليفهم كل من فكر بالتعامل مع إسرائيل بهذه الطريقة بأنه سيدفع من دمه ورأسه”.
سفيرة إسرائيل في المملكة المتحدة في مقابلة لها، تسيبي هوتوفلي تقول: إن كنت أمّا فستفعلين أي شيء لحماية أطفالك، وكذلك تفعل إسرائيل هي تحمي أطفالها، ولا يوجد أزمة إنسانية في غزة، علينا أن نحارب الشر، نحن نهاجم عدواً ولا يمكننا التحدث عن السلام الآن.
نيكي هايلي السفيرة السابقة الأمريكية في الأمم المتحدة، والمرشحة لرئاسة الجمهورية، المدافعة عن إسرائيل بشراسة، انسحبت من اجتماع لمجلس الأمن لمجرد أن بدأ مراقب الأمم المتحدة الدائم للأراضي الفلسطينية بالتحدث عن عمليات القتل في غزة.
وقد تصدرت مشاهد المذيعات الأجنبيات البريطانيات والأمريكيات مواقع التواصل الاجتماعي لتعاملهن اللاأخلاقي مع ضيوفهن المدافعين عن فلسطين، وكانوا يتعمدون مقاطعة ضيوفهن وتضليل الجمهور والصراخ والهجوم وقطع المقابلات وكثرة التشويش على الضيف، وقد تجاهلوا بكل وقاحة قصص الضحايا في غزة.
وقد شارك النساء بأنفسهن في الحروب، فإسرائيل تجند بشكل إجباري النساء في الجيش والتي تصل نسبتهن إلى 33% من جيش الدفاع الإسرائيلي، وقد ظهرت للمجندات فيديوهات مريضة يتحدثن بقلب نزعت منه الرحمة عن قتلهن للأطفال والمدنيين الفلسطينيين بدم بارد.
النسوية فكر ينهار
والتصريحات المخجلة والحاقدة النسائية والتي تبقي فتيل الحرب مشتعلاً كثيرةٌ لا يتسع المقام لذكرها، فقد خرجت حرب غزة لترينا الوجه الآخر للنساء، الوجه الجشع المجرم الذي ظهر جليّاً الآن وهن ما زلن بعد في بداية طريق النضال النسوي فلنا أن نتخيل شكل العالم إن انفردوا في الحكم.
ما زال العالم الغربي بعد كل هذه التصريحات النسائية الحاقدة يمارس كذبه علينا بأن النساء هن من سيقدن العالم للسلام، وما زال بعض دعاة الحداثة والتنوير في الدول المسلمة وبعض الدعاة المتأسلمين يصدقون ويهللون للفكر النسوي، وعلى الرغم من الإشارات التي تلوح لنا من المستقبل لما عاثه الفكر النسوي بالدول الغربية فساداً، والتي كثرت بين منظراته ومنظريه الانقسامات والخلافات، ومع انهياره شيئاً فشيئاً وتراجع ثقة الشعوب الغربية به، إلّا أنّنا نأبى إلا أن ننادي بهذا الفكر الخبيث ونحذو حذوهم وندخل جحر الضبّ الذي دخلوه.
هل ثمة شر في النساء؟
جبل الله النساء على العطف والرحمة واللين لحكمته في خلقه سبحانه ولدورهن التربوي والزوجي والاجتماعي الذي يحتاج كل مشاعر الحب والرأفة، واختص الله الرجال بالشدة والقدرة على التحمل والحزم لدورهم الذي قدره الله لهم، ولكن لكل قاعدة استثناء فقد ذكر الله في كتابه الكريم صوراً لنساء امتزن بالشر واستحققن العذاب لشناعة أخلاقهن كامرأة أبي لهب وامرأة لوط ونوح الذي ضرب الله فيهن مثلا بالكفر.
إن الشر ليس مختصاً بالرجال كما أن الخير ليس مختصاً بالنساء، وكم من الرجال امتازوا برحمة فاقت رحمة كثير من النساء! وكيف ندّعي بأن النساء في المطلق أرحم من الرجال مُطلقاً وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم أرحم الناس وأُرسِل رحمة لهم! أما الرحمة فهي كلها لله ولا تطلب إلا من رب الناس، لا من الناس رجالاً كنّ أم نساء، فالله سبحانه وتعالى الذي يضع الرحمة في قلوب من يشاء وينزعها ممن يشاء.
وإن كانت حجة النسويات بأنهن مكبلات بالقوانين التي صاغها الرجال، وبأن التحول للنظام الأمومي بقوانين نسائية خاصة هو الحل للسلام، لكنها تبقى قوانين بشرية ناقصة وفاسدة تحتكم لأهواء البشر نساء ورجالاً وليست قوانين إلهية معصومة من الخطأ، ولن يقلل ذلك أي شيء من الظلم والجور والحروب، وقد تتولد مشاكل أخرى وحروب من نوع آخر لا ندري عنها.
لقد أثبتت بعض الشواهد التاريخية على أن النساء لم يكنّ مسالمات دائماً وقد أشعلن حروباً وقدن نضالات عنيفة[3] وقد كتبت سوانويك في (مستقبل الحركة النسائية) “أود أن أتبرأ تماما من الافتراض السائد في الحديث النسوي في الوقت الحاضر، بأن الرجال كانوا محض همج أحبوا القوة البدنية، وأن النساء وحدهن كن متحضرات ومتمدنات، فلا توجد أي دلائل على حقيقة ذلك لا في الأدب ولا عبر التاريخ” [الجزيرة، مقال مترجم][4]
إذا صلحت العين صلحت سواقيها
يقول العرب إذا صلحت العين صلحت سواقيها، فإن صلح مرجع الحُكمِ صلح الحكم وإن فسد مرجع الحكم فسد الحكم، ولا يهمّ عند ذلك جنس الإنسان ودينه وعرقه، ولوكان مسلماً لإن حكم بالطاغوت كان حكمه فاسداً ظالماً مستبداً، فلن يسود العدل والأمان مالم يقم شرع الله وحُكمه، شرع الله الذي لا يفرّق بين قتل الفرد والكلّ، فقتل النفس الواحدة عند الله جل جلاله يساوي قتل الناس جميعا، وشتّان بين حكم ملك الملوك الذي يأمر بالإحسان كما جاء في كتابه العزيز:{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون} [النحل:9] وما بين حكم الشياطين تعالى الله عن ذلك.
إن حكم الشيطان يشرع التعاطف مع من يريد فحسب، ويوجب القتل على من يريد، يستحق الحياة من بنظره يرقى لبني البشر، ويستحق الموت من هم دون ذلك، تحركه المصالح والأهواء الشخصية، وإن انتقم كان انتقامه انتقام التشفّي، مسرفاً في القتل، مُهلكاً للبشر، مُدمراً للحجر، ناسفاً للتاريخ والحاضر والمستقبل، ولو ظهر علينا أصحابه بحلّة المتحضرين وتكلموا بأرق العبارات وأظهروا الرحمة والتعاطف لكنهم هم العدو فلنحذرهم!
[1] بحث: زيادة التمثيل النسائي بين وسطاء السلام: نماذج القيادة التعاونية من أجل ضمان المساواة، هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تأليف: كاثرين تيرنر وكريستين بيل، 2020.ص3
[2] Foreign Minister Baerbock prior to her departure for Israel, the Palestinian territories, Egypt and Lebanon
07.01.2024 – Press release. Federal Foreign Office.
[3] هل سيسود السلام العالم إذا حكمته النساء؟، ميدان، الجزيرة، فريق الترجمة. 20/2/2018
[4] المصدر السابق


