تُعدّ مرحلة ما بعد الاستقلال في العالم العربي لحظةً مفصلية في التاريخ السياسي والفكري الحديث، إذ تحرّرت الأوطان جغرافيًا من قبضة الاستعمار الغربي، لكنها ظلّت خاضعة له فكريًا واقتصاديًا وثقافيًا. وذلك بسبب إنجاز استقلالات “جغرافية” لا فكرية، إذ بقي النفوذ الغربي ممتدًا عبر أدواتٍ أكثر نعومةً وأشدّ تأثيرًا أبرزها التعليم، والاقتصاد، والنظام السياسي، وأنماط التفكير.
في هذا الإطار، يمكن القول: إن كثيرًا من المفكرين والنخب السياسية في العالم العربي والإسلامي باتوا أبناء فكريين أو تلامذة أوفياء للمدرسة الفكرية والسياسية الغربية، سواء في المرجعيات النظرية أو في النماذج العملية التي يتبنّونها لإدارة الدولة والمجتمع.
الاستبداد.. حجر عثرة أم أزمة مستمرة
لقد مثّل الاستبداد والتبعية معًا السجن الذي قُيّد فيه العقل العربي، ومنعا عنه القدرة على الإبداع السياسي، فأُغلقت أمامه مسارات التفكير الحرّ والنقد البنّاء والاجتهاد الحضاري. إذ قطعت هيمنة الأنظمة المستبدة والمرجعيات الوافدة الطريق أمام أي مشروع فكري محليّ يسعى إلى بناء نموذج سياسي بديل يستمدّ روحه من القيم الإسلامية وينفتح على مقتضيات العصر في الوقت ذاته. وهكذا، ظلت النخب السياسية والفكرية في الغالب محصورة في إطار النقل أو الترجمة، تعيد إنتاج الرؤى الغربية في لبوس عربيّ أو دينيّ دون أن تقدّم إضافة حقيقية أو مراجعة نقدية عميقة.
إنّ الزعم بأنّ معظم أطروحات النخب السياسية في المنطقة ليست سوى إعادة إنتاجٍ للطروحات الغربية، زعمٌ معتبرٌ ومسنود بالتجربة التاريخية. فالمفكر العربي أو الإسلامي الذي يعمل ضمن الأنظمة الفكرية والسياسية الراهنة يشبه المحامي الذي يُتقن التعامل مع القوانين الوضعية التي صاغها غيره، لكنه يفتقر إلى سلطة تعديلها أو استبدالها.
فهو يمارس فكرًا “مسموحًا به” داخل حدود المنظومة المهيمنة، دون أن يمتلك حق مساءلة جذورها أو تجاوزها. وحينما يجرؤ بعض المفكرين أو الفقهاء على تقديم اجتهادات شرعية أو فلسفية تتجاوز السائد السياسي والقانوني، فإنهم يصطدمون بـ”حراس المنظومة” من البيروقراطيين والأمنيين وأصحاب النفوذ الذين يحرسون البنى الوضعية حمايةً لمصالحهم واستمرار تبعيتهم.
كيف نشأ العقل العربي الحديث؟
لقد نشأ العقل العربي الحديث في مدارس السياسة والاقتصاد والإدارة المستوردة من الغرب، فتعلم كيف يُتقن لغة هذه المنظومات، ويتعامل مع مصطلحاتها، ويفكر وفق منطقها. لكنه، في المقابل، فقد القدرة على تجاوزها أو مساءلتها. ومع توالي العقود، تراكمت طبقات من الخضوع الفكري والتطبيع مع القوالب الجاهزة، فصار الحديث عن نموذج سياسي أو اقتصادي مبدع يستند إلى المرجعية الإسلامية أقرب إلى “الطوباوية” في نظر كثير من النخب. بل إنّ بعضهم –كما في أطروحة “الدولة المستحيلة” لوائل حلاق– ذهب إلى حدّ القول إنّ استعادة نموذج سياسي إسلامي معاصر أمر متعذر ضمن الشروط الحديثة للدولة القومية، ما يعكس عمق الأزمة التي أنتجها هذا الافتقار إلى الحرية الفكرية والجرأة الإبداعية.
بحثا عن الإبداع السياسي.. كيف ومتى؟
إنّ الإبداع السياسي لا يولد في بيئة القمع، ولا ينمو في ظلّ ثقافة التبعية. فحين يُحاصَر التفكير الحرّ، وتُجرّم الاجتهادات الخارجة عن النسق الرسمي، يُصاب العقل الجمعي بالشلل، ويتحوّل المثقف إلى موظّف، والمفكر إلى مفسّرٍ لأوامر السلطة أو مترجمٍ لأفكار الغرب. ومن هنا، فإنّ أزمة الفكر السياسي العربي ليست أزمة نصوصٍ أو مصادر، بل أزمة حريةٍ وجرأةٍ ومسؤوليةٍ معرفية. فالشريعة الإسلامية تمتلك من المرونة والثراء ما يكفي لإنتاج تصورات سياسية وأخلاقية معاصرة، لكنّ القهر السياسي والتبعية الثقافية عطّلا طاقتها الاجتهادية، ووأدا محاولات التأسيس لنماذج بديلة.
لقد آن الأوان لطرح أسئلة جذرية حول صوابية تفرد النموذج السياسي للدولة الحديثة، وحول حتميّة تبنّيه وتطبيقه بوصفه النموذج الأوحد لتنظيم المجتمعات. هل الدولة القومية المركزية ذات المرجعية العلمانية التي فرضها الاستعمار تمثل نهاية التاريخ السياسي؟ أم أنّ بالإمكان بناء نموذج مغاير يستلهم القيم الإسلامية في الشورى والعدل والكرامة والحرية، ويستفيد من مكتسبات الحداثة دون أن يقع أسيرًا لها؟ إنّ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لحضارةٍ تبحث عن استئناف فاعليتها في التاريخ.
ولا شكّ أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب مراجعةً نقديةً شجاعة للنماذج الغربية ذاتها. فالنموذج الديمقراطي الليبرالي الذي يُقدَّم بوصفه معيارًا كونيًا ليس خاليًا من التناقضات أو الأزمات، إذ يعاني من هيمنة رأس المال، وتفكك القيم الأسرية، وتهميش البعد الأخلاقي في السياسة. كما أنّ ادّعاء العالمية الذي تحمله الدولة الحديثة قد ارتبط فعليًا بنزعات الهيمنة والإقصاء، لا سيما في تعاملها مع العالم غير الغربي. ومن ثمّ، فإنّ الإيمان الأعمى بتفوق هذا النموذج يشكل عائقًا أمام انبعاث أي بديل حضاري من داخل المنظومة الإسلامية.
على طريق التحرر الفعلي والفكري
إنّ التحرر من الاستبداد لا يتحقق فقط بإسقاط الأنظمة القمعية، بل أيضًا بتحرير الفكر من التبعية ومن وهم النموذج الواحد. فالنهضة الحقيقية لا تُستورد جاهزة، بل تُبنى على الاجتهاد المحلي المستنير، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويستحضر التجربة التاريخية دون أن يقيد بها المستقبل. وما لم تستطع النخب العربية والإسلامية أن تتجاوز حالة “المثقف المأذون له” إلى فضاء الإبداع الحرّ، فستظل تدور في حلقةٍ مفرغة من التكرار والتبعية.
ختامًا
يمكن القول إنّ الاستبداد والتبعية يشكّلان وجهين لعملة واحدة: الأولى تُكبّل الإرادة، والثانية تُعطّل الفكرة. وما لم يتحرر العقل من كليهما معًا، فلن يتمكن من الإبداع أو من صياغة مشروع حضاري متكامل.
إن المستقبل لا يُبنى بنسخ النماذج الغربية أو بإعادة إنتاج الفشل الاستبدادي المحلي، بل بإحياء ملكة الاجتهاد والإبداع التي كانت دومًا سرّ نهوض الأمة الإسلامية. واستعادة هذه القدرة تمثل التحدي الحقيقي أمام الفكر العربي المعاصر، وتشكّل الخطوة الأولى نحو الخروج من سجن الاستبداد والتبعية، حيث يقبع الإبداع مكبّلًا بين القيود والرقابة، ينتظر من يحرّره.

