الحسني ياسين
تحول الاتصال في العصر الراهن إلى ما يشبه الصنم الذي يُعبَد في محراب الحداثة السائلة، حيث لم يعد مجرد وسيلة تقنية لنقل المعلومات أو تقريب المسافات، بل صار غاية في حد ذاته، ويوتوبيا تحظى بإجماع عالمي نادر، تنطوي على رهانات وجودية تعيد صياغة الكائن البشري وبنيته الاجتماعية من العمق.
في مقاربة للدكتور هشام المكي، الأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حول الاتصال في العالم المعاصر، نراه تجاوَز النظرة التبسيطية التي تحصر إشكالات الإعلام في المحتوى الأخلاقي، للغوص في بنية الاتصال ذاتها وتأثيراتها العميقة على ماهية الإنسان وقيمه، وهو ما يجعل مشروعه النقدي وثيق الصلة بفهم أبعاد هذه الصنمية معرفيًا واجتماعيًا ونفسيًا.
ما الفكرة؟
تعود الجذور الفلسفية لصنمية الاتصال، في تحليل المكي، إلى التحولات الإبستمولوجية التي شهدها القرن العشرون، وخصوصًا مع بزوغ السيبرانية ونظرية المعلومات، حيث لم تكتفِ هذه النماذج العلمية بتفسير الآلات، بل امتدت لتفسر الواقع الإنساني والبيولوجي كله بلغة المعلومة والاتصال، ويوضح “هشام المكي” في دراسته “الإعلام الجديد والقيم”، كيف أدت السيبرانية إلى تسوية الإنسان بالطبيعة والآلات على أساس كفاءة تبادل المعلومة، فلم يعد الكائن الحي يعرَّف بروحه أو وعيه الميتافيزيقي، بل بمدى تعقد سلوك تبادل المعلومات لديه.
لقد أسفر هذا التحول عن ظهور ما أسماه “الإنسان الاتصالي”، وهو كائن يُختزل حصرًا في قدرته على الاندماج في الشبكة وسريان المعلومة عبره، فرد بلا داخل وبلا جسد، تُختزل هويته في تدفق البيانات. هذا الاختزال ليس مجرد تطور تقني، بل هو صنمية قوامها عبادة التدفق وجعل “البقاء على اتصال” هدفًا أسمى، بغض النظر عن مضمون الاتصال أو جدواه الأخلاقية.
وعلى مستوى الرؤية التقليدية الإنسانية، كان الإنسان يُفهم بوصفه كائنًا ذا أبعاد روحية وأخلاقية واجتماعية مستقلة، ينتمي إلى واقع مادي ومعنوي معقد يتجاوز الملاحظة التقنية، وتكون غاية التواصل عنده هي التفاهم وبناء المعنى وتحقيق التراحم، في حين كان الجسد ركيزة الوجود والحضور الفيزيائي والاجتماعي.
أما في رؤية ما بعد الحداثة الصنمية، فقد غدا الإنسان مجرد كائن تبادلي، محطة في شبكة معلوماتية، يُنظر إلى الواقع على أنه قابل للتفسير بالكامل عبر لغة المعلومة، وتصير الغاية من التواصل هي ضمان الجولان الحر للمعلومات وتحقيق الكفاءة التقنية فحسب، بينما يصبح الجسد عائقًا يتم تجاوزه لمصلحة الوجود الرقمي والافتراضي.
ركيزة الصنمية الاتصالية
ترتكز هذه الصنمية على أسطورة كبرى، هي يوتوبيا الشفافية والخلاص بالمعلومة، حيث يعتقد المؤمنون بها أن زيادة تدفق المعلومات والجَوَلان الحر للبيانات كفيل بتخليص المجتمعات من العنف والبربرية، وأن المجتمعات المفتوحة القائمة على الشفافية الاتصالية المطلقة هي وحدها الناجية من الفوضى والأنتروبيا، أي القصور الحراري الاجتماعي.
بيد أن المكي يفكّك هذا الوهم بعمق، مبينًا أن الكثافة الاتصالية كثيرًا ما تولد ضجيجًا يحجب المعنى بدلًا من أن يجلّيه، وأن التقدم التقني لم يقلص الصراعات البشرية بقدر ما أعاد صياغتها في قوالب جديدة قد تكون أشد خفاء وفتكًا.
مخاطر الصنمية الاتصالية
في سعيه لتجاوز النقد الأخلاقي الكلاسيكي المنصب على ماذا نشاهد من محتوى عنيف أو إباحي، ينتقل المكي إلى نقد أشكال الاتصال ذاتها، متسائلًا كيف يغير شكل الوسيلة قيمنا الجوهرية. ويرصد في هذا السياق تحولًا عميقًا طال قيمة الصداقة، ففي المجتمعات التقليدية كانت الصداقة تعني الملازمة والمؤانسة والتضحية المتبادلة، بينما تحولت في عصر صنمية الاتصال إلى صداقة رقمية يسودها المنطق النفعي والأداتي؛ فالصديق الافتراضي قد يوفر تسلية أو معلومة سريعة، لكنه يغيب تمامًا في لحظات الانكسار الوجودي والأزمات المادية الحقيقية، مما يخلق وهمًا بالأنس فيما تتعمق عزلة الفرد داخل الحشود الرقمية.
ولا يقل عن ذلك خطرًا تقويض قيم الجوار والصلات المكانية، حيث يؤدّي الانغماس في الوسائط الجديدة إلى إحلال قيم تعاقدية باردة محل قيم تراحمية دافئة، فيمتلك الفرد آلاف الأصدقاء الافتراضيين عبر القارات بينما يعيش قطيعة شبه تامة مع جاره في السكن. هذا التشظي الاجتماعي يفرز هويات غريبة تضيق بالجار الذي يشارك الفرد اللغة والدين والوطن، وتتسع للغرباء البعيدين الذين لا تجمعهم به سوى اهتمامات استهلاكية أو تقنية عابرة.
وحتى صلة الرحم، وهي قيمة دينية شديدة التجذر، خضعت لعملية تعديل قيمي قسري، إذ تفرغ المناسبات الدينية والاجتماعية من عمقها التراحمي من خلال تعويض اللقاء الجسدي المباشر برسائل نصية جاهزة في تطبيقات التواصل، ليتحول التواصل الإجرائي إلى مجرد تبادل للملفات الرقمية، مؤديًا إلى جفاف العواطف الأسرية وتآكل المعنى الحقيقي للقرابة، وينطبق الأمر نفسه على التضامن، ففي النمط التقليدي كان التضامن فعلًا ماديًا مباشرًا ومساندة واقعية، أما في الفضاء الرقمي فقد أصبح تعاطفًا رمزيًا عبر هاشتاغ، غالبًا ما يكون مؤقتًا وبلا أثر ملموس في الواقع المعيش.
احذر من إنهاك الاتصال
على الصعيد النفسي، يبرز في مشروع المكي مفهوم الإنهاك العقلي والنفسي بوصفه إحدى ضرائب عبادة صنم الاتصال، فيتساءل في مقالاته عما إذا كنا مؤهلين أصلًا للتعامل مع هذا الفيضان المتواصل من التنبيهات والرسائل التي لا تتوقف، فالتنبيهات المتلاحقة من تطبيقات التواصل الاجتماعي تشتت الانتباه وتبقي الدماغ في حالة استنفار دائم، وهذا ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو آلية تعيد صياغة العمليات الذهنية ذاتها، فيتراجع التفكير العميق والتأمل لمصلحة الاستجابة الفورية والمعالجة السطحية للمعلومات، فيصبح الإنسان ملحقًا بالآلة، يستجيب لنداءاتها التقنية أكثر مما يستجيب لنداءات واقعه المباشر. وفي هذا الوضع، يضيء المكي ظاهرة ضياع “الداخل” وتضخم “الخارج”، فالإنسان الاتصالي كائن يعيش في الخارج باستمرار، حيث يجب أن تُعرض كل تجربة حياتية مهما كانت حميمية وتُصور وتُبث حتى يُعترف بوجودها. هذا النزوع نحو العرض الدائم يمحو الحياة الداخلية ويجعل قيمًا كالصمت والتأمل والخصوصية مهددة بالاندثار في مجتمع يقدس الشفافية والحضور الشبكي.
وفي مقابل الدعاية التي تروج للإعلام الجديد كفضاء ديمقراطي مطلق، يتكشّف في فكر المكي وجه آخر للإقصاء ذي السند التقني، الذي يعيد إنتاج الطبقية بشكل أشد حدة. ففي المجتمع الافتراضي، الذي يقدس الاتصال، يصبح الشخص الذي لا يتقن لغة الحاسوب أو لا يمتلك القدرة الاستهلاكية لاقتناء أحدث الأجهزة مطرودًا من التاريخ، لا لحرمانه من المعلومة فحسب، بل لأنه يُقصى عن ممارسة المواطنة والاندماج الاجتماعي.
ومن هنا فإن صنم الاتصال يفرض شروطًا قاسية للدخول إلى محرابه، فيبني هوة سحيقة بين صفوة رقمية ومنبوذين تقنيًا. ثم إن الحرية المتوفرة في فضاءات التواصل ليست في جوهرها إلا حرية تحت الرقابة، محكومة بخوارزميات توجه الوعي دون أن يشعر الفرد، ووهم المشاركة الديمقراطية عبر اللايك والشير يغني الكثيرين عن النضال الواقعي الميداني، فيتحول الاتصال إلى أداة لامتصاص الغضب الاجتماعي بدلًا من أن يكون وسيلة للتغيير الحقيقي.
لماذا تغوّل الصنم الاتصالي؟
لا يقف المكي عند حدود التشخيص، بل ينتقل إلى بناء أطر معرفية وأخلاقية لمواجهة هذا التغول الاتصالي، كما يظهر في إشرافه على مشاريع بحثية من قبيل “دليل الوالدية الرقمية والإعلامية” وإدارته لـ “كرسي الألكسو للاتصال”، إن استعادة الأخلاق في الفضاء الرقمي، من خلال تفعيل مبدأ الأمانة العلمية والمسؤولية الفردية عن النشر، تمثل في نظره أولى خطوات تحطيم الصنم وإعادة الاتصال إلى حجمه الطبيعي كأداة إنسانية محكومة بالقيم.
من المنظور التربوي، يبرز مشروع الوالدية الرقمية والتوعية الإعلامية لتحصين الناشئة من الإدمان التقني، وعلى المستوى المعرفي، يلح على نقد الأبستيمولوجيا السيبرانية، والتمييز الصارم بين المعلومة والحكمة، وتفكيك أوهام اليوتوبيا التي تختزل الخلاص في التدفق المعلوماتي. أما على المستوى الاجتماعي، فإنه يدعو إلى إحياء قيم التراحم والجوار الواقعي والصلات الإنسانية غير المتوسطة تقنيًا، وهي قيم لا تستطيع الآلة محاكاتها. وهنا يتقاطع نقده مع مفهوم الحداثة السائلة حيث تمحي الألوان وتغيب الضوابط، فلا يتردد في الدعوة إلى استدعاء المعرفة المكتملة والعلم الحق الذي يستند إلى الأصول، لكن دون انغلاق عن العصر، فالحضور الحقيقي لا ينهض إلا على ساق قيم راسخة.
صنمية الاتصال إذن هي أزمة هوية قبل أن تكون أزمة تقنية. إن الانبهار ببريق الأدوات وإبهار السرعة يُحدث ذهولًا يمنع الإنسان من مراجعة ذاته، فنحن في مأزق حضاري كبير: إن كان الخروج عن العصر تقنيًا أمرًا لا يطيقه العقل، فإن اللحاق به لا ينبغي أن يعني الذوبان في صنميته وفقدان البوصلة القيمية. تتجلى هذه الصنمية، في التحليل الذي يعمقه المكي، حين تصبح الوسيلة هي الرسالة، أي حين يصبح الحفاظ على تدفق البيانات أهم من مضمون ما يقال، فيتحول الكائن البشري إلى مجرد موصل لا منتج للمعنى. واستعادة الهوية الإنسانية تستلزم إذن القدرة على الانفصال الواعي عن الشبكة، لا عزلةً ولا رهبنة، بل لاستعادة القدرة على التفكير الذاتي المستقل، وتهذيب الإيقاع حتى ينصت الإنسان إلى صوته الداخلي من جديد. إن المشروع النقدي الذي يقدمه المكي يمثل وقفة ضرورية في سياق عربي وإسلامي يعاني استلابًا مزدوجًا: استلابًا تجاه التقنية الوافدة، واستلابًا تجاه القيم التقليدية التي يتم تفكيكها دون بديل حقيقي. وصنمية الاتصال ليست قدرًا محتومًا، بل ظاهرة مرتبطة بلحظة ما بعد حداثية يمكن تجاوزها بالوعي النقدي، عبر أنسنة التقنية بدلًا من آلية الإنسان، وإعادة الاعتبار للقيم التراحمية التي لا تحاكيها الآلة، والاعتراف بأن التواصل الأكمل هو ذاك الذي يجمع بين كفاءة الأداة وعمق المعنى الأخلاقي. ويظل السؤال المركزي مطروحًا: هل سنظل نعبد صنم الاتصال حتى نتحول إلى أجزاء من الآلة، أم سننجح في استعادة إنسانيتنا وجعل الاتصال خادمًا لها لا سيدًا عليها؟ إن الرهان الحقيقي هو رهان وعي، وقدرة على التمييز بين الاتصال بصفته وسيلة والاتصال بصفته وهمًا يبتلع الوجود الإنساني في سيولة لا تنتهي.
المصادر
هشام المكي: يوتوبيا الاتصال وسؤال القيم رؤية معرفية
هشام المكي الإعلام الجديد والقيم: من النقد الأخلاقي إلى تحليل أشكال الاتصال https://cmerc.ma/
هشام المكي كتاب “الاتصال الجماهيري وسؤال القيم”: دراسة في نظريات الاتصال الجماهيري المؤسسة، صدر عام 2016.
هشام المكي: حضور الإله في النظريات الإعلامية الحديثة، دورية نماء

