كثيرة هي الكتب التي تتحدث عن اليهود واليهودية وكيفية قيام دولة الاحتلال، إلا أن مراجعتي اليوم ستكون لكتاب (حياتي.. اعترافات جولدا مائير) ومن منا لا يعرف هذا الاسم؟
لن أخفي إعجابي بإصرارها وإصرار من حولها على إقامة دولة اسرائيل على أرض فلسطين وبقائها رغم أنف الكرة الأرضية وكأن هذه الأرض هي حق مشروع لهم، حتى إنها في كتابها تعيد مرارًا أن هذه الأرض حق لهم منذ ألفي عام.
وسأشطح قليلا عن كتابها لأقول إني قرأت العديد من الكتب أمثال كتاب (فرعون ذو الأوتاد) لكاتبه أحمد سعد الدين، وسمعت العديد من التسجيلات المطولة -من أهمها للدكتور راغب السرجاني- حول تاريخ اليهود وكونهم مجموعة من البدو تسكن على حدود فلسطين وأن أول من سكن الأرض هم الكنعانيون وطبعا أصبحت هذه المعلومات معروفة للجميع حتى لليهود الصهاينة أنفسهم إلا أنهم -بالطبع- لن يعترفوا بهذا، خصوصا أن أغلب من سكن الأراضي المحتلة اليوم ليسوا من اليهود الذين نجوا من فرعون موسى وعبروا سيناء إلى أرض فلسطين لأن الأغلبية العظمى هم من يهود الخزر.
محتوى الكتاب
حكت جولدا في الكتاب عن طفولتها، فهي من يهود روسيا أو الاتحاد السوفيتي، وتحديدا من مواليد كييف التي هي عاصمة أوكرانيا حاليا، وقد هاجرت لاحقا من ميلووكي في أمريكا إلى فلسطين عام 1921 وبدأت في سرد رحلتها المرهقة المتعبة -لاحظوا أنها عانت وذاقت الويلات لتصل إلى أرض الميعاد- إلى أن وصلت إلى الشرق الأوسط وتحديدا مدينة القنطرة والتي تقع في مصر لتستقل القطار المتوجه نحو أرض الميعاد.
وصلت جولدا إلى تل أبيب بعد معاناة قرابة الشهرين للوصول إلى أرض الميعاد ولكن ما لفت نظري أنها ذكرت أن هذه المدينة أسسها مجموعة من اليهود المتفائلين عام 1909 حيث كان فيها 60 عائلة يهودية فقط أي ما يقارب 1500 نسمة حين وصولها، ومن المعروف أن منطقة تل أبيب كانت حيا يسكنه اليهود تابع لمدينة يافا، كما ذكرت أنه لم يكن يعلم أحد من هؤلاء أن هذه المدينة ستصبح العاصمة المؤقتة لدولتهم، حيث إن العاصمة الأبدية في هدفهم هي القدس.
تؤكد جولدا أنها وجدت فرقا كبيرا بين الحياة في ميلووكي والحياة في تل أبيب، حيث كانت الأمور أكثر صعوبة وخطورة، إلا أن كل شيء يهون مقابل تحقيق حلم قيام دولتهم المزعومة على أنقاض أرض فلسطين.
من المعروف أن فترة عشرينات وثلاثينات القرن العشرين وحتى قيام الدولة المزعومة بقيت فلسطين تحت الاستعمار البريطاني إلى أن سلمت بريطانيا فلسطين إلى الصهاينة وبالرغم من كل هذا كانت جولدا ترى أن بريطانيا تقف مع العرب وأنها منعت هجرة الكثير من اليهود عبر تحديد أعداد المسموح بهم ولولا هذا التحديد لكان تدفقت أعداد أكبر منهم وقامت الدولة في وقت مبكر قبل عام 1948.
ولكن السؤال القائم هنا ماذا كان يفعل العرب في ذلك الوقت وخصوصا أن هذه الدولة المزعومة لم تقم فورا وإنما كانوا يشترون بعض الأراضي بنسبة لا تتعدى 5% رغم أن الهجرات اليهودية كانت على قدم وساق.
والجواب هو أن العرب كانت معظم دولهم تحت الاحتلال الفرنسي والبريطاني بعد قيام الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين الذي اعتقد أنه بانتصاره المزعوم على الدولة العثمانية بمساعدة بريطانيا سيصبح خليفة للمسلمين إلا أنها نقضت وعودها معه ولم تنفذ مطالبه كونها تعاونت مع أطراف أخرى[1]
سردت لنا جولدا معاناتها في الكيبوتس -المستوطنة- الذي كان مناطق زراعية في منطقة تدعى مرحافيا في مرج ابن عامر وكيف عملت على إدارة المطبخ واستلام مهام إطعام العاملين هناك إلى أن وصلت إلى تمثيل اتحاد نقابات العمال (الهستدروت) وسردت في كتابها كيفية تدرجها في المناصب إلى أن أصبحت وزيرة للعمل عام 1949 ثم استلامها رئاسة الحكومة عام 1969 وكانت أول امرأة تستلم هكذا منصب حساس ومهم في إسرائيل.
حاولت جولدا خلال توليها منصب وزارة العمل أن تجعل اختلاف الأعراق في إسرائيل سببا للقوة وأن يصبحوا كتلة واحدة على الرغم من اختلاف الثقافات والعادات واللغات -حيث إنها نفسها لم تكن تتقن العبرية وإنما اللغة الييدشية التي تتكون بنسبة 80% من اللغة الألمانية إلى جانب إتقانها الإنجليزية-.
إلا أنها كذلك كانت تصف اليهود من أصل عربي بأوصاف عنصرية فاتهمت يهود اليمن بأنهم جاهلون ومفتقدون لأدنى درجات النظافة، على الرغم من أن زوج ابنتها -كان يدعى زكريا – من يهود اليمن.
تهم الإبادة.. ومغامرات سرية
احتوت أن المذكرات صفحات طويلة تتكلم عن قسوة هتلر والنازية وغرف الغاز والمحارق وإبادة اليهود، واتهام أي شخص ينتقدهم بمعاداة السامية، رغم أن المؤرخين يشيرون إلى أن العرب من أبناء سام بن نوح كذلك.
كما ذكرت في كتابها العديد من الشخصيات التي تأثرت بهم ولهم مكانة خاصة في قلبها، أمثال دافيد بن غوريون الذي كان له العديد من الإسهامات في قيام الكيان، حيث كان هو من تلا خطاب قيام الدولة في 14 مايو 1948 وقد وصفت بدقة الأعصاب المشدودة خيفة حصول أي طارئ وقت الإعلان، إلا أن الولايات المتحدة برئاسة هاري ترومان اعترفت بدولتهم بعد دقائق، ثم الاتحاد السوفييتي مباشرة، وهما قطبان متنافران اجتمعا على الاعتراف بقيام دولة تحتل أرض فلسطين.
إلى جانب ذلك ذكرت أنه قبل إعلان قيام الدولة خاضت مغامرة لمقابلة ملك الأردن (عبد الله) أحد أهم ملوك العرب آنذاك، فتنكرت في زي امرأة عربية مسلمة بعباءة سوداء مع خبير شؤون عربية يهودي يدعى (عزرا دانين) الذي كان موظفا في قسم الاستخبارات في عصابات الهاغاناه، ثم متخصصا في شؤون العرب السياسية لإتقانه اللغة العربية وإلمامه الدقيق بالعادات والتقاليد لديهم.
تروي جولدا قصة وصولها إلى ذلك الملك ولقاءهم السري، حيث أراد هذا الملك السيطرة على أرض فلسطين وأعطاهم وعدًا بتمثيلهم العادل في البرلمان وفرض المعاملة الحسنة معهم، إلا أن مائير رفضت هذا العرض، ووبخته قائلة بأن “هذه الأرض هي حق لليهود”، ثم ركزت لاحقا على وصف العرب بالأشرار لحرصهم على طرد اليهود من فلسطين، وأنهم مظلومون يحاولون الوصول للسلام معهم دون أي مبالاة من الطرف الآخر!
بين ثلاثة حروب
عام 1956 وقع العدوان الثلاثي على مصر، والذي قامت به كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وذلك -بحسب المعلن- بسبب تأميم مصر لقناة السويس، حيث رأت فيها إسرائيل إضرارًا بالغًا بأمنها القومي، بعد أن كانت قناة السويس تحت يد بريطانيا.
انتقلت إثر ذلك للحديث عن حرب الأيام الست -نكسة 1967- ولم تخفِ سعادتها الغامرة بالانتصار على العرب وحوزة أراضي جديدة في قطاع غزة وأراضي الضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان، حتى إنها استقلت سيارة إلى قطاع غزة ووصلت فيها إلى شرم الشيخ لتشبِع عينيها من الأراضي العربية وتسعد بـ”هذا النصر الحاسم على العرب”
تمر الأيام والسنون، وجاءت حرب تشرين/أكتوبر 1973 أو يوم الغفران “كيبور” -باللغة العبرية- فوصفت ذلك اليوم بأنه كان فظيعا ومفاجئا ولم يكن أحد يتوقع مهاجمة اسرائيل من الجبهة الشمالية (سورية) والجنوبية (مصر) في وقت واحد، وبالرغم من وصول أخبار في الساعة الثالثة من صباح 6 اكتوبر حول التحشيدات العسكرية، وانعقاد اجتماع طارئ في هذا اليوم المقدس بالنسبة لهم إلا أنهم لم يستطيعوا استدعاء الاحتياطي الكافي من الجيش حيث كان ثمة عددٌ لا بأس به من الجنود يقضون هذا اليوم مع عائلاتهم.
بدأت الحرب بداية مبشرة للعرب حيث كان عنصر المفاجأة مسهِمًا في التقدم السريع لهم، ولم تستطع جولدا إخفاء ألمها من الضربة، حيث إن الوقت الذي وقعت فيه كان أبكر من الوقت المتوقع لديهم.
انقلب الحال بعد أيام على الجبهة الشمالية، فوصلت القوات الإسرائيلية إلى ضواحي دمشق لولا تدخل القوات العراقية التي ساندت الجيش السوري آنذاك، أما مصر فكان الوضع فيها مختلفا قليلا، حيث عبر الجيش المصري خط بارليف شرق قناة السويس، ودمر التعزيزات والتحصينات الإسرائيلية هناك.
استعانت إسرائيل حينها بالولايات المتحدة برئاسة ريتشارد نيسكون ووزير خارجيتها هنري كسنجر، حيث أمدتها بالسلاح اللازم، فأنشأت جسراً جويّاً -لدرجة أنه كانت كل 15 دقيقة تحط طائرة أمريكية محملة بالأسلحة والمساعدات في مطار اللد العسكري- كما تدخلت عدة دول أخرى حتى لا تنهار إسرائيل أمام الضربة.
تعقيبات لا بد منها
قبل إنهاء هذه المراجعة لا بد من الإشارة إلى عدد من الأمور المهمة، فبالرغم من أني لا أنكر صدق القضايا العربية والإسلامية وأولويتها وحق المسلمين باسترجاع كامل الأراضي الفلسطينية، إلا أن السعي العربي لتحقيق ذلك يكاد يكون معدومًا، مقارنة بإصرار الكاتبة وفريقها على قيام دولتهم بالرغم من أنهم ليسوا على حق ولا يمتلكون في تلك الأرض المقومات اللازمة، إلا أنهم صنعوا تلك المقومات حتى وصلوا لتلك اللحظة التاريخية في نظرهم، وإنا على يقين أن هذه الحالة مهما استمرت فإنها لن تدوم، بل إنها آيلة للسقوط والانهيار، وتبقى كلمة الله هي العليا وكلمتهم هي السفلى، إلا أنه من الضروري التأكيد على أنه ليس من الخطأ التعلم من أعدائنا ما يساعدنا على نهضة أمتنا وإيقاظها من السبات الذي تعيش فيه.
أكدت مائير في كتابها على أهمية التعليم ودوره في نهضة إسرائيل، حيث يقوم التعليم ببناء جيل متعلم مثقف واعٍ بقضيته، وأشارت إلى أنه تم إنشاء معهد للأبحاث العلمية عام 1934 من قبل حاييم وايزمان، مما يؤكد دور هذه السياسة المنصبة على الاهتمام بالأبحاث العلمية في إنجاز رؤيتهم في التفوق العلمي وقيام دولتهم، وها نحن نرى الآن إسرائيل تتصدر قائمة الدول في عدد الأبحاث والمنجزات العلمية.
أما آن الأوان للدول العربية لتقوم من سباتها العميق وتولي الأهمية القصوى للأخذ بالعلم وتطوير الأبحاث العلمية، بدلاً من إنفاقها أضعافا مضاعفة من المهرجانات والحفلات في مختلف أرجاء الوطن العربي؟
اللهم أعن وسدّد.
[1] وللاطلاع على تفاصيل يمكن الاطلاع على كتاب: الخليج البريطاني، إيهاب عمر.

