1

وجود الله إسلامياً (الجزء الثاني)

في مقدمة الجزء الأول من هذا المقال والذي تم نشره سابقاً، قلت بأن هناك حضوراً مكثفاً لله سبحانه في القرآن الكريم، وأن ذلك يتجلى في كثرة أسمائه وصفاته، وتجلياتهما في الكون والحياة، ثم أشرت إلى أننا يمكننا تلخيص هذا المعنى في معلمين، المعلم الأول تكفل به الجزء الأول، والمعلم الثاني هو الذي سيتكفل به هذا الجزء. فأقول وبالله التوفيق:

المعلم الثاني: الألوهية الوجودية
الله سبحانه في العقيدة الإسلامية لعظمته اللامتناهية ولكماله وجلاله المطلق، فإنّه مألوه القلوب والأرواح. فالله لم يخلق هذه الأرواح الإنسانية عبثاً بل بالحق، وليس للفناء بل للبقاء، ولذلك فإنّ الروح لا تهدأ ولا تطمئن، ولا تسعد ولا تهنأ، إلا بمدى صلتها بباريها العظيم ومحبته وتقديسه ومعرفته وذكره وعبادته.

هناك ثلاثة مظاهر لهذه الألوهية الوجوديّة، وهي: الحاكميّة، والمعرفة، والتواصل.

1.الحاكميّة
كشف القرآن الكريم أنّ الله تعالى له الحاكميّة المطلقة؛ في التقدير والتشريع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالكل خلقه وهو أعلم بما خلق. نجد ذلك في قول الله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.[1] فهذه الآية تُقرّر طلاقة الإرادة الإلهيّة بدون حدود ولا قيود، فبمجرد أن يحكم بشيء يكون. وقول الله سبحانه: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}.[2] فهذه الآية توجه النبي ﷺ والمسلمين بالتبع، للحكم بما أنزل الله تعالى فقط، وإلغاء اعتبار أهواء البشر. وقول الله سبحانه: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.[3] فهذه الآية تكشف أنّ الله تعالى يحكم برحمته من نعيم وخير وهدى وغير ذلك، لمن يشاء. وقول الله سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.[4] فهذه الآية تُقرّر أن الله هو مَن يحكم بما يكون عليه كل إنسان من كمال ونقصان، وذكر أو أنثى، وسعادة وشقاء. وقول الله سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.[5] فهذه الآية تُقرّر حكم الله تعالى النهائي بعدم قبول أي دين دون الإسلام، وأنّ مَن أتى يوم القيامة بغير الإسلام بعد البعثة المحمديّة فلن يُقبل منه وهو من الخاسرين.

إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي تكشف بوضوح وبيان أنّ الله تعالى له الحاكمية المطلقة في كل شيء، يفعل ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم بما سبق في علمه، بلا منازع ولا معقب. والحقيقة أنّ فكرة الحاكمية من أبرز أسباب بعثة الأنبياء وإنزال الشرائع، ولذلك فهي أحد أبرز عوامل الصراع والجدال بين الأنبياء وأتباعهم من جهة وأقوامهم وأتباعهم من جهة أخرى. ذلك لأنّ قضية وجود الخالق لم يولها القرآن الكريم أهميّة كبيرة، لأنها قضية منتهية بالنسبة إليه بحكم كونها حقيقة فطرية، وإنما زادها بياناً وإثراءً وعمقاً، وإنما كان من أبرز مجالات اهتمام المنهج القرآني هو كشف حقيقة الحاكمية وحق التشريع ورد الاعتبار لهما.

2.المعرفة
كشف القرآن الكريم أنّ الله سبحانه ممكن المعرفة من قِبل الإنسان، بل إنّ أصول هذه المعرفة مغروزة في أصل فطرته وبنية عقله. نجد ذلك في قول الله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِۚ}.[6] فهذه الآية تأمر باتباع تعاليم الوحي وآداب النبوة، لأنّ ذلك تنزيل من الله تعالى الذي غرز في الفطرة محبة الحق وضع في العقول الميل إليه. وقول الله سبحانه: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.[7] فهذه الآية تتضمن الأمر بتقليب نظر العقل في آفاق الكون وفضاءات الحياة، ولم يكن ذلك إلا لأنّ العقل لديه المقدرة الفطرية على معرفة الخالق من خلال مخلوقاته. وقول الله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَاۛ}.[8] فهذه الآية تكشف لنا أنّ مبدأ وجود الله والإقرار بربوبيّته والمتضمنة لألوهيّته وحاكميّته، راسخ في الفطرة البشرية. وقول الله سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّاۚ}.[9] فهذه الآية تكشف لنا كيف أن قوم سيدنا موسى ﷺ -وبالتالي كل منكر- أدركوا الحق الذي جاءهم به أي إفراد لله تعالى بالألوهية والحاكمية، لكنهم جحدوا ورفضوا بفعل موانع أخرى، عناداً واستكباراً.

إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي كشفت وقرّرت بأساليب مختلفة؛ أن معرفة الله تعالى باعتباره الخالق والرب والإله، ذي الكمال والعظمة والجلال، هي معرفة راسخة في جوهر الفطرة وبنية العقل الإنساني. والحق أن واقع الإنسان كما واقع البشرية في تاريخها الطويل يؤكدان على هذه الحقيقة. وليس اختلاف الناس في شتّى الحضارات والشعوب حول حقيقة الله سبحانه، من حيث ماهيته أو من حيث صفاته، أو من حيث علاقته بالإنسان والكائنات المختلفة، سوى أمارة ساطعة على رسوخ وجوده ومعرفته في الفطرة. فتاريخ الجدل العقدي لم يكن أبداً حول وجود الخالق من عدمه، بل كان حول الذات والصفات والعلاقة مع المخلوقات.

لقد وجّه القرآن الكريم في عشرات الآيات، العقل والوجدان الإنساني إلى آفاق الحياة ومسارح الكون للنظر فيها والتأمل فيها، وما ذلك -كما سبقت الإشارة- سوى دلالة واضحة على اعتراف الإسلام بقدرة الكينونة الإنسانيّة بمختلف طاقاتها الإدراكية والشعورية على معرفة الله سبحانه والشعور به. ذلك لأنّ هذا الأمر الرباني بتقليب النظر في الكون والحياة يقتضي الاعتراف بأن العقل لديه قدرة على المعرفة واستخلاصها من معطياتها الجزئية، وبأنّ الكون بأشيائه ومشاهده وعناصره وعلاقاته الفيزيائية فيه القابلية لأن يُفهم من طرف الإنسان، ومن الانتقال من مستوى النظر في المخلوق إلى مستوى النظر في الخالق. لأنّ فطرة العقل تستلزم إثبات وجود التصميم والإتقان والغاية من وراء هذه المشاهد المترامية في فضاءات الطبيعة، بغض النظر عن طبيعة التفسير لها.

3.التواصل
كشف القرآن الكريم أنّ الله تعالى بالرغم من أنّه غني عن العالمين إلا أنّه يتواصل مع عباده عبر النبوات، ليهديهم سبيل الغاية من خلقهم. نجد ذلك في قول الله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ}.[10] فهذه الآية كشف لنا أنّ الله تعالى ما زال يرسل رسله وأنبياءه بين فترة وأخرى. وقول الله سبحانه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}.[11] فهذه الآية تُقرّر أن الله تعالى سيحاسب عباده على مدى استجابتهم لرسله وأنبيائه. وقول الله سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.[12] فهذه الآية تُقرّر أمر الله تعالى بواجب طاعته وطاعة رسوله، إذ ذلك مفتاح الرحمة الإلهيّة في الدنيا والآخرة. وقول الله سبحانه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.[13] فهذه الآية تُقرّر أن المعيار الوحيد لمحبة الله تعالى هو اتباع رسوله ﷺ. وقول الله سبحانه: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِۙ}.[14] فهذه الآية تُقرّر أنّ الله تعالى لم ينُزل وحيه إلا لبيان الحق والهداية للصواب. وقول الله سبحانه: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}.[15] فهذه الآية تكشف بأن الله تبارك اسمه إنما أرسل الرسل وأنزل الشرائع للبشارة للموحدين الطائعين بما أعد لهم من الرحمات والخيرات، وللنذارة للمشركين والعاصين بما أعد لهم من النقمات والموبقات.

إلى غير ذلك من الآيات البيّات التي قرّرت بصيغ مختلفة أنّ الله سبحانه يتواصل مع عباده ولم يتركهم بلا هداية وتأييد ودعم رباني خارجي، كما جعل في عقولهم أسباب معرفة الحق والانجذاب إليه. والواقع لا يمكن للعقل السليم أن يتصور أن خالق هذا الإنسان والحياة بأنواعها والكون بأشيائه وعناصره والطبيعة بمناظرها ومشاهدها، لا يستطيع العقل السليم أن يتصور أن هذا الخالق العظيم قد خلق الإنسان ثم تخلّى عنه يخوض في ظلمات الحيرة والشك والجهالة، يواجه هذا الأسرار الغامضة في كل فضاءات الحياة وأرجاء الكون، ويواجه مصيرهم الأبدي لكن بدون بيان ولا هداية.

ولقد نتجت عن هذه المعطيات حول الوجود الإلهي إسلاميّاً، نتيجة في غاية الأهمية، وهي أنّ التوحيد الإسلامي قرّر ثنائيّة الخالق والمخلوق وشدد غاية التشديد عليها، أي أنّ هناك اختلافاً جوهريّاً بين الخالق والمخلوق. هذه الثنائية والاختلاف يتجلّى في كون الخالق: أزلي الوجود، ومتصفاً بالكمال المطلق، ومتجاوزاً للزمان والمكان والمادة، وغنياً عن المخلوقات كافة. كما يتجلّى بالنسبة للمخلوق في كونه حادث الوجود، ومتصفاً بالنقص المطلق، ومحصوراً في الزمان والمكان والمادة، وفقيراً ومحتاجاً للخالق في كل شيء.

وبهذا الوضوح وبهذا التقرير تكون العقيدة الإسلامية قد نفت نفياً قاطعاً إمكانية التماهي بين الخالق والمخلوق، بأي شكل من الأشكال، كما توهم كثير من المخذولين المخدوعين. ولا شك أنّ العقيدة الإسلاميّة بهذا النفي القاطع لمختلف أشكال التماهي والذوبان بين الخالق والمخلوق، قد ردّت الاعتبار لحقيقة وجود الخالق ﷻ، كما ردت الاعتبار للإنسان المخلوق، بعد أن كان هناك غبش كثيف حول معنى الإله ومعنى الإنسان، وكما يحدث في كل زمان ومكان حين يبتعد الإنسان عن مصدر الحقيقة ويلهث وراء أهواء العقل وشطحات الوجدان. والله أعلم.


الهوامش

[1] . النحل/40

[2] . المائدة/49

[3] . البقرة/105

[4] . آل عمران/6

[5] . آل عمران/85

[6] . الروم/30

[7] . يونس/101

[8] . الأعراف/172

[9] . النمل/14

[10] . الروم/47

[11] . القصص/65

[12] . آل عمران/132

[13] . آل عمران/31

[14] . النحل/64

[15] . الأنعام/42