1

هل يكفي العلم لدعم الإلحاد؟

محمد نبيل

تبدو ظاهرة الإلحاد على مرّ التاريخ قضية مركّبة، فهي من القضايا المعقدة التي لا يمكن ردّها إلى عامل أو عاملين؛ وإنما لا بد من رصد الكثير من السباب لفهم تشكّل الظاهرة على وجهٍ أوليّ، فالأسباب المؤدية للإلحاد تكاد تتنوع أشكالها؛ وفقًا لكلّ حالةٍ على حدة، كما يغلب على ظن الكثيرين أن ظاهرة الإلحاد ترجع إلى أسباب علمية محضة، لكن بالتحقيق يبدو أن ذلك مجانبٌ للصواب، وهو ما بيّنه أنطوني فلو في كتابه الشهير “هناك إله”.

حدود العلم

إن حدود العلم الطبيعي بمعنى النظر في الموجودات من حول الإنسان، تكاد تنحصر في البحث عن العلل الفاعلة في الأشياء، وذلك لغرض فهمها وتفسيرها واستخراج قواعدها وقوانينها، إما لتجنب أضرارها وإما لتطويع فوائدها، فضلا عن إرضاء الفضول العلمي، وتعد أدوات العلم الطبيعي في ذلك هي حواس الإنسان التي يقودها عقله لتحليل بياناتها ومُدخلاتها وتصميم تجاربها، ثم تدوين مُلاحظاتها للخروج في النهاية بالنتائج والتفسيرات والنظريات أو القوانين.

وبذلك فإن العلم الطبيعي له شقّان، مادِّيٌّ تجريبي مُتعلق بالحواس والرصد، وشقٌّ عقلي بحت في الملاحظة والاستدلال والقياس والاستقراء والاستنباط، ثم الاستنتاج وتعميم الفرضية أو القانون.

أما الأديان، التي يقودها عمومًا الإيمان بخالق، فهي تشمل حدود الموجودات المادية وتجعل مِنها أداة عقلية دالة عليها، ثم هي تتخطاها إلى ما وراءها من فاعل مُريد وغايات، وهي بذلك تتعدى حدود حواس الإنسان لتصب في استخدامه لعقله المتدبر المحلّل المفكر في كل ما حوله من أشياء وعلاقات، للوصول مِنها إلى صفات عامة يقينية عن الخالق أو الصانع، فتثبت وجوده حتمًا وربوبيته في الوجود -تمامًا كما يستطيع أي إنسان الاستدلال على وجود صانع بالتأكيد لمحرك السيارة أو أي من الآلات المختلفة، بل ويستطيع كذلك استنباط العديد مِن صفات هذا الصانع مِن غير أن يراه أو يحيط به كله، مثل أنه لديه صفات عِلم وحِكمة ودقة وتقدير وقدرة وقوة على تشكيل المواد وتركيبها.. إلخ-.

قصة حوار

في حوار مع ملحد عربي يصدق العلم فقط، جرى حوار بيني وبينه، أسرده هنا للفائدة والعبرة!

هو: أنتم تريدون منا أن نصدق خرافات وأشياء غائبة حسيا كالله والملائكة، نحن لا نصدق إلا ما تدركه حواسنا من حقائق وما يقول العلم عنها. أما أنتم فلا دليل واحد مادي على ما تؤمنون به.

أنا: لدينا كلام الله تعالى المنزل في القرآن الكريم.

هو: هراء، هذا كلام ابتدعه رجل في الصحراء وصدقتموه!

أنا: حسنا، أنت تتبع كلام العلماء العارفين بالمادة والواصفين لها وتصدقهم في كل شيء. وبالطبع كان هناك مثلك من مات في القرن الماضي وهو لا يصدق الغيبيات التي نؤمن بها في القرآن. لكن لاحظ أيضا أنه كان يصدق ما يخالفه العلم اليوم وتصدقه أنت!

فكوكب بلوتو مثلا كان يعد من كواكب النظام الشمسي التسعة منذ اكتشافه في عام 1930. وهناك أجيال كثيرة تعلمت هذه الحقيقة ولو أجاب أحد الطلاب في القرن الماضي أن عدد كواكب المجموعة هو 8 لضحك الجميع من تخلفه وقلة تحصيله العلمي ولربما كانت تلك العلامة الفارقة لنجاح أحدهم في مادة العلوم، لكن في عام 2006 حكم اتحاد الفلكيين العالمي (IAU) أن بلوتو ليس كوكبا وأنه أقرب إلى جرم قزم ضمن أجرام حزام كايبر، وهكذا ببساطة شطب العلم ما كان يعرَف أنه حقيقة استمرت لأكثر من سبعين عامًا، وهذا أثار استياء العامة.

مثال آخر، قبل القرن التاسع عشر كان يعتقد أن الشمس هي مصدر الطاقة الوحيد لبقاء جميع المخلوقات الحية. وبناء على هذه الحقيقة كان الاعتقاد السائد لدى العلماء أنه لا يمكن للمخلوقات أن تتواجد في أعماق المحيطات بسبب عدم وصول أشعة الشمس، وأسباب أخرى مثل اختلاف الضغط البارومتري للمياه وبرودتها وغيرها من الأسباب التي أعاقت وصول الإنسان للأعماق حتى 1870 حينها اكتشف عالما متنوعا من الأحياء والمخلوقات العجيبة، وأخذ يبحث عن أسباب بقاء هذه المخلوقات فوجد أن منافث حرارية من قاع المحيطات تضخ كميات من البخار والكربون تتغذى عليها عضويات عديدة، وبدورها تصبح غذاء لأسماك صغيرة ثم كبيرة في سلسلة غذائية لم يستطع الإنسان تصور وجودها في بيئة قاسية مثل هذه، وهكذا، غيّر العلم أقواله وأصبحت الشمس المصدر الأساسي.

مثال أخير وليس آخر، لعقود ماضية عديدة اعتبرت الدراسات العلمية تناول بيض الدجاج مرتبطا بأمراض القلب لاحتوائه على نسبةٍ عالية من الكوليسترول، وكثرت التوصيات بالتقليل من تناوله، وأنا شخصيا كنت أحد أولئك الذين عزفوا عن أكل البيض إلا مرات قليلة في الشهر حين كنت شابا يافعا. في عام 2017 انتشرت دراسة واسعة مستفيضة حطمت هذه الخرافة واتضح فيها أن الكوليسترول الموجود في البيض صحي ومفيد، وأن الكوليسترول الضار الذي يصدره الكبد ناجم عن الدهون المشبعة والمتحولة في الأطعمة السريعة. وعلى ذلك، يمكننا أكل البيض يوميا دون أي مشكلة صحية إن لم تكن هناك أمراض أخرى تمنع ذلك. ومنذ ذلك الوقت وأنا أتناول البيض بكثرة وأفكر بمن مات قبلي وهو ممتنع عن البيض مع حبه له دون أي مانع صحي سوى أنه صدق العلم وقطعية بحثه.

إن الأمثلة عديدة على تغيير أقوال العلم في مواضيع كثيرة وفي أكثر من موضع، وعلى إثر ذلك تتغير الكتب الدراسية وتعطى معرفة وقناعة جديدة لطالب علم لن يدرك أن من يعلّمه هو مثله في علمه القاصر، يحده ضآلته وفهمه المحدود بحواسه القليلة.

فهذه كتب العلوم المتقلّبة التي كتبها الإنسان وتصدقها أنت بشكل أعمى. أما القرآن فهو لم يتغير منذ أن نزل على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم بشهادة المستشرقين والباحثين الغربيين ونسخ القرآن الأثرية المحفوظة في متاحف الغرب. وكل من آمن به وما نزل به من الحق، ومات عليه سواء في القرن الأول هجري أو الرابع عشر هجريا، لن يندم على شيء فيه. بل إن العلم هو ما يأتي ليوافق ما ذكر في آياته في مواضيع متعددة، ولا خلاف على تلك الحقائق المذكورة وتفسيراتها التي جعلت العلماء يقفون عاجزين عن فهم كيف لإنسان أمّي في الصحراء أن يأتي بهذه الخفايا في ذلك العصر دون الأدوات العلمية الحديثة.

وهذا ما حدا بالبعض منهم للإسلام فورا مثل عالم البحار جاك كوستو الفرنسي بعدما أدرك أنه على مفترق طرق بين الإلحاد والإيمان. هؤلاء كانوا لا يعتقدون إلا بالعلم ولا يعتبرون للأديان بأي أهمية. لكن الصدق مع النفس في تقبل ما يطرحه العلم من إشارات لخالق هذا الكون هي ما تقربهم لنور الهداية وتجعلهم يخشون الله تعالى كما قال: {إنما يخشى اللهَ تعالى من عباده العلماءُ} [فاطر: 28]. أما أمثالك، فهم متبعون لهواهم في تصديق العلم، ولو أنك صدقت في بحثك لهداك الله تعالى.