1

نوال السعداوي.. خطاب نسوي علماني أم عقيدة شيطانية؟

حفلت مواقع التواصل بالتعليق على وفاة الكاتبة نوال السعداوي، عن عمر يناهز التسعين عاما، ومما لفت نظري أن كل من ينتقدونها استوقفتهم شعارات مكررة في خطابها، تندرج جميعها تحت مظلة النسوية والعلمانية، وهذا ليس بجديد ولا فريد، فأمثالها في المجتمع العربي كُثر، وقد سبقوها إليه قبل أن تولد، وكان يجدر بالنقاد العودة إلى الجذور.

نوال اشتهرت في شبابها بالنضال النسوي من داخل الإسلام، وساعدتها سذاجتها وهوسها بالتحدي على الظهور في دور البطلة التي تتحدى السلطة بكل شجاعة، وكأن الإسلاميين هم الذين حكموا مصر أو أي بلد عربي ولم يكونوا هم ضيوف السجون والمنفى منذ مئة سنة!

من فرط السذاجة التي تمنح الحمقى دور “الشجاعة” قالت في إحدى المقابلات: “أنا أهم من العقاد وطه حسين، أعلم في القرآن أكثر من الشيخ الشعراوي”. هذا التهريج الثقافي يعجب كثيرا وسائل الإعلام، وعندما يكون صاحبها أنثى فهذا أكثر إثارة، وعندما تكون هذه الأنثى سفيرة للفكر الغربي المتغلب فكيف لا ينال الصدارة؟

في منتصف السبعينات، طرحت نوال فكرها النسوي في كتاب “الأنثى هي الأصل”، مكررةً أسطورة نشأة الحضارة على مبدأ تقديس الأنثى في مجتمعات أمومية رومنسية لا تعرف الحرب. وفي منتصف الثمانينات، طرحت نقدها للذكورية في كتاب “إيزيس” لتنتصر للإلهة الأنثى في وجه الإله «رع»، لأنه أمر بالختان والإِخصاء ضد المستضعفين فقط، وهم النساء والعبيد.

كتاب من كتب نوال السعداويفي بداية التسعينات بدأت الصورة تتضح، فمع إصرارها على أنها تريد إصلاح الإسلام من داخله، لا سيما أنها “أكثر معرفة به من الشعراوي”، لكن العقيدة الخفية بدأت بالظهور مع كتاب “جنّات وإبليس”، ﻓجنَّات هي المرأة التي تعاني من القهر وتطرح أسئلتها البريئة عن الدين والمرأة، وإبليس (شخصيا ودون تورية) هو الشاب الذي يعاني من تهمة الشر الظالمة، وما زال يتمرد على والده الذي يرمز للإله، ويظل الصراع قائما حتى يموت الشاب البريء فيعلم والده متأخرا أن ولده لم يكن شريرا بل الناس هم الذين ظلموه.

ظلت نوال تخرّب عقول الأجيال الفارغة، ومن داخل الإسلام، كما يفعل كل الوكلاء عندنا بترديد مطالب المستشرقين والملحدين مع الإصرار على النطق بالشهادتين. وكانت شعاراتها المكررة والطفولية تكفي ليتململ منها بعض العلمانيين، أذكر مثلا صاحبة برنامج ثقافي حواري على قناة أبو ظبي استضافتها في بداية هذه الألفية ولم تستطع كتمان غضبها بعد كل إجابة، حتى أنهت الحوار بطريقة مستفزة، لكن المفاجأة كانت عندما استضافتها في حلقة أخرى لتجلس أمامها كالتلميذة وتسمح لها بطرح كل سخافاتها. استنتجتُ آنذاك أن الأوامر جاءت باستقبالها مرة أخرى وإعادة الاعتبار لأفكارها التي يجب نشرها بأي ثمن.

غطاء النفاق

في 2006 استضافها الإعلامي الدرزي سامي كليب في برنامجه “زيارة خاصة”، وحاول أن يدير الحوار بدبلوماسية، وفي النهاية قالت له إنها ما زالت تحلم بأن تقول كل ما في خاطرها لتكسر “التابوهات” (أي المحرَّمات) التي نخاف منها، فسألها وهو يضحك: هل بقي شيء لم تكسريه؟ فأجابت: هو أنا كسرت حاجة لسه؟

في السنة نفسها، بلغت بها السذاجة -لسبب لا أعرفه- أن تكشف غطاء النفاق، وكتبت مسرحية -لا تمت إلى الأدب بصلة- بعنوان “الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة”، انتصرت فيها نوال لإبليس (لوسيفر) صراحةً، وقدمت الإله في صورة الطاغية. حاول الأزهر أن يقاضيها، لكن -ويا للعجب- لم ينجح في استخدام “سلطته”. زعم أمثالها أنها كانت ترمز للحكومة فانتقدت الإله نفسه كي لا تقع في ورطة، ولم يشرحوا لماذا يكون انتقاد الإله أسهل من انتقاد الطاغية طالما كانت السلطة متواطئة مع الكهنة؟!

الآن، من ستصيبه الدهشة أو يطرح الأسئلة عندما يرى اسم السعداوي في قائمة مجلة تايم الأمريكية لأهم 100 امرأة في العالم؟ هي لم تقف مثل آلاف الفتيات في ميادين سورية ومصر وليبيا واليمن لتطالب بإسقاط الطغاة في مواجهة الرصاص الحي، هي وقفت فقط في وجه الإسلاميين الذين يرميهم الطغاة في السجون حتى الموت.

في آخر مقابلة لها، بثتها القناة الفرنسية الحكومية (فرانس24)، قالت نوال وهي على وشك الموت، وبكل وضوح بعدما تخلصت من نفاقها: إن المرأة مقهورة في كل الأديان. استدركت مُحاورتها -مع أنها تعمل للقناة الفرنسية نفسها- لتقول: “هم طبقوا الأديان غلط”، فأكدت نوال: لا، لن أخدعك في آخر عمري، ولن أدور في الفلك الذي يبرر للدين. تقاطعها المحاورة مرة أخرى، فتؤكد نوال أن الكتب السماوية المنزلة من عند “ربنا” هي الظالمة، وتعترض على المنطق الذي يبرئ الرئيس ويلصق التهمة برئيس الوزراء، وهو الذي نكرره بتبرئة الإله وإلصاق الشر بالشيطان.

مع كل كفرها الصريح، لدينا اليوم أجيال من “النسويات الإسلاميات” المعجبات بشجاعتها، ومعيار الإيمان والكفر ليس على قائمة الأولويات عند هذه الطائفة، فالمهم لديهن هو الانتصار على الذكور، وقريبا ستجدون قناع النفاق يسقط عن وجوه بعضهن واحدة تلو الأخرى. احتفظوا فقط بمقالي هذا واسترجعوه عندما تصدمكم الحقيقة.

الغنوصية الشيطانية

بعد هذا كله سأعود إلى نقطة البداية، فهل ما زالت الصورة مشوشة لدى أصحابنا؟ نحن لسنا أمام خطاب نسوي علماني فقط، ولا حتى أمام حالة إلحادية بحتة. ما قدمته نوال في السنوات الأخيرة هو العقيدة الباطنية الغنوصية الشيطانية التي تتبناها الجمعيات السرية، والتي أخرجتها للعلن مؤسِّسة جمعية “الثيوصوفيا” الروسية هيلينا بلافاتسكي في كتابها “العقيدة السرية” عام 1888، وهو الذي كشفت فيه عقيدتهم الصريحة في الإيمان بألوهية إبليس الندية للخالق نفسه، وبالانحياز لإبليس (لوسيفر) في مقابل الإله الذي خلق الكون وأنزل الشرائع وأرسل الأنبياء.

هذه العقيدة هي التي تتبناها جذريا كل الجماعات السرية، الماسونية وأخواتها، وهي التي يجب أن يفهم الإسلاميون أن الصراع معها أولا، ثم مع الإلحاد والمسيحية والبقية.

الساحرة بلافاتسكي نشأ على يديها جيل من النسويات الشيطانيات، وعلى رأسهن أليس بايلي، مؤسِّسة جمعية “لوسيفر ترست” التي تغير اسمها لاحقا إلى “لوسي ترست” والتي تعتمد عليها الأمم المتحدة نفسها في مطبوعاتها وبعثات سفراء “النوايا الحسنة”.

بقية التفاصيل تجدونها في كتابي الجديد “مستقبل الخوف“، وهذه كلها حقائق منشورة في مواقع رسمية وليست نظريات مؤامرة.

هذه كانت إضاءة عابرة على شخصية عابرة لم يفهمها الكثيرون. وبما أنها هلكت في “يوم الأم”، فسأختم بموقف طريف من ذاكرتي يعود إلى نفس سنة صدور المسرحية (2006)، عندما خرجت ابنتها النسوية المتطرفة منى حلمي بفكرة الانتساب إلى الأم من باب المساواة، وكتبتْ مقالا يعلن أن اسمها صار ينتهي بعائلة السعداوي. وحتى تتحول هذه المهزلة إلى فرقعة إعلامية استضافها أحد الإعلاميين وسألها عما تريد، فملأت الحلقة بالصراخ الذي كان يعلو على أصوات كل الذكور في الاستديو، نجح المُحاور أخيرا في تهدئتها كي تشرح لنا ما الذي تريده، فقالت إنها فكرت في تقديم هدية ثمينة لأمها في يوم الأم، وبدلا من تقديم بطاقة معايدة بخمسين قرشا قررت أن تهديها شرف الانتساب لها، لتفوز بذلك في جولة إضافية على الذكورية الطاغية. كنت أتمنى أن يسألها حينئذ: لماذا يحظى يوم الأم بكل هذا الاحترام في عالم يحكمه الذكور، بينما لا نكاد نسمع بيوم الأب؟!