1

مقاصد القرآن بين عمارة النفوس بالله وتأسيس الحضارة

تمثّل مقاصد القرآن الكريم المدخل السليم للتعريف بالدين الإسلامي تعريفًا صحيحًا لا يشوبه التشويه، وتوضيحه بشكل كامل بما يرفع عنه أي نقص أو خلل أو زلل؛ إذ إن مقاصد القرآن هي الكاشفة لحقائق الإسلام ومعالمه، والمرشدة إلى معانيه وقيمه، والموضحة لغاياته وآفاقه. بل إن التعريف بدين الإسلام إنما يعتمد –لينجح- على التصور الصحيح لمقاصد القرآن الكريم نفسه، وإدراك غاياته ومعانيه، ومعرفة أهدافه ومراميه.

وهذا يعني أنه إذا كانت المعرفة بمقاصد القرآن الكريم صحيحة وسليمة كانت المعرفة بالإسلام نفسه صحيحة وسليمة، وإذا كانت المعرفة بمقاصد القرآن ضعيفة ومختلة كانت المعرفة بالإسلام نفسه ضعيفة ومختلة، ولعل هذا هو ما حدا بالإمام الشاطبي لوصف القرآن بأنه: “كلّية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه” وأنه يللزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها “أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي؛ نظرًا وعملًا”[1]، ومن ثمّ كان الاهتمام بمقاصد القرآن الكريم، تعيينًا وإدراكًا وتوضيحًا وبيانًا، ضروريًّا لفهم الإسلام نفسه ومعرفة حقيقته، ثم تبليغ دعوته ورسالته للناس تبليغا يوافق مقصود الشارع ويحقق مراده من رسالته التي أنزلها رحمة للعالمين.

لماذا مقاصد القرآن؟

قد يتساءل أحدهم: لماذا تولون المقاصد في القرآن الأهمية البالغة؟

وهذا مما لا شكّ فيه، سؤال حقٍّ، فالمقاصد -بغض النظر- عن كونها تحقق مراد الله تعالى وغايته أو غرضه من إنزال كتابه الكريم، فإنها كذلك إيضاح أو تعليل للأحكام الشرعية في القرآن وبيان الحِكم منها، وقد أورد الله سبحانه وتعالى في كتابه آيات كثيرة في هذا الصدد، أحيانا معلّلا فيها أفعاله والغاية منها، كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 11]، وقوله: {إِنا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن للْخَائِنِينَ خَصِيما} [النساء: 115]، وقوله” {وَمَاأَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107]، وأحياناً أخرى معللًا فيها أحكامه، كما في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ…} إلى قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، ومقاصد القرآن تختلف من جهة عن محاوره، ومن جهة أخرى عن مقاصد الشريعة، حيث إن مقاصد القرآن، هي ما يستنطقه المفسّر من غايات وحِكم وعلل وأغراض من القرآن، أما المحاور فهي محتوى ومواضيع السور والآيات، وأما مقاصد الشريعة ففضلا عن أن الأصولي يستنبطها من كتب الفقه وأصوله، هي أيضًا تتعلق بمجال الأحكام والتشريع في القرآن، فهي جزء منه وتابعة له[2].

والمؤمن الحقيقي، لا يجري لاهثًا خلف كل مطلب شرعي، طلبا للحِكمة والمقصد منه، إنما يذعن ويستسلم، قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، ولم يحتفِ العلماء بعلم المقاصد، إلا لتوضيح استجابة التشريع للنوازل اللامتناهية، التي غالبًا ما تكون على الثغور وتخوم البلدان التي دخلت الإسلام حديثًا، حيث أن إعمالهم للمقاصد، لاسيما مقاصد القرآن منها، وحسن استثمارهم لها، صحّح توظيف العديد من النصوص القرآنية، وعصم جل اجتهاداتهم من الوقوع في فساد تنزيل الأحكام.

إنّ لتغييب مقاصد القرآن عند المفسرين، مفسدتين عظيمتين، كما نص على ذلك الشاطبي في كتابه الموافقات، أما الأولى فهي: “اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده”[3]، وأما الثانية فهي “أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها …. مع أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا “[4]، كما أن لتجاوز ضوابط المقاصد، والتي من أهمها: وجوب تطابقها مع مبدأ العبودية، مفاسد كثيرة، فميزان المقاصد مضبوط بالمراد الإلهي، لا بمدى موافقته لضغوط الواقع.

إنّ توظيف المقاصد على غير وجهها الصحيح ولّد انفلاتًا في التأويل، مما يستدعي من العاملين في حقل المقاصد ضبطا دقيقا، ومن ذلك ما قرّره طه جابر العلواني (ت1437ه/ 2016م) عن مقاصد القرآن، بوصفه “العمران” مقصدًا قرآنيا، يأتي مباشرة بعد التوحيد والتزكية[5]، وهذا ما يتعارض مع مراد الوحي، كما أنّ البعد الاجتماعي والعناية بالقضايا الحضارية في تناول مقاصد القرآن، لدى محمد رشيد رضا (ت 1354ه/ 1935م) في كتاب الوحي المحمدي،كانت حاضرة وبشدة، مما يطرح تساؤلات عدة أهمها: هل جرْد هؤلاء للمقاصد، كان قائمًا على استقراء وحصر، أم  فقط مجرد جمع لما يُتوهم عن جهود المراجعة والإصلاح والتجديد؟

الواقع أنه، لم يخل استنباط بعض المفسرين المتأخرين للمقاصد، من التأثر بالمنطلق الفكري، الذي يجعل الباحث يركز على المقاصد التي تخدم توجّهه، ويهمل الباقي، لكن العلماء المتقدمين كأبي حامد الغزالي (توفي: 505ه) ومن خلال كتابه جواهر القرآن، لم يطوّع النص الديني ليوافق السائد في عصره، بل كان استنباطه لمقاصد القرآن مطابقا لمبدأ العبودية ومراد الوحي، حيث ذكر ثلاثة مقاصد للقرآن مهمة وهي: 1-تعريف المدعو إليه، 2- تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إليه، 3-تعريف الحال عند الوصول إليه، وذكر ثلاثة مقاصد متمة وهي: 1-تعريف أحوال المجيبين للدعوة، 2-حكاية أحوال الجاحدين، 3-تعريف عمارة منازل الطريق.

عمارة النفوس بالله أم المعارف البانية للعمران!

نتساءل هنا: هل ينبغي علينا الاختيار بين عمارة النفوس بالله، أم عمارة المعارف العمرانية، وهل علينا أن نختار بينهما؟

أزعم أنه إذا وُفّقنا في معرفة وتقديم ما قدمه القرآن من قضايا جوهرية ومصيرية، وتأخير ما أخّره وزهّد فيه من أمور أخرى، زال توهّم التعارض بين كثير مما استشكل علينا من قضايا ومسائل، وانجلى حجم التمايز بينها!.

بداية، فإن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، لم يأت على ذكر الغاية من الخلق وإرسال الرسل في موضع وحيدٍ مجمل، يفتح لتعدد الفهوم مجالاً، بل وضّح ذلك في أكثر من موضع، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وللباحث الجاد “إبراهيم السكران” في كتابه مآلات الخطاب المدني تعليق آسر، عن آية الغاية من خلق الجن والإنس، حيث يقول: “والحقيقة أن كتاب الله لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية، بل حسمها بشكل يقيني واضح صريح، وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغة حاصرة، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}]الذاريات: 56[“[6]، فإذا كان المطلب الشرعي الرئيس هو العبادة، والمتضمّنة معرفته وعمارة النفس به سبحانه، كون تمام عبادته  متوقفًا على مدى معرفته سبحانه وتعالى، فما موقع بناء الحضارة والعمران في قائمة المطالب الشرعية للقرآن وسلم الوحي؟ وهل هناك تعارض بينها وبين المطلب الرئيس للوحي وهو العبادة؟

لم يحصل لنا توهم التعارض بين تحقيق العبودية، وبين إقامة الحضارة والعمران، إلا عندما غفلنا عن المعنى الحقيقي للعبودية وفقدنا الإحساس به، فالعبودية هي كل ما يرتضيه الله سبحانه وتعالى من أقوال أو أفعال، والتي عمودها معرفة الله وعمارة النفس به، عمارةً تؤسس لبناء حضارة وتشييد عمران، هذا الأخير الذي قال فيه الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) في كتابه المفردات، بأن العِمارة نقيض الخراب، ويعرّفه ابن خلدون على أنه التساكن والتنازل في مصر أو حلة للأنس بالعشير، واقتضاء الحاجات لما فيه من طباعهم من التعاون على المعاش[7].

لقد تضمَّن القرآن الكريم مقاصد وأهدافًا متعددة، كتصحيح العقيدة والتوحيد، حيث إنا نلحظ في كلِّ دعوة الأنبياء عليهم السلام، الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالألوهية، وحينما بعث الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته إلى الناس كافة بتوحيد الله، وتصحيح عقيدة الناس ومعتقداتهم الباطلة المبنية على الشرك والأوهام وعبادة الأصنام؛ لأن ذلك مدخل أساسي إلى إصلاح النفوس وتزكيتها.

إلى جانب ذلك فقد قصد القرآن إلى توجيه الناس إلى حُسن عبادة الله، وجعل الله القرآن منبع الهداية ونور المتقين، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16] وقال تعالى:  {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9، 10] ولا ريب في أنه ما من طريق لحصر مقاصد القرآن الكريم، إذ إنه كلُّه حكم وأسرار ولطائف ربانيَّة، تتوق النُّفوس إلى النَّهَل من معينه والاسترشاد بأحكامه وقيَمه ومبادئه العظيمة.


[1] الشاطبي، الموافقات، دار ابن عفان، ط1، 1997، ج 4، ص 114.

[2]زمرد، فريده، بين مقاصد التفسير والنقد التفسيري، دارالحديث الحسنية/الرباط مقال صادرعن الكاتبة في مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، 4 شعبان 1436 / 23 أيار 2015م

[3]الشاطبي، الموافقات، دار بان عفان، الطبعة الأولى 1997، السعودية، ج 4، ص 06

[4]الشاطبي، المرجع نفسه، دار بان عفان، الطبعة الأولى 1997، السعودية، ج 4، ص 100

[5]العلواني، طه جابر، مقاصد الشريعة، بيروت: دارالهادي، 2001 م، ص 135

[6]إبراهيم بن عمر السكران، مآلات الخطاب المدني، دار الوعي، الرياض، الطبعة الأولى، 1435هـ (ص 54)

[7] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية، 1408 هـ، 1988، ص53