1

مفاتيح رحلة بناء الروح.. تأمّلات في قصّة نبي الله نوح

أيّها الشابّ المسلم، إنّك الآن تخطو نحو مهمّة عظيمة، وهي أن تكون نسيج نفسَك لتنسجَ بخيوط من ذهب مستقبل أمّةٍ كريمة.
وكي تضمن أن تسلّم لنفسك البوصلة لتهديك نحو السبل القويمة، يجب أن تكون نفسك موافقة لمراد الله تعالى بأن تكون نبراساً يُستضاءُ به لا أن تكون فريسةً لصنوف الجهل التي تغزو هذا الكوكب.

وإن سألت عن رحلتك أين مبتدأها ومنتهاها، فاعلم أنّ الرحلة تبدأ من الدّاخل للخارج، لا من الخارج للدّاخل، فإن أردتّ قطع الصعابِ بالنور، فيجب أن تكون نجماً وضّاءً لا كوكبًا غائبًا، فكلّ إناء بما فيه ينضح، والنّبيه من يفحص ما حوله وينخلُه فيأخذ ما يبنيه، ولا يسمح لما يهدمه من التغلغل إليه.

 رحلة النهوض تبدأ من الذات، إذ إنّ من كان عاجزاً عن إدارة ذاته فهو عن أيّ شيء سواها أعجز.

اربط الحزام، لتبدأ الرحلة نظرياً، ثم اخلُ بينك وبين نفسك واسأل هل أطبّق قواعد البناء على نفسي فعليّاً أم لا؟

منبع قواعد الإدارة والقيادة
خير قواعد للإدارة تبدأ من آيات الذّكر الحكيم، فإن تشابهت الطرق وتحيّرتَ بين القويم والأقوم، فخذ الآتي قاعدة لك: إن كلّ أمر إِنْ لم يكن ربّانيّ المنبع يجفّ، والهديُ الذي يستقي نورَه من اللهِ يكون أهدى وأَدْوَم، فقواعد الدرب تتجلّى من ملازمة فهم آيات القرآن الكريم إذ قال الله تعالى: {إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وآيات الله التي تعطينا خريطة إدارة الذّات نبعٌ دفّاق، إذ أنّها في كلّ مرّة تقدّم فهماً جديداً لمن اختار أن يكون خليفة الأرض كما أراده الله تعالى، فلا يزعزعه سرور ولا يزلزله حزن أو دمع؛ إذ إنّ من امتلك همّة التغيير فَقِهَ علّة الوجود، وأسلَم نفسه لمراد صاحب الفضل والجود.

ركائز رحلة الذات
ترتكز رحلة إدارة الذات ومعالجة الروح على محورين أساسيين، المحور الأول هو “ركائز الانطلاق” والثاني “أساليب المواجهة”

أما ركائز نقطة الانطلاق فتعتمد على الاستعداد النفسي: أي امتلاك القابلية لإيجابية التغيير، وامتلاك الرغبة في التطوير، طالما أنّ الإنسان مستقر في حفظ الله العلي القدير، إضافة إلى نبذ كلّ شيء لا يكون على مراد الله، لتكون النهاية مشرقة لا يعتريها الألم والفشل، ويدل على ذلك قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  *وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود:36-37]

إضافة إلى الاستعداد النفسي فإنه لا بدّ من تعزيز التفكير الإيجابي وذلك بامتلاك القناعة الدّاخلية بضرورة المتابعة في هذا التغيير، والجزم بأنّك طالما مستمدّ ثقتك من الله تعالى فالمآل إلى خير بإذن الله، مع الأخذ بالحسبان بأنّ الظروف قد لا تسمح لك دوماً أن تتخطى الصعاب وكأنك تسير على بساط من حرير، فإن لم تكن القوّة نابعة من ثقتك بالله تعالى فلن يكون منحى المواجهة يسيرًا. وتذكر وأنت في هذا المقام قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [هود:38-39]

أما المحطة الثانية فهي مواجهة تحدّيات منتصف الطريق في الرحلة وذلك يحتاج من المؤمن أن يبني استراتيجية للسير عليها ويكون أولاً بالبدء من نقطة سليمة: وهنا ينبغي أن نعرف ما يضرّنا في المرحلة القادمة وما ينفعنا، لنبتعد عمّا يُساهم برجوعنا للوراء ونصحب ما يعضد نيّة الانطلاق وهدف الوصول معنا حيث يقول تعالى في كتابه الكريم: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]

إضافة إلى الاستراتيجية فإن على المؤمن الإقرار بالقوّة الفاعلة في المُنطلَق والمآل: إذ إنّ العون يُستقى من فضل الله تعالى، وكلّ مرحلة يقطعها الإنسان وهو مقرٌّ بهذه المسلّمة فإنه يرتقي بفؤاده نحو السموّ. ونستصحب ههنا قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود:41]

وإلى جانب ما تقدّم فإن على المرء إزالة المعتقدات التي تقف حائلاً في وجهه نحو هدفه: إذ إنّ التمسّك بأهل الفضل والفهم يسمو بالأرواح والعقول، والميل لجهة القلب إن لم يكن ممّا يرضي الله تعالى فإنه سيعيد الإنسان إلى الجهة التي أراد الابتعاد عنها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المعتقد قد يكون فكرة صنعها الإنسان من بنيان ذي قواعد هشّة إلا أن طول الاعتياد جعله مسلّمة لا تقبل النّقاش ولا التغيير، وكذلك العلاقات قد تكون علاقة لزوم واعتياد إلا أن رحلة التغيير قد تتطلب من الإنسان الابتعاد عنهم لشدة الاختلاف وافتراق المصير.

تذكر أن الله في القرآن صوّر لنا حوار نوح مع ولده والعاصفة ترفع منسوب المياه وابنه يبتعد عنه دون التفات، فقال لنا: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *  وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *  قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [هود:42-43-44-45-46-47]

نهاية الرحلة بداية لطريق جديد
إن المؤمن –كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كيّسٌ فطِن”، فإذا ما آنس ناراً أو حكمة أو علمًا وأدبًا اختار المضيّ نحوه بهمّة قويّة، ومَن كان هذا دأبه فإنه الله لا يضيّعه، خاصة إن كانت الخطوات في هذا الطريق مرافقة لصفاء النيّة.

إن خشيتَ –أيها المؤمن- أن يصيبك وهن أو ضعف خلال الرّحلة، فدواء ما يعتري الرحلة من وهن أو تعثّر متجذّر في الثّقة بالله واستحضار نيّة الانطلاق والعزم على المضيّ والاستمرار.

وتأتي النهاية لتمسح ما كان عائقاً في العزم على التغيير، وطالما غيّرت نفسك واتّبعت ألف باء المسير، فأبشِر بوصول بهيّ وعقل مدرك فطنٍ ذكيّ.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود:48]

أخبرنا عن رحلتك
إن بنيت يوماً سفينة التغيير، فشارك من حولك بها، وتكلم عن طريق الرحلة وكيفية إدارة ذاتك نحو السموّ، لعلّها تكون إلهاماً لكثير ممّن عزم على التغيير نحو الأفضل إلا أنه لم يلتقِ بأخٍ من أقرانه يحكي له عن مسارات الطريق.