1

مسؤولية الاستحقاق .. قف وارجع للأرض!

أبتدئ هذا المقال بقوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] وأنسلّ من هنا لأشير إلى أن انتشار الفردانية في مجتمعنا أدّى لانتشار مبدأ الاستحقاقية الذي أصبح البشر يتعاملون به مع رب العالمين! فنرى أحدهم يقول: “يا رب أنا لا أستحق هذا!” “يا رب ماذا فعلت لأستحق هذا؟” “يا رب أنا فعلت وسعيت فإنني أستحق هذه النتيجة لمَ لم أحصل عليها!” إلى جانب جُمل أخرى مغلّفة بالزخرف كـ”أنت تستحق الأفضل دائمًا، فكر هكذا وستحصل على حياة سعيدة!”

ويالانعدام مفهوم الحياة الدنيا! وكأن ما فعله الذين كفروا من بني إسرائيل يتكرر اليوم!

المفاهيم انقلبت ونسي العبد أنه عبد، نسي أنه يُسأل ولا يسأل، نسي حقيقة الحياة الدنيا!

من وقع في شباك هذا المبدأ؛ طبيعي أنه سيصل للسخط على رب العالمين، لأن نظرته المشوّهة جعلته يرى الدنيا كفردوس أرضي، وتكون نظرته أنا عملت إذًا -وبشكل طردي- سأحصل على كل ما أتمنى لأني أستحق! متناسيًا أن الحياة هي دار ابتلاء واختبار وليست دار الجزاء {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7]

لو كانت الدنيا دار الجزاء؛ لكان الأنبياء أحق برغد الحياة، ولكانوا أحق بتحقق جهودهم في الحياة، ولكن الأنبياء يبعثون ومعهم واحد أو إثنين وبعضهم يبعث وليس معه أحد اتبعه!

لو أن الدنيا ستكون رغدًا للمُطيع لكان الأنبياء أولى، ولكنهم أكثر الناس بلاءً!

لو كان الجزاء في الدنيا لكان الصحابة أولى بهذا، ولكن منهم من قضى نحبه قبل الهجرة كسمية وزوجها رضي الله عنهما، ومنهم من قضاه قبل الفتح وقبل أن يرى ثمرة جهاده في الدنيا، ولكنهم علموا أن الجزاء في الآخرة، وأنهم سيجزون على سعيهم لا على النتيجة! {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 39-41]

ولو تأملنا في سورة الصف سنجد أن الله تعالى يخبرنا أن الجزاء هو جنّات عدن، ولكن الأخرى التي تحبونها هي جزاء معجّل لأنه شكور، وليست الجزاء الحقيقي!

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10-13].

يعبد الله على حرف!

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11]

بعض الناس يعامل الله سبحانه وكأنه يمّن عليه بإسلامه، فإن تعرض لمصيبة أو كربٍ أو لم يتحقق له ما كان يطمح له سخط على الله، بل وربّما شكك في وجوده! وهو ما يسمى في العصر الحديث (هشاشة الإيمان) وفي المصطلح القرآني (عبادة الله على حرف) وحرف تعني لغة الطرف والحافة؛ أي كمن يقف على حافة الجبل؛ أي شيء سيوقعه، وهذا من خسِر الدنيا والآخرة.

 من يعامل الله كأنه يستحق لم يفهم معنى العبودية وحقّها، فالله لم يوجب الرحمة على نفسه ولم يشترِ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة لأننا نستحق، بل لأنه هو الرحمن الرحيم الوهّاب الودود اللطيف بعباده، فإن وصلت لمرحلة تفكر فيها ب: أنا لا أستحق كل نعم الله هذه بدلاً من: أنا أستحق أكثر! فاعلم أنك اقتربت من تحقيق العبودية لأن إدراك النعم ورؤية أنك لا تستحقها وإنما هي من فضل الله عليك هو مقام من مقامات العبودية الحقّة.

وهذا الخلل ينشأ من سوء فهم للابتلاءات، فيعتقد الشخص أن الابتلاء هو المصائب فقط والنقص في الأموال والأنفس، رغم أن الله سمّى العطاء ابتلاءً أيضًا {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر:15-17]

فالله سمّى سعة الرزق ابتلاءً، ليرى ماذا يفعل العبد في نعمته، هل سيشكر أم يكفر؟ والله يخبرنّا بأن البسط في الرزق والقدر فيه ليس محددًا لحب الله ورضاه من عدمه، فالله يبسط الرزق لمن يشاء لحكمة، والله يبتلي ويعاقب من يشاء لحكمة.

 ومن الكفران استعمال النعم في معصية الله، ولقد توصّل لهذه الحقيقة النبي سليمان عليه السلام، حينما جيء بعرش سبأ إليه فقال: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40] لم يقل لأنني نبي وأستحق! بل أدرك أن كل شيء عنده من فضل الله ونعمته وأنه بلاء.

وفي الجهة المُقابلة كان قارون، لمّا فتح الله عليه بالمال قال: {إنما أوتيته على علم عندي} أي أوتيتها لمقدرتي ولعملي ولأني أستحقها! فكفر فخسف الله به وبداره الأرض. وكان هنالك فريقٌ ممن كانت نظرتهم دنيوية مادية بحتة، وفريق ممن منّ الله عليهم بالبصيرة، تأمل بنفسك:

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)} [القصص:79-82]

وقد ذكرت بالفعل أننا أصبحنا نفعل كبني إسرائيل، فوجب أن أوضح، فبنو إسرائيل كانوا يقولون إنهم أحباء الله، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، وكل هذا وهم لم يقيموا التوراة ولم يتبعوا حكم الله ويعبدوه حق عبادته، بل كان مبدؤهم (الاستحقاق).

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿80﴾ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:80-81]

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5]

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:18].

ما المخرج إذًا؟

إذا كنت ممّن وقعوا في هذا الشباك فلا تقلق، أول الحلول هو الاعتراف بالمشكلة.

في البداية يجب أن تدرك أن الله مستحق للعبادة والمحبة لذاته ونحن مُلكه، لأنه سبحانه الخالق الذي خلقك ولم تكن شيئًا، يجب أن تدرك أن الله الحكيم، وأنك لن تدرك جل حكمته لأنك مخلوق لست الخالق، ولكنك تؤمن أنه الحكيم والمدبر وإن لم تعلم الحكمة بنظرتك القاصرة، وهذا معنى التسليم {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ} [التوبة:59]

يجب أن تتأمل بنعم الله حولك وتعمل بالوصية النبوية “انظروا إلى من هو أسفل منكم”

وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ.” رواه مسلم.

ويجب أن تدرك مفهوم الحياة الدنيا والنعم والابتلاء، وأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة!

وأن بلاء الله رحمة للمؤمن لكي يطهره من ذنوبه، فعذاب الدنيا لا يساوي مثقال ذرة من عذاب الآخرة.

بل وأيضًا يكون رحمة للكافر حتى يعود إلى الله {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21]

وفي الختام وبمّا أنّك عُدت إلى الأرض.. تذكر {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]

فالله قد يختبرك بقدر رزقك، بتأخير في الوظيفة، الزواج، الإنجاب، تعثر في الدراسة، وقد يختبرك ببسط الرزق عليك وتسهيل كل شيء لك، فمعرفتك لهذا تجعلك تحسن التحضير ليوم الجزاء، تجعلك تعرف معنى أن تجاهد نفسك، لأنك {كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه} [الإنشقاق:6] يوم تجزى على صبرك وحسن عملك. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط” حسّنه الترمذي.